← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْقَضَاءِ وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ بِسَجْدَةِ السَّهْوِ ثُمَّ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ لَوْ مُحْرِمًا. [بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] (إنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ) وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَيْسَ الِاشْتِدَادُ شَرْطًا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَبَبُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَوْفِ نَفْسُ قُرْبِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْخَوْفِ وَالِاشْتِدَادِ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ الْخَوْفَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ حَضْرَةِ الْعَدُوِّ وَالِاشْتِدَادُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُقَابَلَةِ تَدَبَّرْ (مِنْ عَدُوٍّ) سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا بَاغِيًا أَوْ كَافِرًا طَاغِيًا وَالْعَدُوُّ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ (أَوْ سَبُعٍ) وَمَا أَشْبَهَهُ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَحَانَ خُرُوجُهُ (جَعَلَ الْإِمَامُ) أَيْ الْخَلِيفَةُ أَوْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ (طَائِفَةً بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ) بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُمْ أَذَاهُمْ وَضَرَرُهُمْ. (وَصَلَّى بِطَائِفَةٍ) أُخْرَى (رَكْعَةً إنْ كَانَ) الْإِمَامُ (مُسَافِرًا أَوْ فِي) صَلَاةِ (الْفَجْرِ) أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدَيْنِ. (وَ) صَلَّى (رَكْعَتَيْنِ) فِي الرُّبَاعِيِّ (إنْ كَانَ مُقِيمًا أَوْ فِي) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) فَإِنَّ حُكْمَهَا كَحُكْمِ الرُّبَاعِيِّ (وَمَضَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ (هَذِهِ) الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الثُّنَائِيِّ وَبَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِهِ (إلَى) جَانِبِ (الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ) (تِلْكَ الطَّائِفَةُ) الْوَاقِعَةُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. (وَصَلَّى) أَيْ الْإِمَامُ (بِهِمْ مَا بَقِيَ) وَهِيَ رَكْعَةٌ فِي الثُّنَائِيِّ وَالْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَانِ فِي غَيْرِهِمَا (وَسَلَّمَ) أَيْ الْإِمَامُ (وَحْدَهُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَا يُسَلِّمُونَ (وَذَهَبُوا إلَى) وَجْهِ (الْعَدُوِّ) وَلَوْ أَتَمُّوا فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا جَازَ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مَا ذَكَرَهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَأَتَمُّوا) مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ (بِلَا قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ وَلِذَا لَوْ حَاذَتْهُمْ امْرَأَةٌ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ فَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ وَيَمْضُونَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ (ثُمَّ) جَاءَتْ (الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى وَأَتَمُّوا) صَلَاتَهُمْ (بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ وَالْمَسْبُوقُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ هَكَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْكُلُّ مُسَافِرِينَ أَوْ مُقِيمِينَ أَوْ الْإِمَامُ مُقِيمًا وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا وَالْقَوْمُ أَوْ بَعْضُهُمْ مُقِيمِينَ فَفِي الثُّنَائِيِّ يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَةً بِكُلِّ أُمَّةٍ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ جَاءَتْ الْأُولَى فَصَلَّى الْمُسَافِرُ رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ وَالْمُقِيمُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِغَيْرِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِقِرَاءَةٍ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةِ وَأَمَّا الْأُمَّةُ الثَّانِيَةُ فَتُصَلِّي بِقِرَاءَةِ الْمُسَافِرِ رَكْعَةً وَالْمُقِيمِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا تَلْزَمُ إذَا تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَمَامَ الصَّلَاةِ وَيُصَلِّيَ بِالْأُخْرَى إمَامٌ آخَرُ وَهُنَاكَ كَيْفِيَّاتٌ أُخْرَى مَعْلُومَةٌ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأُولَى كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَيُبْطِلُهَا) أَيْ صَلَاةَ الْخَوْفِ (الْمَشْيُ) هَارِبًا عَنْ الْعَدُوِّ لَا الْمَشْيُ

стр. 177

نَحْوَهُ وَالرُّجُوعُ (وَالرُّكُوبُ وَالْمُقَاتَلَةُ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَإِنَّمَا جَوَّزَ الْمَشْيَ وَنَحْوَهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَيُفْسِدُهَا الرُّكُوبُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَمِنْهَا يَعْنِي مِنْ شَرَائِطِ الْجَوَازِ أَنْ يَنْصَرِفَ مَاشِيًا وَلَا يَرْكَبُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَلَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَشْيِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى يَصْطَفُّوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَلَا يَجُوزُ الْمَشْيُ وَالْقِتَالُ مُصَلِّيًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا يُصَلُّونَ وَهُمْ يَمْشُونَ كَمَا لَا يُصَلُّونَ وَهُمْ يُقَاتِلُونَ وَمِنْ الْمَنْقُولِينَ اتَّضَحَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرُّكُوبِ لَمْ يُصِبْ انْتَهَى. (وَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ) بِحَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ النُّزُولُ عَنْ الدَّوَابِّ (وَعَجَزُوا عَنْ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ) الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا (صَلَّوْا وُحْدَانًا) فَلَا تَجُوزُ الْجَمَاعَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُقْتَدِي عَلَى دَابَّةٍ مَعَ الْإِمَامِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ جَائِزَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ (رُكْبَانًا) جَمْعُ رَاكِبٍ هَذَا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ إذْ التَّنَفُّلُ فِي الْمِصْرِ رَاكِبًا غَيْرُ صَحِيحٍ فَالْفَرْضُ أَوْلَى (يُومِئُونَ) أَيْ بِإِيمَاءِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا إنْ عَجَزُوا عَنْ التَّوَجُّهِ) إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ. (وَلَا تَجُوزُ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (بِلَا حُضُورِ عَدُوٍّ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا لِلْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُجِيزُهَا) أَيْ صَلَاةَ الْخَوْفِ (بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةُ وَجَوَابُهُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - صَلَّوْهَا بِطَبَرِسْتَانَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ فَكَانَ إجْمَاعًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَنَائِزِ] جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَبِالْكَسْرِ النَّعْشُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ لِلْغُسْلِ أَوْ الْحَمْلِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ لَا يُقَالُ إلَّا بِالْفَتْحِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ الْمَمَاتِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ لِيَكُونَ خَتَمَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِمَا يَتَبَرَّكُ بِهِ حَالًا وَمَكَانًا (يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ) بِفَتْحِ الضَّادِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَاتُهُ وَأَمَّا مَا قِيلَ مَنْ حَضَرَتْهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَعَلَامَةُ الِاحْتِضَارِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَتَعَوَّجَ أَنْفُهُ وَيَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ وَتَمْتَدَّ جِلْدَةُ الْخُصْيَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ) مُضْطَجِعًا (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ السُّنَّةُ الْمَنْقُولَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا تُرِكَ عَلَى حَالِهِ وَجُعِلَ رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَالْمَرْجُومُ لَا يُوَجَّهُ وَيُسْتَحَبُّ لِآبَائِهِ وَجِيرَانِهِ

стр. 178

أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَيَتْلُوا سُورَةَ يَس وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قِرَاءَةَ سُورَةِ الرَّعْدِ وَيَضَعُوا عِنْدَهُ الطِّيبَ (وَاخْتِيرَ الِاسْتِلْقَاءُ) قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَالْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يُلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَقَدَمَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَالُوا: هُوَ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ وَيُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا نَقْلًا مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ السُّنَّةُ تَفَكَّرْ (وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) فَيَجِبُ عَلَى إخْوَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ أَنْ يَقُولُوا عِنْدَهُ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَلَا يَقُولُوا لَهُ قُلْ كَيْ لَا يَأْبَى عَنْهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» اللَّهُمَّ يَسِّرْهَا لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا أَجْمَعِينَ فَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً كَفَاهُ وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَاخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ فَقِيلَ: يُلَقَّنُ لِأَنَّهُ يُعَادُ رُوحُهُ وَعَقْلُهُ وَيَفْهَمُ مَا يُلَقَّنُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ: يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ اُذْكُرْ دِينَك الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ وَقُلْ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا وَقِيلَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُنْهَى. وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ: لَا يَجُوزُ لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدٌ الْكَرْمَانِيُّ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ فَالْأَحْسَنُ تَلْقِينُهُ. (فَإِذَا مَاتَ شَدُّوا لَحْيَيْهِ) وَهُوَ مَنْبِتُ اللِّحْيَةِ (وَغَمَّضُوا) بِالتَّشْدِيدِ (عَيْنَيْهِ) لِلتَّوَارُثِ وَيَقُولُ مُغَمِّضُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ ثُمَّ تُمَدُّ أَعْضَاؤُهُ وَيُوضَعُ سَيْفٌ عَلَى بَطْنِهِ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ وَلَا يُقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْغُسْلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ النُّتَفِ لَكِنْ فِي النُّتَفِ وَقَعَ إلَى أَنْ يُرْفَعَ فَقَطْ وَفَسَّرُوهُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ الرُّوحُ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُغَسَّلَ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقُهُسْتَانِيَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إلَى الْغُسْلِ وَخَالَفَ أَكْثَرَ الْمُعْتَبَرَاتِ تَدَبَّرْ. (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَجِّلُوا دَفْنَ مَوْتَاكُمْ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبَعِّدُوا أَهْلَ النَّارِ» وَلَا بَأْسَ بِإِعْلَامِ النَّاسِ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ. (وَإِذَا أَرَادُوا غَسْلَهُ) وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأَحْيَاءِ (وُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ) لِيُصَبَّ الْمَاءُ مِنْ (مِجْمَرٍ وَتْرًا) بِأَنْ يُدَارَ الْمِجْمَرُ حَوْلَ السَّرِيرِ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسًا وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَيِّتِ وَالْوَتْرُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهِ (وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) أَيْ يُشَدُّ الْإِزَارُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا حَرَامٌ كَعَوْرَةِ الْحَيِّ وَيُكْتَفَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ هُوَ الصَّحِيحُ تَيْسِيرًا لَكِنْ يَغْسِلُهَا بِخِرْقَةٍ فِي يَدِهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ وَقَعَ فِي التَّبْيِينِ وَالْغَايَةِ خِلَافُهُ لِأَنَّهُمَا قَالَا وَيُسْتَرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُغَسَّلُ فِي قَمِيصِهِ إذَا كَانَ كُمُّ الْقَمِيصِ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُدْخِلُ الْغَاسِلُ يَدَهُ فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا يُجَرَّدُ وَيُغَسَّلُ وَيُوضَعُ عَلَى السَّرِيرِ كَمَا تَيَسَّرَ وَقِيلَ: يُوضَعُ طُولًا وَقِيلَ

стр. 179

عَرْضًا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَلَا يُغَسَّلُ الْكَافِرُ فِي الْأَصَحِّ (وَيُجَرَّدُ) عَنْ ثِيَابِهِ لِيُمْكِنَ التَّنْظِيفُ قَالُوا يُجَرَّدُ كَمَا مَاتَ لِأَنَّ الثِّيَابَ يَحْمِي فَيُسَرَّعُ التَّغْيِيرُ (وَيُوَضَّأُ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ) لِأَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةُ الِاغْتِسَالِ غَيْرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمَاءِ مُتَعَذِّرٌ فَيُتْرَكَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَفِي اقْتِصَارِ النَّفْيِ عَلَيْهِمَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ يُرَاعَى وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا وَأَطْلَقَهُ فَيَشْمَلُ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ إلَّا أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ لَا يُوَضَّأُ (وَيُغَسَّلُ بِمَاءٍ مَغْلِيٍّ بِسِدْرٍ) وَهُوَ شَجَرٌ بِالْبَادِيَةِ وَالْمُرَادُ وَرَقُهُ (أَوْ حُرْضٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ الْأُشْنَانُ (إنْ وُجِدَ) مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ الْمَغْلِيُّ بِهِمَا (فَالْقَرَاحُ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ الْمَاءُ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ وَالْمُسَخَّنُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَفْضَلُ (وَغَسْلُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِالْخِطْمِيِّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ نَبْتٌ مَشْهُورٌ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْوَسَخِ وَالْمُرَادُ خِطْمِيُّ الْعِرَاقِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّابُونِ فِي التَّنْظِيفِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَبِصَابُونٍ وَنَحْوِهِ هَذَا إذَا كَانَ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ (وَأُضْجِعَ عَلَى يَسَارِهِ) لِلْبِدَايَةِ بِالْيَمِينِ (فَيُغَسَّلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ يَسَارِهِ (ثُمَّ) أُضْجِعَ (عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ) أَيْ وَيُغَسَّلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ مِنْهُ (ثُمَّ يُجْلَسُ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْتَنِدًا وَيُمْسَحُ بَطْنُهُ بِرِفْقٍ) لِيَسِيلَ مَا بَقِيَ فِي الْمَخْرَجِ حَتَّى لَا يَتَلَوَّثَ الْكَفَنُ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَنْظِيفًا لَهُ (وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا (وَلَا) يُعِيدُ (وُضُوءَهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ الْخَارِجَ إنْ كَانَ حَدَثًا فَالْمَوْتُ أَيْضًا حَدَثٌ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَكَذَا هَذَا الْحَدَثُ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى سَعْدِيُّ أَفَنْدِي بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجِبْ لَمْ يُوَضَّأْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ الْمَعْذُورِ لَا يُوَضَّأُ مَرَّةً أُخْرَى لِهَذَا الْحَدَثِ الْقَائِمِ وَأَمَّا عَدَمُ التَّوَضُّؤِ لِحَدَثٍ آخَرَ فَلَا يَدُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَعْذُورَ إذَا أَحْدَثَ بِحَدَثٍ آخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ انْتَهَى لَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِالْمَعْذُورِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَانْتِقَاضُ وُضُوئِهِ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَا وَقْتَ لَهُ بَلْ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ تَأَمَّلْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعِيدُ الْوُضُوءَ (وَيُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) نَظِيفٍ حَتَّى يَجِفَّ كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ. (وَيَجْعَلُ الْحَنُوطَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ عِطْرٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ طَيِّبَةٍ وَلَا بَأْسَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ غَيْرِ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ اعْتِبَارًا بِالْحَيَاةِ (عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِأَنَّ التَّطَيُّبَ سُنَّةٌ. (وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) أَيْ مَوَاضِعِ سُجُودِهِ مِنْ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ (وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ وَلِحْيَتُهُ) التَّسْرِيحُ عِبَارَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ وَقِيلَ تَخْلِيلُهُ بِالْمُشْطِ وَأَمَّا مَا قِيلَ وَلِحْيَتُهُ تَكْرَارٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَشَعْرُهُ يُغْنِي عَنْهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ

стр. 180

لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللِّحْيَةِ فَالْأَنْسَبُ ذِكْرُهَا. (وَلَا يُقَصُّ ظُفْرُهُ وَشَعْرُهُ) لِأَنَّهَا لِلزِّينَةِ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهَا وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذَا كَانَ الظُّفْرُ مُنْكَسِرًا فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَفِي الْعَتَّابِيِّ لَوْ قُطِعَ ظُفْرُهُ أَوْ شَعْرُهُ أُدْرِجَ مَعَهُ فِي الْكَفَنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَرَّحُ بِمُشْطٍ وَاسِعٍ وَيُقَصُّ ظُفْرُهُ وَشَعْرُهُ. (وَلَا يُخْتَنْ) لِأَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ دُونَ الْأَمْوَاتِ. [تَكْفِينُ الْمَيِّتِ] (ثُمَّ يُكَفِّنُهُ) تَكْفِينُ الْمَيِّتِ لَفُّهُ بِالْكَفَنِ وَهُوَ وَاجِبٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَالْمُرَادُ مَا ثَبَتَ بِهَا فَإِنْ كَفَّنَهُ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَإِلَّا فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ. (وَسُنَّةُ كَفَنِ الرَّجُلِ) ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ أَحَدُهَا (قَمِيصٌ وَهُوَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْقَدَمِ) بِلَا جَيْبٍ وَلَا دِخْرِيصٍ وَلَا كُمَّيْنِ. (وَ) ثَانِيهَا (إزَارٌ وَ) ثَالِثُهَا (لِفَافَةٌ) بِالْكَسْرِ (وَهُمَا مِنْ الْقَرْنِ) أَيْ مِنْ الرَّأْسِ (إلَى الْقَدَمِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إزَارٌ وَلِفَافَتَانِ. (وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْعِمَامَةَ) بِالْكَسْرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُعَمِّمُ الْمَيِّتَ وَيَجْعَلُ ذَنَبَ الْعِمَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا مَعْرُوفًا أَوْ مِنْ الْأَشْرَافِ وَأَمَّا مِنْ الْأَوْسَاطِ فَلَا يُعَمَّمُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُكْرَهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى (وَكِفَايَتُهُ) أَيْ كِفَايَةُ كَفَنِ الرَّجُلِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ النَّقْصُ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ مَدْيُونًا (إزَارٌ وَلِفَافَةٌ) قِيلَ: قَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (وَسُنَّةُ كَفَنِ الْمَرْأَةِ) خَمْسَةٌ أَحَدُهَا (دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصُهَا. (وَ) ثَانِيهَا (إزَارٌ وَ) ثَالِثُهَا (خِمَارٌ) وَهُوَ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. (وَ) رَابِعُهَا (لِفَافَةٌ وَ) خَامِسُهَا (خِرْقَةٌ تُرْبَطُ عَلَى ثَدْيَيْهَا وَكِفَايَتُهَا إزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ) فَإِنْ كَانَتْ بِالْمَالِ كَثْرَةٌ وَبِالْوَرَثَةِ قِلَّةٌ فَكَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَكَفَنُ الْكِفَايَةِ أَوْلَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. (وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَكْفِي الْوَاحِدُ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاحِدِ (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا بَأْسَ بِكَفَنِ الصَّغِيرِ فِي ثَوْبٍ وَالصَّغِيرَةِ فِي ثَوْبَيْنِ لَكِنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُكَفَّنَ فِيمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْبَالِغُ وَالْمُرَاهِقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ. (وَيُسْتَحَبُّ الْأَبْيَضُ) لِأَنَّهُ أَمَارَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ. (وَلَا يُكَفَّنُ) الرَّجُلُ (إلَّا فِيمَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (لُبْسُهُ حَالَ حَيَاتِهِ) فَلَا يَجُوزُ الْحَرِيرُ وَنَحْوُهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى ثَوْبٍ وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ الْحَرِيرُ وَالْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَتُجَمَّرُ الْأَكْفَانُ وَتْرًا) بِأَنْ يُدَارَ الْمِجْمَرُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ) الْمَيِّتُ (فِيهَا) أَيْ الْأَكْفَانِ وَالْإِجْمَارُ هُوَ التَّطْيِيبُ. (وَتُبْسَطُ اللِّفَافَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِزَارُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُقَمَّصُ وَيُوضَعُ عَلَى الْإِزَارِ) تَقْمِيصًا (ثُمَّ يُلَفُّ الْإِزَارُ مِنْ قِبَلِ يَسَارِهِ

стр. 181

ثُمَّ مِنْ يَمِينِهِ) لِيَكُونَ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنْ كَانَ الْإِزَارُ طَوِيلًا حَتَّى يُعْطَفَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ فَهُوَ أَوَّلًا (ثُمَّ) يُلَفُّ (اللِّفَافَةُ كَذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ) أَوَّلًا. (وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ الدِّرْعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْعَلُ ثَلَاثُ ضَفَائِرَ وَيُلْقَى خَلْفَ ظَهْرِهَا (ثُمَّ الْخِمَارُ فَوْقَ ذَلِكَ تَحْتَ اللِّفَافَةِ) ثُمَّ يُعْطَفُ الْإِزَارُ ثُمَّ اللِّفَافَةُ كَمَا فِي الرَّجُلِ ثُمَّ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْأَكْفَانُ وَعَرْضُهَا مَا بَيْنَ الثَّدْيِ إلَى السُّرَّةِ. (وَيُعْقَدُ الْكَفَنُ إنْ خِيفَ أَنْ يَنْتَشِرَ) صِيَانَةً عَنْ الْكَشْفِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ الْغَسِيلُ وَالْجَدِيدُ فِي الْكَفَنِ سَوَاءٌ. [فَصْلٌ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ حَيْثُ يَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِينَ بِأَدَاءِ الْبَعْضِ وَإِلَّا يَأْثَمُ الْكُلُّ وَقَدْ صَرَّحَ الْبَعْضُ بِكُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّتَهَا لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ وَقِيلَ: سُنَّةٌ. (وَشَرْطُهَا) أَيْ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (إسْلَامُ الْمَيِّتِ) فَلَا تَصِحُّ عَلَى الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] (وَطَهَارَتُهُ) فَلَا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا يُغَسَّلُ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ صَلَّوْا عَلَى مَيِّتٍ قَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ تُعَادُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْغُسْلِ. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالتَّقَدُّمِ فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (السُّلْطَانُ) إنْ حَضَرَ لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ (ثُمَّ الْقَاضِي) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً (ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) أَيْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ اخْتَارَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَفِي الْجَوَامِعِ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ إمَامِ الْحَيِّ. وَفِي الْإِصْلَاحِ تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ وَاجِبٌ إذَا حَضَرَ وَتَقْدِيمُ الْبَاقِي بِطَرِيقِ الْأَفْضَلِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ. وَفِي الْفَتْحِ الْخَلِيفَةُ أَوْلَى إنْ حَضَرَ ثُمَّ إمَامُ الْمِصْرِ وَهُوَ سُلْطَانُهُ ثُمَّ الْقَاضِي ثُمَّ صَاحِبُ الشَّرْطِ ثُمَّ خَلِيفَةُ الْوَالِي ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَاضِي ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ انْتَهَى وَفِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ يُفْهَمُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْطِ غَيْرُ أَمِيرِ الْبَلَدِ لَكِنْ فِي الْمِعْرَاجِ الشَّرْطُ بِالسُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ خِيَارُ الْجُنْدِ أَوْ الْمُرَادُ أَمِيرُ الْبَلَدِ كَأَمِيرِ بُخَارَى فَافْهَمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَقَدُّمُ إمَامِ مَسْجِدِ حَيِّهِ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَلِيِّ كَمَا فِي الْعَتَّابِيِّ وَغَيْرِهِ (ثُمَّ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْعَصَبَاتِ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ

стр. 182

(إلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ) إذَا اجْتَمَعَا عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ لِلْأَبِ فَضِيلَةً عَلَى الِابْنِ وَالْفَضِيلَةُ تُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فَالْوَلِيُّ أَوْلَى بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَالْجِيرَانُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى (وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُسَاوِيهِ فَلَهُ الْمَنْعُ (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ) مِنْ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا (بِلَا إذْنٍ) أَيْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَلِيُّ الْأَحَقُّ وَلَمْ يُتَابِعْهُ (أَعَادَ الْوَلِيُّ) أَيْ الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ فَالسُّلْطَانُ إذَا صَلَّى بِلَا إذْنِ الْخَلِيفَةِ يُعِيدُ الْخَلِيفَةُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (إنْ شَاءَ) لِتَصَرُّفِ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ لَكِنْ إذَا أَعَادَ لَيْسَ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْوَلِيِّ مَرَّةً أُخْرَى. (وَلَا يُصَلِّي) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ (غَيْرُ الْوَلِيِّ) الْأَحَقِّ (بَعْدَ صَلَاتِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ الْأَحَقِّ لِأَنَّ الْفَرْضَ تُؤَدَّى بِالْأَوْلَى وَالتَّنَفُّلُ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ تَكُونَ الصُّفُوفُ ثَلَاثَةً لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ اصْطَفَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غُفِرَ لَهُ» وَأَفْضَلُهَا فِي الْجِنَازَةِ الصَّفُّ الْأَخِيرُ. (وَإِنْ دُفِنَ) بَعْدَ غُسْلِهِ (بِلَا صَلَاةٍ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) لِأَنَّهُ «﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ» (مَا لَمْ يُظَنَّ تَفَسُّخُهُ) أَيْ تَفَرُّقُ أَجْزَائِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عَلَى الصَّحِيحِ لِاخْتِلَافِ الْحَالِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بَعْدَ غُسْلِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْغُسْلِ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِتَضَمُّنِهِ أَمْرًا حَرَامًا وَهُوَ نَبْشُ الْقَبْرِ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ كَذَا فِي الْغَايَةِ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ مَدْفُونًا بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ الْقَبْرِ فَغَسَّلَ إنْ لَمْ يُغَسَّلْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُهِيلُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَبْشٍ. (وَيَقُومُ) الْإِمَامُ (حِذَاءَ الصَّدْرِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ وَمَوْضِعُ النُّورِ وَالْإِيمَانِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ يَقُومُ بِحِذَاءِ وَسَطِهِمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ بِحِذَاءِ وَسَطِ الْمَرْأَةِ وَرَأْسِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ مَعْدِنُ الْعَقْلِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُخْتَارُ. (وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ) الِافْتِتَاحِ ثُمَّ (يُثْنِي عَقِيبَهَا) أَيْ يَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَحْمَدُ اللَّهَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ (ثُمَّ) يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً (ثَانِيَةً وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَعْدَهَا كَمَا يُصَلِّي فِي قَعْدَةِ الْفَرِيضَةِ وَقَدْ مَرَّ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الثَّنَاءَ وَالصَّلَاةَ سُنَّةُ الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْقَبُولِ (ثُمَّ) يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً (ثَالِثَةً يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ) وَالْمُسْلِمَاتِ (بَعْدَهَا) وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ وَخُصَّ هَذَا الْمَيِّتَ بِالرُّوحِ وَالرَّاحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ وَلَقِّهِ الْأَمْنَ وَالْبُشْرَى وَالْكَرَامَةَ وَالزُّلْفَى اللَّهُمَّ اجْعَلْ

стр. 183

قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجِنَانِ وَلَا تَجْعَلْ قَبْرَهُ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَيَجُوزُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ إذْ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُوَقَّتٌ هَذَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُذَكَّرًا وَأَمَّا إذَا كَانَ مُؤَنَّثًا فَيَلْزَمُ تَأْنِيثُ الضَّمَائِرِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْمُؤَنَّثِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَخُصَّ إلَى آخِرِهِ لَا مَا قَبْلَهُ (ثُمَّ) يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً (رَابِعَةً وَيُسَلِّمُ) تَسْلِيمَتَيْنِ غَيْرَ رَافِعٍ بِهِمَا صَوْتَهُ يَنْوِي فِيهِمَا مَا يَنْوِي فِي تَسْلِيمَتَيْ الصَّلَاةِ وَيَنْوِي الْمَيِّتَ بَدَلَ الْإِمَامِ (عَقِيبَهَا) أَيْ لَيْسَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ سِوَى السَّلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾ [البقرة: ٢٠١] الْآيَةُ وَبَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الْآيَةُ وَبَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] الْآيَةُ (فَإِنْ كَبَّرَ خَمْسًا لَا يُتَابِعُ) الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ خِلَافًا لِزُفَرَ لَكِنْ يَنْتَظِرُ إلَى تَسْلِيمِ الْإِمَامِ وَيُسَلِّمُ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ. (وَلَا قِرَاءَةَ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِيهَا. (وَلَا تَشَهُّدَ وَلَا رَفْعَ يَدٍ إلَّا فِي الْأُولَى) وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اخْتَارَ الرَّفْعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (وَلَا يُسْتَغْفَرُ لِصَبِيٍّ) وَلَا مَجْنُونٍ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُمَا. (وَيَقُولُ) بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي يَقُولُ بَعْدَ تَمَامِ قَوْلِهِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا) بِفَتْحَتَيْنِ أَجْرًا يَتَقَدَّمُنَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْفَارِطُ وَالْفَرَطُ الْمُتَقَدِّمُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُتَقَدِّمُ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا) أَيْ خَيْرًا بَاقِيًا لِآخِرَتِنَا (وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ مَقْبُولَ الشَّفَاعَةِ. (وَمَنْ أَتَى بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُكَبِّرَ) الْإِمَامُ (أُخْرَى فَيُكَبِّرُ مَعَهُ) صُورَتُهُ رَجُلٌ أَتَى وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا يُكَبِّرُ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْ الْإِمَامِ بَلْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ وَأُخْرَى يُكَبِّرُ مَعَهُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى الْمُقْتَدِي مَا عَلَيْهِ مِنْ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ دُعَاءٍ قَبْلَ رَفْعِ الْجِنَازَةِ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُكَبِّرُ) حِينَ حَضَرَ (وَلَا يَنْتَظِرُ كَمَنْ كَانَ حَاضِرًا حَالَ التَّحْرِيمَةِ) وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَرَكْعَةٍ فِي غَيْرِهَا وَالْمَسْبُوقُ بِرَكْعَةٍ لَا يَبْتَدِئُ بِهَا وَإِنَّمَا لَا يَنْتَظِرُ الْحَاضِرُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدْرِكِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ جَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَقَدْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ وَعِنْدَهُ يَدْخُلُ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ. (وَلَا تَجُوزُ رَاكِبًا) أَوْ قَاعِدًا إلَّا بِعُذْرٍ (اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهٍ لِوُجُودِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا يَتْرُكُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِيَاطًا وَالْقِيَاسُ الْجَوَازُ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ. (وَتُكْرَهُ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةٌ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ (خَارِجَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ وَقَامَ الْإِمَامُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ صَفٌّ وَالْبَاقِي فِي الْمَسْجِدِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْإِصْلَاحِ وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَازَةُ وَالْإِمَامُ وَبَعْضُ الْقَوْمِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَبَاقِي الْقَوْمِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي جَوَامِعِنَا لَا يُكْرَهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ

стр. 184

لَوْ كَانَتْ الْجِنَازَةُ وَحْدَهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا تَدَبَّرْ (اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ) فَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ أُعِدَّ لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ فَلَا يُقَامُ فِيهِ غَيْرُهَا إلَّا لِعُذْرٍ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى عُضْوٍ) أَيَّ عُضْوٍ كَانَ هَذَا إذَا وُجِدَ الْأَقَلُّ وَلَوْ مَعَ الرَّأْسِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَمَّا إذَا وُجِدَ الْأَكْثَرُ أَوْ النِّصْفُ مَعَ الرَّأْسِ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ. (وَلَا عَلَى غَائِبٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ إذْ لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ عِنْدَهُ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِي الْحُضُورِ. (وَمَنْ اسْتَهَلَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الصَّبِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ حَرَكَةِ عُضْوٍ (بَعْدَ الْوِلَادَةِ غُسِّلَ وَسُمِّيَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ دَلِيلُ الْحَيَاةِ وَلِهَذَا يَرِثُ وَيُورَثُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ خُرُوجُ الْأَكْثَرِ قَبْلَ الْمَوْتِ. (وَإِلَّا غُسِّلَ فِي الْمُخْتَارِ) . وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُسَمَّى وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ. وَفِي الدُّرَرِ غُسِّلَ فِي ظَاهِرِ رِوَايَةٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ تَدَبَّرْ (وَأُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ) كَرَامَةً لِبَنِي آدَمَ وَدُفِنَ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) إلْحَاقًا لَهُ بِالْجُزْءِ وَلِهَذَا لَمْ يَرِثْ. (وَلَوْ سُبِيَ صَبِيٌّ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) فَمَاتَ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا لِحَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» حَتَّى يَكُونَ لِسَانُهُ يُعْرِبُ عَنْهُ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (إلَّا إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَيُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا حُكْمًا تَبَعًا لِقَوْلِهِ ﵇ «الْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا» (أَوْ أَسْلَمَ هُوَ عَاقِلًا) أَيْ مُمَيِّزًا لِأَنَّ إسْلَامَ الْمُمَيِّزِ صَحِيحٌ (أَوْ لَمْ يُسْبَ أَحَدُهُمَا مَعَهُ) أَيْ بَلْ سُبِيَ الصَّبِيُّ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَبَعًا لِلسَّابِي أَوْ لِلدَّارِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ مِنْ التَّبَعِيَّةِ التَّبَعِيَّةُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا فِي الْعُقْبَى فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّ أَطْفَالَهُمْ فِي النَّارِ أَلْبَتَّةَ بَلْ فِيهِمْ خِلَافٌ قِيلَ: يَكُونُونَ خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقِيلَ: إنْ كَانُوا قَالُوا بَلَى يَوْمَ أُخِذَ الْعَهْدُ عَنْ اعْتِقَادٍ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِلَّا فَفِي النَّارِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِمْ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِيهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَلَوْ مَاتَ لِمُسْلِمٍ قَرِيبٌ كَافِرٌ) فَاعِلُ مَاتَ (غَسَّلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ (غُسْلَ النَّجَاسَةِ وَلَفَّهُ فِي خِرْقَةٍ وَأَلْقَاهُ فِي حُفْرَةٍ) عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ (أَوْ دَفَعَهُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ) إنْ وَجَدَ. [سُنَن حَمْلِ الْجِنَازَةِ] (وَسُنَّ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعَةٌ) مِنْ الرِّجَالِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ وَالظَّهْرِ لِعَدَمِ الْإِكْرَامِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ جِنَازَةُ الْكَبِيرِ فَلَوْ كَانَ صَغِيرًا جَازَ حَمْلُ الْوَاحِدِ. (وَأَنْ يَبْدَأَ) الْحَامِلُ (فَيَضَعُ مُقَدَّمَهَا) أَيْ مُقَدَّمَ الْجِنَازَةِ (عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ) يَضَعُ (مُؤَخَّرَهَا) عَلَى يَمِينِهِ (ثُمَّ) يَضَعُ (مُقَدَّمَهَا عَلَى

стр. 185

يَسَارِهِ ثُمَّ مُؤَخَّرَهَا) عَلَى يَسَارِهِ فَيَتِمُّ الْحَمْلُ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَ خُطُوَاتٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً» . (وَيُسْرِعُوا بِهِ) أَيْ بِالْمَيِّتِ (بِلَا خَبَبٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ أَوَّلُ عَدْوِ الْفَرَسِ وَحَدُّ التَّعْجِيلِ الْمَسْنُونِ أَنْ لَا يَضْطَرِبَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ. (وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ قُدَّامَهَا إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيًا لِلزِّحَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَتَقَدَّمُ الْجِنَازَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ ثُمَّ يَقِفُ حَتَّى يُؤْتَى بِهَا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ لَكِنْ كُرِهَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا مُنْقَطِعًا عَنْ الْقَوْمِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَضْلُ الْمَشْيِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ عَلَى أَمَامَهَا كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالِاكْتِفَاءُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِمُشَيِّعِ الْجِنَازَةِ بِالْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَقِيلَ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِمَرْثِيَةِ الْمَيِّتِ شِعْرًا أَوْ غَيْرَهُ. (وَإِذَا وَصَلُوا إلَى قَبْرِهِ كُرِهَ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (عَنْ الْأَعْنَاقِ) وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْقِيَامَ يُسْتَحَبُّ حَتَّى يُدْفَنَ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ فِي الْمُصَلَّى فَجِيءَ بِالْجِنَازَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ. (وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ) وَهُوَ مَقَرُّ الْمَيِّتِ طُولُهُ عَلَى قَدْرِ طُولِ الْمَيِّتِ وَعَرْضُهُ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ طُولِهِ وَعُمْقُهُ إلَى السُّرَّةِ وَقِيلَ إلَى الصَّدْرِ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فَلَوْ كَانَ عَلَى قَدْرِ قَامَتِهِ فَهُوَ أَحْسَنُ (وَيَلْحَدُ) الْقَبْرَ مِنْ لَحَدَهُ أَوْ أَلْحَدَهُ أَيْ حَفَرَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقَبْرِ حَفِيرَةً يُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَيُجْعَلُ كَالْبَيْتِ الْمُسَقَّفِ لِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» وَالشَّقُّ أَنْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً فِي وَسَطِ الْقَبْرِ فَيُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَفِي التَّبْيِينِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَلَا بَأْسَ بِالشَّقِّ وَاِتِّخَاذِ التَّابُوتِ وَلَوْ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُفْتَرَشَ فِيهِ التُّرَابُ (وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ فِيهِ) أَيْ الْقَبْرِ (مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ وَضَعْنَاك مُلْتَبِسِينَ بِاسْمِ اللَّهِ (وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ سَلَّمْنَاك عَلَى مِلَّتِهِ ﵊ كَمَا فِي الدُّرَرِ. (وَيُسْجَى) أَيْ يُسْتَرُ (قَبْرُ الْمَرْأَةِ) بِثَوْبٍ حَتَّى يُسَوَّى اللَّبِنُ لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى الِاسْتِتَارِ (لَا) قَبْرُ الرَّجُلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْجَى قَبْرُ الرَّجُلِ أَيْضًا. (وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ) إذْ بِهِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ (وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْكَفَنِ لِخَوْفِ الِانْتِشَارِ (وَيُسَوَّى عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ بِالْفَارِسِيِّ " خشت " (أَوْ الْقَصَبُ) غَيْرُ الْمَعْمُولِ فَإِنَّ الْمَعْمُولَ مَكْرُوهٌ عِنْدِ بَعْضِهِمْ. (وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ) أَيْ كُرِهَ سَتْرُ اللَّحْدِ بِهِمَا وَبِالْحِجَارَةِ وَالْجِصِّ لَكِنْ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً جَازَ اسْتِعْمَالُ مَا ذُكِرَ. (وَيُهَالُ) أَيْ يُرْسَلُ (التُّرَابُ) عَلَيْهِ لِلتَّوَارُثِ (وَيُسَنَّمُ) أَيْ يُرْفَعُ (الْقَبْرُ) اسْتِحْبَابًا غَيْرَ مُسَطَّحٍ قَدْرَ شِبْرٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِيهِ إبَاحَةُ الزِّيَادَةِ. (وَلَا يُرَبَّعُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَيُكْرَهُ بِنَاؤُهُ) أَيْ الْقَبْرِ (بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ) لِقَوْلِهِ

стр. 186

- ﵊ «صَفْقُ الرِّيَاحِ وَقَطْرُ الْأَمْطَارِ عَلَى قَبْرِ الْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ» لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ التَّطْيِينَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَكَانَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ يَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَعْمُرُ الْقُبُورَ الْخَرِبَةَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَفِي الْخِزَانَةِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُوضَعَ حِجَارَةٌ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ وَيُكْتَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَفِي النُّتَفِ كُرِهَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ. (وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ) وَاحِدٍ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا تُرَابٌ. (وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً) وَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ إخْرَاجَهُ كَمَا إذَا سَقَطَ فِيهَا مَتَاعُ الْغَيْرِ وَكُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُهُ. وَفِي الدُّرَرِ مَاتَ فِي السَّفِينَةِ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ مَاتَتْ حَامِلٌ وَوَلَدُهَا حَيٌّ يُشَقُّ بَطْنُهَا مِنْ جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا وَيُسْتَحَبُّ فِي الْقَتِيلِ وَالْمَيِّتِ دَفْنُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَتْ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ نُقِلَ قَبْلَ الدَّفْنِ إلَى قَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فَإِنْ نُقِلَ إلَى مِصْرٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (وَيُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ نَهَى النَّبِيُّ ﵊.

стр. 187

عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ الْقُبُورَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو لَهُمْ وَقِيلَ الدُّعَاءُ قَائِمًا أَوْلَى فَيَقُومُ بِحِذَاءِ وَجْهِهِ. وَفِي الْمُنْيَةِ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ قِيلَ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ لِحُرْمَةِ وَلَدِهَا وَقِيلَ فِي مَقَابِرِهِمْ. [بَابُ الشَّهِيدِ] إنَّمَا خَصَّ الشَّهِيدَ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ وَكَانَ إخْرَاجُهُ مِنْ بَابِ الْمَيِّتِ كَإِخْرَاجِ جَبْرَائِيلَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَالشَّهِيدُ فَعِيلٌ وَهُوَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ شَاهِدٌ أَيْ حَيٌّ حَاضِرٌ عِنْدَ رَبِّهِ أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ فَكَانَ مَشْهُودًا أَوْ لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَلَمَّا أُطْلِقَ الشَّهِيدُ بِطَرِيقِ الِاتِّسَاعِ عَلَى الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ وَالْمَطْعُونِ وَالْغَرِيبِ وَذَاتِ الطَّلْقِ وَذِي ذَاتِ الْجَنْبِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا كَانَ لَهُمْ ثَوَابُ الْمَقْتُولِينَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ بَيَّنَ الشَّهِيدَ الْحَقِيقِيَّ شَرْعًا وَهُوَ الشَّهِيدُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَقَالَ: (هُوَ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ) أَهْلُ (الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ) وَلَوْ بِغَيْرِ آلَةٍ جَارِحَةٍ فَإِنَّ مَقْتُولَهُمْ شَهِيدٌ بِأَيِّ آلَةٍ قَتَلُوهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُمْ قِيلَ: السَّيْفُ وَالسِّلَاحُ بَلْ فِيهِمْ مَنْ دَمَغَ رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ بِالْعَصَا وَقَدْ عَمَّهُمْ النَّبِيُّ ﵊ فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْغُسْلِ (أَوْ وُجِدَ) مَيِّتًا (فِي الْمَعْرَكَةِ) أَيْ فِي مَعْرَكَةِ هَؤُلَاءِ (وَبِهِ أَثَرٌ) أَيْ جِرَاحَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ بَاطِنَةٌ كَخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَيِّتٍ حَتْفَ أَنْفِهِ (أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ) جِنْسٌ فَلَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ وَقِيلَ احْتِرَازٌ عَنْ كَافِرٍ فَيُغَسَّلُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (ظُلْمًا) احْتِرَازٌ عَنْ الْقَتْلِ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا (وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) احْتِرَازٌ عَنْ قَتْلٍ وَجَبَ بِهِ مَالٌ كَالْقَتْلِ خَطَأً أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ (فَيُكَفَّنُ) الشَّهِيدُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّيْفَ مَحَاهُ الذُّنُوبُ فَأَغْنَى عَنْ الشَّفَاعَةِ قُلْنَا: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ وَالشَّهِيدُ أَوْلَى. (وَلَا يُغَسَّلُ وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» (إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ) فَيُنْزَعُ عَنْهُ (كَالْفَرْوِ وَالْحَشْوِ) وَالْقَلَنْسُوَةِ (وَالْخُفِّ وَالسِّلَاحِ) لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ

стр. 188

بِنَزْعِ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ (وَيُزَادُ) عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ إنْ نَقَصَ عَنْ كَفَنِ السُّنَّةِ حَتَّى يَتِمَّ (وَيَنْقُصُ) إنْ زَادَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى كَفَنِ السُّنَّةِ (مُرَاعَاةً لِكَفَنِ السُّنَّةِ) فِي الْوَجْهَيْنِ. (وَإِنْ كَانَ) الْقَتِيلُ (صَبِيًّا أَوْ جُنُبًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ يُغَسَّلُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ سُقُوطَ الْغُسْلِ عَنْ الشَّهِيدِ لِإِبْقَاءِ أَثَرِ مَظْلُومِيَّتِهِ فِي الْقَتْلِ إكْرَامًا لَهُ والمظلومية فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَشَدُّ فَكَانَا أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ وَأَمَّا فِي الْجُنُبِ فَلِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ وَمَا يَجِبُ بِالْمَوْتِ مُنْعَدِمٌ فِي حَقِّهِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَطْهَرَةٌ وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَلَهُ «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قُتِلَ جُنُبًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» فَكَانَ تَعْلِيمًا وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهُ إذَا طَهُرَتَا وَكَذَا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَوْتَى بَنِي آدَمَ الْغُسْلُ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِشَهَادَةِ تَكْفِيرِ الذَّنْبِ لِيَبْقَى أَثَرُهَا بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الصَّبِيِّ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْغُسْلَ سَاقِطٌ عَنْ الْبَالِغِ لِأَنَّهُ يُخَاصِمُ مَنْ قَتَلَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُهُ لِيَكُونَ شَاهِدًا لَهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُخَاصِمُ بِنَفْسِهِ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى يُخَاصِمُ عَنْهُ مَنْ قَتَلَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ الْأَثَرِ. (وَيُغَسَّلُ إنْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمَفَازَةِ الَّتِي لَيْسَ بِقُرْبِهَا عُمْرَانٌ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ (وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا ظُلْمًا) فَإِنْ عُلِمَ لَمْ يُغَسَّلْ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا ظُلْمًا لَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ يُغَسَّلُ لَمَّا أَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ وَهَذَا لَمْ يُخَالِفْ مَا فِي الْهِدَايَةِ مَنْ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا لَمْ يُغَسَّلْ فَإِنَّ قَوْلَهُ ظُلْمًا مَعْنَاهُ وَقَدْ عُلِمَ قَاتِلُهُ إذْ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا فَلَا يَكُونُ الْقَتْلُ ظُلْمًا. وَفِي الْبَحْرِ لَوْ نَزَلَ اللُّصُوصُ عَلَيْهِ لَيْلًا فِي الْمِصْرِ فَقُتِلَ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ. (وَكَذَا إنْ اُرْتُثَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالِارْتِثَاثُ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْإِرْثِ وَهُوَ الشَّيْءُ الْبَالِي وَسُمِّيَ بِهِ مُرْتَثًّا لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خَلَفًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّرْثِيثِ وَهُوَ الْجُرْحُ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ اُرْتُثَّ فُلَانٌ أَيْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ رَثِيثًا أَيْ جَرِيحًا وَحَاصِلُهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ أَوْ يَرْتَفِقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَرَافِقِهَا فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُ وَهُوَ شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ فَيَنَالُ الثَّوَابَ الْمَوْعُودَ لِلشُّهَدَاءِ. وَفِي الْمِنَحِ أَنَّ الْمُرْتَثَّ فِي الشَّرْعِ مَنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ الْقَتْلَى وَصَارَ إلَى حَالَةِ الدُّنْيَا بِأَنْ جَرَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهَا أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهَا وَهُوَ أَضْبَطُ مِمَّا تَقَدَّمَ (بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ عُولِجَ) بِدَوَاءٍ وَفِي إطْلَاقِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّدَاوِي إشَارَةٌ إلَى أَنْ يَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَكَذَا إنْ نَامَ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ (أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ) وَلَيْلَةٍ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) بِشَرْطِ أَنْ يَعْقِلَ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ شَرْطُ الْكَمَالِ إذْ لَا خُلُوَّ عَنْ قَلِيلِ الْحَيَاةِ بَعْدَ الْجَرْحِ فَقَدْرُ نَهَارٍ

стр. 189

كَامِلٍ أَوْ لَيْلٍ كَامِلٍ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فَيُعْتَبَرُ حَيَاتَهُ عَاقِلًا فِي الْأَكْثَرِ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ بِهَا. (أَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ) كَامِلَةٍ (وَهُوَ يَعْقِلُ) إذْ الصَّلَاةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالْوُجُودُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَارْتَفَقَ بِالْحَيَاةِ وَكَانَ مُرْتَثًّا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَأْتِي عَلَى صُورَةِ الِاتِّفَاقِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ تَتَبَّعْ. (أَوْ آوَتْهُ) أَيْ بُنِيَتْ عَلَيْهِ (خَيْمَةٌ) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ (أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا) لِيَمْرَضَ فِي خَيْمَتِهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ وَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ لِئَلَّا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَهُوَ لَيْسَ بِمُرْتَثٍّ لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ وَأَمَّا نَظَرُ الْأَتْقَانِيِّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ تَتَبَّعْ. (أَوْ أَوْصَى) بِشَيْءٍ (مُطْلَقًا) أَيْ دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَوْصَى بِأَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ لَا يُغَسَّلُ) لِأَنَّهُ عَمَلُ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَلَهُ حُكْمُ الْمَوْتِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِالْحَيَاةِ قِيلَ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِيصَاءِ بِالْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْإِيصَاءِ بِالْأُخْرَوِيِّ فَلَا خِلَافَ وَقِيلَ: اخْتَلَفَا فِي الْأُخْرَوِيِّ لَا الدُّنْيَوِيِّ أَيْ يُغَسَّلُ فِي الدُّنْيَوِيِّ وِفَاقًا وَقِيلَ: اخْتَلَفَا فِي الدُّنْيَوِيِّ لَا الْأُخْرَوِيِّ أَيْ لَا يُغَسَّلُ فِي الْأُخْرَوِيِّ وِفَاقًا كَمَا فِي التَّسْهِيلِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: الْوَصِيَّةُ بِكَلِمَتَيْنِ لَا تُبْطِلُ الشَّهَادَةَ. وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ لَكِنْ إذَا مَضَى عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَالَ الْقِتَالِ وَهُوَ يَعْقِلُ يَكُونُ مُرْتَثًّا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ. (وَمَنْ قُتِلَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِإِسْلَامِهِ. (وَمَنْ قُتِلَ لِبَغْيٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ غُسِّلَ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهِيدِ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ سَاعٍ بِالْفَسَادِ عَنْ الْإِمَامِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقْتَ الْحَرْبِ وَيُصَلَّى بَعْدَهُ لِأَنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ حِينَئِذٍ لِلْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ وَقَتْلَ الْبَاغِي لِلسِّيَاسَةِ وَكَسْرِ الشَّوْكَةِ (وَقِيلَ لَا يُغَسَّلُ أَيْضًا) إهَانَةً لَهُ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يُغَسِّلْ الْخَوَارِجَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. (وَيُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّ بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) زَجْرًا لَهُ كَالْبَاغِي هَذَا إذَا كَانَ عَمْدًا وَلَوْ كَانَ خَطَأً يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ. [بَابُ الصَّلَاةِ دَاخِل الْكَعْبَةِ] (بَابُ الصَّلَاةِ فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ) أَيْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى سُمِّيَ بِهَا إمَّا لِارْتِفَاعِهَا أَوْ لِتَرْبِيعِهَا أَوْ لِكَوْنِهَا بِنَاءً مُنْفَرِدًا أَوْ لِأَنَّ طُولَهَا كَعْبُ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ وَلِذَلِكَ يُعَرَّفُ بِاللَّامِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (صَحَّ فِيهَا الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ» خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا وَلِمَالِكٍ فِي الْفَرْضِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ

стр. 190

جَوَازُهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ تَوَجَّهَ الْمُصَلِّي إلَى الْبَابِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ وَلَيْسَتْ الْعَتَبَةُ مُرْتَفِعَةً قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّجُلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. (وَمَنْ جَعَلَ فِيهَا ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَيْسَ بِمُتَقَدِّمٍ عَلَى إمَامِهِ وَلَا يَعْتَقِدُ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي وَكَذَا لَوْ جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ إلَى يَسَارِهِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَقَدِّمٍ. (وَلَوْ) جَعَلَ ظَهْرَهُ (إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (لَا يَجُوزُ) لِتَقَدُّمِهِ. (وَكُرِهَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ إلَى وَجْهِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الصُّورَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةً بِأَنْ يُعَلِّقَ نُطَفًا أَوْ ثَوْبًا وَإِنَّمَا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَى الْإِمَامِ. (وَلَوْ تَحَلَّقُوا حَوْلَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (وَهُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (فِيهَا) أَيْ فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ (جَازَ) إنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ تَدَبَّرْ. (وَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (خَارِجَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (جَازَتْ صَلَاةُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (مِنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَقْرَبُ (فِي جَانِبِهِ) أَيْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ حُكْمًا فَلَا يَضُرُّ الْقُرْبُ إلَيْهَا وَلِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْإِضَافِيَّةِ فَيَكُونُ مِنْ شَرْطِ اتِّحَادِ الْجِهَةِ فَإِذَا لَمْ تَتَّحِدْ لَمْ يَقَعْ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ لِوُجُودِ الْمُجَوِّزِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى كَمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ وَالْمُقْتَدِي الْأَقْرَبُ إلَى الْكَعْبَةِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. (وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فَوْقَهَا) لِأَنَّ الْقِبْلَةَ هِيَ الْكَعْبَةُ وَهِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَبَرِ فِي جَوَازِ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا لِلصَّلَاةِ الْبِنَاءُ عِنْدَهُ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْبِنَاءَ قَدْ رُفِعَ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجِ وَكَانَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ لِلنَّاسِ. (وَتُكْرَهُ) لِمَا فِيهِ وَمَنْ تَرَكَ التَّعْظِيمَ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ الْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَقَوَارِعِ الطَّرِيقِ وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الزَّكَاةُ ثُلُثُ الْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] فَبِهَذَا عُلِمَ وَجْهُ التَّقْدِيمِ عَلَى الصَّوْمِ وَالتَّأْخِيرِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الطَّهَارَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] وَالنَّمَاءُ يُقَالُ زَكَى الزَّرْعُ إذَا نَمَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الِاسْتِشْهَادِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ الزَّكَاءُ بِالْهَمْزَةِ بِمَعْنَى النَّمَاءِ يُقَالُ زَكَى زَكَاءً أَيْ نَمَا فَيَجُوزُ كَوْنُ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ مِنْهُ لَا مِنْ الزَّكَاةِ بَلْ كَوْنُهُ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ عَيْنِ لَفْظِ الزَّكَاةِ فِي مَعْنَى النَّمَاءِ كَمَا فِي الْفَتْحِ

стр. 191

وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَذَكَرَ أَبُو شُجَاعٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَعْنَى يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ الْفِعْلِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَمَعْنَى يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ لَا أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهِ فِيهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبًا لِأَحَدٍ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَفِي الشَّرْعِ (هِيَ) أَيْ الزَّكَاةُ (تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ فَخَرَّجَ الْكَفَّارَةَ (مُعَيَّنٍ) صِفَةُ جُزْءٍ (شَرْعًا مِنْ فَقِيرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمْلِيكِ (مُسْلِمٍ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ) لِشَرَفِهِمْ (وَلَا مَوْلَاهُ) فَلَا يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ وَالْهَاشِمِيِّ وَمَوْلَاهُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَفِي الْكَنْزِ هِيَ تَمْلِيكُ الْمَالِ مِنْ فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ إلَى آخِرِهِ أَقُولُ هَذَا التَّعْرِيفُ يَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ وَلَا مُخَصِّصَ لَهُ بِالزَّكَاةِ بِخِلَافِ مَا اُخْتِيرَ هَاهُنَا فَإِنَّ قَوْلَهُ عَيَّنَهُ الشَّارِعُ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ إذْ لَا تَعْيِينَ فِي الصَّدَقَةِ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ فَتَخْرُجُ بِهِ الصَّدَقَةُ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ وَلَا مُخَصِّصَ لَهُ بِالزَّكَاةِ أَوْ نَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ الْمَالِ الْمَالُ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَعَيَّنَهُ فَيَكُونُ اللَّامُ لِلْعَهْدِ عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ تَدَبَّرْ (مَعَ قَطْعِ الْمَنْفَعَةِ عَنْ الْمُمَلِّكِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الدَّافِعُ (مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الدَّفْعِ إلَى فُرُوعِهِ وَإِنْ سَفَلُوا وَإِلَى أُصُولِهِ وَإِنْ عَلَوْا وَإِلَى مُكَاتَبِهِ وَدَفْعِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى الْآخَرِ كَمَا سَيَأْتِي (لِلَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمْلِيكِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِخْلَاصِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: وَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَا فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي جَمِيعِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذُكِرَ هَاهُنَا لِغَلَبَةِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ تَرْكَ هَذَا الْقَيْدِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَقَعَ اعْتِمَادًا لِعَدَمِ الْمُجَانِسِ وَكَوْنُهُ لِلَّهِ تَعَالَى مَعْلُومٌ فَلَا حَاجَةَ لِلْقَيْدِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ لَهَا مُجَانِسًا مِنْ غَيْرِهَا كَالْهِبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَأَمَّلْ. [شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاة] (وَشَرْطُ وُجُوبِهَا) وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ لِأَنَّ بَعْضَ شَرَائِطِهَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا ثَابِتًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَمَنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ) إذْ لَا تَكْلِيفَ بِدُونِهَا (وَالْإِسْلَامُ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ (وَالْحُرِّيَّةُ) لِيُحَقِّقَ التَّمْلِيكَ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَمْلِكُ لِيُمَلَّكَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ كَمَا هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ فَهُوَ شَرْطُ الْبَقَاءِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ عِيَاذًا بِاَللَّهِ تَعَالَى سَقَطَتْ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَنْهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَمَلْكُ نِصَابٍ) عَدَّهُ شَرْطًا مُوَافَقَةً لِلْكَنْزِ وَإِنْ عُدَّ فِي الْكُتُبِ الْأُصُولِيَّةِ سَبَبًا وَالنِّصَابُ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا لَا تَجِبُ فِيمَا دُونَهُ زَكَاةٌ مِنْ الْمَالِ وَفِيهِ

стр. 192

إشْكَالٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ عَلَى مَا فَوْقَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَالْمُتَبَادِرُ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَالًا حَلَالًا فَإِنْ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ لَهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ فَوَاجِبُ الرَّدِّ وَإِلَّا فَوَاجِبُ التَّصَدُّقِ إلَى الْفَقِيرِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا زَكَاةَ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَمْلُوكِ شِرَاءً فَاسِدًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ثُمَّ النِّصَابُ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا تَحَقَّقَ فِيهِ أَوْصَافٌ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (حَوْلِيٍّ) وَهُوَ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» سُمِّيَ حَوْلًا لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تُحَوَّلُ فِيهِ وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ (فَارِغٍ) صِفَةُ نِصَابٍ (عَنْ الدَّيْنِ) وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لَهُمْ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِالْفِعْلِ أَوْ بَعْدَ زَمَانٍ فَيَنْتَظِمُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ وَلَوْ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّلَ إلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ وَقِيلَ: لَا يُمْنَعُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْمُعَجَّلِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَلَى عَزْمِ الْأَدَاءِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ يُعَدُّ دَيْنًا وَأَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ كَالنَّذْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا فِي الدُّنْيَا فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ فِي أَحْكَامِهَا وَدَيْنُ الزَّكَاةِ يُمْنَعُ فِي السَّائِمَةِ وَكَذَا فِي غَيْرِهَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ بِأَنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعَيْنِ يُمْنَعُ لَا فِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُمْنَعُ أَصْلًا وَإِلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ. (وَ) فَارِغٌ عَنْ (حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ عَمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ الْهَلَاكَ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا كَطَعَامِهِ وَطَعَامِ أَهْلِهِ وَكِسْوَتِهِمَا وَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَالْمَرْكَبِ وَآلَةِ الْحِرَفِ لِأَهْلِهَا وَكُتُبِ الْعِلْمِ لِأَهْلِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعَاشِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِنَامِيَةٍ فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ وَإِلَى الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ (نَامٍ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِقَوْلِهِ نِصَابٍ. (وَلَوْ تَقْدِيرًا) النَّمَاءُ إمَّا تَحْقِيقًا يَكُونُ بِالتَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ وَالتِّجَارَاتِ أَوْ تَقْدِيرِيٌّ يَكُونُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ بِأَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمَالُ النَّامِي فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (مِلْكًا تَامًّا) بِأَنْ لَا يَكُونَ يَدًا فَقَطْ كَمَا فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ مِلْكُ الْمَوْلَى حَقِيقَةً كَمَا فِي الدُّرَرِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ لَكِنْ خَرَجَ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَخْرُجُ مَرَّتَيْنِ وَكَذَا يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ مِلْكًا الرِّقُّ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَمْلِكُ وَلَوْ تَرَكَ الْحُرِّيَّةَ لَكَانَ أَوْجَزَ وَأَوْلَى. (فَلَا تَجِبُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ (عَلَى مَجْنُونٍ) لَمْ يُفِقْ يَوْمًا أَيْ جُزْءًا مِنْ الْحَوْلِ حَتَّى إذَا أَفَاقَ يَوْمًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهَذَا فِي الْجُنُونِ الْعَارِضِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَمَّا مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا فَعِنْدَ الْإِمَامِ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ (وَلَا صَبِيٍّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا. (وَلَا مُكَاتَبٍ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ. (وَلَا مَدْيُونٍ مُطَالَبٍ) وَلَوْ بِالْجَبْرِ وَالْحَبْسِ طَلَبًا وَاقِعًا (مِنْ الْعِبَادِ) وَهُوَ إمَّا الْإِمَامُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَيْ السَّوَائِمِ أَوْ الْمُلَّاكُ

стр. 193

فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّ الْمُلَّاكَ نُوَّابُهُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ كَانَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إلَى زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَفَوَّضَ الْأَمْوَالَ الْبَاطِنَةَ إلَى أَرْبَابِهَا خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ السُّعَاةِ السُّوءِ أَوْ الدَّيْنِ فِي دَيْنِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْمَالَ مَعَ الدَّيْنِ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ رَفْعُ الْحَبْسِ عَنْ الْمَدْيُونِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (فِي قَدْرِ دَيْنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَلَا تَجِبُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُ مِائَتَيْنِ تَجِبُ زَكَاةُ مِائَتَيْنِ. (وَلَا فِي مَالِ ضِمَارٍ) بِالْكَسْرِ مَخْفِيٍّ وَشَرْعًا مَالٌ زَائِلُ الْيَدِ غَيْرِ مَرْجُوِّ الْوُصُولِ غَالِبًا وَإِنَّمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمِلْكِ وَالنَّمَاءِ فِيهِ مَفْقُودٌ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ إذَا وَصَلَتْ يَدُهُ إلَيْهِ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ وَفَوَاتَ الْيَدِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالْوُجُوبِ كَمَالِ ابْنِ السَّبِيلِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الضِّمَارِ وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَقَادِرٌ بِنَائِبِهِ. (وَهُوَ الْمَفْقُودُ) أَيْ كَعَبْدٍ مَفْقُودٍ وَآبِقٍ وَضَالٍّ وَجَدَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ (وَالسَّاقِطُ فِي الْبَحْرِ) ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ (وَالْمَغْصُوبُ) الَّذِي (لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ غَصَبَهُ (وَمَدْفُونٌ فِي بَرِّيَّةٍ نَسِيَ مَكَانَهُ) ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ دَفَنَ مَالَهُ ثُمَّ نَسِيَ مَكَانَهُ وَتَذَكَّرَ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ دَفَنَهُ فِي حِرْزِهِ كَالْبَيْتِ وَالْحَانُوتِ تَجِبُ وَإِلَّا فَلَا. (وَمَا أُخِذَ مُصَادَرَةً) أَيْ مَالٌ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ ظُلْمًا وَوَصَلَ إلَيْهِ بَعْدَهُ (وَدَيْنٌ كَانَ قَدْ جَحَدَ) الْمَدْيُونُ سِنِينَ عَلَانِيَةً لَا سِرًّا (وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ) ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَهُ عِنْدَ قَوْمٍ وَفِي الْبَحْرِ فَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ الضِّمَارِ (بِخِلَافِ دَيْنٍ عَلَى مُقِرٍّ مَلِيٍّ) أَيْ غَنِيٍّ أَوْ مُعْسِرٍ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ لَيْسَ كَالْهَالِكِ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِوَاسِطَةِ التَّحْصِيلِ. (أَوْ مُفَلَّسٍ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا مِنْ فَلَّسَهُ الْقَاضِي أَيْ نَادَى فِي النَّاسِ بِأَنَّهُ مُفْلِسٌ لِأَنَّ التَّفْلِيسَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الْإِمَامِ فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ فَلَا يَكُونُ كَالْهَالِكِ (أَوْ جَاحِدٍ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) هَذَا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إذْ لَيْسَ كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ وَلَا كُلُّ بَيِّنَةٍ تَعْدِلُ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالتُّحْفَةِ (أَوْ عَلِمَ بِهِ قَاضٍ) لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي الْآنَ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الْمُفَلَّسِ) لِتَحَقُّقِ الْإِفْلَاسِ بِالتَّفْلِيسِ عِنْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي تَحَقُّقِ الْإِفْلَاسِ حَتَّى تَسْقُطَ الْمُطَالَبَةُ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ وَمَعَ الْإِمَامِ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ فَتَجِبُ لِمَا مَضَى إذَا قَبَضَ عِنْدَهُمَا رِعَايَةً لِجَانِبِ الْفُقَرَاءِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَبِخِلَافِ مَا دَفَنَ فِي الْبَيْتِ وَنَسِيَ مَكَانَهُ) لِإِمْكَانِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِحَفْرِهِ وَالْمُرَادُ بِالْبَيْتِ مَا يَكُونُ فِي حِرْزِهِ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا وَلَوْ قَالَ فِي الْحِرْزِ لَكَانَ أَوْلَى. (وَفِي الْمَدْفُونِ فِي الْأَرْضِ) الْمَمْلُوكَةِ (أَوْ الْكَرْمِ اخْتِلَافُ) الْمَشَايِخِ وَجْهُ مَنْ قَالَ

стр. 194

بِالْوُجُوبِ إنْ حَفَرَ جَمِيعَ الْأَرْضِ وَالْكَرْمِ مُمْكِنٌ فَلَا يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْتِ وَوَجْهُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَنَّ فِي حَفْرِ جَمِيعِهَا تَعَسُّرًا أَوْ حَرَجًا وَهُوَ مَوْضُوعٌ حَتَّى لَوْ كَانَتْ دَارًا عَظِيمَةً فَالْمَدْفُونُ فِيهَا يَكُونُ ضِمَارًا كَمَا فِي تَاجِ الشَّرِيعَةِ. (وَيُزَكَّى الدَّيْنُ) أَيْ مَا قُبِضَ مِنْ الدَّيْنِ (عِنْدَ قَبْضِهِ فَنَحْوُ بَدَلِ مَالِ التِّجَارَةِ عِنْدَ قَبْضِ أَرْبَعِينَ وَيَدُلُّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ قَبْضِ نِصَابٍ وَبَدَلِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ عِنْدَ قَبْضِ نِصَابٍ وَحَوَلَانِ حَوْلٍ) وَتَوْضِيحُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَفْصِيلِ الدُّيُونِ وَبَيَانِ مَرَاتِبِهَا اعْلَمْ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ دَيْنٍ قَوِيٍّ وَدَيْنٍ وَسَطٍ وَدَيْنٍ ضَعِيفٍ فَالدَّيْنُ الْقَوِيُّ هُوَ الَّذِي مَلَكَهُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالُ الزَّكَاةِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَكَذَا غَلَّةُ مَالِ التِّجَارَةِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالدُّورِ وَنَحْوَهَا وَالْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا كَانَ نِصَابًا وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ لَكِنْ لَا يُخَاطَبُ بِالْأَدَاءِ مَا لَمْ يَقْبِضْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَإِذَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا زَكَّى دِرْهَمًا فَإِنْ قَبَضَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا، وَأَمَّا الدَّيْنُ الْوَسَطُ فَهُوَ الَّذِي وَجَبَ بَدَلَ مَالٍ لَوْ بَقِيَ عِنْدَهُ حَوْلًا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ مِثْلُ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَغَلَّةِ مَالِ الْخِدْمَةِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ عِنْدَ الْإِمَامِ فِيهِ رِوَايَتَانِ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ: تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُخَاطَبُ بِالْأَدَاءِ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِذَا قَبَضَ الْمِائَتَيْنِ يُزَكِّي لِمَا قَبَضَ كَمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَقْبِضَ وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي التُّحْفَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ وَأَمَّا الدَّيْنُ الضَّعِيفُ فَهُوَ مَا وَجَبَ وَمَلَكَ لَا بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ دَيْنٌ إمَّا بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَالْمِيرَاثِ أَوْ بِفِعْلِهِ كَالْوَصِيَّةِ أَوْ وَجَبَ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ دَيْنًا كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ أَوْ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمِائَتَيْنِ وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ (وَقَالَا يُزَكِّي مَا قَبَضَ مِنْهُ مُطْلَقًا إلَّا الدِّيَةَ وَالْأَرْشَ وَبَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعِنْدَ قَبْضِ نِصَابٍ وَحَوَلَانِ حَوْلٍ) لِأَنَّ الدُّيُونَ عِنْدَهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ دُيُونٍ مُطْلَقَةٍ وَدُيُونٍ نَاقِصَةٍ وَالنَّاقِصُ هُوَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَا سِوَاهُمَا فَدُيُونٌ مُطْلَقَةٌ فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الدَّيْنِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَجِبُ الْأَدَاءُ مَا لَمْ يَقْبِضْ فَإِذَا قَبَضَ مِنْهَا شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ يُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا قَبَضَ وَفِي الدَّيْنِ النَّاقِصِ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقْبِضْ النِّصَابَ وَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَأَمَّا دَيْنُ السِّعَايَةِ فَذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ الِاخْتِلَافُ فَقَالَ عِنْدَ الْإِمَامِ: هُوَ دَيْنٌ ضَعِيفٌ وَعِنْدَهُمَا دَيْنٌ مُطْلَقٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الدُّيُونُ كُلُّهَا سَوَاءٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا وَيَجِبُ الْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ كَمَا فِي التُّحْفَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ الدُّيُونِ فَإِنْ كَانَ فَيَضُمُّ مَا قَبَضَهُ إلَى مَا عِنْدَهُ اتِّفَاقًا. [شَرْطُ صِحَّةِ أَدَاء الزَّكَاة] (وَشَرْطُ) صِحَّةِ (أَدَائِهَا) أَيْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً (نِيَّةٌ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ فَلَا تَصِحُّ بِدُونِهَا (مُقَارَنَةً لِلْأَدَاءِ) الْمُرَادُ

стр. 195

أَنْ تَكُونَ مُقَارَنَةً لِلْأَدَاءِ لِلْفَقِيرِ أَوْ الْوَكِيلِ وَلَوْ مُقَارَنَةً حُكْمِيَّةً كَمَا إذَا دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ حَضَرَتْهُ النِّيَّةُ وَالْمَالُ قَائِمٌ فِي يَدِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى بَعْدَ هَلَاكِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْفَقِيرِ بِأَنَّهَا زَكَاةٌ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّ مَنْ أَعْطَى مِسْكِينًا دَرَاهِمَ وَسَمَّاهَا هِبَةً أَوْ قَرْضًا وَنَوَى الزَّكَاةَ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِنِيَّةِ الدَّافِعِ لَا لِعِلْمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ. (أَوْ لِعَزْلِ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ) فَإِنَّهُ إذَا عَزَلَ مِنْ النِّصَابِ قَدْرَ الْوَاجِبِ نَاوِيًا لِلزَّكَاةِ وَتَصَدَّقَ إلَى الْفَقِيرِ بِلَا نِيَّةٍ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ قَالَ الْمُحَشِّي يَعْقُوبُ بَاشَا: يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ عَزْلَ بَعْضِ الْمَالِ النَّاقِصِ عَنْ قَدْرِ الْوَاجِبِ مِثْلُ عَزْلِ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ النِّصَابَيْنِ زَكَاةُ نِصَابٍ وَاحِدٍ لَا يُجْزِئُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِالتَّخْصِيصِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ وُقُوعًا لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ. (وَلَوْ تَصَدَّقَ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ دَفَعَهُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الزَّكَاةَ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (بِالْكُلِّ وَلَمْ يَنْوِهَا سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ لِدُخُولِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْيِينِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَسْقُطَ قِيلَ: وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ النَّفَلَ وَالْفَرْضَ كِلَاهُمَا مَشْرُوعَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَالصَّلَاةِ. (وَلَوْ) تَصَدَّقَ (بِالْبَعْضِ لَا تَسْقُطُ حِصَّتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ الْبَعْضَ الْمُؤَدَّى غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فِي الْبَاقِي لِكَوْنِ الْبَاقِي مَحَلًّا لِلْوَاجِبِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ. (وَتُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِإِسْقَاطِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ وَفِي الْحِيلَةِ إضْرَارٌ بِهِمْ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهَا امْتِنَاعٌ عَنْ الْوُجُوبِ لَا إبْطَالٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَخَافُ أَنْ لَا يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ فَيَكُونُ عَاصِيًا وَالْفِرَارُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ طَاعَةٌ قِيلَ: وَهَذَا أَصَحُّ. (وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَيْ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فَخَرَّجَ الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ وَالْعُشْرِيَّةَ (لِلتِّجَارَةِ فَنَوَى) عِنْدَ الْقَبُولِ (اسْتِخْدَامَهُ بَطَلَ كَوْنُهُ لِلتِّجَارَةِ) لِاتِّصَالِ النِّيَّةِ بِالْإِمْسَاكِ لِلِاسْتِخْدَامِ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ تَرْكُ الْفِعْلِ فَيَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ (وَمَا نَوَى لِلْخِدْمَةِ لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ مَا لَمْ يَبِعْهُ) فَتَكُونُ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّ التِّجَارَةَ فِعْلٌ وَعَمَلٌ فَلَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَنِيَّةِ السَّفَرِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِفْطَارِ حَيْثُ لَا يَحْصُلُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. (وَكَذَا) لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (مَا وَرِثَ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَجَرَّدَتْ عَنْ الْعَمَلِ لِمَا أَنَّ الْمِيرَاثَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَصُنْعِهِ حَتَّى أَنَّ الْجَنِينَ يَرِثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِعْلٌ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْرُوثُ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. (وَإِنْ نَوَى التِّجَارَةَ فِيمَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ قَوَدٍ كَانَ لَهَا) أَيْ لِلتِّجَارَةِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شِرَاءً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. (وَقِيلَ: الْخِلَافُ بِالْعَكْسِ) يَعْنِي مَا نَقَلَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ عَنْ الْقَاضِي الشَّهِيدِ أَنَّهُ ذَكَرَ

стр. 196

فِي مُخْتَلَفِهِ هَذَا الِاخْتِلَافَ عَلَى عَكْسِهِ وَهُوَ أَنَّهُ فِي قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَكُونُ لَهَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. (وَلَغَا تَعْيِينَ النَّاذِرِ لِلتَّصَدُّقِ الْيَوْمَ وَالدِّرْهَمَ وَالْفَقِيرَ) يَعْنِي إذَا قَالَ النَّاذِرُ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ الْيَوْمَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فَتَصَدَّقَ غَدًا دِرْهَمًا آخَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْفَقِيرِ يُجْزِيهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ. [بَابُ زَكَاةِ السَّوَائِمِ] بَدَأَ بِبَيَانِ السَّوَائِمِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ إلَى أَعْمَالِهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً بِهَا وَلِكَوْنِهَا أَعَزَّ أَمْوَالِ الْعَرَبِ وَالسَّوَائِمُ جَمْعُ سَائِمَةٍ مِنْ سَاوَمَتْ الْمَاشِيَةِ أَيْ رَعَيَتْ سَوْمًا وَأَسَامَهَا صَاحِبُهَا إسَامَةً كَمَا فِي الْمُغْرِبِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ كُلُّ إبِلٍ تُرْسَلُ وَتُرْعَى وَلَا تُعْلَفُ فِي الْأَهْلِ وَالْمُرَادُ بِالسَّائِمَةِ الَّتِي تُسَامُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَلِلزِّيَادَةِ فِي السِّنِّ وَالسَّمْنِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَلَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَسَامَهَا لِلَّحْمِ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَإِنْ أَسَامَهَا لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ أَسَامَهَا لِلْبَيْعِ وَالتِّجَارَةِ فَفِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ لَا زَكَاةُ السَّائِمَةِ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ قَدْرًا وَسَبَبًا فَلَا يُجْعَلُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى حَوْلِ الْآخَرِ (السَّائِمَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرِّعْيِ) الرِّعْيُ بِالْكَسْرِ الْكِلَاءُ وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ قِيلَ الْكَسْرُ هَاهُنَا أَنْسَبُ أَقُولُ بِالْفَتْحِ أَوْلَى لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْكِلَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَرَاعِي أَوْ فِي الْبَيْتِ فَعَلَى الْأَوَّلِ فَمُسَلَّمٌ وَعَلَى الثَّانِي فَلَا يَكُونُ سَائِمَةً تَدَبَّرْ (فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ) فَإِنْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ لِأَنَّ أَرْبَابَهَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْعَلْفِ أَيَّامَ الثَّلْجِ وَالشِّتَاءِ فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ لِيَكُونَ غَالِبًا. (وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ) بِالْفَتْحِ (مِنْ الْإِبِلِ) السَّائِمَةِ (زَكَاةٌ) لِأَنَّ نِصَابَهَا خَمْسٌ (فَإِذَا كَانَتْ خَمْسًا سَائِمَةً فَفِيهَا شَاةٌ) مُتَوَسِّطٌ إلَى تِسْعٍ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ رُبْعُ الْعُشْرِ قَالَ ﵊ «هَاتُوا رُبْعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» وَالشَّاةُ تَقْرُبُ رُبْعَ عُشْرِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الشَّاةَ تَقُومُ بِخَمْسَةٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ بِأَرْبَعِينَ فَإِيجَابُ الشَّاةِ مِنْ خَمْسٍ كَإِيجَابِ الْخَمْسِ فِي أَرْبَعِينَ وَالْإِطْلَاقُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَجْفَاءَ وَالْمَرِيضَةَ سَوَاءٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَمْيَاءُ كَمَا فِي الظَّاهِرِ وَكَذَا الْعَرْجَاءُ لَا مَقْطُوعُ الْقَوَائِمِ وَكَذَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَلَا يُنَافِي تَجَرُّدَ الْخَمْسِ عَنْ التَّاءِ كَمَا ظُنَّ فَإِنَّ مَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ بِالتَّاءِ أَصْلًا إذَا كَانَ تَمْيِيزُهُ اسْمَ جِنْسٍ كَالْإِبِلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَ) تَجِبُ (فِي الْعَشْرِ) إبِلًا (شَاتَانِ) إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ. (وَ) تَجِبُ (فِي خَمْسَ عَشْرَةَ) إبِلًا (ثَلَاثُ شِيَاهٍ) إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ. (وَ) تَجِبُ (فِي عِشْرِينَ) إبِلًا (أَرْبَعُ شِيَاهٍ) إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. (وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ) أَيْ دَخَلَتْ (فِي) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا فِي الْغَالِبِ تَصِيرُ ذَاتَ مَخَاضٍ أَيْ حَامِلٌ بِأُخْرَى وَالْمَخَاضُ أَيْضًا وَجَعُ الْوِلَادَةِ وَالنُّوقُ الْحَوَامِلُ وَاحِدَتُهَا حِقَّةٌ كَلِمَةٌ وَفِي الْأَسَاسِ

стр. 197

كُلُّهَا مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ اضْطِرَابُ شَيْءٍ مَائِعٍ فِي وِعَائِهِ وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَتْ الْآثَارُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ إلَّا مَا قَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ إنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَ شِيَاهٍ فَإِذَا صَارَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ لَكِنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ. (وَ) تَجِبُ (فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا فِي الْغَالِبِ تَكُونُ ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ أُخْرَى. (وَ) تَجِبُ (فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ) بِالْكَسْرِ (وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْحَمْلَ وَالرُّكُوبَ. (وَ) تَجِبُ (فِي إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ) بِتَحْرِيكِ الذَّالِ (وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَعْنًى فِي أَسْنَانِهَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَهِيَ أَقْصَى سِنٍّ يَدْخُلُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْإِبِلِ وَفِي تَأْنِيثِ هَذِهِ الْأَسَامِي إشْعَارٌ بِأَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْوَاجِبِ فِي الْإِبِلِ الْأُنُوثَةَ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِيهَا سِوَى الْإِنَاثِ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ لَمْ يُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. (وَ) تَجِبُ (فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَ) تَجِبُ (فِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) وَبِهَذَا اشْتَهَرَتْ كُتُبُ الصَّدَقَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ (ثُمَّ) إذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ تُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ عِنْدَنَا فَتَجِبُ (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) مَعَ الْحِقَّتَيْنِ (إلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ (حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ إلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي الْمِائَةِ وَخَمْسِينَ (ثَلَاثُ حِقَاقٍ ثُمَّ) تُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ ثَانِيًا فَتَجِبُ (فِي كُلِّ خَمْسٍ) زَادَ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ (شَاةٌ) مَعَ ثَلَاثِ حِقَاقٍ (إلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ (ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ إلَى مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ (ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ إلَى مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ (أَرْبَعُ حِقَاقٍ إلَى مِائَتَيْنِ) وَمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ مَعْفُوٌّ (ثُمَّ يَفْعَلُ فِي كُلِّ خَمْسِينَ) حَتَّى تَجِبَ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ (كَمَا فَعَلَ فِي الْخَمْسِينَ الَّتِي بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ) احْتَرَزَ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ عَنْ الِاسْتِئْنَافِ الَّذِي بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ إذْ لَا يَكُونُ فِيهِ إيجَابُ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا إيجَابُ أَرْبَعِ حِقَاقٍ لِعَدَمِ نِصَابِهَا فَإِنَّهُ لَمَّا زَادَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ صَارَ كُلُّ النِّصَابِ مِائَةً وَخَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ فَهُوَ نِصَابُ بِنْتِ مَخَاضٍ مَعَ الْحِقَّتَيْنِ وَلَمَّا زَادَتْ عَلَيْهَا خَمْسٌ وَصَارَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ وَجَبَتْ ثَلَاثُ حِقَاقٍ لِأَنَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً وَلَا تُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ بَلْ يَجْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ عَشْرَةٍ عَفْوًا فَيَجِبُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ (وَالْبُخْتُ وَالْعِرَابُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْإِبِلِ يَنْتَظِمُهُمَا.

стр. 198

[فَصْلٌ زَكَاةِ الْبَقَرِ] فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَالتَّاءُ فِي الْبَقَرَةِ لِلْإِفْرَادِ لَا لِلتَّأْنِيثِ وَالْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ زَكَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ) أَيْ الْبَقَرُ (ثَلَاثِينَ سَائِمَةً) صَحِيحَةً أَوْ مَرِيضَةً (فَفِيهَا) أَيْ فَفِي ثَلَاثِينَ يَجِبُ (تَبِيعٌ وَهُوَ مَا طَعَنَ) أَيْ دَخَلَ (فِي) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ) سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ بَعْدُ (أَوْ تَبِيعَةٌ) وَهِيَ أُنْثَاهُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَعَيَّنْ الْأُنُوثَةُ فِي هَذَا وَلَا فِي الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ لَا تُعَدُّ فَضْلًا فِيهِمَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْبَقَرُ الْأَهْلِيُّ فَالْوَحْشِيُّ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَهْلِيِّ لَا يُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ الِاعْتِبَارُ فِيهِ لِلْأُمِّ فَإِنْ كَانَتْ أَهْلِيَّةً يُزَكِّي وَإِلَّا فَلَا. (إلَى أَرْبَعِينَ) بَقَرًا (فَفِيهَا) أَيْ فَفِي أَرْبَعِينَ يَجِبُ (مُسِنٌّ وَهُوَ مَا طَعَنَ فِي) السَّنَةِ (الثَّالِثَةِ أَوْ مُسِنَّةٌ) وَهِيَ أُنْثَاهُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊. (وَلَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ) عَلَى أَرْبَعِينَ (إلَى أَنْ يَبْلُغَ سِتِّينَ) عِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ. وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. (وَعِنْدَ الْإِمَامِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعِينَ (بِحِسَابِهِ) فَفِي الْوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ وَفِي الِاثْنَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ وَهَذَا رِوَايَةُ الْأَصْلِ عَنْ الْإِمَامِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسِينَ ثُمَّ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبُعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثَلَاثُ تَبِيعٍ. (وَ) يَجِبُ (فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ وَهَكَذَا يَحْسِبُ: كُلَّمَا زَادَ عَشْرٌ فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) يَعْنِي يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ هَكَذَا فِي كُلِّ عَشْرٍ يَعْنِي إذَا صَارَ ثَمَانِينَ تَجِبُ مُسِنَّتَانِ وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ وَفِي مِائَةٍ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرَةٍ تَبِيعٌ وَمُسِنَّتَانِ إلَّا إذَا تَدَاخَلَا كَمَا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَرْبَعِ أَتْبِعَةٍ وَثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مَدَارُ الْحِسَابِ عَلَى الثُّلَاثِيَّاتِ وَالْأَرْبَعِيَّات (وَالْجَوَامِيسُ كَالْبَقَرِ) وَفِيهِ إيهَامٌ إلَى أَنَّ الْجَامُوسَ غَيْرُ الْبَقَرِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ وَفِي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عُدُولٌ عَنْ الْأَصْلِ بِلَا فَائِدَةٍ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ فَأَكَلَ الْجَامُوسَ لَا يَحْنَثُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مُعَلِّلًا لَهُ بِأَنَّ أَوْهَامَ النَّاسِ لَا تَسْبِقُ إلَيْهِ فِي دِيَارِنَا لِقِلَّتِهِ وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. [فَصْلٌ زَكَاةِ الْغَنَمِ] فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ تَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا آلَةُ الدِّفَاعِ فَكَانَتْ غَنِيمَةً لِكُلِّ طَالِبٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ) الْغَنَمُ (أَرْبَعِينَ سَائِمَةً فَفِيهَا) أَيْ فَفِي أَرْبَعِينَ (شَاةٌ) اسْمُ جِنْسٍ تَاؤُهَا لِلْإِفْرَادِ تَقَعُ عَلَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ يَخُصُّهَا بِالضَّأْنِ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ. (إلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى

стр. 199

وَعِشْرِينَ (شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ (ثَلَاثُ شِيَاهٍ) بِالْكَسْرِ جَمْعُ شَاةٍ فَإِنَّ أَصْلَهَا شُوهَةٌ قُلِبَتْ الْوَاوُ أَلِفًا، وَحَذْفُ الْهَاءِ شُذُوذًا. (إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ فَفِيهَا) أَيْ فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ (أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) وَمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ مَعْفُوٌّ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ (وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ) الضَّأْنُ جَمْعُ ضَائِنٍ يَنْتَظِمُ الْكَبْشَ وَالنَّعْجَةَ، وَالْمَعْزُ جَمْعُ مَاعِزِ يَنْتَظِمُ التَّيْسَ وَالْمَعْزَ (سَوَاءٌ) التَّسْوِيَةُ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْ تَخْيِيرِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هِيَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لَا فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ حَتَّى أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الْمَعْزِ اتِّفَاقًا وَمِنْ الضَّأْنِ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ الْجَذَعَ لَا يُؤْخَذُ. (وَأَدْنَى) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الثَّنِيُّ الْآتِي (مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ وَيُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ مِنْهَا) لَا الْجَذَعُ وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّنَةِ هَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الْجَذَعُ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ وَطَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّنِيُّ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ رَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَعْزِ إلَّا الثَّنِيُّ وَأَمَّا فِي الضَّأْنِ فَتُؤْخَذُ الْجَذَعَةُ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. [فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْخَيْلِ] (إذَا كَانَتْ الْخَيْلُ سَائِمَةً) لِلنَّسْلِ (ذُكُورًا وَإِنَاثًا) مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِيَّةِ (فَفِيهَا) الزَّكَاةُ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَالْقُدُورِيُّ فِي التَّجْرِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَإِنَّمَا قُلْنَا لِلنَّسْلِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ سَائِمَةً لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْجِهَادِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ فِيهَا وَإِنْ لِلتِّجَارَةِ تَجِبُ فِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ سَائِمَةً أَوْ غَيْرَ سَائِمَةٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَفِي إطْلَاقِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا نِصَابَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ يُشْكِلُ اشْتِرَاطُ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَقِيلَ خَمْسٌ كَمَا فِي الْكَافِي (خِلَافًا لَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي فَرَسِهِ وَلَا فِي غُلَامِهِ» وَأَوَّلَهُ مَنْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِفَرَسِ الْغَازِي لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمَةٍ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» . وَفِي الْأَسْرَارِ أَنَّ إطْلَاقَ النَّفْيِ كَانَ لِاتِّفَاقِ الْعَادَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ فَرَسٌ لِغَيْرِ الْغَزْوِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى هَذَا لَا تَأْوِيلَ (فَإِنْ شَاءَ) الْمُزَكِّي (أَعْطَى مِنْ كُلِّ فَرَسٍ) اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيَعُمُّ الْعَرَبِيَّ وَغَيْرَهُ (دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى مِنْ قِيمَتِهَا رُبُعَ الْعُشْرِ إنْ بَلَغَتْ) قِيمَتُهَا (نِصَابًا) وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الدِّينَارِ وَالتَّقْوِيمِ مَأْثُورٌ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنَّ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ -

стр. 200

وَمَأْثُورٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَيْضًا قِيلَ: هَذَا فِي أَفْرَاسِ الْعَرَبِ لِتَقَارُبِهَا فِي الْقِيمَةِ وَأَمَّا فِي أَفْرَاسِنَا فَتَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَفْرَاسَ الْعَرَبِ أَعْلَى قِيمَةً مِنْ أَفْرَاسِنَا فَإِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ جَائِزًا فِيهَا مَعَ أَنَّهَا أَعْلَى قِيمَةً فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي أَفْرَاسِنَا وَقِيلَ: هَذَا فِي الْأَفْرَاسِ الْمُتَسَاوِيَةِ وَأَمَّا فِي الْمُتَفَاوِتَةِ قِيمَةً فَالزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَلْبَتَّةَ. (وَلَيْسَ فِي الذُّكُورِ الْخُلَّصِ شَيْءٌ اتِّفَاقًا وَفِي الْإِنَاثِ الْخُلَّصِ عَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ) لَكِنْ فِي الْفَتْحِ فِي كُلٍّ مِنْ الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدَةِ وَالْإِنَاثِ الْمُنْفَرِدَةِ رِوَايَتَانِ وَالْأَرْجَحُ فِي الذُّكُورِ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَنَاسَلُ وَفِي الْإِنَاثِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاسَلُ بِالْفَحْلِ الْمُسْتَعَارِ. (وَلَا شَيْءَ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ فِي الْكُسْعَةِ صَدَقَةٌ» الْكُسْعَةُ الْحَمِيرُ فَإِذَا لَمْ تَجِبْ فِي الْحَمِيرِ لَا تَجِبُ فِي الْبِغَالِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ نَسْلِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ فَتَجِبُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ (وَكَذَا الْفُصْلَانُ) بِالضَّمِّ أَوْ الْكَسْرِ جَمْعُ الْفَصِيلِ وَلَدِ النَّاقَةِ إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ (وَالْحُمْلَانُ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ جَمْعُ الْحَمَلُ مُحَرَّكَةٌ وَهُوَ الْخَرُوفُ أَوْ الْجَذَعُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ مِمَّا دُونَهُ وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا عَلَى الْعَجَاجِيلِ مَعَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِهِ نَظَرًا إلَى تَرْتِيبِ الْفُصُولِ السَّابِقَةِ التَّأَخُّرِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ الْفُصْلَانُ صِيغَةً (وَالْعَجَاجِيلُ) جَمْعُ عِجَّوْلٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ بِمَعْنَى عِجْلٍ وَلَدِ الْبَقَرِ حِينَ تَضَعُهُ أُمُّهُ إلَى شَهْرٍ يَعْنِي لَيْسَ فِي جَمْعِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ زَكَاةٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ هَذَا آخِرِ أَقْوَالِ الْإِمَامِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَى الْإِمَامِ فَقُلْت لَهُ: أَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ حَمَلًا؟ فَقَالَ: فِيهَا شَاةٌ مُسِنَّةٌ فَقُلْت رُبَّمَا يَأْتِي قِيمَةُ الشَّاةِ فِيهَا عَلَى أَكْثَرِهَا أَوْ عَلَى جَمِيعِهَا؟ فَتَأَمَّلَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فَقُلْت أَوْ يُؤْخَذُ الْحَمَلُ فِي الزَّكَاةِ؟ فَتَأَمَّلَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَا إذْ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ فَعَدَّ هَذَا مِنْ مَنَاقِبِ الْإِمَامِ حَيْثُ أَخَذَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ أَقَاوِيلِهِ مُجْتَهِدٌ وَلَمْ يَضَعْ مِنْهَا شَيْءٌ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ رَدَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ وَقَالَ إنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ الصِّبْيَانِ مُحَالٌ فَمَا ظَنُّكَ بِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ: بَعْضُهُمْ لَا مَعْنَى لِرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ فَوَجَبَ أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ فَيُقَالُ: إنَّهُ يَمْتَحِنُ أَبَا يُوسُفَ هَلْ يَهْتَدِي إلَى طَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ فَلَمَّا عَرَفَهُ أَنَّهُ يَهْتَدِي قَالَ قَوْلًا عُوِّلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ أَخْذَ أَبِي يُوسُفَ قَوْلَهُ الثَّانِيَ يَأْبَى عَنْ رَدِّهِ إيَّاهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي الْمَسَانِّ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَمَالِكٍ كَمَا قَالَ الْفَاضِلُ ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ: لَكِنْ اسْتَصْعَبَ عَلَى بَعْضِ الْفُضَلَاءِ تَصْوِيرُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ دَائِرٌ عَلَى حَوَلَانِ الْحَوْلِ وَبَعْدَ الْحَوَلَانِ لَا يَبْقَى اسْمُ الْحَمَلِ وَالْفَصِيلِ وَالْعُجُولِ فَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ فِي انْعِقَادِ النِّصَابِ كَمَا لَوْ مَلَكَ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَصِيلًا أَوْ ثَلَاثِينَ عِجْلًا أَوْ أَرْبَعِينَ حَمَلًا هَلْ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَمْ لَا يَنْعَقِدُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ بَلْ

стр. 201

يُعْتَبَرُ أَنَّ انْعِقَادَ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ الْكِبَرِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا يَنْعَقِدُ حَتَّى لَوْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مَلَكَهَا وَجَبَتْ وَقِيلَ فِي بَقَائِهِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ السَّوَائِمُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَهَلَكَتْ السَّوَائِمُ فَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهَا هَلْ يَبْقَى حَوْلُ الْأُصُولِ عَلَى الْأَوْلَادِ فَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَبْقَى وَفِي الْبَاقِينَ يَبْقَى (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَبِيرٌ) أَيْ الْكَبِيرُ مِنْ السَّائِمَةِ التَّامَّةِ الْحَوْلِ فَيَجْعَلُونَ الصِّغَارَ تَابِعَةً لِلْكِبَارِ فِي انْعِقَادِ النِّصَابِ دُونَ تَأْدِيَةِ الزَّكَاةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَعَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ حَمَلًا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ تَجِبُ شَاةٌ وَسَطٌ، وَتُؤْخَذُ الْمُسِنَّةُ إلَّا إذَا هَلَكَتْ فَإِنَّ الزَّكَاةَ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِي عِنْدَهُمَا إذْ الْوُجُوبُ بِاعْتِبَارِهَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَجَبَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءٍ مِنْ مُسِنَّةٍ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنْهَا) وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاسْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ الْخِطَابِ يَنْتَظِمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ وَوَجْهُ الثَّانِي تَحْقِيقُ النَّظَرِ لِلْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ إيجَابَ الْمُسِنَّةِ إضْرَارٌ بِأَرْبَابِ النُّصُبِ وَفِي إخْلَائِهِ عَنْ الْإِيجَابِ إضْرَارٌ بِالْفُقَرَاءِ فَقُلْنَا بِإِيجَابِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا رِفْقًا بِالْجَانِبَيْنِ وَوَجْهُ الْأَخِيرِ أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ لِلزَّكَاةِ أَسْنَانًا مُرَتَّبَةً وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الصِّغَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ. (وَلَا) شَيْءَ (فِي الْحَوَامِلِ) هِيَ مَا أُعِدَّتْ لِحَمْلِ الْأَثْقَالِ (وَالْعَوَامِلِ) هِيَ مَا أُعِدَّتْ لِلْعَمَلِ (وَالْعَلُوفَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَا يُعْلَفُ مِنْ الْغَنَمِ، وَغَيْرُهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ عَلَفٍ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ مُنْعَدِمٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَتَضَاعَفُ بِالْعَلَفِ فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مَعْنًى وَالسَّبَبُ الْمَالُ النَّامِي. (وَكَذَا) لَا شَيْءَ (فِي السَّائِمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْغِنَى وَلَا غَنَاءَ إلَّا بِالْمِلْكِ لَا بِمِلْكِ شَرِيكِهِ (إلَّا أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابًا) هَذَا إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بِالنِّصْفِ، فَلَوْ تَفَاوَتَتْ وَبَلَغَتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا نِصَابًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ صَبِيٍّ وَبَالِغٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْبَالِغِ. (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ) ذَكَرَ السِّنَّ وَأَرَادَ ذَاتَ السِّنِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ عُمْرَ الدَّوَابِّ يُعْرَفُ بِالسِّنِّ (وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ) أَيْ الْمَالِكِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَقَعَتْ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ حَتَّى لَوْ دَفَعَ الْأَعْلَى أَوْ الْأَدْنَى أَوْ الْقِيمَةَ مَعَ وُجُودِ السِّنِّ جَازَ (دَفَعَ أَدْنَى مِنْهُ مَعَ الْفَضْلِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ وَأَخَذَ) الْمَالِكُ (الْفَضْلَ) أَوْ دَفَعَ الْقِيمَةَ وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ يُجْبَرُ السَّاعِي عَلَى الْقَبُولِ إلَّا إذَا دَفَعَ الْأَعْلَى وَطَلَبَ الْفَضْلَ حَيْثُ لَا يُجْبَرُ فِيهِ السَّاعِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْبَيْعَ الضِّمْنِيَّ فَلَا جَبْرَ فِيهِ وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَوْ قِيمَتَهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْمُصَدِّقَ لَا خِيَارَ لَهُ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ بَعْضَ الْعَيْنِ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ كَانَ الْوَاجِبُ مَثَلًا بِنْتُ لَبُونٍ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الْحِقَّةِ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ عَيْبِ التَّنْقِيصِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْعَيْبِ يُسَاوِي قَدْرَ الْوَاجِبِ

стр. 202

وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْمُصَدِّقِ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ انْتَهَى، لَكِنْ فِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ إجْبَارُ الْمُصَدِّقِ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَيْضًا مُخَيَّرٌ، غَايَتُهُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ يُعْرِضُ عَلَى الْآخِذِ هَذَا فَإِنْ قَبِلَهُ فَبِهَا، وَإِلَّا يَتَوَجَّهُ إلَى آخَرَ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى شَيْءٍ إذَا دَفَعَ الْأَعْلَى (وَقِيلَ الْخِيَارُ لِلسَّاعِي) وَالْأَوْلَى مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا وَالسَّاعِي مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ. (وَيَجُوزُ دَفْعَ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) حَتَّى لَوْ أَدَّى ثَلَاثَةَ شِيَاهٍ سِمَانٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَطٍ جَازَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا بِأَنْ أَدَّى أَرْبَعَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةٍ عَنْ خَمْسَةٍ وَسَطٍ وَهِيَ تُسَاوِيهَا لَا يَجُوزُ أَوْ كِسْوَةً بِأَنْ أَدَّى ثَوْبًا يَعْدِلُ ثَوْبَيْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا فِي الضَّحَايَا وَالْعِتْقِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَأَمَّا بَعْدَهَا فَيَجُوزُ (وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالنَّذْرُ) هُوَ بِأَنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهَذَا الْخُبْزِ فَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِشَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ فَتَصَدَّقَ بِشَاةٍ تَعْدِلُهُمَا جَازَ أَمَّا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُسَاوِي قِيمَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَسَطَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ) يَعْنِي أَدَاءَ الْقِيمَةِ مَكَانَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ جَائِزٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَهُ النُّصُوصُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّةِ وَلَنَا تَجْوِيزُهُ ﵊ لِأَمِيرِ الْيَمَنِ أَنْ يَأْخُذَ الثِّيَابَ بَدَلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ: فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ وَنَفْعٌ لِلْمُهَاجِرَيْنِ بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ أَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَنْ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مَعَ وُجُودِ عَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ جَائِزٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَنَا أَحَدَهُمَا: إمَّا الْعَيْنُ أَوْ الْقِيمَةُ. (وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِهَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَ الْحَوْلِ) وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ أَوْ الظَّاهِرَةِ قَبْلَ طَلَبِ السَّاعِي عِنْدَنَا اتِّفَاقًا وَبَعْدَ الطَّلَبِ قِيلَ تَسْقُطُ وَلَا يَضْمَنُ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يَضْمَنُ وَعَلَى هَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا هَلَكَتْ الْبَاطِنَةُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَا تَسْقُطُ، قَيَّدَ بِهَلَاكِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِاسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ وَكَذَا إذَا لَحِقَهُ الدَّيْنُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. (وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهُ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ) لِبَقَاءِ جُزْءٍ يَصْلُحُ لَهَا فَلَوْ هَلَكَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ مَا سِوَى الْأَرْبَعِينَ لَكَانَ الْوَاجِبُ شَاةً. وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ وَجَدَ مِثْلَهُ اُسْتُؤْنِفَ مِنْهُ الْحَوْلُ (وَيَصْرِفُ الْهَالِكَ إلَى الْعَفْوِ أَوَّلًا) وَهُوَ مَا فَوْقَ النِّصَابِ فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْهَالِكُ الْعَفْوَ فَالْوَاجِبُ عَلَى حَالِهِ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا شَاةً، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي خَمْسٍ مِنْ التِّسْعِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْأَرْبَعُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الشَّاةِ (ثُمَّ إلَى نِصَابٍ يَلِيهِ) فَإِنْ جَاوَزَ الْهَالِكُ الْعَفْوَ يُصْرَفُ إلَى نِصَابٍ يَلِيهِ كَمَا لَوْ هَلَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَعِيرًا فَالْأَرْبَعَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَفْوِ ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ إلَى النِّصَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ مَا بَيْنَ

стр. 203

خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ إلَى سِتٍّ وَثَلَاثِينَ حَتَّى تَجِبَ بِنْتُ مَخَاضٍ (ثُمَّ وَثُمَّ) إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ (عِنْدَ الْإِمَامِ) كَمَا لَوْ هَلَكَ عِشْرُونَ مِنْهَا فَفِي الْبَاقِي أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَلَوْ هَلَكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَفِي الْبَاقِي ثَلَاثَةُ شِيَاهٍ وَلَوْ هَلَكَ ثَلَاثُونَ فَفِي الْبَاقِي شَاتَانِ وَلَوْ هَلَكَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَفِي الْبَاقِي شَاةٌ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصْرَفُ) الْهَالِكُ (بَعْدَ الْعَفْوِ الْأَوَّلِ إلَى النُّصُبِ) أَيْ إلَى كُلِّ النِّصَابِ حَالَ كَوْنِهِ (شَائِعًا) كَمَا لَوْ هَلَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهَا فَتَجِبُ فِي الْبَاقِي خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَهُ كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ الزَّائِدَةُ عَفْوًا فَيُصْرَفُ الْهَالِكُ إلَى الْأَرْبَعَةِ أَوَّلًا ثُمَّ الْهَلَاكُ يَشِيعُ فِي الْكُلِّ فَيَسْقُطُ بِقَدْرِ الْهَالِكِ (وَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ دُونَ الْعَفْوِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ (بِهِمَا) أَيْ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ وَالْكُلُّ نِعْمَةٌ وَلِلشَّيْخَيْنِ قَوْلُهُ ﵊ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ وَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا» وَهَكَذَا قَالَ فِي كُلِّ نِصَابٍ نَفَى الْوُجُوبَ عَنْ الْعَفْوِ وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَقَالَ (فَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الْحَوْلِ أَرْبَعُونَ مِنْ ثَمَانِينَ شَاةٍ تَجِبُ شَاةٌ كَامِلَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ شَاةٍ) ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ يُصْرَفُ إلَى الْعَفْوِ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصْرَفُ إلَيْهِمَا. (وَلَوْ هَلَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَعِيرًا تَجِبُ بِنْتُ مَخَاضٍ) لِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ بِنْتِ لَبُونٍ وَثَمَنُهَا) ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ يُصْرَفُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَإِذَا هَلَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَقِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَجِبُ نِصْفٌ وَثُمُنٌ مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ: اعْلَمْ أَنَّ صَرْفَ الْهَلَاكِ إلَى الْعَفْوِ يُتَصَوَّرُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا فَلَا إلَّا فِي السَّوَائِمِ. (وَيَأْخُذُ السَّاعِي الْوَسَطَ) رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ بِلَا جَبْرٍ (لَا الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى) حَتَّى لَوْ وَجَبَتْ بِنْتُ لَبُونٍ مَثَلًا لَا يَأْخُذُ خِيَارَ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا أَرْدَأَهَا وَإِنَّمَا يَأْخُذُ وَسَطَ بِنْتِ لَبُونٍ. (وَلَوْ أَخَذَ الْبُغَاةُ) الْأَخْذُ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ وَغَيْرَهُ سِنِينَ وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ أَيْضًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (زَكَاةَ السَّوَائِمِ أَوْ الْعُشْرَ أَوْ الْخَرَاجَ) (يُفْتَى أَرْبَابُهَا أَنْ يُعِيدُوهَا خِفْيَةً) أَيْ يُؤَدُّونَهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إخْفَاءً وَسِرًّا (إنْ لَمْ يَصْرِفُوهَا فِي حَقِّهَا إلَّا الْخَرَاجَ) ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُصْرَفُ إلَى الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مِنْهُمْ إذْ أَهْلُ الْبَغْيِ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ

стр. 204

وَالزَّكَاةُ مَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ وَلَا يَصْرِفُونَهَا إلَيْهِمْ وَقِيلَ: إذَا نَوَى بِالدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَكَذَا الدَّفْعُ إلَى كُلِّ جَائِرٍ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ التَّبِعَاتِ فُقَرَاءُ وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ السُّلْطَانُ الْجَائِرُ إذَا أَخَذَ صَدَقَاتِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ تَجُوزُ وَتَسْقُطُ فِي الصَّحِيحِ وَلَا يُؤْمَرُ ثَانِيًا. [بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ] [نصاب الذَّهَب] بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ بِالضَّمِّ جَمْعُ عَرَضٍ بِفَتْحَتَيْنِ حُطَامُ الدُّنْيَا أَيْ مَتَاعُهَا سِوَى النَّقْدَيْنِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَذَا سُكُونُ الرَّاءِ وَفَتْحُ الْعَيْنِ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ كَمَا فِي الدِّيوَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْأَمْتِعَةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا يَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الثَّانِي لِعُمُومِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ التِّجَارَةُ بِالْحَيَوَانَاتِ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْجَمَلِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيمَا ذُكِرَ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لَا السَّوَائِمِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اسْتِثْنَاءُ السَّوَائِمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ (نِصَابُ الذَّهَبِ) أَيْ الْحَجَرَ الْأَصْفَرَ الرَّزِينَ مَضْرُوبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ ذَاهِبًا بِلَا بَقَاءٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (عِشْرُونَ) أَيْ مُقَدَّرٌ بِعِشْرِينَ (مِثْقَالًا) هُوَ لُغَةً: مَا يُوزَنُ بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَعُرْفًا مَا يَكُونُ مَوْزُونُهُ قِطْعَةَ ذَهَبٍ مُقَدَّرٌ بِعِشْرِينَ قِيرَاطًا وَالْقِيرَاطُ خَمْسُ شَعِيرَاتٍ مُتَوَاسِطَةٍ غَيْرِ مَقْشُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ مَا امْتَدَّ مِنْ طَرْفِهَا فَالْمِثْقَالُ مِائَةُ شَعِيرَةٍ وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَمَّا عَلَى رَأْي الْمُتَقَدِّمِينَ فَالْمِثْقَالُ سِتَّةُ دَوَانِقَ وَالدَّوَانِقُ أَرْبَعُ طَسُّوجَاتٍ وَالطَّسُّوجُ حَبَّتَانِ، وَالْحَبَّةُ شَعِيرَتَانِ فَالْمِثْقَالُ شَعِيرَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَرْبَعُ شَعِيرَاتٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. [نصاب الْفِضَّة] (وَنِصَابُ الْفِضَّةِ) أَيْ الْحَجَرِ الْأَبْيَضِ الرَّزِينِ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا لِإِزَالَةِ الْكُرْبَةِ عَنْ مَالِكِهَا مِنْ الْفَضِّ وَهُوَ التَّفْرِيقُ (مِائَتَا دِرْهَمٍ وَفِيهِمَا رُبُعُ الْعُشْرِ) وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ وَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ فِي الْفِضَّةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا بِحِسَابِهِ) فَفِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا زَادَتْ عَلَى الْمِائَتَيْنِ دِرْهَمٌ وَفِي أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ حِصَّتُهَا وَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ صَدَقَةٌ» (وَقَالَا مَا زَادَ بِحِسَابِهِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (قَلَّ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَلَوْ زَادَ دِينَارٌ وَجَبَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ عِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ وَلَوْ زَادَ دِرْهَمٌ وَجَبَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ وَهَكَذَا لِقَوْلِهِ ﵊ «وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَبِحِسَابِهِ» لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ زَائِدٌ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فِي هَذَا عَلَى الْأَرْبَعِينِيَّات تَوْفِيقًا (وَالْمُعْتَبَرُ) بَعْدَ بُلُوغِ النِّصَابِ (فِيهِمَا الْوَزْنُ وُجُوبًا وَأَدَاءً) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ زُفَرُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ

стр. 205

يُعْتَبَرُ الْأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ جِيَادٍ خَمْسَةً زُيُوفًا قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ جِيَادٌ جَازَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ. وَلَوْ أَدَّى أَرْبَعَةً جَيِّدَةً قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ رَدِيئَةٌ عَنْ خَمْسَةٍ رَدِيئَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ. وَلَوْ كَانَ نُقْصَانُ السِّعْرِ لِنَقْصٍ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ ابْتَلَّتْ الْحِنْطَةُ اُعْتُبِرَ يَوْمُ الْأَدَاءِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ هَلَاكَ بَعْضِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِزِيَادَتِهَا اُعْتُبِرَ يَوْمُ الْوُجُوبِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا تُضَمُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ بُلُوغِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ إبْرِيقُ فِضَّةٍ وَزْنُهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَقِيمَتُهَا مِائَتَانِ فَلَا زَكَاةَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ أَدَّى مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ بِالْإِجْمَاعِ. (وَ) الْمُعْتَبَرُ (فِي الدَّرَاهِمِ وَزْنُ سَبْعَةٍ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ (وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى عَهْدِهِ ﵊ فَمِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَلَى وَزْنِ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ وَعَشَرَةٌ عَلَى سِتَّةِ مَثَاقِيلَ وَعَشَرَةٌ عَلَى خَمْسَةِ مَثَاقِيلَ فَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ثُلُثًا كَيْ لَا تَظْهَرَ الْخُصُومَةُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِثْقَالًا فَثُلُثُهُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَهَذَا يَجْزِي فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ وَنِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ وَتَقْدِيرِ الدِّيَاتِ. وَفِي النَّوَازِلِ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَزْنُ كُلِّ بَلَدٍ. (وَمَا غَلَبَ ذَهَبُهُ أَوْ فِضَّتُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ) وَفِيهِ إشْعَارٌ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ إذَا تَسَاوَى أَحَدُهُمَا الْغِشُّ وَقِيلَ تَجِبُ الزَّكَاةُ احْتِيَاطًا اخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَقِيلَ فِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقِيلَ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ. (وَمَا غَلَبَ غِشُّهُ) كَالسَّتُّوقَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْغِشُّ (تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ) إذَا كَانَتْ رَائِجَةً أَوْ نَوَى التِّجَارَةَ (لَا وَزْنُهُ وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا غَلَبَ غِشُّهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا رَائِجَةً وَلَا مَنْوِيَّةً لِلتِّجَارَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ يَبْلُغُ النِّصَابَ بِأَنْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَتَتَخَلَّصُ مِنْ الْغِشِّ فَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا لَا يَتَخَلَّصُ فَلَا؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ فِيهَا قَدْ هَلَكَتْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْغَايَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ خُلُوصَ الْفِضَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّرَاهِمِ فِضَّةٌ بِقَدْرِ النِّصَابِ (كَالْعُرُوضِ) لِيَكُونَ نَامِيًا. (وَيَجِبُ فِي تِبْرِهِمَا) بِالْكَسْرِ وَهُوَ مَا يَكُونُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعْدِنِيَّاتِ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ إلَّا أَنَّهُ بِالذَّهَبِ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا وَقِيلَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَفِي غَيْرِهِ مَجَازٌ (وَحُلِيِّهِمَا) سَوَاءٌ كَانَ لِلنِّسَاءِ أَوْ لَا أَوْ قَدْرَ الْحَاجَةِ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ يُمْسِكُهَا لِلتِّجَارَةِ

стр. 206

أَوْ لِلنَّفَقَةِ أَوْ لِلتَّجَمُّلِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُبَاحُ الِاسْتِعْمَالُ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَذَلٌ وَمُبَاحٌ فَشَابَهُ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ كَوْنُهُمَا مَالٌ نَامٍ وَالنَّمَاءُ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الثِّيَابِ وَحُلِيُّ الْمَرْأَةِ مَعْرُوفٌ جَمْعُهُ حُلِيٌّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَلَا يَدْخُلُ الْجَوَاهِرُ وَاللُّؤْلُؤُ وَبِخِلَافِهِ فِي بَحْثِ الْإِيمَانِ (وَآنِيَتَهُمَا) جَمْعُ إنَاءٍ. (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ أَيْضًا (فِي عُرُوضِ تِجَارَةٍ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (تُقَوَّمُ) أَيْ عُرُوضُ التِّجَارَةِ (بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ) أَيُّهُمَا كَانَ لِقَوْلِهِ ﵊ «يُقَوِّمُهَا فَيُؤَدِّي مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ» وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ يَعْنِي نُقَوِّمُ بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا إنْ كَانَ يَبْلُغُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ احْتِيَاطًا فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِالْأَنْفَعِ إنْ كَانَتْ تَبْلُغُ بِهِمَا فَإِنْ كَانَ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ أَنْفَعُ قُوِّمَتْ بِهَا، وَإِنْ بِالدَّنَانِيرِ قُوِّمَتْ بِهَا وَإِنْ بَلَغَتْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا تُقَوَّمُ بِالْأَرْوَجِ، وَلَوْ اسْتَوَيَا رَوَاجًا يُخَيَّرُ الْمَالِكُ وَتُقَوَّمُ فِي الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ فِي مَفَازَتِهِ الْقَرِيبَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ يُقَوَّمُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَيُقَوَّمُ بِالْمَضْرُوبَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ ثَمَنُهَا مِنْ النُّقُودِ قُوِّمَتْ بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا قُوِّمَتْ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قُوِّمَتْ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (وَتُضَمُّ قِيمَتُهَا) أَيْ الْعُرُوضِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (إلَيْهِمَا) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (لِيَتِمَّ النِّصَابُ) فَيُزَكِّي عَنْ قَفِيزِ حِنْطَةٍ لِلتِّجَارَةِ وَخَمْسَةِ مَثَاقِيلَ مِنْ ذَهَبٍ قِيمَةَ كُلٍّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ التِّجَارَةِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ جِهَةُ الْإِعْدَادِ وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ فِيهِ. (وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ (إلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِلْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ (وَعِنْدَهُمَا بِالْأَجْزَاءِ) أَيْ بِالْقَدْرِ فَيُزَكِّي لَوْ كَانَتْ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا تَبْلُغُ مِائَةَ دِرْهَمٍ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا لَا تَبْلُغُ مِائَةَ دِرْهَمٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَاعْلَمْ أَنَّ السَّوَائِمَ الْمُخْتَلِفَةَ الْجِنْسِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ بِالْإِجْمَاع. (وَيُضَمُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِنْسِ نِصَابٍ إلَيْهِ) أَيْ إلَى النِّصَابِ (فِي حَوْلِهِ وَحُكْمِهِ) أَيْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَفَادِ وَالْحَوْلِ، وَحُكْمُ الْحَوْلِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَيْضًا فَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَحَالَ الْحَوْلُ وَقَدْ حَصَلَتْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ يَضُمُّهَا إلَيْهِ وَيُزَكِّي عَنْ الْكُلِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِمِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ خِلَافَ جِنْسِهِ لَا يُضَمُّ بِالِاتِّفَاقِ وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِسَبَبِ الْأَصْلِ كَالْأَوْلَادِ وَالْأَرْبَاحِ أَوْ بِسَبَبٍ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يُضَمُّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ رَجُلٍ مِقْدَارُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ سَائِمَةٍ

стр. 207

فَاسْتَفَادَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ضَمَّهَا وَزَكَّى كُلَّهَا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَنُقْصَانُ النِّصَابِ) أَطْلَقَهُ لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ نِصَابٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالنَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالسَّوَائِمِ (فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا يَضُرُّ إنْ كَمُلَ فِي طَرَفَيْهِ) ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ كَمَالِ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ حَرَجًا فَاعْتُبِرَ وُجُودُ النِّصَابِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ لِلِانْعِقَادِ. وَفِي آخِرِهِ لِلْوُجُوبِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ النِّصَابِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ كُلُّهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا تَجِبُ وَإِنْ تَمَّ آخِرَ الْحَوْلِ عَلَى النِّصَابِ فَلَوْ كَانَ لَهُ عَصِيرٌ فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فِي آخِرِهِ وَالْخَلُّ أَيْضًا يُسَاوِيهِ يَسْتَأْنِفُ لِلْخَلِّ وَيَبْطُلُ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ وَإِلَى أَنَّ الدَّيْنَ فِي الْحَوْلِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْحَوْلِ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ خِلَافًا لِزُفَرَ وَكَذَا إذَا جَعَلَ السَّائِمَةَ عَلُوفَةً؛ لِأَنَّ الْعَلُوفَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ وَصْفِهِ كَهَلَاكِ كُلِّ النِّصَابِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً مَاتَتْ فِي الْحَوْلِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ صُوفُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُشْتَرَطُ الْكَمَالُ فِي كُلِّ الْحَوْلِ فِي سَائِمَةٍ وَنَقْدٍ وَفِي آخِرِ الْحَوْلِ فِي عُرُوضٍ. (وَلَوْ عَجَّلَ) أَيْ قَدَّمَ (ذُو نِصَابٍ لِسِنِينَ) أَيْ صَحَّ لِمَالِكِ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرَ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ تِلْكَ السِّنِينَ حَتَّى إذَا مَلَكَ فِي كُلٍّ مِنْهَا نِصَابًا أَجْزَأَهُ مَا أَدَّى مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمَالُ النَّامِي وَقَدْ وُجِدَ (أَوْ) عَجَّلَ (لِنُصُبٍ صَحَّ) أَيْ صَحَّ لِمَالِكِ نِصَابٍ وَاحِدٍ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إذَا مَلَكَ النُّصُبَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ فَبَعْدَ مَا تَمَّ الْحَوْلُ أَجْزَأَهُ مَا أَدَّى خِلَافًا لِزُفَرَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِلَا نِصَابٍ إجْمَاعًا فَلَوْ عَجَّلَ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَمْ يَأْخُذْهُ وَفِي يَدِ الْإِمَامِ أَخَذَهُ لَكِنْ إذَا هَلَكَ لَمْ يَضْمَنْهُ. (وَلَا شَيْءَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ التَّغْلِبِيِّ وَعَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ مَا عَلَى الرَّجُلِ) بَنُو تَغْلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ طَالَبَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالْجِزْيَةِ فَأَبَوْا فَقَالُوا نُعْطِي الصَّدَقَةَ مُضَاعَفَةً فَصُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا جِزْيَتُكُمْ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ فَلَمَّا جَرَى الصُّلْحُ عَلَى ضِعْفِ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ صِبْيَانِهِمْ وَتُؤْخَذُ مِنْ نِسْوَانِهِمْ كَالْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُوضَعُ عَلَى النِّسَاءِ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْجِزْيَةِ وَجِزْيَةٌ عَلَى النِّسَاءِ. [بَابُ الْعَاشِرِ] أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا قَبْلَهُ لِتَمَحُّضِ مَا قَبْلِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَهَذَا يَشْمَلُ غَيْرَ الزَّكَاةِ كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَلَمَّا كَانَ فِيهِ عِبَادَةٌ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ قَدَّمَهُ عَلَى الْخُمْسِ مِنْ الرِّكَازِ وَالْعَاشِرُ فَاعِلٌ مِنْ عَشَرْت الْقَوْمَ أَعْشُرُهُمْ عُشْرًا بِالضَّمِّ فِيهِمَا إذَا أَخَذْت عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ لَكِنَّ الْمَأْخُوذَ هُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ لَا الْعُشْرُ إلَّا فِي الْحَرْبِيِّ

стр. 208

إلَّا أَنْ يُقَالَ أَطْلَقَ الْعُشْرَ وَأَرَادَ بِهِ رُبُعَهُ مَجَازًا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ جُزْئِهِ أَوْ يُقَالُ الْعُشْرُ صَارَ عَلَمًا لِمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ عُشْرًا لُغَوِيًّا أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ الْعَاشِرُ هُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَحْوَالِهِ (هُوَ مَنْ نُصِبَ) أَيْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ (عَلَى الطَّرِيقِ) احْتِرَازٌ عَنْ السَّاعِي وَهُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي الْقَبَائِلِ لِيَأْخُذَ صَدَقَةَ الْمَوَاشِي فِي أَمَاكِنِهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَلَا كَافِرًا لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ فِيهِمَا وَلَا هَاشِمِيًّا لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الزَّكَاةِ وَبِهِ يُعْلَمُ حُكْمُ تَوْلِيَةِ الْكَافِرِ فِي زَمَانِنَا عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ (لِيَأْخُذَ صَدَقَاتِ التُّجَّارِ) الْمَارِّينَ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَهَذَا بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمِصْرِ وَلَا فِي الْقُرَى بَلْ فِي الْمَفَازَةِ قَالُوا: إنَّمَا يُنْصَبُ لِيَأْمَنَ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ وَيَحْمِيَهُمْ مِنْهُمْ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْحِمَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجِبَايَةَ بِالْحِمَايَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِالصَّدَقَةِ تَغْلِيبًا لِاسْمِ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا (يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبُعَ الْعُشْرِ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ بِعَيْنِهَا. (وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَهُ) ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الذِّمِّيِّ إلَى الْحِمَايَةِ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ (وَمِنْ الْحَرْبِيِّ تَمَامَهُ) ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إلَيْهَا أَشَدُّ لِكَثْرَةِ طَمَعِ اللُّصُوصِ فِي أَمْوَالِهِ (إنْ بَلَغَ مَالُهُ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَ مَالُ الْحَرْبِيِّ (نِصَابًا وَ) بِشَرْطِ إنْ (لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا) أَيْ مِقْدَارَ مَا يَأْخُذُ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ عَلِمَ نَفْسَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ إذَا اشْتَبَهَ الْحَالُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَاشِرُ مَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ. (وَإِنْ عَلِمَ) مَا أَخَذُوهُ مِنَّا (أَخَذَ مِثْلَهُ) قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا تَحْقِيقًا لِلْمُجَازَاةِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَرَ بِذَلِكَ (لَكِنْ إنْ أَخَذُوا الْكُلَّ لَا يَأْخُذُهُ) أَيْ الْعَاشِرُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ (بَلْ يَتْرُكُ قَدْرَ مَا يُبَلِّغُهُ مَأْمَنَهُ) أَيْ مَوْضِعَ أَمْنِهِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْإِيصَالَ عَلَيْنَا فَلَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِ الْكُلِّ وَقِيلَ يَأْخُذُ الْكُلَّ زَجْرًا لَهُمْ. (وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ) مِنَّا (شَيْئًا لَا يَأْخُذُ) الْعَاشِرُ (مِنْهُمْ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْأَمَانِ. (وَلَا) يَأْخُذُ (مِنْ الْقَلِيلِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَقَرَّ بِأَنَّ فِي بَيْتِهِ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ) لَمَّا كَانَ مَظِنَّتُهُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ مُطْلَقًا لَا نِصَابِ الْمُرُورِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا مِنْ الْقَلِيلِ وَإِنْ أَقَرَّ إلَى آخِرِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ بِزِيَادَتِهِ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنْ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ وَهَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْقَلِيلِ وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَمْ يَزَلْ عَفْوًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِمَايَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَفْصِيلٌ تَدَبَّرْ. (وَيَقْبَلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ) مِنْ التُّجَّارِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ (تَمَامَ الْحَوْلِ) ، وَلَوْ حُكْمًا كَمَا فِي الْمُسْتَفَادِ وَسَطَ الْحَوْلِ (أَوْ الْفَرَاغَ مِنْ الدَّيْنِ)

стр. 209

أَيْ أَنْكَرَ فَرَاغَ الذِّمَّةِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُطَالَبِ مِنْ الْعَبْدِ. وَفِي الْبَحْرِ أَطْلَقَ مِنْ الدَّيْنِ فَشَمَلَ الْمُسْتَغْرِقَ لِلْمَالِ وَالْمُنْقِصَ لِلنِّصَابِ وَهُوَ الْحَقُّ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمُحِيطِ بِمَالِهِ وَانْدَفَعَ مَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْعَاشِرَ يَسْأَلُهُ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ يُصَدِّقُهُ وَإِلَّا لَا انْتَهَى. لَكِنْ، إنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَشْمَلُ مَا لَا يَكُونُ مُنْقِصًا لِلنِّصَابِ كَمَا يَشْمَلُهُمَا فَالْحَقُّ التَّقْيِيدُ كَمَا لَا يَخْفَى تَدَبَّرْ (أَوْ ادَّعَى الْأَدَاءَ بِنَفْسِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ) ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ فِيهِ وَوِلَايَةُ الْأَخْذِ بِالْمُرُورِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْحِمَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِصْرِ لَا يُقْبَلُ (فِي غَيْرِ السَّوَائِمِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ فِي السَّوَائِمِ لِلْإِمَامِ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ إذَا لَمْ يُجِزْ الْإِمَامُ دَفْعَهُ يَضْمَنُ عِنْدَنَا قِيلَ الزَّكَاةُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ وَقِيلَ هُوَ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ يَنْقَلِبُ نَفْلًا هُوَ الصَّحِيحُ (أَوْ) ادَّعَى (الْأَدَاءَ إلَى عَاشِرٍ آخَرَ إنْ وُجِدَ عَاشِرٌ آخَرُ) فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ نُصِبَ آخَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ قُيِّدَ بِهِ لِظُهُورِ كَذِبِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ عَاشِرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ يُصَدَّقُ بِمَا أَخْبَرَ إلَّا بِمَا هُوَ كَذِبٌ بِيَقِينٍ (مَعَ يَمِينِهِ) أَيْ صُدِّقَ فِي دَعْوَى هَذِهِ الْأُمُورِ بِيَمِينِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالْعِبَادَاتُ وَإِنْ كَانَتْ يُصَدَّقُ فِيهَا بِلَا تَحْلِيفٍ لَكِنْ تَعَلَّقَ هَاهُنَا حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْعَاشِرُ فِي الْأَخْذِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَيَحْلِفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ إخْرَاجُ الْبَرَاءَةِ) أَيْ الْعَلَامَةِ بِالدَّفْعِ لِعَاشِرٍ آخَرَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْنَعُ إذْ الْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَوْ جَاءَ الْبَرَاءَةَ بِلَا حَلِفٍ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيُصَدَّقْ عِنْدَهُمَا عَلَى قِيَاسِ الشَّهَادَةِ بِالْخَطِّ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ خَارِجَ مِصْرٍ) أَيْ إذَا ادَّعَى الْأَدَاءَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَيَضْمَنُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَلَا) يُقْبَلُ (فِي السَّوَائِمِ، وَلَوْ فِي الْمِصْرِ) هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ وَإِنْ فُهِمَتَا عَمَّا سَبَقَ فَهَاهُنَا صَرَّحَ بِهِمَا. (وَمَا قَبِلَ مِنْ الْمُسْلِمِ قَبِلَ مِنْ الذِّمِّيِّ) هَذَا لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ قَالَ أَدَّيْتهَا إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ لَا يُصَدَّقُ كَمَا يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ وَمَصْرِفُهَا مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الصَّرْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ زَادَ إلَّا فِي ادِّعَاءِ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ إلَى الْفَقِيرِ لَكَانَ أَوْلَى (لَا) يُقْبَلُ (مِنْ الْحَرْبِيِّ) أَيْ جَمِيعُ ذَلِكَ (إلَّا قَوْلَهُ لِأَمَتِهِ هِيَ أُمُّ وَلَدِي) فَيُقْبَلُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا لَا يُنَافِي الِاسْتِيلَادَ وَإِقْرَارُهُ بِنَسَبِ مَنْ فِي يَدِهِ صَحِيحٌ إذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَأُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ تَبَعٌ لِلنَّسَبِ وَلَوْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُعَشَّرُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْعِتْقِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. (وَإِنْ مَرَّ الْحَرْبِيُّ ثَانِيًا قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ) بَعْدَ التَّعْشِيرِ (فَإِنْ مَرَّ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى دَارِهِ عُشِّرَ ثَانِيًا) ، وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِ الدَّارَيْنِ كَمَا فِي جَزِيرَةِ أَنْدَلُسَ

стр. 210

لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَمَانِ وَقَدْ اسْتَفَادَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. (وَإِلَّا فَلَا) يُعَشَّرُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِيصَالِ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ قَالَ ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ وَمَا قِيلَ إذَا قَالَ أَدَّيْت إلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ عَاشِرٌ آخَرُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ فِيهِ، وَإِلَّا يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِيصَالِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ مَرْدُودٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي التُّحْفَةِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ أُجْرَةُ الْحِمَايَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ مِنْ هَذَا الْعَاشِرِ الْآخَرِ كَمَا وُجِدَتْ مِنْ الْعَاشِرِ الْأَوَّلِ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ أَحَدِهِمَا بِأَخْذِ الْآخَرِ حَقَّهُ وَالِاسْتِيصَالُ لَا يَلْزَمُ بِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ بِالتَّعْشِيرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا الرُّجُوعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ انْتَهَى. لَكِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ جَارٍ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ أُجْرَةُ الْحِمَايَةِ أَيْضًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ تَدَبَّرْ. (وَتُعَشَّرُ قِيمَةُ الْخَمْرِ) ، وَلَوْ قَالَ قِيمَةَ خَمْرِ كَافِرٍ لِلتِّجَارَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا مَرَّ بِالْخَمْرِ اتِّفَاقًا وَكَذَا لَا يَأْخُذُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ كَالْخَمْرِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (لَا قِيمَةَ الْخِنْزِيرِ) أَيْ لَوْ مَرَّ بِهِمَا عَلَى الْعَاشِرِ عَشَّرَ الْخَمْرَ أَيْ مِنْ قِيمَتِهَا دُونَ الْخِنْزِيرِ، وَكَذَا إنْ مَرَّ بِهَا لَا إنْ مَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ عِنْدَهُمْ فَأَخْذُ قِيمَتِهِ كَأَخْذِ عَيْنِهِ، وَالْخَمْرُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَأَخْذُ قِيمَتِهَا لَا يَكُونُ كَأَخْذِهَا وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي الْعِنَايَةِ يُعْرَفُ بِقَوْلِ الْفَاسِقَيْنِ تَابَا أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَسْلَمَا انْتَهَى. لَكِنْ إنَّ الْقِيَمَ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَوُجُودُ فَاسِقَيْنِ تَابَا أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَسْلَمَا حِينَ صُدُورِ الدَّعْوَى نَادِرٌ تَدَبَّرْ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ مَرَّ بِهِمَا مَعًا يُعَشِّرُهُمَا) كَأَنَّهُ جَعَلَ الْخِنْزِيرَ تَابِعًا وَعَشَّرَ الْخَمْرَ دُونَ الْخِنْزِيرِ إنْ مَرَّ بِهِمَا عَلَى الِانْفِرَادِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُعَشِّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَقَالَ زُفَرُ يُعَشِّرُهُمَا مُطْلَقًا. (وَلَا يُعَشَّرُ مَالٌ تُرِكَ فِي الْمِصْرِ) لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَهُ بُرُوزُهُ بِالْمَالِ عَلَيْهِ فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ (وَلَا) يُعَشَّرُ مَالٌ (بِضَاعَةً) وَهِيَ مَالٌ يَكُونُ رِبْحُهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ (وَلَا) يُعَشَّرُ مَالٌ (مُضَارَبَةً) . وَفِي الْإِيضَاحِ هَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ قَالَ فِي التُّحْفَةِ وَلَوْ قَالَ الْحَرْبِيُّ: هَذَا الْمَالُ بِضَاعَةٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. (وَلَا) يُعَشَّرُ (كَسْبُ مَأْذُونٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمَا وَلَا نِيَابَةَ مِنْ الْمَالِكِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمُضَارَبَةِ رِبْحٌ عُشِّرَتْ حِصَّةُ الْمُضَارِبِ إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا (إلَّا إنْ كَانَ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْذُونِ (وَمَعَهُ مَوْلَاهُ) فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَلَا يَأْخُذُهُ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ عَلَى أَصْلِ الْإِمَامِ وَلِلشُّغْلِ عَلَى أَصْلِهِمَا وَكَذَا لَا يَأْخُذُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَوْلَاهُ. (وَمَنْ مَرَّ بِالْخَوَارِجِ فَعَشَّرُوهُ عُشِّرَ ثَانِيًا) إذَا مَرَّ عَلَى

стр. 211

عَاشِرِ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ مَرَّ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَهَرُوا عَلَى مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ ثَمَّةَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ وَلَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ مَالِ صَبِيٍّ حَرْبِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَالِ صِبْيَانِنَا شَيْئًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. [بَابُ الرِّكَازِ] ِ بِكَسْرِ الرَّاءِ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رُكِزَ فِي الْأَرْضِ وَأَرْكَزَ الرَّجُلُ وَجَدَ الرِّكَازَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ. وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ الْمَعْدِنُ وَالْكَنْزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ وَشَيْءٌ رَاكِزٌ ثَابِتٌ. وَفِي الْفَتْحِ وَيُطْلَقُ الرِّكَازُ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةً مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ، وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مَجَازًا فِيهِ أَوْ مُتَوَاطِئًا إذْ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْدِنِ كَانَ التَّوَاطُؤُ مُتَعَيِّنًا وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْبِدَايَةِ أَنَّ مِنْ الرِّكَازِ حَقِيقَةً فِي الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ فِيهَا مُرَكَّبًا. وَفِي الْكَنْزِ مَجَازٌ بِالْمُجَاوَرَةِ وَقَالَ سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمَعْدِنَ اسْمٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ الْأَرْضُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالرِّوَايَةِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ «فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قِيلَ وَمَا الرِّكَازُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ الْأَرْضُ» كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْدِنِهِمَا فَقَطْ لَا عَلَى غَيْرِهِمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ. تَدَبَّرْ وَعِنْدَنَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الرِّكَازِ لَيْسَ بِزَكَاةٍ بَلْ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْغَنِيمَةِ فَمَوْضِعُهُ الْمُنَاسِبُ كِتَابُ السِّيَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ زَكَاتُهُ زَكَاةً مَقْصُودَةً بِالنَّفْيِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْرَدَهُ هَاهُنَا بِهَذِهِ الْعَلَاقَةِ (مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ) بِكَسْرِ الدَّالِ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ) أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ وَيُذَابُ كَالصُّفْرِ وَقَيَّدْنَا بِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَائِعَاتِ كَالْقَارِ وَنَحْوِهِ وَعَنْ الْجَامِدِ الَّذِي لَا يَنْطَبِعُ كَالْجِصِّ (فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ) احْتِرَازٌ عَمَّا وَجَدَ الْمَعْدِنَ فِي الدَّارِ (أُخِذَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَوْجُودِ أَوْ مِنْ الْوَاجِدِ (خُمُسَهُ وَالْبَاقِي لَهُ) أَيْ لِلْوَاجِدِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَا حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمَالِ كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَجَمِيعُ مَنْ ذَكَرْنَا لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُسْتَأْمَنَ إذَا عَمِلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ عَمِلَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ مَا شَرَطَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ وَإِذَا عَمِلَ الرَّجُلَانِ فِي طَلَبِ الرِّكَازِ وَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا يَكُونُ لِلْوَاجِدِ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ وَأَلْحَقَ لِلْعَمَلِ فِي الْمَعْدِنِ فَالْمُصَابُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُ (إنْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً (وَأَلْحَقَ) أَيْ الْبَاقِي بَعْدَ الْخُمُسِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

стр. 212

(وَمَا) أَيْ الْمَعْدِنَ الَّذِي (وَجَدَهُ الْحَرْبِيُّ) فِي دَارِنَا (فَكُلُّهُ فَيْءٌ) كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ الْمَعْدِنَ وَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ لَكَانَ مُنَاسِبًا (فِي دَارِهِ) وَمَا فِي حُكْمِهَا كَالْمَنْزِلِ وَالْحَانُوتِ (لَا يُخَمَّسُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» كَالْكَنْزِ. (وَفِي أَرْضِهِ) الْمَمْلُوكَةِ قَيَّدْنَا بِهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ تَجِبُ اتِّفَاقًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ فِي غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَفِيهِمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ (رِوَايَتَانِ) فَفِي الْأَصْلِ لَا شَيْءَ فِيهِ. وَفِي الْجَامِعِ خُمُسٌ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُمْلَكْ خَالِيَةً عَنْ الْمُؤَنِ بَلْ فِيهَا الْخَرَاجُ وَالْعُشْرُ وَالْخُمُسُ مِنْ الْمُؤَنِ بِخِلَافِ الدَّارِ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ خَالِيَةً عَنْهَا. (وَإِنْ وَجَدَ كَنْزًا فِيهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ) مِثْلُ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ اسْمِ الْمَلِكِ الْإِسْلَامِيِّ (فَهُوَ كَاللُّقَطَةِ) وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَا فِيهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ) مِثْلُ الصَّنَمِ أَوْ أَسَامِي مُلُوكِهِمْ الْمَعْرُوفِينَ (خُمِّسَ) يُقَالُ خَمَسَ الْقَوْمَ إذَا أَخَذَ خُمُسَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَالْخُمُسُ بِضَمَّتَيْنِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْمِيمُ وَهَاهُنَا بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فَجَازَ بِنَاءُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ (وَبَاقِيهِ لَهُ) أَيْ لِلْوَاجِدِ سِوَى الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ (إنْ كَانَتْ أَرْضُهُ) أَيْ الْأَرْضُ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْكَنْزَ (غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ) كَالْجَبَلِ وَالْمَفَازَةِ وَغَيْرِهِمَا. (وَإِنْ) كَانَتْ (مَمْلُوكَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ الْخُمُسُ فَيْءٌ وَبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهُوَ مِنْ الْوَاجِدِ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ فِي مُخْتَصَرِ الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ، تَتَبَّعْ (وَعِنْدَهُمَا بَاقِيهِ لِمَنْ مَلَكَهَا أَوَّلَ الْفَتْحِ) أَيْ حِينَ فَتَحَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ تِلْكَ الْبَلْدَةَ (إنْ عَلِمَ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلِوَرَثَتِهِ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ عَرَفُوا؛ لِأَنَّ الْمُخْتَطَّ لَهُ مِلْكُ الْأَرْضِ بِالْحِيَازَةِ فَيَمْلِكُ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا وَالْمُشْتَرِي مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ فَيَمْلِكُ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ فَبَقِيَ الْكَنْزُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْخُطَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ (فَلِأَقْصَى مَالِكٍ عُرِفَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَهَذَا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ كَنْزٌ فَلَوْ قَالَ صَاحِبُهُ: أَنَا وَضَعْتُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. (وَمَا اشْتَبَهَ ضَرْبُهُ) عَلَيْهِمْ بِأَنْ خَلَا عَنْ الْعَلَامَةِ (يُجْعَلُ كَافِرِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَقِيلَ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا) لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ. (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي صَحْرَائِهَا رِكَازًا) أَيْ مَعْدِنَ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ كَالْمَفَازَةِ فَإِنَّ الرِّكَازَ اسْمٌ لِلْمَعْدِنِ حَقِيقَةً وَلِلْكَنْزِ مَجَازًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَنْزُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ تَدَبَّرْ (فَكُلُّهُ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ فَلَا يَكُونُ غَدْرًا، وَفِيهِ إشْعَارٌ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مُتَلَصِّصٌ دَارَهُمْ وَوَجَدَ فِي صَحْرَائِهِمْ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجَاهِرٍ وَلَمْ يَأْخُذْهُ

стр. 213

قَهْرًا وَغَلَبَةً. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ وَجَدَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ الرِّكَازَ (فِي دَارٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهَا) أَيْ الدَّارِ وَكَذَا فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَذَرًا عَنْ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا كَانَ مِلْكًا لَهُ مِلْكًا خَبِيثًا كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَهَذَا قَوْلُ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُخَمَّسُ وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْوَاجِدَ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مُلْتَصِصٌ فَهُوَ لَهُ. (وَإِنْ وُجِدَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَلَا يَرْجِعُ ضَمِيرُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ مِنْ الْمَذْكُورِ (رِكَازُ مَتَاعِهِمْ) أَيْ دَخَلَ رَجُلٌ ذُو مَنَعَةٍ دَارَ الْحَرْبِ وَوَجَدَ رِكَازَ مَتَاعِهِمْ أَيْ مَا يُتَمَتَّعُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ قِيلَ الْأَوَانِي وَقِيلَ الثِّيَابُ (فِي أَرْضٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ) قَيَّدَهُ لِيُفِيدَ الْحُكْمَ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ غَنِيمَةً (خُمِّسَ وَبَاقِيهِ لَهُ) وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ انْدَفَعَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ عَلَى الْوِقَايَةِ وَصَاحِبُ الْفَوَائِدِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَكَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ فُهِمَتْ مِمَّا سَبَقَ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهَا تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْبَاقَانِيِّ إرْجَاعُ ضَمِيرٍ مِنْهَا عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ وَعُشْرِيَّةٍ فِي أَرْضِنَا فَبَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَبْقَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَتَبَّعْ. فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ. (وَلَا خُمُسَ فِي نَحْوِ فَيْرُوزَجَ) وَهُوَ مُعَرَّبُ بيروزه (وَزَبَرْجَدَ) وَكَذَا فِي الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَغَيْرِهِمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» (وُجِدَ فِي الْجَبَلِ) قَيَّدَهُ بِالْجَبَلِ؛ لِأَنَّهُ يُخَمَّسُ مَا وُجِدَ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ. (وَيُخَمَّسُ زِئْبِقٌ) عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ أَخَّرَ الزِّئْبَقَ بِكَسْرِ الْبَاءِ بَعْدَ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ مُعَرَّبُ زيوه بِالْفَارِسِيِّ وَ (لَا) يُخَمَّسُ (لُؤْلُؤٌ) هُوَ جَوْهَرٌ مُضِيءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَطَرِ الرَّبِيعِ الْوَاقِعِ فِي الصَّدَفِ قِيلَ إنَّهُ حَيَوَانٌ مِنْ جِنْسِ السَّمَكِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى اللُّؤْلُؤَ فِيهِ (وَعَنْبَرٌ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي الْبَرِّ وَقِيلَ صَمْغُ شَجَرٍ وَقِيلَ زَبَدُ الْبَحْرِ وَقِيلَ خِثْيُ الْبَقَرِ الْبَحْرِيِّ وَقِيلَ رَوْثُ غَيْرِهِ وَقِيلَ دَابَّةٌ قَالَ ابْنُ سَيْنَاءَ الْكُلُّ بَعِيدٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ وَيَطْفُو وَيُرْمَى بِالسَّاحِلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَكَذَا لَا شَيْءَ فِيمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْبَحْرِ، وَلَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً؛ لِأَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ فَلَا يَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَنِيمَةً فَلَا يَكُونُ فِيهِ الْخُمُسُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْعَكْسِ) أَيْ لَا يُخَمَّسُ زِئْبِقٌ وَيُخَمَّسُ لُؤْلُؤٌ وَعَنْبَرٌ عِنْدَهُ فِي الْأَصَحِّ. [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ] وَجْهُ تَأْخِيرِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَالْعُشْرُ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعِبَادَةُ الْمَحْضَةُ مُقَدَّمَةٌ وَسُمِّيَ بِالزَّكَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ لَيْسَ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ بَلْ الْعُشْرُ إلَّا أَنَّ الْمَأْخُوذَ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الزَّكَاةِ فَسُمِّيَ بِهَا وَبِهَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا قِيلَ تَسْمِيَتُهُ زَكَاةً عَلَى قَوْلِهِمَا لِاشْتِرَاطِهِمَا النِّصَابَ وَالْبَقَاءَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ. تَدَبَّرْ (فِيمَا

стр. 214

سَقَتْهُ السَّمَاءُ) أَيْ الْمَطَرُ (أَوْ سُقِيَ سَيْحًا) السَّيْحُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمَاءُ الْجَارِي كَالْأَنْهَارِ وَالْأَوْدِيَةِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ فَإِنْ سَقَاهُ فِي النِّصْفِ أَوْ الْأَقَلِّ فَفِي الْخَارِجِ نِصْفُ الْعُشْرِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (أَوْ) مَا (أُخِذَ مِنْ ثَمَرِ جَبَلٍ الْعُشْرُ) مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ الْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ، إنْ حَمَاهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْصُودٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْمِهِ الْإِمَامُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ كَالصَّيْدِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِلَا شَرْطِ نِصَابٍ وَ) لَا شَرْطِ (بَقَاءٍ) حَتَّى تَجِبَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا إنَّمَا يَجِبُ) الْعُشْرُ (فِيمَا يَبْقَى سَنَةً) بِلَا مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ فَلَا شَيْءَ فِي مِثْلِ الْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوَسَّقُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعُنَّابِ وَالتِّينِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ (إلَّا إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) فَصَارَ الْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . وَفِي الثَّانِي «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَلَهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَالْحَدِيثُ «فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَتَأْوِيلُ مَرْوِيِّهِمَا أَنَّ الْمَنْفِيَّ زَكَاةُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الْوَسْقِ كَانَتْ يَوْمِئِذٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ عُشْرٌ وَحَدِيثُ الْخَضْرَاوَاتِ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ (وَالْوَسْقُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا حِمْلُ الْبَعِيرِ (سِتُّونَ صَاعًا) بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا مَنٍّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الْوَسْقُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. (وَ) إنْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى (مَا لَا يُوَسَّقُ) كَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ (فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ مَا لَا يُوَسَّقُ (خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يُوَسَّقُ) مِنْ نَحْوِ الدَّخَنِ (يَجِبُ) الْعُشْرُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ اُعْتُبِرَ بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَاعْتُبِرَ أَدْنَاهُ لِنَفْعِ الْفَقِيرِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ) الْعُشْرُ فِيمَا لَا يُوَسَّقُ (إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَمْثَالِ مَنٍّ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ فِيمَا يُوَسَّقُ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالصَّاعِ ثُمَّ بِالْكَيْلِ ثُمَّ بِالْوَسْقِ فَكَانَ الْوَسْقُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ مِنْ مِعْيَارِهِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ (فَاعْتُبِرَ فِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ وَفِي الزَّعْفَرَانِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْقُطْنِ الْحِمْلُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ

стр. 215

ثُمَّ بِالْحِمْلِ وَفِي الزَّعْفَرَانِ الْمَنُّ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالسَّنَجَاتِ ثُمَّ بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ، وَالْحِمْلُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ وَالْمَنُّ رَطْلَانِ وَالرَّطْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ عِشْرُونَ إسْتَارًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ كُلُّ نَوْعِ مِنْ الْحُبُوبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا يُضَمُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُضَمُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ يَجِبُ الْعُشْرُ فَيُؤَدِّي مِنْ كُلِّ نَوْعٍ حِصَّتَهُ وَعَنْهُ إنَّ مَا أَدْرَكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ يُضَمُّ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ. (وَلَا شَيْءَ فِي حَطَبٍ وَقَصَبٍ فَارِسِيٍّ وَحَشِيشٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْصَدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالُ الْأَرْضِ غَالِبًا فَلَوْ اتَّخَذَهَا مَشْجَرَةً أَوْ مَقْصَبَةً أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَقَيَّدَ بِالْفَارِسِيِّ؛ لِأَنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ وَقَصَبَ الذَّرِيرَةِ فِيهِمَا الْعُشْرُ وَسُمِّيَ بِالذَّرِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُجْعَلُ ذَرَّةً ذَرَّةً وَتُلْقَى فِي الدَّوَاءِ، وَأَجْوَدُهُ يَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَدْوِيَةِ لِحَرْقِ النَّارِ مَعَ دُهْنِ وَرْدٍ وَخَلٍّ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ مَعَ الْعَسَلِ وَمِنْ الِاسْتِسْقَاءِ ضِمَادًا. (وَ) لَا شَيْءَ فِي (تِبْنٍ وَسَعَفٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وَرَقُ نَخْلٍ وَكَذَا كُلُّ حَبٍّ لَا يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ كَبَذْرِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَكَذَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرِ كَالصَّمْغِ وَالْقَطْرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِغْلَالُ وَيَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ وَالْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ وَبَذْرِهِ وَلَا شَيْءَ فِي الْأُشْنَانِ وَالْخِطْمِيِّ وَبَذْرِهِ. (وَ) يَجِبُ (فِيمَا سَقَى) الْخَارِجُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ أَوْ نِصْفَهُ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْخُمُسَ فِي الْغَنَائِمِ وَالْمُؤْنَةُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزِّرَاعَةِ وَلَكِنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ. وَفِي الْعِنَايَةِ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْقِيُّ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً وَيَكُونُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (بِغَرْبٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ يُدِيرُهُ الْبَقَرُ (أَوْ دَالِيَةٍ) دُولَابٌ يُدِيرُهُ الْبَقَرُ. وَفِي الْمُغْرِبِ مَا يُدِيرُهُ الْبَقَرُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأُرْزِ وَفِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ (أَوْ سَانِيَةٍ) هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا (نِصْفُ الْعُشْرِ قَبْلَ رَفْعِ مُؤَنِ الزَّرْعِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ الثِّقَلُ وَالْمَعْنَى بِلَا إخْرَاجِ مَا صُرِفَ لَهُ مِنْ نَفَقَةِ الْعُمَّالِ وَالْبَقَرِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الزَّرْعِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» ؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤَنِ فَلَا مَعْنَى لِرَفْعِهَا هَذَا قَيْدٌ لِمَجْمُوعِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ جَعَلَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ جَعَلَ الْخَرَاجَ لَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ. (وَ) يَجِبُ فِي الْعَسَلِ الْعَشْرُ (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَمَالِكٍ قَاسَاهُ عَلَى الْإِبْرَيْسَمِ
следующие страницы →