← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

لَهُ أَقْرَبُ مِنْ الْخَالَيْنِ فَكَانَ لَهُمَا. (وَإِنْ) كَانَ (لَهُ عَمٌّ) وَاحِدٌ (فَقَطْ فَنِصْفُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ (لَهُ) أَيْ لِلْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْجَمْعِ فِيهِ وَيُرَدُّ النِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الثُّلُثِ إلَى الْوَرَثَةِ لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَمْعٌ وَأَدْنَاهُ اثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَلِهَذَا يُعْطَى لَهُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ لِلْوَرَثَةِ. (وَإِنْ) كَانَ لَهُ (عَمٌّ وَعَمَّةٌ وَخَالٌ وَخَالَةٌ فَالْوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ وَالْعَمَّةِ عَلَى السَّوَاءِ) لِاسْتِوَاءِ قَرَابَتِهِمَا، وَقَرَابَةُ الْعُمُومَةِ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الْخُؤُولَةِ، وَالْعَمَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَرِيبُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا (وَعِنْدَهُمَا الْوَصِيَّةُ لِلْكُلِّ عَلَى السَّوِيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَشْتَرِطَانِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ كَمَا اشْتَرَطَهُ الْإِمَامُ. (وَأَهْلُ الرَّجُلِ زَوْجَتُهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ رَجُلٍ فَهِيَ لِزَوْجَتِهِ (وَعِنْدَهُمَا) أَهْلُ الرَّجُلِ (مَنْ يَعُولُهُمْ وَتَضُمُّهُمْ نَفَقَتُهُ) يَعْنِي عِنْدَهُمَا أَهْلُ الرَّجُلِ مَنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ الْمُؤَيَّدِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، وَلِلْإِمَامِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] أَيْ زَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ ﵊ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةِ كَذَا أَيْ تَزَوَّجَ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَآلُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِآلِ فُلَانٍ فَهِيَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ آبَائِهِ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَلَا أَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ قَرَابَةِ أُمِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ (وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ يُعَدَّانِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (وَأَهْلُ نَسَبِهِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ (وَجِنْسُهُ أَهْلُ بَيْتِ أَبِيهِ) دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ فَصَارَ كَآلِهِ بِخِلَافِ قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّوْنَ قَرَابَةً. (وَالْوَصِيَّةُ) مُبْتَدَأٌ (لِبَنِي فُلَانٍ) (وَهُوَ أَبٌ صُلْبٌ) جُمْلَةٌ وَهُوَ أَبٌ صُلْبٌ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ (لِلذُّكُورِ خَاصَّةً) خَبَرُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ لِلذُّكُورِ وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ) أُخْرَى (عَنْ الْإِمَامِ) يَدْخُلُ فِيهِ (الْإِنَاثُ أَيْضًا) أَيْ كَالذُّكُورِ وَدُخُولُ الْإِنَاثِ فِي بَنِي فُلَانٍ إمَّا تَغْلِيبٌ أَوْ مَجَازٌ بِإِرَادَةِ الْفُرُوعِ. (وَ) الْوَصِيَّةُ (لِوَرَثَةِ فُلَانٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِرَاثَةِ فَإِذَا بَانَ قَصْدُهُ التَّفْصِيلَ وَهِيَ فِي أَوْلَادِ الْمُوَرِّثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ كَالْمِيرَاثِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ. (وَ) لَوْ أَوْصَى (لِوَلَدِ فُلَانٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى السَّوَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْتَظِمُ بِالْكُلِّ (وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الِابْنِ عِنْدَ وُجُودِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقِيقَةً يَتَنَاوَلُ

стр. 1472

وَلَدَ الصُّلْبِ وَتَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ حَتَّى إذَا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ صُلْبِيَّةٌ وَبَنُو ابْنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِلْبَنَاتِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا (وَيَدْخُلُونَ) أَيْ أَوْلَادُ الِابْنِ (عِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ أَوْلَادُ الصُّلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (دُونَ أَوْلَادِ الْبِنْتِ) وَإِنَّمَا لَا يَدْخُلُونَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ إنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى أَبِيهِمْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ. (وَإِنْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُوَ) أَيْ فُلَانٌ (أَبُو قَبِيلَةٍ) كَبَنِي تَمِيمٍ مَثَلًا (لَا يُحْصَوْنَ) كَثْرَةً (فَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ (بَاطِلَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِعَدَمِ إحْصَائِهِمْ فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الصَّرْفِ. (وَإِنْ) أَوْصَى (لِأَيْتَامِهِمْ أَوْ عُمْيَانِهِمْ أَوْ زَمْنَاهُمْ أَوْ أَرَامِلِهِمْ فَلِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنْهُمْ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى إنْ كَانُوا) أَيْ الْمُوصَى لَهُمْ (يُحْصَوْنَ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَأَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فِي حَقِّهِمْ، ثُمَّ قِيلَ حَدُّ الْإِحْصَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لَا يَحْتَاجَ مَنْ يَعُدُّهُمْ إلَى حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَهَذَا أَيْسَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ (وَلِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ خَاصَّةً إنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةُ وَهَذِهِ الْأَسَامِي أَعْنِي الْأَيْتَامَ وَمَا بَعْدَهُ تُشْعِرُ بِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْفُقَرَاءِ. (وَ) إنْ أَوْصَى (لِمَوَالِيهِ فَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ أَعْتَقَهُمْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ وَلِأَوْلَادِهِمْ) أَيْ أَوْلَادِ الْمُعْتَقِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِعْتَاقُهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَازِمٌ فِي حَقِّهِمْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَنُسِبُوا إلَى الْوَلَاءِ كَالْمُعْتَقِينَ (وَلَا يَدْخُلُ) فِيهَا (مَوْلَى الْمُوَالَاةِ) ؛ لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ بِالْعِتْقِ وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ بِالْعَقْدِ فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْمُعْتَقِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى الْمُعْتِقِ بِوَاسِطَةِ آبَائِهِمْ بِوَلَاءٍ وَاحِدٍ (وَلَا) يَدْخُلُ فِيهَا (مَوَالِي الْمَوَالِي إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ الْمَوَالِي؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مَوَالِي الْمُوصِي حَقِيقَةً فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ الِاسْمُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَوْلَى حَقِيقَةً كَمَا مَرَّ فِي وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ عَدَمِهِ. (وَتَبْطُلُ) الْوَصِيَّةُ (إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُوصِي (مُعْتِقُونَ) بِكَسْرِ التَّاءِ (وَمُعْتَقُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالِي مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَاخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا وَقَعَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ مَعَ الْمَوَالِي

стр. 1473

مُطْلَقًا لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي النَّفْيِ بَلْ لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْيَمِينِ بَعْضُهُ لَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَقَدْ قَرَّرَهُ فِي التَّقْرِيرِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ الْمَوَالِي مُشْتَرَكٌ وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ فَكَيْفَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا؟ قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ الْبَيَانِ وَالتَّوَقُّفُ فِي مِثْلِهِ لَا يُفِيدُ، فَإِنْ قِيلَ التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مُمْكِنٌ وَهِيَ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ فَتُصْرَفُ إلَى الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُمْ. وَأَمَّا فَضْلُ الْأَنْعَامِ فِي حَقِّ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالصَّرْفُ إلَى الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمَنْدُوبِ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا أُجِيبَ بِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِجِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ جَرَيَانُ الْعُرْفِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْغَالِبُ فِي الْمُعْتَقِينَ بِفَتْحِ التَّاءِ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ وَفِي الْمُعْتِقِينَ بِكَسْرِهَا الْغَالِبُ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى. (وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فِي الْوَصَايَا كَالْمَوَارِيثِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَصَايَا أُخْتُ الْمَوَارِيثِ وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْقُرْآنِ بِإِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي الْمَوَارِيثِ فَقُلْنَا فِي الْوَصَايَا إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ فِيهَا اثْنَانِ أَيْضًا حَمْلًا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي الْمَوَارِيثِ. [بَاب الْوَصِيَّة بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى وَالثَّمَرَة] لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَصَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَنَافِعِ وَأَخَّرَ هَذَا الْبَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ وُجُودِ الْأَعْيَانِ لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ. (تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ وَبِغَلَّتِهِمَا) أَيْ الْعَبْدِ وَالدَّارِ (مُدَّةً مُعَيَّنَةً) كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ مَثَلًا (وَأَبَدًا) ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْمِلُ التَّمْلِيكَ بِبَدَلٍ وَغَيْرِ بَدَلٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَيُحْتَمَلُ التَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَالْأَعْيَانِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوصِيَ يُبْقِي الْعَيْنَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَشْغُولًا بِتَصَرُّفِهِ مَوْقُوفًا عَلَى حَاجَتِهِ وَإِنَّمَا تَحْدُثُ الْمَنْفَعَةُ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا يَسْتَوْفِي الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ يَجُوزُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا كَالْعَارِيَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَالْإِرْثُ لَا يَجْرِي فِي الْخِدْمَةِ بِدُونِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَتَفْسِيرُهَا أَنْ يَقُومَ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِيمَا كَانَ مِلْكًا لِلْمُوَرِّثِ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يَبْقَى وَقْتَيْنِ وَالْمَنْفَعَةُ لَا تَبْقَى وَقْتَيْنِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَإِيجَابُ مِلْكٍ بِالْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا (فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ (مِنْ الثُّلُثِ سُلِّمَ إلَى الْمُوصَى لَهُ) بِخِدْمَتِهِ وَسُكْنَاهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ لَا يُزَاحِمُهُ الْوَرَثَةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (قُسِمَتْ الدَّارُ) عَيْنُهَا أَثْلَاثًا (وَتَهَايَئَا فِي الْعَبْدِ يَوْمَيْنِ لَهُمْ وَيَوْمًا لَهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ وَحَقَّهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ الْعَبْدِ أَجْزَاءً؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَصِرْنَا إلَى الْمُهَايَأَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ غَيْرَ

стр. 1474

مُؤَقَّتَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ كَالسَّنَةِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَتْ السَّنَةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ يَخْدُمُ لِلْوَرَثَةِ يَوْمَيْنِ وَلِلْمُوصَى لَهُ يَوْمًا إلَى أَنْ يَمْضِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ فَإِذَا مَضَتْ سُلِّمَ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، فَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّهَا يَخْدُمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ إلَى أَنْ تَمْضِيَ تِلْكَ السَّنَةُ، فَإِذَا مَضَتْ سُلِّمَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ مَاتَ الْمُوصَى بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِسُكْنَى الدَّارِ إذَا كَانَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَيْثُ تُقْسَمُ عَيْنُ الدَّارِ أَثْلَاثًا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لِإِمْكَانِ قِسْمَةِ عَيْنِ الدَّارِ أَجْزَاءً وَهُوَ أَعْدَلُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا زَمَانًا وَذَاتًا وَفِي الْمُهَايَأَةِ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا زَمَانًا وَلَوْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ مُهَايَأَةً مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ إلَّا أَنَّ الْأُولَى أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَعْدَلَ. (وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ رُدَّتْ) أَيْ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ الدَّارِ (إلَى وَرَثَةِ الْمُوصَى) ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ فَلَوْ انْتَقَلَ إلَى وَارِثِ الْوَصِيِّ لَهُ لَاسْتَحَقَّهَا ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ الْمُوصَى بِغَيْرِ رِضَاهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. (وَإِنْ مَاتَ) الْمُوصَى لَهُ (فِي حَيَاةِ الْمُوصِي بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَمِلْكُ الْمُوصِي ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَمَلُّكُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. (وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِغَلَّةِ الدَّارِ أَوْ الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ وَهَذَا اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ نَفْسِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا مُغَايِرَانِ وَيَتَفَاوَتَانِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ يُمْكِنُهُمْ أَدَاؤُهُ مِنْ الْغَلَّةِ بِاسْتِرْدَادِهَا مِنْهُ بَعْدَ اسْتِغْلَالِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ نَفْسَهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ. (وَلَا) يَجُوزُ (لِمَنْ وَصَّى لَهُ بِالْخِدْمَةِ) فِي الْعَبْدِ (وَالسُّكْنَى) فِي الدَّارِ (أَنْ يُؤَاجِرَ) الْعَبْدَ وَالدَّارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدٍ مُضَافٍ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَوْ تَمَلَّكَ الْمَنْفَعَةَ بِالِاسْتِئْجَارِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ تَمَلَّكَ الْإِجَارَةَ، وَكَذَا إذَا تَمَلَّكَ الْمَنْفَعَةَ بِالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِعَارَةِ اللُّزُومُ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ، وَلَنَا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا مِنْ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ كَالْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مَالِكٌ لِلْمَنْفَعَةِ إذْ التَّمْلِيكُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْمَنْفَعَةُ التَّمْلِيكَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَأَنْ تَحْتَمِلَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْلَى. (وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَمَاتَ) الْمُوصِي (وَفِيهِ) فِي الْبُسْتَانِ (ثَمَرَةٌ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (هَذِهِ) أَيْ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ (فَقَطْ) لَا مَا يَحْدُثُ

стр. 1475

بَعْدَهَا. (وَإِنْ زَادَ أَبَدًا) أَيْ زَادَ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لَفْظَ أَبَدًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ (هِيَ) أَيْ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ (وَمَا يُسْتَقْبَلُ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ أَعْنِي قَوْلَهُ هِيَ أَيْ يَسْتَحِقُّ الثَّمَرَةَ الْمَوْجُودَةَ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَمَلًا بِالتَّأْبِيدِ فِي لَفْظِ الْمُوصِي. (وَإِنْ أَوْصَى) لَهُ (بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الْمَوْجُودُ وَمَا يُسْتَقْبَلُ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ اسْتَحَقَّهَا دَائِمًا وَبِالثَّمَرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقَائِمَةَ إلَّا إذَا زَادَ لَفْظَ أَبَدًا فَيَصِيرُ كَالْغَلَّةِ فَيَسْتَحِقُّهَا دَائِمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ عُرْفًا فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا سَيَحْدُثُ وَبَعْضُ الْأَلْفَاظِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَأَبَدًا وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْغَلَّةُ فَتَنْتَظِمُ الْمَوْجُودَ وَمَا يَكُونُ يَعْرِضُ أَنْ يُوجَدَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ فُلَانٌ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ أَوْ أَرْضِهِ أَوْ دَارِهِ فَيُصَدَّقُ عَلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ. (وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِصُوفِ غَنَمِهِ أَوْ لَبَنِهَا) أَيْ الْغَنَمِ (أَوْ أَوْلَادِهَا فَلَهُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَطْ) سَوَاءٌ (قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ الْمُوصَى بِهِ مَا فِي بُطُونِهَا مِنْ الْأَوْلَادِ وَمَا فِي ضُرُوعِهَا مِنْ الْأَلْبَانِ وَمَا عَلَى ظُهُورِهَا مِنْ الصُّوفِ يَوْمَ مَاتَ الْمُوصِي سَوَاءٌ قَالَ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّهَا إيجَابٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَوْمئِذٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الصُّوفَ وَالْوَلَدَ وَاللَّبَنَ الْمَوْجُودَاتِ يَصِحُّ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ تَبَعًا بِكُلِّ عَقْدٍ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ فَأَمَّا الْمَعْدُومُ مِنْهَا فَلَمْ يُشْرَعْ اسْتِحْقَاقُهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ فَأَمَّا الثَّمَرَةُ أَوْ الْغَلَّةُ الْمَعْدُومَةُ فَيَصِحُّ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فَلَأَنْ تُسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ أَوْلَى. [بَاب وَصِيَّة الذِّمِّيّ] ّ إنَّمَا ذَكَرَ وَصِيَّةَ الذِّمِّيِّ عَقِيبَ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مُلْحَقُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ. (وَلَوْ جَعَلَ الذِّمِّيُّ دَارِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ) أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ، وَوَقْفُ الْمُسْلِمِ يُورَثُ عَنْهُ فَهَذَا أَوْلَى وَإِنَّمَا قُلْنَا يُورَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْصِيَةٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةً، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِهَا تَقْرِيرَ الْمَعْصِيَةِ (وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) أَيْ بِجَعْلِ دَارِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً (لِقَوْمٍ مُسَمِّينَ جَازَ) أَيْ الْإِيصَاءُ (مِنْ الثُّلُثِ) اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَمَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ وَلِلْمُوصِي وِلَايَةَ كِلَيْهِمَا. (وَكَذَا) يَجُوزُ (فِي غَيْرِ الْمُسَمِّينَ) بِأَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ غَيْرِ مَخْصُوصِينَ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا إنَّهَا بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يُوصِيَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالْوَصِيَّةِ لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَتَصِحُّ تَمَلُّكًا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَانُوا

стр. 1476

لَا يُحْصُونَ لَا تَصِحُّ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا قُرْبَةً؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ عِنْدَ الْكُلِّ وَثَانِيهَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَهُمْ قُرْبَةً عِنْدَنَا كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَسْجِدًا أَوْ يُسْرِجَ فِي الْمَسَاجِدَ أَوْ أَوْصَى بِالْحَجِّ فَهِيَ بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ لِأَنَّا نُعَامِلُهُمْ بِدِيَانَتِهِمْ. وَثَالِثُهَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا هُوَ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ لِعِتْقِ الرِّقَابِ، أَوْ يُسْرِجَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ إجْمَاعًا لِاتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ قُرْبَةً وَرَابِعُهَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ يُسْرَجُ فِيهِ، أَوْ تُذْبَحُ الْخَنَازِيرُ وَيُطْعَمُ الْمُشْرِكُونَ فَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الْإِمَامِ، سَمَّى قَوْمًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ، وَقَالَا هِيَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ. لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ بِمَعْصِيَةٍ وَفِي تَنْفِيذِهَا تَقْرِيرُ الْمَعْصِيَةِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْمَعَاصِي رَدُّهَا لَا قَبُولُهَا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ. وَلَهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ دِيَانَتُهُمْ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَهِيَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ فَتَصِحُّ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً عِنْدَنَا مَعْصِيَةٌ عِنْدَهُمْ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا لِدِيَانَتِهِمْ فَكَذَا عَكْسُهُ. (وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ مُسْتَأْمَنٍ لَا وَارِثَ لَهُ فِي دَارِنَا بِكُلِّ مَالِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) لِأَنَّ الْقَصْرَ عَلَى الثُّلُثِ شَرْعًا لِحَقِّ الْوَرَثَةِ حَتَّى تَنْفُذَ بِإِجَازَتِهِمْ وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ، وَالْحَجْرُ بِنَاءً عَلَى حَقٍّ مَعْصُومٍ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْحَجْرِ لِحَقٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ، إذْ حُقُوقُ أَهْلِ الْحَرْبِ غَيْرُ مَعْصُومَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ بِذِمَّةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ لِحُرْمَتِهِمْ. (وَإِنْ أَوْصَى) أَيْ الْمُسْتَأْمَنُ (بِبَعْضِهِ) أَيْ بِبَعْضِ مَالِهِ ثُمَّ مَاتَ (رُدَّ الْبَاقِي) مِنْ مَالِهِ (إلَى وَرَثَتِهِ) الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَيْضًا لَا رِعَايَةً لِحَقِّ الْوَرَثَةِ حَتَّى يُرَدَّ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يُرَدُّ الْبَاقِي إلَى وَرَثَتِهِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ. (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْمَنِ (مَا دَامَ فِي دَارِنَا) سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ (مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِنَا فَلَهُ حُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ وَيُمْكِنُ مِنْهُ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ (وَصَاحِبِ الْهَوَى) وَهُوَ الَّذِي يَتْبَعُ هَوَى نَفْسِهِ مَيْلًا لِلْبِدْعَةِ (إنْ لَمْ يَكْفُرْ بِهَوَاهُ) أَيْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْهَوَى (فَهُوَ كَالْمُسْلِمِ فِي الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْهَوَى. (فَكَالْمُرْتَدِّ) فَيَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ قَالَ فِي الْكَافِي وَوَصَايَا الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالذِّمِّيَّةِ

стр. 1477

لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ وَلَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا انْتَهَى. وَفِي الْمِنَحِ وَالْمُرْتَدَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ كَذِمِّيَّةٍ فَتَصِحُّ وَصَايَاهَا. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُسْلِمُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِي الزِّيَادَاتِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا تَصِحُّ مِنْهَا وَصِيَّةٌ، قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ هُنَا الْأَصَحُّ وَهُمَا يَصْدُقَانِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الذِّمِّيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُقَرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا، وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقَرُّ عَلَى اعْتِقَادِهَا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ كَالذِّمِّيَّةِ فَتَجُوزَ وَصِيَّتُهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهَا فَكَذَا الْوَصِيَّةُ وَذَكَرَ الْعَتَّابِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ إنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ فَحُكْمُ وَصَايَاهُ حُكْمُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ فَمَا صَحَّ مِنْهُمْ صَحَّ مِنْهُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَوَصِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ وَوَصَايَا الْمُرْتَدَّةِ نَافِذَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ عِنْدَنَا انْتَهَى فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمِنَحِ أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِ وَصِيَّتِهَا نَافِذَةً مَحَلُّ نَظَرٍ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا تَصِحُّ لِوَارِثِهِ) لِالْتِزَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُنَا كَمَا فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ (وَتَجُوزُ) وَصِيَّتُهُ (لِذِمِّيٍّ مِنْ غَيْرِ مِلَّتِهِ) كَوَصِيَّةِ نَصْرَانِيٍّ لِيَهُودِيٍّ وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (لَا) تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ (لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الْإِرْثَ فَكَذَا الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ. [بَاب الْوَصِيّ] ّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمُوصَى لَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُوصَى إلَيْهِ وَهُوَ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْوَصَايَا يَنْتَظِمُهُ أَيْضًا، قَدَّمَ أَحْكَامَ الْمُوصَى لَهُ لِكَثْرَتِهَا وَكَوْنِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهَا أَمَسَّ (وَمَنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَبِلَ فِي وَجْهِهِ وَرَدَّ) الْوَصِيَّةَ (فِي غَيْبَتِهِ لَا يَرْتَدُّ) ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ مَاتَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ فَلَوْ صَحَّ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَلَا اعْتِبَارَ لِرَدِّهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيَبْقَى وَصِيًّا كَمَا كَانَ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالْمُوصَى إلَيْهِ فِي أَنَّ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ وَبَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي يُعْتَبَرُ دُونَ رَدِّ الْمُوصَى إلَيْهِ، قُلْنَا إنَّ نَفْعَ الْوَصِيَّةِ لِلْمُوصَى لَهُ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمُوصَى إلَيْهِ فَإِنَّ نَفْعَ الْوَصِيَّةِ رَاجِعٌ إلَى الْمُوصِي فَكَانَ فِي رَدِّهِ بِغَيْرِهِ إضْرَارٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَلِهَذَا قُلْنَا لَا يُعْتَبَرُ رَدُّهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُوصِي. (وَإِنْ رَدَّ فِي وَجْهِهِ) أَيْ وَجْهِ الْمُوصِي (يَرْتَدُّ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ وِلَايَةُ إلْزَامِهِ التَّصَرُّفَ، وَلَا غُرُورَ فِيهِ فَتُوَقِّفَ عَلَى قَبُولِهِ (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) الْمُوصَى إلَيْهِ

стр. 1478

(وَلَمْ يَرُدَّ) بَلْ سَكَتَ (حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَهُوَ) أَيْ الْمُوصَى إلَيْهِ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُوصِي وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ فَبَقِيَ مُخَيَّرًا. (وَإِنْ بَاعَ) الْمُوصَى إلَيْهِ (شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُ الرَّدُّ وَإِنْ) كَانَ (غَيْرَ عَالَمٍ بِالْإِيصَاءِ) فَصَارَ بَيْعُهُ التَّرِكَةَ كَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْإِيصَاءِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ، وَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ قَبُولًا. (فَإِنْ رَدَّ) الْوَصِيُّ الْوِصَايَةَ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ مُوَرَّثِ الْمُوصِي (ثُمَّ قَبِلَ صَحَّ مَا لَمْ يَنْفُذْ قَاضٍ رَدَّهُ) وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْوِصَايَةِ لَمَّا قَالَ لَا أَقْبَلُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ لَا يُبْطِلُ الْإِيصَاءَ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمَيِّتِ، وَضَرَرُ الْوَصِيِّ فِي الْإِبْقَاءِ مَجْبُورٌ بِالثَّوَابِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْوِصَايَةِ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَكَانَ لَهُ إخْرَاجُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا أَقْبَلُ كَمَا أَنَّ لَهُ إخْرَاجَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ حَتَّى إذَا رَأَى غَيْرَهُ أَصْلَحَ كَانَ لَهُ عَزْلُهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا يَعْجَزُ وَهُوَ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرُ بِبَقَاءِ الْوَصِيَّةِ فَيَدْفَعُ الْقَاضِي الضَّرَرَ عَنْهُ، وَيَنْصِبُ حَافِظًا لِمَالِ الْمَيِّتِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ قَالَ أَقْبَلُ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ الْقَاضِي لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ بَعْدَمَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِإِخْرَاجِ الْقَاضِي إيَّاهُ. (وَإِنْ أَوْصَى إلَى عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي وَنَصَبَ غَيْرَهُ) أَيْ إذَا أَوْصَى إلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَخْرَجَهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوِصَايَةِ، وَاسْتَبْدَلَ غَيْرَهُمْ مَكَانَهُمْ، وَذَكَر الْقُدُورِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُمْ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ لَهُمْ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ يَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي السِّرَاجِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ إذَا أَوْصَى إلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ فَاسِقٍ أَخْرَجَهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوِصَايَةِ، وَلَوْ تَصَرَّفُوا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ جَازَ انْتَهَى، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ لَهُمْ وَوَجْهُ الصِّحَّةِ ثَمَّ الْإِخْرَاجُ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ أَصْلَ النَّظَرِ ثَابِتٌ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ حَقِيقَةً وَوِلَايَةِ الْفَاسِقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا، وَوِلَايَةِ الْكَافِرِ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ النَّظَرُ لِتَوَقُّفِ وِلَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى وَيُمْكِنُهُ بَعْدَهَا وَالْمُعَادَاةُ الدَّنِيَّةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَاتِّهَامِ الْفَاسِقِ بِالْجِنَايَةِ فَيُخْرِجُهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَيُقِيمُ غَيْرَهُمْ مَقَامَهُمْ إتْمَامًا لِلنَّظَرِ، وَشَرَطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ الْفَاسِقُ مَخُوفًا مِنْهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُعَذَّرُ بِذَلِكَ فِي إخْرَاجِهِ وَتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى إلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ مُكَاتَبِ غَيْرِهِ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي مَنَافِعِهِ كَالْحُرِّ، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْقِنِّ. (وَإِنْ) أَوْصَى (إلَى عَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ كُلُّ الْوَرَثَةِ صِغَارًا صَحَّ) الْإِيصَاءُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ مُسْتَبِدٌّ بِالتَّصَرُّفِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوِصَايَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَإِنَّ الصِّغَارَ وَإِنْ كَانُوا مُلَّاكًا لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ النَّظَرِ فَلَا مُنَافَاةَ (خِلَافًا لَهُمَا) وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقِيلَ قَوْلُ

стр. 1479

مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ يُرْوَى مَرَّةً مَعَ الْإِمَامِ وَمَرَّةً مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوِلَايَةَ مُتَقَدِّمَةٌ لِمَا أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِيهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْوِلَايَةِ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا قَلْبُ الْمَشْرُوعِ وَوَجْهُ مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ مَرَّ بَيَانُهُ. (وَإِنْ) كَانَ (فِيهِمْ) أَيْ فِي الْوَرَثَةِ (كَبِيرٌ بَطَلَ) الْإِيصَاءُ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ (إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَمْنَعَ الْعَبْدَ مِنْ التَّصَرُّفِ أَوْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ فَيَمْنَعَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ التَّصَرُّفِ فَيَعْجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِحَقِّ الْوِصَايَةِ. (وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَصِيَّةِ) أَيْ أُمُورِهَا (ضَمَّ) الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْعَاجِزِ (غَيْرَهُ) ؛ لِأَنَّ فِي الضَّمِّ رِعَايَةَ الْحَقَّيْنِ حَقِّ الْمُوصِي وَحَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ النَّظَرِ يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ يَتِمُّ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ شَكَا الْوَصِيُّ إلَى الْقَاضِي ذَلِكَ فَلَا يُجِيبُهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الشَّاكِيَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا تَخْفِيفًا عَلَى نَفْسِهِ. (وَإِنْ كَانَ) الْوَصِيُّ (قَادِرًا) عَلَى الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْوِصَايَةِ (أَمِينًا لَا يُخْرَجُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفَاعِلُهُ الْمَنُوبُ عَنْهُ هُوَ الْقَاضِي. (وَإِنْ شَكَا إلَيْهِ الْوَرَثَةُ) كُلُّهُمْ (أَوْ بَعْضُهُمْ) مِنْهُ أَيْ مِنْ الْوَصِيِّ (مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ خِيَانَةٌ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ، وَهُوَ أَمِينٌ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارُ الْمَيِّتِ، وَلَوْ اخْتَارَ غَيْرَهُ كَانَ دُونَهُ فَكَانَ إبْقَاؤُهُ أَوْلَى. أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَصِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى أَبِي الْمَيِّتِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا شَكَتْ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ إلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ مِنْهُ خِيَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ مِنْ الْمَيِّتِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ الْخِيَانَةُ فَاتَتْ الْأَمَانَةُ، وَالْمَيِّتُ إنَّمَا اخْتَارَهُ لِأَجْلِهَا، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ فَوْتِهَا، وَهُوَ لَوْ كَانَ حَيًّا لَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ عِنْدَ عَجْزِهِ، وَيُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ كَأَنَّهُ مَاتَ وَلَا وَصِيَّ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا فَعَلَ الْقَاضِي مَا لَيْسَ لَهُ، وَعَزَلَ الْوَصِيَّ الْعَدْلَ الْمُخْتَارَ هَلْ يَنْعَزِلُ أَمْ لَا وَذَكَرَ ذَلِكَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ وَصِيُّ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ عَدْلًا كَافِيًا فَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا يَعْزِلُهُ وَلَا يَنْصِبُ وَصِيًّا آخَرَ، وَلَوْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ كَافٍ لَا يَعْزِلُهُ وَلَكِنْ يَضُمُّ إلَيْهِ كَافِيًا، وَلَوْ عُزِلَ يَنْعَزِلُ وَكَذَا لَوْ عَزَلَ الْقَاضِيَ الْعَدْلَ الْكَافِيَ يَنْعَزِلُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ. وَقَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ قُلْت. وَفِي وَسِيطِ الْمُحِيطِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَصِيرُ جَائِرًا آثِمًا، قَالَ وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَا يَنْعَزِلُ الْعَدْلُ الْكَافِي بِعَزْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارُ الْمَيِّتِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقَاضِي وَعَزَا فِي الْقُنْيَةِ انْعِزَالَ الْعَدْلِ الْكَافِي لِخُوَاهَرْ زَادَهْ وَأَنَّ ظَهِيرَ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيَّ اسْتَبْعَدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاضِي لِأَنَّهُ الْمَيِّتُ، وَأَنَّ أُسْتَاذَهُ الْبَدِيعَ قَالَ إذَا كَانَ هَذَا فِي وَصِيِّ الْمَيِّتِ فَكَيْفَ وَصِيُّ الْقَاضِي وَنَحْوُهُ الْمَبْسُوطُ وَالْهِدَايَةُ انْتَهَى. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْوَصِيُّ مِنْ الْمَيِّتِ لَوْ عَدْلًا كَافِيًا لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَهُ فَلَوْ عَزَلَهُ هَلْ يَنْعَزِلُ أَقْوَالُ الصَّحِيحِ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُوصِي وَهُوَ

стр. 1480

أَشْفَقُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْقَاضِي فَكَيْفَ يَعْزِلُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ لِفَسَادِ قُضَاةِ الزَّمَانِ كَمَا فِي الْمِنَحِ فَقَدْ أَفَادَ تَرْجِيحَ عَدَمِ صِحَّةِ الْعَزْلِ لِلْوَصِيِّ. (وَإِنْ أَوْصَى إلَى اثْنَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا) بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ، ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا تَصَرَّفَ فِي الْمَالِ غَيْرِ الْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ، ثُمَّ أَجَازَ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ الَّتِي يَجُوزُ لِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا مَا اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا بِشِرَاءِ كَفَنٍ وَتَجْهِيزٍ) فَإِنَّهُ لَا يُبْتَنَى عَلَى الْوِلَايَةِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا غَائِبًا فَفِي اشْتِرَاطِ اجْتِمَاعِهِمَا فَسَادُ الْمَيِّتِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ جِيرَانُهُ جَازَ (وَخُصُومَةٍ) فِي حُقُوقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهَا عَادَةً وَلَوْ اجْتَمَعَا لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا أَحَدُهُمَا غَالِبًا عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ تَكَلَّمَا حَالَ الْخُصُومَةِ مَعًا رُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ الْقَاضِي دَعْوَاهُمَا لِاخْتِلَاطِ كَلَامِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهِمَا أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ أَيْضًا (وَقَضَاءِ دَيْنٍ) كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ (وَطَلَبِهِ) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْغَيْرِ (وَشِرَاءِ حَاجَةِ الطِّفْلِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ خَوْفَ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ كَخَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ (وَقَبُولِ الْهِبَةِ لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَلِهَذَا تَمْلِكُهُ الْأُمُّ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ (وَرَدِّ وَدِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِعْتَاقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ) لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَذْكُورَاتُ مُعَيَّنَةً فَرُبَّمَا اُحْتِيجَ فِيهَا إلَى الرَّأْيِ فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ دُونَ الْآخَرِ (وَرَدِّ مَغْصُوبٍ) فَيَجُوزُ لِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ الِانْفِرَادُ بِرَدِّهِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوا الْمَغْصُوبَ بِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَلَمْ يُبَيِّنُوا السِّرَّ فِي إطْلَاقِهِ عَنْ التَّقْيِيدِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمَّلْ (أَوْ مُشْرَى شِرَاءً فَاسِدًا) فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الرَّأْيِ (وَجَمْعِ أَمْوَالٍ ضَائِعَةٍ وَحِفْظِ الْمَالِ) لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إلَى اجْتِمَاعِهِمَا خَوْفَ الْفَوَاتِ (وَبَيْعِ مَا يُخَافُ تَلَفُهُ) إذْ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَفِي التَّأْخِيرِ إلَى الِاجْتِمَاعِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ الِانْفِرَادُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (مُطْلَقًا) وَلَا يَخْتَصُّ الِانْفِرَادُ بِالْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ إذَا ثَبَتَ لِاثْنَيْنِ شَرْعًا تَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَامِلًا عَلَى الِانْفِرَادِ كَالْأَخَوَيْنِ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ فَكَذَا إذَا ثَبَتَتْ شَرْطًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤَ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقُدْرَةُ لَا تَتَجَزَّأُ وَلَهُمَا أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْوِلَايَةِ التَّفْوِيضُ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ صِفَةِ التَّفْوِيضِ وَالْمُوصِي إنَّمَا فَوَّضَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا مَعًا وَهَذَا الشَّرْطُ مُقَيَّدٌ فَلَمْ يَثْبُتْ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ فَمَا رَضِيَ إلَّا بِرَأْيِ الِاثْنَيْنِ، وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِهِمَا بِخِلَافِ الْأَخَوَيْنِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ ثَمَّةَ الْأُخُوَّةُ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ

стр. 1481

وَالسَّبَبُ هُنَا الْإِيصَاءُ، وَهُوَ إلَيْهِمَا لَا إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْإِنْكَاحَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لَهَا عَلَى الْوَلِيِّ حَتَّى لَوْ طَالَبَتْهُ بِإِنْكَاحِهَا مِنْ كُفُؤٍ خَاطِبٍ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُنَا حَقُّ التَّصَرُّفِ لِلْوَصِيِّ وَلِهَذَا بَقِيَ مُخَيَّرًا فِي التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فَلِهَذَا قَالَ بِجَوَازِ الِانْفِرَادِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَعْدُودَةِ دُونَ غَيْرِهَا، ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَوْصَى إلَى كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا إذَا أَوْصَى إلَيْهِمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا ذَكَرَهُ الْإِسْكَافُ. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ أَقَامَ الْقَاضِي غَيْرَهُ مَقَامَهُ إنْ لَمْ يُوصِ إلَى آخَرَ) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْبَاقِيَ عَاجِزٌ عَنْ التَّفَرُّدِ بِالتَّصَرُّفِ فَيَضُمُّ الْقَاضِي إلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَالْوَرَثَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْحَيُّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، لَكِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ أَنْ يَخْلُفَهُ مُتَصَرِّفَانِ فِي حُقُوقِهِ وَذَلِكَ مُمْكِنُ التَّحَقُّقِ بِنَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ مَكَانَ الْوَصِيِّ الْمَيِّتِ. (وَإِنْ أَوْصَى) الْوَصِيُّ الَّذِي مَاتَ (إلَى الْحَيِّ جَازَ) الْإِيصَاءُ (وَيَتَصَرَّفُ) الْحَيُّ (وَحْدَهُ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا إذَا أَوْصَى إلَى شَخْصٍ آخَرَ، وَلَا يَحْتَاجُ الْقَاضِي إلَى نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ لِأَنَّ رَأْيَ الْمَيِّتِ يَكُونُ بَاقِيًا حُكْمًا بِرَأْيِ مَنْ يَخْلُفُهُ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَيَّ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْضَى بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَفَّى رَضِيَ بِرَأْيِ الِاثْنَيْنِ وَقَدْ وُجِدَ (وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ وَصِيٌّ فِي التَّرِكَتَيْنِ) أَيْ إذَا مَاتَ الْوَصِيُّ فَأَوْصَى إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي تَرِكَتِهِ وَتَرِكَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ وَصِيًّا فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ فَوَّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفَ، وَلَمْ يُفَوِّضْ لَهُ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ غَيْرِهِ. وَلَنَا أَنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ مُنْتَقِلَةٍ إلَيْهِ فَيَمْلِكُ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ كَالْجَدِّ أَلَا يَرَى أَنَّ الْوِلَايَةَ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوصِي تَنْتَقِلُ إلَى الْوَصِيِّ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ وَلَوْ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ لَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْوِلَايَةُ مَلَكَ الْإِيصَاءَ. (وَكَذَا إنْ أَوْصَى) الْوَصِيُّ الْمَيِّتُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى آخَرَ (فِي إحْدَاهُمَا) أَيْ فِي إحْدَى التَّرِكَتَيْنِ يَعْنِي إذَا أَوْصَى إلَى آخَرَ فِي تَرِكَتِهِ يَكُونُ وَصِيًّا فِيهِمَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَرِكَةَ مُوصِيهِ تَرِكَتُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهَا ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي إحْدَاهُمَا يُفِيدُ عُمُومَ الْوَصِيَّةِ لِتَرِكَتِهِ أَوْ تَرِكَةِ مُوصِيهِ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى فِي تَرِكَتِهِ فَقَطْ يَكُونُ وَصِيًّا فِيهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا إذَا أَوْصَى فِي تَرِكَةِ مُوصِيهِ لَكِنْ قَالَ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِأَخِي حَلَبِيٍّ

стр. 1482

قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ مَالَ مُوصِيهِ يُشْعِرُ بِعَدَمِ كَوْنِهِ وَصِيًّا فِيهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ ذِكْرِ الْمَالِ الْمُوصَى وَحْدَهُ بِدُونِ ذِكْرِ مَالِهِ، وَلَمْ نَجِدْ فِيهِ رِوَايَةً فِي الْمُعْتَبَرَاتِ بَلْ الْمَوْجُودُ فِيهَا أَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مَعَ مَالِ مُوصِيهِ، أَوْ قَالَ جَعَلْته وَصِيًّا بِغَيْرِ قَيْدٍ فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَصِيرُ وَصِيًّا فِي الْمَالَيْنِ وَمَا يُشْعِرُهُ فِي الْمَتْنِ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا انْتَهَى. (وَتَصِحُّ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ) نِيَابَةً (عَنْ الْوَرَثَةِ مَعَ الْمُوصَى لَهُ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ غُيَّبًا أَوْ صِغَارًا أَيْ يَجُوزُ لِلْمُوصِي أَنْ يَقْسِمَ التَّرِكَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الْغُيَّبِ أَوْ الصِّغَارِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ حَقَّ الْوَرَثَةِ، وَيُسَلِّمَ الْبَاقِيَ إلَى الْمُوصَى لَهُ (فَلَا يَرْجِعُونَ) أَيْ الْوَرَثَةُ (عَلَى الْمُوصَى لَهُ لَوْ هَلَكَ حَظُّهُمْ فِي يَدِ الْوَصِيِّ) ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ يَكُونُ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْهَلَاكُ فِي نَصِيبِهِ (لَا) تَصِحُّ (مُقَاسَمَتُهُ) أَيْ الْوَصِيِّ (مَعَهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ نِيَابَةً (عَنْ الْوَصِيِّ لَهُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ، وَالْوَارِثَ خَلِيفَةٌ عَنْ الْمَيِّتِ أَيْضًا حَتَّى يُرَدَّ بِالْعَيْبِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ فَصَلَحَ الْوَصِيُّ خَصْمًا عَنْ الْوَارِثِ نِيَابَةً عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ خَلِيفَةً لِأَحَدٍ كَانَ خَلِيفَةً لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ فَصَارَ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا فَصَحَّتْ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ مِلْكًا جَدِيدًا وَلِهَذَا لَا يَرُدُّ بِالْعَيْبِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصْلُحْ الْوَصِيُّ خَصْمًا عَنْهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا فَلَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِ (فَيَرْجِعُ) الْمُوصَى لَهُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْوَرَثَةِ (بِثُلُثِ مَا بَقِيَ لَوْ هَلَكَ حَظُّهُ فِي يَدِ الْمُوصِي) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ لَمْ تَنْفُذْ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ فِي التَّرِكَةِ فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَارِثِ فَيَنْوِيَ مَا نَوَى مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الشَّرِكَةِ وَيَبْقَى مَا بَقِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ (وَصَحَّتْ) الْقِسْمَةُ (لِلْقَاضِي لَوْ قَاسَمَهُمْ) نِيَابَةً (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ (وَأَخَذَ قِسْطَهُ) أَيْ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَلَى الْغَائِبِ فَكَانَتْ قِسْمَتُهُ كَقِسْمَةِ الْغَائِبِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْقِسْمَةُ مِنْ الْقَاضِي كَانَ لَهُ أَنْ يَفْرِزَ نَصِيبَهُ وَيَقْبِضَهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ عَنْ الْغَائِبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ سَبِيلٌ وَلَا عَلَى الْقَاضِي. (وَفِي الْوَصِيَّةِ بِحَجٍّ لَوْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ الْوَرَثَةَ فَضَاعَ عِنْدَهُ) أَيْ الْوَصِيِّ (يُؤْخَذُ لِلْحَجِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) فِي يَدِ الْوَصِيِّ يَعْنِي إذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِحَجٍّ فَقَاسَمَ لَهُ الْوَصِيُّ مَعَ الْوَرَثَةِ، وَأَخَذَ الْمَالَ الْمُوصَى بِهِ فَضَاعَ فِي يَدِهِ أُحِجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ. (وَكَذَا لَوْ دَفَعَهُ) أَيْ دَفَعَ الْوَصِيُّ الْمَالَ الْمُوصَى بِهِ (لِمَنْ يَحُجُّ فَضَاعَ فِي يَدِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَاللَّامُ فِي لِمَنْ بِمَعْنَى إلَى يُؤْخَذُ لِلْحَجِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُزَادُ لِذَاتِهَا بَلْ لِمَقْصُودِهَا، وَهُوَ تَأْدِيَةُ الْحَجِّ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَحَجَّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ

стр. 1483

إنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أُخِذَ وَإِلَّا فَلَا) ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا بَقِيَ مَحَلُّهَا، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ حَقُّ الْوَصِيِّ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ أَفْرَزَ الْمُوصِي نَفْسُهُ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ بِهِ فَهَلَكَ الْمَالُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَكَذَا إذَا أَفْرَزَهُ الْوَصِيُّ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ. (وَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ مِنْ التَّرِكَةِ عَبْدًا مَعَ غَيْبَةِ الْغُرَمَاءِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْمُوصِي بِنَفْسِهِ حَالَ حَيَاتِهِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَكَذَا الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ وَالْبَيْعُ لَا يُبْطِلُ الْمَالِيَّةَ لِفَوَاتِهَا إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ الثَّمَنُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ لِلْغُرَمَاءِ حَقَّ الِاسْتِسْعَاءِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. (وَإِنْ أَوْصَى بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ) عَلَى الْمَسَاكِينِ (فَبَاعَهُ وَصِيُّهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ وَاسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ ضَمِنَهُ) أَيْ ضَمِنَ الْوَصِيُّ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ الْتَزَمَ لِلْعُهْدَةِ بِالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذِهِ عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ لَمْ يَرْضَ بِدَفْعِ الثَّمَنِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَقَدْ أَخَذَ الْوَصِيُّ مَالَ الْغَيْرِ بِرِضَاهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ (وَرَجَعَ) الْوَصِيُّ (بِهِ) أَيْ بِمَا ضَمِنَ (فِي التَّرِكَةِ) أَيْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْمَيِّتِ فِي تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ، وَكَانَ الْإِمَامُ يَقُولُ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَرْجِعُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ لَا لِتَنْفِيذِهَا فَأَخَذَ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ وَمَحِلُّهَا الثُّلُثُ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ فَكَانَ الضَّمَانُ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَمَحَلُّ قَضَاءِ الدَّيْنِ كُلُّ التَّرِكَةِ بِخِلَافِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ إذَا تَوَلَّى الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا عُهْدَةَ وَفِي الْتِزَامِ الْعُهْدَةِ عَلَى الْقَاضِي تَعْطِيلُ الْقَضَاءِ لِنِفَارِ النَّاسِ عَنْ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ خَوْفًا عَنْ لُزُومِ الضَّمَانِ، وَفِي تَعْطِيلِهِ تَعْطِيلُ مَصَالِحِ النَّاسِ وَأَمِينُ الْقَاضِي سَفِيرٌ عَنْهُ كَالرَّسُولِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ لِلْمَيِّتِ لَا لِلْوَرَثَةِ وَصَارَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ الْمَفَالِيسِ. (وَلَوْ قَسَّمَ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ فَأَصَابَ) الْوَارِثَ (الصَّغِيرَ شَيْءٌ فَقَبَضَهُ) الْوَصِيُّ (وَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَضَاعَ وَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ) الَّذِي بَاعَهُ الْوَصِيُّ (رَجَعَ) الْوَصِيُّ (فِي مَالِ الصَّغِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ. (وَ) رَجَعَ (الصَّغِيرُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ) لِبُطْلَانِ الْقِسْمَةِ بِاسْتِحْقَاقِ مَا أَصَابَهُ. (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْوَصِيِّ وَلَا شِرَاؤُهُ لَا بِمَا يُتَغَابَنُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِيهِ) نَائِبُ الْفَاعِلِ لِيُتَغَابَن وَلَا يَصِحُّ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 1484

﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَلِأَنَّ النَّظَر فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ تَعْطِيلَ مَصَالِحِهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ يَصِحُّ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ إذْ الْإِذْنُ فَكُّ الْحَجْرِ، أَمَّا الْوَصِيُّ فَتَصَرُّفُهُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا فَيَتَقَيَّدُ بِمَوْضِعِ النَّظَرِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ (وَيَصِحَّانِ) أَيْ بَيْعُ الْوَصِيِّ وَشِرَاؤُهُ (مِنْ نَفْسِهِ إنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ) لِلصَّغِيرِ كَمَا إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ مَتَاعًا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَةَ بِعَشَرَةٍ مِنْ الصَّغِيرِ أَوْ اشْتَرَى مِنْ مَتَاعِ الصَّغِيرِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ لِنَفْسِهِ صَحَّ (خِلَافًا لَهُمَا) قِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ وَلِلْإِمَامِ مَا تَلَوْنَا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَالتَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ دَاخِلٌ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْيَتِيمِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا فِي وَصِيِّ الْأَبِ، وَأَمَّا وَصِيُّ الْقَاضِي فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ وَلِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الصَّغِيرِ بِأَنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الصَّغِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ يَرْغَبَ الْمُشْتَرِي بِضِعْفِ قِيمَتِهِ أَوْ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ حَاجَةٌ إلَى الثَّمَنِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ يُفْتَى وَزَادَ فِي الْفَوَائِدِ الزَّيْنِيَّةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ ثَلَاثُ مَسَائِلَ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةَ أَحَدُهَا إذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ لَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُهَا إلَّا مِنْهُ، وَفِيمَا إذَا كَانَتْ غَلَّاتُهُ لَا تَزِيدُ عَلَى مُؤْنَتِهِ، وَفِيمَا إذَا كَانَ حَانُوتًا أَوْ دَارًا يُخْشَى عَلَيْهِ النُّقْصَانُ انْتَهَى وَزَادَ فِي الْخَانِيَّةِ أُخْرَى وَهِيَ إذَا كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِ مُتَغَلِّبٍ، وَخَافَ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ فَلَهُ بَيْعُهُ انْتَهَى. (وَلَهُ) أَيْ لِلْوَصِيِّ (دَفْعُ الْمَالِ) أَيْ مَالِ الصَّغِيرِ (مُضَارَبَةً وَشَرِكَةً وَبِضَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ وَلِلْأَبِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ فَكَذَا لِلْوَصِيِّ. (وَ) لَهُ (قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْإِمْلَاءِ) مِنْ الْمُلَاءَةِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ الْمُحِيلُ الْمَدْيُونُ (لَا عَلَى الْأَعْسَرِ) مِنْ الْمُحِيلِ الْمَدْيُونِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ بِسُقُوطِهِ حَاكِمٌ يَرَى سُقُوطَ الدَّيْنِ إذَا مَاتَ الثَّانِي مُفْلِسًا وَلَا يَرَى الرُّجُوعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَمْلَأَ وَأَقْدَرَ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ بِأَنْ كَانَ الثَّانِي أَفْلَسَ مِنْ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ. بَقِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ يَسَارًا وَإِعْسَارًا هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْوَصِيِّ

стр. 1485

(وَلَا لِلْأَبِ الْإِقْرَاضُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لِلْيَتِيمِ، وَيُحْتَمَلُ التَّوَى فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ الِاقْتِرَاضُ) أَيْ أَخْذُ الْقَرْضِ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ (لَا لِلْوَصِيِّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ لِلْوَصِيِّ (وَلَا يَتَّجِرُ) الْوَصِيُّ (فِي مَالِ الصَّغِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التِّجَارَةِ (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ الْوَصِيِّ (عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ) إذَا كَانَ الْمَبِيعُ (غَيْرَ الْعَقَارِ) لِأَنَّ الْأَبَ يَلِي بَيْعَ مَا سِوَى الْعَقَارِ، وَلَا يَلِيهِ فَكَذَا وَصِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ غَيْرَ الْعَقَارِ أَيْضًا وَلَا الْأَبُ كَمَا لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ حِفْظُ مَالِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا فِيمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّ حِفْظَ ثَمَنِهِ أَيْسَرُ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْحِفْظَ فَكَذَا وَصِيُّهُ وَأَمَّا الْعَقَارُ فَمَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ دِينَ بَاعَ الْعَقَارَ، ثُمَّ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا بَاعَ كُلَّهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا بَاعَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ حِفْظًا كَالْمَنْقُولِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَوَصِيُّ الْأَبِ أَحَقُّ بِمَالِ الصَّغِيرِ مِنْ جَدِّهِ) ؛ لِأَنَّ بِالْإِيصَاءِ تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ الْأَبِ إلَيْهِ، فَكَانَتْ وِلَايَةُ الْأَبِ قَائِمَةً مَعْنًى فَيُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ كَالْأَبِ نَفْسِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْجَدُّ أَحَقُّ بِهِ حَيْثُ أَقَامَهُ الشَّرْعُ مَقَامَ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ (فَإِنْ لَمْ يُوصِ الْأَبُ فَالْجَدُّ كَالْأَبِ) أَيْ إنْ لَمْ يُوصِ الْأَبُ إلَى أَحَدٍ فَالْجَدُّ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ مِنْ الْغَيْرِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ فِي الْإِرْثِ حَتَّى يَمْلِكَ الْإِنْكَاحَ دُونَ الْوَصِيِّ أَمَّا وَصِيُّ الْأَبِ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ

стр. 1486

وَفِي النِّهَايَةِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ فِي الْوَصِيَّةِ أَمْرًا مُخْتَصًّا بِالْوَصِيَّةِ أَخَّرَ ذِكْرَهَا لِعَدَمِ عَرَاقَتِهَا فِيهِ. [فَصَلِّ شَهِدَ الْوَصِيَّانِ أَنْ الْمَيِّت أَوْصَى إلَى زَيْد مَعَهُمَا] لَا تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ نَفْعًا لِأَنْفُسِهِمَا بِإِثْبَاتِ الْمُعَيَّنِ لَهُمَا فَبَطَلَتْ لِلتُّهْمَةِ فَإِذَا بَطَلَتْ ضَمَّ الْقَاضِي إلَيْهِمَا ثَالِثًا؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ شَهَادَتِهِمَا إقْرَارًا مِنْهُمَا بِأَنَّ الْمُوصِي ضَمَّ إلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَإِقْرَارُهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يَتَمَكَّنَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ بَعْدَ ذَلِكَ بِدُونِهِ فَصَارَ فِي حَقِّهِمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَوْصِيَاءِ الثَّلَاثِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ ثَالِثًا فَكَذَا هُنَا (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ زَيْدٌ) أَيْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ أَنَّهُ وَصِيٌّ مَعَهُمَا فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ كَالْأَوَّلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الْوَصِيِّ ابْتِدَاءً فِيمَا إذَا مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَصِيًّا وَلَهُ وِلَايَةُ ضَمِّ آخَرَ إلَيْهِمَا فَكَانَ هَذَا مِثْلُهُ فِي ضَمِّ مُدَّعِي الْوِصَايَةِ. (وَكَذَا) لَا تُقْبَلُ (لَوْ شَهِدَ ابْنَا الْمَيِّتِ) أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى زَيْدٍ وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ لِجَرِّهِمَا بِشَهَادَتِهِمَا نَفْعًا، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لَهُمَا حَافِظًا لِلتَّرِكَةِ فَكَانَا مُتَّهَمَيْنِ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَوْ ادَّعَى الْمَشْهُودُ لَهُ الْوِصَايَةَ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (وَلَغَتْ) أَيْ بَطَلَتْ (شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ بِمَالٍ لِلصَّغِيرِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ صَغِيرٍ بِمَالٍ لَهُ عَلَى آخَرَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مُنْتَقِلًا إلَيْهِ مِنْ الْمَيِّتِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِلتُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِمَا (وَكَذَا) تَلْغُو شَهَادَتُهُمَا (لِلْكَبِيرِ فِي مَالٍ) انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ (الْمَيِّتِ) لِلتُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ لِأَنْفُسِهَا وِلَايَةَ الْحِفْظِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْكَبِيرِ وَبَيْعِ الْعَقَارِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمَا (وَصَحَّتْ) شَهَادَتُهُمَا (لَهُ) أَيْ لِلْكَبِيرِ وَحْدَهُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ مَالٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا حِينَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنَّمَا أَقَامَهَا مَقَامَهُ فِي تَرِكَتِهِ لَا فِي غَيْرِهَا هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا لِلْكَبِيرِ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي مَالٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَرُّفَ لَهُمَا فِي حَضْرَةِ الْكَبِيرِ فَعَرِيَتْ شَهَادَتُهُمَا عَنْ التُّهْمَةِ وَلِلْإِمَامِ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا مِنْ التُّهْمَةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْكَبِيرِ فَكَفَتْ هَذِهِ التُّهْمَةُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِمَا. (وَشَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَتَجُوزُ عَلَيْهِ (لَا لَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ تَحَقُّقِ التُّهْمَةِ بِإِثْبَاتِهِ لِنَفْسِهِ التَّصَرُّفَ. (وَلَوْ) كَانَتْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ (بَعْدَ الْعَزْلِ) مِنْ الْوِصَايَةِ. (وَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَصِيُّ خَصْمًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنْ عَزَلَهُ الْقَاضِي، وَنَصَبَ غَيْرَهُ خَصْمًا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى لِاحْتِمَالِ التُّهْمَةِ بِأَنْ يَكُونَ جَرَّ لِنَفْسِهِ مَغْنَمًا زَمَانَ وِصَايَتِهِ فَيَشْهَدَ خَوْفًا مِنْ زَوَالِهِ. (وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِآخَرَيْنِ بِدَيْنٍ أَلْفٍ)

стр. 1487

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَلْفٌ مُضَافًا إلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ دَيْنٍ إذَا قُرِئَ مُنَكَّرًا وَعَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ فَهِيَ بَيَانِيَّةٌ (عَلَى مَيِّتٍ، وَ) شَهِدَ (الْآخَرَانِ لَهُمَا) أَيْ لِلشَّاهِدَيْنِ أَوَّلَيْنِ (بِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَهُوَ أَلْفٌ (صَحَّتَا) أَيْ الشَّهَادَتَانِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عِنْدَهُمَا (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَهُ لِلتُّهْمَةِ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُثْبِتَةً حَقَّ الشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي أَثْبَتَاهُ عَلَى الْمَيِّتِ. وَلَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِحُقُوقٍ شَتَّى فَلَا شَرِكَةَ وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا مَعًا وَشَهِدُوا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ، وَأَمَّا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ لِاثْنَيْنِ فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ادَّعَى ائْتَزَرْتُ الشَّاهِدَانِ دَيْنًا آخَرَ عَلَى الْمَيِّتِ فَشَهِدَ لَهُمَا الْغَرِيمَانِ الْأَوَّلَانِ تُقْبَلُ وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُمَا إذَا جَاءُوا مَعًا كَانَ شَهَادَةُ كُلِّ فَرِيقٍ مُعَاوَضَةً لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ فَتَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ دَعْوَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَإِنَّهُ حَيْثُ ثَبَتَ الْحَقُّ لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ بِلَا تُهْمَةٍ وَالثَّانِي لَا يُزَاحِمُهُ فَصَارَ كَالْأَوَّلِ فِي انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ. (وَلَوْ شَهِدَ كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ بِوَصِيَّةٍ أَلْفٍ لَا تَصِحُّ) الشَّهَادَةُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَةِ الْأَلْفِ الدَّيْنِ. (وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ بِوَصِيَّةٍ جَارِيَةٍ وَالْآخَرُ لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْفَرِيقِ (بِوَصِيَّةِ عَبْدٍ صَحَّتْ) شَهَادَةُ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فَلَا تُهْمَةَ كَذَا قَالُوا لَكِنَّ احْتِمَالَ الْمُعَاوَضَةِ فِي الشَّهَادَةِ بَاقٍ كَمَا فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ بِالدَّيْنِ أَوْ الْوَصِيَّةِ بِالْأَلْفِ تَأَمَّلْ. (وَإِنْ شَهِدَ) الْفَرِيقُ (الْآخَرُ لَهُ) أَيْ لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ (بِوَصِيَّةِ ثُلُثٍ لَا تَصِحُّ) يَعْنِي إذَا شَهِدَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِوَصِيَّةِ عَبْدٍ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَشَهِدَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ بِوَصِيَّةِ ثُلُثٍ لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لِمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى أَيْضًا أَثْبَتَ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بِخِلَافِ وَصِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَاب الْخُنْثَى] وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِالضَّمِّ أَوْرَدَهُ عَقِيبَ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ أَحْوَالِ مَنْ هُوَ نَاقِصُ الْقُوَّةِ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ أَحْوَالِ مَنْ هُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ (هُوَ) أَيْ الْخُنْثَى مِنْ الْخَنْثِ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ وَهُوَ اللِّينُ وَالتَّكَسُّرُ وَأَلِفُهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَلِذَا لَا يَلْحَقُهَا أَلْفٌ وَلَا نُونٌ وَكُلُّ الْقِيَاسِ أَنْ يُوصَفَ بِالْمُؤَنَّثِ، وَيُؤَنَّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَظَرُوا إلَى عَدَمِ تَحْقِيقِ التَّأْنِيثِ فِي ذَاتِهِ فَلَمْ يُلْحِقُوا عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فِي وَصْفِهِ وَتَذْكِيرُهُ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورَةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَنَّثْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَنَا فَذُكِرَ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ

стр. 1488

كَالْجُزْءِ وَالشَّكْلِ (مَنْ لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجٌ) أَيْ مَا لَهُ آلَةُ الرِّجَالِ وَآلَةُ النِّسَاءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ عَرِيَ عَنْ الْأَلْيَتَيْنِ جَمِيعًا. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ خِلَافُهُ قَالَ وَفِيمَا ذَكَرَهُ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا، وَخَرَجَ بَوْلُهُ مِنْ سُرَّتِهِ لَيْسَ بِخُنْثَى وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَأَبُو يُوسُفَ إنَّا لَا نَدْرِي اسْمَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ فِي حُكْمِ الْأُنْثَى. (وَإِنْ بَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا اُعْتُبِرَ بِهِ) أَيْ إنْ بَالَ مِنْ ذَكَرِهِ فَذَكَرٌ وَأَنْ بَالَ مِنْ فَرْجِهِ فَأُنْثَى؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ كَيْفَ يُورَثُ فَقَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ» وَلِأَنَّ التَّبَوُّلَ مِنْ أَيْ عُضْوٍ كَانَ فَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعُضْوُ الْأَصْلِيُّ الصَّحِيحُ وَالْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ. (وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الذَّكَرِ وَالْفَرْجِ (اُعْتُبِرَ الْأَسْبَقُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ سَبْقُ خُرُوجِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ. (وَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي الْخُرُوجِ (فَهُوَ مُشْكِلٌ) أَيْ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ لَا عِلْمَ لِي بِهِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا تَوَقَّفَ فِيهِ مِنْ كَمَالِ وَرَعِهِ (وَلَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ) أَيْ كَثْرَةِ الْبَوْلِ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عِنْدَهُ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا يُنْسَبُ إلَى أَكْثَرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ قُوَّةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَلِكَوْنِهِ عُضْوًا أَصْلِيًّا، وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ فَيَتَرَجَّحُ الْكَثْرَةُ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. وَلَهُ أَنَّ كَثْرَةَ الْخُرُوجِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ لِاتِّسَاعٍ فِي أَحَدِهِمَا وَضِيقٍ فِي الْآخَرِ. (فَإِذَا بَلَغَ) الْخُنْثَى بِالسِّنِّ (فَإِنْ ظَهَرَتْ بَعْضُ عَلَامَاتِ الرِّجَالِ مِنْ نَبَاتِ لِحْيَةٍ أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ احْتِلَامٍ كَالرَّجُلِ) أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ مُسْتَوٍ (فَرَجُلٌ) أَيْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّجَالِ (فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ مِنْ حَيْضٍ وَحَبَلٍ وَانْكِسَارِ ثَدْيٍ وَنُزُولِ لَبَنٍ فِيهِ وَتَمْكِينٍ مِنْ الْوَطْءِ فَامْرَأَةٌ) أَيْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ النِّسَاءِ. (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ) مِنْ عَلَامَاتِ الذُّكُورَةِ وَلَا مِنْ عَلَامَاتِ الْأُنُوثَةِ (أَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الْمَعَالِمُ) مِثْلُ مَا إذَا حَاضَ وَخَرَجَتْ لَهُ لِحْيَةٌ، أَوْ يَأْتِي وَيُؤْتَى (فَمُشْكِلٌ) أَيْ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. وَعَنْ الْحَسَنِ يُعَدُّ أَضْلَاعُهُ فَإِنَّ ضِلْعَ الرَّجُلِ يَزِيدُ عَلَى ضِلْعِ الْمَرْأَةِ بِوَاحِدٍ (قَالَ مُحَمَّدٌ الْإِشْكَالُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِذَا بَلَغَ فَلَا إشْكَالَ) . وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا بَلَغَ صَاحِبُ الْأَلْيَتَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَزُولَ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَامَعَ بِذَكَرِهِ أَوْ نَبَتَ لَهُ لِحْيَةٌ أَوْ احْتَلَمَ كَاحْتِلَامِ الرِّجَالِ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ نَبَتَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ رَأَى حَيْضًا أَوْ جُومِعَ كَمَا يُجَامَعْنَ أَوْ ظَهَرَ بِهِ حَبَلٌ أَوْ نَزَلَ فِي ثَدْيِهِ لَبَنٌ فَهِيَ امْرَأَةٌ كَمَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ. (وَإِذَا ثَبَتَ الْإِشْكَالُ أُخِذَ فِيهِ) أَيْ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (بِالْأَحْوَطِ فَيُصَلِّي بِقِنَاعٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً حَتَّى لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَهَا إذَا كَانَ حُرًّا، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ جُلُوسَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ السَّتْرَ عَلَى النِّسَاءِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ (وَيَقِفُ بَيْنَ صَفَّيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) فَيُقَدَّمُ عَلَى النِّسَاءِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَجُلًا (فَلَوْ وَقَفَ فِي صَفِّهِمْ) أَيْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ

стр. 1489

فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ لَكِنْ (يُعِيدُ) صَلَاتَهُ (مَنْ لَاصَقَهُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَمَنْ بِحِذَائِهِ مِنْ خَلْفِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ، وَهَذَا إذَا نَوَى الْإِمَامُ إمَامَةَ النِّسَاءِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُعِيدَ هَؤُلَاءِ صَلَاتَهُمْ بَلْ يُعِيدُ هُوَ احْتِيَاطًا. (وَإِنْ) وَقَفَ (فِي صَفِّهِنَّ) أَيْ صَفِّ النِّسَاءِ (أَعَادَ) صَلَاتَهُ (هُوَ) أَيْ الْخُنْثَى فَقَطْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ احْتِيَاطًا (فَلَا يَلْبَسُ) الْخُنْثَى (حَرِيرًا وَلَا حُلِيًّا) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَكَرًا وَالتَّرْجِيحُ لِلْحَظْرِ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ (وَيَلْبَسُ الْمِخْيَطَ فِي إحْرَامِهِ وَلَا يَكْشِفُ) نَفْسَهُ (عِنْدَ رَجُلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَاهِقَةً لَمْ يَنْظُرْ إلَى مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفِّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ مُرَاهِقًا لَمْ يَنْظُرْ إلَى مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ (وَلَا) عِنْدَ (امْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إلَى مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ مُرَاهِقًا كَانَ أَوْ مُرَاهِقَةً كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَلَا يَخْلُو بِهِ) أَيْ بِالْبَالِغِ وَمَا فِي حُكْمِهِ (غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) تَحَرُّزًا عَنْ احْتِمَالِ الْحَرَامِ (وَلَا يُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ) مِنْ الرِّجَالِ وَلَا مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ مَحَارِمِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ فَيَكُونُ سَفَرَ امْرَأَتَيْنِ بِلَا مَحْرَمٍ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (وَلَا يَخْتِنُهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ) تَحَرُّزًا عَنْ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ وَالْجَرَّاحِ النَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ النَّظَرِ لِلضَّرُورَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ الْخِتَانِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ لَكِنَّ النَّظَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّهِ لِأَنَّ الْخِتَانَ عِنْدَنَا سَنَةٌ تَدَبَّرْ وَهَذَا إذَا كَانَ مُرَاهِقًا، وَإِلَّا فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتِنَ (بَلْ تَبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ) عَالِمَةٌ بِالْخَتْنِ (تَخْتِنُهُ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْخُنْثَى (مَالٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَمْلُوكَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي حَالِ الْعُذْرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ (فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) يُقْرَضُ ثَمَنُهَا وَيَشْتَرِيهَا؛ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا إذَا كَانَ أَبُوهُ مُعْسِرًا وَإِلَّا فَمِنْ مَالِ أَبِيهِ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الْخَتْنِ (تُبَاعُ) الْأَمَةُ وُجُوبًا، وَيُرَدُّ ثَمَنُهَا إلَى بَيْتِ الْمَالِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَالِمَةً بِخَتْنِهِ عَلَى مَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَذَهَبَ الْحَلْوَانِيُّ إلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ امْرَأَةً يَنْظُرُ الْجِنْسُ إلَى الْجِنْسِ وَالنِّكَاحُ لَغْوٌ وَإِلَّا فَكَنَظَرِ الْمَنْكُوحَةِ إلَى النَّاكِحِ. (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ظُهُورِ حَالِهِ) مِنْ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ (لَا يُغَسَّلُ) لِلِاحْتِمَالَيْنِ (بَلْ يَتَيَمَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَسُّ شَيْءٌ فِيهِ إلَّا الْوَجْهُ وَالْيَدُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنْ لَا يُشْتَرَى لِأَجْلِ الْغُسْلِ أَمَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى خِرْقَةٍ عَلَى الْيَدِ عِنْدَ التَّيَمُّمِ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ هَذَا إذَا كَانَ الْمُتَيَمِّمُ مَحْرَمًا فَقَدْ يَتَيَمَّمُ بِالْخِرْقَةِ. (وَيُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ) كَمَا تُكَفَّنُ

стр. 1490

الْمَرْأَةُ فَهُوَ أَحَبُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى (وَلَا يَحْضُرُ بَعْدَمَا رَاهَقَ غُسْلَ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ) لِاحْتِمَالِ الْحَالَيْنِ (وَنُدِبَ تَسْجِيَةُ قَبْرِهِ) أَيْ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ عِنْدَ الدَّفْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَسَتْرُ قَبْرِهَا وَاجِبٌ (وَيُوضَعُ الرَّجُلُ) أَيْ جِنَازَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ بِيَقِينٍ (مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْخُنْثَى بِقُرْبِ الرَّجُلِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ (ثُمَّ) تُوضَعُ (الْمَرْأَةُ) بِقُرْبِ الْخُنْثَى لِيَبْعُدَ عَنْ النَّظَرِ (إنْ صَلَّى عَلَيْهِمْ جُمْلَةً) رِعَايَةً لِحَقِّ التَّرْتِيبِ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْجَنَائِزِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلٍّ مُنْفَرِدًا لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ. (وَلَهُ) أَيْ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (أَخَسُّ النَّصِيبَيْنِ مِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الْإِمَامِ) وَأَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ. وَفِي الْكِفَايَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ الْإِمَامِ. وَفِي النَّظْمِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَهُمَا فِي ظَاهِرِ الْأُصُولِ أَيْ الْأَقَلِّ مِنْ نَصِيبِ الذَّكَرِ وَمِنْ نَصِيبِ الْأُنْثَى فَإِنَّهُ يُنْظَرُ نَصِيبُهُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ وَعَلَى أَنَّهُ أُنْثَى فَيُعْطَى الْأَقَلَّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَحْرُومًا عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ فَرَّعَهُ وَقَالَ (فَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ عَنْهُ) أَيْ الْخُنْثَى (وَعَنْ ابْنٍ فَلِلِابْنِ سَهْمَانِ وَلَهُ سَهْمٌ) عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ مُتَيَقَّنٌ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكٌّ، وَالْمَالُ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ وَلَوْ تَرَكَهُ وَبِنْتًا فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَرْضًا وَرَدًّا. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَذَا فِي صُورَتَيْنِ. الْأُولَى مَا يُفْرَضُ فِيهِ الْخُنْثَى أُنْثَى كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالثَّانِيَةُ مَا يُفْرَضُ فِيهِ ذَكَرًا، وَهَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى صُورَتَيْنِ. أَحَدُهُمَا مَا يَكُونُ فِيهِ الْخُنْثَى مَحْرُومًا كَمَا إذَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخُنْثَى لِأَبٍ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أُخْتًا فَلَهُ سَهْمٌ هُوَ السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَلِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ نِصْفٌ فَتَعُولُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ إلَى سَبْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَخًا فَمَحْرُومٌ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ بَعْدَ فَرْضِهِمَا وَهُوَ النِّصْفَانِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَخَسُّ الْحَالَيْنِ فَيُفْرَضُ كَوْنُهُ ذَكَرًا. وَالثَّانِيَةُ مَا يَكُونُ غَيْرَ مَحْرُومٍ كَمَا إذَا تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَخُنْثَى لِأَبٍ وَأُمٍّ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْخُنْثَى أُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَلَهُ نِصْفٌ كَالزَّوْجِ وَلِلْأُمِّ ثُلُثٌ فَتَعُولُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَإِنْ كَانَ أَخًا فَلَهُ سَهْمٌ وَلِلزَّوْجِ نِصْفٌ وَلِلْأُمِّ ثُلُثٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ أَخَسُّ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الْوَاحِدَ مِنْ سِتَّةٍ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ مِنْ ثَمَانِيَةٍ فَيُفْرَضُ كَوْنُهُ ذَكَرًا أَيْضًا. (وَ) فِيمَا إذَا تَرَكَ الْخُنْثَى أَبَاهُ وَابْنًا (عِنْدَ الشَّعْبِيِّ لَهُ نِصْفُ النَّصِيبَيْنِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) تَخْرِيجًا أَوْ مَذْهَبًا، وَذَلِكَ أَنَّ لِلِابْنِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كُلَّ الْمِيرَاثِ وَلِلْبِنْتِ نِصْفَهُ، فَكَانَ نِصْفُ الْكُلِّ اثْنَيْنِ وَنِصْفٌ وَوَاحِدٌ وَالْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَإِنْ خَرَجَ أَرْبَعَةٌ تَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ فَيُجْعَلُ لِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ وَلِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ وَالْمَجْمُوعُ يَكُونُ سَبْعَةً (وَخَمْسَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) تَخْرِيجًا، وَذَلِكَ إنْ كَانَ ذَكَرًا كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ أُنْثَى كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ النِّصْفِ أَيْ الرُّبْعَ، وَنِصْفُ الثُّلُثِ أَيْ السُّدُسَ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ فَيُحْتَاجُ إلَى عَدَدٍ لَهُ رُبْعٌ وَسُدُسٌ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ وَرُبْعُهُ ثَلَاثَةٌ وَسُدُسُهُ اثْنَانِ وَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةٌ فَهِيَ لِلْخُنْثَى وَالْبَاقِي أَيْ سَبْعَةٌ لِلِابْنِ وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إنَّمَا هُوَ بِثُلُثِ رُبْعِ السُّبُعِ

стр. 1491

كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُحَاسِبِ. (وَلَوْ قَالَ سَيِّدُهُ كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ أَوْ كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ) ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُ الْخُنْثَى. (وَلَوْ قَالَ بَعْدَ تَقَرُّرِ إشْكَالِهِ أَنَا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى لَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى يُخَالِفُ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ إشْكَالِهِ (يُقْبَلُ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَمِينٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَا لَمْ يُعْرَفْ خِلَافُ مَا قَالَهُ. [مَسَائِل شَتَّى] قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا ذِكْرَ مَسَائِلَ شَتَّى أَوْ مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ أَوْ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِينَ لِتَدَارُكِ مَا لَمْ يَذْكُرُوا بِحَقِّ ذِكْرِهِ فِيهِ خُصُوصًا إذَا انْتَهَى الْكِتَابُ (كِتَابَةُ الْأَخْرَسِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْآتِي كَالْبَيَانِ (وَإِيمَاؤُهُ بِمَا يُعْرَفُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَإِيمَاؤُهُ (بِهِ إقْرَارُهُ بِنَحْوِ تَزَوُّجٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِيمَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّنَازُعِ، وَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَوَصِيَّةٍ وَقَوَدٍ) وَجَبَ (عَلَيْهِ أَوَّلُهُ كَالْبَيَانِ) إذَا كَانَ إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ يَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ يَكُونُ بَيَانًا مِنْ الْقَادِرِ فَمَا ظَنُّك مِنْ الْعَاجِزِ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا قُرِئَ عَلَى الْأَخْرَسِ كِتَابُ وَصِيَّةٍ فَقِيلَ لَهُ نَشْهَدُ عَلَيْك بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ أَوْ كَتَبَ فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ الشُّرَّاحُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ؛ لِأَنَّ مَا يَجِيءُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَالَةَ الْإِنْكَارِ مِثْلُ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَرْضًا وَالثَّانِي مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَالَةَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ طُولًا إذَا كَانَ مَعْهُودًا مِنْهُ فِي نَعَمْ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ فِي تَقْدِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَعَيَّنَ أَنَّ وَضْعَهَا فِيمَا جَاءَ مِنْهُ دَلَالَةُ الْإِقْرَارِ فَلَمْ تَبْقَ حَاجَةٌ فِي تَقْدِيرِ جَوَابِهَا إلَى قَوْلِهِ فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ بَلْ كَانَ يَكْفِي قَوْلُهُ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا وُرُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الشَّارِحِينَ أَنْ يُطَابِقُوا بِكَلَامِهِمْ كَلَامَ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِيضَاحِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِكَلَامِهِمْ قَالَ مَا قَالَ. (وَلَا يُحَدُّ الْأَخْرَسُ لِقَذْفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ) كَالزِّنَاءِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَيْ لَا يَكُونُ كِتَابَةُ الْأَخْرَسِ وَإِيمَاؤُهُ بِالْقَذْفِ وَلَا كِتَابَتُهُ وَإِيمَاؤُهُ بِالْإِقْرَارِ بِالزِّنَاءِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ كَالْبَيَانِ حَتَّى يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَفِي كِتَابَتِهِ وَإِيمَائِهِ شُبْهَةٌ، وَكَذَا لَا يُحَدُّ لَهُ إذَا كَانَ مَقْذُوفًا لِبَقَاءِ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا

стр. 1492

لِلْقَاذِفِ كَمَا مَرَّ فِي الْحُدُودِ (وَمُعْتَقَلُ اللِّسَانِ) أَيْ الَّذِي احْتَبَسَ لِسَانُهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ (إنْ امْتَدَّ بِهِ ذَلِكَ) الِاعْتِقَالُ إلَى سَنَةٍ فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ الِامْتِدَادُ إلَى أَوَانِ الْمَوْتِ إذْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ قَالَ إذَا دَامَتْ الْعُقْلَةُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْإِشَارَةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِمَعْنًى لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، قَالُوا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ (وَعُلِمَتْ إشَارَتُهُ) أَيْ الْمُعْتَقَلِ (فَهُوَ كَالْأَخْرَسِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَمْتَدَّ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ إشَارَتُهُ (فَلَا) يَكُونُ كَالْأَخْرَسِ حُكْمًا هَذَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً، وَذَلِكَ فِي الْأَخْرَسِ دُونَ الْمُعْتَقَلِ، وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْأَصْلِيِّ لَازِمَةٌ وَفِي الْعَارِضِيِّ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ إلَّا إذَا عُهِدَتْ الْإِشَارَةُ بِالِامْتِدَادِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُكْمُ الْمُعْتَقَلِ كَحُكْمِ الْأَخْرَسِ فِي الِامْتِدَادِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ هُوَ الْعَجْزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ وَلَا بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ. (وَالْكِتَابَةُ مِنْ الْغَائِبِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُضُورِ فَلَا يَكُونُ فِي كَوْنِهَا حُجَّةً ضَرُورَةٌ بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ لَكِنْ (قَالُوا الْكِتَابَةُ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (إمَّا مُسْتَبِينٌ مَرْسُومٌ) أَيْ مُعَنْوَنٌ مَصْدَرٌ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ أَوْ يَكْتُبَ إلَى فُلَانٍ وَفِي آخِرِهِ مِنْ فُلَانٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ الْكِتَابَةِ (كَالنُّطْقِ فِي الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ) عَلَى مَا قَالُوا فَيَلْزَمُ حُجَّةً وَفِي زَمَانِنَا الْخَتْمُ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَكَذَا الْكَتْبُ عَلَى كَاغَدٍ حَيْثُ يُشْتَرَطُ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَوْ كَتَبَ عَلَى الْغَيْرِ يَكُونُ غَيْرَ مَرْسُومٍ فَلِهَذَا قَالَ (وَأَمَّا مُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجِدَارِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَيَنْوِي فِيهِ) فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ مِنْ الصَّرِيحِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً (وَأَمَّا غَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ) بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ غَيْرِ مَسْمُوعٍ (وَلَا عِبْرَةَ بِهِ) فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ

стр. 1493

وَإِنْ نَوَى، وَأَمَّا الْإِشَارَةُ فَهُوَ حُجَّةٌ مِنْ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلَا تَخْتَصُّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بَلْ تَثْبُتُ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ وَتَثْبُتُ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ فَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ بِإِشَارَتِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَالْغَالِبُ فِي الْقِصَاصِ حَقُّ الْعَبْدِ وَالْحُدُودُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ. (وَإِذَا اخْتَلَطَ الذَّكِيَّةُ بِمَيْتَةٍ أَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الذَّكِيَّةِ (تَحَرَّى وَأَكَلَ) فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَيْتَةُ أَقَلَّ مِنْهَا بَلْ مُسَاوِيَةً أَوْ أَكْثَرَ فَلَا تُؤْكَلُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ لَكِنْ (يَتَحَرَّى) فِي أَكْلِهَا (عِنْدَ الِاضْطِرَارِ) وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا كَانَ الْغَنَمُ مَذْبُوحَةً وَفِيهَا مَيْتَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ تَحَرَّى فِيهَا وَأَكَلَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَكْثَرَ أَوْ كَانَتَا نِصْفَيْنِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَاَلَّذِي تُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكِيَّةً أَوْلَى غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إلَى الذَّكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ دَلِيلٌ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ وَلَنَا أَنَّ الْغَلَبَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إفَادَةِ الْإِبَاحَةِ. أَلَا يُرَى أَنَّ أَسْوَاقَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو عَنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ مَعَ ذَلِكَ يَحِلُّ التَّنَاوُلُ اعْتِمَادًا عَلَى الْغَالِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَقَلِيلِ النَّجَاسَةِ وَقَلِيلِ الِانْكِشَافِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا نِصْفَيْنِ أَوْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَغْلَبَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ. (وَإِذَا أَحْرَقَ رَأْسَ الشَّاةِ الْمُتَلَطِّخَ بِدَمٍ، وَزَالَ دَمُهُ فَاِتَّخَذَ مِنْهُ مَرَقَةً جَازَ) اسْتِعْمَالُهَا (وَالْحَرْقُ كَالْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَأْكُلُ مَا فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ أَوْ يُحِيلَهُ فَيَصِيرَ الدَّمُ رَمَادًا فَيَطْهُرَ بِالِاسْتِحَالَةِ قَالُوا إذَا تَنَجَّسَ التَّنُّورُ يَطْهُرُ بِالنَّارِ حَتَّى لَا يَتَنَجَّسَ الْخُبْزُ. (وَلَوْ جَعَلَ السُّلْطَانُ الْخَرَاجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ جَازَ بِخِلَافِ الْعُشْرِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُ أَنَّ صَاحِبَ الْخَرَاجِ لَهُ حَقٌّ فِي الْخَرَاجِ فَصَحَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ صِلَةٌ مِنْ الْإِمَامِ وَالْعُشْرُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْخُلُوصِ كَالزَّكَاةِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ خَرَاجَ أَرْضِ رَجُلٍ أَوْ كَرْمِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِصَرْفِ الْخَرَاجِ إلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ لَهُ، وَهُوَ الْفَتْوَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ إلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ وَلَوْ تَرَكَ الْعُشْرَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ. (وَلَوْ دَفَعَ) الْإِمَامُ (الْأَرَاضِيَ الْمَمْلُوكَةَ إلَى قَوْمٍ) أَيْ إنْ عَجَزَ أَصْحَابُ الْخَرَاجِ عَنْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَأَدَاءِ الْخَرَاجِ وَدَفَعَ الْإِمَامُ الْأَرَاضِيَ إلَى غَيْرِ

стр. 1494

أَصْحَابِهَا بِالْأُجْرَةِ أَيْ يُؤَاجِرُهَا مِنْ الْقَادِرِينَ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا (لِيُعْطُوا الْخَرَاجَ) لِمُسْتَحِقِّهِ (جَازَ) ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ أُجْرَتِهَا يَدْفَعُهُ إلَى أَصْحَابِهَا وَهُمْ الْمُلَّاكُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إزَالَةِ مِلْكِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا وَجْهَ إلَى تَعْطِيلِ حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْإِمَامُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهَا بَاعَهَا الْإِمَامُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَلَوْ لَمْ يَبِعْهَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ فِي الْخَرَاجِ أَصْلًا وَلَوْ بَاعَ يَفُوتُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ وَالْفَوَاتُ إلَى خَلَفٍ كَلَا فَوَاتٍ فَيَبِيعُ تَحْقِيقًا لِلنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا غَيْرَهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ثُمَّ إذَا بَاعَهَا يَأْخُذُ الْخَرَاجَ الْمَاضِيَ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ وَرَدَّ الْفَضْلَ إلَى أَصْحَابِهَا. قِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقَاضِي يَمْلِكُ بَيْعَ مَالِ الْمَدْيُونِ بِالدَّيْنِ وَالنَّفَقَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُهَا لَكِنْ يَأْمُرُ مُلَّاكَهَا بِبَيْعِهَا، وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ أَنَّ فِي هَذَا إلْزَامَ ضَرَرٍ خَاصٍّ لِنَفْعٍ عَامٍّ وَلِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْعَامِّ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْأَرْضِ فَصَارَ كَدَيْنِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ فِيهِمَا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِالرَّقَبَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَنْ أَيِّ يَوْمٍ صَحَّ) أَيْ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَقَضَاهُ نَاوِيًا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ عَنْ يَوْمِ كَذَا جَازَ وَكَذَا لَوْ صَامَ وَنَوَى عَنْ يَوْمَيْنِ جَازَ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ. (وَلَوْ عَنْ رَمَضَانَيْنِ فَلَا) يَصِحُّ (فِي الْأَصَحِّ) مَا لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَكَذَا) لَا يَصِحُّ (فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ لَوْ نَوَى ظُهْرًا عَلَيْهِ مَثَلًا، وَلَمْ يَنْوِ أَوَّلَ ظُهْرٍ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ أَوْ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا) وَلَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَعَيَّنَتْ بِتَعْيِينِهِ وَكَذَا الْوَقْتُ مُعَيَّنٌ بِكَوْنِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، فَإِذَا نَوَى أَوَّلَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ وَصَلَّى مِمَّا يَلِيهِ يَصِيرُ أَوَّلًا أَيْضًا فَيَدْخُلُ فِي نِيَّةِ أَوَّلِ ظُهْرٍ عَلَيْهِ ثَانِيًا، وَكَذَا ثَالِثًا إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى وَكَذَا الْآخِرُ وَهَذَا مُخَلِّصُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي فَاتَتْهُ أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ التَّسْهِيلَ عَلَى نَفْسِهِ (وَقِيلَ يَصِحُّ) نِيَّتُهُ عَنْ رَمَضَانَيْنِ وَكَذَا نِيَّتُهُ ظُهْرًا عَلَيْهِ مَثَلًا (فِيهِمَا) أَيْ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ (أَيْضًا) أَيْ لَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَيَّ يَوْمٍ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ. (وَلَوْ ابْتَلَعَ الصَّائِمُ بُزَاقَ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ حَبِيبَهُ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَبِيبَهُ (فَلَا) يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ. (وَقَتْلُ بَعْضِ الْحَاجِّ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْحَجِّ) ؛ لِأَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ قَتْلِ الْبَعْضِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ الْحَجِّ فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ. (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ عِنْدَ

стр. 1495

شَاهِدَيْنِ تُوزَن مِنْ شُدِيَ) يَعْنِي أَنْتِ هَلْ صِرْت زَوْجَةً لِي (فَقَالَتْ) الْمَرْأَةُ (" شدم ") أَيْ صِرْتُ (لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَقُلْ قَبُولٌ " كردم ") ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا " شدم " إيجَابٌ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبُولُ لَا يَنْعَقِدُ، وَقَوْلُهُ ابْتِدَاءً تُوزَن مِنْ شدي " وَارِدٌ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُشَاوَرَةِ. (وَلَوْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِامْرَأَةٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ (" خويشتن را زَنِّ مِنْ كردانيدي ") مَعْنَاهُ هَلْ جَعَلْتِ نَفْسَكِ لِي زَوْجَةً (فَقَالَتْ) الْمَرْأَةُ (" كردانيدم ") أَيْ جَعَلْتُ (فَقَالَ) الرَّجُلُ (" بذير فُتُّمْ ") يَعْنِي قَبِلْتُ (يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا " كردانيدم " إيجَابٌ وَقَوْلَهُ " بذير فتم " قَبُولٌ. (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ " دختر خويشتن را يسربا مِنْ أَرَزَانِي داشتي ") مَعْنَاهُ هَلْ جَعَلْتَ بِنْتَكَ لَائِقَةً لِابْنِي (فَقَالَ " داشتم ") يَعْنِي جَعَلْتُ (لَا يَنْعَقِدُ) مَا لَمْ يَقُلْ قَبُولٌ " كردم "؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ. (وَلَوْ مَنَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الزَّوْجَ (يَسْكُنُ مَعَهَا فِي بَيْتِهَا) أَيْ فِي بَيْتِ الْمَرْأَةِ (كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (نَاشِزَةً) ؛ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهَا مَا دَامَتْ عَلَى مَنْعِهِ فَيَتَحَقَّقُ النُّشُوزُ مِنْهَا فَصَارَ كَحَبْسِهَا نَفْسَهَا فِي مَنْزِلِ غَيْرِهَا هَذَا إذَا مَنَعَتْهُ وَمُرَادُهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهَا (وَلَوْ سَكَنَ فِي بَيْتِ الْغَصْبِ فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ فَلَا) تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّهَا مُحِقَّةٌ إذْ السُّكْنَى فِيهِ حَرَامٌ، وَكَذَا لَا تَكُونُ نَاشِزَةً لَوْ كَانَ الْمَنْعُ لِيَنْقُلَهَا إلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ سَاكِنَةً مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوَطْءُ كُرْهًا غَالِبًا فَلَا يُعَدُّ مَنْعًا (وَلَوْ قَالَتْ لَا أَسْكُنُ مَعَ أَمَتِك وَأُرِيدُ) نَفْسَ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ (بَيْتًا عَلَى حِدَةٍ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَخْدُمُهُ فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ. (وَلَوْ قَالَتْ) الْمَرْأَةُ (" مَرَّ إطْلَاق ده " فَقَالَ) الزَّوْجُ (" داده كير أَوْ حُزِّبَ كير أَوْ داده باد أَوْ حُزِّبَ باد) مَعْنَاهُ أَعْطِنِي طَلَاقًا فَقَالَ افْرِضِي وَقَدِّرِي أَنَّهُ قَدْ أَعْطَى أَوْ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ أَوْ أَنَّهُ كَانَ أَعْطَى أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " كير " مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ أَمْسِكْ لَكِنَّ مَعْنَاهُ هُنَا افْرِضِي وَقَدِّرِي (إنْ نَوَى) الطَّلَاقَ (يَقَعُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ (فَلَا) يَقَعُ لِاحْتِمَالِ الْوَعْدِ وَالْإِيقَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْإِيقَاعِ. (وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (" داده است ") فِي جَوَابِ قَوْلِهَا " مَرَّ إطْلَاق ده " (أَوْ " حُزِّبَ است " يَقَعُ) الطَّلَاقُ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَنْوِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيقَاعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ. (وَلَوْ قَالَ " داده آنِكَار ") وَ " حُزِّبَ آنِكَار " (لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (نَوَى) الْوُقُوعَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الْأَوَّلِ إخْبَارًا عَنْ الْوُقُوعِ

стр. 1496

فَيَقَعُ مُطْلَقًا وَفِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ بِإِخْبَارٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " داده آنكار " افْرِضِي أَنَّهُ وَقَعَ أَوْ احْسِبِي فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ. (وَلَوْ قَالَ " وى مَرَّا نشايد تاقيامت) يَعْنِي هِيَ لَا تَلِيقُ لِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (أَوْ " همه عمر ") أَيْ هِيَ لَا تَلِيقُ فِي جَمِيعِ عُمْرِي أَوْ مُدَّةَ عُمْرِي (لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (إلَّا بِالنِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ. (وَلَوْ قَالَ لَهَا " حِيَله زنان كُنَّ " فَهُوَ إقْرَارٌ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ افْعَلِي حِيلَةَ النِّسَاءِ وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا احْفَظِي عِدَّتَك أَوْ عُدِّي أَيَّامَ عِدَّتِك فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ كِنَايَةً عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَشْتَغِلُ بِأُمُورٍ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ. (وَلَوْ قَالَ " حِيَله خويشتن كُنَّ " فَلَا) يَكُونُ إقْرَارًا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكِنَايَةٍ عَنْ الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ. وَفِي التَّنْوِيرِ قَالَ إنْ كَانَ اللَّهُ يُعَذِّبُ الْمُشْرِكِينَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ قَالُوا لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَنْ لَا يُعَذَّبُ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِهِ فَلْيُطَالَعْ. (وَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ (لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (" كَابِينَ وَسُوبْيَا بخشيدم ") مَعْنَاهُ وَهَبْت لَك الْمَهْرَ (" مِرَا ازجنك بازدار ") مَعْنَاهُ خَلِّصْنَا مِنْ نِزَاعِك (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ (سَقَطَ الْمَهْرُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا (فَلَا) يَسْقُطُ الْمَهْرُ لِلتَّعْلِيقِ. (وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا مَالِكِي أَوْ لِأَمَتِهِ أَنَا عَبْدُكِ لَا يُعْتَقُ) أَيْ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ فِي الْعَبْدِ وَلَا فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحِ الْعِتْقِ وَلَا كِنَايَةً لَهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَقْتَضِي الْعِتْقَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ يَا مَوْلَايَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تُنْبِئُ عَنْ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ فَيُعْتَقُ. (وَلَوْ دَعَا إلَى فِعْلٍ فَقَالَ) الْمَدْعُوُّ (" برمن سو كندست ") يَعْنِي عَلَيَّ الْيَمِينُ (" كه أَيْنَ كَارِ ") يَعْنِي هَذَا الْفِعْلَ (" نكنم ") أَيْ لَا أَفْعَلُ (فَهُوَ إقْرَارٌ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) لَا بِالْيَمِينِ بِغَيْرِهِ تَعَالَى كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ حَمْلًا عَلَى الْمَشْرُوعِ وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. (وَإِنْ قَالَ " برمن سو كندست بِطَلَاقِ ") مَعْنَاهُ عَلَيَّ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ (فَإِقْرَارٌ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ) لِلتَّصْرِيحِ بِهِ حَتَّى إذَا فَعَلَهُ تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ. (وَإِنْ قَالَ قُلْتُ ذَلِكَ كَذِبًا لَا يُصَدَّقُ) احْتِيَاطًا فِي بَابِ الْيَمِينِ. (وَ) كَذَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ (لَوْ قَالَ " مراسوكند خانه است أَيْنَ كار نكنم ") مَعْنَاهُ أَنَا حَالِفٌ بِيَمِينِ الْبَيْتِ أَنْ لَا أَفْعَلَ هَذَا الْفِعْلَ فَهُوَ إقْرَارٌ بِالطَّلَاقِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ. (وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ " بهارا بازده) مَعْنَاهُ رُدَّ الثَّمَنَ (فَقَالَ الْبَائِعُ " بِدَهْمِ ") أَيْ أَرُدُّ (يَكُونُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ) لِأَنَّ قَوْلَ الْمُشْتَرِي " بهارا بازده " يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ فَسَخْتُ الْبَيْعَ وَقَوْلُ الْبَائِعِ " بدهم " يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ قَبِلْتُ الْفَسْخَ فَكَانَ فَسْخًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ (الْعَقَارُ الْمُتَنَازَعُ) فِيهِ (لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ مَا لَمْ يُبَرْهِنْ الْمُدَّعِي) عَلَى أَنَّهُ فِي يَدِهِ أَيْ إذَا ادَّعَى عَقَارًا لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي

стр. 1497

أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ دَعْوَاهُ أَوْ عَلِمَ الْقَاضِي فِي الصَّحِيحِ كَمَا مَرَّ فِي الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إذْ هُوَ شَرْطٌ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَنْتَفِي تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ فَأَمْكَنَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لِتَحَقُّقِ يَدِهِ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ هَذَا إذَا ادَّعَاهُ مِلْكًا مُطْلَقًا أَمَّا إذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْ ذِي الْيَدِ وَإِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَ الشِّرَاءَ وَأَقَرَّ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى كَوْنِهِ فِي يَدِهِ. (وَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي عَقَارٍ لَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ) لَكِنْ فِي التَّنْوِيرِ عَقَارٌ لَا فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي يَصِحُّ قَضَاؤُهُ فِيهِ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِ وَإِنَّمَا عَدَلْنَا عَمَّا اعْتَمَدَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمَحْدُودِ لَا يَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْدُودُ فِي وِلَايَتِهِ انْتَهَى. وَفِي تَبْيِينِ الْكَنْزِ عَلَّلَ عَدَمَ صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. قَالَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ هَلْ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ أَوْ الْأَهْلُ فَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْأَهْلُ حَتَّى لَا يَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمَكَانَ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْأَهْلِ عَلَى مَنْ يَعْتَبِرُ الْأَهْلَ، وَإِنْ خَرَجَ الْقَاضِي مَعَ الْخَلِيفَةِ مِنْ الْمِصْرِ قَضَى، وَإِنْ خَرَجَ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْمَكَانَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ فَيَكُونَ الْمِصْرُ شَرْطًا فِيهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا انْتَهَى. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ هُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ وَبِهِ يُفْتَى. (وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ بَدَا لِي) أَيْ ظَهَرَ لِي (غَيْرَ ذَلِكَ) الْقَضَاءِ (أَوْ وَقَفْتُ فِي تَلْبِيسِ الشُّهُودِ أَوْ أَبْطَلْت حُكْمِي وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ) قَوْلُهُ (وَالْقَضَاءُ مَاضٍ إنْ كَانَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَشَهَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ) لِأَنَّ رَأْيَهُ الْأَوَّلَ قَدْ تَرَجَّحَ بِالْقَضَاءِ، فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَلَا إبْطَالَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ بِهِ وَهُوَ الْمُدَّعِي. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَمَّا اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ الْقَضَاءُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهَا لِمَا مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ فَكَذَا الْقَاضِي. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بَعْدَ الَّذِي قَضَى بِخِلَافِهِ فَلَا يَرُدُّ قَضَاءَهُ فَيَسْتَأْنِفُ. وَفِي الْمُحِيطِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِالِاجْتِهَادِ فِي حَادِثَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدَهُ، وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ دُونَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيُّ ﵊ لَمْ يَنْقُضْ الْقَضَاءَ الَّذِي قَضَى بِالرَّأْيِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ بَعْدَهُ فَهَذَا أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ

стр. 1498

فَإِنَّهُ يَنْقُضُ ذَلِكَ الْقَضَاءَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِاجْتِهَادِهِ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَ الْأَوَّلِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاضِيَ حَالَ مَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ فَالنَّصُّ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِاجْتِهَادِهِ كَانَ مَوْجُودًا مُنْزَلًا إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ فَلَا يَصِحُّ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالَ مَا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ كَانَ الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلٍّ لَا نَصَّ فِيهِ فَيَصِحُّ وَصَارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً لَهُ فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ صَارَ نَاسِخًا لِذَلِكَ الشَّرِيعَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ وُقُوعَ الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي عَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ الْقَاضِي عَنْهُ، وَقَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبَانَ، وَيُفْهَمُ مِنْ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَضَى بِعِلْمِهِ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ. وَفِي التَّنْوِيرِ إذَا قَالَ الشُّهُودُ قَضَيْتَ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي بِأَنْ قَالَ لَمْ أَقْضِ فَالْقَوْلُ لِلْقَاضِي عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مَا لَمْ يُنَفِّذْهُ قَاضٍ آخَرُ أَمَّا إذَا أَنْفَذَهُ قَاضٍ آخَرُ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ لِوُجُودِ قَضَائِهِ الثَّانِي بِهِ. (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ حَقٌّ فَخَبَّأَ) صَاحِبُ الْحَقِّ (قَوْمًا ثُمَّ سَأَلَهُ) أَيْ سَأَلَهُ الْآخَرُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ (فَأَقَرَّ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْحَقِّ (وَهُمْ) أَيْ الْقَوْمُ (يَرَوْنَهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (وَيَسْمَعُونَهُ) أَيْ يَسْمَعُونَ إقْرَارَهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمُقِرُّ (لَا يَرَاهُمْ صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ) بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ عَلِمُوهُ وَالْعِلْمُ هُوَ الرُّكْنُ فِي إطْلَاقِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» . (وَإِنْ سَمِعُوا كَلَامَهُ، وَ) لَكِنْ (لَمْ يَرَوْهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (فَلَا) تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ النَّغْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ غَيْرَهُ إلَّا إذَا كَانُوا دَخَلُوا الْبَيْتَ وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، ثُمَّ جَلَسُوا عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ لِلْبَيْتِ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فَسَمِعُوا إقْرَارَ الدَّاخِلِ وَلَمْ يَرَوْهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ. (وَلَوْ بِيعَ عَقَارٌ وَبَعْضُ أَقَارِبِ الْبَائِعِ حَاضِرٌ يَعْلَمُ الْبَيْعَ، وَسَكَتَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَهُ) بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جَارًا إلَّا إذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَرْعًا وَبِنَاءً حَيْثُ تَسْقُطُ دَعْوَاهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ مِلْكَ رَجُلٍ وَالْمَالِكُ سَاكِتٌ حَيْثُ لَا يَكُونُ رَضِيَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى. وَفِي التَّبْيِينِ لَمْ يُعَيِّنْ الْقَرِيبَ هُنَا وَفِي الْفَتَاوَى لِأَبِي اللَّيْثِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَقَارًا وَابْنُهُ وَامْرَأَتُهُ حَاضِرٌ يَعْلَمُ بِهِ، وَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَمَانًا، ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَكُنْ مِلْكَ أَبِيهِ وَقْتَ الْبَيْعِ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ تَلْبِيسٌ مَحْضٌ وَحُضُورُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَرْكُهُ فِيمَا يَصْنَعُ فِيهِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَأَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ وَجَعَلَ سُكُوتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْإِفْصَاحِ بِالْإِقْرَارِ قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ

стр. 1499

لِأَهْلِ الْعَصْرِ فِي الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْقَرِيبِ يُبْقِي جَوَازَ ذَلِكَ مَعَ الْقَرِيبِ انْتَهَى. لَكِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَمَانًا؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْجَارِ مَعَ أَنَّ الْجَارَ يُخَالِفُهُ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ فَتْوَى أَئِمَّةِ بُخَارَى عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ وَالدَّعْوَى كَمَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ السَّاكِتُ غَيْرَ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ النَّاطِقِ لَا يُجْعَلُ إقْرَارًا وَأَئِمَّةُ خَوَارِزْمَ عَلَى رَأْيِ أَئِمَّةِ سَمَرْقَنْدَ حَيْثُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي فَتَاوَاهُ أَنَّهُ تُسْمَعُ فِي الزَّوْجَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. وَفِي الْمِنَحِ يَتَأَمَّلُ الْمُفْتِي فِي ذَلِكَ إنْ رَأَى الْمُدَّعِيَ السَّاكِتَ الْحَاضِرَ ذَا حِيلَةٍ أَفْتَى بِعَدَمِ السَّمَاعِ، وَإِنْ رَأَى خِلَافَهُ أَفْتَى بِالسَّمَاعِ لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ الْفَسَادُ فَلَا يُفْتَى إلَّا بِمَا اخْتَارَهُ أَهْلُ خَوَارِزْمَ. (وَلَوْ وَهَبَتْ امْرَأَةٌ مَهْرَهَا مِنْ زَوْجِهَا ثُمَّ مَاتَتْ) الْمَرْأَةُ (فَطَلَبَ أَقَارِبُهَا الْمَهْرَ) مِنْهُ (وَقَالُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (كَانَتْ الْهِبَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (وَقَالَ) الزَّوْجُ لَا (بَلْ فِي صِحَّتِهَا فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ. وَفِي التَّبْيِينِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ حَادِثَةٌ وَالْحَوَادِثُ تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ عَنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْوَارِثِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا وَهَبَ عَبْدًا لِوَارِثِهِ فَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ أَوْ بَاعَهُ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوَارِثُ يَدَّعِي الْعَوْدَ عَلَيْهِ بِمَوْتِهَا، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَنَصُّ كَلَامِهِ رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَادَّعَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ أَنَّ الْمُوَرِّثَ وَهَبَ لَهُ فِي صِحَّتِهِ وَقَبَضَهُ وَنَفَتْهُ الْوَرَثَةُ قَالُوا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ يَكُونُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الْهِبَةَ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْهِبَةَ فِي الصِّحَّةِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ انْتَهَى. (وَلَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ثُمَّ قَالَ كُنْتُ كَاذِبًا فِيمَا أَقْرَرْتُ حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّ الْمُقِرَّ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِيمَا أَقَرَّ وَلَسْتُ بِمُبْطِلٍ فِيمَا تَدَّعِي عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَهُمَا يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الْمُقَرِّ بِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ شَرْعًا فَلَا يُصَارُ مَعَهُ إلَى الْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهِ أَبْعَدُ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ صَكَّ الْإِقْرَارِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْمَالَ فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ حُجَّةً عَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَيَحْلِفُ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (يُفْتَى) لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَكَثْرَةِ الْخِدَاعِ وَالْخِيَانَاتِ، وَهُوَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَالْمُدَّعِي لَا يَضُرُّهُ الْيَمِينُ إنْ صَادِقًا فَيُصَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ ثُمَّ قَالَ

стр. 1500

لَمْ أَقْبِضْهُ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْوَاهِبُ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْمَوْهُوبِ يَحْلِفُ وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، ثُمَّ قَالَ كَذَبْتُ وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِقَبْضِ الْمَبِيعِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْبِضْهُ فَلَهُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَهُ لَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ، وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا قُلِّدَ الْقَضَاءَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (وَالْإِقْرَارُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَاقِلٍ لِمِلْكِ الْمُقِرِّ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ مَدْلُولِهِ الْوَضْعِيِّ عَنْهُ بِخِلَافِ الْإِنْشَاءِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إيجَادُ مَعْنًى بِلَفْظٍ يُقَارِنُهُ فِي الْوُجُودِ فَيَمْتَنِعُ فِيهِ التَّخَلُّفُ. (وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ وَكَّلْتُكَ بَيْعَ هَذَا) الشَّيْءِ (فَسَكَتَ) الْمُخَاطَبُ (صَارَ وَكِيلًا) ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ وَعَدَمَ رَدِّهِ مِنْ سَاعَتِهِ دَلِيلُ الْقَبُولِ عَادَةً، وَنَظِيرُهُ هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَإِذَا سَكَتَ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَسَقَطَ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَإِنْ قَالَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا أَقْبَلُ بَطَلَ وَبَقِيَ الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ. (وَمَنْ وَكَّلَ امْرَأَتَهُ بِطَلَاقِ نَفْسِهَا لَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ الْمُوَكِّلُ (عَزْلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَهُوَ تَعْلِيقٌ بِفِعْلِهَا فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْيَمِينِ وَهُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَهِيَ عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَلَا تَكُونُ وَكِيلَةً بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ وَكَّلْتُك بِكَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي فَطَرِيقُ عَزْلِهِ أَنْ يَقُولَ عَزَلْتُكَ ثُمَّ عَزَلْتُك) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالْعَزْلِ عَنْ الْوَكَالَةِ فَإِذَا عَزَلَهُ انْعَزَلَ عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُنَجَّزَةِ فَتَنَجَّزَتْ الْمُعَلَّقَةُ فَصَارَ وَكِيلًا جَدِيدًا، ثُمَّ بِالْعَزْلِ الثَّانِي انْعَزَلَ عَنْ الْوَكَالَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَلَوْ قَالَ) لِآخَرَ وَكَّلْتُكَ بِكَذَا عَلَى أَنِّي (كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلِي) لَا يَكُونُ مَعْزُولًا بَلْ كُلَّمَا عَزَلَهُ كَانَ وَكِيلًا لِأَنَّ كُلَّمَا تُفِيدُ عُمُومَ الْأَفْعَالِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ (فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ رَجَعْتُ عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ وَعَزَلْتُكَ عَنْ الْمُنَجَّزَةِ) فَإِنَّهُ إذَا رَجَعَ عَنْهَا لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ فَإِذَا قَالَ بَعْدَهَا وَعَزَلْتُك عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُنَجَّزَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ لَفْظِ كُلَّمَا فَحِينَئِذٍ يَنْعَزِلُ. (وَقَبْضُ بَدَلِ الصُّلْحِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ شَرْطٌ إنْ كَانَ) الصُّلْحُ (دَيْنًا بِدَيْنٍ) بِأَنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ عَنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ أَوْ بَيْعٌ وَفِيهِ لَا يَجُوزُ الِافْتِرَاقُ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا بِدَيْنٍ (فَلَا) يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ لَا يَبْقَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَالَ الرِّبَا كَمَا إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى شَعِيرٍ بِعَيْنِهِ عَنْ حِنْطَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ. (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى صَبِيٍّ دَارًا فَصَالَحَهُ أَبُوهُ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (بَيِّنَةٌ جَازَ الصُّلْحُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ بِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ) بَيْنَ النَّاسِ

стр. 1501

لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ مَنْفَعَةً وَهِيَ سَلَامَةُ الْعَيْنِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَالِحْ يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ فَيَأْخُذُهُ فَيَكُونُ هَذَا الصُّلْحُ مِنْ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُدَّعِي (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (غَيْرَ عَادِلَةٍ لَا يَجُوزُ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَصِيرُ مُتَبَرِّعًا بِمَالِ الصَّبِيِّ بِالصُّلْحِ لَا مُشْتَرِيًا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُدَّعِي شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لَوْلَا الصُّلْحُ. (وَمَنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي) عَلَى دَعْوَى هَذَا الْحَقِّ (ثُمَّ بَرْهَنَ) أَيْ أَقَامَ بَيِّنَةً (صَحَّ) بُرْهَانُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَنَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِظَاهِرِ التَّنَاقُضِ، وَالْأَصَحُّ الْقَبُولُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَيْسَ لِي حَقٌّ عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا حَيْثُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِلتَّنَاقُضِ. (وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا شَهَادَةَ لِي فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ثُمَّ شَهِدَ) لِمَا مَرَّ. وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ أَيْضًا، وَقِيلَ تُقْبَلُ وِفَاقًا إنْ وَافَقَ. وَفِي التَّنْوِيرِ قَالَ تَرَكْتُ دَعْوَايَ عَلَى فُلَانٍ وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَى الْآخِرَةِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَهُ. وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ قَالَ لَيْسَ لِي عِنْدَ فُلَانٍ شَهَادَةٌ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَشَهِدَ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، أَوْ قَالَ لَا حُجَّةَ لِي عَلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَتَى بِالْحُجَّةِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ لَا أَعْلَمُ لِي حَقًّا عَلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي أَوْ ذَلِكَ الْعَبْدُ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الدَّارَ أَوْ الْعَبْدَ لَهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ بِإِقْرَارِهِ حَقًّا لِأَحَدٍ، وَكُلُّ إقْرَارٍ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ لِغَيْرِهِ حَقٌّ كَانَ لَغْوًا وَلِهَذَا تَصِحُّ دَعْوَى الْمُلَاعِنِ نَسَبَ وَلَدٍ نَفَى بِلِعَانِهِ نَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ نَفَاهُ لَمْ يُثْبِتْ فِيهِ حَقًّا. (وَلِلْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُقْطِعَ) مِنْ الْإِقْطَاعِ (إنْسَانًا مِنْ طَرِيقِ الْجَادَّةِ) وَهِيَ الشَّارِعُ الْأَعْظَمُ (إنْ لَمْ يَضُرَّ) ذَلِكَ (بِالْمَارَّةِ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فِيمَا فِيهِ نَظَرٌ بِهِمْ، وَكَانَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْحِقَ ضَرَرًا بِأَحَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا رَأَى أَنْ يُدْخِلَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَالْإِمَامُ الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَيَمْلِكُ مَا يَمْلِكُهُ. (وَمَنْ صَادَرَهُ السُّلْطَانُ) بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَالًا (وَلَمْ يُعَيِّنْ) السُّلْطَانُ (بَيْعَ مَالِهِ) بَلْ طَلَبَ مِنْهُ جُمْلَةً مِنْ الْمَالِ (فَبَاعَ مَالَهُ نَفَذَ) بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ بِهِ، وَإِنَّمَا بَاعَ بِاخْتِيَارِهِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ لِإِيفَاءِ مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْكُرْهَ كَالدَّائِنِ إذَا حُبِسَ بِالدَّيْنِ فَبَاعَ مَالَهُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْكُرْهُ فِي الْإِيفَاءِ لَا فِي الْبَيْعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَلَوْ خَوَّفَ امْرَأَتَهُ بِالضَّرْبِ حَتَّى وَهَبَتْ مَهْرَهَا مِنْهُ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ إنْ قَدَرَ عَلَى الضَّرْبِ) لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ عَلَيْهِ إذْ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَالِ يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ. (وَإِنْ أَكْرَهَهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (عَلَى الْخُلْعِ فَفَعَلَتْ يَقَعُ الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُكْرَهَ وَاقِعٌ (وَلَا يَجِبُ الْمَالُ) إذْ الرِّضَا شَرْطٌ فِيهِ، وَقَدْ انْعَدَمَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِكْرَاهِ. (وَلَوْ أَحَالَتْ) أَيْ الْمَرْأَةُ (إنْسَانًا بِالْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ) لِيَأْخُذَ مِنْهُ عِوَضَ دَيْنِهِ مَثَلًا (ثُمَّ وَهَبَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ

стр. 1502

لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَرْهُونَ أَوْ وَهَبَهُ. (وَمَنْ اتَّخَذَ بِئْرًا أَوْ بَالُوعَةً فِي دَارِهِ فَنَزَّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْبِئْرِ أَوْ الْبَالُوعَةِ (حَائِطُ جَارِهِ وَطَلَبَ) الْجَارُ (تَحْوِيلَهُ) أَيْ تَحْوِيلَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ (لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّحْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ. (وَإِنْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ سَبَبِ النَّزِّ (لَا يَضْمَنُهُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَسْبِيبٌ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ إلَّا بِالتَّعَدِّي. (وَمَنْ عَمَّرَ دَارَ زَوْجَتِهِ بِمَالِهِ) أَيْ بِمَالِ الزَّوْجِ (بِإِذْنِهَا) أَيْ بِإِذْنِ الزَّوْجَةِ (فَالْعِمَارَةُ) تَكُونُ (لَهَا) أَيْ لِلزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهَا وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهَا بِذَلِكَ (وَالنَّفَقَةُ) الَّتِي صَرَفَهَا الزَّوْجُ عَلَى الْعِمَارَةِ (دَيْنٌ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا لِصِحَّةِ الْأَمْرِ فَصَارَ كَالْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. (وَإِنْ عَمَّرَهَا) أَيْ الدَّارَ (لَهَا) أَيْ لِلزَّوْجَةِ (بِلَا إذْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (فَالْعِمَارَةُ لَهَا) أَيْ لِلزَّوْجَةِ (وَهُوَ) أَيْ الزَّوْجُ فِي الْعِمَارَةِ (مُتَبَرِّعٌ) فِي الْإِنْفَاقِ فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِهِ، (وَإِنْ عَمَّرَ لِنَفْسِهِ بِلَا إذْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (فَالْعِمَارَةُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الَّتِي بَنَى بِهَا مِلْكُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِلْعَرْصَةِ وَشَاغِلًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِمِلْكِهِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّفْرِيغِ إنْ طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، لَكِنْ بَقِيَ صُورَةٌ وَهِيَ أَنْ يُعَمِّرَ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِهَا فَفِي الْفَرَائِدِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِمَارَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَهُ وَالْعَرْصَةُ لَهَا، وَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّفْرِيغِ إنْ طَلَبَتْهُ انْتَهَى. (وَمَنْ أَخَذَ غَرِيمًا لَهُ فَنَزَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّازِعِ) إذَا هَرَبَ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ تَسْبِيبٌ، وَقَدْ دَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَيَاعِ حَقِّهِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ التَّلَفُ كَمَا إذَا حَلَّ قَيْدَ الْعَبْدِ فَأَبَقَ أَوْ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الدَّالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِ السَّرِقَةِ لَا بِالدَّلَالَةِ، وَكَمَنْ أَمْسَكَ هَارِبًا مِنْ عَدُوٍّ حَتَّى قَتَلَهُ الْعَدُوُّ فَإِنَّ الْمُمْسِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَكَذَا هَذَا. (وَمَنْ فِي يَدِهِ مَالُ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ ادْفَعْهُ) أَيْ هَذَا الْمَالَ (إلَيَّ وَإِلَّا قَطَعْتُ يَدَكَ أَوْ ضَرَبْتُك خَمْسِينَ سَوْطًا لَا يَضْمَنُ) الدَّافِعُ (لَوْ دَفَعَ) الْمَالَ إلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرِهِ أَوْ عَلَى الْآخِذِ أَوْ أَيِّهِمَا شَاءَ الْمَالِكُ إنْ كَانَ الْآخِذُ مُخْتَارًا وَإِلَّا فَعَلَى الْمُكْرِهِ فَقَطْ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُكْرِهُ وَالْآخِذُ هُوَ السُّلْطَانُ فَقَطْ بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ إلَيَّ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ أَوْ عَلَى الْآخِذِ تَدَبَّرْ. (وَلَوْ وَضَعَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْجَلًا لِيَصِيدَ بِهِ) أَيْ بِالْمِنْجَلِ (حِمَارَ وَحْشٍ وَسَمَّى عَلَيْهِ) عِنْدَ الْوَضْعِ (فَجَاءَ) فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (وَوَجَدَ الْحِمَارَ مَجْرُوحًا مَيِّتًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَجْرَحَهُ إنْسَانٌ أَوْ يَذْبَحَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ وَتَقْيِيدُهُ بِالْيَوْمِ الثَّانِي اتِّفَاقِيٌّ حَتَّى لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَحِلُّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ. (وَيُكْرَهُ مِنْ الشَّاةِ الْحَيَا) مَقْصُورًا وَهُوَ الْفَرْجُ

стр. 1503

(وَالْخُصْيَةُ وَالْمَثَانَةُ وَالذَّكَرُ وَالْغُدَّةُ وَالْمَرَارَةُ وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ) لِمَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِلِ بْنِ جَمِيلَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ «كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الشَّاةِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْقُبُلَ وَالْغُدَّةَ وَالْمَرَارَةَ وَالْمَثَانَةَ وَالدَّمَ» قَالَ الْإِمَامُ الدَّمُ حَرَامٌ وَكَرِهَ السِّتَّةَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فَلَمَّا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ قُطِعَ بِتَحْرِيمِهِ وَكُرِهَ مَا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَخْبِثُهُ الْأَنْفُسُ وَتَكْرَهُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى سَبَبُ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إنْ كَانَتْ مِنْ الْخَبَائِثِ يَنْبَغِي الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهَا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يَنْتَظِمُهَا فَكَيْفَ تُجْعَلُ مَكْرُوهَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِمَعْنًى آخَرَ وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ تَفْصِيلٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ أَطْلَقَ اسْمَ الْحَرَامِ عَلَى الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَسَمَّى مَا سِوَاهُ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ النَّصُّ الْمُعْتَبَرُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَبَقِيَّةُ السِّتَّةِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ بَلْ بِالِاجْتِهَادِ وَبِظَاهِرِ الْكِتَابِ الْمُحْتَمِلِ لِلتَّأْوِيلِ وَالْحَدِيثِ. (وَلِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْغَائِبِ وَالطِّفْلِ وَاللُّقَطَةَ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِخْلَاصِ فَلَا يَفُوتُ الْحِفْظُ بِهِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُلْتَقِطِ لِعَجْزِهِمْ فَيَكُونُ تَضْيِيعًا إلَّا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا نَشَدَ اللُّقَطَةَ وَمَضَى مُدَّةُ النِّشْدَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْإِقْرَاضُ مِنْ فَقِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَازَ فَالْقَرْضُ أَوْلَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِي الْأَقْضِيَةِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْقَاضِي الْإِقْرَاضَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ غَلَّةٌ لِلْيَتِيمِ أَمَّا إذَا وُجِدَتْ فَلَا يَمْلِكُهُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ لِجَوَازِ الْإِقْرَاضِ الْقَاضِي عَدَمُ وَصِيِّ الْيَتِيمِ وَلَوْ كَانَ مَنْصُوبَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفُصُولَيْنِ. (وَلَوْ كَانَتْ حَشَفَةُ الصَّبِيِّ ظَاهِرَةً) حَيْثُ (مَنْ رَآهُ ظَنَّهُ مُخْتَنًا، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَا تُقْطَعُ جِلْدَةُ ذَكَرِهِ إلَّا بِمَشَقَّةِ جَازَ تَرْكُ خِتَانِهِ) عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ جِلْدَةِ ذَكَرِهِ لِتَنْكَشِفَ الْحَشَفَةُ فَإِذَا كَانَتْ الْحَشَفَةُ ظَاهِرَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ يُوَارِي الْحَشَفَةَ يُقْطَعُ الْفَضْلُ، وَلَوْ خَتَنَ وَلَمْ يَقْطَعْ الْجَلْدَةَ كُلَّهَا يَنْظُرُ إنْ قَطَعَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ يَكُونُ خِتَانًا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَإِنْ قَطَعَ النِّصْفَ فَمَا دُونَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ الْخِتَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا. (وَكَذَا) جَازَ تَرْكُ خِتَانِ (شَيْخٍ أَسْلَمَ وَقَالَ أَهْل النَّظَرِ لَا يُطِيقُ الْخِتَانَ) لِلْعُذْرِ الظَّاهِرِ وَالْخِتَانُ سُنَّةٌ وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَخَصَائِصِهِ فَلَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهِ حَارَبَهُمْ الْإِمَامُ. (وَوَقْتُ الْخِتَانِ غَيْرُ مَعْلُومٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِوَقْتِهِ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا فِيهِ شَيْءٌ (وَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ) وَقِيلَ لَا يُخْتَنُ حَتَّى يَبْلُغَ وَقِيلَ أَقْصَاهُ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً، وَقِيلَ تِسْعُ سِنِينَ وَقِيلَ وَقْتُهُ عَشْرُ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ عَشْرًا اعْتِبَارًا أَوْ تَخَلُّقًا فَيَحْتَاجُ إلَى الْخِتَانِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلطَّهَارَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ قَوِيًّا يُطِيقُ أَلَمَ الْخِتَانِ

стр. 1504

خُتِنَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ) كَمَا يُقَالُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الدَّعَوَاتِ، وَهِيَ لِزِيَادَةِ الرَّحْمَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ لِمَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبُ، وَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ. وَيُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي لِلصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمُ لِلتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَسَائِرِ الْأَخْيَارِ، وَكَذَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّرَضِّي لِلتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ. (وَلَا) يَجُوزُ (الْإِعْطَاءُ بِاسْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) أَيْ الْهَدَايَا بِاسْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ حَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ إنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ الْمَذْكُورِ مِنْ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْقَلَانِسِ) لِمَا رُوِيَ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ قَلَانِسُ يَلْبَسُهَا» ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ. (وَلِلشَّابِّ الْعَالِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْخِ الْجَاهِلِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَالْمُرَادُ بِأُولِي الْأَمْرِ الْعُلَمَاءُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ، وَالْمُطَاعُ شَرْعًا يُقَدَّمُ، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ. (وَلِحَافِظِ الْقُرْآنِ أَنْ يَخْتِمَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَا فِيهِ لَا مُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّأَنِّي لَا بِالتَّوَانِي فِي الْمَعَانِي فَقَدَّرُوا لِلْخَتْمِ أَقَلَّهُ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ حِزْبًا وَنِصْفَ حِزْبٍ وَأَقَلَّ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ خَتَمَ كِتَابَهُ فِي بَيَانِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَكَيْفِيَّةِ الْخَتْمِ. [كِتَاب الْفَرَائِض]

стр. 1505

وَجْهُ التَّأْخِيرِ بَيِّنٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ هِيَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ مِنْ الْفَرْضِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ يُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ قَدَّرَهَا وَسُمِّيَ هَذَا الْعِلْمُ فَرَائِضَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُفَوِّضْ تَقْدِيرَهُ إلَى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ وَالسُّدُسِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ النُّصُوصَ فِيهَا مُجْمَلَةٌ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ بَيَّنَتْهَا وَهَذَا الْعِلْمُ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْلٌ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» وَقَدْ حَثَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ بِقَوْلِهِ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنْسَى وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» . (يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) الْخَالِيَةِ عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهَا كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُقَدَّمُ عَلَى التَّجْهِيزِ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُبْدَأُ (بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ) اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْمَرْءَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى عَلَى أَصْحَابِ الدُّيُونِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْغَيْرِ بِعَيْنِ مَالِهِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ تَجْهِيزُهُ وَدَفْنُهُ (بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ) وَهُوَ قَدْرُ كَفَنِ الْكِفَايَةِ أَوْ كَفَنِ السُّنَّةِ، أَوْ قَدْرَ مَا يَلْبَسُهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَوْسَطِ ثِيَابِهِ أَوْ مِنْ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَالزِّيَارَاتِ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَفَنُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَقَاضِي خَانْ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ) مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ الْبَاقِي بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالدَّفْنِ أَيْ ثُمَّ يُبْدَأُ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ الَّذِي لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدُّيُونَ تَسْقُطُ

стр. 1506

بِالْمَوْتِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهَا إلَّا إذَا أَوْصَى بِهَا أَوْ تَبَرَّعُوا بِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ (ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ) أَيْ ثُمَّ يُبْدَأُ بِوَصِيَّتِهِ أَيْ بِتَنْفِيذِهَا مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا مَرَّ، ثُمَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيمٍ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي الْمَعْنَى بَلْ تَشْرِيكٌ لَهُمْ حَتَّى إذَا سَلِمَ لَهُ شَيْءٌ سَلِمَ لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ (ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ) أَيْ الَّذِينَ ثَبَتَ إرْثُهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. (وَيُسْتَحَقُّ الْإِرْثُ بِنَسَبٍ وَنِكَاحٍ وَوَلَاءٍ) كَمَا سَيَأْتِي مُفَصَّلًا (وَيُبْدَأُ بِأَصْحَابِ الْفُرُوضِ) أَيْ كُلِّ صَاحِبِ سَهْمٍ مُقَدَّرٍ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَتَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْعَصَبَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْهُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (ثُمَّ) يُبْدَأُ (بِالْعِصَابِ النَّسَبِيَّةِ فَإِنَّ الْعُصُوبَةَ النَّسَبِيَّةَ أَقْوَى مِنْ السَّبِيَّةِ) يُرْشِدُك إلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ دُونَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ السَّبِيَّةِ أَعْنِي الزَّوْجَيْنِ (ثُمَّ) يُبْدَأُ (بِالْمُعْتِقِ) بِكَسْرِ التَّاءِ مُذَكَّرًا كَانَ أَوْ مُؤَنَّثًا فَإِنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَيَرِثُهُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ وَالنِّعْمَةِ (ثُمَّ عَصَبَتُهُ) أَيْ يُبْدَأُ عِنْدَ عَدَمِ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ بِعَصَبَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ وَهَذَا قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ» الْحَدِيثَ (ثُمَّ الرَّدُّ) أَيْ يُبْدَأُ بَعْدَ الْعَصَبَاتِ السَّبَبِيَّةِ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ لِبَقَاءِ قَرَابَتِهِمْ بَعْدَ أَخْذِ فَرَائِضِهِمْ دُونَ ذَوِي الْفُرُوضِ السَّبَبِيَّةِ (ثُمَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ) أَيْ يُبْدَأُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ لِانْتِفَاءِ ذَوِي الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ بِذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ الَّذِينَ لَهُمْ قَرَابَةٌ وَلَيْسُوا بِعَصَبَةٍ وَلَا ذَوِي سَهْمٍ (ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ يُبْدَأُ فِي جَمِيعِ الْمِيرَاثِ بِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ إنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنْ وُجِدَ يُبْدَأُ بِهِ أَيْضًا لَكِنْ فِي الْبَاقِي مِنْ فَرْضِهِ، وَتَفْصِيلُ حَالِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ قَدْ مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ (ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ بِنَسَبٍ) عَلَى الْغَيْرِ (لَمْ يَثْبُتْ) نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا مَاتَ الْمُقِرُّ عَلَى إقْرَارِهِ يَعْنِي أَنَّ هَذَا

стр. 1507

الْمُقَرَّ لَهُ مُؤَخَّرٌ فِي الْإِرْثِ عَنْ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَمُقَدَّمٌ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَفَصَّلَهُ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْفَرَائِضِ فَلْيُطَالَعْ (ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ إذَا عُدِمَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يُبْدَأُ بِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَيُكَمَّلُ لَهُ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ عَمَّا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْلِ الْوَرَثَةِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَلَهُ عِنْدَنَا مَا عَيَّنَ لَهُ كَامِلًا، وَإِنَّمَا أُخِّرَ عَنْ الْمُقَرِّ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُ نَوْعَ قَرَابَةٍ بِخِلَافِ الْمُوصَى لَهُ (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ) أَيْ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الْمَذْكُورِينَ تُوضَعُ التَّرِكَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى أَنَّهَا مَالٌ ضَائِعٌ فَصَارَ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَيُوضَعُ هُنَاكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مُنْتَظِمًا يُقَدَّمُ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالرَّدِّ وَلَا مِيرَاثَ عِنْدَهُمْ أَصْلًا لِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَلَا لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا لِلْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ. (وَيَمْنَعُ الْإِرْثَ الرِّقُّ) وَافِرًا كَانَ أَوْ نَاقِصًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَال فَهُوَ لِمَوْلَاهُ فَلَوْ وَرَّثْنَاهُ عَنْ أَقْرِبَائِهِ لَوَقَعَ الْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ فَيَكُونُ تَوْرِيثًا لِلْأَجْنَبِيِّ بِلَا سَبَبٍ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا (وَالْقَتْلُ كَمَا مَرَّ) تَفْصِيلُهُ فِي الْجِنَايَاتِ (وَاخْتِلَافُ الْمِلَّتَيْنِ) فَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ مِنْ الْمُسْلِمِ إجْمَاعًا، وَلَا الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا وَالشَّافِعِيُّ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ (وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً) كَالْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ (أَوْ حُكْمًا) كَالْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيَّيْنِ

стр. 1508

مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّكْرَارِ. (وَالْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنْ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ الْأَبُ وَأَبُوهُ) أَيْ أَبُ الْأَبِ (وَالِابْنُ وَابْنُهُ وَالْأَخُ وَابْنُهُ وَالْعَمُّ وَابْنُهُ وَالزَّوْجُ وَمَوْلَى النِّعْمَةِ) أَيْ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ (وَمِنْ النِّسَاءِ سَبْعٌ الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ) أَيْ أُمُّ الْأُمِّ (وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُخْتُ وَالزَّوْجَةُ وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ) أَيْ مَوْلَاةُ الْعَتَاقَةِ (وَهُمْ) أَيْ الْوَارِثُونَ الْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ قِسْمَانِ (ذَوُو فَرْضٍ وَعَصَبَةٍ) أَيْ الْمُوَرَّثِ (فَذُو الْفَرْضِ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، وَالسِّهَامُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ النِّصْفُ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فَقَالَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً أَيْ الْبِنْتُ فَلَهَا النِّصْفُ وَقَالَ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وَقَالَ ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] (وَالرُّبُعُ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ حَيْثُ قَالَ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢] وَقَالَ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] (وَالثُّمُنُ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ حَيْثُ قَالَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] (وَالثُّلُثَانِ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ قَالَ فِي حَقِّ الْبَنَاتِ ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وَفِي حَقِّ الْأَخَوَاتِ ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: ١٧٦] (وَالثُّلُثُ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ حَيْثُ قَالَ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ وَإِنْ كَانُوا أَيْ أَوْلَادُ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ (وَالسُّدُسُ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ حَيْثُ قَالَ

стр. 1509

﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ فِي حَقِّ وَلَدِ الْأُمِّ ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] . ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّفْصِيلِ فَقَالَ (فَالنِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا) أَيْ عَدَمِ الْبِنْتِ لِأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ قَامَتْ مَقَامَهَا إذَا عُدِمَتْ الْبِنْتُ (وَ) النِّصْفُ (لِلْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ وَلِلْأُخْتِ لِأَبٍ عِنْدَ عَدَمِهَا) أَيْ عَدَمِ الْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ (إذَا انْفَرَدْنَ) عَنْ إخْوَتِهِنَّ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَطْنَ بِهِمْ تَصِيرُ عَصَبَاتٍ بِهِمْ، وَيَكُونُ لِلذَّكَرِ حَظُّ الْأُنْثَيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. (وَ) النِّصْفُ (لِلزَّوْجِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ) وَقَيَّدَ بِوَلَدِ الِابْنِ لِيَخْرُجَ وَلَدُ الْبِنْتِ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ لَهَا الرُّبُعُ مَعَهُ. (وَالرُّبُعُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا) وَإِنْ سَفَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢] فَيَسْتَحِقُّ كُلُّ زَوْجٍ إمَّا النِّصْفَ وَإِمَّا الرُّبُعَ مِمَّا تَرَكَتْهُ امْرَأَتُهُ (وَلِلزَّوْجَةِ) الرُّبُعُ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (تَعَدَّدَتْ عِنْدَ عَدَمِهِمَا) أَيْ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] . (وَالثُّمُنُ) لَهَا أَيْ لِلزَّوْجَةِ (كَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] وَإِنْ كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ اشْتَرَكْنَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَلْزَمَ الْإِجْحَافُ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَأْخُذْنَ الْكُلَّ إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ بِلَا وَلَدٍ وَالنِّصْفَ مَعَ الْوَلَدِ. وَالثَّانِي أَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ كَقَوْلِهِ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ، وَلَبِسُوا ثِيَابَهُمْ فَيَكُونُ لِوَاحِدَةٍ الرُّبُعُ أَوْ الثُّمُنُ عِنْدَ انْفِرَادِهَا بِالنَّصِّ، وَإِذَا كَثُرَتْ وَقَعَتْ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَهُنَّ فَيُصْرَفُ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا عَلَى السَّوَاءِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَفْظُ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الِابْنِ فَيَكُونُ مِثْلَهُ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ فَتَصِيرُ لَهُ حَالَتَانِ. (وَالثُّلُثَانِ لِكُلِّ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِمَّنْ فَرْضُهُنَّ النِّصْفُ) وَهِيَ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] . (وَالثُّلُثُ لِلْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ وَ) عَدَمِ (الِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ) وَلَهَا مَعَ هَؤُلَاءِ (السُّدُسُ) وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْإِخْوَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَيَحْجُبُ الْأُمَّ لَهُمَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانَا أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِخْوَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَمْ يَحْجُبْ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ (وَلَهَا) أَيْ لِلْأُمِّ (ثُلُثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ) فَيَكُونُ لَهَا السُّدُسُ مَعَ الزَّوْجِ

стр. 1510

وَالْأَبِ وَالرُّبُعُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَصَارَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: ثُلُثُ الْكُلِّ وَثُلُثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَالسُّدُسُ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يَرَى ثُلُثَ الْبَاقِي بَلْ يُوَرِّثُهَا ثُلُثَ الْكُلِّ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ وَخَالَفَ فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. (وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ فِيهِمَا جَدٌّ فَلَهَا) أَيْ لِلْأُمِّ (ثُلُثُ الْجَمِيعِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُبَالِي بِتَفْضِيلِهَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ لَهَا مَعَ الْجَدِّ أَيْضًا ثُلُثَ الْبَاقِي عِنْدَهُ كَمَا فِي الْأَبِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَعَلَ الْجَدَّ كَالْأَبِ فَيَعْصِبُ الْأُمَّ كَمَا يَعْصِبُهَا الْأَبُ. (وَ) الثُّلُثُ (لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ يُقَسَّمُ) الثُّلُثُ (لِذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ بِالسَّوِيَّةِ) يَعْنِي الْأُنْثَى مِنْهُمْ تَأْخُذُ مِثْلَ مَا يَأْخُذُ الذَّكَرُ مِنْهُمْ بِلَا تَفْضِيلِ الذَّكَرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَالشَّرِكَةُ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ. (وَالسُّدُسُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ (ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] وَالْمُرَادُ بِهِ أَوْلَادُ الْأُمِّ، وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ. (وَ) السُّدُسُ (لِلْأُمِّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ أَوْ) وُجُودِ (الِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ) كَمَا سَبَقَ. (وَ) السُّدُسُ (لِلْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ) فَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَبِ ابْنٌ فَلَهُ فَرْضُهُ أَعْنِي السُّدُسَ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بِنْتٌ فَلَهُ السُّدُسُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ الِابْنَ وَالْبِنْتَ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالْفَرْضِ وَمَا بَقِيَ لِلْأَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ مِنْ الْعَصَبَاتِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ، وَوَلَدُ الِابْنِ وَلَدٌ شَرْعًا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] وَلَيْسَ دُخُولُ وَلَدِ الِابْنِ فِي الْوَلَدِ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ عُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ عُرِفَ كَوْنُ حُكْمِ وَلَدِ الِابْنِ كَحُكْمِ الْوَلَدِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ. (وَكَذَا) (السُّدُسُ لِلْجَدِّ الصَّحِيحِ عِنْدَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ الصَّحِيحَ كَالْأَبِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ مَشْهُودَةٍ ثُمَّ عَرَّفَهُ فَقَالَ (وَهُوَ) أَيْ الْجَدُّ الصَّحِيحُ (مَنْ لَا يَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُمٌّ) كَأَبِ الْأَبِ (فَإِنْ دَخَلَتْ) فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُمٌّ (فَجَدٌّ فَاسِدٌ) فَلَا يَرِثُ إلَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّ تَخَلُّلَ الْأُمِّ فِي النِّسْبَةِ يَقْطَعُ النَّسَبَ إذْ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لِلتَّعْرِيفِ وَالشُّهْرَةِ، وَذَلِكَ بِالْمَشْهُورِ وَهُوَ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ. (وَ) السُّدُسُ (لِلْجَدَّةِ الصَّحِيحَةِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (تَعَدَّدَتْ) كَأُمِّ الْأُمِّ مَعَ الْأَبِ فَيَشْتَرِكْنَ فِي السُّدُسِ
следующие страницы →