Полный текст (1 543 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ عَدَمُ ذِكْرِهِ ﵊ حِينَ ذَكَرَ أَرْكَانَ الدِّينِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَلَوْ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ.
(وَيَنْعَقِدُ) أَيْ يَحْصُلُ وَيَتَحَقَّقُ النِّكَاحُ فِي الْوُجُودِ (بِإِيجَابٍ) فِي مَجْلِسٍ وَالْإِيجَابُ شَرْعًا لَفْظٌ صَدَرَ عَنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوَّلًا رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْجَوَابُ عَلَى الْآخَرِ بِنَعَمْ أَوْ لَا وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ (وَقَبُولٌ) هُوَ لَفْظٌ صَدَرَ عَنْ الْآخَرِ ثَانِيًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ فِي الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَتَبَ عَلَى وَرَقَةٍ مَثَلًا لِامْرَأَةٍ زَوِّجْنِي نَفْسَكَ فَكَتَبَتْ تَحْتَهُ زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْكَ لَا يَنْعَقِدُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي وَإِلَى أَنَّ الْقَبُولَ بَعْدَ ذِكْرِ مَا اتَّصَلَ بِالْإِيجَابِ مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ حَتَّى لَوْ قَبِلَ قَبْلَهُ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ (كِلَاهُمَا) يَكُونَانِ (بِلَفْظِ الْمَاضِي) ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَمَّا كَانَ الْإِنْشَاءَ وَالْإِثْبَاتَ اُخْتِيرَ لَهُ لَفْظُ الْمَاضِي الدَّالُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالْوُقُوعِ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ لِيَشْمَلَ اللَّفْظَيْنِ حُكْمًا وَهُوَ الصَّادِرُ مِنْ مُتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ شَرْعًا وَيَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ أَحَدُهُمَا) يَكُونُ بِلَفْظِ الْمَاضِي (كَزَوِّجْنِي فَقَالَ زَوَّجْتُ) قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَضْعًا لِلْمَاضِي كَزَوَّجْتُ وَتَزَوَّجْتُ وَيَنْعَقِدُ أَيْضًا بِمَا وُضِعَا أَيْ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَ أَحَدُهُمَا لِلْمَاضِي وَالْآخَرُ لِلِاسْتِقْبَالِ يَعْنِي الْأَمْرَ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِقْبَالِ كَزَوِّجْنِي وَزَوَّجْتُ وَإِنَّمَا عَطَفَ قَوْلَهُ بِمَا وُضِعَا عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا وُضِعَ لِلِاسْتِقْبَالِ لَيْسَ مِنْ الْإِيجَابِ وَلَا الْقَبُولِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي، ثُمَّ قَالَ وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَعَادَ لَفْظَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ الَّذِينَ أَحَدُهُمَا مَاضٍ وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلٌ لَيْسَا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بَلْ قَوْلُهُ زَوِّجْنِي تَوْكِيلٌ وَقَوْلُهُ زَوَّجْتُ إيجَابٌ وَقَبُولٌ حُكْمًا فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَصَاحِبُ الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ كَأَنَّهُمَا زَعَمَا أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ثَانِيًا وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ أَنَّ مَا وُضِعَ لِلْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إيجَابٌ وَقَبُولٌ فَقَصَدَا الِاخْتِصَارَ فَقَالَ الْأَوَّلُ وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لَفْظُهُمَا مَاضٍ كَزَوَّجْتُ وَتَزَوَّجْتُ، أَوْ مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ كَزَوِّجْنِي فَقَالَ زَوَّجْتُ وَقَالَ الثَّانِي وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَا لِلْمَاضِي، أَوْ أَحَدُهُمَا انْتَهَى، لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ جَعَلَ الصِّحَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا قَائِمًا بِالْمُجِيبِ وَصَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي النِّكَاحِ إيجَابٌ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ قَائِمًا بِالْمُجِيبِ وَالْقَابِلِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ هَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ إلَّا اللَّفْظَ الْمُفِيدَ قَصْدَ تَحْقِيقِ
стр. 317
الْمَعْنَى أَوَّلًا وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْأَمْرِ فَلْيَكُنْ إيجَابًا وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلِمْتُ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ إيجَابٌ، أَوْ تَوْكِيلٌ فَمَا فِي الْكَنْزِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الدُّرَرِ؛ لِأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الْقَوْلِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ الرَّاجِحَ كَوْنُهُ إيجَابًا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوْجِيهٍ آخَرَ كَتَوْجِيهِ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ مَعَ أَنَّهُ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ تَتَبَّعْ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَعْلَمَا) أَيْ الْعَاقِدَانِ (مَعْنَاهُمَا) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مُسْتَقْبَلًا أَوْ أَمْرًا مُرَادًا بِهِ الْإِيجَابُ إذْ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْعِلْمِ، ثُمَّ إنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْعَقِدُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مَعَ الْهَزْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ.
(وَلَوْ قَالَ " دادي أَوْ يذيرفتى " فَقَالَ " داد، أَوْ يذيرفت " بِلَا مِيمٍ) مُتَّصِلَةٍ بِهِمَا (صَحَّ) الْعَقْدُ لِمَكَانِ الْعُرْفِ فَإِنَّ جَوَابَ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ قَدْ يُذْكَرُ بِالْمِيمِ وَبِدُونِهِ وَالْمِيمُ أَحْوَطُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا " داد " بِدُونِ قَوْلِهِ " يذيرفت " إلَّا إذَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ " دادي " التَّحْقِيقُ دُونَ السَّوْمِ وَأَمَّا إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا " ده ".
وَقَالَ الْآخَرُ " دادم، أَوْ داد " فَيَكُونُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ " ده " أَمْرٌ وَتَوْكِيلٌ مِثْلُ زَوِّجْنِي وَإِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِدُونِ قَوْلِهِمَا " بزنى ".
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُذَكَّرَ لِتَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا (كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ) فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِمَا " فروخت وخريد " بِلَا مِيمٍ بَعْدَ " فروختي وخريدي ".
(وَلَوْ قَالَا عِنْدَ الشُّهُودِ) جَمْعُ شَاهِدٍ مَعَ كِفَايَةِ الشَّاهِدَيْنِ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ هَهُنَا فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ لَا فِي شُرُوطِهِ مَعَ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ الْكُلِّ (" مازن وشويم ") أَيْ نَحْنُ زَوْجَانِ وَلَفْظُ زن عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الزَّوْجَةُ كَمَا أَنَّ شوى مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ (لَا يَنْعَقِدُ) عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا إذَا قَالَ هَذِهِ امْرَأَتِي وَقَالَتْ هَذَا زَوْجِي لَا يَنْعَقِدُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إظْهَارٌ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ وَصُحِّحَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ بِالْإِقْرَارِ بِمَحْضَرِ الشُّهُودِ صَحَّ النِّكَاحُ وَجُعِلَ إنْشَاءً وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْفَتْحِ إذَا أَقَرَّا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا إذَا قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ.
(وَإِنَّمَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (بِلَفْظِ نِكَاحٍ) وَإِنْكَاحٍ (وَتَزْوِيجٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَرِيحَانِ فِيهِ (وَمَا وُضِعَ) أَيْ يَصِحُّ بِلَفْظٍ هُوَ مَوْضُوعٌ (لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَحُكِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ إنْ قُيِّدَتْ بِالْحَالِ كَمَا إذَا قَالَ أَوْصَيْتُ بِابْنَتِي لَكَ الْآنَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا فِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ عَدَمِ مَا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْحَالِ مَجَازٌ بِقَرِينَةِ الْآنَ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ الْكَلَامَ عَلَى ثُبُوتِ الْوَضْعِ فِي الْمَجَازِ وَيُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِنْهُ لَكِنَّهُ بَعِيدُ تَأَمُّلٍ.
وَقَالَ
стр. 318
الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ (كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ) عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا (وَهِبَةٍ) ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَهُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ: وَهَبْتُ نَفْسَكِ مِنْكِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِضِدِّهِ، قُلْنَا وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ: تَزَوَّجِي إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ تَطْلُقُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ مَانِعٍ كَمَا قَالُوا.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ طَلَبَ مِنْ امْرَأَةٍ زِنًا فَقَالَتْ: وَهَبْتُ نَفْسِي مِنْكَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْكِينٌ مِنْ الزِّنَا، وَلَيْسَ بِهِبَةٍ حَقِيقَةً (وَصَدَقَةٍ وَتَمْلِيكٍ) وَعَطِيَّةٍ وَمِلْكٍ وَجُعْلٍ وَفِي الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ السَّلَمِ إنْ جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ مُسْلَمًا فِيهَا خِلَافٌ قِيلَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ حَتَّى لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْحَقِيقِيَّ يُفْسِدُ الْمَجَازِيَّ وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعًا.
وَفِي الصَّرْفِ قَوْلَانِ قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ مِنْ النَّقْدِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا يَتَعَيَّنُ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ مِلْكَ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي فِي الْمُخْتَصَرِ، وَكَذَا يَنْعَقِدُ فِي الْقَرْضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ كَلَفْظِ الْهِبَةِ.
وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا فِي الْكَشْفِ وَالْوَلْوالِجِيَّة؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْحَيَوَانَاتِ فَلَا يَصِيرُ سَبَبًا لِحُكْمِ النِّكَاحِ انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْمَعْنَى فِي الْمَجَازِ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَفِي جَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ حَالًّا إنْ ذَكَرَ الْمَهْرَ وَإِلَّا فَبِالنِّيَّةِ، انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الشُّهُودِ وَلَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالنِّيَّةِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، أَوْ يَدَّعِي كِفَايَةَ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الشُّهُودِ بِهَا وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (لَا بِإِجَارَةٍ) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ إذَا قَالَ آجَرْتُكَ بِنْتِي بِكَذَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَا وُضِعَتْ لِتَمْلِيكِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ مُؤَقَّتًا وَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَبَّدًا حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ انْعِقَادُهُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ أُجْرَةً فَيَنْعَقِدُ اتِّفَاقًا (وَإِبَاحَةً وَإِعَارَةً) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْفِدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْفَسْخِ وَالْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِحْلَالِ وَالرِّضَى وَالْإِجَازَةِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالصُّلْحِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِإِضَافَتِهِ لِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ خِلَافُهُ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ كَتَجَوَّزْتُ مَكَانَ تَزَوَّجْتُ كَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الدِّيَارِ مِنْ الْعَوَامّ عَلَى طَرِيقِ الْغَلَطِ أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ بِحَيْثُ إنَّهُمْ يَطْلُبُونَ بِهَا الدَّلَالَةَ عَلَى حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ وَتَصْدُرُ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ مِنْهَا فَفِيهِ قَوْلٌ بِانْعِقَادِ
стр. 319
النِّكَاحِ بِهَا حَتَّى أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَمَّا صُدُورُهَا لَا عَنْ قَصْدٍ إلَى وَضْعٍ جَدِيدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ طَلَبُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ فَبِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ صَحِيحًا فَلَا يَكُونُ وَضْعًا جَدِيدًا كَمَا فِي التُّوَيْجِ وَعَلَى هَذَا يَنْعَقِدُ بِاللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَصْدُرُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَاسْتِعْمَالٍ رَجِيحٍ بِخِلَافِ لَفْظِ تَجَوَّزْتُ فَإِنَّهُ يَصْدُرُ لَا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ بَلْ عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا (وَوَصِيَّةٍ) أَيْ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ وَصِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ.
[شُرُوط صِحَّةِ النِّكَاحِ]
(وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (سَمَاعُ كُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَا زَوْجَيْنِ، أَوْ غَيْرَهُمَا لَكِنْ يُشْكِلُ الْإِطْلَاقُ بِنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ وَبِمَا إذَا ذَكَرَ الزَّوْجُ اسْمَ امْرَأَةٍ غَائِبَةٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ، تَدَبَّرَ. (لَفْظَ الْآخَرِ) حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا كَتَبَ رَجُلٌ وَأَشْهَدَ جَمَاعَةً فَأَوْصَلُوا الْكِتَابَ إلَى امْرَأَةٍ فَقَرَأَتْهُ عِنْدَهُمْ فَقَبِلَتْ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ التَّزْوِيجَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ كَالْخِطَابِ خِلَافًا لَهُمَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ حَكَوْا فِيهِ اخْتِلَافًا.
وَفِي الْبَحْرِ فِي صَغِيرَيْنِ قَالَ أَبُ أَحَدِهِمَا زَوَّجْتُ بِنْتِي هَذِهِ مِنْ ابْنِكَ هَذَا وَقَبِلَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ غُلَامًا وَالْغُلَامُ جَارِيَةً جَازَ ذَلِكَ وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ لَا يَجُوزُ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الشَّاهِدَيْنِ لِلْمَرْأَةِ وَلَا رُؤْيَةُ وَجْهِهَا فَلَوْ سَمِعَا صَوْتَهَا مِنْ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُهَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُتَنَقِّبَةً جَازَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالِاحْتِيَاطُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا، أَوْ يَذْكُرَ أَبُوهَا وَجَدُّهَا وَتُنْسَبُ إلَى الْمَحَلَّةِ إلَّا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الشُّهُودِ وَعَلِمَ الشُّهُودُ أَنَّهُ أَرَادَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَا غَيْرَ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ لَوْ غَابَتْ جَازَ بِذِكْرِ الِاسْمِ بِلَا مَعْرِفَتِهِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ كَانَ لَهَا اسْمَانِ اسْمٌ فِي صِغَرِهَا وَآخَرُ فِي كِبَرِهَا تَزَوَّجَ بِالْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِهِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِنْتَانِ كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ لَا يَنْعَقِدُ إذَا لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَقِيلَ يَنْعَقِدُ عَلَى فَاطِمَةَ وَلَوْ قَالَ بِنْتِي فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالُوا يَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَ) شُرِطَ أَيْضًا (حُضُورُ) شَاهِدَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَعَنْ قَاسِمٍ الصَّفَّارِ وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهَذَا كُفْرٌ،.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُعْرَضُ عَلَى رُوحِهِ ﵊ فَيَعْرِفُ بِبَعْضِ الْغَيْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] (حُرَّيْنِ) عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْقِنَّيْنِ وَالْمُكَاتَبَيْنِ وَالْمُدَبَّرَيْنِ (أَوْ حُرٍّ وَحُرَّتَيْنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (مُكَلَّفَيْنِ) عَلَى لَفْظِ الْمُثَنَّى الْمُذَكَّرِ لِأَنَّ الْحُرَّتَيْنِ فِي حُكْمِ الْحُرِّ فَيَصِحُّ عِنْدَ سَكْرَانَيْنِ يَعْرِفَانِ النِّكَاحَ وَإِنْ لَمْ يُذَكَّرَا عِنْدَ الصَّحْوِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بِحُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ
стр. 320
وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ صَبِيَّيْنِ وَمَجْنُونَيْنِ وَلَا عِنْدَ مُرَاهِقَيْنِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ إذَا أَعْلَنُوا وَلَوْ بِحُضُورِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﵊ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ بِلَا شُهُودٍ، تَدَبَّرْ.
(مُسْلِمَيْنِ إنْ) كَانَتْ (الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً) إذْ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ يَنْعَقِدُ بِلَا شُهُودٍ كَمَا قَالُوا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا يُلْزِمَانِهِمْ أَحْكَامَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ بِلَا شُهُودٍ عِنْدَهُمَا، تَدَبَّرْ.
(سَامِعَيْنِ مَعًا لَفْظَهُمَا) أَيْ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (فَلَا يَصِحُّ إنْ سَمِعَا مُتَفَرِّقَيْنِ) بِأَنْ يَسْمَعَ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا وَالْآخَرُ آخِرًا وَالْمَجْلِسُ مُتَّحِدٌ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَجَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فِي مَجْلِسَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا قِيلَ يَنْعَقِدُ بِحَضْرَةِ النَّائِمَيْنِ وَإِنْ صُحِّحَ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَهُمَا كَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِحَضْرَةِ الْأَصَمَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَصَمَّ فَسَمِعَ الْآخَرَ، ثُمَّ خَرَجَ وَأَسْمَعَ صَاحِبَهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَا يَنْعَقِدُ عَنْ الْأَخْرَسَيْنِ إلَّا إذَا كَانَا سَامِعَيْنِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الشَّرْطُ حَضْرَةُ الشَّاهِدَيْنِ دُونَ السَّمَاعِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فَهْمُ الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ الْبَقَّالِيُّ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِالْعَرَبِيَّةِ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ يُحْسِنَانِ الْعَرَبِيَّةَ وَالشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فَهْمُ الشُّهُودِ أَنَّهُ نِكَاحٌ وَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ عَقَدَ بِحَضْرَةِ الْهِنْدِيَّيْنِ وَلَمْ يَفْهَمَا كَلَامَهُمَا لَمْ يَجُزْ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (وَجَازَ كَوْنُهُمَا فَاسِقَيْنِ أَوْ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ) بِلَا تَوْبَةٍ لِأَهْلِيَّتِهِمَا تَحَمُّلًا لَا أَدَاءً خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ قَبُولَ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحُضُورِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَاسِقُ وَالْمَحْدُودُ وَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ (أَوْ أَعْمَيَيْنِ) وَلِلشَّافِعِيِّ فِي أَعْمَيَيْنِ وَجْهَانِ فِي وَجْهٍ تُقْبَلُ، وَفِي وَجْهٍ لَا (أَوْ ابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ) وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ نُقِلَ عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (أَوْ ابْنَيْ أَحَدِهِمَا) لِوُجُودِ أَهْلِيَّةِ التَّحَمُّلِ (وَلَا يَظْهَرُ) ثُبُوتُ الْعَقْدِ عِنْدَ الْحُكَّامِ (بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ دَعْوَى الْقَرِيبِ) وَإِنْكَارِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِنَفْعِ الْقَرِيبِ فَإِنْ كَانَ الِابْنَانِ مِنْهُمَا لَا تُقْبَلُ لَهُمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ لَهُ وَتُقْبَلُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ قَدْ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا فَلَا يَخْلُو عَنْ تَكْرَارٍ.
(وَصَحَّ تَزَوُّجُ مُسْلِمٍ ذِمِّيَّةً) كِتَابِيَّةً (عَنْ ذِمِّيَّيْنِ) كِتَابِيَّيْنِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ لِأَجْلِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ لَا لِأَجْلِ الْمَهْرِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ (وَلَا يَظْهَرُ بِشَهَادَتِهِمَا) أَيْ الذِّمِّيَّيْنِ (إنْ ادَّعَتْ) الذِّمِّيَّةُ وَجَحَدَ الْمُسْلِمُ وَبِالْعَكْسِ يَظْهَرُ.
(وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ
стр. 321
يُزَوِّجَ صَغِيرَتَهُ فَزَوَّجَهَا عِنْدَ رَجُلٍ) ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ امْرَأَةً شُرِطَ حُضُورُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى (إنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا انْتَقَلَ عِبَارَةُ الْوَكِيلِ إلَى الْأَبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَاقِدٌ وَالْوَكِيلُ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ شَاهِدَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
وَفِي النِّهَايَةِ خِلَافُهُ وَهُوَ إمْكَانُ جَعْلِ الْأَبِ شَاهِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْلِ عِبَارَةِ الْوَكِيلِ إلَيْهِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ثَمَرَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ حَاضِرًا (لَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْ يُجْعَلَ مُبَاشِرًا لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ.
(وَكَذَا) يَصِحُّ الْعَقْدُ (لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بَالِغَةً عِنْدَ رَجُلٍ) وَاحِدٍ (إنْ حَضَرَتْ) الْبَالِغَةُ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَتْ صَارَتْ كَأَنَّهَا عَاقِدَةٌ وَالْأَبُ وَذَلِكَ الرَّجُلُ شَاهِدَانِ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ، وَكَذَا الْمَوْلَى إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً بِحَضْرَةِ شَاهِدٍ عِنْدَ حُضُورِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِالتَّزَوُّجِ وَهُوَ حَاضِرٌ قِيلَ لَيْسَ بِشَاهِدٍ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ فَكَأَنَّهُ الْمُزَوِّجُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ شَاهِدٌ إذْ الْإِذْنُ لَهُ لَيْسَ بِوَكَالَةٍ بَلْ فَكِّ حَجْرٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ إذَا وَقَعَ التَّجَاحُدُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلِلْمُبَاشِرِ أَنْ يَشْهَدَ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَقَدَهُ بَلْ قَالَ هَذِهِ امْرَأَتُهُ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ بَيَّنَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وَفِي الْفَتَاوَى بَعَثَ أَقْوَامًا لِلْخِطْبَةِ فَزَوَّجَهَا الْأَبُ بِحَضْرَتِهِمْ فَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِ الْكُلِّ خَاطِبِينَ فَيُجْعَلُ الْمُتَكَلِّمُ خَاطِبًا فَقَطْ وَالْبَاقِي شُهُودًا كَمَا فِي الْفَتْحِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْجَوَازِ.
стр. 322
[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ]
لَمَّا كَانَتْ الْمُحَلَّلَةُ شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِ النِّكَاحِ احْتَاجَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِيَمْتَازَ بِمَعْرِفَتِهَا الْمُحَلَّلَاتُ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ يُمْكِنُ حَصْرُهُنَّ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَاهُ يَحِلُّ وَأَسْبَابُ حُرْمَتِهِنَّ تَتَنَوَّعُ إلَى تِسْعَةِ أَنْوَاعٍ: الْقَرَابَةُ وَالْمُصَاهَرَةُ وَالرَّضَاعُ وَالْجَمْعُ وَتَقْدِيمُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ وَقِيَامُ حَقِّ الْغَيْرِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ عِدَّةٍ وَالشِّرْكُ وَمِلْكُ الْيَمِينِ وَالطَّلَاقُ الثَّلَاثَةُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَتْنِ مُفَصَّلًا (يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُمُّهُ وَجَدَّتُهُ وَإِنْ عَلَتْ) فَاسِدَةً كَانَتْ، أَوْ صَحِيحَةً (وَبِنْتُهُ وَبِنْتُ وَلَدِهِ) ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى (وَإِنْ سَفَلَتْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَالْبَنَاتِ بِالنَّصِّ لِأَنَّ الْأُمَّ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ وَالْبِنْتَ هِيَ الْفَرْعُ وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] إلَّا أَنَّ الْأَوْهَامَ تَتَصَرَّفُ إلَى الْأَقْرَبِ الْمَعْرُوفِ فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ النَّصُّ الْجَدَّاتِ وَالْبَنَاتِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ الِاسْمُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي حُرْمَةِ بَنَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَمْ يَثْبُتْ إطْلَاقُ لَفْظِ الْبِنْتِ عَلَى الْفَرْعِ حَقِيقَةً أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، أَوْ بِعُمُومِ الْمَجَازِ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْأَعْيَانِ فَقِيلَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ وَرَجَّحُوا كَوْنَهُ حَقِيقَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ نِكَاحُ أُمِّهِ وَالْحُرْمَةُ تَجُوزُ أَنْ تُفَسَّرَ بِالْبُطْلَانِ وَالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ النِّكَاحِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَمَا فِي الْعِمَادِيِّ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَفَاسِدٌ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ.
(وَ) يَحْرُمُ (أُخْتُهُ) لِأَبٍ وَأَمٍّ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (وَبِنْتُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] (وَابْنَةُ أَخِيهِ) لِأَبٍ وَأَمٍّ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النساء: ٢٣] .
(وَإِنْ سَفَلْنَ) لِعُمُومِ الْمَجَازِ، أَوْ دَلَالَةِ النَّصِّ، أَوْ الْإِجْمَاعِ كَمَا بَيَّنَّاهُ (وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ) لِأَبٍ وَأَمٍّ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَتَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ أَوْلَادُ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا، وَكَذَا عَمَّةُ جَدِّهِ وَخَالَتُهُ وَعَمَّةُ جَدَّتِهِ وَخَالَتُهَا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ عَمَّةَ الْعَمَّةِ لَا تَحْرُمُ إنْ كَانَتْ عَمَّتُهُ أُخْتًا لِأَبِيهِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ وَكَذَا الْخَالَةُ لِأَبٍ لَا تَحْرُمُ خَالَتُهَا كَبَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ (وَأَمُّ امْرَأَتِهِ) حَرَامٌ (مُطْلَقًا) أَيْ لَمْ يُقَيَّدْ بِشَرْطِ الدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ بَلْ تَحْرُمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَتَدْخُلُ فِي الْأُمَّهَاتِ جَدَّاتُهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا، أَوْ أُمِّهَا وَإِنْ عَلَوْنَ فَمَنْ قَيَّدَهُ بِشَرْطِ الدُّخُولِ فَقَدْ غَيَّرَ النَّصَّ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا يُقَالُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمَعْطُوفَةَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إذَا ذُكِرَ فِي آخِرِهَا شَرْطٌ يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ شُرِطَ الدُّخُولُ فِي الْمَعْطُوفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ وَرَبَائِبُكُمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَعْطُوفِ لَيْسَ شَرْطًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ اسْمُ الْمَعْدُومِ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ بَلْ وَصْفُهَا بِصِفَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْحَالِ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مِنْ نِسَاءٍ دَخَلَ بِهِنَّ فَيَكُونُ هَذَا تَحْرِيمَ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مَعْطُوفًا عَلَى شَخْصٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ
стр. 323
وَعَطْفُ الْمَوْصُوفِ عَلَى غَيْرِ الْمَوْصُوفِ لَا يَقْتَضِي ذِكْرَ الصِّفَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْصُوفِ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ إذَا أَمْكَنَ وَلَمْ يُمْكِنْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَصِيرَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَعْمُولًا بِعَامِلَيْنِ وَذَا لَا يَجُوزُ (وَبِنْتُ امْرَأَةٍ دَخَلَ بِهَا) ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ تَزَوُّجُ الرَّبِيبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالدُّخُولُ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ وَذِكْرُ الْحِجْرِ فِي الْآيَةِ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لَا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ وَتَدْخُلُ فِي الرَّبِيبَةِ بَنَاتُهَا وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا وَإِنْ سَفَلْنَ (وَامْرَأَةُ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا) أَيْ امْرَأَةُ أَجْدَادِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْأَبَ وَطِئَهَا وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ وَقَالَ قَدْ وَطِئْتُهَا لَا يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا وَلَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُصْدِقَ أَبَاهُ.
(وَ) امْرَأَةُ (ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ) دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَذَكَرَ الْأَصْلَابَ لِإِخْرَاجِ ابْنِ الْمُتَبَنَّى فَإِنَّ حَلِيلَتَهُ لَا تَحْرُمُ لَا لِإِحْلَالِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّهَا حَرَامٌ.
(وَ) يَحْرُمُ (الْكُلُّ) أَيْ كُلُّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ (رَضَاعًا) فَيَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَحِلُّ أُخْتُ وَلَدِهِ وَأُمُّ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَجَدَّةُ وَلَدِهِ رَضَاعًا وَيَحْرُمُ نَسَبًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى لَكِنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا لَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حُرِّمَ فِي النَّسَبِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ وَيَحْرُمُ فَرْعُ الْمُزَنِيَّةِ رَضَاعًا، وَكَذَا فَرْعُ الْمَمْسُوسَةِ وَالْمَسَّةِ وَالْمَنْظُورِ إلَى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ بِشَهْوَةٍ وَأَصْلُهُنَّ رَضَاعًا.
(وَ) يَحْرُمُ (الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وَلَوْ رَضَاعًا (نِكَاحًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ النِّكَاحِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (وَلَوْ فِي عِدَّةٍ مَنْ بَائِنٍ) ؛ لِقِيَامِ النِّكَاحِ بِقِيَامِ حُقُوقِهِ (أَوْ رَجْعِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْحُقُوقِ فِيهِ أَظْهَرُ فَيَكُونُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَلَوْ اقْتَصَرَ بِالْأَوَّلِ لَكَانَ أَخْصَرَ هَذَا فِي الْبَيْنُونَةِ أَمَّا لَوْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا بَعْدَ يَوْمٍ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مَاتَتْ إحْدَاهُنَّ فَتَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ يَوْمٍ جَازَ (أَوْ وَطْئًا) احْتِرَازًا عَنْ الْجَمْعِ بِمِلْكِ يَمِينٍ بِدُونِ الْوَطْءِ (بِمِلْكِ يَمِينٍ) سَوَاءٌ كَانَتَا مَمْلُوكَتَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مَنْكُوحَةً لِعُمُومِ آيَةِ الْجَمْعِ (فَلَوْ تَزَوَّجَ) بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ تَفْرِيعٌ لِمَا قَبْلَهُ (أُخْتَ أَمَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا) صَحَّ النِّكَاحُ لِصُدُورِ رُكْنِ التَّصَرُّفِ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ لَكِنْ (لَا يَطَأُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا
стр. 324
حَتَّى يُحْرِمَ) بِالتَّخْفِيفِ الْمَرْأَةَ (الْأُخْرَى) ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً فَحُرْمَتُهَا بِالطَّلَاقِ، أَوْ الْخُلْعِ، أَوْ الرِّدَّةِ مَعَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِنْ مَمْلُوكَةً فَحُرْمَتُهَا بِالشِّرَاءِ كُلًّا، أَوْ بَعْضًا، أَوْ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ التَّزْوِيجِ، أَوْ الْكِتَابَةِ مَعَ الِاسْتِبْرَاءِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَحِلُّ الْمَنْكُوحَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَوْقُوفَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا قَدْ ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ حَقِّ التَّحْرِيمِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ) مُتَعَاقِبَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ بِعَقْدَيْنِ مَعًا بَطَلَا يَقِينًا وَلَمْ تَسْتَحِقَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ إلَّا مَنْ وَطِئَهَا فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى مِنْ مَهْرِ الْمِثْل وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ (وَلَمْ تُعْلَمْ الْأُولَى) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُلِمَتْ فَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ جَائِزٌ وَالثَّانِي فَاسِدٌ (فَرَّقَ) أَيْ فَرَّقَ الْقَاضِي وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَاقٌ حَتَّى يَنْقُصَ الْعَدَدُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوَّلِيَّةِ وَلَا لِلتَّصْحِيحِ فِي إحْدَاهُمَا لَا بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ الَّتِي هِيَ حِلُّ الْقُرْبَانِ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ مَعَ الْجَهَالَةِ وَلِلضَّرَرِ فِي حَقِّهِمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبْقَى مُعَلَّقَةً لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ.
وَفِي الدِّرَايَةِ لَوْ زَنَى بِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ لَا يَقْرَبُ الْأُخْرَى حَتَّى تَحِيضَ الْأُخْرَى بِحَيْضَةٍ (وَلَهُمَا) أَيْ لِلْأُخْتَيْنِ (نِصْفُ مَهْرٍ) إنْ كَانَ مَهْرَاهُمَا مُتَسَاوِيَيْنِ وَهُوَ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِرُبْعِ مَهْرِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فَالْوَاجِبُ مُتْعَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمَا بَدَلًا عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا الْأُولَى وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا أَمَّا إذَا قَالَتْ لَا نَدْرِي أَيَّ النِّكَاحَيْنِ أَوَّلَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا مَا لَمْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَخْذِ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَجَبَ لِمَجْهُولَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَى وَالِاصْطِلَاحِ لِيُقْضَى بِهِمَا وَأَمَّا إذَا بَرْهَنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى السَّبْقِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ بَيْنَهُمَا بِالِاتِّفَاقِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ لِجَهَالَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ تَامٌّ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِصِحَّةِ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ يُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ كَمَا فِي الْكَافِي لَكِنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ إنَّمَا يُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ إذَا دَخَلَ بِهَا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِذَا وَجَبَ نِصْفُ الْمَهْرِ بَيْنَهُمَا؛ إذْ كَمَالُ الْمَهْرِ فِي صُورَةِ الِاصْطِلَاحِ، أَوْ فِي صُورَةِ ادِّعَاءِ الْأَوَّلِيَّةِ بِلَا بَيِّنَةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمَّا بَرْهَنَتْ وَاسْتَحَقَّتْ نِصْفَ الْمَهْرِ لَزِمَ كَمَالُ الْمَهْرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
(وَ) يَحْرُمُ (الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَوْ فُرِضَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى) سَوَاءٌ كَانَتْ لِنَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا أَوْ بِنْتِ أُخْتِهَا، أَوْ بِنْتِ أَخِيهَا وَلَا بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمَّةٌ لِلْأُخْرَى وَلَا بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا خَالَةٌ لِلْأُخْرَى لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا»
стр. 325
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْبِنْتِ وَالْعَمَّةِ مِنْ الرَّضَاعِ وَبِالْمُشْرِكَةِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ أَنَّهُ مَشْهُورٌ.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةُ أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ فَلَا تَمْنَعُ وَلِذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ لَوْ تَزَوَّجَ سَيِّدَتَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهَا حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ السَّيِّدَةَ عَلَيْهَا نَظَرًا إلَى مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ (بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَبِنْتِ زَوْجِهَا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ أَمَّا لَوْ فُرِضَتْ بِنْتُ زَوْجٍ ذَكَرًا كَانَ ابْنَ الزَّوْجِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ (لَا مِنْهَا) .
وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْبَهْنَسِيِّ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ بِنْتُ الزَّوْجِ لَا تَكُونُ مِنْهَا بَلْ يُوهِمُ جَوَازَ الْجَمْعِ إنْ كَانَتْ مِنْهَا انْتَهَى، لَكِنْ فِي الْإِبْهَامِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ ذَكَرَ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَبِنْتِهَا آنِفًا وَالْمَفْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ، تَدَبَّرْ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى صِيغَةِ الْحَصْرِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَامْرَأَةِ ابْنِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَلَوْ فُرِضَتْ امْرَأَةُ الِابْنِ ذَكَرًا لَجَازَ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمَّيْنِ، أَوْ الْعَمَّتَيْنِ أَوْ الْخَالَيْنِ، أَوْ الْخَالَتَيْنِ قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَيَتَزَوَّجَ ابْنُهُ أُمَّهَا، أَوْ بِنْتَهَا.
(وَالزِّنَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) حَتَّى لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا وَحُرِّمَتْ الْمُزَنِيَّةُ عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَا تَحْرُمُ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا عَلَى ابْنِ الْوَاطِئِ وَأَبِيهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ لِلسَّرَخْسِيِّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُوجِبُهَا؛ لِأَنَّ الْمُصَاهَرَةَ نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِحَرَامٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، لَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَلِأَنَّ كُلَّ تَحْرِيمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ كَالْحَلَالِ وَفِيهِ رَمْزٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَاهَا فِي دُبُرِهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ فُرُوعُهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِطْلَاقِهِ بَلْ لَوْ أَتَاهَا فِي دُبُرِهَا فَأَنْزَلَ أَمَّا إذَا لَمْ يُنْزِلْ فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّمْسَ بِشَهْوَةٍ يُوجِبُهَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ فَالْإِتْيَانُ فِي دُبُرِهَا يُوجِبُهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى مَعَ عَدَمِ الْإِنْزَالِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا فَأَفْضَاهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أُمُّهَا لِعَدَمِ تَيَقُّنِ كَوْنِهِ فِي الْفَرْجِ إلَّا إذَا حَبِلَتْ وَعُلِمَ كَوْنُهُ مِنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كُرِهَ لَهُ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ التَّنَزُّهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُوجِبُهَا مُطْلَقًا وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ.
(وَكَذَا) يُوجِبُهَا (الْمَسُّ) وَلَوْ بِحَائِلٍ وَوُجِدَ حَرَارَةُ الْمَمْسُوسِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ خَطَأً أَوْ كُرْهًا حَتَّى لَوْ أَيْقَظَ زَوْجَتَهُ لِيُجَامِعَهَا فَوَصَلَتْ يَدُهُ ابْنَتَهُ مِنْهَا فَقَرَصَهَا بِشَهْوَةٍ وَهِيَ مِمَّنْ تُشْتَهَى لِظَنِّ أَنَّهَا أُمَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً وَلَكَ أَنْ تُصَوِّرَهَا مِنْ جَانِبِهَا بِأَنْ أَيْقَظَتْهُ هِيَ كَذَلِكَ فَقَرَصَتْ ابْنَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَفِي مَسِّ الشَّعْرِ رِوَايَتَانِ
стр. 326
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مُشْتَهَاةً حَالًا، أَوْ مَاضِيًا فَتَثْبُتُ بِمَسِّ الْعَجُوزِ بِشَهْوَةٍ وَلَا تَثْبُتُ بِمَسِّ صَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالْمَسُّ شَامِلٌ لِلتَّفْخِيذِ وَالتَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ لَكِنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالْمَسِّ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَصْدُقَهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ كَذَبَهَا وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ تَحْرُمْ، وَفِي التَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ حَرُمَتْ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَدَمُ الشَّهْوَةِ كَمَا فِي حَالَةِ الْخُصُومَةِ وَيَسْتَوِي فِيهَا أَنْ يُقَبِّلَ الْفَمَ أَوْ الذَّقَنَ، أَوْ الْخَدَّ، أَوْ الرَّأْسَ وَقِيلَ إنْ قَبَّلَ الْفَمَ يُفْتَى بِهَا وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ بِلَا شَهْوَةٍ وَإِنْ قَبَّلَ غَيْرَهُ لَا يُفْتَى بِهَا إلَّا إذَا ثَبَتَتْ الشَّهْوَةُ (بِشَهْوَةٍ) فَلَوْ مَسَّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ثُمَّ اشْتَهَى عَنْ ذَلِكَ الْمَسِّ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَمَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشَّهْوَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنْ تَنْتَشِرَ الْآلَةُ، أَوْ تَزْدَادَ انْتِشَارًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ يُفْتَى فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ لَمْ يَشْتَرِطُوا سِوَى أَنْ يَمِيلَ إلَيْهَا بِالْقَلْبِ وَيَشْتَهِيَ أَنْ يُعَانِقَهَا.
وَفِي الْغَايَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي الشَّيْخِ وَالْعِنِّينِ وَاَلَّذِي مَاتَتْ شَهْوَتُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَثْبُتُ وَعَلَى الثَّانِي تَثْبُتُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَالِاشْتِهَاءُ بِالْقَلْبِ (مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ) ، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ شَهْوَةَ أَحَدِهِمَا كَافِيَةٌ إذَا كَانَ الْآخَرُ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ.
(وَ) كَذَا يُوجِبُهَا (نَظَرُهُ إلَى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ) وَهُوَ الْمُدَوَّرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَلَوْ مِنْ زُجَاجٍ، أَوْ مَاءٍ هِيَ فِيهِ بِخِلَافِ النَّظَرِ إلَى عَكْسِهِ فِي الْمِرْآةِ وَالْمَاءِ وَقِيلَ إلَى الْخَارِجِ وَهُوَ الطَّوِيلُ وَقِيلَ إلَى الْعَانَةِ وَهِيَ مَنَابِتُ الشَّعْرِ وَقِيلَ إلَى الشَّقِّ.
وَفِي النَّظْمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ مُتَّكِئَةً وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً مُسْتَوِيَةً أَوْ قَائِمَةً فَلَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ عَلَى الصَّحِيحِ (وَ) كَذَا يُوجِبُهَا (نَظَرُهَا إلَى ذَكَرِهِ بِشَهْوَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالنَّظَرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُوجِبُهَا؛ لِأَنَّ الْمَسَّ وَالنَّظَرَ لَيْسَا فِي مَعْنَى الدُّخُولِ وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَسَادُ الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ وَوُجُوبُ الِاغْتِسَالِ فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِ وَلَنَا أَنَّهُمَا دَاعِيَانِ إلَى الْوَطْءِ فَيَقُومَانِ مَقَامَهُ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا (وَمَا) أَيْ صَغِيرَةٌ (دُونَ تِسْعِ سِنِينَ غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ وَبِهِ يُفْتَى) أَمَّا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَقَدْ تَكُونُ مُشْتَهَاةً وَقَدْ لَا تَكُونُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ مُشْتَهَاةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَبِنْتُ خَمْسٍ غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَبِنْتُ ثَمَانٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ سِتٍّ إنْ كَانَتْ ضَخْمَةً مُشْتَهَاةً وَإِلَّا فَلَا وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ فِي الْمُخْتَارِ وَلَا يَصْدُقُ فِي تَكْذِيبِ نَفْسِهِ.
(وَلَوْ أَنْزَلَ مَعَ الْمَسِّ) ، أَوْ النَّظَرِ (لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِإِنْزَالِهِ أَنَّهُ غَيْرُ دَاعٍ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْجُزْئِيَّةِ وَ (هُوَ الصَّحِيحُ)
стр. 327
احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ تَثْبُتُ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَالْإِنْزَالُ لَا يُوجِبُ رَفْعَهَا بَعْدَ الثُّبُوتِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا تَثْبُتَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ حَالَ الْمَسِّ إلَى ظُهُورِ عَاقِبَتِهِ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ حَرُمَتْ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
[نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ]
(وَصَحَّ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ) حُرَّةً أَوْ أَمَةً إسْرَائِيلِيَّةً، أَوْ غَيْرَهَا ذِمِّيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً إلَّا أَنَّهُ لَوْ نَكَحَ حَرْبِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ كُرِهَ فَقِيلَ إنَّمَا كُرِهَ إذَا قَصَدَ التَّوَطُّنَ بِهَا وَقِيلَ إذَا قَصَدَ الْوَطْءَ وَقِيلَ إذَا قَصَدَ اسْتِيلَادَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] .
وَفِي الْمُسْتَصْفَى وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أَيْ ذَبَائِحُهُمْ حِلٌّ لَكُمْ؛ وَلِأَنَّ الطَّعَامَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ قَالُوا هَذَا يَعْنِي الْحِلَّ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْمَسِيحَ إلَهًا أَمَّا إذَا اعْتَقَدَهُ فَلَا انْتَهَى.
وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْكُلُوا ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ إلَهٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا إلَهٌ وَلَا يَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ وَقِيلَ عَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنْ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلَائِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْأَكْلُ وَالتَّزَوُّجُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يَأْكُلَ ذَبِيحَتَهُمْ إلَّا لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَلَى الْحُكَّامِ فِي دِيَارِنَا أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى فِي زَمَانِنَا يُصَرِّحُونَ بِالْأَبْنِيَةِ قَبَّحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَعَدَمُ الضَّرُورَةِ مُتَحَقِّقٌ وَالِاحْتِيَاطُ وَاجِبٌ لِأَنَّ فِي حِلِّ ذَبِيحَتِهِمْ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فَالْأَخْذُ بِجَانِبِ الْحُرْمَةِ أَوْلَى عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.
[نِكَاحُ الصَّابِئِيَّةِ]
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (الصَّابِئِيَّةِ) الْمُؤْمِنَةِ بِنَبِيٍّ، الصَّابِئِيَّةُ مَنْ صَبَأَ إذَا خَرَجَ مِنْ الدِّينِ، ثُمَّ الْوَصْفُ لِلتَّوْضِيحِ وَالتَّفْسِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ لَا لِلتَّقْيِيدِ (الْمُقِرَّةِ بِكِتَابٍ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلصَّابِئِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا فَمَنْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ مِنْ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ بِكِتَابٍ وَيُعَظِّمُونَ الْكَوَاكِبَ كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَمَنْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَهَا كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ وَمَا نُقِلَ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ دِينًا سَمَاوِيًّا وَلَهُ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ كَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ مَا لَمْ يُشْرِكُوا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
[نِكَاحُ عَابِدَةِ كَوْكَبٍ]
(لَا) يَصِحُّ نِكَاحُ (عَابِدَةِ كَوْكَبٍ) وَلَا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا مُشْرِكَةٌ (وَصَحَّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ) بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ) لِلْحُرِّ إذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (وَلَوْ) كَانَ (مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ) أَيْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَهْرِهَا وَنَفَقَتِهَا وَلِلشَّافِعِيِّ خِلَافٌ فِي الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ بِنَاءً عَلَى مَفْهُومِ الْوَصْفِ، وَفِي الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ عِنْدَ دُخُولِ الْحُرَّةِ بِنَاءً عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَكِلَا الْمَفْهُومَيْنِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ
стр. 328
عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ اللَّازِمَ عَلَى تَقْدِيرِ حُجَّتِهِ الْمَفْهُومِ عَدَمُ إبَاحَةِ نِكَاحِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَرَاهَتِهِ لَا لِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِيهَا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ.
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَتُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ» .
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (أَرْبَعِ) نِسْوَةٍ (فَقَطْ لِلْحُرِّ) مِنْ (حَرَائِرَ وَإِمَاءٍ) ، أَوْ مِنْهُمَا بِشَرْطِ تَأْخِيرِ الْحُرَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَجَازَ تِسْعًا مِنْ الْحَرَائِرِ، أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْجَوَارِي فَلَهُ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ حَتَّى قَالَ فِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأَلْفُ جَارِيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً أُخْرَى فَلَامَهُ رَجُلٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرَ وَقَالُوا إذَا تَرَكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ كَيْ لَا يُدْخِلَ الْغَمَّ عَلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ كَانَ مَأْجُورًا.
(وَلِلْعَبْدِ) قِنًّا، أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ ابْنَ أُمِّ الْوَلَدِ (ثِنْتَانِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عِنْدَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّسَرِّي وَلَا أَنْ يُسَرِّيَهُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا إلَّا الطَّلَاقَ.
[نِكَاحُ حُبْلَى مِنْ زِنًا]
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (حُبْلَى مِنْ زِنًا) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِدُخُولِهَا تَحْتَ النَّصِّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ نَكَحَ الزَّانِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) قِيَاسًا عَلَى الْحُبْلَى مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا تُوطَأُ) الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا أَيْ يَحْرُمُ الْوَطْءُ، وَكَذَا دَوَاعِيهِ وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ (حَتَّى تَضَعَ) الْحَمْلَ اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَفِي الْفَوَائِدِ عَنْ النَّوَازِلِ أَنَّهُ يَحِلُّ الْوَطْءُ عِنْدَ الْكُلِّ وَتُسْتَحَقُّ النَّفَقَةُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
(وَ) صَحَّ نِكَاحُ (مَوْطُوءَةِ سَيِّدِهَا) أَيْ أَمَةٍ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لِمَوْلَاهَا فَإِنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لَكِنْ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا صِيَانَةً لِمَائِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا وَاخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَلَوْ قَالَ وَمَوْطُوءَةُ السَّيِّدِ لَكَانَ أَوْلَى (أَوْ) مَوْطُوءَةُ (زَانٍ) بِأَنْ رَأَى امْرَأَةً تَزْنِي فَتَزَوَّجَهَا جَازَ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ﴾ [النور: ٣] فَمَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] أَوْ الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِيهِ الْوَطْءُ يَعْنِي الزَّانِيَةَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا زَانٍ فِي حَالَةِ الزِّنَا وَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ لِاحْتِمَالِ عُلُوقِهَا فَضَعِيفٌ تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا مُحْرِمَةٌ صَحَّ نِكَاحُ الْأُخْرَى) وَبَطَلَ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ.
(وَ) الْمَهْرُ (الْمُسَمَّى
стр. 329
كُلُّهُ لَهَا) أَيْ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ ضَمَّ مَا لَا يَحِلُّ فِي النِّكَاحِ إلَى مَا يَحِلُّ كَضَمِّ الْجِدَارِ.
وَفِي التَّسْهِيلِ يُشْكِلُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ بِمَنْ جَمَعَ فِي الْبَيْعِ قِنَّهُ وَمُدَبَّرَهُ حَيْثُ صَحَّ فِي قِنِّهِ بِحِصَّتِهِ لَا بِكُلِّ الثَّمَنِ وَلَا يُجَابُ بِأَنَّ الْمُدَبَّرَ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ فَاعْتُبِرَ بِالْحِصَّةِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ أَصْلًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا الْحِصَّةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِكُلِّ الثَّمَنِ عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرٍّ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ أَصْلًا فَلَا حِصَّةَ لَهُ وَلَا جَهَالَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَصْلًا انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَقَبُولُ الْمُحْرِمَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَأَمَّا قَبُولُ الْحُرِّ فَشَرْطٌ فَاسِدٌ وَمُفْسِدٌ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ بِكُلِّ الثَّمَنِ، تَدَبَّرْ.
(وَعِنْدَهُمَا) وَالشَّافِعِيِّ (يُقَسَّمُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهِمَا) فَمَا أَصَابَ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا لَزِمَهُ وَمَا أَصَابَ الْأُخْرَى سَقَطَ عَنْهُ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ وَلَوْ دَخَلَ بِاَلَّتِي لَا تَحِلُّ لَهُ يَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُ أَمَتِهِ) أَيْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ وَغَيْرُهَا فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا مُتَنَزِّهًا عَنْ وَطْئِهَا حَرَامًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حُرَّةً أَوْ مُعْتَقَةَ الْغَيْرِ، أَوْ مَحْلُوفًا عَلَيْهَا بِعِتْقِهَا وَقَدْ حَنِثَ الْحَالِفُ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ الشَّدَّادِيُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ سَيِّدَتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَمْلُوكُ الْمَحْضُ مَالِكًا لَهَا وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ (أَوْ مَجُوسِيَّةٍ، أَوْ وَثَنِيَّةٍ) وَالْأَوْلَى بِالْوَاوِ فِيهِمَا أَيْ وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُ مَجُوسِيَّةٍ، أَوْ وَثَنِيَّةٍ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ مِنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّارَ، أَوْ الْوَثَنَ إلَهٌ يَكُونُ مُشْرِكًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَالنَّصُّ عَامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى الْمُعَطِّلَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَكُلٌّ مَذْهَبٌ يَكْفُرُ بِهِ مُعْتَقِدُهُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكِ يَتَنَاوَلُهُمْ جَمِيعًا، وَكَذَا لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ عِنْدَنَا لَكِنَّ الْحَقَّ عَدَمُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَإِنْ وَقَعَ إلْزَامًا فِي الْمَبَاحِثِ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ الْقَوَاطِعَ الْمَعْلُومَةَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مِنْ الدِّينِ مِثْلُ الْقَائِلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَكَذَا الْقَوْلُ بِالْإِيجَابِ وَنَفْيِ الِاخْتِيَارِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَكَذَا لَا تَجُوزُ بَيْنَ بَنِي آدَمَ وَإِنْسَانِ الْمَاءِ وَالْجِنِّ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَنْ الْبَصْرِيِّ وَيَجُوزُ تَزَوُّجُ الْجِنِّيَّةِ بِشَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ تَزَوُّجُ (خَامِسَةٍ فِي عِدَّةِ رَابِعَةٍ أَبَانَهَا) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ تَزَوُّجُ ثَالِثَةٍ فِي عِدَّةِ ثَانِيَةٍ لِلْعَبْدِ.
(وَلَا) يَصِحُّ تَزَوُّجُ (أَمَةٍ عَلَى حُرَّةٍ) سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُهُ بِرِضَاءِ الْحُرَّةِ وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَا مَعَهَا وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ وَمَعَهَا (أَوْ فِي عِدَّتِهَا)
стр. 330
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي عِدَّتِهَا أَمَةً عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ فِي الْعِدَّةِ مِنْ وَجْهٍ فَالِاحْتِيَاطُ الْمَنْعُ كَمَا لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ أُخْتِهَا فِي عِدَّتِهَا (خِلَافًا لَهُمَا فِيمَا إذَا كَانَتْ عِدَّةَ الْبَائِنِ) ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ فِي عِدَّتِهَا لَيْسَ تَزَوُّجًا عَلَيْهَا وَقَيَّدَ بِالْبَائِنِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ يَمْنَعُ اتِّفَاقًا.
(وَلَا) يَصِحُّ نِكَاحُ (حَامِلٍ مِنْ سَبْيٍ) وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا (أَوْ حَامِلٍ ثَبَتَ نَسَبُ حَمْلِهَا) بِأَنْ كَانَتْ مَسْبِيَّةً أَوْ مُهَاجِرَةً ذَاتَ حَمْلٍ مِنْ حَرْبِيٍّ، أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ فَعَلَى هَذَا لَوْ اكْتَفَى عَلَيْهَا لَكَانَ مُسْتَغْنٍ عَنْ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا كَمَا فِي الْبَاقَانِيِّ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي صِحَّةِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَقَدْ صَرَّحَهَا احْتِرَازًا عَنْهَا، تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ) ثَبَتَ (مِنْ سَيِّدِهَا) يَعْنِي إنْ ادَّعَى السَّيِّدُ حَمْلَهَا مِنْهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهِيَ حَامِلٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ.
(وَلَا) يَصِحُّ (نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَالْمُؤَقَّتُ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُذْكَرَ فِي الْمُؤَقَّتِ لَفْظٌ فِي النِّكَاحِ، أَوْ التَّزْوِيجِ مَعَ التَّوْقِيتِ.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ مَعْنَى الْمُتْعَةِ عَقْدٌ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يُرَادُ بِهِ مَقَاصِدُ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ الْقَرَارِ لِلْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ بَلْ إمَّا إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَنْتَهِي الْعَقْدُ بِانْتِهَائِهَا، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بِمَعْنَى بَقَاءِ الْعَقْدِ مَا دَامَ مَعَهَا إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا بِمَادَّةِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ أَيْضًا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُتْعَةِ وَإِنْ عُقِدَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَأُحْضِرَ الشُّهُودُ، انْتَهَى. وَقَيَّدَهُ بِالْمُؤَقَّتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَاطِعِ يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِهِ مُؤَبَّدًا وَبَطَلَ الشَّرْطُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ إذَا وَقَّتَا وَقْتًا لَا يَعِيشَانِ إلَيْهِ كَمِائَةِ سَنَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ صَحِيحًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَعَنْهُ لَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُكِ مُتْعَةً انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَلَغَا قَوْلُهُ مُتْعَةً كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهَا مُدَّةً نَوَاهَا فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا يَكُونُ بِلَفْظٍ وَاعْلَمْ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا بَيْنَ أَيَّامِ خَيْبَرَ وَأَيَّامِ فَتْحِ مَكَّةَ إلَّا أَنَّهُ صَارَ مَنْسُوخًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حَتَّى لَوْ قُضِيَ بِجَوَازِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَبَاحَهُ صَارَ كَافِرًا كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعْزِيرٌ وَلَا حَدٌّ وَلَا رَجْمٌ كَمَا فِي النُّتَفِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَدَمُ ثُبُوتِ مَا نُقِلَ مِنْ إبَاحَتِهِ عِنْدَ مَالِكٍ
стр. 331
وَلَا بَأْسَ بِتَزَوُّجِ النَّهَارِيَّاتِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ.
[بَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ]
ِ الْوَلِيُّ مِنْ الْوِلَايَةِ وَهِيَ تَنْفِيذُ الْأَمْرِ عَلَى الْغَيْرِ وَالْأَكْفَاءُ جَمْعُ كُفْءٍ وَهُوَ النَّظِيرُ وَالْمُسَاوِي (نَفَذَ) أَيْ صَحَّ (نِكَاحُ حُرَّةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى إذْنِ مَوْلَاهَا كَتَوَقُّفِ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَعْتُوهَةِ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى وَلِذَا قَالَ (مُكَلَّفَةٍ) بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا (بِلَا وَلِيٍّ) أَيْ وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ بِلَا إذْنِ وَلِيٍّ وَحُضُورِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً بَالِغَةً وَلِهَذَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ، وَالْأَصْلُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ يَجُوزُ نِكَاحُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ لَا، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْكُفْءَ وَغَيْرَهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ أَصْلًا أَصِيلَةً كَانَتْ أَوْ وَكِيلَةً إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ لَوْ كَانَتْ خَسِيسَةً لَا شَرِيفَةً صَحَّ بِلَا وَلِيٍّ وَالْخِلَافُ فِي إنْشَاءِ النِّكَاحِ وَأَمَّا إقْرَارُهَا بِهِ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْحَقَائِقِ (وَلَهُ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إذَا لَمْ يَرْضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (الِاعْتِرَاضُ) أَيْ وِلَايَةُ الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ وَلَيْسَ هَذَا التَّفْرِيقُ طَلَاقًا حَتَّى لَا يَنْقُصَ عَدَدُ الطَّلَاقِ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَوْ بَعْدَهُ لَهَا الْمُسَمَّى، وَكَذَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ يَتَوَارَثَانِ بِهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ (فِي غَيْرِ الْكُفْءِ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْعَارِ، فَإِنْ رَضِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَيْسَ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَسْفَلَ اعْتِرَاضٌ. هَذَا إذَا لَمْ تَلِدْ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا سَكَتَ حَتَّى وَلَدَتْ فَلَيْسَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ لِئَلَّا يَضِيعَ الْوَلَدُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَقِيلَ: لَهُ الِاعْتِرَاضُ وَإِنْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ فَارَقَتْهُ بَعْدَ رِضَى الْوَلِيِّ بِنِكَاحِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ مِنْهُ بِدُونِ رِضَاهُ لَهُ الِاعْتِرَاضُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَسْخِ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ النِّكَاحِ (وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (عَدَمَ جَوَازِهِ) أَيْ عَدَمَ جَوَازِ نِكَاحِهَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ فِي غَيْرِ الْكُفْءِ وَبِهِ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ كَمْ مِنْ وَاقِعٍ لَا يَرْفَعُ (وَعَلَيْهِ فَتْوَى قَاضِي خَانْ) وَهَذَا أَصَحُّ وَأَحْوَطُ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا إذْ لَيْسَ كُلُّ وَلِيٍّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ وَلَا كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ فَسَدُّ هَذَا الْبَابِ أَوْلَى خُصُوصًا إذَا وَرَدَ أَمْرُ السُّلْطَانِ هَكَذَا وَأَمَرَ بِأَنْ يُفْتَى بِهِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ لَوْ زَوَّجَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا نَفْسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ وَدَخَلَ بِهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ هَذِهِ فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ غَيْرَ كُفْءٍ أَمَّا لَوْ بَاشَرَ الْوَلِيُّ عَقْدَ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ هَذَا إذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا) عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (مِنْ كُفْءٍ) وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَوْقُوفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَتَوَارَثُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ
стр. 332
وَيُرْوَى رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ الْإِمَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ فِي الْغَايَةِ قَالَ رَجَاءُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَقَالَ لَا يَجُوزُ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ قَالَ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي لِيُزَوِّجَهَا قُلْتُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ قَالَ يَفْعَلُ مَا قَالَ سُفْيَانُ قُلْتُ وَمَا قَالَ سُفْيَانُ قَالَ تُوَلِّي أَمْرَهَا رَجُلًا لِيُزَوِّجَهَا، انْتَهَى. فَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ رُجُوعِهِ فَلِهَذَا قَالَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، تَدَبَّرْ.
(وَلَا يُجْبِرُ وَلِيُّ بَالِغَةٍ) عَلَى النِّكَاحِ بَلْ يُجْبِرُ الصَّغِيرَةَ عِنْدَنَا وَلَوْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجْبَارِ ثَابِتَةٌ عَلَى الصَّغِيرَةِ دُونَ الْبَالِغَةِ (وَلَوْ بِكْرًا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتَةٌ عَلَى الْبِكْرِ وَلَوْ بَالِغَةً دُونَ الثَّيِّبِ وَلَوْ صَغِيرَةً، ثُمَّ عِنْدَنَا كُلُّ وَلِيٍّ فَلَهُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ إلَّا لِلْأَبِ وَالْجَدِّ (فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْوَلِيُّ الْبِكْرَ) الْبَالِغَةَ (فَسَكَتَتْ) أَيْ الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ (أَوْ ضَحِكَتْ) بِلَا اسْتِهْزَاءٍ فَلَوْ ضَحِكَتْ مُسْتَهْزِئَةً لَمْ يَكُنْ إذْنًا عَلَى مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ، وَكَذَا التَّبَسُّمُ إذْنٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (وَبَكَتْ بِلَا صَوْتٍ فَهُوَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (إذْنٌ وَمَعَ الصَّوْتِ رَدٌّ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالْعُذُوبَةِ وَالْمُلُوحَةِ لِلدَّمْعِ وَقِيلَ إنْ بَارِدًا إذْنٌ وَإِنْ حَارًّا رَدٌّ وَقِيلَ عَذْبًا إذْنٌ وَمِلْحًا رَدٌّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَكُونُ رِضًى؛ لِأَنَّ الْبُكَاءَ قَدْ يَكُونُ عَنْ سُرُورٍ وَقَدْ يَكُونُ عَنْ حُزْنٍ فَلَا يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْمُعَارَضَةِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ السُّكُوتِ وَهُوَ رِضًى.
وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَكُونُ رِضًى وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْبُكَاءَ غَالِبًا يَكُونُ عَنْ حُزْنٍ وَالْمُعَوَّلُ فِي الْبُكَاءِ وَالضَّحِكِ ظُهُورُ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا، أَوْ الرَّدِّ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَلَوْ اكْتَفَى بِلَا صَوْتٍ لَكَانَ أَخْصَرَ (وَكَذَا) يَكُونُ السُّكُوتُ وَالضَّحِكُ وَالْبُكَاءُ بِلَا صَوْتٍ رِضًى وَإِجَازَةً.
(لَوْ زَوَّجَهَا) الْوَلِيُّ بِدُونِ الِاسْتِئْذَانِ (فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ) أَيْ خَبَرُ النِّكَاحِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ قَبْلَهُ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِنْ بَلَغَهَا خَبَرُ النِّكَاحِ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى، ثُمَّ قَالَتْ رَضِيتُ لَا يَصِحُّ وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمَشَايِخُ: الْمُسْتَحْسَنُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ عِنْدَ الزِّفَافِ؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ عَسَى تُظْهِرُ الرَّدَّ عِنْدَ السَّمَاعِ، ثُمَّ لَا يُفِيدُ رِضَاهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: سُكُوتُهَا عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ لَيْسَ بِإِجَازَةِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ سُكُوتَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ رَدٌّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَلَوْ كَانَ مُبَلِّغُ الْخَبَرِ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي رَسُولِ الْوَلِيِّ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَبُولُهَا الْهَدِيَّةَ بَعْدَ التَّزْوِيجِ لَا يَكُونُ رِضًى، وَكَذَا كُلُّ طَعَامِهِ وَالْخِدْمَةِ إنْ كَانَتْ تَخْدُمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَهِيَ رِضًى (وَشُرِطَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَبُلُوغِ الْخَبَرِ (تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ) أَيْ ذِكْرُهُ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ بِهِ لَهَا الْمَعْرِفَةُ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْ رَجُلٍ فَسَكَتَتْ لَا يَكُونُ رِضًى أَمَّا لَوْ قَالَ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ فُلَانٍ فَسَكَتَتْ فَيَكُونُ رِضًى بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ قَالَ مِنْ جِيرَانِي، أَوْ بَنِي عَمِّي يَكُونُ رِضًى إنْ كَانُوا يُحْصَوْنَ وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ فَلَيْسَ
стр. 333
بِرِضًى وَلَوْ زَوَّجَهَا بِحَضْرَتِهَا فَسَكَتَتْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ رِضًى.
وَلَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَسَكَتَتْ لَمْ يَكُنْ رِضًى فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَهُمَا فِي الصَّغِيرَةِ.
(لَا) يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ (الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي النِّكَاحِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِئْمَارِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي شَرْحِ الْوَافِي وَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِلَا تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ؛ لِجَوَازِ كَوْنِهَا لَا تَرْضَى إلَّا بِالزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِكَمْيَّةٍ خَاصَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ أَبًا، أَوْ جَدًّا فَلَا تُشْتَرَطُ وَإِلَّا فَتُشْتَرَطُ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ اسْتَأْذَنَهَا) أَيْ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ (غَيْرُ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ) أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا بَعِيدًا كَالْجَدِّ غَيْرِ الْأَبِ (فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ) ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهَا لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِكَلَامِهِ لَا لِرِضَاهَا بِهِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ سُكُوتَهَا رِضًى؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِي مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الْأَقْرَبِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(وَكَذَا) لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالتَّمْكِينِ مِنْ الْجِمَاعِ وَطَلَبِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِهَا (لَوْ اسْتَأْذَنَ) الْوَلِيُّ، أَوْ غَيْرُهُ (الثَّيِّبَ) الْكَبِيرَةَ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السُّكُوتِ أَنْ يَكُونَ رِضًى لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلًا فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ الرِّضَا فِي حَقِّ الْبِكْرِ لِضَرُورَةِ الْحَيَاءِ وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو عَنْ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الثَّيِّبِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ الْحَيَاءُ فِيهَا بِالْمُمَارَسَةِ فَلَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَحِينَ بُلُوغِهَا الْعَقْدَ.
(وَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا) أَيْ عُذْرَتُهَا وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْمَحَلِّ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْبِكْرُ اسْمٌ لِامْرَأَةٍ لَا تُجَامَعُ بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ (بِوَثْبَةٍ أَوْ حَيْضَةٍ، أَوْ جِرَاحَةٍ، أَوْ تَعْنِيسٍ) مِنْ عَنَسَتْ الْجَارِيَةُ إذَا جَاوَزَتْ وَقْتَ التَّزَوُّجِ فَلَمْ تَتَزَوَّجْ (فَهِيَ بِكْرٌ) حَقِيقَةً أَيْ حُكْمُهُنَّ حُكْمُ الْأَبْكَارِ وَلِذَا تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَبْكَارِ بَنِي فُلَانٍ؛ لِأَنَّ مُصِيبَهَا أَوَّلُ مُصِيبٍ لَهَا مِنْهُ الْبَاكُورَةُ وَالْبُكْرَةُ لِأَوَّلِ الثِّمَارِ وَلِأَوَّلِ النَّهَارِ وَلَا تَكُونُ عَذْرَاءَ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ فِي حُكْمِ الثَّيِّبِ لِزَوَالِ عُذْرَتِهَا.
(وَكَذَا لَوْ زَالَتْ) بَكَارَتُهَا (بِزِنًا خَفِيٍّ) عِنْدَ الْإِمَامِ
стр. 334
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَوْ زَنَتْ، ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَوْ صَارَ الزِّنَا عَادَةً لَهَا، أَوْ جُومِعَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَحُكْمُهُنَّ حُكْمُ الثَّيِّبِ وَلَوْ خَلَى بِهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِعُنَّةٍ، أَوْ جَبٍّ تُزَوَّجُ كَالْأَبْكَارِ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا بِكْرٌ حَقِيقَةً وَالْحَيَاءُ فِيهَا مَوْجُودٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبِكْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مَا يُصِيبُهَا لَيْسَ بِأَوَّلِ مُصِيبٍ لَهَا وَلِذَا لَا تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَبْكَارِ بَنِي فُلَانٍ وَلَهُ أَنَّ التَّفَحُّصَ عَنْ حَقِيقَةِ الْبَكَارَةِ قَبِيحٌ فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى مَظِنَّتِهَا وَفِي اسْتِنْطَاقِهَا إظْهَارٌ لِفَحَاشَتِهَا وَقَدْ نَدَبَ الشَّارِعُ السَّتْرَ بِخِلَافِ مَا إذَا تَكَرَّرَ زِنَاهَا لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحْيِي بَعْدَ ذَلِكَ عَادَةً.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ) أَيْ لِلْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عِنْدَ الدَّعْوَى (سَكَتِّ) عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ أَوْ الْبُلُوغِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْبَالِغَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ أَدْرَكَتْ وَادَّعَتْ رَدَّ النِّكَاحِ حِينَ بَلَغَتْ وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (وَقَالَتْ رَدَدْتُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَالْقَوْلُ لَهَا) ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُنْكِرِ خِلَافًا لِزُفَرَ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الْكَلَامِ أَمَّا لَوْ قَالَتْ بَلَغَنِي النِّكَاحُ يَوْمَ كَذَا فَرَدَدْتُ وَقَالَ الزَّوْجُ لَا بَلْ سَكَتِّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلرَّدِّ.
وَفِي الْمِنَحِ: بِكْرٌ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا فَقَالَتْ بَعْدَ سَنَةٍ إنِّي قُلْتُ لَا أَرْضَى بِالنِّكَاحِ فَالْقَوْلُ لَهَا (وَتَحْلِفُ عِنْدَهُمَا) وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ إنْ لَمْ يُقِمْ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى سُكُوتِهَا، فَإِنْ أَقَامَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُمْ عَلَى النَّفْيِ بَلْ عَلَى حَالَةٍ وُجُودِيَّةٍ فِي مَجْلِسٍ خَاصٍّ يُحَاطُ بِطَرَفَيْهِ، أَوْ هُوَ نَفْيٌ يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ وَإِنْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَتُهَا أَوْلَى لِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ أَعْنِي الرَّدَّ هَذَا إنْ ادَّعَى السُّكُوتَ أَمَّا لَوْ ادَّعَى إجَازَتَهَا وَأَقَامَاهَا فَبَيِّنَتُهُ أَوْلَى لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِثْبَاتِ وَزِيَادَةِ بَيِّنَتِهِ بِإِثْبَاتِ اللُّزُومِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ بَيِّنَتُهَا أَوْلَى فَيَحْصُلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ إنَّ السُّكُوتَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمِّ شَفَةٍ إلَى شَفَةٍ وَهُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ وَعَدَمُ النُّطْقِ مِنْ لَوَازِمِهِ، انْتَهَى. هَذَا مُسَلَّمٌ إنْ كَانَ السُّكُوتُ عِبَارَةٌ عَنْ الضَّمِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّكَلُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ وَلَمْ يَضُمَّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ يَتَحَقَّقُ السُّكُوتُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الضَّمُّ، تَدَبَّرْ.
(لَا) تَحْلِفُ (عِنْدَ الْإِمَامِ) وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى قَوْلُهُمَا وَلِهَذَا قَدَّمَهُ، فَإِنْ نَكَلَتْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِالنُّكُولِ.
(وَلِلْوَلِيِّ) خَاصَّةً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ إنْكَاحُهَا وَعِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ (إنْكَاحُ الْمَجْنُونَةِ) أَيْ تَزْوِيجُهَا (وَالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ.
وَلَوْ) كَانَتْ الصَّغِيرَةُ (ثَيِّبًا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ التَّفْصِيلُ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمُزَوِّجُ فِيهِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (أَبًا أَوْ جَدًّا لَزِمَ) الْعَقْدُ فَلَيْسَ لَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَلَا لَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ
стр. 335
(وَإِنْ كَانَ) الْمُزَوِّجُ (غَيْرَهُمَا) أَيْ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَلَوْ إمَامًا، أَوْ قَاضِيًا عَلَى الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْكَافِي (فَلَهُمَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَا، أَوْ عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَ الْبُلُوغِ) ، أَيْ إنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ غَيْرَهُمَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْعَقْدِ أَوْ عَلِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) اعْتِبَارًا بِالْأَبِ وَالْجَدِّ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَعْتُوهِ وَالْمَعْتُوهَةِ خِيَارٌ فِي تَزْوِيجِ الِابْنِ إنْ أَفَاقَا كَالْأَبِ وَالْجَدِّ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبِ فِي التَّزْوِيجِ (وَسُكُوتُ الْبِكْرِ) حِينَ الْبُلُوغِ وَالْعِلْمِ بِالنِّكَاحِ (رِضًى) ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهَا جُعِلَ رِضًى فِي ثُبُوتِ أَصْلِ النِّكَاحِ فَلَأَنْ يُجْعَلَ فِي ثُبُوتِ وَصْفِ اللُّزُومِ أَوْلَى (وَلَا يَمْتَدُّ خِيَارُهَا) أَيْ الْبِكْرِ (إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْبُلُوغِ، أَوْ الْعِلْمِ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ فَخِيَارُهَا عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَتْ عَلَى الشُّهُودِ، أَوْ سَأَلَتْ عَنْ اسْمِ الزَّوْجِ وَالْمَهْرِ بَطَلَ خِيَارُهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، لَكِنَّ فِي الْفَتْحِ خِلَافَهُ وَأَظُنُّ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ حَقٌّ فَلْيُطَالَعْ قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ تَطْلُبَ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَإِنْ رَأَتْهُ لَيْلًا تَطْلُبُ بِلِسَانِهَا فَتَقُولُ فَسَخْتُ وَتُشْهِدَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَقَالَتْ بَلَغْتُ سَاعَةَ كَذَا، وَاخْتَرْتُ نَفْسِي وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ قَالَتْ عِنْدَ الشُّهُودِ، أَوْ الْقَاضِي نَقَضْتُ النِّكَاحَ عِنْدَ الْبُلُوغِ قُبِلَ قَوْلُهَا مَعَ الْحَلِفِ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَغَيْرِهِ لَوْ اجْتَمَعَ خِيَارُ الْبُلُوغِ وَالشُّفْعَةِ تَقُولُ أَطْلُبُ الْحَقَّيْنِ ثُمَّ تَبْتَدِئُ فِي التَّفْسِيرِ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ وَلَوْ اخْتَارَتْ وَأَشْهَدَتْ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ إلَى الْقَاضِي شَهْرَيْنِ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ) لِأَنَّ لَهَا فُرْصَةً أَنْ تَتَفَرَّغَ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَالدَّارُ دَارُ الْعِلْمِ فَلَمْ تُعْذَرْ بِالْجَهْلِ وَجَهْلُهَا لِأَصْلِ النِّكَاحِ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَنْفَرِدُ بِهِ (بِخِلَافِ الْمُعْتَقَةِ) قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِالْقَوْلِ، أَوْ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ فَتُعْذَرُ بِالْجَهْلِ (وَخِيَارُ الْغُلَامِ وَالثَّيِّبِ لَا يَبْطُلُ) بِالسُّكُوتِ اعْتِبَارًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ بِحَالَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ.
(وَ) كَذَا لَا يَبْطُلُ (لَوْ قَامَا عَنْ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَرْضَيَا صَرِيحًا) كَرَضِيتُ (أَوْ دَلَالَةً) كَإِعْطَاءِ الْمَهْرِ وَقَبُولِهِ وَالتَّمْكِينِ وَطَلَبِ النَّفَقَةِ دُونَ أَكْلِ طَعَامِهِ وَخِدْمَتِهَا لَهُ وَالْخَلْوَةِ بِلَا مَسٍّ.
(وَشَرْطُ الْقَضَاءِ لِلْفَسْخِ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ) مِنْ صَغِيرٍ
стр. 336
أَوْ صَغِيرَةٍ فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَقْضِ بِهِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ كَانَ نَافِذًا فَلَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الرَّدِّ مَا لَمْ يَتَأَكَّدْ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَبَبُهُ بَاطِنٌ وَخَفِيٌّ وَهُوَ قُصُورُ شَفَقَةِ الْوَلِيِّ فَكَانَ الرَّدُّ إبْطَالًا لِحَقِّ الْآخَرِ فَلَا يَتَفَرَّدُ بِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْفَسْخُ بِغَيْبَةِ الزَّوْجِ وَإِلَّا لَزِمَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَا كُلُّ فُرْقَةٍ تَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ فَإِنَّهُ لَا احْتِيَاجَ فِيهِ لِلْقَضَاءِ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ (لَا) يُشْتَرَطُ (فِي خِيَارِ الْعِتْقِ) فَإِنَّ الْمُعْتَقَةَ إذَا اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ بِخِيَارِ الْعِتْقِ يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي لِأَنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ جَلِيٍّ وَهُوَ زِيَادَةُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا بِاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ؛ وَلِهَذَا يَخْتَصُّ بِالْأُنْثَى وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجِ بِاخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا وَلَا حُضُورُهُ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِلَا حُضُورِهِ (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ) بِالْفَسْخِ (وَرِثَهُ الْآخَرُ بَلَغَا، أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَالْمِلْكَ بِهِ ثَابِتٌ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ انْتَهَى النِّكَاحُ سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لَا تَقَعُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَيَتَوَارَثَانِ وَيَجِبُ الْمَهْرُ كُلُّهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَرِثَهُ الْآخَرُ لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَوْلَى يَعْقُوبُ بَاشَا وَبَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ وَالْأَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُحِيطِ وَلَا مَهْرَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ابْتِدَاءً حُكْمٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَوْتِ، تَدَبَّرْ. (وَالْوَلِيُّ) فِي النِّكَاحِ لَا فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ لِلْأَبِ، ثُمَّ لِأَبِيهِ ثُمَّ لِوَصِيِّهِمَا، ثُمَّ وَثُمَّ وَالْوَلِيُّ لُغَةً: الْمَالِكُ وَشَرْعًا: وَارِثٌ مُكَلَّفٌ (هُوَ الْعَصَبَةُ) بِنَفْسِهِ (نَسَبًا) وَهُوَ ذَكَرٌ يَتَّصِلُ بِالْمَيِّتِ بِلَا تَوَسُّطِ أُنْثَى فَخَرَجَ عَنْ الْعَصَبَةِ الْعَصَبَةُ بِغَيْرِهِ أَوْ مَعَ الْغَيْر (أَوْ سَبَبًا) وَهُوَ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) يَعْنِي أَوْلَاهُمْ الْجُزْءُ وَإِنْ سَفَلَ وَلَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْمَعْتُوهِ وَالْمَعْتُوهَةِ، ثُمَّ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا فِي الْمَعْتُوهِ ثُمَّ جُزْءُ أَصْلِ الْقَرِيبِ كَالْأَخِ إلَّا الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ، ثُمَّ بَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ عَمُّ أَبِيهِ ثُمَّ بَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ عَمُّ جَدِّهِ ثُمَّ بَنِيهِ الرَّاجِحُ وَالرُّجْحَانُ بِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ فَيُقَدَّمُ الْأَعْيَانِيُّ عَلَى الْعَلَّاتِيِّ ثُمَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَلَوْ قَالَ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ وَالْحَجْبِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بِتَرْتِيبِ الْإِرْثِ وَحْدَهُ لَا يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ بَلْ يُقَدَّمُ بِأَنْ يَأْخُذَ فَرْضَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَأْخُذَ الِابْنُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا اُعْتُبِرَ مَعَهُ تَرْتِيبُ الْحُجُبِ يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ يُحْجَبُ حَجْبَ نُقْصَانٍ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَابْنُ الْمَجْنُونَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى أَبِيهَا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْوِلَايَةُ لَهُمَا أَيُّهُمَا زَوَّجَ صَحَّ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يُقَدَّمُ الْأَبُ احْتِرَامًا لَهُ.
(وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ) وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا إلَّا فِي تَزْوِيجِ أَمَتِهِ (وَلَا صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ) عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُمْ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَكَذَا عَلَى
стр. 337
غَيْرِهِمْ (وَلَا كَافِرٍ عَلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ) دُونَ وَلَدِهِ الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ، وَكَذَا لَا وِلَايَةَ لِمُسْلِمٍ عَلَى كَافِرَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سَيِّدَ أَمَةٍ كَافِرَةٍ، أَوْ سُلْطَانًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ إنْ لَمْ يُوجَدْ (عَصَبَةٌ) نَسَبِيَّةٌ أَوْ سَبَبِيَّةٌ (فَلِلْأُمِّ) مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي: التَّزْوِيجُ (ثُمَّ لِلْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ) .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّ الْأُخْتَ لِأَبَوَيْنِ، أَوْ لِأَبٍ أَوْلَى مِنْ الْأُمِّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْمُنْيَةِ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى مِنْ الْأُمِّ (ثُمَّ لِوَلَدِ الْأُمِّ) ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى (ثُمَّ لِذَوِي الْأَرْحَامِ) وَالرَّحِمُ الْقَرَابَةُ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ وَعَصَبَةٍ، وَفِي الْأَصْلِ وِعَاءُ الْوَلَدِ (الْأَقْرَبِ) أَيْ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ (فَالْأَقْرَبُ) .
وَفِي الْإِصْلَاحِ قَالَهُ فِي الْخُلَاصَةِ نَقْلًا عَنْ شَرْعِ الشَّافِي الْأَقْرَبُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْأُمُّ ثُمَّ الْبِنْتُ، ثُمَّ بِنْتُ الْبِنْتِ، ثُمَّ بِنْتُ ابْنِ الِابْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأَمٍّ، ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ لِأُمٍّ، ثُمَّ أَوْلَادُهُنَّ، ثُمَّ الْعَمَّاتُ ثُمَّ الْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ، ثُمَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ وَالْجَدُّ الْفَاسِدُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيُفْتَى بِمَا ذُكِرَ فِي الشَّافِي لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْتِ وَمِنْ هَهُنَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْ ذِي الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي الْفَرَائِضِ وَإِنَّ مَنْ قَالَ، ثُمَّ الْأُمُّ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأَمٍّ لَمْ يُصِبْ، انْتَهَى. لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ تَرْتِيبُ الْإِرْثِ عَلَى مَا فِي الْفَرَائِضِ فَكَلَامُ الْخُلَاصَةِ مُشْعِرٌ بِالْخِلَافِ فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ الْإِصَابَةِ، تَدَبَّرْ.
(التَّزْوِيجُ عِنْدَ الْإِمَامِ) وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ، وَالنَّظَرُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّفْوِيضِ إلَى مَنْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقَرَابَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْإِنْكَاحُ إلَى الْعَصَبَاتِ» (وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَشْهَرِ) .
وَفِي الْإِصْلَاحِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مُضْطَرِبٌ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ مَعَ الْإِمَامِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَالْقُدُورِيُّ قَوْلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَعِنْدَهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ لَكِنْ هُوَ غَرِيبٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُتُونَ الْمَوْضُوعَةَ لِبَيَانِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ (ثُمَّ لِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ) أَيْ مَنْ عَاهَدَ إنْسَانًا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَنَى فَأَرْشُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ فَإِرْثُهُ لَهُ وَلَوْ امْرَأَتَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا إنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (ثُمَّ لِقَاضٍ) كَتَبَ السُّلْطَانُ (فِي مَنْشُورِهِ) أَيْ مَكْتُوبِهِ (ذَلِكَ) أَيْ تَزْوِيجُ الصِّغَارِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ نَائِبًا عَنْ السُّلْطَانِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وِلَايَةِ السُّلْطَانِ قَبْلَ الْقَاضِي، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ مُطْلَقًا وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ الْإِمَامِ إنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْأَبُ جَازَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا إذَا كَانَ الْمُوصِي عَيَّنَ رَجُلًا فِي حَيَاتِهِ فَزَوَّجَهَا الْوَصِيُّ بِهِ جَازَ كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي حَيَاتِهِ تَزْوِيجَهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلِلْأَبْعَدِ) أَيْ لِلْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ
стр. 338
(التَّزْوِيجِ) خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ لَا الْأَبْعَدُ (إذَا كَانَ الْأَقْرَبُ غَائِبًا) غَيْبَةً حَقِيقِيَّةً، أَوْ حُكْمِيَّةً كَمَا إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ عَنْ تَزْوِيجِهِمَا فَيُزَوِّجُهُمَا الْقَاضِي لَكِنَّ تَزْوِيجَهُ هُنَا نِيَابَةٌ عَنْ الْعَاضِلِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَا بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاضِلَ ظَالِمٌ بِالْمَنْعِ وَلِلْقَاضِي كَفُّ أَيْدِي الظَّلَمَةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْوَلِيَّ الْأَقْرَبَ إذَا عَضَلَ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ فَلِذَا قُلْنَا: إنَّهُ نَائِبٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ كَمَا فِي فَيْضِ الْكُرْكِيِّ وَأَرَادَ مِنْ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ (بِحَيْثُ لَا يَنْتَظِرُ الْكُفْءُ الْخَاطِبُ جَوَابَهُ) أَيْ جَوَابَ الْأَقْرَبِ فَلَوْ انْتَظَرَهُ الْخَاطِبُ لَمْ يُنْكِحْ الْأَبْعَدُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ وَهُوَ الْمُجْتَبَى وَالْمَبْسُوطُ وَالذَّخِيرَةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْحَقَائِقِ؛ لِأَنَّ الْكُفْءَ لَا يَتَّفِقُ كُلَّ الْوَقْتِ وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُخْتَفِيًا فِي الْبَلَدِ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ تَكُونُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً (وَقِيلَ مَسَافَةُ السَّفَرِ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْوَالِجِيِّ (وَقِيلَ: بِحَيْثُ لَا تَصِلُ الْقَوَافِلُ إلَيْهِ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ: مَسِيرَةَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامَيْنِ وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ فَلِهَذَا تَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَبْطُلُ) تَزْوِيجُ الْأَبْعَدِ مَعَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ (بِعَوْدِهِ) أَيْ بِعَوْدِ الْأَقْرَبِ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ تَامَّةٍ خِلَافًا لِزُفَرَ.
(وَلَوْ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ مُتَسَاوِيَانِ) فِي الْمَرْتَبَةِ كَالْأَخَوَيْنِ مَثَلًا (فَالْعِبْرَةُ لِلْأَسْبَقِ) لِوُجُودِ الْعَقْدِ مِنْ وَلِيٍّ قَرِيبٍ بِلَا مُعَارِضٍ.
(وَإِنْ كَانَا مَعًا بَطَلَا) لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلَا يَدْرِي السَّابِقَ مِنْ اللَّاحِقِ (وَيَصِحُّ كَوْنُ الْمَرْأَةِ وَكِيلَةً فِي النِّكَاحِ) كَمَا صَحَّ أَنْ تَكُونَ أَصِيلَةً.
[فَصْلٌ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاح]
فَصْلٌ فِي الْكَفَاءَةِ (تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ مَصْدَرُ الْكُفْءِ بِمَعْنَى النَّظِيرِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي خُصُوصِ أُمُورٍ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ جَانِبُ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَيَّرُ بِاسْتِفْرَاشِ مَنْ دُونَهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَفْرِشٌ فَلَا يَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الْفِرَاشِ هَذَا عِنْدَ الْكُلِّ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: الْكَفَاءَةُ فِي النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ
стр. 339
خِلَافًا لَهُمَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقُّ الْوَلِيِّ لَا حَقُّ الْمَرْأَةِ فَلَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ مَأْذُونٌ فِي النِّكَاحِ فَلَا خِيَارَ لَهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِرِضَاهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، ثُمَّ عَلِمَ لَا خِيَارَ لَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ بِالْكَفَاءَةِ أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ أَوْ عَقَدَ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ مَأْذُونٌ فَلَهُ الْخِيَارُ (فِي) وَقْتِ (النِّكَاحِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَالَ بَعْدَهُ كُفْئِيَّتُهُ لَهَا بِأَنْ صَارَ فَاسِقًا مَثَلًا لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْكَفَاءَةُ فِيهِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلِهَذَا قَدَّرْنَا الْوَقْتَ ثُمَّ تُعْتَبَرُ فِي الْعَرَبِ (نَسَبًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَقَعُ التَّفَاخُرُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إنَّمَا الْفَضْلُ بِالتَّقْوَى» (فَقُرَيْشٌ) هُوَ مِنْ وَلَدِ نَضْرِ بْنِ كِنَانَةَ (بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ) وَلَا يُعْتَبَرُ الْفَاضِلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلِهَذَا «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﵊ بِنْتَهُ مِنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ أُمَوِيٌّ لَا هَاشِمِيٌّ وَزَوَّجَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ هَاشِمِيٌّ بِنْتَهُ مِنْ فَاطِمَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ قُرَيْشِيٌّ عَدَوِيٌّ» (وَغَيْرُهُمْ) أَيْ غَيْرُ الْقُرَيْشِيِّ (مِنْ الْعَرَبِ لَيْسُوا كُفْئًا لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ الْعَرَبِ نَسَبًا.
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ وَلَا يَكُونُ الْعَالِمُ وَلَا الْوَجِيهُ كَالسُّلْطَانِ كُفْئًا لِعَلَوِيَّةٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْعَالِمَ كُفْءٌ لِلْعَلَوِيَّةِ إذْ شَرَفُ الْعِلْمِ فَوْقَ النَّسَبِ وَلِذَا قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِزِيَادَةِ عِلْمِهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (بَلْ بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضِ الْعَرَبِ (أَكْفَاءُ بَعْضٍ) ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فَلَا يَكُونُ الْعَجَمُ كُفْئًا لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، أَوْ وَجِيهًا كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ (وَبَنُو بَاهِلَةَ) فِي الْأَصْلِ اسْمُ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ وَالتَّأْنِيثُ لِلْقَبِيلَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمَ رَجُلٍ، أَوْ اسْمَ امْرَأَةٍ (لَيْسُوا كُفْءَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ) .
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ إلَّا بَنُو بَاهِلَةَ لِخَسَاسَتِهِمْ لَا يَكُونُونَ كُفْئًا لِعَامَّةِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَكَانُوا يَأْخُذُونَ عِظَامَ الْمَيْتَةِ يَطْبُخُونَ بِهَا وَيَأْخُذُونَ دُسُومَاتِهَا كَمَا قِيلَ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَعْلَمُ بِقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَاخْتِلَافِهِمْ وَقَدْ أَطْلَقَ، وَلَيْسَ كُلُّ بَاهِلِيٍّ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِمْ الْأَجْوَادُ وَكَوْنُ فَضِيلَةٍ مِنْهُمْ، أَوْ بَطْنِ صَعَالِيكَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَسْرِي فِي حَقِّ الْكُلِّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ تَأَمَّلْ (وَتُعْتَبَرُ) الْكَفَاءَةُ (فِي الْعَجَمِ) أَيْ غَيْرِ الْعَرَبِ (إسْلَامًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ إسْلَامِ أَبٍ وَجَدٍّ إذْ بِهِ تَفَاخُرُهُمْ لَا بِالنَّسَبِ؛ لِأَنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ (وَحُرِّيَّةً) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ فَتُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ (فَمُسْلِمٌ أَوْ حُرٌّ) تَفْرِيعٌ لِمَا قَبْلَهُ (أَبُوهُ كَافِرٌ) صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ (أَوْ رَقِيقٌ غَيْرُ كُفْءٍ لِمَنْ لَهَا أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْحُرِّيَّةِ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ
стр. 340
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَفَاخَرُونَ بِهِ وَإِنَّمَا يَتَفَاخَرُونَ بِالنَّسَبِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى مُعْتَقَةُ الشَّرِيفِ لَا يُكَافِئُهَا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ لَوْ كَانَ أَبُوهَا مُعْتَقًا وَأُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ لَا يُكَافِئُهَا الْمُعْتَقُ، ثُمَّ قَالَ مُعْتَقُ النَّبَطِيِّ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِمُعْتَقَةِ الْهَاشِمِيِّ (وَمَنْ لَهُ أَبٌ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ (أَوْ فِيهَا) أَيْ فِي الْحُرِّيَّةِ (غَيْرُ كُفْءٍ لِمَنْ لَهَا أَبَوَانِ) فِيهِ، أَوْ فِيهَا لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْجَدِّ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مُسْلِمٌ، أَوْ حُرٌّ يَكُونُ كُفْئًا لِمَنْ يَكُونُ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ حُرَّيْنِ إلْحَاقًا لِلْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي تَعْرِيفِ الشَّاهِدَيْنِ (وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ كُفْءٌ لِمَنْ لَهَا آبَاءٌ) ؛ لِأَنَّ مَا فَوْقَ الْجَدِّ لَا يُعْرَفُ غَالِبًا وَالتَّعْرِيفُ لَازِمٌ فَلَا يُشْتَرَطُ (وَتُعْتَبَرُ) الْكَفَاءَةُ (دِيَانَةً) أَيْ صَلَاحًا وَحَسَبًا وَتَقْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي الْكَرْمَانِيِّ، أَوْ عَدَالَةً عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْمَفَاخِرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ أَيْ الصَّحِيحُ اقْتِرَانُ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَرَجَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ.
وَقَالَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَفَاءَةَ مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْكَفَاءَةَ فِي الدَّيْنِ وَقَالَ: إذَا كَانَ الْفَاسِقُ ذَا مُرُوءَةٍ كَأَعْوِنَةِ السُّلْطَانِ، وَكَذَا عَنْهُ إنْ كَانَ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ سِرًّا وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ سَكْرَانُ يَكُونُ كُفْئًا وَإِلَّا لَا وَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ وَالْمَعْنَى: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ التَّقْوَى مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا يَفُوتُ النِّكَاحُ بِفَوَاتِهَا إلَّا إذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِهِ يَخْرُجُ سَكْرَانَ وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْمَوْلَى سَعْدِي أَفَنْدِي كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَكِنَّ الْإِفْتَاءَ بِمَا فِي الْمُتُون أَوْلَى كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْئًا لِبِنْتِ صَالِحٍ) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ صَالِحَاتٌ وَإِلَّا فَتَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنْتُهُ فَاسِقَةً فَتَكُونُ كُفْئًا لِفَاسِقٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَالْعِبَارَةُ الظَّاهِرَةُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ وَهِيَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِلصَّالِحَةِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُعْلِنْ) الْفَاسِقُ (فِي اخْتِيَارِ الْفُضْلَى وَتُعْتَبَرُ) الْكَفَاءَةُ (مَالًا) بِأَنْ يَمْلِكَ مِنْ الْمَهْرِ مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْبُضْعِ وَبِأَنْ يَكْسِبَ نَفَقَةً كُلَّ يَوْمٍ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يُتَمِّمُ الِازْدِوَاجَ وَقَبْلُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَقْدِ مَالِكًا لِنَفَقَةِ شَهْرٍ وَقِيلَ لِنَفَقَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ لِنَفَقَةِ سَنَةٍ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ فَهُوَ كُفْءٌ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا وَلَا يَجِدُ
стр. 341
نَفَقَةَ نَفْسِهِ يَكُونُ كُفْئًا لَهَا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
(فَالْعَاجِزُ عَنْ الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَالنَّفَقَةِ غَيْرُ كُفْءٍ لِلْفَقِيرَةِ) فَلِلْغَنِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضُ بُضْعِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِهِ وَالنَّفَقَةُ تَنْدَفِعُ بِهَا حَاجَتَهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ الْمَهْرِ يَكُونُ كُفْئًا لِأَنَّ الْمُسَاهَلَةَ تَجْرِي فِي الْمَهْرِ وَيُعَدُّ الِابْنُ قَادِرًا بِيَسَارِ أَبِيهِ وَالْآبَاءُ يَتَحَمَّلُونَ الْمَهْرَ عَنْ الْأَبْنَاءِ عَادَةً وَلَا يَتَحَمَّلُونَ النَّفَقَةَ الدَّارَّةَ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُ كُفْءٍ لِأَحَدٍ لَكَانَ أَشْمَلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ لِدَفْعِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا لَهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ.
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إنْ كَانَ عَلَوِيًّا، أَوْ عَالِمًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْمَهْرِ الْمِثْلِ يَكُونُ كُفْئًا لِلصَّغِيرَةِ الْغَنِيَّةِ (وَالْقَادِرُ عَلَيْهِمَا) أَيْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَة (كُفْءٌ لِذَاتِ أَمْوَالٍ عِظَامٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ فَلَا عِبْرَةَ لِكَثْرَتِهِ مَعَ أَنَّ الْكَثْرَةَ فِي الْأَصْلِ مَذْمُومٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إلَّا مَنْ قَالَ بِمَالِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي تَصَدَّقَ بِهِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَفْخَرُونَ بِالْغِنَى وَيُعَيِّرُونَ بِالْفَقْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَأَيْت ذَا الْغِنَى مَهِيبًا وَذَا الْفَقْرِ مَهِينًا.
(وَتُعْتَبَرُ) الْكَفَاءَةُ (حِرْفَةً) هِيَ اسْمٌ مِنْ الِاحْتِرَافِ أَيْ الِاكْتِسَابِ (عِنْدَهُمَا) فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ إلَّا أَنْ تَفْحُشَ كَالْحَجَّامِ وَالْحَائِكِ وَالدَّبَّاغِ.
(وَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ لَا تُعْتَبَرُ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْحِرْفَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَالتَّحَوُّلَ مُمْكِنٌ مِنْ الدَّنِيَّةِ إلَى الشَّرِيفَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَفْتَخِرُونَ بِشَرِيفِ الصِّنَاعَةِ وَيُعَيِّرُونَ بِخَسِيسِهَا (فَحَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ، أَوْ كَنَّاسٌ، أَوْ دَبَّاغٌ) ، أَوْ بَيْطَارٌ أَوْ حَدَّادٌ، أَوْ خَفَّافٌ وَأَخَسُّ كُلِّهِمْ خَادِمُ الظُّلْمَةِ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ آكِلِي دِمَاءِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (غَيْرُ كُفْءٍ لِعَطَّارٍ، أَوْ بَزَّازٍ أَوْ صَرَّافٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ حِرْفَةً فَالْعَطَّارُ وَالْبَزَّازُ كُفْئَانِ (وَبِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْحِرْفَةِ (يُفْتَى) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْمَرَضَ لَمْ يَسْلُبْ الْكَفَاءَةَ فَالْمَرِيضُ كُفْءٌ لِلصَّحِيحَةِ وَالْمَجْنُونُ لِلْعَاقِلَةِ، وَكَذَا الْقَرَوِيُّ فَالْقَرَوِيُّ كُفْءٌ لِلْبَلَدِيَّةِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَتْ)
стр. 342
الْمَرْأَةُ (غَيْرَ كُفْءٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذُكِرَتْ لَكِنْ ذَكَرَ هَهُنَا لِتَمْهِيدِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ نَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (أَنْ يُفَرِّقَ إنْ لَمْ يَتِمَّ) مَهْرُ مِثْلِهَا (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقُّهَا وَلِذَا كَانَ لَهَا أَنْ تَهَبَهُ فَلَأَنْ تَنْقُصَهُ أَوْلَى، وَلَهُ أَنَّ الْمَهْرَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ حَقُّ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ التَّنْقِيصُ مِنْهُ شَرْعًا وَإِنَّ مَهْرَ مِثْلِهَا حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمْ يُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ فَيَقْدِرُونَ عَلَى مُخَاصَمَتِهَا إلَى تَمَامِهِ وَالِاسْتِيفَاءُ حَقُّهَا إنْ شَاءَتْ قَبَضَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ وَهَبَتْهُ (وَقَبْضُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (الْمَهْرَ أَوْ تَجْهِيزُهُ، أَوْ طَلَبُهُ بِالنَّفَقَةِ رِضًا) دَلَالَةً فَلَيْسَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَهُ.
وَفِي الْبَحْرِ وَتَصْدِيقُ الْوَلِيِّ بِأَنَّهُ كُفْءٌ لَا يُسْقِطُ حَقَّ مَنْ أَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَإِنْكَارُ سَبَبِ وُجُوبِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إسْقَاطًا لَهُ (لَا سُكُوتُهُ) ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُجْعَلُ رِضًى إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ (وَإِنْ رَضِيَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ) الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُرْبِ (فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ الِاعْتِرَاضُ) إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِلْبَاقِي الِاعْتِرَاضُ مُطْلَقًا وَقَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ لِأَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ يَنْفَرِدُ بِالِاعْتِرَاضِ إذَا سَكَتَ الْبَاقُونَ.
[فَصْلٌ تَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ وَغَيْرِهِ]
فَصْلٌ فِي تَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ وَغَيْرِهِ (وَوُقِفَ) أَيْ جُعِلَ مَوْقُوفًا (تَزْوِيجُ فُضُولِيٍّ) مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا وَلَا أَصِيلًا وَلَا وَكِيلًا (أَوْ فُضُولِيِّينَ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ (عَلَى الْإِجَازَةِ) أَيْ إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْعَقْدُ بِالْقَوْلِ، أَوْ الْفِعْلِ فَإِنْ أَجَازَ يَنْفُذُ وَإِلَّا لَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَاطِلٌ وَإِنْ جَازَ (وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ) وَهُمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِكَلَامٍ، أَوْ كَلَامَيْنِ (وَاحِدٌ) خِلَافًا لِزُفَرَ (بِأَنْ كَانَ وَلِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ) كَمَنْ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ بِابْنِ أَخٍ آخَرَ (أَوْ وَكِيلًا مِنْهُمَا) كَمَنْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ بِالتَّزْوِيجِ وَوَكَّلَتْهُ امْرَأَةٌ
стр. 343
بِهِ أَيْضًا (أَوْ وَلِيًّا وَأَصِيلًا) كَابْنِ عَمٍّ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ مِنْ بِنْتِ عَمِّهِ الصَّغِيرَةِ (أَوْ وَلِيًّا وَوَكِيلًا) كَابْنِ عَمٍّ يُزَوِّجُ بِنْتَ عَمِّهِ الصَّغِيرَةَ مِنْ مُوَكِّلِهِ (وَوَكِيلًا وَأَصِيلًا) كَمَنْ يُزَوِّجُ مِنْ مُوَكِّلَتِهِ بِنَفْسِهِ (وَلَا يَتَوَلَّاهُمَا) أَيْ طَرَفَيْ النِّكَاحِ (فُضُولِيٌّ وَلَوْ مِنْ جَانِبٍ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ لِلْوَاحِدِ الْفُضُولِيِّ أَنْ يَعْقِدَ لِلطَّرَفَيْنِ وَيَتَوَقَّفُ عَقْدُهُ عَلَى إجَازَتِهِمَا مَثَلًا إذَا قَالَ زَوَّجْتُ فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ فَلَمْ يَقْبَلْ عَنْ الْآخَرِ قَابِلٌ، أَوْ قَالَ الرَّجُلُ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ، أَوْ قَالَتْ زَوَّجْتُ نَفْسِي فُلَانًا فَلَمْ يَقْبَلْ عَنْ الْآخَرِ أَحَدٌ يَتِمُّ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ عَاقِدًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إذْ الْوَاحِدُ يَصْلُحُ سَفِيرًا عَنْ الْجَانِبَيْنِ إذْ لَا يَلْزَمُ التَّنَافِي لِعَوْدِ الْحُقُوقِ إلَى مَنْ عَقَدَ لَهُ وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا شَطْرُ عَقْدٍ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ كَبَيْعٍ إذْ التَّوَقُّفُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ قِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ أَمَّا بِاثْنَيْنِ فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ مِنْ الْفُضُولِيَّيْنِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ فِي الْفَتْحِ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ أَمَةً) أَيْ أَمَةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ أَمَةَ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ امْرَأَةً فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا أَوْ وَكَّلَتْ رَجُلًا فَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا إذَا زَوَّجَ وَكِيلُ الرَّجُلِ بِنْتَهُ أَوْ بِنْتَ وَلَدِهِ، أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ وَهُوَ وَلِيُّهَا لَا يَجُوزُ لِلتُّهْمَةِ وَالْخَانِيَّةُ: وَلَوْ زَوَّجَهُ الْوَكِيلُ أُخْتَهُ جَازَ (لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمَا) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ أَمِيرًا (وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ وَهُوَ التَّزْوِيجُ بِالْأَكْفَاءِ (وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ مُشْتَرَكٌ وَهُوَ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ فَلَا يَصِحُّ مُقَيَّدًا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَمَرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ سَوْدَاءَ فَزَوَّجَهُ بَيْضَاءَ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ عَمْيَاءَ فَزَوَّجَهُ بَصِيرَةً يَصِحُّ وَلَوْ أَمَةً فَزَوَّجَهُ حُرَّةً لَا، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَتْهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ قَبِيلَةٍ فَزَوَّجَهَا مِنْ أُخْرَى.
وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ صَغِيرَةً جَازَ وَعِنْدَهُمَا لَا إلَّا إذَا كَانَ لَا يُجَامَعُ بِمِثْلِهَا كَالرَّتْقَاءِ وَفِيهِ إجْمَاعٌ وَقِيلَ الْجَوَازُ فِي الصَّغِيرَةِ قَوْلُ الْكُلِّ وَلَوْ زَوَّجَهُ عَمْيَاءَ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، أَوْ مَفْلُوجَةً، أَوْ مَجْنُونَةً جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوْ زَوَّجَهُ عَوْرَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ إحْدَى الْيَدَيْنِ، أَوْ الرِّجْلَيْنِ جَازَ إجْمَاعًا.
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ غَدًا بَعْدَ الظُّهْرِ فَزَوَّجَهُ قَبْلَ الظُّهْرِ، أَوْ بَعْدَ الْغَدِ لَا، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَنَكَحَ صَحِيحًا.
وَلَوْ قَالَ هَبْ لِفُلَانٍ فَقَالَ وَهَبْت فَمَا لَمْ يَقُلْ الْوَكِيلُ قَبِلْت لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَلِي التَّوْكِيلَ وَإِذَا قَالَ قَبِلْت انْعَقَدَ لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَلِيُّهَا، أَوْ وَكِيلُهَا: زَوَّجْت فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ فَقَالَ
стр. 344
وَكِيلُهُ أَوْ وَلِيُّهُ قَبِلْت يَقَعُ لِلْمَوْلَى وَالْمُوَكِّلِ وَأَنْ يُضَفْ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَقْتَضِي إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ (وَلَوْ زَوَّجَهُ امْرَأَتَيْنِ فِي عَقْدَةٍ) وَاحِدَةٍ (لَا يَلْزَمُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا) فَلَا وَجْهَ إلَى تَنْفِيذِهِمَا لِلْمُخَالَفَةِ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ فِي إحْدَاهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ لِلْجَهَالَةِ وَلَا إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ.
وَلَوْ قَالَ لَا يَنْفُذُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُجِيزَ نِكَاحَهُمَا، أَوْ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا أَيَّتِهِمَا شَاءَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فَيَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّ تَعَيُّنَهُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ تَدَبَّرْ وَلَوْ زَوَّجَهُ بِعَقْدَيْنِ فَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ دُونَ الثَّانِي وَلَوْ عَيَّنَ امْرَأَةً فَزَوَّجَهَا مَعَ أُخْرَى لَزِمَتْ الْمُعَيَّنَةُ.
(وَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ، أَوْ الْجَدُّ الصَّغِيرَ، أَوْ الصَّغِيرَةَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمَهْرِ) بِأَنْ زَوَّجَ الْبِنْتَ وَنَقَصَ مِنْ مَهْرِهَا أَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ وَزَادَ عَلَى مَهْرِ امْرَأَتِهِ (أَوْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ) بِأَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ أَمَةً، أَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَبْدًا (جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِوُجُودِ الشَّفَقَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِفَوَاتِ النَّظَرِ وَالْوِلَايَةُ مُقَيَّدَةٌ بِهِ هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ بِسَوْءِ الِاخْتِيَارِ أَمَّا لَوْ كَانَ الْأَبُ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ مَجَانَةً وَفِسْقًا كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ تَزْوِيجُهُمَا بِالْغَبْنِ وَغَيْرِ الْكُفْءِ (لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ) .
وَفِي التَّلْوِيحِ وَلَوْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا فَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْإِصْلَاحِ وَمَنْ وَهَمَ أَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ يَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ فَقَدْ وَهَمَ، انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْجَوَاهِرِ وَيَصِحُّ تَزْوِيجُ غَيْرِهِمَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَفِي الْجَوَامِعِ وَبِغَيْرِ كُفْءٍ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الرِّوَايَةِ لَا عَلَى عَدَمِهَا كَمَا لَا يَخْفَى فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ صَاحِبِ الْإِصْلَاحِ، وَكَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّلْوِيحِ وَلَمْ يَصِحَّ أَصْلًا تَدَبَّرَ.
[بَابُ الْمَهْرِ]
هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ فَكَانَ حُكْمًا لَهُ فَيَعْقُبُهُ وَلَهُ أَسْمَاءٌ: الْمَهْرُ وَالنِّحْلَةُ وَالصَّدَاقُ وَالْعُقْرُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْفَرِيضَةُ وَالْأُجْرَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْعَلَاقُ (يَصِحُّ النِّكَاحُ بِلَا ذِكْرِهِ) إجْمَاعًا لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ ازْدِوَاجٍ وَذَلِكَ يَتِمُّ بِالزَّوْجَيْنِ وَالْمَالُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلِيٍّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُهُ.
(وَ) كَذَا (مَعَ نَفِيهِ) أَيْ يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ وَيَكُونُ النَّفْيُ لَغْوًا خِلَافًا لِمَالِكٍ.
[قِيمَة الْمَهْر]
(وَأَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَسْكُوكَةً بَلْ تِبْرًا وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْمَسْكُوكَةُ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ تَقْلِيلًا لِوُجُودِ الْحَدِّ وَانْتَظَمَ كَلَامُهُ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَشَرَةٍ دَيْنٍ لَهُ عَلَى فُلَانٍ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ، فَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ رُبْعُ دِينَارٍ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ كُلُّ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصْلُحُ مَهْرًا فَتَعَلُّمُ الْقُرْآنِ وَطَلَاقُ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَالْعَفْوُ عَنْ
стр. 345
الْقِصَاصِ يَصْلُحُ مَهْرًا عِنْدَهُ لَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَالضَّعِيفُ إذَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ يَصِيرُ حَسَنًا إذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِغَيْرِ الْفِسْقِ؛ وَلِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ وُجُوبًا إظْهَارًا لِشَرَفِ الْمَحَلِّ فَيُقَدَّرُ بِمَا لَهُ خَطَرٌ وَهُوَ الْعَشَرَةُ وَمَا دَلَّ عَلَى مَا دُونَهَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَجَّلِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَكَسَدَتْ وَصَارَ النَّقْدُ غَيْرَهَا كَانَ عَلَى الزَّوْجِ قِيمَةُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ يَوْمَ كَسَدَتْ هُوَ الْمُخْتَارُ (فَلَوْ سَمَّى دُونَهَا) أَيْ الْعَشَرَةِ (لَزِمَتْ الْعَشَرَةُ) لِحَقِّ الشَّرْعِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ لَا تَجِبُ الْعَشَرَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ: التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا.
(وَإِنْ سَمَّاهَا) أَيْ الْعَشَرَةَ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهَا (لَزِمَ الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّ بِالدُّخُولِ يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ الْمُبْدَلِ (أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنَّ الْمَوْتَ كَالْوَطْءِ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ لَا غَيْرَ (وَ) لَزِمَ (نِصْفُهُ) أَيْ الْمُسَمَّى (بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَ) قَبْلَ (الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةُ وَهَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالطَّلَاقِ بَلْ يَعُمُّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ كَالرِّدَّةِ وَالْإِبَاءِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَتَقْبِيلِ ابْنَتِهَا بِشَهْوَةٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَعْدَ قَوْلِهِ بِالدُّخُولِ لِإِرَادَةِ الدُّخُولِ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُذْكَرَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَفِي الْكَافِي قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ أَذْهَبَ عُذْرَتَهَا دَفْعًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَالْخَلْوَةِ يَكْمُلُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْوَطْءِ فَيَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَهْرُ وَعِنْدَهُمَا يَتَنَصَّفُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ دَفَعَهَا أَجْنَبِيٌّ فَزَالَتْ عُذْرَتُهَا وَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ وَجَبَ نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ) أَيْ الْمَهْرِ (أَوْ نَفَاهُ) بِأَنْ عَقَدَ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا (لَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، أَوْ الْمَوْتِ) إذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَإِلَّا فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْمَوْتِ.
(وَ) لَزِمَ (بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ مُتْعَةٌ) أَيْ تَجِبُ مُتْعَةٌ إذَا لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، أَوْ نَفَاهُ وَحَصَلَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ أَمَّا إذَا حَصَلَتْ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ كَرِدَّتِهَا وَتَقْبِيلِهَا ابْنَ الزَّوْجِ بِشَهْوَةٍ وَإِرْضَاعِهَا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَخِيَارُهَا الْفَسْخُ بِالْبُلُوغِ وَالْإِعْتَاقِ
стр. 346
فَلَا (مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِهِ) لَا بِحَالِهَا (فِي الصَّحِيحِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الْآيَةَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا فِي الْمُتْعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَمَّا فِي الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ يُعْتَبَرُ حَالُهَا: لِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي لُزُومِ الْمِثْلِ الْمُعْتَبَرُ حَالُهُمَا فَكَذَا خَلَفُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ هَذَا أَصَحُّ، وَقَالَ الْخَصَّافُ يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا.
وَفِي التَّبْيِينِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ كَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اُعْتُبِرَتْ بِحَالِهِ وَحْدَهُ لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الشَّرِيفَةِ وَالْوَضِيعَةِ فِي الْمُتْعَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ: الْمُتْعَةُ مَا يُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ (لَا تَنْقُصُ) الْمُتْعَةُ (عَنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ) إنْ كَانَ الزَّوْجُ فَقِيرًا إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَنْقُصُ كَمَا تُزَادُ (وَلَا تُزَادُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) لَوْ كَانَ غَنِيًّا أَيْ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ يُزَادُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَالْوَاجِبُ الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهَا الْفَرِيضَةُ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَهِيَ) أَيْ الْمُتْعَةُ (دِرْعٌ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ الرَّاءِ قَمِيصُ الْمَرْأَةِ.
وَفِي الْمُغْرِبِ مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ الْقَمِيصِ (وَخِمَارٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يُخَمَّرُ بِهِ الرَّأْسُ أَيْ يُغَطَّى (وَمِلْحَفَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُلْحَفُ بِهِ مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدَمَيْهَا وَهَذَا التَّقْدِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالُوا هَذَا فِي دِيَارِهِمْ وَأَمَّا فِي دِيَارِنَا يُلْبَسُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ إزَارٌ وَمِكْعَبٌ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ السَّفَلَةِ فَمِنْ الْكِرْبَاسِ وَمِنْ الْوُسْطَى فَمِنْ الْقَزِّ وَمِنْ مُرْتَفِعَةِ الْحَالِ فَمِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، وَفِي النُّتَفِ أَفْضَلُ الْمُتْعَةِ خَادِمٌ.
(وَكَذَا الْحُكْمُ) أَيْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُتْعَةُ (لَوْ تَزَوَّجَهَا بِخَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، أَوْ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ سَمَّى بِهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَرِطْلًا مِنْ خَمْرٍ فَلَهَا الْمُسَمَّى وَلَا يَكْمُلُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) تَزَوَّجَهَا (بِهَذَا) الدَّنِّ مِنْ (الْخَلِّ إذَا هُوَ خَمْرٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ التَّسْمِيَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْخَمْرِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا مِثْلَ وَزْنِهِ خَلًّا وَسَطًا؛ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى وَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى.
(أَوْ) تَزَوَّجَهَا (بِهَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ) يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا مَرَّ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ يَجِبُ فِيهِ مِثْلُ قِيمَتِهِ عَبْدًا لِأَنَّهُ أَطْمَعَهَا فِي مَالٍ وَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ، أَوْ مِثْلُهُ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ الْإِمَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَبَا يُوسُفَ فِي الْخَمْرِ وَتَحْقِيقُهُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُرَاجَعْ.
(أَوْ) تَزَوَّجَهَا (بِثَوْبٍ أَوْ بِدَابَّةٍ) ، أَوْ بِدَارٍ (لَمْ يُبَيِّنْ جِنْسَهُمَا) مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، أَوْ مِنْ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ لِأَنَّ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ لَا يُعْرَفُ الْوَسَطُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَفْرَادِ الْمُتَمَاثِلَةِ وَذَلِكَ بِاتِّحَادِ النَّوْعِ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الَّذِي تَحْتَهُ الْفَرَسُ وَالْحِمَارُ وَغَيْرُهُمَا وَالثَّوْبُ الَّذِي تَحْتَهُ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالْحَرِيرُ وَاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ
стр. 347
أَيْضًا وَالدَّارِ الَّتِي تَحْتَهَا مَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِالْبُلْدَانِ وَالْمَحَالِّ وَالضِّيقِ وَالسِّعَةِ وَكَثْرَةِ الْمَرَافِقِ وَقِلَّتِهَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْجَهَالَةُ أَفْحَشَ مِنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَمَهْرُ الْمِثْلِ أَوْلَى، وَإِنْ عَيَّنَهُ بِأَنْ قَالَ عَبْدٌ أَمَةٌ فَرَسٌ حِمَارٌ بَيْتٌ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَيَنْصَرِفُ إلَى بَيْتٍ وَسَطٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا بَاقِيهَا هَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا الْبَيْتُ فِي عُرْفِنَا فَلَيْسَ خَاصًّا بِمَا يُبَاتُ فِيهِ بَلْ يُقَالُ لِمَجْمُوعِ الْمَنْزِلِ وَالدَّارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَسْمِيَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ كَالدَّارِ وَتُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ قِيمَتِهِ لَوْ أَتَاهَا بِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِجَوَازِ إطْلَاقِ الْجِنْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْأَمْرِ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ، أَوْ نَوْعًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْتَفِتَ أَهْلُ الشَّرْعِ إلَى مَا اصْطَلَحَ الْفَلَاسِفَةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْكَشْفِ.
(أَوْ) تَزَوَّجَهَا (بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (أَوْ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ الْحُرِّ لَهَا سَنَةً) ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأُطْلِقَ فِي الْخِدْمَةِ فَشَمِلَ رَعْيَ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةَ أَرْضِهَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رِوَايَةُ الْأَصْلِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لَهَا إجْمَاعًا اسْتِدْلَالًا بِقِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ بِلَا إنْكَارٍ كَمَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قِيمَةَ خِدْمَتِهِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهَا قِيمَةُ الْخِدْمَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ كَمَا فِي الْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّسْلِيمِ لِلْمُنَاقَضَةِ فَصَارَ كَالتَّزَوُّجِ عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ.
(وَكَذَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي) النِّكَاحِ (الشِّغَارُ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَغَرَ الْبَلَدَ شُغُورًا إذَا خَلَا مِنْ حَافِظٍ يَمْنَعُهُ (وَهُوَ) هُنَا (أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ) أَوْ أُخْتَهُ لِلْآخَرِ (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ) الْآخَرُ (بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ مُعَاوَضَةً بِالْعَقْدَيْنِ) أَيْ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ وَلَا مَهْرٌ سِوَى ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ بَقِيَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْعَقْدِ لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ فَاسِدَةٌ فَيَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ فِيهِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ) هَا (عَلَى خِدْمَتِهِ لَهَا سَنَةً وَهُوَ عَبْدٌ فَلَهَا الْخِدْمَةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَدَمَهَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى صَارَ كَأَنَّهُ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ حَقِيقَةً وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ لِزَوْجَتِهِ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ إذْ لَيْسَ لَهُ شَرَفُ الْحُرِّيَّةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ فُهِمَتْ مِمَّا سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ الْحُرِّ فَهَهُنَا صَرَّحَ بِهَا.
(وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) فَقَبِلَتْ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا (فَعِتْقُهَا صَدَاقُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ «﵊ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا» (وَعِنْدَهُمَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) لِبُطْلَانِ تَسْمِيَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
(وَلَوْ أَبَتْ) أَيْ الْأَمَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ عِتْقِهَا (أَنْ تَتَزَوَّجَهُ) أَيْ الْمَوْلَى نَفْسُهَا (فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا لَهُ) أَيْ فَعَلَى الْأَمَةِ أَنْ تُسَمِّيَ قِيمَةَ نَفْسِهَا لِمَوْلَاهَا (إجْمَاعًا) .
وَقَالَ زُفَرُ: لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا الْتَزَمَتْ النِّكَاحَ لَا الْمَالَ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ مَا لَمْ تَلْزَمْهُ وَلَنَا أَنَّهَا شَرَطَتْ لِلْمَوْلَى مَنْفَعَةً بِمُقَابَلَةِ عِتْقِهَا
стр. 348
فَلَمَّا فَاتَتْ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُضَ الْعِتْقَ لَكِنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يُنْقَضُ فَوَجَبَ نَقْضُهُ مَعْنًى بِإِلْزَامِ السِّعَايَةِ عَلَيْهَا وَلَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ.
(وَلِلْمُفَوِّضَةِ) وَهِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ مَنْ فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إلَى وَلِيِّهَا وَزَوْجِهَا بِلَا مَهْرٍ وَبِفَتْحِهَا مَنْ فَوَّضَهَا وَلِيُّهَا إلَى الزَّوْجِ بِلَا مَهْرٍ ثُمَّ تَرَاضَيَا عَلَى مِقْدَارِ (مَا فَرَضَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ إنْ دَخَلَ) بِهَا (أَوْ مَاتَ) عَنْهَا زَوْجُهَا كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى حَالِهَا فِي مَوْتِهَا أَيْضًا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِكَوْنِ مَطْمَحِ النَّظَرِ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ لَا بَيَانَ نَصِيبِ وَرَثَتِهَا مِنْ مَهْرِهَا، تَدَبَّرْ.
وَكَذَا إذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ الْعَقْدِ قَامَ مَقَامَ فَرْضِهِمَا (وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَلَا يَتَنَصَّفُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَخْصُوصٌ بِالْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَالْمَفْرُوضُ بَعْدَهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لَهَا فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا لَا يَخْفَى (نِصْفُ مَا فَرَضَ) بَعْدَ الْعَقْدِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَفْرُوضًا فَيَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ.
(وَإِنْ زَادَ) الزَّوْجُ (فِي مَهْرِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَتْ) أَيْ وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] وَقَدْ تَرَاضَيَا بِالزِّيَادَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هِيَ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ إنْ قَبَضَتْهَا صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (وَتَسْقُطُ) أَيْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ (بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُسَمَّ يُبْطِلُهُ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) فِي قَوْلِهِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (تَتَنَصَّفُ) الزِّيَادَةُ (أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا فُرِضَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
(وَإِنْ حَطَّتْ عَنْهُ مِنْ الْمَهْرِ) أَيْ إنْ حَطَّتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بَعْضًا، أَوْ كُلًّا عَنْ الزَّوْجِ (صَحَّ) الْحَطُّ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقُّهَا، وَالْحَطُّ يُلَاقِي حَقَّهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الزَّوْجُ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا فِي الْمَجْلِسِ لِصِحَّتِهَا وَلَكِنْ لَا يَرْتَدُّ حَطُّهَا بِرَدِّهِ.
(وَإِذَا خَلَا) الزَّوْجُ (بِهَا بِلَا مَانِعٍ مِنْ الْوَطْءِ حِسًّا) أَيْ مَنْعًا حِسِّيًّا (أَوْ شَرْعًا، أَوْ طَبْعًا) فَالْمَانِعُ الْحِسِّيُّ (كَمَرَضٍ) لِأَحَدِهِمَا (يَمْنَعُ الْوَطْءَ) سَوَاءٌ كَانَ مَنْعُهُ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْوَطْءُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ مَرَضُ الزَّوْجِ مَانِعٌ مُطْلَقًا وَأَمَّا مَرَضُهَا فَإِنَّمَا يَمْنَعُ إذَا كَانَ يَضُرُّهَا.
وَفِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ هُوَ الصَّحِيحُ (وَرَتَقٍ) بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ قَوْلِك رَتْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِقَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِيهَا، وَكَذَا مَا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَغِيرًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُمَا أَمَةٌ مِنْ جَانِبِ أَحَدِهِمَا، أَوْ امْرَأَةٌ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ الثَّالِثُ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ
стр. 349
أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ أَعْمَى، أَوْ نَائِمًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِي الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الْجَوَارِيَ مُطْلَقًا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُخْتَارِ: أَنَّ جَارِيَتَهَا لَا تَمْنَعُ كَجَارِيَتِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا مَا إذَا كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مَأْمُونِ الِاطِّلَاعِ كَالطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ، أَوْ الْحَمَّامِ.
وَقَالَ الشَّدَّادُ تَصِحُّ فِيهَا فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَلَوْ خَلَا بِهَا وَمَعَهَا أَعْمَى، أَوْ نَائِمٌ لَا تَكُونُ خَلْوَةً؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى يُحِسُّ وَالنَّائِمَ يَسْتَيْقِظُ وَيَتَنَاوَمُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا نَائِمٌ إنْ كَانَ نَهَارًا لَا تَصِحُّ وَإِنْ لَيْلًا تَصِحُّ وَالْكَلْبُ يَمْنَعُ إنْ كَانَ عَقُورًا، أَوْ لِلزَّوْجَةِ وَإِلَّا لَا وَفِي الْبَيْتِ الْغَيْرِ الْمُسْقَفِ تَصِحُّ، وَكَذَا عَلَى سَطْحِ الدَّارِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ حِجَابٌ، وَفِي مَحْمَلٍ عَلَيْهِ قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ فَهُوَ خَلْوَةٌ، وَفِي بُسْتَانٍ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ لَا تَصِحُّ، وَكَذَا فِي الْجَبَلِ وَالْمَفَازَةِ مِنْ غَيْرِ خَيْمَةٍ.
(وَ) الْمَانِعُ الشَّرْعِيُّ نَحْوُ (صَوْمِ رَمَضَانَ وَإِحْرَامِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ) ؛ لِمَا فِي إفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَقَضَاءٍ وَفِي إفْسَادِ الْإِحْرَامِ دَمٌ.
(وَ) الْمَانِعُ الطَّبِيعِيُّ (حَيْضٌ وَنِفَاسٌ) مِنْ دَمٍ حَقِيقِيٍّ، أَوْ حُكْمِيٍّ فَيَشْمَلُ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ مَانِعًا شَرْعِيًّا أَيْضًا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الْبَعْضِ (لَزِمَهُ تَمَامُ الْمَهْرِ) إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ وَشَرَطَ مَالِكٌ فِي إيجَابِ الْخَلْوَةِ حُكْمَ الْوَطْءِ طُولَ الْمُقَامِ مَعَهَا وَحَدَّ الطُّولَ بِالْعَامِ وَعَنْ أَحْمَدَ الْمَوَانِعُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ) الزَّوْجُ (خَصِيًّا) هُوَ مَنْزُوعُ الْبَيْضَتَيْنِ (أَوْ عِنِّينًا) هُوَ كَوْنُ الرَّجُلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ، أَوْ عَلَى جِمَاعِ الْبِكْرِ، أَوْ عَلَى جِمَاعِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مُطْلَقًا.
(وَكَذَا) يَجِبُ الْمَهْرُ التَّامُّ بِالْخَلْوَةِ (لَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (مَجْبُوبًا) أَيْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَزَوُّجَهُ لِلِاسْتِمْتَاعِ لَا لِلْإِيلَاجِ وَقَدْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لِذَلِكَ فَتَسْتَحِقُّ كُلَّ الْبَدَلِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّهُ أَعْجَزُ مِنْ الْمَرِيضِ (وَصَوْمُ الْقَضَاءِ غَيْرُ مَانِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي إفْسَادِهِ (فِي الْأَصَحِّ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُطْلَقًا.
(وَكَذَا) لَا يَمْنَعُ (صَوْمُ النَّذْرِ) وَالْكَفَّارَاتِ (فِي رِوَايَةٍ) وَقِيلَ يَمْنَعُ وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالْإِفْسَادِ وَمَا وَقَعَ فِي الْكَنْزِ وَهُوَ صَوْمُ فَرْضٍ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِمَنْعِ الصَّوْمَ يَقُولُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَالْقَائِلَ بِتَخْصِيصِ صَوْمِ رَمَضَانَ أَدَاءً يُخْرِجُ مَا عَدَاهُ مِنْ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ كَالْكَفَّارَاتِ فَقَوْلُ الْكَنْزِ لَيْسَ عَلَى قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَفَرْضُ الصَّلَاةِ) الَّتِي شُرِعَ فِيهَا أَحَدُهُمَا (مَانِعٌ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَالصَّلَاةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ فَرْضُهَا كَفَرْضِهِ وَنَفْلُهَا كَنَفْلِهِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ لَا تَمْنَعُ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ لِشِدَّةِ تَأَكُّدِهِمَا بِالْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِمَا (وَالْعِدَّةُ تَجِبُ بِالْخَلْوَةِ وَلَوْ مَعَ الْمَانِعِ) أَيْ
стр. 350
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً (احْتِيَاطًا) اسْتِحْسَانًا لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ، وَالْعِدَّةُ حَقُّ الشَّرْعِ وَالْوَلَدُ لِأَجْلِ النَّسَبِ فَلَا تَصْدُقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، وَفِي الْفَتْحِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمَانِعَ إنْ كَانَ شَرْعِيًّا تَجِبُ الْعِدَّةُ؛ لِثُبُوتِ التَّمَكُّنِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا كَالْمَرَضِ وَالصِّغَرِ لَا تَجِبُ لِانْعِدَامِ التَّمَكُّنِ حَقِيقَةً فَكَانَ كَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُ الْيَقِينِ بِعَدَمِ الشُّغْلِ وَمَا قَالَهُ قَالَ بِهِ التُّمُرْتَاشِيُّ وَقَاضِي خَانْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ إلَّا أَنَّ الْأَوْجَهَ عَلَى هَذَا أَنْ يَخُصَّ الصَّغِيرَ بِغَيْرِ الْقَادِرِ وَالْمَرِيضَ بِالدَّنِفِ؛ لِثُبُوتِ التَّمَكُّنِ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِمَا.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْمُذْهَبِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ مُطْلَقًا اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَقَامُوا الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِتَأَكُّدِ الْمَهْرِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ وَحُرْمَةِ نِكَاحِ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ قَائِمَةً وَمُرَاعَاةِ وَقْتِ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهَا وَحُرْمَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْعَقْدِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُقِيمُوهَا مَقَامَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْإِحْصَانِ وَحُرْمَةِ الْبَنَاتِ وَحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ وَالرَّجْعَةِ وَالْمِيرَاثِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ وُقُوعِ طَلَاقٍ آخَرَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَقَعَ.
(وَالْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ) ، أَوْ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ (لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ) لِمَا مَرَّ أَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَمُسْتَحَبَّةٌ لِمُطَلَّقَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ) سَوَاءٌ سَمَّى لَهَا مَهْرًا، أَوْ لَا تَعْوِيضًا عَنْ إيحَاشِهَا بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الْأُنْسِ وَالْأُلْفَةِ وَلَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ الْمَهْرِ مُسْتَوْفِيَةً لَهُ (وَغَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ (سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ) هَذَا عَلَى اخْتِيَارِ الْقُدُورِيِّ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التُّحْفَةِ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْحَصْرِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِمَا بِالِاسْتِحْبَابِ وَذَكَرَ فِي مُشْكِلَاتِ الْقُدُورِيِّ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَرَادَ بِهِ الْمُتْعَةَ لِمُطَلَّقَةٍ لَمْ تُوطَأْ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرٌ وَسُنَّةٌ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَدْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ، وَالرَّابِعَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا مُسْتَحَبَّةٍ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ قَامَ فِي حَقِّهِنَّ مَقَامَ الْمُتْعَةِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَلَوْ سَمَّى لَهَا أَلْفًا وَقَبَضَتْهُ، ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) بِهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا) الزَّوْجُ الْمَوْهُوبُ لَهُ (بِنِصْفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِالْهِبَةِ عَيْنُ مَا يَسْتَوْجِبُهُ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنَانِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فَصَارَ كَهِبَةِ مَالٍ آخَرَ وَلِهَذَا لَوْ سَمَّى لَهَا دَرَاهِمَ وَأَشَارَ إلَيْهَا لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا وَيَدْفَعَ مِثْلَهَا جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً وَلَا يَلْزَمُهَا رَدُّ عَيْنِ مَا أَخَذَتْ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا فِي الْمِنَحِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ.
(وَكَذَا) كُلُّ (مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ) أَيْ، وَكَذَا يَرْجِعُ إذَا كَانَ الْمَهْرُ
стр. 351
مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ شَيْئًا آخَرَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْهُ فَكَالْعُرُوضِ وَإِنْ كَانَ تِبْرًا، أَوْ نُقْرَةَ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً فَهِيَ كَالْعُرُوضِ فِي رِوَايَةٍ فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَالْمَضْرُوبَةِ فَلَا يُجْبَرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَلَوْ قَبَضَتْ النِّصْفَ) مِنْ الْمَهْرِ (ثُمَّ وَهَبَتْ الْكُلَّ، أَوْ الْبَاقِيَ) فِي ذِمَّتِهِ (لَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ وَهِبَةُ الْبَعْضِ حَطٌّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَلَهُ أَنَّ مَقْصُودَ الزَّوْجِ قَدْ حَصَلَ وَهُوَ سَلَامَهُ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِلَا عِوَضٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَالْحَطُّ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ أَلَا يُرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَلْتَحِقُ حَتَّى لَا تَتَنَصَّفَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَلَوْ وَهَبَتْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَتْ الْبَاقِيَ رَجَعَ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَهَا مَثَلًا عَلَى أَلْفٍ فَوَهَبَتْ لَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَقَبَضَتْ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِمِائَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ) فَفِيمَا صَوَّرْنَاهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِثَلَاثِمِائَةٍ (وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا) مِنْ الْمَهْرِ (فَوَهَبَتْهُ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَا) أَيْ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ اسْتِحْسَانًا (لَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَرْضًا) أَيْ عَيْنًا (فَوَهَبَتْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بَعْدَهُ) وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ نِصْفِ عَيْنِ الْمَهْرِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ سَلَامَةُ نِصْفِ الْمَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا دَفْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكَانَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ بِبَدَلٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ أَنَّهَا إنْ وَهَبَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَرْجِعُ بِلَا خِلَافٍ وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مُسْتَدْرَكًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ هَهُنَا تَأَمَّلْ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَيَرِدُ عَلَى كَلَامِ زُفَرَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ فَفِي صُورَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ لَا يَتَحَقَّقُ الْهِبَةُ فَكَيْفَ يَرْجِعُ، انْتَهَى. لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ إسْقَاطٌ، وَالْإِسْقَاطُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ مَعَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ قَبْضِ الْمَرْأَةِ الْعَيْنَ لَا قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى السُّؤَالِ. تَدَبَّرَ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا (عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلَدِ) أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ (أَوْ) تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا) امْرَأَةً أُخْرَى، أَوْ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ لَهَا هَدِيَّةً (فَإِنْ وَفَّى) بِمَا شَرَطَ (فَلَهَا الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى صَلُحَ لِلْمَهْرِ وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَ (فَمَهْرُ الْمِثْلِ) إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
стр. 352
لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا مَا فِيهِ نَفْعٌ وَقَدْ فَاتَ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِعَدَمِ رِضَاهَا إلَّا بِهِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ فِي بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا) مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ (فَإِنْ أَقَامَ) بِهَا (فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ (فَمَهْرُ الْمِثْلِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ (لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ) إنْ زَادَ عَلَيْهِمَا؛؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ (وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَلْفٍ) إنْ نَقَصَ مِنْهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ.
وَقَالَ زُفَرُ الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِكُلِّ حَالٍ (وَعِنْدَهُمَا لَهَا أَلْفَانِ إنْ أَخْرَجَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ بِبَدَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ كَمَا صَحَّ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَتْ قَبِيحَةً وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَلَهُ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ وَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ الَّتِي مَعَهُ وَالشَّرْطُ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ نَشَأَتْ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمُوجَبِ مَا صَحَّ وَهُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِيفَاءِ وَمُنَافِي مُوجَبِ مَا صَحَّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ الْأَصْلُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَشْهَدَةِ أَنَّ الْخَطَرَ فِي هَذِهِ دَخَلَ عَلَى التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْرِفُ هَلْ يُخْرِجُهَا أَوْ لَا وَلَا مُخَاطَرَةَ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْرِفُهَا وَجَهَالَتُهُ لَا تُوجِبُ خَطَرًا كَمَا فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ هَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ فَعَلَى أَلْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً فَعَلَى أَلْفٍ، أَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَعَلَى أَلْفٍ إنْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَاطَرَةَ فِيهِمَا وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ الْحَالُ مَعَ أَنَّهُمَا خِلَافِيَّتَانِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ مَسْأَلَةُ الْقَبِيحَةِ وَالْجَمِيلَةِ عَلَى الْخِلَافِ فَقَدْ نَصَّ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى الْخِلَافِ لَكِنْ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِهَذَا الْعَبْدِ أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ) عَلَى الْإِبْهَامِ وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ (فَلَهَا الْأَعْلَى إنْ كَانَ) الْأَعْلَى (مِثْلَ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِرِضَاهَا بِهِ (أَوْ أَقَلَّ) عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا لِرِضَاهَا بِالْحَطِّ إلَّا أَنْ تَرْضَى الْمَرْأَةُ بِالْأَدْنَى (وَالْأَدْنَى) أَيْ فَلَهَا الْأَدْنَى (إنْ كَانَ) الْأَدْنَى (مِثْلَهُ) أَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِرِضَاهَا بِهِ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ لِرِضَاهُمَا بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الزَّوْجُ بِالْأَعْلَى وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ قِيمَةً يَجِبُ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى كَمَا فِي الْكَافِي (وَمَهْرُ مِثْلِهَا إنْ كَانَ) مَهْرُ مِثْلِهَا (بَيْنَهُمَا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ وَنَقَصَ مِنْ الْأَكْثَرِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ أَصْلٌ يُعْدَلُ عَنْهُ بِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَصِحَّ التَّسْمِيَةُ هُنَا مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ (وَعِنْدَهُمَا لَهَا الْأَدْنَى بِكُلِّ حَالٍ) إذْ الْمُسَمَّى هُوَ الْأَصْلُ وَبِتَعَذُّرِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ يُعْدَلُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا تَعَذُّرَ هُنَا لِتَعَيُّنِ الْأَقَلِّ هَذَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ لَهَا لِتَأْخُذَ أَيًّا شَاءَتْ، أَوْ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ أَيًّا شَاءَ، فَإِنْ شُرِطَ صَحَّ اتِّفَاقًا لِانْتِفَاءِ
стр. 353
الْمُنَازَعَةِ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ حَالَّةٍ، أَوْ مُؤَجَّلَةٍ إلَى سَنَةٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْقٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلَهَا الْحَالَّةُ وَإِلَّا فَالْمُؤَجَّلَةُ وَعِنْدَهُمَا الْمُؤَجَّلَةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَقَلُّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ حَالَّةٍ، أَوْ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا كَالْأَكْثَرِ فَالْخِيَارُ لَهَا وَإِنْ كَانَ كَالْأَقَلِّ فَالْخِيَارُ لَهُ وَإِنْ بَيْنَهُمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعِنْدَهُمَا الْخِيَارُ لَهُ لِوُجُوبِ الْأَقَلِّ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الْأَدْنَى إجْمَاعًا) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ نِصْفُ الْأَدْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُتْعَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ نِصْفُ الْأَدْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُتْعَةِ تَكُونُ لَهَا الْمُتْعَةُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِهَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَلَهَا الْعَبْدُ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ سَاوَى الْعَبْدُ) أَيْ قِيمَتُهُ (عَشَرَةً) مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ فَيُكْمِلُ الْعَشَرَةَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْحُرِّ وَعَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَالْبَاقِي صَلُحَ مَهْرًا؛ لِكَوْنِهِ مَالًا فَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَهُ (الْعَبْدُ مَعَ قِيمَةِ الْحُرِّ لَوْ كَانَ عَبْدًا) ؛ لِأَنَّهُ أَطْعَمَهَا سَلَامَةَ الْعَبْدَيْنِ وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ أَحَدِهِمَا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) لَهَا (الْعَبْدُ وَتَمَامُ مِثْلِ الْمَهْرِ إنْ هُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (أَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ يَجِبُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ فَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَقُيِّدَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حُرًّا إذْ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا فَلَهَا الْبَاقِي وَقِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ وَلَوْ اُسْتُحِقَّا جَمِيعًا فَلَهَا قِيمَتُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُحِقَّ نِصْفَ الدَّارِ الْمَمْهُورَةِ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الْبَاقِيَ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ كُلَّ الْقِيمَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا النِّصْفُ الْبَاقِي كَمَا فِي الْمِنَحِ وَالتَّنْوِيرِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى فَرَسٍ) وَقَدْ حَقَقْنَاهُ آنِفًا (أَوْ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بَالَغَ فِي وَصْفِهِ أَوْ لَا) بِأَنْ يُبَيِّنَ طُولَهُ وَعَرْضَهُ (خُيِّرَ) الزَّوْجُ (بَيْنَ دَفْعِ الْوَسَطِ أَوْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْوَسَطِ فَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبُولِ، هَذَا إذَا ذَكَرَ الثَّوْبَ الْمَوْصُوفَ مُطْلَقًا أَمَّا إذَا عَيَّنَ ثُمَّ أَتَى بِالْقِيمَةِ لَا تُخَيَّرُ، وَكَذَا إذَا ذَكَرَهُ مُضَافًا إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى ثَوْبِ كَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ كَالْإِشَارَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَقَالَ زُفَرُ إذَا بَالَغَ فِي وَصْفِهِ يَرْتَفِعُ الْخِيَارُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَسَطِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (وَكَذَا) خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَتَسْلِيمِ قِيمَتِهِ.
(لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ) غَيْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (بَيَّنَ جِنْسَهُ) أَيْ نَوْعَهُ (لَا صِفَتَهُ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ كَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَيَّنَ صِفَتَهُ أَيْضًا) كَمَا بَيَّنَ جِنْسَهُ (وَجَبَ هُوَ) أَيْ الْمُسَمَّى (لَا قِيمَتُهُ)
стр. 354
فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ مَوْصُوفَهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا (وَقِيلَ الثَّوْبُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَكِيلِ (إنْ بُولِغَ فِي وَصْفِهِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي النِّكَاحِ (الْبَكَارَةَ) بِلَا زِيَادَةِ شَيْءٍ لَهَا (فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا لَزِمَهُ كُلُّ الْمَهْرِ) أَيْ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، أَوْ الْمُسَمَّى بِلَا نُقْصَانٍ وَلَا عِبْرَةَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ إنَّمَا شُرِعَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْبَكَارَةِ، وَكَذَا إنْ شَرَطَ أَنَّهَا شَابَّةٌ فَوَجَدَهَا عَجُوزًا.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى قَدْرٍ) مِنْ الْمَهْرِ (فِي السِّرِّ) بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ (وَأَعْلَنَا غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (عِنْدَ الْعَقْدِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا أَعْلَنَاهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا أَسَرَّاهُ) يَعْنِي مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرٍ فِي السِّرِّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا بِأَكْثَرَ مِنْهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً لَهَا مَهْرُ السِّرِّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ حَقِيقَةً وَقَالَا لَهَا مَهْرُ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ اسْتِئْنَافًا لَكِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْمَهْرِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَيُعْتَبَرُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، هَذَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْعَلَانِيَةِ هَزْلٌ وَإِنْ أَشْهَدَ لَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَظْهَرَا أَكْثَرَ مِمَّا فِي السِّرِّ بِلَا عَقْدٍ آخَرَ لَمْ يُعْتَبَرْ الظَّاهِرُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدْنَا التَّزَوُّجَ بِأَنْ يَكُونَ بِأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَانِيَةً عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَمَهْرُ السِّرِّ اتِّفَاقًا وَهَذَا إذَا تَعَاقَدَا بِجِنْسِ مَا تَوَاضَعَا، وَلَوْ تَعَاقَدَا بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا تَعَاقَدَا فِي السِّرِّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَتَعَاقَدَا فِي الْعَلَانِيَةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ اتِّفَاقًا فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَرَّتَيْنِ عَقْدٌ فِي السِّرِّ وَعَقْدٌ فِي الْعَلَانِيَةِ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْعَقْدِ فِي السِّرِّ بَلْ تَقَاوَلَا فِي الْمَهْرِ وَيَسْتَقِرُّ رَأْيُهُمَا عَلَى قَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ اتَّفَقَا وَلَمْ يَقُلْ لَوْ تَعَاقَدَا، تَتْبَعُ.
[فَصْلٌ هَلْ يَجِب الْمَهْر فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ) مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُتْعَةِ وَالْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ (بِلَا وَطْءٍ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ) كَالنِّكَاحِ لِلْمَحَارِمِ الْمُؤَبَّدَةِ أَوْ الْمُؤَقَّتَةِ، أَوْ بِإِكْرَاهٍ مِنْ جِهَتِهَا أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ لِلْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ، أَوْ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (خَلَا بِهَا) إذْ لَا يَثْبُتُ لَهَا التَّمَكُّنُ فَصَارَ كَخَلْوَةِ الْحَائِضِ وَلِهَذَا قَالُوا الصَّحِيحَةُ فِي الْفَاسِدَةِ كَالْفَاسِدَةِ فِي الصَّحِيحَةِ (فَإِنْ وَطِئَ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى) أَيْ إنْ زَادَ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى الْمُسَمَّى لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فِي الزِّيَادَةِ لِرِضَاهَا بِمَا دُونَهَا، وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ وَزُفَرَ يُزَادُ عَلَيْهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ مُسَمًّى، أَوْ كَانَ مَجْهُولًا يَجِبُ بَالِغًا مَا بَلَغَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجِمَاعُ فِي الْقُبُلِ حَتَّى
стр. 355
يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهَاهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ تَدَبَّرْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ مِرَارًا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ، أَوْ جَارِيَةَ ابْنِهِ مِرَارًا أَمَّا لَوْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لِكُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرٌ وَلَوْ وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْأَةٍ نِصْفُ مَهْرٍ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) بَعْدَ الْوَطْءِ لَا الْخَلْوَةِ فَلَوْ فُرِّقَ بِحُكْمِ فَسَادِ النِّكَاحِ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا صَحِيحًا فِي عِدَّتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا وَلَهَا عِدَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ الْمَهْرِ وَإِتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى وَكَذَا الْخِلَافُ فِي النِّكَاحَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ (وَ) يُعْتَبَرُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ (مِنْ حِينِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الْوَطْآتِ) .
وَقَالَ زُفَرُ مِنْ آخِرِ الْوَطْآتِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ (هُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَرَفْعُهَا بِالتَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ: وَالتَّفْرِيقُ فِي هَذَا إمَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي أَوْ بِمُتَارَكَةِ الزَّوْجِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَلْ هُوَ مُتَارَكَةٌ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُتَارَكَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَتَحَقَّقُ الْمُتَارَكَةُ بِالْقَوْلِ وَبِالتَّرْكِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا إلَّا بِالْقَوْلِ فِيهِمَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَارَكَةَ لَا تَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ أَصْلًا كَمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِالزَّوْجِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُ الْفَاسِدِ بِغَيْرِ حُضُورِ الْآخَرِ وَقِيلَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ الْآخَرِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فَسْخَهُ بِمَحْضَرِ الزَّوْجِ اتِّفَاقًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَسْخَ مُتَارَكَةٌ فَيَلْزَمُ التَّوْجِيهُ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، تَأَمَّلْ.
(وَيَثْبُتُ فِيهِ) أَيْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (النَّسَبُ) مِنْهُ لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إنْ اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَلَا بِهَا، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَنْكَرَ الْوَطْءَ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ (وَمُدَّتُهُ) أَيْ مُدَّةُ النَّسَبِ (مِنْ حِينِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى) وَعِنْدَهُمَا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَى الْوَطْءِ لِحُرْمَتِهِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِدُونِ الْوَطْءِ، أَوْ اللَّمْسِ أَوْ التَّقْبِيلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ كَالدُّخُولِ فِي الْفَاسِدِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَمَا فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ تَدَبَّرْ.
(وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِقَوْمِ أَبِيهَا) فِي وَقْتِ الْعَقْدِ وَالْأَوْلَى مِنْ قَرِيبِ أَبِيهَا لِأَنَّ الْقَوْمَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِهِنَّ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ جِنْسِ أَبِيهِ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ إلَى قِيمَةِ جِنْسِهِ وَلِهَذَا صَحَّتْ
следующие страницы →