Полный текст (1 543 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فَإِنْ لَاعَنَ) الزَّوْجُ (وَجَبَ اللِّعَانُ عَلَيْهَا) بِالنَّصِّ (فَإِنْ أَبَتْ) الْمَرْأَةُ عَنْ اللِّعَانِ (حُبِسَتْ) عِنْدَنَا (حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) وَلَمْ يَقُلْ فَتُحَدُّ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيِّ لِكَوْنِهِ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً فَكَيْفَ يَجِبُ بِالتَّصْدِيقِ وَفِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ صَدَّقَتْهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ وَهُوَ وَلَدُهُمَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَنْقَطِعُ حُكْمًا بِاللِّعَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ حَقُّ الْوَلَدِ فَلَا يُصَدَّقَانِ فِي إبْطَالِهِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ فَيَنْفِي نَسَبَ وَلَدِهَا عَنْهُ لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِهَذَا التَّصْدِيقِ تَأَمَّلْ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا) صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ وَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فَقَذَفَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ (أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ) كَمَا حَقَّقْنَاهُ آنِفًا (وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ (حُدَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلشَّهَادَةِ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (أَهْلًا وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (صَغِيرَةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ أَوْ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ أَوْ كَافِرَةٌ أَوْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا وَلَوْ اكْتَفَى فَقَالَ: وَهِيَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِمَائِيَّةَ وَغَيْرَهَا أَسْبَابٌ لِكَوْنِهَا مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا تَأَمَّلْ.
(فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ (وَلَا لِعَانَ) أَمَّا عَدَمُ الْحَدِّ فَلِامْتِنَاعِ اللِّعَانِ مِنْ جِهَتِهَا عَلَى مَا صُرِّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَذَلِكَ أَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ عِنْدَنَا بِاللِّعَانِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْحَدِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ اللِّعَانِ مِنْ جِهَتِهَا، وَأَمَّا عَدَمُ اللِّعَانِ فَلِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلشَّهَادَةِ وَعَدَمِ عِفَّتِهَا وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِإِلْحَاقِهِ الشَّيْنَ بِهَا (وَصِفَتُهُ) أَيْ اللِّعَانِ مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ الرُّكْنُ؛ لِأَنَّ صِفَتَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهِ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ (أَنْ يَبْتَدِئَ) الْقَاضِي (بِالزَّوْجِ) بَعْدَ أَنْ أَوْقَفَهُ مَعَ الْمَرْأَةِ مُتَقَابِلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي أَوَّلًا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ بَدَأَ بِهِ فِيهِ» فَلَوْ أَخْطَأَ الْقَاضِي فَبَدَأَ بِالْمَرْأَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَهُ وَلَوْ فَرَّقَ قَبْلَ الْإِعَادَةِ جَازَ وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.
وَفِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الْوَجْهُ (فَيَقُولُ) الزَّوْجُ بِأَمْرِ الْقَاضِي بَعْدَمَا ضَمَّهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَشُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ (أَشْهَدُ) أَيْ مُقْسِمًا أَوْ أُقْسِمُ (بِاَللَّهِ) الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (إنِّي) أَيْ بِأَنِّي (صَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا) ثُمَّ يَقُولُ الْقَاضِي: اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ يَعْنِي لَعْنَةً وَفُرْقَةً وَعُقُوبَةً فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ يُتِمُّ الْأَمْرَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَ) يَقُولُ (فِي) الْمَرَّةِ (الْخَامِسَةِ) إنَّ (لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (عَلَيْهِ) وَإِنَّمَا آثَرَ الْغَيْبَةَ
стр. 457
عَلَى التَّكَلُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَنَاعَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى (إنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ) هَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ بِالْخِطَابِ فِيهِمَا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ، وَوَجْهُ الظَّاهِرِ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشِيرُ إلَى صَاحِبِهِ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ أَسْبَابِ التَّعْرِيفِ (مِنْ الزِّنَا يُشِيرُ إلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ) يَقْعُدُ الرَّجُلُ وَ (تَقُولُ هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ قَائِمَةً (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا) ثُمَّ يَقُولُ الْقَاضِي كَمَا مَرَّ (وَ) تَقُولُ (فِي) الْمَرَّةِ (الْخَامِسَةِ) إنَّ (غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا تُشِيرُ إلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْغَضَبُ فِي جَانِبِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَجَاسَرُ بِاللَّعْنِ عَلَى نَفْسِهَا كَاذِبَةً؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ تَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ كَثِيرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَاخْتِيرَ الْغَضَبُ لِتَتَّقِيَ وَلَا تُقْدِمُ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ ذَكَرَاهُ) أَيْ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ نَفْيَ الْوَلَدِ (عِوَضَ ذِكْرِ الزِّنَا) يَعْنِي يَقُولُ الزَّوْجُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لِمَنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لِمَنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَذْفُ (بِالزِّنَا وَنَفْيِ الْوَلَدِ) جَمِيعًا (ذَكَرَاهُمَا) أَيْ ذَكَرَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ الزِّنَا وَنَفْيَ الْوَلَدِ جَمِيعًا (وَإِذَا تَلَاعَنَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) فَلَا تَفْرِيقَ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَالْحَاكِمُ الثَّانِي يَسْتَقْبِلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَيَجُوزُ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَيَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ قَبْلَ أَكْثَرِ اللِّعَانِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْفُرْقَةِ وَإِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ وُجُودِ أَكْثَرِ اللِّعَانِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَرْضَيَا.
وَقَالَ زُفَرُ يَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا وَلَا حَاجَةَ إلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ بِلِعَانِ الرَّجُلِ قَبْلَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ.
(وَهُوَ) أَيْ التَّفْرِيقُ (طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ) عَلَى الصَّحِيحِ فَيَجِبُ الْعِدَّةُ مَعَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَيَحْرُمُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً كَالرَّضَاعِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ.
وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَرْقَ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ وَمَا يَحْتَاجُ مِنْهَا إلَى الْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْإِعْتَاقِ
فُرْقَةٌ حُكْمًا بِغَيْرِ طَلَاقِ ... فَقْدُ كُفُؤٍ كَذَا وَنُقْصَانُ مَهْرٍ
وَنِكَاحٌ فَسَادُهُ بِاتِّفَاقِ ... مِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بَعْضِ
زَوْجٍ وَارْتِدَادٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ... ثُمَّ جُبٌّ وَعُنَّةٌ وَلِعَانٌ
وَإِبَاءُ الزَّوْجِ فُرْقَةً بِطَلَاقِ ... وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْكُلِّ شَرْطٌ
غَيْرُ مِلْكٍ وَرِدَّةٍ وَعَتَاقِ
(وَيَنْفِي) الْحَاكِمُ (نَسَبَ الْوَلَدِ) عَنْ الزَّوْجِ (إنْ كَانَ الْقَذْفُ بِهِ) أَيْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ (وَيُلْحِقُهُ بِأُمِّهِ) أَيْ يَثْبُتُ نَفْيُ الْوَلَدِ ضِمْنًا لِلْقَضَاءِ بِالتَّفْرِيقِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ
стр. 458
يُفَرِّقُ الْقَاضِي وَيَقُولُ: قَدْ أَلْزَمْتُهُ أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَا يَنْتَفِي النَّسَبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بِاللِّعَانِ نَفْيُ النَّسَبِ كَمَا بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ بِاللِّعَانِ وَلَا يَنْتَفِي نَسَبُهُ عَنْهُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ثُمَّ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ بَعْدَمَا قُطِعَ نَسَبُهُ فَجَمِيعُ أَحْكَامِ نَسَبِهِ بَاقٍ سِوَى الْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ.
(فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ اللِّعَانِ (حُدَّ) حَدَّ الْقَذْفِ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنْ أَكْذَبَ قَبْلَهُ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ الْإِكْذَابِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَبَانَهَا ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَا حَدَّ، وَلَا لِعَانَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَمَا إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَشَمِلَ الْإِكْذَابَ صَرِيحًا وَضِمْنًا؛ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ عَنْ مَالٍ فَادَّعَى الْمُلَاعِنُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيُحَدُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَحَلَّ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ الْمَحْدُودِ (أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ الْمُلَاعَنَةَ بَعْدَ الْإِكْذَابِ لِارْتِفَاعِ حُكْمِ اللِّعَانِ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ وَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ مَا إذَا حُدَّ أَوْ لَمْ يُحَدَّ فَتَقْيِيدُ الزَّيْلَعِيِّ الْحِلَّ بِالْحَدِّ اتِّفَاقِيٌّ وَكَذَا إذَا كَذَّبَتْ نَفْسَهَا فَصَدَّقَتْهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» وَجَوَابُهُ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ كَمَا يُقَالُ الْمُصَلِّي لَا يَتَكَلَّمُ أَيْ مَا دَامَ مُصَلِّيًا.
(وَكَذَا) يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (فَحُدَّ) حَدًّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَتَدَاخَلُ فَبِحَدِّ قَذْفِ غَيْرِهَا سَقَطَ حَدُّ قَذْفِهَا (أَوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ) أَيْ زَنَتْ بَعْدَ التَّلَاعُنِ فَحُدَّتْ بِأَنْ كَانَ التَّلَاعُنُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَزَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَكَانَ حَدُّهَا بِالْجَلْدِ دُونَ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ إحْصَانِ الرَّجُلِ الدُّخُولَ بَعْدَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ قَالَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلُهُ فَحُدَّتْ وَقَعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ زِنَاهَا مِنْ غَيْرِ حَدٍّ يُسْقِطُ إحْصَانَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ قَالَ الْفَقِيهُ الْمَكِّيُّ زَنَّتْ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ نَسَبَتْ غَيْرَهَا إلَى الزِّنَا وَهُوَ الْقَذْفُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ الْحَدِّ فِيهِ شَرْطًا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ انْتَهَى. لَكِنْ
стр. 459
بَعِيدٌ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ جِدًّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا بِالتَّخْفِيفِ تَأَمَّلْ.
(وَلَا لِعَانَ) وَلَا حَدَّ (بِقَذْفِ الْأَخْرَسِ) سَوَاءٌ كَانَ الْخَرَسُ فِي جَانِبِ الْقَاذِفِ أَوْ الْمَقْذُوفِ، وَلَوْ قَالَ وَلَا لِعَانَ إذَا كَانَا أَخْرَسَيْنِ لَوْ أَحَدُهُمَا لَكَانَ أَشْمَلَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْكِتَابَةِ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ اللِّعَانِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ فَلَا تَفْرِيقَ وَلَا حَدَّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ إنْ كَانَ إشَارَتُهُ مَعْلُومَةً (وَلَا) لِعَانَ (بِنَفْيِ الْحَمْلِ) قَبْلَ وَضْعِهِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ عِنْدَ الْحَمْلِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ انْتِفَاخًا (وَعِنْدَهُمَا يُلَاعِنُ إنْ أَتَتْ بِهِ) أَيْ بِالْحَمْلِ (لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِهِ قُلْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ بِك حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
(وَلَوْ قَالَ زَنَيْت، وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزِّنَا (تَلَاعَنَا اتِّفَاقًا) لِوُجُودِ الْقَذْفِ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ زَنَيْت (وَلَا يَنْفِي الْقَاضِي الْحَمْلَ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْفِيهِ «؛ لِأَنَّهُ ﵇ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا» وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَلَئِنْ صَحَّ نَفْيُهُ عَنْ هِلَالٍ فَنَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَرَفَ قِيَامَ الْحَمْلِ وَقْتَ الْقَذْفِ وَحْيًا، وَإِنَّ هِلَالًا صَرَّحَ بِزِنَا امْرَأَتِهِ (وَلَوْ نَفَى الْوَلَدَ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ) وَالِاسْتِبْشَارِ بِالْوَلَدِ (أَوْ ابْتِيَاعِ آلَةِ الْوِلَادَةِ) بِلَا تَوْقِيتِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَفِي آخَرَ فِي سَبْعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْعَقِيقَةِ (صَحَّ) نَفْيُهُ (وَلَاعَنَ، وَإِنْ نَفَى بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَ) لِوُجُودِ الْقَذْفِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ (وَلَا يَنْتَفِي) نَسَبُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتَهُ عِنْدَهَا أَوْ شِرَاءَ آلَةِ الْوِلَادَةِ أَوْ سُكُوتَهُ عَنْ النَّفْيِ إلَى أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ إقْرَارٌ بِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ فَيَجِبُ اللِّعَانُ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ (وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ النَّفْيُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) إذَا كَانَ حَاضِرًا؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ قُلْنَا لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) لِزَوْجٍ (غَائِبًا) لَا يَعْلَمُ بِالْوِلَادَةِ (فَحَالُ عِلْمِهِ كَحَالِ وِلَادَتِهَا) فَلَهُ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ قَدْرِ التَّهْنِئَةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا قَدْرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْعِلْمِ.
(وَإِنْ نَفَى أَوَّلَ تَوْأَمَيْنِ) أَيْ وَلَدَيْنِ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَأَقَرَّ بِالْآخَرِ حُدَّ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الثَّانِي.
(وَإِنْ عُكِسَ) بِأَنْ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ (لَاعَنَ) ؛ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ بِنَفْيِ الثَّانِي إذَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ (وَيَثْبُتُ نَسَبُهُمَا) أَيْ التَّوْأَمَيْنِ (فِيهِمَا)
стр. 460
أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ بِالْوَلَدِ وَقَطَعَ النَّسَبَ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ مِنْ الْغَدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا وَلَوْ نَفَاهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ لَزِمَاهُ وَلَوْ جَاءَتْ بِثَلَاثَةٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنَفَى الثَّالِثَ وَأَقَرَّ بِالثَّانِي يُحَدُّ وَهُمْ بَنُوهُ.
مَاتَ وَلَدُ اللِّعَانِ وَلَهُ وَلَدٌ فَادَّعَاهُ الْمُلَاعِنُ أَنَّ وَلَدَ اللِّعَانِ ذَكَرًا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إجْمَاعًا وَإِنْ أُنْثَى لَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا يَثْبُتُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
[بَابُ الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ]
قَالَ صَاحِبُ الْمُنِيرَةِ رَجُلٌ عِنِّينٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ النِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ وَامْرَأَةٌ عِنِّينَةٌ لَا تَشْتَهِي الرِّجَالَ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَشَرْعًا (هُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ) مُطْلَقًا مَعَ وُجُودِ الْآلَةِ (أَوْ يَقْدِرُ عَلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ) أَوْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ لِضَعْفِ طَبِيعَتِهِ أَوْ لِكِبَرِ سِنِّهِ أَوْ لِسِحْرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ عِنِّينٌ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فِي حَقِّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ آلَتُهُ تَقُومُ أَوْ لَا وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الشَّكَّازُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَافٍ مُشَدَّدَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ زَايٌ هُوَ الَّذِي إذَا جَذَبَ الْمَرْأَةَ أَنْزَلَ ثُمَّ لَا تُنْشَرُ آلَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِجِمَاعِهَا، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعِنِّينِ وَيُلْحَقُ بِالْعِنِّينِ مَنْ كَانَ ذَكَرُهُ صَغِيرًا كَالزِّرِّ إلَّا مَنْ كَانَتْ آلَتُهُ قَصِيرَةً لَا يُمْكِنُ إدْخَالُهَا دَاخِلَ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ لَا مُحِقَّ لَهَا فِي الْمُطَالَبَةِ بِالتَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْبَحْرِ إذَا وَلَجَ الْحَشَفَةُ فَقَطْ لَيْسَ بِعِنِّينٍ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إيلَاجِ بَقِيَّةِ الذَّكَرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْإِيلَاجُ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا وَالْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْفُرْقَةِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْ قِبَلِهَا (فَلَوْ أَقَرَّ) الزَّوْجُ (أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى زَوْجَتِهِ يُؤَجِّلُهُ الْحَاكِمُ) وَقْتَ الْخُصُومَةِ وَلَا عِبْرَةَ لِتَأْجِيلِ غَيْرِ الْحَاكِمِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَلَوْ عُزِلَ هَذَا الْحَاكِمُ بَعْدَ التَّأْجِيلِ بَنَى الثَّانِيَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ وَقْتَ النِّكَاحِ أَنَّهُ عِنِّينٌ (سَنَةً قَمَرِيَّةً) بِالْأَهِلَّةِ فَإِنَّ
стр. 461
الْمُطَلَّقَةَ تَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَذَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا إذَا كَانَ نِصْفُهَا كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنِصْفُهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَزَادَ يَوْمٌ إذَا كَانَ سَبْعَةٌ مِنْهَا ثَلَاثِينَ وَنَقَصَ يَوْمٌ إذَا كَانَ خَمْسَةٌ مِنْهَا ثَلَاثِينَ وَالْبَاقِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ تُعْتَبَرْ الْقَمَرِيَّةُ بِالْحِسَابِ وَذَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَثَمَانِ سَاعَاتٍ وَثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ دَقِيقَةً وَهِيَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ فِيهَا اثْنَتَيْ عَشْرَ مَرَّةً كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلشَّمْسِيَّةِ وَهِيَ مُدَّةُ مُفَارَقَةِ الشَّمْسِ مِنْ نُقْطَةٍ مِنْ الْفُلْكِ الثَّامِنِ إلَى الْعَوْدِ إلَيْهَا وَذَا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَخَمْسِ سَاعَاتٍ وَخَمْسٍ وَخَمْسِينَ دَقِيقَةً وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَانِيَةً بِرَصَدِ بَطْلَيْمُوسَ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ التَّأْجِيلُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ يُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ إجْمَاعًا (وَيُحْتَسَبُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ سَنَةِ التَّأْجِيلِ (رَمَضَانُ وَأَيَّامُ حَيْضِهَا) وَكَذَا حَجُّهُ وَغَيْبَتُهُ لَا لَوْ حَجَّتْ هِيَ أَوْ غَابَتْ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ مِنْ قِبَلِهَا فَكَانَ عُذْرًا (لَا) يُحْتَسَبُ مِنْهَا (مُدَّةُ مَرَضِهِ أَوْ مَرَضِهَا) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ، وَمَا دُونَهُ يُحْتَسَبُ وَمَا زَادَ لَا، وَلَوْ حُبِسَ وَامْتَنَعَتْ مِنْ الْمَجِيءِ لَمْ يُحْتَسَبْ، وَإِنْ لَمْ تَمْتَنِعْ، وَكَانَ فِي الْحَبْسِ مَوْضِعُ خَلْوَةٍ اُحْتُسِبَ وَالْمَرِيضُ لَا يُؤَجَّلُ إلَّا بَعْدَ الصِّحَّةِ وَإِنْ طَالَ الْمَرَضُ، وَكَذَا الْمُحْرِمُ (فَإِنْ) أَقَرَّ أَنَّهُ (لَمْ يَصِلْ فِيهَا) أَيْ فِي سَنَةِ أُجِّلَ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ قَالَ الْحَاكِمُ فَرَّقْت بَيْنَكُمَا إنْ أَبَى الزَّوْجُ عَنْ تَطْلِيقِهَا فَيُشْتَرَطُ لِلْفُرْقَةِ حُضُورُ الزَّوْجَيْنِ وَالْقَضَاءُ، وَعَنْهُمَا أَنَّهَا كَمَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارًا بِالْمُخَيَّرَةِ بِتَخْيِيرِ الزَّوْجِ أَوْ بِتَخْيِيرِ الشَّرْعِ (إنْ طَلَبَتْهُ) أَيْ الزَّوْجَةُ طَلَبًا ثَانِيًا فَالْأَوَّلُ لِلتَّأْجِيلِ وَالثَّانِي لِلتَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا وَفِي الْبَحْرِ قَوْلُهُ إنْ طَلَبَتْ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ وَهُوَ حَسَنٌ وَطَلَبُ وَكِيلِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهَا كَطَلَبِهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ حَقَّهَا لَمْ يَبْطُلْ بِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ أَوَّلًا وَثَانِيًا، وَكَذَا لَوْ خَاصَمَتْهُ ثُمَّ تُرِكَتْ مُدَّةً فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَلَوْ طَاوَعَتْهُ فِي الْمُضَاجَعَةِ تِلْكَ الْأَيَّامَ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ التَّفْرِيقِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ لِرِضَاهَا بِحَالِهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّفْرِيقُ (طَلْقَةً بَائِنَةً) وَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ إنْ خَلَا بِهَا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ الْفُرْقَةُ بِهَا فَسْخٌ (فَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (وَطِئْت وَأَنْكَرَتْ) أَيْ الزَّوْجَةُ الْوَطْءَ (إنْ كَانَ) الِاخْتِلَافُ (قَبْلَ التَّأْجِيلِ) فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا (فَإِنْ كَانَتْ) حِينَ تَزَوَّجَهَا (ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا) فَقَالَ وَطِئْت وَأَنْكَرَتْ (فَنَظَرْنَ) أَيْ النِّسَاءُ (إلَيْهَا) بِأَنْ يَمْتَحِنَّ بِصَبِّ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ الْمَطْبُوخَةِ الْمُقَشَّرَةِ فَإِنْ مَرَّتْ بِغَيْرِ عِلَاجٍ فَثَيِّبٌ وَقِيلَ بِالْبَوْلِ عَلَى الْجِدَارِ فَإِنْ سَالَ عَلَى الْفَخِذِ فَثَيِّبٌ وَفِيهِ تَرَدُّدٌ فَإِنَّ مَوْضِعَ الْبَكَارَةِ غَيْرُ الْمَبَالِ وَالْأَحْسَنُ الْمَرْأَةُ الْعَدْلُ فَإِنَّهَا كَافِيَةٌ وَالِاثْنَتَانِ أَحْوَطُ.
وَفِي الْبَدَائِعِ أَوْثَقُ وَاشْتُرِطَ
стр. 462
فِي الْكَافِي عَدَالَتُهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ فَنَظَرَتْ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(فَقُلْنَ) بَعْدَ النَّظَرِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَالَتْ لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا وَكَذَا مَا سَيَأْتِي (هِيَ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ) نَظَرْنَ وَ (قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ) سَنَةً أَمَّا فِي أَوَّلٍ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْفُرْقَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُنْكِرُهَا؛ وَلِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ السَّلَامَةُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِإِمْكَانِ زَوَالِ بَكَارَتِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ فَيُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ لِيَكُونَ حُجَّةً فَإِنْ حَلَفَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَطَلَ حَقُّهَا.
(وَكَذَا) أَيْ أُجِّلَ (إنْ نَكَلَ) أَيْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ الْحَلِفِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(وَإِنْ كَانَ) الِاخْتِلَافُ (بَعْدَ التَّأْجِيلِ، وَهِيَ ثَيِّبٌ) فِي الْأَصْلِ (أَوْ بِكْرٌ) فَنَظَرْنَ (وَقُلْنَ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ لَهُ) مَعَ يَمِينِهِ (وَإِنْ قُلْنَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ) ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ تَأَيَّدَتْ بِأَصْلِ الْبَكَارَةِ.
(وَكَذَا) خُيِّرَتْ (إنْ نَكَلَ) لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ (وَمَتَى اخْتَارَتْهُ بَطَلَ خِيَارُهَا) ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الِاخْتِيَارَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ أَقَامَهَا أَعْوَانُ الْقَاضِي أَوْ أَقَامَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ شَيْئًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَالْخَصِيُّ) الَّذِي نُزِعَ خُصْيَتَاهُ (كَالْعِنِّينِ) يَعْنِي إذَا لَمْ تَنْتَشِرْ آلَتُهُ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ مَرْجُوٌّ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَنْتَشِرُ آلَتُهُ وَيَصِلُ إلَى النِّسَاءِ فَلَا خِيَارَ لَهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (وَالْمَجْبُوبُ) الَّذِي قُطِعَ ذَكَرُهُ وَخُصْيَتَاهُ (يُفَرَّقُ) بَيْنَهُمَا (لِلْحَالِ) إنْ طَلَبَتْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّأْجِيلِ فَلَوْ جُبَّ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا مَرَّةً أَوْ صَارَ عِنِّينًا بَعْدَهُ لَا يُفَرَّقُ وَلَوْ جَاءَتْ امْرَأَةُ الْمَجْبُوبِ بِوَلَدٍ بَعْدَ التَّفْرِيقِ إلَى سَنَتَيْنِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَالتَّفْرِيقُ بِحَالِهِ بِخِلَافِ الْعِنِّينِ حَيْثُ يَبْطُلُ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ لَمْ يَبْقَ عِنِّينًا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِتَفْرِيقِهِ وَهُوَ بَائِنٌ فَكَيْفَ يَبْطُلُ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بِالْوَصْلِ إلَيْهَا لَا يَبْطُلُ انْتَهَى.
لَكِنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ تَدَبَّرْ.
(وَحَقُّ التَّفْرِيقِ فِي الْأَمَةِ لِلْمَوْلَى عِنْدَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَهُ (وَلَهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهَا.
وَفِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ مَا يُخَالِفُ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَمَةً فَالْخِيَارُ لِمَوْلَاهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ زُفَرُ الْخِيَارُ لَهَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ تَأَمَّلْ.
(وَلَا خِيَارَ لَهَا إنْ وَجَدَتْ) الْمَرْأَةُ (بِهِ) أَيْ بِالزَّوْجِ (جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَلَا) خِيَارَ (لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (لَوْ وَجَدَ بِهَا) أَيْ بِالْمَرْأَةِ
стр. 463
(ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ (أَوْ رَتَقًا أَوْ قَرَنًا) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بِعُيُوبٍ خَمْسَةٍ فِيهَا وَالدَّلَائِلُ بَيَّنَتْ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلْيُرَاجَعْ.
[بَابُ الْعِدَّةِ]
ِ لَمَّا كَانَ تَرْتِيبُ الْوُجُودِ عَلَى الْفُرْقَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا أَوْ رَدِّهَا عَقِيبَ الْكُلِّ (هِيَ) لُغَةً الْإِحْصَاءُ وَشَرْعًا (تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ) عِنْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ أَوْ شُبْهَتِهِ وَسَبَبُ وُجُوبِهَا النِّكَاحُ الْمُتَأَكَّدُ بِالتَّسْلِيمِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ الْخَلْوَةِ وَالْمَوْتِ وَشَرْطُهُ الْفُرْقَةُ وَرُكْنُهَا حُرُمَاتٌ ثَابِتَةٌ بِهَا وَصِحَّةُ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ الصَّغِيرَةُ إذْ لَا لُزُومَ فِي حَقِّهَا وَلَا تَرَبُّصَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ هِيَ الْمُخَاطَبَةُ بَلْ الْوَلِيُّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِأَنْ لَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْعِدَّةِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ مِنْ التَّرَبُّصِ عَنْ الزَّوَاجِ إلَى مُضِيِّ عِدَّةِ امْرَأَتِهِ فِي نِكَاحِ أُخْتِهَا وَنَحْوِهِ لَا يُسَمَّى عِدَّةً اصْطِلَاحًا وَإِنْ وُجِدَ مَعْنَى الْعِدَّةِ وَيَجُوزُ إطْلَاقُ الْعِدَّةِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَعَلَى هَذَا مَا فِي الْكِتَابِ مَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيُّ وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَهِيَ تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ وَالرَّجُلَ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (عِدَّةُ الْحُرَّةِ) الْمَدْخُولَةِ الَّتِي تَحِيضُ (لِلطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ) أَوْ الرَّفْعِ قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا فَكُلُّ فُرْقَةٍ بِغَيْرِ طَلَاقٍ قَبْلَ تَمَامِ النِّكَاحِ كَالْفُرْقَةِ بِخِيَارِ الْعِتْقِ، وَالْفُرْقَةُ بِخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْفِرْقَةُ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَسْخٌ وَكُلُّ فُرْقَةٍ بِغَيْرِ طَلَاقٍ بَعْدَ تَمَامِ النِّكَاحِ كَالْفُرْقَةِ بِمِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَالْفُرْقَةِ بِتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ وَنَحْوِهِ رُفِعَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَالْفُرْقَةُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ تَأَمَّلْ.
(ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ أَيْ حِيَضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِهَذَا أَتَى بِلَفْظِ الْقُرُوءِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْحِيَضِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ طُهْرٌ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ ابْنُ حَنْبَلٍ ثُمَّ رَجَعَ وَالدَّلَائِلُ بُيِّنَتْ فِي الْأُصُولِ فَلْيُرَاجَعْ.
стр. 464
(وَكَذَا مَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ) بِمِلْكِ النِّكَاحِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَتْهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَكَمَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَجَارِيَةِ ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ وَقَالَ أَظُنُّ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ بِ) سَبَبِ (نِكَاحٍ فَاسِدٍ) كَالْمُتْعَةِ وَالْمُؤَقَّتِ وَبِلَا شُهُودٍ وَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ بِالزِّنَا وَلَا عَلَى الْمَخْلُوِّ بِهَا بِالشُّبْهَةِ (وَفُرِّقَ) سَوَاءٌ بِالْقَضَاءِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا) وَهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِالْمَوْطُوءَةِ بِهِمَا لَا بُدَّ لِلتَّعَرُّفِ فَإِنْ قِيلَ التَّعَرُّفُ يَحْصُلُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ قُلْنَا إنَّمَا وَجَبَ الثَّلَاثَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لِجَوَازِ أَنْ تَحِيضَ الْحَامِلُ إذْ هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا يَتَبَيَّنُ الْفَرَاغُ بِحَيْضَةٍ فَقُدِّرَ بِالثَّلَاثِ لِيُعْلَمَ فَرَاغُ الرَّحِمِ؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ فَيُقَدَّرُ بِالْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ صِيَانَةً لِلْمَاءِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ كَمَا قُدِّرَ الصَّحِيحُ بِهَا، وَالْغَرَضُ مِنْ الْأَمَةِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَا الْوَلَدُ فَلَمْ يَكُنْ أَمْرُهَا مُهِمًّا فَاكْتُفِيَ بِاسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ.
(وَ) كَذَا (أُمُّ وَلَدٍ أُعْتِقَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا مَوْلَاهَا) فَإِنَّ عِدَّتَهَا أَيْضًا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ ثَلَاثُ حِيَضٍ كَوَامِلُ لِزَوَالِ الْفِرَاشِ كَمَنْكُوحَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْإِمَاءِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَيْضَةٌ لِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ كَالِاسْتِبْرَاءِ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً وَإِلَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى وَلَا بِالْإِعْتَاقِ (وَلَا يُحْتَسَبُ) مِنْ الْعِدَّةِ (حَيْضٌ طَلُقَتْ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يُحْتَسَبُ مِنْ الْعِدَّةِ فَلَا يُحْتَسَبُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ لَا تَتَجَزَّأُ وَلَوْ قَالَ حَيْضٌ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ لَكَانَ شَامِلًا لِلْفَسْخِ وَالرَّفْعِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْحُرَّةُ مُطَلَّقَةً أَوْ مَفْسُوخًا عَنْهَا أَوْ مَرْفُوعًا (لَا تَحِيضُ لِكِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ بَلَغَتْ بِالسِّنِّ) أَيْ وَصَلَتْ إلَى خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ (وَلَمْ تَحِضْ) فَإِنَّهَا لَوْ حَاضَتْ ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا فَإِنَّ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ إلَى أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ الْإِيَاسِ (فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) أَيْ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَيَّامِ إنْ وُطِئَتْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا حَتَّى تَجِبَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ بَعْدَ الْخَلْوَةِ وَلَوْ فَاسِدَةً.
(وَ) عِدَّةُ الْحُرَّةِ مُؤْمِنَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ وَلَوْ غَيْرَ مَخْلُوٍّ بِهَا (لِلْمَوْتِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ) وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيهِ عَشْرُ لَيَالٍ
стр. 465
فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ لَكِنَّ الْأَحْوَطَ مَا فِي الْكَافِي أَنَّ الْأَيَّامَ تَابِعَةٌ لِلَّيَالِيِ وَمِنْ الظَّنِّ تَرْجِيحُ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ بِتَذْكِيرِ عَشْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّ الْمُمَيَّزَ إذَا حُذِفَ جَازَ تَذْكِيرُ الْعَدَدِ.
[عِدَّةُ الْأَمَةِ الَّتِي تَحِيضُ]
(وَعِدَّةُ الْأَمَةِ) الَّتِي تَحِيضُ لِلطَّلَاقِ أَوْ الْفَسْخِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ لِلْمَوْتِ أَوْ الْفُرْقَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ قِنَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُعْتَقَةَ الْبَعْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ (حَيْضَتَانِ) كَامِلَتَانِ لِقَوْلِهِ ﵊ «طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَقَدْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَجَازَ تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصَّفٌ وَالْحَيْضَةُ لَا تَتَجَزَّأُ وَكَمُلَتْ فَصَارَتْ حَيْضَتَانِ (وَفِي الْمَوْتِ وَعَدَمُ الْحَيْضِ نِصْفُ مَا لِلْحُرَّةِ) فَلِلَّتِي لَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ لِكِبَرٍ أَوْ بُلُوغٍ بِالسِّنِّ شَهْرٌ وَنِصْفٌ وَلِلَّتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ لِقَبُولِ التَّنْصِيفِ فِيهِمَا.
[عِدَّةُ الْحَامِلِ]
(وَعِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُ الْحَمْلِ مُطْلَقًا) وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ سَقْطًا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ شَامِلٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَارَكَةً فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا.
وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (مَاتَ عَنْهَا) زَوْجٌ (صَبِيٌّ) لَمْ يَبْلُغْ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً وَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَرُّ بِهَا قَبْلَهُ كَمَا فِي الْحَيْضِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (إنْ مَاتَ عَنْهَا صَبِيٌّ فَعِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ) أَيْ بِأَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَحَادِثٍ بَعْدَ مَوْتِ الصَّغِيرِ لِتَيَقُّنِ الْبَرَاءَةِ عَنْ مَاءِ الصَّغِيرِ وَلَهُمَا أَنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ لَا لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الصَّبِيِّ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْحَمْلِ الْحَادِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وُجُودُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَشْهُرِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِحُدُوثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ.
(وَإِنْ حَمَلَتْ بَعْدَ مَوْتِ الصَّبِيِّ) بِأَنْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ (فَعِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ إجْمَاعًا وَلَا نَسَبَ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِيمَا إذَا حَبِلَتْ قَبْلَ مَوْتِ الصَّبِيِّ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَاءَ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْعُلُوقُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ الصَّبِيِّ فِي الْوَجْهَيْنِ إلَّا إذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَيُحْكَمُ بِانْقِضَائِهَا قَبْلَ الْوَضْعِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْمِنَحِ إنَّ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا إذَا تَزَوَّجَتْ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا
стр. 466
فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ وَلِهَذَا صَحَّحْنَا نِكَاحَهَا لِغَيْرِ الزَّانِي وَإِنْ حَرُمَ الْوَطْءُ (وَمَنْ طَلُقَتْ فِي مَرَضِ مَوْتٍ رَجْعِيًّا كَالزَّوْجَةِ) يَعْنِي تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ إجْمَاعًا.
(وَإِنْ) كَانَ الطَّلَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْت (بَائِنًا) أَوْ ثَلَاثًا (تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ) أَيْ الْعِدَّتَيْنِ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا حَتَّى إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ فَتَمَّ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَلَمْ تَرَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ إلَّا حَيْضَةً وَاحِدَةً فَعَلَيْهَا حَيْضَتَانِ أُخْرَيَانِ لِتَسْتَكْمِلَ فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ فَلَأَنْ يَبْقَى فِي حَقِّ الْعِدَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا فَيَجِبُ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَالرَّجْعِيِّ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالطَّلَاقِ وَلَزِمَهَا الْعِدَّةُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ أَثَرُهُ فِي الْإِرْثِ لَا فِي تَغْيِيرِ الْعِدَّةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْمُصَنَّفِ كَالرَّجْعِيِّ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَالصَّوَابُ ثَلَاثُ حِيَضٍ تَأَمَّلْ.
(وَمَنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ) طَلَاقٍ (رَجْعِيٍّ تَتِمُّ) عِدَّتَهَا (كَالْحُرَّةِ) أَيْ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ لِقِيَامِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَإِنْ) عَتَقَتْ (فِي عِدَّةِ بَائِنٍ) أَوْ ثَلَاثٍ (أَوْ) فِي عِدَّةِ (مَوْتٍ فَ) تَتِمُّ (كَالْأَمَةِ) فِيهِمَا وَلَمْ تَنْتَقِلْ عِدَّتُهَا لِزَوَالِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْمَوْتِ.
(وَإِنْ اعْتَدَّتْ الْآيِسَةُ) أَيْ الْبَالِغَةُ إلَى خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَوْ خَمْسِينَ سَنَةً وَبِهِ يُفْتَى الْيَوْمَ أَوْ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَعَنْهُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى مُجْتَهِدِ الزَّمَانِ وَقَدَّرَ بَعْضٌ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ الدَّمِ مَرَّةً وَقِيلَ مَرَّتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقِيلَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ فَلَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ نَفَذَ، وَكَذَا فِي مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ.
وَفِي الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ إنْ كَانَ بِهَا حَبَلٌ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَيُفْتِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (بِالْأَشْهُرِ) كَمَا هِيَ عَادَتُهَا
стр. 467
(ثُمَّ عَادَ دَمُهَا عَلَى عَادَتِهَا) الْمَعْرُوفَةِ مِنْ أَلْوَانِ الْحَيْضِ (بَطَلَتْ عِدَّتُهَا وَتَسْتَأْنِفُ بِالْحَيْضِ) ؛ لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْيَأْسَ (هُوَ الصَّحِيحُ) فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلَفًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِيَّةِ تَحَقُّقُ الْيَأْسِ، وَذَلِكَ بِاسْتِدَامَةِ الْعَجْزِ إلَى الْمَمَاتِ كَالْفِدْيَةِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ قَوْلِهِ فَقَبْلَ انْقِضَائِهَا كَأَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَالصَّوَابُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهُ وَكَانَ صَدْرُ الشَّهِيدِ يُفْتِي بِبُطْلَانِ الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَشْهُرِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَلَا.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ تَكُونُ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ هَذَا وَيَكُونُ مُرَادُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ عِدَّةِ الْأَشْهُرِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي عِدَّةِ الْأَشْهُرِ فَلَا سَهْوَ تَدَبَّرْ.
وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ (وَكَذَا تَسْتَأْنِفُ الصَّغِيرَةُ إذَا حَاضَتْ فِي خِلَالِ الْأَشْهُرِ) تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ فَلَا تَسْتَأْنِفُ إذَا حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ (وَمَنْ اعْتَدَّتْ الْبَعْضَ) أَيْ بَعْضَ الْعِدَّةِ (بِالْحَيْضِ ثُمَّ آيَسَتْ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ) وَفِي الْإِصْلَاحِ.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ آيَسَتْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ إكْمَالَ الْأَصْلِ فِي الْبَدَلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِئْنَافِ، وَلَا مَجَالَ لِاحْتِسَابِ وَقْتِ الْحَيْضَةِ مِنْ الْعِدَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَقْتٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ لِلْآيِسَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ وَقْتَئِذٍ (وَإِذَا وُطِئَتْ الْمُعْتَدَّةُ) لِلطَّلَاقِ أَوْ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِمَا (بِشُبْهَةٍ) مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ (وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى) لِلْوَطْءِ لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ وَفِيهِ إشَارَةٌ لِي أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا مَبْتُوتَةً مُقِرًّا بِالطَّلَاقِ لَمْ تَسْتَأْنِفْ الْعِدَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ تَسْتَأْنِفُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَتَدَاخَلَتَا) أَيْ تَشَارَكَ الْعِدَّتَانِ فِي دُخُولِ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ، وَكَانَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَقَعَا مَعًا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَتَعْتَدُّ مِنْهُ (وَمَا تَرَاهُ) الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ بَعْدَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ (يُحْتَسَبُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْعِدَّتَيْنِ جَمِيعًا (فَتَتِمُّ) الْعِدَّةَ (الثَّانِيَةَ إنْ تَمَّتْ) الْعِدَّةُ (الْأُولَى قَبْلَ تَمَامِهَا) فَلَوْ وُطِئَتْ قَبْلَ حُدُوثِ الْحَيْضِ كَانَ مَا رَأَتْ مِنْ الْحِيَضِ
стр. 468
الثَّلَاثِ مَحْسُوبَةً عَنْهُمَا فَتَنُوبُ عَنْ سِتِّ حِيَضٍ وَإِنْ وُطِئَتْ بَعْدَ حَيْضَةٍ فَهِيَ مِنْ الْعِدَّةِ الْأُولَى وَحَيْضَتَانِ بَعْدَهَا تُحْسَبَانِ مِنْ الْعِدَّتَيْنِ وَعَلَيْهَا حَيْضَةٌ أُخْرَى لِلْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ وَلَا نَفَقَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عِدَّةُ الْوَطْءِ لَا عِدَّةُ النِّكَاحِ وَإِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَيُحْتَسَبُ مَا تَرَاهُ مِنْ الْحَيْضِ فِيهَا مِنْ الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ تَحْقِيقًا لِلتَّدَاخُلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَرُّفُ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَلَ بِالْوَاحِدَةِ فَتَدَاخَلَانِ يَعْنِي أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ تَعَرُّفُ الْفَرَاغِ وَهُوَ وَإِنْ حَصَلَ بِالْحَيْضَةِ لَكِنَّ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لِلتَّعَرُّفِ وَالثَّانِيَةَ لِحُرْمَةِ النِّكَاحِ وَالثَّالِثَةَ لِفَضِيلَةِ الْحُرْمَةِ، وَلَوْ اكْتَفَى بِالْوَاحِدَةِ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ فَلَا يُرَدُّ نَظَرُ الْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّدَاخُلُ لَجَازَ التَّدَاخُلُ فِي أَوَانِ عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَبَقِيَ ضَرَرُ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَنْهَا تَدَبَّرْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَتَدَاخَلَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْعِدَّتَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ إذْ لَوْ كَانَتَا مِنْ وَاحِدٍ تَنْقَضِيَانِ بِمُدَّةٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ بِالسَّبَبِ الثَّانِي أَصْلًا فَلَا تَتَصَوَّرُ الْخِلَافَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ عَقِيبَهُمَا) لِإِطْلَاقِ النَّصِّ وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ فَيُعْتَبَرُ الْمُسَبَّبُ مِنْ حِينِ وُجُوبِ السَّبَبِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ نِكَاحٌ مُتَأَكِّدٌ بِالدُّخُولِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ تَعْلَمْ) الْمَرْأَةُ (بِهِمَا) أَيْ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ حَتَّى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهَا وَبَلَغَهَا خَبَرُ تَطْلِيقِهِ إيَّاهَا بَعْدَمَا رَأَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ أَوْ مَوْتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ أَكَانَتْ عِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةً، وَفِي الْغَايَةِ إذَا أَتَاهَا خَبَرُ مَوْتِ زَوْجِهَا وَشَكَّتْ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ تَعْتَدُّ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي تَسْتَيْقِنُ فِيهِ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ.
(وَ) ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ (فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ) مِنْ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا (أَوْ) إظْهَارِ (الْعَزْمِ) مِنْ الزَّوْجِ (عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ) بِأَنْ يَقُولَ تَرَكْتُك أَوْ خَلَّيْت سَبِيلَك وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا مُجَرَّدُ الْعَزْمِ.
وَقَالَ زُفَرُ مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ حَتَّى لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ ثَلَاثَ حِيَضٍ انْقَضَتْ إذْ الْمُؤَثِّرُ فِي إيجَابِهَا الْوَطْءُ لَا الْعَقْدُ وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الْعِدَّةِ شُبْهَةُ النِّكَاحِ وَرُفِعَ هَذِهِ بِالتَّفْرِيقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْمُتَارَكَةِ لَا يُحَدُّ وَبَعْدَهُ يُحَدُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَمَنْ قَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي بِالْحَيْضِ) وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فِي إخْبَارِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ الْيَمِينِ) ؛ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِيمَا تُخْبِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ أَوْ هَلَاكَهَا (إنْ مَضَى عَلَيْهَا سِتُّونَ يَوْمًا) عِنْدَ الْإِمَامِ كُلُّ حَيْضٍ عَشْرَةٌ وَكُلُّ طُهْرٍ خَمْسَةَ
стр. 469
عَشْرَ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَعِنْدَهُمَا إنْ مَضَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُ سَاعَاتٍ) كُلُّ حَيْضٍ ثَلَاثَةٌ، وَكُلُّ طُهْرٍ خَمْسَةَ عَشْرَ.
(وَإِنْ نَكَحَ مُعْتَدَّتَهُ مِنْ) طَلَاقٍ (بَائِنٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَ مَهْرٌ كَامِلٌ وَعِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى لِبَقَاءِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْعِدَّةُ فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا ثَانِيًا نَابَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبْضِ الثَّانِي كَالْغَاصِبِ إذَا اشْتَرَى الْمَغْصُوبَ، وَهُوَ فِي يَدِهِ يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ طَلَاقًا بَعْدَ الدُّخُولِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يَجِبُ (نِصْفُ مَهْرٍ، وَإِتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ زُفَرُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ أَوْ الْمُتْعَةُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَ زُفَرُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ الْأُولَى بَطَلَتْ بِالتَّزَوُّجِ وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّانِي لِإِكْمَالِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ إكْمَالَ الْعِدَّةِ وَجَبَ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُهُ حَالَ التَّزَوُّجِ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ، وَهُوَ الْعِدَّةُ فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا ثَانِيًا نَابَ الْقَبْضُ الْأَوَّلُ عَنْ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالثَّانِي هَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا أَمَّا لَوْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا اسْتِقْبَالُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا إتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ بِأَنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِدًا وَالثَّانِي صَحِيحًا فَهُوَ كَمَا كَانَ صَحِيحًا (وَلَا عِدَّةَ فِي طَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (وَلَا) عِدَّةَ (عَلَى ذِمِّيَّةٍ) أَوْ كِتَابِيَّةٍ (طَلَّقَهَا) أَوْ مَاتَ عَنْهَا (ذِمِّيٌّ) عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا اعْتَقَدُوا عَدَمَ وُجُوبِ الِاعْتِدَادِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَعْتَقِدُونَ وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَطَأُ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ، وَعَنْهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا مُسْلِمٌ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ (أَوْ حَرْبِيَّةٍ خَرَجَتْ إلَيْنَا) مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةٍ أَوْ مُسْتَأْمَنَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
стр. 470
فَالِاخْتِلَافُ فِي الذِّمِّيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْأَحْكَامِ عِنْدَهُ وَمُخَاطَبُونَ عِنْدَهُمَا وَأَمَّا الْمُهَاجِرَةُ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ نَحْوُ الْمَوْتِ وَمُطَاوَعَةِ ابْنِ الزَّوْجِ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَكَذَا بِسَبَبِ التَّبَايُنِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَاجَرَ الرَّجُلُ وَتَرَكَهَا لِعَدَمِ التَّبْلِيغِ وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ؛ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ حَيْثُ وَجَبَتْ كَانَ فِيهَا حَقُّ بَنِي آدَمَ وَالْحَرْبِيُّ مُلْحَقٌ بِالْجَمَادِ حَتَّى كَانَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ وَعَنْهُ جَوَازُ نِكَاحِ الْحَرْبِيَّةِ وَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَضَعَ الْحَمْلَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
[فَصْلٌ فِي الْإِحْدَادِ]
ِ (تُحَدُّ) أَيْ تَتَأَسَّفُ وُجُوبًا عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ مِنْ أَحَدَّتْ الزَّوْجَةُ إحْدَادًا فَهِيَ مُحِدَّةٌ أَوْ مِنْ يَحُدُّ بِالضَّمِّ أَوْ الْكَسْرِ حِدَادًا فَهِيَ حَادَّةٌ أَيْ امْتَنَعَتْ مِنْ الزِّينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (مُعْتَدَّةُ الْبَائِنِ) بِالطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ أَوْ الْإِيلَاءِ أَوْ اللِّعَانِ أَوْ بِفُرْقَةٍ أُخْرَى فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهَا لِلطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ التَّزَيُّنُ لِتَرْغِيبِ الزَّوْجِ.
(وَ) مُعْتَدَّةُ (الْمَوْتِ إنْ كَانَتْ مُكَلَّفَةً) مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يُخَاطَبُ بِهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَحِلُّ الْإِحْدَادُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْج كَالْوَلَدِ وَالْأَبَوَيْنِ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ قِيلَ أَرَادَ بِذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ إبَاحَتِهِ لِلْمُسْلِمَاتِ عَلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْإِحْدَادُ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ كَافِرَةً تَحْتَ مُسْلِمٍ (بِتَرْكِ الزِّينَةِ) ظَرْفُ تَحُدُّ وَالزِّينَةُ مَا تَزَيَّنَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ حُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ كَمَا فِي الْكَشَّافِ فَقَدْ اسْتَدْرَكَ مَا بَعْدَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَ) تَرْكُ (لُبْسِ) الثَّوْبِ (الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ) أَيْ الْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرُ بِالضَّمِّ إذْ يَفُوحُ مِنْهُمَا رَائِحَةُ الطِّيبِ هَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ جَدِيدًا تَقَعُ بِهِ الزِّينَةُ أَمَّا إذَا كَانَ خَلَقًا لَا تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ.
(وَ) تَرْكُ (الطِّيبِ) أَيْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ بِأَنْوَاعِهِ وَلَوْ لِلتَّجْرِبَةِ (وَالدَّهْنِ) مُطْلَقًا وَلَوْ غَيْرَ مُطَيِّبٍ، وَالدَّهْنُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ مِنْ دَهَنَ يَدْهُنُ وَبِالضَّمِّ الِاسْمُ (وَالْكُحْلِ) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ أَيْ الِاكْتِحَالُ بِهِ (وَالْحِنَّاءِ) أَيْ الِاخْتِضَابِ بِهِ (إلَّا مِنْ عُذْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا تَجِدُ إلَّا أَحَدَ هَذِهِ الْأَثْوَابِ أَوْ بِهَا حَكَّةٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ قَمْلٌ فَتَلْبَسُ الْحَرِيرَ لِأَجْلِهَا أَوْ اشْتَكَتْ رَأْسَهَا أَوْ عَيْنَهَا أَوْ اعْتَادَتْ الدَّهْنَ أَوْ اكْتَحَلَتْ لِلْمُعَالَجَةِ
стр. 471
وَلَا تَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ أَسْنَانُهُ ضَيِّقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لِتَحْسِينِ الشَّعْرِ لَا لِدَفْعِ الْأَذَى بِخِلَافِ الْوَاسِعَةِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَمْتَشِطُ بِهِ (لَا) تَحُدُّ (مُعْتَدَّةُ الْعِتْقِ) بِأَنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا.
(وَ) لَا مُعْتَدَّةُ (النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) وَلَا فِي عِدَّةِ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْدَادَ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَفُتْهَا ذَلِكَ (وَلَا تُخْطَبُ) بِالضَّمِّ مَنْ خَطَبَ الْمَرْءُ فِي النِّكَاحِ خِطْبَةً بِالْكَسْرِ لَا مِنْ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ خُطْبَةً بِالضَّمِّ (الْمُعْتَدَّةُ وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ) وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ هَاهُنَا أَنْ يَقُولَ إنَّك لَجَمِيلَةٌ وَإِنَّك لَصَالِحَةٌ وَمِنْ غَرَضِي أَنْ أَتَزَوَّجَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّزَوُّجِ وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَك، هَذَا فِي مُعْتَدَّةِ الْوَفَاةِ وَأَمَّا فِي مُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ فَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ سَوَاءٌ كَانَ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ وَأَمَّا فِي الْبَيْنُونَةِ فَلِأَنَّ تَعْرِيضَهَا يُورِثُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِمُعْتَدَّةِ الْوَفَاةِ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَلَا تَخْرُجُ مُعْتَدَّةُ الطَّلَاقِ) رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا (مِنْ بَيْتِهَا أَصْلًا) يَعْنِي لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا (وَمُعْتَدَّةُ الْمَوْتِ تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ) إذْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهَا فَتَضْطَرُّ إلَى الْخُرُوجِ لِإِصْلَاحِ مَعَاشِهَا وَرُبَّمَا امْتَدَّ ذَلِكَ إلَى اللَّيْلِ وَالْمُطَلَّقَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَا حَاجَةَ لَهَا إلَى الْخُرُوجِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَعَتْ عَنْ نَفَقَتِهَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي رِوَايَةٍ لِضَرُورَةِ مَعَاشِهَا وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي اخْتَارَتْ إسْقَاطَ نَفَقَتِهَا فَلَا تُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِ حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهَا (وَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا) إذْ لَا ضَرُورَةَ فِيهَا (وَالْأَمَةُ) الْمُعْتَدَّةُ (تَخْرُجُ فِي حَاجَةِ الْمَوْلَى) فِي الْعِدَّتَيْنِ لِوُجُوبِ خِدْمَتِهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى بَوَّأَهَا لَمْ تَخْرُجْ مَا دَامَتْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْمَوْلَى كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ
стр. 472
(وَتَعْتَدُّ الْمُعْتَدَّةُ فِي مَنْزِلٍ يُضَافُ إلَيْهَا) بِالسُّكْنَى (وَقْتَ) وُقُوعِ (الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَإِضَافَةُ الْبُيُوتِ إلَيْهِنَّ لِاخْتِصَاصِهِنَّ بِهَا مِنْ حَيْثُ السُّكْنَى حَتَّى لَوْ طَلُقَتْ غَائِبَةً عَادَتْ إلَى مَنْزِلِهَا فَوْرًا وَتَبِيتُ فِي أَيِّ بَيْتٍ شَاءَتْ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الدَّارِ مَنَازِلُ لِغَيْرِهِ فَلَا تَخْرُجُ إلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَلَا إلَّا صَحْنَ دَارٍ فِيهَا مَنَازِلُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلٍ لَهُ السِّكَّةُ (إلَّا أَنْ تَخْرُجَ جَبْرًا) بِأَنْ كَانَ الْمَنْزِلُ عَارِيَّةً أَوْ مُؤَجَّرًا مُشَاهَرًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مُدَّةً طَوِيلَةً فَلَا تَخْرُجُ (أَوْ خَافَتْ عَلَى مَالِهَا) فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ السَّارِقِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) خَافَتْ (انْهِدَامَ الْمَنْزِلِ) وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إنْ خَافَتْ بِالْقَلْبِ مِنْ أَمْرِ الْمَبِيتِ خَوْفًا شَدِيدًا فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (أَوْ لَمْ تَقْدِرْ) الْمَرْأَةُ (عَلَى كِرَائِهِ) نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرُورَاتِ (وَلَا بَأْسَ بِكَيْنُونَتِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مَعًا بِمَنْزِلٍ) وَاحِدٍ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ) أَيْ سِتْرٌ وَحِجَابٌ تَحَرُّزًا مِنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الزَّوْجُ (فَاسِقًا) يُخَافُ مِنْهُ (فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ الْبَيْتُ ضَيِّقًا خَرَجَتْ) ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ (وَالْأَوْلَى خُرُوجُهُ) أَيْ الزَّوْجِ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مُكْثَهَا فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَاجِبٌ وَمُكْثَهُ فِيهِ مُبَاحٌ وَرِعَايَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ.
(وَإِنْ جَعَلَا بَيْنَهُمَا امْرَأَةً ثِقَةً تَقْدِرُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ) وَعَلَى مَنْعِ الْوَطْءِ (فَحَسَنٌ) عَمَلًا بِالْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (وَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا) وَزَوْجُهَا (فِي سَفَرٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِصْرًا أَوْ مَفَازَةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْإِبَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي الرَّجْعِيِّ لَمْ تُفَارِقْهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ بَيْنَهُمَا.
(وَ) الْحَالُ أَنَّ (بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا) الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ (أَقَلُّ مِنْ مُدَّتِهِ) أَيْ مُدَّةِ السَّفَرِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ فِي سَفَرٍ بِأَنْ قَصَدَهُ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ هَذَا تَدَبَّرْ.
(رَجَعَتْ) إلَى مِصْرِهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْتِدَاءِ الْخُرُوجِ بَلْ هُوَ بِنَاءٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا (مَسَافَتُهُ) أَيْ السَّفَرِ (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ تَخَيَّرَتْ) بَيْنَ الرُّجُوعِ إلَى مِصْرِهَا وَبَيْنَ التَّوَجُّهِ إلَى مَقْصِدِهَا سَوَاءٌ كَانَ (مَعَهَا وَلِيٌّ) أَيْ مَحْرَمٌ (أَوْ لَا) فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَخْوَفُ مِنْ السَّفَرِ (وَالْعَوْدُ أَحْمَدُ) لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا
стр. 473
فِي سَفَرٍ فَإِنْ كَانَ بُعْدُهَا عَنْ مِصْرِهَا الَّذِي نَشَأَتْ مِنْهُ أَوْ عَنْ مَقْصِدِهَا مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَعَنْ الْآخَرِ أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ تَتَوَجَّهُ الْمَرْأَةُ إلَى آخِرِ الْأَقَلِّ مِصْرًا كَانَ أَوْ مَقْصِدًا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الطَّلَاقُ أَوْ الْمَوْتُ (فِي مِصْرٍ) مِنْ الْأَمْصَارِ الْوَاقِعَةِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ وَلَوْ قَرْيَةً وَبُعْدُهَا عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمِصْرِ وَالْمَقْصِدِ مَسِيرَةَ سَفَرٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ يَجُوزُ بِلَا مَحْرَمٍ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ مَا لَمْ تَعْتَدَّ (ثُمَّ تَخْرُجُ إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ لَكِنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَفَازَةِ سَارَتْ إلَى أَدْنَى الْبِقَاعِ الْآمِنَةِ إلَيْهَا (وَقَالَا إنْ كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ جَازَ الْخُرُوجُ قَبْلَ الِاعْتِدَادِ) ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ مُبَاحٌ دَفْعًا لِأَذَى الْغُرْبَةِ وَوَحْشَةِ الْوَحْدَةِ فَهَذَا عُذْرٌ وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِلسَّفَرِ، وَقَدْ ارْتَفَعَتْ بِالْمَحْرَمِ، وَلَهُ إنَّ الْعِدَّةَ أَمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ عَدَمِ الْمَحْرَمِ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَيْسَ لِلْمُعْتَدَّةِ ذَلِكَ فَلَمَّا حَرُمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَى السَّفَرِ بِغَيْرِ الْمَحْرَمِ فَفِي الْعِدَّةِ أَوْلَى.
[بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ]
لَمَّا كَانَ مِنْ آثَارِ الْحَمْلِ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الْعِدَّةِ (أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَقِيَ لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (وَأَكْثَرُهَا) كَثِيرًا (سَنَتَانِ) وَغَالِبُهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَرْبَعُ سِنِينَ وَعَنْ مَالِكٍ وَعَبَّادٍ خَمْسُ سِنِينَ وَعَنْهُ وَرَبِيعَةَ سَبْعُ سِنِينَ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ سِتُّ سِنِينَ وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِحِكَايَاتٍ مِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِيَّ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ وَهَذِهِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي نِسَاءِ مَاجِشُونِ أَنَّهُنَّ تَلِدُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ وَرُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَمَا نَبَتَتْ ثَنِيَّتَاهُ وَهُوَ يَضْحَكُ فَسُمِّيَ ضَحَّاكًا وَكَذَا هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمْ وَلَنَا قَوْلُ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ أَيْ بِقَدْرِ ظِلِّ مِغْزَلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَلَوْ بِفَلْكَةِ مِغْزَلٍ أَيْ بِقَدْرِ دَوْرَانِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ.
وَظِلُّ الْمِغْزَلِ مَثَلٌ لِقِلَّتِهِ لِأَنَّ ظِلَّهُ حَالَ الدَّوْرَانِ أَسْرَعُ زَوَالًا مِنْ سَائِرِ الظِّلَالِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَتْهُ سَمَاعًا إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَى الْمَقَادِيرِ، وَالْحِكَايَاتُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْغَلَطِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَحْتَسِبُ مُدَّةَ الْحَمْلِ مِنْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالِانْقِطَاعُ كَمَا يَكُونُ بِالْحَبَلِ يَكُونُ بِعُذْرٍ آخَرَ فَجَازَ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ بِالْمَرَضِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ حَبِلَتْ فَبَقِيَ إلَى سَنَتَيْنِ (وَمَنْ قَالَ إنْ نَكَحْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَنَكَحَهَا فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا لَزِمَهُ) أَيْ الزَّوْجَ
стр. 474
(نَسَبُهُ) أَيْ نَسَبُ الْوَلَدِ (وَمَهْرُهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ وَكَّلَا بِالنِّكَاحِ وَالْوَكِيلَانِ نَكَحَهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَالزَّوْجُ وَطِئَهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَوُجِدَ الْعُلُوقُ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُلُوقِ أَمْ مُؤَخَّرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمُقَارَنَةِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اللِّعَانِ فَلَمَّا لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ بِاللِّعَانِ فَلَيْسَ عَلَيْنَا نَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْمِنَحِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا لِعَانَ بِنَفْيِ الْحَمْلِ قَبْلَ وَضْعِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ إلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا يُلَاعِنُ إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا فِي اللِّعَانِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ إنْ أَتَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَذَا بَعْدَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ شَرْطٌ فِي اللِّعَانِ وَبَعْدَهُ لَا يَبْقَى أَثَرُ النِّكَاحِ فَكَيْفَ يُقَدَّرُ عَلَى النَّفْيِ تَدَبَّرْ.
(وَإِذَا أَقَرَّتْ الْمُطَلَّقَةُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ أَيَّةَ مُعْتَدَّةٍ كَانَتْ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ ذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَقَاضِي خَانْ أَنَّ الْآيِسَةَ لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ ثَبَتَ النَّسَبُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ تَتَبَّعْ (ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ) كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا مَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ تَدَبَّرْ.
(ثَبَتَ نَسَبُهُ) لِظُهُورِ كَذِبِهَا بِيَقِينٍ هَذَا إذَا جَاءَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا لَا يَثْبُتُ وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ فَلْيُطَالَعْ (وَإِنْ) وَلَدَتْ (لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ (لَا) يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ أَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَفِي ضِدِّهِ حَمْلُهُ عَلَى الزِّنَا وَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْوَلَدِ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ فِي النَّسَبِ فَيُرَدُّ إقْرَارُهَا، وَلَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي رَحِمِهَا كَمَا إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَوَجَبَ قَبُولُ خَبَرِهَا حَمْلًا لِكَلَامِهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِهِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ.
(وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ) الْمُطَلَّقَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (يَثْبُتُ) النَّسَبُ (إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) بِلَا دَعْوَةٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْوَلَدِ قَائِمًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ احْتِيَاطًا.
(وَإِنْ) وَلَدَتْ (لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا) يَثْبُتُ النَّسَبُ لِحُدُوثِ الْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَاقِ يَقِينًا وَفِيهِ أَبْحَاثٌ قَرَّرَهَا يَعْقُوبُ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ فَلْيُطَالَعْ.
(إلَّا فِي) الطَّلَاقِ (الرَّجْعِيِّ وَيَكُونُ) الْوَلَدُ (رَجْعَةً) يَعْنِي إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ كَانَ مُرَاجَعًا مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُ وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ حَمْلًا بِحَالِهِمَا عَلَى الْأَحْسَنِ وَالْأَصْلَحِ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ لِوُجُودِ الْعُلُوقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ
стр. 475
وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُلُوقَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ، وَفِيهِ كَلَامٌ قَرَّرَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ فَلْيُنْظَرْ.
(بِخِلَافِ الْبَائِنِ) وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُكَرَّرًا مَعَ أَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) أَيْ الزَّوْجُ نَسَبَهُ (فَيَثْبُتُ) النَّسَبُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْبَائِنِ إذَا وَلَدَتْ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَثْبُتُ فِي الرَّجْعِيِّ (وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ) بَيَانُهُ أَنَّهُ الْتَزَمَ النَّسَبَ بِدَعْوَتِهِ لَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَرْعِيٌّ بِأَنَّ وَطْأَهَا بِشُبْهَةٍ (فِي الْعِدَّةِ) وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ فَيَثْبُتُ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَكَذَا ذَكَرُوهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ بِالثَّلَاثِ إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ بِشُبْهَةٍ كَانَ شُبْهَةً فِي الْفِعْلِ وَفِيهَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ ادَّعَاهُ فَكَيْفَ أُثْبِتُ بِهِ النَّسَبَ هُنَا انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا وُجُودُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَادِّ لَا فِي الْكُلِّ فَإِنَّ فِي مُعْتَدَّةِ الْكِنَايَاتِ إنْ ادَّعَى الزَّوْجُ وِلَادَتَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ تَدَبَّرْ.
وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا ادَّعَاهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْمَرْأَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى لِكُلِّ الْأَوْجُهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ مُمَكَّنٌ مِنْهُ وَقَدْ ادَّعَاهُ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَكَذَا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَانَةُ مُرَاهِقَةً) وَكَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُرَاهِقَةِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ كَثِيرٍ بِالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَةَ هِيَ الَّتِي تَلِدُ لَا مَا دُونَهَا تَدَبَّرْ (فَإِنْ أَتَتْ بِهِ) أَيْ بِالْوَلَدِ (لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ) مِنْهُ طَلَّقَهَا بَائِنًا كَانَ أَوْ رَجْعِيًّا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الْعِدَّةِ (يَثْبُتُ) نَسَبُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ بَلْ أَتَتْ بِهِ لِتَمَامِهَا (فَلَا) يَثْبُتُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ شَرْعًا فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْإِقْرَارِ الْمُحْتَمَلِ فَفِيمَا لَا يُحْتَمَلُ أَوْلَى، وَهَذَا إذَا لَمْ تَدَّعِ الْحَبَلَ فَإِنْ ادَّعَتْ فَهِيَ كَالْكَبِيرَةِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ فَيَثْبُتُ فِي الْبَائِنِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ.
وَفِي الرَّجْعِيِّ لِأَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ لَا يَثْبُتُ لِحُصُولِ الْعُلُوقِ، وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ تَدَّعِ الْحَبَلَ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ، وَإِنْ جَاءَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمَجِيءِ الْوَلَدِ بِمُدَّةِ حَبَلٍ تَامٍّ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَلَّ بِهَذِهِ الْقُيُودِ وَهِيَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي الْإِخْلَالُ بِهَا تَدَبَّرْ.
وَأَمَّا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةٍ لَا يَثْبُتُ، غَلَطٌ. وَالصَّوَابُ إبْدَالُ السِّتَّةِ بِالتِّسْعَةِ تَأَمَّلْ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ) النَّسَبُ (فِيمَا دُونَ سَنَتَيْنِ) .
وَفِي الْإِصْلَاحِ أَمَّا إذَا لَمْ تُقِرَّ بِشَيْءٍ فَعِنْدَهُ سُكُوتُهَا كَإِقْرَارِهَا بِالْحَبَلِ حَيْثُ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَالْبُلُوغُ قَدْ يَكُونُ بِالْحَبَلِ فَتَعَيَّنَ
стр. 476
فَيَثْبُتُ فِي الْبَائِنِ إلَى سَنَتَيْنِ.
وَفِي الرَّجْعِيِّ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ (وَمَنْ مَاتَ عَنْهَا) زَوْجُهَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ الْمُتَوَفَّى (إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) .
وَقَالَ زُفَرُ إذَا وَلَدَتْهُ لِتَمَامِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ حِينِ مَاتَ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الَّتِي مَاتَ زَوْجُهَا (مُرَاهِقَةً فَلِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ) فَسَاعَةٌ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَإِذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ هَذِهِ تَيَقُّنًا أَنَّ الْعُلُوقَ فِي الْعِدَّةِ.
وَفِي الْغَايَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ الزَّوْجِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ سُكُوتَهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالْحَبَلِ عِنْدَهُ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَسُكُوتُهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا ذَاتُ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْحَبَلَ لِصِغَرِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَلَمْ تَأْتِ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ فِي الْكَبِيرَةِ بَلْ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَأْتِ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي الْمُرَاهِقَةِ بَلْ أَتَتْ بِهِ لِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ (فَلَا) يَثْبُتُ النَّسَبُ (وَلَا تَثْبُتُ وِلَادَةُ الْمُعْتَدَّةِ) مُطْلَقًا عِنْدَ الْإِنْكَارِ (إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِلْزَامَ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ ثُمَّ قِيلَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ وَلَا يُفَسَّقَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَّفِقُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ نَظَرٍ وَلَا تَعَمُّدٍ أَوْ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي تَحَمُّلِ شَهَادَةِ الزِّنَا (وَعِنْدَهُمَا تَكْفِي شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) وَفُسِّرَ فِي الْكَافِي بِالْقَابِلَةِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَامَ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ وَهُوَ مُلْزِمٌ وَالْحَاجَةُ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً حُرَّةً عَدْلَةً.
(وَإِنْ كَانَ) بِهَا (حَبَلٌ ظَاهِرٌ أَوْ اعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِهِ) أَيْ الْحَبَلِ (تَثْبُتُ) الْوِلَادَةُ (بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا) عِنْدَهُ لِثُبُوتِ النَّسَبِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِبَقَاءِ الْفِرَاشِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى الشَّهَادَةِ (وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَةٍ) .
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِتَعْيِينِ الْوَلَدِ اتِّفَاقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ غَيْرَ هَذَا الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ثُبُوتِ نَفْسِ الْوِلَادَةِ بِقَوْلِ الْمُعْتَدَّةِ فَعِنْدَهُ ثَبَتَ إذَا تَأَبَّدَ بِمُؤَيِّدٍ مِنْ ظُهُورِ حَبَلٍ أَوْ اعْتِرَافٍ وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْهَا) أَيْ الْوِلَادَةَ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ فَصَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ صَحَّ فِي حَقِّ الْإِرْثِ وَالنَّسَبِ) أَيْ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ بِتَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ أَمَّا فِي حَقِّ الْإِرْثِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِمْ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ أَيْضًا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ بِاعْتِبَارِ فِرَاشِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ لِبَقَاءِ الْعِدَّةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ أَيْضًا إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ كَانَ فِيهِمْ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عُدُولٌ فَيُشَارِكُ الْمُصَدَّقِينَ وَالْمُكَذَّبِينَ جَمِيعًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، الصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَلِهَذَا شَرَطَ
стр. 477
الْمُصَنِّفُ التَّصْدِيقَ دُونَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَقَالَ (هُوَ الْمُخْتَارُ) ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ تَبَعٌ لِلثُّبُوتِ فِي حَقِّهِمْ وَالتَّبَعُ يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُ الْمَتْبُوعِ لَا شَرَائِطُ نَفْسِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا فِي الْفَرَائِدِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ لَفْظٌ هُوَ الْمُخْتَارُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ تَتَبَّعْ.
(وَمَنْ نَكَحَ) امْرَأَةً (فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا) مِنْ وَقْتِ تَزَوَّجَهَا (ثَبَتَ) نَسَبُهُ (مِنْهُ إنْ أَقَرَّ بِالْوِلَادَةِ أَوْ سَكَتَ) ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ وَالْمُدَّةُ تَامَّةٌ.
(وَإِنْ جَحَدَ) الْوِلَادَةَ (حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ فَبِشَهَادَةٍ) أَيْ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ (امْرَأَةٍ) وَاحِدَةٍ عَدْلَةٍ (فَإِنْ نَفَاهُ) أَيْ الزَّوْجُ (لَاعَنَ) وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ اللِّعَانَ لَزِمَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ النَّسَبُ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْقَائِمِ وَاللِّعَانُ إنَّمَا لَزِمَ بِالْقَذْفِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ نَفْيِ الْوَلَدِ لَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ.
(وَإِنْ) أَتَتْ بِهِ (لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) مُنْذُ تَزَوَّجَهَا (لَا يَثْبُتُ) النَّسَبُ مِنْهُ لِسَبْقِ الْعُلُوقِ عَلَى الْعَقْدِ (فَإِنْ ادَّعَتْ نِكَاحَهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَادَّعَى) الزَّوْجُ (الْأَقَلَّ فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ الْيَمِينِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ وَيَجِبُ أَنْ تُسْتَحْلَفَ عِنْدَهُمَا (وَعِنْدَ الْإِمَامِ بِلَا يَمِينٍ) وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
(وَإِنْ عُلِّقَ طَلَاقُهَا بِالْوِلَادَةِ) أَيْ قَالَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَتْ وَلَدْت (فَشَهِدَتْ بِهَا) أَيْ بِالْوِلَادَةِ (امْرَأَةٌ) قَابِلَةٌ عَدْلَةٌ (لَا تَطْلُقُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا قَبِلَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ تَقْبَلُ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا، وَهُوَ الطَّلَاقُ وَلَهُ أَنَّهَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ، وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوِلَادَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَطْلُقُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَعِنْدَ مَالِكٍ بِامْرَأَتَيْنِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِامْرَأَةٍ بِنَاءً عَلَى الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمْ.
(وَإِنْ اعْتَرَفَ) الزَّوْجُ (بِالْحَبَلِ) سَوَاءٌ قَبْلَ التَّعْلِيقِ أَوْ بَعْدَهُ (تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ إقْرَارٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ وَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ كَمَا فِي تَعْلِيقِ الْحَيْضِ (وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَةٍ) فَلَا يَقَعُ بِدُونِهَا لِدَعْوَاهَا الْحِنْثَ فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ وَشَهَادَتُهَا حُجَّةٌ.
(وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا) بَعْدَ الدُّخُولِ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ رَجْعِيَّةً (فَاشْتَرَاهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ شِرَاهَا لَزِمَهُ)
стр. 478
الْوَلَدُ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ أَوْ نَفَاهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى الشِّرَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ لِأَقَلَّ بَلْ وَلَدَتْ لِتَمَامِهَا أَوْ أَكْثَرَ (فَلَا) ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ إذْ الْحَادِثُ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ وَقْتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَتِهِ قَيَّدْنَا بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْهُ لَزِمَهُ إذَا وَلَدَتْهُ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ لَا يَلْزَمُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَيَّدْنَا بِالْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ثِنْتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِلْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ فَلَا يُضَافُ الْعُلُوقُ إلَّا إلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالشِّرَاءِ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي) فَقَالَتْ وَلَدْت (فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ) عَدْلَةٌ (بِالْوِلَادَةِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) هَذَا إذَا وَلَدْته لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ مَقَالَتِهِ وَإِلَّا فَلَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بَعْدَ مَقَالَةِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُدَّعِيًا هَذَا الْوَلَدَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِتَيَقُّنِنَا بِقِيَامِهِ فِي الْبَطْنِ بَعْدَ الْقَوْلِ فَتَيَقَّنَّا بِالدَّعْوَى وَقُيِّدَ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذِهِ حَامِلٌ مِنِّي يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى سَنَتَيْنِ حَتَّى يَنْفِيَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَمَنْ قَالَ: الْغُلَامُ هُوَ ابْنِي وَمَاتَ) الْقَائِلُ (فَقَالَتْ أُمُّهُ) أَيْ أُمُّ الْغُلَامِ (أَنَا امْرَأَتُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَهُوَ ابْنُهُ يَرِثَانِهِ) بِالْبُنُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَبِكَوْنِهَا أُمَّ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِذَلِكَ وَضْعًا وَعَادَةً (فَإِنْ جُهِلَتْ حُرِّيَّتُهَا وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَنْتِ أُمُّ وَلَدِهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا)
стр. 479
لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ حُجَّةٌ فِي دَفْعِ الرِّقِّ لَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَقَالُوا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ أَقَرَّ بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ الْمَوْلَى لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَعَتَقَ الْوَلَدُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
ِ بِالْكَسْرِ لُغَةً مَصْدَرُ حَضَنَ الصَّبِيَّ أَيْ رَبَّاهُ وَشَرْعًا تَرْبِيَةُ الْأُمِّ أَوْ غَيْرِهَا الصَّغِيرَ أَوْ الصَّغِيرَةَ (الْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا قَبْلَ الْفُرْقَةِ وَبَعْدَهَا) لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ مِنْ غَيْرِهَا إنْ كَانَتْ أَهْلًا فَلَا حَضَانَةَ لِمُرْتَدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا إذَا تَابَتْ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا لِلْفَاسِقَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْفِسْقِ هُنَا الزِّنَا لِاشْتِغَالِ الْأُمِّ عَنْ الْوَلَدِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ لَا مُطْلَقَةً وَفِي الْقُنْيَةِ الْأُمُّ أَحَقُّ وَإِنْ كَانَتْ سَيِّئَةَ السِّيرَةِ مَعْرُوفَةً بِالْفُجُورِ مَا لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الْأُمِّ بِأَنْ مَاتَتْ أَوْ لَمْ تَقْبَلْ أَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ لَيْسَتْ أَهْلًا (أُمُّهَا) أَيْ أُمُّ الْأُمِّ.
(وَإِنْ عَلَتْ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ فَكَانَتْ الَّتِي هِيَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْلَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّ أُمَّ الْأَبِ أَوْلَى (ثُمَّ أُمُّ الْأَبِ) وَإِنْ عَلَتْ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ وَلَهَا قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ وَهِيَ أَشْفَقُ فَكَانَتْ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا يُحْرِزُ مِيرَاثُ الْأُمِّ السُّدُسَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ هُوَ السُّدُسُ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ الِابْنِ أَوْ الِاثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَعِنْدَ عَدَمِهِمْ ثُلُثَ الْجَمِيعِ أَوْ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْجَدَّةِ السُّدُسُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ أَيْضًا وَالتَّنْظِيرُ مُطْلَقًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ تَدَبَّرْ.
وَقَالَ زُفَرُ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ أَوْ الْخَالَةُ أَحَقُّ مِنْ أُمِّ الْأَبِ (ثُمَّ أُخْتُ الْوَلَدِ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ) ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأَبَوَيْنِ فَكُنَّ أَوْلَى مِنْ بَنَاتِ الْأَجْدَادِ فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأُمٍّ وَعِنْدَ زُفَرَ هُمَا يَشْتَرِكَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيمَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ الْإِدْلَاءُ بِالْأُمِّ وَجِهَةُ الْأَبِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ، وَإِنْ كَانَ قَرَابَةُ الْأَبِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ تُقَدَّمُ الْخَالَةُ عَلَيْهَا وَبَنَاتُ الْأُخْتِ لِأَبٍ، وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ أَوْلَى مِنْ الْخَالَاتِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي بَنَاتِ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَالَةَ أَوْلَى مِنْهُنَّ
стр. 480
(ثُمَّ خَالَتُهُ كَذَلِكَ) أَيْ خَالَتُهُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ أَرْجَحُ وَالْخَالَةُ هِيَ أُخْتُ الصَّغِيرَةِ لَا مُطْلَقُ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّ خَالَةَ الْأُمِّ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ عَمَّةِ الصَّغِيرَةِ وَكَذَا خَالَةُ الْأَبِ (ثُمَّ عَمَّتُهُ كَذَلِكَ) أَيْ عَمَّتُهُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْعَمَّاتِ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ بَعْدَ الْعَمَّاتِ خَالَةُ الْأُمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَعْدَهُنَّ خَالَةُ الْأَبِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَعْدَهُنَّ عَمَّاتُ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ أَوْلَى مِنْ بَنَاتِ الْأَخِ وَهُنَّ) أَيْ بَنَاتُ الْأَخِ (أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ) وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَأَمَّا بَنَاتُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَبِمَعْزِلٍ عَنْ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَحْرَمٍ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ بِنْتُ خَالَتِهِ كَذَلِكَ ثُمَّ بِنْتُ عَمَّتِهِ كَذَلِكَ ضَعِيفٌ تَتَبَّعْ.
(وَمَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ مَحْرَمِهِ) أَيْ مَحْرَمِ الْوَلَدِ مِمَّنْ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ (سَقَطَ حَقُّهَا) بِالْإِجْمَاعِ وَيَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَعْدَهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» ؛ وَلِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَنْظُرُ إلَيْهِ شَزْرًا أَيْ نَظَرَ الْبَغِيضِ وَيُعْطِيهِ نَزْرًا أَيْ قَلِيلًا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ بِزَوْجٍ آخَرَ وَتُمْسِكُ الصَّغِيرَ مَعَهَا أُمُّ الْأُمِّ فِي بَيْتِ غَيْرِ الْأَبِ فَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهَا فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ أَمَّا بِتَزَوُّجِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ أَوْ بِسُكْنَاهَا عِنْدَ الْمُبْغِضِ لَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَإِذَا اجْتَمَعَ النِّسَاءُ السَّاقِطَاتُ الْحَقِّ يَضَعُ الْقَاضِي الصَّغِيرَ حَيْثُ شَاءَ مِنْهُنَّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (لَا) يَسْقُطُ حَقُّ (مَنْ نَكَحَتْ مَحْرَمَهُ) أَيْ مَحْرَمَ الْوَلَدِ (كَأُمِّ) الصَّغِيرِ (نَكَحَتْ عَمَّهُ) أَيْ الصَّغِيرِ.
(وَ) مِثْلُ (جَدَّةِ) أُمِّ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ (نَكَحَتْ جَدَّهُ) أَيْ أَبَ أَبِ الصَّغِيرِ أَوْ أَبَ أُمِّهِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ بِقِيَامِ الْقَرَابَةِ (وَيَعُودُ الْحَقُّ) أَيْ حَقُّ الْحَضَانَةِ إلَيْهَا (بِزَوَالِ نِكَاحٍ سَقَطَ) ذَلِكَ الْحَقُّ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ النِّكَاحِ، وَالْأَحْسَنُ بِزَوَالِهِ هَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَمَّا فِي الرَّجْعِيِّ فَلَا يَعُودُ حَقُّهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَقَوْلُهُمْ سَقَطَ حَقُّهَا مَعْنَاهُ مَعَ مَانِعٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ لَا مِنْ عَوْدِ السَّاقِطِ كَالنَّاشِزَةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا ثُمَّ تَعُودُ بِالْعَوْدِ إلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ بُطْلَانَ حَقِّهَا فِي الْحَضَانَةِ هَذَا إنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ الْأُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَأَنْكَرَتْ أَمَّا إنْ أَقَرَّتْ وَادَّعَتْ طَلَاقَهُ فَإِنْ أَبْهَمَتْ الزَّوْجَ فَالْقَوْلُ لَهَا وَإِنْ عَيَّنَتْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ الزَّوْجُ (وَيَكُونُ الْغُلَامُ عِنْدَهُنَّ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا بِأَنْ يَأْكُلَ) وَحْدَهُ (وَيَشْرَبَ) وَحْدَهُ (وَيَلْبَسَ) وَحْدَهُ (وَيَسْتَنْجِيَ) أَيْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَفْتَحَ سَرَاوِيلَهُ
стр. 481
عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَقْدِرَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَيَشُدَّهُ بَعْدَهُ (وَحْدَهُ) حَالٌ أَوْ ظَرْفٌ (وَقُدِّرَ بِتِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ) أَيْ قَدَّرَ مُدَّةَ الِاسْتِغْنَاءِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ بِتِسْعِ سِنِينَ وَالْخَصَّافُ بِسَبْعِ سِنِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ اخْتَلَفَا فِي سِنِّهِ لَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ يَنْظُرُ إنْ وَجَدَهُ مُسْتَغْنِيًا كَمَا مَرَّ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَغْنَى يَحْتَاجُ إلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّخَلُّقِ بِآدَابِ الرِّجَالِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَالْأَبُ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ (ثُمَّ يُجْبَرُ الْأَبُ) أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَلِيُّ (عَلَى أَخْذِهِ) ؛ لِأَنَّ الصِّيَانَةَ عَلَيْهِ.
(وَ) تَكُونُ (الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ حَتَّى تَحِيضَ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ وَالْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ وَالْغُلَامُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَحْتَاجُ إلَى التَّحْصِينِ وَالْحِفْظِ وَالْأَبُ فِيهِ أَقْدَرُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ حَتَّى تُشْتَهَى) لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الْحِفْظِ.
وَفِي شَرْحِ نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ الْجَارِيَةُ تَكُونُ عِنْدَ أُمِّهَا حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى تُشْتَهَى وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ (كَمَا) تَكُونُ (عِنْدَ غَيْرِهِمَا) أَيْ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ عِنْدَهُنَّ حَتَّى تُشْتَهَى، وَقِيلَ حَتَّى تَسْتَغْنِيَ وَإِذَا اسْتَغْنَى الْوَلَدُ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَالْأَوْلَى أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا فَالْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ (يُفْتَى لِفَسَادِ الزَّمَانِ) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَحِيضَ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الشَّهْوَةِ فَقَدَّرَهُ أَبُو اللَّيْثِ تِسْعَ سِنِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ لَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَمَنْ لَهَا) حَقُّ (الْحَضَانَةِ لَا تُجْبَرُ عَلَيْهَا) إنْ أَبَتْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَعْجِزَ عَنْ الْحَضَانَةِ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ بِأَنْ لَا يَأْخُذَ الْوَلَدُ ثَدْيَ غَيْرِهَا أَوْ لَا يَكُونَ لَهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ سِوَاهَا فَتُجْبَرُ عَلَى الْحَضَانَةِ إذْ الْأَجْنَبِيَّةُ لَا شَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
وَفِي الْمِنَحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَا تَقْدِرُ الْحَاضِنَةُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الصَّغِيرِ فِي الْحَضَانَةِ فَلَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تَتْرُكَ وَلَدَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَتَسْتَحِقُّ الْحَاضِنَةُ أُجْرَةَ الْحَضَانَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً لِأَبِيهِ وَتِلْكَ الْأُجْرَةُ غَيْرُ أُجْرَةِ إرْضَاعِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أَيْ إنْ لَمْ تُوجَدْ (امْرَأَةٌ) مُسْتَحِقَّةٌ لِلْحَضَانَةِ (فَالْحَقُّ لِلْعَصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ) فِي الْإِرْثِ فَيُقَدَّمُ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَنُوهُ كَذَلِكَ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ بَنُوهُمْ (لَكِنْ لَا تُدْفَعُ صَبِيَّةٌ إلَى عَصَبَةٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ كَابْنِ الْعَمِّ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ)
تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُدْفَعُ الْغُلَامُ إلَى ابْنِ الْعَمِّ
стр. 482
فَيُبْدَأُ بِابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَإِلَى أَنْ عُدِمَ الدَّفْعُ إذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ تُشْتَهَى وَكَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تُشْتَهَى كَبِنْتِ سَنَةٍ مَثَلًا أَوْ تُشْتَهَى وَكَانَ مَأْمُونًا فَلَا مَنْعَ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَلَا) تُدْفَعُ إلَى (فَاسِقٍ مَاجِنٍ) أَيْ شَخْصٍ لَا يُبَالِي بِمَا صَنَعَ، وَبِمَا قِيلَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْفَاسِقُ مَحْرَمًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُؤْتَمَنٍ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ الصَّبِيَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ لَكِنْ فِي التَّسْهِيلِ وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَحْرَمٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَى صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ بِفِسْقِهِ انْتَهَى. وَهُوَ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا سُقُوطَ الْحَضَانَةِ بِالْفِسْقِ نَقْلًا عَنْ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْمَطْلَبِ وَمَنْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ اجْتَمَعُوا) أَيْ اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّو الْحَضَانَةِ (فِي دَرَجَةٍ فَأَوْرَعُهُمْ أَوْلَى ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) .
وَفِي الْمَطْلَبِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِلصَّغِيرِ عَصَبَةٌ يُدْفَعُ إلَى الْأَخِ لِأُمٍّ ثُمَّ إلَى وَلَدِهِ ثُمَّ إلَى الْعَمِّ لِأُمٍّ ثُمَّ إلَى الْخَالِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ لِأُمٍّ؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عِنْدَ الْإِمَامِ فِي النِّكَاحِ (وَلَا حَقَّ لِأَمَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ فِي الْحَضَانَةِ قَبْلَ الْعِتْقِ) وَكَذَا الْمُدَبَّرَةُ أَوْ مُكَاتَبَةٌ وَلَدَتْ ذَلِكَ الْوَلَدَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ لِاشْتِغَالِهِنَّ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا كُنَّ أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَى الْأُمِّ وَقُيِّدَ بِقَبْلِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْعِتْقِ كَانَتْ كَالْحُرَّةِ (وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ) بِأَنْ كَانَ زَوْجُهَا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الشَّفَقَةَ لَا تَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ لَا حَقَّ لَهَا لِلذِّمِّيَّةِ فِي الْمُسْلِمِ (مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ إلْفَ الْكُفْرِ) فَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ عَنْهَا جَارِيَةً كَانَتْ أَوْ غُلَامًا لِاحْتِمَالِ الضَّرَرِ بِانْتِقَاشِ أَقْوَالِ الْكُفْرِ فِي ذِهْنِهِ (وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُسَافِرَ بِوَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الِاسْتِغْنَاءِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأُمِّ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا فِي الْحَضَانَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَضَانَتَهَا إذَا سَقَطَتْ جَازَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ (وَلَا لِلْأُمِّ) ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأَبِ (إلَّا إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ تَزَوَّجَهَا فِيهِ) فَلَا تُخْرِجُهُ إلَى بَلَدٍ لَيْسَ وَطَنًا لَهَا، وَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ فِيهِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَتُخْرِجُهُ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْوَطَنُ (دَارَ حَرْبٍ) فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَصْلًا هَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَمَّا لَوْ كَانَا مُسْتَأْمَنَيْنِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا هُنَاكَ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى دَارِهَا (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ السَّفَرُ بِهِ (لِغَيْرِ الْأُمِّ) مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ
стр. 483
أَوْ الْقَرْيَتَيْنِ تَفَاوُتٌ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ أَوْ الْقَرْيَتَيْنِ مَا) اسْمُ كَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَسَافَةِ بِحَيْثُ (يُمْكِنُ لِلْأَبِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَدِهِ (وَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِعَدَمِ الْإِضْرَارِ بِالْأَبِ فَصَارَ كَالنُّقْلَةِ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ أُخْرَى فِي الْمِصْرِ الْمُتَبَاعِدِ الْأَطْرَافِ.
(وَكَذَا النُّقْلَةُ مِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْمِصْرِ) لِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلصَّغِيرِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْمِصْرِ (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ النُّقْلَةِ مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْقَرْيَةِ إذْ فِيهِ ضَرَرُ الْوَلَدِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ السَّوَادِ إلَّا إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكَفُورِ أَهْلُ الْقُبُورِ (وَلَا خِيَارَ لِلْوَلَدِ) فِي الْحَضَانَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا يُخَيَّرُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ مَبْلَغَ النِّسَاءِ إنْ بِكْرًا ضَمَّهَا الْأَبُ إلَى نَفْسِهِ وَإِنْ ثَيِّبًا لَا إلَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً عَلَى نَفْسِهَا وَالْغُلَامُ إذَا عَقَلَ وَاسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ لَيْسَ لِلْأَبِ ضَمُّهُ إلَى نَفْسِهِ وَالْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَهَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ فَلَهُ ضَمُّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لَا يَضُمُّهَا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ عَصَبَةٍ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْعَصَبَاتِ أَوْ كَانَ لَهَا عَصَبَةٌ مُفْسِدٌ فَالنَّظَرُ فِيهَا إلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ مَأْمُونَةً خَلَّاهَا تَنْفَرِدُ بِالسُّكْنَى وَإِلَّا وَضَعَهَا عِنْدَ أَمِينَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى الْحِفْظِ بِلَا فَرْقٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بِكْرٍ وَثَيِّبٍ.
[بَابُ النَّفَقَةِ]
ِ وَهِيَ لُغَةً اسْمٌ مِنْ الْإِنْفَاقِ، وَالتَّرْكِيبُ دَالٌّ عَلَى الْمُضِيِّ بِالْبَيْعِ نَحْوُ نَفَقَ الْبَيْعُ نَفَاقًا بِالْفَتْحِ أَيْ رَاجَ أَوْ بِالْمَوْتِ نَحْوُ نَفَقَتْ الدَّابَّةُ نُفُوقًا أَيْ مَاتَتْ أَوْ بِالْفِنَاءِ نَحْوُ نَفَقَتْ الدَّرَاهِمُ نَفَقًا أَيْ فَنِيَتْ وَلَيْسَتْ النَّفَقَةُ هُنَا مُشْتَقَّةً مِنْ النُّفُوقِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ وَلَا مِنْ النَّفَقِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى عِيَالِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَشَرِيعَةً: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقَاءُ شَيْءٍ مِنْ نَحْوِ مَأْكُولٍ وَمَلْبُوسٍ وَسُكْنَى
قَالُوا وَنَفَقَةُ الْغَيْرِ تَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ بِأَسْبَابِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ لِمُنَاسِبَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ؛ وَلِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ هِيَ الْأَصْلُ فَقَالَ: (تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ اللِّبَاسُ كَمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ.
وَفِي التَّاجِ الْإِلْبَاسُ (وَالسُّكْنَى) اسْمٌ مِنْ الْإِسْكَانِ لَا مِنْ السُّكُونِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ (لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا) سَوَاءٌ كَانَ
стр. 484
فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ وَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقِّ شَخْصٍ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ الْقَاضِي وَالْعَامِلُ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْوَالِي وَالْمُفْتِي وَالْمُقَاتِلُ وَالْمُضَارِبُ إذَا سَافَرَ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَصِيُّ.
(وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (صَغِيرًا) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ مِنْ قِبَلِهِ فَكَانَ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (مُسْلِمَةً كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (أَوْ كَافِرَةً) مَوْطُوءَةً أَوْ غَيْرَهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَلَوْ غَنِيَّةً؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ لَا فَضْلَ فِيهَا (كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً) الَّتِي (تُوطَأُ) أَيْ تَصْلُحُ لِلْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا مَنْعِ نَفْسِهَا عَنْهُ فَتَجِبُ نَفَقَةُ الرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَلَا اعْتِبَارَ لِكَوْنِهَا مُشْتَهَاةً عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنْ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ قَالُوا إنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ مُشْتَهَاةً بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّلَذُّذُ مِنْهَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ فَعَلَى هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَطْءِ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الدَّوَاعِي تَدَبَّرْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَهْدِ (إذَا سَلَّمَتْ) الزَّوْجَةُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَجِبُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الزَّوْجِ (نَفْسَهَا فِي مَنْزِلِهِ) أَيْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ تَسْلِيمُهَا نَفْسَهَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ تُنْقَلْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ ثُمَّ قَالَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إذَا لَمْ تُزَفَّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْكَافِي الْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يُطَالِبْهَا الزَّوْجُ بِالِانْتِقَالِ وَكَذَا إذَا طَالَبَهَا، وَلَمْ تَمْتَنِعْ أَمَّا إذَا طَالَبَهَا بِالِانْتِقَالِ وَامْتَنَعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ فِي صُورَةِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ إلَيْهِ نَفْسَهَا مَعْنًى لَكِنَّ التَّقْصِيرَ وُجِدَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ حَيْثُ تَرَكَ النَّقْلَ تَأَمَّلْ (أَوْ لَمْ تُسَلِّمْ) نَفْسَهَا (لِحَقٍّ لَهَا) كَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ فَإِنَّهُ مَنْعٌ بِحَقٍّ فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ (أَوْ لَمْ) تُسَلِّمْ نَفْسَهَا (لِعَدَمِ طَلَبِهِ) أَيْ لِعَدَمِ طَلَبِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ حَقُّهُ وَإِذَا لَمْ يُطَالِبْهَا كَانَ تَارِكًا حَقَّهُ فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهَا فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا بِتَرْكِ حَقِّهِ (وَتُفْرَضُ النَّفَقَةُ) أَيْ تُقَدَّرُ (فِي كُلِّ شَهْرٍ وَتُسَلَّمُ إلَيْهَا)
стр. 485
فِي كُلِّ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ بِهَا كُلَّ سَاعَةٍ وَيَتَعَذَّرُ بِجَمِيعِ الْمُدَّةِ فَقَدَّرْنَا بِالشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ وَهُوَ أَقْرَبُ الْآجَالِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِفًا يَوْمًا فَيَوْمًا وَإِنْ مِنْ التُّجَّارِ شَهْرًا فَشَهْرًا وَإِنْ مِنْ الدَّهَاقِينِ سَنَةً فَسَنَةً وَلِلزَّوْجِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي عَدَمُ إنْفَاقِهِ فَيُفْرَضُ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَيُقَدِّرُهَا تَقْدِيرَ الْغَلَاءِ وَلَا يُقَدَّرُ بِدَرَاهِمَ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
وَفِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ فَرْضَ النَّفَقَةِ أَنْ يَنْظُرَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَنْظُرَ مَا يَكْفِيهَا بِحَسَبِ عُرْفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَيُقَوِّمُ الْأَصْنَافَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ يُقَدِّرُ بِالدَّرَاهِمِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ لَوْ صَالَحَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى مَا لَا يَكْفِيهَا فَطَلَبَتْ التَّكْمِيلَ كَمَّلَهَا الْقَاضِي.
(وَ) تُفْرَضُ (الْكِسْوَةُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِاخْتِلَافِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ فَفِي الصَّيْفِ قَمِيصٌ وَمُقَنَّعَةٌ وَمِلْحَفَةٌ وَتُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةٌ وَلِحَافٌ وَفِرَاشٌ إنْ طَلَبَتْهُ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ يَسَارًا وَإِعْسَارًا وَحَالًا وَبُلْدَانًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَتُقَدَّرُ بِكِفَايَتِهَا بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ) تَصْرِيحٌ لِمَا عُلِمَ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ بِكِفَايَتِهَا.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَلَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرٌ لَازِمٌ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالطِّبَاعِ وَالرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ وَالْوَسَطُ خُبْزُ الْبُرِّ وَإِدَامٌ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَائِدَةٍ لَا تُفْرَضُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَتُفْرَضُ الْكِسْوَةُ (وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ (حَالُهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (فَفِي الْمُوسِرَيْنِ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ يُعْتَبَرُ (حَالُ الْيَسَارِ) كَكِسْوَتِهِمْ وَالْيَسَارُ اسْمٌ مِنْ الْإِيسَارِ، وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ (وَفِي الْمُعْسِرَيْنِ) يُعْتَبَرُ (حَالُ الْإِعْسَارِ) أَيْ الِافْتِقَارِ (وَفِي الْمُخْتَلِفَيْنِ) بِأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَالزَّوْجَةُ مُعْسِرَةً أَوْ بِالْعَكْسِ يُعْتَبَرُ (بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ نَفَقَةُ الْوَسَطِ دُونَ نَفَقَةِ
стр. 486
الْمُوسِرِينَ وَفَوْقَ الْمُعْسِرِينَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْعِمَهَا الزَّوْجُ مَا يَأْكُلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الْكَرْخِيُّ (يُعْتَبَرُ حَالُهُ) أَيْ الزَّوْجِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (فَقَطْ) أَيْ لَا يُعْتَبَرُ حَالُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ الْمُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذُكِرَ فِي الْخِزَانَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فَيُنْفِقُ بِقَدْرِ مَا يَقْدِرُ وَالْبَاقِي دَيْنٌ عَلَيْهِ (وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (فِي إعْسَارِهِ فِي حَقِّ النَّفَقَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَالْبَيِّنَةُ لَهَا) ؛ لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ (وَتُفْرَضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ (نَفَقَةُ خَادِمٍ وَاحِدٍ) مِلْكًا (لَهَا لَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (مُوسِرًا) ؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِهَا وَفِي قَوْلِهِ لَهَا إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ عَلَى النَّفَقَةِ كَوْنُ الْخَادِمِ مِلْكًا لَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِهَذَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بِمَمْلُوكٍ لَهَا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِلْخَادِمِ وَقِيلَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْخَادِمِ وَلَوْ حُرًّا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَخَادِمُ الْمَرْأَةِ إذَا امْتَنَعَتْ عَنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْخَادِمِ مُقَابَلٌ بِالْخِدْمَةِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا نَفْرِضُ لِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَزُفَرَ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْلِهِ كَقَوْلِهِمَا كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ (تُفْرَضُ نَفَقَةُ خَادِمَيْنِ) أَحَدُهُمَا لِمَصَالِحِ دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَالْآخَرُ لِمَصَالِحِ خَارِجِهِ وَعَنْهُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ فَائِقَةً فِي الْغِنَى وَزُفَّتْ إلَيْهِ بِخَدَمٍ كَثِيرٍ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ الْجَمِيعِ، وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَمُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْوَلَوْالِجيَّةِ الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْإِشْرَافِ وَلَهَا خَدَمٌ يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمَيْنِ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ لَهُ أَوْلَادٌ لَا يَكْفِيهِ خَادِمٌ وَاحِدٌ فُرِضَ عَلَيْهِ لِخَادِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ امْتَنَعَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّإٍ وَإِلَّا لَا وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ الصَّحِيحُ إذَا لَمْ تَطْبُخْ لَا تُعْطِيهَا الْإِدَامَ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ أَدَوَاتِ الْبَيْتِ كَالْأَوَانِي وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّجُلِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي بَيْتِهِ وَعَلَيْهِ لَهَا جَمِيعُ مَا يَكْفِيهَا
стр. 487
ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَنْبِيهًا لِلْأَزْوَاجِ لِمَا نَرَاهُ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي حُقُوقِهِنَّ حَتَّى أَنَّهُ يَأْمُرُهَا بِفَرْشِ أَمْتِعَتِهَا جَبْرًا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لِأَضْيَافِهِ وَبَعْضُهُمْ لَا يُعْطِي لَهَا كِسْوَةً حَتَّى كَانَتْ عِنْدَ الدُّخُولِ غَنِيَّةً ثُمَّ صَارَتْ فَقِيرَةً، وَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ (وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (مُعْسِرًا لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ فِي الْأَصَحِّ) مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ نَفَقَةُ خَادِمٍ (وَلَوْ فُرِضَتْ) أَيْ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ نَفَقَةَ الْعِسَارِ (لِإِعْسَارِهِ) أَيْ لِأَجْلِ إعْسَارِهِ أَوْ وَقْتِ إعْسَارِهِ (ثُمَّ أَيْسَرَ) الزَّوْجُ (فَخَاصَمَتْهُ) لِلْإِتْمَامِ (تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْيَسَارِ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَمَا قَضَى بِهِ تَقْدِيرُ النَّفَقَةِ لَمْ تُجِبْهُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِذَا تَبَدَّلَ حَالُهُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِ حَقِّهَا (وَبِالْعَكْسِ) أَيْ لَوْ فُرِضَتْ لِيَسَارِهِ ثُمَّ أَعْسَرَ (تَلْزَمُ نَفَقَةُ الْإِعْسَارِ) .
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ حَيْثُ اُعْتُبِرَ حَالُ الزَّوْجِ فَقَطْ وَلَمْ يُعْتَبَرْ حَالُ الْمَرْأَةِ أَصْلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَا تَسْتَقِيمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِمَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فَيَكُونُ فِيهِ نَوْعُ تَنَاقُضٍ مِنْ الشَّيْخِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ قَوْلُ الْخَصَّافِ ثُمَّ بَنَى الْحُكْمَ هُنَا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بَلْ هُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَقَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَا فَإِنَّهُ يُتَمِّمُ نَفَقَةَ الْيَسَارِ اتِّفَاقًا وَإِذَا أَيْسَرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِنَفَقَةِ يَسَارِهِ وَنَفَقَةِ إعْسَارِهَا، وَهِيَ الْوَسَطُ عِنْدَ الْخَصَّافِ، وَكَذَا إذَا أَيْسَرَتْ وَحْدَهَا قُضِيَ بِالْوَسَطِ عِنْدَهُ فَصَارَ كَلَامُهُ شَامِلًا لِلصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَمَتَى أَمْكَنَ الْحَمْلُ فَلَا تَنَاقُضَ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي مُوسِرَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ بِمُعْسِرٍ ثُمَّ أَيْسَرَ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ أَوْ بِأَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي، وَمَا ذَكَرَهُ كَانَ بِطَرِيقِ الْإِفْتَاءِ فَلَا تَنَاقُضَ تَدَبَّرْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَجَبَ الْوَسَطُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ تَأَمَّلْ (وَلَا نَفَقَةَ لِنَاشِزَةٍ) أَيْ عَاصِيَةٍ مَا دَامَتْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ وَصَفَهَا عَلَى وَجْهِ الْكَشْفِ فَقَالَ (خَرَجَتْ) النَّاشِزَةُ (مِنْ بَيْتِهِ) خُرُوجًا حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا (بِغَيْرِ حَقٍّ) وَإِذْنٍ
стр. 488
مِنْ الشَّرْعِ قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ بِحَقٍّ كَمَا لَوْ خَرَجَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ لَهَا الْمَهْرَ الْمُعَجَّلَ أَوْ لِأَنَّهُ سَاكِنٌ فِي مَغْصُوبٍ أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الدُّخُولِ إلَى مَنْزِلِهَا الَّذِي يَسْكُنُ مَعَهَا فِيهِ بِحَقٍّ كَمَا لَوْ مَنَعَتْهُ لِاحْتِيَاجِهَا إلَيْهِ وَكَانَتْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ يَكْتَرِيَ لَهَا مَنْزِلًا آخَرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَكُنْ نَاشِزَةً وَقُيِّدَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقِيمَةً مَعَهُ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ لَا تُوطَأُ إلَّا كُرْهًا.
وَفِي الْبَحْرِ وَشَمِلَ الْخُرُوجَ الْحُكْمِيَّ مَا إذَا طَلَبَ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا وَامْتَنَعَتْ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَاشِزَةً، وَإِطْلَاقُ عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلنَّاشِزَةِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ مَفْرُوضَةً فَإِنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُهَا أَيْضًا إلَّا إنْ اسْتَدَانَتْ، فَإِنَّ الْمُسْتَدَانَةَ لَا يُسْقِطُهَا النُّشُوزُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمَوْتِ لَا يُسْقِطُهَا أَيْضًا.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَمِنْ النَّوَاشِزِ مَا إذَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ بَعْدَ مَا سَلَّمْتهَا كَمَا قَالَا وَلَيْسَتْ بِنَاشِزَةٍ عِنْدَهُ وَمَا إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ فَقَطْ فَلَا نَفَقَةَ كَالْمُحْتَرِفَاتِ لَمْ تَكُنْ مَعَ الزَّوْجِ إلَّا بِاللَّيْلِ.
(وَ) كَذَا لَا نَفَقَةَ لِامْرَأَةٍ (مَحْبُوسَةٍ بِدَيْنٍ) وَلَوْ تَرَكَ الدَّيْنَ وَأَطْلَقَ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَةَ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ بِحَقٍّ لَا نَفَقَةَ لَهَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ بِدَيْنٍ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ أَوْ حُبِسَتْ ظُلْمًا تَجِبُ وَإِلَّا لَا، وَهَذَا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا فِي الْحَبْسِ وَإِنْ قَدَرَ قَالُوا تَجِبُ النَّفَقَةُ وَقُيِّدَ بِحَبْسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَبَسَ مُطْلَقًا أَوْ هَرَبَ أَوْ نَشَزَ كَانَ لَهَا النَّفَقَةُ.
(وَ) كَذَا لِامْرَأَةٍ (مَرِيضَةٍ لَمْ تُزَفَّ) أَيْ لَمْ تُنْقَلْ إلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِعَدَمِ الِاحْتِبَاسِ لِأَجْلِ الِاسْتِمْتَاعِ كَمَا فِي الدُّرَرِ لَكِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ وَلَوْ هِيَ فِي بَيْتِ أَبِيهَا نَوْعُ تَنَاقُضٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ اخْتَارَ هُنَا كَمَا اخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَ ثَمَّةَ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ تَدَبَّرْ.
(وَ) كَذَا لِامْرَأَةٍ (مَغْصُوبَةٍ) يَعْنِي أَخَذَهَا رَجُلٌ كُرْهًا فَذَهَبَ بِهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ عَمَّا مَضَى إذَا عَادَتْ وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ لَيْسَ مِنْهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقْدِيرًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْقَيْدِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً إذَا رَضِيَتْ بِهِ انْتَهَى. نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْمَغْصُوبَةَ طَوْعًا دَاخِلَةٌ تَحْتَ حَدِّ النَّاشِزَةِ تَدَبَّرْ.
(وَ) كَذَا لِامْرَأَةٍ (صَغِيرَةٍ لَا تُوطَأُ) وَإِنَّمَا صَرَّحَ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ صَغِيرَةً الَّتِي تُوطَأُ رَدَّ الْقَوْلَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا النَّفَقَةُ تَدَبَّرْ. وَلَمْ يُذْكَرْ حُكْمُ الْعَجْزِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِأَنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ لَا يُطِيقَانِ الْجِمَاعَ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِمَعْنًى جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُجْعَلَ الْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهِ كَالْمَعْدُومِ، فَالْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهَا قَائِمٌ، وَمَعَ قِيَامِ الْمَنْعِ مِنْ جِهَتِهَا لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَقْبَلُ الْقَلْبَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَوْ كَانَ هُوَ مَحْبُوسًا وَجَبَتْ كَمَا مَرَّ فَعُلِمَ
стр. 489
أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْمَنْعِ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ تَدَبَّرْ.
(وَ) كَذَا لِامْرَأَةٍ (حَاجَّةٍ) حَالَ كَوْنِهَا (لَا) تَكُونُ (مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ حَجَّ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ مَعَ مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهَا نَفَقَةُ الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْفَرْضِ عُذْرٌ لَكِنَّ إطْلَاقَهُ شَامِلٌ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ (وَلَوْ حَجَّتْ مَعَهُ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (فَلَهَا نَفَقَةُ الْحَضَرِ) بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُقِيمَةِ فِي مَنْزِلِهِ فَمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ يَكُونُ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةٍ لَهَا (لَا) نَفَقَةَ (السَّفَرِ وَلَا الْكِرَاءِ) وَمُؤْنَةُ السَّفَرِ هَذَا تَصْرِيحٌ لِمَا عُلِمَ ضِمْنًا وَلَوْ اكْتَفَى بِالْأَوَّلِ لَكَانَ أَخْصَرَ.
(وَلَوْ مَرِضَتْ) الزَّوْجَةُ (فِي مَنْزِلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (فَلَهَا النَّفَقَةُ) وَالْقِيَاسُ عَدَمُهَا إذَا كَانَ مَرَضُهَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ لِفَوْتِ الِاحْتِبَاسِ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ إنَّ الِاحْتِبَاسَ مَوْجُودٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا، وَتَحْفَظُ الْبَيْتَ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا لِمُسَاوٍ غَيْرِهِ وَالْمَانِعُ يُعَارَضُ كَالْحَيْضِ (لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لَوْ مَرِضَتْ فِي بَيْتِهَا وَزُفَّتْ إلَيْهِ مَرِيضَةً) إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْمَرِيضَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ النُّقْلَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا أَوْ لَا كَانَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ لَا حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا إذَا زُفَّتْ إلَى زَوْجِهَا، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَمَرِضَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ مَرَضًا لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ لَا نَفَقَةَ لَهَا مُخَالِفٌ لِلْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ تَتَبَّعْ (وَلَا يُفَرِّقُ) الْقَاضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (لِعَجْزِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (عَنْ النَّفَقَةِ) وَلَا بِعَدَمِ إيفَاءِ الزَّوْجِ حَالَ كَوْنِهِ غَائِبًا حَقَّهَا وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ مِنْ الْإِنْفَاقِ لَا يُوجِبُ الْفِرَاقَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ الْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ إنْ طَلَبَتْ الْفُرْقَةَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ حَاضِرًا وَثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَمَّا إذَا كَانَ غَائِبًا فَالتَّفْرِيقُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ إيفَائِهِ حَقَّهَا مِنْ النَّفَقَةِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا لَا يَعْجِزُهُ عَنْ النَّفَقَةِ صَرَّحَ بِهَذَا فِي غَايَةِ الْقُصْوَى قَالَ فِي شَرْحِهِ: لَوْ غَابَ الزَّوْجُ حَالَ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ النَّفَقَةِ وَلَكِنْ لَا يُوَفِّي حَقُّهَا فَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا فَسْخَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُطَالِبَهُ إنْ كَانَ مَوْضِعُهُ مَعْلُومًا، وَالثَّانِي ثُبُوتُ الْفَسْخِ وَإِلَيْهِ مَالَ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي الدُّرَرِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الْعَجْزَ لَا يُعْرَفُ حَالَةَ الْغَيْبَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا فَيَكُونَ هَذَا تَرْكَ الْإِنْفَاقِ لَا الْعَجْزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ وَأَطْلَقَ النَّفَقَةَ فَشَمِلَ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ مَأْكُولٌ وَمَلْبُوسٌ وَمَسْكَنٌ فَلَا يُفَرِّقُ لِعَجْزِهِ عَنْ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا (وَتُؤْمَرُ) الزَّوْجَةُ (بِالِاسْتِدَانَةِ) أَيْ يَقُولُ لَهَا الْقَاضِي اسْتَدِينِي عَلَى زَوْجِك أَيْ اشْتَرِي الطَّعَامَ
стр. 490
نَسِيئَةً عَلَى أَنْ تَقْضِيَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخٌ أَوْ ابْنٌ مُوسِرٌ أَوْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لَوْلَا الزَّوْجُ، وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ الِابْنُ أَوْ الْأَخُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ وَيُحْبَسُ كُلٌّ مِنْهُمَا إذَا امْتَنَعَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ (لِتُحِيلَ) الْمَرْأَةُ رَبَّ الْمَالِ وَاللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ فَتَرْجِعُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ أَوْ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى تَرِكَتِهِ إنْ مَاتَ، وَبِدُونِ الْأَمْرِ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ بَلْ عَلَى الزَّوْجَةِ، ثُمَّ هِيَ عَلَى الزَّوْجِ بِمَا فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْبَحْرِ، وَكَذَا إنْ نَوَتْ وَإِذَا لَمْ تُصَرِّحْ، وَلَمْ تَنْوِ لَمْ تَرْجِعْ وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا نَوَتْ الِاسْتِدَانَةَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ لَهَا.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ الْيُسْرِ لَمْ يُفَرَّقْ، وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ، وَيَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالَهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يَفْسَخُ (وَلَا تَجِبُ) عَلَيْهِ (نَفَقَةُ مُدَّةٍ مَضَتْ) وَلَمْ تَصِلْ إلَيْهَا إمَّا بِعَجْزِهِ أَوْ تَعَنُّتِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَكَلَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ زَمَنِهِ وَذَلِكَ شَهْرٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْغَايَةِ أَنَّ نَفَقَةَ مَا دُونَ الشَّهْرِ لَا تَسْقُطُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) النَّفَقَةُ (قُضِيَ بِهَا) بِتَقْدِيرِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ لَهَا (أَوْ تَرَاضَيَا) أَيْ اصْطَلَحَ الزَّوْجَانِ (عَلَى مِقْدَارِهَا) بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُمَا لِكُلِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ أَوْ الْمُرْضِيَةُ لِمَا مَضَى مَا دَامَا حَيَّيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِلَةٌ تَجِبُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ الِاحْتِبَاسِ كَرِزْقِ الْقَاضِي فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ أَوْ التَّأْكِيدِ بِقَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَجِبُ بِدُونِهِمَا.
(وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) بَعْدَ أَحَدِ هَذَيْنِ (أَوْ طَلُقَتْ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ التَّرَاضِي قَبْلَ قَبْضِهَا) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ مِنْ الزَّوْجِ (سَقَطَتْ) النَّفَقَةُ
стр. 491
الْمَفْرُوضَةُ بِالْقَضَاءِ وَالرِّضَاءِ؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ سَاقِطَةٌ بِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ وَأَطْلَقَ الطَّلَاقَ فَشَمِلَ الْبَائِنَ وَالرَّجْعِيَّ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُسْقِطُهَا، وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ أَنَّ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ وُجُوهٍ فَلْيُطَالَعْ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعَيَّنْ بِأَحَدِهِمَا تَسْقُطُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا تَسْقُطُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الزَّوْجَةُ (اسْتَدَانَتْ بِأَمْرِ قَاضٍ) فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَامَّةً وَاسْتِدَانَتُهَا عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَاسْتِدَانَةِ الزَّوْجِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ) أَيْ الزَّوْجُ أَوْ أَبُوهُ (لَهَا النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ لِمُدَّةٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا) أَيْ لَا يُسْتَرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَأَصْحَابُ الْفَتَاوَى قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالُوا الْفَتْوَى عَلَيْهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً أَوْ هَالِكَةً فَلَا تَرُدُّ شَيْئًا اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يُحْتَسَبُ لَهَا نَفَقَةُ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ لِلزَّوْجِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ حَالَ الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَدَمَ فَرْقِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ فِي الْحُكْمِ.
وَفِي الْفَتْحِ الْمَوْتُ وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ سَوَاءٌ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ) أَيْ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ (فَنَفَقَتُهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ (يُبَاعُ) الْعَبْدُ (فِيهِ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمُتَوَفَّى فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى أَوْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ فِي الصَّحِيحِ (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أُخْرَى) فَإِذَا بِيعَ فِي دَيْنِ النَّفَقَةِ فَاشْتَرَاهُ مَنْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَرَضِيَ ظَهَرَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى يُبَاعُ ثَانِيًا، وَكَذَا حَالُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الثَّالِثِ وَهَلُمَّ جَرًّا (وَلَا) يُبَاعُ الْعَبْدُ (فِي دَيْنِ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ النَّفَقَةِ (إلَّا مَرَّةً) فَإِنْ وَفَّى الْغُرَمَاءُ فَبِهَا وَإِلَّا طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ يُبَاعُ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَمَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَصَاحِبُ الْفَرَائِدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَهْوٌ فَاحِشٌ فَلَا يُبَاعُ لِبَقِيَّةِ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمَهْرِ كَمَا هُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِالنَّفَقَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ يُبَاعُ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الدُّيُونِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً بَعْدَ الْبَيْعِ لَا تَتَفَرَّقُ فَصَارَتْ دَيْنًا وَاحِدًا حُكْمًا بِخِلَافِ الدُّيُونِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ فَافْتَرَقَا تَتَبَّعْ. قُيِّدَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَوَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يُبَاعُ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ مَا لَمْ يَعْجِزْ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَقُيِّدَ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يُبَاعُ وَقُيِّدَ بِنَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ أَوْلَادِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (فِي بَيْتٍ) أَيْ فِي مَكَان يَصْلُحُ مَأْوًى لِلْإِنْسَانِ حَيْثُ أَحَبَّ لَكِنْ بَيْنَ جِيرَانٍ صَالِحِينَ
стр. 492
سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِالْإِيذَاءِ (خَالٍ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (وَأَهْلِهَا) أَيْ مَحْرَمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَضَرَّرَانِ بِالسُّكْنَى مَعَ النَّاسِ إذْ لَا يَأْمَنَانِ عَلَى مَتَاعِهِمَا وَيَمْنَعُهُمَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُعَاشَرَةِ إلَّا أَنْ تَرْضَى هِيَ بِأَهْلِهِ أَوْ يَرْضَى هُوَ بِأَهْلِهَا.
(وَلَوْ) كَانَ (وَلَدُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ لِمُعَادَاةٍ بَيْنَهُمَا غَالِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا لَا يَفْهَمُ الْجِمَاعَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ لَهَا أَنْ لَا تَسْكُنَ مَعَ أَمَتِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهَا لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا بِحَضْرَتِهَا كَمَا لَا يَحِلُّ وَطْءُ زَوْجَتِهِ بِحَضْرَتِهَا (وَيَكْفِيهَا بَيْتٌ) أَيْ كَامِلُ الْمَرَافِقِ (مُفْرَدٌ مِنْ دَارٍ إذَا كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْبَيْتِ (غَلَقٌ) بِالتَّحْرِيكِ مَا يُغْلَقُ وَيُفْتَحُ بِالْمِفْتَاحِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَمْنُ وَالْمُعَاشَرَةُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَلَاءُ مُشْتَرَكًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِهِ غَلَقٌ يَخُصُّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمَسْكَنٍ آخَرَ.
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ بُيُوتٌ وَأَبَتْ أَنْ تَسْكُنَ مَعَ ضَرَّتِهَا وَمَعَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ إنْ خَلَّى لَهَا بَيْتًا وَجَعَلَ لَهُ مَرَافِقَ وَغَلَقًا عَلَى حِدَةٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ بَيْتًا آخَرَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مُفِيدٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْبَيْتِ مِنْ بَيْتِ الْخَلَاءِ وَمِنْ مَطْبَخٍ بِخِلَافِ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِمَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ فَلِهَذَا فَسَّرْنَا بِكَامِلِ الْمَرَافِقِ تَدَبَّرْ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ مِنْ أَحِمَّاءِ الزَّوْجِ مِمَّنْ يُؤْذِيهَا (وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (مَنْعُ أَهْلِهَا) أَيْ مَحْرَمِهَا (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (وَلَدُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَلَدِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّوْجِ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ وَإِلَّا يَلْزَمْ حَذْفُ الْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ (عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ مِلْكُهُ كَمَا فِي الْكَافِي وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنْ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (لَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا) عَطْفٌ عَلَى عَنْ الدُّخُولِ أَوْ لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ لَا مَنْعَ أَوْ لِلنَّفْيِ أَيْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ النَّظَرِ، وَمِنْ الظَّنِّ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُمْ مِنْ النَّظَرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالْكَلَامُ مَعَهَا مَتَى) أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ (شَاءُوا) إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَفِي الْمَنْعِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْقَرَارِ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْفِتْنَةَ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ) أَيْ الزَّوْجَ (لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَا مِنْ دُخُولِهِمَا عَلَيْهَا فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ (مَرَّةً) قَيْدٌ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ كِلَيْهِمَا.
(وَ) كَذَا لَا يَمْنَعُ (فِي) الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ إلَى مَحْرَمٍ (غَيْرَهُمَا) أَيْ غَيْرَ الْوَالِدَيْنِ (فِي السَّنَةِ مَرَّةً) قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَمْنَعُ الْمَحَارِمَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَفِي الْمُخْتَارَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَهُ أَنْ يَأْذَنَهَا بِالْخُرُوجِ لِزِيَارَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْحَجِّ وَلَوْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً أَوْ كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى آخَرَ أَوْ لَهُ عَلَيْهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَوْ أَذِنَ فَخَرَجَتْ يَكُونَانِ عَاصِيَيْنِ وَتُمْنَعُ مِنْ الْحَمَّامِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 493
خِلَافُهُ.
[نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ]
(وَتُفْرَضُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ) سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ السَّفَرِ أَمْ لَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُنْيَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَكُونَ مُدَّةَ سَفَرٍ فَإِنَّهُ فِيمَا دُونَ السَّفَرِ يَسْهُلُ إحْضَارُهُ وَمُرَاجَعَتُهُ وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ تَتَبَّعْ (وَطِفْلِهِ) وَبِنْتِهِ الْكَبِيرَةِ أَوْ ابْنِهِ الْفَقِيرِ الْكَبِيرِ إنْ كَانَ زَمِنًا (وَأَبَوَيْهِ) فَلَا تُفْرَضُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَقْرِبَاءِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَا تُفْرَضُ عَنْ مَمْلُوكِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فِي مَالٍ لَهُ) أَيْ لِلْغَائِبِ (مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ) أَيْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ فَلَا يُبَاعُ مَالُ الْغَائِبِ لِلْإِنْفَاقِ بِالْوِفَاقِ (عِنْدَ مُودَعٍ) ظَرْفٌ لِقَوْلِ لَهُ أَوْ حَالٌ (أَوْ) عِنْدَ (مُضَارِبٍ أَوْ مَدْيُونٍ يُقِرُّ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُودَعِ أَوْ الْمُضَارِبِ أَوْ الْمَدْيُونِ (بِهِ) أَيْ بِمَالِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الدَّيْنِ (وَبِالزَّوْجِيَّةِ) فِي نَفَقَةِ الْعُرْسِ وَبِالنَّسَبِ فِي الْبَوَاقِي وَلَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ (أَوْ يَعْلَمُ الْقَاضِي) عَطْفٌ عَلَى يُقِرُّ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ عِنْدَ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمْ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ حُجَّةٌ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِبَعْضٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ يُشْتَرَطُ إقْرَارُهُمْ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قُيِّدَ بِكَوْنِ الْمَالِ عِنْدَ شَخْصٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي بَيْتِهِ فَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ فَإِنْ عَلِمَ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَرَضَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إيفَاءٌ لِحَقِّ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ عَلَى الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ غَابَ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ قُضِيَ لَهُ بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَيُحَلِّفُهَا) أَيْ الْقَاضِي الزَّوْجَةَ وَلَا حَاجَةَ بِذِكْرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَطْلُبُ النَّفَقَةَ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي الطِّفْلِ وَإِخْوَتِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْبَاقَانِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ هُوَ الصَّبِيُّ حِينَ يَسْقُطُ مِنْ الْبَطْنِ إلَى أَنْ يَحْتَلِمَ وَالصَّبِيُّ كَيْفَ يَحْلِفُ تَدَبَّرْ.
(أَنَّهُ) أَيْ الْغَائِبَ (لَمْ يُعْطِهَا النَّفَقَةَ) بِأَنْ قَالَتْ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْت النَّفَقَةَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَيَأْخُذُ) أَيْ يَأْخُذُ الْقَاضِي (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ (كَفِيلًا) بِالنَّفَقَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ النَّفَقَةَ أَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ الصَّحِيحُ التَّحْلِيفُ وَالتَّكْفِيلُ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْطِي الْكَفِيلَ وَلَا يَحْلِفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْلِفُ وَلَا يُعْطِي الْكَفِيلَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا
احْتِيَاطًا
(فَلَوْ لَمْ يُقِرُّوا
стр. 494
بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِهَا) أَيْ الزَّوْجِيَّةِ (فَأَقَامَتْ) الزَّوْجَةُ (بَيِّنَةً) عَلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَالِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (لَا يَقْضِي) الْقَاضِي (بِهَا) أَيْ بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي الزَّوْجِيَّةِ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً لَا يَقْضِي بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ خَصْمًا فِي إثْبَاتِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فَعَلَى هَذَا اقْتِصَارُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ قُصُورٌ تَدَبَّرْ.
(وَكَذَا) لَا يَقْضِي (لَوْ لَمْ يُخْلِفْ) الْغَائِبُ (مَالًا فَأَقَامَتْ) الزَّوْجَةُ (الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لِيَفْرِضَ) الْقَاضِي (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (النَّفَقَةَ) عَلَى الْغَائِبِ (وَيَأْمُرَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْغَائِبِ (لَا يَسْمَعُ) الْقَاضِي (بَيِّنَتَهَا) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ (وَعِنْدَ زُفَرَ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ قَالَ مَشَايِخُنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَوْلُ زُفَرَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (يَسْمَعُهَا) أَيْ يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ (لِيَفْرِضَ النَّفَقَةَ) وَيَأْمُرَ بِالِاسْتِدَانَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ وَأَقَرَّ بِالزَّوْجِيَّةِ قَضَى الدَّيْنَ وَإِنْ أَنْكَرَهَا كَلَّفَهَا الْقَاضِي إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَعَادَتْ فَبِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ يَضْمَنُ الْكَفِيلُ أَوْ الْمَرْأَةُ (لَا) يَسْمَعُ (لِثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ (وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ الْيَوْمَ وَالْمُخْتَارُ) وَهَذِهِ مِنْ إحْدَى الْمَسَائِلِ السِّتِّ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا بِقَوْلِ زُفَرَ لِحَاجَةِ النَّاسِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَتَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى) وَكَذَا الْكِسْوَةُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ قَالُوا إنَّمَا مَا لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَطُولُ غَالِبًا فَتَسْتَغْنِي عَنْهَا حَتَّى لَوْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا يُفْرَضُ لَهَا (لِمُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ) كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ (بَائِنًا) وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ لَهَا النَّفَقَةُ إلَّا إذَا شُرِطَ فِيهِ، وَلَهَا السُّكْنَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهَا دُونَ السُّكْنَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا نَفَقَةَ لِمَبْتُوتَةٍ لَوْ حَائِلًا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ وَكَذَا السُّكْنَى إلَّا فِي قَوْلٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ تَجِبُ لِمَوْتٍ إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَ) كَذَا تَجِبُ لِلْمَرْأَةِ (الْمُفَرَّقَةِ بِلَا مَعْصِيَةٍ) صَادِرَةٍ عَنْهَا (كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ وَالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ) وَلَوْ اقْتَصَرَ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بِدُونِ ذِكْرِ
стр. 495
التَّفْرِيقِ أَوْ بِالتَّفْرِيقِ بِدُونِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ تَدَبَّرْ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ أَوْ الْإِيلَاءِ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ الْجَبِّ فَلَهَا النَّفَقَةُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُضَافَةً إلَى الزَّوْجِ وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِخِيَارِ الْبُلُوغِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَأَبَى الزَّوْجُ فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بِالْإِبَاءِ وَهُوَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ وَأَبَتْ هِيَ حَيْثُ لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا كُلُّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ انْتَهَى.
لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إذَا كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ فَأَسْلَمَ وَأَبَتْ هِيَ بَقِيَتْ الزَّوْجِيَّةُ عَلَى حَالِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَا مَجُوسِيَّيْنِ أَوْ الْمَرْأَةُ مَجُوسِيَّةً فَإِنَّ فِيهَا إذَا أَسْلَمَ، وَأَبَتْ هِيَ يَبْطُلُ النِّكَاحُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فَعَلَى هَذَا الصَّوَابُ أَنْ يُخَصَّصَ تَدَبَّرْ.
(لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى (لِمُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا إلَّا إذَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ (وَالْمُفَرَّقَةُ بِمَعْصِيَةٍ) صَادِرَةٍ مِنْهَا (كَالرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ) أَيْ تَقْبِيلِهَا ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ بِشَهْوَةٍ وَالزِّنَا بِهِ طَوْعًا لَا كُرْهًا فَإِنَّهُ تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ رِدَّتَهُ أَوْ تَقْبِيلَهُ ابْنَتَهَا وَغَيْرَهُمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ، وَإِلَى أَنْ لَا تَجِبَ لَهَا السُّكْنَى أَيْضًا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ صَرَّحَ بِوُجُوبِهَا لَهَا.
وَفِي الْفَتْحِ لَهَا السُّكْنَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْقَرَارَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ حَقٌّ عَلَيْهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمَعْصِيَتِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَعَلَى هَذَا أَنْ يَذْكُرَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَتَخْصِيصُ عَدَمِ وُجُوبِ السُّكْنَى لِمُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ ارْتَدَّتْ مُطَلَّقَةُ الثَّلَاثِ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا) يَعْنِي لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا) ، وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، وَإِلَّا فَلَهَا النَّفَقَةُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَمَا وَقَعَ فِي الْمَتْنِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالثَّلَاثِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ اتِّفَاقِيٌّ (لَا) أَيْ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا (لَوْ مَكَّنَتْ) أَيْ مُعْتَدَّةُ الثَّلَاثِ وَكَذَا الْبَائِنُ وَأَمَّا فِي الرَّجْعِيِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ وَالْفُرْقَةُ حَصَلَتْ مِنْهُ (ابْنَهُ) أَيْ ابْنَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلتَّمْكِينِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
[فَصْلٌ نَفَقَةُ الطِّفْلِ الْفَقِيرِ]
فَصْلٌ (وَنَفَقَةُ الطِّفْلِ) الْحُرِّ (الْفَقِيرِ) وَكَذَا السُّكْنَى وَالْكِسْوَةُ تَجِبُ (عَلَى أَبِيهِ) بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا لَكِنْ عَلَى الْمُعْسِرَةِ تُفْرَضُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْمُوسِرِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَاجِزًا يَتَكَفَّفُ وَيُنْفِقُ وَقِيلَ
следующие страницы →