Полный текст (1 543 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الْمَفْرُوضَةُ بِالْقَضَاءِ وَالرِّضَاءِ؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ سَاقِطَةٌ بِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ وَأَطْلَقَ الطَّلَاقَ فَشَمِلَ الْبَائِنَ وَالرَّجْعِيَّ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُسْقِطُهَا، وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ أَنَّ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ وُجُوهٍ فَلْيُطَالَعْ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعَيَّنْ بِأَحَدِهِمَا تَسْقُطُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا تَسْقُطُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الزَّوْجَةُ (اسْتَدَانَتْ بِأَمْرِ قَاضٍ) فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَامَّةً وَاسْتِدَانَتُهَا عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَاسْتِدَانَةِ الزَّوْجِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ) أَيْ الزَّوْجُ أَوْ أَبُوهُ (لَهَا النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ لِمُدَّةٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا) أَيْ لَا يُسْتَرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَأَصْحَابُ الْفَتَاوَى قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالُوا الْفَتْوَى عَلَيْهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً أَوْ هَالِكَةً فَلَا تَرُدُّ شَيْئًا اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يُحْتَسَبُ لَهَا نَفَقَةُ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ لِلزَّوْجِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ حَالَ الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَدَمَ فَرْقِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ فِي الْحُكْمِ.
وَفِي الْفَتْحِ الْمَوْتُ وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ سَوَاءٌ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ) أَيْ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ (فَنَفَقَتُهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ (يُبَاعُ) الْعَبْدُ (فِيهِ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمُتَوَفَّى فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى أَوْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ فِي الصَّحِيحِ (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أُخْرَى) فَإِذَا بِيعَ فِي دَيْنِ النَّفَقَةِ فَاشْتَرَاهُ مَنْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَرَضِيَ ظَهَرَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى يُبَاعُ ثَانِيًا، وَكَذَا حَالُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الثَّالِثِ وَهَلُمَّ جَرًّا (وَلَا) يُبَاعُ الْعَبْدُ (فِي دَيْنِ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ النَّفَقَةِ (إلَّا مَرَّةً) فَإِنْ وَفَّى الْغُرَمَاءُ فَبِهَا وَإِلَّا طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ يُبَاعُ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَمَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَصَاحِبُ الْفَرَائِدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَهْوٌ فَاحِشٌ فَلَا يُبَاعُ لِبَقِيَّةِ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمَهْرِ كَمَا هُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِالنَّفَقَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ يُبَاعُ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الدُّيُونِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً بَعْدَ الْبَيْعِ لَا تَتَفَرَّقُ فَصَارَتْ دَيْنًا وَاحِدًا حُكْمًا بِخِلَافِ الدُّيُونِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ فَافْتَرَقَا تَتَبَّعْ. قُيِّدَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَوَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يُبَاعُ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ مَا لَمْ يَعْجِزْ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَقُيِّدَ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يُبَاعُ وَقُيِّدَ بِنَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ أَوْلَادِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (فِي بَيْتٍ) أَيْ فِي مَكَان يَصْلُحُ مَأْوًى لِلْإِنْسَانِ حَيْثُ أَحَبَّ لَكِنْ بَيْنَ جِيرَانٍ صَالِحِينَ
стр. 492
سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِالْإِيذَاءِ (خَالٍ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (وَأَهْلِهَا) أَيْ مَحْرَمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَضَرَّرَانِ بِالسُّكْنَى مَعَ النَّاسِ إذْ لَا يَأْمَنَانِ عَلَى مَتَاعِهِمَا وَيَمْنَعُهُمَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُعَاشَرَةِ إلَّا أَنْ تَرْضَى هِيَ بِأَهْلِهِ أَوْ يَرْضَى هُوَ بِأَهْلِهَا.
(وَلَوْ) كَانَ (وَلَدُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ لِمُعَادَاةٍ بَيْنَهُمَا غَالِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا لَا يَفْهَمُ الْجِمَاعَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ لَهَا أَنْ لَا تَسْكُنَ مَعَ أَمَتِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهَا لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا بِحَضْرَتِهَا كَمَا لَا يَحِلُّ وَطْءُ زَوْجَتِهِ بِحَضْرَتِهَا (وَيَكْفِيهَا بَيْتٌ) أَيْ كَامِلُ الْمَرَافِقِ (مُفْرَدٌ مِنْ دَارٍ إذَا كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْبَيْتِ (غَلَقٌ) بِالتَّحْرِيكِ مَا يُغْلَقُ وَيُفْتَحُ بِالْمِفْتَاحِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَمْنُ وَالْمُعَاشَرَةُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَلَاءُ مُشْتَرَكًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِهِ غَلَقٌ يَخُصُّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمَسْكَنٍ آخَرَ.
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ بُيُوتٌ وَأَبَتْ أَنْ تَسْكُنَ مَعَ ضَرَّتِهَا وَمَعَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ إنْ خَلَّى لَهَا بَيْتًا وَجَعَلَ لَهُ مَرَافِقَ وَغَلَقًا عَلَى حِدَةٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ بَيْتًا آخَرَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مُفِيدٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْبَيْتِ مِنْ بَيْتِ الْخَلَاءِ وَمِنْ مَطْبَخٍ بِخِلَافِ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِمَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ فَلِهَذَا فَسَّرْنَا بِكَامِلِ الْمَرَافِقِ تَدَبَّرْ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ مِنْ أَحِمَّاءِ الزَّوْجِ مِمَّنْ يُؤْذِيهَا (وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (مَنْعُ أَهْلِهَا) أَيْ مَحْرَمِهَا (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (وَلَدُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَلَدِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّوْجِ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ وَإِلَّا يَلْزَمْ حَذْفُ الْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ (عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ مِلْكُهُ كَمَا فِي الْكَافِي وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنْ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (لَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا) عَطْفٌ عَلَى عَنْ الدُّخُولِ أَوْ لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ لَا مَنْعَ أَوْ لِلنَّفْيِ أَيْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ النَّظَرِ، وَمِنْ الظَّنِّ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُمْ مِنْ النَّظَرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالْكَلَامُ مَعَهَا مَتَى) أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ (شَاءُوا) إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَفِي الْمَنْعِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْقَرَارِ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْفِتْنَةَ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ) أَيْ الزَّوْجَ (لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَا مِنْ دُخُولِهِمَا عَلَيْهَا فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ (مَرَّةً) قَيْدٌ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ كِلَيْهِمَا.
(وَ) كَذَا لَا يَمْنَعُ (فِي) الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ إلَى مَحْرَمٍ (غَيْرَهُمَا) أَيْ غَيْرَ الْوَالِدَيْنِ (فِي السَّنَةِ مَرَّةً) قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَمْنَعُ الْمَحَارِمَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَفِي الْمُخْتَارَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَهُ أَنْ يَأْذَنَهَا بِالْخُرُوجِ لِزِيَارَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْحَجِّ وَلَوْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً أَوْ كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى آخَرَ أَوْ لَهُ عَلَيْهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَوْ أَذِنَ فَخَرَجَتْ يَكُونَانِ عَاصِيَيْنِ وَتُمْنَعُ مِنْ الْحَمَّامِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 493
خِلَافُهُ.
[نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ]
(وَتُفْرَضُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ) سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ السَّفَرِ أَمْ لَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُنْيَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَكُونَ مُدَّةَ سَفَرٍ فَإِنَّهُ فِيمَا دُونَ السَّفَرِ يَسْهُلُ إحْضَارُهُ وَمُرَاجَعَتُهُ وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ تَتَبَّعْ (وَطِفْلِهِ) وَبِنْتِهِ الْكَبِيرَةِ أَوْ ابْنِهِ الْفَقِيرِ الْكَبِيرِ إنْ كَانَ زَمِنًا (وَأَبَوَيْهِ) فَلَا تُفْرَضُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَقْرِبَاءِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَا تُفْرَضُ عَنْ مَمْلُوكِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فِي مَالٍ لَهُ) أَيْ لِلْغَائِبِ (مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ) أَيْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً مِنْ جِنْسِ حَقِّهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ فَلَا يُبَاعُ مَالُ الْغَائِبِ لِلْإِنْفَاقِ بِالْوِفَاقِ (عِنْدَ مُودَعٍ) ظَرْفٌ لِقَوْلِ لَهُ أَوْ حَالٌ (أَوْ) عِنْدَ (مُضَارِبٍ أَوْ مَدْيُونٍ يُقِرُّ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُودَعِ أَوْ الْمُضَارِبِ أَوْ الْمَدْيُونِ (بِهِ) أَيْ بِمَالِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الدَّيْنِ (وَبِالزَّوْجِيَّةِ) فِي نَفَقَةِ الْعُرْسِ وَبِالنَّسَبِ فِي الْبَوَاقِي وَلَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ (أَوْ يَعْلَمُ الْقَاضِي) عَطْفٌ عَلَى يُقِرُّ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ عِنْدَ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمْ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ حُجَّةٌ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِبَعْضٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ يُشْتَرَطُ إقْرَارُهُمْ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قُيِّدَ بِكَوْنِ الْمَالِ عِنْدَ شَخْصٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي بَيْتِهِ فَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ فَإِنْ عَلِمَ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَرَضَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إيفَاءٌ لِحَقِّ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ عَلَى الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ غَابَ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ قُضِيَ لَهُ بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَيُحَلِّفُهَا) أَيْ الْقَاضِي الزَّوْجَةَ وَلَا حَاجَةَ بِذِكْرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَطْلُبُ النَّفَقَةَ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي الطِّفْلِ وَإِخْوَتِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْبَاقَانِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ هُوَ الصَّبِيُّ حِينَ يَسْقُطُ مِنْ الْبَطْنِ إلَى أَنْ يَحْتَلِمَ وَالصَّبِيُّ كَيْفَ يَحْلِفُ تَدَبَّرْ.
(أَنَّهُ) أَيْ الْغَائِبَ (لَمْ يُعْطِهَا النَّفَقَةَ) بِأَنْ قَالَتْ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْت النَّفَقَةَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَيَأْخُذُ) أَيْ يَأْخُذُ الْقَاضِي (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ (كَفِيلًا) بِالنَّفَقَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ النَّفَقَةَ أَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ الصَّحِيحُ التَّحْلِيفُ وَالتَّكْفِيلُ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْطِي الْكَفِيلَ وَلَا يَحْلِفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْلِفُ وَلَا يُعْطِي الْكَفِيلَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا
احْتِيَاطًا
(فَلَوْ لَمْ يُقِرُّوا
стр. 494
بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِهَا) أَيْ الزَّوْجِيَّةِ (فَأَقَامَتْ) الزَّوْجَةُ (بَيِّنَةً) عَلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَالِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (لَا يَقْضِي) الْقَاضِي (بِهَا) أَيْ بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي الزَّوْجِيَّةِ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً لَا يَقْضِي بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ خَصْمًا فِي إثْبَاتِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فَعَلَى هَذَا اقْتِصَارُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ قُصُورٌ تَدَبَّرْ.
(وَكَذَا) لَا يَقْضِي (لَوْ لَمْ يُخْلِفْ) الْغَائِبُ (مَالًا فَأَقَامَتْ) الزَّوْجَةُ (الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لِيَفْرِضَ) الْقَاضِي (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (النَّفَقَةَ) عَلَى الْغَائِبِ (وَيَأْمُرَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْغَائِبِ (لَا يَسْمَعُ) الْقَاضِي (بَيِّنَتَهَا) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ (وَعِنْدَ زُفَرَ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ قَالَ مَشَايِخُنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَوْلُ زُفَرَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (يَسْمَعُهَا) أَيْ يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ (لِيَفْرِضَ النَّفَقَةَ) وَيَأْمُرَ بِالِاسْتِدَانَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ وَأَقَرَّ بِالزَّوْجِيَّةِ قَضَى الدَّيْنَ وَإِنْ أَنْكَرَهَا كَلَّفَهَا الْقَاضِي إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَعَادَتْ فَبِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ يَضْمَنُ الْكَفِيلُ أَوْ الْمَرْأَةُ (لَا) يَسْمَعُ (لِثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ (وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ الْيَوْمَ وَالْمُخْتَارُ) وَهَذِهِ مِنْ إحْدَى الْمَسَائِلِ السِّتِّ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا بِقَوْلِ زُفَرَ لِحَاجَةِ النَّاسِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَتَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى) وَكَذَا الْكِسْوَةُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ قَالُوا إنَّمَا مَا لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَطُولُ غَالِبًا فَتَسْتَغْنِي عَنْهَا حَتَّى لَوْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا يُفْرَضُ لَهَا (لِمُعْتَدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ) كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ (بَائِنًا) وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ لَهَا النَّفَقَةُ إلَّا إذَا شُرِطَ فِيهِ، وَلَهَا السُّكْنَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهَا دُونَ السُّكْنَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا نَفَقَةَ لِمَبْتُوتَةٍ لَوْ حَائِلًا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ وَكَذَا السُّكْنَى إلَّا فِي قَوْلٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ تَجِبُ لِمَوْتٍ إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَ) كَذَا تَجِبُ لِلْمَرْأَةِ (الْمُفَرَّقَةِ بِلَا مَعْصِيَةٍ) صَادِرَةٍ عَنْهَا (كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ وَالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ) وَلَوْ اقْتَصَرَ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بِدُونِ ذِكْرِ
стр. 495
التَّفْرِيقِ أَوْ بِالتَّفْرِيقِ بِدُونِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ تَدَبَّرْ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ أَوْ الْإِيلَاءِ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ الْجَبِّ فَلَهَا النَّفَقَةُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُضَافَةً إلَى الزَّوْجِ وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِخِيَارِ الْبُلُوغِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَأَبَى الزَّوْجُ فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بِالْإِبَاءِ وَهُوَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ وَأَبَتْ هِيَ حَيْثُ لَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا كُلُّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ انْتَهَى.
لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إذَا كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ فَأَسْلَمَ وَأَبَتْ هِيَ بَقِيَتْ الزَّوْجِيَّةُ عَلَى حَالِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَا مَجُوسِيَّيْنِ أَوْ الْمَرْأَةُ مَجُوسِيَّةً فَإِنَّ فِيهَا إذَا أَسْلَمَ، وَأَبَتْ هِيَ يَبْطُلُ النِّكَاحُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فَعَلَى هَذَا الصَّوَابُ أَنْ يُخَصَّصَ تَدَبَّرْ.
(لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى (لِمُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا إلَّا إذَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ (وَالْمُفَرَّقَةُ بِمَعْصِيَةٍ) صَادِرَةٍ مِنْهَا (كَالرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ) أَيْ تَقْبِيلِهَا ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ بِشَهْوَةٍ وَالزِّنَا بِهِ طَوْعًا لَا كُرْهًا فَإِنَّهُ تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ رِدَّتَهُ أَوْ تَقْبِيلَهُ ابْنَتَهَا وَغَيْرَهُمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ، وَإِلَى أَنْ لَا تَجِبَ لَهَا السُّكْنَى أَيْضًا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ صَرَّحَ بِوُجُوبِهَا لَهَا.
وَفِي الْفَتْحِ لَهَا السُّكْنَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْقَرَارَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ حَقٌّ عَلَيْهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمَعْصِيَتِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَعَلَى هَذَا أَنْ يَذْكُرَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَتَخْصِيصُ عَدَمِ وُجُوبِ السُّكْنَى لِمُعْتَدَّةِ الْمَوْتِ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ ارْتَدَّتْ مُطَلَّقَةُ الثَّلَاثِ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا) يَعْنِي لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا) ، وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، وَإِلَّا فَلَهَا النَّفَقَةُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَمَا وَقَعَ فِي الْمَتْنِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالثَّلَاثِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ اتِّفَاقِيٌّ (لَا) أَيْ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا (لَوْ مَكَّنَتْ) أَيْ مُعْتَدَّةُ الثَّلَاثِ وَكَذَا الْبَائِنُ وَأَمَّا فِي الرَّجْعِيِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ وَالْفُرْقَةُ حَصَلَتْ مِنْهُ (ابْنَهُ) أَيْ ابْنَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلتَّمْكِينِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
[فَصْلٌ نَفَقَةُ الطِّفْلِ الْفَقِيرِ]
فَصْلٌ (وَنَفَقَةُ الطِّفْلِ) الْحُرِّ (الْفَقِيرِ) وَكَذَا السُّكْنَى وَالْكِسْوَةُ تَجِبُ (عَلَى أَبِيهِ) بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا لَكِنْ عَلَى الْمُعْسِرَةِ تُفْرَضُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْمُوسِرِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَاجِزًا يَتَكَفَّفُ وَيُنْفِقُ وَقِيلَ
стр. 496
نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ اكْتَسَبَ، وَإِنْ امْتَنَعَ عَنْهُ حُبِسَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ وَإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ إلَّا فِي النَّفَقَةِ قُيِّدَ بِالطِّفْلِ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ لَا يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ إلَّا بِشُرُوطٍ كَمَا سَيَأْتِي وَقُيِّدَ بِالْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى الْغَنِيِّ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ أَنْفَقَ الْأَبُ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ عَلَى مَالِهِ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ الْمَمْلُوكَ نَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ (لَا يُشَارِكُهُ) أَيْ الْأَبَ (فِيهَا) أَيْ فِي النَّفَقَةِ (أَحَدٌ) مِنْ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَهِيَ عِبَارَةٌ فِي إيجَابِ نَفَقَةِ الْمَنْكُوحَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَبِ وَأَنَّ النَّسَبَ لَهُ (كَنَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ) يَعْنِي لَا يُشْرِكُ الْأَبَ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ أَحَدٌ كَمَا لَا يُشْرِكُ الْوَلَدَ إنْ كَانَ غَنِيًّا فِي نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ أَحَدٌ وَلَا يُشْرِكُ الزَّوْجَ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَلَوْ غَنِيَّةً أَحَدٌ (وَلَا تُجْبَرُ أُمُّهُ) أَيْ أُمُّ الطِّفْلِ (عَلَى إرْضَاعِهِ) قَضَاءً؛ لِأَنَّ مَا عَلَيْهَا تَسْلِيمُ النَّفْسِ لِلِاسْتِمْتَاعِ لَا غَيْرُ وَتُؤْمَرُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا دِيَانَةً (إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ) الْأُمُّ لِلْإِرْضَاعِ بِأَنْ لَا يَجِدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ كَانَ الْوَلَدُ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ فَحِينَئِذٍ تُجْبَرُ عَلَى الْإِرْضَاعِ صِيَانَةً عَنْ ضَيَاعِهِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِالدُّهْنِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَائِعَاتِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِهِ وَإِلَى الْأَوَّلِ مَالَ الْقُدُورِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ لِأَنَّ قَصْرَ الرَّضِيعِ الَّذِي لَمْ يَأْنَسْ الطَّعَامَ عَلَى الدُّهْنِ وَالشَّرَابِ سَبَبُ تَمْرِيضِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَيَسْتَأْجِرُ) الْأَبُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ (مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا) أَيْ عِنْدَ الْأُمِّ إذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ لَهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِرْضَاعُ عِنْدَ الْأُمِّ وَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ عَلَيْهَا إرْضَاعُهُ أَمَّا فِي مَنْزِلِ أُمِّهِ أَوْ فِنَائِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهَا ثُمَّ تَدْفَعُهُ إلَى أُمِّهِ إلَّا إذَا شَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُكْثُ عِنْدَهَا إلَّا إذَا شَرَطَ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا) أَيْ الْأُمَّ (وَ) الْحَالُ (هِيَ زَوْجَتُهُ) غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ (أَوْ مُعْتَدَّتُهُ مِنْ) طَلَاقٍ (رَجْعِيٍّ لِتُرْضِعَ وَلَدَهَا لَا يَجُوزُ) الِاسْتِئْجَارُ وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا دِيَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهُوَ أَمْرٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ آكَدُ وَاسْتِئْجَارُ الشَّخْصِ لِأَمْرٍ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ عَجْزِهَا فَعُذِرَتْ فَإِذَا أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ ظَهَرَ قُدْرَتُهَا فَلَا تُعْذَرُ.
стр. 497
(وَفِي) جَوَازِ اسْتِئْجَارِ (مُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ رِوَايَتَانِ) فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ وَصَحِيحٌ فِي الْجَوْهَرَةِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ (وَبَعْدَ الْعِدَّةِ يَجُوزُ) اسْتِئْجَارُهَا بِالِاتِّفَاقِ لِزَوَالِ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِإِرْضَاعِهِ جَازَ مِنْ مَالِهِ لَا يَجُوزُ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ نَفَقَةُ النِّكَاحِ وَالْإِرْضَاعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى تَعْلِيلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا دِيَانَةً لَا يَأْخُذُ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ الْإِرْضَاعِ لَا مِنْ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا عُلِّلَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا هُوَ اجْتِمَاعُ وَاجِبَيْنِ يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لَا مِنْ مَالِ الْأَبِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَهِيَ) أَيْ الْأُمُّ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (أَحَقُّ) وَأَوْلَى بِالِاسْتِئْجَارِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ إرْضَاعَهَا أَنْفَعُ لِلصَّغِيرِ (إنْ لَمْ تَطْلُبْ زِيَادَةً عَلَى الْغَيْرِ) فَإِنْ الْتَمَسَتْ زِيَادَةً لَمْ يُجْبَرْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَيْ بِإِلْزَامِهِ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ وَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ لَا تَسْقُطُ هَذِهِ الْأُجْرَةُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ وَلَيْسَتْ بِنَفَقَةٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْوَلَوْالِجيَّةِ لَا تَسْقُطُ هَذِهِ الْأُجْرَةُ بِمَوْتِهِ بَلْ لِتَكُونَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَظَاهِرُ الْمُتُونِ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ طَلَبَتْ الْأُجْرَةَ أَيْ أَجْرَ الْمِثْلِ وَالْأَجْنَبِيَّةُ مُتَبَرِّعَةٌ بِالْإِرْضَاعِ فَالْأُمُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأُمَّ أَحَقَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالَةِ طَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْلَى أَنْ تُرْضِعَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ أَوْ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ لَكِنْ هِيَ أَوْلَى بِالْإِرْضَاعِ أَمَّا فِي الْحَضَانَةِ فَالْأُمُّ أَوْلَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْمِنَحِ إنْ كَانَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ تُرْضِعُهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ أَوْ بِأَجْرٍ يَسِيرٍ وَالْأُمُّ تُرِيدُ الزِّيَادَةَ تُرْضِعُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ عِنْدَ الْأُمِّ وَلَا يُنْزَعُ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ لَهَا.
وَفِي الْبَحْرِ إذَا اسْتَأْجَرَ الْأُمَّ لِلْإِرْضَاعِ لَا يَكْفِي عَنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَكْفِيهِ اللَّبَنُ بَلْ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ خُصُوصِيًّا لِكِسْوَةٍ فَيُقَدِّرُ الْقَاضِي لَهُ نَفَقَةً غَيْرَ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَغَيْرَ أُجْرَةِ الْحَضَانَةِ فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ ثَلَاثَةٌ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ وَأُجْرَةُ الْحَضَانَةِ وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا هِيَ زَوْجَتَهُ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ) أَيْ الزَّوْجِ حَالَ كَوْنِهِ (مِنْ غَيْرِهَا صَحَّ) الِاسْتِئْجَارُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا إرْضَاعُهُ دِيَانَةً.
[نَفَقَةُ الْبِنْتِ بَالِغَةً أَوْ صَغِيرَةً]
(وَنَفَقَةُ الْبِنْتِ بَالِغَةً) أَوْ صَغِيرَةً وَلَمْ يَذْكُرْهَا لِإِغْنَاءِ الطِّفْلِ (وَالِابْنِ) الْبَالِغِ (زَمِنًا) بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ زَمَانًا كَمَا فِي الْمُغْرِبِ أَوْ الَّذِي لَا يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ كَمَا فِي الْمَذْهَبِ وَكَذَا أَعْمَى وَأَشَلُّ وَغَيْرُهُمَا فَقِيرٌ تَجِبُ (عَلَى الْأَبِ خَاصَّةً وَبِهِ يُفْتَى) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الْحَسَنُ وَالْخَصَّافُ بِرِوَايَةٍ عَنْهُ (عَلَى الْأَبِ ثُلُثَاهَا وَعَلَى الْأُمِّ ثُلُثَاهَا) اعْتِبَارًا بِالْإِرْثِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ حَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى
стр. 498
الْأَبِ وَحْدَهُ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأَبَ اجْتَمَعَتْ فِيهِ لِلصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَاخْتَصَّ بِنَفَقَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فِيهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ أَبُ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ (وَعَلَى الْمُوسِرِ) عَطْفٌ عَلَى الْأَبِ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا كَانَ عَاجِزًا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْعَاجِزِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَقْدِ وَلَا تَسْقُطُ بِالْفَقْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْيَسَارِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ بِأَنْ يَمْلِكَ مَا فَضَلَ مِنْ حَاجَتِهِ مِمَّا يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا فَقَالَ (يَسَارًا يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ يَسَارُ الزَّكَاةِ وَبِهِ يُفْتَى وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَسَارُ الْفَاضِلِ عَنْ نَفَقَةِ شَهْرٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَاكْتَسَبَ لِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا وَكَفَاهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ يُنْفِقُ الْفَضْلَ.
وَفِي التُّحْفَةِ يُعْتَبَرُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ كَسُوبًا وَهُوَ أَرْفَقُ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كَسْبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُؤْمَرُ دِيَانَةً أَنْ لَا يُضَيِّعَ وَلَدَهُ (نَفَقَةُ أُصُولِهِ) أَيْ تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ أَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الِابْنَ يَعِيشُ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكُهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا وَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلِأَنَّهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَكِنْ فِيهِ اسْتِدْرَاكٌ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ كَنَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَلَوْ اقْتَصَرَ بِهَذَا لَكَانَ أَخْصَرَ، تَدَبَّرْ (الْفُقَرَاءِ) سَوَاءٌ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ لَا قِيلَ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الِابْنُ الْكَاسِبُ لَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبِ الْكَاسِبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَيْرِ.
وَفِي الْفَتْحِ لَا يُجْبَرُ الْمُوسِرُ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ مِنْ قَرَابَتِهِ إذَا كَانَ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ إلَّا فِي الْوَالِدِ خَاصَّةً أَوْ فِي الْجَدِّ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ السَّرَخْسِيِّ وَيُوَافِقُ إطْلَاقَ الْمَتْنِ.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ ادَّعَى الْوَلَدُ غِنَى الْأَبِ وَأَنْكَرَهُ الْأَبُ فَالْقَوْلُ لِلْأَبِ وَالْبَيِّنَةُ لِلِابْنِ (بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ) وَلَوْ أَحَدُهُمَا فَائِقَ الْيَسَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْوِلَادِ وَهُوَ يَشْمَلُهُمَا بِالسَّوِيَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْوِلَادِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عُلِّقَ فِيهِ بِالْإِرْثِ وَقِيلَ يَجِبُ بِقَدْرِ الْإِرْثِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا هَذَا إذَا تَفَاوَتَا فِي الْيَسَارِ تَفَاوُتًا يَسِيرًا أَمَّا إذَا كَانَ فَاحِشًا فَيُفْرَضُ بِقَدْرِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَيُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ فِي نَفَقَةِ الْأُصُولِ يَعْنِي فِي وُجُوبِهَا (الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ) أَيْ: النَّفَقَةُ عَلَى الْقُرْبِ إنْ اسْتَوَيَا فِي الْجُزْئِيَّةِ وَعَلَى الْجُزْءِ إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ (لَا) يُعْتَبَرُ
стр. 499
(الْإِرْثُ) كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (فَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ فَنَفَقَتُهُ) كُلُّهَا (عَلَى الْبِنْتِ) ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ (مَعَ أَنَّ إرْثَهُ لَهُمَا) نِصْفَانِ وَمَعَ أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْجُزْئِيَّةِ.
(وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتُ بِنْتٍ وَأَخٌ فَنَفَقَتُهُ) كُلُّهَا (عَلَى بِنْتِ الْبِنْتِ) ؛ لِأَنَّهَا جُزْءُ جُزْئِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ (مَعَ أَنَّ كُلَّ إرْثِهِ لِلْأَخِ) ؛ لِأَنَّهَا مَحْجُوبَةٌ حَجْبَ حِرْمَانٍ عَنْ الْإِرْثِ بِالْأَخِ وَلَوْ قَالَ وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدُ بِنْتٍ لَكَانَ أَشْمَلَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ تَدَبَّرْ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُوسِرِ (نَفَقَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) وَهُوَ مَنْ لَا يَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ مِثْلُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَأَوْلَادِهِمَا وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَلَا نَفَقَةَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِثْلِ أَوْلَادِهِمْ وَلَا نَفَقَةَ لِمَحْرَمٍ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَزَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْأَصْهَارِ وَآبَاءِ الْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأَوْلَادِهِمْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَحْرَمِيَّةُ بِجِهَةِ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَرِيبًا مَحْرَمًا لَا مِنْ جِهَتِهَا كَابْنِ عَمٍّ إذَا كَانَ أَخًا مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ مَحْرَمًا أَوْ لَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِ الْوَلَدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الصِّلَةِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادِ وَلَنَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ وَقِرَاءَتُهُ مَشْهُورَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ فَيُقَيَّدُ بِهِ مُطْلَقُ النَّصِّ (إنْ كَانَ) ذُو الرَّحِمِ (فَقِيرًا صَغِيرًا) مُطْلَقًا (أَوْ أُنْثَى) بَالِغَةً فَقِيرَةً أَوْ فَقِيرًا ذَكَرًا بَالِغًا مَجْنُونًا (أَوْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى أَوْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ لِخُرْقِهِ) الْخُرْقُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْحُمْقُ (أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْبُيُوتَاتِ) كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا أَيْ لِكَوْنِهِ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالْكَسْبِ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (طَالِبَ عِلْمٍ) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَهَذَا إذَا كَانَ بِهِ رُشْدٌ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ أَنَا أُفْتِي بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فَإِنَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ حَسَنُ السِّيرَةِ مُشْتَغِلًا بِالْعِلْمِ الدِّينِيِّ
стр. 500
وَأَكْثَرُهُمْ فُسَّاقٌ شَرُّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ خَيْرِهِمْ يَحْضُرُونَ الدَّرْسَ سَاعَةً لِخِلَافِيَّاتٍ رَكِيكَةٍ ضَرَرُهَا فِي الدِّينِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهَا ثُمَّ يَشْتَغِلُونَ طُولَ النَّهَارِ بِالسُّخْرِيَةِ وَالْغِيبَةِ وَالْوُقُوعِ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ أَصْلَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِجَاهِ نَبِيِّهِ وَلَوْ عَلِمَ السَّلَفُ حَالَهُمْ لَحَرَّمُوا الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ فَضْلًا أَنْ يَفْرِضُوا نَفَقَاتِهِمْ ثُمَّ قَالَ قُلْت لَكِنْ نَرَى طَلَبَةَ الْعِلْمِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ مُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ وَالْأَدَبِ اللَّذَيْنِ هُمَا قَوَاعِدُ الدِّينِ وَأُصُولُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ يَمْنَعُهُمْ عَنْ التَّحْصِيلِ وَيُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْعِلْمِ وَالتَّعْطِيلِ فَكَانَ الْمُخْتَارُ الْآنَ قَوْلَ السَّلَفِ (وَيُجْبَرُ) أَيْ الْمُوسِرُ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى النَّفَقَةِ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ (وَتُقَدَّرُ) النَّفَقَةُ (بِقَدْرِ الْإِرْثِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَجَعَلَ الْعِلَّةَ هِيَ الْإِرْثُ فَيُقَدَّرُ الْوُجُوبُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ (حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلصَّغِيرِ مَثَلًا (أَخَوَاتٌ مُتَفَرِّقَاتٌ) مُوسِرَاتٌ (فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِنَّ أَخْمَاسًا كَمَا يَرِثْنَ مِنْهُ) أَخْمَاسًا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخُمُسُهَا عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ وَخُمُسُهَا عَلَى الْأُخْتِ لِأُمٍّ فَرْضًا وَرَدًّا (وَيُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ فِي نَفَقَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ (أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ) بِأَنْ يَكُونَ وَارِثًا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا بِغَيْرِهِ (لَا حَقِيقَتُهُ) بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِزًا لِلْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَفُرِّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَنَفَقَةُ مَنْ) أَيْ فَقِيرٍ (لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ) مُوسِرَانِ (عَلَى خَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ وَيُحْرِزُ مِيرَاثَهُ ابْنُ عَمِّهِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ ثَابِتٌ لِلْخَالِ فَإِنَّ ابْنَ الْعَمِّ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْخَالِ يُحْرِزُ مِيرَاثَهُ الْخَالُ وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَأَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ يُرَجَّحُ مَنْ كَانَ وَارِثًا فِي الْحَالِ فَلَوْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَخَالٌ أَوْ عَمٌّ وَعَمَّةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَمِّ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَيُرَجَّحُ الْعَمُّ بِكَوْنِهِ وَارِثًا فِي الْحَالِ (وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ) .
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إنْ احْتَاجَ الْأَبُ إلَى زَوْجَةٍ وَالِابْنُ مُوسِرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً وَيَلْزَمَهُ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ لَمْ تَلْزَمْ الِابْنَ إلَّا نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ يُوَزِّعُهُ الْأَبُ عَلَيْهِنَّ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ وُجُوبِ نَفَقَةِ امْرَأَةِ الْأَبِ أَوْ جَارِيَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ عِلَّةٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إنْ كَانَ) الِابْنُ (صَغِيرًا) فَقِيرًا (أَوْ) كَانَ كَبِيرًا فَقِيرًا (زَمِنًا) بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ
стр. 501
عَلَى الْكَسْبِ (وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْغَيْرِ عَلَى فَقِيرٍ إلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ) الصَّغِيرِ الْفَقِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ إذْ الْمَقَاصِدُ لَا تَنْتَظِمُ دُونَهَا وَلَا يَعْمَلُ فِي مِثْلِهَا الْإِعْسَارُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَلَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ (مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاسْمِ الْوَارِثِ وَاخْتِلَافُ الدِّينِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ فَلَا تَجِبُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ نَفَقَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلَا عَلَى عَكْسِهِ (إلَّا لِلزَّوْجَةِ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لَهَا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ لِاحْتِبَاسِهَا بِحَقٍّ لَهُ مَقْصُودٍ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاتِّحَادِ الْمِلَّةِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ (وَقَرَابَةِ الْوِلَادِ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ) يَعْنِي الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ وَجُزْءُ الْجُزْءِ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ حُكْمًا فَكَمَا لَا تُمْنَعُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ لَا تُمْنَعُ نَفَقَةُ جُزْئِهِ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا حَرْبِيِّينَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ؛ لِأَنَّا نُهِينَا عَنْ الْمَبَرَّةِ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قُيِّدَ بِالذِّمِّيِّ كَمَا قَيَّدَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُسْلِمُ عَلَى إنْفَاقِ أَبَوَيْهِ الْحَرْبِيَّيْنِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْحَرْبِيُّ عَلَى إنْفَاقِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ تَدَبَّرْ.
(وَ) يَجُوزُ (لِلْأَبِ بَيْعُ عَرَضِ ابْنِهِ) الْكَبِيرِ الْغَائِبِ عَنْ بَلَدِهِ أَوْ الْمُخْتَفِي فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَكَانَهُ (لِنَفَقَتِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ اسْتِحْسَانًا
стр. 502
لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْحِفْظِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الْغَائِبِ إذْ لِلْوَصِيِّ ذَلِكَ فَالْأَبُ أَوْلَى لِتَوَفُّرِ شَفَقَتِهِ وَبَيْعُ الْمَنْقُولِ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ فَإِذَا جَازَ بَيْعُهُ فَالثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَقَةُ فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ الْأَقَارِبِ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ أَصْلًا فِي التَّصَرُّفِ حَالَ الصِّغَرِ وَلَا فِي الْحِفْظِ بَعْدَ الْكِبَرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ عَنْ الْكُلِّ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّغِيرِ لَهُ بَيْعُ عَقَارِهِ أَيْضًا وَقَيَّدْنَا بِالْغَائِبِ إذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَيْسَ لَهُ بَيْعُ عَرَضِهِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَيِّدَ بِهِمَا وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ النَّفَقَةَ فَقَالَ لِلنَّفَقَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَمَا يَبِيعُ لِنَفَقَتِهِ يَبِيعُ لِنَفَقَةِ أُمِّ الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ لَا تَمْلِكُ الْبَيْعَ تَدَبَّرْ (لَا) يَجُوزُ لِلْأَبِ (بَيْعُ عَقَارِهِ) إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ مُحَصَّنَةٌ بِنَفْسِهَا (وَلَا) لِلْأَبِ (بَيْعُ الْعَرَضِ) أَيْ عَرَضِ ابْنِهِ (لِدَيْنٍ لَهُ) أَيْ لِلْأَبِ (عَلَى الِابْنِ سِوَاهَا) أَيْ سِوَى النَّفَقَةِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تُشْبِهُ سَائِرَ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ إذَا كَانَ الْبَيْعُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَلَهُ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ لِأَجْلِ دَيْنٍ آخَرَ تَدَبَّرْ (وَلَا) يَجُوزُ (لِلْأُمِّ بَيْعُ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الِابْنِ وَلَوْ عَرَضًا (لِنَفَقَتِهَا) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَقْضِيَةِ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْأَبَوَيْنِ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَبِيعُ لَكِنْ لِنَفَقَتِهِمَا أَضَافَ الْبَيْعَ إلَيْهِمَا (وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ) ذَلِكَ كُلُّهُ (لِلْأَبِ أَيْضًا) وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ بِالْبُلُوغِ انْقَضَتْ وِلَايَتُهُ عَنْهُ وَعَنْ مَالِهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ فِي حَضْرَتِهِ وَصَارَ كَالْأُمِّ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ (لَوْ أَنْفَقَا مِنْ مَالِ الِابْنِ عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوْفَيَا حَقَّهُمَا؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ وَقَدْ أَخَذَ جِنْسَ حَقِّهِمَا وَحُكْمُ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ كَالْأَبَوَيْنِ إذَا أَنْفَقَا مَا عِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ الْعَاجِزِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ وَلِذَا يَفْرِضُ الْقَاضِي فِي مَالِ الْغَائِبِ نَفَقَةَ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الِابْنِ ثُمَّ خَاصَمَهُ الِابْنُ فَقَالَ أَنْفَقْته وَأَنْتَ مُوسِرٌ وَقَالَ الْأَبُ أَنْفَقْته وَأَنَا مُعْسِرٌ قَالَ يُنْظَرُ إلَى حَالِ الْأَبِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا فِي نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الِابْنِ.
(وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَدْيُونَ الْغَائِبِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجِيِّ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَلَوْ
стр. 503
أَنْفَقَ الْأَجْنَبِيُّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ ابْنٍ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (مَالَ الِابْنِ) الَّذِي أَوْدَعَهُ إيَّاهُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ بِلَا أَمْرٍ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ عُمِّمَ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (بِغَيْرِ أَمْرِ قَاضٍ ضَمِنَ) لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِلَا إنَابَةٍ وَوِلَايَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مُلْزَمٌ وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَقَضَاؤُهُ إعَانَةٌ لَهُمْ فَحَسْبُ.
وَفِي النَّوَادِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَكَان يُمْكِنُ اسْتِطْلَاعُ رَأْيِ الْقَاضِي لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا وَقَدْ قَالُوا فِي رَجُلَيْنِ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَنْفَقَ رَفِيقُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَاتَ فَجَهَّزَهُ صَاحِبُهُ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُودَعُ الْمُنْفِقُ إذَا ضَمِنَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَكَذَا عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعُ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَا يَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْقَابِضِ لَكَانَ أَشْمَلَ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ قَضَى) الْقَاضِي (بِنَفَقَةِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ) مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْقَرَائِبِ (وَمَضَتْ مُدَّةٌ بِلَا إنْفَاقٍ سَقَطَتْ) النَّفَقَةُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ لِكِفَايَةِ الْحَاجَةِ فَتَسْقُطُ لِحُصُولِهَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الِاحْتِبَاسِ لَا بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ.
وَفِي الْحَاوِي نَفَقَةُ الصَّغِيرِ تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُدَّةِ فَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ نَفَقَةَ مَا دُونَ الشَّهْرِ لَا تَسْقُطُ فَبِهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُ مَا ذُكِرَ فِي زَكَاةِ الْجَامِعِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَحَارِمِ تَصِيرُ دَيْنًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ تَدَبَّرْ وَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ وَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عَلَى الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَمَرَ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ إذْنَ الْقَاضِي كَإِذْنِ الْغَائِبِ فَتَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ: وَقَدْ أَخَلَّ بِقَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِدَانَةُ وَالْإِنْفَاقُ مِمَّا اسْتَدَانَهُ كَمَا قُيِّدَ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَلَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هُنَا فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ: إذَا أَذِنَ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ وَلَمْ يَسْتَدِنْ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ مَعْنَى الْكَلَامِ أَذِنَ الْقَاضِي فِي الِاسْتِدَانَةِ وَاسْتَدَانَ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَلَوْ أَنْفَقَ بَعْدَ الْإِذْنِ بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ مَالِهِ أَوْ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَسْتَدِينَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَيُنْفِقَ مِنْهَا لَكَانَ أَوْلَى.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَسْقُطُ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ خِلَافُهُ تَتَبَّعْ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى الْمَوْلَى نَفَقَةُ رَقِيقِهِ) وَهِيَ الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ
стр. 504
إذَا كَانَ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَا مُكَاتَبًا لِالْتِحَاقِهِ بِالْإِحْرَارِ وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ، فَإِنْ مَرِضَ فِي يَدِ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ إنْ كَانَ مَرَضًا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الْخِدْمَةِ وَإِنْ كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ تَطَاوَلَ الْمَرَضُ وَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ فَبَاعَهُ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي الْخِدْمَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْخِدْمَةَ فَنَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْخِدْمَةَ ثُمَّ عَلَى الْمَخْدُومِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَصَارَ كَالْمُسْتَعِيرِ وَكَذَا النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُودَعِ وَأَمَّا عَبْدُ الْعَارِيَّةِ فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَأَمَّا كِسْوَتُهُ فَعَلَى الْمُعِيرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَفِي التَّنْوِيرِ: نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَإِنْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي الْأَمْرَ بِالنَّفَقَةِ أَوْ الْبَيْعِ لَا يُجِيبُهُ وَإِنْ خَافَ الْقَاضِي عَلَى الْعَبْدِ الضَّيَاعَ بَاعَهُ الْقَاضِي لَا الْغَاصِبُ وَيَرُدُّ ثَمَنَهُ لِمَالِكِهِ
طَلَبَ الْمُودَعُ مِنْ الْقَاضِي الْأَمْرَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى عَبْدِ الْوَدِيعَةِ لَا يُجِيبُهُ بَلْ يُؤَجِّرُهُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعُهُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: وَنَفَقَةُ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الْمِنَحِ: وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْبَائِعِ لَا رَقَبَةً وَلَا مَنْفَعَةً فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَتَكُونُ تَابِعَةً لِلْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ (فَإِنْ أَبَى) الْمَوْلَى عَنْ الْإِنْفَاقِ (اكْتَسَبُوا) أَيْ اكْتَسَبَ الْأَرِقَّاءُ الدَّالُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرَّقِيقِ (وَأَنْفَقُوا) عَلَيْهِمْ نَظَرًا لَهُمْ بِبَقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلِسَيِّدِهِمْ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كَسْبٌ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ أَوْ جَارِيَةٍ لَا يُؤَجَّرُ مِثْلُهَا (أُجْبِرَ) الْمَوْلَى (عَلَى بَيْعِهِمْ) إنْ مَحَلًّا لَهُ أَيْ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الْبَيْعِ إيفَاءُ حَقِّهِمْ وَإِبْقَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْخَلَفِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا إنْ مَحَلًّا لَهُ لِإِخْرَاجِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ لَا غَيْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُمَا فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَوْلَى.
وَفِي التَّنْوِيرِ: عَبْدٌ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ أَكَلَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ بِلَا رِضَاهُ إنْ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَإِلَّا لَا (وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ الْحَيَوَانِ) الْمَمْلُوكِ (يُؤْمَرُ) صَاحِبُهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ (دِيَانَةً) لَا قَضَاءً عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ قَضَاءً حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ بَعْدَهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي، وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَبَى أَحَدُهُمَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَطَلَبَ الْآخَرُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْآبِي إمَّا أَنْ تَبِيعَ نَصِيبَك مِنْهَا أَوْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا.
وَفِي الْمُحِيطِ: يُجْبَرُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالْعَقَارِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَفْسُدَ لِلنَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ.
[كِتَابُ الْإِعْتَاقِ]
ِ ذَكَرَهُ عَقِيبَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إسْقَاطُ الْحَقِّ وَقَدَّمَ الطَّلَاقَ لِمُنَاسَبَةِ النِّكَاحِ
стр. 505
ثُمَّ الْإِسْقَاطَاتُ أَنْوَاعٌ تَخْتَلِفُ أَسْمَاؤُهَا بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا فَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الرِّقِّ عِتْقٌ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْبُضْعِ طَلَاقٌ وَإِسْقَاطُ مَا فِي الذِّمَّةِ بَرَاءَةٌ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْجِرَاحَاتِ عَفْوٌ كَمَا فِي الْأَقْطَعِ (هُوَ) أَيْ الْإِعْتَاقُ لُغَةً: الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمِلْكِ يُقَالُ أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ وَيُقَالُ مِنْ بَابِ فَعَلَ بِالْفَتْحِ يَفْعِلُ بِالْكَسْرِ عَتَقَ الْعَبْدُ عَتَاقًا، وَالْعِتْقُ الْخُرُوجُ عَنْ الْمِلْكِ فَالْعِتْقُ اللُّغَوِيُّ حِينَئِذٍ هُوَ الْعِتْقُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ: الْإِعْتَاقُ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ مُطْلَقًا وَشَرْعًا إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ) لَكِنَّ الْأَوْلَى مَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَقُولُوا عَتَقَ الْعَبْدُ إذَا قَوِيَ وَإِنَّمَا قَالُوا عَتَقَ الْعَبْدُ إذَا خَرَجَ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْقُوَّةَ فِي عِتْقِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ إثْبَاتَ الْقُوَّةِ مُمْكِنٌ لَكِنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا لَا عَلَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْفِعْلِ الْمُفْضِي إلَى حُصُولِ الْعِتْقِ فَلِهَذَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا، وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ ذَكَرَ فِي بَابِ عِتْقِ الْبَعْضِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَفَصَّلَ كُلَّ التَّفْصِيلِ تَتَبَّعْ، ثُمَّ الْعِتْقُ أَرْبَعَةٌ وَاجِبٌ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَمَنْدُوبٌ إذَا أَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» ، وَمُبَاحٌ إذَا أَعْتَقَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ لِفُلَانٍ، وَمَعْصِيَةٌ إذَا أَعْتَقَهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ (إنَّمَا يَصِحُّ) الْإِعْتَاقُ (مِنْ مَالِكٍ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ إعْتَاقُ عَبْدِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ شَرْطٌ لِلنَّفَاذِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا إلَّا فِي الصِّحَّةِ تَأَمَّلْ (حُرٍّ) ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مُلِكَ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ مَأْذُونًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ حُرٍّ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ إعْتَاقِ غَيْرِ الْحُرِّ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالِكٍ تَدَبَّرْ (مُكَلَّفٍ) أَيْ عَاقِلٍ بَالِغٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَنَائِمٍ وَمُبَرْسَمٍ وَمَدْهُوشٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَهْلٍ لَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ أَنَا نَائِمٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُهُ وَأَنَا مَجْنُونٌ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ جُنُونُهُ، أَوْ قَالَ وَأَنَا حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى زَمَانٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِعْتَاقُ (بِصَرِيحِهِ) أَيْ بِصَرِيحِ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ بِأَنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ وَضْعًا وَشَرْعًا.
(وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) سَوَاءٌ ذُكِرَ بِصِيغَةِ الْوَصْفِ أَوْ الْخَبَرِ أَوْ النِّدَاءِ (كَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ خَبَرَ
стр. 506
الْمُبْتَدَأِ فَلَوْ ذَكَرَ الْخَبَرَ فَقَطْ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ حُرٌّ فَقِيلَ لَهُ، مَنْ عَنَيْت فَقَالَ عَبْدِي عَتَقَ عَبْدُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (أَوْ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِعْتَاقِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ وَلَوْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ الْعَمَلِ صُدِّقَ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَكَذَا لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لَوْ قَالَ مَا أَرَدْت بِهِ الْعِتْقَ أَوْ لَا عِلْمَ لِي بِمَعْنَاهُ وَلَوْ قَالَ أَرَدْت بِهِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مِنْ السَّبْيِ يَدِينُ وَإِنْ كَانَ مُوَلَّدًا لَا يَدِينُ (أَوْ هَذَا مَوْلَايَ) ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِوِلَايَةِ الْعَتَاقَةِ السُّفْلَى فَيُعْتَقُ عَنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَكُونُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَوَالِي فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا بِمَعْنَى النَّاصِرِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ وَلَا بِمَعْنَى ابْنِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَبْدِ الْمَعْرُوفِ النَّسَبِ وَلَا بِمَعْنَى الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهُ إلَيْهِ تُنَافِي ذَلِكَ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (أَوْ يَا مَوْلَايَ) لَيْسَ مِنْ الصَّرِيحِ بَلْ مُلْحَقٌ بِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ زُفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: لَا يُعْتَقُ بِقَوْلِهِ يَا مَوْلَايَ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْإِكْرَامُ عَادَةً لَا التَّحْقِيقُ (أَوْ) قَالَ لِأَمَتِهِ (هَذِهِ مَوْلَايَ) أَوْ يَا مَوْلَاتِي وَقُيِّدَ بِالْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ فِي قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي وَيَا مَالِكِي إلَّا بِالنِّيَّةِ (أَوْ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ) ؛ لِأَنَّ نِدَاءَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ وَإِثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ مُمْكِنٌ فَيَثْبُتُ تَصْدِيقًا لَهُ (إنْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ) فَلَوْ سَمَّاهُ حُرًّا ثُمَّ نَادَاهُ بِيَا حُرُّ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمٍ عَلِمَهُ لَا إثْبَاتُ هَذَا الْوَصْفِ؛ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ لَا يُرَاعَى فِيهَا الْمَعَانِي حَتَّى لَوْ سَمَّاهُ حُرًّا ثُمَّ نَادَاهُ " بِيَا آزاد " بِالْفَارِسِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ عَتَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا نَادَاهُ بِاسْمٍ عَلِمَهُ إذْ الْإِعْلَامُ لَا يَتَغَيَّرُ فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ وَفِي الْجَوَامِعِ: قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ يَا حُرُّ اسْتَغْنَى ثُمَّ اشْتَرَاهُ يُعْتَقُ، قِيلَ هَذَا نَقْضٌ لِلْقَاعِدَةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ حَالَ النِّدَاءِ بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ وَأَجَازَ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يُعْتَقُ كَذَا قِيلَ، لَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَاصِلٌ بِإِجَازَةِ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ هَذَا بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ فَلَمَّا مَلَكَهُ عَتَقَ بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ فَلَا يَلْزَمُ الْعِتْقُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ تَتَبَّعْ.
(وَكَذَا) يَصِحُّ الْإِعْتَاقُ (لَوْ أَضَافَ الْحُرِّيَّةَ إلَى مَا) أَيْ عُضْوٍ (وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ) جَمِيعِ (الْبَدَنِ) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَهُ إلَى عُضْوٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يُعْتَقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت سِنَّك أَوْ ظُفْرَك أَوْ شَعْرَك لَا يُعْتَقُ بِالِاتِّفَاقِ (كَرَأْسِك حُرٌّ وَنَحْوُهُ) كَأَنْ يَقُولَ وَجْهُك حُرٌّ أَوْ رَقَبَتُك أَوْ بَدَنُك (وَكَقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ فَرْجُك حُرٌّ) وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا فَرْجُك حُرٌّ عَنْ الْجِمَاعِ عَتَقَتْ.
وَفِي الْمُجْتَبَى: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ فَرْجُك حُرٌّ عَتَقَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ: وَفِي الِاسْتِ وَالدُّبُرِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ ذَكَرُك حُرٌّ يُعْتَقُ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 507
خِلَافُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَوْ قَالَ لِسَانُك حُرٌّ يُعْتَقُ وَفِي الدَّمِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْبَحْرِ: لَوْ قَالَ بَدَنُك بَدَنُ حُرٍّ عَتَقَ وَكَذَا الْفَرْجُ وَالرَّأْسُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ بِالْإِضَافَةِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ وَأَنَّ بِالتَّنْوِينِ عَتَقَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ وَلَيْسَ بِتَشْبِيهٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ رَأْسُك حُرٌّ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرَّةٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ حُرٌّ يُعْتَقُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ الشَّيْخَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الْعِتْقُ عَتَقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُزْءَ الشَّائِعَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ اتِّفَاقًا فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَيَتَجَزَّأُ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِذَا قَالَ نِصْفُك حُرٌّ أَوْ ثُلُثُك حُرٌّ يُعْتَقُ ذَلِكَ الْقَدْرُ خَاصَّةً عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ تَسْوِيَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ سَهْوٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَمِمَّا أُلْحِقَ بِالصَّرِيحِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَنْ يَقُولَ وَهَبْت لَك نَفْسَك أَوْ وَهَبْت نَفْسَك مِنْك أَوْ بِعْت نَفْسَك مِنْك يُعْتَقُ سَوَاءٌ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَزَادَ فِي الْخَانِيَّةِ تَصَدَّقْت بِنَفْسِك عَلَيْك وَأَمَّا لَوْ قَالَ بِعْتُك نَفْسَك بِكَذَا فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ.
(وَ) كَذَا يَصِحُّ الْإِعْتَاقُ (بِكِنَايَتِهِ) مِنْ الْأَلْفَاظِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِصَرِيحِهِ (إنْ نَوَى) الْعِتْقَ بِهَا لِلِاشْتِبَاهِ وَالِاحْتِمَالِ (كَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْك أَوْ لَا سَبِيلَ) لِي عَلَيْك أَوْ إلَيْك (أَوْ لَا رِقَّ) لِي عَلَيْك (أَوْ خَرَجْت مِنْ مِلْكِي أَوْ خَلَّيْت سَبِيلَك) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْمِلْكِ وَنَفْيَ السَّبِيلِ وَتَخْلِيَةُ السَّبِيلِ بِالْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُ الْعِتْقَ، وَإِذَا نَوَاهُ تَعَيَّنَ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت مِنْ بِلَادِ اللَّهِ لَا يُعْتَقُ وَإِذَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ زَوَالَ الْيَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعِتْقِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَطْلَقْتُك) أَيْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ تُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى خَلَّيْت سَبِيلَك.
(وَلَوْ قَالَ) لِأَمَتِهِ (طَلَّقْتُك لَا تُعْتَقُ وَإِنْ نَوَى) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُعْتَقُ بِصَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ
стр. 508
وَكِنَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ هُوَ إزَالَةُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَالطَّلَاقُ إزَالَةُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مَجَازًا وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ إسْقَاطُهُ أَقْوَى وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا هُوَ دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا فَوْقَهُ فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَاتَّسَعَ فِي عَكْسِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ: فَلَوْ قَالَ فَرْجُك عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُرِيدُ الْعِتْقَ لَمْ تُعْتَقْ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ صَالِحٍ لَهُ فَهُوَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا قُومِي وَاقْعُدِي نَاوِيًا لِلْعِتْقِ (وَكَذَا) أَيْ كَطَلَّقْتُكِ فِي الْحُكْمِ (سَائِرُ أَلْفَاظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ) حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَنَوَى الْعِتْقَ لَا تُعْتَقُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا فِي النَّهْرِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ: أَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ إنَّ هَذَا مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ لَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي عَدَمِ الْعِتْقِ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ تَأَمَّلْ.
وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك وَأَرَادَ الْعِتْقَ فَأَعْتَقَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ عَتَقَتْ وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ قَالَ أَمْرُ عِتْقِك بِيَدِك أَوْ جَعَلْت عِتْقَك فِي يَدِك أَوْ قَالَ لَهُ اخْتَرْ الْعِتْقَ أَوْ خَيَّرْتُك فِي عِتْقِك أَوْ فِي الْعِتْقِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ الْعِتْقَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ: وَفِي الْعِبَارَةِ نَوْعُ تَسَامُحٍ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ أَطْلَقْتُك وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ إنْ نَوَى، وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى انْتَهَى لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِمَا وَالْمَمْنُوعُ اسْتِعَارَةُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ خَاصَّةً صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً تَدَبَّرْ
(وَلَوْ قَالَ أَنْتَ لِلَّهِ) أَوْ إنَّك لِلَّهِ (لَا يُعْتَقُ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ إذْ كُلُّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عِنْدَهُمَا إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ خَالِصٌ لِلَّهِ وَذَا بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَصَارَ كَقَوْلِهِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك.
(وَلَوْ قَالَ) لِلْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ سِنًّا (هَذَا ابْنِي أَوْ أَبِي عَتَقَ بِلَا نِيَّةٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَكَذَا) أَيْ يُعْتَقُ بِلَا نِيَّةٍ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ (هَذِهِ أُمِّي) ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إنْ كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَجَازًا عَنْ الْحُرِّيَّةِ وَيُعْتَقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مُتَعَيَّنٌ وَلَوْ كَانَ كِنَايَةً لَاحْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (لَا يُعْتَقُ إنْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ أَوْ أَبًا لَهُ أَوْ أُمًّا) ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ
стр. 509
لَغْوٌ لِاسْتِحَالَةِ مُوجِبِهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ، بِخِلَافِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَمَنْ يُولَدُ لَهُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمِلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِالْوَطْءِ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ اشْتَهَرَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَهُ أَنَّهُ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ إمَّا إجْمَاعًا صِلَةً لِلْقَرَابَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ شَائِعٌ مَجَازًا وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمُشَابَهَةُ فِي وَصْفٍ مُلَازِمٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْإِلْغَاءِ بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْمَجَازِ فَتَعَيَّنَ الْإِلْغَاءُ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يُبْتَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفَ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ عِنْدَهُ وَخَلَفَ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَهُمَا وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ الْأُصُولِ وَالْمُطَوَّلَاتِ.
(وَلَوْ قَالَ لِصَغِيرٍ هَذَا جَدِّي لَا يُعْتَقُ فِي الْمُخْتَارِ) وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ.
(وَكَذَا لَوْ قَالَ هَذَا أَخِي) أَيْ لَا يُعْتَقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذْ الْوَاسِطَةُ لَمْ تُذْكَرْ فَلَا مَجَازَ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْأَخُ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي كَلَامِهِ فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا، فَلَوْ قَالَ هَذَا جَدِّي أَبُو أَبِي أَوْ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ أُمِّي يُعْتَقُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ هَذَا عَمِّي أَوْ خَالِي يُعْتَقُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَذِهِ عَمَّتِي أَوْ خَالَتِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْإِخْوَةَ يَحْتَمِلُ الْإِكْرَامَ وَالنَّسَبَ بِخِلَافِ الْعَمِّ وَالْخَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَمِلُ لِلْإِكْرَامِ عَادَةً (أَوْ) قَالَ (لِعَبْدِهِ هَذَا بِنْتِي) أَوْ لِأَمَتِهِ هَذَا ابْنِي قِيلَ يُعْتَقُ وَقِيلَ لَا يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى (وَلَا يُعْتَقُ بِلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَإِنْ نَوَى) فَإِنَّ السُّلْطَانَ هُوَ الْحُجَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أَيْ بِحُجَّةٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُرَادُ بِهِ الْيَدُ وَالِاسْتِيلَاءُ سُمِّيَ بِهِ السُّلْطَانُ لِقِيَامِ يَدِهِ وَاسْتِيلَائِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا حُجَّةَ لِي عَلَيْك وَلَوْ نَصَّ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَقْ وَإِنْ نَوَى وَكَذَا هَذَا وَقِيلَ يُعْتَقُ إنْ نَوَاهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (وَلَا) يُعْتَقُ أَيْضًا (بِيَا ابْنِي وَيَا أَخِي) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي التُّحْفَةِ وَأَمَّا فِي النِّدَاءِ إذَا قَالَ يَا ابْنِي يَا بِنْتِي
стр. 510
يَا أَبِي فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ اسْتِحْضَارُ الْمُنَادَى إلَّا إذَا ذُكِرَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْحُرِّيَّةِ كَقَوْلِهِ يَا حُرُّ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْضُوعِ لَا يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي الْجَمْعُ بِقَوْلِهِ لَا سُلْطَانَ لِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ وَإِنْ نَوَى كَمَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَا أَبِي لِأَصْغَرَ وَيَا ابْنِي لِأَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ فَلَا يُعْتَقُ عِنْدَهُمَا وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ إمْكَانَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْمَجَازِ عِنْدَهُمَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهِمَا لِتَعَذُّرِ الْأَصْلِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي صُوَرِ الْإِمْكَانِ كَقَوْلِهِ يَا أَخِي وَقَوْله لِأَصْغَرَ يَا ابْنِي وَلِأَكْبَرَ يَا أَبِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ فَلَا إمْكَانَ أَيْضًا تَدَبَّرْ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا جَدِّي يَا عَمِّي أَوْ لِأَمَتِهِ يَا عَمَّتِي يَا خَالَتِي يَا أُخْتِي.
وَفِي الْكَافِي وَلَوْ قَالَ يَا ابْنَ ابْنِي لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا بُنَيَّ أَوْ لِأَمَتِهِ يَا بُنَيَّةُ؛ لِأَنَّ هَذَا لُطْفٌ وَإِكْرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَصْغِيرُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ بِلَا إضَافَةٍ وَالْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ فَلَا يُعْتَقُ (أَوْ) قَالَ (أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْمُمَاثَلَةَ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً فَلَا يُعْتَقُ بِلَا نِيَّةٍ بِالشَّكِّ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ حَتَّى قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ بِالنِّيَّةِ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمَتْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعِتْقِ وَإِنْ نَوَى كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا فَقَوْلُهُ (وَقِيلَ يُعْتَقُ) أَيْ النَّوْيُ مُسْتَدْرَكٌ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ قَالَ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ عَتَقَ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ.
وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ مَا أَنْتَ إلَّا مِثْلُ الْحُرِّ لَا يَقَعُ وَلَوْ قَالَ لِحُرَّةٍ أَنْتِ مِثْلُ هَذِهِ يَعْنِي أَمَتَهُ تُعْتَقُ أَمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ مَا أَنْتِ حُرَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ الْأَمَةِ لَمْ تُعْتَقْ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ لِثَوْبِ خَاطَهُ مَمْلُوكُهُ هَذِهِ خِيَاطَةُ حُرٍّ لَا يُعْتَقُ مَمْلُوكُهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي بَلْخِي أَوْ فِي هَذِهِ السِّكَّةِ أَوْ فِي هَذَا الْجَامِعِ حُرٌّ وَعَبْدُهُ فِيهَا لَا يُعْتَقُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَبْدَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُعْتَقُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ حُرٌّ وَعَبْدُهُ فِيهَا يُعْتَقُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ لَا يُعْتَقُ عَبْدُهُ فِي قَوْلِهِمْ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَقَعُ
стр. 511
عَلَيْهِ الْعِتْقُ كَالْبَهِيمَةِ وَالْحَائِطِ فَقَالَ عَبْدِي هَذَا حُرٌّ وَهَذَا أَوْ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ عَتَقَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا، وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ إجْمَاعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ نَقْلًا عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ: نَظَرَ إلَى عَشْرِ جَوَارٍ فَقَالَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً مِنْكُنَّ فَهِيَ حُرَّةٌ فَاشْتَرَى جَارِيَتَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً إحْدَاهُمَا لِنَفْسِهِ وَالْأُخْرَى لِغَيْرِهِ لَمْ تُعْتَقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قَالَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ غُمُوضٌ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ قَدْ أَعْتَقَك اللَّهُ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ هُوَ الْمُخْتَارَ، وَلَوْ قَالَ الْعَتَاقُ عَلَيْك يُعْتَقُ وَلَوْ قَالَ عِتْقُكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ لَا يُعْتَقُ (وَمَنْ مَلَكَ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي عَتَقَ عَلَيْهِ (ذَا رَحِمٍ) يَعْنِي مَحْرَمِيَّتُهُ بِالْقَرَابَةِ لَا بِالرَّضَاعِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ وَهِيَ أُخْتُهُ رَضَاعًا لَا يُعْتَقُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِكٍ (عَتَقَ عَلَيْهِ) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْقَرَابَةَ أَقْسَامٌ قَرِيبَةٌ كَالْوِلَادَةِ وَحُكْمُهَا الْعِتْقُ بِالْإِنْفَاقِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْتَقَ، وَبَعِيدَةٌ كَبَنِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ وَحُكْمُهُمَا عَدَمُ الْعِتْقِ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّهَا بَعُدَتْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ فَلَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ، وَمُتَوَسِّطَةٌ كَالْقَرَابَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ، وَتَفْسِيرُهُ كُلُّ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَجْلِ النَّسَبِ فَالشَّافِعِيُّ أَلْحَقَ الْمُتَوَسِّطَةَ بِالْبَعِيدَةِ وَيَقُولُ الْعِلَّةُ فِي الْوِلَادَةِ الْبَعْضِيَّةِ؛ وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْبَعْضُ الْكُلَّ وَنَحْنُ نُلْحِقُهَا بِالْقَرِيبَةِ وَنَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ الْمِلْكُ مَعَ الْقَرَابَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ السَّبَبِ كَمَا قَالَ ﵊ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُنَاكَحَةِ ثَبَتَتْ بِهَذِهِ الْقَرَابَةِ لِمَعْنَى الصِّيَانَةِ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِفْرَاشِ وَالِاسْتِخْدَامِ قَهْرًا وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الِاسْتِفْرَاشِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ هَذِهِ قَرَابَةٌ صِينَتْ عَنْ أَدْنَى الذُّلَّيْنِ فَلَأَنْ يُصَانَ عَنْ أَعْلَاهُمَا أَوْلَى كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(وَلَوْ) : وَصْلِيَّةٌ (كَانَ الْمَالِكُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) أَوْ كَافِرًا لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ قَرِيبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ فِيهَا لَا يُعْتَقُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَكَذَا إذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِيهَا كَمَا فِي الْإِيضَاحِ هَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ حَرْبِيًّا أَمَّا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَأَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ فِيهَا عَتَقَ إجْمَاعًا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. (وَالْمُكَاتَبُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ فَحَسْبُ) كَمَا إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى أَخَاهُ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا لَهُ التَّكَسُّبُ خَاصَّةً وَقَرَابَةُ الْوِلَادِ تَجِبُ مُوَاسَاتُهَا بِالتَّكَسُّبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَقَارِبِ وَكَذَا التَّكَاتُبُ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَخَاهُ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا عَتَقَ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ كَقَرَابَةِ
стр. 512
الْوِلَادِ.
(وَمَنْ أُعْتِقَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى عَتَقَ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَكَذَا) يُعْتَقُ (لَوْ أُعْتِقَ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ) ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ هُوَ الرُّكْنُ الْمُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ الرِّقِّ وَصِفَةُ الْقُرْبَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ (وَإِنْ) : وَصْلِيَّةٌ (عَصَى) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْكَفَرَةِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، حَتَّى إنْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ كَفَرَ بِهِ عِنْدَ قَصْدِ التَّعْظِيمِ.
(وَكَذَا) يُعْتَقُ (لَوْ أُعْتِقَ مُكْرَهًا) لَا فَرْقَ بَيْنَ إكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَغَيْرِهِ لِصُدُورِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ وَكَذَا لَوْ أُعْتِقَ هَزْلًا (أَوْ سَكْرَانَ) يَعْنِي مِنْ مُحَرَّمٍ لَا مِمَّا طَرِيقُهُ مُبَاحٌ وَاَلَّذِي لَمْ يَقْصِدْ السُّكْرَ مِنْ مُثَلَّثٍ، وَمَنْ حَصَلَ لَهُ بِغِذَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قُيِّدَ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ أَضَافَ) أَيْ عَلَّقَ (الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ) بِأَنْ قَالَ إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ (أَوْ) أَضَافَ إلَى (شَرْطٍ) كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ (صَحَّ) وَيَقَعُ الْعِتْقُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ.
وَفِي الْبَحْرِ: وَالتَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ، فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ لِلْحَالِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِمُكَاتَبِهِ إنْ أَنْتَ عَبْدِي فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِضَافَةِ قُصُورًا وَمِنْ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ اللَّطِيفَةِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ إذَا مَاتَ وَالِدِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ وَالِدِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا إذَا مَاتَ وَالِدِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَمَاتَ الْوَالِدُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ أَوَّلًا يَقُولُ تُعْتَقُ وَلَا تَطْلُقُ ثُمَّ رَجَعَ.
وَقَالَ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى اسْتِقْصَاءٍ فِي الْمَبْسُوطِ انْتَهَى.
(وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ حَرْبِيٌّ إلَيْنَا) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْلِمًا عَتَقَ) .
وَفِي الزَّاهِدِيِّ إذَا خَرَجَ مُرَاغَمًا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْكَافِرِ وَهُوَ نَفْسُهُ فَيَمْلِكُهَا وَرُوِيَ «أَنَّ عَبِيدَ أَهْلِ الطَّائِفِ خَرَجُوا إلَى النَّبِيِّ ﵇ مُسْلِمِينَ فَطَلَبَ أَصْحَابُهُ ﵃ قِسْمَتَهُمْ فَقَالَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ» (وَالْحَمْلُ يُعْتَقُ بِعِتْقِ أُمِّهِ) إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا فَهُوَ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا وَقَوْلُ صَاحِبِ التَّنْوِيرِ إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ يُعْتَقُ مَقْصُودًا لَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ حَتَّى لَا يَنْجَرَّ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَنْجَرُّ الْوَلَاءُ إلَى الْأَبِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَيَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ الْكَنْزِ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِيَكُونَ عِتْقُهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ دَفْعًا لِلُزُومِ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّهُ سَيُذْكَرُ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْحُرِّيَّةِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ
стр. 513
فَلَا إشْكَالَ وَلَا تَكْرَارَ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، (وَصَحَّ إعْتَاقُهُ) أَيْ الْحَمْلِ (وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَالْإِرْثُ بِخِلَافِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَحْدَهُ إذْ التَّسْلِيمُ شَرْطٌ فِيهِمَا لَكِنْ لَا يُعْتَقُ الْحَمْلُ مَا لَمْ يُولَدْ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْإِعْتَاقِ وَالْوِلَادَةِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ فَتَلِدُهُ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ أَعْتَقَهُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ، وَثَانِيهمَا إذَا كَانَ حَمْلُهَا تَوْأَمَيْنِ فَجَعَلَتْ بِأَوَّلِهِمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْآخَرِ لِأَكْثَرَ مِنْهَا عَتَقَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ (وَلَا تُعْتَقُ أُمُّهُ بِهِ) أَيْ بِإِعْتَاقِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يُعْتِقْهَا صَرِيحًا وَالْأُمُّ لَا تَتْبَعُ الْوَلَدَ لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ (وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْمِلْكِ وَالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ) لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلِأَنَّ مَاءَهُ مُسْتَهْلَكٌ بِمَائِهَا فَيُرَجَّحُ جَانِبُهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ مِنْ جِهَتِهَا وَهَذَا يُثْبِتُ نَسَبَ وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ مِنْهَا حَتَّى تَرِثَهُ وَيَرِثَهَا (وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ يُخْلَقُ مِنْ مَائِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ عَلَى مِلْكِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَكَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ ابْنِ سَيِّدِهَا أَوْ أَبِ سَيِّدِهَا حُرٌّ كَمَا فِي الْبَحْرِ
стр. 514
وَ) وَلَدُهَا حَالَ كَوْنِهِ (مِنْ زَوْجِهَا مِلْكٌ لِسَيِّدِهَا) ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا فَتَحَقَّقَتْ الْمُعَارَضَةُ فَرَجَّحْنَا جَانِبَهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِرِقِّ وَلَدِهِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ فَلِهَذَا قَالُوا فَوَلَدُ الْعَامِّيِّ مِنْ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ بِشَرِيفٍ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لِلتَّعْرِيفِ وَحَالُ الرِّجَالِ مَكْشُوفٌ دُونَ النِّسَاءِ (وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ) وَهُوَ مَا إذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ أَوْ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا مِلْكُ الْبَائِعِ فَوَلَدَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَلَدًا فَظَهَرَ أَنَّ الْأُولَى أَمَةٌ وَالثَّانِيَةَ مِلْكٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْوَلَدَيْنِ حُرًّا بِالْقِيمَةِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَغْرُورُ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ عَبْدًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالَا أَوْلَادُهُمْ أَرِقَّاءُ لِحُصُولِهِمْ بَيْنَ رَقِيقَيْنِ فَلَا وَجْهَ لِحُرِّيَّتِهِمْ.
[بَابُ عِتْقِ الْبَعْضِ]
ِ أَخَّرَهُ عَنْ إعْتَاقِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْكُلِّ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وُقُوعًا (وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ) سَوَاءٌ عَيَّنَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِأَنْ قَالَ رُبْعُك حُرٌّ أَوْ أَبْهَمَهُ بِأَنْ قَالَ بَعْضُك حُرٌّ لَكِنْ لَزِمَهُ بَيَانُهُ (صَحَّ) إعْتَاقُهُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ خَاصَّةً عِنْدَ الْإِمَامِ (وَسَعَى) الْعَبْدُ لِلْمَوْلَى (فِي بَاقِيهِ) وَفِي الْمَنَافِعِ أَيْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْقَدْرِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ ثُبُوتُ أَثَرِهِ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ، فَإِنْ قِيلَ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا تُسَمَّى إعْتَاقًا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهَا تُسَمَّى بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عَاقِبَتِهَا وَتَرَتَّبَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا بِطُرُقِهِ (وَهُوَ) أَيْ مُعْتَقُ الْبَعْضِ بِقَدْرِ مَا تَعَيَّنَ فِي حَقِّ السِّعَايَةِ بِاخْتِيَارِهَا الْمَوْلَى (كَالْمُكَاتَبِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعِيَ عِنْدَهُ كَالْمُكَاتَبِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَعْضِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ فِي كُلِّهِ إذْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهِ وَبَقَاءُ الْمِلْكِ فِي الْبَعْضِ يَمْنَعُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقُلْنَا بِالْمَالِكِيَّةِ يَدًا لَا رَقَبَةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ حُكْمُ الْمُكَاتَبِ، وَالسِّعَايَةُ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ وَلَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ إذْ الْمُكَاتَبُ مَحَلُّ الْإِعْتَاقِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ فِي الرِّقِّ لَوْ عَجَزَ) بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ الْمَقْصُودَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ ثَمَّةَ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ
стр. 515
الْفَسْخَ وَهُنَا السَّبَبُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إلَى أَحَدٍ فَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ (وَقَالَا يُعْتَقُ كُلُّهُ وَلَا يَسْعَى) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا الْإِعْتَاقُ عِنْدَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْعِتْقِ كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ فَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَجَزُّؤِ اللَّازِمِ وَهُوَ الْعِتْقُ عَدَمُ تَجَزُّؤِ مَلْزُومِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ، لَكِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ إلَّا إزَالَةُ حَقِّهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَالْمِلْكُ مُتَجَزِّئٌ فَكَذَا إزَالَتُهُ، فَإِعْتَاقُ الْبَعْضِ إثْبَاتُ شَطْرِ الْعِلَّةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمَعْلُولُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ تَمَامُ الْعِلَّةِ وَهُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ كُلِّهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُتَجَزِّئٌ، وَعِنْدَهُمَا يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ وَهُوَ غَيْرُ مُتَجَزِّئٌ وَأَمَّا نَفْسُ الْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لَا يَتَجَزَّأُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ ذَاتُ الْقَوْلِ وَهُوَ الْعِلَّةُ وَحُكْمُهُ وَهُوَ نُزُولُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّجَزُّؤُ وَكَذَا الرِّقُّ لَا يَتَجَزَّأُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ ضَعْفٌ حُكْمِيٌّ وَالْحُرِّيَّةُ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ جَانِبَ الرِّقِّ فَجُعِلَ كُلُّهُ رَقِيقًا عَلَى مَا كَانَ وَقَدْ قَالَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْبَعْضِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْبَعْضُ حُرًّا وَهُمَا اعْتَبَرَا جَانِبَ الْحُرِّيَّةِ فَصَارَ كُلُّهُ حُرًّا.
(وَإِنْ أَعْتَقَ شَرِيكٌ) فِي عَبْدٍ (نَصِيبَهُ مِنْهُ) كَالنِّصْفِ وَغَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ (فَلِلْآخَرِ) أَيْ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ (أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يُدَبِّرَ أَوْ يُكَاتِبَ) نَصِيبَهُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَ الْإِمَامِ فَنَصِيبُهُ مَمْلُوكٌ لَهُ (أَوْ يَسْتَسْعِي) أَيْ يَطْلُبُ الْآخَرُ سِعَايَةَ الْعَبْدِ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ يَوْمَ الْعَتَاقِ، وَلَوْ كَانَ الْآخَرُ صَبِيًّا فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ فَالْخِيَارُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصَّبَ الْقَاضِي لَهُ وَصِيًّا أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهُ، (وَالْوَلَاءُ لَهُمَا) أَيْ لِلْمُعْتِقِ وَلِلْآخَرِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا الْمُعْتِقَانِ (أَوْ يَضْمَنُ) الشَّرِيكُ الْآخَرُ (الْمُعْتِقَ) يَوْمَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَصِيبِهِ بِمَا مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا عَدَا الْعَتَاقَ وَتَوَابِعَهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ لِيَوْمِ الْعَتَاقِ فَلَوْ أَيْسَرَ ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ يُحَكَّمُ الْحَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخُصُومَةِ، وَلِلْعِتْقِ مُدَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْأَحْوَالُ فَالْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ الْعِتْقِ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا يُقَوَّمُ لِلْحَالِ وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَالْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَإِلَى أَنَّهُ لَهُ خِيَارُ الِاسْتِسْعَاءِ وَالتَّضْمِينِ، لَكِنْ لَوْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى التَّضْمِينِ كَمَا لَوْ اخْتَارَ التَّضْمِينَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الِاسْتِسْعَاءِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَّا إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ: وَإِلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ جَازَ أَنْ يُعْتِقَ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ وَيَخْتَارَ بَعْضٌ الضَّمَانَ وَبَعْضٌ الْإِعْتَاقَ وَبَعْضٌ السِّعَايَةَ وَكَذَا إذَا مَاتَ السَّاكِتُ فَلِوَرَثَتِهِ إحْدَى الْخِيَارَاتِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا الِاجْتِمَاعُ (لَوْ) كَانَ (مُوسِرًا) مَالِكًا مِقْدَارَ نَصِيبِ السَّاكِتِ مِنْ الْمَالِ وَالْغَرَضِ سِوَى مَلْبُوسِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَسُكْنَاهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْ هَذَا الْمِقْدَارَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا بَلْ إنْ شَاءَ الْآخَرُ أَعْتَقَ أَوْ اسْتَسْعَى وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ بِمَا يُؤَدِّي بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُؤَجَّرُ مِنْ رَجُلٍ وَلَوْ صَغِيرًا يَعْقِلُ فَأَخَذَ مِنْ أُجْرَتِهِ كَمَا يُؤَجَّرُ الْمَدْيُونُ،
стр. 516
وَفِي الْمُخْتَارِ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ السَّاكِتُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ إلَّا التَّضْمِينُ وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يُؤْخَذُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ الْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ فِي الْمَرَضِ فَلَا شَيْءَ فِي تَرِكَتِهِ بَلْ يَسْعَى الْعَبْدُ عِنْدَهُ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ بِمَا ضَمِنَهُ (الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ) لِقِيَامِهِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مَقَامَ الْآخَرِ وَقَدْ كَانَ لِلْآخَرِ الِاسْتِسْعَاءُ (وَالْوَلَاءُ) كُلُّهُ (لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ (وَقَالَا لَيْسَ لِلْآخَرِ إلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةِ مَعَ الْإِعْسَارِ) وَلَيْسَ لَهُ السِّعَايَةُ غَنِيًّا وَلَا الْإِعْتَاقُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا إذْ الْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا.
(وَلَا يَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ لَوْ ضَمِنَ وَالْوَلَاءُ لَهُ) أَيْ الْمُعْتِقِ (فِي الْحَالَيْنِ) وَمَبْنِيُّ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَجَزُّؤُ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ وَالثَّانِي أَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَيَمْنَعُ عِنْدَهُمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَسْعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ» قَسَمَ أَيْ النَّبِيُّ ﵊ هَذَا الْحُكْمَ وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي قَطْعَ الشَّرِكَةِ، وَلَهُ أَنَّ مَالِيَّةَ نَصِيبِهِ اُحْتُبِسَتْ عِنْدَ الْعَبْدِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ كَمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صِبْغِ غَيْرِهِ حَتَّى انْصَبَغَ بِهِ فَعَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَةُ صِبْغِ الْآخَرِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا فَكَذَا هُنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيَهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمُوسِرِ كَقَوْلِهِمَا، وَفِي الْمُعْسِرِ يَبْقَى مِلْكُ شَرِيكِهِ كَمَا كَانَ فَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَعِتْقُهُ سِوَى السِّعَايَةِ.
(وَلَوْ شَهِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ الْحَاضِرَيْنِ (بِإِعْتَاقِ شَرِيكِهِ) نَصِيبَهُ فَأَنْكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ (سَعَى) الْعَبْدُ (لَهُمَا) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فِي حَظِّهِمَا) مُطْلَقًا مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَكَانَ كَالْمُكَاتَبِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِرْقَاقُهُ فَيُصَدَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَتَعَيَّنَ السِّعَايَةُ لَهُمَا وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ التَّضْمِينُ مَعَ الْيَسَارِ لِإِنْكَارِهِ الْإِعْتَاقَ (وَالْوَلَاءُ) يَكُونُ (بَيْنَهُمَا كَيْفَ مَا كَانَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ عِتْقُ نَصِيبِ شَرِيكِي بِإِعْتَاقِهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَعِتْقُ نَصِيبِي بِالسِّعَايَةِ وَوَلَاؤُهُ لِي فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى مَا زَعَمَا وَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُمَا بِالسِّعَايَةِ (وَقَالَا يَسْعَى لِلْمُعْسِرَيْنِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدَّعِي
стр. 517
السِّعَايَةَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ شَرِيكِي أَعْتَقَ إذْ هُوَ مُعْسِرٌ (لَا) أَيْ لَا يَسْعَى (لِلْمُوسِرَيْنِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَبَرَّأُ مِنْ السِّعَايَةِ وَيَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْعِتْقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا وَلَا ضَمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ سَبَبَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي.
(وَلَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا يَسْعَى لِلْمُوسِرِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ يَدَّعِي السِّعَايَةَ دُونَ الضَّمَانِ وَهِيَ لَهُ وَالْمُعْسِرُ لَمَّا ادَّعَى الضَّمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ فَقَطْ تَبَرَّأَ عَنْ السِّعَايَةِ وَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ لِإِنْكَارِ سَبَبِهِ (وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ) أَيْ فِي يَسَارِهِمَا وَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ لِإِنْكَارِ سَبَبِهِ (وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ) أَيْ فِي يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا وَيَسَارِ أَحَدِهِمَا وَإِعْسَارِ الْآخَرِ (حَتَّى يَتَصَادَقَا) ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ هُوَ الْمُعْتِقُ وَيَنْفِي الْوَلَاءَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِهَذَا تَوَقَّفَ الْوَلَاءُ إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا.
وَفِي الْفَتْحِ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا وَجَبَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَيْتُ الْمَالِ (وَلَوْ عَلَّقَ أَحَدُهُمَا) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ (عِتْقَهُ) أَيْ الْعِتْقَ الْمُشْتَرَكَ (بِفِعْلٍ غَدًا) فَقَالَ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ (وَالْآخَرُ بِعَدَمِهِ فِيهِ) فَقَالَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا فَهُوَ حُرٌّ وَلَوْ قَالَ فِي وَقْتِ مَكَانَ قَوْلِهِ غَدًا لَكَانَ أَشْمَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَدِ أَوْ الْيَوْمِ أَوْ الْأَمْسِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَمَضَى) الْغَدُ (وَلَمْ يَدْرِ) أَنَّهُ دَخَلَ أَمْ لَا (عَتَقَ نِصْفُهُ) أَيْ الْعَبْدِ مَجَّانًا لِلتَّيَقُّنِ بِحِنْثِ أَحَدِهِمَا (وَسَعَى فِي نِصْفِهِ لَهُمَا) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ إنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ هُوَ نَصِيبِي وَالسَّاقِطُ هُوَ نَصِيبُك (مُطْلَقًا) أَيْ مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ (وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَلَا سِعَايَةَ) لِمَا مَرَّ.
(وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَفِي نِصْفِهِ) أَيْ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) كَمَا هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَ) يَسْعَى (فِي كُلِّهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالسِّعَايَةِ مَجْهُولٌ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ فَيَسْعَى لَهُمَا (وَإِنْ) كَانَا (مُخْتَلِفَيْنِ) أَيْ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا (يَسْعَى لِلْمُوسِرِ فَقَطْ فِي رُبْعِهِ) أَيْ فِي رُبْعِ قِيمَتِهِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَ) يَسْعَى لِلْمُعْسِرِ (فِي نِصْفِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِمَا قَرَّرْنَاهُ (وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بِعِتْقِ عَبْدِهِ) عَلَى حِدَةٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ غَدًا فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ (وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا) فَمَضَى الْغَدُ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ دَخَلَ أَمْ لَا (لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ) مِنْ الْعَبْدَيْنِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَقْضِيِّ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ الْقَضَاءُ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ، وَفِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْعَبْدُ وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَهُوَ سُقُوطُ نِصْفِ السِّعَايَةِ مَعْلُومٌ أَيْضًا وَالْمَجْهُولُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْحَانِثُ فَغُلِّبَ الْمَعْلُومُ الْمَجْهُولَ وَقُيِّدَ بِكَوْنِ الْمُعَلَّقِ مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ دَخَلَ الْيَوْمَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَطَلُقَتْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ بِالْيَمِينِ الْأُولَى صَارَ مُقِرًّا بِوُجُودِ شَرْطِ الطَّلَاقِ وَبِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ صَارَ مُقِرًّا بِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَقِيلَ لَمْ يُعْتَقْ وَلَمْ تَطْلُقْ وَتَمَامُهُ
стр. 518
فِي الْبَحْرِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَمَنْ مَلَكَ ابْنَهُ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ حَالَ كَوْنِ الْمَالِكِ شَرِيكًا (مَعَ) شَخْصٍ (آخَرَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ حَظُّهُ) مِنْهُ نِصْفًا أَوْ غَيْرَهُ (وَلَا يَضْمَنُ) الْأَبُ لِشَرِيكِهِ وَلَوْ مُوسِرًا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ كَمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ الْعِتْقِ وَهُوَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ (وَلِشَرِيكِهِ) الْخِيَارُ بَيْنَ (أَنْ يُعْتِقَ) نَصِيبَهُ (أَوْ يَسْتَسْعِيَ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ كَالْمُكَاتَبِ كَمَا مَرَّ (سَوَاءٌ عَلِمَ الشَّرِيكُ أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ لَا) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرِّضَاءِ يَتَحَقَّقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ ضَمِنَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَوْ وَصَلَ قَوْلُهُ سَوَاءٌ إلَى آخِرِهِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَضْمَنُ لَكَانَ أَنْسَبَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ تَدَبَّرْ (وَقَالَا يَضْمَنُ الْأَبُ) نَصِيبَ الشَّرِيكِ (إنْ كَانَ) الْأَبُ (مُوسِرًا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ عَلَى الْأَصْلِ فَقَدْ أَفْسَدَ نَصِيبَ الشَّرِيكِ بِالْإِعْتَاقِ فَصَارَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ (وَعِنْدَ إعْسَارِهِ) أَيْ الْأَبِ (يَسْعَى الِابْنُ) فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ لِاحْتِبَاسِ مَالِهِ عِنْدَ الْعَبْدِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بَقِيَ مِلْكُهُ بَاعَ أَوْ فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ كَمَا مَرَّ.
(وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ) بَيْنَ الْأَئِمَّةِ (لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ) لَمْ يَقُلْ عَتَقَهُ لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ لِخُصُوصِيَّةِ الِابْنِ وَلَا لِكَوْنِهِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (بِشِرَاءِ بَعْضِهِ) بِأَنْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ مَلَكْت شِقْصًا مِنْك فَأَنْتَ حُرٌّ (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) أَيْ ذَلِكَ الْعَبْدَ (مَعَ) رَجُلٍ (آخَرَ) بِالِاشْتِرَاكِ (أَوْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ) وَلَوْ قَالَ نِصْفَ قَرِيبِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ (مِمَّنْ يُمْلَكُ كُلُّهُ) أَيْ كُلُّ الِابْنِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ لِبَائِعِهِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ شَارَكَهُ فِي الْعِلَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ دُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَقَدْ يُشَارِكُهُ فِيهِ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى، وَقَالَا إنْ كَانَ الْقَرِيبُ الْمُشْتَرِي مُوسِرًا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَقُيِّدَ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْعِلَّةِ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَوْ اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ نِصْفَهُ) أَيْ الِابْنِ (ثُمَّ) اشْتَرَى (الْأَبُ بَاقِيَهُ) حَالَ كَوْنِهِ (مُوسِرًا ضَمِنَ الشَّرِيكُ) أَيْ فَلِلْأَجْنَبِيِّ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ (أَوْ) إنْ شَاءَ (يَسْتَسْعِي) الِابْنَ فِي حَظِّهِ احْتِبَاسُ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا يَضْمَنُ) الْأَبُ (فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا كَمَا مَرَّ.
(وَلَوْ مَلَكَاهُ بِالْإِرْثِ فَلَا ضَمَانَ إجْمَاعًا)
стр. 519
لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ فِيهِ كَمَا إذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَمٌّ وَلَهُ جَارِيَةٌ فَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ الْعَمُّ فَوَرِثَاهُ عَتَقَ الْوَلَدُ عَلَى الْأَبِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ بِالْإِرْثِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَةً بِالنِّكَاحِ ثُمَّ وَرِثَهَا مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلَدَ ثَمَّةَ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا مِنْ شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ وَضَمَانُ التَّمَلُّكِ لَا يَعْتَمِدُ الصُّنْعَ كَمَا فِي الْكَافِي.
(عَبْدٌ) كَانَ (لِمُوسِرِينَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَكِنَّ تَقَيُّدَهُ بِيَسَارِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمُدَبِّرِ وَالْمُعْتِقِ وَأَمَّا السَّاكِتُ فَلَا اعْتِبَارَ بِحَالِهِ مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ) نَصِيبَهُ (وَأَعْتَقَهُ آخَرُ) وَالثَّالِثُ سَاكِتُ (ضَمَّنَ) بِالتَّشْدِيدِ (السَّاكِتُ مُدَبِّرَهُ) أَيْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ تَضْمِينَ قِيمَةِ نَصِيبِهِ فَإِنْ اخْتَارَهُ ضَمَّنَ الْمُدَبِّرَ لَا الْمُعْتِقَ.
(وَ) ضَمَّنَ (الْمُدَبِّرُ مُعْتِقَهُ ثُلُثَهُ) أَيْ ثُلُثَ قِيمَتِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُدَبِّرًا لَا) أَيْ لَا يُضَمِّنُ الْمُدَبِّرُ مُعْتِقَهُ (مَا ضُمِّنَ) أَيْ لَا يُضَمِّنُ قِيمَةَ مَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ جِهَةِ السَّاكِتِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ مُنَجَّزٌ عِنْدَهُ كَالْإِعْتَاقِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ، لَكِنَّهُ أَفْسَدَ نَصِيبَ شَرِيكَيْهِ فَأَحَدُهُمَا اخْتَارَ إعْتَاقَ حِصَّتِهِ فَتَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ اخْتِيَارُ أَمْرٍ آخَرَ كَالتَّضْمِينِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ لِلسَّاكِتِ تَوَجَّهَ سَبَبَانِ ضَمَانُ التَّدْبِيرِ وَالْإِعْتَاقِ لَكِنَّ ضَمَانَ التَّدْبِيرِ ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَضَمَانُ الْمُعَاوَضَةِ هُوَ الْأَصْلُ فَيُضَمِّنُ الْمُدَبِّرَ ثُمَّ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَةِ الْعَبْدِ مُدَبَّرًا.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ حَرَّرَهُ الْآخَرُ فَلِلْمُدَبِّرِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ ثُلُثَهُ مُدَبَّرًا إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَفِي عَكْسِهِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْمُدَبِّرُ الْعَبْدَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ اخْتَارَ تَرْكَ الضَّمَانِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا أَوَّلَ فَإِنَّ لِلْمُدَبِّرِ تَضْمِينَ الْمُعْتِقِ رُبْعَ الْقِيمَةِ وَاسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ فِي رُبْعِ الْقِيمَةِ وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ بِمَا ضُمِّنَ عَلَى الْعَبْدِ وَكَذَا لَوْ صَدَرَ الْإِعْتَاقُ وَالتَّدْبِيرُ مِنْهُمَا مَعًا عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَالْوَلَاءُ ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبِّرِ وَثُلُثُهُ لِلْمُعْتِقِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْغَايَةِ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَصَبَةِ الْمُدَبِّرِ وَالْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُدَبِّرِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهُ لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ غَلَطٌ وَبَيَّنَ وَجْهَهُ فَلْيُطَالَعْ (وَقَالَا ضَمِنَ مُدَبِّرُهُ لِشَرِيكَيْهِ) ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ كَالْإِعْتَاقِ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَحِينَ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ صَارَ الْكُلُّ مُدَبَّرًا لَهُ وَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْآخَرِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ.
(وَلَوْ مُعْسِرًا) ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْإِعْسَارِ وَالْيَسَارِ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ ضَمِنَ جِنَايَةً، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لَهُمَا لَوْ مُوسِرًا وَلَوْ مُعْسِرًا يُعْتَقُ نَصِيبُهُمَا (وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَبِّرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ (وَقِيمَةُ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا قِيمَتِهِ قِنًّا) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَمْلُوكِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِخْدَامُ وَالِاسْتِرْبَاحُ بِوَاسِطَةِ الْبَيْعِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَبِالتَّدْبِيرِ يَفُوتُ الِاسْتِرْبَاحُ وَبَقِيَ لَهُ آخَرَانِ وَفِي
стр. 520
صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَمِنْ الْمَنَافِعِ الْوَطْءُ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُدَبَّرَ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْوَطْءِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ وَالْوَطْءُ مُتَحَقِّقٌ فِي جِنْسِ بَنِي آدَمَ انْتَهَى. لَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الْوَطْءَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ تَدَبَّرْ.
وَفِي الْفَتْحِ: يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَوْ جَوَّزُوا بَيْعَ هَذَا فَاتَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَذْكُورَةُ كَمْ يَبْلُغُ فِيمَا ذُكِرَ؟ فَهُوَ قِيمَتُهُ وَهَذَا أَحْسَنُ عِنْدِي وَقِيلَ قِيمَتُهُ قِنًّا وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ وَقِيلَ نِصْفُ قِيمَتِهِ قِنًّا وَقِيلَ قِنًّا وَقِيلَ تُقَوَّمُ خِدْمَتُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ ضَرَرًا فِيهِ فَمَا بَلَغَتْ فَهِيَ قِيمَتُهُ.
(وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ هِيَ) أَيْ الْأَمَةُ (أُمُّ وَلَدِك وَأَنْكَرَ) الشَّرِيكُ ذَلِكَ (تَخْدُمُهُ) أَيْ تَخْدُمُ الْأَمَةُ الْمُنْكِرَ (يَوْمًا وَتَوَقَّفُ) أَصْلُهُ تَتَوَقَّفُ فَحُذِفَتْ إحْدَى التَّاءَيْنِ (يَوْمًا) أَيْ لَا تَخْدُمُ أَحَدًا يَوْمًا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا لِلْمُنْكِرِ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهَا لِلْمُقِرِّ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهَا فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَالْمُنْكِرُ يَزْعُمُ أَنَّهَا كَمَا كَانَتْ فَلَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي نِصْفِهَا وَلَوْ مَاتَ الْمُنْكِرُ، وَتَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِوَرَثَةِ الْمُنْكِرِ (وَقَالَا لِلْمُنْكِرِ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا فِي حَظِّهِ إنْ شَاءَ ثُمَّ تَكُونُ حُرَّةً) كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ صَاحِبُهُ انْقَلَبَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فَتُعْتَقُ بِالسِّعَايَةِ وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، تَدَبَّرْ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفَقَتِهَا وَكَسْبِهَا وَجِنَايَتِهَا، وَفِي الْمُخْتَلَفِ مِنْ بَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا، وَقَالَ غَيْرُهُ نِصْفُ كَسْبِهَا لِلْمُنْكِرِ وَنِصْفُهُ مَوْقُوفٌ وَنَفَقَتُهَا مِنْ كَسْبِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ فَنِصْفُ قِيمَتِهَا عَلَى الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْجَارِيَةِ لِلْمُنْكِرِ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ أَصْلًا، وَأَمَّا جِنَايَتُهَا فَتَسْعَى فِيهَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَالْمُكَاتَبِ وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ جِنَايَتُهَا مَوْقُوفَةٌ إلَى تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَمَا) نَافِيَةٌ (لِأُمِّ وَلَدٍ تَقَوُّمٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا قِيمَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَمُقْتَضَى الْحُرِّيَّةِ زَوَالُ التَّقَوُّمِ (فَلَا يَضْمَنُ مُوسِرًا عَتَقَ لِصَبِيِّهِ مِنْهَا) أَيْ أُمُّ الْوَلَدِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ أَمَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَادَّعَيَاهُ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ لَا يَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَقَوُّمِهَا (وَعِنْدَهُمَا) وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ) كَالْمُدَبَّرَةِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ الْيَوْمَ يَدْخُلُ فِيهِ أُمَّ الْوَلَدِ (فَيَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْهَا) فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَاءً عَلَى تَقَوُّمِهَا.
[بَابُ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ]
ِ (رَجُلٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ قَالَ) فِي صِحَّتِهِ (لِاثْنَيْنِ عِنْدَهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا) وَثَبَتَ الْآخَرُ (وَدَخَلَ الْآخَرُ) أَيْ الثَّالِثُ (فَأَعَادَ الْقَوْلَ) أَيْ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ إنْ كَانَ حَيًّا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ مَاتَ) (مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ) فَإِنْ بَدَأَ بِبَيَانِ الْإِيجَابِ
стр. 521
الْأَوَّلِ وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الثَّابِتَ عَتَقَ وَبَطَلَ الْإِيجَابُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ دَائِرًا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ بِالثَّانِي وَقَالَ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْإِيجَابِ الثَّانِي لِصِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ دَائِرًا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالثَّانِي وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الثَّالِثَ عَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا فَإِذَا عَتَقَ الثَّابِتُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي تَعَيَّنَ الْخَارِجُ بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الدَّاخِلَ عَتَقَ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ (عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ) عِنْدَ الْمَوْلَى وَسَعَى فِي رُبْعِهِ (وَنِصْفُ الْخَارِجُ) بِالْإِجْمَاعِ.
(وَكَذَا) يُعْتَقُ (نِصْفُ الدَّاخِلِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ نِصْفَ الثَّابِتِ وَالْخَارِجِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ الدَّائِرِ بَيْنَهُمَا وَنِصْفُ الدَّاخِلِ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي الدَّائِرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ، وَعَتَقَ رُبْعُ الثَّابِتِ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي أَصَابَ الثَّابِتَ شَائِعٌ فَمَا لَاقَى الْحُرِّيَّةَ بَطَلَ وَمَا لَاقَى الرِّقَّ صَحَّ فَيَتَنَصَّفُ ذَلِكَ النِّصْفُ فَيُعْتَقُ رُبْعُهُ بِهِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ رُبْعُهُ) أَيْ الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ لَمَّا أَوْجَبَ عِتْقَ الرُّبْعِ مِنْ الثَّابِتِ أَوْجَبَهُ مِنْ الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَصَّفٌ بَيْنَهُمَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الثَّابِتِ مَانِعًا مِنْ عِتْقِ النِّصْفِ بِهِ كَمَا مَرَّ وَلَا مَانِعَ فِي الدَّاخِلِ فَإِنْ قِيلَ يَشْكُلُ هَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا مِنْ عَدَمِ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَدَمَ تَجَزُّئِهِ إذَا وَقَعَ فِي مَحَلٍّ مَعْلُومٍ وَالِانْقِسَامُ هُنَا ضَرُورِيٌّ فَيَتَجَزَّأُ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَالتَّسْهِيلُ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ قَالَ) هَذَا الْقَوْلَ (فِي مَرَضِهِ) الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مُتَسَاوِيَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُخْرَجُ قَدْرُ الْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ وَذَلِكَ رَقَبَةٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ رَقَبَةٍ عِنْدَهُمَا، أَوْ رَقَبَةٌ وَنِصْفُ رَقَبَةٍ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يُخْرَجْ وَلَكِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ فَالْجَوَابُ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى الْعَبِيدِ (وَلَمْ يُجِزْ الْوَارِثُ) ذَلِكَ (جُعِلَ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (كُلُّ عَبْدٍ سَبْعَةً كَسِهَامِ الْعِتْقِ) وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْخَارِجِ فِي النِّصْفِ وَحَقَّ الثَّابِتِ فِي ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ وَحَقَّ الدَّاخِلِ عِنْدَهُمَا فِي النِّصْفِ أَيْضًا فَيَحْتَاجُ إلَى مَخْرَجٍ لَهُ نِصْفٌ وَرُبْعٌ وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ فَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ فَحَقُّ الْخَارِجِ وَالدَّاخِلِ فِي سَهْمَيْنِ وَحَقُّ الثَّابِتِ فِي ثَلَاثَةٍ فَبَلَغَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً وَالْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ سِهَامَ الْوَرَثَةِ ضِعْفَ ذَلِكَ فَيَجْعَلَ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ وَسِهَامَ السِّعَايَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
(وَ) حِينَئِذٍ (عَتَقَ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ)
стр. 522
أَسْهُمٍ مِنْ الْأَسْبَاعِ (وَسَعَى) لِلْوَرَثَةِ (فِي أَرْبَعَةٍ وَمِنْ كُلٍّ مِنْ الْآخَرَيْنِ) أَيْ الْخَارِجِ وَالدَّاخِلِ (اثْنَانِ) مِنْهَا (وَسَعَى كُلٌّ مِنْهُمَا) لِلْوَرَثَةِ (فِي خَمْسَةٍ) فَيَصِيرُ جَمِيعُ الْمَالِ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُجْعَلُ كُلُّ عَبْدٍ سِتَّةً كَسِهَامِ الْعِتْقِ عِنْدَهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الدَّاخِلِ رُبْعٌ فَيَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ سِتَّةً وَسِهَامَ السِّعَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ (وَ) حِينَئِذٍ (يُعْتَقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ) أَسْهُمٍ مِنْ الْأَسْدَاسِ (وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةٍ وَ) يُعْتَقُ (مِنْ الْخَارِجِ اثْنَانِ) مِنْهَا (وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ، وَ) يُعْتَقُ (مِنْ الدَّاخِلِ وَاحِدٌ) مِنْهَا (وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ) فَيَصِيرُ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَيَسْتَقِيمُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ أَيْضًا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ يَتَمَسَّكُونَ بِالْقُرْعَةِ أَوْ يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ يُقْرَعُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ.
(وَلَوْ طَلَّقَ كَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ) أَيْ إنْ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ مَهْرُهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ فَطَلَّقَهُنَّ قَبْلَ الْوَطْءِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَمَاتَ بِلَا بَيَانٍ) يُوَزَّعُ حُكْمُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ وَهُنَا أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ: الْمَهْرُ وَالْمِيرَاثُ وَالْعِدَّةُ: أَمَّا حُكْمُ الْمِيرَاثِ فَلِلدَّاخِلَةِ نِصْفُهُ، وَالنِّصْفُ بَيْنَ الْخَارِجَةِ وَالثَّابِتَةِ نِصْفَانِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ احْتِيَاطًا كَمَا فِي الْكَافِي أَمَّا حُكْمُ الْمَهْرِ فَيُقَالُ (سَقَطَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ مَهْرِ الثَّابِتَةِ وَرُبْعُ مَهْرِ الْخَارِجَةِ وَثُمُنُ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ) ؛ لِأَنَّ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ سَقَطَ نِصْفُ مَهْرِ الْوَاحِدَةِ مُنَصَّفًا بَيْنَ الْخَارِجَةِ وَالثَّابِتَةِ فَسَقَطَ رُبْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُمَّ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي سَقَطَ الرُّبْعُ مُنَصَّفًا بَيْنَ الثَّابِتَةِ وَالدَّاخِلَةِ فَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ الثُّمُنُ فَسَقَطَ أَثْمَانُ مَهْرِ الثَّابِتَةِ بِالْإِيجَابَيْنِ وَسَقَطَ ثُمُنُ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ قَبْلَ الْوَطْءِ لِيَكُونَ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ مُوجِبًا لِلْبَيْنُونَةِ فَمَا أَصَابَهُ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ لَا يَبْقَى مَحَلًّا لِلْإِيجَابِ الثَّانِي فَيَصِيرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَالْعِتْقِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ قَرَّرَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ فَلْيُطَالَعْ (هُوَ) أَيْ كَوْنُهُ بِالِاتِّفَاقِ (الْمُخْتَارُ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبْعُهُ وَقِيلَ هُوَ لَهُمَا أَيْضًا، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ تَعْلِيقًا فِي حَقِّ الدَّاخِلِ فِي حُكْمٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَأَمَّا فِي حُكْمٍ لَا يَقْبَلُهُ يَكُونُ تَنْجِيزًا فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَهْرِ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَثَبَتَ التَّرَدُّدُ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي بَيْنَ الصِّحَّةِ وَعَدَمِهِ فِي حَقٍّ فَيَنْتَصِفُ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ فَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ الثَّانِي مُتَرَدِّدًا فِي حَقِّهِ فَثَبَتَ كُلُّهُ وَالْكَلَامُ الْوَافِي فِي الْكَافِي (وَالْبَيْعُ) صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْبَيْعَ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا وَكَذَا الْإِيصَاءُ وَالْإِجَارَةُ وَالتَّزْوِيجُ.
(بَيَانٌ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ وَكَذَا الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ وَالْمَوْتِ) وَالْقَتْلِ (وَالتَّحْرِيرِ) سَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيرُ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا وَالْمُرَادُ بِالْمُنَجَّزِ مَا لَا نِيَّةَ لَهُ فِيهِ
стр. 523
فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الَّذِي لَزَمَنِي بِقَوْلِي أَحَدُكُمَا حُرٌّ صُدِّقَ قَضَاءً كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مُسْلَمَتَيْنِ) إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَيْ إنْ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ دَبَّرَ إحْدَى أَمَتَيْهِ بَعْدَ الْقَوْلِ فَكُلٌّ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْآخَرُ، فَإِنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْإِنْشَاءُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ، وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَالْهِبَةُ بِالتَّسْلِيمِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَيْدُ التَّسْلِيمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ إذَا كَانَتْ بَيَانًا فَهَذِهِ أَوْلَى بِلَا قَبْضٍ، بَلْ وَقَعَ اتِّفَاقًا وَقُيِّدَ بِالْعِتْقِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي النَّسَبِ الْمُبْهَمِ وَأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ الْمُبْهَمَةِ لَا يَكُونُ بَيَانًا كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَالْوَطْءُ) لِأَحَدِهِمَا (لَيْسَ بِبَيَانٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ عِنْدَ الْإِمَامِ هَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْعُلُوقُ أَمَّا إذَا حَصَلَ عَتَقَتْ الْأُخْرَى بِالِاتِّفَاقِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا هُوَ بَيَانٌ فَيُعْتِقُ الْأُخْرَى وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرٌّ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا الْمِلْكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنْكِرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ الرَّاجِحَ قَوْلُهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفْتَى بِقَوْلِ الْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الِاحْتِيَاطِ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ نَاظِرٌ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُمَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ تَأَمَّلْ. وَقُيِّدَ بِالْعِتْقِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِالتَّدْبِيرِ الْمُبْهَمِ لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ التَّقْبِيلَ وَالْمُعَانَقَةَ وَالنَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْأَوْلَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بَيَانٌ، وَأَمَّا الِاسْتِخْدَامُ وَلَوْ كُرْهًا فَلَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْإِجْمَاعِ (وَفِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ هُوَ) أَيْ الْوَطْءُ.
وَفِي الْفَتْحِ قَالَ الْكَرْخِيُّ يَحْصُلُ بِالتَّقْبِيلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ (وَالْمَوْتُ بَيَانٌ) فَمَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ وَقَالَ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ أَوْ إحْدَاهُمَا طَالِقٌ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَوْ مَاتَتْ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ هِيَ الْأُخْرَى وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بَائِنًا مَا فِي الرَّجْعِيِّ، فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا لِطَلَاقِ الْأُخْرَى فَحَلَّ وَطْءُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِبَائِنٍ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ) إنْ كَانَ (أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى وَلَمْ يَدْرِ أَوَّلَهُمَا فَالذَّكَرُ رَقِيقٌ وَيُعْتَقُ نِصْفُ كُلٍّ مِنْ الْأُمِّ وَالْأُنْثَى) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ
أَحَدُهَا أَنْ يُوجَدَ التَّصَادُقُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَوْلُودِ
стр. 524
أَوَّلًا وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ كَوْنُ الْغُلَامِ رَقِيقًا وَعَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُعْتَقُ فِي حَالٍ بِأَنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا الْأُمُّ بِالشَّرْطِ وَالْبِنْتَ تَبَعًا لَهَا إذْ الْأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتْهَا وَتُرَقُّ فِي حَالٍ إنْ وَلَدَتْ الْبِنْتَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيُعْتَقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَتَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا، وَالْغُلَامُ عَبْدٌ بِكُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَتْ وِلَادَتُهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ؛ لِأَنَّ وِلَادَتَهُ شَرْطٌ لِلْعِتْقِ وَالْحُكْمُ يَعْقُبُ الشَّرْطَ
وَالثَّانِي أَنَّ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ أَوَّلٌ وَالْمَوْلَى مُنْكِرٌ وَالْبِنْتُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ لِلْمَوْلَى وَيَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ تُعْتَقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْأُمُّ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِهِ وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَالْبِنْتُ
وَالثَّالِثُ أَنْ يُوجَدَ التَّصَادُقُ بِأَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْأَوَّلُ فَتُعْتَقُ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ دُونَ الْغُلَامِ
وَالرَّابِعُ أَنْ يُوجَدَ التَّصَادُقُ بِأَوَّلِيَّةِ الْبِنْتِ فَلَمْ يُعْتَقْ أَحَدٌ
وَالْخَامِسُ أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَوَّلِيَّةَ الْغُلَامِ وَلَمْ تَدَّعِ الْبِنْتَ وَهِيَ كَبِيرَةٌ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَحْلِفُ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يُعْتَقْ أَحَدٌ وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ فَقَطْ وَالسَّادِسُ أَنْ تَدَّعِيَ الْبِنْتَ فَإِنْ نَكَلَ حَيْثُ تُعْتَقُ الْبِنْتُ فَقَطْ وَهِيَ مِنْ أَغْرَبِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ تُعْتَقُ الْبِنْتُ دُونَ الْأُمِّ مَعَ أَنَّ عِتْقَهَا بِتَبَعِيَّةِ الْأُمِّ وَهَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكَافِي.
وَفِي الْفَتْحِ وَهَذَا الْجَوَابُ كَمَا تَرَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ وَالْمَذْكُورُ لِمُحَمَّدٍ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِعِتْقِهِ وَاعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْحُرِّيَّةِ وَلَا يَجُوزُ إيقَاعُ الْعِتْقِ بِالشَّكِّ فَعَنْ هَذَا حَكَمَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ أَوَّلًا مَعَ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ وَالْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَلَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعِتْقِ الْأَمَةِ) حَالَ كَوْنِهَا (مُعَيَّنَةً) لِمَا فِيهِمَا مِنْ تَحْرِيمِ الْفَرْجِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ اتِّفَاقًا (وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ وَ) الْأَمَةِ (غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ تُشْتَرَطُ) الدَّعْوَى لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَى وَهِيَ لَا تَتَحَقَّقُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَعِتْقُ الْمُبْهَمِ لَا يُحَرِّمُ الْفَرْجَ عِنْدَهُ كَمَا مَرَّ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ حَقُّ الشَّرْعِ وَعَدَمُ الدَّعْوَى لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الْعِتْقُ وَهِيَ حَقُّ الشَّرْعِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ (فَلَوْ شَهِدَا) أَيْ رَجُلَانِ عَلَى زَيْدٍ (بِعِتْقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنٍ أَوْ أَمَتِهِ لَا تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ (فِي وَصِيَّةٍ) وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَيْ إنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ أَشْهَدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاةِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّةً وَكَذَا الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةً وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الدُّرَرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ (وَعِنْدَهُمَا) وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُمَا مُطْلَقًا وَإِنْ تَقَدَّمَ الدَّعْوَى.
وَفِي الْفَتْحِ
стр. 525
لَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ تُقْبَلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ اعْتِبَارًا لِلشُّيُوعِ (وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ إحْدَى نِسَائِهِ قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمَا بِلَا دَعْوَى فَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى التَّعْيِينِ (اتِّفَاقًا) لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الْكَافِي وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ حَرَّرَ أَمَةً مُعَيَّنَةً وَسَمَّاهَا فَنَسِيَا اسْمَهَا أَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً مُعَيَّنَةً وَسَمَّاهَا وَنَسِيَا اسْمَهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْغَفْلَةِ، وَلَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْهُ فَضَمِنَا قِيمَتَهُ ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ الْمَوْلَى كَانَ أَعْتَقَهُ بَعْدَ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا وَلَمْ يَرْجِعَا بِمَا ضَمِنَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ وَرَجَعَا عَلَى الْمَوْلَى بِمَا ضَمِنَا.
[بَابُ الْحَلِفُ بِالْعِتْقِ]
الْحَلِفُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِسُكُونِهَا وَبِكَسْرِهَا الْقَسَمُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعِتْقَ جَزَاءً عَلَى الْحَلِفِ بِأَنْ يُعَلِّقَ الْعِتْقَ بِشَيْءٍ (وَمَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ) عَبْدًا أَوْ أَمَةً (لِي يَوْمئِذٍ حُرٌّ) أَيْ يَوْمَ إذْ دَخَلْت؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ فِي يَوْمئِذٍ عِوَضٌ عَنْ الْجُمْلَةِ الْمُضَافَةِ إلَيْهَا لَفْظَةُ إذْ وَلَفْظُ يَوْمَ ظَرْفٌ لِمَمْلُوكٍ وَكَانَ التَّقْدِيرُ كُلُّ مَنْ يَكُونُ فِي مِلْكِي وَقْتَ الدُّخُولِ حُرٌّ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ قِيلَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْيَوْمَ مَعَ فِعْلٍ مُمْتَدٍّ لِلنَّهَارِ وَلِأَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ وَفِيهِ أَنَّ يَوْمَئِذٍ مُرَكَّبٌ وَالْمُرَكَّبُ غَيْرُ الْمُفْرَدِ انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْفَتْحِ تَفْصِيلٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَفْظَ إذْ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا تَكْثِيرًا لِلْعِوَضِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ أَوْ عِمَادًا لَهُ لِكَوْنِهِ حَرْفًا وَاحِدًا سَاكِنًا تَحْسِينًا وَلَمْ يُلَاحَظْ مَعْنَاهَا وَهَذَا لَوْ دَخَلَ لَيْلًا عَتَقَ مَا فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَهُوَ الدُّخُولُ تَدَبَّرْ (يُعْتَقُ بِدُخُولِهِ) أَيْ الدَّارَ (مَنْ) هُوَ (فِي مِلْكِهِ) أَيْ الْمُعْتِقِ (عِنْدَ الدُّخُولِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ) وَاسْتَمَرَّ إلَى وَقْتِ الدُّخُولِ (أَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحَلِفِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِيهِمَا.
(وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) فِي يَمِينِهِ (يَوْمئِذٍ) بَلْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ (لَا يُعْتَقُ إلَّا مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ اعْتَرَضَ عَلَى الْجَزَاءِ وَهُوَ الْعِتْقُ فَيَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْجَزَاءِ إلَى وَقْتِ دُخُولِ الدَّارِ لَا تَأَخُّرَ الْمِلْكِ، فَيُعْتَقُ مَنْ بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى
стр. 526
زَمَانِ الدُّخُولِ لَا مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ زَادَ يَوْمئِذٍ فِيهَا وَلَا يُفِيدُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ إلَّا إذَا انْصَرَفَ يَوْمئِذٍ إلَى مَا يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعِتْقِ مُعَلَّقًا أَوْ مُنَجَّزًا وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ بِإِنْ أَوْ بِغَيْرِهَا كَإِذَا مَا أَوْ مَتَى مَا.
(وَكَذَا) لَا يُعْتَقُ (لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي) أَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ (حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ) وَلَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ بَعْدَ الْحَلِفِ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ لَا الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَتَنَاوَلُ مَا مَلَكَهُ زَمَانَ صُدُورِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ وَانْصِرَافُهُ إلَى الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ، فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ مَا اسْتَقْبَلَ مِلْكَهُ عَتَقَ مِلْكُهُ لِلْحَالِ وَمَا اسْتَحْدَثَ الْمِلْكَ، كَمَا إذَا قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ ثُمَّ قَالَ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى عَنَيْتهَا وَطَلُقَتْ الْمَعْرُوفَةُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْمَجْهُولَةُ بِاعْتِرَافِهِ كَذَا هَاهُنَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَالْمَمْلُوكُ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ) ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَمْلُوكٍ مُطْلَقٍ وَالْجَنِينُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِلْأُمِّ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْمَمْلُوكُ يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ لَا الْأَعْضَاءَ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مُنْفَرِدًا وَلَا يَجْرِي عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَفَرَّعَ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٌ حُرٌّ وَلَهُ) أَيْ لِلْقَائِلِ (أَمَةٌ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ حَلَفَ لَا يُعْتَقُ) كَمَا بَيَّنَّاهُ وَقَوْلُهُ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِأَكْثَرَ بَلْ لِكَوْنِ وُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ مُتَيَقَّنًا.
(وَلَوْ) قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَ (لَمْ يَقُلْ ذَكَرًا عَتَقَ) الْحَمْلُ (تَبَعًا لِأُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ حَتَّى لَوْ قَالَ نَوَيْت الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَفِي إطْلَاقِهِ يُشْعِرُ بِأَنْ يُعْتَقَ الْحَمْلُ تَبَعًا لِأُمِّهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ أَوْ لِأَكْثَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عِتْقَ الْحَمْلِ إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ لِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ بِيَقِينٍ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ. تَتَبَّعْ.
(وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي صَارَ مَنْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ الْحَلِفِ مُدَبَّرًا لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا (مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى الْمَوْتِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابُ الْعِتْقِ يَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَ فِي الْحَالِ وَيَصِيرُ مُدَبَّرًا مِنْ حَيْثُ تَعْلِيقُهُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ وَلَا يَصِيرُ هُوَ مُدَبَّرًا حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ (لَكِنْ يُعْتَقُ الْجَمِيعُ) أَيْ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَهُ (مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ مَوْتِهِ) أَمَّا عِتْقُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ وَأَمَّا عِتْقُ الثَّانِي فَلِأَنَّ إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الْمَوْتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ يَصِيرُ وَصِيَّةً فَيَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوَصَايَا الْمِلْكُ حَالَةَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
стр. 527
فِي النَّوَادِرِ يُعْتَقُ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ وَلَا يُعْتَقُ الَّذِي مَلَكَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْحَالِ فَلَا يُعْتَقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ وَلِهَذَا صَارَ مُدَبَّرًا دُونَ الْآخَرِ.
[بَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ]
ٍ) هُوَ بِالضَّمِّ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْعِتْقُ عَلَى الْمَالِ (وَمَنْ أُعْتِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالنَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ مَنْ (عَلَى مَالٍ) نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَسَطُ فِي تَسْمِيَةِ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ بَعْدَ بَيَانِ جِنْسِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْجِنْسَ بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَقُ فِي الْمَالِ الْمَجْهُولِ (أَوْ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْمَالِ بِأَنْ قَالَ أَنْتَ أَوْ هُوَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ (فَقَبِلَ) الْعَبْدُ الْمَالَ فِي الْمَجْلِسِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ الْإِيجَابِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ عِلْمِهِ، وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ قَبِلَ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَدَّ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ الْمَجْلِسِ بِالْقِيَامِ أَوْ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ قَطْعُ الْمَجْلِسِ بَطَلَ (عَتَقَ) فِي الْحَالِ سَوَاءٌ أَدَّى الْمَالَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ فَشَابَهَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ.
وَفِي الْبَحْرِ قَالَ لِعَبْدِهِ صُمْ عَنِّي يَوْمًا أَوْ صَلِّ عَنِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَصُمْ، وَلَوْ قَالَ حُجَّ عَنِّي وَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَحُجَّ (وَالْمَالُ) الْمَشْرُوطُ (دَيْنٌ) صَحِيحٌ (عَلَيْهِ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ) لِكَوْنِهِ دَيْنًا عَلَى حُرٍّ (بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ قِيَامُ الرِّقِّ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمَوْلَى لَهُ (إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِذَا أُدِّيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوْ مَتَى أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ (صَارَ مَأْذُونًا) بِالْكَسْبِ (لَا مُكَاتَبًا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ وَلَا يَبْطُلُ بِرَدِّهِ، وَلِلْمَوْلَى بَيْعُهُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِلْمَوْلَى وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُ وَيُعْتَقُ، وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى وَفِي يَدِ الْعَبْدِ كَسْبٌ كَانَ لِوَرَثَةِ الْمَوْلَى وَيُبَاعُ الْعَبْدُ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَدَّتْ لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا تَبَعًا، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى رَغَّبَهُ فِي الْإِكْسَابِ لِطَلَبِهِ الْأَدَاءَ مِنْهُ وَمُرَادُهُ التِّجَارَةُ لَا التَّكَدِّي فَكَانَ إذْنًا لَهُ دَلَالَةً (وَيُعْتَقُ) الْعَبْدُ (إنْ أَدَّى) الْمَالَ كُلَّهُ بِنَفْسِهِ
стр. 528
لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ فَأَدَّى لَا يُعْتَقُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (فِي الْمَجْلِسِ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ فَلَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَدَّى مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ لَا يُعْتَقُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (أَوْ خَلَّى) الْعَبْدُ (بَيْنَ الْمَوْلَى وَبَيْنَ الْمَالِ) بِأَنْ وَضَعَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَمَكَّنُ الْمَوْلَى مِنْ أَخْذِهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ (فِي التَّعْلِيقِ بِإِنْ) ؛ لِأَنَّ إنْ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْوَقْتِ فَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(وَ) يُعْتَقُ (مَتَى أَدَّى أَوْ) مَتَى (خَلَّى) بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (فِي التَّعْلِيقِ بِإِذَا) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ إذَا لِلْوَقْتِ كَمَتَى فَيَعُمُّ الْأَوْقَاتَ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ (وَيُجْبِرُ) أَيْ الْحَاكِمُ (الْمَوْلَى عَلَى الْقَبْضِ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ فِيهِ تَنْزِيلُ الْحَاكِمِ أَوْ الْمَوْلَى مَنْزِلَةَ الْقَابِضِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ قَبَضَ أَوْ لَا، لَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْإِجْبَارِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ زُفَرُ يُعْتَقُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى الْقَبُولُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ (وَإِنْ أَدَّى) الْعَبْدُ (الْبَعْضَ يُجْبَرُ) الْمَوْلَى (عَلَى الْقَبْضِ أَيْضًا) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ أَدَّى الْبَعْضَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ أَدَّى الْبَعْضَ بِطَرِيقِ التَّخْلِيَةِ لَا يُنَزَّلُ الْمَوْلَى مَنْزِلَةَ الْقَابِضِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَكُونُ قَابِضًا (إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْكُلَّ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ أَدَاءُ الْكُلِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا فِي حَقِّ الْبَعْضِ.
وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا بِأَنْ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ دِرْهَمًا فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لَا تَكُونُ فِي الْمُعَاوَضَةِ فَيَكُونُ يَمِينًا مَحْضًا وَلَا جَبْرَ فِيهَا (كَمَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ) بِطَلَبِهِ (فَأَدَّى) الْعَبْدُ (الْبَاقِيَ) وَكَذَا إذَا حَطَّ الْجَمِيعَ لَمْ يُعْتَقْ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (ثُمَّ إنْ أَدَّى) الْعَبْدُ (أَلْفًا كَسَبَهَا) أَيْ الْعَبْدُ (قَبْلَ التَّعْلِيقِ رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّ مَا كَسَبَهُ قَبْلَهُ مَالٌ اسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى (وَيُعْتَقُ) لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْأَلْفِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْفَ إنْسَانٍ فَأَدَّى عَتَقَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ) أَدَّى الْعَبْدُ أَلْفًا (كَسَبَهَا) أَيْ الْعَبْدُ الْأَلْفَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ (لَا يَرْجِعُ) الْمَوْلَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْهُ لَكِنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمَأْذُونِ فِي التِّجَارَةِ لِلْمَوْلَى.
وَفِي الْبَحْرِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فِي كِيسٍ أَبْيَضَ فَأَدَّاهَا فِي أَسْوَدَ لَا يُعْتَقُ، وَلَوْ قَالَ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا هَذَا الشَّهْرَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَأَدَّاهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ، وَفِي الْمُكَاتَبِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالْحُكْمِ أَوْ التَّرَاضِي.
(وَلَوْ قَالَ) لِعَبْدِهِ (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِأَلْفٍ فَإِنْ قَبِلَ) الْعَبْدُ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَوْلَى (وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ) أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي إذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ (عَتَقَ) بِالْأَلْفِ (إلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَجْمُوعُ وَهُوَ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِعْتَاقُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ (فَلَا) يُعْتَقُ بِالْأَلْفِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْوَارِثُ مَجَّانًا وَصَرَّحَ
стр. 529
الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعْتَاقِ الْوَارِثِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ
فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ حُكْمًا لِكَلَامِ صَدَرَ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْوَفَاةِ إلَّا بِإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا بَعْدَ الْوَفَاةِ أَيْضًا فَلَا يَبْقَى فَائِدَةٌ لِقَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قُلْت أُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ الْعِتْقَ الْحُكْمِيَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَهُ وَهُنَا قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمُعْتِقِ وَبَقِيَ لِلْوَارِثِ، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَقَعُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ، فَمَا ظَنُّك عِنْدَ عَدَمِهَا، وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْقَبُولُ لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُ الْوَصِيِّ وَالْقَاضِي لِعَدَمِ الْمِلْكِ لَهُمَا وَلَمْ يَلْزَمْ الْوَارِثَ الْإِعْتَاقُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إعْتَاقِ أَحَدٍ وَصُحِّحَ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْقَبُولِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّبْيِينِ: لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ بَعْدَ مَوْتِي أَنَّ الْقَبُولَ فِيهِ لِلْحَالِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يُؤَخِّرَ ذِكْرَ الْمَالِ أَوْ يُقَدِّمَهُ تَأَمَّلْ. وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَلَى أَلْفٍ فَالْقَبُولُ فِيهِ لِلْحَالِ فَإِذَا قَبِلَ صَارَ مُدَبَّرًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكَاتَبًا.
(وَلَوْ حَرَّرَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سَنَةً فَقَبِلَ) الْعَبْدُ (عَتَقَ) مِنْ سَاعَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ عَلَى عِوَضٍ وَالْعِتْقُ عَلَى عِوَضٍ يَقَعُ بِالْقَبُولِ قَبْلَ الْأَدَاءِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهُ تِلْكَ الْمُدَّةِ) الْمُعَيَّنَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْخِدْمَةِ الْخِدْمَةُ الْمَعْرُوفَةُ بَيْنَ النَّاسِ، قُيِّدَ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرَّرَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ عَتَقَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ مَجْهُولَةٌ، وَقُيِّدَ بِعَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ إنْ خَدَمْتنِي سَنَةً لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَخْدُمَهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ إتْمَامِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ وَلَوْ خَدَمَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَعْطَاهُ مَالًا عَنْ خِدْمَتِهِ لَا يُعْتَقُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ خَدَمْتنِي وَأَوْلَادِي سَنَةً فَمَاتَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ لَا يُعْتَقُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ كَلِمَةَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ وَعَلَى لِلْمُعَاوَضَةِ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى) أَوْ الْعَبْدُ، (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخِدْمَةِ (لَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ) وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْعَبْدُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ (قِيمَةُ خِدْمَتِهِ) وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ، وَفَصَّلَ الزَّيْلَعِيُّ كُلَّ التَّفْصِيلِ فَلْيُرَاجَعْ. وَقُيِّدَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَدَمَ بَعْضَ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ قِيمَتِهِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ قِيمَةُ خِدْمَتِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْحَاوِي: وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ نَأْخُذُ.
(وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ بِعَيْنٍ فَهَلَكَتْ) الْعَيْنُ (قَبْلَ الْقَبْضِ يَلْزَمُهُ) أَيْ الْعَبْدَ (قِيمَةُ نَفْسِهِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيمَةُ الْعَيْنِ) الْخِلَافِيَّةِ
стр. 530
الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّهُ كَمَا يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ بِالْهَلَاكِ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى الْخِدْمَةِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ فَصَارَ نَظِيرًا لَهَا، لَهُ إنَّهَا مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ إذْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَعْتِقْ أَمَتَك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا فَفَعَلَ) أَيْ أَعْتَقَهَا الْآخَرُ (وَأَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ عَنْ (أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَدَلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِي الْعَتَاقِ.
(وَلَوْ ضَمَّ) الْقَائِلُ (عَنِّي) أَيْ لَوْ قَالَ أَعْتِقْ أَمَتَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (قُسِمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَتِهَا) أَيْ قِيمَةِ الْأَمَةِ (وَمَهْرِ مِثْلِهَا) لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ فَثُلُثَا الْأَلْف حِصَّة الْقِيمَة وَثُلُثه حِصَّة مَهْر مِثْلهَا (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْأَمْر (حِصَّة الْقِيمَة) وَهِيَ ثُلُثًا الْأَلْف (وَسَقَطَ) عَنْهُ (مَا يَخُصّ الْمَهْر) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ عَنِّي تَضَمَّنَ الشِّرَاء اقْتِضَاء، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَابِل الْأَلْف بِالرَّقَبَةِ شِرَاء وَالْبِضْع نِكَاحًا فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا وَوَجَبَتْ حِصَّة مَا سَلَّمَ لَهُ وَهُوَ الرَّقَبَة وَبَطَل عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّم وَهُوَ الْبِضْع.
(وَلَوْ) لَمْ تَأْبَهُ (تَزَوَّجَتْهُ) أَيْ الْأُمَّة الْآمِر (فَحِصَّة الْمَهْرِ لَهَا) أَيْ الْأُمَّةُ (فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي صُورَتِي ضَمَّ عَنِّي وَتَرْكَهُ. (وَحِصَّةُ الْقِيمَةِ لِلْمَوْلَى فِي الثَّانِي) أَيْ فِي صُورَةِ الضَّمِّ (وَهَدَرٌ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ وَحِصَّةُ الْقِيمَةِ هَدَرٌ فِي صُورَةِ تَرْكِ الضَّمِّ، وَقَيَّدَ بِاشْتِرَاطِ التَّزَوُّجِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسهَا فَزَوَّجَتْهُ فَلَهَا مَهْر مِثْلهَا عِنْد الطَّرَفَيْنِ وَعِنْد أَبِي يُوسُف يَجُوز جَعْلَ الْعِتْق صَدَاقًا فَإِنْ أَبَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتهَا فِي قَوْلهمْ جَمِيعًا، وَهَذَا شَامِلٌ لِلْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَة دُون أُمِّ الْوَلَد لَمَّا قَالَ فِي الْبَحْر عَنْ الْخَانِيَّة أَمُّ الْوَلَد إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا عَلَى أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ فَإِنَّ أَبَتْ أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ لَا سِعَايَة عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَفِي الْمَنْح يُشْكِلُ عَلَى عَدَم وُجُوب السِّعَايَة هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَة وُجُوب السِّعَايَة عَلَى أُمِّ الْوَلَد إذَا أَسْلَمَتْ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى لِلْمَوْلَى فِي قِيمَتهَا؛ لِأَنَّهُ مَغْرُور مِنْ قِبَلِهَا، لَكِنْ إسْلَام أَمِّ الْوَلَد لَا يُوجِب الْعِتْق بَلْ تُعْتَق بِالسِّعَايَةِ لِئَلَّا تَكُون تَحْت الْكَافِر، وَلَا مَدْخَل لِلْمَوْلَى فِي إسْلَامهَا حَتَّى تَسْقُط بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَتْ أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاق مِنْ قِبَلِهِ فَافْتَرَقَا تَأْمُل.
[بَابُ التَّدْبِيرِ]
ِ) هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ التَّدْبِيرُ الْمُقَيَّدُ كَعِتْقِهِ بِمَوْتٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ، وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِمَوْتِهِ وَمَوْتِ غَيْرِهِ فَخَرَجَ أَيْضًا أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِالْإِعْتَاقِ فَلَا يُعْتَقُ بَعْدَ عِتْقِ الْمَوْلَى إلَّا بِإِعْتَاقِ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ وَخَرَجَ بِمَوْتِهِ تَعْلِيقُهُ بِمَوْتِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ إنْ مَاتَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا أَصْلًا لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا فَإِذَا مَاتَ فُلَانٌ عَتَقَ مِنْ غَيْرِ
следующие страницы →