Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
نَفْسِهِ انْتَهَى.
(وَلَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ عَبْدًا مُودَعًا عِنْدَهُ ضَمِنَ عَاقِلَتَهُ) يَعْنِي أَوْدَعَ مَوْلَى الْعَبْدِ عَبْدَهُ عِنْدَ صَبِيٍّ فَقَتَلَهُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ضَمِنَ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ قِيمَةَ الْعَبْدِ.
(وَإِنْ أَكَلَ) الصَّبِيُّ (طَعَامًا أَوْ أَتْلَفَ مَالًا أُودِعَ عِنْدَهُ فَلَا ضَمَانَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا مُتَقَوِّمًا حَقًّا لِلْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ الْعَبْدِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ لِنَفْسِهِ بَلْ مَعْصُومٌ لِحَقِّ الْمَالِكِ وَقَدْ فَوَّتَ الْعِصْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ وَضَعَ مَالَهُ فِي يَدِ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ عِصْمَتَهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ إذْ هُوَ مَبْقِيّ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ فَلِهَذَا قُلْنَا بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ.
(وَلَوْ) (أُودِعَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عِنْدَ عَبْدٍ مَحْجُورٍ مَالٌ فَاسْتَهْلَكَهُ) أَيْ الْمَالَ (ضَمِنَ) الْعَبْدُ (بَعْدَ الْعِتْقِ لَا فِي الْحَالِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَهُ (وَالْإِقْرَاضُ وَالْإِعَارَةُ كَالْإِيدَاعِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالدَّلِيلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا مَرَّ آنِفًا (وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ الْعَاقِلُ) كَمَا شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَبِيٍّ عُمْرُهُ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ وَلِهَذَا قَالَ (وَفِي غَيْرِ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ الْمَالَ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا يَضْمَنُ الْعَاقِلُ) أَيْضًا (مَالًا أَتْلَفَهُ بِلَا إيدَاعٍ وَنَحْوِهِ) بِالِاتِّفَاقِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّسْلِيطَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِ عَقْلِهِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ فَلِهَذَا قُلْنَا بِالضَّمَانِ.
[بَاب الْقَسَامَة]
لَمَّا كَانَ أَمْرُ الْقَتِيلِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يَئُولُ إلَى الْقَسَامَةِ أَوْرَدَهَا فِي آخِرِ الدِّيَاتِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِقْسَامِ.
وَفِي الشَّرْعِ أَيْمَانٌ يُقْسِمُ بِهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ وُجِدَ فِيهِمَا قَتِيلٌ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ يَقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا وَسَبَبُهَا وُجُودُ الْقَتِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَرُكْنُهَا إجْرَاءُ الْيَمِينِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسِينَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا كَمَا سَيَجِيءُ وَشَرْطُهَا بُلُوغُ الْمُقْسِمِ وَعَقْلُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ الْمَوْجُودُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَكْمِيلُ الْيَمِينِ خَمْسِينَ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُقْسِمُونَ هَذَا الْعَدَدَ يُكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَمْسِينَ، وَحُكْمُهَا الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَالْحَبْسُ إلَى الْحَلِفِ إنْ أَبَوْا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ، وَالْحُكْمُ بِالدِّيَةِ عِنْدَ النُّكُولِ إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ خَطَأً. وَمِنْ مَحَاسِنِهَا خَطَرُ الدِّمَاءِ وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَخَلَاصُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَتَعْيِينُ الْخَمْسِينَ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ
стр. 1437
الْقَسَامَةِ.
(إذَا) (وُجِدَ مَيِّتٌ فِي مَحَلَّةٍ بِهِ) أَيْ بِالْمَيِّتِ (أَثَرُ الْقَتْلِ مِنْ جُرْحٍ أَوْ خُرُوجِ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْهُمَا عَادَةً إلَّا مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَكُونُ قَتِيلًا ظَاهِرًا فَيُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ (أَوْ أَثَرُ خَنْقٍ أَوْ) أَثَرُ (ضَرْبٍ وَلَمْ يُدْرَ قَاتِلُهُ) إذْ لَوْ عُلِمَ قَاتِلُهُ سَقَطَتْ الْقَسَامَةُ عَنْ أَهْلِهَا (فَادَّعَى وَلِيُّهُ قَتْلَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (عَلَى أَهْلِهَا) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كُلِّهِمْ (أَوْ بَعْضِهِمْ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً (وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (حُلِّفَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ جَوَابُ إذَا (خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (يَخْتَارُهُمْ الْوَلِيُّ) صِفَةُ خَمْسُونَ وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَارُ لِلْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ سَوَاءٌ اخْتَارَ مَنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ كَالْفَسَقَةِ أَوْ الشُّبَّانِ أَوْ صَالِحِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِتَحَرُّزِهِمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَرِزُهُ الْفَسَقَةُ، فَإِذَا عَلِمُوا الْقَاتِلَ فِيهِمْ أَظْهَرُوهُ وَلَمْ يَحْلِفُوا.
وَلَوْ اخْتَارَ فِي الْقَسَامَةِ أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ فَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْيَمِينِ بِخِلَافِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَهُمَا لَيْسَا بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ (بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا) فَقَوْلُهُ بِاَللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِحُلِّفَ وَقَوْلُهُ مَا قَتَلْنَاهُ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنْ الْجَمْعِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْحَلِفِ يُحَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا وَلَا يُجْمَعُ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي إسْنَادِ نَفْيِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا وَحْدَهُ وَيَنْوِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَا الْعِلْمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ وَيَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عَالِمًا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي قَوْلِهِ مَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا مَعَ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؟ قُلْنَا فَائِدَتُهُ تَعْيِينُ مَحَلِّ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ تَعْيِينِهِ وَقَدْ يَظُنُّ غَيْرَ الْقَاتِلِ قَاتِلًا (ثُمَّ قُضِيَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى أَهْلِهَا) أَيْ الْمَحَلَّةِ (بِالدِّيَةِ) لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَمَا الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْكُمْ فَكَتَبُوا إلَيْهِ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى أَمْرًا فَإِنْ كُنْت نَبِيًّا فَاسْأَلْ اللَّهَ مِثْلَ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَانِي أَنْ أَخْتَارَ مِنْكُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ قَالُوا لَقَدْ قَضَيْت فِينَا بِالنَّامُوسِ أَيْ بِالْوَحْيِ» (وَمَا تَمَّ خَلْقُهُ كَالْكَبِيرِ) أَيْ إذَا وُجِدَ سِقْطٌ أَوْ جَنِينٌ تَامُّ الْخَلْقِ بِهِ أَثَرٌ مِنْ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ كَالْكَبِيرِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ مَيِّتًا ظَاهِرًا (وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ وَإِنْ كَانَ لَوْثٌ) أَيْ عَدَاوَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اُسْتُحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ دَعْوَى الْقَتْلِ أَوْ خَطَأً فِي قَوْلٍ وَفِي قَوْلٍ يُقْضَى
стр. 1438
بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ حُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ نَكَلُوا فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِهِ وَالدِّيَةُ فِي قَوْلٍ، وَاللَّوْثُ عِنْدَهُمَا قَرِينَةُ حَالٍ تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كَالدَّمِ أَوْ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ حُلِّفَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا وَالِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي أَوَّلًا وَفِي بَرَاءَةِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِالْيَمِينِ (فَإِنْ نَقَصَ أَهْلُهَا) أَيْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ (عَنْ الْخَمْسِينَ كُرِّرَتْ الْيَمِينُ) عَلَيْهِمْ (إلَى أَنْ يَتِمَّ) خَمْسُونَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ فَيَجِبُ إتْمَامُهَا مَا أَمْكَنَ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْعَدَدِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِالْقَسَامَةِ وَعِنْدَهُ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا فَكَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ لِيَتِمَّ بِهِ خَمْسُونَ ثُمَّ قَضَى بِالدِّيَةِ وَعَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ مِثْلُهُ (وَمَنْ نَكَلَ) مِنْهُمْ عَنْ الْيَمِينِ (حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاجِبَةٌ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَلِهَذَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالدِّيَةِ بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ. هَذَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ سَوَاءٌ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ الْبَاقِينَ فِي الْقِيَاسِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ (وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَحْلَفِينَ (قَتَلَهُ فُلَانٌ اسْتَثْنَاهُ) ضَمِيرُ الْفَاعِلِ عَائِدٌ إلَى مَنْ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ إلَى فُلَانٍ (فِي يَمِينِهِ) بِأَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا إلَّا فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ قَتَلَهُ فُلَانٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (سَقَطَتْ) الْقَسَامَةُ (عَنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، أَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ لَا تَبْطُلُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ أَهْلِهَا.
وَعَنْ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (بِهِ) أَيْ بِالْقَتْلِ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّذِي ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَيْهِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِبَرَاءَتِهِمْ مِنْ التُّهْمَةِ بِادِّعَاءِ الْوَلِيِّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْوَصِيِّ إذَا خَرَجَ عَنْ الْوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ يَشْهَدُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ صَارَ خَصْمًا فِي حَادِثَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا وَمَنْ كَانَ بِعُرْضَةٍ أَنْ يَصِيرَ خَصْمًا وَلَمْ يَنْتَصِبْ خَصْمًا بَعْدُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْكُلِّ غَيْرَ أَنَّهُمَا
стр. 1439
يَجْعَلَانِ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ مِمَّنْ لَهُ عُرْضَةٌ أَنْ يَصِيرَ خَصْمًا وَهُوَ يَجْعَلُهُ مِمَّنْ انْتَصَبَ خَصْمًا وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إذَا خَاصَمَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عُزِلَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَالشَّفِيعُ إذَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ تَرَكَهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْبَيْعِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُخَاصِمْ الْوَكِيلُ وَلَمْ يَطْلُبْ الشُّفْعَةَ الشَّفِيعُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِكَوْنِهِمَا فِي عُرْضَةِ الْخُصُومَةِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي الْمَحَلَّةِ وَادَّعَى أَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ دُونَهُمْ وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلَّتِهِمْ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَتَثْبُتُ لَهُمْ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَدَّعِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَإِنَّ الدِّيَةَ وَالْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى حَالِهَا وَلَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ بَرَاءَتُهُمْ، وَرُوِيَ عَنْ الطَّرَفَيْنِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَسْقُطُ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَدَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ تُسْقِطُ الْقَسَامَةَ عَنْهُمْ وَعَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا، هَذَا إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ، أَمَّا إذَا ادَّعَى الْمَجْرُوحُ فَقَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ مَاتَ وَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ (وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (عَلَى بَعْضِهِمْ لَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ الْكُلِّ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ كَانُوا خُصَمَاءَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَبِالشَّهَادَةِ تُقْطَعُ الْخُصُومَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَ قَوْلِهِ إجْمَاعًا (وَوُجُودُ أَكْثَرِ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفِهِ مَعَ الرَّأْسِ) فِي الْمَحَلَّةِ (كَوُجُودِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ فَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ.
(وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَ) لَا عَلَى (مَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَجْرِي عَلَى قَوْلٍ صَحِيحٍ وَلَا يَجْرِي مِنْهُمَا قَوْلٌ صَحِيحٌ عَلَى قَاتِلٍ.
(وَ) لَا عَلَى (امْرَأَةٍ، وَ) لَا عَلَى (عَبْدٍ) حَيْثُ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا إلَّا إذَا جُعِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَاتِلًا.
(وَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ فِي مَيِّتٍ لَا أَثَرَ بِهِ) مِنْ الضَّرْبِ (أَوْ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِعِلَّةٍ فَلَا يَكُونُ قَتِيلًا؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ عُرْفًا هُوَ فَائِتُ الْحَيَاةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْحَيِّ عَادَةً وَالْقَسَامَةُ شُرِعَتْ فِي الْمَقْتُولِ وَهُوَ إنَّمَا بَايَنَ الْمَيِّتَ حَتْفَ أَنْفِهِ بِالْأَثَرِ فَمَنْ لَا أَثَرَ لَهُ فَهُوَ مَيِّتٌ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى صِيَانَةِ دَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ، وَمَنْ بِهِ أَثَرٌ فَهُوَ مَقْتُولٌ وَبِنَا حَاجَةٌ إلَى صِيَانَةِ دَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ وَذَا بِأَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ، وَكَذَا إذَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَادَةً إلَّا بِجُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ (أَوْ وُجِدَ) فِي مَحَلَّةٍ (أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْأَقَلُّ (مَعَ الرَّأْسِ أَوْ) وُجِدَ (نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ) أَوْ وُجِدَ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ رَأْسُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَيْسَ بِقَتِيلٍ إذْ الْأَقَلُّ لَيْسَ كَالْكُلِّ وَلِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فِي قَتِيلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا بِوُجُودِ النِّصْفِ
стр. 1440
فِي هَذِهِ الْمَحَلَّةِ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِهَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ نُوجِبَ إذَا وُجِدَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي مَحَلَّةٍ أُخْرَى الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِهَا وَتَكْرَارُ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فِي قَتْلٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي لَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ تَجِبُ وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ وُجِدَ) الْقَتِيلُ (عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا) أَيْ الدَّابَّةَ (رَجُلٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ عَاقِلَةِ السَّائِقِ سَوَاءٌ كَانَ السَّائِقُ مَالِكًا لِلدَّابَّةِ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ لَا عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ لَا فِي أَيْدِيهِمْ.
(وَكَذَا) أَيْ يَضْمَنُ عَاقِلَةَ الْقَائِدِ أَوْ عَاقِلَةَ الرَّاكِبِ (لَوْ كَانَ يَقُودُهَا أَوْ رَاكِبَهَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي دَارِهِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعُوا) أَيْ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ (فَعَلَيْهِمْ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَصَارَ كَمَا إذَا وُجِدَ فِي دَارِهِمْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا مَالِكِينَ لِلدَّابَّةِ بِخِلَافِ الدَّارِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ تَدْبِيرَ الدَّابَّةِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَالِكِينَ لَهَا وَتَدْبِيرَ الدَّارِ إلَى مَالِكِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا، وَقِيلَ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى مَالِكِ الدَّابَّةِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّارِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) قَتِيلٌ (عَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) أَيْ أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إلَى الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «أَمَرَ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ بِأَنْ يُذَرَّعَ فَوُجِدَ أَقْرَبَ إلَى أَحَدِهِمَا بِشِبْرٍ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ» وَاشْتُرِطَ سَمَاعُ الصَّوْتِ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِهَذَا الْقَيْدِ تَبَعًا لِلْكَنْزِ قَالَ شَارِحُهُ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ وَأَمَّا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ يُمْكِنُهُمْ الْغَوْثُ فَيُنْسَبُونَ إلَى التَّقْصِيرِ فِي النُّصْرَةِ، وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ فَلَا يُنْسَبُونَ إلَى التَّقْصِيرِ فِي النُّصْرَةِ انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَيْدِ فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ حَيْثُ قَالَ، وَلَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ يُنْظَرُ إلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إذَا كَانَ بِحَالٍ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ لَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ، وَيُرَاعَى حَالُ الْمَكَانِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنَّهُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهَا أَيْضًا وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ إلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فَهُوَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا الْعِبْرَةُ لِلْمِلْكِ وَالْوِلَايَةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) قَتِيلٌ (فِي دَارِ نَفْسِهِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَتِيلِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ جُعِلَ كَأَنَّهُ
стр. 1441
قَتَلَ نَفْسَهُ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُهْدَرُ دَمُهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ قَتِيلًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجُودُ الْقَتِيلِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ وَجَدَ قَتِيلًا وَكَانَتْ الدَّارُ مَمْلُوكَةً لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَلِهَذَا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي دَارِ إنْسَانٍ فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ (الْقَسَامَةُ) ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمِلْكِ الْخَاصِّ إلَى الْمَالِكِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) ؛ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا يَدْخُلُونَ فِي الْقَسَامَةِ أَيْضًا) أَيْ كَصَاحِبِ الدَّارِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي الْقَسَامَةِ كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ عَوَاقِلُهُمْ فِيهَا وَلَهُمَا أَنَّ الْحُضُورَ أَلْزَمَهُمْ نُصْرَةَ الْمَوْضِعِ كَمَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ فَيَتَشَارَكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا بَلْ كَانُوا غَائِبِينَ (كُرِّرَتْ) الْأَيْمَانُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ يَعْنِي إذَا كَانَ فِي الْمَحَلَّةِ سُكَّانٌ وَمُلَّاكٌ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ عِنْدَهُمَا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْجَمِيعِ) ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَلِأَنَّهُ ﵊ «قَضَى بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ» وَقَدْ كَانُوا سُكَّانًا وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا عَلَيْهِمْ لِالْتِزَامِهِمْ الْحِفْظَ أَوْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَالْكُلُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِاللَّيْلِ مِثْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ يَكُونُونَ بِالنَّهَارِ فِي مَوْضِعٍ وَيَنْصَرِفُونَ إلَى أَهْلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَهُمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمَحَلَّةِ إلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ؛ لِأَنَّ السُّكَّانَ يَنْتَقِلُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ دُونَ الْمُلَّاكِ وَلِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْغُنْمِ وَهُوَ الشُّفْعَةُ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُلَّاكُ فَكَذَا مَا يَكُونُ مِنْ الْغُرْمِ وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَكَانُوا مُلَّاكًا لَا سُكَّانًا، الْمُلَّاكُ هُمْ أَصْحَابُ الرَّقَبَةِ وَالسُّكَّانُ هُمْ الْمُسْتَأْجِرُونَ وَالْمُسْتَعِيرُونَ وَالْمُودَعُونَ وَالْمُرْتَهِنُونَ.
وَإِذَا وُجِدَ الضَّيْفُ فِي دَارِ الْمُضِيفِ قَتِيلًا فَهُوَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَا نَازِلًا فِي بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَا دِيَةَ وَلَا قَسَامَةَ وَإِذَا كَانَ مُخْتَلِطًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
(وَهِيَ) أَيْ الْقَسَامَةُ (عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ) أَيْ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الْقَدِيمَةِ الَّذِينَ تَمَلَّكُوهَا حِينَ فَتَحَ الْإِمَامُ الْبَلْدَةَ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
(وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ (وَاحِدٌ دُونَ الْمُشْتَرِينَ) هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (عَلَى الْمُشْتَرِينَ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَلِهَذَا جُعِلُوا مُقَصِّرِينَ وَوِلَايَةُ الْحِفْظِ بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ فِيهَا
стр. 1442
وَقَدْ اسْتَوَوْا فَصَارَ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ لِلْخُطَّةِ تَأْثِيرٌ فِي التَّقَدُّمِ لَمَا شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَالْمَحَلَّةُ تُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِينَ وَقَلَّمَا يُزَاحِمُهُ الْمُشْتَرِي فِي التَّدْبِيرِ وَالْقِيَامِ بِحِفْظِ الْمَحَلَّةِ فَكَانَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقَسَامَةِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَقِيلَ إنَّمَا أَجَابَ الْإِمَامُ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي زَمَانِهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْخُطَّةِ فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ يَقُومُونَ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَلَا يُشَارِكُهُمْ الْمُشْتَرُونَ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ فَعَلَى الْمُشْتَرِينَ) بِالِاتِّفَاقِ أَيْ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ بِأَنْ بَاعُوا كُلُّهُمْ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْمُشْتَرِينَ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ أَوْ يُزَاحِمُهُمْ فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَيْهِمْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَصَلَتْ لَهُمْ الْوِلَايَةُ لِزَوَالِ مَنْ يُزَاحِمُهُمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ خَفِيٌّ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
(وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ وَلَمْ تُقْبَضْ) فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ (فَعَلَى الْبَائِعِ) أَيْ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُزِّلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ وَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ فَلِهَذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، وَلَهُ إنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ لَا بِالْمِلْكِ وَالْيَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ فَكَانَ مُقَصِّرًا فِي الْحِفْظِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ (وَفِي الْبَيْعِ بِخِيَارٍ عَلَى) عَاقِلَةِ (ذِي الْيَدِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا عَلَى مَنْ يَصِيرُ الْمِلْكُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُزِّلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ فَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَالْوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ وَدِيعَةً تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ دُونَ الْمُودَعِ وَمَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَرَارُ الْمِلْكِ، وَلَهُ أَنَّ الْحِفْظَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَيْدِي؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ بِدُونِ الْمِلْكِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْيَدَ وَهُمَا اعْتَبَرَا الْمِلْكَ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَرَارِ الْمِلْكِ.
(وَلَا تَدِي عَاقِلَةُ ذِي الْيَدِ إلَّا بِحُجَّةِ أَنَّهَا) أَيْ الدَّارَ (لَهُ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لَا تَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ وَالْيَدُ، وَإِنْ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهَا تَحْتَمِلُهُ فَلَا تَكْفِي لِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا لَا تَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالظَّاهِرِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ كَمَا عُرِفَ فِي الْحُصُولِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ الْمَوْجُودُ فِيهَا هُوَ صَاحِبَ الدَّارِ أَوْ غَيْرَهُ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ سِهَامًا مُخْتَلِفَةً) بِأَنْ كَانَ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ وَعُشْرُهَا لِآخَرَ وَلِآخَرَ مَا بَقِيَ (فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الرُّءُوسِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُضَافٌ إلَى وِلَايَةِ الْحِفْظِ وَعِنْدَ التَّقْصِيرِ فِيهِ ثَبَتَ أَحْكَامُ الْقَتْلِ بِدَلَالَةِ الْمِلْكِ، وَوِلَايَةُ الْحِفْظِ ثَابِتَةٌ لَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَالدَّلَالَةُ وَاحِدَةٌ لَا يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا بِتَفَاوُتِ الْمِلْكِ فَكَانَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ
стр. 1443
كَالشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي سَفِينَةٍ فَعَلَى مَنْ فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (مِنْ الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ) جَمْعُ رَاكِبٍ أَيْ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ أَرْبَابِهَا وَسُكَّانِهَا، الْمَالِكُ وَغَيْرُ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي تَدْبِيرِهَا سَوَاءٌ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ فَظَاهِرٌ لِتَسْوِيَتِهِ فِي الدَّارِ بَيْنَ السُّكَّانِ وَالْمُلَّاكِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِأَنَّ السَّفِينَةَ تَنْقُلُ وَتُحَوِّلُ فَتَكُونُ فِي الْيَدِ حَقِيقَةً فَإِنَّهَا مَرْكَبٌ كَالدَّابَّةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ فَعَلَى أَهْلِهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ.
(وَإِنْ) وُجِدَ الْقَتِيلُ (بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) أَيْ الْقَرْيَتَيْنِ إلَى الْقَتِيلِ لِمَا رَوَيْنَا سَابِقًا.
(وَإِنْ) وُجِدَ (فِي سُوقٍ مَمْلُوكٍ فَعَلَى الْمَالِكِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى السُّكَّانِ) سَوَاءٌ كَانُوا مُلَّاكًا أَوْ غَيْرَ مُلَّاكٍ قَالَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُشَارِكَ الْمُلَّاكُ السُّكَّانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ (وَفِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ) مِنْ الْأَسْوَاقِ (كَالشَّوَارِعِ) جَمْعُ شَارِعٍ وَهُوَ الطَّرِيقُ الْأَعْظَمُ (عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِدُونِ قَسَامَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَسَامَةِ نَفْيُ تُهْمَةِ الْقَتْلِ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ.
وَفِي الدُّرَرِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ يَنْقَسِمُ ابْتِدَاءً إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا طَرِيقٌ خَاصٌّ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ لَا مَخْرَجٌ، وَالْآخَرُ طَرِيقٌ عَامٌّ وَهُوَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ وَمَخْرَجٌ وَيُسَمَّى هَذَا بِالشَّارِعِ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: شَارِعُ الْمَحَلَّةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ أَكْثَرَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَفِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي شَارِعِ الْمَحَلَّةِ وَالْآخَرُ الشَّارِعُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ مَا يَكُونُ مُرُورُ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فِيهِ عَلَى السَّوِيَّةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَخَارِجِ الْبُلْدَانِ، وَهَذَا مَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وُجِدَ فِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ هَذَا الْمَقَامُ حَتَّى تَنْدَفِعَ الشُّبْهَةُ وَتَضْمَحِلَّ الْأَوْهَامُ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا كَالشَّوَارِعِ الْعَامَّةِ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَائِيَةً عَنْ الْمَحَالِّ وَأَمَّا الْأَسْوَاقُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَحَالِّ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَتَكُونُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ لِإِمَامِهِ وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ إلَيْهِمْ وَالْجَامِعُ وَالشَّارِعُ لِلْعَامَّةِ ثُمَّ قَالَ بِخِلَافِ الْأَسْوَاقِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَهْلِهَا وَاَلَّتِي فِي الْمَحَالِّ وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا حَيْثُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى الْمُلَّاكِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي هُنَا؛ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ أَرْبَابِهَا أَوْ بِحِفْظِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِ الْمَحَلَّاتِ وَقَالَ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى
стр. 1444
بَيْتِ الْمَالِ فِيمَا إذَا كَانَ الشَّارِعُ نَائِيًا عَنْ الْمَحَلَّاتِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَعَامَّةِ كُتُبِ الْفَتَاوَى انْتَهَى. وَإِنَّمَا أَطْنَبْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُتُونِ أَنَّ الدِّيَةَ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْعَبْدِ عَنْ الْمَحَلَّاتِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا التَّقْيِيدِ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (، وَكَذَا) تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (إنْ وُجِدَ) الْقَتِيلُ (فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ دُونَ وَاحِدٍ.
(وَكَذَا إنْ وُجِدَ فِي السِّجْنِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَهْلِ السِّجْنِ) لَهُمَا أَنَّ أَهْلَ السِّجْنِ مَقْهُورُونَ فِي السُّكُونِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَلَّمَا يَقُومُونَ بِحِفْظِهِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُعَدٌّ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَدِيَةُ الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ تَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ كَوْنَهُمْ سُكَّانًا وَهُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا دَامُوا فِيهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْهُمْ قَالُوا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُلَّاكِ وَالسُّكَّانِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ) وُجِدَ (فِي بَرِيَّةٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الصَّحْرَاءُ (لَيْسَ بِقُرْبِهِ) هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِضَمِيرِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ صَحَّ يَكُونُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعِ أَوْ الْمَكَانِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِبَرِيَّةٍ (قَرْيَةٌ يُسْمَعُ مِنْهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ (الصَّوْتُ) الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ (فَهُوَ هَدَرٌ) أَمَّا إذَا سُمِعَ مِنْهَا الصَّوْتُ تَكُونُ فِنَاءَ الْعُمْرَانِ وَهُمْ أَحَقُّ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ لِرَعْيِ مَوَاشِيهِمْ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا الصَّوْتُ الْوَاقِعُ فِي الْبَرِيَّةِ فَيُعَدُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوَاتِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يُوصَفُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ بِتَصْوِيتِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ، فَإِنْ كَانَتْ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
(وَكَذَا لَوْ) وُجِدَ (فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَهْرُ الْكُوفَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْرُ الْعَظِيمُ لَا بِخُصُوصِ نَهْرِ الْفُرَاتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي نَهْرٍ عَظِيمٍ يَجْرِي بِهِ الْمَاءُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَذِكْرُ الْوَسَطِ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّطِّ كَحُكْمِ الْوَسَطِ مَا دَامَ يَجْرِي بِالْقَتِيلِ مَاؤُهُ.
(وَإِنْ) وُجِدَ (مُحْتَبِسًا بِالشَّطِّ) أَيْ جَانِبِ النَّهْرِ (فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الشَّطِّ؛ لِأَنَّ الشَّطَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِحَيْثُ يَسْتَقُونَ مِنْهُ وَيُورِدُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَيْهِ فَكَانُوا أَحَقَّ بِتَدْبِيرِهِ فَكَانَ ضَمَانُ الْمُحْتَبِسِ فِيهِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ نَهْرًا صَغِيرًا لِقَوْمٍ مَعْرُوفِينَ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالِانْتِفَاعِ بِمَائِهِ سَقْيًا لِأَرَاضِيِهِمْ وَالتَّدْبِيرَ فِي كَرْيِهِ وَإِجْرَاءَ الْمَاءِ مِنْهُ إلَيْهِمْ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلَّةِ وَالنَّهْرُ الصَّغِيرُ مَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَهُوَ نَهْرٌ عَظِيمٌ كَالْفُرَاتِ وَجَيْحُونَ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ الْتَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ ثُمَّ أُجْلُوا) أَيْ انْكَشَفُوا وَتَفَرَّقُوا (عَنْ
стр. 1445
قَتِيلٍ فَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَحَلَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِهَا فَحَيْثُ قَصَّرُوا فِي الْحِفْظِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ وَلِيُّهُ) أَيْ الْقَتِيلِ (عَلَى الْقَوْمِ) الَّذِينَ الْتَقَوْا وَأُجْلُوا (أَوْ عَلَى) وَاحِدٍ (مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ فَتَسْقُطُ) أَيْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَاهُ جُعِلَ مُبَرِّئًا لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ (وَلَا يَثْبُتُ) الْقَتْلُ (عَلَى) أُولَئِكَ (الْقَوْمِ) الَّذِينَ الْتَقَوْا وَأُجْلُوا (إلَّا بِحُجَّةٍ) إذْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَوْ خُلِّيَ النَّاسُ وَدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَلَوْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي مُعَسْكَرٍ) أَيْ مَوْضِعِ عَسْكَرٍ (بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ) لِأَحَدٍ (فَإِنْ) وُجِدَ (فِي خِبَاءٍ) هُوَ الْخَيْمَةُ مِنْ الصُّوفِ (أَوْ فُسْطَاطٍ) وَهُوَ الْخَيْمَةُ الْعَظِيمَةُ (فَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ رَبِّ الْخِبَاءِ أَوْ الْفُسْطَاطِ (وَإِلَّا فَعَلَى الْأَقْرَبِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْخِبَاءِ أَوْ الْفُسْطَاطِ الْأَقْرَبِينَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْيَدُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهِ. قَالُوا: هَذَا إذَا نَزَلُوا قَبَائِلَ مُتَفَرِّقِينَ، وَأَمَّا إذَا نَزَلُوا جُمْلَةً مُخْتَلِطِينَ فَالدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْعَسْكَرِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلُوا جُمْلَةً مُخْتَلِطِينَ صَارَتْ الْأَمْكِنَةُ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَتَجِبُ غَرَامَةُ مَا وُجِدَ فِي خَارِجِ الْخِيَامِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعَسْكَرُ (قَدْ قَاتَلُوا عَدُوًّا) وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَهُمْ (فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ فَكَانَ هَدَرًا.
(وَإِنْ) كَانَتْ (الْأَرْضُ) الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْعَسْكَرُ (مَمْلُوكَةً) لِأَحَدٍ (فَالْعَسْكَرُ كَالسُّكَّانِ وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَيْهِمْ) أَيْ لَا عَلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالتَّدْبِيرِ فِي مِلْكِهِ وَحِفْظُ مِلْكِهِ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ إذْ لَا عِبْرَةَ لِلسُّكَّانِ مَعَ الْمُلَّاكِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْمَالِكِ وَالسُّكَّانِ جَمِيعًا وَدَلِيلُهُ مَذْكُورٌ فِيمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ.
(وَمَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ ثُمَّ نُقِلَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَزَلْ ذَا فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ) مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ (فَالْقَسَامَةُ) وَالدِّيَةُ (عَلَى الْقَبِيلَةِ) الَّتِي جُرِحَ فِيهَا (عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ وَهَذَا جَرِيحٌ لَيْسَ بِقَتِيلٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَلَهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهُوَ مَرِيضٌ وَالْمَرَضُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ مِنْ أَوَّلِ سَبَبِهِ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفَاتِ، فَكَذَا فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ مَاتَ حِينَ جُرِحَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفَاتِ كَالصَّحِيحِ فَكَذَا فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ وَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ إذَا وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ يَحْمِلُهُ إلَى بَيْتٍ فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ عَلَى الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فَلَا شَيْءَ عَلَى
стр. 1446
مَنْ حَمَلَهُ وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُودَهُ جَرِيحًا فِي يَدِهِ كَوُجُودِهِ جَرِيحًا فِي الْمَحَلَّةِ كَذَا فِي الْكَافِي وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ (مَعَ الْجَرِيحِ رَجُلٌ فَحَمَلَ) ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَجْرُوحَ (إلَى أَهْلِهِ وَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (فِي أَهْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّجُلِ) الْحَامِلِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ يَضْمَنُ) وَالْعِلَّةُ فِيهِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَا أَسْلَفْنَاهُ نَقْلًا عَنْ الْكَافِي.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَيْتٍ) وَاحِدٍ (فَوُجِدَ أَحَدُهُمَا مَذْبُوحًا ضَمِنَ الْآخَرُ دِيَتَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ الْآخَرُ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا التَّوَهُّمُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ إذَا وُجِدَ قَتِيلًا فِي مَحَلَّةٍ.
(وَلَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ كُرِّرَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا وَتَدِي عَاقِلَتُهَا) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى عَاقِلَتِهَا الْقَسَامَةُ أَيْضًا) كَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْهَا فَأَشْبَهَتْ الصَّبِيَّ. لَهُمَا أَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ فِي الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْقَتْلِ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمِلْكِ وَتُهْمَةِ الْقَتْلِ كَالرَّجُلِ فِي الْقَسَامَةِ (وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ وَالْمَرْأَةُ تَدْخُلُ فِي التَّحَمُّلِ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْمَرْأَةَ تَدْخُلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِي التَّحَمُّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا حَيْثُ جَعَلْنَاهَا قَاتِلَةً شَارَكَتْ الْعَاقِلَةَ فِي الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُبَاشِرِ فَعَلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى أَنْ يَجِبَ جُزْءٌ مِنْهَا.
(وَلَوْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي أَرْضِ رَجُلٍ فِي جَنْبِ قَرْيَةٍ) صِفَةُ الْأَرْضِ (لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَالْجُمْلَةُ الْمُصَدَّرَةُ بِلَيْسَ صِفَةُ قَرْيَةٍ (فَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ الدِّيَةِ وَالْقَسَامَةِ (عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمِلْكِ الْخَاصِّ لِلْمَالِكِ دُونَ غَيْرِهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْقَاتِلُ.
[كِتَاب الْمَعَاقِلِ]
ِ الْمَعَاقِلُ هِيَ جَمْعُ مَعْقُلَةٍ كَالْمَفَاخِرِ جَمْعُ مَفْخَرَةٍ مِنْ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا وَعُقُولًا وَلَمَّا كَانَ مُوجَبُ الْقَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا مَعْنَاهُ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَبَيَانُ أَحْكَامِهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ (وَهِيَ) أَيْ الْمَعَاقِلُ (الدِّيَةُ) وَسُمِّيَتْ الدِّيَةُ عَقْلًا وَمَعْقَلَةً؛ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ الدِّمَاءَ مِنْ أَنْ تُسْفَكَ أَيْ تُمْسِكُهَا وَتَمْنَعُهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ وَيُسَمَّى الْعَقْلُ عَقْلًا لِمَنْعِهِ صَاحِبَهُ عَنْ الْقَبَائِحِ (وَالْعَاقِلَةُ مَنْ يُؤَدِّيهَا) أَيْ الدِّيَةَ (وَهُمْ) أَيْ الْمُؤَدُّونَ (أَهْلُ الدِّيوَانِ) وَهُمْ الْجَيْشُ
стр. 1447
الَّذِينَ كُتِبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الدِّيوَانِ.
وَفِي الْقَامُوسِ وَالدِّيوَانُ يُكْسَرُ وَيُفْتَحُ مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ وَالْكِتَابُ يُكْتَبُ فِيهِ أَهْلُ الْجَيْشِ وَأَهْلُ الْعَطِيَّةِ وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَمْعُهُ دَوَاوِينَ وَدَيَاوِينَ انْتَهَى. وَالْأَصْلُ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ «قَوْلُهُ ﵊ لِأَوْلِيَاءِ الضَّارِبَةِ قُومُوا فَدُوهُ» (إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ) وَالْعَاقِلَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْعَشِيرَةُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَحْيٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَلِأَنَّهُ صِلَةٌ وَالْأَقَارِبُ أَحَقُّ بِالصِّلَاتِ كَالْإِرْثِ وَالنَّفَقَاتِ، وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَرَضَ الْعَقْلَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ مَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قُلْنَا هَذَا إجْمَاعٌ عَلَى وِفَاقِ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَضَى عَلَى الْعَشِيرَةِ بِاعْتِبَارِ النُّصْرَةِ وَقَدْ كَانَ قُوَّةُ الْمَرْءِ وَنُصْرَتُهُ يَوْمئِذٍ بِعَشِيرَتِهِ ثُمَّ لَمَّا دَوَّنَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الدَّوَاوِينَ صَارَتْ الْقُوَّةُ وَالنُّصْرَةُ بِالدِّيوَانِ فَلِهَذَا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ (تُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ ﵊ وَمَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْعَطَاءِ لِلتَّخْفِيفِ وَالْعَطَاءُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً.
(فَإِنْ خَرَجَتْ ثَلَاثُ عَطَايَا فِي) مُدَّةٍ (أَقَلَّ) مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ (أَوْ) فِي مُدَّةٍ (أَكْثَرَ) مِثْلُ أَنْ تَخْرُجَ عَطَايَاهُمْ فِي سِتَّةِ سِنِينَ مَثَلًا (أُخِذَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعَطَايَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ لِلْعَاقِلَةِ ثَلَاثُ عَطَايَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلُّ الدِّيَةِ لِوُجُودِ مَحَلِّ أَدَاءِ الدِّيَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ، وَإِذَا خَرَجَتْ فِي سِتِّ سِنِينَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ سُدُسُ الدِّيَةِ إذْ الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْأَعْطِيَةِ لَا مِنْ أُصُولِ أَمْوَالِهِمْ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْأَخْذِ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْعَطَايَا فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْقَضَاءِ.
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ (فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ) ؛ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ بِهِمْ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي هَذَا الْبَابِ (يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) أَيْضًا (مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةُ) دَرَاهِمَ (كُلَّ سَنَةٍ دِرْهَمٌ) قَوْلُهُ كُلَّ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَدِرْهَمٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ (أَوْ) كُلَّ سَنَةٍ (دِرْهَمٌ وَثُلُثُ) دِرْهَمٍ (لَا أَزْيَدَ) وَ (هُوَ الْأَصَحُّ) لِمُرَاعَاةِ مَعْنَى التَّخْفِيفِ فِيهِ (وَقِيلَ) يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ (فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةُ) دَرَاهِمَ فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ
стр. 1448
دِرْهَمًا وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحَّ لِخُرُوجِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ حَدِّ التَّخْفِيفِ وَبُلُوغِهِ حَدَّ الْجِزْيَةِ فِي الثَّانِي وَقُرْبِهِ مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِينَارٍ (فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ) إلَيْهِمْ (نَسَبًا) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ) وَهُمْ الْإِخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَأَمَّا الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ فَقِيلَ يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّ الضَّمَّ لِنَفْيِ الْحَرَجِ حَتَّى لَا يُصِيبَ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ وَالْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ لَا يَكْثُرُونَ، ثُمَّ إنَّهُمْ قَالُوا إنَّ هَذَا الْجَوَابَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْعَرَبِ الْمَحْفُوظَةِ أَنْسَابُهُمْ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الْعَقْلِ عَلَى أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ، وَأَمَّا الْعَجَمُ فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ فِيهِمْ لِتَضْيِيعِهِمْ أَنْسَابَهُمْ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ نَسَبًا، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعْتَبَرُ الْمَحَالُّ وَالْقُرَى الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْبَاقِي فِي مَالِ الْجَانِي.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْعَقْلِ وَمُؤَاخَذَةِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْكُلُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَعْضُ إذْ الْجُزْءُ لَا يُخَالِفُ الْكُلَّ. قُلْنَا إيجَابُ الْكُلِّ إجْحَافٌ بِهِ وَلَا كَذَلِكَ إيجَابُ الْبَعْضِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْكُلِّ لَا يَنْفِي وُجُوبَ الْبَعْضِ.
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْقَاتِلُ (مِمَّنْ) أَيْ قَوْمٍ (يَتَنَاصَرُونَ بِالْحِرَفِ) جَمْعُ حِرْفَةٍ (أَوْ بِالْحِلْفِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهُوَ التَّحَالُفُ عَلَى التَّنَاصُرِ (فَعَاقِلَتُهُ أَهْلُ حِرْفَتِهِ أَوْ) أَهْلُ (حِلْفِهِ) لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ التَّنَاصُرِ.
(وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ) بِفَتْحِ التَّاءِ (وَ) عَاقِلَةُ (مَوْلَى الْمُوَالَاةِ مَوْلَاهُ وَعَاقِلَتُهُ) يَعْنِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُعْتَقِ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ عَاقِلَتُهُ مَوْلَاهُ وَعَاقِلَةُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِمْ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
وَفِي مَوْلَى الْمُوَالَاةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
(وَعَاقِلَةُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَاقِلَةُ أُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِمْ فَيَنْتَصِرُونَهُ (فَإِنْ ادَّعَاهُ الْأَبُ بَعْدَمَا عَقَلُوا) أَيْ عَاقِلَةَ الْأُمِّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ (رَجَعُوا عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ عَاقِلَةِ الْأَبِ (بِمَا غَرِمُوا) فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي الْقَاضِي لِعَاقِلَةِ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ الْأَبُ نَفْسَهُ ظَهَرَ أَنَّ النَّسَبَ كَانَ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْهُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ لَا مِنْ وَقْتِ الدَّعْوَةِ، فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ عَقْلَ جِنَايَتِهِ كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ أَبِيهِ وَأَنَّ قَوْمَ الْأُمِّ تَحَمَّلُوا عَنْ قَوْمِ الْأَبِ مُضْطَرِّينَ فِي ذَلِكَ بِإِلْزَامِ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَرْجِعُونَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا هَكَذَا.
(وَإِنَّمَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا وَجَبَ بِنَفْسِ الْقَتْلِ) وَهُوَ مَا يَجِبُ بِالْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ أَوْ التَّسَبُّبِ (فَلَا تَعْقِلُ جِنَايَةَ عَمْدٍ وَلَا جِنَايَةَ عَبْدٍ وَلَا مَا لَزِمَ بِصُلْحٍ
стр. 1449
أَوْ بِاعْتِرَافٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» وَلِأَنَّهُ لَا يُتَنَاصَرُ بِالْعَبْدِ، وَالْإِقْرَارُ وَالصُّلْحُ لَا يَلْزَمَانِ الْعَاقِلَةَ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَاقِلَةِ تَحَرُّزٌ عَنْ الْإِجْحَافِ بِالْخَاطِئِ وَلَا إجْحَافَ فِي الْقَلِيلِ (إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ) أَيْ الْعَاقِلَةَ الْمُعْتَرِفَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ إقْرَارٌ مِنْهُمْ فَيَلْزَمُهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّهِمْ وَقَدْ زَالَ.
(وَلَا) تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ (أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ) وَتَتَحَمَّلُ نِصْفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» ، وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ النَّفْسِ وَلِأَنَّ الْإِيجَابَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِدَفْعِ الْإِجْحَافِ عَنْ الْجَانِي وَذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ فَلِهَذَا أَوْجَبْنَا الْكَثِيرَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ بِالنَّصِّ وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي (بَلْ ذَلِكَ) أَيْ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ (عَلَى الْجَانِي) وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ إمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ فِي إيجَابِ الْكُلِّ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي ضَمَانِ الْمَالِ لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ فِي أَرْشِ الْجَنِينِ فِي الْإِيجَابِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَأَرْشُ الْجَنِينِ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ الرَّجُلِ فَيُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفِيمَا دُونَهُ يُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَلَا تَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فِي الْعَقْلِ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَعْقِلُ مَعَ الْعَوَاقِلِ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ وَلِأَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ لِتَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ وَالنَّاسُ لَا يَتَنَاصَرُونَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَلِهَذَا لَا يُوضَعُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ خَلَفُ النُّصْرَةِ وَالْجِزْيَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ جُزْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحَدُ الْعَوَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْصُرُ نَفْسَهُ وَالنُّصْرَةُ لَا تُوجَدُ فِيهِمَا.
وَفِي التَّبْيِينِ وَهَذَا صَحِيحٌ إذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا، وَأَمَّا إذَا بَاشَرَا الْقَتْلَ بِأَنْفُسِهِمَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يُشَارِكَانِ الْعَاقِلَةَ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ إذَا قُتِلَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ انْتَهَى.
(وَلَا يَعْقِلُ مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ وَبِالْعَكْسِ) أَيْ لَا يَعْقِلُ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ.
(وَيَعْقِلُ الْكَافِرُ عَنْ الْكَافِرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا مِلَّةً) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (إنْ لَمْ تَكُنْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْمِلَّتَيْنِ ظَاهِرَةً كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى) فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ فِيهِمَا ظَاهِرَةٌ فَلَا يَعْقِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ بِظُهُورِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلذِّمِّيِّ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) مِنْ يَوْمِ يُقْضَى عَلَيْهِ كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لِمَا أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى الْعَاقِلَةِ
стр. 1450
لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ.
(وَالْمُسْلِمُ) إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ (يَعْقِلُ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِالنُّصْرَةِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَاصَرُونَ (وَقِيلَ) الْمُسْلِمُ (كَالذِّمِّيِّ) تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ.
(وَإِنْ جَنَى حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ خَطَأً فَعَلَى الْعَاقِلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً قِيَاسًا عَلَى الْحُرِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَالِ عِنْدَهُ حَتَّى أَوْجَبَ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلَا خِلَافَ فِي أَطْرَافِ الْعَبْدِ إنَّ ضَمَانَهَا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ، وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى حُرٍّ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِلَةِ فَلَا تَتَحَمَّلُ عَنْ الْعَاقِلَةِ عَوَاقِلُهُمْ فَكَذَا لَا تَتَحَمَّلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ عَاقِلَةُ مَوْلَاهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَبْدًا وَلَا عَمْدًا» .
[كِتَاب الْوَصَايَا]
لَا يَخْفَى ظُهُورُ مُنَاسَبَةِ إيرَادِ كِتَابِ الْوَصَايَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ آخِرَ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّ فِي الدُّنْيَا الْمَوْتُ، وَالْوَصِيَّةُ مُعَامَلَةٌ وَقْتَ الْمَوْتِ، وَلَهُ اخْتِصَاصٌ بِكِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالْجِنَايَةُ قَدْ تُفْضِي إلَى الْمَوْتِ الَّذِي وَقْتُهُ وَقْتُ الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ ثُمَّ سُمِّيَ الْمُوصَى بِهِ وَصِيَّةً كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] . (الْوَصِيَّةُ) فِي الشَّرْعِ (تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدِ الْمَوْتِ) يَعْنِي بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، وَسَبَبُهَا أَنْ يُذْكَرَ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الْعُقْبَى.
[شَرَائِط الْوَصِيَّة]
وَمِنْ شَرَائِطِهَا كَوْنُ الْمُوصِي أَهْلًا لِلتَّمْلِيكِ وَالْمُوصَى لَهُ أَهْلًا لِلتَّمْلِيكِ وَالْمُوصَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي مَالًا قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا عَدَمُ الدَّيْنِ، وَمِنْهَا التَّقْدِيرُ بِثُلُثِ التَّرِكَةِ حَتَّى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَمِنْهَا كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ أَجْنَبِيًّا حَتَّى لَا تَجُوزَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
[أَرْكَان الْوَصِيَّة]
وَرُكْنُهَا أَنْ يَقُولَ أَوْصَيْت بِكَذَا لِفُلَانٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهَا.
وَأَمَّا حُكْمُهَا فَفِي حَقِّ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا جَدِيدًا كَمَا فِي الْهِبَةِ وَفِي حَقِّ الْمُوصِي إقَامَةُ الْمُوصَى لَهُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ كَالْوَارِثِ.
وَأَمَّا صِفَتُهَا فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِأَنْصِبَائِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْهِبَةِ بِالتَّرْكِ لِلْقَرِيبِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﵊ «أَوْ صَدَقَةٍ يَبْتَغِي بِهَا رِضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى» (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِأَنْصِبَائِهِمْ
стр. 1451
(فَتَرْكُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ (أَحَبُّ) لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» وَلِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْفَقِيرِ وَالْقَرَابَةِ جَمِيعًا.
(وَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا قُلْت فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا قُلْت فَالثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوَكَبِيرٌ إنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (لِقَاتِلِهِ) أَيْ الْمُوَرِّثِ (مُبَاشَرَةً) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ» وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ مُبَاشَرَةً احْتِرَازًا عَنْ الْقَتْلِ تَسَبُّبًا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ النَّصَّ.
(وَلَا لِوَارِثِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَلِأَنَّ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ يَتَأَذَّوْنَ بِإِيثَارِهِ بَعْضَهُمْ فَفِي تَجْوِيزِهِ قَطْعِيَّةُ الرَّحِمِ (إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ) اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَعَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِقَاتِلِهِ وَوَارِثِهِ يَعْنِي لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا لِلْقَاتِلِ وَلَا لِلْوَارِثِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ الْتِبَاسِهَا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ كَانَ لِحَقِّهِمْ فَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ وَلَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا، وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ يَجُوزُ عَلَى الْمُجِيزِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ وَلَا تُعْتَبَرُ إجَازَةُ الْوَرَثَةِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوصِي حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِالثُّلُثِ) لِلْأَجْنَبِيِّ.
(وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ فَضَعُوهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أَوْ قَالَ حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ» وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِنْ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ وَبِالْعَكْسِ) فَالْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] ، وَالثَّانِي لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ سَاوَى الْمُسْلِمَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ حَتَّى جَازَ التَّبَرُّعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْوَصِيَّةُ لِحَرْبِيٍّ هُوَ فِي دَارِهِمْ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا بِرٌّ وَصِلَةٌ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ بِرِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] الْآيَةَ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ، وَإِنْ فَعَلَ جَازَ كَذَا فِي الْكَافِي وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْحَرْبِيِّ بَعْدَمَا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ تَمْلِيكِ الْمَالِ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ خَلَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَصِيَّتِهِ بِالثُّلُثِ أَوْ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ وَرَثَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ حَقَّهُمْ مَعْصُومٌ
стр. 1452
مِنْ الْإِبْطَالِ بِخِلَافِ وَرَثَةِ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ حَقُّهُمْ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِالْجَمِيعِ كَمَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِلْحَمْلِ وَبِهِ) أَيْ بِالْحَمْلِ (إنْ كَانَ بَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ (وَبَيْنَ وِلَادَتِهِ) أَيْ الْحَمْلِ (أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهَا اسْتِخْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ إذْ الْمُوصَى لَهُ يَخْلُفُهُ فِي بَعْضِ مَالِهِ كَالْإِرْثِ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى الْقَبْضِ، وَالْجَنِينُ يَصْلُحُ خَلِيفَةً فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ إلَّا أَنَّهَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ اسْتِخْلَافٌ مُطْلَقٌ وَبِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مَحْضٌ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُمَلِّكَهُ شَيْئًا، فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْوَصِيَّةَ شَرْطُهَا الْقَبُولُ وَالْجَنِينُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَكَيْفَ تَصِحُّ؟ قُلْنَا الْوَصِيَّةُ تُشْبِهُ الْهِبَةَ وَتُشْبِهُ الْمِيرَاثَ فَلِشَبَهِهَا بِالْهِبَةِ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ إذَا أَمْكَنَ وَلِشَبَهِهَا بِالْمِيرَاثِ يَسْقُطُ الْقَبُولُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ تَجْرِي فِيهِ الْوِرَاثَةُ فَتَجْرِي فِيهِ الْوِصَايَةُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْوِصَايَةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ إذَا أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ (وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ) أَيْ لِلْحَمْلِ لِمَا أَنَّ الْهِبَةَ مِنْ شَرْطِهَا الْقَبُولُ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ الْجَنِينِ وَلَا يَلِي عَلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى يَقْبِضَ عَنْهُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأُمِّهِ) أَيْ أُمِّ الْحَمْلِ (دُونَهُ) أَيْ الْحَمْلِ (صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَمَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْحَمْلَ لَفْظًا لَكِنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ تَبَعًا لَهَا فَإِذَا أَفْرَدَهَا بِالْوَصِيَّةِ صَحَّ إفْرَادُهَا، فَإِنْ قِيلَ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ مِمَّا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قُلْنَا كَفَى بِصِحَّتِهِ التَّزَيِّي بِزِيِّهِ كَمَا فِي اسْتِثْنَاءِ إبْلِيسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ. عَلَى أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّنَاوُلِ اللَّفْظِيِّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ قَفِيزِ حِنْطَةٍ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَصِحُّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْوَصِيَّةِ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنَى لَكِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ اللَّفْظِ.
(وَلَا بُدَّ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ الْقَبُولِ) ؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ تَمْلِيكٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ (وَيُعْتَبَرُ) الْقَبُولُ (بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (وَلَا اعْتِبَارَ بِالرَّدِّ وَالْقَبُولِ فِي حَيَاتِهِ) أَيْ حَيَاةِ الْمُوصِي كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا عَلَى دِرْهَمٍ، فَإِنَّ رَدَّهَا وَقَبُولَهَا بَاطِلٌ قَبْلَ الْغَدِ (وَبِهِ) أَيْ بِالْقَبُولِ (تَمْلِكُ) الْوَصِيَّةَ وَلَا تَمْلِكُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إثْبَاتُ مِلْكٍ جَدِيدٍ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ بِلَا اخْتِيَارٍ.
(إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ (يَمْلِكُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةَ (وَتَصِيرُ لِوَرَثَتِهِ) أَيْ وَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ
стр. 1453
وَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَبُولِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ فَصَارَ كَمَوْتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبُولِ بَعْدَ إيجَابِ الْبَائِعِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ جَانِبِ الْمُوصِي وَقَدْ تَمَّتْ بِمَوْتِهِ تَمَامًا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ فَإِذَا مَاتَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ ثُمَّ مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مُكَاتَبٍ) وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً. أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ فَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اعْتِبَارَ عَقْلِهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ عَقْلُهُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ فَكَذَا تَمْلِيكُ الْمَالِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ فِيهِ ضَرَرٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَإِنْ كَانَ يَتَّفِقُ نَافِعًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ النَّظَرُ إلَى أَوْضَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لَا إلَى مَا يَتَّفِقُ بِحُكْمِ الْحَالِ، وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ حَقِيقَةً، وَقِسْمٌ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مَا إذَا أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِأَنْ قَالَ إذَا أُعْتِقْت فَثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ حَتَّى لَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ ثُمَّ عَتَقَ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا جَائِزَةٌ.
(وَالْوَصِيَّةُ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ فَرْضٌ وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ فَيُبْدَأُ بِالْفَرْضِ (فَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ يُحِيطُ دَيْنُهُ بِمَالِهِ إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ الْغُرَمَاءُ) فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهُوَ بَقَاءُ الدَّيْنِ فَإِذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا.
(وَلِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَجَازَ رُجُوعُهُ عَنْهَا كَالْهِبَةِ وَلِأَنَّ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ الْقَبُولِ كَمَا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ قَدْ يَثْبُتُ صَرِيحًا وَقَدْ يَثْبُتُ دَلَالَةً فَلِهَذَا قَالَ (قَوْلًا) كَأَنْ يَقُولَ رَجَعْت عَنْ وَصِيَّتِي (أَوْ فِعْلًا) وَهُوَ مَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (يَقْطَعُ) صِفَةُ فِعْلًا (حَقَّ الْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ) أَيْ فِي الْمَغْصُوبِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ أَوْ خِيَاطَتِهِ (أَوْ يُزِيلُ مِلْكَهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ) فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ وَهَبَهُ كَانَ رُجُوعًا دَلَالَةً وَالدَّلَالَةُ تَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ فَقَامَ الْفِعْلُ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ مَقَامَ الْقَوْلِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (اشْتَرَاهُ) أَيْ الْمُوصَى بِهِ (أَوْ رَجَعَ) عَنْ الْهِبَةِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَزَوَالِ الْمِلْكِ وَلَا يُجْدِي تَمَلُّكُهُ ثَانِيًا بِالشِّرَاءِ وَالرُّجُوعِ (أَوْ يُوجِبُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَقْطَعُ الْوَاقِعُ
стр. 1454
صِفَةً لِفِعْلًا أَيْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِأَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُوجِبُ (فِي الْمُوصَى بِهِ زِيَادَةً لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلَّا بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ (كَلَتِّ السَّوِيقِ بِسَمْنٍ وَالْبِنَاءِ فِي الدَّارِ وَالْحَشْوِ بِالْقُطْنِ، وَقَطْعُ الثَّوْبِ وَذَبْحُ الشَّاةِ رُجُوعٌ) قَوْلُهُ وَالْبِنَاءِ فِي الدَّارِ وَالْحَشْوِ بِالْقُطْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَعْطُوفَيْنِ عَلَى لَتِّ السَّوِيقِ وَقَوْلُهُ وَقَطْعُ الثَّوْبِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ رُجُوعٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ هُوَ قَوْلُهُ وَالْبِنَاءُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَالْخَبَرُ هُوَ رُجُوعٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى امْتِنَاءِ التَّسْلِيمِ، وَأَمَّا قَطْعُ الثَّوْبِ وَذَبْحُ الشَّاةِ فَلِبِنَائِهِ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ وَكَوْنُ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ لِلصَّرْفِ إلَى حَاجَتِهِ فَتَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ وَيَكُونُ رُجُوعًا (لَا غَسْلُ الثَّوْبِ وَتَجْصِيصُ الدَّارِ وَهَدْمُهَا) فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي نَفْسِ مَا وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْبِنَاءِ وَالْبِنَاءُ تَبَعٌ وَالتَّصَرُّفُ فِي التَّبَعِ لَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْحَقِّ عَنْ الْأَصْلِ، وَكَذَا هَدْمُ الْبِنَاءِ تَصَرُّفٌ فِي التَّابِعِ.
(وَالْجُحُودُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) قَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَمَنْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ رُجُوعٌ. قِيلَ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْجُحُودَ كَانَ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوصَى لَهُ وَهَذَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْجُحُودَ كَانَ عِنْدَ حَضْرَةِ الْمُوصَى لَهُ وَعِنْدَ حَضْرَتِهِ يَكُونُ رُجُوعًا وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَقِيلَ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْأَصَحُّ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرُّجُوعَ نَفْيُ الْوَصِيَّةِ فِي الْحَالِ وَالْجُحُودُ نَفْيُهَا فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا، وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَجُحُودُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ عَدَمِهِ فَلَوْ كَانَ الْجُحُودُ رُجُوعًا لَاقْتَضَى وُجُودَ الْوَصِيَّةِ وَعَدْلَهَا فِيمَا سَبَقَ وَهُوَ مُحَالٌ.
(وَلَا قَوْلُهُ أَخَّرْت الْوَصِيَّةَ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ أَخِّرْ الْوَصِيَّةَ فَقَالَ أَخَّرْتهَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ بِإِسْقَاطٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَرَكْت الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ إسْقَاطٌ (أَوْ كُلُّ وَصِيَّةٍ أَوْصَيْت بِهَا لِفُلَانٍ فَهِيَ حَرَامٌ) فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ.
(وَلَوْ قَالَ مَا أَوْصَيْت بِهِ فَهُوَ لِفُلَانٍ فَرُجُوعٌ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ وَإِثْبَاتُ التَّخْصِيصِ لَهُ فَاقْتَضَى رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلشَّرِكَةِ وَالْمَحَلُّ يَقْبَلُهَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ الثَّانِي مَيِّتًا) حِينَ أَوْصَى فَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى تَكُونُ عَلَى حَالِهَا.
(وَتَبْطُلُ هِبَةُ الْمَرِيضِ وَوَصِيَّتُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ نَكَحَهَا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنْ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّة هَكَذَا وُجِدَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ بَعْدَهُمَا أَيْ بَعْدَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ
стр. 1455
الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ التَّمْلِيكِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى إلَى أَخِيهِ وَهُوَ وَارِثٌ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ وَعَكْسُهُ إذَا أَوْصَى إلَى أَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِنْ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ حُكْمًا حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لِشَخْصٍ وَهُوَ لَيْسَ بِوَارِثٍ لَهُ جَازَ الْإِقْرَارُ لَهُ، وَإِنْ صَارَ وَارِثًا بَعْدَ ذَلِكَ لِكَوْنِ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ لَهَا، وَأَمَّا إذَا وَرِثَ بِسَبَبٍ قَائِمٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ الْمَحْجُوبِ ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ.
(وَكَذَا إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَهِبَتُهُ لِابْنِهِ الْكَافِرِ أَوْ الرَّقِيقِ إنْ أَسْلَمَ أَوْ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهِبَةُ فَلِمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمَا حَالُ الْمَوْتِ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُلْزِمًا بِنَفْسِهِ لَكِنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ وَهُوَ الْبُنُوَّةُ قَائِمٌ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَيُورِثُ تُهْمَةَ الْإِيثَارِ فَصَارَ بِاعْتِبَارِ التُّهْمَةِ مُلْحَقًا بِالْوَصَايَا.
(وَهِبَةُ الْمُقْعَدِ) وَهُوَ الْعَاجِزُ عَنْ الْمَشْيِ لِدَاءٍ فِي رِجْلَيْهِ (وَالْمَفْلُوجِ) الْفَلْجُ دَاءٌ يَعْرِضُ فِي نِصْفِ الْبَدَنِ فَيَمْنَعُهُ عَنْ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ (وَالْأَشَلِّ) وَهُوَ الَّذِي فِي يَدِهِ ارْتِعَاشٌ وَحَرَكَةٌ (وَالْمَسْلُولِ) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مَرَضُ السُّلِّ وَهُوَ قُرَحٌ فِي الرِّئَةِ تُعْتَبَرُ وَصِيَّتُهُ (مِنْ كُلِّ مَالِهِ إنْ طَالَ) مُدَّةُ مَرَضِهِ وَقَدَّرُوهُ بِالسَّنَةِ (وَلَمْ يُخَفْ مَوْتُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَرَضِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ مُدَّةُ مَرَضِهِ وَخِيفَ مَوْتُهُ مِنْهُ (فَمِنْ ثُلُثِهِ) أَيْ ثُلُثِ مَالِهِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مُبْتَلًى بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ وَتَصَرَّفَ بِشَيْءٍ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ الْمَرَضُ مَرَضَ الْمَوْتِ فَتُعْتَبَرُ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ مِنْ حِينِ تَبَرُّعِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلِمَ فِي فُصُولِ السَّنَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَظِنَّةُ الْهَلَاكِ صَارَ الْمَرَضُ بِمَنْزِلَةِ طَبْعٍ مِنْ طَبَائِعِهِ وَخَرَجَ صَاحِبُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمَرْضَى حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ بِالتَّدَاوِي كَمَا فِي الدُّرَرِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمَرِيضُ الَّذِي يَكُونُ تَصَرُّفُهُ مِنْ الثُّلُثِ بِأَنْ يَكُونَ ذَا فِرَاشٍ بِحَيْثُ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ لِحَاجَتِهِ وَتَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَالْفَالِجِ أَوْ صَارَ خَشِنًا أَوْ يَابِسَ الشِّقِّ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَرِيضِ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ عَنْ ذَلِكَ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ فَمَا فَعَلَ فِي حَالِ التَّغَيُّرِ فَمِنْ الثُّلُثِ قَالَ الْفَضْلِيُّ مَرَضُ الْمَوْتِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى حَوَائِجِ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ فِي التَّجْرِيدِ انْتَهَى.
стр. 1456
[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ]
ِ لَمَّا كَانَ أَقْصَى مَا يَدُورُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْوَصَايَا عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ثُلُثَ الْمَالِ ذَكَرَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ ذِكْرِ مُقَدِّمَاتِ هَذَا الْكِتَابِ.
(وَلَوْ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْ اثْنَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزْ وَارِثُهُ) ذَلِكَ (قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالثُّلُثُ يَضِيقُ عَنْ حَقِّهِمَا وَالْمَحَلُّ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ حَقِّهِمَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْأُولَى.
(وَلَوْ) أَوْصَى (لِأَحَدِهِمَا بِثُلُثِهِ وَلِلْآخَرِ بِسُدُسِهِ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (قُسِمَ) الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا (أَثْلَاثًا) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ شَرْعًا وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَقِّهِمَا إذْ لَا مَزِيدَ لِلْوَصِيَّةِ عَلَى الثُّلُثِ فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا بِأَنْ يُجْعَلَ الثُّلُثُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمٌ لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَسَهْمَانِ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ.
(وَلَوْ) أَوْصَى (لِأَحَدِهِمَا بِثُلُثِهِ وَلِلْآخَرِ بِثُلُثَيْهِ أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ بِكُلِّهِ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (يُنَصَّفُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إذَا لَمْ تُجِزْهَا الْوَرَثَةُ تَكُونُ بَاطِلَةً فَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَيُنَصَّفُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (وَعِنْدَهُمَا يُثَلَّثُ) الثُّلُثُ (فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْآخَرِ بِثُلُثَيْهِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ مِنْهُ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَهْمَانِ (وَيُخَمَّسُ) الثُّلُثُ (خُمُسَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَخْمَاسٍ فِي الثَّانِي) أَيْ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْآخَرِ بِنِصْفِهِ فَيَكُونُ خُمُسَاهُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ لِصَاحِبِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ إذَا اجْتَمَعَا يَكُونُ سِتَّةً وَنِصْفُهُ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثُهُ اثْنَانِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بِهَذِهِ السِّهَامِ (وَبِرُبْعِ) الثُّلُثِ (فِي الثَّالِثِ) أَيْ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْآخَرِ بِكُلِّهِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعُهُ وَلِصَاحِبِ الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُضْرَبُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ (الْمُوصَى لَهُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ عِنْدَ الْإِمَامِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الْمُرَادُ بِالضَّرْبِ الضَّرْبُ الْمُصْطَلَحُ عِنْدَ الْحِسَابِ فَإِذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ وَالْكُلِّ فَعِنْدَ الْإِمَامِ سِهَامُ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفٌ يُضْرَبُ النِّصْفُ فِي ثُلُثِ الْمَالِ فَالنِّصْفُ فِي الثُّلُثِ يَكُونُ نِصْفَ الثُّلُثِ وَهُوَ السُّدُسُ، فَيُنَصَّفُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كُلِّهَا، وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ سَهْمٌ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَسَهْمَانِ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى خَمْسَةٍ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ
стр. 1457
وَسَهْمَانِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، وَعَلَى أَرْبَعَةٍ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ ثَلَاثَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْكُلِّ وَوَاحِدٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ.
(إلَّا فِي الْمُحَابَاةِ وَالسِّعَايَةِ وَالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ) أَمَّا الْمُحَابَاةُ فَصُورَتُهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَبْدَانِ لِرَجُلٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَقِيمَةُ الْآخَرِ سِتُّمِائَةٍ فَأَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا لِفُلَانٍ بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ لِفُلَانٍ بِمِائَةٍ فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ حَصَلَتْ لِأَحَدِهِمَا بِأَلْفٍ وَلِلْآخَرِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَالْكُلُّ وَصِيَّةٌ لِكَوْنِهَا فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ غَيْرُهُمَا وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ جَازَتْ الْمُحَابَاةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا يُضْرَبُ الْمُوصَى لَهُ بِالْأَلْفِ بِحَسَبِ وَصِيَّتِهِ وَهِيَ الْأَلْفُ وَالْمُوصَى لَهُ الْآخَرُ بِحَسَبِ وَصِيَّتِهِ وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَلَوْ كَانَ هَذَا كَسَائِرِ الْوَصَايَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَجَبَ أَنْ لَا يُضْرَبَ الْمُوصَى لَهُ بِالْأَلْفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، وَأَمَّا السِّعَايَةُ فَصُورَتُهَا أَنْ يُوصِيَ بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَقِيمَةُ الْآخَرِ أَلْفَانِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ عَتَقَا جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا عَتَقَا جَمِيعًا مِنْ الثُّلُثِ وَثُلُثُ مَالِهِ أَلْفٌ، فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ وَصِيَّتِهِمَا ثُلُثَا الْأَلْفِ لِلَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي، وَالثُّلُثُ لِلَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمُرْسَلَةُ أَيْ الْمُطْلَقَةُ عَنْ كَوْنِهَا ثُلُثًا أَوْ نِصْفًا أَوْ نَحْوَهُمَا فَصُورَتُهَا أَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِأَلْفَيْنِ وَلِآخَرَ بِأَلْفٍ وَثُلُثُ مَالِهِ أَلْفٌ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.
(وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِنَصِيبِ ابْنِهِ) يَعْنِي لَوْ أَوْصَى بِنَصِيبِ ابْنِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ لِغَيْرِهِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَقُّ الِابْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ بِهِ لِغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى (وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ابْنٌ مَوْجُودٌ أَوْ لَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ، وَقَالَ زُفَرُ كِلْتَاهُمَا صَحِيحَتَانِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَالُهُ فِي الْحَالِ وَذَكَرَ نَصِيبَ الِابْنِ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ وَهُوَ " مِثْلِ " وَمِثْلُهُ شَائِعٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا (فَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ) وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ لِآخَرَ (فَلِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ لَهُ النِّصْفُ عِنْدَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ وَوَجْهُ مَا فِي الْمَتْنِ أَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِثْلَ ابْنِهِ لَا أَنْ يَزِيدَ نَصِيبُهُ عَلَى نَصِيبِ ابْنِهِ وَحَاصِلُهُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُوصَى لَهُ كَأَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ) كَانَ لَهُ (ثَلَاثَةُ) بَنِينَ وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ لِآخَرَ (فَالرُّبْعُ) وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ فَالتَّعْيِينُ) مُفَوَّضٌ (إلَى الْوَرَثَةِ) فَيُقَالُ لَهُمْ أَعْطُوهُ مَا شِئْتُمْ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَبْطُلُ بِالْجَهَالَةِ وَالْوَرَثَةُ قَائِمُونَ مَقَامَ الْمُوصِي فَكَانَ إلَيْهِمْ بَيَانُهُ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (بِسَهْمٍ) مِنْ مَالِهِ (فَالسُّدُسُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ) أَيْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ (إلَّا أَنْ يَزِيدَ) النَّصِيبُ (عَلَى الثُّلُثِ وَلَا إجَازَةَ) مِنْ الْوَرَثَةِ وَسَوَّى فِي الْكَنْزِ بَيْنَ السَّهْمِ وَالْجُزْءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ
стр. 1458
الْمَشَايِخِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ السَّهْمَ عِبَارَةٌ عَنْ السُّدُسِ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَفِي الْمَجْمَعِ، وَلَوْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ أَحْسَنُ السِّهَامِ يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَا يُزَادُ عَلَى السُّدُسِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ السُّدُسِ أَعْدَلُ الْمَخَارِجِ فَلَا يُتَجَاوَزُ عَنْهُ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّ أَحْسَنَ الْإِيصَاءِ أَقَلُّهُ وَالثُّمُنُ أَقَلُّ مِنْ السُّدُسِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ بِمَعْنَى السُّدُسِ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنْ جَعَلَهُ بِمَعْنَاهُ بِمَا وَرَدَ مِنْ الْأَثَرِ وَاللُّغَةِ، أَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُرْوَى أَنَّ السَّهْمَ هُوَ السُّدُسُ، وَأَمَّا اللُّغَةُ فَإِنَّ إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ قَالَ السَّهْمُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ السُّدُسِ (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَفِي عُرْفِنَا السَّهْمُ كَالْجُزْءِ) فَالتَّعْيِينُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْوَرَثَةِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِسُدُسِ مَالِهِ ثُمَّ بِثُلُثِ مَالِهِ) بِأَنْ قَالَ سُدُسُ مَالِي لِفُلَانٍ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ (وَأَجَازُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (فَلَهُ الثُّلُثُ) لِكَوْنِ السُّدُسِ دَاخِلًا فِي الثُّلُثِ فَلَا يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (بِسُدُسِهِ) لِفُلَانٍ ثُمَّ بِسُدُسِهِ لَهُ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (السُّدُسُ) الْوَاحِدُ (سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ اخْتَلَفَ) هَذَا قَيْدٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ السُّدُسُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَكَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] لَنْ يَغْلِبَ الْعُسْرُ يُسْرَيْنَ، وَهَهُنَا سُؤَالٌ ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ ثُلُثُ مَالِي لَهُ إنْ كَانَ إخْبَارًا فَكَاذِبٌ، وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ النِّصْفُ عِنْدَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السُّدُسِ إخْبَارًا وَفِي الثُّلُثِ إنْشَاءً فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِأَنَّا نَخْتَارُ أَنَّهُ إنْشَاءٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لَهُ النِّصْفُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لَوْ كَانَ النِّصْفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ السُّدُسَ وَالثُّلُثَ فِي كَلَامِهِ شَائِعٌ وَضَمُّ الشَّائِعِ إلَى الشَّائِعِ لَا يُفِيدُ ازْدِيَادًا فِي الْمِقْدَارِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْأَكْثَرُ مُقَدَّمًا كَانَ أَوْ مُؤَخَّرًا وَلِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مُتَضَمِّنٌ لِلسُّدُسِ فَإِنَّ التَّضَمُّنَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الشَّائِعِ وَضَمُّ السُّدُسِ الشَّائِعِ إلَى الثُّلُثِ الشَّائِعِ لَا يُفِيدُ زِيَادَةً فِي الْعَدَدِ وَلَا يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَفَائِدَةُ الْإِجَازَةِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا يَكُونُ مُتَنَاوَلَ اللَّفْظِ وَإِلَّا كَانَ بِرًّا مُسْتَأْنَفًا لَا إجَازَةً.
وَفِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي قَوْلِهِ إذَا أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ حَقُّهُ الثُّلُثُ وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ السُّدُسَ يَدْخُلُ فِي الثُّلُثِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ زِيَادَةَ السُّدُسِ عَلَى الْأَوَّلِ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ الثُّلُثُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إيجَابَ ثُلُثٍ عَلَى السُّدُسِ فَيُجْعَلَ السُّدُسُ دَاخِلًا فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ وَحَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ وَهُوَ الْإِيصَاءُ بِالثُّلُثِ انْتَهَى.
(وَلَوْ) أَوْصَى (بِثُلُثِ دَرَاهِمِهِ أَوْ) ثُلُثِ (غَنَمِهِ أَوْ) ثُلُثِ (ثِيَابِهِ وَهِيَ) أَيْ الثِّيَابُ (مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَهَلَكَ
стр. 1459
الثُّلُثَانِ) وَبَقِيَ الثُّلُثُ (فَلَهُ الْبَاقِي أَوْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ الْجَمِيعُ مِنْ الْبَاقِي.
وَقَالَ زُفَرُ لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي (وَكَذَا كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ) أَيْ إذَا هَلَكَ الثُّلُثَانِ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
وَفِي التَّسْهِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (بِثُلُثِ ثِيَابِهِ وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ) أَيْ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (فَهَلَكَ الثُّلُثَانِ فَلَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) مِنْ الثِّيَابِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (بِثُلُثِ عَبِيدِهِ) فَهَلَكَ الثُّلُثَانِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ يَكُونُ لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبِيدِ عِنْدَ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ اخْتِلَافُ أَجْنَاسِهِمْ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ أَفْرَادِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ جَمْعُ حَقِّ أَحَدِهِمْ فِي الْوَاحِدِ (وَعِنْدَهُمَا) فَلَهُ (كُلُّ الْبَاقِي) ؛ لِأَنَّهُمْ جِنْسٌ وَاحِدٌ حَقِيقَةً، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُمْ فِي الظَّاهِرِ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى قِسْمَةِ الرَّقِيقِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ يُقْسَمُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى حِدَةٍ فَمَا هَلَكَ يَهْلَكُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ الْكُلُّ قِسْمَةً وَاحِدَةً (وَقِيلَ) أَنَّهُمَا (يُوَافِقَانِ) الْإِمَامَ فِي الْعَبِيدِ فَقَطْ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ لَهُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ (وَالدَّوَابُّ كَالْعَبِيدِ) اخْتِلَافًا وَاتِّفَاقًا.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأَلْفٍ وَلَهُ عَيْنٌ وَدَيْنٌ فَهِيَ عَيْنٌ إنْ خَرَجَتْ) الْأَلْفُ (مِنْ ثُلُثِ الْعَيْنِ) ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَهِيَ نَقْدٌ أَوْ عَيْنٌ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيَدْفَعُ لَهُ الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إيصَالُ كُلِّ مُسْتَحِقٍّ إلَى حَقِّهِ بِلَا بَخْسٍ فَيُصَارُ إلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ الْأَلْفُ مِنْ ثُلُثِ الْعَيْنِ بِأَنْ كَانَ النَّقْدُ أَيْضًا أَلْفًا أَوْ الْعَيْنُ قِيمَتُهَا أَلْفٌ مَثَلًا (دَفَعَ ثُلُثَ الْعَيْنِ) لِلْمُوصَى لَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
(وَ) دَفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ (ثُلُثَ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يَتِمَّ) الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَارِثِ فَلَوْ خَصَّصْنَاهُ بِالْعَيْنِ لَبَخَسْنَا فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ لِلْعَيْنِ مَزِيَّةً عَلَى الدَّيْنِ إذْ الْعَيْنُ مَالٌ مُطْلَقًا وَالدَّيْنُ مَالٌ فِي الْمَآلِ لَا فِي الْحَالِ وَكَانَ تَعْدِيلُ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِيمَا قُلْنَا.
(وَإِنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ) مِنْ مَالِهِ (لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ فَكُلُّهُ) أَيْ الثُّلُثِ (لِلْحَيِّ) ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْوَصِيَّةِ فَلَا يُزَاحِمُ الْحَيَّ الَّذِي هُوَ أَهْلُهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ كَانَ لَهُ نِصْفُ الثُّلُثِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَغْوًا فَكَانَ رَاضِيًا بِكُلِّ الثُّلُثِ لِلْحَيِّ.
(وَإِنْ قَالَ) ثُلُثُ مَالِي (بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو) وَأَحَدُهُمَا مَيِّتٌ (فَالنِّصْفُ) أَيْ نِصْفُ الثُّلُثِ (لِلْحَيِّ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الثُّلُثِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَا مَالَ لَهُ) عِنْدَ الْوَصِيَّةِ (فَاكْتَسَبَ) الْمُوصِي مَالًا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (ثُلُثُ مَالِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (بِثُلُثِ غَنَمِهِ وَلَا غَنَمَ لَهُ) أَصْلًا (أَوْ كَانَ) لَهُ غَنَمٌ (فَهَلَكَ قَبْلَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمُوصِي (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَتَعَيَّنُ قِيَامُهُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُوجَدْ وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ فَتَبْطُلُ بِهَلَاكِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
(وَإِنْ اسْتَفَادَ) الْمُوصِي
стр. 1460
(غَنَمًا ثُمَّ مَاتَ صَحَّتْ) وَصِيَّتُهُ (فِي) الْقَوْلِ (الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْمَالِ تَصِحُّ فَكَذَا إذَا كَانَتْ بِاسْمِ نَوْعِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَضْلٌ إذْ الْمُعْتَبَرُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَى مَالٍ خَاصٍّ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ وَلَا شَاةَ لَهُ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (قِيمَتُهَا) أَيْ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مِنْ مَالِي عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ الْوَصِيَّةُ بِمَالِيَّةِ الشَّاةِ إذْ مَالِيَّتُهَا تُوجَدُ فِي مُطْلَقِ الْمَالِ.
(وَتَبْطُلُ) الْوَصِيَّةُ (لَوْ) أَوْصَى (بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَلَا غَنَمَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مِنْ غَنَمِي دَلَّ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ عَيْنُ الشَّاةِ حَيْثُ جَعَلَهَا جُزْءًا مِنْ الْغَنَمِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَهَا إلَى الْمَالِ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَاةٍ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى مَالِهِ وَلَا غَنَمَ لَهُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُصَحَّحَ إضَافَتُهَا إلَى الْمَالِ وَبِدُونِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَالِ يُعْتَبَرُ صُورَةُ الشَّاةِ وَمَعْنَاهَا وَقِيلَ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الشَّاةَ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ شَاةٌ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْمَالِيَّةُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَهُنَّ) أَيْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ (ثَلَاثٌ وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَلَهُنَّ) أَيْ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ (ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَلِكُلِّ فَرِيقٍ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (خُمُسٌ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ (ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلِكُلِّ فَرِيقٍ سُبْعَانِ) فَيُقْسَمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِلْفُقَرَاءِ سَهْمَانِ وَلِلْمَسَاكِينِ سَهْمَانِ وَلِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ تَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَيُحْتَمَلُ الْكُلُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَقَدْ تَعَذَّرَ صَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ فَيَتَعَيَّنُ الْوَاحِدُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ وَأَدْنَاهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فِي الْوَصَايَا وَالْوَصِيَّةُ لِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهَا إيجَابٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَرَائِرُ وَأَنَّهُمَا جِنْسَانِ بِدَلِيلِ عَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي النَّصِّ وَمُقْتَضَاهُ الْمُغَايَرَةُ فَيَصِيرُ عَدَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ خَمْسَةً عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ سَبْعَةٌ كَمَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلِلْفُقَرَاءِ فَلَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (نِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ الثُّلُثِ (وَلَهُمْ) أَيْ لِلْفُقَرَاءِ (نِصْفُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (ثُلُثُهُ) أَيْ ثُلُثُ الثُّلُثِ (وَلَهُمْ) أَيْ لِلْفُقَرَاءِ (ثُلُثَاهُ) أَيْ ثُلُثَا الثُّلُثِ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَمِائَةٍ لِعَمْرٍو ثُمَّ قَالَ لِبَكْرٍ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا فَلَهُ) أَيْ لِبَكْرٍ (ثُلُثُ مَا) اسْتَقَرَّ (لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مِنْ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لِلْمُسَاوَاةِ لُغَةً وَلِهَذَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَقَدْ أَمْكَنَ إثْبَاتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْأُولَى لِاسْتِوَاءِ الْمَالَيْنِ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْمِائَةِ فَتَمَّ لَهُ ثُلُثَا الْمِائَةِ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَيْ الْمِائَةِ.
(وَلَوْ) أَوْصَى (بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَخَمْسِينَ لِعَمْرٍو) ثُمَّ قَالَ لِبَكْرٍ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا (فَلِبَكْرٍ نِصْفُ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْكُلِّ هُنَا لِتَفَاوُتِ الْمَالَيْنِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مُسَاوَاةِ الثَّالِثِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا سَمَّاهُ لَهُ فَيَأْخُذُ النِّصْفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ.
وَفِي الْمِنَحِ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ
стр. 1461
وَلِآخَرَ بِجَارِيَةٍ أُخْرَى ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ مُتَفَاوِتَةً كَانَتْ لَهُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عَلَى السَّوَاءِ فَلَهُ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ فَيَكُونُ الْجِنْسَانِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهُمَا يَرَيَانِهَا فَصَارَ كَالدَّرَاهِمِ الْمُتَسَاوِيَةِ انْتَهَى.
(وَإِنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَيْنٌ فَصَدِّقُوهُ) عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ (فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ إلَى الثُّلُثِ) أَيْ إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الدَّيْنَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَكَذَّبَهُ الْوَرَثَةُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِخِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ وَهُوَ تَصْدِيقُ الْمُدَّعِي بِلَا حُجَّةٍ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَيْنٌ إقْرَارٌ بِالْمَجْهُولِ وَالْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِالْبَيَانِ وَقَدْ فَاتَ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى مَالِهِ بِمَا أَوْصَى وَهُوَ يَمْلِكُ هَذَا التَّسْلِيطَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ بِأَنْ يُوصِيَهُ لَهُ ابْتِدَاءً فَيَصِحُّ تَسْلِيطُهُ أَيْضًا بِالْإِقْرَارِ لَهُ بِمَجْهُولٍ وَالْمَرْءُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ أَصْلَ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِفَ قَدْرَهُ فَيَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَتَحْصُلُ وَصِيَّتُهُ فِي حَقِّ التَّنْفِيذِ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ وَجُعِلَ التَّقْدِيرُ فِيهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ فَلِهَذَا يُصَدَّقُ فِي الثُّلُثِ دُونَ الزِّيَادَةِ (فَإِنْ أَوْصَى مَعَ ذَلِكَ) الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ (بِوَصَايَا عُزِلَ ثُلُثٌ لَهَا) أَيْ لِأَرْبَابِ الْوَصَايَا (وَثُلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ) ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُمْ مَعْلُومٌ، وَكَذَا الْوَصَايَا مَعْلُومَةٌ وَالدَّيْنُ مَجْهُولٌ فَلَا يُزَاحَمُ الْمَعْلُومُ (وَيُقَالُ لِكُلٍّ) مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ وَالْوَرَثَةِ (صَدِّقُوهُ) أَيْ فُلَانًا الْمُقَرَّ لَهُ (فِيمَا شِئْتُمْ) ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَقِّ بِالنَّظَرِ إلَى إقْرَارِ الْمَالِكِ، وَصِيَّةٌ فِي حَقِّ التَّنْفِيذِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِذَا أَقَرَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِشَيْءٍ ظَهَرَ أَنَّ فِي التَّرِكَةِ دَيْنًا شَائِعًا فِي النَّصِيبَيْنِ فَيُؤْمَرُ أَصْحَابُ الْوَصَايَا وَالْوَرَثَةُ بِبَيَانِهِ فَإِذَا بَيَّنُوا شَيْئًا (فَيُؤْخَذُ أَصْحَابُ الْوَصَايَا بِثُلُثِ مَا أَقَرُّوا بِهِ) وَمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ لَهُمْ (وَ) يُؤْخَذُ (الْوَرَثَةُ بِثُلُثَيْ مَا أَقَرُّوا بِهِ) تَنْفِيذًا لِإِقْرَارِ كُلِّ فَرِيقٍ فِي قَدْرِ حَقِّهِ (وَيَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْ أَصْحَابِ الْوَصَايَا وَالْوَرَثَةِ (عَلَى الْعِلْمِ بِدَعْوَى) الْمُقَرِّ لَهُ (الزِّيَادَةَ عَلَى مَا أَقَرُّوا) وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى الْعِلْمِ أَيْ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى إقْرَارِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ تَحْلِيفًا؛ لِأَنَّهُ تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَرَثَةَ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ إلَى الثُّلُثِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَهُنَا لَزِمَهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْوَصَايَا أَخَذُوا الثُّلُثَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْوَصَايَا تَسْتَغْرِقُ الثُّلُثَ كُلَّهُ وَلَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُمْ تَصْدِيقُهُ انْتَهَى.
(وَإِنْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ فَلِلْأَجْنَبِيِّ نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ الْعَيْنِ (وَلَا شَيْءَ لِلْوَارِثِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِمَا يَمْلِكُ وَبِمَا لَا يَمْلِكُ
стр. 1462
فَصَحَّ فِيمَا يَمْلِكُ وَبَطَلَ فِي الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ حَيْثُ يَكُونُ الْكُلُّ لِلْحَيِّ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْوَصِيَّةِ فَلَا يَصْلُحُ مُزَاحِمًا وَالْوَارِثُ مِنْ أَهْلِهَا وَلِهَذَا تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَافْتَرَقَا.
(وَإِنْ أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ) أَشْخَاصٍ (بِثَوْبٍ وَهِيَ) أَيْ الثِّيَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِثَوْبٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ (مُتَفَاوِتَةٌ) جَيِّدٌ وَوَسَطٌ وَرَدِيءٌ (فَضَاعَ ثَوْبٌ) مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ (وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهَا) أَيْ الثِّيَابِ (هُوَ) أَيْ الضَّائِعُ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (الْوَرَثَةَ تَقُولُ لِكُلٍّ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (هَلَكَ حَقُّك بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَجْهُولٌ وَجَهَالَتُهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَضَاءِ وَتَحْصِيلَ غَرَضِ الْمُوصِي فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَكَذَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ الْوَارِثُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَلَكَ حَقُّ أَحَدِكُمْ وَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَلَا أَدْفَعُ إلَى كُلٍّ مِنْكُمْ شَيْئًا كَذَا فِي التَّبَيُّنِ (فَإِنْ سَلَّمُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (مَا بَقِيَ) مِنْ الثِّيَابِ (فَلِذِي الْجَيِّدِ ثُلُثَا جَيِّدِهِمَا وَلِذِي الرَّدِيءِ ثُلُثَا رَدِيئِهِمَا وَلِذِي الْوَسَطِ ثُلُثُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَقُّ صَاحِبِ الْجَيِّدِ فِي الْجَيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الرَّدِيءِ بِيَقِينٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الْجَيِّدِ بِأَنْ كَانَ هُوَ الْجَيِّدُ الْأَصْلِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الضَّائِعِ بِأَنْ كَانَ هُوَ الْأَجْوَدُ فَكَانَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَوْلَى وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَقُّ صَاحِبِ الرَّدِيءِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْجَيِّدِ بِيَقِينٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الرَّدِيءِ بِأَنْ كَانَ هَذَا الرَّدِيءُ الْأَصْلِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الضَّائِعِ بِأَنْ كَانَ هُوَ الْأَرْدَأُ فَكَانَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ فِي مَحَلٍّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَوْلَى وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الْآخَرِ فِي ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْجَيِّدِ ثُلُثَيْ الْجَيِّدِ وَصَاحِبُ الرَّدِيءِ ثُلُثَيْ الرَّدِيءِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الْجَيِّدِ بِأَنْ كَانَ الضَّائِعُ أَجْوَدَ فَيَكُونُ هَذَا وَسَطًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ فِي الرَّدِيءِ بِأَنْ كَانَ الضَّائِعُ أَرْدَأَ فَيَكُونُ هَذَا وَسَطًا فَكَانَ هَذَا تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقَّهُ. كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِبَيْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْصَى أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ بِعَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ لِرَجُلٍ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي (قُسِمَتْ) الدَّارُ (فَإِنْ خَرَجَ) ذَلِكَ (الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُوصِي فَهُوَ) أَيْ الْبَيْتُ (لِلْمُوصَى لَهُ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (نِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ الْبَيْتِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُوصِي (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (قَدْرُ ذَرْعِهِ) أَيْ ذَرْعِ الْبَيْتِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ قَدْرُ نِصْفِ ذَرْعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِمِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ لِكَوْنِ الدَّارِ مُشْتَرَكَةً فَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي مِلْكِهِ وَيَتَوَقَّفُ الْبَاقِي عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ السَّابِقَةُ كَمَا إذَا أَوْصَى بِمِلْكِ الْغَيْرِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَإِذَا اقْتَسَمُوا وَوَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُوصِي بِهِ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ نِصْفُ
стр. 1463
الْبَيْتِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَنْفِيذُهَا فِي الْبَدَلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَنْفِيذِهَا فِي عَيْنِ الْمُوصَى بِهِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى بِمَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْإِيصَاءَ بِمِلْكٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى الْكَمَالِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمُشَاعِ قَاصِرٌ وَقَدْ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ فِي جَمِيعِ الْبَيْتِ إذَا وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِهِ، وَمَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي الْقِسْمَةِ تَابِعٌ وَالْمَقْصُودُ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ فِيهِ وَلَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ إذَا وَقَعَ الْبَيْتُ كُلُّهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مُبَادَلَةً لَبَطَلَتْ (وَالْإِقْرَارُ كَالْوَصِيَّةِ) يَعْنِي إذَا أَقَرَّ بِبَيْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ كَانَ مِثْلَ الْوَصِيَّةِ بِهِ حَتَّى يُؤْمَرَ بِتَسْلِيمِهِ كُلِّهِ إنْ وَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ قَدْرِ ذَرْعِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ نِصْفِهِ إنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَقَدْرِ نِصْفِ ذَرْعِهِ إنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْغَيْرِ (وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِقْرَارِ (لِمُحَمَّدٍ) بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلشَّيْخَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الْخِلَافِ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَالشَّيْخَيْنِ هُوَ (الْمُخْتَارُ) وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ صَحِيحٌ حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِمِلْكِ الْغَيْرِ لِغَيْرِهِ ثُمَّ مَلَكَهُ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ لَا تَصِحُّ حَتَّى لَوْ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ثُمَّ مَاتَ لَا تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأَلْفِ عَيْنٍ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَلِرَبِّهَا) أَيْ لِرَبِّ الْأَلْفِ (الْإِجَازَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَهُ الْمَنْعُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِ الْغَيْرِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ فَإِذَا أَجَازَ كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ تَبَرُّعٍ فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّسْلِيمِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ (بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ لَوْ أَجَازُوا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ لِمُصَادَفَتِهَا مِلْكَهُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِذَا أَجَازُوهَا سَقَطَ حَقُّهُمْ فَتَنْفُذُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي.
(وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ بِالثُّلُثِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُقِرِّ (دَفْعُ ثُلُثِ نَصِيبِهِ) اسْتِحْسَانًا.
وَقَالَ زُفَرُ يُعْطِيهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالثُّلُثِ تَضَمَّنَ إقْرَارَهُ بِمُسَاوَاتِهِ إيَّاهُ وَالتَّسْوِيَةُ فِي إعْطَاءِ النِّصْفِ لِيَبْقَى لَهُ النِّصْفُ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ثَالِثٍ لَهُمَا.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِثُلُثٍ شَائِعٍ فِي كُلِّ التَّرِكَةِ فَكَانَ مُقِرًّا لَهُ بِثُلُثِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ لَزَادَ حَقُّهُ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُقِرُّ الِابْنُ الْآخَرُ بِهِ أَيْضًا فَيَأْخُذُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ فَيَصِيرُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِمَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَقُّ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ، وَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَهُوَ الشَّرِيكُ الْوَارِثُ فَصَارَ مُقِرًّا بِأَنَّهُ شَرِيكُهُ وَشَرِيكُ أَخِيهِ فِي الثُّلُثِ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُسَلَّمَ لِلْوَارِثِ
стр. 1464
مِثْلَاهُ، وَفِي الْعِمَادِيَّةِ ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ فَأَقَرَّ أَحَدُ ابْنَيْهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْبَصْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَبْعَدُ مِنْ الضَّرَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُؤْخَذُ مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ جَمِيعُ الدَّيْنِ وَبِهِ يُفْتَى الْيَوْمَ لَكِنْ قَالَ مَشَايِخُنَا هُنَا زِيَادَةُ شَيْءٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْكُتُبِ وَهُوَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ إذْ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ فِي نَصِيبِهِ بَلْ يَحِلُّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَنَظِيرُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ذُكِرَتْ فِي الزِّيَادَاتِ وَهِيَ أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ثُمَّ شَهِدَ هُوَ وَرَجُلٌ أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ وَتُسْمَعُ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ فِي نَصِيبِهِ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لَزِمَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَغْرَمِ، قَالَ صَاحِبُ الزِّيَادَاتِ وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَإِنَّ فِيهَا فَائِدَةً عَظِيمَةً انْتَهَى.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأَمَةٍ فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمُوصِي (فَهُمَا) أَيْ الْأَمَةُ وَوَلَدُهَا (لِلْمُوصَى لَهُ إنْ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ أَصَالَةً وَالْوَلَدُ تَبَعًا حِينَ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأُمِّ فَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالتَّرِكَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ قَبْلَهَا حَتَّى تُقْضَى دُيُونُهُ وَتَنْفُذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ دَخَلَ الْوَلَدُ فِي الْوَصِيَّةِ فَيَكُونَانِ لِلْمُوصَى لَهُ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ (أَخَذَ) الْمُوصَى لَهُ (الثُّلُثَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأُمِّ (ثُمَّ) أُخِذَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَلَدِ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ مَا يَخُصُّ الثُّلُثَ مِنْ الْأُمِّ أَوَّلًا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ يَأْخُذُهُ مِنْ الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يَأْخُذُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ (عَلَى السَّوَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ تَبَعًا حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالِانْفِصَالِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِيهِمَا عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ فِي الْأَخْذِ مِنْ الْأُمِّ، وَلَهُ أَنَّ الْأُمَّ أَصْلٌ وَالْوَلَدَ تَبَعٌ وَالتَّبَعُ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ الْأَصْلِ بِالتَّبَعِ وَفِي جَعْلِ الْوَلَدِ شَرِيكًا مَعَهَا نَقْصُ الْوَصِيَّةِ بِالْأُمِّ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ فِي الْوَلَدِ لَا يُنْقِصُ شَيْئًا فِي الْأَصْلِ بَلْ يَبْقَى تَامًّا صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ يَنْحَطُّ بَعْضُ الثَّمَنِ عَنْ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ مُقَابَلَتِهِ بِالْوَلَدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ تَبَعٌ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ وُجُودُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَيَنْعَقِدَ بِدُونِ ذِكْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا هَذَا إذَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ، فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ بِالْقِسْمَةِ خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ فَحَدَثَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى خَالِصِ مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْقَبُولِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُوصًى بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَمَشَايِخُنَا قَالُوا يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
стр. 1465
يَدْخُلْ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ قَصْدًا وَالْكَسْبُ كَالْوَلَدِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْكَافِي.
[بَاب الْعِتْق فِي الْمَرَض]
الْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَصِيَّةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ أَحْكَامٌ مَفْرُوضَةٌ أَفْرَدَهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَّرَهُ عَنْ صَرِيحِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (الْعِبْرَةُ بِحَالِ التَّصَرُّفِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُنَجَّزِ) وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ حُكْمَهُ فِي الْحَالِ كَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ وَهَبْتُك (فَإِنْ كَانَ) التَّصَرُّفُ الْمُنَجَّزُ (فِي الصِّحَّةِ فَمِنْ كُلِّ الْمَالِ، وَإِنْ) كَانَ (فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَمِنْ ثُلُثِهِ) أَيْ ثُلُثِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءٌ وَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ حَتَّى إنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَرَضِ يَنْفُذُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَالنِّكَاحُ فِي الْمَرَضِ يَكُونُ الْمَهْرُ فِيهِ مِنْ كُلِّ الْمَالِ (وَ) التَّصَرُّفُ (الْمُضَافُ إلَى الْمَوْتِ) وَهُوَ مَا أَوْجَبَ حُكْمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ هَذَا لِزَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِي يُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ) كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ (فِي الصِّحَّةِ) فَالْمُعْتَبَرُ لَيْسَ حَالَةَ الْعَقْدِ بَلْ حَالَةَ الْمَوْتِ (وَمَرَضٌ صَحَّ) صِفَتُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَرَضِ (كَالصِّحَّةِ) فَقَوْلُهُ مَرَضٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ كَالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ إلَّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَبِالْبُرْءِ مِنْهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ مَوْتٍ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ حَقٌّ فِي مَالِهِ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَا شَاءَ (فَالتَّحْرِيرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَالْمُحَابَاةُ) وَهِيَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَتَانِ بِمِائَةٍ مَثَلًا (وَالْكَفَالَةُ وَالْهِبَةُ وَصِيَّةٌ) أَيْ كَالْوَصِيَّةِ وَوَجْهُ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ (فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ حُكْمُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كَحُكْمِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَمُزَاحَمَةُ أَصْحَابِ الْوَصَايَا فِي الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مُنَجَّزَةٌ فِي الْحَالِ.
(فَإِنْ أَعْتَقَ وَحَابَى وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ (فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى) أَيْ تُقَدَّمُ عَلَى الْعِتْقِ هَذَا (إنْ قُدِّمَتْ) الْمُحَابَاةُ عَلَى الْعِتْقِ (وَهُمَا) أَيْ الْعِتْقُ وَالْمُحَابَاةُ (سَوَاءٌ إنْ أُخِّرَتْ) الْمُحَابَاةُ بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ بَاعَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَتَانِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ وَهُوَ الْمِائَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَيَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَصَاحِبُ الْمُحَابَاةِ يَأْخُذُ الْعَبْدَ الْآخَرَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَقَالَا هُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. لَهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَكِنْ إنْ وُجِدَ الْعِتْقُ أَوَّلًا وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ يُزَاحِمُ الْمُحَابَاةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَالْمُحَابَاةُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ وَلَا اعْتِبَارَ لِلتَّقَدُّمِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَبُ التَّقْدِيمُ فِي الثُّبُوتِ إلَّا إذَا اتَّحَدَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَوَتْ الْحُقُوقُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ بَيْنَ مُحَابَاتَيْنِ) بِأَنْ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى قُسِمَ الثُّلُثُ (فَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْأُولَى) أَيْ لِلْمُحَابَاةِ الْأُولَى (وَنِصْفُ) الثُّلُثِ (بَيْنَ الْعِتْقِ، وَ)
стр. 1466
الْمُحَابَاةِ (الْأَخِيرَةِ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِيرَةِ فَيَسْتَوِيَانِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْمُحَابَاةَ الْأَخِيرَةَ قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فَيَسْتَوِيَانِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْمُحَابَاةِ الثَّانِيَةِ وَالْمُحَابَاةَ الثَّانِيَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهَا فَالْمُحَابَاةُ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا، وَهُوَ يُنَاقِضُ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ شَرْطَ الْإِنْتَاجِ أَنْ تَلْزَمَ لِنَتِيجَةِ الْقِيَاسِ لِذَاتِهِ وَقِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسَاوِيَ لِلْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ مُسَاوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُسَاوَاةَ الْمُحَابَاةِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةٍ وَمُسَاوَاةَ الثَّانِيَةِ لِلْعِتْقِ الْمُقَدَّمِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَحَيْثُ انْفَكَّتْ الْجِهَةُ انْدَفَعَ الْمَحْذُورُ.
(وَإِنْ حَابَى بَيْنَ عِتْقَيْنِ) بِأَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ (فَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْمُحَابَاةِ وَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْعِتْقَيْنِ) بِأَنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَالْمُحَابَاةِ وَمَا أَصَابَ الْعِتْقَ قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا الْعِتْقُ أَوْلَى فِي الْجَمِيعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ الْمُحَابَاةِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ عَبْدٌ فَهَلَكَ مِنْهَا دِرْهَمٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يُعْتَقُ) عَنْهُ عَبْدٌ (بِمَا بَقِيَ) ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِنَوْعِ قُرْبَةٍ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ قِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ.
(وَلَوْ) كَانَ (مَكَانَ الْعِتْقِ حَجٌّ حَجَّ بِمَا بَقِيَ إجْمَاعًا) وَلَهُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ بِالْعِتْقِ لِعَبْدٍ يُشْتَرَى بِمِائَةٍ مِنْ مَالِهِ وَتَنْفِيذُهَا فِيمَنْ يَشْتَرِي بِأَقَلَّ مِنْهُ تَنْفِيذٌ فِي غَيْرِ الْمُوصَى لَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَتَبَدَّلْ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ فَهَلَكَ بَعْضُهَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْبَاقِي قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمَا حَتَّى تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَمْ يَتَبَدَّلْ الْمُسْتَحِقُّ وَعِنْدَهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، فَاخْتَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ وَهَذَا الْبِنَاءُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثَابِتٌ مَعْرُوفٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِهِ.
(وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَوْ جَنَى بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَدَفَعَ بِهَا) أَيْ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ مَوْلَى الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُوصِي فَكَذَا عَلَى حَقِّ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي وَمِلْكُ الْمُوصِي بَاقٍ إلَى أَنْ يَدْفَعَ وَبِالدَّفْعِ يَزُولُ مِلْكُهُ فَإِذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا إذَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالدَّيْنِ (وَإِنْ فَدَى) أَيْ الْعَبْدُ بِأَنْ أَعْطَى الْوَرَثَةَ الْفِدَاءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَبْدِ (فَلَا) تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ بِالْفِدَاءِ وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَرِيءٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ.
(وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ
стр. 1467
وَتَرَكَ عَبْدًا فَادَّعَى زَيْدٌ عِتْقَهُ فِي الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الْمُوصِي (وَ) ادَّعَى (الْوَارِثُ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ لِلْوَارِثِ) مَعَ الْيَمِينِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلَهُ عَبْدٌ فَأَقَرَّ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ أَنَّ الْمُوصِيَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ لَكِنْ قَالَ الْمُوصَى لَهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ لِئَلَّا تَكُونَ وَصِيَّةً تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ وَقَالَ الْوَارِثُ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ لِيَكُونَ وَصِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ (وَلَا شَيْءَ لِزَيْدٍ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ الثُّلُثُ عَنْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (أَوْ يُبَرْهِنَ) زَيْدٌ (عَلَى دَعْوَاهُ) وَهُوَ عِتْقُهُ فِي الصِّحَّةِ فَيَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالْوَارِثُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَهُ ثُلُثَ مَالِهِ غَيْرَ الْعَبْدِ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِزَيْدٍ بِلَا بُرْهَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ حَلَفَ الْوَارِثُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُوَرِّثَهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ الْحَوَادِثِ فَيُحْكَمُ بِحُدُوثِهِ مِنْ أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلتَّيَقُّنِ بِهَا، وَأَقْرَبُ الْأَوْقَاتِ هُنَا وَقْتُ الْمَرَضِ وَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَارِثِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ إذْ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ نَعَمْ الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْ خَصْمٍ وَالْعِتْقُ حَقُّ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ أَيْ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ خَصْمٌ فِي إقَامَتِهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ.
(وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَ) ادَّعَى (الْعَبْدُ إعْتَاقَهُ فِي صِحَّتِهِ وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ وَتُدْفَعُ إلَى الْغَرِيمِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَسْعَى) لَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ وَالْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ ظَهَرَا مَعَهَا لِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ، وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَالْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَيَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ لَكِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ فَيَبْطُلُ مَعْنَى إيجَابِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ إسْنَادَ الْعِتْقِ إلَى الصِّحَّةِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يُوجَدْ شَغْلُ الدَّيْنِ وَقَدْ وُجِدَ الدَّيْنُ هُنَا فَمُنِعَ الْإِسْنَادُ فَوَجَبَ رَدُّهُ بِالدَّيْنِ وَرَدُّهُ بِالسِّعَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِي عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَقَالَ رَجُلٌ هَذَا الْأَلْفُ الَّذِي تَرَكَهُ أَبُوك كَانَ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ أَبِيك، وَقَالَ الِابْنُ صَدَقْتُمَا فَعِنْدَهُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ الْوَدِيعَةُ إلَّا وَالدَّيْنُ ظَاهِرٌ مَعَهَا فَيَتَحَاصَّانِ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ بِالدَّيْنِ وَقَالَا الْوَدِيعَةُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي عَيْنِ الْأَلْفِ وَالدَّيْنُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْعَيْنِ فَكَانَتْ أَسْبَقَ وَصَاحِبُهَا أَحَقَّ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوَرِّثُ حَيًّا وَقَالَ صَدَقْتُمَا وَذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ فَعِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ أَقْوَى وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَبِهِ يَنْطِقُ شُرُوحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشُرُوحُ الْمَنْظُومَةِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ وَصَايَا وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا قُدِّمَتْ الْفَرَائِضُ) كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهَا) أَيْ الْمُوصِي الْفَرَائِضَ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ
стр. 1468
أَهَمُّ مِنْ النَّفْلِ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) الْوَصَايَا (فِي الْفَرْضِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا) بِأَنْ كَانَ جَمِيعُهَا نَفْلًا (وَقُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ) الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ وَالثَّابِتُ بِالظَّاهِرِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ (وَقِيلَ) إنْ تَسَاوَتْ فِي الْفَرْضِيَّةِ (تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ (وَقِيلَ بِالْعَكْسِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ يُبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَتَأَدَّى بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالزَّكَاةُ بِالْمَالِ فَحَسْبُ فَكَانَ الْحَجُّ أَقْوَى فَيُبْدَأُ بِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ ثَابِتٌ وَالْحَجُّ تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ الزَّكَاةُ أَقْوَى (وَيُقَدَّمُ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْكَفَّارَاتِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ) لِرُجْحَانِهِمَا عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي كَفَّارَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا.
(وَ) تُقَدَّمُ (الْكَفَّارَاتُ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ) لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِوُجُوبِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(وَ) تُقَدَّمُ (صَدَقَةُ الْفِطْرِ) مُقَدَّمَةٌ (عَلَى الْأُضْحِيَّةِ) لِلِاتِّفَاقِ فِي وُجُوبِهَا وَلِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ التَّضْحِيَةِ وَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى بَعْضٍ كَالنَّذْرِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ دُونَهَا.
(وَإِنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصِي (رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ) الَّذِي يَحُجُّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (رَاكِبًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ بَلَدِهِ فَيَجِبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَوَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَزِمَهُ (إنْ وَفَتْ النَّفَقَةُ) لِلْإِحْجَاجِ مِنْ بَلَدِهِ رَاكِبًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفِ النَّفَقَةُ (فَمِنْ حَيْثُ تَفِي) النَّفَقَةُ وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِالْحَجِّ بِصِفَةٍ وَقَدْ عُدِمَتْ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ غَرَضَهُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فَتَنْفُذُ مَا أَمْكَنَ.
(وَإِنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَالْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثِ فَظَهَرَ بِمَوْتِهِ أَنَّ سَفَرَهُ كَانَ سَفَرَ الْمَوْتِ لَا سَفَرَ الْحَجِّ فَكَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَخُرُوجِهِ لِلتِّجَارَةِ إذَا مَاتَ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ فَكَذَا هُنَا. (وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ اسْتِحْسَانًا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةً وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وَلَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ
стр. 1469
حَجٌّ مَبْرُورٌ فَيُبْتَدَأُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً فَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ) فَيُحَجُّ عَنْهُ ثَانِيًا مِنْ وَطَنِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ.
[بَاب الْوَصِيَّة لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرهمْ]
ْ إنَّمَا أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا تَقَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وَالْمَذْكُورَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَحْكَامُهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَالْخُصُوص أَبَدًا تَابِعٌ لِلْعُمُومِ (جَارُ الْإِنْسَانِ مُلَاصِقُهُ) قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ لِلْجَارِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ تَبَعًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَانَ حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَدِّمَ الْوَصِيَّةَ لِلْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْجَارِ نَظَرًا إلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِأَمْرِ الْجَارِ، ثُمَّ إنَّ حَمْلَ الْجَارِ عَلَى الْمُلَاصِقِ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ إذَا كَانَ مُلَاصِقًا (وَعِنْدَهُمَا) جَارُ الْإِنْسَانِ مَنْ يَسْكُنُ مَحَلَّتَهُ وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُهَا أَيْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّى جِيرَانًا عُرْفًا قَالَ ﵊ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَفُسِّرَ بِكُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبِرُّ، وَبِرُّ الْجَارِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُلَاصِقِ بَلْ بِرُّ الْمُقَابِلِ مَقْصُودٌ كَبِرِّ الْمُلَاصِقِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ اخْتِلَاطٍ فَإِذَا جَمَعَهُمْ مَسْجِدٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وُجِدَ الِاخْتِلَاطُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسْجِدِ زَالَ الِاخْتِلَاطُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْجِوَارُ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا قُلْنَا هَذَا الْخَبَرُ ضَعِيفٌ فَقَدْ طَعَنُوا فِي رِوَايَتِهِ (وَيَسْتَوِي فِيهِ) أَيْ لَفْظُ الْجَارِ (السَّاكِنُ وَالْمَالِكُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ) وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْمَذْكُورُونَ فِي لَفْظِ الْجَارِ لِصِدْقِهِ عَلَيْهِمْ لُغَةً وَشَرْعًا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ السَّاكِنُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ هَذَا الِاسْمِ يَتَنَاوَلُهُ وَلَا يَدْخُلُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ وَصِيَّةٌ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ لَيْسَ بِجَارٍ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ إلَّا بِتَمْلِيكِهِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَنِيًّا بِخِلَافِ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْأَرْمَلَةُ تَدْخُلُ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا مُضَافَةٌ إلَيْهَا وَلَا تَدْخُلُ الَّتِي لَهَا بَعْلٌ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَيْهَا وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ فَلَمْ تَكُنْ جَارًا مُطْلَقًا.
(وَصِهْرُهُ مَنْ هُوَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «لَمَّا تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ أَعْتَقَ كُلَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إكْرَامًا لَهَا» وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا التَّفْسِيرُ اخْتِيَارُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَفِي الصِّحَاحِ الْأَصْهَارُ اسْمُ أَهْلِ بَيْتِ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَحْرَمِ وَفِي الْكَافِي وَإِنَّمَا يَدْخُلُ
стр. 1470
فِي الْوَصِيَّةِ مَنْ كَانَ صِهْرًا لِلْمُوصِي يَوْمَ مَوْتِهِ بِأَنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَنْكُوحَةً لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ مُعْتَدَّةً عَنْهُ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الْمَوْتِ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمَرْأَةُ فِي نِكَاحِهِ وَعِدَّتِهِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَالصِّهْرُ يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ النِّكَاحِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الصِّهْرِيَّةِ انْتَهَى.
(وَخَتَنُهُ مَنْ هُوَ زَوْجُ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) كَأَزْوَاجِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّى خَتَنًا، وَكَذَا كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ أَخْتَانًا وَقِيلَ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَلَا يَتَنَاوَلُ الْأَزْوَاجَ الْمَحَارِمَ، وَ (يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الصِّهْرِ وَالْخَتَنِ (الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ جَمِيعًا (وَأَقَارِبُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ وَذَوُو قَرَابَتِهِ وَأَرْحَامِهِ وَذَوُو أَرْحَامِهِ وَأَنْسَابِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى إلَى أَقَارِبِهِ أَوْ أَقْرِبَائِهِ وَذَوِي قَرَابَتِهِ أَوْ أَرْحَامِهِ أَوْ ذَوِي أَرْحَامِهِ أَوْ أَنْسَابِهِ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ (الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ) وَلَا الْوَارِثُ وَيَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا هَذَا عِنْد الْإِمَامِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ (وَفِي الْجَدِّ رِوَايَتَانِ) وَكَذَا فِي وَلَدِ الْوَلَدِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْهُ لِمَعْدُومٍ فَكَانَتْ بَاطِلَةً.
(وَتَكُونُ) أَيْ الْوَصِيَّةُ (لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَالْجَمْعُ فِي الْمَوَارِيثِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَكَذَا الْوَصِيَّةُ (وَعِنْدَهُمَا) يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ (مَنْ يُنْسَبُ) إلَيْهِ أَيْ إلَى الْمُوصِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ) قِيلَ يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْأَبِ الْأَقْصَى وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطْ إدْرَاكُهُ لِلْإِسْلَامِ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى عَلَوِيٌّ لِذَوِي قَرَابَتِهِ فَمَنْ شَرَطَ الْإِسْلَامَ يَصْرِفُ الْوَصِيَّةَ إلَى أَوْلَادِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا إلَى أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ يَصْرِفُهَا إلَى أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ فَيَدْخُلُ فِيهَا أَوْلَادُ عَقِيلٍ وَجَعْفَرٍ وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْإِسْلَامَ.
(فَمَنْ لَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ الْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى إلَى أَقَارِبِهِ وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ فَالْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَمَا فِي الْإِرْثِ (وَعِنْدَهُمَا لِلْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ) فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْقَرِيبِ يَتَنَاوَلُهُمْ وَلَا يَعْتَبِرَانِ الْأَقْرَبَ. (وَمَنْ لَهُ عَمٌّ وَخَالَانِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ لِعَمِّهِ وَنِصْفُهَا بَيْنَ خَالَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ اثْنَانِ فَيَكُونُ لِلْوَاحِدِ النِّصْفُ وَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ وَلَا مُسْتَحِقَّ
стр. 1471
لَهُ أَقْرَبُ مِنْ الْخَالَيْنِ فَكَانَ لَهُمَا.
(وَإِنْ) كَانَ (لَهُ عَمٌّ) وَاحِدٌ (فَقَطْ فَنِصْفُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ (لَهُ) أَيْ لِلْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْجَمْعِ فِيهِ وَيُرَدُّ النِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الثُّلُثِ إلَى الْوَرَثَةِ لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَمْعٌ وَأَدْنَاهُ اثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَلِهَذَا يُعْطَى لَهُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ لِلْوَرَثَةِ.
(وَإِنْ) كَانَ لَهُ (عَمٌّ وَعَمَّةٌ وَخَالٌ وَخَالَةٌ فَالْوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ وَالْعَمَّةِ عَلَى السَّوَاءِ) لِاسْتِوَاءِ قَرَابَتِهِمَا، وَقَرَابَةُ الْعُمُومَةِ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الْخُؤُولَةِ، وَالْعَمَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَرِيبُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا (وَعِنْدَهُمَا الْوَصِيَّةُ لِلْكُلِّ عَلَى السَّوِيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَشْتَرِطَانِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ كَمَا اشْتَرَطَهُ الْإِمَامُ.
(وَأَهْلُ الرَّجُلِ زَوْجَتُهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ رَجُلٍ فَهِيَ لِزَوْجَتِهِ (وَعِنْدَهُمَا) أَهْلُ الرَّجُلِ (مَنْ يَعُولُهُمْ وَتَضُمُّهُمْ نَفَقَتُهُ) يَعْنِي عِنْدَهُمَا أَهْلُ الرَّجُلِ مَنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ الْمُؤَيَّدِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، وَلِلْإِمَامِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] أَيْ زَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ ﵊ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةِ كَذَا أَيْ تَزَوَّجَ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَآلُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِآلِ فُلَانٍ فَهِيَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ آبَائِهِ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَلَا أَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ قَرَابَةِ أُمِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ (وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ يُعَدَّانِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (وَأَهْلُ نَسَبِهِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ (وَجِنْسُهُ أَهْلُ بَيْتِ أَبِيهِ) دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ فَصَارَ كَآلِهِ بِخِلَافِ قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّوْنَ قَرَابَةً.
(وَالْوَصِيَّةُ) مُبْتَدَأٌ (لِبَنِي فُلَانٍ) (وَهُوَ أَبٌ صُلْبٌ) جُمْلَةٌ وَهُوَ أَبٌ صُلْبٌ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ (لِلذُّكُورِ خَاصَّةً) خَبَرُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ لِلذُّكُورِ وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ) أُخْرَى (عَنْ الْإِمَامِ) يَدْخُلُ فِيهِ (الْإِنَاثُ أَيْضًا) أَيْ كَالذُّكُورِ وَدُخُولُ الْإِنَاثِ فِي بَنِي فُلَانٍ إمَّا تَغْلِيبٌ أَوْ مَجَازٌ بِإِرَادَةِ الْفُرُوعِ.
(وَ) الْوَصِيَّةُ (لِوَرَثَةِ فُلَانٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِرَاثَةِ فَإِذَا بَانَ قَصْدُهُ التَّفْصِيلَ وَهِيَ فِي أَوْلَادِ الْمُوَرِّثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ كَالْمِيرَاثِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ.
(وَ) لَوْ أَوْصَى (لِوَلَدِ فُلَانٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى السَّوَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْتَظِمُ بِالْكُلِّ (وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الِابْنِ عِنْدَ وُجُودِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقِيقَةً يَتَنَاوَلُ
стр. 1472
وَلَدَ الصُّلْبِ وَتَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ حَتَّى إذَا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ صُلْبِيَّةٌ وَبَنُو ابْنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِلْبَنَاتِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا (وَيَدْخُلُونَ) أَيْ أَوْلَادُ الِابْنِ (عِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ أَوْلَادُ الصُّلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (دُونَ أَوْلَادِ الْبِنْتِ) وَإِنَّمَا لَا يَدْخُلُونَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ إنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى أَبِيهِمْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُوَ) أَيْ فُلَانٌ (أَبُو قَبِيلَةٍ) كَبَنِي تَمِيمٍ مَثَلًا (لَا يُحْصَوْنَ) كَثْرَةً (فَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ (بَاطِلَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِعَدَمِ إحْصَائِهِمْ فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الصَّرْفِ.
(وَإِنْ) أَوْصَى (لِأَيْتَامِهِمْ أَوْ عُمْيَانِهِمْ أَوْ زَمْنَاهُمْ أَوْ أَرَامِلِهِمْ فَلِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنْهُمْ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى إنْ كَانُوا) أَيْ الْمُوصَى لَهُمْ (يُحْصَوْنَ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَأَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فِي حَقِّهِمْ، ثُمَّ قِيلَ حَدُّ الْإِحْصَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لَا يَحْتَاجَ مَنْ يَعُدُّهُمْ إلَى حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَهَذَا أَيْسَرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ (وَلِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ خَاصَّةً إنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةُ وَهَذِهِ الْأَسَامِي أَعْنِي الْأَيْتَامَ وَمَا بَعْدَهُ تُشْعِرُ بِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(وَ) إنْ أَوْصَى (لِمَوَالِيهِ فَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ أَعْتَقَهُمْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ وَلِأَوْلَادِهِمْ) أَيْ أَوْلَادِ الْمُعْتَقِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِعْتَاقُهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَازِمٌ فِي حَقِّهِمْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَنُسِبُوا إلَى الْوَلَاءِ كَالْمُعْتَقِينَ (وَلَا يَدْخُلُ) فِيهَا (مَوْلَى الْمُوَالَاةِ) ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ بِالْعِتْقِ وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ بِالْعَقْدِ فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْمُعْتَقِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى الْمُعْتِقِ بِوَاسِطَةِ آبَائِهِمْ بِوَلَاءٍ وَاحِدٍ (وَلَا) يَدْخُلُ فِيهَا (مَوَالِي الْمَوَالِي إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ الْمَوَالِي؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مَوَالِي الْمُوصِي حَقِيقَةً فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ الِاسْمُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَوْلَى حَقِيقَةً كَمَا مَرَّ فِي وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ عَدَمِهِ.
(وَتَبْطُلُ) الْوَصِيَّةُ (إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُوصِي (مُعْتِقُونَ) بِكَسْرِ التَّاءِ (وَمُعْتَقُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالِي مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَاخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا وَقَعَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ مَعَ الْمَوَالِي
стр. 1473
مُطْلَقًا لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي النَّفْيِ بَلْ لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْيَمِينِ بَعْضُهُ لَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَقَدْ قَرَّرَهُ فِي التَّقْرِيرِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ الْمَوَالِي مُشْتَرَكٌ وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ فَكَيْفَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا؟ قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ الْبَيَانِ وَالتَّوَقُّفُ فِي مِثْلِهِ لَا يُفِيدُ، فَإِنْ قِيلَ التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مُمْكِنٌ وَهِيَ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ فَتُصْرَفُ إلَى الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُمْ. وَأَمَّا فَضْلُ الْأَنْعَامِ فِي حَقِّ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالصَّرْفُ إلَى الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمَنْدُوبِ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا أُجِيبَ بِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِجِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ جَرَيَانُ الْعُرْفِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْغَالِبُ فِي الْمُعْتَقِينَ بِفَتْحِ التَّاءِ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ وَفِي الْمُعْتِقِينَ بِكَسْرِهَا الْغَالِبُ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى.
(وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فِي الْوَصَايَا كَالْمَوَارِيثِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَصَايَا أُخْتُ الْمَوَارِيثِ وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْقُرْآنِ بِإِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي الْمَوَارِيثِ فَقُلْنَا فِي الْوَصَايَا إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ فِيهَا اثْنَانِ أَيْضًا حَمْلًا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي الْمَوَارِيثِ.
[بَاب الْوَصِيَّة بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى وَالثَّمَرَة]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَصَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَنَافِعِ وَأَخَّرَ هَذَا الْبَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ وُجُودِ الْأَعْيَانِ لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ.
(تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ وَبِغَلَّتِهِمَا) أَيْ الْعَبْدِ وَالدَّارِ (مُدَّةً مُعَيَّنَةً) كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ مَثَلًا (وَأَبَدًا) ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْمِلُ التَّمْلِيكَ بِبَدَلٍ وَغَيْرِ بَدَلٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَيُحْتَمَلُ التَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَالْأَعْيَانِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوصِيَ يُبْقِي الْعَيْنَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَشْغُولًا بِتَصَرُّفِهِ مَوْقُوفًا عَلَى حَاجَتِهِ وَإِنَّمَا تَحْدُثُ الْمَنْفَعَةُ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا يَسْتَوْفِي الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ يَجُوزُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا كَالْعَارِيَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَالْإِرْثُ لَا يَجْرِي فِي الْخِدْمَةِ بِدُونِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَتَفْسِيرُهَا أَنْ يَقُومَ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِيمَا كَانَ مِلْكًا لِلْمُوَرِّثِ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يَبْقَى وَقْتَيْنِ وَالْمَنْفَعَةُ لَا تَبْقَى وَقْتَيْنِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَإِيجَابُ مِلْكٍ بِالْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا (فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ (مِنْ الثُّلُثِ سُلِّمَ إلَى الْمُوصَى لَهُ) بِخِدْمَتِهِ وَسُكْنَاهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ لَا يُزَاحِمُهُ الْوَرَثَةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (قُسِمَتْ الدَّارُ) عَيْنُهَا أَثْلَاثًا (وَتَهَايَئَا فِي الْعَبْدِ يَوْمَيْنِ لَهُمْ وَيَوْمًا لَهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ وَحَقَّهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ الْعَبْدِ أَجْزَاءً؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَصِرْنَا إلَى الْمُهَايَأَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ غَيْرَ
стр. 1474
مُؤَقَّتَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ كَالسَّنَةِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَتْ السَّنَةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ يَخْدُمُ لِلْوَرَثَةِ يَوْمَيْنِ وَلِلْمُوصَى لَهُ يَوْمًا إلَى أَنْ يَمْضِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ فَإِذَا مَضَتْ سُلِّمَ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، فَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّهَا يَخْدُمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ إلَى أَنْ تَمْضِيَ تِلْكَ السَّنَةُ، فَإِذَا مَضَتْ سُلِّمَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ مَاتَ الْمُوصَى بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِسُكْنَى الدَّارِ إذَا كَانَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَيْثُ تُقْسَمُ عَيْنُ الدَّارِ أَثْلَاثًا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لِإِمْكَانِ قِسْمَةِ عَيْنِ الدَّارِ أَجْزَاءً وَهُوَ أَعْدَلُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا زَمَانًا وَذَاتًا وَفِي الْمُهَايَأَةِ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا زَمَانًا وَلَوْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ مُهَايَأَةً مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ إلَّا أَنَّ الْأُولَى أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَعْدَلَ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ رُدَّتْ) أَيْ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ الدَّارِ (إلَى وَرَثَةِ الْمُوصَى) ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ فَلَوْ انْتَقَلَ إلَى وَارِثِ الْوَصِيِّ لَهُ لَاسْتَحَقَّهَا ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ الْمُوصَى بِغَيْرِ رِضَاهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
(وَإِنْ مَاتَ) الْمُوصَى لَهُ (فِي حَيَاةِ الْمُوصِي بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَمِلْكُ الْمُوصِي ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَمَلُّكُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِغَلَّةِ الدَّارِ أَوْ الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ وَهَذَا اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ نَفْسِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا مُغَايِرَانِ وَيَتَفَاوَتَانِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ يُمْكِنُهُمْ أَدَاؤُهُ مِنْ الْغَلَّةِ بِاسْتِرْدَادِهَا مِنْهُ بَعْدَ اسْتِغْلَالِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ نَفْسَهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (لِمَنْ وَصَّى لَهُ بِالْخِدْمَةِ) فِي الْعَبْدِ (وَالسُّكْنَى) فِي الدَّارِ (أَنْ يُؤَاجِرَ) الْعَبْدَ وَالدَّارَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدٍ مُضَافٍ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَوْ تَمَلَّكَ الْمَنْفَعَةَ بِالِاسْتِئْجَارِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ تَمَلَّكَ الْإِجَارَةَ، وَكَذَا إذَا تَمَلَّكَ الْمَنْفَعَةَ بِالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِعَارَةِ اللُّزُومُ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ، وَلَنَا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا مِنْ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ كَالْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مَالِكٌ لِلْمَنْفَعَةِ إذْ التَّمْلِيكُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْمَنْفَعَةُ التَّمْلِيكَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَأَنْ تَحْتَمِلَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْلَى.
(وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَمَاتَ) الْمُوصِي (وَفِيهِ) فِي الْبُسْتَانِ (ثَمَرَةٌ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (هَذِهِ) أَيْ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ (فَقَطْ) لَا مَا يَحْدُثُ
стр. 1475
بَعْدَهَا.
(وَإِنْ زَادَ أَبَدًا) أَيْ زَادَ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لَفْظَ أَبَدًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (هِيَ) أَيْ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ (وَمَا يُسْتَقْبَلُ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ أَعْنِي قَوْلَهُ هِيَ أَيْ يَسْتَحِقُّ الثَّمَرَةَ الْمَوْجُودَةَ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَمَلًا بِالتَّأْبِيدِ فِي لَفْظِ الْمُوصِي.
(وَإِنْ أَوْصَى) لَهُ (بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الْمَوْجُودُ وَمَا يُسْتَقْبَلُ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ اسْتَحَقَّهَا دَائِمًا وَبِالثَّمَرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقَائِمَةَ إلَّا إذَا زَادَ لَفْظَ أَبَدًا فَيَصِيرُ كَالْغَلَّةِ فَيَسْتَحِقُّهَا دَائِمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ عُرْفًا فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا سَيَحْدُثُ وَبَعْضُ الْأَلْفَاظِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَأَبَدًا وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْغَلَّةُ فَتَنْتَظِمُ الْمَوْجُودَ وَمَا يَكُونُ يَعْرِضُ أَنْ يُوجَدَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ فُلَانٌ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ أَوْ أَرْضِهِ أَوْ دَارِهِ فَيُصَدَّقُ عَلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِصُوفِ غَنَمِهِ أَوْ لَبَنِهَا) أَيْ الْغَنَمِ (أَوْ أَوْلَادِهَا فَلَهُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَطْ) سَوَاءٌ (قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ الْمُوصَى بِهِ مَا فِي بُطُونِهَا مِنْ الْأَوْلَادِ وَمَا فِي ضُرُوعِهَا مِنْ الْأَلْبَانِ وَمَا عَلَى ظُهُورِهَا مِنْ الصُّوفِ يَوْمَ مَاتَ الْمُوصِي سَوَاءٌ قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّهَا إيجَابٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَوْمئِذٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الصُّوفَ وَالْوَلَدَ وَاللَّبَنَ الْمَوْجُودَاتِ يَصِحُّ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ تَبَعًا بِكُلِّ عَقْدٍ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ فَأَمَّا الْمَعْدُومُ مِنْهَا فَلَمْ يُشْرَعْ اسْتِحْقَاقُهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ فَأَمَّا الثَّمَرَةُ أَوْ الْغَلَّةُ الْمَعْدُومَةُ فَيَصِحُّ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فَلَأَنْ تُسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ أَوْلَى.
[بَاب وَصِيَّة الذِّمِّيّ]
ّ إنَّمَا ذَكَرَ وَصِيَّةَ الذِّمِّيِّ عَقِيبَ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مُلْحَقُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
(وَلَوْ جَعَلَ الذِّمِّيُّ دَارِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ) أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ، وَوَقْفُ الْمُسْلِمِ يُورَثُ عَنْهُ فَهَذَا أَوْلَى وَإِنَّمَا قُلْنَا يُورَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْصِيَةٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةً، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِهَا تَقْرِيرَ الْمَعْصِيَةِ (وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) أَيْ بِجَعْلِ دَارِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً (لِقَوْمٍ مُسَمِّينَ جَازَ) أَيْ الْإِيصَاءُ (مِنْ الثُّلُثِ) اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَمَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ وَلِلْمُوصِي وِلَايَةَ كِلَيْهِمَا.
(وَكَذَا) يَجُوزُ (فِي غَيْرِ الْمُسَمِّينَ) بِأَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ غَيْرِ مَخْصُوصِينَ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا إنَّهَا بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يُوصِيَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالْوَصِيَّةِ لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَتَصِحُّ تَمَلُّكًا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَانُوا
следующие страницы →