← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عَاشِرِ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ مَرَّ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَهَرُوا عَلَى مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ ثَمَّةَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ وَلَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ مَالِ صَبِيٍّ حَرْبِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَالِ صِبْيَانِنَا شَيْئًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. [بَابُ الرِّكَازِ] ِ بِكَسْرِ الرَّاءِ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رُكِزَ فِي الْأَرْضِ وَأَرْكَزَ الرَّجُلُ وَجَدَ الرِّكَازَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ. وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ الْمَعْدِنُ وَالْكَنْزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ وَشَيْءٌ رَاكِزٌ ثَابِتٌ. وَفِي الْفَتْحِ وَيُطْلَقُ الرِّكَازُ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةً مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ، وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مَجَازًا فِيهِ أَوْ مُتَوَاطِئًا إذْ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْدِنِ كَانَ التَّوَاطُؤُ مُتَعَيِّنًا وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْبِدَايَةِ أَنَّ مِنْ الرِّكَازِ حَقِيقَةً فِي الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ فِيهَا مُرَكَّبًا. وَفِي الْكَنْزِ مَجَازٌ بِالْمُجَاوَرَةِ وَقَالَ سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمَعْدِنَ اسْمٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ الْأَرْضُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالرِّوَايَةِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ «فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قِيلَ وَمَا الرِّكَازُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ الْأَرْضُ» كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْدِنِهِمَا فَقَطْ لَا عَلَى غَيْرِهِمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ. تَدَبَّرْ وَعِنْدَنَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الرِّكَازِ لَيْسَ بِزَكَاةٍ بَلْ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْغَنِيمَةِ فَمَوْضِعُهُ الْمُنَاسِبُ كِتَابُ السِّيَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ زَكَاتُهُ زَكَاةً مَقْصُودَةً بِالنَّفْيِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْرَدَهُ هَاهُنَا بِهَذِهِ الْعَلَاقَةِ (مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ) بِكَسْرِ الدَّالِ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ) أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ وَيُذَابُ كَالصُّفْرِ وَقَيَّدْنَا بِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَائِعَاتِ كَالْقَارِ وَنَحْوِهِ وَعَنْ الْجَامِدِ الَّذِي لَا يَنْطَبِعُ كَالْجِصِّ (فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ) احْتِرَازٌ عَمَّا وَجَدَ الْمَعْدِنَ فِي الدَّارِ (أُخِذَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَوْجُودِ أَوْ مِنْ الْوَاجِدِ (خُمُسَهُ وَالْبَاقِي لَهُ) أَيْ لِلْوَاجِدِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَا حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمَالِ كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَجَمِيعُ مَنْ ذَكَرْنَا لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُسْتَأْمَنَ إذَا عَمِلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ عَمِلَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ مَا شَرَطَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ وَإِذَا عَمِلَ الرَّجُلَانِ فِي طَلَبِ الرِّكَازِ وَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا يَكُونُ لِلْوَاجِدِ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ وَأَلْحَقَ لِلْعَمَلِ فِي الْمَعْدِنِ فَالْمُصَابُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُ (إنْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً (وَأَلْحَقَ) أَيْ الْبَاقِي بَعْدَ الْخُمُسِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

стр. 212

(وَمَا) أَيْ الْمَعْدِنَ الَّذِي (وَجَدَهُ الْحَرْبِيُّ) فِي دَارِنَا (فَكُلُّهُ فَيْءٌ) كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ الْمَعْدِنَ وَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ لَكَانَ مُنَاسِبًا (فِي دَارِهِ) وَمَا فِي حُكْمِهَا كَالْمَنْزِلِ وَالْحَانُوتِ (لَا يُخَمَّسُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» كَالْكَنْزِ. (وَفِي أَرْضِهِ) الْمَمْلُوكَةِ قَيَّدْنَا بِهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ تَجِبُ اتِّفَاقًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ فِي غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَفِيهِمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ (رِوَايَتَانِ) فَفِي الْأَصْلِ لَا شَيْءَ فِيهِ. وَفِي الْجَامِعِ خُمُسٌ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُمْلَكْ خَالِيَةً عَنْ الْمُؤَنِ بَلْ فِيهَا الْخَرَاجُ وَالْعُشْرُ وَالْخُمُسُ مِنْ الْمُؤَنِ بِخِلَافِ الدَّارِ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ خَالِيَةً عَنْهَا. (وَإِنْ وَجَدَ كَنْزًا فِيهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ) مِثْلُ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ اسْمِ الْمَلِكِ الْإِسْلَامِيِّ (فَهُوَ كَاللُّقَطَةِ) وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَا فِيهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ) مِثْلُ الصَّنَمِ أَوْ أَسَامِي مُلُوكِهِمْ الْمَعْرُوفِينَ (خُمِّسَ) يُقَالُ خَمَسَ الْقَوْمَ إذَا أَخَذَ خُمُسَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَالْخُمُسُ بِضَمَّتَيْنِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْمِيمُ وَهَاهُنَا بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فَجَازَ بِنَاءُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ (وَبَاقِيهِ لَهُ) أَيْ لِلْوَاجِدِ سِوَى الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ (إنْ كَانَتْ أَرْضُهُ) أَيْ الْأَرْضُ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْكَنْزَ (غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ) كَالْجَبَلِ وَالْمَفَازَةِ وَغَيْرِهِمَا. (وَإِنْ) كَانَتْ (مَمْلُوكَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ الْخُمُسُ فَيْءٌ وَبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهُوَ مِنْ الْوَاجِدِ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ فِي مُخْتَصَرِ الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ، تَتَبَّعْ (وَعِنْدَهُمَا بَاقِيهِ لِمَنْ مَلَكَهَا أَوَّلَ الْفَتْحِ) أَيْ حِينَ فَتَحَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ تِلْكَ الْبَلْدَةَ (إنْ عَلِمَ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلِوَرَثَتِهِ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ عَرَفُوا؛ لِأَنَّ الْمُخْتَطَّ لَهُ مِلْكُ الْأَرْضِ بِالْحِيَازَةِ فَيَمْلِكُ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا وَالْمُشْتَرِي مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ فَيَمْلِكُ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ فَبَقِيَ الْكَنْزُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْخُطَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ (فَلِأَقْصَى مَالِكٍ عُرِفَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَهَذَا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ كَنْزٌ فَلَوْ قَالَ صَاحِبُهُ: أَنَا وَضَعْتُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. (وَمَا اشْتَبَهَ ضَرْبُهُ) عَلَيْهِمْ بِأَنْ خَلَا عَنْ الْعَلَامَةِ (يُجْعَلُ كَافِرِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَقِيلَ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا) لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ. (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي صَحْرَائِهَا رِكَازًا) أَيْ مَعْدِنَ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ كَالْمَفَازَةِ فَإِنَّ الرِّكَازَ اسْمٌ لِلْمَعْدِنِ حَقِيقَةً وَلِلْكَنْزِ مَجَازًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَنْزُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ تَدَبَّرْ (فَكُلُّهُ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ فَلَا يَكُونُ غَدْرًا، وَفِيهِ إشْعَارٌ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مُتَلَصِّصٌ دَارَهُمْ وَوَجَدَ فِي صَحْرَائِهِمْ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجَاهِرٍ وَلَمْ يَأْخُذْهُ

стр. 213

قَهْرًا وَغَلَبَةً. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ وَجَدَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ الرِّكَازَ (فِي دَارٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهَا) أَيْ الدَّارِ وَكَذَا فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَذَرًا عَنْ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا كَانَ مِلْكًا لَهُ مِلْكًا خَبِيثًا كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَهَذَا قَوْلُ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُخَمَّسُ وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْوَاجِدَ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مُلْتَصِصٌ فَهُوَ لَهُ. (وَإِنْ وُجِدَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَلَا يَرْجِعُ ضَمِيرُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ مِنْ الْمَذْكُورِ (رِكَازُ مَتَاعِهِمْ) أَيْ دَخَلَ رَجُلٌ ذُو مَنَعَةٍ دَارَ الْحَرْبِ وَوَجَدَ رِكَازَ مَتَاعِهِمْ أَيْ مَا يُتَمَتَّعُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ قِيلَ الْأَوَانِي وَقِيلَ الثِّيَابُ (فِي أَرْضٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ) قَيَّدَهُ لِيُفِيدَ الْحُكْمَ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ غَنِيمَةً (خُمِّسَ وَبَاقِيهِ لَهُ) وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ انْدَفَعَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ عَلَى الْوِقَايَةِ وَصَاحِبُ الْفَوَائِدِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَكَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ فُهِمَتْ مِمَّا سَبَقَ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهَا تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْبَاقَانِيِّ إرْجَاعُ ضَمِيرٍ مِنْهَا عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ وَعُشْرِيَّةٍ فِي أَرْضِنَا فَبَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَبْقَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَتَبَّعْ. فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ. (وَلَا خُمُسَ فِي نَحْوِ فَيْرُوزَجَ) وَهُوَ مُعَرَّبُ بيروزه (وَزَبَرْجَدَ) وَكَذَا فِي الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَغَيْرِهِمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» (وُجِدَ فِي الْجَبَلِ) قَيَّدَهُ بِالْجَبَلِ؛ لِأَنَّهُ يُخَمَّسُ مَا وُجِدَ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ. (وَيُخَمَّسُ زِئْبِقٌ) عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ أَخَّرَ الزِّئْبَقَ بِكَسْرِ الْبَاءِ بَعْدَ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ مُعَرَّبُ زيوه بِالْفَارِسِيِّ وَ (لَا) يُخَمَّسُ (لُؤْلُؤٌ) هُوَ جَوْهَرٌ مُضِيءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَطَرِ الرَّبِيعِ الْوَاقِعِ فِي الصَّدَفِ قِيلَ إنَّهُ حَيَوَانٌ مِنْ جِنْسِ السَّمَكِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى اللُّؤْلُؤَ فِيهِ (وَعَنْبَرٌ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي الْبَرِّ وَقِيلَ صَمْغُ شَجَرٍ وَقِيلَ زَبَدُ الْبَحْرِ وَقِيلَ خِثْيُ الْبَقَرِ الْبَحْرِيِّ وَقِيلَ رَوْثُ غَيْرِهِ وَقِيلَ دَابَّةٌ قَالَ ابْنُ سَيْنَاءَ الْكُلُّ بَعِيدٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ وَيَطْفُو وَيُرْمَى بِالسَّاحِلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَكَذَا لَا شَيْءَ فِيمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْبَحْرِ، وَلَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً؛ لِأَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ فَلَا يَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَنِيمَةً فَلَا يَكُونُ فِيهِ الْخُمُسُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْعَكْسِ) أَيْ لَا يُخَمَّسُ زِئْبِقٌ وَيُخَمَّسُ لُؤْلُؤٌ وَعَنْبَرٌ عِنْدَهُ فِي الْأَصَحِّ. [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ] وَجْهُ تَأْخِيرِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَالْعُشْرُ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعِبَادَةُ الْمَحْضَةُ مُقَدَّمَةٌ وَسُمِّيَ بِالزَّكَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ لَيْسَ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ بَلْ الْعُشْرُ إلَّا أَنَّ الْمَأْخُوذَ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الزَّكَاةِ فَسُمِّيَ بِهَا وَبِهَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا قِيلَ تَسْمِيَتُهُ زَكَاةً عَلَى قَوْلِهِمَا لِاشْتِرَاطِهِمَا النِّصَابَ وَالْبَقَاءَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ. تَدَبَّرْ (فِيمَا

стр. 214

سَقَتْهُ السَّمَاءُ) أَيْ الْمَطَرُ (أَوْ سُقِيَ سَيْحًا) السَّيْحُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمَاءُ الْجَارِي كَالْأَنْهَارِ وَالْأَوْدِيَةِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ فَإِنْ سَقَاهُ فِي النِّصْفِ أَوْ الْأَقَلِّ فَفِي الْخَارِجِ نِصْفُ الْعُشْرِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (أَوْ) مَا (أُخِذَ مِنْ ثَمَرِ جَبَلٍ الْعُشْرُ) مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ الْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ، إنْ حَمَاهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْصُودٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْمِهِ الْإِمَامُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ كَالصَّيْدِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِلَا شَرْطِ نِصَابٍ وَ) لَا شَرْطِ (بَقَاءٍ) حَتَّى تَجِبَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا إنَّمَا يَجِبُ) الْعُشْرُ (فِيمَا يَبْقَى سَنَةً) بِلَا مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ فَلَا شَيْءَ فِي مِثْلِ الْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوَسَّقُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعُنَّابِ وَالتِّينِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ (إلَّا إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَصَارَ الْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . وَفِي الثَّانِي «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَلَهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَالْحَدِيثُ «فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَتَأْوِيلُ مَرْوِيِّهِمَا أَنَّ الْمَنْفِيَّ زَكَاةُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الْوَسْقِ كَانَتْ يَوْمِئِذٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ عُشْرٌ وَحَدِيثُ الْخَضْرَاوَاتِ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ (وَالْوَسْقُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا حِمْلُ الْبَعِيرِ (سِتُّونَ صَاعًا) بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا مَنٍّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الْوَسْقُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. (وَ) إنْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى (مَا لَا يُوَسَّقُ) كَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ (فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ مَا لَا يُوَسَّقُ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يُوَسَّقُ) مِنْ نَحْوِ الدَّخَنِ (يَجِبُ) الْعُشْرُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ اُعْتُبِرَ بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَاعْتُبِرَ أَدْنَاهُ لِنَفْعِ الْفَقِيرِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ) الْعُشْرُ فِيمَا لَا يُوَسَّقُ (إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَمْثَالِ مَنٍّ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ فِيمَا يُوَسَّقُ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالصَّاعِ ثُمَّ بِالْكَيْلِ ثُمَّ بِالْوَسْقِ فَكَانَ الْوَسْقُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ مِنْ مِعْيَارِهِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ (فَاعْتُبِرَ فِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ وَفِي الزَّعْفَرَانِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْقُطْنِ الْحِمْلُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ

стр. 215

ثُمَّ بِالْحِمْلِ وَفِي الزَّعْفَرَانِ الْمَنُّ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالسَّنَجَاتِ ثُمَّ بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ، وَالْحِمْلُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ وَالْمَنُّ رَطْلَانِ وَالرَّطْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ عِشْرُونَ إسْتَارًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ كُلُّ نَوْعِ مِنْ الْحُبُوبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا يُضَمُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُضَمُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ يَجِبُ الْعُشْرُ فَيُؤَدِّي مِنْ كُلِّ نَوْعٍ حِصَّتَهُ وَعَنْهُ إنَّ مَا أَدْرَكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ يُضَمُّ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ. (وَلَا شَيْءَ فِي حَطَبٍ وَقَصَبٍ فَارِسِيٍّ وَحَشِيشٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْصَدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالُ الْأَرْضِ غَالِبًا فَلَوْ اتَّخَذَهَا مَشْجَرَةً أَوْ مَقْصَبَةً أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَقَيَّدَ بِالْفَارِسِيِّ؛ لِأَنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ وَقَصَبَ الذَّرِيرَةِ فِيهِمَا الْعُشْرُ وَسُمِّيَ بِالذَّرِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُجْعَلُ ذَرَّةً ذَرَّةً وَتُلْقَى فِي الدَّوَاءِ، وَأَجْوَدُهُ يَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَدْوِيَةِ لِحَرْقِ النَّارِ مَعَ دُهْنِ وَرْدٍ وَخَلٍّ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ مَعَ الْعَسَلِ وَمِنْ الِاسْتِسْقَاءِ ضِمَادًا. (وَ) لَا شَيْءَ فِي (تِبْنٍ وَسَعَفٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وَرَقُ نَخْلٍ وَكَذَا كُلُّ حَبٍّ لَا يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ كَبَذْرِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَكَذَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرِ كَالصَّمْغِ وَالْقَطْرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِغْلَالُ وَيَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ وَالْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ وَبَذْرِهِ وَلَا شَيْءَ فِي الْأُشْنَانِ وَالْخِطْمِيِّ وَبَذْرِهِ. (وَ) يَجِبُ (فِيمَا سَقَى) الْخَارِجُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ أَوْ نِصْفَهُ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْخُمُسَ فِي الْغَنَائِمِ وَالْمُؤْنَةُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزِّرَاعَةِ وَلَكِنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ. وَفِي الْعِنَايَةِ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْقِيُّ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً وَيَكُونُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (بِغَرْبٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ يُدِيرُهُ الْبَقَرُ (أَوْ دَالِيَةٍ) دُولَابٌ يُدِيرُهُ الْبَقَرُ. وَفِي الْمُغْرِبِ مَا يُدِيرُهُ الْبَقَرُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأُرْزِ وَفِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ (أَوْ سَانِيَةٍ) هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا (نِصْفُ الْعُشْرِ قَبْلَ رَفْعِ مُؤَنِ الزَّرْعِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ الثِّقَلُ وَالْمَعْنَى بِلَا إخْرَاجِ مَا صُرِفَ لَهُ مِنْ نَفَقَةِ الْعُمَّالِ وَالْبَقَرِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الزَّرْعِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» ؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤَنِ فَلَا مَعْنَى لِرَفْعِهَا هَذَا قَيْدٌ لِمَجْمُوعِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ جَعَلَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ جَعَلَ الْخَرَاجَ لَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ. (وَ) يَجِبُ فِي الْعَسَلِ الْعَشْرُ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَمَالِكٍ قَاسَاهُ عَلَى الْإِبْرَيْسَمِ

стр. 216

قُلْنَا: الْعَسَلُ مَنْصُوصٌ وَلِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الثِّمَارَ وَالْأَنْوَارَ وَفِيهِمَا الْعُشْرُ فَكَذَا فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ دُودِ الْقَزِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَوْرَاقَ وَلَا عُشْرَ فِيهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي قَوْلِهِ وَفِيهِمَا الْعُشْرُ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي الْأَنْوَارِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا نَظَرٌ تَدَبَّرْ (إذَا أُخِذَ مِنْ جَبَلٍ) عُشْرِيٌّ احْتِرَازٌ عَمَّا فِي الْخِزَانَةِ أَنْ لَا شَيْءَ مِنْ جَبَلٍ فِي رِوَايَةٍ (أَوْ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ) لَا خَرَاجِيَّةٍ إذَا لَا شَيْءَ فِيهَا لِئَلَّا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَفْرَاقٍ) يَجِبُ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ الْعَسَلُ الْفَرَقُ (وَالْفَرَقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا) قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ الْفَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ إنَاءٌ يَأْخُذُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْمُحْدَثُونَ عَلَى السُّكُونِ وَكَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى التَّحْرِيكِ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا بَلَغَ عَشْرَ قِرَبٍ) كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا لِقَوْلِهِ ﵊ «مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ» وَعَنْهُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ وَعَنْهُ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَيُؤْخَذُ عُشْرَانِ مِنْ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ لِتَغْلِبِيٍّ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرٌ وَاحِدٌ إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْأَرْضِ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ عِنْدَهُ. (وَلَوْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّغْلِبِيِّ (ذِمِّيٌّ أُخِذَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الذِّمِّيِّ (الْعُشْرَانِ) أَصْلِيًّا كَانَ التَّضْعِيفُ أَوْ حَادِثًا بِأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ اشْتَرَى مِنْ تَغْلِبِيٍّ. (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمَ هُوَ) أَيْ التَّغْلِبِيُّ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرَانِ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةَ الْأَرْضِ فَيَبْقَى بَعْدَ إسْلَامِهِ كَالْخَرَاجِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ رُدَّ الْوَاجِبُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيفِ وَهُوَ الْكُفْرُ. (وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَهُ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ الْحَادِثَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْكَافِي (وَعَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ (مَا عَلَى الرَّجُلِ) مِنْهُمْ وَهُوَ الْعُشْرُ الْمُضَاعَفُ فِي الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجُ فِي الْخَرَاجِيَّةِ. (وَلَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ) غَيْرُ تَغْلِبِيٍّ (عُشْرِيَّةَ مُسْلِمٍ) وَقَبَضَهَا بِلَا مَانِعٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ فِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا وَلَا وَجْهَ إلَى التَّضْعِيفِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا وَيُصْرَفُ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤْنَةً لَهَا فَلَا يَتَبَدَّلُ كَالْخَرَاجِ ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ وَفِي رِوَايَةٍ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ الْأَرْضَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الذِّمِّيِّ (مُسْلِمٌ بِشُفْعَةٍ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ عَادَ الْعُشْرُ) قَالَ صَاحِبُ

стр. 217

الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَيَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى مُسْلِمٍ أَخَذَهَا مِنْهُ شُفْعَةً أَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ الرُّؤْيَةِ أَوْ الْعَيْبِ بِقَضَاءٍ مُتَعَلِّقٍ بِقَوْلٍ رُدَّتْ يَعْنِي إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ عُشْرِيَّةً ثُمَّ أَخَذَهَا مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ بِخِيَارِ مَا عَادَتْ عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ انْتَهَى. لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ الْقَضَاءِ بِجَمِيعِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ إلَّا فِي الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَانَ فَسْخًا إذَا كَانَ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْفَسْخِ فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَانَ إقَالَةً وَهُوَ بَيْعٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَصَارَ شِرَاءً مِنْ الذِّمِّيِّ فَتُنْقَلُ إلَيْهِ بِمَا فِيهَا مِنْ الْوَظِيفَةِ. (وَفِي دَارٍ جُعِلَتْ بُسْتَانًا) الْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهَا بُسْتَانًا بَلْ أَبْقَاهَا دَارًا وَلَكِنْ فِيهَا نَخِيلٌ لَا شَيْءَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا (خَرَاجٌ إنْ كَانَتْ) الدَّارُ (لِذِمِّيٍّ) سَوَاءٌ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَوْ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ أَلْيَقُ بِالذِّمِّيِّ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْمَاءِ الْعُشْرِيِّ إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرًا وَاحِدًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُشْرَيْنِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (أَوْ لِمُسْلِمٍ سَقَاهَا بِمَائِهِ) أَيْ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ. (وَإِنْ سَقَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ فَعُشْرٌ) وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ سَقَاهُ مَرَّةً بِمَاءِ الْعُشْرِ وَمَرَّةً بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالْعُشْرِ وَالذِّمِّيُّ أَحَقُّ بِالْخَرَاجِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَاسْتُشْكِلَ فِي إيجَابِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً حَتَّى قَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ بِكُلِّ حَالٍ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ جَبْرًا، أَمَّا بِاخْتِيَارِهِ فَيَجُوزُ وَقَدْ اخْتَارَهُ هُنَا حَيْثُ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَلَا شَيْءَ فِي الدَّارِ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ الْمَسَاكِنُ عَفْوٌ. (وَمَاءُ السَّمَاءِ) أَيْ مَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ الْوَاقِعَةِ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ (وَ) مَاءُ (الْبِئْرِ) الْمَحْفُورَةِ فِيهَا (وَالْعَيْنِ) الْوَاقِعَةِ فِيهَا (عُشْرِيٌّ) أَيْ مَنْسُوبٌ إلَى الْعُشْرِ فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ فَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ خَرَاجِيَّةً فَخَرَاجِيٌّ فَلَوْ انْقَطَعَ عَنْ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ مَاءُ الْخَرَاجِ ثُمَّ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْعُشْرِ صَارَتْ عُشْرِيَّةً، وَلَوْ انْعَكَسَ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَمَاءُ أَنْهَارٍ) جَمْعُ نَهْرٍ بِالسُّكُونِ أَوْ الْفَتْحِ مَجْرَى الْمَاءِ (حَفَرَهَا) مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ (الْعَجَمُ) أَيْ اسْمُ جَمْعٍ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ كشداديان وكيانيان وإشكانيان وساسانيان وَآخِرُهُمْ بِيَزْدَجْرِدُ (خَرَاجِيٌّ) أَيْ مَنْسُوبٌ إلَى الْخَرَاجِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ بَعْضِهَا مِنْ مَاءٍ فِيهِ خِلَافٌ كَنَهْرِ الْمَلِكِ وَكَذَا مَاءُ بِئْرٍ حُفِرَتْ فِيهَا وَعَيْنٌ تَظْهَرُ فِيهَا (وَكَذَا) أَيْ خَرَاجِيٌّ مَاءُ (سَيْحُونَ) نَهْرُ خُجَنْدَ أَوْ التُّرْكِ أَوْ الْهِنْدِ. (وَ) مَاءُ (جَيْحُونَ) نَهْرُ بَلْخَ أَوْ تِرْمِذَ. (وَ) مَاءُ (دِجْلَةَ) نَهْرُ بَغْدَادَ (وَالْفُرَاتُ) نَهْرُ الْكُوفَةِ أَوْ الْعِرَاقِ وَكَذَا النِّيلُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ تُتَّخَذُ عَلَيْهَا الْقَنَاطِرُ مِنْ السُّفُنِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَيْهَا

стр. 218

(خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ عُشْرِيَّةٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِيهَا أَحَدٌ وَاِتِّخَاذُ الْقَنَاطِرِ عَلَيْهَا نَادِرٌ فَصَارَتْ كَالْبِحَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَاءَ الْخَرَاجِيَّ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ ثُمَّ صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ أُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَالْعُشْرِيُّ مَا عَدَا ذَلِكَ. (وَلَيْسَ فِي عَيْنِ قِيرٍ) وَهُوَ الزِّفْتُ وَالْقَارُ لُغَةٌ فِيهِ (أَوْ نِفْطٍ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَهُوَ أَفْصَحُ دُهْنٌ يَعْلُو الْمَاءَ وَكَذَا الْمِلْحُ (فِي أَرْضِ عُشْرٍ شَيْءٌ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَنْزَالِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا هُمَا عَيْنَانِ فَوَّارَتَانِ كَعَيْنِ الْمَاءِ. (وَإِنْ كَانَتْ) عَيْنُ قِيرٍ أَوْ نِفْطٍ (فِي أَرْضِ خَرَاجٍ فَفِي حَرِيمِهَا الصَّالِحِ لِلزِّرَاعَةِ الْخَرَاجُ) قَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَرِيمِ الصَّالِحِ لِلزِّرَاعَةِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَرِيمُ عُشْرِيًّا وَزَرَعَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (لَا فِيهَا) أَيْ عَيْنَ قِيرٍ أَوْ نِفْطٍ هَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ فِي هَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ أَيْضًا خَرَاجٌ بِأَنْ يَمْسَحَ الْعَيْنَ أَيْضًا تَبَعًا إذَا كَانَ حَرِيمُهَا يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ لَا فِيهَا وَهُوَ أَنْسَبُ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. (وَلَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ» وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجْتَمِعُ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَاجِ عُشْرٌ وَمِنْ الْأَرْضِ خَرَاجٌ. وَفِي الْمُحِيطِ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ عِنْدَ ظُهُورِ التَّمْرِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْتَ الْإِدْرَاكِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَكْلُ غَلَّتِهَا قَبْلَ أَدَاءِ خَرَاجِهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ الْعُشْرِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْعُشْرَ وَإِنْ أَكَلَ ضَمِنَ وَمَنْ عَلَيْهِ عُشْرٌ أَوْ خَرَاجٌ وَمَاتَ أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ وَمَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ إذَا مُنِعَ مِنْهُ الْخَرَاجُ سِنِينَ لَا يُؤْخَذُ لِمَا مَضَى فِي قَوْلِ الْإِمَامِ لَكِنَّ الْفَتْوَى الْيَوْمَ خِلَافُهُ إذَا أَدْرَكْت الْغَلَّةَ كَانَ لِلسُّلْطَانِ حَبْسُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْخَرَاجَ. [بَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمَصْرِفِ] لَمَّا ذَكَرَ أَبْوَابَ الزَّكَاةِ عَلَى تَعْدَادِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْمَصَارِفِ وَالْمَصْرِفُ فِي اللُّغَةِ الْمَعْدِلُ أَطْلَقَهُ لِيَتَنَاوَلَ الزَّكَاةَ وَالْعُشْرَ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ إنَّمَا لِحَصْرِ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ كَقَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ لَمُنْطَلِقٌ وَلِحَصْرِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ كَقَوْلِك إنَّمَا الْمُنْطَلِقُ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّ لِلْإِثْبَاتِ وَمَا لِلنَّفْيِ فَيَقْتَضِي قَصْرَ جِنْسِ الصَّدَقَاتِ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَعْدُودَةِ وَأَنَّهَا هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهَا لَا يُتَجَاوَزُ إلَى غَيْرِهَا كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّمَا هِيَ لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ وَعَدَلَ عَنْ اللَّامِ إلَى فِي فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ لِيُؤْذِنَ أَنَّهُمْ أَرْسَخُ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ مِمَّنْ سَبَقَ

стр. 219

ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ فِي لِلْوِعَاءِ وَتَكْرِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] يُؤْذِنُ بِفَضْلِ تَرْجِيحٍ لِهَذَيْنِ عَلَى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ كَمَا فِي الْكَشَّافِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ وَقَدْ سَقَطَتْ مِنْهُمْ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَجْهُ السُّقُوطِ بَيِّنٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلْيُرَاجَعْ (هُوَ) أَيْ الْمَصْرِفُ (الْفَقِيرُ وَهُوَ مَنْ لَهُ شَيْءٌ دُونَ نِصَابٍ) فَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْفَقِيرِ الْكَسُوبِ وَمَا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الدَّفْعِ جَوَازُ الْأَخْذِ كَظَنِّ الْغَنِيِّ فَقِيرًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ جَوَازُ أَخْذِهَا لِمَنْ مَلَكَ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ كَمَا يَجُوزُ دَفْعُهَا لَكِنَّ عَدَمَ الْأَخْذِ أَوْلَى لِمَنْ لَهُ سَدَادٌ مِنْ عَيْشٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَالْمِسْكِينُ) مِفْعِيلٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا فِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ مِنْ السُّكُونِ؛ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ قَلْبُهُ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ فَسَّرَ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ وَالْعُرْفِيَّ فَقَالَ (مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ) وَهُوَ أَسْوَءُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ عِنْدَنَا قَالَ الشَّاعِرُ أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ سَمَّاهُ فَقِيرًا وَلَهُ حَلُوبَةٌ (وَقِيلَ بِالْعَكْسِ) يَعْنِي: الْفَقِيرُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَالْمِسْكِينُ هُوَ مَنْ لَهُ شَيْءٌ دُونَ نِصَابٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمَا صِنْفَانِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لَا فِي الزَّكَاةِ. (وَالْعَامِلُ) هُوَ الَّذِي يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ بِجِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ عَبَّرَ بِالْعَامِلِ دُونَ الْعَاشِرِ لِيَشْمَلَ السَّاعِيَ (يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) مَا يَكْفِيهِ وَأَعْوَانَهُ بِالْوَسَطِ مُدَّةَ ذَهَابِهِمْ وَإِيَابِهِمْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالثَّمَنِ فَإِنْ اسْتَغْرَقَتْ كِفَايَتُهُ الزَّكَاةَ فَلَا يُزَادُ عَلَى النِّصْفِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ، وَلَوْ هَلَكَ مَا جَمَعَهُ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالثَّمَنِ. (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) لَا هَاشِمِيًّا لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الصَّدَقَةِ وَالْأُجْرَةِ، وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ فِيهَا الْهَاشِمِيُّ وَرُزِقَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَجَوَّزَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ الْهَاشِمِيُّ عَامِلًا وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِلْغَنِيِّ مَعَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِهَذَا الْعَمَلِ فَيَسْتَحِقُّ كِفَايَتَهُ فِي مَالِهِمْ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُقَوِّي مَا نُسِبَ إلَى بَعْضِ الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا إذَا فَرَّغَ نَفْسَهُ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَاسْتِفَادَتِهِ لِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَيُعْمَلُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَأَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَاسْتَوْجَبَ أَجْرًا عَلَيْهِمْ فَصَارَ مَا اسْتَحَقَّهُ صَدَقَةً مِنْ وَجْهٍ أُجْرَةً مِنْ وَجْهٍ. (وَالْمُكَاتَبُ) عَطْفٌ عَلَى الْفَقِيرِ أَيْ مُكَاتَبُ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَوْلَاهُ غَنِيًّا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مُكَاتَبٍ هَاشِمِيٍّ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ

стр. 220

(يُعَانُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ) يَعْنِي بِهِ مُعَاوَنَةَ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . (وَمَدْيُونٌ) وَالْمُرَادُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانَ وَلَا يَجِدُ قَضَاءً وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْفَقِيرِ أَوْلَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالدَّفْعِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنَّ وَجْهَ التَّقْدِيمِ مُوَافَقَتُهُ لِلنَّظْمِ الْكَرِيمِ تَدَبَّرْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْغَارِمِينَ وَالْغَرَامَةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ اللُّزُومُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْغَارِمُ مَنْ تَحَمَّلَ غَرَامَةً فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (لَا يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ) أَيْ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ هُوَ مَصْرِفٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ مَدْيُونٍ مَلَكَ قُوتَ شَهْرٍ يُسَاوِي قِيمَتُهُ نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَفِي الْإِصْلَاحِ لَمْ يَقُلْ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّصَابِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ لَكِنَّ النِّصَابَ مِائَتَا دِرْهَمٍ مُطْلَقًا وَلِهَذَا قَيَّدَهُ تَدَبَّرْ. (وَمُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ) الَّذِينَ عَجَزُوا عَنْ اللُّحُوقِ بِجَيْشِ الْإِسْلَامِ لِفَقْرِهِمْ فَتَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ وَإِنْ كَانُوا كَاسِبِينَ إذْ الْكَسْبُ يُقْعِدُهُمْ عَنْ الْجِهَادِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (وَ) مُنْقَطِعُ (الْحَجِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ) الْمُنْقَطِعُ (فَقِيرًا) فَإِنْ قِيلَ هَذَا مُكَرَّرٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي وَطَنِهِ مَالٌ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ فَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ فَقِيرٌ؟ أُجِيبُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ بِالِانْقِطَاعِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مُغَايِرًا لِلْفَقِيرِ الْمُطْلَقِ الْخَالِي عَنْ هَذَا الْقَيْدِ. وَفِي الْفَتْحِ وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ لَا يُوجِبُ خِلَافًا فِي الْحُكْمِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي الْأَصْنَافُ كُلُّهُمْ سِوَى الْعَامِلِ بِشَرْطِ الْفَقْرِ فَمُنْقَطِعُ الْحَاجِّ يُعْطَى اتِّفَاقًا. (وَمَنْ لَهُ مَالٌ فِي وَطَنِهِ لَا مَعَهُ) وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ فَكُلُّ مَنْ يَكُونُ مُسَافِرًا عَلَى الطَّرِيقِ يُسَمَّى ابْنَ السَّبِيلِ كَمَا يُسَمَّى ابْنَ الْفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِلْأَدَاءِ فِي بَلَدِهِ وَأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَالِهِ كَالْفَقِيرِ إذَا اسْتَغْنَى وَالْمُكَاتَبِ إذَا عَجَزَ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَيَجُوزُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى كُلِّهِمْ) أَيْ إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ السَّبْعَةِ (وَإِلَى بَعْضِهِمْ) ، وَلَوْ شَخْصًا وَاحِدًا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ بَيَانُ الْأَصْنَافِ الَّتِي يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ لَا تَعْيِينُ الدَّفْعِ لَهُمْ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَبِهَذَا ظَهَرَ خَلَلُ عِبَارَةِ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَيُدْفَعُ إلَى كُلِّهِمْ أَوْ إلَى صِنْفٍ. تَدَبَّرْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُصْرَفَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بِحَرْفِ اللَّامِ

стр. 221

لِلِاسْتِحْقَاقِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِاللَّامِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَفِيهِ الِاسْتِغْرَاقُ فَتَبْقَى الْجَمْعِيَّةُ عَلَى حَالِهَا قُلْنَا: حَقِيقَةُ اللَّامِ الِاخْتِصَاصُ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الثَّابِتُ فِي ضِمْنِ الْخُصُوصِيَّاتِ مِنْ الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَقَدْ يَكُونُ مُجَرَّدًا فَحَاصِلُ التَّرْكِيبِ إضَافَةُ الصَّدَقَاتِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِكُلِّ صَدَقَةٍ تُصْدَقُ إلَى الْأَصْنَافِ الْعَامِّ كُلٍّ مِنْهَا الشَّامِلِ لِكُلِّ فَرْدٍ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُونَ أَخَصُّ بِهَا كُلِّهَا وَهَذَا لَا يَقْتَضِي لُزُومَ كَوْنِ كُلِّ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ تَنْقَسِمُ عَلَى أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَحَالَ ذَلِكَ فَلَزِمَ أَقَلُّ الْجَمْعِ مِنْهُ بَلْ إنَّ الصَّدَقَاتِ كُلَّهَا لِلْجَمِيعِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ كُلِّ صَدَقَةٍ صَدَقَةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ لَوْ أَمْكَنَ أَوْ كُلُّ صَدَقَةٍ جُزْئِيَّةٍ لِطَائِفَةٍ أَوْ لِوَاحِدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَنَحْنُ نَقُولُ إذَا دَخَلَ اللَّامُ عَلَى الْجَمْعِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَعْهُودِ وَلَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ يُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ وَتَبْطُلُ الْجَمْعِيَّةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَهُنَا لَا يُرَادُ الْعَهْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ لِلْعَهْدِ فِي الْآيَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ إلَى آخِرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرَمَ وَاحِدٌ وَلَيْسَ هَذَا فِي وُسْعِ أَحَدٍ انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ فَقَالَ: لَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مِثْلُهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ الْحَقِيقِيِّ بَلْ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ جَمَعَ الْأَمِيرُ الصَّاغَةَ أَيْ صَاغَةَ بَلَدِهِ وَعَدَمُ كَوْنِهِ فِي وُسْعِ أَحَدٍ غَيْرَ مُسَلَّمٍ انْتَهَى. أَقُولُ إنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ الَّتِي فِي الْبَلَدِ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ فِيهَا أَيْضًا فَيَلْزَمُ هَذَا الْمَحْذُورُ خُصُوصًا فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ. تَدَبَّرْ. (وَلَا تُدْفَعُ) الزَّكَاةُ (لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ) ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ شَرْطٌ فِيهَا وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا بِنَاءُ الْقَنَاطِيرِ وَإِصْلَاحُ الطُّرُقَاتِ وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَكُلُّ مَا لَا يُتَمَلَّكُ فِيهِ، وَإِنْ أُرِيدَ الصَّرْفُ إلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ صُرِفَ إلَى فَقِيرٍ ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّرْفِ إلَيْهَا فَيُثَابُ الْمُزَكِّي وَالْفَقِيرُ وَلَا يَصْرِفُ إلَى مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ غَيْرِ مُرَاهِقٍ إلَّا إذَا قَبَضَ لَهُمَا مَنْ يَجُوزُ لَهُ قَبْضُهُ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَيَصْرِفُ إلَى مُرَاهِقٍ يَعْقِلُ الْأَخْذَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أَكَلَ مَنْ فِي عِيَالِهِ نَاوِيًا لِلزَّكَاةِ أَوْ الْفِطْرَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ تَكْفِينِ مَيِّتٍ) لِعَدَمِ التَّمْلِيكِ (أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ الْفَقِيرِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ الْغَيْرِ لَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ مِنْهُ بِخِلَافِ دَيْنِ الْحَيِّ بِأَمْرِهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَى الْغَرِيمِ فَيَكُونُ الْقَابِضُ كَالْوَكِيلِ فِي قَبْضِ الصَّدَقَةِ (أَوْ ثَمَنِ قِنٍّ يُعْتَقُ) أَيْ لَا يُشْتَرَى بِهَا رَقَبَةٌ تُعْتَقُ لِانْعِدَامِ التَّمْلِيكِ. (وَلَا) تُدْفَعُ (إلَى ذِمِّيٍّ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ» وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِلْمُسْلِمِينَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَمُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ

стр. 222

وَلَئِنْ كَانَ خَبَرًا وَاحِدًا فَالْعَامُّ خُصَّ مِنْهُ الْحَرْبِيُّ الْفَقِيرُ بِالْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا حُقِّقَ فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَا لَا يُصْرَفُ إلَى الْمُرْتَدِّ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُصْرَفُ إلَى مَنْ لَا يُكَفَّرُ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَقَالَ زُفَرُ الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ (وَصَحَّ غَيْرُهَا) مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ أَيْ غَيْرُ الزَّكَاةِ مِنْ الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ إلَى الذِّمِّيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ قَالَ: وَغَيْرُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُدْفَعَانِ إلَيْهِ أَيْضًا. تَدَبَّرْ. (وَلَا) تُدْفَعُ (إلَى غَنِيٍّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَغْنِيَاءِ الْغُزَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ فِي الدِّيوَانِ وَلَمْ يَأْخُذُوا مِنْ الْفَيْءِ (يَمْلِكُ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النُّقُودِ أَوْ السَّوَائِمِ أَوْ الْعُرُوضِ وَهُوَ فَاضِلٌ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَالدَّيْنِ فِي النُّقُودِ وَالِاحْتِيَاجِ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي أَمْرِ الْمَعَاشِ فِي غَيْرِهَا بِلَا اشْتِرَاطِ النَّمَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ مُكَرَّرٌ يُحْسَبُ أَحَدُهُمَا مِنْ النِّصَابِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْكُنُ فِي إحْدَاهُمَا وَلَا يَسْكُنُ فِي الْأُخْرَى تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الثَّانِيَةِ سَوَاءٌ يُؤَجِّرُهَا أَوْ لَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ يَصْرِفُ أُجْرَتَهَا إلَى قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ لَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَابْنِ الْمَلِكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ كَخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْعِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ إلَى آخِرِهِ مُفِيدٌ تَقْرِيرَ النِّصَابِ بِالْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ السَّوَائِمِ لِمَا أَنَّ الْعُرُوضَ لَيْسَ نِصَابُهَا إلَّا مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ إذَا كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ سَائِمَةٌ قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ الْغَنِيُّ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ دُونَ النِّصَابِ أَيْ غَيْرَ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا قَدْرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ قِيمَتُهَا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِصَابُ النَّقْدَيْنِ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ بَلَغَ نِصَابًا أَيْ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ كَمَا فِي نَظْمِ الْوَهْبَانِيَّةِ وَشَرْحِهِ لَهُ وَفِي شَرْحِهِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ. قِيلَ: وَمَا الْغَنِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ» وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ ذَكَرَ فِي الْأَشْبَاهِ خِلَافَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الْمُحِيطِ الْغِنَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ غِنًى يُوجِبُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مَنْ مَلَكَ نِصَابَ حَوْلِيٍّ نَامٍ وَغِنًى يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ وَيُوجِبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ مَنْ مَلَكَ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصَابٍ وَغِنًى يُحَرِّمُ السُّؤَالَ دُونَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَمَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ. (وَعَبْدِهِ) أَيْ الْغَنِيَّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِمَوْلَاهُ وَكَذَا لِلْمُدَبَّرِ وَأَمِّ الْوَلَدِ وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْغَيْرُ الْمَدْيُونِ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا فِي يَدِهِ وَرَقَبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ جَازَ دَفْعُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا

стр. 223

لَهُمَا (وَطِفْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِغَنَاءِ أَبِيهِ عُرْفًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي الْإِضَافَةِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الصَّرْفِ إلَى طِفْلِ الْفَقِيرِ (بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ) وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِغَنَائِهِ. (وَامْرَأَتِهِ إنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ) فَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى امْرَأَتِهِ الْغَنِيَّ كَابْنِهِ. (وَلَا) تُدْفَعُ (إلَى هَاشِمِيٍّ مِنْ آلِ عَلِيٍّ أَوْ عَبَّاسٍ أَوْ جَعْفَرٍ أَوْ عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (أَوْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَوْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الزَّكَاةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا آلِ مُحَمَّدٍ وَالْعَبَّاسِ وَالْحَارِثِ ابْنَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -» ، وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِهَؤُلَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَذُرِّيَّةِ أَبِي لَهَبٍ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ لِبَنِي هَاشِمٍ فِي زَمَانِهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي عِوَضِهَا خُمُسَ الْخُمُسِ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ الْهَاشِمِيَّ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى هَاشِمِيٍّ مِثْلِهِ (قِيلَ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ) يَعْنِي اخْتَلَفُوا فِيمَا يُمْنَعُ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ الصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَةِ كَالزَّكَاةِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَأَمَّا التَّطَوُّعَاتُ فَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَيْهِمْ. وَفِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ أَمَّا جَوَازُ النَّفْلِ فَبِالْإِجْمَاعِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ مُقْتَصِرًا وَعَزَاهُ إلَى النَّوَادِرِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْأَقْطَعُ وَاخْتَارَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَلَمْ يُشْعِرْ بِهِ لَكِنْ أَثْبَتَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ الْخِلَافَ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِ الْحُرْمَةِ وَقَوَّاهُ الْمُحَقِّقُ فِي الْفَتْحِ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإِطْلَاقِهِ وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَعَنْ الْإِمَامِ لَا بَأْسَ فِي صَرْفِ الْكُلِّ إلَيْهِمْ. وَعَنْهُ جَوَازُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ وَفِي الْآثَارِ وَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ وَبِالْجَوَازِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مَخْصُوصَةٌ بِزَمَانِهِ ﵊ وَقَدْ سَوَّى صَاحِبُ الْكَافِي بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْوَقْفِ وَقَيَّدَهُ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ بِمَا إذَا سَمَّاهُمْ فِي الْوَقْفِ يَجُوزُ أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّهِمْ فَلَا فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ (وَمَوَالِيهِمْ) أَيْ مُعْتَقُ بَنِي هَاشِمٍ (مِثْلُهُمْ) أَيْ مِثْلُ بَنِي هَاشِمٍ فِي عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ» . (وَلَا يَدْفَعُ) الْمُزَكِّي زَكَاتَهُ (إلَى أَصْلِهِ وَإِنْ عَلَا أَوْ فَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ) سَوَاءٌ كَانَ بِالنِّكَاحِ أَوْ السِّفَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمْلِيكُ عَلَى الْكَمَالِ (أَوْ) إلَى (زَوْجَتِهِ) بِالِاتِّفَاقِ. (وَكَذَا لَا تَدْفَعُ) الْمَرْأَةُ (إلَى زَوْجِهَا) وَلَوْ مُعْتَدَّتُهُ مِنْ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَك أَجْرَانِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الصِّلَةِ قَالَهُ لِامْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَنْ التَّصَدُّقِ» قُلْنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّافِلَةِ لِلِاشْتِرَاكِ

стр. 224

فِي الْمَنَافِعِ. (وَلَا إلَى عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُمْ لِلسَّيِّدِ وَلَهُ حَقٌّ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ جَارِيَةَ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. (وَكَذَا عَبْدِهِ الْمُعْتَقِ بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِوُجُوبِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يُعْتَقْ لِتَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُمَا فَإِعْتَاقُ بَعْضِهِ إعْتَاقُ كُلِّهِ فَيَصِيرُ حُرًّا فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِمُعْتِقِ الْبَعْضِ فَلَوْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَاخْتَارَ السَّاكِتُ الِاسْتِسْعَاءَ فَلِلْمُعْتِقِ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لِشَرِيكِهِ وَلَيْسَ لِلسَّاكِتِ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا وَاخْتَارَ السَّاكِتُ تَضْمِينَهُ فَلِلسَّاكِتِ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ الدَّفْعُ إذَا اخْتَارَ اسْتِسْعَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ لِمَا أَنَّهُ بِالضَّمَانِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إعْتَاقِ الْبَاقِي أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَلَوْ دَفَعَ) الْمُزَكِّي (إلَى مَنْ ظَنَّهُ مَصْرِفًا فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ) عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْإِمَامِ (أَوْ كَافِرٌ) الْمُرَادُ بِالْكَافِرِ مَا كَانَ ذِمِّيًّا أَمَّا لَوْ ظَهَرَ حَرْبِيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْبَحْرِ (أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَجْزَأَهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ ظَهَرَ بِيَقِينٍ فَصَارَ كَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَدَّاهَا بِاجْتِهَادِهِ فَيَصِحُّ وَإِنْ أَخْطَأَ كَالصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا إذَا تَحَرَّى أَمَّا إذَا شَكَّ فَلَمْ يَتَحَرَّ أَوْ تَحَرَّى فَظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ فَلَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَلَوْ بَانَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ لَا يُجْزِئُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ خُرُوجًا صَحِيحًا وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَنُدِبَ دَفْعُ) مِقْدَارِ (مَا يُغْنِي) الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ (عَنْ السُّؤَالِ يَوْمَهُ) أَيْ يَوْمَ الدَّفْعِ، وَلَوْ أَطْلَقَ لَكَانَ أَحْصَرَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صِيَانَتَهُ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِغْنَاءَ مُطْلَقًا مَكْرُوهٌ. (وَكُرِهَ دَفْعُ نِصَابٍ أَوْ أَكْثَرَ) ، وَلَوْ تَرَكَ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ بِدُونِهِ الْكَرَاهَةُ (إلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مَدْيُونٍ) فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَدْرَ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ وَزِيَادَةً دُونَ مِائَتَيْنِ وَكَذَا إذَا كَانَ لَهُ عِيَالٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ قَدْرَ مَا لَوْ قَسَّمَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ تُصِيبُ الْوَاحِدَ أَقَلُّ مِنْ النِّصَابِ. وَفِي الْفَتْحِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ فِي كُلِّ فَقِيرٍ عَنْ عِيَالِهِ وَحَاجَةٍ أُخْرَى كَدُهْنِ وَثَوْبٍ وَكِرَاءِ مَنْزِلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ ﵊ «إذَا تَصَدَّقْتُمْ فَأَغْنُوهُمْ» وَلِهَذَا قَالُوا: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِهِ فُلُوسًا فَفَرَّقَهَا فَقَدْ قَصَّرَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَةِ. (وَ) كُرِهَ (نَقْلُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنْ بَلَدٍ (إلَى بَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ وَإِنْ كَانَ الْمُزَكِّي فِي بَلَدٍ، وَالْمِلْكُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَالْمُعْتَبَرُ مَكَانُ الْمِلْكِ لَا الْمَالِكِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ عَنْهُ مُحَمَّدٌ مَكَانَ الْمُؤَدِّي وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (إلَّا) أَنْ يَنْقُلَهَا (إلَى قَرِيبِهِ)

стр. 225

أَيْ الْمُزَكِّي فَلَا يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ قَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ لَا تُقْبَلُ صَدَقَتُهُ وَقَرَابَتُهُ مَحَاوِيجُ حَتَّى يَبْدَأَ بِهِمْ قَالُوا: الْأَفْضَلُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلَى أَخَوَاتِهِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ إلَى أَعْمَامِهِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ نَازِلِينَ ثُمَّ إلَى أَخْوَالِهِ ثُمَّ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ إلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ سَكَنِهِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ مِصْرِهِ وَالْمُرَادُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَعْدَ ذِكْرِ أَخْوَالِهِ ذُو رَحِمٍ أَبْعَدَ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلَهُ (أَوْ) شَخْصٍ (أَحْوَجَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ) لِدَفْعِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فُقَرَاءُ غَيْرِ الْبَلْدَةِ أَوْرَعَ أَوْ أَنْفَعَ بِتَعْلِيمِ الشَّرَائِعِ وَتَعَلُّمِهَا وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ، وَلَوْ مَكَثَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ سِنِينَ بِأَمَانٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ يُفْتَى بِأَدَائِهَا إلَى مَنْ يَسْكُنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ وَجَدَ مَصْرِفًا فِي دَارِ الْحَرْبِ. (وَلَا يَسْأَلُ مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ) مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ وَيَجُوزُ مَعَهُ سُؤَالُ الْجُبَّةِ وَالْكِسَاءِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ. [بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ] ِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى شَرْطِهِ كَمَا فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ كَمَا فِي حَجِّ الْبَيْتِ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيمُ عَلَى الصَّوْمِ جَائِزٌ وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمُضَافُ لَا الْمُضَافُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الزَّكَاةَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْهَا لِثُبُوتِهَا بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ عَقِيبَ الصَّوْمِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ إذْ هِيَ بَعْدُ الصَّوْمِ طَبْعًا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْفِطْرُ لَفْظٌ إسْلَامِيٌّ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ كَأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْفِطْرِ بِمَعْنَى الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكُ هَذَا الْيَوْمِ وَالصَّدَقَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِ (هِيَ وَاجِبَةٌ) وُجُوبًا مُوَسَّعًا فِي الْعُمْرِ كَالزَّكَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَحْرِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَدَائِهَا مُطْلَقٌ عَنْ الْوَقْتِ فَلَا يَضِيقُ وَقِيلَ مُضَيَّقًا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ عَيْنًا أَرَادَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ قَالُوا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: قَبُولُ الصَّوْمِ وَالْفَلَاحُ وَالنَّجَاةُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ فَرِيضَةٌ (عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) فَتَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ بَلْ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَجْلِهِ وَلَا عَلَى الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ (الْمَالِكِ لِنِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ) فَيُعْتَبَرُ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) النِّصَابُ (نَامِيًا) وَكَدَارٍ لَا تَكُونُ لِلسُّكْنَى وَلَا لِلتِّجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ وَاحِدَةٌ يَسْكُنُهَا وَفَضَلَتْ عَنْ سُكْنَاهُ يُعْتَبَرُ الْفَاضِلُ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا وَكَذَا مَا فَضَلَ عَنْ الثَّلَاثَةِ مِنْ الثِّيَابِ لِلشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَعَنْ فَرَسَيْنِ لِلْغَازِي وَفَرَسٍ وَحِمَارٍ لِلْغَيْرِ وَعَنْ نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مُصَنَّفٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ لِأَهْلِهَا وَاثْنَيْنِ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمَصَاحِفِ

стр. 226

وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ إنْ كَانَتْ كُتُبَ الطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَالْأَدَبِ يُعْتَبَرُ نِصَابًا وَلَا يُخَالِفُ مَا فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ فَمَشَى فِي بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى رِوَايَةٍ. وَفِي بَابِ الْفِطْرِ عَلَى أُخْرَى، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ دُورٌ وَحَوَانِيتُ لِلْغَلَّةِ وَهِيَ لَا تَكْفِي عِيَالَهُ فَهُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا الْكَرْمُ وَالْأَرْضُ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنْ قُوتِ شَهْرٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا النِّصَابِ (تَحْرُمُ) عَلَى مَالِكِهِ (الصَّدَقَةُ) أَيْ الزَّكَاةُ وَالْعُشْرُ وَالْفِطْرُ وَغَيْرُهَا (وَتَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ (عَنْ نَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِوَاجِبَةٍ وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ الْمَانِعَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الرَّأْسُ (وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ الْفَقِيرِ) فَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ مِنْ رَجُلٍ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ آبَاءٌ فَعَلَى كُلٍّ فِطْرَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْآبَاءِ مُوسِرًا دُونَ الْبَاقِينَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ تَامَّةٌ عِنْدَهُمَا وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ وَلَدِ وَلَدِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَعَبْدِهِ لِلْخِدْمَةِ، وَلَوْ) كَانَ الْعَبْدُ (كَافِرًا) مَأْذُونًا أَوْ جَانِيًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا لَوْ كَافِرًا. (وَكَذَا مُدَبَّرُهُ وَأَمُّ وَلَدِهِ) وَكَذَا إذَا كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ رَهْنٍ (لَا عَنْ زَوْجَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى نَفْسِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَوَلَدِهِ الْكَبِيرِ) ، وَلَوْ فِي عِيَالِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنْ لَوْ أَدَّى لَهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا جَازَ وَلَا يُؤَدِّي لِغَيْرِ عِيَالِهِ إلَّا بِأَمْرِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَلَا عَنْ طِفْلِهِ الْغَنِيِّ) لِانْعِدَامِ الْمُؤْنَةِ. (بَلْ) تَجِبُ مِنْ (مَالِ الطِّفْلِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَمَالِيكُهُ. وَفِي إطْلَاقِهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ أَدَاءِ وَصِيِّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِهِمَا أَوْ وَصِيِّ الْقَاضِي، وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْوَلِيُّ أَوْ الْوَصِيُّ عَنْهُ وَجَبَ الْأَدَاءُ بَعْدَ بُلُوغِهِ. (وَالْمَجْنُونُ كَالطِّفْلِ) فَتَجِبُ عَلَى الْأَبِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَفِي مَالِهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا مِنْ مَالِهِ وَعَنْهُ أَنَّ الْكَبِيرَ الْمَجْنُونَ إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا فَفِطْرَتُهُ عَلَى أَبِيهِ وَإِنْ مُفِيقًا ثُمَّ جُنَّ لَا. (وَلَا عَنْ مُكَاتَبِهِ) ، وَلَوْ عَجَزَ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَلَا عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ. (وَلَا عَنْ عَبِيدِهِ لِلتِّجَارَةِ) لِلثَّنْيِ إذْ هِيَ تَجِبُ عَلَيْهِ لَا عَنْ قِنٍّ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَدُّوا عَمَّنْ يُمَوَّنُونَ» إذْ الْأَمْرُ يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُخَاطَبِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى الْمَوْلَى وَتَجِبُ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَلَزِمَ الثَّنْيُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ الْفِطْرَةُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهُ مَوْلَاهُ فَلَا ثَنْيَ عِنْدَهُ. (وَلَا عَنْ عَبْدٍ آبِقٍ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ (إلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ) لِعَوْدِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ. (وَلَا عَنْ عَبْدٍ أَوْ عَبِيدٍ) مُشْتَرَكَةٍ (بَيْنَ اثْنَيْنِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ وَلَوْ اكْتَفَى بِالثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى لَكَانَ أَوْلَى لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَفْرَدَ بِالذِّكْرِ تَفْصِيلًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُؤَلِّفِينَ فَفِيهِ خِلَافُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ يُخْرِجُ مِنْهُمَا

стр. 227

فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَدْرِ الْمِلْكِ مِنْ الْأَنْصِبَاءِ. (وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ عَلَى كُلِّ) وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ (فِطْرَةٌ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الرُّءُوسِ) أَيْ رُءُوسِ الْعَبِيدِ (دُونَ الْأَشْقَاصِ) يَعْنِي لَوْ كَانَ لَهُمَا عَبْدٌ وَاحِدٌ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ اثْنَيْنِ تَجِبُ عَلَى كُلٍّ صَدَقَةُ عَبْدٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَكَذَا وَلَا يَجِبُ عَنْ الثَّالِثِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً تَجِبُ عَلَى كُلٍّ صَدَقَةُ عَبْدَيْنِ وَعَلَى هَذَا وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُمَا يَرَيَانِ قِسْمَةَ الرَّقِيقِ وَالْإِمَامُ لَا يَرَاهَا وَقِيلَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا فِي الْكَافِي. (وَلَوْ بِيعَ عَبْدٌ بِخِيَارٍ) وَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ رُدَّ بِخِيَارِ عَيْبٍ أَوْ رُؤْيَةٍ قَبْلَ الْقَبْضِ فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ اتِّفَاقًا وَإِنْ رُدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي (فَعَلَى مَنْ يَتَقَرَّرُ الْمِلْكُ لَهُ) أَيْ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ صَدَقَةِ فِطْرِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا وَإِذَا مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ الْعَبْدُ لَهُ فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ فُسِخَ فَعَلَى الْبَائِعِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ كَالنَّفَقَةِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ فَإِنْ قَبَضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَمْ تَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا. (وَتَجِبُ) الْفِطْرَةُ (بِطُلُوعِ) أَيْ بَعْدَ طُلُوعِ (فَجْرِ يَوْمِ الْفِطْرِ) أَيْ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ تَعَلُّقَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ لَا تَعَلُّقَهُ بِالسَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ شَرْطٌ وَالرَّأْسُ سَبَبٌ وَالْمَعْنَى وَقْتُ الْوُجُوبِ ثَبَتَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. (فَمَنْ مَاتَ قَبْلُ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ وُلِدَ بَعْدَهُ لَا تَجِبُ) فِطْرَتُهُ عِنْدَنَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. (وَصَحَّ تَقْدِيمُهَا) عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ، وَالْوَقْتُ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَالتَّعْجِيلُ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ (بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ) ، وَلَوْ عَشْرُ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَقِيلَ: سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَقِيلَ جَازَ أَنْ تُؤَدَّى فِي رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَقِيلَ فِي نِصْفِهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ وَقِيلَ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ وَقَالَ الْحَسَنُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا أَصْلًا كَالْأُضْحِيَّةِ. (وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) بَعْدَ الطُّلُوعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مَقْبُولَةٌ وَإِنْ أَدَّاهَا بَعْدَهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» وَيَجِبُ دَفْعُ فِطْرَةِ كُلِّ شَخْصٍ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ فَرَّقَهَا بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ. وَقَالَ فِي الْمِنَحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَةَ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إلَى وَاحِدٍ وَيَجُوزُ دَفْعُ مَا يَجِبُ عَلَى جَمَاعَةٍ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ شُرِطَ عَدَدُ الْوُصُولِ إلَى النِّصَابِ. (وَلَا تَسْقُطُ) صَدَقَةُ الْفِطْرِ (بِالتَّأْخِيرِ) وَلَا يُكْرَهُ التَّأْخِيرُ وَإِنْ طَالَ وَكَانَ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا لَكِنْ فِيهِ إسَاءَةٌ وَعَنْ الْحَسَنِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ يَوْمِ الْفِطْرِ وَعَنْهُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ. [مِقْدَار صَدَقَة الْفِطْر] (وَهِيَ) أَيْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ (نِصْفُ صَاعٍ

стр. 228

مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُمَا مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبُرِّ أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ أَوْ سَوِيقُهُ فَكَالشَّعِيرِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ (أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَشَعِيرٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكُلِّ صَاعٌ (وَالزَّبِيبُ كَالْبُرِّ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذْ كُلُّهُ يُؤْكَلُ كَبُرٍّ (وَعِنْدَهُمَا كَالشَّعِيرِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّمْرَ مِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّفَكُّهُ قِيلَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِ الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ (وَالصَّاعُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (مَا يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ) كُلُّ رِطْلٍ عِشْرُونَ إسْتَارًا وَهُوَ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ فَيَكُونَ أَلْفًا وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَكَانَ ذَلِكَ الصَّاعُ قَدْ فُقِدَ فَأَخْرَجَهُ الْحَجَّاجُ وَالْعِرَاقِيُّ عَلَمُ صَاعٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (مِنْ نَحْوِ عَدَسٍ أَوْ مَجٍّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَاشِّ وَإِنَّمَا قَدَّرُوهُ بِهِمَا لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَبَّاتِهِمَا تَخَلْخُلًا وَاكْتِنَازًا وَأَمَّا التَّفَاوُتُ صِغَرًا وَعِظَمًا فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّقْدِيرِ وَزْنًا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ) بِرِطْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ إسْتَارًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. (وَلَوْ دَفَعَ مَنَوَيْ بُرٍّ صَحَّ) يَعْنِي يَجُوزُ إعْطَاءُ نِصْفِ صَاعٍ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مُقَدَّرٌ بِالْوَزْنِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا ابْنُ رُسْتُمَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ بِالصَّاعِ هُوَ اسْمُ الْمَكِيلِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. (وَدَفَعَ الْبُرَّ فِي مَكَان تُشْتَرَى بِهِ) أَيْ بِالْبُرِّ (الْأَشْيَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ إذْ فِي الدَّقِيقِ وَالْقِيمَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الدَّرَاهِمُ أَفْضَلُ) مِنْ الدَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ وَأَعْجَلُ بِهَا وَالدَّقِيقُ أَفْضَلُ مِنْ الْبُرِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إنْ كَانَ فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ فَالْأَدَاءُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ دَقِيقِهِ أَفْضَلُ وَفِي زَمَنِ السَّعَةِ الدَّرَاهِمُ أَفْضَلُ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَفْضَلُ لَكِنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا نَظَرَا لِمَا هُوَ أَكْثَرُ نَفْعًا وَأَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. [كِتَابُ الصَّوْمِ] قَدَّمَهُ عَلَى كِتَابِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَسِيطِ مِنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ وَالْبَسِيطُ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ هَذَا ثَالِثُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ شَرَعَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا

стр. 229

كَوْنُهُ مُوجِبًا لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا عَيْنُ الْآخَرِ سُكُونُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَكَسْرُ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا وَلِهَذَا قِيلَ إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا وَمِنْهَا كَوْنُهُ مُوجِبًا لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِذَوْقِ أَلَمِ الْجُوعِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ذَكَرَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَيُسَارِعُ إلَى رَحْمَتِهِمْ وَالرَّحْمَةُ حَقِيقَتُهَا فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ نَوْعُ أَلَمٍ بَاطِنٍ فَيُسَارِعُ لِدَفْعِهِ عَنْهُ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ فَيَنَالُ بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ وَمِنْهَا كَوْنُهُ مُوَافَقَةَ الْفُقَرَاءِ بِتَحَمُّلِ مَا يَتَحَمَّلُونَ أَحْيَانَا وَفِي ذَلِكَ رَفْعُ حَالِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْفَتْحِ لَكِنْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَقَطْ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَلَا، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لَكَانَ أَوْلَى. تَأَمَّلْ وَالصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا عَنْ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَمِنْهُ صَامَ الْفَرَسُ إذَا لَمْ يَعْتَلِفْ قَالَ النَّابِغَةُ خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا أَيْ مُمْسِكَةٌ عَنْ الْعَلَفِ أَوْ غَيْرُ مُمْسِكَةٍ وَفِي الشَّرِيعَةِ (هُوَ تَرْكُ الْأَكْلِ) وَمَا فِي حُكْمِهِ فَلَا يَرِدُ مَا وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ فَإِنَّهُ مُفْطِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ إدْخَالُ شَيْءٍ بَطْنَهُ مَأْكُولًا أَوْ لَا فَمَا وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ لِمَا أَنَّ بَيْنَ الدِّمَاغِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ (وَالشُّرْبِ) بِالْحَرَكَاتِ (وَالْوَطْءِ) أَيْ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ قَصْدًا فَلَا يَشْكُلُ بِمَا فُعِلَ نِسْيَانًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِي لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا وَالْمُرَادُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءُ الْكَامِلُ فَلَا يُشْكِلُ بِوَاطِئِ مَيْتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ بِلَا إنْزَالٍ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْأَعَمِّ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ تَرْكُ الْمُفْطِرَاتِ لَزِمَ الدَّوْرُ إذْ هِيَ مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَكَذَا لَا يُشْكِلُ بِالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِانْعِدَامِ شَرْطِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ عَنْهَا، لَكِنْ لَوْ قَالَ: إمْسَاكٌ عَنْ إدْخَالِ شَيْءٍ عَمْدًا فِي بَطْنِهِ أَوْ مَا لَهُ حُكْمُ الْبَاطِنِ لَكَانَ أَوْضَحَ وَذَلِكَ الْإِمْسَاكُ رُكْنُهُ (مِنْ الْفَجْرِ) أَيْ أَوَّلِ زَمَانِ الصُّبْحِ الصَّادِقِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ انْتِشَارُهُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَحْوَطُ (إلَى الْغُرُوبِ) الْحِسِّيِّ بِحَيْثُ تَظْهَرُ الظُّلْمَةُ فِي جِهَةِ الشَّرْقِ لَا الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ إلَّا لِلْأَفْرَادِ (مَعَ نِيَّةٍ مِنْ أَهْلِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ نِيَّةِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلصَّوْمِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَنَحْوِهِمَا وَهِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْأَدَاءِ لِيَتَمَيَّزَ بِهَا الْعِبَادَةُ عَنْ الْعَادَةِ، وَأَرَادَ بِمَعِيَّةِ النِّيَّةِ مَعِيَّةَ الْوُجُودِ لَا مَعِيَّةَ الِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَهْلُ (مُسْلِمٌ) احْتِرَازٌ عَنْ الْكَافِرِ (عَاقِلٌ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمَجْنُونِ (طَاهِرٌ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) بِالِانْقِطَاعِ فَيَصِحُّ صَوْمُ الْجُنُبِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمِنَحِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَقْلُ وَالْإِفَاقَةُ لِلصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ جُنَّ فِي النَّهَارِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَصِحُّ صَوْمُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِعَدَمِ

стр. 230

النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ لَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ لِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَبِهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ. وَفِي الْفَتْحِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي الشُّرُوطِ، الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ أَوْ الْكَوْنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِيَّةِ رَمَضَانَ ثُمَّ عَلِمَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى. [صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ] (وَصَوْمُ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ عَلَمٌ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ رَبِيعِ الْأَوَّلِ شَهْرُ رَبِيعِ الْآخَرِ وَرَمَضَانُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَذْفِ لِلتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَمَضَانُ عَلَمًا لَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِمَنْزِلَةِ إنْسَانُ زَيْدٍ وَلَا يَخْفَى قُبْحُهُ وَلِهَذَا كَثُرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبَ وَشَهْرُ شَعْبَانَ عَلَى الْإِضَافَةِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ وَالسِّرُّ فِي قُبْحِهِ عَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ وَهِيَ جَائِزَةٌ. تَدَبَّرْ، وَهِيَ مُشْتَقٌّ مِنْ رَمَضَ إذَا احْتَرَقَ؛ لِأَنَّ الذُّنُوبَ تَحْتَرِقُ فِيهِ (فَرِيضَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِهَذَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَلِلْإِجْمَاعِ كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اتَّجَهَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ الْبَعْضَ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَيَكُونَ دَلِيلًا ظَنِّيًّا قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ الْفَرْضِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ تَدَارَكَهُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ. تَأَمَّلْ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْمُسْتَغْرِقِ جَمِيعَ الشَّهْرِ بِالِاتِّفَاقِ اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ شَرْطُ: وُجُوبِهِ كَالْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَشَرْطُ وُجُوبِ أَدَائِهِ كَالصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ وَشَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ آنِفًا وَسَبَبُ وُجُوبِهِ شُهُودُ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبُ وُجُوبِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ مُتَفَرِّقَةٌ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ بَلْ أَشَدُّ لِتَخَلُّلِ زَمَانٍ لَا يَصْلُحُ لِلصَّوْمِ أَصْلًا وَهُوَ اللَّيْلُ وَلَا تَنَافِي بَيْنَ جَمْعِ السَّبَبَيْنِ فَشُهُودُ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ سَبَبٌ لِكُلِّهِ وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَكَرَّرَ سَبَبُ وُجُوبِ صَوْمِ الْيَوْمِ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِهِ وَدُخُولِهِ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِ وَحُكْمُهُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ وَقِيلَ ثَوَابُهُ إنْ كَانَ صَوْمًا لَازِمًا، وَإِلَّا فَالثَّانِي كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَقَالَ الْمَوْلَى ابْنُ كَمَالِ الْوَزِيرِ إنَّ السَّبَبَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا كُلُّهُ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَجِبَ صَوْمُ كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا الْجُزْءُ الْمُطْلَقُ وَإِلَّا لَوَجَبَ صَوْمُ يَوْمٍ بَلَغَ فِيهِ الصَّبِيُّ، وَلَا وَجْهَ لَأَنْ يَكُونَ الشَّهْرُ سَبَبًا بِاعْتِبَارِ جُزْئِهِ الْأَوَّلِ أَوْ بِاعْتِبَارِ جُزْئِهِ الْمُطْلَقِ إذْ يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَجِبَ صَوْمُ مَا بَقِيَ عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنْ يَجِبَ صَوْمُ الْكُلِّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ شُهُودُ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ لَا مَحَالَةَ لَكِنَّ عَدَمَ وُجُوبِ صَوْمِ الْكُلِّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لِعَدَمِ وِجْدَانِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْبُلُوغُ لَا لِعَدَمِ وِجْدَانِ السَّبَبِ فَإِذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَجَبَ صَوْمُ مَا بَقِيَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يَجِبُ صَوْمُ مَا مَضَى لِعَدَمِهِ

стр. 231

تَدَبَّرْ (أَدَاءً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (وَقَضَاءً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ. [صَوْمُ الْمَنْذُورِ] (وَصَوْمُ الْمَنْذُورِ) مُعَيَّنًا كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَثَلًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مَثَلًا وَسَبَبُهُ النَّذْرُ وَلِذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَصَامَ شَهْرًا قَبْلَهُ عَنْهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَيَلْغُو التَّعْيِينُ (وَالْكَفَّارَةُ) لِظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ فِدْيَةِ الْأَذَى فِي الْإِحْرَامِ، وَالسَّبَبُ الْحِنْثُ وَالْقَتْلُ (وَاجِبٌ) لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ عَلَى وُجُوبِهِ أَيْ ثُبُوتِهِ عَمَلًا لَا عِلْمًا وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا فَرْضٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى لُزُومِهَا وَنَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْمَنْذُورِ. وَفِي الْمَوَاهِبِ وَفَرْضُ صَوْمَ الْكَفَّارَاتِ وَكَذَا صَوْمُ الْمَنْذُورِ فِي الْأَظْهَرِ. وَفِي التَّبْيِينِ الْكَفَّارَةُ فَرْضٌ وَالنَّذْرُ وَاجِبٌ وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا، وَقَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ فِي شَرْحِهِ، وَلَوْ قَالَ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ فَرْضٌ وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ وَاجِبٌ لَكَانَ أَوْلَى لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ صَوْمِ النَّذْرِ وَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ فِي الْوَاجِبِيَّةِ أَوْ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى. عَلَى أَنَّهَا يُخَالِفُ مَا فِي شَرْحِهِ لِلْمَجْمَعِ تَدَبَّرْ. هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَغَيْرُ ذَلِكَ نَفْلٌ) يَعْنِي الزَّائِدَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ السُّنَّةِ كَصَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ التَّاسِعِ وَالْمَنْدُوبُ كَصَوْمِ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا الْأَيَّامَ الْبِيضَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا وَهُوَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ مُنْفَرِدًا وَنَحْوَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [صَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ] (وَصَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَرَامٌ) لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. (وَيَجُوزُ) أَيْ يَصِحُّ (أَدَاءُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ بِنِيَّةٍ) وَاقِعَةٍ (مِنْ اللَّيْلِ وَإِلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ) وَالنَّهَارُ الشَّرْعِيُّ مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْمَغْرِبِ فَمُنْتَصَفُهُ الضَّحْوَةُ الْكُبْرَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ اللُّغَوِيَّ كَذَلِكَ كَمَا فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مَوْجُودَةً فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ، وَلَوْ قَالَ فِي اللَّيْلِ وَالْيَوْمِ قَبْلَ نِصْفِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُهَا فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ لَا ابْتِدَاؤُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَانْتِهَاؤُهَا فِي الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ (لَا عِنْدَهُ) أَيْ نِصْفَ النَّهَارِ (فِي الْأَصَحِّ) فَلَوْ نَوَى عِنْدَ الضَّحْوَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَنَا اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِأَكْثَرِ وَقْتِ الْأَدَاءِ لِقِيَامِ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلصُّبْحِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَهَذَا خَاصٌّ بِالصَّوْمِ لِكَوْنِهِ رُكْنًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ فَلَا تَجُزْ بِنِيَّةٍ فِي أَكْثَرِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اقْتِرَانِهَا بِالْعَقْدِ عَلَى أَدَائِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ مِنْ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ بِالنِّيَّةِ وَجَوَازِهَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بِهَا فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَبِعَدَمِ جَوَازِهَا إلَّا مِنْ اللَّيْلِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ. (وَ) يَصِحُّ أَدَاؤُهَا (بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ) وَهُوَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَاتِ الصَّوْمِ دُونَ الصِّفَةِ كَنَوَيْتُ

стр. 232

الصَّوْمَ فَإِنَّ مُرَادَهُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الصَّوْمَ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا نِيَّةٌ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَلَوْ قَالَ بِنِيَّةِ الْمُطْلَقِ لَكَانَ أَوْلَى وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُهُ بِنِيَّةِ نَفْلٍ وَيَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ بِإِعَادَةِ النِّيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْإِطْلَاقِ فَإِضَافَتُهَا عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. تَدَبَّرْ وَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ. (وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ أَدَاءُ رَمَضَانَ إلَّا بِنِيَّةٍ عَلَى التَّعْيِينِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَلَنَا أَمَّا فِي النِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ؛ فَلِأَنَّ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِلْفَرْضِ لَا يَسَعُ غَيْرَهُ وَالْإِطْلَاقُ فِي الْمُتَعَيِّنِ تَعَيُّنٌ كَمَا نَادَى زَيْدًا الْمُنْفَرِدَ فِي الدَّارِ بِيَا إنْسَانُ فَإِنَّ فِيهِ تَعْيِينًا لَهُ وَأَمَّا فِي نِيَّةِ النَّفْلِ؛ فَلِأَنَّ وَصْفَهُ بِالنَّفْلِ خَطَأٌ فَيَبْطُلُ وَيَبْقَى الْإِطْلَاقُ وَهُوَ تَعْيِينٌ، وَلَوْ صَامَ مُقِيمٌ عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ لِجَهْلِهِ بِهِ فَوَافَقَهُ فَهُوَ عَنْهُ. (وَ) يُؤَدَّى (صَوْمُ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ) يَعْنِي يَصِحُّ أَدَاءُ رَمَضَانَ إذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ عَلَيْهِ نَحْوِ كَفَّارَةِ قَتْلِ غَيْرِ الْعَمْدِ أَوْ ظِهَارٍ (لَا) يُؤَدَّى (النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ) بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ (بَلْ) يَقَعُ الْأَدَاءُ (عَمَّا نَوَاهُ) كَمَا أَنَّ النَّفَلَ لَا يُؤَدَّى بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ بَلْ يَقَعُ عَمَّا نَوَى هَذَا إنْ نَوَى بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بَعْدَمَا أَصْبَحَ فِي يَوْمِ التَّعْيِينِ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ يَكُونُ عَنْ نَذْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا جُعِلَ بِوِلَايَةِ النَّاذِرِ، وَلَهُ حَقُّ إبْطَالِ صَلَاحِيَّةِ مَا لَهُ وَهُوَ النَّفَلُ لَا مَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَنَحْوُهُ وَرَمَضَانُ مُتَعَيِّنٌ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ. (وَلَوْ نَوَى الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (وَاجِبًا آخَرَ) كَالْقَضَاءِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ (وَقَعَ) صَوْمُهُ (عَمَّا نَوَى) هَذِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولَيْهِمَا: وَوَجْهُهُ أَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ فَأَمَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي حَقِّهِ تَتَعَلَّقُ بِعَجْزِ بَاطِنٍ قَامَ السَّفَرُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ. وَفِي الْإِيضَاحِ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَأَكْثَرِ مَشَايِخِ بُخَارَى وَبِهِ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ رُخْصَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَوْفِ ازْدِيَادِ الْمَرَضِ لَا بِحَقِيقَةِ الْعَجْزِ فَكَانَ كَالْمُسَافِرِ فِي تَعَلُّقِ الرُّخْصَةِ لِعَجْزٍ مُقَدَّرٍ (وَعِنْدَهُمَا) يَقَعُ (عَنْ رَمَضَانَ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَيْ لَا تَلْزَمَ الْمَعْذُورَ مَشَقَّةٌ فَإِذَا تَحَمَّلَهَا الْتَحَقَ بِغَيْرِ الْمَعْذُورِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَنَّهُمَا شَغَلَا الْوَقْتَ بِالْأَهَمِّ لِتَحَتُّمِهِ لِلْحَالِ وَتَخْيِيرِهِمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إلَى إدْرَاكِ الْعِدَّةِ مِنْ الْأَيَّامِ الْأُخَرِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْمُسَافِرُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ كَالْمَرِيضِ. (وَالنَّفَلَ كُلَّهُ) وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَدَمُ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَشُرِطَ لِقَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ وَالنَّفَلِ الْفَاسِدِ أَنْ يُبَيِّتَ. تَدَبَّرْ (يَجُوزُ

стр. 233

بِنِيَّةٍ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ) مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا خِلَافًا لِمَالِكٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «بَعْدَ مَا كَانَ يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمٍ إنِّي إذَنْ لَصَائِمٌ» وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ وَيَتَمَسَّكُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ» وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ بَعْدَهُ أَيْضًا وَيَصِيرُ صَائِمًا حِينَ نَوَى إذْ هُوَ مُنْجِزٌ عِنْدَهُ لَكِنْ مِنْ شَرْطِهِ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ. (وَالْقَضَاءُ) أَيْ قَضَاءُ رَمَضَانَ (وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ) غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَالنَّذْرِ لِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شِبْهِهِ (وَالْكَفَّارَاتُ) أَيْ كَفَّارَةُ رَمَضَانَ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالْقَتْلِ وَالْإِحْصَارِ وَالصَّيْدِ وَالْحَلْقِ وَمُتْعَةِ الْحَجِّ (لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ اللَّيْلِ) السَّابِقِ، وَلَوْ عِنْدَ الطُّلُوعِ بَلْ هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قِرَانُ النِّيَّةِ بِالصَّوْمِ لَا تَقْدِيمُهَا، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّقْدِيمُ لِلْعُسْرِ فَلَوْ نَوَى بَعْدَ الطُّلُوعِ كَانَ تَطَوُّعًا وَإِتْمَامُهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَا قَضَاءَ بِإِفْطَارِهِ، وَلَوْ نَوَى لَيْلًا بِأَنْ يَصُومَ غَدًا ثُمَّ عَزَمَ فِي اللَّيْلِ عَلَى الْفِطْرِ لَمْ يَصِرْ صَائِمًا ثُمَّ إذَا أَفْطَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ رَمَضَانُ، وَلَوْ نَوَى الصَّائِمُ الْفِطْرَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى يَأْكُلَ، وَلَوْ قَالَ نَوَيْت صَوْمَ غَدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تُبْطِلُ اللَّفْظَ وَالنِّيَّةُ فِعْلُ الْقَلْبِ وَصَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ. [مَا يَثْبُتُ بِهِ رَمَضَانُ] (وَيَثْبُتُ) رَمَضَانُ أَيْ دُخُولُهُ وَابْتِدَاؤُهُ (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ بَعْدَ شَعْبَانَ) أَيْ بِأَنْ يُعَدَّ شَعْبَانُ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ الْهِلَالُ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَالْغَيْمُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الظُّهُورِ لِعِلَّةٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ لِقُرْبِهِ مِنْ الشَّمْسِ. (وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ. وَمَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا يُصَامُ الَّذِي شُكَّ فِيهِ إلَّا تَطَوُّعًا» لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ خِلَافُهُ تَدَبَّرْ (إلَّا تَطَوُّعًا) أَيْ نَفْلًا بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي الْأَصَحِّ (وَهُوَ) أَيْ الصَّوْمُ (أَحَبُّ إنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ مِنْ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ (صَوْمًا يَعْتَادُهُ) كَصَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ آخِرِ شَهْرٍ، وَلَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ كُرِهَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ يَصُومُ وَإِلَّا فَلَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمًا يَعْتَادُهُ (فَيَصُومُ الْخَوَاصُّ) أَيْ الْعُلَمَاءُ أَوْ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ نِيَّتَهُ وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ التَّطَوُّعَ بِنِيَّةِ الْمُطْلَقِ أَوْ بِنِيَّةِ النَّفْلِ بِلَا قَصْدِ رَمَضَانَ (وَيُفْطِرُ غَيْرُهُمْ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ) نَفْيًا لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَفْتَى النَّاسَ يَوْمَ الشَّكِّ بِالْفِطْرِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «اُصْحُوَا يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرِينَ مُتَلَوِّمِينَ» أَيْ غَيْرَ آكِلِينَ وَلَا صَائِمِينَ قِيلَ الْأَفْضَلُ الْفِطْرُ

стр. 234

وَقِيلَ الصَّوْمُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمْ بِالْفِطْرِ أَمَّا فِي الصَّوْمِ فَقِيلَ يُكْرَهُ وَيَأْثَمُ وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ. (وَكُرِهَ صَوْمُهُ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ نَاوِيًا (عَنْ رَمَضَانَ) لِتَشَبُّهِهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ (أَوْ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ) لَكِنَّ الثَّانِيَ فِي الْكَرَاهَةِ دُونَ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. (وَكَذَا) يُكْرَهُ (إنْ نَوَى) مُتَرَدِّدًا بِأَنَّهُ (إنْ كَانَ) يَوْمُ الشَّكِّ (رَمَضَانَ فَعَنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ نَفْلٍ أَوْ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ) أَمَّا فِي صُورَةِ تَرْدِيدِهِ بَيْنَ رَمَضَانَ وَنَفْلٍ فَلِأَنَّهُ نَاوٍ لِلْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ وَأَمَّا فِي صُورَةِ تَرْدِيدِهِ بَيْنَ رَمَضَانَ وَوَاجِبٍ آخَرَ فَلِتَرْدِيدِهِ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ هَذَا إذَا كَانَ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا يَقَعُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا. وَفِي الْفَتْحِ لَا يُكْرَهُ صَوْمُ وَاجِبٍ آخَرَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ رَمَضَانُ لَا غَيْرُ، وَلَوْ قَالَ وَإِلَّا فَعَنْ غَيْرِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ (وَصَحَّ فِي الْكُلِّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ صَوْمُهُ إلَى قَوْلِهِ وَاجِبٍ آخَرَ (عَنْ رَمَضَانَ إنْ ثَبَتَ) أَيْ إنْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ لِوُجُودِ أَصْلِ النِّيَّةِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ رَمَضَانُ (فَمَا نَوَى إنْ جَزَمَ) وَفِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنْ كَانَ نَوَى رَمَضَانَ يَكُونُ تَطَوُّعًا وَإِنْ أَفْطَرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاجِبًا غَيْرَ رَمَضَانَ قِيلَ يَكُونُ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ وَقِيلَ يَجْزِيهِ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَى هَذَا إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِمَا نَوَى وَاجِبًا غَيْرَ رَمَضَانَ لَكِنْ تَبْقَى صُورَةُ نِيَّةِ رَمَضَانَ قَطْعًا وَلَمْ يَثْبُتْ. تَدَبَّرْ. (وَ) يَصِحُّ عَنْ (نَفْلٍ إنْ رَدَّدَ) فِي وَصْفِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ مَوْجُودٌ وَهُوَ كَافٍ فِي النَّفْلِ وَلَوْ أَفْسَدَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. (وَإِنْ قَالَ إنْ كَانَ) الْغَدُ الَّذِي هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ وَاقِعًا مِنْ (رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا) أَصُومُ أَصْلًا (لَا يَصِحُّ، وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (ثَبَتَ رَمَضَانِيَّتُهُ) لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِيهَا فَلَا تُوجَدُ النِّيَّةُ (وَلَا يَصِيرُ صَائِمًا) كَمَا لَوْ نَوَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَدَاءً فَهُوَ صَائِمٌ وَإِلَّا فَفَطَرَ، وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ وَلَا يَصِيرُ صَائِمًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الصَّوْمِ. (وَإِذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ) كَغَيْمٍ وَغُبَارٍ وَغَيْرِهِمَا هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَوُجُوبِ ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ بِهِ (قُبِلَ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَبَرُ عَدْلٍ) وَاحِدٍ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَحَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ مَلَكَةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا (وَلَوْ عَبْدًا أَوْ أُنْثَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تَابَ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ نَفْيُ رُؤْيَةِ الْمَحْدُودِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الْعَدَالَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ فِي الدِّيَانَاتِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ فَعَنْ الْإِمَامِ قَبُولُهُ وَصَحَّحَهُ الْبَزَّازِيُّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْقَبُولَ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِتَفْسِيرِ الْمَرْئِيَّةِ. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ كَانَ

стр. 235

الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلٍ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ إذَا فَسَّرَ وَقَالَ رَأَيْت الْهِلَالَ خَارِجَ الْبَلْدَةِ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ يَقُولَ: رَأَيْتُهُ فِي الْبَلْدَةِ بَيْنَ خَلَلِ السَّحَابِ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُ فِي السَّحَابِ ثُمَّ يَنْجَلِي أَمَّا بِدُونِ هَذَا التَّفْسِيرِ لَا تُقْبَلُ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ وَعَنْ الْحَسَنِ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. (وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ) . وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى وَلَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْإِخْبَارَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ فِي الْفِطْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ الْعِبَادِ وَهُوَ الْفِطْرُ فَهُنَا أَوْلَى. (وَ) شُرِطَ مَعَ الْعِلَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (فِي هِلَالِ الْفِطْرِ) أَيْ فِي شَوَّالَ (وَذِي الْحَجَّةِ شَهَادَةُ حُرَّيْنِ أَوْ حُرٍّ وَحُرَّتَيْنِ) . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ (بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ) وَالْحُرِّيَّةِ وَعَدَمِ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ (وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعِبَادِ بِهِ بِخِلَافِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْأَضْحَى كَهِلَالِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ كَالْفِطْرِ لِنَفْعِ الْعِبَادِ بِهِ بِالتَّوَسُّعِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ مَعَ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا آخَرَ وَهُوَ الْإِحْلَالُ مِنْ الْحَجِّ (لَا الدَّعْوَى) لِمَا فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ. وَفِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَأَمَّا الدَّعْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْحُرَّةِ عِنْدَ الْكُلِّ وَعِتْقِ الْعَبْدِ فِي قَوْلِهِمَا وَفِي الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الدَّعْوَى فِي هِلَالِ الْفِطْرِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ كَمَا فِي عِتْقِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ) مِمَّا ذَكَرْنَا (فَلَا بُدَّ فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى (مِنْ جَمْعٍ عَظِيمٍ) غَيْرِ مُقَدَّرٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ) وَيْحُكُمْ الْعَقْلُ بِعَدَمِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْعِلْمِ هُنَا مَا يُوجِبُ الْعَمَلَ وَهُوَ غَالِبُ الظَّنِّ لَا الْعِلْمُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ نَصَّ الْيَقِينِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنَافِعِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّدَ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ الْغَفِيرِ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ طَالِبِينَ لِمَا تَوَجَّهَ هُوَ إلَيْهِ مَعَ فَرْضِ عَدَمِ الْمَانِعِ وَسَلَامَةِ الْأَبْصَارِ يُوهِمُ الْغَلَطَ بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَلَّ الْمُطَّلِعُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّدَ بِحِدَّةِ نَظَرِهِ بِأَنْ يَنْشَقَّ الْغَيْمُ فَيَتَّفِقَ لَهُ النَّظَرُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفَرُّدِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا تَفَرُّدُ مَنْ لَمْ يَقَعْ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ لَا تَفَرُّدُ وَاحِدٍ وَإِلَّا لَأَفَادَ قَبُولَ اثْنَيْنِ وَهُوَ مُنْتَفٍ ثُمَّ قِيلَ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خَمْسُونَ رَجُلًا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ خَمْسُمِائَةٍ بِبَلْخٍ قَلِيلٌ فَبُخَارَى لَا تَكُونُ أَدْنَى مِنْ بَلْخِي فَلِذَا قَالَ الْبَقَّالِيُّ الْأَلْفُ بِبُخَارَى قَلِيلٌ وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْوَفَاءُ وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ مَسْجِدٍ جَمَاعَةٌ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ يُفَوَّضُ مِقْدَارُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

стр. 236

يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ رَأْيَ الْإِمَامِ. وَفِي الْفَتْحِ وَالْحَقُّ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِتَوَاتُرِ الْخَبَرِ وَمَجِيئِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَفِي الزَّادِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَفِي رِوَايَةِ) الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ (يُكْتَفَى بِاثْنَيْنِ) رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَفِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَهَا مِنْ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهَا فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَكَاسَلُوا عَنْ تَرَائِيِ الْأَهِلَّةِ فَانْتَفَى قَوْلُهُمْ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ طَالِبِينَ لِمَا تَوَجَّهْ هُوَ إلَيْهِ فَكَانَ التَّفَرُّدُ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِي الْغَلَطِ انْتَهَى. لَكِنْ فِي دِيَارِنَا لَيْسَ كَمَا قَالَهُ فَعَدَمُ التَّرْجِيحِ أَوْلَى. تَدَبَّرْ. (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ إنْ جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ أَوْ كَانَ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ) قَالَ الْمَوْلَى ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنْ الْمِصْرِ وَأَمَّا إذَا جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ أَوْ جَاءَ مِنْ أَعْلَى الْأَمَاكِنِ فِي مِصْرٍ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ تُقْبَلُ. وَفِي الْأَقْضِيَةِ صَحَّحَ رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا لِقِلَّةِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّ هَوَاءَ الصَّحْرَاءِ أَصْفَى فَيَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ دُونَ أَهْلِ الْمِصْرِ وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ فِي الْمِصْرِ لِاخْتِلَافِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ فِي الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ قَالَ فِي خِزَانَة الْأَكْمَلِ أَهْلُ إسْكَنْدَرِيَّةَ يُفْطِرُونَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَا يُفْطِرُ مَنْ عَلَى مَنَارَتِهَا؛ فَإِنَّهُ يَرَاهَا بَعْدُ حَتَّى تَغْرُبَ لَهُ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ مَا قَالَ أَهْلُ التَّنْجِيمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِمْ فَقَدْ خَالَفَ الشَّرْعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ مُنَجِّمًا فَصَدَّقَهُ بِمَا قَالَ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَعَنْ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ إنْ رَأَى الْقَمَرَ قُدَّامَ الشَّمْسِ فَلِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ رَآهُ خَلْفَهَا فَلِلْمُسْتَقْبِلَةِ: وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَجْرَاهُ إلَى الْمَشْرِقِ وَالْخَلْفُ إلَى الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ سَيْرَ السَّيَّارَةِ إلَى الْمَشْرِقِ فَالْقَمَرُ إذَا جَاوَزَ الشَّمْسَ تَرَى الْهِلَالَ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَلَوْ رَأَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ وَمُحَمَّدٌ وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إلَى أَنَّهُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَلِلْمَاضِيَةِ أَمَّا بَعْدَ الْعَصْرِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ إنْ غَابَ قَبْلَ الشَّفَقِ فَمِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وَفِي التَّجْنِيسِ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُهُمَا. (وَلَوْ صَامُوا ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ حَلَّ الْفِطْرُ إنْ صَامُوا) أَيْ إنْ كَانُوا ابْتَدَءُوا الصَّوْمَ (بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) عَدْلَيْنِ وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ وَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ

стр. 237

سَوَاءٌ تَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ فِي الزَّمَانَيْنِ أَوْ لَا لَا يَخْلُو عَنْ خَلَلٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ يَلْزَمُ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ وَلَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ اثْنَيْنِ إلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ تَدَبَّرْ. وَإِنَّمَا حَلَّ الْفِطْرُ فِيهِ لِوُجُودِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَكَذَا لَوْ كَانُوا اسْتَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ. وَفِي الْفَتْحِ: إذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ بَلْ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالَ إنْ كَانُوا أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ إذَا لَمْ يَرَوْا هِلَالَ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا حَمْلًا عَلَى نُقْصَانِ شَعْبَانَ غَيْرَ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَإِنْ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ قَضَوْا يَوْمَيْنِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ شَعْبَانَ مَعَ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَعْبَانَ كَانُوا بِالضَّرُورَةِ مُكْمِلِينَ رَجَبَ. (وَإِنْ) صَامُوا (بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَا يَحِلُّ) لَهُمْ الْفِطْرُ سَوَاءٌ تَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ فِي الزَّمَانَيْنِ أَوْ لَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ تَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ فِيهِمَا حَلَّ الْفِطْرُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا صَحَتْ. (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ الْفِطْرَ) وَحْدَهُ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي (وَرَدَّ قَوْلَهُ) بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ (صَامَ) فِي الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهَذَا قَدْ شَهِدَهُ وَفِي الثَّانِي لَا يُفْطِرُ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ يَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ يُفْطِرُونَ» النَّاسُ لَمْ يُفْطِرُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ مُوَافَقَتُهُمْ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ لَكِنْ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ حَاكِمٍ وَالشَّهَادَةُ لَازِمَةٌ لِئَلَّا يُفْطِرَ النَّاسُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَوْ مُتَخَدِّرَةً وَكَذَا الْفَاسِقُ إنْ عَلِمَ قَبُولَ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ يَشْهَدُ فِي الْمَسْجِدِ وَصَامُوا بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلَا بَأْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُفْطِرُوا إذَا أَخْبَرَ رَجُلَانِ فِي هِلَالِ شَوَّالَ وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ وَالٍ. وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ الْقَاضِي وَحْدَهُ هِلَالَ رَمَضَانَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُنَصِّبَ مَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ الْقَاضِي وَحْدَهُ هِلَالَ شَوَّالَ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى وَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ. (وَإِنْ أَفْطَرَ) مَنْ رُدَّ قَوْلُهُ (قَضَى فَقَطْ) بِلَا كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ أَمَّا فِي هِلَالِ الصَّوْمِ فَلِأَنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَأَمَّا فِي هِلَالِ الْفِطْرِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ. وَلَوْ أَكْمَلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أَفْطَرَ قَبْلَ رَدِّ الْإِمَامِ شَهَادَتَهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِيهِمَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْكَفَّارَةَ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا إنْ أَفْطَرَ بِالْوِقَاعِ. (وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ) وُجُوبَ كِفَايَةٍ (الْتِمَاسُ الْهِلَالِ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَمِنْ رَمَضَانَ)

стр. 238

وَكَذَا ذُو الْقِعْدَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِذَلِكَ. (وَإِذَا ثَبَتَ فِي مَوْضِعٍ لَزِمَ جَمِيعَ النَّاسِ) وَلَا اعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ حَتَّى قَالُوا لَوْ رَأَى أَهْلُ الْمَغْرِبِ هِلَالَ رَمَضَانَ يَجِبُ بِرُؤْيَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِطَرِيقٍ مُوجِبٍ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عِنْدَ قَاضٍ لَمْ يَرَ أَهْلُ بَلَدِهِ عَلَى أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا جَازَ لِهَذَا الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي حُجَّةٌ وَقَدْ شَهِدَا بِهِ وَأَمَّا لَوْ شَهِدَا أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةِ كَذَا رَأَوْا الْهِلَالَ قَبْلَكُمْ بِيَوْمٍ وَهَذَا يَوْمُ الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ فَلَا يُبَاحُ الْفِطْرُ غَدًا وَلَا يُتْرَكُ التَّرَاوِيحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَشْهَدُوا بِالرُّؤْيَةِ وَلَا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا حَكَوْا رُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْخَبَرَ إذَا اسْتَفَاضَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَتَحَقَّقَ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ (وَقِيلَ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ) . وَفِي التَّبْيِينِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَوْمٍ يُخَاطَبُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ، وَانْفِصَالُ الْهِلَالِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْطَارِ كَمَا أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَخُرُوجَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمَا. وَقَالَ فِي الدُّرَرِ يُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ لَا تَجِبُ بِفَاقِدِ وَقْتِهِمَا. وَفِي الِاخْتِيَارِ وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْحُسَامِيَّةِ إذَا صَامَ أَهْلُ مِصْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِرُؤْيَةٍ وَأَهْلُ مِصْرٍ آخَرَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بِرُؤْيَةٍ فَعَلَيْهِمْ قَضَاءُ يَوْمٍ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ قُرْبٌ بِحَيْثُ يَتَّحِدُ الْمَطْلَعُ وَإِنْ كَانَ بَعُدَ بِحَيْثُ يَخْتَلِفُ لَا يَلْزَمُ أَحَدَ الْمِصْرَيْنِ حُكْمُ الْآخَرِ، وَحَدُّهُ عَلَى مَا فِي الْجَوَاهِرِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ فَصَاعِدًا اعْتِبَارًا بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ ﵇ فَإِنَّهُ انْتَقَلَ كُلَّ غُدُوِّ وَرَوَاحٍ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. [بَابُ مُوجَبِ الْفَسَادِ] بِفَتْحِ الْجِيمِ مَا يُوجِبُهُ الْإِفْسَادُ لِلصَّوْمِ يَعْنِي الْحُكْمَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْإِفْسَادِ بِالْكَسْرِ مَا بِهِ الْفَسَادُ يَعْنِي الْأَسْبَابَ لِلْفِطْرِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عِنْدَ إبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَارِضٌ عَلَى الصَّوْمِ فَلِهَذَا يُذْكَرُ مُؤَخَّرًا ثُمَّ الْعَوَارِضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ مَا يُفْسِدُهُ مَعَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِي مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَالثَّالِثُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ وَلَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَقَدْ بَيَّنَ الْأَقْسَامَ بِالتَّرْتِيبِ فَقَالَ (يَجِبُ الْقَضَاءُ) وَهُوَ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ اسْتِدْرَاكًا لِلْمَصْلَحَةِ الْفَائِتَةِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِكَمَالِ الْجِنَايَةِ (كَكَفَّارَةِ الْمُظَاهِرِ) بِأَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَيَصُومَ شَهْرَيْنِ وَلَاءً إذْ بِإِفْطَارِ يَوْمٍ اسْتَقْبَلَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَإِنَّمَا تَرَكَ بَيَانَ وَقْتِ

стр. 239

وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ إشْعَارًا بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ وَقِيلَ بَيْنَ رَمَضَانَيْنِ وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (عَلَى مَنْ جَامَعَ) مِنْ الْجِمَاعِ وَهُوَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ. وَفِي الْخِزَانَةِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ (أَوْ جُومِعَ) فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ إذْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (عَمْدًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ عَامِدًا احْتِرَازٌ عَنْ الْإِكْرَاهِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. وَفِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ وَإِنْ أَكْرَهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فَجَامَعَهَا مُكْرَهًا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِاللَّذَّةِ وَالِانْتِشَارِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الِاخْتِيَارِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ أَكْرَهَهَا هُوَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا إجْمَاعًا (فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِنْ إنْسَانٍ حَيٍّ فَالْجِمَاعُ فِي الدُّبُرِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ كَمَا قَالَا وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَامِلَةٌ. وَلَوْ جَامَعَهَا ثُمَّ مَرِضَ فِي يَوْمِهِ سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ لَفَّ ذَكَرَهُ بِخِرْقَةٍ مَانِعَةٍ لِلْحَرَارَةِ لَمْ يُكَفِّرْ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. وَلَوْ جَامَعَ مِرَارًا فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ وَلَمْ يُكَفِّرْهُ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا كَفَّرَ لِلْأُولَى، ثُمَّ جَامَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَلَوْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَيْنِ لَزِمَتْ كَفَّارَتَانِ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلتَّدَاخُلِ (أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا) سَوَاءٌ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ عَلَى الصَّحِيحِ وَشَرَطُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ كَوْنِ الْمَأْكُولِ (غَدَاءً) هُوَ اصْطِلَاحًا مَا يَقُومُ بَدَلَ مَا يَتَحَلَّلُ عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ الدَّمُ وَبَاقِي الْأَخْلَاطِ كَالْأَبَازِيرِ وَعُرْفًا وَهُوَ الْمُرَادُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصِيرَ الْبَدَلَ كَالْحِنْطَةِ وَالْخُبْزِ. وَفِي الْمُحِيطِ إذَا أَكَلَ مَا يُؤْكَلُ عَادَةً يُكَفِّرُ وَمَا لَا فَلَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يُكَفِّرُ، وَلَوْ مَضَغَ لُقْمَةً نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ فَابْتَلَعَهَا بَعْدَ إخْرَاجِهَا فَلَا كَفَّارَةَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهَا شَيْءٌ تَعَافُهُ النَّاسُ وَإِنْ ابْتَلَعَهَا قَبْلَ إخْرَاجِهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ (أَوْ دَوَاءً) وَهُوَ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ بِالْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ كَالْكَافُورِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ لَوْ أَكَلَ مَا يَتَدَاوَى بِهِ قَصْدًا أَوْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ يُكَفِّرُ وَإِلَّا فَلَا. (وَكَذَا) أَيْ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (لَوْ احْتَجَمَ) الصَّائِمُ (أَوْ اغْتَابَ) مِنْ الْغِيبَةِ (فَظَنَّ أَنَّهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِجَامِ وَالِاغْتِيَابِ (فَطَّرَهُ فَأَكَلَ عَمْدًا) لِعَدَمِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى فَقَوْلُهُ ﵇ «الْغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ» مُؤَوَّلٌ بِالْإِجْمَاعِ بِذَهَابِ الثَّوَابِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إذَا أَكَلَ عَمْدًا إنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَهُ سَوَاءٌ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ عَرَفَ تَأْوِيلَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَفْتَاهُ مُفْتٍ أَوْ لَمْ يُفْتِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِالْغِيبَةِ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْحِجَامَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَخَذَ

стр. 240

بِظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، مِثْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ؛ وَلِهَذَا إذَا سَمِعَهُ فَأَفْطَرَ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِهِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَا يَكُونُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ قَوْلِ الْمُفْتِي لَكِنْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَكَذَا إذَا أَفْتَاهُ مُفْتٍ بِفَسَادِ صَوْمِهِ فَحِينَئِذٍ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي فَتَصِيرُ الْفَتْوَى شُبْهَةٌ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فِي نَفْسِهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَفَّرَ الْعَامِّيُّ إذَا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ فَأَكَلَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ اسْتِفْتَاءٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يُتْرَكُ ظَاهِرُهُ وَيُنْسَخُ. وَلَوْ لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ أَوْ ضَاجَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا تَأَوَّلَ حَدِيثًا أَوْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. (وَلَا كَفَّارَةَ بِإِفْسَادِ صَوْمٍ غَيْرِ رَمَضَانَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الشَّهْرِ فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ. (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ فَقَطْ) بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ (لَوْ أَفْطَرَ خَطَأً) كَمَا إذَا تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ فِي الْخَطَأِ لَا يُفْسِدُهُ كَالنِّسْيَانِ وَصَرَّحَ الْخَطَأَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ عَمْدًا تَفْصِيلًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ وَلَفْظُ الْخَطَأِ مُسْتَدْرَكٌ (أَوْ) أَفْطَرَ (مُكْرَهًا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا صُبَّ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ كَرْهًا أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبٍ فَشَرِبَ هُوَ مُكْرَهًا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ (أَوْ احْتَقَنَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ اسْتَعْمَلَ الْحُقْنَةَ (أَوْ اسْتَعَطَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ إيصَالُ مَائِعٍ إلَى الْجَوْفِ مِنْ طَرِيقِ الْمَنْخَرَيْنِ (أَوْ أُقْطِرَ فِي أُذُنَيْهِ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْمَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْ اعْتِمَادًا عَلَى انْفِهَامِهِ مِمَّا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ» وَلِوُجُودِ مَعْنَى الْفِطْرِ وَهُوَ وُصُولُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ إلَى الْجَوْفِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ الْفِطْرِ صُورَةً (أَوْ دَاوَى جَائِفَةً) وَهِيَ الطَّعْنَةُ الَّتِي تَبْلُغُ الْجَوْفَ (أَوْ) دَاوَى (آمَّةٍ) بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ وَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الرَّأْسِ (فَوَصَلَ الدَّوَاءُ) فِي الْجَائِفَةِ (إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ) أَيْ وَصَلَ الدَّوَاءُ فِي الْآمَّةِ إلَى أُمِّ الرَّأْسِ وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِوُصُولِ الْغَدَاءِ إلَى جَوْفِهِ وَقَالَا لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ مِنْ الْمَنْفَذِ الْأَصْلِيِّ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ سَوَاءٌ كَمَا هُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ فَلَوْ لَمْ يَصِلْ الرَّطْبُ إلَى الْجَوْفِ لَمْ يُفْسِدْ، وَقِيلَ الرَّطْبُ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَإِنَّمَا شَرَطَ كَوْنَهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا طُعِنَ بِرُمْحٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَإِنْ بَقِيَ الزُّجُّ فِي جَوْفِهِ، لَكِنْ إذَا نَفَذَ السَّهْمُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ أَوْ دَخَلَ حَجَرٌ مِنْ جَائِفَةٍ أَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي دُبُرِهِ يَفْسُدُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ عَدَمُ الْفَسَادِ فِيمَا نَفَذَ السَّهْمُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ وَدَخَلَ الْحَجَرُ فِي الْجَائِفَةِ وَكَذَا إذَا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ عَلَى الْمُخْتَارِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ إنْ كَانَتْ رَطْبَةً فَفَسَدَ وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَكَذَا لَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى بَلَغَ مَوْضِعَ الْحُقْنَةِ أَفْطَرَهُ وَتَذَكُّرُ الصَّوْمِ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ فِي جَمِيعِهَا

стр. 241

لَيْسَ بِمُفْطِرٍ اتِّفَاقًا. (أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ حَدِيدًا) أَوْ نَحْوَهُمَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ وَلَمْ يَرْغَبْ النَّاسُ فِي أَكْلِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْحِمَّصَةِ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ لَوْ اعْتَادَ أَكْلَ الْحَصَاةِ وَالزُّجَاجِ وَالطِّينِ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الرَّأْسَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ. وَفِي الْمُنْيَةِ لَوْ ابْتَلَعَ الْحَصَاةَ مَثَلًا مِرَارًا لِأَجْلِ مَعْصِيَةٍ كَفَّرَ زَجْرًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَلَوْ أَكَلَ الطِّينَ الْأَرْمَنِيَّ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ لِلدَّوَاءِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا كَفَّارَةَ فِي الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ. وَفِي الْمِنَحِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُخْتَارِ وَقِيلَ لَا تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَلَا فِي النَّوَاةِ وَالْقُطْنِ وَالْكَاغَدِ وَالسَّفَرْجَلِ إذَا لَمْ يُدْرِكْ وَلَا تَجِبُ فِي الدَّقِيقِ وَالْأُرْزِ وَالْعَجِينِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَتَجِبُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ النِّيءِ وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً مُنْتِنَةً إلَّا إنْ دَوَّدَتْ فَلَا تَجِبُ وَاخْتُلِفَ فِي الشَّحْمِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الْوُجُوبَ فَإِنْ كَانَ قَدِيدًا وَجَبَتْ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَلَوْ أَكَلَ دَمًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُكَفِّرُ وَقِيلَ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَشْرَبُونَ الدَّمَ. وَلَوْ ابْتَلَعَ فُسْتُقًا مَشْقُوقَ الرَّأْسِ كَفَّرَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أَكَلَ الطِّينَ الَّذِي يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا فَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا: بِوُجُوبِهَا اسْتِحْسَانًا وَعَنْهُ أَنَّهُ كَفَّرَ فِي الطِّينِ مُطْلَقًا. (أَوْ اسْتَقَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَاءَ لَا قَضَاءَ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» قَيَّدَ عَمْدًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِقَاءِ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ إذْ حِينَئِذٍ لَا يَفْسُدُ وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذَا قَالَ ذِكْرُ الْعَمْدِ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقَاءَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْقَيْءِ وَهُوَ التَّكَلُّفُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ التَّكَلُّفُ إلَّا بِالْعَمْدِ (مِلْءُ فَمِهِ) بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَلَّ لَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْمِنَحِ هُوَ الصَّحِيحُ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْحَدِيثِ يَنْتَظِمُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُفْطِرُ إلْحَاقًا بِمِلْءِ الْفَمِ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ. وَقَالَ ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ وَضُعِّفَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِكَوْنِهِ تَعْلِيلًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ حَيْثُ اسْتَقَاءَ وَأَعَادَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا تَقَيَّأَ مَرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً فَإِنْ بَلْغَمًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَفْسُدُ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ. (أَوْ تَسَحَّرَ) أَيْ أَكَلَ السَّحُورَ بِفَتْحِ السِّينِ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ سَحَرٍ، وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَفِي الدُّرَرِ فِي الْإِيمَانِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى الْفَجْرِ (بِظَنِّهِ) أَيْ بِظَنِّ الْوَقْتِ الَّذِي تَسَحَّرَ فِيهِ (لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ) وَالْحَالُ أَنَّ الْفَجْرَ الصَّادِقَ كَانَ طَالِعًا (أَوْ أَفْطَرَ) آخِرَ النَّهَارِ (يَظُنُّ) عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ أَوْ الظَّرْفِ (الْغُرُوبَ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ أَوْ بِظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ (وَلَمْ تَغْرُبْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ وَالْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَاصِرَةٌ، وَلَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُ السَّحُورِ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ قَالَ أَسَاءَ بِالْأَكْلِ مَعَ الشَّكِّ إذَا كَانَتْ بِبَصَرِهِ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً أَوْ مُتَغَيِّمَةً

стр. 242

أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْفَجْرَ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَا يَأْكُلُ فَإِنْ أَكَلَ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَمَلًا بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَمْدُ بِهِ وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ النَّهَارُ فَلَوْ أَكَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَمُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لُزُومُهَا قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ كَانَ ثَابِتًا وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ أَكْبَرُ رَأْيِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَيَتَسَحَّرُ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَكَذَا بِضَرْبِ الطُّبُولِ وَاخْتُلِفَ فِي الدِّيكِ وَأَمَّا الْإِفْطَارُ فَلَا يَجُوزُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ بَلْ بِالْمُثَنَّى، وَلَوْ أَفْطَرَ أَهْلُ الرُّسْتَاقِ بِصَوْتِ الطَّبْلِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ ظَانِّينَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ لَمْ يُكَفِّرُوا. (وَأَكَلَ نَاسِيًا) صَوْمَهُ (فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا) فَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِوُصُولِ الْفِطْرِ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ فَسَدَ قِيَاسًا فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً فَإِنْ كَانَ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» وَعَلِمَ أَنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ فِي النِّسْيَانِ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لَهُمَا وَكَذَا لَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَأَكَلَ مُتَعَمِّدًا كَفَّرَ إنْ كَانَ عَالِمًا فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ جَاهِلًا فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ، وَلَوْ اغْتَسَلَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ أَفْطَرَهُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْجَوْفِ وَالدِّمَاغِ مِنْ أُصُولِ الشَّعْرِ فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا كَفَّرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَلَوْ احْتَلَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا كَفَّرَ وَإِنْ جَاهِلًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْطَرَ لَا يُكَفِّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا لَوْ اكْتَحَلَ أَوْ ادَّهَنَ نَفْسَهُ أَوْ شَارِبَهُ فَاسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ وَالْكُلُّ فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا لَوْ وَطِئَ نَاسِيًا فَظَنَّ الْفِطْرَ ثُمَّ جَامَعَ عَامِدًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. (أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا) أَيْ لَوْ كَانَ الصَّائِمُ نَائِمًا فَصَبَّ أَحَدٌ فِي فَمِهِ مَاءً أَوْ سَقَطَ مَاءُ الْمَطَرِ فِي فَمِهِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (أَوْ جُومِعَتْ نَائِمَةٌ) . وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِانْعِدَامِ الْقَصْدِ (أَوْ مَجْنُونَةً) بِأَنْ جُنَّتْ بَعْدَ أَنْ نَوَتْ فَجَامَعَهَا رَجُلٌ ثُمَّ أَفَاقَتْ وَعَلِمَتْ بِمَا فَعَلَ فَإِنَّهَا تَقْضِي؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ وَإِنَّمَا يُنَافِي شَرْطَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَالَ الْإِفَاقَةِ ثُمَّ جُنَّتْ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مُفْسِدٌ لَا تَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي نَوَتْهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ: كَانَتْ فِي الْأَصْلِ مَجْبُورَةً فَصَحَّفَهَا الْكَاتِبُ مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَجْبُورَةِ بِمَعْنَى الْمُجْبَرَةِ ضَعِيفٌ لَفْظًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (أَوْ لَمْ يَنْوِ فِي رَمَضَانَ صَوْمًا وَلَا فِطْرًا) مَعَ الْإِمْسَاكِ

стр. 243

فَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْعِبَادَةِ بِفَقْدِ النِّيَّةِ. (وَكَذَا لَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ فَأَكَلَ) فَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ. وَقَالَ زُفَرُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ النِّيَّةِ عِنْدَهُ (وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا) إنْ أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لَا؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ إمْكَانِ التَّحْصِيلِ فَكَانَ قَادِرًا عَلَى النِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَهُ أَنَّ تَفْوِيتَهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ إذْ لَا صَوْمَ بِدُونِ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إلَى عَدَمِ تَأَدِّي الصَّوْمِ بِنِيَّةِ النَّهَارِ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً وَعَلَى هَذَا إطْلَاقُ الْمُصَنِّفُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا إذَا أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ النِّيَّةَ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ وَبِهَذَا اعْتَمَدَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ بَدَأَ فَأَطْلَقَهُ. تَدَبَّرْ. (وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لَا يُفْطِرُ) اسْتِحْسَانًا «لِقَوْلِهِ ﵊ لِلَّذِي أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا تِمَّ عَلَى صَوْمِك فَإِنَّمَا أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاك» وَالْجِمَاعُ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ فَثَبَتَ أَيْضًا بِدَلَالَتِهِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُفْطِرُ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ عَمِلْتُمْ بِهِ وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِالْإِمْسَاكِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَاكَ قُلْت: عَمِلْنَا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّسْيَانِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّسْيَانَ قَبْلَ النِّيَّةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ. وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ نَوَى فِي وَقْتِهِ جَازَ وَقِيلَ: لَمْ يَجُزْ وَمَنْ رَأَى صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا يُخْبِرُهُ إذَا كَانَ شَابًّا وَإِنْ شَيْخًا لَا. وَفِي الْجَوْهَرَةِ إنْ رَأَى قُوَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ يُخْبِرُهُ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْوَاقِعَاتِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُخْبِرُهُ. وَفِي الْخِزَانَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ يَأْكُلُ نَاسِيًا فَقِيلَ لَهُ: إنَّك صَائِمٌ فَأَكَلَ وَهُوَ لَا يَذْكُرُ صَوْمَهُ أَفْطَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ حُجَّةٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا أَوْ أَوْلَجَ قَبْلَ الطُّلُوعِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ وَالنَّاسِي تَذَكَّرَ إنْ نَزَعَ نَفْسَهُ فِي فَوْرِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ فِي الصَّحِيحِ وَإِنْ دَاوَمَ حَتَّى نَزَلَ مَاؤُهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ: بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ مَكَثَ وَلَمْ يُحَرِّكْ نَفْسَهُ لَا كَفَّارَةَ وَإِنْ حَرَّك نَفْسَهُ بَعْدَهُ كَفَّرَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَلَوْ أَوْلَجَ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ نَزَعَ وَأَمْنَى بَعْدَ الصُّبْحِ فَلَا شَيْءَ فِي الصَّحِيحِ. (وَكَذَا لَوْ نَامَ) نَهَارًا (فَاحْتَلَمَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثَةٌ بِالتَّاءِ وَبِدُونِهِ رِوَايَةٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّوْمَ الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ» (أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ الْجِمَاعِ وَلَا مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةٍ بِالْمُبَاشَرَةِ كَمَا إذَا تَفَكَّرَ فَأَمْنَى. وَلَوْ اسْتَمْنَى بِكَفِّهِ أَفْطَرَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ (أَوْ ادَّهَنَ أَوْ اكْتَحَلَ) وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ مِنْ الْمَسَامِّ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ لَا يُنَافِي كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَوَجَدَ بُرُودَتَهُ فِي كَبِدِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا عَلَى الْخِلَافِ قِيَاسًا عَلَى صَبِّ الْمَاءِ

стр. 244

عَلَى الْبَدَنِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ قَبَّلَ) سَوَاءٌ فِي فَمِهِ أَوْ مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ وَلَمْ يُنْزِلْ لِعَدَمِ الْمُنَافِي لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى (أَوْ اغْتَابَ أَوْ احْتَجَمَ) لِمَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا (أَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ) لَوْ مِلْءَ الْفَمِ (أَوْ تَقَيَّأَ) أَوْ تَكَلَّفَ فِي الْقَيْءِ (قَلِيلًا) لَمْ يَبْلُغْ مِلْءَ الْفَمِ هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (أَوْ أَصْبَحَ جُنُبًا) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُصْبِحُ أَحْيَانَا جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ بِاللَّيْلِ وَمِنْ ضَرُورَتِهَا وُقُوعُ الْغُسْلِ بَعْدَ الصُّبْحِ. (أَوْ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ مَاءٌ) وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ صُبَّ الْمَاءُ فِي أُذُنِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ. (وَكَذَا لَوْ صُبَّ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنٌ أَوْ غَيْرُهُ لَا يَفْسُدُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ يُفْطِرُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ. وَفِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَالْأَظْهَرُ مَعَ الْإِمَامِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَنْفَذَ لَهُ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ الْبَوْلُ فِيهَا بِالتَّرْشِيحِ: كَمَا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ هَذَا فِيمَا وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ فَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِأَنْ كَانَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ لَا يُفْطِرُ اتِّفَاقًا وَالْإِفْطَارُ فِي أَقْبَالِ النِّسَاءِ قَالُوا أَيْضًا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ يَفْسُدُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ،. وَلَوْ وَضَعَتْ قُطْنَةً فَانْتَهَتْ إلَى الْفَرْجِ الدَّاخِلِ وَهُوَ الرَّحِمُ فَسَدَ. (وَإِنْ دَخَلَ فِي حَلْقِهِ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ أَوْ ذُبَابٌ) وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ (لَا يُفْطِرُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ لِوُصُولِ الْمُفْطِرِ إلَى جَوْفِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَغَذَّى بِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ فَإِنَّهُ إذَا أَطْبَقَ الْفَمَ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الدُّخُولِ مِنْ الْأَنْفِ فَصَارَ كَبَلَلٍ تَبَقَّى فِي فِيهِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْخَلَ حَلْقَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ حَتَّى إنَّ مَنْ تَبَخَّرَ بِبَخُورٍ فَاسْتَشَمَّ دُخَانَهُ فَأَدْخَلَهُ حَلْقَهُ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الدُّخُولِ وَالْإِدْخَالِ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِدْخَالَ عَمَلُهُ وَالتَّحَرُّزُ مُمْكِنٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ إذَا دَخَلَ الذُّبَابُ جَوْفَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا هُوَ ضِدُّ الصَّوْمِ وَهُوَ إدْخَالُ الشَّيْءِ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الْبَاطِنِ وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ دَخَلَ دَمْعُهُ أَوْ عَرَقُ جَبْهَتِهِ أَوْ دَمُ رُعَافِهِ حَلْقَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ. (وَلَوْ) دَخَلَ حَلْقَهُ (مَطَرٌ أَوْ ثَلْجٌ أَفْطَرَ فِي الْأَصَحِّ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَطَرُ يُفْسِدُ وَالثَّلْجُ لَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعَكْسِ وَقَالَ عَامَّتُهُمْ بِإِفْسَادِهِمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِحُصُولِ الْمُفْطِرِ مَعْنًى وَلِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ إذْ آوَاهُ إلَى خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. وَقَالَ سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي قَالَ ابْنُ الْعِزِّ فِي تَعْلِيلِهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَ خَيْمَةٍ وَلَا سَقْفٍ، وَلَوْ عَلَّلَ بِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِضَمِّ فَمِهِ لَكَانَ أَظْهَرَ

стр. 245

ثُمَّ قَالَ فِيهِ تَأَمُّلٌ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: وَجْهُ التَّأَمُّلِ إمْكَانُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْغُبَارِ وَالدُّخَانِ وَالذُّبَابِ بِضَمِّ فَمِهِ أَيْضًا انْتَهَى. أَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْغُبَارِ وَالدُّخَانِ بِضَمِّ فَمِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَطْبَقَ الْفَمَ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الدُّخُولِ مِنْ الْأَنْفِ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الْفَتْحِ، وَلَوْ دَخَلَ فَمَه مَطَرٌ كَثِيرٌ فَابْتَلَعَهُ كَفَّرَ. وَلَوْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ أَسْنَانِهِ فَدَخَلَ حَلْقَهُ إنْ سَاوَى الرِّيقَ فَسَدَ وَإِلَّا لَا. وَلَوْ اسْتَشَمَّ الْمُخَاطَ مِنْ أَنْفِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ فَمَه وَابْتَلَعَهُ عَمْدًا لَا يُفْطِرُ. وَلَوْ خَرَجَ رِيقُهُ مِنْ فَمِهِ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ فِيهِ بَلْ مُتَّصِلٌ بِمَا فِي فِيهِ كَالْخَيْطِ فَاسْتَشْرَبَهُ لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ وَأَخَذَهُ وَأَعَادَهُ أَفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ. وَفِي الْكَنْزِ لَوْ ابْتَلَعَ بُزَاقَ صَدِيقِهِ كَفَّرَ، وَلَوْ اجْتَمَعَ الرِّيقُ فِي فِيهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ يُكْرَهُ وَلَا يُفْطِرُ. وَلَوْ تَغَيَّرَ رِيقُ الْخَيَّاطِ بِخَيْطٍ مَصْبُوغٍ وَابْتَلَعَهُ إنْ صَارَ رِيقُهُ مِثْلَ صَبْغِ الْخَيْطِ فَسَدَ وَإِلَّا لَا. وَلَوْ تَرَطَّبَ شَفَتَاهُ بِالْبُزَاقِ عِنْدَ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ فَابْتَلَعَهُ لَا يُفْطِرُ. وَفِي الْمُنْيَةِ، لَوْ فَتَلَ خَيْطًا بِبُزَاقِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَمْ يَفْسُدْ وَإِنْ فَعَلَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَكَذَا لَوْ ابْتَلَعَ سِلْكَةً وَطَرَفُهَا بِيَدِهِ أَمَّا لَوْ ابْتَلَعَ الْكُلَّ فَسَدَ. (وَلَوْ وَطِئَ) امْرَأَةً (مَيِّتَةً أَوْ بَهِيمَةً) حَيَّةً (أَوْ) وَطِئَ حَيًّا (فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ) كَالْفَخِذِ وَالْبَطْنِ وَالْإِبْطِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ) أَيْ مَسَّ الْبَشَرَةَ بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَّهَا مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ فَأَنْزَلَ فَسَدَ إذَا وَجَدَ حَرَارَةَ أَعْضَائِهِمْ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ (إنْ أَنْزَلَ) قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ (أَفْطَرَ) وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِنْزَالِ يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى الْجِمَاعِ وَلَا كَفَّارَةَ لِنُقْصَانِ الْجِنَايَةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ الْمُشْتَهَى فِي الْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ وَلِعَدَمِ صُورَةِ الْجِمَاعِ فِي الْبَاقِي. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (فَلَا) يُفْطِرْ لِعَدَمِ مُوجِبِ الْإِفْطَارِ، وَلَوْ قَبَّلَ بَهِيمَةً أَوْ نَظَرَ فَرْجَهَا فَأَنْزَلَ لَا يَفْسُدُ. (وَإِنْ ابْتَلَعَ) الصَّائِمُ (مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ) مِمَّا يُؤْكَلُ (فَإِنْ كَانَ) مَا ابْتَلَعَهُ (قَدْرَ الْحِمَّصَةِ قَضَى، وَإِنْ كَانَ دُونَهَا لَا يَقْضِي) . وَقَالَ زُفَرُ يَقْضِي؛ لِأَنَّ الْفَمَ لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِالْمَضْمَضَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقَلِيلَ يَبْقَى عَادَةً بَيْنَ الْأَسْنَانِ فَيَكُونُ تَابِعًا لِلرِّيقِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا قَدْرُ الْحِمَّصَةِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِابْتِلَاعُ بِلَا اسْتِعَانَةِ الْبُزَاقِ فَهُوَ عَلَامَةُ الْقِلَّةِ، وَإِلَّا فَعَلَامَةُ الْكَثْرَةِ. وَقَالَ وَهُوَ حَسَنٌ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ فِي قَدْرِ الْحِمَّصَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَعَافُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ. وَفِي الْفَتْحِ وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الْمُفْتِيَ فِي الْوَقَائِعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَرْبِ اجْتِهَادٍ وَمَعْرِفَةٍ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ فَيَنْظُرُ فِي صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَعَافُ طَبْعُهُ ذَلِكَ أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا أَثَرَ عِنْدَهُ لِذَلِكَ أَخَذَ بِقَوْلِ زُفَرَ (إلَّا إذَا أَخْرَجَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنْ فِيهِ (ثُمَّ أَكَلَهُ) فَإِنَّهُ يَقْضِي فَقَطْ بِلَا خِلَافٍ. (وَلَوْ أَكَلَ سِمْسِمَةً مِنْ الْخَارِجِ إنْ ابْتَلَعَهَا أَفْطَرَ) فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُخْتَارِ

стр. 246

كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. (وَإِنْ مَضَغَهَا فَلَا) ؛ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى فِي فَمِهِ إلَّا إذَا وَجَدَ طَعْمَهَا فَفَسَدَ (وَالْقَيْءُ مِلْءُ الْفَمِ إنْ عَادَ) بِنَفْسِهِ (أَوْ أُعِيدَ) وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ (يَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا) مِنْ مِلْءِ فَمِهِ (لَا يَفْسُدُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَفْسُدُ بِإِعَادَةِ الْقَلِيلِ لَا) يَفْسُدُ (بِعَوْدِ الْكَثِيرِ) وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَعْتَبِرُ الْخُرُوجَ وَمُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ الصُّنْعَ وَفِي إعَادَةِ الْكَثِيرِ يُفْطِرُ إجْمَاعًا وَفِي عَوْدِهِ يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي عَوْدِ الْقَلِيلِ لَا يُفْطِرُ إجْمَاعًا وَفِي إعَادَتِهِ يُفْطِرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. (وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ) مُفْطِرٍ مِنْ غَدَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضُ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قِيلَ هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا يُكْرَهُ (وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) وَإِنْ كَانَ فِي فِيهِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْمَضْغِ فَلَا شَيْءَ. وَفِي التَّبْيِينِ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ الْمَرْأَةُ الْمَرَقَةَ بِلِسَانِهَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ. وَفِي الْفَتْحِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ الذَّوْقُ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِيَعْرِفَ الْجَيِّدَ مِنْ الرَّدِيءِ بَلْ يُكْرَهُ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ خَوْفًا لِلْغَبْنِ فِي الْمُشْتَرَى. (وَ) كُرِهَ (مَضْغُ الْعِلْكِ) قِيلَ إذَا كَانَ أَبْيَضَ مَمْضُوغًا وَإِلَّا يُفْطِرُ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ بِأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْكٍ وَعِلْكٍ وَمَمْضُوغٍ وَغَيْرِ مَمْضُوغٍ كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْفَتْحِ إذَا فُرِضَ فِي بَعْضِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةُ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْفَسَادِ وَلِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقَّنِ وَفِي غَيْرِ الصَّوْمِ لَا يُكْرَهُ وَلِلْمَرْأَةِ مَضْغُ الْعِلْكِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ (الْقُبْلَةُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ) الْوُقُوعَ فِي الْوِقَاعِ أَوْ الْإِنْزَالِ عَلَى نَفْسِهِ (لَا) يُكْرَهُ (إنْ أَمِنَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلشَّيْخِ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ تَكْرَهُ الْقُبْلَةُ مُطْلَقًا. (وَلَا) يُكْرَهُ (الْكَحْلَ) أَيْ اسْتِعْمَالُ الْكُحْلِ وَيَجُوزُ ضَمُّ الْكَافِّ لَكِنَّ الْفَتْحَ يُنَاسِبُ بِالْمَقَامِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ» . (وَدَهْنُ الشَّارِبِ) بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ وَالِاسْمُ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الشَّارِبِ يَأْبَاهُ وَإِنَّمَا لَا يُكْرَهُ إذَا قُصِدَ بِهِمَا التَّدَاوِي دُونَ الزِّينَةِ. (وَ) لَا يُكْرَهُ (السِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُ الْخَشَبِ الْمَخْصُوصِ سَوَاءٌ كَانَ مَبْلُولًا بِالْمَاءِ أَوْ لَا وَكَرِهَ أَبُو يُوسُفَ بِالرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ (وَلَوْ عَشِيًّا)

стр. 247

أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ الزَّوَالِ. (وَلَا) يُكْرَهُ (مَضْغُ طَعَامٍ لَا بُدَّ مِنْهُ لِطِفْلٍ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَمْضُغُ لَهُ مِمَّنْ هُوَ لَيْسَ بِصَائِمٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَأْكُلُهُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الْمَمْنُوعَ فَالْأَوْلَى أَنْ تُبِيحَ الْمَكْرُوهَ. (وَلَا) تُكْرَهُ (الْحِجَامَةُ) لِمَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا (وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ الِاسْتِنْشَاقُ لِلتَّبَرُّدِ) وَصَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ. (وَكَذَا الِاغْتِسَالُ وَالتَّلَفُّفُ بِثَوْبٍ) مَبْلُولٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّضَجُّرِ فِي إقَامَةِ الْعِبَادَةِ. (وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِوُرُودِ الْأَثَرِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَوْنٌ عَلَى الْعِبَادَةِ وَدَفْعٌ لِلتَّضَجُّرِ الطَّبِيعِيِّ وَبِهِ يُفْتَى. (وَقِيلَ تُكْرَهُ الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ عُذْرٍ) وَإِنَّمَا قَالَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِيَشْمَلَ الْوُضُوءَ وَمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْيُبُوسَةِ حَيْثُ لَوْ لَمْ يَتَمَضْمَضْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ. (وَ) تُكْرَهُ (الْمُبَاشَرَةُ وَالْمُعَانَقَةُ وَالْمُصَافَحَةُ فِي رِوَايَةٍ) عَنْ الْإِمَامِ لِتَعَرُّضِهِ لِلْفَسَادِ. (وَيُسْتَحَبُّ السَّحُورُ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» قِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ حُصُولُ التَّقَوِّي عَلَى صَوْمِ الْغَدِ أَوْ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الثَّوَابِ. وَفِي الْفَتْحِ وَلَا مُنَافَاةَ فَلْيَكُنْ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ. (وَتَأْخِيرُهُ) أَيْ السَّحُورِ إلَى مَا لَمْ يَشُكَّ فِي الْفَجْرِ. (وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ وَالسِّوَاكُ» وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَقُولَ حِينَ الْإِفْطَارِ اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَبِك آمَنْتُ وَعَلَيْك تَوَكَّلْتُ وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْتُ وَلِصَوْمِ الْغَدِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَوَيْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ. [فَصْلٌ بَيَانِ وُجُوهِ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلْإِفْطَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] فَصْلٌ فِي بَيَانِ وُجُوهِ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلْإِفْطَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِالْعُذْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْإِثْمِ؛ فَلِذَا ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (يُبَاحُ الْفِطْرُ لِمَرِيضٍ خَافَ) بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ وَقِيلَ عَدَالَتُهُ شَرْطٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ غَلَبَةُ الظَّنِّ (زِيَادَةَ) مَنْصُوبٌ لِنَزْعِ الْخَافِضِ (مَرَضِهِ) الْكَائِنِ أَوْ امْتِدَادَهُ أَوْ وَجَعَ الْعَيْنِ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ خَوْفُ عَوْدِ الْمَرَضِ وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَمْرَضَ بِالصَّوْمِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْأَمَةُ الَّتِي تَخْدُمُ إذَا خَافَتْ الضَّعْفَ جَازَ أَنْ تُفْطِرَ ثُمَّ تَقْضِيَ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ الِائْتِمَارِ بِأَمْرِ الْمَوْلَى إذَا كَانَ يُعْجِزُهَا عَنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ، وَالْعَبْدُ كَالْأَمَةِ وَمَنْ لَهُ نَوْبَةُ حُمَّى فَأَفْطَرَ مَخَافَةَ الضَّعْفِ عِنْدَ إصَابَةِ الْحُمَّى فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَالْكَائِنِ وَقَالَ نَجْمُ الْأَئِمَّةِ مَنْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ كُرِهَ صَوْمُهُ. وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ بَرِئَ مِنْ الْمَرَضِ

стр. 248

وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ هُوَ الْمَرَضُ لَا الضَّعْفُ وَكَذَا لَوْ خَافَ مِنْ الْمَرَضِ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي التَّبْيِينِ وَوَفَّقَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْخَوْفِ فِي كَلَامِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ. وَفِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَلَا مُخَالَفَةَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْطِرَ مَنْ ذَهَبَ بِهِ مُتَوَكِّلُ السُّلْطَانِ إلَى الْعِمَارَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ وَالْعَمَلُ حَثِيثٌ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ أَوْ نُقْصَانَ الْعَقْلِ. وَفِي الْمُبْتَغِي الْعَطَشُ الشَّدِيدُ وَالْجُوعُ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكَ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ وَمَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ أَوْ عَمَلٍ حَتَّى أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ فَأَفْطَرَ كَفَّرَ، وَقِيلَ لَا وَالْغَازِي إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يُقَاتِلُ فِي رَمَضَانَ وَخَافَ الضَّعْفَ إنْ لَمْ يُفْطِرْ يُفْطِرُ قَبْلَ الْحَرْبِ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا (بِالصَّوْمِ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُفْطِرُ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ أَوْ فَوَاتَ الْعُضْوِ (وَلِلْمُسَافِرِ) الَّذِي لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمُسَافِرُ إذَا تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدْ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ فَأَفْطَرَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ قِيَاسًا، وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَوْ سَافَرَ مِنْ مَكَانِهِ أَوْ حَضَرَ مِنْ سَفَرِهِ أَفْطَرَ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَصَوْمُهُ) أَيْ الْمُسَافِرِ (أَحَبُّ) أَيْ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يُفْطِرْ عَامَّةُ رُفَقَائِهِ، وَإِلَّا فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ مُشْتَرَكَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَعِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَمَا رَوَوْهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْجَهْدِ (إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) السَّفَرُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الصَّوْمَ مَكْرُوهٌ إذَا أَجْهَدَهُ (وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَا عَلَى حَالِهِمَا) أَيْ الْمَرِيضُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْحُكْمِيُّ كَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهِنَّ وَالْمُسَافِرِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَصِيَّةُ بِالْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْقَضَاءُ. (وَيَجِبُ) الْقَضَاءُ (بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمَا إنْ صَحَّ) الْمَرِيضُ وَلَوْ قَالَ إنْ قَدَرَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْقُدْرَةُ لَا الصِّحَّةُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا تَسْتَلْزِمَ الثَّانِيَةَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (أَوْ أَقَامَ) الْمُسَافِرُ (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ لِوُجُودِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ وَلَمْ يَقُمْ الْمُسَافِرُ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمَا بَلْ قَدَرَ أَوْ أَقَامَ مِقْدَارًا أَنْقَصَ مِنْ مُدَّةِ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ ثُمَّ مَاتَا (فَبِقَدْرِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ) ، وَفَائِدَةُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقَدْرِهِمَا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِمَا وَعَنْ هَذَا قَالَ مُفَرِّعًا عَلَيْهِ (فَيُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَرَادَ بِهِ مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ فَيَشْمَلُ الْوَصِيَّ (لِكُلِّ يَوْمٍ كَالْفِطْرَةِ) أَيْ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُؤَدِّيَ فِدْيَةَ مَا فَاتَهُمَا مِنْ أَيَّامِ الصِّيَامِ كَالْفِطْرَةِ عَيْنًا أَوْ قِيمَةً فَلَوْ فَاتَ بِالْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ صَوْمُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا وَعَاشَ بَعْدَهُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ بِلَا قَضَاءٍ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ فَاتَ خَمْسَةٌ وَعَاشَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ (وَيَلْزَمُ) أَيْ وَيَجِبُ إطْعَامُ الْوَارِثِ (مِنْ الثُّلُثِ) إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ وَإِلَّا فَمِنْ الْكُلِّ (إنْ أَوْصَى) الْمُوَرِّثُ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِيصَاءَ وَاجِبٌ

стр. 249

إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا وَوَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ أَوْ لِعُذْرٍ مَا وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوصِ (فَلَا لُزُومَ) لِلْوَرَثَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَإِنْ تَبَرَّعَ) الْوَلِيُّ (بِهِ) أَيْ بِالْإِطْعَامِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ (صَحَّ) وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزَّكَاةُ (وَالصَّلَاةُ) الْمَكْتُوبَةُ أَوْ الْوَاجِبَةُ كَالْوِتْرِ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا الْوِتْرُ مِثْلُ السُّنَنِ لَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (كَالصَّوْمِ، وَفِدْيَةُ كُلِّ صَلَاةٍ كَصَوْمِ يَوْمٍ) أَيْ كَفِدْيَتِهِ. (وَهُوَ الصَّحِيحُ) رَدٌّ لِمَا قِيلَ: فِدْيَةُ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَصَوْمِ يَوْمِهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَوْ لَا بِلَا قَيْدِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ رَجَعَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْفِدَاءُ عَنْ الصَّلَاةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَلْخِيُّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَّطَ بِأَدَائِهَا بِإِطَاعَةِ النَّفْسِ وَخِدَاعِ الشَّيْطَانِ ثُمَّ نَدِمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَأَوْصَى بِالْفِدَاءِ لَمْ يُجْزِئْ لَكِنْ فِي الْمُسْتَصْفَى دَلَالَةٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصِ بِفِدَائِهِمَا وَتَبَرَّعَ وَارِثُهُ جَازَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ يَصِلُ إلَيْهِ ثَوَابُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْدِيَ قَبْلَ الدَّفْنِ وَإِنْ جَازَ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَلَا يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَلَا يُصَلِّي) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ» خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. [قَضَاءُ رَمَضَانَ] (وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إنْ شَاءَ فَرَّقَهُ) لِإِطْلَاقِ النَّصِّ (وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ) وَهُوَ أَفْضَلُ مُسَارَعَةً إلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ: الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَوْعًا ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مُتَتَابِعَةٌ وَهِيَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَوْمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَصَوْمُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَصَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا صَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَهِيَ قَضَاءُ صَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْمُتْعَةِ وَصَوْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَصَوْمِ كَفَّارَةِ الْحَلِفِ، وَسِتَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِي السُّنَّةِ وَهِيَ صَوْمُ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا وَصَوْمُ النَّذْرِ وَصَوْمُ التَّطَوُّعِ وَالصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالْيَمِينِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَ مِنْ شَهْرٍ وَصَوْمُ اعْتِكَافٍ وَصَوْمُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ الْإِفْسَادِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ خَالَفَ الشَّافِعِيُّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا قَالَ إنَّ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِمُتَتَابِعٍ وَالثَّانِي قَالَ إنَّ صَوْمَ الِاعْتِكَافِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالثَّالِثِ قَالَ لَا يَجِبُ قَضَاءُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ الْقَضَاءَ (حَتَّى جَاءَ) رَمَضَانُ (آخَرُ قَدَّمَ الْأَدَاءَ) عَلَى الْقَضَاءِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُهُ (ثُمَّ قَضَى وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى التَّرَاخِي وَلِهَذَا جَازَ التَّطَوُّعُ قَبْلَهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ إنْ أَخَّرَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ. (وَالشَّيْخُ) مَنْ جَاوَزَ عُمُرُهُ خَمْسِينَ (الْفَانِي) سُمِّيَ بِهِ لِفَنَاءِ قُوَاهُ أَوْ لِلْقُرْبِ مِنْهُ، أَوْ فِي الزِّيَادَاتِ الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ وَيَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ عَجْزُهُ إلَى أَنْ يَكُونَ مَآلُهُ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الْهَرَمِ وَكَذَا الْعَجُوزُ (إذَا عَجَزَ عَنْ) أَدَاءِ

стр. 250

(الصَّوْمِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ) مِسْكِينًا (كَالْفِطْرَةِ) عِبَارَةُ يُطْعِمُ تُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى التَّمْلِيكِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْفِدْيَةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكُ مَا بِهِ يُتَخَلَّصُ عَنْ مَكْرُوهٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِ لَكِنْ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ مَفْعُولَهُ الثَّانِيَ إذَا ذُكِرَ فَلِلتَّمْلِيكِ وَإِلَّا فَلِلْإِبَاحَةِ وَفِي التَّبْيِينِ قَالَ مَالِكٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبُرْءِ، وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَلَوْ كَانَ الشَّيْخُ الْفَانِي مُسَافِرًا فَمَاتَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْفِدْيَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ تَصَدَّقَ بِاللَّيْلِ مِنْ صَوْمِ الْغَدِ يُجْزِيهِ (وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى الصَّوْمِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا فَدَى (لَزِمَهُ الْقَضَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْخَلَفِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ دَوَامُ الْعَجْزِ. (وَحَامِلٌ) أَيْ ذَاتُ حَمَلٍ بِالْفَتْحِ أَيْ لَهَا وَلَدٌ فِي الْبَطْنِ وَالْحَامِلَةُ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ رَأْسِهَا حِمْلٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ (أَوْ مُرْضِعٌ) أَيْ ذَاتُ الرَّضَاعِ أَيْ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرْ الْإِرْضَاعَ فِي حَالِ وَضْعِهَا وَالْمُرْضِعَةُ الَّتِي هِيَ فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ مُلْقِمَةٌ ثَدْيَهَا لِلصَّبِيِّ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ: وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ كَمَا فِي حَائِضٍ وَطَالِقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَةِ الثَّابِتَةِ لَا الْحَادِثَةِ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ الْحُدُوثُ يَجُوزُ إدْخَالُ التَّاءِ بِأَنْ يُقَالَ حَائِضَةٌ الْآنَ أَوْ غَدًا (خَافَتْ) كُلُّ وَاحِدَةٍ يُعْلَمُ الضَّرَرُ بِاجْتِهَادِهَا أَوْ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ (عَلَى نَفْسِهَا أَوْ وَلَدِهَا) الْمَخْصُوصِ بِالْمُرْضِعِ الَّتِي هِيَ الْأُمُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْمُرْضِعِ هَاهُنَا الظِّئْرُ بِوُجُوبِ الْإِرْضَاعِ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَأْجِرُ غَيْرَهَا لَكِنْ يَرُدُّهُ إضَافَةُ الْوَلَدِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ؛ وَلِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لِلزَّوْجِ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ فَصَارَتْ كَالظِّئْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْوُجُوبُ دِيَانَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ وَكَلَامُنَا فِي أَنَّ الْأُمَّ حَالَةَ الصَّوْمِ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِرْضَاعِ فَلَا يَجِبُ فَلَا عُذْرَ نَعَمْ إذَا تَعَيَّنَتْ الْأُمُّ لِلْإِرْضَاعِ بِفَقْدِ الظِّئْرِ أَوْ بِعَدَمِ قُدْرَةِ الزَّوْجِ عَلَى اسْتِئْجَارِهَا أَوْ بِعَدَمِ أَخْذِ الْوَلَدِ ثَدْيَ غَيْرِ الْأُمِّ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِرْضَاعُ؛ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصِيَانَةِ الْوَلَدِ، وَهِيَ لَا تَتَأَتَّى بِدُونِ الْإِفْطَارِ فَلَا خُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِدُونِهِ فَالْعُذْرُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ لِأَجْلِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ نَعَمْ هُوَ عُذْرٌ لَكِنْ لَا فِي نَفْسِ الصَّائِمِ بَلْ لِأَجْلِ غَيْرِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ بِقَتْلِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ الشُّرْبُ (تُفْطِرُ وَتَقْضِي بِلَا فِدْيَةٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ هُوَ يُعْتَبَرُ بِالشَّيْخِ الْفَانِي وَلَنَا أَنَّ الْفِدْيَةَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي وَالْإِفْطَارَ بِسَبَبِ الْوَلَدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلِلْوَلَدِ
следующие страницы →