← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أَيْ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُ رَمْيٌ (ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الثَّانِي (ثُمَّ إنْ شَاءَ نَفَرَ) أَيْ رَجَعَ مِنْ مِنًى (إلَى مَكَّةَ وَلَهُ) أَيْ لِلْحَاجِّ (ذَلِكَ) أَيْ النَّفْرُ (قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ (لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَيْسَ لَهُ النَّفْرُ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ (حَتَّى يَرْمِيَ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ (وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ) بِمِنًى (فَرَمَى كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (وَهُوَ أَحَبُّ) أَيْ الْمُكْثُ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ مَكَثَ فِيهِ حَتَّى رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ. (وَإِنْ رَمَى فِيهِ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ (قَبْلَ الزَّوَالِ جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْأَيَّامِ (وَجَازَ) لِلرَّامِي (الرَّمْيُ رَاكِبًا وَرَاجِلًا) لِحُصُولِ فِعْلِ الرَّمْيِ (وَغَيْرَ رَاكِبٍ أَفْضَلُ فِي غَيْرِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) ، فَإِنَّ رَمْيَهَا رَاكِبًا أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ وَغَالِبُ النَّاسِ رَاكِبٌ فَلَا إيذَاءَ فِي رُكُوبِهِ مَعَ تَحْصِيلِهِ فَضِيلَةَ الِاتِّبَاعِ لَهُ ﵇ (وَيَبِيتُ لَيَالِي الرَّمْيَ بِمِنًى) فَيُكْرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى وَلَوْ بَاتَ فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَاجِبٌ (وَكُرِهَ تَقْدِيمُ ثَقَلَهُ) الثَّقَلُ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَتَاعُ الْمَحْمُولُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْجَمْعُ أَثْقَالٌ (إلَى مَكَّةَ قَبْلَ نَفْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ وَهُوَ فِي الْعِبَادَةِ فَيُكْرَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ أَمْتِعَتِهِ بِمَكَّةَ وَالذَّهَابُ إلَى عَرَفَاتٍ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا بِمَكَّةَ أَمَّا إنْ أَمِنَ فَلَا لِعَدَمِ شَغْلِ الْقَلْبِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. (فَإِذَا نَفَرَ إلَى مَكَّةَ نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَعَ تَشْدِيدِ الصَّادِ اسْمُ مَوْضِعِ وَادٍ وَاسِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَيُسَمَّى الْأَبْطُحَ (وَلَوْ سَاعَةً) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَزَلَ بِهِ سَاعَةً يَسِيرَةً وَدَعَا فِيهِ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ، وَالنُّزُولُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ (فَإِذَا أَرَادَ الظَّعْنَ) أَيْ السَّفَرَ وَالرَّحِيلَ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ مَكَّةَ (طَافَ لِلصَّدَرِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ وَطَوَافَ آخِرِ الْعَهْدِ وَطَوَافَ الْوَاجِبِ (سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ بِلَا رَمَلٍ وَلَا سَعْيٍ) ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ تَشَاغَلَ بِمَكَّةَ بَعْدَ طَوَافِ الصَّدَرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافٌ آخَرُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ وَعَنْ الْإِمَامِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ كَيْ لَا يَكُونَ بَيْنَ طَوَافِهِ وَنَفْرِهِ حَائِلٌ وَمَنْ نَفَرَ وَلَمْ يَطُفْ لِلصَّدَرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَطُوفُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ جَدِيدٍ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمِيقَاتَ فَإِنْ جَاوَزَهَا لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ فَإِنْ رَجَعَ رَجَعَ بِعُمْرَةٍ وَيَبْتَدِئُ بِطَوَافِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ طَافَ لِلصَّدَرِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ وَقَالُوا: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ وَيُرِيقَ دَمًا إنْ اقْتَدَرَ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ

стр. 282

لِلْفُقَرَاءِ وَأَيْسَرُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الْتِزَامِ الْإِحْرَامِ وَمَشَقَّةِ الطَّرِيقِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَهُوَ) أَيْ طَوَافُ الصَّدَرِ (وَاجِبٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ» وَلَكِنْ لَا تُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ حَتَّى لَوْ طَافَ بَعْدَمَا حَلَّ النَّفْرُ وَنَوَى التَّطَوُّعَ أَجْزَأَهُ عَنْ الصَّدَرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ (إلَّا عَلَى الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ) هَذِهِ مُسْتَدْرَكَةٌ؛ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَهُ اتِّبَاعًا لِأَكْثَرِ الْمُتُونِ تَتَبَّعْ. (ثُمَّ يَسْتَقِي) بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ (مِنْ) بِئْرِ (زَمْزَمَ وَيَشْرَبُ) مِنْ مَائِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ وَيَتَنَفَّسُ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَرْفَعُ بَصَرَهُ كُلَّ مَرَّةٍ وَيَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَيَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَجَسَدَهُ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ إنْ تَيَسَّرَ وَيَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَقَدْ شَرِبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِمَطَالِبَ جَلِيلَةٍ فَنَالُوهَا بِبَرَكَتِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (ثُمَّ يَأْتِي الْبَابَ) أَيْ بَابَ الْكَعْبَةِ (وَيُقَبِّلُ الْعَتَبَةَ) تَعْظِيمًا لِلْكَعْبَةِ (وَيَضَعُ صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ وَخَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْمُلْتَزَمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ مَا (بَيْنَ الْبَابِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) مَسَافَةُ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ (وَيَتَشَبَّثُ) أَيْ يَتَعَلَّقُ (بِالْأَسْتَارِ) أَيْ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ (سَاعَةً) كَالْمُتَعَلِّقِ بِطَرَفِ ثَوْبٍ لِمَوْلًى جَلِيلٍ لِلِاسْتِعَانَةِ فِي أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ سَبِيلٌ (وَيَدْعُو) حَالَ كَوْنِهِ (مُجْتَهِدًا) فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الْإِجَابَةِ (وَيَبْكِي) أَوْ يَتَبَاكَى مُتَحَسِّرًا عَلَى فِرَاقِ الْبَيْتِ قَائِلًا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ (وَيَرْجِعُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (الْقَهْقَرَى) رُجُوعًا إلَى خَلْفٍ نَاظِرًا إلَى الْبَيْتِ (حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) هَذَا بَيَانٌ لِلْمُسْتَحَبِّ وَقَدْ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْتِزَامِ الْمُلْتَزَمِ وَتَقْبِيلِ الْعَتَبَةِ

стр. 283

لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: هَذَا بَيْتُكَ الَّذِي جَعَلْتَهُ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، اللَّهُمَّ كَمَا هَدَيْتَنَا كَذَلِكَ فَتَقَبَّلْهُ مِنَّا وَلَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ بَيْتِكَ الْحَرَامِ وَارْزُقْنِي الْعَوْدَ إلَيْهِ حَتَّى تَرْضَى بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَهُنَا قَدْ تَمَّ أَفْعَالُ الْحَجِّ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي التَّقْرِيرِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا الْحَجَّ الشَّرِيفَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَفَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. [فَصْلٌ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْوُقُوفِ وَأَحْوَالِ النِّسَاءِ وَأَحْوَالِ الْبُدُنِ وَتَقْلِيدِهَا] (إنْ لَمْ يَدْخُلْ الْمُحْرِمُ مَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ الْحِلِّ (وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَةَ وَوَقَفَ بِهَا) عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوُقُوفِ (سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ) حَقِيقَةُ السُّقُوطِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي اللَّازِمِ لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عَنْ عَدَمِ سُنِّيَّةِ الْإِتْيَانِ بِهِ بَعْدَمَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا شُرِعَ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الْأَفْعَالِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ الْجَابِرُ. (وَمَنْ وَقَفَ أَوْ اجْتَازَ) أَيْ سَلَكَ وَمَرَّ (بِعَرَفَةَ سَاعَةً) أَيْ زَمَانًا يَسِيرًا لَا السَّاعَةَ النُّجُومِيَّةَ (مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِأَوَّلِ وَقْتِهِ وَقَوْلُهُ بَيَانًا لِآخِرِهِ. (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ، كَانَ الْوَاقِفُ (نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ) ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الرُّكْنُ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوُقُوفُ وَالْمَشْيُ وَإِنْ أَسْرَعَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ وُقُوفِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكُلِّ رُكْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرُّكْنُ مِمَّا يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً مَعَ عَدَمِ إحْرَامِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَصْلِ النِّيَّةِ وَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ هَارِبًا أَوْ طَالِبًا لِهَارِبٍ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي يَجِبُ الطَّوَافُ بِهِ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِهَذَا يَتَنَفَّلُ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أَصْلِ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى تَعْيِينِهِ حَتَّى إنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ وَنَوَى بِهِ النَّذْرَ يُجْزِيهِ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْوُقُوفُ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ فَوُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ يُغْنِي عَنْ اشْتِرَاطِهِ فِي الْوُقُوفِ مَعَ أَنَّ الْوُقُوفَ أَعْظَمُ الرُّكْنَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْأَمْنِ مِنْ الْبُطْلَانِ عِنْدَ فِعْلِهِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى) لِلْعُمْرَةِ (وَيَتَحَلَّلُ) أَيْ يَخْرُجُ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِبَقَاءِ إحْرَامِهِ بَعْدَ فَوْتِ الْحَجِّ وَهَذَا قَوْلُ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِحْرَامُهُ انْقَلَبَ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ الْفَوْتِ وَجَبَ

стр. 284

رَفْضُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ بِدْعَةٌ وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ الْحَجَّتَيْنِ مَعًا وَمَضَى فِيهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ أَضَافَ إحْرَامَ حَجَّةٍ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ (وَيَقْضِي مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) أَيْ آتٍ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّاهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمْ يُبَيِّنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ عَلَيْهِ هَدْيٌ. (وَلَوْ أَمَرَ رَفِيقَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ عِنْدَ إغْمَائِهِ فَفَعَلَ) الرَّفِيقُ (صَحَّ) الْإِحْرَامُ عَنْهُ إجْمَاعًا حَتَّى إذَا أَفَاقَ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْحَجِّ جَازَ. (وَكَذَا) يَصِحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ (إنْ فَعَلَ) رَفِيقُهُ (بِلَا أَمْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرُّفْقَةِ يَقْتَضِي اسْتِعَانَتَهُ بِالرُّفَقَاءِ فِيمَا عَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِفِعْلِ الْحَاجِّ أَوْ بِفِعْلِ مَنْ أُمِرَ بِهِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِرَفِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ غَيْرُهُ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا كَمَا قَالَا، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّفِيقَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ فِي سَائِرِ الْمَنَاسِكِ إلَّا أَنْ يُطِيفَ بِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُطِيفَ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى أَدَائِهِ لَوْ كَانَ مُفِيقًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ لَا يَصِحُّ بِالْإِذْنِ وَعَدَمِهِ. (وَالْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَجِّ (كَالرَّجُلِ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ (إلَّا أَنَّهَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا) كَالرَّجُلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي كَشْفِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُهُ لِمَا أَنَّهُ مَحَلُّ الْفِتْنَةِ كَمَا قِيلَ: إنَّهُ ﵊ لَمْ يُشْرَعْ لِلْمَرْأَةِ كَشْفُ الْوَجْهِ فِي الْإِحْرَامِ خُصُوصًا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَلَا يُتَوَهَّمُ عَنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُهَا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَ يَكْشِفُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ (لَا رَأْسَهَا) ؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا عَوْرَةٌ. (وَلَوْ سَدَلَتْ) أَيْ أَرْسَلَتْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَسْدَلَتْ وَهُوَ لُغَةٌ فَلَيْسَ بِخَطَأٍ كَمَا قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ (عَلَى وَجْهِهَا شَيْئًا وَجَافَتْهُ) أَيْ بَاعَدَتْ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَنْ وَجْهِهَا (جَازَ) ذَلِكَ السَّدْلُ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْأَوْلَى كَشْفُ وَجْهِهَا لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ السَّدْلَ أَوْجَبُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكْشِفُ وَجْهَهَا لِلْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَلَا تَجْهَرُ بِالتَّلْبِيَةِ) لِمَا أَنَّ صَوْتَهَا يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ عَوْرَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ قَالَ: وَلَا تَرْفَعُ الصَّوْتَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ فِي حَقِّهِنَّ رَفْعُ الصَّوْتِ لَا الْجَهْرُ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ (وَلَا تَرْمُلُ) فِي الطَّوَافِ (وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ) وَلَا تَصْعَدُ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا أَنْ تَجِدَ خَلْوَةً كَمَا فِي النُّتَفِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَضْطَبِعُ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الرَّمَلِ (وَلَا تَحْلِقُ) ؛ لِأَنَّ حَلْقَ رَأْسِهَا كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ فِي الرَّجُلِ (بَلْ تُقَصِّرُ) وَهِيَ كَالرَّجُلِ فِيهِ (وَتَلْبَسُ الْمَخِيطَ) تَحَرُّزًا عَنْ الْكَشْفِ وَلَا تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ إلَّا إذَا كَانَ غَسِيلًا (وَلَا تَقْرَبُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إذَا كَانَ

стр. 285

عِنْدَهُ رِجَالٌ) تَحَرُّزًا عَنْ مُمَاسَّةِ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الْمَانِعِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو بِامْرَأَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا وَلَا يُرَجَّلُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ. (وَلَوْ حَاضَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ) وَهَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُقَيَّدًا لِلنَّظَافَةِ (وَأَتَتْ بِجَمِيعِ الْمَنَاسِكِ إلَّا الطَّوَافَ) قَالَ ﵊ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَيْضِ كَمَا تُعْتَبَرُ فِيهَا إلَّا أَنَّ اعْتِبَارَهَا فِيهَا فَرْضٌ وَفِيهِ وَاجِبٌ فَلَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِدُونِهَا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَلَوْ حَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ تَنْفِرْ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ. (وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ) الْوُقُوفِ وَ (طَوَافِ الزِّيَارَةِ سَقَطَ عَنْهَا طَوَافُ الصَّدَرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِتَرْكِهِ) أَيْ تَرْكِ طَوَافِ الصَّدَرِ وَلَمْ يَأْمُرْهُنَّ بِإِقَامَةِ شَيْءٍ مَقَامَهُ كَمَا يَسْقُطُ عَمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَنْ يَصْدُرُ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ أَقَامَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ النَّفْرُ الْأَوَّلُ سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ الصَّدَرِ بِالِاتِّفَاقِ. (وَلَوْ) كَانَ الْإِقَامَةُ (بَعْدَ النَّفْرِ) الْأَوَّلِ بِسُكُونِ الْفَاءِ الرُّجُوعُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الصَّدَرِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الصَّادِرِ وَهُوَ مُسْتَوْطِنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بَعْدَمَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ فَلَا يَسْقُطُ. (وَ) هُوَ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِقَامَةِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَهُ فَتَأَكَّدَ أَدَاؤُهُ عَلَيْهِ. وَفِي النِّهَايَةِ يُرْوَى هَذَا عَنْ الْإِمَامِ وَيَرْوِيهِ الْبَعْضُ عَنْ مُحَمَّدٍ. (وَمَنْ قَلَّدَ بَدَنَةَ تَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ) بِأَنْ قَتَلَ صَيْدًا وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَاشْتَرَى بِهَا بَدَنَةً فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَقَلَّدَهَا وَسَاقَهَا إلَى مَكَّةَ (أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ أَوْ الْقِرَانِ، وَالتَّقْلِيدُ أَنْ يَرْبِطَ عَلَى عُنُقِ بَدَنَةٍ قِطْعَةَ نَعْلٍ أَوْ لَحَا شَجَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِعْلَامُ (وَتَوَجَّهَ مَعَهَا) أَيْ مَعَ الْبَدَنَةِ إلَى مَكَّةَ حَالَ كَوْنِهِ (يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَدْ أَحْرَمَ) أَيْ صَارَ مُحْرِمًا. (وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فَقَدْ أَحْرَمَ» ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ فِي إظْهَارِ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ فَإِنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ يَكُونُ بِالْفِعْلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا تَصِحُّ بِلَا نِيَّةٍ (فَإِنْ بَعَثَ بِهَا) أَيْ بِالْبَدَنَةِ (ثُمَّ تَوَجَّهَ فَلَا) أَيْ إنْ لَمْ يَسُقْ الْبَدَنَةَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ بَلْ بَعَثَهَا لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا (حَتَّى يَلْحَقَهَا) فَإِذَا لَحِقَهَا يَصِيرُ مُحْرِمًا هَذَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ السَّوْقِ فِي كَوْنِهِ مُحْرِمًا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (إلَّا فِي بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ) حَيْثُ يَصِيرُ مُحْرِمًا حِينَ تَوَجَّهَ إنْ نَوَى الْإِحْرَامَ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَهَا (فَإِنْ جَلَّلَهَا) أَيْ أَلْقَى عَلَيْهَا الْجَلَّ (أَوْ أَشْعَرَهَا) سَيَأْتِي بَيَانُهُ (أَوْ قَلَّدَ شَاةً لَا يَكُونُ مُحْرِمًا) ؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَهَا لَا يُسَنُّ وَلَا يُتَعَارَفُ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (وَالْبُدُنُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَدَنَةٍ (مِنْ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْإِبِلِ فَقَطْ وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَهُ إلَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْإِبِلِ فَمِنْ الْبَقَرِ.

стр. 286

[بَابُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُفْرَدِ بِالْحَجِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُرَكَّبِ وَهُوَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ لُغَةً مَصْدَرُ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَيْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ بَيَانُ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمِينَ أَرْبَعَةٌ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ وَهُوَ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَذْكُرَ الْحَجَّ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ وَيَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَمُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا وَيَذْكُرَ الْعُمْرَةَ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ أَوْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ وَقَارِنٌ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا وَيَذْكُرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِلِسَانِهِ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ أَوْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُمَا بِلِسَانِهِ وَيَنْوِيَهُمَا بِقَلْبِهِ وَمُتَمَتِّعٌ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا (الْقِرَانُ أَفْضَلُ) مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ فَحُذِفَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (مُطْلَقًا) وَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ. وَفِي النَّظْمِ: أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَشْهَبُ. وَقَالَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ هَا هُنَا إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِسَفَرٍ عَلَى حِدَةٍ أَيْ كَوْنُهُمَا مُتَقَارِنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ كَوْنِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَارِنِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَحْدَهُ فَمِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ الْحَجَّ وَزِيَادَةً (وَهُوَ) أَيْ الْقِرَانُ شَرْعًا (أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا) أَيْ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَوْ قَبْلَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْمُتُونِ أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَاشْتِرَاطُ الْإِهْلَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمِيقَاتَ جَازَ وَصَارَ قَارِنًا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ وَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِيقَاتِ أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ بَلْ الْغَرَضُ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّ الْقَارِنَ لَا يَكُونُ إلَّا آفَاقِيًّا لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمِيقَاتِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ فَتَكُونُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنَ وَلِلَّهِ دَرُّهُ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ. تَدَبَّرْ (وَيَقُولُ) الْقَارِنُ (بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيْ بَعْدَ الشَّفْعِ الَّذِي يُصَلِّي مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي) وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فِي الذِّكْرِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْإِهْلَالِ لِمُوَافَقَةِ الْقَوْلِ الْفِعْلَ تَبَرُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ابْتَدَأَ) بِالْعُمْرَةِ (فَطَافَ لِلْعُمْرَةِ) سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ لِلثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الطَّوَافِ

стр. 287

رَكْعَتَيْنِ (وَسَعَى) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُهَرْوِلُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَلَا يَتَحَلَّلُ وَلَوْ تَحَلَّلَ بِأَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ كَانَ جِنَايَةً عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْقَارِنِ مِنْ الْعُمْرَةِ إنَّمَا هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ (ثُمَّ طَافَ لِلْحَجِّ طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى) كَمَا بَيَّنَّاهُ فَتَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] جَعَلَ الْحَجَّ غَايَةً وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فَلَوْ طَافَ أَوَّلًا بِحَجَّتِهِ وَسَعَى لَهَا ثُمَّ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى لَهَا فَطَوَافُهُ الْأَوَّلُ وَسَعْيُهُ يَكُونُ لِلْعُمْرَةِ وَنِيَّتُهُ لَغْوٌ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْمَنَاسِكِ لَا يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ سُنَّةٌ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى (فَلَوْ طَافَ لَهُمَا) أَيْ لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (طَوَافَيْنِ) مُتَوَالِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا (وَسَعَى سَعْيَيْنِ) لَهُمَا (جَازَ وَأَسَاءَ) بِتَأْخِيرِ سَعْيِ الْعُمْرَةِ وَتَقْدِيمِ طَوَافِ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ) بَيَانُهُ فِي الْمُفْرِدِ (فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (ذَبَحَ دَمَ الْقِرَانِ شَاةً أَوْ بَدَنَةً أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ) وَهَذَا الدَّمُ وَجَبَ شُكْرًا لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ عِبَادَةٍ لَا جِنَايَةٍ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَالْمُتَبَادَرُ أَنْ يُقَيِّدَ الذَّبْحَ بِمَا إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَوْ طَافَ لَهَا فِي رَمَضَانَ مَثَلًا لَمْ يَذْبَحْ وَإِنْ كَانَ قَارِنًا كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَالْجَزُورُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرَةِ لَكِنْ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ حِصَّتُهُ مِنْ الْبَقَرَةِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ كَمَا فِي الْمَنْظُومَةِ الْوَهْبَانِيَّةِ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْهَدْيِ (صَامَ) الْقَارِنُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بَدَلًا لِلْهَدْيِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَصْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ آخِرُهَا إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ (وَسَبْعَةَ) أَيَّامٍ (إذَا فَرَغَ) أَيْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مَنْهِيٌّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. (وَلَوْ بِمَكَّةَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ صَامَ سَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُقَامَ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) وَجَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ (تَعَيَّنَ الدَّمُ) عَلَيْهِ بِالْوُجُوبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَةَ

стр. 288

بَعْدَهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ يَصُومُ الثَّلَاثَةَ بَعْدَهَا (وَإِنْ وَقَفَ الْقَارِنُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِهِ لِلْعُمْرَةِ) سَوَاءٌ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ لَا (فَقَدْ رَفَضَهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ بِالْوُقُوفِ وَإِنَّمَا قُلْنَا سَوَاءٌ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَطَافَ لِلْعُمْرَةِ ثَلَاثَةً أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ انْتَقَضَ الْقِرَانُ وَارْتَفَضَ الْعُمْرَةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلرَّفْضِ وَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ إلَخْ تَدَبَّرْ، وَالْمُرَادُ بِوُقُوفِهِ قَبْلَ الْعُمْرَةِ: وُقُوفُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ طَوَافًا مَا لَوْ قَصَدَ بِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَافِضًا لَهَا (فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا وَيَقْضِيهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ لِلُزُومِهَا عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ (وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ) . وَفِي الْإِصْلَاحِ لَا دَمَ لِلْقِرَانِ لَمْ يَقُلْ وَسَقَطَ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فَإِنَّ وُجُوبَهُ بِالْجَمْعِ وَلَمْ يُوجَدْ وَالسُّقُوطُ فَرْعُ الثُّبُوتِ. (وَالتَّمَتُّعُ) عُطِفَ عَلَى الْقِرَانِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ) وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَهُوَ) أَيْ التَّمَتُّعُ شَرْعًا (أَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) أَوْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَطُوفَ لَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ فِي التَّمَتُّعِ أَنْ يُوجَدَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ أَوْ أَكْثَرُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ (فَيُحْرِمَ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَوْ قَبْلَهُ وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَيَطُوفَ لَهَا) أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ إلَى سَبْعَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَيَسْعَى) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَيَتَحَلَّلَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعُمْرَةِ إنْ شَاءَ بِالْحَلْقِ أَوْ بِالتَّقْصِيرِ وَإِنْ شَاءَ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَتَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ يَوْمَ النَّحْرِ (إنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ) وَإِنْ سَاقَ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الطَّوَافِ) أَيْ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ يَقْطَعُهَا كَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ (ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَكِّيِّ (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَبْلَهُ) أَيْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ (أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْعِبَادَةِ (وَيَحُجُّ) فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيَفْعَلُ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ إلَّا أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ. وَلَوْ طَافَ وَرَمَلَ وَسَعَى بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ رَوَاحِهِ إلَى مِنًى لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ وَيَذْبَحُ بَعْدَ الرَّمْيِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ النَّحْرِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ التَّمَتُّعِ (كَالْقَارِنِ فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الذَّبْحِ (فَكَحُكْمِهِ) أَيْ صَامَ كَالْقَارِنِ (وَجَازَ صَوْمُ) الْأَيَّامِ (الثَّلَاثَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ (وَلَوْ) صَامَ (فِي شَوَّالٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ (لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةً مُتَتَابِعَةً آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ (فَإِنْ شَاءَ) الْمُتَمَتِّعُ (سَوْقَ الْهَدْيِ وَهُوَ) أَيْ سَوْقُ الْهَدْيِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْإِرْسَالِ قَبْلَهُ (أَحْرَمَ)

стр. 289

أَيْ بِالْعُمْرَةِ (وَسَاقَهُ) أَيْ ثُمَّ سَاقَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ ثُمَّ يَسُوقُ (وَهُوَ) أَيْ سَوْقُ الْهَدْيِ (أَوْلَى مِنْ قَوْدِهِ) إلَّا أَنْ لَا يَنْقَادَ فَحِينَئِذٍ يَقُودُهُ لِلتَّعَذُّرِ. (وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْهَدْيُ (بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ وَهُوَ) أَيْ التَّقْلِيدُ (أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ؛ وَلِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَالتَّجْلِيلُ لِلزِّينَةِ (وَالْإِشْعَارُ جَائِزٌ) أَيْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ (عِنْدَهُمَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ (وَهُوَ) أَيْ الْإِشْعَارُ (شَقُّ سَنَامِهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ (مِنْ الْأَيْسَرِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ) إلَى الصَّوَابِ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ (بِفِعْلِهِ ﵊) هَذَا تَفْسِيرٌ لِهَذَا الْإِشْعَارِ الْمَخْصُوصِ وَتَفْسِيرُهُ لُغَةً الْإِدْمَاءُ (أَوْ مِنْ الْأَيْمَنِ) وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ (وَيُكْرَهُ) الْإِشْعَارُ (عِنْدَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَ الْإِشْعَارِ وَإِنَّمَا كَرِهَ إشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِيهِ. وَفِي الْفَتْحِ هُوَ الْأَوْلَى وَاخْتَارَهُ فِي الْغَايَةِ (ثُمَّ يَعْتَمِرُ كَمَا تَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ (وَلَا يَتَحَلَّلُ) مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ (وَيُحْرِمُ) الْمُتَمَتِّعُ (بِالْحَجِّ كَمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْحَرَمِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَقَبْلَهُ أَفْضَلُ (فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامَيْهِ) أَيْ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِبَقَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْحَلْقِ خِلَافًا لِمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ، قَالَ شَارِحُ الْكَنْزِ وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ وَبَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ شَاتَانِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْمُرَادُ نَهْيُهُ عَنْ الْفِعْلِ لَا نَفْيُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْمَشْرُوعِيَّةَ فَإِنْ فَعَلَ الْقِرَانَ صَحَّ وَأَسَاءَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْجَبْرِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي الْبَحْرِ ظَاهِرُ الْكُتُبِ مُتُونًا وَشُرُوحًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَكَانَتْ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ الدَّفْعُ بِحَمْلِ مَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى التَّمَتُّعِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي مَعَهُ الْإِسَاءَةُ وَمَا فِي الْمُتُونِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِ التَّمَتُّعِ مِنْ الْمَكِّيِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ تَدَبَّرْ (وَمَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمَوَاقِيتِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ (فَإِنْ عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ) أَيْ بَعْدَ أَدَاءِ أَفْعَالِهَا (وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إلْمَامًا صَحِيحًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَيَّدَ بِالتَّمَتُّعِ إذْ الْقَارِنُ لَا يَبْطُلُ قِرَانُهُ بِالْعَوْدِ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا رَجَعَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إلَى بَلَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. (وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَهُ لَا) أَيْ لَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ فَيَكُونُ عَوْدُهُ وَاجِبًا فَإِذَا عَادَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (وَمَنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ

стр. 290

قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ) أَشْوَاطٍ (وَأَتَمَّ بَعْدَ دُخُولِهَا) أَيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَحَجَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ فَيَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ فِيهَا وَقَدْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ وَلَهُ حُكْمُ الْكُلِّ. (وَإِنْ كَانَ طَافَ أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ (فَلَا) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْأَكْثَرَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ. (وَلَوْ اعْتَمَرَ كُوفِيٌّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَحَلَّلَ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ) . وَلَوْ قَالَ وَسَكَنَ بِدَاخِلِ الْمِيقَاتِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَدَمُ التَّجَاوُزِ عَنْ الْمِيقَاتِ لَا الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ وَالْحَرَمِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَحَجَّ) فِي عَامِهِ ذَلِكَ (صَحَّ تَمَتُّعُهُ) لِتَرَفُّقِهِ بِنُسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. (وَكَذَا) يَصِحُّ تَمَتُّعُهُ (لَوْ أَقَامَ بِبَصْرَةَ) ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ بَاقٍ حَيْثُ لَمْ يَعُدْ إلَى وَطَنِهِ (وَقِيلَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمَا) ؛ لِأَنَّ لِنُسُكَيْهِ مِيقَاتَيْنِ قَائِلُهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَصَاحِبَا الْمُخْتَلِفِ وَالْمَنْظُومَةِ أَخْذًا بِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ وَحَقَّقْنَا الْخِلَافَ لَكِنْ أَنْكَرَ الْخِلَافَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَصَوَّبَ قَوْلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمُرَادُ بِالْكُوفِيِّ الْآفَاقِيُّ الَّذِي شُرِعَ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَكَمَا أَنَّ الْبَصْرَةَ مَكَانٌ لِأَهْلِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ سَوَاءٌ كَانَ مَكَانُهُ الْبَصْرَةَ أَوْ غَيْرَهَا. (وَلَوْ أَفْسَدَ) كُوفِيٌّ (عُمْرَتَهُ) بِالْجِمَاعِ مَثَلًا (وَأَقَامَ بِبَصْرَةَ وَقَضَاهَا) قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ (وَحَجَّ) فِي عَامِهِ ذَلِكَ (لَا يَصِحُّ تَمَتُّعُهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ السَّفَرِ الْأَوَّلِ قَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى وَطَنِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ (إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ) بَعْدَمَا مَضَى فِي الْفَاسِدِ وَبَعْدَمَا حَلَّ مِنْهُ (ثُمَّ يَأْتِي بِهِمَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْشَاءُ سَفَرٍ لِانْتِهَاءِ السَّفَرِ الْأَوَّلِ بِالْإِلْمَامِ فَاجْتَمَعَ النُّسُكَانِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ (يَصِحُّ) تَمَتُّعُهُ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَعُدْ) إلَى أَهْلِهِ. (وَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ) أَيْ إفْسَادِ عُمْرَتِهِ (بِمَكَّةَ وَقَضَى) عُمْرَتَهُ (وَحَجَّ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ لَا يَصِحُّ تَمَتُّعُهُ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ مَكِّيَّةٌ وَالسَّفَرُ الْأَوَّلُ قَدْ انْتَهَى بِالْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ وَلَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ (وَمَا أَفْسَدَهُ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ مَضَى فِيهِ) يَعْنِي الْكُوفِيَّ إذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَأَيُّ النُّسُكَيْنِ أَفْسَدَهُ مَضَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْرَامِ إلَّا بِأَفْعَالِ الْحَجِّ (وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ التَّمَتُّعِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَلَيْهِ دَمٌ (وَمَنْ تَمَتَّعَ فَضَحَّى لَا تَجْزِيهِ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِقْ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ وَلَوْ تَحَلَّلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمَانِ: دَمُ الْمُتْعَةِ وَدَمُ التَّحَلُّلِ قَبْلَ الذَّبْحِ. [بَابُ الْجِنَايَاتِ فِي الْحَجّ] لَمَّا بَيَّنَ أَحْكَامَ الْمُحْرِمِينَ شَرَعَ فِيمَا يَعْتَرِيهِمْ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِهَا قَدْ يَكُونُ دَمًا أَوْ دَمَيْنِ أَوْ تَصَدُّقًا وَدَمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ الْجِنَايَةُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ

стр. 291

شَرْعًا وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى مَا يَكُونُ فِي النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ وَأَمَّا الْفِعْلُ فِي الْمَالِ فَغَصْبٌ أَوْ سَرِقَةٌ أَوْ نَحْوُهَا (إنْ طَيَّبَ) أَيْ اسْتَعْمَلَ طِيبًا وَلَوْ سَهْوًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (الْمُحْرِمُ) الْبَالِغُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ (عُضْوًا) كَامِلًا كَالرَّأْسِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ قَدْرَهُ فِي أَعْضَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَوْ طَيَّبَ كُلَّ الْبَدَنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَفَاهُ دَمٌ وَفِي مَجَالِسَ وَجَبَ لِكُلٍّ دَمٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأُولَى (لَزِمَهُ دَمٌ) أَيْ شَاةٌ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَا؛ لِأَنَّ سُبْعَ الْبَدَنَةِ لَا يَكْفِي بِخِلَافِ دَمِ الشُّكْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَكَذَا) أَيْ لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ (لَوْ ادَّهَنَ) أَيْ اسْتَعْمَلَ الدُّهْنَ (بِزَيْتٍ) أَوْ حَلَّ لَا عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي سَوَاءٌ كَانَ مَطْبُوخًا مُطَيِّبًا أَوْ غَيْرَ مُطَيِّبٍ إذَا بَلَغَ عُضْوًا كَامِلًا (وَعِنْدَهُمَا صَدَقَةٌ) فِي غَيْرِ الْمُطَيِّبِ، وَأَمَّا فِي الْمُطَيِّبِ كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَغَيْرِهِ فَيَجِبُ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي الشَّعْرِ وَفِي الْبَدَنِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ بِزَيْتٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّهَنَ بِسَمْنٍ أَوْ شَحْمٍ أَوْ أَلْيَةٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ. (وَلَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ) أَوْ لِحْيَتَهُ (بِحِنَّاءٍ) هَذَا إذَا كَانَ مَائِعًا وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَلَبِّدًا فَيَجِبُ دَمَانِ دَمٌ لِلطِّيبِ وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا شَيْءَ بِهِ (أَوْ سَتَرَهُ) أَيْ الرَّأْسَ بِمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُغَطَّى بِهِ سَوَاءٌ سَتَرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُلْقِي غَيْرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ (يَوْمًا كَامِلًا) أَوْ لَيْلَةً كَامِلَةً (فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ غَطَّى رُبُعَ رَأْسِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَفِي الْأَقَلِّ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لِلْإِحْرَامِ وَلِلرُّبُعِ حُكْمُ الْكُلِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُهُ. (وَكَذَا) لَزِمَهُ دَمٌ (لَوْ لَبِسَ مَخِيطًا) عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ (يَوْمًا كَامِلًا) أَوْ لَيْلَةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْكَامِلَ الْحَاصِلَ فِي الْيَوْمِ حَاصِلٌ فِي اللَّيْلَةِ، وَأَنَّ مَا دُونَهَا كَمَا دُونَهُ وَلَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ وَدَامَ عَلَيْهِ أَيَّامًا وَكَانَ يَنْزِعُهُ لَيْلًا وَيُعَاوِدُهُ نَهَارًا، أَوْ عَكْسَهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ فَإِنْ عَزَمَ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ وَكَذَا لَوْ لَبِسَ يَوْمًا فَأَرَاقَ دَمًا ثُمَّ دَامَ عَلَى لُبْسِهِ يَوْمًا آخَرَ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لِلدَّوَامِ فِيهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ. وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ اللِّبَاسِ مِنْ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَخُفٍّ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِلَّا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ. (أَوْ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ أَوْ تَنَوَّرَ (رُبُعَ رَأْسِهِ) عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَاعْتِبَارُ الثُّلُثِ (أَوْ) رُبُعَ (لِحْيَتِهِ) أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ مُكْرَهًا لَزِمَهُ الدَّمُ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَادُهُ وَإِنْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّوْضِيءِ عَشَرُ شَعَرَاتٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَزِمَهُ دَمٌ بِحَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَدَنِهِ وَعِنْدَ مَالِكٍ حَلَقَ مَا يُمِيطُ الْأَذَى

стр. 292

(أَوْ حَلَقَ رَقَبَتَهُ) كُلَّهَا (أَوْ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ لِدَفْعِ الْأَذَى وَنَيْلِ الرَّاحَةِ (أَوْ عَانَتَهُ) لِمَا قُلْنَا. (وَكَذَا) لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ (لَوْ حَلَقَ مَحَاجِمَهُ) الْمَحَاجِمُ جَمْعُ الْمَحْجَمِ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ وَبِالْكَسْرِ قَارُورَةُ الْحَجَّامِ (وَعِنْدَهُمَا) لَزِمَهُ (صَدَقَةٌ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ الشَّارِبِ. وَفِي الْفَتْحِ إنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ أَوْ أَخَذَهُ كُلَّهُ فَعَلَيْهِ طَعَامٌ لَا دَمٌ هُوَ الصَّحِيحُ. (وَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَاحِدٌ. (وَكَذَا) لَزِمَهُ دَمٌ (لَوْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدٍ وَاحِدَةٍ أَوْ رِجْلٍ) وَاحِدَةٍ إقَامَةً لِلرُّبُعِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَ عُضْوٌ مُسْتَقِلٌّ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهَا رُبُعًا. تَدَبَّرْ. (وَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ حَقِيقَةً لَكِنَّهَا مُتَّحِدَةٌ مَعْنًى فَعِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ جَعَلْنَا الْكُلَّ جِنَايَةً وَاحِدَةً (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يَلْزَمُهُ (دَمٌ وَاحِدٌ) إلَّا إذَا تَحَلَّلَ بَيْنَهُمَا كَفَّارَةٌ فَإِنَّهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى فَلَوْ قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ وَذَبَحَ ثُمَّ قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ أُخْرَى لَزِمَهُ ذَبْحٌ آخَرُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. (وَإِنْ طَيَّبَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ أَوْ سَتَرَ أَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) لِتَقَاصُرِ الْجِنَايَةِ وَفِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ نَقْلًا عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا طَيَّبَ رُبُعَ الْعُضْوِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. (وَكَذَا) يَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ (لَوْ حَلَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ رَأْسِهِ أَوْ) أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ (لِحْيَتِهِ أَوْ حَلَقَ بَعْضَ) رَقَبَتِهِ أَوْ بَعْضَ (عَانَتِهِ أَوْ) حَلَقَ (أَحَدَ إبْطَيْهِ أَوْ) حَلَقَ (رَأْسَ غَيْرِهِ) بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ وَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَلَى الْمَحْلُوقِ. وَلَوْ قَصَّ أَظَافِيرَ غَيْرِهِ فَهُوَ كَالْحَلْقِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظْفَارٍ) يَجِبُ بِكُلِّ ظُفْرٍ صَدَقَةٌ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ لِلثَّلَاثَةِ حُكْمَ الْكُلِّ (أَوْ) قَصَّ (خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِنُقْصَانِ الْجِنَايَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْخَمْسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ دَمٌ) كَمَا لَوْ حَلَقَ رُبُعَ الرَّأْسِ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ. (وَإِنْ طَيَّبَ) عُضْوًا كَامِلًا (أَوْ لَبِسَ) مَخِيطًا (أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِعُذْرٍ خُيِّرَ إنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) لِكُلٍّ نِصْفُ صَاعٍ. وَلَوْ اخْتَارَ الطَّعَامَ أَجْزَأَهُ فِيهِ التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ. (وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِلَا شَرْطِ التَّتَابُعِ (وَلَوْ ارْتَدَى) أَيْ أَلْقَى عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَالرِّدَاءِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ (أَوْ اتَّشَحَ بِالْقَمِيصِ) الِاتِّشَاحُ أَنْ يُدْخِلَ ثَوْبَهُ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيُلْقِيَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ (أَوْ اتَّزَرَ) أَيْ شَدَّ عَلَى وَسَطِهِ (بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِعَدَمِ اللُّبْسِ

стр. 293

الْمُعْتَادِ. (وَكَذَا) لَا بَأْسَ (لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ. [فَصْلٌ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا] فَصْلٌ (وَإِنْ طَافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ جُنُبًا) أَيْ شَخْصًا يَجِبُ الْغُسْلُ فَيَشْمَلُ الْحَائِضَ وَغَيْرَهَا (فَعَلَيْهِ دَمٌ) فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فَإِنْ أَعَادَ قَبْلَ الذَّبْحِ سَقَطَ الدَّمُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَإِنْ أَعَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ. (وَكَذَا) يَلْزَمُ الدَّمُ (لَوْ طَافَ لِلرُّكْنِ) وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ (مُحْدِثًا) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ تَجِبُ الطَّهَارَةُ لِلطَّوَافِ وَلَا تُشْتَرَطُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ (أَوْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ (مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ أَوْ الْأَكْثَرَ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ (أَوْ) تَرَكَ (دُونَ أَرْبَعَةٍ مِنْ الرُّكْنِ) ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْحَدَثِ فَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ (أَوْ أَفَاضَ) بِحَيْثُ خَرَجَ عَنْ حُدُودِهَا (مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ) أَيْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ إفَاضَةِ الْإِمَامِ أَمَّا إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَبْطَأَ الْإِمَامُ بِالدَّفْعِ يَجُوزُ لِلنَّاسِ الدَّفْعُ قَبْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الدَّفْعِ قَدْ دَخَلَ فَإِذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ فَلَا يَجُوزُ لِلنَّاسِ تَرْكُهَا كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ. (أَوْ تَرَكَ السَّعْيَ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا فَيَلْزَمُهُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ، وَحَجُّهُ تَامٌّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ فَرْضٌ فَإِنْ سَعَى جُنُبًا فَالسَّعْيُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تُؤَدَّى فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَكَذَا بَعْدَمَا دَخَلَ وَجَامَعَ وَكَذَا بَعْدَ الْأَشْهُرِ. (أَوْ) تَرَكَ (الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ هَذَا إذَا كَانَ قَادِرًا أَمَّا إذَا كَانَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ امْرَأَةٌ تَخَافُ الزِّحَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (أَوْ) تَرَكَ (رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ وَعِنْدَ مَالِكٍ بَدَنَةٌ (أَوْ) تَرَكَ (رَمْيَ يَوْمٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌّ (أَوْ) تَرَكَ (رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) ؛ لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ هَذَا الْيَوْمِ (أَوْ) تَرَكَ (أَكْثَرَهُ) أَيْ أَكْثَرَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَإِنْ تَرَكَ الْأَقَلَّ تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ أَعَادَ عَلَى التَّرْتِيبِ يَسْقُطُ الدَّمُ. وَفِي التَّبْيِينِ أَثِمَ بِتَأْخِيرِ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي يَجِبُ الدَّمُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ الْقَضَاءِ خِلَافًا لَهُمَا وَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى اللَّيْلِ وَرَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. (وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ) وَهُوَ سُنَّةٌ وَبِالشُّرُوعِ صَارَ وَاجِبًا (أَوْ الصَّدَرِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) حَطًّا لَهُمَا عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَنْ الْإِمَامِ عَلَيْهِ شَاةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ. (وَكَذَا) يَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ لِكُلِّ

стр. 294

شَوْطٍ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ (لَوْ تَرَكَ دُونَ أَرْبَعَةِ) أَشْوَاطٍ (مِنْ الصَّدَرِ أَوْ) تَرَكَ (رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ الثَّلَاثِ) ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ نُسُكٌ وَاحِدٌ فَكَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بِأَنْ رَمَى ثَمَانَ حَصَيَاتٍ وَتَرَكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ حَصَاةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرْكِ الْأَكْثَرِ (وَلَوْ تَرَكَ طَوَافَ الرُّكْنِ أَوْ أَرْبَعَةً مِنْهُ بَقِيَ مُحْرِمًا) أَبَدًا وَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ (حَتَّى يَطُوفَهَا) أَيْ يَقَعُ أَرْبَعَةٌ مِنْهُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فَلَا يَجُوزُ عَنْهُ بَدَلٌ. (وَإِنْ طَافَهُ) أَيْ طَوَافَ الرُّكْنِ (جُنُبًا) بِلَا إعَادَةٍ (فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ فَيَجِبُ جَبْرُ نُقْصَانِهَا بِالْبَدَنَةِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ) وَفِيهِ قُصُورٌ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْحَدَثِ اسْتِحْبَابًا وَفِي الْجَنَابَةِ إيجَابًا لِفُحْشِ النُّقْصَانِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَيَسْقُطُ الدَّمُ) إنْ أَعَادَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَإِنْ بَعْدَهَا وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ لِلْإِمَامِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الذَّبْحِ وَأَمَّا إذَا أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا إنْ أَعَادَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَهَا لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالتَّأْخِيرِ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْبَدَنَةُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. (وَلَوْ طَافَ لِلصَّدَرِ طَاهِرًا) وَلَوْ مُحْدِثًا يَلْزَمُهُ دَمَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ. وَفِي رِوَايَةٍ دَمٌ وَصَدَقَةٌ (فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَمَا طَافَ لِلرُّكْنِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إعَادَةِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْحَدَثِ بَلْ إعَادَتُهُ بِالْحَدَثِ مُسْتَحَبَّةٌ فَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الصَّدَرِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ. (وَلَوْ كَانَ) لِلصَّدَرِ طَاهِرًا (بَعْدَمَا طَافَ لَهُ) أَيْ لِلرُّكْنِ (جُنُبًا فَدَمَانِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَقْلُ طَوَافِ الصَّدَرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِوُجُوبِ إعَادَةِ الرُّكْنِ فَيَجِبُ دَمٌ لِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدَرِ وَدَمٌ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ (وَعِنْدَهُمَا دَمٌ فَقَطْ) بِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدَرِ وَلَا شَيْءَ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا (أَيْضًا) كَمَا اكْتَفَى بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ آنِفًا. (وَإِنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى مُحْدِثًا يُعِيدُهُمَا) أَيْ الطَّوَافَ لِلنُّقْصَانِ وَالسَّعْيَ لِلتَّبَعِيَّةِ لَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يُعِدْهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ لِوُقُوعِ التَّحَلُّلِ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ إذْ النُّقْصَانُ يَسِيرٌ (وَشَيْءٌ لَوْ أَعَادَ الطَّوَافَ فَقَطْ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. (وَإِنْ جَامَعَ الْمُحْرِمُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ كَقَوْلِهِمَا لِكَمَالِ الْجِنَايَةِ (قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلَوْ نَاسِيًا) أَوْ مُكْرَهًا (فَسَدَ حَجُّهُ وَيَمْضِي فِيهِ) كَمَا يَمْضِي مَنْ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ

стр. 295

(وَيَقْضِيهِ) مِنْ قَابِلٍ سَوَاءٌ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْأَفْعَالَ مَعَ وَصْفِ الْفَسَادِ، وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا بِوَصْفِ الصِّحَّةِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) وَأَدْنَاهُ شَاةٌ وَيَقُومُ الشَّرِكَةُ فِي الْبَدَنَةِ مَقَامَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ بَدَنَةٌ إنْ عَامِدًا (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَرِقَ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي الْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ لَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إذَا خَافَ الْوِقَاعَ وَعِنْدَ مَالِكٍ يُفَارِقُهَا إذَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَفِي الْمَنْظُومَةِ وَالْمُفْسِدُ أَنَّ الْحَجَّ بِالْوَطْءِ كَمَا ... تَعَدَّيَا مِصْرَهُمَا تَفَرَّقَا وَعِنْدَ زُفَرَ إذَا أَحْرَمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا بَلَغَا الْمَكَانَ الَّذِي وَاقَعَهَا فِيهِ. (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الْحَلْقِ لَا يَفْسُدُ) الْحَجُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَفِي إطْلَاقِهِ إشَارَةٌ إلَى شُمُولِ مَا إذَا جَامَعَ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ فَبَدَنَةٌ لِلْأَوَّلِ، وَشَاةٌ لِلثَّانِي فِي قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ. (وَلَوْ) جَامَعَ (بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ شَاةٌ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ لِوُجُودِ الْحَلِّ الْأَوَّلِ بِالْحَلْقِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُتُونِ وَمَشَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشُّرُوحِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ والإسبيجابي فَعَلَيْهِ الْبَدَنَةُ وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ. (وَكَذَا) يَلْزَمُهُ دَمٌ (لَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ مُحَرَّمَةٌ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا فَيَجِبُ الدَّمُ مُطْلَقًا. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ (وَكَذَا) يَلْزَمُهُ دَمٌ لِوُجُودِ الْمُنَافِي (لَوْ جَامَعَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ وَفَسَدَتْ) عُمْرَتُهُ (وَقَضَاهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهَا لَزِمَتْ بِالْإِحْرَامِ كَالْحَجِّ. (وَإِنْ) جَامَعَ (بَعْدَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ لَزِمَ الدَّمُ) أَيْ شَاةٌ (وَلَا تَفْسُدُ) الْعُمْرَةُ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِالْحَجِّ (وَلَا شَيْءَ إنْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ وَلَوْ إلَى فَرْجٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِمَاعٍ كَمَا لَوْ اسْتَمْنَى فَأَنْزَلَ وَعَنْ الْإِمَامِ عَلَيْهِ دَمٌ. (وَإِنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ أَوْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) بِلَا عُذْرٍ (عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمَا مُوَقَّتَانِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَإِذَا أَخَّرَهُمَا عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ تَرَكَ وَاجِبًا فَلَزِمَهُ دَمٌ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا لَا دَمَ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ أَوْ قَدَّمَ نُسْكًا) بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ أَيْ عِبَادَةً مِنْ عِبَادَاتِهِ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الذَّبْحِ لِلَّهِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلذَّبِيحَةِ ثُمَّ لِكُلِّ عِبَادَةٍ (عَلَى نُسْكٍ هُوَ قَبْلَهُ) كَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَنَحْرِ الْقَارِنِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ. (وَإِنْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) . وَفِي الْهِدَايَةِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُعْتَمِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَاجِّ فَقِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى

стр. 296

الْخِلَافِ (فَلَوْ عَادَ الْمُعْتَمِرُ) إلَى الْحَرَمِ (بَعْدَ خُرُوجِهِ) أَيْ مِنْ الْحَرَمِ (وَقَصَّرَ فَلَا دَمَ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى الْوَاجِبَ فِي مَكَانِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ جَابِرٌ. (وَلَوْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ الذَّبْحِ لَزِمَهُ دَمَانِ) عِنْدَ الْإِمَامِ أَحَدُ الدَّمَيْنِ بِمَجْمُوعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْآخَرُ دَمُ الْقِرَانِ (وَعِنْدَهُمَا دَمٌ) وَاحِدٌ وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ لَيْسَ غَيْرُهُ لَا لِلْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَزِمَ فِي كُلِّ تَقَدُّمِ نُسْكٍ عَلَى نُسْكٍ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ دَمٌ بِالْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ وَدَمٌ لِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ (وَالدَّمُ حَيْثُ ذُكِرَ) فِي الْجِنَايَاتِ (وَجَبَ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ) إذَا ذُكِرَتْ يُرَادُ بِهَا (مَا تُجْزِئُ فِي الْفِطْرِ) . [فَصْلٌ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِي الصَّيْدِ] فَصْلٌ لَمَّا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِي الصَّيْدِ نَوْعًا آخَرَ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ بَرٍّ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْحَرَمِ وَقَيَّدَهُ بِالْبَرِّ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ خَاصَّةً، وَالصَّيْدُ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَحِّشُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَهُوَ نَوْعَانِ بَرِّيٌّ يَكُونُ تَوَلُّدُهُ فِي الْبَرِّ وَبَحْرِيٌّ عَكْسُ ذَلِكَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَعَاشِ (أَوْ دَلَّ) الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَفِي الْهَارُونِيِّ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ مُحْرِمًا عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَيْدٍ (مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالدَّلَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّالِّ مُحْرِمًا عِنْدَ أَخْذِ الْمَدْلُولِ الصَّيْدَ وَالْمَدْلُولُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَكَانِهِ وَأَنْ يُصَدِّقَ الْمَدْلُولُ الدَّالَّ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ حَتَّى إذَا كَذَّبَهُ وَلَمْ يَتْبَعْ الصَّيْدَ بِدَلَالَتِهِ وَدَلَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَصَدَّقَهُ وَقَتَلَ الصَّيْدَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَوْ كَانَ سَبَبًا لَهُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ لَكَانَ أَشْمَلَ (وَهُوَ) أَيْ الْجَزَاءُ (قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ) لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي قِيمَةِ نَفْسِ الصَّيْدِ فَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْبَازِي مُعَلَّمًا. وَفِي الْكَافِي وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَحْوَطُ (فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ) إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِيهِ كَبَلَدٍ (أَوْ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ) أَيْ فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ (قِيمَةٌ) بِأَنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يُبَاعُ فِيهِ الصَّيْدُ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي الْقِيمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِاعْتِبَارِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ

стр. 297

(ثُمَّ) إنْ عُلِمَتْ قِيمَتُهُ بِتَقْوِيمِهِمَا لِلْقَاتِلِ أَوْ الدَّالِّ الْخِيَارُ فِيهِ (إنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا) أَيْ بِالْقِيمَةِ (هَدْيًا إنْ بَلَغَتْ) قِيمَتُهُ ثَمَنَ الْهَدْيِ (فَذَبَحَهُ بِالْحَرَمِ) فَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُجَرَّدِ ذَبْحِهِ فِيهِ وَلَوْ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ إلَّا إذَا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. (وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ بِالطَّعَامِ (عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ) مِنْ (تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ لَا أَقَلَّ) مِمَّا ذُكِرَ وَلَوْ دَفَعَ أَكْثَرَ مُتَبَرِّعًا بِمَا زَادَ جَازَ. (وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ فَقِيرٍ) أَيْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ أَوْ صَاعٍ مَأْخُوذٍ مِنْ الْقِيمَةِ (يَوْمًا فَإِنْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ طَعَامِ فَقِيرٍ) وَكَذَا إنْ كَانَ الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ وَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَ أَكْثَرَ مِنْ هَدْيَيْنِ إنْ شَاءَ ذَبَحَهُمَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِمَا أَوْ صَامَ عَنْهُمَا أَوْ ذَبَحَ أَحَدَهُمَا وَأَدَّى بِالْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ بِالْهَدَايَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا (تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ صَامَ عَنْهُ) أَيْ عَمَّا فَضَلَ (يَوْمًا كَامِلًا) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ (الْجَزَاءُ نَظِيرُ الصَّيْدِ فِي الْجُثَّةِ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ (وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ) وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ مَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ) مِنْ الْحَيَوَانِ (فَكَقَوْلِهِمَا) أَيْ فَجَزَاؤُهُ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ مِثْلَ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا (وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي) سَوَاءٌ كَانَا قَاتِلَيْنِ أَوْ دَالَّيْنِ (وَالْعَائِدُ وَالْمُبْتَدِئُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ اخْتِلَافِ الْمُوجِبِ. (وَإِنْ جَرَحَ الصَّيْدَ أَوْ قَطَعَ عُضْوَهُ لَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ هَذَا إذَا بَرِئَ وَبَقِيَ فِيهِ أَثَرُ الْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِإِيصَالِ الْأَلَمِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَعَ سِنَّهُ أَوْ ضَرَبَ عَيْنَهُ فَابْيَضَّتْ فَنَبَتَتْ لَهُ سِنٌّ أَوْ زَالَ الْبَيَاضُ ذَكَرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَمَا جَرَحَهُ ضَمِنَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ جُرْحَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِمَوْتِهِ وَلَوْ غَابَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مَاتَ أَوْ لَا ضَمِنَ نُقْصَانَهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ جَمِيعِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ احْتِيَاطًا. (وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ) أَيْ رِيشَ الصَّيْدِ جَمْعُ الرِّيشَةِ وَهِيَ الْجَنَاحُ (أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَهُ) وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ كُلِّ الْقَوَائِمِ بَلْ إذَا قَطَعَ الْبَعْضَ وَخَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ وَجَبَ الْجَزَاءُ (فَخَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ) أَيْ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا مِمَّا أَرَادَ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً) لِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَيَضْمَنُ جَزَاءَهُ

стр. 298

(وَإِنْ حَلَبَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (فَقِيمَةُ لَبَنِهِ) ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الصَّيْدِ جُزْؤُهُ فَأَخَذَ حُكْمَ كُلِّهِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: لَا ضَمَانَ لِلَّبَنِ. (وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَهُ) أَيْ بَيْضًا غَيْرَ فَاسِدٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (فَقِيمَةُ الْبَيْضِ) بِالْفَتْحِ وَاحِدَتُهُ بَيْضَةٌ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) وَكَذَا إنْ خَرَجَ مِنْ الصَّيْدِ جَنِينٌ مَيِّتٌ (فَقِيمَةُ الْفَرْخِ) حَيًّا اسْتِحْسَانًا هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِ فَرْخًا حَيًّا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِ فَرْخًا مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِ الْمَتْنِ مِنْ الْمُسَاهَلَةِ تَدَبَّرْ (وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ) يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَأَمَّا لَوْ قَتَلَ الزَّاغَ وَهُوَ الْغُرَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْعَقْعَقَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَتَى مُعَرَّفًا لَكَانَ أَوْلَى (وَحِدَأَةٍ) عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ وَهِيَ طَائِرٌ تَأْخُذُ الْفَأْرَةَ (وَذِئْبٍ وَحَيَّةٍ) وَمِثْلُهَا السَّرَطَانُ بِخِلَافِ الضَّبِّ (وَعَقْرَبٍ وَفَأْرَةٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ أَهْلِيَّةً أَوْ بَرِّيَّةً وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِقَتْلِ الْيَرْبُوعِ (وَكَلْبٍ عَقُورٍ) بِالْفَتْحِ مِنْ الْعَقْرِ وَهُوَ الْجَرْحُ وَالْكَلْبُ مِمَّا يَفْرُطُ شَرُّهُ وَإِيذَاؤُهُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْعَقُورَ وَغَيْرَهُ وَالْمُسْتَأْنَسَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلُّ عَاقِرٍ أَيْ جَارِحٍ مُفْتَرِسٍ غَالِبًا كَالسَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ (وَبَعُوضٍ) أَيْ بَقٍّ وَقِيلَ صِغَارُهُ (وَنَمْلٍ) مُطْلَقًا لَكِنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُ مَا لَا يُؤْذِي (وَبُرْغُوثٍ) وَزُنْبُورٍ وَذُبَابٍ (وَقُرَادٍ) بِالضَّمِّ يُقَالُ لَهُ: بِالْفَارِسِيَّةِ " كَنَّة " (وَسُلَحْفَاةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَاحِدَةُ السَّلَاحِفِ نَوْعٌ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْحَشَرَاتِ كَالْخَنَافِسِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّفَادِعِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَا مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ. (وَإِنْ قَتَلَ قَمْلَةً) مِنْ بَدَنِهِ قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ قَمْلَةً مِنْ الْأَرْضِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ جَرَادَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) وَلَمْ يُقَدِّرْ الصَّدَقَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ فِي قَمْلَةٍ كِسْرَةَ خُبْزٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَصَدَّقُ بِكَفٍّ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَفِي الِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَبْضَةُ طَعَامٍ وَفِي أَكْثَرَ نِصْفُ صَاعٍ (وَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ) فَإِنَّ أَهْلَ حِمْصٍ جَعَلُوا يَتَصَدَّقُونَ بِكُلِّ جَرَادٍ دِرْهَمًا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَى دَرَاهِمَكُمْ كَثِيرَةً تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ. وَفِي الْفَتَاوَى مُحْرِمٌ وَضَعَ ثَوْبَهُ فِي الشَّمْسِ لِيَقْتُلَ قَمْلَتَهُ فَمَاتَ الْقَمْلُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَلَوْ وَضَعَ وَلَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ الْقَمْلِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَمَاتَ الْقَمْلُ (وَلَا يَتَجَاوَزُ شَاةً فِي قَتْلِ السَّبُعِ) وَإِنْ كَانَ السَّبُعُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَقَالَ زُفَرُ تَجِبُ

стр. 299

عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا جَزَاءَ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ وَلَنَا أَنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ وَلَيْسَ مِنْ الْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبْتَدِئُ بِالْأَذَى حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ كَانَ مِنْهَا فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ فَلِهَذَا قَالَ (وَإِنْ صَالَ فَلَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ اعْتِبَارًا بِالْجَمَلِ الصَّائِلِ. وَفِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَأَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْفَوَاسِقِ وَالْحَشَرَاتِ. (وَإِنْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ) لِلْأَكْلِ (فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ (وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ شَاةٍ) وَلَوْ أَبُوهَا ظَبْيًا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْأَصْلُ (وَبَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ وَدَجَاجٍ وَبَطٍّ أَهْلِيٍّ) احْتِرَازًا عَنْ الَّذِي يَطِيرُ فَإِنَّهُ صَيْدٌ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ (وَ) لِلْمُحْرِمِ (صَيْدُ سَمَكٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُحْرِمِ (الْجَزَاءُ بِذَبْحِ حَمَامٍ مُسَرْوَلٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ حَمَامٍ فِي رِجْلَيْهِ رِيشٌ كَالسِّرْوَالِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (أَوْ) بِذَبْحِ (ظَبْيٍ مُسْتَأْنَسٍ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصَّيْدِ وَإِنْ اسْتَأْنَسَ بِالْمُخَالَطَةِ. (وَلَوْ ذَبَحَ) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا فَهُوَ مَيْتَةٌ) لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حَرَامٌ فَيَكُونُ ذَكَاةً مُبِيحَةً بَلْ تَصِيرُ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِ. (وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الصَّيْدِ (فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ مَعَ الْجَزَاءِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَضْمَنُ الذَّابِحُ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ (بِخِلَافِ مُحْرِمٍ آخَرَ أَكَلَ مِنْهُ) فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا غَيْرَ الِاسْتِغْفَارِ. (وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ لَحْمُ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ) احْتِرَازٌ عَمَّا صَادَهُ مُحْرِمٌ (وَذَبَحَهُ إنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَا أَمَرَهُ بِصَيْدِهِ وَلَا أَعَانَهُ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ بِالدَّلَالَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إنْ اصْطَادَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ (وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ) وَهُوَ حَلَالٌ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا لِيَظْهَرَ فَائِدَةُ قَيْدِ الدُّخُولِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دُخُولِهِ الْحَرَمَ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قِيلَ حَلَالًا أَوْ مُحْرِمًا (وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إرْسَالِهِ تَسْيِيبَهُ؛ لِأَنَّ تَسْيِيبَ الدَّابَّةِ حَرَامٌ بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَلَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ يَسْتَرِدَّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ (فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ الصَّيْدَ

стр. 300

بَعْدَمَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ (رُدَّ الْبَيْعُ) لِفَسَادِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ بَاعَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِدْخَالِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يُحِلُّ إخْرَاجُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (إنْ كَانَ بَاقِيًا) فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. (وَإِنْ فَاتَ) بِالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ (لَزِمَهُ الْجَزَاءُ) بِالْمَالِ بِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الصَّيْدُ وَكَذَا إذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ وَلَوْ تَبَايَعَ حَلَالَانِ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ جَازَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ حِسًّا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. (وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يَلْزَمُ إرْسَالُهُ) قَبْلُ إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ يُرْسِلُهُ. (وَإِنْ أَخَذَ حَلَالٌ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ) مِنْ يَدِهِ (أَحَدٌ ضَمِنَ الْمُرْسِلُ) قِيمَتَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْأَخْذِ حَلَالًا وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (بِخِلَافِ مَا أَخَذَهُ مُحْرِمٌ) فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مُرْسِلُهُ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا لَوْ أَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ حَلَّ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (فَإِنْ قَتَلَ مَا أَخَذَهُ الْمُحْرِمُ مُحْرِمٌ آخَرُ ضَمِنَا) لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا الْآخِذُ بِالْأَخْذِ وَالْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدِ جَزَاءٌ كَامِلٌ إلَّا فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ (وَرَجَعَ آخِذُهُ) مَا ضَمِنَ مِنْ الْجَزَاءِ (عَلَى قَاتِلِهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ ثُمَّ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَاتِلِ عِنْدَ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَلَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ لَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ مُطْلَقًا. (وَإِنْ قَتَلَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ حَلَبَهُ) أَيْ إنْ حَلَبَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ (فَقِيمَةُ لَبَنِهِ وَمَنْ قَطَعَ) سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا (حَشِيشَ الْحَرَمِ) وَاحْتُرِزَ عَنْ مِثْلِ الْكَمْأَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبَاتٍ وَلِهَذَا يُبَاحُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْحَرَمِ كَحَجَرَةٍ وَقَدْرٍ يَسِيرٍ مِنْ تُرَابِهِ لِلتَّبَرُّكِ (أَوْ شَجَرَةٍ غَيْرِ مُنْبَتٍ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ (وَلَا مِمَّا يُنْبِتُهُ النَّاسُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ) وَقَيَّدَ صَاحِبُ الْمِنَحِ بِقَوْلِهِ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَقَالَ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا قَوْلَهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ تَبَعًا لِلْوِقَايَةِ بِقَوْلِنَا يَعْنِي النَّابِتَ بِنَفْسِهِ لِمَا ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ حَشِيشَ الْحَرَمِ وَشَجَرَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ: شَجَرٌ أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ، وَشَجَرٌ نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ لَا فَالْأَوَّلُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ فِي الثَّانِي وَهُوَ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ وَيَسْتَوِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ بِأَنْ يَنْبُتَ فِي مِلْكِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى قَالُوا فِي رَجُلٍ نَبَتَ فِي مِلْكِهِ أُمُّ غَيْلَانَ فَقَطَعَهَا إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِمَالِكِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أُخْرَى لِحَقِّ الشَّرْعِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ أَرَاضِيَ الْحَرَمِ سَوَائِبُ أَعْنِي أَوْقَافًا

стр. 301

وَإِلَّا فَلَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ أَنْبَتَ فِي مِلْكِهِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَهَا كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ وَقَوْلُهُمَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (إلَّا مَا جَفَّ) فَإِنَّهُ حَطَبٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ (وَالتَّصَدُّقُ مُتَعَيَّنٌ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ فِي ذَبْحِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَحَلْبِهِ وَقَطْعِ حَشِيشِهِ وَشَجَرِهِ (وَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ) لَكِنْ يَجُوزُ الطَّعَامُ وَالْهَدْيُ (وَحَرُمَ رَعْيُ حَشِيشِهِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَطْعِ وَعِنْدَهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِضَرُورَةِ الزَّائِرِينَ (وَقَطْعُهُ إلَّا الْإِذْخِرَ) وَقَدْ اسْتَثْنَاهُ ﵊ بِالْتِمَاسِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَكُلُّ مَا عَلَى الْمُفْرِدِ بِهِ دَمٌ) بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ عَلَى إحْرَامِهِ (فَعَلَى الْقَارِنِ بِهِ دَمَانِ) لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ إحْرَامَيْنِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ هَذَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَفِي غَيْرِ الْجِمَاعِ دَمٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَقَيَّدْنَا بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ عَلَى إحْرَامِهِ يَعْنِي بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ لَا مُطْلَقًا لِيَسْتَقِيمَ كُلِّيًّا فَإِنَّ الْمُفْرِدَ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ لَزِمَهُ دَمٌ وَإِذَا تَرَكَهُ الْقَارِنُ لَا يَتَعَدَّدُ الدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ (إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ) بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَحِينَئِذٍ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ حَقِّ الْوَقْتِ وَقَالَ زُفَرُ يَجِبُ فِيهِ دَمَانِ. (وَإِنْ قَتَلَ مُحْرِمَانِ صَيْدًا فَعَلَى كُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ. (وَإِنْ قَتَلَ حَلَالَانِ صَيْدَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَزَاءَ الْفِعْلِ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ وَهَذَا جَزَاءُ الْمَحَلِّ وَهُوَ وَاحِدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ إذَا قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ وَلَوْ قَتَلَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَمِيعُ الْقِيمَةِ وَعَلَى الْحَلَالِ نِصْفُهَا وَلَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ وَمُفْرِدٌ وَقَارِنٌ فَعَلَى الْحَلَالِ ثُلُثُ الْجَزَاءِ وَعَلَى الْمُفْرِدِ جَزَاءٌ وَعَلَى الْقَارِنِ جَزَاءَانِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَيَبْطُلُ بَيْعُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ وَشِرَاؤُهُ) فَلَوْ قَبَضَ فَعَطِبَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ وَعَلَى الْبَائِعِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ بِفَوَاتِ الْأَمْنِ وَبَيْعَهُ بَعْدَمَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ. وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَفْسُدُ بَيْعُهُ. (وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةَ الْحَرَمِ) حَلَالًا لَوْ مُحْرِمًا (فَوَلَدَتْ وَمَاتَا) أَيْ الظَّبْيَةُ وَالْوَلَدُ (ضَمِنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ. (وَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لَا يَضْمَنُ الْوَلَدَ) وَكَذَا كُلُّ زِيَادَةٍ مِنْ سِمَنٍ أَوْ شَعْرٍ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ وَالْأَصْلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ لَا وَلَوْ ذَبَحَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. [بَابُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ] (بَابُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ) (مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ) قَاصِدًا دُخُولَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ بَلْ أَرَادَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ

стр. 302

الْمَوَاقِيتِ كَالْبُسْتَانِ مَثَلًا لِحَاجَةٍ مَسَّتْ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا (غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ) بِعَرَفَاتٍ جَازَ حَجُّهُ وَ (لَزِمَهُ دَمٌ) لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ (فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ الْمِيقَاتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ حَالَ كَوْنِهِ (مُحْرِمًا) بِحَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ (مُلَبِّيًا سَقَطَ) الدَّمُ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ (يَسْقُطُ) الدَّمُ (بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ) . وَقَالَ زُفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لَا يَسْقُطُ لَبَّى، أَوْ لَمْ يُلَبِّ. (وَإِنْ عَادَ) إلَى الْمِيقَاتِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَوْدِهِ إلَى هَذَا الْمِيقَاتِ وَإِلَى مِيقَاتٍ آخَرَ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى (قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ) الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ. (وَكَذَا) يَسْقُطُ الدَّمُ (لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ) دَاخِلَ الْمِيقَاتِ (ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَقَضَاهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِيهَا كَامِلًا بِإِحْرَامٍ مِنْ الْمِيقَاتِ فَيَنْجَبِرُ بِهِ مَا نَقَصَ مِنْ حَقِّ الْمِيقَاتِ بِالْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ خِلَافًا لِزُفَرَ. (وَإِنْ عَادَ) إلَى الْمِيقَاتِ (بَعْدَ مَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ) لَا بَعْدَمَا شَرَعَ فِي نُسُكٍ (لَا يَسْقُطُ) الدَّمُ لَكِنْ هَلْ الْعَوْدُ أَفْضَلُ أَمْ تَرْكُهُ. وَفِي الْمُحِيطِ إنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ إذَا عَادَ لَمْ يَعُدْ وَيَمْضِي فِي إحْرَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ عَادَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ دَخَلَ كُوفِيٌّ الْبُسْتَانَ) أَيْ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ وَلَوْ عَمَّمَ الدَّاخِلَ وَالْمَدْخُولَ لَكَانَ أَوْلَى لَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ كَذَا فَتَبِعَهُ تَبَرُّكًا (لِحَاجَةٍ فَلَهُ دُخُولُ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ) ؛ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ غَيْرُ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِقَصْدِهِ فَإِذَا وَصَلَهُ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَوِّزَ هَذِهِ الْحِيلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجَّةٍ آفَاقِيَّةٍ وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ صَارَتْ حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً فَكَانَ مُخَالِفًا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فِي الْبُسْتَانِ، أَوْ لَمْ يَنْوِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقَامَةِ (وَمِيقَاتُهُ) أَيْ الْكُوفِيِّ الدَّاخِلِ فِي الْبُسْتَانِ (الْبُسْتَانُ) لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحِلِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ (وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) لِمَصْلَحَةٍ لَهُ (لَزِمَهُ حَجٌّ، أَوْ عُمْرَةٌ) تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ (فَلَوْ عَادَ) إلَى الْمِيقَاتِ (وَأَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي عَامِهِ) ذَلِكَ لَا بَعْدَهُ (سَقَطَ) عَنْهُ (مَا لَزِمَهُ بِدُخُولِ مَكَّةَ) مِنْ الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَسْقُطُ الدَّمُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْقُطَ اعْتِبَارًا بِمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ النَّذْرِ وَصَارَ كَمَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ لَا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ لِدُخُولِهِ عَلَى التَّعْيِينِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْإِحْرَامِ مَقْصُودًا وَلَوْ قَالَ وَإِحْرَامٌ عَمَّا عَلَيْهِ فِي عَامِهِ لَشَمَلَ كُلَّ إحْرَامٍ وَاجِبًا حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، أَدَاءً أَوْ قَضَاءً كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَإِنْ بَعْدَ عَامِهِ) أَيْ إنْ كَانَ الْعَوْدُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ بَعْدَ عَامِهِ ذَلِكَ (لَا يَسْقُطُ) مَا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ

стр. 303

قَدْ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بِالتَّفْوِيتِ فَلَا يَخْلُصُ إلَّا بِالْإِحْرَامِ مَقْصُودًا. (وَإِنْ جَاوَزَ مَكِّيٌّ أَوْ مُتَمَتِّعٌ الْحَرَمَ) يُرِيدُ الْحَجَّ (غَيْرَ مُحْرِمٍ فَهُوَ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ) ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْمَكِّيِّ مِنْ الْحَرَمِ وَالْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ الْمُجَاوِزُ صَارَ مَكِّيًّا فَإِحْرَامُهُ مِنْ الْحَرَمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا دَمٌ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ (وَوُقُوفُهُ) أَيْ وُقُوفُ الْمَكِّيِّ وَالْمُتَمَتِّعِ (كَطَوَافِهِ) أَيْ طَوَافِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ يَعْنِي إذَا جَاوَزَ مَكِّيٌّ، أَوْ مُتَمَتِّعٌ الْحَرَمَ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَاتٍ إنْ عَادَ قَبْلَ الْوُقُوفِ إلَى الْحَرَمِ فَأَحْرَمَ يَسْقُطُ الدَّمُ وَإِنْ عَادَ بَعْدَمَا وَقَفَ فَأَحْرَمَ لَمْ يَسْقُطْ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَطَافَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا عُلِمَ حُكْمُهُ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا كَمَا عُلِمَ حُكْمُ مَكِّيٍّ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ حَلَّ إحْرَامُهُ مِنْهُ فَلَوْ اخْتَصَرَ لَكَانَ أَخْصَرَ. [بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ] (إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ) (مَكِّيٌّ طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا) وَلَوْ قَالَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَكَانَ أَوْلَى إذْ الْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ بِالشَّوْطَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَكَذَا وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَرُّكًا (فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَهُ) أَيْ الْحَجَّ (وَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) أَمَّا الدَّمُ فَلِأَجْلِ الرَّفْضِ. وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَلِمَكَانِ الْحَجِّ الْفَائِتِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَرْفُضَ الْعُمْرَةَ وَيَقْضِيَهَا وَيَمْضِيَ فِي الْحَجِّ وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْضِ أَحَدِهِمَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَرْفُضُ وَإِنَّمَا قَالَ طَافَ شَوْطًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ لَهَا الْأَكْثَرَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَهُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَا يَرْفُضُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فَصَارَ كَمَا لَوْ فَرَغَ مِنْهَا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَكَانِ النَّقْضِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِذَا لَمْ يَطُفْ لِلْعُمْرَةِ شَيْئًا يَرْفُضُهَا اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْمَكِّيِّ؛ لِأَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا فَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَضَى فِيهِمَا وَلَا يَرْفُضُ الْحَجَّ (فَلَوْ أَتَمَّهُمَا) أَيْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى أَفْعَالَهُمَا كَمَا الْتَزَمَهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالنَّهْيُ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْفِعْلِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّهُ دَمُ شُكْرٍ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ) فَحَجَّ وَفَرَغَ مِنْهُ (ثُمَّ) أَحْرَمَ (بِآخَرَ يَوْمَ النَّحْرِ) بِحَجٍّ آخَرَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَقَ فِي الْأَوَّلِ) قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِلثَّانِي (لَزِمَهُ الثَّانِي) حَتَّى يَقْضِيَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهِ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) وَلَا صَدَقَةَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى نِهَايَتَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ لِلْأَوَّلِ (لَزِمَهُ) الْحَجُّ الثَّانِي (وَعَلَيْهِ دَمٌ سَوَاءٌ قَصَّرَ بَعْدَ إحْرَامِ الثَّانِي، أَوْ لَمْ يُقَصِّرْ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَصَّرَ فَقَدْ جَنَى عَلَى إحْرَامِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ نُسُكًا فِي إحْرَامِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَقَدْ أَخَّرَ النُّسُكَ عَنْ وَقْتِهِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّقْصِيرِ الْحَلْقُ وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ اتِّبَاعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ، أَوْ لِيَصِيرَ الْحُكْمُ جَارِيًا فِي الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ عَامٌّ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَخُصَّانِ الْوُجُوبَ

стр. 304

بِمَا إذَا حَلَقَ وَالتَّأْخِيرُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ مُحَمَّدًا فِي هَذَا مَعَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِآخَرَ (وَمَنْ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ إلَّا التَّقْصِيرَ) بِأَنْ أَحْرَمَ وَطَافَ وَسَعَى وَلَمْ يُقَصِّرْ (فَأَحْرَمَ بِأُخْرَى لَزِمَهُ دَمٌ) جَبْرٌ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْعُمْرَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ. (وَلَوْ أَحْرَمَ آفَاقِيٌّ بِحَجٍّ ثُمَّ) أَحْرَمَ (بِعُمْرَةٍ لَزِمَاهُ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ لَلْآفَاقِيِّ كَالْقِرَانِ لَكِنَّهُ أَسَاءَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ (فَإِنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ) ، أَوْ أَكْثَرِهَا (فَقَدْ رَفَضَهَا) أَيْ الْعُمْرَةَ إذْ بِنَاءُ أَفْعَالِهَا عَلَى أَفْعَالِهِ مَشْرُوعٌ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِيرُ رَافِضًا (لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ رَافِضًا (لَوْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا وَلَمْ يَقِفْ) وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ (بَعْدَ طَوَافِهِ لِلْحَجِّ) طَوَافَ التَّحِيَّةِ (نُدِبَ رَفْضُهَا) لِتَأَكُّدِ إحْرَامِهِ بِطَوَافِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطُفْ (وَيَقْضِيهَا) لِلْحَجِّ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِرَفْضِهَا (فَإِنْ مَضَى عَلَيْهِمَا) أَيْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِأَنْ يُقَدِّمَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ (صَحَّ وَلَزِمَهُ دَمٌ) لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا (وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ فِي الصَّحِيحِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَنَّهُ دَمُ شُكْرٍ. (وَإِنْ أَهَلَّ الْحَاجُّ بِعُمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَزِمَتْهُ) أَيْ لَزِمَتْ الْعُمْرَةُ الْحَاجَّ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ صَحِيحٌ. (وَلَزِمَهُ رَفْضُهَا) أَيْ لَزِمَ رَفْضُ الْعُمْرَةِ الْحَاجَّ كَيْ لَا يَبْنِيَ أَفْعَالَهَا عَلَى أَفْعَالِهِ مَعَ كَرَاهَةِ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. (وَ) لَزِمَهُ (قَضَاؤُهَا) تَحْصِيلًا لِمَا فَاتَهُ مَعَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ. (وَ) لَزِمَهُ (دَمٌ) لِلرَّفْضِ (فَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا صَحَّ وَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ دَمُ كَفَّارَةٍ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا (وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِفَوْتِ الْوُقُوفِ (فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ لَزِمَهُ الرَّفْضُ) أَيْ رَفْضُ مَا أَحْرَمَ بِهِ (وَ) لَزِمَهُ (الْقَضَاءُ) لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهِ (وَ) لَزِمَهُ (الدَّمُ) لِرَفْضِهِ بِالتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ. [بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ] أَيْ فَوَاتِ الْحَجِّ، وَالْإِحْصَارُ لُغَةً الْمَنْعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَشَرْعًا الْمَنْعُ عَنْ الْحَجِّ وَالْوُقُوفِ مَعًا، أَوْ الْعُمْرَةُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَمَا فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّهُ مَنْعُ الْخَوْفِ، أَوْ الْمَرَضِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَصُّ بِهَذَيْنِ تَدَبَّرْ وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يَتَحَلَّلَ إلَّا بِذَبْحٍ أَوْ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ (إنْ أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِعَدُوٍّ) مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ (أَوْ مَرَضٍ) زَادَ بِالذَّهَابِ، أَوْ الرُّكُوبِ (أَوْ عَدَمِ مَحْرَمٍ) لِمَرْأَةٍ بِأَنْ مَاتَ مَحْرَمُهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا فَوْقَهَا (أَوْ ضَيَاعُ نَفَقَةٍ) . وَفِي التَّجْنِيسِ إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ وَإِلَّا فَمُحْصَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا إحْصَارَ إلَّا بِالْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نَزَلَتْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ وَكَانُوا مُحْصَرِينَ بِالْعَدُوِّ وَلَنَا أَنَّ الْإِحْصَارَ هُوَ الْمَنْعُ وَالْعِبْرَةُ لِلَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ (فَلَهُ أَنْ يَبْعَثَ شَاةً) ، أَوْ قِيمَتَهَا

стр. 305

لِيَشْتَرِيَ بِمَكَّةَ (تُذْبَحُ عَنْهُ فِي الْحَرَمِ) . وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَذْبَحُ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَذْبَحَ، أَوْ يَطُوفَ وَيَكْفِيهِ سُبْعُ بَدَنَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقَوِّمُ الْهَدْيَ فَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الطَّعَامَ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ) ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مَوْقُوفٌ عَلَى الذَّبْحِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ زَمَانِهِ حَتَّى يَقَعَ التَّحَلُّلُ بَعْدَهُ وَالتَّعَيُّنُ مُحْتَاجٌ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا عِنْدَهُمَا (وَيَتَحَلَّلُ بَعْدَ ذَبْحِهَا مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ وَلَا تَقْصِيرٍ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَكِنْ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَإِنْ كَانَ) الْمُحْصَرُ (قَارِنًا يَبْعَثُ دَمَيْنِ) لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَبْعَثُ دَمًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِذَبْحِ أَحَدِهِمَا وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا لِلْحَجِّ وَالْآخَرِ لِلْعُمْرَةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ بَعَثَ دَمًا لَمْ يَتَحَلَّلْ بِذَبْحِهِ عَنْ أَحَدِ الْإِحْرَامَيْنِ (وَيَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ عِنْدَ الْإِمَامِ (لَا فِي الْحِلِّ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَذْبَحُ فِي مَوْضِعٍ أُحْصِرَ فِيهِ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ) ذَبْحُهَا (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إنْ كَانَ مُحْصَرًا) بِفَتْحِ الصَّادِ (بِالْحَجِّ) وَإِنْ كَانَ مُحْصَرًا بِالْعُمْرَةِ يَجُوزُ وَلَا يَتَوَقَّفُ بِالزَّمَانِ إجْمَاعًا (وَعَلَى الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ) فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا إذَا تَحَلَّلَ (قَضَاءُ حَجٍّ) مِنْ قَابِلٍ لِلُزُومِهِ لَهُ بِالشُّرُوعِ (وَعُمْرَةٍ) لِأَنَّ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ التَّحَلُّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لَكِنْ إذَا قَضَاهُ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّعْيِينِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَوْ قَضَاهُ مِنْ قَابِلٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَتَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَإِنْ شَاءَ قَرَنَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ حَجٌّ لَا غَيْرَ (وَعَلَى الْمُعْتَمِرِ) الْمُحْصَرِ قَضَاءُ (عُمْرَةِ) الْإِحْصَارِ عَنْهَا مُتَحَقِّقٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (وَعَلَى الْقَارِنِ) الْمُحْصَرِ (حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) الْأُولَى لِلْقِرَانِ وَالثَّانِيَةُ لِكَوْنِهَا كَالْفَائِتِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لَا عُمْرَتَانِ (فَإِنْ زَالَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ بَعْثِ الدَّمِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ وَالْهَدْيَ، أَوْ لَا يُدْرِكَهُمَا، أَوْ يُدْرِكَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي، أَوْ بِالْعَكْسِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَفْصِيلُهَا قَوْلُهُ (وَأَمْكَنَهُ) أَيْ الْمُحْصَرَ (إدْرَاكُهُ) أَيْ الْهَدْيِ (قَبْلَ ذَبْحِهِ وَ) أَمْكَنَهُ (إدْرَاكُ الْحَجِّ) بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ وَلَزِمَ الْمُضِيُّ) لِزَوَالِ الْعَجْزِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ بِالْخُلْفِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُدْرِكَهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ (وَإِنْ أَمْكَنَ إدْرَاكُهُ) أَيْ الْهَدْيِ (فَقَطْ تَحَلَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْأَصْلِ. (وَإِنْ أَمْكَنَ إدْرَاكُ الْحَجِّ فَقَطْ جَازَ التَّحَلُّلُ اسْتِحْسَانًا) وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْحَجِّ لِمَا مَرَّ أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ بِالْحَجِّ يَتَوَقَّفُ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَإِذَا أَدْرَكَ الْحَجَّ يُدْرِكُ الْهَدْيَ ضَرُورَةً وَفِي الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ يُتَصَوَّرُ

стр. 306

فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُمَا فِيهِ كَجَوَابِهِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَمَنْ مُنِعَ بِمَكَّةَ عَنْ الرُّكْنَيْنِ) أَيْ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ (فَهُوَ مُحْصَرٌ) سَوَاءٌ كَانَ مُفْرِدًا، أَوْ قَارِنًا فَيَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ الْمَنْعَ بِمَكَّةَ لَيْسَ بِإِحْصَارٍ بَعْدَمَا صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ) لِأَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْوُقُوفِ يَتِمُّ حَجُّهُ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْإِحْصَارُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّحَلُّلِ بِالْهَدْيِ كَفَائِتِ الْحَجِّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُحْصَرٌ بِالْمَنْعِ عَنْ أَحَدِهِمَا (وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلْيَتَحَلَّلْ) عَنْ إحْرَامِهِ (بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ) فَيَطُوفُ وَيَسْعَى بِلَا إحْرَامٍ جَدِيدٍ لَهَا (وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ) أَيْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ دَمٌ (وَلَا فَوْتَ لِلْعُمْرَةِ) بِالْإِجْمَاعِ (وَهِيَ إحْرَامٌ وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ) فَالْإِحْرَامُ شَرْطُهَا وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ رُكْنَاهَا (وَيَجُوزُ) الْعُمْرَةُ (فِي كُلِّ السَّنَةِ) أَيْ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُوَقَّتَةٍ (وَ) لَكِنْ (تُكْرَهُ) الْعُمْرَةُ (يَوْمَ عَرَفَةَ وَ) يَوْمَ (النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُكْرَهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَصْلًا (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الطَّوَافِ) . [بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ] إدْخَالُ اللَّازِمِ عَلَى غَيْرِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ بَلْ هُوَ مَلْزُومُ الْإِضَافَةِ وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ كَوْنَ عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ قَدَّمَ مَا تَقَدَّمَ (تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ) كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّةِ الْمُوَكِّلِ لَا نِيَّةِ الْوَكِيلِ (وَلَا تَجُوزُ فِي الْبَدَنِيَّةِ) الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ (بِحَالٍ) مِنْ الْأَحْوَالِ لَا فِي حَالَةِ الْعَجْزِ وَلَا فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ (وَفِي الْمُرَكَّبِ) الْأَوْلَى، وَفِي الْمُرَكَّبَةِ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ (كَالْحَجِّ يَجُوزُ عِنْدَ الْعَجْزِ) لِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَالِ (لَا) تَجُوزُ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ) لِعَدَمِ إتْعَابِ النَّفْسِ نَظَرًا إلَى كَوْنِهِ بَدَنِيًّا فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ (وَيُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ الْعَجْزِ عَنْ الْغَيْرِ (الْمَوْتُ) أَيْ مَوْتُ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ (أَوْ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إلَى الْمَوْتِ) إذَا كَانَ الْعَجْزُ يُرْجَى

стр. 307

زَوَالُهُ غَالِبًا كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ وَغَيْرِهِمَا فَأَحَجَّ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى الْمَوْتِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ فَلَوْ زَالَ عَجْزُهُ صَارَ مَا أَدَّى تَطَوُّعًا لِلْآمِرِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ زَالَ الْعَجْزُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَأْمُورِ عَنْ الْحَجِّ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ وَإِنْ زَالَ قَبْلَهُ فَعَنْ النَّفْلِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْعُذْرُ، أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ، تَدَبَّرْ. (وَإِنَّمَا شَرْطُ الْعَجْزِ لِلْحَجِّ الْفَرْضِ لَا لِلنَّفْلِ) ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَصِحُّ بِلَا شَرْطٍ وَيَكُونُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ لِلْآمِرِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا ثَوَابُ النَّفْلِ فَالْمَأْمُورُ يَجْعَلُهُ لِلْآمِرِ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (فَمَنْ عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ (فَأَحَجَّ) أَيْ أَمَرَ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ (صَحَّ) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا أَحَجَّ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ عَجَزَ وَاسْتَمَرَّ لَا يَجْزِيهِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ (وَيَقَعُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْآمِرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَكِنَّهُ تُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الْمَأْمُورِ بِصِحَّةِ الْأَفْعَالِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ. وَقَالَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ (وَيَنْوِي النَّائِبُ عَنْهُ) حَتَّى لَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ وَضَمِنَ النَّفَقَةَ (فَيَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ فُلَانٍ) عِنْدَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ (وَيَرُدُّ) النَّائِبُ (مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ إلَى الْوَصِيِّ أَوْ الْوَرَثَةِ) ، فِيهِ قُصُورٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَى مَنْ أَحَجَّ لِيَشْمَلَ مَنْ عَجَزَ فَأَحَجَّ تَدَبَّرْ (وَيَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ وَيُقَالُ صَرُورَةً وَصَرَارَةٌ وَصَارُورَةٌ وَصَارُورٌ وَصَرُورِيٌّ صنوصاروراء كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ الْحَجُّ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ إلَى عَامٍ قَابِلٍ وَيَحُجَّ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى أَهْلِهِ بِمَالِهِ وَإِنْ فَقِيرًا فَلْيَحْفَظْ وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ (وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ) الْمَأْذُونُ لِوُجُودِ أَفْعَالِ الْحَجِّ (وَغَيْرُهُمْ أَوْلَى) لِيَقَعَ حَجُّهُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَلِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الْخِلَافِ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَيُكْرَهُ إحْجَاجُ الْأُنْثَى وَالْعَبْدِ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. (وَمَنْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا ضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا) إنْ أَنْفَقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ لَهُ الْحَجَّ وَأَنْ يَنْوِيَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَارَ مُخَالِفًا وَلَا يَكُونُ عَنْ أَحَدِهِمَا إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ (وَالْحَجَّةُ لَهُ) أَيْ لِلْحَاجِّ. (وَإِنْ أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ) بِأَنْ نَوَى أَحَدَهُمَا

стр. 308

غَيْرَ مُعَيِّنٍ (ثُمَّ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْمُضِيِّ صَحَّ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شُرِعَ وَسِيلَةً وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ وَضَمِنَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّعْيِينِ وَالْإِبْهَامُ يُخَالِفُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ كَمَا إذَا أُمِرَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ وَآخَرُ بِالْعُمْرَةِ فَقَرَنَ بَيْنَهُمَا إلَّا إذَا أَذِنَا بِالْجَمْعِ (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمُضِيِّ (لَا) يَصِحُّ تَعْيِينُهُ اتِّفَاقًا (وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ عَلَى الْمَأْمُورِ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَالْمَأْمُورُ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ يَقَعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ وُقُوعٌ شَرْعِيٌّ وَوُجُوبُ دَمِ الشُّكْرِ سَبَبٌ عَنْ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ الصَّادِرِ عَنْ الْمَأْمُورِ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِحَّةُ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَكَذَا) يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ (دَمُ الْجِنَايَةِ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي وَأُطْلِقَ فِي دَمِ الْجِنَايَةِ فَشَمَلَ دَمَ الْجِمَاعِ وَدَمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَدَمَ الْحَلْقِ وَدَمَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ وَدَمَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي دَمِ الْجِنَايَةِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ (وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِدُخُولِهِ فِي الْعُهْدَةِ بِأَمْرِهِ فَعَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ) الْمَحْجُوجُ عَنْهُ (مَيِّتًا فَفِي مَالِهِ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى وَمَاتَ فَإِنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ وَاجِبٌ فِي ثُلُثِ الْمَالِ وَقِيلَ فِي كُلِّهِ عِنْدَهُمَا، وَفِي مَالِ الْمَأْمُورِ عِنْدَهُ وَلَوْ قَالَ وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ مَيِّتًا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى. (وَإِنْ جَامَعَ) الْمَأْمُورُ (قَبْلَ الْوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا بِالْإِفْسَادِ. (وَإِنْ مَاتَ الْمَأْمُورُ) وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْحَاجُّ بِنَفْسِهِ فَأَوْصَى بِالْحَجِّ (فِي الطَّرِيقِ) بَعْدَمَا أَنْفَقَ بَعْضَ النَّفَقَةِ (يَحُجُّ عَنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ) أَيْ الْمُوصِي، أَوْ الْوَصِيِّ وَالْوَارِثِ قِيَاسًا عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا اتَّحَدَ مَكَانُهُمَا فَإِنْ اخْتَلَفَ مَكَانُهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ مِنْ مَكَّةَ يَحُجُّ عَنْهُ وَالْمَالُ وَافٍ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَافِيًا بِهِ يَحُجُّ مِنْ حَيْثُ يُمْكِنُ (بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ) مَجْمُوعِ (مَالِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَثَلًا ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَ الْأَلْفَ فَسُرِقَ يَحُجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ الْأَلْفَيْنِ سِتِّمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِينَ (وَعِنْدَهُمَا) يَحُجُّ (مِنْ حَيْثُ مَاتَ الْمَأْمُورُ) بِالْحَجِّ (لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) يَحُجُّ عَنْهُ (بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ) الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَثَلًا أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَدَفَعَ الْأَلْفَ فَسُرِقَ يَحُجُّ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَدَفَعَ الْأَلْفَ فَسُرِقَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يَحُجُّ عَنْهُ (بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ) ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ) ، أَوْ غَيْرِهِمَا (ثُمَّ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْهُ

стр. 309

بَلْ يَكُونُ جَاعِلًا ثَوَابَ حَجِّهِ لَهُ وَنِيَّتُهُ عَنْهُمَا لَغْوٌ (وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ) هَذَا وَقَعَ فِي مَعْرِضِ الْعِلَّةِ لِمَا قَبْلَهُ. [بَابُ الْهَدْيِ] ِ) (هُوَ) اسْمُ مَا يُهْدَى مِنْ النِّعَمِ إلَى الْحَرَمِ لِيَتَقَرَّبَهُ (مِنْ إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ) وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَأَقَلُّهُ شَاةٌ وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ) أَيْ الْهَدْيِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَيُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ كَالْأُضْحِيَّةِ (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ) وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي الْكُلِّ أَيْ الْجِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا (إلَّا إذَا طَافَ لِلزِّيَادَةِ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ (جُنُبًا أَوْ جَامَعَ بَعْدَ وُقُوفِ عَرَفَةَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا إلَّا الْبَدَنَةُ) ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّعْمِيمَ فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَوْ جَزُورًا لَا تُجْزِيهِ الشَّاةُ (وَيَأْكُلُ) اسْتِحْبَابًا (مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ) إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ (وَالْمُتْعَةُ وَالْقِرَانُ) إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ (لَا) يَأْكُلُ (مِنْ غَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ (وَخُصَّ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ دُونَ غَيْرِهِمَا) أَيْ يَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَ) خُصَّ (الْكُلُّ بِالْحَرَمِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاءَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ مَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ وَدَمُ التَّطَوُّعِ فِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ وَدَمُ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُمَا وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ وَهُوَ دَمُ الْجِنَايَاتِ وَدَمُ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُ وَالتَّطَوُّعُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَمَا كَانَ عَكْسَهُ وَهُوَ دَمُ الْأُضْحِيَّةِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِمَا وَهُوَ دَمُ النُّذُورِ وَعِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَتَعَيَّنُ بِالْمَكَانِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ الْهَدْيِ (عَلَى فَقِيرِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَخْتَصُّ بِهِ (وَيَتَصَدَّقُ بِجُلِّهِ) وَهُوَ بِالضَّمِّ مَا يُطْرَحُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ (وَحِطَامِهِ) بِالْكَسْرِ وَهُوَ حَبْلٌ يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَعِيرِ (وَلَا يُعْطِي أَجْرَ الْجَزَّارِ) أَيْ الذَّابِحِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْهَدْيِ وَلَكِنْ لَوْ تَصَدَّقَ شَيْئًا عَلَيْهِ سِوَى أُجْرَتِهِ جَازَ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ

стр. 310

(وَلَا يَرْكَبُهُ) أَيْ الْهَدْيَ (إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ أَنْ يَرْكَبَهُ بِغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُهْزِلَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ (فَإِنْ نَقَصَ بِرُكُوبِهِ) شَيْءٌ مِنْهُ (ضَمِنَهُ) أَيْ النُّقْصَانَ (وَلَا يَحْلِبُهُ) أَيْ الْهَدْيَ إذَا كَانَ لَهُ لَبَنٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ (فَإِنْ حَلَبَهُ) وَانْتَفَعَ بِهِ، أَوْ دَفَعَهُ إلَى الْغَنِيِّ لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِوَبَرِهِ، أَوْ صُوفِهِ (تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ بِاللَّبَنِ (وَيَنْضَحُ ضَرْعَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَنْقَطِعَ لَبَنُهُ) قَالُوا هَذَا إذَا قَرُبَ مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ وَأَمَّا إذَا أُبْعِدَ عَنْهُ فَيُحْلَبُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ إلَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ فَإِنَّهُ بِالْقِيمَةِ وَلَوْ وَلَدَ الْهَدْيُ ذُبِحَ مَعَ الْوَلَدِ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ (فَإِنْ عَطِبَ) بِالْكَسْرِ أَيْ هَلَكَ (الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، أَوْ تَعَيَّبَ) عَيْبًا (فَاحِشًا) يَمْنَعُ جَوَازَ الْأُضْحِيَّةِ (أَقَامَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهِ وَالْعَيْبُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ (وَصَنَعَ بِالْمَعِيبِ مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِمِلْكِهِ وَإِنْ عَطِبَ أَيْ قَرُبَ إلَى الْعَطَبِ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ النَّحْرَ بَعْدَ حَقِيقَةِ الْعَطَبِ لَا يُتَصَوَّرُ (التَّطَوُّعُ نَحَرَهُ وَصَبَغَ نَعْلَهُ) أَيْ قِلَادَتَهُ (بِدَمِهِ وَضَرَبَ بِهِ) أَيْ بِنَعْلِهِ (صَفْحَتَهُ) أَيْ صَفْحَةَ سَنَامِهِ (وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَلَا غَنِيٌّ) لِعَدَمِ تَمَامِ الْقُرْبَةِ وَفَائِدَةُ الْفِعْلِ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُتْرَكَ لَحْمًا لِلسِّبَاعِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ (وَتُقَلَّدُ بَدَنَةُ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) ؛ لِأَنَّهَا دِمَاءُ نُسُكٍ (لَا) يُقَلَّدُ (غَيْرُهَا) كَدِمَاءِ الْجِنَايَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْإِحْصَارِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الْجِنَايَةُ، وَالسَّتْرُ أَلْيَقُ لَوْ قَلَّدَ دَمَ الْإِحْصَارِ لَا يَضُرُّ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي الْمُحِيطِ يُقَلِّدُ دَمَ النَّذْرِ. [مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ فِي كِتَاب الْحَجّ] مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ جَرَتْ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ أَنْ يَذْكُرُوا فِي آخِرِ الْكِتَابِ مَا شَذَّ وَنَدَرَ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْأَبْوَابِ السَّالِفَةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ وَيُتَرْجِمُوا عَنْهُ بِمَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ أَوْ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ مَسَائِلَ شَتَّى أَوْ مَسَائِلَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْأَبْوَابِ (شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ بَطَلَتْ) هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَالْحَجُّ صَحِيحٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ وَعَلَى أَمْرٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُمْ نَفْيُ حَجِّهِمْ وَالْحَجُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى عَامًّا لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِعَادَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ صِيَانَةً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْكَافِي وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ. (وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ) أَيْ الْيَوْمَ الَّذِي وَقَفُوا فِيهِ (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ صَحَّتْ) هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ فَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُنْظَرُ فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِمَامُ أَنْ

стр. 311

يَقِفَ بِالنَّاسِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْوُقُوفِ وَإِنْ لَمْ يَقِفُوا عَشِيَّتَهُ فَاتَهُمْ الْحَجُّ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَقِفَ مَعَهُمْ لَيْلًا لَا نَهَارًا فَكَذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقِفَ لَيْلًا مَعَ أَكْثَرِهِمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقِفُوا مِنْ الْغَدِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي لَفْظِ الْجَمْعِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ جَمْعٍ عَظِيمٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْكَافِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْفِتْنَةِ. (وَمَنْ تَرَكَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) وَرَمَى الْوُسْطَى وَالثَّالِثَةَ (فَإِنْ شَاءَ رَمَاهَا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْجِمَارِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا وَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْمِيَ الْكُلَّ) رِعَايَةً لِلتَّرْتِيبِ الْمَسْنُونِ. (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ) عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْحَجَّ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ لِأَنَّ الْمَشْيَ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ فَيَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ، وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ مَشْيَهُ مَكْرُوهٌ (وَقِيلَ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَفْعَالِهِ (فَإِنْ رَكِبَ لَزِمَهُ دَمٌ) وَإِنْ رَكِبَ فِي الْأَقَلِّ تَصَدَّقَ (حَلَالٌ اشْتَرَى أَمَةً مُحْرِمَةً بِالْإِذْنِ) أَيْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى (فَلَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (أَنْ يُحَلِّلَهَا) وَالْأَوْلَى تَحْلِيلُهَا (بِقَصِّ شَعْرٍ، أَوْ قَلْمِ ظُفْرٍ قَبْلَ الْجِمَاعِ) . (وَمِنْ الْمُهِمَّاتِ) أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إلَى اسْتِحْبَابِهَا إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورَاتِ وَذَهَبَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَالْإِمَامُ مَالِكٌ إلَى كَرَاهَتِهَا وَهُوَ الْأَحْوَطُ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُمَا وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ خَاصَّةٌ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ لِلْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ حَرَمٌ فِي حَقِّ الصُّيُودِ وَالْأَشْجَارِ وَغَيْرِهِمَا الْحَجُّ تَطَوُّعًا أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ حَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ بِخِلَافِ النَّفْلِ لَا يَتَزَوَّجُ الْمُقْتَدِرُ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ جَازَ حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَالشَّافِعِيِّ. وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا سِوَاهَا وَمِنْ أَحْسَنِ الْمَنْدُوبَاتِ بَلْ يَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ زِيَارَةُ قَبْرِ نَبِيِّنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ حَرَّضَ ﵇ عَلَى زِيَارَتِهِ وَبَالَغَ فِي النَّدْبِ إلَيْهَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَقَوْلُهُ «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا يُهِمُّهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَوْلُهُ «لَا عُذْرَ لِمَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ مِنْ أُمَّتِي وَلَمْ يَزُرْنِي» وَقَوْلُهُ «مَنْ صَلَّى عَلَى قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ» وَقَوْلُهُ «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَقَوْلُهُ «مَنْ زَارَنِي إلَى الْمَدِينَةِ مُتَعَمِّدًا كَانَ فِي جِوَارِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ إذَا لَمْ يَقَعْ

стр. 312

فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ ثُمَّ يُثَنِّي بِالزِّيَارَةِ فَإِذَا نَوَاهَا فَلْيَنْوِ مَعَهَا زِيَارَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا يُكْثِرُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ أَشْرَفُ التَّحِيَّاتِ وَأَفْضَلُ التَّسْلِيمَاتِ، وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ اغْتَسَلَ بِظَاهِرِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، أَوْ تَوَضَّأَ وَلَكِنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ وَلَبِسَ نَظِيفَ ثِيَابِهِ وَكُلَّ مَا كَانَ أَدْخَلَ فِي الْأَدَبِ وَالْإِجْلَالِ فَعَلَهُ وَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . الْآيَةُ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك وَرَحْمَتِك وَارْزُقْنِي زِيَارَةَ قَبْرِ رَسُولِك الْمُجْتَبَى ﵊ مَا رَزَقْتَ أَوْلِيَاءَكَ وَأَهْلَ طَاعَتِك وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي يَا خَيْرَ مَسْئُولٍ وَلْيَكُنْ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا بِكَمَالِ الْأَدَبِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَيَدْخُلُ مِنْ الْبَابِ الْمَعْرُوفِ بِبَابِ جِبْرِيلَ ﵊ قَاصِدًا الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» فَيُصَلِّي عِنْدَ مِنْبَرِهِ ﵊ رَكْعَتَيْنِ يَقِفُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودُ الْمِنْبَرِ بِحِذَاءِ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَسْجُدُ شُكْرًا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ وَيَدْعُو بِمَا يُحِبُّ، ثُمَّ يَنْهَضُ فَيَتَوَجَّهُ إلَى الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَدْنُو مِنْهُ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ وَلَا يَدْنُو مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ التُّرْبَةِ الشَّرِيفَةِ فَهُوَ أَهْيَبُ وَأَعْظَمُ لِلْحُرْمَةِ وَيَقِفُ كَمَا يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ إنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِينُهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ وَكَشَفْتَ الْغُمَّةَ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُبَارَكَ عِنْدَكَ سُبْحَانَكَ أَنْتَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ، وَأَعْظَمُ الْحَاجَاتِ سُؤَالُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ الشَّفَاعَةَ الْكُبْرَى وَأَتَوَسَّلُ بِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِكَ وَسُنَّتِكَ وَأَنْ أُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ عَنْ يَمِينِهِ إنْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَثَانِيهِ فِي الْغَارِ وَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكَ وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كَذَلِكَ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ أَنْتَ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِكَ الْإِسْلَامَ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ خَيْرًا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى حِيَالِهِ وَجْهَ

стр. 313

النَّبِيِّ ﵊ فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ بِأَفْضَلِ مَا يُمْكِنُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ يَفْعَلُ مَا شَاءَ مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْبَقِيعِ وَيَزُورَ الْقُبُورَ الَّتِي يُتَبَرَّكُ بِهَا كَقَبْرِ عُثْمَانَ وَعَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقُبُورِ صَاحِبِ الْأَصْحَابِ الْأَبْرَارِ وَالْآلِ الْأَخْيَارِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَسَائِرِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ ﵏ وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أَنْتُمْ لَنَا سَابِقُونَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَفْعَلُ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَيَكُونُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَا دَامَ سَاكِنًا فِيهَا فَإِذَا عَزَمَ إلَى السَّفَرِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَدِّعَ فِي الْمَسْجِدِ بِصَلَاةٍ وَقَدْ أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ «صَلَاةً فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَيَدْعُو بَعْدَهُ بِمَا أَحَبَّ وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِإِخْوَانِهِ الصَّالِحِينَ وَأَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدْخِلَهُ دَارَ النَّعِيمِ وَيُوَصِّلَهُ إلَى أَهْلِهِ سَالِمًا غَانِمًا بِخَيْرِ عَاقِبَةٍ وَحُسْنِ عَافِيَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يُمْكِنُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الْجِيرَانِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ بَاكِيًا حَزِينًا عَلَى فِرَاقِ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَمِنْ السُّنَنِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ وَإِذَا دَخَلَ بَلَدَهُ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبَّ الشَّيَاطِينَ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَّيْنَ وَنَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَنَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَشَرِّ مَا فِيهَا اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِيهَا قَرَارًا وَارْزُقْنِي رِزْقًا حَسَنًا طَيِّبًا حَلَالًا مُبَارَكًا وَيَنْبَغِي لِمَنْ يَتَوَجَّهُ إلَى الْحَجِّ الشَّرِيفِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا اكْتَسَبَ وَمَا فَعَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ عَسَى رَبُّهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَأَنْ يُرْضِيَ خُصُومَهُ وَيَقْضِيَ دُيُونَهُ إلَّا مَا كَانَ مُؤَجَّلًا وَيَرُدَّ الْوَدَائِعَ إلَى أَهْلِهَا وَيَتْرُكَ نَفَقَةَ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَيَسْتَصْحِبَ نَفَقَةً طَيِّبَةً قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ وَيَكُونَ عَلَى رِفْقٍ مَعَ رُفَقَائِهِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ وَعَلَى سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَطْوَارِ وَيَفْعَلُ مَا لَا يَتَأَلَّمُ مِنْهُ الْخَلْقُ وَلَا يَتَأَذَّى وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ إنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ فَإِذَا تَوَجَّهَ السَّفَرَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالتَّيْسِيرَ لِمَا أَرَادَ وَالْحِفْظَ مِنْ شَرِّ الْعِبَادِ وَالطُّغَاةِ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا يَطِيبُ قَلْبُهُ مِنْ أَطْيَبِ الْأَمْوَالِ مِنْ مَالِهِ الْحَلَالِ وَيَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ يُوَدِّعُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَسَائِرَ مَنْ حَضَرَ

стр. 314

وَيَقُولُ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ وَيَقُولُ لَهُ أَهْلُهُ عِنْدَ التَّوْدِيعِ سِرْ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكَنَفِهِ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى وَجَنَّبَكَ الْخَبَائِثَ وَالرَّدَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا كُنْتَ وَتَوَجَّهْتَ وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ مَنْزِلِهِ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ وَخَتَمَهَا وَإِذَا رَكِبَ دَابَّتَهُ يَقُولُ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَجَعَلَنَا أُمَّةَ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ ﵊ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَسَيِّرْنَا فِيهَا بِطَاعَتِكَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَأَطْلُبُ مِنْكَ الْعَوْنَ وَالْعِنَايَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، أَوْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوْ يَوْمِ السَّبْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَيَقُولُ فِي نُزُولِهِ فِي الْمُنْزَلِ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ وَإِذَا حَطَّ رَحْلَهُ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اعْطِنَا خَيْرَ هَذَا الْمُنْزَلِ وَخَيْرَ مَا فِيهِ وَاكْفِنَا شَرَّهُ وَشَرَّ مَا فِيهِ وَإِذَا رَحَلَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا فِي مُنْقَلَبِنَا وَمَثْوَانَا اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجْتَنَا مِنْ مَنْزِلِنَا هَذَا سَالِمِينَ بَلِّغْنَا غَيْرَهُ آمِنِينَ وَيَكُونُ الْأَمْرُ كَذَا فِي كُلِّ مُنْزَلٍ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا زِيَارَةَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ بِحُرْمَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حَالٍ سِوَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ. [كِتَابُ النِّكَاحِ] ِ أَخَّرَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْبَسِيطِ مِنْ الْمُرَكَّبِ فَإِنَّهُ مُعَامَلَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَعِبَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ أَمَّا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاهَاةِ الرَّسُولِ ﵊ بِقَوْلِهِ «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَوْسِعَةِ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِح الْمُسْلِمِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَإِعْفَافِ الْحُرَمِ وَنَفْسِهِ وَدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهُنَّ وَأَمَّا مَعْنَى الْمُعَامَلَةِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي هُوَ عِوَضُ الْبُضْعِ وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالشَّهَادَةُ وَدُخُولُهُ تَحْتَ الْقَضَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مَفْهُومِهِ لُغَةً فَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ وَمَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ وَبِهِ صَرَّحَ مَشَايِخُنَا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ

стр. 315

أَفْرَادِ الضَّمِّ وَالْمَوْضُوعُ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةً فِي كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهِ تَعَلُّقُ بَقَاءِ الْعَالَمِ بِهِ الْمُقَدَّرُ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَلَهُ شَرْطٌ خَاصٌّ بِهِ وَهُوَ سَمَاعُ اثْنَيْنِ وَشُرُوطُهُ الَّتِي لَا تَخُصُّهُ الْأَهْلِيَّةُ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ فِي الْوَلِيِّ لَا فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَلَا فِي مُتَوَلِّي الْعَقْدِ فَإِنَّ تَزْوِيجَ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ جَائِزٌ وَتَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا فِي الْبَيْعِ فَصِحَّتُهُ هُنَا أَوْلَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَاللَّفْظِ الْقَائِمِ وَحُكْمُهُ حِلُّ اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا وَوُجُوبُ الْمَهْرِ عَلَيْهِ وَحُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَعَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ نُقِلَ إلَى الْعَقْدِ فَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَلِذَا أَخَذَ فِي تَعْرِيفِهِ فَقَالَ (هُوَ عَقْدٌ يُرَدُّ عَلَى مِلْكِ الْمُتْعَةِ) أَيْ حِلِّ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ فَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ ارْتِبَاطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ بَلْ الْأَجْزَاءُ الْمُرْتَبِطَةُ دُونَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ عِلَلًا أَرْبَعًا فَالْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ الْمُتَعَاقِدَانِ وَالْمَادِّيَّةُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالصُّورِيَّةُ الِارْتِبَاطُ الَّذِي يَعْتَبِرُ الشَّرْعُ وُجُودَهُ وَالْغَائِيَّةُ الْمَصَالِحُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنِّكَاحِ (قَصْدًا) احْتِرَازًا عَمَّا يُفِيدُ الْحِلَّ ضِمْنًا كَمَا إذَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَشِرَاءِ جَارِيَةٍ لِلتَّسَرِّي فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ شَرْعًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ ثَابِتٌ ضِمْنًا. وَإِنْ قَصَدَهُ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مِلْكُ الْمُتْعَةِ مَقْصُودًا كَمِلْكِ الرَّقَبَةِ فِي الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ لِتَخَلُّفِهِ عَنْهُ فِي شِرَاءِ مَحْرَمِهِ نَسَبًا وَرِضَاعًا وَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ. (يَجِبُ عِنْدَ التَّوَقَانِ) وَهُوَ الشَّوْقُ الْقَوِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ اللَّازِمُ فَيَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ لَا يَحْتَرِزُ عَنْهُ فَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْيَاخِنَا إلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلَاتِ. (وَيُكْرَهُ عِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ رِعَايَةِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ إنَّمَا هِيَ لِتَحْصِينِ النَّفْسِ وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ بِالْوَلَدِ وَاَلَّذِي يَخَافُ الْجَوْرَ يَأْثَمُ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ فَتَنْعَدِمُ الْمَصَالِحُ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَقَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ تَنْهَضْ بِهَا فَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ. (وَيُسَنُّ مُؤَكَّدًا حَالَةَ الِاعْتِدَالِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ ﵊ «النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَقَالَ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» وَذَهَبَ دَاوُد وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] «وَقَوْلُهُ ﵊ لِعَكَّافِ بْنِ خَالِدٍ أَلَكَ امْرَأَةٌ قَالَ لَا قَالَ تَزَوَّجْ فَإِنَّكَ مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى، وَفِي آخِرِهِ شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَأَرَاذِلُ أَمْوَاتِكُمْ عُزَّابُكُمْ وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ

стр. 316

وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ عَدَمُ ذِكْرِهِ ﵊ حِينَ ذَكَرَ أَرْكَانَ الدِّينِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَلَوْ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ. (وَيَنْعَقِدُ) أَيْ يَحْصُلُ وَيَتَحَقَّقُ النِّكَاحُ فِي الْوُجُودِ (بِإِيجَابٍ) فِي مَجْلِسٍ وَالْإِيجَابُ شَرْعًا لَفْظٌ صَدَرَ عَنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوَّلًا رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْجَوَابُ عَلَى الْآخَرِ بِنَعَمْ أَوْ لَا وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ (وَقَبُولٌ) هُوَ لَفْظٌ صَدَرَ عَنْ الْآخَرِ ثَانِيًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ فِي الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَتَبَ عَلَى وَرَقَةٍ مَثَلًا لِامْرَأَةٍ زَوِّجْنِي نَفْسَكَ فَكَتَبَتْ تَحْتَهُ زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْكَ لَا يَنْعَقِدُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي وَإِلَى أَنَّ الْقَبُولَ بَعْدَ ذِكْرِ مَا اتَّصَلَ بِالْإِيجَابِ مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ حَتَّى لَوْ قَبِلَ قَبْلَهُ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ (كِلَاهُمَا) يَكُونَانِ (بِلَفْظِ الْمَاضِي) ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَمَّا كَانَ الْإِنْشَاءَ وَالْإِثْبَاتَ اُخْتِيرَ لَهُ لَفْظُ الْمَاضِي الدَّالُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالْوُقُوعِ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ لِيَشْمَلَ اللَّفْظَيْنِ حُكْمًا وَهُوَ الصَّادِرُ مِنْ مُتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ شَرْعًا وَيَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ أَحَدُهُمَا) يَكُونُ بِلَفْظِ الْمَاضِي (كَزَوِّجْنِي فَقَالَ زَوَّجْتُ) قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَضْعًا لِلْمَاضِي كَزَوَّجْتُ وَتَزَوَّجْتُ وَيَنْعَقِدُ أَيْضًا بِمَا وُضِعَا أَيْ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَ أَحَدُهُمَا لِلْمَاضِي وَالْآخَرُ لِلِاسْتِقْبَالِ يَعْنِي الْأَمْرَ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِقْبَالِ كَزَوِّجْنِي وَزَوَّجْتُ وَإِنَّمَا عَطَفَ قَوْلَهُ بِمَا وُضِعَا عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا وُضِعَ لِلِاسْتِقْبَالِ لَيْسَ مِنْ الْإِيجَابِ وَلَا الْقَبُولِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي، ثُمَّ قَالَ وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَعَادَ لَفْظَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ الَّذِينَ أَحَدُهُمَا مَاضٍ وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بَلْ قَوْلُهُ زَوِّجْنِي تَوْكِيلٌ وَقَوْلُهُ زَوَّجْتُ إيجَابٌ وَقَبُولٌ حُكْمًا فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَصَاحِبُ الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ كَأَنَّهُمَا زَعَمَا أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ثَانِيًا وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ أَنَّ مَا وُضِعَ لِلْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إيجَابٌ وَقَبُولٌ فَقَصَدَا الِاخْتِصَارَ فَقَالَ الْأَوَّلُ وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لَفْظُهُمَا مَاضٍ كَزَوَّجْتُ وَتَزَوَّجْتُ، أَوْ مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ كَزَوِّجْنِي فَقَالَ زَوَّجْتُ وَقَالَ الثَّانِي وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَا لِلْمَاضِي، أَوْ أَحَدُهُمَا انْتَهَى، لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ جَعَلَ الصِّحَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا قَائِمًا بِالْمُجِيبِ وَصَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي النِّكَاحِ إيجَابٌ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ قَائِمًا بِالْمُجِيبِ وَالْقَابِلِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ هَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ إلَّا اللَّفْظَ الْمُفِيدَ قَصْدَ تَحْقِيقِ

стр. 317

الْمَعْنَى أَوَّلًا وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْأَمْرِ فَلْيَكُنْ إيجَابًا وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلِمْتُ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ إيجَابٌ، أَوْ تَوْكِيلٌ فَمَا فِي الْكَنْزِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الدُّرَرِ؛ لِأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الْقَوْلِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ الرَّاجِحَ كَوْنُهُ إيجَابًا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوْجِيهٍ آخَرَ كَتَوْجِيهِ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ مَعَ أَنَّهُ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ تَتَبَّعْ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَعْلَمَا) أَيْ الْعَاقِدَانِ (مَعْنَاهُمَا) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مُسْتَقْبَلًا أَوْ أَمْرًا مُرَادًا بِهِ الْإِيجَابُ إذْ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْعِلْمِ، ثُمَّ إنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْعَقِدُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مَعَ الْهَزْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ. (وَلَوْ قَالَ " دادي أَوْ يذيرفتى " فَقَالَ " داد، أَوْ يذيرفت " بِلَا مِيمٍ) مُتَّصِلَةٍ بِهِمَا (صَحَّ) الْعَقْدُ لِمَكَانِ الْعُرْفِ فَإِنَّ جَوَابَ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ قَدْ يُذْكَرُ بِالْمِيمِ وَبِدُونِهِ وَالْمِيمُ أَحْوَطُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا " داد " بِدُونِ قَوْلِهِ " يذيرفت " إلَّا إذَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ " دادي " التَّحْقِيقُ دُونَ السَّوْمِ وَأَمَّا إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا " ده ". وَقَالَ الْآخَرُ " دادم، أَوْ داد " فَيَكُونُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ " ده " أَمْرٌ وَتَوْكِيلٌ مِثْلُ زَوِّجْنِي وَإِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِدُونِ قَوْلِهِمَا " بزنى ". وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُذَكَّرَ لِتَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا (كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ) فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِمَا " فروخت وخريد " بِلَا مِيمٍ بَعْدَ " فروختي وخريدي ". (وَلَوْ قَالَا عِنْدَ الشُّهُودِ) جَمْعُ شَاهِدٍ مَعَ كِفَايَةِ الشَّاهِدَيْنِ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ هَهُنَا فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ لَا فِي شُرُوطِهِ مَعَ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ الْكُلِّ (" مازن وشويم ") أَيْ نَحْنُ زَوْجَانِ وَلَفْظُ زن عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الزَّوْجَةُ كَمَا أَنَّ شوى مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ (لَا يَنْعَقِدُ) عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا إذَا قَالَ هَذِهِ امْرَأَتِي وَقَالَتْ هَذَا زَوْجِي لَا يَنْعَقِدُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إظْهَارٌ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ وَصُحِّحَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ بِالْإِقْرَارِ بِمَحْضَرِ الشُّهُودِ صَحَّ النِّكَاحُ وَجُعِلَ إنْشَاءً وَإِلَّا فَلَا. وَفِي الْفَتْحِ إذَا أَقَرَّا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا إذَا قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ. (وَإِنَّمَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (بِلَفْظِ نِكَاحٍ) وَإِنْكَاحٍ (وَتَزْوِيجٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَرِيحَانِ فِيهِ (وَمَا وُضِعَ) أَيْ يَصِحُّ بِلَفْظٍ هُوَ مَوْضُوعٌ (لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَحُكِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ إنْ قُيِّدَتْ بِالْحَالِ كَمَا إذَا قَالَ أَوْصَيْتُ بِابْنَتِي لَكَ الْآنَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا فِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ عَدَمِ مَا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْحَالِ مَجَازٌ بِقَرِينَةِ الْآنَ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ الْكَلَامَ عَلَى ثُبُوتِ الْوَضْعِ فِي الْمَجَازِ وَيُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِنْهُ لَكِنَّهُ بَعِيدُ تَأَمُّلٍ. وَقَالَ

стр. 318

الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ (كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ) عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا (وَهِبَةٍ) ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَهُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ: وَهَبْتُ نَفْسَكِ مِنْكِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِضِدِّهِ، قُلْنَا وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ: تَزَوَّجِي إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ تَطْلُقُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ مَانِعٍ كَمَا قَالُوا. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ طَلَبَ مِنْ امْرَأَةٍ زِنًا فَقَالَتْ: وَهَبْتُ نَفْسِي مِنْكَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْكِينٌ مِنْ الزِّنَا، وَلَيْسَ بِهِبَةٍ حَقِيقَةً (وَصَدَقَةٍ وَتَمْلِيكٍ) وَعَطِيَّةٍ وَمِلْكٍ وَجُعْلٍ وَفِي الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ السَّلَمِ إنْ جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ مُسْلَمًا فِيهَا خِلَافٌ قِيلَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ حَتَّى لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْحَقِيقِيَّ يُفْسِدُ الْمَجَازِيَّ وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعًا. وَفِي الصَّرْفِ قَوْلَانِ قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ مِنْ النَّقْدِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا يَتَعَيَّنُ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ مِلْكَ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. وَفِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي فِي الْمُخْتَصَرِ، وَكَذَا يَنْعَقِدُ فِي الْقَرْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ كَلَفْظِ الْهِبَةِ. وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا فِي الْكَشْفِ وَالْوَلْوالِجِيَّة؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْحَيَوَانَاتِ فَلَا يَصِيرُ سَبَبًا لِحُكْمِ النِّكَاحِ انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْمَعْنَى فِي الْمَجَازِ عِنْدَ الْإِمَامِ. وَفِي جَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ حَالًّا إنْ ذَكَرَ الْمَهْرَ وَإِلَّا فَبِالنِّيَّةِ، انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الشُّهُودِ وَلَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالنِّيَّةِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، أَوْ يَدَّعِي كِفَايَةَ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الشُّهُودِ بِهَا وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (لَا بِإِجَارَةٍ) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ إذَا قَالَ آجَرْتُكَ بِنْتِي بِكَذَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَا وُضِعَتْ لِتَمْلِيكِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ مُؤَقَّتًا وَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَبَّدًا حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ انْعِقَادُهُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ أُجْرَةً فَيَنْعَقِدُ اتِّفَاقًا (وَإِبَاحَةً وَإِعَارَةً) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْفِدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْفَسْخِ وَالْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِحْلَالِ وَالرِّضَى وَالْإِجَازَةِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالصُّلْحِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِإِضَافَتِهِ لِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ خِلَافُهُ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ كَتَجَوَّزْتُ مَكَانَ تَزَوَّجْتُ كَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الدِّيَارِ مِنْ الْعَوَامّ عَلَى طَرِيقِ الْغَلَطِ أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ بِحَيْثُ إنَّهُمْ يَطْلُبُونَ بِهَا الدَّلَالَةَ عَلَى حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ وَتَصْدُرُ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ مِنْهَا فَفِيهِ قَوْلٌ بِانْعِقَادِ

стр. 319

النِّكَاحِ بِهَا حَتَّى أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَمَّا صُدُورُهَا لَا عَنْ قَصْدٍ إلَى وَضْعٍ جَدِيدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ طَلَبُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ فَبِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ صَحِيحًا فَلَا يَكُونُ وَضْعًا جَدِيدًا كَمَا فِي التُّوَيْجِ وَعَلَى هَذَا يَنْعَقِدُ بِاللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَصْدُرُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَاسْتِعْمَالٍ رَجِيحٍ بِخِلَافِ لَفْظِ تَجَوَّزْتُ فَإِنَّهُ يَصْدُرُ لَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ بَلْ عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا (وَوَصِيَّةٍ) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ وَصِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ. [شُرُوط صِحَّةِ النِّكَاحِ] (وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (سَمَاعُ كُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَا زَوْجَيْنِ، أَوْ غَيْرَهُمَا لَكِنْ يُشْكِلُ الْإِطْلَاقُ بِنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ وَبِمَا إذَا ذَكَرَ الزَّوْجُ اسْمَ امْرَأَةٍ غَائِبَةٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ، تَدَبَّرَ. (لَفْظَ الْآخَرِ) حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا كَتَبَ رَجُلٌ وَأَشْهَدَ جَمَاعَةً فَأَوْصَلُوا الْكِتَابَ إلَى امْرَأَةٍ فَقَرَأَتْهُ عِنْدَهُمْ فَقَبِلَتْ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ التَّزْوِيجَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ كَالْخِطَابِ خِلَافًا لَهُمَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ حَكَوْا فِيهِ اخْتِلَافًا. وَفِي الْبَحْرِ فِي صَغِيرَيْنِ قَالَ أَبُ أَحَدِهِمَا زَوَّجْتُ بِنْتِي هَذِهِ مِنْ ابْنِكَ هَذَا وَقَبِلَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ غُلَامًا وَالْغُلَامُ جَارِيَةً جَازَ ذَلِكَ وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ لَا يَجُوزُ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الشَّاهِدَيْنِ لِلْمَرْأَةِ وَلَا رُؤْيَةُ وَجْهِهَا فَلَوْ سَمِعَا صَوْتَهَا مِنْ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُهَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُتَنَقِّبَةً جَازَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالِاحْتِيَاطُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا، أَوْ يَذْكُرَ أَبُوهَا وَجَدُّهَا وَتُنْسَبُ إلَى الْمَحَلَّةِ إلَّا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الشُّهُودِ وَعَلِمَ الشُّهُودُ أَنَّهُ أَرَادَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَا غَيْرَ. وَقَالَ الْخَصَّافُ لَوْ غَابَتْ جَازَ بِذِكْرِ الِاسْمِ بِلَا مَعْرِفَتِهِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ كَانَ لَهَا اسْمَانِ اسْمٌ فِي صِغَرِهَا وَآخَرُ فِي كِبَرِهَا تَزَوَّجَ بِالْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِهِ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِنْتَانِ كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ لَا يَنْعَقِدُ إذَا لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَقِيلَ يَنْعَقِدُ عَلَى فَاطِمَةَ وَلَوْ قَالَ بِنْتِي فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالُوا يَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَ) شُرِطَ أَيْضًا (حُضُورُ) شَاهِدَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَعَنْ قَاسِمٍ الصَّفَّارِ وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهَذَا كُفْرٌ،. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُعْرَضُ عَلَى رُوحِهِ ﵊ فَيَعْرِفُ بِبَعْضِ الْغَيْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] (حُرَّيْنِ) عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْقِنَّيْنِ وَالْمُكَاتَبَيْنِ وَالْمُدَبَّرَيْنِ (أَوْ حُرٍّ وَحُرَّتَيْنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (مُكَلَّفَيْنِ) عَلَى لَفْظِ الْمُثَنَّى الْمُذَكَّرِ لِأَنَّ الْحُرَّتَيْنِ فِي حُكْمِ الْحُرِّ فَيَصِحُّ عِنْدَ سَكْرَانَيْنِ يَعْرِفَانِ النِّكَاحَ وَإِنْ لَمْ يُذَكَّرَا عِنْدَ الصَّحْوِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بِحُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ

стр. 320

وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ صَبِيَّيْنِ وَمَجْنُونَيْنِ وَلَا عِنْدَ مُرَاهِقَيْنِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ إذَا أَعْلَنُوا وَلَوْ بِحُضُورِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﵊ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ بِلَا شُهُودٍ، تَدَبَّرْ. (مُسْلِمَيْنِ إنْ) كَانَتْ (الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً) إذْ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ يَنْعَقِدُ بِلَا شُهُودٍ كَمَا قَالُوا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا يُلْزِمَانِهِمْ أَحْكَامَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ بِلَا شُهُودٍ عِنْدَهُمَا، تَدَبَّرْ. (سَامِعَيْنِ مَعًا لَفْظَهُمَا) أَيْ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (فَلَا يَصِحُّ إنْ سَمِعَا مُتَفَرِّقَيْنِ) بِأَنْ يَسْمَعَ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا وَالْآخَرُ آخِرًا وَالْمَجْلِسُ مُتَّحِدٌ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَجَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فِي مَجْلِسَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا قِيلَ يَنْعَقِدُ بِحَضْرَةِ النَّائِمَيْنِ وَإِنْ صُحِّحَ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَهُمَا كَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِحَضْرَةِ الْأَصَمَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَصَمَّ فَسَمِعَ الْآخَرَ، ثُمَّ خَرَجَ وَأَسْمَعَ صَاحِبَهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ عَنْ الْأَخْرَسَيْنِ إلَّا إذَا كَانَا سَامِعَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الشَّرْطُ حَضْرَةُ الشَّاهِدَيْنِ دُونَ السَّمَاعِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فَهْمُ الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ الْبَقَّالِيُّ. وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِالْعَرَبِيَّةِ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ يُحْسِنَانِ الْعَرَبِيَّةَ وَالشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فَهْمُ الشُّهُودِ أَنَّهُ نِكَاحٌ وَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ عَقَدَ بِحَضْرَةِ الْهِنْدِيَّيْنِ وَلَمْ يَفْهَمَا كَلَامَهُمَا لَمْ يَجُزْ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (وَجَازَ كَوْنُهُمَا فَاسِقَيْنِ أَوْ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ) بِلَا تَوْبَةٍ لِأَهْلِيَّتِهِمَا تَحَمُّلًا لَا أَدَاءً خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ قَبُولَ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحُضُورِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَاسِقُ وَالْمَحْدُودُ وَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ (أَوْ أَعْمَيَيْنِ) وَلِلشَّافِعِيِّ فِي أَعْمَيَيْنِ وَجْهَانِ فِي وَجْهٍ تُقْبَلُ، وَفِي وَجْهٍ لَا (أَوْ ابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ) وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ نُقِلَ عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (أَوْ ابْنَيْ أَحَدِهِمَا) لِوُجُودِ أَهْلِيَّةِ التَّحَمُّلِ (وَلَا يَظْهَرُ) ثُبُوتُ الْعَقْدِ عِنْدَ الْحُكَّامِ (بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ دَعْوَى الْقَرِيبِ) وَإِنْكَارِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِنَفْعِ الْقَرِيبِ فَإِنْ كَانَ الِابْنَانِ مِنْهُمَا لَا تُقْبَلُ لَهُمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ لَهُ وَتُقْبَلُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ قَدْ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا فَلَا يَخْلُو عَنْ تَكْرَارٍ. (وَصَحَّ تَزَوُّجُ مُسْلِمٍ ذِمِّيَّةً) كِتَابِيَّةً (عَنْ ذِمِّيَّيْنِ) كِتَابِيَّيْنِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ لِأَجْلِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ لَا لِأَجْلِ الْمَهْرِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ (وَلَا يَظْهَرُ بِشَهَادَتِهِمَا) أَيْ الذِّمِّيَّيْنِ (إنْ ادَّعَتْ) الذِّمِّيَّةُ وَجَحَدَ الْمُسْلِمُ وَبِالْعَكْسِ يَظْهَرُ. (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ
следующие страницы →