← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مُقَدِّمَة الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا إلَى الْإِيمَانِ بِهِدَايَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ وَوَفَّقَنَا لِمُدَاوَمَةِ الصَّلَاةِ بِعِنَايَتِهِ الْعَلِيَّةِ وَأَطْلَعَنَا عَلَى الْأُصُولِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْحَنَفِيَّةِ وَفَرَضَ عَلَيْنَا الزَّكَاةَ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ عَنْ الْأَمْوَالِ الْبَهِيَّةِ وَشَرَّفَنَا بِالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَإِنَّهُمَا مُكَفِّرَانِ لِلذُّنُوبِ وَكَاشِفَانِ عَنْ ظُلَمِ الْمَعَاصِي وَغَيَاهِبِ الرُّيُوبِ حَمْدًا لَا يَكْتَنُّهُ كُنْهُهُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَهُوَ مِرْقَاةُ الْأُصُولِ وَمِعْرَاجُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ هُوَ اللَّهُ لَا إلَهَ سِوَاهُ وَلَا مُنَازِعَ لِمَا عَدَلَهُ وَسَوَّاهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلَائِقِ الْإِنْسِيَّةِ وَمَجْمَعِ الْخَلَائِقِ الْإِنْسِيَّةِ وَطَوْرِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِحْسَانِيَّةِ وَمَهْبِطِ الْأَسْرَارِ الرَّوْحَانِيَّةِ وَتُرْجُمَانِ لِسَانِ الْقِدَمِ وَمَنْبَعِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْحِكَمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي وَسَمَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَرَسَمَ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ عِلْمًا لِلدِّينِ الْمُبِينِ وَإِمَامًا لِلْحُكَّامِ وَمُوَطِّدًا لِلْمِلَّةِ وَمُمَهِّدًا لِلْإِسْلَامِ صَلَاةً مَمْدُودَةً مَدَاهَا بَاقِيَةَ الْوُصُولِ إلَى مُنْتَهَاهَا وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ قَاطِعُوا دَابِرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَقَالِعُوا عِرْقِ أَهْلِ الْغَوَايَةِ وَالْجَهَالَةِ مَا تَجَلَّتْ وُجُوهُ الْإِسْلَامِ بِغُرَرِ التَّدْقِيقِ وَتَجَلَّتْ صُدُورُ الْأَحْكَامِ بِدُرَرِ التَّحْقِيقِ. (وَبَعْدُ) فَيَقُولُ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْمَلِكِ الْمَنَّانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَدْعُوُّ بِشَيْخِ زَادَهْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَأَحْسَنَ إلَيْهِمَا وَإِلَيْهِ إنَّ الْكِتَابَ الْمُسَمَّى بِمُلْتَقَى الْأَبْحُرِ بَحْرٌ زَاخِرٌ وَغَيْثٌ مَاطِرٌ وَإِنْ كَانَ صَغِيرَ الْحَجْمِ وَوَجِيزَ النَّظْمِ لَكِنَّ جَمِيعَ الْوَاقِعَاتِ مِنْ الْمَسَائِلِ

стр. 2

قَدْ يُوجَدُ فِي قَعْرِهِ أَوْ فِي السَّاحِلِ وَهُوَ أَنْفَعُ مُتُونِ الْمَذْهَبِ وَأَجَلُّ وَأَتَمُّهَا فَائِدَةً وَأَكْمَلُ خَالٍ عَنْ الزَّوَائِدِ الْمُمِلَّةِ وَالِاخْتِصَارَاتِ الْمُخِلَّةِ وَشُهْرَتُهُ فَوْقَ الْأَطْنَابِ فِي مِدْحَتِهِ رَحِمَ اللَّهُ مُؤَلِّفَهُ وَتَغَمَّدَهُ بِمَغْفِرَتِهِ وَقَدْ شَرَحَهُ بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَشَفَ عَنْ حَقَائِقِهِ الْمُسْتَجِنَّةِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَطْنَبَ بِلَا فَائِدَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَزَ بِلَا رَبْطٍ وَلَا قَاعِدَةٍ لَا يُرَى فِيمَا قَالُوا شِفَاءً لِعَلِيلٍ وَلَا رِوَاءً لِغَلِيلٍ بَلْ لَا يَخْلُو مِنْ زَيَغَانِ الْأَبْصَارِ عَلَى النَّاظِرِينَ وَالتَّخَالُجِ فِي بَالِ أَكْثَرِ الْمُتَأَمِّلِينَ فَأَرَدْت تَبْيِينَ مَكْنُونِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمٍ وَغَامِضٍ وَتَحْقِيقَ لُبِّهِ مِنْ كُلِّ حُلْوٍ وَحَامِضٍ مِنْ غَيْرِ إطْنَابٍ مُمِلٍّ وَإِيجَازٍ مُخِلٍّ وَأَلْحَقْت بِهِ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ مُتَوَغِّلًا فِي تَخْلِيصِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَتَمْيِيزِ الْقِشْرِ عَنْ اللُّبَابِ مَعَ قِلَّةِ الْبِضَاعَةِ وَكَثْرَةِ الْهُمُومِ وَالْآلَامِ وَاشْتِعَالِ نِيرَانِ شَدَائِدِ الطَّرِيقِ فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَاخْتِلَالِ الْحَالِ وَتَرَاكُمِ بَوَاعِثِ الْمَلَالِ. (وَسَمَّيْته بِمَجْمَعِ الْأَنْهُرِ فِي شَرْحِ مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ) رَاجِيًا مِنْ الْمُنْصِفِ إذَا نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ الرِّضَا وَوَجَدَ الْخَطَأَ أَنْ يُصَحِّحَ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ اللَّئِيمُ يَفْضَحُ وَالْكَرِيمُ يُصْلِحُ؛ لِأَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَمَنْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ يَكُونُ عِنْدَ كِرَامِ النَّاسِ مَعْذُورًا وَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ بِلَوْمَةِ لَائِمٍ مَلُومًا مَدْحُورًا بَلْ يَكُونُ السَّعْيُ لَدَيْهِمْ مَشْكُورًا وَالْعَمَلُ الْخَيِّرُ بَيْنَ يَدَيْهِمْ مَقْبُولًا وَمَبْرُورًا وَمُبْتَغِيًا أَنْ يَجْعَلَهُ خَاصًّا لِوَجْهِ اللَّهِ الْغَفَّارِ وَوَسِيلَةً إلَى شَفَاعَةِ نَبِيِّهِ الْمُخْتَارِ وَشَرَعْت مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ الْفَيَّاضِ الْكَرِيمِ وَمُسْتَعِيذًا مِنْ كُلِّ حَاسِدٍ وَلَئِيمٍ وَذَلِكَ فِي يُمْنِ أَيَّامِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ الْأَكْرَمِ عَضُدِ سَلَاطِينِ الْأُمَمِ ظِلِّ اللَّهِ فِي بَسِيطِ الْأَرْضِ عَامِرِ الْمَعْمُورَةِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ قُطْبِ فَلَكِ السَّلْطَنَةِ الْغَرَّاءِ مَرْكَزِ دَائِرَةِ الْخِلَافَةِ الْعُلْيَا مَالِكِ أَزِمَّةِ أُمُورِ الْعَالَمِينَ حَافِظِ ثُغُورِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِنُصْرَةِ الدِّينِ الْمُبِينِ وَالشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ الْمَتِينِ الْمَنْصُورِ بِالتَّأْيِيدَاتِ الْفَائِضَةِ مِنْ السَّمَاءِ الْمُظَفَّرِ بِوُرُودِ الْجُنُودِ الْغَيْبِيَّةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ الْمُؤَيَّدِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْوَهَّابِ بِالتَّوْفِيقِ الْمُسَدَّدِ بِنَصْرِ اللَّهِ الْفَتَّاحِ عَلَى التَّحْقِيقِ آمِرِ الْعِبَادِ بِإِقَامَةِ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ الْمَخْصُوصِ بِتَشْرِيفِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] أَنْوَرَ مِنْ بَدْرِ الدُّجَى فِي هَالَةِ الْبَرَايَا أَظْهَرَ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى فِي الْعَدَالَةِ بَيْنَ الرَّعَايَا مَلَاذِ أَرْبَابِ الْحَاجَاتِ وَالْعُلَمَاءِ مَعَاذِ كَافَّةِ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ حَامِي حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ مُرَوِّجِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ بِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ ضَابِطِ أَقْطَارِ الْأَمْصَارِ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ رَابِطِ أَطْرَافِ الْآفَاقِ بِالدَّوْلَةِ الْبَاهِرَةِ نَاصِبِ رَايَاتِ النَّصَفَةِ بَعْدَ انْدِرَاسِهَا مُظْهِرِ آثَارِ الْعَدَالَةِ عَقِيبَ انْطِمَاسِهَا مُؤَسِّسِ مَبَانِي الْإِنْصَافِ

стр. 3

قَالِعِ قَوَاعِدِ الْإِجْحَافِ مَالِكِ مَمَالِكِ الْآفَاقِ وَارِثِ سَرِيرِ السَّلْطَنَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الْمُعَظَّمَيْنِ مَالِكِ أَمَاجِدِ الْمَشْرِقَيْنِ. هُوَ الْمَلِيكُ الَّذِي مَا زَالَ بَدْرَ هُدًى ... يُطِيعُهُ الْخَلْقُ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمِ فَمُذْ أَقَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ حُرِسَتْ ... جَوَانِبُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ الثُّلَمِ سُلْطَانِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالرُّومِ وَالْخَاقَانِ السُّلْطَانِ الْغَازِي مُحَمَّد خَان بْنِ السُّلْطَانِ إبْرَاهِيم خَان بْنِ السُّلْطَانِ أَحْمَد خَان أَسْبَغَ اللَّهُ ظِلَالَ سَلْطَنَتِهِ عَلَى مُفَارِقِ الْعَالَمِينَ وَوَسَّعَ سِجَالَ نَوَالِ عَاطِفَتِهِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلَا زَالَتْ سَمَاءُ دَوْلَتِهِ بِكَوَاكِبِ الْإِقْبَالِ مُزَيَّنَةً وَآيَاتُ أُبَّهَتِهِ عَلَى صَفَحَاتِ الْكَائِنَاتِ مُبَيَّنَةً وَأَقْمَارُ دَوْلَتِهِ ثَابِتَةً عَلَى بُرُوجِ الْكَمَالِ وَنُجُومُ عَظَمَتِهِ ثَاقِبَةً عَلَى ذَوِي الْإِقْبَالِ نَائِيَةً عَنْ سَمْتِ الزَّوَالِ مَلِيكُ النَّدَى رُكْنُ الْهُدَى كَعْبَةُ الْعُلَى ... قَرِينُ التُّقَى وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ أَجْمَعَا إلَهِي بِدَمْعِ الْوَارِدِينَ لِزَمْزَمَ ... وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَمَنْ سَعَى أَطِلْ عُمْرَهُ وَاشْرَحْ بِفَضْلِك صَدْرَهُ ... وَعَامِلِهِ بِالْإِنْعَامِ يَا سَامِعَ الدُّعَا اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ افْتَتَحَهُ بِاسْمِ اللَّهِ وِفَاقًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَاقْتِفَاءً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَاقْتِدَاءً بِالْمُؤَلِّفِينَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ مَعَ إشَارَةٍ إلَى أَدَاءِ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَحَامِدِ الْكَرِيمِ فَقَالَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْبَاءُ حَرْفُ مَعْنَى وَلَهَا مَعَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا سِيبَوَيْهِ إلَّا مَعْنَى الْإِلْصَاقِ وَالِاخْتِلَاطِ وَذَكَرُوا أَنَّهَا لِلِاسْتِعَانَةِ وَقِيلَ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ ابْتِدَائِي كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ وَقَدَّرَ الْكُوفِيُّونَ بَدَأْتُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ مُتَأَخِّرًا عَنْ التَّسْمِيَةِ وَالِاسْمُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى مَوْجُودٍ فِي الْأَعْيَانِ إنْ كَانَ مَحْسُوسًا وَفِي الْأَذْهَانِ إنْ كَانَ مَعْقُولًا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ بِهَيْئَتِهِ لِلزَّمَانِ هُوَ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ أَوْ مِنْ الْوَسْمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ وَكُسِرَتْ الْبَاءُ لِتَشَابُهِ حَرَكَتِهَا عَمَلَهَا وَطُوِّلَتْ لِتَدُلَّ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ وَلَمْ تُحْذَفْ إلَّا مَعَ اسْمٍ وَاَللَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعًا، وَهُوَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ عَلَمٌ لِمُوجِدِ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِمُشْتَقٍّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ مِنْ رَحِمَ بَعْدَ نَقْلِهِ إلَى فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ لَا تُشْتَقُّ إلَّا مَعَ فِعْلَ لَازِمٍ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي بَابِ الْمَدْحِ مِثْلُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ وَبَدِيعُ السَّمَوَاتِ، وَفِي الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي الرَّحِيمِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبَانِي لِزِيَادَةِ الْمَعَانِي وَهِيَ إمَّا بِحَسَبِ شُمُولِهِ لِلدَّارَيْنِ وَاخْتِصَاصِ الرَّحِيمِ بِالدُّنْيَا كَمَا وَقَعَ فِي الْأَثَرِ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا وَإِمَّا بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْمَرْحُومِينَ وَقِلَّتِهِمْ كَمَا وَرَدَ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ جَلَالَةِ النِّعَمِ وَدِقَّتِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي الرَّحْمَنِ مُبَالَغَةٌ فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ

стр. 4

لَيْسَتْ فِي الرَّحِيمِ فَقَصَدَ بِهِ رَحْمَةً زَائِدَةً بِوَجْهٍ مَا فَلَا يُنَافِيهِ مَا يُرْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا لِجَوَازِ حَمْلِهِمَا عَلَى الْجَلَائِلِ وَالدَّقَائِقِ وَاشْتِقَاقِهِمَا مِنْ الرَّحْمَةِ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ وَهُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْأَجْسَامِ فَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ - تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِي الَّتِي هِيَ انْفِعَالَاتٌ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِنْعَامِ أَوْ إرَادَتِهِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبَّبٌ عَنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَالِانْعِطَافِ فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى (الْحَمْدُ) هُوَ الثَّنَاءُ لِتَعْظِيمِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ بِمَعْنَى الْمَدْحِ لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ بِمَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْخِصَالِ الْجَمِيلَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالْمَدْحُ بِمَا فِيهِ وَمِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ وَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ تَقُولُ حَمِدْته لِعِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَمَدَحْته لِطُولِ قَامَتِهِ وَصَبَاحَةِ وَجْهِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] وَأَعَمُّ مِنْ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يُقَالُ إلَّا فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ وَالْحَمْدُ يُقَالُ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا نَقُولُ: حَمِدْته لِإِحْسَانِهِ إلَيَّ وَحَمِدْتُهُ لِعِلْمِهِ وَشَكَرْته لِإِحْسَانِهِ إلَيَّ فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ، وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا وَكُلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَدْحٍ حَمْدًا كَمَا فِي الْكَوَاشِيِّ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ حَمِدَهُ - تَعَالَى - أَوْ حَمِدَ مُحِبِّيهِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ الْجِنْسِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْوُصُولِ أَنَّ الْعَهْدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِلَّهِ) وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ الْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِهِ - تَعَالَى - الْحَمْدُ هَا هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَيْ كُلُّ حَامِدِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ - تَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ كُلُّ مَحْمُودِيَّةٍ قَائِمَةٌ بِهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ أَيْ كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَمْدِ فَحِينَئِذٍ يَشْمَلُ كُلًّا مِنْ مَعْنَيَيْهِ فَيُوَفَّى حَقُّ الْمَقَامِ (الَّذِي وَفَّقَنَا) التَّوْفِيقُ: جَعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَ عِبَادِهِ مُوَافِقًا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَقِيلَ هُوَ اسْتِعْدَادُ الْإِقْدَامِ عَلَى الشَّيْءِ وَقِيلَ هُوَ مُوَافَقَةُ تَدْبِيرِ الْعَبْدِ لِتَقْدِيرِ الْحَقِّ وَقِيلَ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ إلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وَقِيلَ هُوَ جَعْلُ الْأَسْبَابِ مُوَافِقَةً لِلْمُسَبِّبَاتِ (لِلتَّفَقُّهِ) الْفِقْهُ: هُوَ الْإِصَابَةُ وَالْوُقُوفُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ وَهُوَ عِلْمٌ مُسْتَنْبَطٌ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَمُحْتَاجٌ إلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ فَقِيهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاخْتَارَ التَّفَقُّهَ لِلْإِشَارَةِ إلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْ فِي الدِّينِ» وَإِلَى مَا فِي صِيغَةِ التَّكْلِيفِ مِنْ أَنَّ حُصُولَ عِلْمِ الْفِقْهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا (فِي الدِّينِ) الدِّينُ وَالْمِلَّةُ مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُطَاعُ تُسَمَّى دِينًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَجْمَعُ تُسَمَّى مِلَّةً وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُرْجَعُ إلَيْهَا تُسَمَّى مَذْهَبًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدِّينَ مَنْسُوبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ يَدْعُو أَصْحَابَ الْعُقُولِ إلَى قَبُولِ مَا هُوَ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ، وَالْمِلَّةُ

стр. 5

إلَى النَّبِيِّ، وَالْمَذْهَبُ إلَى الْمُجْتَهِدِ (الَّذِي) الْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِلدِّينِ (هُوَ) أَيْ الدِّينُ (حَبْلُهُ) وَوَصَفَ الْحَبْلَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ بِقَوْلِهِ (الْمَتِينُ) أَيْ الصُّلْبُ الشَّدِيدُ (وَفَضْلُهُ) الْفَضْلُ ابْتِدَاءُ إحْسَانٍ بِلَا عِلَّةٍ (الْمُبِينُ) أَيْ الْمُوَضَّحُ (وَمِيرَاثُ) مَجَازٌ عَنْ الِانْتِقَالِ (الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ) فَالرَّسُولُ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ مَلَكًا كَانَ أَوْ آدَمِيًّا وَكَذَا النَّبِيُّ إلَّا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْسِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَهُمَا إمَّا مُتَبَايِنَانِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فَالرَّسُولُ جَاءَ بِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ، وَالنَّبِيُّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي غَيْرِهِ مَجَازًا، أَوْ مُتَرَادِفَانِ عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْخُطْبَةِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ بُعِثَ لِلتَّبْلِيغِ، أَوْ الرَّسُولُ أَخَصُّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَحُجَّتُهُ) أَيْ دَلِيلُهُ وَبُرْهَانُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُجَّةِ وَالْبَيِّنَةِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ الدَّعْوَى مِنْ حَيْثُ إفَادَتُهُ الْبَيَانَ يُسَمَّى بَيِّنَةً، وَمِنْ حَيْثُ الْغَلَبَةُ عَلَى الْخَصْمِ بِهِ يُسَمَّى حُجَّةً (الدَّامِغَةُ) الْقَاهِرَةُ الْمُذِلَّةُ لِلْخَصْمِ مِنْ الدَّمْعِ، وَهُوَ مِنْ الشِّجَاجِ الَّتِي بَلَغَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ (عَنْ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ) أَكَّدَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِرِعَايَةِ السَّجْعِ (وَمَحَجَّتُهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَالْجِيمِ جَادَّةُ الطَّرِيقِ وَهِيَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ (السَّالِكَةُ) أَيْ الرَّاقِيَةُ الْمُوَصِّلَةُ (إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ) أَيْ أَعْلَى مَكَان فِي الْجَنَّةِ (وَالصَّلَاةُ) بِالرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ بِالْعَطْفِ عَلَى الِاسْمِ أَيْ بِالصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كُتِبَتْ بِالْوَاوِ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ الْمُفَخَّمِ فَالْمَعْنَى الْعَطْفُ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَإِلَى الْمَلَكِ الِاسْتِغْفَارُ، وَإِلَى الْمُؤْمِنِينَ الدُّعَاءُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فِي الدُّعَاءِ حَقِيقَةٌ وَفِي غَيْرِهِ مَجَازٌ (وَالسَّلَامُ) أَيْ السَّلَامَةُ عَنْ الْآفَاتِ وَسُمِّيَتْ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ لِهَذَا وَتَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ وَتَعْرِيفُهُمَا كَتَعْرِيفِ الْحَمْدِ (عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ) أَيْ أَفْضَلِ مَخْلُوقِهِ (مُحَمَّدٍ) أَشْهَرِ أَسْمَائِهِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ أَلْفٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِلْإِلْهَامِ بِذَلِكَ وَالْمَعْنَى ذَاتٌ كَثُرَتْ خِصَالُهَا الْمَحْمُودَةُ أَوْ كَثُرَ الْحَمْدُ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ أَوْ كَثُرَ حَمْدُهُ تَعَالَى لَهُ (الْمَبْعُوثُ) إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْخِلَافِ (رَحْمَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَوْ الْمَفْعُولِ لَهُ (لِلْعَالَمِينَ) وَالْعَالَمُ اسْمٌ لِمَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى غَلَبَ مِنْهُ الْعُقَلَاءُ وَقِيلَ اسْمٌ لِذَوِي الْعِلْمِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَتَنَاوُلُهُ لِغَيْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِتْبَاعِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ النَّاسُ وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ) فِي الْآلِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ وَالصَّحْبُ جَمْعُ صَاحِبٍ وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ رَأَى النَّبِيَّ أَوْ رَآهُ النَّبِيُّ ﵊ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَعَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ مُخْتَصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

стр. 6

تَعْظِيمًا لَمْ يَدْعُ بِهِ لِغَيْرِهِمْ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لَهُمْ (وَالتَّابِعِينَ) هُوَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الصَّحَابَةَ فِي آثَارِهِمْ (وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُؤَلِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ (وَبَعْدُ) مِنْ الظُّرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْ الْإِضَافَةِ أَيْ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ (فَيَقُولُ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْغَنِيِّ) وَالْفَاءُ فِي فَيَقُولُ إمَّا عَلَى تَوَهُّمِ أَمَّا، وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ مَهْمَا مَحْذُوفَةً مِنْ الْكَلَامِ وَالْوَاوُ عِوَضٌ عَنْهَا (إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيُّ) كَانَ إمَامًا وَخَطِيبًا بِجَامِعِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِمَدِينَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْمَحْمِيَّةِ وَمُدَرِّسًا بِدَارِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي بَنَاهَا سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي وَمَاتَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ عُمَرُهُ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ وَزَادَ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجِنَانِ فَتَوَجَّهَ (قَدْ سَأَلَنِي) أَيْ طَلَبَ مِنِّي (بَعْضُ طَالِبِي) جَمْعٌ مُضَافٌ إلَى (الِاسْتِفَادَةِ) . وَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْمُسْتَفِيدِينَ لَكَانَ أَوْلَى (أَنْ أَجْمَعَ لَهُ كِتَابًا يَشْتَمِلُ) صِفَةُ: كِتَابًا (عَلَى مَسَائِلِ الْقُدُورِيِّ وَالْمُخْتَارِ وَالْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ بِعِبَارَةٍ سَهْلَةٍ) الْمُرَادُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ بِالسُّهُولَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْفِكْرِ وَالدِّقَّةِ (غَيْرِ مُغْلَقَةٍ) أَيْ غَيْرِ مُشْكِلَةٍ (فَأَجَبْتُهُ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً أَيْ أَعْطَيْته جَوَابًا بِأَنْ أَقُولَ قَبِلْت إيفَاءَ مَسْأَلَتِك (إلَى ذَلِكَ) أَيْ سُؤَالِ الْبَعْضِ. (وَأَضَفْت إلَيْهِ بَعْضَ مَا يَحْتَاجُ) أَيْ يَفْتَقِرُ (إلَيْهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمَجْمَعِ وَنُبْذَةً) عِبَارَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ زَادَهُ مَسَائِلَ كَثِيرَةً مِنْ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً نَظَرًا إلَى أَنْفُسِهَا نُبْذَةً بِالْقِيَاسِ إلَى مَسَائِلِ سَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي جَمَعَهَا فِي كِتَابِهِ (مِنْ الْهِدَايَةِ وَصَرَّحْت بِذِكْرِ الْخِلَافِ) الْوَاقِعِ (بَيْنَ أَئِمَّتِنَا) الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيِّ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ الرَّبَّانِيِّ وَالْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ اخْتَرَعَ قَاعِدَةً فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ لِيُعْلَمَ مِنْهَا الْأَقْوَى وَالْأَرْجَحُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فَقَالَ. (وَقَدَّمْت مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ) الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ مَفْعُولُ قَدَّمْت. (وَأَخَّرْت غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْأَرْجَحِ (إلَّا) الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرَهُ (إنْ قَيَّدْته) وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى: غَيْرَهُ (بِمَا يُفِيدُ التَّرْجِيحَ) نَحْوَ قَوْلِهِ الصَّحِيحُ وَالْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَإِنَّ الْأَرْجَحَ حِينَئِذٍ مَا هُوَ الْمُقَيَّدُ بِهِ لَا الْمُقَدَّمُ. (وَأَمَّا الْخِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ) مِنْ الْمَشَايِخِ (أَوْ) الْخِلَافُ الْوَاقِعُ (بَيْنَ) أَصْحَابِ (الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ) الَّتِي جَمَعَ هَذَا الْكِتَابُ مِنْهَا (فَكُلُّ مَا) أَيْ مَسْأَلَةٍ (صَدَّرْته بِلَفْظِ قِيلَ أَوْ قَالُوا إنْ) - وَصْلِيَّةٌ - (كَانَ مَقْرُونًا بِالْأَصَحِّ وَنَحْوِهِ) أَيْ الْمُخْتَارِ وَبِهِ يُفْتَى (فَإِنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلَ الْمُصَدَّرَ بِلَفْظِ قِيلَ أَوْ قَالُوا (مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ مَا لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ قِيلَ أَوْ قَالُوا (وَمَتَى) لِلشَّرْطِ هُنَا (ذَكَرْت لَفْظَ التَّثْنِيَةِ) كَقَوْلِهِ خِلَافًا لَهُمَا أَوْ قَالُوا أَوْ عِنْدَهُمَا (مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَرْجِعِهِمَا فَهُوَ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) أَمَّا لَوْ ذَكَرَ مَثَلًا مُحَمَّدًا ثُمَّ ذَكَرَ التَّثْنِيَةَ فَالْمُرَادُ الشَّيْخَانِ (وَلَمْ آلُ) مِنْ الْأَلْوِ وَهُوَ التَّقْصِيرُ (جُهْدًا) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الِاجْتِهَادُ وَعَنْ الْفَرَّاءِ الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْأَلْوُ فِي قَوْلِهِمْ لَا آلُوك جُهْدًا مُتَعَدِّيًا إلَى الْمَفْعُولَيْنِ وَالْمَعْنَى: لَا أَمْنَعُك جُهْدًا أَيْ لَمْ أُقَصِّرْ وَلَمْ أَتْرُكْ اجْتِهَادًا بَلْ اسْتَقْصَيْت (فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَقْوَى وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى) الصَّحِيحُ مُقَابِلُ الْفَاسِدِ

стр. 7

الْأَصَحُّ مُقَابِلُ الصَّحِيحِ فَإِذَا تَعَارَضَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا الصَّحِيحُ وَالْآخَرُ الْأَصَحُّ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَائِلَ الْأَصَحِّ يُوَافِقُ قَائِلَ الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَقَائِلُ الصَّحِيحِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآخَرِ فَاسِدٌ. (وَحَيْثُ) ظَرْفُ مَكَان بِمَنْزِلَةِ حِينَ (اجْتَمَعَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْكِتَابِ الْكُتُبُ الْمَذْكُورَةُ (سَمَّيْته بِمُلْتَقَى الْأَبْحُرِ لِيُوَافِقَ الِاسْمَ الْمُسَمَّى) هَذَا تَعْلِيلُ تَسْمِيَتِهِ كِتَابَهُ بِهَذَا الِاسْمِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَبْحُرَ الْحَقِيقَةَ لَمَّا كَانَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهَا مُلْتَقَى جَمِيعِ مَا فِيهَا فَكَذَلِكَ الْأَبْحُرُ الْمَجَازِيَّةُ يُوجَدُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ (وَاَللَّهَ سُبْحَانَهُ) مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ أَسْأَلُ وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَى الْفِعْلِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ تَعَالَى أَوْ لِلتَّخْصِيصِ أَوْ الْعِنَايَةِ (أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ) أَيْ جَمْعِي (خَالِصًا لِوَجْهِهِ) أَيْ لِذَاتِهِ الْكَرِيمِ. (وَأَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ تَأْلِيفِهِ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَمِنَّا إنَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَمِيمِ وَخَلَّصَنِي وَإِيَّاهُ بِفَضْلِهِ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ آمِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَيْنِ. [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] افْتَتَحَ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ وَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلتَّقْدِيمِ عَلَى بَاقِي الْعِبَادَاتِ لِكَوْنِهَا عِمَادَ الدِّينِ قِيلَ: هِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ الْكَتْبُ فِي اللُّغَةِ الْجَمْعُ وَمِنْهُ الْكِتَابُ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَكْتُوبُ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ عَلَى التَّوَسُّعِ الشَّائِعِ وَاصْطِلَاحًا طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً فِي نَفْسِهَا كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ تَابِعَةً لِمَا بَعْدَهَا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ أَوْ مُسْتَتْبِعَةً لِمَا قَبْلَهَا

стр. 8

كَكِتَابِ الصَّلَاةِ أَوْ نَوْعًا وَاحِدَةً كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ أَنْوَاعًا مِنْهَا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاخْتَارَ لَفْظَ الْكِتَابِ دُونَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ اشْتِقَاقَ الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بِخِلَافِ الْبَابِ وَالْغَرَضُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطَّهَارَةِ لَا نَوْعٌ مِنْهَا وَالطَّهَارَةُ لُغَةً مَصْدَرُ طَهُرَ الشَّيْءُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى النَّظَافَةِ مُطْلَقًا، وَاصْطِلَاحًا النَّظَافَةُ عَنْ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءُ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الشَّرْعِ نَظَافَةُ الْمَحَلِّ عَنْ النَّجَاسَةِ حَقِيقَةً كَانَتْ أَوْ حُكْمِيَّةً سَوَاءٌ كَانَ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ كَالْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْأَوَانِي وَالْأَطْعِمَةِ وَمَنْ خَصَّهَا بِالْأَوَّلِ فَقَدْ أَخْطَأَ لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهَارَةِ هَا هُنَا الطَّهَارَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِالصَّلَاةِ لَا الْكُلِّيَّةُ الشَّامِلَةُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، وَإِنَّمَا وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَمَنْ جَمَعَهَا فَقَدْ قَصَدَ التَّصْرِيحَ بِأَنْوَاعِهَا وَسَبَبُ وُجُوبِهَا وُجُوبُ مَا لَا يَحِلُّ بِدُونِهَا كَالصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ قِيلَ سَبَبُ وُجُوبِهَا الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ» وَقِيلَ الْحَدَثُ لِدَوَرَانِهِ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا إلَى الشَّيْءِ وَالْحَدَثُ رَافِعٌ لَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦] افْتَتَحَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَيَمُّنًا وَإِلَّا فَذِكْرُ الدَّلِيلِ خُصُوصًا عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيمِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبَ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ كَمَا فِي جَمِيعِ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا لِمَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ قَطْعًا وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، وَالْجَوَابُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ خَاصٌّ بِالْمُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلَالَةِ الْحَالِ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدَثِ فِي التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْغَسْلُ هُوَ الْإِسَالَةُ أَيْ أَمِرُّوا عَلَيْهَا الْمَاءَ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] الْجُمْهُورُ عَلَى دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْمَغْسُولِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ إلَى بِمَعْنَى مَعَ وَوَاحِدُهَا مِرْفَقٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] لَا إشْكَالَ عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ فَلِلْمُجَاوَرَةِ وَالْإِتْبَاعِ لَفْظًا لَا مَعْنًى، وَفَائِدَةُ صُورَةِ الْجَرِّ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَ غَسْلًا خَفِيفًا شَبِيهًا بِالْمَسْحِ لِمَا أَنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ. (فَفَرْضُ الْوُضُوءِ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ وَالْفَرْضُ لُغَةً الْقَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ: فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إذَا قَدَّرَهَا وَاصْطِلَاحًا مَا ثَبَتَ لُزُومُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَحُكْمُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ تَارِكُهُ وَيُكَفَّرَ جَاحِدُهُ وَالْوُضُوءُ بِالْوُضُوءِ بِالضَّمِّ اسْمُ مَصْدَرٍ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّقَاوَةُ

стр. 9

وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّازِمِ (غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ) مَرَّةً يَعْنِي الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ قَيَّدَ الْأَعْضَاءَ بِالثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهَا خَمْسٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ جُعِلَا فِي الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوَيْنِ كَمَا فِي الدِّرَايَةِ. (وَمَسْحُ الرَّأْسِ) مَرَّةً الْمَسْحُ الْإِصَابَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْإِصَابَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ قَدْرُ الْمَفْرُوضِ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ بِالْيَدِ أَوْ لَمْ يَمْسَحْهُ. (وَالْوَجْهُ مَا بَيْنَ قِصَاصِ الشَّعْرِ) هَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ فِي الطُّولِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى الذَّقَنِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَا قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهُ. وَفِي الدِّيوَانِ قِصَاصُ الشَّعْرِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا بِمَعْنًى، وَهُوَ مُنْتَهَى مَنْبَتِهِ مِنْ الرَّأْسِ وَغَايَتُهُ انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ قِصَاصَ الشَّعْرِ فِي اللُّغَةِ مُنْتَهَى مَنْبَتِهِ مُطْلَقًا لَا مُنْتَهَى مَنْبَتِهِ فِي الرَّأْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ الشَّعْرِ شَعْرُ الرَّأْسِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ لَا عَلَى اللُّغَةِ. (وَأَسْفَلِ الذَّقَنِ) هَذَا حَدُّهُ طُولًا وَالذَّقَنُ بِالتَّحْرِيكِ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ جَمْعُهُ أَذْقَانٌ. (وَشَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ) هَذَا حَدُّهُ عَرْضًا الشَّحْمَةُ مُعَلَّقُ الْقُرْطِ، وَإِنَّمَا زَادَ لَفْظَ الشَّحْمَةِ إدْخَالًا لِمَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَشَحْمَةِ الْأُذُنِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ مُطْلَقًا وَوَقَعَ فِي عِبَارَة الْهِدَايَةِ وَفِي غَيْرِهَا وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ، وَمَا قَالَهُ الْبَاقَانِيُّ. وَفِي إفَاضَةِ الشَّحْمَتَيْنِ إلَى الْأُذُنِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أُذُنٍ شَحْمَتَانِ لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَصَارَتْ إضَافَتُهَا إلَى الْأُذُنَيْنِ تَقْدِيرًا إلَّا أَنَّ الْأُذُنَ وَاحِدٌ حَتَّى يَرِدَ السُّؤَالُ (فَيُفْرَضُ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِعَدَمِ السَّاتِرِ بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ فِي الْعِذَارِ لِاسْتِتَارِهِ بِالشَّعْرِ فَكَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ وَجْهًا (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَ الشَّعْرِ فِي الْعِذَارِ إذَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا فَمَا وَرَاءَهَا أَوْلَى وَإِنْ كَانَ أَمْرَدَ أَوْ كَوْسَجَ أَوْ أَثَطَّ فَغَسْلُهُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ) خِلَافًا لِزُفَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغَايَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ فِي الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَلَنَا أَنَّ ضَرْبَ الْغَايَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ، وَهِيَ إمَّا مَدُّ الْحُكْمِ إلَيْهَا أَوْ إسْقَاطُ مَا وَرَاءَهَا، وَالْأَوَّلُ يَحْصُلُ هُنَا بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِذَلِكَ الْعُضْوِ إلَى الْإِبْطِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَمُوجِبُهُ دُخُولُ الْغَايَةِ تَحْتَ الْمُغَيَّا فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ شَكٌّ، وَاحْتِمَالٌ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْفَرْضُ فِيهِمَا أُجِيبُ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ قَدْ زَالَ بِفِعْلِهِ

стр. 10

- ﵊ وَلَمْ يُنْقَلْ تَفْوِيتُهُ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُهُ جَائِزًا لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ وَالْمِرْفَقُ هُوَ مُجْتَمَعُ الْعَضُدِ وَالسَّاعِدِ وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ الْمُتَّصِلُ بِعَظْمِ السَّاقِ مِنْ طَرَفَيْ الْقَدَمِ لَا مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ رِجْلٍ وَاحِدٌ كَالْمِرْفَقِ فِي الْيَدِ وَقَدْ ثَنَّى الْكَعْبَ فِي الْآيَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا لَمْ يَظْهَرْ لِلْعُدُولِ فَائِدَةٌ وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ كَمَالٍ الْوَزِيرِ (وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ قَدْرُ الرُّبُعِ) فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ عَنْ الْإِمَامِ أَيْ الْمُقَدَّرِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ لَكِنْ لَا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ بَلْ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ الِاجْتِهَادِيِّ فَلِذَلِكَ لَمْ يُكَفَّرْ جَاحِدُهُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَطْعِيٍّ وَاجْتِهَادِيٍّ، الْقَطْعِيُّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ إذَا لَمْ يَلْحَقْهَا تَخْصِيصٌ أَوْ تَأْوِيلٌ، وَالِاجْتِهَادِيُّ مَا يَفُوتُ بِفَوْتِهِ وَلَا يُجْبَرُ بِجَابِرٍ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي. (وَقِيلَ: يُجْزِئُ وَضْعُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ) ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالْمَسْحِ بِالْيَدِ وَالْأَصَابِعِ أَصْلُهَا وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ وَذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِيهَا يُعْتَبَرُ عَيْنُ مَا قُدِّرَ بِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُقَدَّرٌ بِأَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَعْرَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ مَسْحُ الْجَمِيعِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَكْثَرُ الرَّأْسِ. (وَلَوْ مَدَّ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ) يَعْنِي لَوْ وَضَعَ إصْبَعًا أَوْ إصْبَعَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ فَمَدَّهَا مِقْدَارُ رُبُعُ الرَّأْسِ (لَا يَجُوزُ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لَهُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ فِي مَحَلِّهِ، وَجَمِيعُ الرَّأْسِ مَحَلُّهُ فَيَجُوزُ وَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ حَصَلَ بِوَضْعِ الْإِصْبَعِ وَبِمَدِّهَا انْفَصَلَتْ الْبَلَّةُ عَنْ الْمَحَلِّ الْمَمْسُوحِ حُكْمًا فَصَارَ مُسْتَعْمَلًا فَالْمَسْحُ بَعْدَهُ يَكُونُ بِمَاءٍ غَيْرِ طَاهِرٍ كَذَا فِي ابْنِ مَلَكٍ. وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَمَدَّهَا حَتَّى اسْتَوْعَبَ الرُّبُعَ صَحَّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بِمَدِّ الْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا فِي الْأُولَى مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَمَحَلُّ الْمَسْحِ مَا فَوْقَ الْأُذُنِ عَلَى أَيِّ جَانِبٍ كَانَ. (وَيُفْرَضُ مَسْحُ رُبُعِ اللِّحْيَةِ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَصَحُّ مَسْحُ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَمَّا اللِّحْيَةُ فَعِنْدَ الْإِمَامِ مَسْحُ رُبُعِهَا فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا مِنْ الْبَشَرَةِ صَارَ

стр. 11

كَالرَّأْسِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كُلُّهَا فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا أُقِيمَ مَسْحُهَا مَقَامَ مَسْحِ مَا تَحْتَهَا فَيُفْرَضُ مَسْحُ الْكُلِّ بِخِلَافِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عَارِيًّا عَنْ الشَّعْرِ لَا يَجِبُ غَسْلُ كُلِّهِ، وَلَا مَسْحُ كُلِّهِ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّبُعِ رُبُعُ مَا يُلَاقِي بَشَرَةَ الْوَجْهِ؛ إذْ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا اُسْتُرْسِلَ مِنْ الذَّقَنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَفِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ مَسْحُ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ فَرْضٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ الْكَمَالِ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَرْجُوعٌ عَنْهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِعَدَمِ الْمُوَاجَهَةِ لِاسْتِتَارِهَا بِالشَّعْرِ وَصَارَ ظَاهِرُ الشَّعْرِ الْمُلَاقِي إيَّاهَا ظَاهِرُ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَالَ: وَإِنَّمَا مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَالظَّاهِرُ هُوَ الشَّعْرُ لَا الْبَشَرَةُ فَيَجِبُ غَسْلُهُ. (وَسُنَنُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ السُّنَّةُ مَا وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﵊ مَعَ تَرْكِهَا أَحْيَانَا فَإِنَّ الْمُوَاظَبَةَ إنْ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ فَسُنَنُ الْهَدْيِ وَفِي فِعْلِهَا الثَّوَابُ وَتَرْكِهَا الْعِتَابُ لَا الْعِقَابُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَسُنَنُ الزَّوَائِدِ وَتَرْكُهَا لَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَةً، وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّازِمِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ فِي شَرْحِهِ الظَّاهِرُ: إنَّهَا عَلَى صِيغَةِ الْإِفْرَادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَفَرْضُ الْوُضُوءِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ وَإِنْ كَثُرَتْ فَهِيَ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ حَيْثُ يَفْسُدُ بَعْضُهَا عِنْدَ فَوَاتِ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِخِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنَّ أَحْكَامَهَا وَدَلَائِلَهَا مُسْتَقِلَّةٌ؛ إذْ كُلٌّ مِنْهَا بَعْدُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْأُخْرَى وَالتَّنْظِيرُ لَيْسَ بِمَحَلِّهِ (غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ ابْتِدَاءً) الرُّسْغُ الْمِفْصَلُ الَّذِي بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ لِلْمُسْتَيْقِظِ لِئَلَّا يَلْزَمَ كَوْنُ تِلْكَ السُّنَّةِ مُخْتَصَّةً بِالْمُسْتَيْقِظِ؛ إذْ هُوَ مَسْنُونٌ لِكُلِّ مَنْ يَشْرَعُ فِي الْوُضُوءِ ابْتِدَاءً هُوَ الْمُخْتَارُ وَقَيْدُ الِاسْتِيقَاظِ الْوَاقِعُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا اتِّفَاقِيٌّ. (وَالتَّسْمِيَةُ) وَهِيَ سُنَّةٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا هَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ وَالْقُدُورِيِّ وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِي الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ

стр. 12

لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى» هَذَا دَلِيلُ مَالِكٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ وَدَلِيلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ عَلَى فَرْضِيَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَهُ الْمَاءُ» وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِهَا وَالْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ لَا مَعَ الِانْكِشَافِ أَوْ غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ (وَقِيلَ) التَّسْمِيَةُ (مُسْتَحَبَّةٌ) قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ وَالْأَصَحَّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةً؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهَا ﵊ وَلَمْ يَشْتَهِرْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَيَا وُضُوءَهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا التَّسْمِيَةُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ عَنْهُمَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هَا هُنَا يَعْنِي فِي ثُبُوتِ السُّنَّةِ الْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا إعْلَامًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لَا الْمُوَاظَبَةُ بِدُونِ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ سَلَامَتِهِ عَنْ مُعَارِضٍ؛ وَلِهَذَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (وَالسِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ اسْمٌ لِلْخَشَبَةِ الْمُرَّةِ الْمُتَعَيِّنَةِ لِلِاسْتِيَاكِ أَوْ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ، وَالْأَصْلُ فِي سُنِّيَّتِهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْإِصْبَعِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» وَمَا فِيهِ مِنْ التَّرْغِيبِ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَاظَبَةِ مِنْ التَّأْكِيدِ أَفَادَ السُّنِّيَّةَ، وَيُسْتَحَبُّ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ أَنْ تَجْعَلَ الْخِنْصِرَ مِنْ يَمِينِك أَسْفَلَ السِّوَاكِ تَحْتَهُ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ فَوْقَهُ وَالْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ وَلَا نَقْبِضَ الْقَبْضَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَلَا يُسْتَاكُ بِطَرَفِي السِّوَاكِ وَلَا تُمَصُّ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى وَيُكْرَهُ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَيَشُدُّ الْأَسْنَانَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَيَكُونُ فِي غِلَظِ الْخِنْصِرِ بِطُولِ الشِّبْرِ وَيُسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ بِثَلَاثٍ مِيَاهٍ وَيَبْتَدِأُ مِنْ جَانِبِ الْأَيْمَنِ. (وَغَسْلُ الْفَمِ بِمِيَاهٍ وَالْأَنْفُ بِمِيَاهٍ) وَإِنَّمَا قَالَ بِمِيَاهٍ وَلَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ جَدِيدَةٍ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ قَوْلَهُ بِمِيَاهٍ لِيَدُلَّ عَلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ: هُمَا فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَيْهِمَا وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَيْسَتْ دَلِيلَ الْفَرْضِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سُنَّتَانِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَعِنْدَنَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَفَرْضَانِ فِي الْغُسْلِ

стр. 13

لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَدَاخِلُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ اسْمٌ لِمَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ تَطْهِيرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالْمُبَالَغَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ فَإِنْ تَرَكَهُمَا أَثِمَ عَلَى الصَّحِيحِ، قِيلَ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكٍ لِوَاجِبٍ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ لِمَا قَالُوا: أَنَّ السُّنَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ، وَدَلِيلُ سُنِّيَّتِهِمَا الْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانَا انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ آنِفًا فِي تَفْسِيرِ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُوَاظَبَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، فَهِيَ دَلِيلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَيْسَتْ غَسْلَ الْفَمِ، وَكَذَا الِاسْتِنْشَاقُ لَيْسَ غَسْلَ الْأَنْفِ بَلْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إدَارَةِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَذْبِ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْجَنَائِزِ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فَمَنْ بَدَّلَهُمَا بِغَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَمْ يُصِبْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَسْلَ الْفَمِ وَغَسْلَ الْأَنْفِ غَيْرُ مُجَرَّدِ حُصُولِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَغَيْرُ مُجَرَّدِ حُصُولِ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ بَلْ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ الْفَمِ إلَّا بِإِدَارَةِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَلَا يُمْكِنُ غَسْلُ الْأَنْفِ إلَّا بِجَذْبِ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى الْأَنْفِ فَيَلْزَمُ لِإِدَارَةِ الْمَاءِ غَسْلُ الْفَمِ وَلِجَذْبِ الْمَاءِ إلَى الْأَنْفِ غَسْلُ الْأَنْفِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِلْزَامَ غَسْلِ الْفَمِ لِإِدَارَةِ الْمَاءِ بَلْ يُمْكِنُ غَسْلُ الْفَمِ بِدُونِ الْإِدَارَةِ وَلَئِنْ سُلِّمَ فَلَفْظُ الْمَضْمَضَةِ حَقِيقَةٌ فِي إدَارَةِ الْمَاءِ وَاسْتِعْمَالُ غَيْرِ الْفَمِ لِإِدَارَةِ الْمَاءِ مَجَازٌ فَبَيَانُهُ بِالْحَقِيقِيِّ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ. (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ هُوَ الْمُخْتَارُ) ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ أَمَرَ النَّبِيَّ ﵊ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَهُوَ عَدَمُ تَعْلِيمِهِ ﵊ الْأَعْرَابِيَّ. (وَقِيلَ هُوَ فِي اللِّحْيَةِ فَضِيلَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَكُونُ لِإِكْمَالِ الْفَرْضِ مَحَلَّهُ، وَدَاخِلُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِإِقَامَةِ فَرْضِ الْغُسْلِ فَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ وَدَاخِلُ الْفَمِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فِي الْوُضُوءِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ مِنْ الْوَجْهِ مِنْ وَجْهٍ؛ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْوَجْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ. (وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» ، وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْجَوَازُ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّتَيْنِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى، وَظَلَمَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: رَتَّبَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَعِيدًا، وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ، وَهُوَ مَنْ زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا

стр. 14

أَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ كَمَالَ السُّنَّةِ لَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَقَوْلُهُ: تَعَدَّى يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وَظَلَمَ يَرْجِعُ إلَى النُّقْصَانِ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةً إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِ التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ يَعْنِي إذَا زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ قِيلَ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ تَكْرَارَ الْوُضُوءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ بَعِيدٌ تَدَبَّرْ (وَالنِّيَّةُ) وَهِيَ الْقَصْدُ وَالْعَزْمُ بِالْقَلْبِ وَالْمُرَادُ هُنَا قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ عِبَادَةٌ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الطَّهَارَةِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ النِّيَّةُ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الْجَاهِلَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ النِّيَّةَ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا، وَافْتِقَارُ التَّيَمُّمِ إلَى النِّيَّةِ لِيَصِيرَ الصَّعِيدُ مُطَهِّرًا لَا يُوجِبُ افْتِقَارَ الْوُضُوءِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَالتُّرَابُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَكِنْ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الْكِفَايَةِ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ أَوْ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ كَالتَّيَمُّمِ. (وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ) وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ عَقِيبَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِلَا مُهْمَلَةٍ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ الْأَرْكَانِ فَيَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْبَاقِي أَيْضًا؛ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ، وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ حَرْفُ الْوَاوِ، وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ، وَأَمَّا الْفَاءُ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً كَأَنَّهُ قِيلَ: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلِ كَفِّهِ» وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَأَعَادَ الْوُضُوءَ. (وَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ) مَرَّةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ لَنَا «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَوَضَّأَ وَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﵊» وَاَلَّذِي يُرْوَى فِيهِ مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّثْلِيثِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَبُلَّ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَ يَدَيْهِ وَيَضَعَ بِطُولِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَعْزِلَ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ، وَيُجَافِيَ كَفَّيْهِ وَيَجُرَّهُمَا إلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحَ الْفُؤَادَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ إلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَبَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ وَيَمْسَحَ رَقَبَتَهُ بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ مَسْحُهُمَا بِبَلَلٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ؛ لِأَنَّ الْبَلَّةَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ

стр. 15

مَا دَامَتْ عَلَى الْعُضْوِ وَإِذَا انْفَصَلَتْ تَصِيرُ مُسْتَعْمَلَةً بِلَا خِلَافٍ كَمَا عَرَفْت آنِفًا وَبِذَلِكَ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ وَكَيْفِيَّةُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَمُدَّهُمَا إلَى قَفَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ وَيَمْسَحَ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ، وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا تَدَبَّرْ (وَقِيلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ) أَيْ النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ وَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ (مُسْتَحَبَّةٌ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَاخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ كَوْنَهَا سُنَّةً جَمِيعًا وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمُخْتَارِ اثْنَيْنِ مِنْهَا سُنَّةً، وَهُمَا النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ وَجَعَلَ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ مُسْتَحَبًّا (وَالْوِلَاءُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ بِمَعْنَى التَّتَابُعِ، وَحَدُّهُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهُ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ ﵀ لَهُ أَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَيْسَتْ دَلِيلَ الْفَرْضِ. (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءِ الرَّأْسِ) أَيْ بِمَاءِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَخَذَ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءً جَدِيدًا» وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ اغْتَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ وَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ» فَيُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَبْقَ فِي كَفِّهِ بَلَّةٌ. (وَمُسْتَحَبُّهُ) أَيْ الْوُضُوءِ (التَّيَامُنُ) الْمُسْتَحَبُّ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ التَّيَامُنُ أَيْ الشُّرُوعُ مِنْ جَانِبِ الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» التَّرَجُّلُ امْتِشَاطُ الرَّجُلِ شَعْرَهُ فَإِنْ قُلْت قَدْ وَاظَبَ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى التَّيَامُنِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ السُّنَنِ قُلْت إنَّمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي السُّنِّيَّةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ (وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ) لَا الْحُلْقُومِ فَإِنَّ مَسْحَهُ بِدْعَةٌ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ حَصْرَ مُسْتَحَبَّاتِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مُسْتَحَبَّاتٍ كَثِيرَةً وَعَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ بِالْآدَابِ فَقَالُوا: وَمِنْ آدَابِهِ أَيْ بَعْضِ آدَابِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَدَلْكُ أَعْضَائِهِ، وَإِدْخَالُ خِنْصِرِهِ صِمَاخَ أُذُنِهِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ وَتَحْرِيكُ خَاتَمِهِ الْوَاسِعِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا يَجِبُ نَزْعُهُ أَوْ تَحْرِيكُهُ، وَعَدَمُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ لَا بَأْسَ بِصَبِّ الْخَادِمِ، وَعَدَمُ التَّكَلُّمِ بِكَلَامِ النَّاسِ، وَالْجُلُوسُ فِي مَكَان مُرْتَفِعٍ احْتِرَازًا عَنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَفِعْلِ اللِّسَانِ، وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ وَالدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورَاتِ مِنْ الْأَدْعِيَةِ عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ " اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك " وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ " اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ " وَعِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ " اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " وَعِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى " اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا

стр. 16

يَسِيرًا " وَعِنْدَ يَدِهِ الْيُسْرَى " اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي، وَلَا مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِي وَلَا تُحَاسِبْنِي حِسَابًا عَسِيرًا " وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ " وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ " اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ " وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى " اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزُولُ فِيهِ الْأَقْدَامُ " وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى " اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَعْيِي مَشْكُورًا وَذَنْبِي مَغْفُورًا وَعَمَلِي مَقْبُولًا مَبْرُورًا وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ بِفَضْلِك يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ " وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَأَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ " وَأَنْ يَشْرَبَ بَعْدَهُ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَائِمًا قَالُوا: لَمْ يَجُزْ شُرْبُ الْمَاءِ قَائِمًا إلَّا هُنَا وَعِنْدَ شُرْبِ زَمْزَمَ وَيُكْرَهُ لَطْمُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَالْإِسْرَافُ فِيهِ وَتَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ. (وَالْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لَهُ) أَيْ لِلْوُضُوءِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْوُضُوءِ فَرْضِهِ وَسُنَّتِهِ وَمُسْتَحَبِّهِ بَدَأَ بِمَا يُنَافِيهِ مِنْ الْعَوَارِضِ؛ إذْ رَفْعُ الشَّيْءِ يَكُونُ بَعْدَهُ وَأَرَادَ بِالْمَعَانِي الْعِلَلَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَالنَّقْضُ مَتَى أُضِيفَ إلَى الْأَجْسَامِ يُرَادُ بِهِ إبْطَالُ تَأْلِيفِهَا وَمَتَى أُضِيفَ إلَى غَيْرِهَا يُرَادُ بِهِ إخْرَاجُهُ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْوُضُوءِ اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِدُونِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِصَلَاةٍ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِهِمَا (خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) مُعْتَادًا كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَالدُّودَةِ وَإِنْ خَرَجْت مِنْ الْإِحْلِيلِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الدُّودَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ الْإِحْلِيلِ لَا تَنْقُضُ اتِّفَاقًا إنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ (سِوَى رِيحِ الْفَرْجِ وَالذَّكَرِ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ نَجِسَةٍ لِعَدَمِ الِانْبِعَاثِ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ فَرْجُهَا مَعَ دُبُرِهَا فَحِينَئِذٍ الْمُنْتِنَةُ نَاقِصَةٌ دُونَ غَيْرِهَا. (وَخُرُوجِ نَجَسٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (مِنْ الْبَدَنِ إنْ سَالَ بِنَفْسِهِ) أَيْ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ لَا بِالْعَصْرِ (إلَى مَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَعَنْ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ نُقِضَ الْوُضُوءُ لِتَجَاوُزِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ لِعَدَمِ تَجَاوُزِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِيهِ وَالْمُرَادُ مِنْ حُكْمِ التَّطْهِيرِ الْوُجُوبُ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ

стр. 17

حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَغَفَلَ عَنْ هَذَا صَاحِبُ الْفَرَائِدِ حَيْثُ قَالَ أَيْ يَلْحَقُهُ حُكْمٌ هُوَ التَّطْهِيرُ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى النَّوْعِ كَقَوْلِهِ عِلْمُ الطِّبِّ فَلْيُتَأَمَّلْ وَحَدُّ الْخُرُوجِ الِانْتِقَالُ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالسَّيَلَانِ عَنْ مَوْضِعِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ رَأْسَ السَّبِيلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَسِلْ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ زُفَرُ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُهُ كَمَا خَرَجَ سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْقُضُهُ سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ. (وَالْقَيْءُ مِلْءُ الْفَمَ) وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى إمْسَاكِهِ وَقِيلَ لَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ بِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ زَفَرٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. (وَلَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً أَوْ مِرَّةً أَوْ عَلَقًا) الْمِرَّةُ بِالْكَسْرِ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفُقَهَاءُ يُرِيدُونَ مَا يَعُمُّ الصَّفْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَالْمُرَادُ هَا هُنَا الصَّفْرَاءُ فَقَطْ بِمُقَابَلَةِ الْعَلَقِ مِنْ الرَّأْسِ بِهِ هُنَا السَّوْدَاءُ؛ وَلِذَا اُعْتُبِرَ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ (لَا بَلْغَمًا مُطْلَقًا) أَيْ نَازِلًا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ صَاعِدًا مِنْ الْجَوْفِ مَلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لِلُزُوجَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ يَعْنِي أَنَّ اللُّزُوجَةَ الْقَائِمَةَ بِالْبَلْغَمِ تَمْنَعُهُ عَنْ قَبُولِ النَّجَاسَةِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الصَّقِيلَ بِخِلَافِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَيَخُصُّهُ تَأْثِيرُ الْمُجَاوَرَةِ، وَيَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرُ نَاقِضٍ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْجَوْفِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فِي الْمَعِدَةِ بِالْمُجَاوِرَةِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ: إنَّ الْبَلْغَمَ نَجَسٌ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ حَتَّى إنَّ مَنْ صَلَّى وَمَعَهُ خِرْقَةُ الْمُخَاطِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ نَجَاسَةِ الْقَيْءِ مُخَفَّفَةً أَوْ مُغَلَّظَةً وَاخْتَارَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنْ تَكُونَ مُغَلَّظَةً، وَقَالُوا: كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مُوجِبًا لِلتَّطْهِيرِ فَنَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ كَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالصَّدِيدِ وَالْقَيْءِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا الْمَنِيُّ وَأَلْحَقُوا مَاءَ فَمِ النَّائِمِ إذَا صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ أَصْفَرَ أَوْ مُنْتِنًا، وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي النَّصْرِ وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ فَطَاهِرٌ اتِّفَاقًا وَفِي التَّنْجِيسِ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَيْفَ مَا كَانَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّمِ الْمَائِعِ) وَالْقَيْحِ (مُسَاوَاةُ الْبُزَاقِ لَا الْمِلْءُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) قَيَّدَ بِالْمَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعَلَقَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ اعْلَمْ أَنَّ الدَّمَ الْوَاقِعَ فِي الْفَمِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْصُلَ فِي الْفَمِ أَوْ يَنْزِلَ مِنْ الرَّأْسِ أَيْ يَصْعَدُ مِنْ الْجَوْفِ، وَالْأَوَّلُ نَاقِضٌ عِنْدَ الْغَيْبَةِ وَعِنْدَ الْمُسَاوَاةِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يَنْقُضُ وَالثَّانِي نَاقِضٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَلَّ لِوُجُودِ السَّيَلَانِ مِنْ الْجُرْحِ الَّذِي وَقَعَ فِي الرَّأْسِ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالثَّالِثُ نَاقِضٌ عِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ لَا بِقُوَّةِ الْبُزَاقِ. وَعِنْدَ الْغَلَبَةِ تَحَقُّقُ

стр. 18

السَّيَلَانِ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُنْقَضُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ اعْتِبَارًا لِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ وَالْمُرَادُ هُنَا هُوَ الصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ بِدَلَالَةِ تَعْلِيلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ الدَّمِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ. (وَهُوَ) أَيْ مُحَمَّدٌ (يَعْتَبِرُ اتِّحَادَ السَّبَبِ لِجَمْعِ مَا قَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا) أَرَادَ بِالسَّبَبِ الْغَثَيَانَ، فَإِنْ كَانَ بِغَثَيَانٍ وَاحِدٍ يُجْمَعُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى سَبَبِهِ، وَمِعْيَارُ الِاتِّحَادِ فِي الْغَثَيَانِ أَنْ يَقِيءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ فَإِنْ سَكَنَتْ ثُمَّ قَاءَ فَهُوَ غَثَيَانٌ آخَرُ (وَأَبُو يُوسُفَ) يَعْتَبِرُ لِجَمْعِ مَا قَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا (اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِغَثَيَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ كَمَا أَنَّ تِلَاوَاتِ آيَةِ سَجْدَةٍ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ. وَفِي شَرْحِ الْوَافِي الْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ دُونَ السَّبَبِ، أَوْ السَّبَبُ دُونَ الْمَجْلِسِ أَمَّا إذَا اتَّحَدَا فَيُجْمَعُ اتِّفَاقًا أَوْ تَعَدَّدَا فَلَا يُجْمَعُ اتِّفَاقًا (وَمَا لَيْسَ حَدَثًا لَيْسَ نَجَسًا) فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ كَوْنِهِ حَدَثًا انْتِفَاءُ كَوْنِهِ نَجَسًا فَالدَّمُ إذَا لَمْ يَسِلْ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ طَاهِرٌ وَكَذَا الْقَيْءُ الْقَلِيلُ وَهَذَا لَا يَنْعَكِسُ كُلِّيًّا؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ حَدَثٌ لَيْسَ بِنَجَسٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ فَيَكُونَ مُنْعَكِسًا، وَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لِكَوْنِهِ أَرْفَقَ خُصُوصًا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْقُرُوحِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلسَّيَلَانِ فِي النَّجَاسَةِ فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ نَجَسًا فَغَيْرُ السَّائِلِ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ فِي حِلِّ هَذَا الْمَحَلِّ وَمَا لَيْسَ بِحَدَثٍ يَعْنِي لِقِلَّتِهِ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَلَا نَقْضَ بِالْجُرْحِ الْقَائِمِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، قَالَ الْفَاضِلُ الشَّهِيرُ بِقَاضِي زَادَهْ: بَقِيَ هَا هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَثَلًا لَيْسَ بِحَدَثٍ مَعَ أَنَّهُ نَجَسٌ فِي الشَّرْعِ بِلَا رَيْبٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تُنْقَضَ بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ دَفَعَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالُوا: الْكَلَامُ فِيمَا يَبْدُو مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ؛ إذْ غَيْرُهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَقَدْ يَكُونُ نَجَسًا كَالْخَمْرِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ، وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا شَرِبَ إنْسَانٌ خَمْرًا أَوْ بَوْلًا فَقَاءَهُمَا فِي الْحَالِ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنْ لَا يُنْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِهِ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ فِيمَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِذَا لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ حَدَثًا مَعَ أَنَّ الْبَوْلَ وَالْخَمْرَ نَجَسَانِ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ فَلَا فَتَفَكَّرْ فِي جَوَابِهِ انْتَهَى وَجَوَابُهُ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْبَوْلَ نَجَسَانِ قَبْلَ شُرْبِهِمَا فَإِنْ قَاءَهُمَا فِي الْحَالِ قَاءَ نَجَسًا بِعَيْنِهِمَا لَا بِالْمُجَاوَرَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ تَدَبَّرْ (وَالْجُنُونُ) هُوَ سَلْبُ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا كَانَ نَاقِضًا لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ الْحَدَثَ

стр. 19

عَنْ غَيْرِهِ. (وَالسُّكْرُ وَالْإِغْمَاءُ) وَالسُّكْرُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي حَدِّ الْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضٍ، وَحَدُّهُ الْمُعْتَبَرُ أَنْ لَا يُفَرِّقَ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْإِغْمَاءُ ذَهَابُ الْحَرَكَةِ وَالْحِسُّ وَبُطْلَانُ الْأَفْعَالِ بِسَبَبِ امْتِلَاءِ بُطُونِ الدِّمَاغِ مِنْ الْبَلْغَمِ الْبَارِدِ وَالْغَشْيُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِسَبَبِ انْحِلَالِ الْقُوَى الَّتِي فِي الْقَلْبِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّمَاغِ؛ وَلِهَذَا جَازَ الْإِغْمَاءُ وَالْغَشْيُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ يَجُزْ الْجُنُونُ، وَإِنْ كَانَا نَاقِضَيْنِ لِزَوَالِ الْمَسْكَةِ بِهِمَا. (وَقَهْقَهَةُ بَالِغٍ) عَمْدًا كَانَتْ أَوْ سَهْوًا وَهِيَ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ وَسَوَاءٌ ظَهَرَتْ أَسْنَانُهُ أَوْ لَا، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ، وَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ دُونَ الْوُضُوءِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ لَهُ أَصْلًا وَلَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْبَالِغِ؛ لِأَنَّ قَهْقَهَةَ الصَّبِيِّ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ (فِي صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ الْإِيمَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا تَنْقُضُ الْقَهْقَهَةُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَإِنْ أَفْسَدَتْهُمَا وَلَا تَنْقُضُ الْقَهْقَهَةُ الْمُغْتَسِلَ فِي الْأَصَحِّ وَلِلشَّافِعِيِّ خِلَافٌ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ لَنَا قَوْلُهُ ﵇ «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» . (وَمُبَاشَرَةُ فَاحِشَةٍ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَهِيَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ مُجَرَّدَيْنِ وَانْتَشَرَ آلَتُهُ، وَأَصَابَ فَرْجُهُ فَرْجَهَا وَلَمْ يَرَ بَلَلًا وَكَذَا أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَا تَخْلُو غَالِبًا عَنْ الْمَذْيِ فَجُعِلَ الْغَالِبُ كَالْمُتَيَقَّنِ احْتِيَاطًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ مُلَاقَاةَ الْفَرْجِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَفِي صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ إشَارَةٌ إلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ سَوَاءٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَوْ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَنْتَقِضُ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ خُرُوجَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوَهُّمِ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ. (وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ) أَيْ وَاضِعٍ أَحَدَ جَنْبَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ هَذَا إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهَا كَالْمَرِيضِ إذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ أَيْضًا (أَوْ مُتَّكِئٍ) بِأَحَدِ وَرِكَيْهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ لِزَوَالِ الْمُسْكَةِ (أَوْ مُسْتَنِدٍ إلَى مَا لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ) بِحَيْثُ يَكُونُ مَقْعَدُهُ زَائِلًا عَنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْخَاءَ يَبْلُغُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ إلَّا أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ عَنْ السُّقُوطِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ لَا يُنْتَقَضُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْمَقْعَدِ عَلَى الْأَرْضِ يَمْنَعُ عَنْ الْخُرُوجِ وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ لِحُصُولِ غَايَةِ الِاسْتِرْخَاءِ وَالْجَالِسُ إذَا نَامَ ثُمَّ سَقَطَ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَنْبُهُ إلَى الْأَرْضِ لَا يُنْتَقَضُ وَقِيلَ يُنْتَقَضُ بِمُجَرَّدِ ارْتِفَاعِ مَقْعَدِهِ عَنْ الْأَرْضِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَوَّلُ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ اسْتَقَرَّ نَائِمًا بَعْدَ السُّقُوطِ اُنْتُقِضَ وَإِلَّا فَلَا (لَا نَوْمُ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ

стр. 20

أَوْ رَاكِعٍ أَوْ سَاجِدٍ) فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي خَارِجِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ مُطْلَقًا. وَفِي الْمُحِيطِ إنَّمَا لَا يَنْقُضُ نَوْمُ السَّاجِدِ إذَا كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ جَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِنْ مُلْتَصِقًا بِفَخِذَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى ذِرَاعَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. (وَلَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ) وَكَذَا مِنْ أُذُنٍ أَوْ أَنْفٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ وَمَا عَلَيْهَا قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ غَيْرُ نَاقِضٍ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ. (وَلَحْمٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى خُرُوجُ (سَقَطَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجُرْحِ (وَمَسُّ ذَكَرٍ) بِبَاطِنِ الْكَفِّ (وَامْرَأَةٍ) أَيْ مَسُّ بَشَرَتِهَا وَكَذَا مَسُّ الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْكُلِّ. (وَفَرْضُ الْغُسْلِ) وَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَخَّرَ الْغُسْلَ عَنْ الْوُضُوءِ اقْتِدَاءً بِعِبَارَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّ الْغُسْلَ مَذْكُورٌ مُؤَخَّرًا عَنْ الْوُضُوءِ فِي النَّظْمِ الدَّالِ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوُضُوءِ أَكْثَرُ فَقَدَّمَهُ اهْتِمَامًا الْغُسْلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ، وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ أَيْضًا وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرُ غَسَلَ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَبِالضَّمِّ اسْتَعْمَلَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَرُكْنُهُ إسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ إسَالَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَمْ يَتِمَّ الْغُسْلُ فَمَا فِي غُسْلِهِ حَرَجٌ كَدَاخِلِ الْعَيْنِ يَسْقُطُ (غَسْلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ) هُمَا فَرْضَانِ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا حَتَّى لَا يُكَفَّرَ جَاحِدُهُمَا وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ غَسْلُهُمَا فِي الْغُسْلِ سُنَّةٌ كَمَا حَقَّقَ فِي مَوْضِعِهِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اغْتَسَلَ وَنَسِيَ الْمَضْمَضَةَ لَكِنْ شَرِبَ الْمَاءَ إنْ شَرِبَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ شَرِبَ لَا عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ يَخْرُجُ. وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِي لَا يَخْرُجُ مَا لَمْ يَمُجَّهُ وَهَذَا أَحْوَطُ. (وَسَائِرُ الْبَدَنِ) مَرَّةً حَتَّى دَاخِلِ الْقُلْفَةِ فِي الْأَصَحِّ وَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ اللِّحْيَةِ كُلِّهَا بِحَيْثُ يَصِلُ إلَى أُصُولِهَا؛ إذْ لَا حَرَجَ فِيهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا غَسْلُ السُّرَّةِ وَالشَّارِبِ وَالْحَاجِبِ وَالْفَرْجِ الْخَارِجِ وَلَوْ بَقِيَ الْعَجِينُ فِي الظُّفُرِ فَاغْتَسَلَ لَا يَكْفِي وَفِي الدَّرَنِ وَالطِّينِ يَكْفِي؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفُذُ وَكَذَا الصِّبْغُ وَالْحِنَّاءُ (لَا دَلْكُهُ) بَلْ هُوَ سُنَّةٌ فِي رِوَايَةٍ، وَمُسْتَحَبٌّ فِي أُخْرَى وَوَاجِبٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِنَفْيِ فَرْضِيَّةِ الدَّلْكِ صَرِيحًا؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْمُبَالَغَةِ مَظِنَّةُ تَوَهُّمِ فَرْضِيَّتِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (قِيلَ: وَلَا إدْخَالُ الْمَاءِ جِلْدَةَ الْأَقْلَفِ) قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ فِي إدْخَالِهِ حَرَجًا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْقُلْفَةِ مَعَ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِهِ إذَا نَزَلَ الْبَوْلُ إلَيْهَا فَلَهَا حُكْمُ الْبَاطِنِ فِي الْغُسْلِ وَحُكْمُ الظَّاهِرِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ انْتَهَى هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ إذْ لَا حَرَجَ فِيهِ وَالْمَقَامُ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ. (وَسُنَّتُهُ) أَيْ الْغُسْلِ آثَرَ صِيغَةَ الْإِفْرَادِ فَإِنَّهُ لَوْ جَمَعَهَا لَتَبَادَرَ إلَى الْأَفْهَامِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ سُنَّةٌ عَلَى حِدَةٍ ثَبَتَتْ مُوَاظَبَتُهُ ﵊ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ

стр. 21

مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا الْمَعْلُومُ أَنَّهُ ﵊ اغْتَسَلَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ (غَسْلُ يَدَيْهِ) فِي ابْتِدَائِهِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ وَالنِّيَّةِ بِقَلْبِهِ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ: نَوَيْت الْغُسْلَ لِرَفْعِ الْجَنَابَةِ كَمَا فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَقَيَّدْنَا بِفِي ابْتِدَائِهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ دَاخِلَانِ فِي غَسْلِ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِمَا آلَةَ التَّطْهِيرِ وَهُوَ سُنَّةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ. (وَفَرْجِهِ) أَيْ ثُمَّ فَرْجِهِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ النَّجَاسَةِ (وَ) غَسْلُ (نَجَاسَتِهِ إنْ كَانَتْ) قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ نَقْلًا عَنْ الْفَاضِلِ الْمَعْرُوفِ بِقَاضِي زَادَهْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ وَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ، وَاتَّفَقَ شُرَّاحُهَا عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ نُسْخَةُ التَّنْكِيرِ؛ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ إمَّا لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ بِمَعْنَى الطَّبِيعَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِمَعْنَى: كُلُّ فَرْدٍ أَوْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ بِمَعْنَى فَرْدٍ مَا وَالْكُلُّ بَاطِلٌ انْتَهَى هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فِيهِ أَسْئِلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ وَاعْتِرَاضَاتٌ لَكِنْ كُلُّهَا غَيْرُ وَارِدَةٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ مُطْلَقَ النَّجَاسَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ إلَى قِسْمَيْنِ حَقِيقِيٍّ وَحُكْمِيٍّ فَأَشَارَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ هُنَا إلَى أَحَدِ قِسْمَيْهَا الْحَقِيقِيِّ فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ أَوْ نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ النَّجَاسَةِ النَّجَاسَةُ الْمَعْهُودَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُشِيرَ بِغَيْرِ سَبْقِ ذِكْرِهَا تَدَبَّرْ (وَالْوُضُوءُ إلَّا رِجْلَيْهِ) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَغَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إلَّا رِجْلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْسَحُ (وَتَثْلِيثُ الْغُسْلِ الْمُسْتَوْعِبِ) جَمِيعَ الْبَدَنِ بَادِئًا بِمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا فِي الْأَصَحِّ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالثَّلَاثِ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ الْبَدَنِ يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى حَصَلَ، وَإِلَّا لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ: وَلَفْظُ الْمُسْتَوْعِبِ أَخَذَهُ مِنْ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَلَا يَرَى لَهُ فَائِدَةً مُعْتَدَّةً بِهَا تَدَبَّرْ (ثُمَّ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لَا فِي مَكَانِهِ) أَيْ مَكَانِ الْغُسْلِ (إنْ كَانَ) أَيْ الْغَاسِلُ (فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَلَا يُفِيدُ الْغَسْلَ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لَا يُؤَخِّرُ. وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ نَجَسًا، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الطَّرَفَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالَ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَهَذَا أَوْلَى فَعَدَمُ إفَادَةِ الْغُسْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يُمْكِنُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ مَا دَامَتَا ثَابِتَتَيْنِ فِيهِ وَلِذَا يَتَحَتَّمُ التَّأْخِيرُ وَإِنْ ارْتَفَعَتَا يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا وَمُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ الْأَوَّلُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ ضَفِيرَتِهَا) الضَّفِيرَةُ مِثْلُ الْعَقِيصَةِ وَزْنًا وَهِيَ الشَّعْرُ الْمَفْتُولُ بِإِدْخَالِ بَعْضِهِ بَعْضًا وَالْعَقْصُ جَمْعُهُ عَلَى الرَّأْسِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفَسَّرَهَا صَاحِبُ الْغَايَةِ بِالذَّوَائِبِ

стр. 22

وَهَذَا أَنْسَبُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مُضَفَّرَ الشَّعْرِ كَالْعَلَوِيَّةِ وَالْأَتْرَاكِ فَالْعَمَلُ بِوُجُوبِ النَّقْضِ (وَلَا بَلُّهَا إنْ بَلَّ أَصْلُهَا) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَكْفِيك إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِك» هَذَا إذَا كَانَتْ مَفْتُولَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْقُوضَةً يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ كَمَا فِي اللِّحْيَةِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ. (وَفَرْضُ) الْغُسْلِ (لِإِنْزَالِ مَنِيٍّ) مِنْ الْعُضْوِ، وَهُوَ مَا خُلِقَ مِنْهُ الْوَلَدُ رَائِحَتُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ وَعِنْدَ يُبْسِهِ كَرَائِحَةِ الْبَيْضِ وَسَبَبُ وُجُوبِهِ إتْيَانُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (ذِي دَفْقٍ) هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. (وَشَهْوَةٍ) شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] لِلْجُنُبِ وَالْجُنُبُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ عَلَى الشَّهْوَةِ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَا رَوَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ. (وَلَوْ فِي نَوْمٍ عِنْدَ انْفِصَالِهِ) مِنْ الظَّهْرِ مُتَعَلِّقٌ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ اتَّصَلَ لَكَانَ أَوْلَى أَيْ بِشَرْطِ الشَّهْوَةِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ الظَّهْرِ (لَا خُرُوجِهِ) مِنْ الْعُضْوِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُتَعَلِّقٌ بِانْفِصَالِ الْمَنِيِّ وَخُرُوجِهِ وَقَدْ شُرِطَتْ الشَّهْوَةُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ فَتُشْتَرَطُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهْوَةَ لَمَّا كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَقَدْ وُجِدَتْ عِنْدَ انْفِصَالِ الْمَنِيِّ فَلَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ فَخَرَجَ بِلَا شَهْوَةٍ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَهُ، وَفِيمَنْ أَمْنَى ثُمَّ اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يَمْشِيَ فَخَرَجَ الْمَنِيُّ يَجِبُ الْغُسْلُ ثَانِيًا عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَهُ أَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الْمَشْيِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي حَقِّ الضَّيْفِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي غَيْرِهِ قَالَ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِأَخِي حَلَبِيٍّ نَقْلًا عَنْ الْمِعْرَاجِيَّةِ ذِي دَفْقٍ مِنْ الرَّجُلِ وَشَهْوَةٍ أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ قَالَ: أَقُولُ يُفْهَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الدَّفْقِ فِي مَاءِ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى أَسْنَدَ الدَّفْقَ إلَى مَائِهَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ ﷻ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] الْآيَةَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَيَانِيَّةِ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى التَّغْلِيبِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَلَاغَةِ؛ لِأَنَّ الدَّفْقَ فِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَ) فَرْضٌ (لِرُؤْيَةِ مُسْتَيْقِظٍ لَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ بَلَلًا وَلَوْ مَذْيًا) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَهُمَا أَنَّ النَّائِمَ غَافِلٌ، وَالْمَنِيُّ قَدْ يَرِقُّ بِالْهَوَاءِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْمَذْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ الرَّجُلِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمُسْتَيْقِظِ؛ لِأَنَّ الْمَغْشِيَّ عَلَيْهِ أَوْ السَّكْرَانَ لَوْ أَفَاقَ أَوْ صَحَا ثُمَّ وَجَدَا بَلَلًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ اتِّفَاقًا. وَفِي الْجَوَاهِرِ

стр. 23

إنْ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي إحْلِيلِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ حُلُمًا إنْ كَانَ ذَكَرَهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ هَذَا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا، وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ. (وَلِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ) أَوْ قَدْرِهَا إذَا كَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ تَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَذَا الْإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ فِي الشَّهْوَةِ حَتَّى إنَّ الْفَسَقَةَ يُرَجِّحُونَهُ عَلَى الْقُبُلِ لِمَا يَدَّعُونَ فِيهِ اللِّينَ وَالْحَرَارَةَ وَالضِّيقَ. وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مُحَاذَاةَ الْأَمْرَدِ فِي الصَّلَاةِ تُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَالْمَرْأَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَقَيْدُ آدَمِيٍّ احْتِرَازٌ عَنْ الْجِنِّيِّ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ مَعِي جِنِّيٌّ يَأْتِينِي فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مَا أَجِدُ إذَا جَامَعَنِي زَوْجِي لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِانْعِدَامِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الْإِيلَاجُ أَوْ الِاحْتِلَامُ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الِاحْتِلَامَ مُطْلَقًا يُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا بَلَلٍ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْإِيلَاجَ مُطْلَقًا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَإِيلَاجِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ مَا لَمْ يُنْزِلْ بَلْ مُقَيَّدٌ بِإِيلَاجِ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الْمَنِيَّ إذَا نَزَلَ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ بِدُونِ الْإِيلَاجِ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يُوجِبَ الْغُسْلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ) لَوْ كَانَا مُكَلَّفَيْنِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَفْعُولُ مُكَلَّفًا يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ فَقَطْ وَفِي عَكْسِهِ يَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ فَقَطْ. (وَلِانْقِطَاعِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] عَلَى قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الزَّوْجِ مِنْ الْقُرْبَانِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ وَجَعْلُ الْغُسْلِ غَايَةً لِذَلِكَ الْمَنْعِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُنَا هُوَ الْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ الثَّابِتُ بِخُرُوجِ الدَّمِ إلَّا أَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ مَشْرُوطٌ بِانْقِطَاعِهِ فَلِذَلِكَ نُسِبَ الْإِيجَابُ إلَيْهِ وَهَذَا الْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْجَنَابَةِ الثَّابِتَةِ بِسَبَبِ الْإِنْزَالِ أَوْ الْإِدْخَالِ وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ كَمَالٍ الْوَزِيرِ (لَا) يُفْرَضُ (لِمَذْيٍ) بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ أَبْيَضُ خَارِجٌ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَفِيهِ الْوُضُوءُ» (وَوَدْيٍ) بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَاءٌ غَلِيظٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ (وَاحْتِلَامٍ بِلَا بَلَلٍ) سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (وَإِيلَاجٍ فِي بَهِيمَةٍ أَوْ مَيْتَةٍ بِلَا إنْزَالٍ) وَكَذَا الْإِيلَاجُ فِي صَغِيرَةٍ غَيْرِ مُشْتَهَاةٍ لِنُقْصَانِ السَّبَبِيَّةِ. (وَسُنَّ) الْغُسْلُ (لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي عَرَفَةَ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قِيلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الْغُسْلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الْأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ

стр. 24

عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ ثُمَّ هَذَا الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الْوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ - خِلَافَ الْحَسَنِ - وَالْعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا الِاجْتِمَاعَ فَيُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ انْتَهَى وَعُلِمَ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الْغُسْلَ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ لَا لِيَوْمِ الْعِيدِ وَبِهَذَا ظَهَرَ مُخَالَفَةُ صَاحِبِ الدُّرَرِ بِقَوْلِهِ: وَسُنَّ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلِعِيدٍ أَعَادَ اللَّامَ لِئَلَّا يُفْهَمَ كَوْنُهُ سُنَّةً لِصَلَاةِ الْعِيدِ تَدَبَّرْ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَفِي الْخَانِيَّةِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لِلْيَوْمِ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالِاغْتِسَالُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ وَإِذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ تَكُنْ صَلَاةً بِغُسْلٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَتْ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَا يَكُونُ صَلَاةً بِغُسْلٍ انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ تَتَبَّعْ. (وَوَجَبَ) الْغُسْلُ (لِلْمَيِّتِ) (كِفَايَةً) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِلَّا يَأْثَمُ الْكُلُّ وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ الْمَسْنُونِ وَحَقُّ الْوُجُوبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَالَيْنِ حَالَ الْحَيَاةِ وَحَالَ الْمَمَاتِ، وَحَالُ الْحَيَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَالِ الْمَمَاتِ، وَهَذَا الْغُسْلُ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي وَالْأَنْسَبُ التَّأْخِيرُ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ فِي حِلِّ هَذَا الْمَحَلِّ وَلَوْ قَدَّمَ قِسْمَ الْوَاجِبِ عَلَى السُّنَّةِ لَكَانَ أَوْلَى. (وَ) يَجِبُ (عَلَى مَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا) وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبًا فَلِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي وُجُوبِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ جُنُبًا وَوُجُوبُهُ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ عِنْدَهُمَا مُكَلَّفٌ فَصَارَ كَالْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ صِفَةٌ مُسْتَدَامَةٌ وَدَوَامُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَإِنْشَائِهَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِالشَّرَائِعِ فَصَارَ كَالْكَافِرَةِ إذَا حَاضَتْ، وَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ (وَإِلَّا نُدِبَ) أَيْ إنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا فَإِنَّ الْغُسْلَ مَنْدُوبٌ لَهُ وَنُدِبَ الْغُسْلُ أَيْضًا لِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَلِمَجْنُونٍ أَفَاقَ وَلِصَبِيٍّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ وَعِنْدَ حِجَامَةٍ وَفِي لَيْلَةِ بَرَاءَةٍ أَوْ قَدْرٍ إذَا رَآهَا، وَعِنْدَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ دُخُولِ مِنَى يَوْمَ النَّحْرِ وَلِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلِصَلَاةِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَفَزَعٍ وَظُلْمَةٍ وَرِيحٍ شَدِيدٍ لِوُرُودِ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِذَلِكَ. (وَلَا يَجُوزُ لِمُحْدِثٍ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ (مَسُّ مُصْحَفٍ إلَّا بِغِلَافِهِ الْمُنْفَصِلِ) كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا (لَا الْمُتَّصِلِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِالْمُصْحَفِ هُوَ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ بِلَا ذِكْرٍ وَكَذَا مَسُّ

стр. 25

كُتُبِ التَّفَاسِيرِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ رَخَّصَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْمَسَّ بِالْيَدِ فِي كُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا التَّفْسِيرَ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْكُتُبَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْكُمِّ أَيْضًا بَلْ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ كُلَّمَا أَحْدَثَ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: إنَّمَا نِلْت هَذَا الْعِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ فَإِنِّي مَا أَخَذْت الْكَاغَدَ إلَّا بِطَهَارَةٍ، وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ، وَكَانَ يُكَرِّرُ دَرْسَ كِتَابِهِ فَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَ مَرَّةً هَذَا (فِي الصَّحِيحِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (وَكُرِهَ) الْمَسُّ (بِالْكُمِّ) وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْحَامِلِ. وَفِي الدُّرَرِ خِلَافُهُ. (وَلَا) يَجُوزُ (مَسُّ دِرْهَمٍ فِيهِ سُورَةٌ) كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ قَالَ الْبَاقَانِيُّ: وَلَوْ قَالَ فِيهِ آيَةٌ لَكَانَ أَوْلَى لِلشُّمُولِ، وَلَوْ عَمَّمَ بِمَا قُلْنَاهُ سَابِقًا لَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى، وَلَكِنْ أَقُولُ: وَلَوْ قَالَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لَكَانَ أَوْلَى سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ دُونَهَا؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ يُسَاوِيهَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالسُّورَةِ لِمَا أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى بَعْضِ الدَّرَاهِمِ كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَنَحْوِهَا (إلَّا بِصُرَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْغِلَافِ. (وَلَا) يَجُوزُ (لِجُنُبٍ دُخُولُ الْمَسْجِدِ) وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ كَانَ طَرِيقُهُ الْمَسْجِدَ قَالَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ إنْ احْتَاجَ تَيَمَّمَ وَدَخَلَ (وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَلَوْ دُونَ آيَةٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ أَوْ الثَّنَاءِ) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَتُكْرَهُ لِجُنُبٍ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَكَذَا دُخُولُ الْخَلَاءِ وَفِي إصْبَعِهِ خَاتَمٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ وَقِيلَ لَا تُكْرَهُ إنْ جَعَلَ فَصَّهُ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ، وَلَوْ كَانَ مَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَيْبِهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَلْفُوفًا فِي شَيْءٍ لَكِنَّ التَّحَرُّزَ أَوْلَى وَلَا يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُنُوتِ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا النَّظَرُ إلَى الْقُرْآنِ، وَلَا مَسُّ صَبِيٍّ لِمُصْحَفٍ وَلَوْحٍ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْوُضُوءِ حَرَجًا بِهَا، وَفِي تَأْخِيرِهِ إلَى الْبُلُوغِ تَقْلِيلُ حِفْظِ الْقُرْآنِ فَرُخِّصَ لِلضَّرُورَةِ. (وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْجُنُبِ (الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ) لِبَقَائِهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. (وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ كَالْجُنُبِ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيَجُوزُ لَهُمَا التَّهَجِّي بِالْقُرْآنِ، وَالْمُعَلِّمَةُ إذَا حَاضَتْ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ تُعَلِّمُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُ نِصْفَ آيَةٍ وَتَقْطَعُ ثُمَّ تُعَلِّمُ النِّصْفَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ. [فَصْلٌ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ] فَصْلٌ الْفَصْلُ فِي اللُّغَةِ ظَاهِرٌ وَفِي الِاصْطِلَاحِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا فَإِنْ وَصَلَ إلَى مَا بَعْدَهُ نُوِّنَ، وَإِلَّا فَلَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّهَارَتَيْنِ

стр. 26

وَمَا يُوجِبُهُمَا وَمَا يُنْقِضُهُمَا شَرَعَ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ فَقَالَ: (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ) عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْمُطْلَقُ مَا يَتَعَرَّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ فَحَسْبُ وَالْمُقَيَّدُ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَا هُنَا مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا: الْمَاءُ وَيُقَالُ: الْمُطْلَقُ مَا لَا يَحْتَاجُ فِي تَعَرُّضِ ذَاتِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَالْمُقَيَّدُ مَا لَا يَتَعَرَّضُ ذَاتُهُ إلَّا بِالْمُقَيَّدِ (كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبِئْرِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْبِحَارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الدَّعْوَى إنْ كَانَ أَصْلُ كُلِّ الْمِيَاهِ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا نَطَقَ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] الْآيَةَ وَعَلَى بَعْضِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاءِ وَالْمُدَّعَى كَوْنُ مَا أُنْزِلَ مِنْهُ مِنْ الْمَاءِ طَهُورًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ وَلَوْ سُلِّمَ فَاللَّازِمُ مِنْ الْآيَةِ كَوْنُ الْمَاءِ طَهُورًا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا يُصَرِّحُونَ بِأَنْ لَيْسَ مَعْنَى الطَّهُورِ لُغَةً مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ بَلْ إنَّمَا هُوَ الْمُبَالَغُ فِي طَهَارَتِهِ أَيْ: طَهَارَتُهُ قَوِيَّةٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] تَدَبَّرْ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ مَاءَ الْعَيْنِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَسِيمًا لِمَاءِ السَّمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مَاءُ السَّمَاءِ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (غَيْرَ) شَيْءٍ (طَاهِرٍ بَعْضُ أَوْصَافِهِ) (كَالتُّرَابِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالصَّابُونِ) هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ رَقِيقًا بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ أَمَّا إذَا كَانَ ثَخِينًا بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ الْمُخْتَلَطُ فَلَا تَجُوزُ، وَقَيْدُ الْمُصَنِّفُ بِبَعْضِ أَوْصَافِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْ كَانَ كُلَّهَا يَعْنِي اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ لَا تَجُوزُ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ تَجُوزُ أَلَا يَرَى إلَى مَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَسَاتِذَةِ: وَأَمَّا مَاءُ الْحَوْضِ إذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرَائِحَتُهُ إمَّا بِمُرُورِ الزَّمَانِ أَوْ بِوُقُوعِ الْأَوْرَاقِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوَجُّهُ بِأَنَّ مَا نَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الضَّرُورَةِ فَلَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الزَّعْفَرَانِ بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً وَلَنَا أَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ أَنَّهَا لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَعَلَامَةُ إضَافَةِ التَّقْيِيدِ قُصُورُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْمُضَافِ كَانَ قُصُورُهَا قَيْدَهُ كَيْ لَا يَدْخُلَ الْمُطْلَقُ مِثَالُهُ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى الظُّهْرَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ وَإِضَافَتُهَا إلَى الظُّهْرِ لِلتَّعْرِيفِ وَلَا يَحْنَثُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ

стр. 27

وَإِضَافَتُهَا إلَيْهَا لِلتَّقْيِيدِ (وَأَنْتَنَ بِالْمُكْثِ) عَطْفٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَكْثِ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ وَالْمَاضِي مِنْهُ مَكَثَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، وَالِاسْمُ مِنْهُ مُكْثٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا. (لَا) تَجُوزُ الطَّهَارَةُ (بِمَاءٍ خَرَجَ عَنْ طَبْعِهِ) وَهُوَ الرِّقَّةُ وَالسَّيَلَانُ (بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ) : أَيْ بِوُقُوعِ الْأَوْرَاقِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ أَوْصَافُهُ جَمِيعًا، وَإِنْ جَوَّزَهُ الْأَسَاتِذَةُ عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ لَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ إلَّا عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَوْلَى أَخِي حَلَبِيٍّ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى مَا بُيِّنَ آنِفًا تَدَبَّرْ (أَوْ بِغَلَبَةِ غَيْرِهِ) بِأَنْ يَكُونَ أَجْزَاءُ الْمُخَالِطِ أَزْيَدَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ غَلَبَهُ حَقِيقَةً لِرُجُوعِهَا إلَى الذَّاتِ بِخِلَافِ الْغَلَبَةِ بِاللَّوْنِ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْوَصْفِ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ الْغَلَبَةَ بِاللَّوْنِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّوْنَ مُشَاهَدٌ وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَلْيُطْلَبْ مِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهَا (أَوْ بِالطَّبْخِ كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَالْمَرَقِ) قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَشْرِبَةَ وَالْخَلَّ مِثَالَيْنِ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْحُلْوَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ كَالدِّبْسِ وَالشَّهْدِ الْمَخْلُوطَيْنِ بِالْمَاءِ، وَمِنْ الْخَلِّ الْخَلُّ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ عَلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْبَاقِي أَمْثِلَةٌ لِمَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَأَنْ يَكُونَ الْخَلُّ مِثَالًا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوطًا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاءٌ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْخَلَّ مَثَلًا إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ، وَالْمَاءُ مَغْلُوبٌ يُقَالُ: خَلٌّ مَخْلُوطٌ بِالْمَاءِ لَا مَاءٌ مَخْلُوطٌ بِالْخَلِّ تَدَبَّرْ. (وَلَا) تَجُوزُ الطَّهَارَةُ (بِمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ مَا لَمْ يَكُنْ غَدِيرًا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُغَادَرَةُ التَّرْكُ وَالْغَدِيرُ الْقِطْعَةُ مِنْ الْمَاءِ يُغَادِرُهَا السَّيْلُ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ مِنْ غَادَرَهُ أَوْ مَفْعُولٍ مِنْ اُغْدُرْهُ وَيُقَالُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ يَغْدِرُ بِأَهْلِهِ أَيْ يَنْقَطِعُ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ غَدَرَ أَيْ تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَرَكَهُ مَاءُ السَّيْلِ اعْلَمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ دُونَ الْكَثِيرِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا فَمَالِكٌ اعْتَبَرَ تَغْيِيرَ الْوَصْفِ وَالشَّافِعِيُّ قَدَّرَ بِالْقُلَّتَيْنِ وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ عِنْدَهُمْ وَذُكِرَ فِي وَجِيزِهِمْ وَالْأَشْبَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مَنْ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا وَأَصْحَابُنَا قَدَّرُوا بِعَدَمِ الْخُلُوصِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ الْخُلُوصُ فَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالتَّحْرِيكِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْرِيفِهِ (لَا يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ الْمُتَنَجِّسُ بِتَحْرِيكِ طَرَفِهِ الْآخَرِ) فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْرِيكِ التَّحْرِيكُ بِالِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضُ فِي سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمَكْثِ؛ إذْ الْمَاءُ سَيَّالٌ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ بِالِاضْطِرَابِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ وَلَوْ كَثُرَ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ التَّحْرِيكِ فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالِاغْتِسَالِ وَهُوَ أَنْ يَغْتَسِلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ اغْتِسَالًا

стр. 28

وَسَطًا وَلَا يَتَحَرَّكُ الْجَانِبُ الْآخِرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكَ بِالْيَدِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى تَوْسِعَةً لِلنَّاسِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ التَّحْرِيكِ بِالِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيكِ بِغَسْلِ الْيَدِ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِغَمْسِ الرِّجْلِ. وَفِي الْغَايَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ اعْتِبَارُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُتَوَضِّئِ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ. وَقَالَ: هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ: يُمْتَحَنُ بِأَنْ يُلْقَى فِيهِ صِبْغُ مِقْدَارِ النَّجَاسَةِ إنْ نَفَذَ إلَى جَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضِ وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ فِيهِ، وَتَكَدَّرَ الْمَاءُ فَإِنْ وَصَلَتْ الْكُدْرَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْ الْمَشَايِخِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ اعْتَبَرَ الْخُلُوصَ بِالْمِسَاحَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (أَوْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرِ) وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا آخَرَ لِلْغَدِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْغَدِيرَ الْعَظِيمَ بِمَا بُيِّنَ آنِفًا بِعَدَمِ التَّحْرِيكِ أَوْ بِالْمِسَاحَةِ، وَالْمُنَاسِبُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يَقُولَ: أَوْ يَكُونَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ عَلَى لَمْ يَكُنْ غَدِيرًا وَالْمَعْنَى لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ مَا لَمْ يَكُنْ غَدِيرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَكِلْتَا الصُّورَتَيْنِ مُسْتَثْنِيَتَانِ عَنْ الْحُكْمِ السَّابِقِ الْكُلِّيِّ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بَلْخِي وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمُعَلَّى قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُمْ امْتَحَنُوا فَوَجَدُوا هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا لَا تَخْلُصُ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَقَدَّرُوهُ بِذَلِكَ تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ مُدَوَّرًا يُعْتَبَرُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فَإِنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ إذَا رُبِّعَ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الدَّائِرَةِ أَوْسَعَ الْأَشْكَالِ مُبَرْهَنٌ عِنْدَ الْحِسَابِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَقَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ: الْمُعْتَبَرُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةٌ لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَرُ مِنْ ذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ بِإِصْبَعٍ؛ لِأَنَّ ذِرَاعَ الْمِسَاحَةِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَقَطْ، وَقِيلَ: سِتُّ قَبَضَاتِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ إصْبَعًا. وَفِي الْخَانِيَّةِ الْأَصَحُّ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْمَمْسُوحَاتِ. وَفِي الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ أَنْ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمِسَاحَةِ وَالْكِرْبَاسِ. (وَعُمْقُهُ) أَيْ عُمْقُ الْغَدِيرِ (مَا لَا تَنْحَسِرُ) أَيْ لَا تَنْكَشِفُ (الْأَرْضُ بِالْغَرْفِ) هُوَ الصَّحِيحُ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ (كَالْجَارِي) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَاءِ الْجَارِي. (وَهُوَ) أَيْ الْجَارِي (مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ) هَذَا مُخْتَارُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي فِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (فَيَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ مَا لَمْ يُرَ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ وَالرُّؤْيَةُ هَاهُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِمَعْنَى الْعِلْمِ فَيَنْتَظِمُ الطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ (أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ لَوْنٌ أَوْ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ) إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ يَتَوَضَّأُ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ

стр. 29

بَلْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ التُّحْفَةِ: إذَا وَقَعَ النَّجَسُ فِي الْمَاءِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا فَإِنْ كَانَ جَارِيًا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً مِثْلَ الْجِيفَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَكِنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ بِوُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ لَا يَجْرِي بِالْجِيفَةِ بَلْ يَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا جَمِيعُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجِيفَةِ؛ لِأَنَّهَا تُنَجِّسُ جَمِيعَ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةُ لَا تَطْهُرُ بِالْجَرَيَانِ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْمَاءِ فَهُوَ نَجَسٌ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا أَقَلُّ الْمَاءِ فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْغَالِبِ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا النِّصْفُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَلَكِنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ مِنْهُ انْتَهَى قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: فِي نَقْلِهِ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي ابْتِدَاءِ كَلَامِهِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الْمَاءِ الْجَارِي فَقَطْ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَالْمُقْسَمُ يَقْتَضِيهِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي بَيَانَ هَذَا الْحُكْمِ فَقَطْ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَعْدَ أَسْطُرٍ فَقَالَ: وَلَا بِمَاءٍ رَاكِدٍ وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ إلَى آخِرِهِ وَغَفَلَ الْمُخْطِئُ عَنْ سِبَاقِهِ وَسِيَاقِهِ فَأَخْطَأَ تَدَبَّرْ. [الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ] (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ هُوَ الْمُخْتَارُ) قَدَّمَ الْكَلَامَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى تَعْرِيفِهِ اهْتِمَامًا لِشَأْنِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ التَّعْرِيفَاتِ إنَّمَا تَقَعُ تَبَعًا وَضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ مِنْ وَظِيفَةِ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَوَى فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى. وَقَالَ مَالِكٌ: طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ إذَا كَانَ الِاسْتِعْمَالُ لَمْ يُغَيِّرْهُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَلِلشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَأَظْهَرُهَا كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَفِي قَوْلٍ: طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَفِي آخَرَ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. (وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ نَجَسٌ مُغَلَّظٌ) فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهَا. (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مُخَفَّفٌ) لِلِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ التَّخْفِيفَ (وَهُوَ مَا اُسْتُعْمِلَ لِقُرْبِهِ) فَالسَّبَبُ إقَامَةُ الْقُرْبَةِ لَا نِيَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُوجَدُ وَلَا تُقَامُ الْقُرْبَةُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِعْمَالُ (أَوْ لِرَفْعِ حَدَثٍ) الْمَاءُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمَا بِكُلٍّ مِنْ الْقُرْبَةِ وَإِزَالَةِ الْحَدَثِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ بِالْأَوَّلِ فَقَطْ. وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ بِالثَّانِي فَقَطْ لَكِنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ أَوْ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ

стр. 30

قَدْ وُجِدَ فِي الِاغْتِسَالِ وَبِدُونِ النِّيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاغْتِسَالُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ جُزْءٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ، وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْجَنَابَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَلَا تَصْرِيحَ بِهِ فِي كِتَابِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْبَدَنِ) . وَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ إذَا زَالَ عَنْ الْبَدَنِ، وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْمَكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِيَعْقُوبَ بَاشَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي هَذَا حَرَجًا عَظِيمًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجَسٌ وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُخْتَارُ كَوْنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَاهِرًا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِطْلَاقُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجَسٌ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ كَوْنِهِ نَجَسًا عَنْهُ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا تَدَبَّرْ. (وَقِيلَ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان) وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ وَمَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَبَعْضِ مَشَايِخِ بَلْخِي وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ. وَفِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان وَيَسْكُنْ عَنْ التَّحْرِيكِ. لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَحْوَطُ، وَالِاعْتِمَادُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْعِبَادَاتِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا انْفَصَلَ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَلْ هُوَ فِي الْهَوَاءِ فَسَقَطَ عَلَى عُضْوِ إنْسَانٍ وَجَرَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكَفِّهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ. (وَلَوْ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي الْبِئْرِ بِلَا نِيَّةٍ) . وَلَوْ قَالَ لَوْ انْغَمَسَ مُحْدِثٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِانْغِمَاسِ لَا يَكْفِي فِي الطَّهَارَةِ عَنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَرْضَانِ فِيهَا فَجَوَابُ مُحَمَّدٍ لَا يَتَمَشَّى فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (فَقِيلَ الْمَاءُ وَالرَّجُلُ نَجِسَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ) فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَمَّا الْمَاءُ فَلِنَجَاسَتِهِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلِبَقَاءِ الْحَدَثِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ نَجِسًا فَيَطْهُرُ الرَّجُلُ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُمَا بِحَالِهِمَا) الرَّجُلُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ حَدَثُهُ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ إسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالْقُرْبَةِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الرَّجُلُ طَاهِرٌ) لِزَوَالِ حَدَثِهِ (وَالْمَاءُ طَهُورٌ) لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا قَالَ بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ لِلِاغْتِسَالِ فَسَدَ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. وَقَالَ الْفَاضِلُ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الصَّبُّ عِنْدَهُ وَلَمْ يُوجَدْ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ الصَّبُّ فِي حَالِ الِانْغِمَاسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ يَتَحَرَّكُ الْمَاءُ بِحَرَكَتِهِ وَيَتَمَوَّجُ بِاضْطِرَابِهِ وَيَقَعُ عَلَيْهِ فَيُقَامُ مَقَامَ الصَّبِّ كَمَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي تَدَبَّرْ. (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ) الظَّرْفُ الثَّانِي لِلْمَوْتِ

стр. 31

وَالْمُرَادُ بِمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ مَائِيِّ الْمَعَاشِ دُونَ الْمَوْلِدِ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ (لَا يُنَجِّسُهُ كَالسَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ) بِكَسْرِ الدَّالِ. (وَالسَّرَطَانِ) لِعَدَمِ الدَّمِ، وَالضِّفْدَعُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَاخْتُلِفَ فِي إفْسَادِ غَيْرِ الْمَاءِ كَالْمَائِعَاتِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ، وَكَذَا الْإِلْقَاءُ فِي الْمَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ. (وَكَذَا مَوْتُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ) وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الدَّمُ أَيْ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ (كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْكُلِّ إلَّا السَّمَكَ (وَكُلُّ إهَابٍ) وَهُوَ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ وَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِعُمُومِهِ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ (دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) أَيْ الدِّبَاغَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً كَالْقَرْظِ وَنَحْوِهِ أَوْ حُكْمِيَّةً كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالْإِلْقَاءِ وَفِي الرِّيحِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْأُولَى لَا يَعُودُ نَجَسًا أَبَدًا وَإِنْ كَانَتْ بِالثَّانِيَةِ ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَعُودُ قِيَاسًا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَعُودُ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَى هَذَا الْبِئْرُ إذَا غَارَ مَاؤُهَا بَعْدَمَا تَنَجَّسَتْ ثُمَّ عَادَ الْمَاءُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا يَبِسَ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَمْ تَنْجَسْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ (إلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ وَالْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ) قَدَّمَ الْآدَمِيَّ عَلَى الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَا مَعْطُوفًا عَلَى الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُشْعِرُ بِالْإِهَانَةِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ كَوْنَ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ فِي النَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَدَمُ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِشَرَفِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْدِيمُ مُشْعِرًا بِالْإِهَانَةِ كَمَا قَالَهُ الْبَاقَانِيُّ وَغَيْرُهُ تَدَبَّرْ، وَكَذَا لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَاخْتُلِفَ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ (وَالْفِيلُ كَالسَّبُعِ) عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ فَيَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كَالْخِنْزِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ نَجَسُ الْعَيْنِ فَلَا يَطْهُرُ (قَالُوا وَمَا طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ) هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّبْحِ الشَّرْعِيِّ وَاشْتُرِطَ فِيهِ أَهْلُهُ وَمَحَلُّهُ وَذِكْرُ التَّسْمِيَةِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ مَانِعَةٌ عَنْ تَشَرُّبِ الْجِلْدِ بِالرُّطُوبَاتِ. (وَكَذَا لَحْمُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ) ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَاللَّحْمُ مُتَّصِلٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا حَتَّى إذَا صَلَّى وَمَعَهُ لَحْمُ الثَّعْلَبِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الذَّكَاةُ تُطَهِّرُ الْمُذَكَّى بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ إلَّا الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْكَافِي: اللَّحْمُ نَجَسٌ فِي الصَّحِيحِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي طَهُرَ الثَّانِي عَائِدٌ إلَى الْجِلْدِ لَا إلَى كَلِمَةِ مَا بِدَلِيلِ التَّعَرُّضِ لِطَهَارَةِ اللَّحْمِ بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْت: يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَفْكِيكُ الضَّمِيرِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ التَّفْكِيكَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ عَنْ الْأَوَّلِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ فَلَئِنْ سُلِّمَ فَقُبْحُ التَّفْكِيكِ عِنْدَ لُزُومِ اللَّبْسِ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمُرَادِ، وَذِكْرُ اللَّحْمِ هَا هُنَا قَرِينَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلَا نُسَامِحُ فِيهِ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ كَذَا فِي تَعْلِيقَاتِ الْوَانِي. (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ) غَيْرَ الْخِنْزِيرِ؛ إذْ هُوَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ نَجَسُ الْعَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي شَعْرِهِ (وَعَظْمُهَا

стр. 32

وَعَصَبُهَا وَقَرْنُهَا وَحَافِرُهَا طَاهِرٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهَا بِدَلِيلِ عَدَمِ الْأَلَمِ بِقَطْعِهَا كَقَصِّ الظُّفُرِ وَنَشْرِ الْقَرْنِ وَقَطْعِ طَرَفٍ مِنْ الشَّعْرِ وَمَا لَا تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ لَا يَحِلُّهَا الْمَوْتُ، وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْعِظَامِ فِي النَّصِّ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ غَضَّةً رَطْبَةً فِي بَدَنٍ حَيٍّ وَإِنَّمَا يَتَأَلَّمُ بِكَسْرِ الْعَظْمِ وَقَطْعِ الْعَصَبِ لِاتِّصَالِهِمَا بِاللَّحْمِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا حَيَاةَ فِيهَا وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهَا لَا تَجْرِي فِي الْعَصَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَيَاةٌ وَلَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِ تَدَبَّرْ. (وَكَذَا شَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ (فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَإِنْ جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ) وَالضَّمِيرُ فِي مَعَهُ رَاجِعٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فَتَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ أَعَادَ سِنَّهُ إلَى فَمِهِ. وَقَالَ الْمُحَشِّي الْمَعْرُوفُ بِيَعْقُوبَ بَاشَا قَيَّدَ بِسِنِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سِنَّ غَيْرِهِ تَفْسُدُ اتِّفَاقًا وَبِالْإِعَادَةِ إلَى فَمِهِ وَاسْتِحْكَامُهَا فِي مَكَانِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا حَمَلَهَا وَلَمْ يَضَعْهَا فِي مَوْضِعِهَا تَفْسُد اتِّفَاقًا انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ صَلَّى، وَسِنُّهُ فِي كُمِّهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ تَأَمَّلْ. (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ) لَحْمُهُ (نَجَسٌ) عِنْدَهُمَا حَتَّى إنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَلَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِهِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ الْمَاءَ فَيُخْرِجَهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ (وَلَا يُشْرَبُ) بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ. (وَلَوْ لِلتَّدَاوِي خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي، وَلَوْ حَرَامًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ مُطْلَقًا. [فَصْلٌ تُنْزَحُ الْبِئْرُ لِوُقُوعِ نَجَسٍ] فَصْلٌ (تُنْزَحُ الْبِئْرُ) أَيْ مَاؤُهَا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ (لِوُقُوعِ نَجَسٍ) مَا لَمْ تَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْهُرَ أَصْلًا لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْأَخْشَابِ وَغَيْرِهِمَا وَيَتَعَذَّرُ الْغُسْلُ أَوْ لَا يَتَنَجَّسُ اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهَا يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا لَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ لِلْآثَارِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: مَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ حَتَّى إذَا خَرَجَ الْوَاجِبُ مِنْهَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ جَمِيعِ مَا فِيهَا وَدَلْوِهَا وَيَدِ النَّازِحِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسْتَخْرَجُ النَّجَسُ، وَيَبْقَى الْمَاءُ طَاهِرًا (لَا بِنَحْوِ بَعْرٍ) مُطْلَقًا. (وَرَوْثٍ وَخِثْيٍ مَا لَمْ يُسْتَكْثَرْ) أَيْ مَا لَمْ يَسْتَكْثِرْهُ النَّاظِرُ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مَا يُغَطِّي وَجْهَ رُبُعِ الْمَاءِ كَثِيرٌ وَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: ثُلُثُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلِمَةَ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: الْكَثِيرُ مَا يُغَيِّرُ لَوْنَ الْمَاءِ. وَلَوْ بَعَرَتْ الشَّاةُ فِي الْمَحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ قَالُوا: تُرْمَى الْبَعْرَةُ فِي سَاعَتِهِ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ

стр. 33

وَلَا يُعْفَى الْقَلِيلُ فِي الْإِنَاءِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ (وَلَا بِخَرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ فَإِنَّهُ) أَيْ الْخَرْءَ (طَاهِرٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ يُفْسِدُهُ كَخَرْءِ الدَّجَاجِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا طَهَارَتَهُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَخَرْءُ الْعُصْفُورِ كَخَرْءِ الْحَمَامَةِ فَمَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ ذَاكَ وَكَذَا خَرْءُ جَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ الطُّيُورِ عَلَى الْأَصَحِّ. (وَإِذَا عُلِمَ وَقْتُ الْوُقُوعِ) أَيْ وَقْتُ حَيَوَانٍ مَاتَ فِي الْبِئْرِ (حُكِمَ بِالتَّنَجُّسِ مِنْ وَقْتِهِ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوعِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ (فَمِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِخْ الْوَاقِعُ أَوْ لَمْ يَتَفَسَّخْ) ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَقَادِيرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَإِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا لِتَفَاوُتِهَا (وَمِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إنْ انْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ) ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ وُقُوعُهُ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ. (وَقَالَا مِنْ وَقْتِ الْوِجْدَانِ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَتِهِ فِيمَا مَضَى وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَلَمْ يَدْرِ مَتَى أَصَابَتْهُ لَا يُعِيدُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَ) يُنْزَحُ (عِشْرُونَ دَلْوًا) بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْوَاقِعِ. (وَسَطًا) وَهِيَ الدَّلْوُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي آبَارِ الْبُلْدَانِ، وَالْقَطَرَاتُ الَّتِي تَعُودُ إلَى الْمَاءِ عَفْوٌ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ (إلَى ثَلَاثِينَ) بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ (بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ أَوْ عُصْفُورٍ أَوْ سَامٍ أَبْرَصَ) قَيْدُ الْمَوْتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهَا لَوْ مَاتَتْ فِي الْخَارِجِ ثُمَّ أُلْقِيَتْ فِيهَا لَا يَخْتَلِفُ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ الْفَأْرَةُ إذَا وَقَعَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ يُنْزَحُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهَا تَبُولُ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ مَجْرُوحَةً أَوْ مُتَنَجِّسَةً وَلَوْ وَقَعَ أَكْثَرُ مِنْ فَأْرٍ فَإِلَى الْأَرْبَعِ كَالْوَاحِدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ خَمْسًا كَالدَّجَاجَةِ إلَى التِّسْعِ وَلَوْ عَشْرًا كَالشَّاةِ وَلَوْ كَانَتْ فَأْرَتَانِ كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ فَأَرْبَعُونَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (وَأَرْبَعُونَ) وُجُوبًا (إلَى سِتِّينَ) اسْتِحْبَابًا فِي رِوَايَةٍ، وَأُخْرَى إلَى خَمْسِينَ (بِنَحْوِ حَمَامَةٍ أَوْ دَجَاجَةٍ أَوْ سِنَّوْرٍ) وَمَا بَيْنَ فَأْرَةٍ وَحَمَامَةٍ كَفَأْرَةٍ كَمَا بَيْنَ دَجَاجَةٍ وَشَاةٍ كَدَجَاجَةٍ. وَفِي السِّنَّوْرَيْنِ يُنْزَحُ كُلُّهُ (وَكُلُّهُ بِنَحْوِ كَلْبٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ انْتِفَاخِ الْحَيَوَانِ) الدَّمَوِيِّ (أَوْ تَفَسُّخِهِ) . وَلَوْ صَغِيرًا لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ. مَوْتُ الْكَلْبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ انْغَمَسَ وَأُخْرِجَ حَيًّا يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ وَكَذَا كُلُّ مَا سُؤْرُهُ نَجَسٌ أَوْ مَشْكُوكٌ، وَإِنْ مَكْرُوهًا فَيُسْتَحَبُّ نَزْحُهُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّاةُ إذَا أُخْرِجَتْ حَيَّةً إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ السَّبُعِ نُزِحَ كُلُّهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَالْآدَمِيُّ إذَا أُخْرِجَ حَيًّا إنْ كَانَ مُحْدِثًا نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَإِنْ جُنُبًا نُزِحَ كُلُّهُ وَلَوْ وَقَعَ آدَمِيٌّ مَيِّتٌ قَبْلَ الْغُسْلِ يَنْجَسُ وَإِنْ بَعْدَ الْغُسْلِ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 34

كَافِرًا أَوْ جُنُبًا. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا) بِأَنْ كَانَتْ مَعِينًا (نُزِحَ قَدْرُ مَا كَانَ فِيهَا) أَيْ فِي الْبِئْرِ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ لِكَوْنِهِمَا نِصَابَ الشَّهَادَةِ الْمُلْزِمَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ مِنْهَا مِائَةُ دَلْوٍ. وَفِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ لِتَفَاوُتِهَا بَلْ فَوَّضَهَا إلَى رَأْيِهِمْ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْزَحُ قَدْرُ مَا فِيهَا بِأَنْ تُحْفَرَ حَفِيرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَيُصَبَّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا إلَى أَنْ تَمْتَلِئَ أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَتُجْعَلَ لِمَبْلَغِ الْمَاءِ عَلَامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحَ مَثَلًا عَشْرُ دِلَاءٍ ثُمَّ تُعَادَ الْقَصَبَةُ فَيَظْهَرَ لَكُمْ النَّقْصُ فَيُنْزَحَ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ (وَيُفْتَى بِنَزْحِ مِائَتَيْ دَلْوٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ كَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلْدَةِ بَغْدَادَ فَإِنَّ آبَارَهَا لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ دَلْوٍ. (وَمَا زَادَ عَلَى الْوَسَطِ اُحْتُسِبَ بِهِ) حَتَّى لَوْ نُزِحَ بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارَ الْوَاجِبِ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ نَزْحُ الْمِقْدَارِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّرْعُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بِتَوَاتُرِ الدِّلَاءِ يَصِيرُ الْمَاءُ كَالْجَارِي، وَمِثْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَلَنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ نَزَحَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ دَلْوَيْنِ جَازَ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ مَا زَادَ غَيْرُ الْوَسَطِ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ صُورَةَ النُّقْصَانِ أَيْضًا. (وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا) كَمَا فِي الْهِدَايَةِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ نَزْحُ قَدْرٍ مِنْ الْمَاءِ مُطَهِّرًا فِي بِئْرٍ غَيْرَ مُطَهِّرٍ فِي أُخْرَى مَعَ اتِّحَادِ سَبَبِ النَّجَاسَةِ لِاخْتِلَافِ دَلْوِهِمَا فِي الْمِقْدَارِ وَقِيلَ مَا يَسَعُ صَاعًا، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. [طَهَارَة سُؤْر الْآدَمِيِّ] (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ) مُطْلَقًا إلَّا حَالَ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ سُؤْرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ نَجَسٌ قَبْلَ بَلْعِ رِيقِهِ فَإِنْ بَلَعَ رِيقَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ فَمُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَ مُطْلَقًا مُطَهِّرٌ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ صَبٍّ عِنْدَهُ (وَالْفَرَسُ وَمَا يُؤْكَلُ) لَحْمُهُ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ مِنْ الطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ إلَّا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ الْجَلَّالَةَ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعُذْرَةَ (طَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُمْ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ، وَكَرَاهَةُ لَحْمِ الْفَرَسِ فِي رِوَايَةٍ لِاحْتِرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ لَا لِنَجَاسَتِهِ فَلَا يُؤْثَرُ فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (وَسُؤْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ نَجَسٌ) لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ طَاهِرٌ غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ) قَبْلَ أَكْلِ الْفَأْرَةِ وَأَمَّا بَعْدَهَا فَسُؤْرُهَا نَجَسٌ اتِّفَاقًا إذَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ مَكَثَتْ سَاعَةً لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيَتَنَجَّسُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ فَمَهَا يَتَنَجَّسُ بِالْفَأْرَةِ، وَالنَّجَسُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ عِنْدَهُ (وَالدَّجَاجَةُ الْمُجَلَّاةُ) الْجَائِلَةُ فِي عُذُرَاتِ النَّاسِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى تَحْتِ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ (وَسِبَاعُ الطَّيْرِ) ؛ لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ عَادَةً إلَّا الْمَحْبُوسَ الَّذِي يَعْلَمُ صَاحِبُهُ أَنْ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَاسْتَحْسَنَهُ الْمَشَايِخُ (وَسَوَاكِنُ الْبَيْتِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ مَكْرُوهٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ

стр. 35

سُؤْرُهُمَا نَجَسًا لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا لَكِنْ سَقَطَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِمَا لِعِلَّةِ الطَّوَافِ فَبَقِيَتْ كَرَاهَتُهُمَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي الْأَصَحِّ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَجْرِي فِي الْهِرَّةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَحُكْمُ الْمَاءِ الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَاءٍ آخَرَ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ تَوَضَّأ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ. [سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ] (وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ) وَهَذِهِ عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ وَأَنْكَرَهَا أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ وَقَالَ: حَاشَا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَشْكُوكًا فِيهِ بَلْ سُؤْرُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ فَأُمِرَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ وَقِيلَ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَقِيلَ جَمِيعًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْوَجِيزِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُمَا طَاهِرٌ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ لَا تَجِبُ إعَادَتُهُ وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ هَا هُنَا التَّوَقُّفُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: سُؤْرُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ نَجَسٌ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ لِثُبُوتِ الضَّرُورَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ فَيَشْرَبُ فِي الْآنِيَةِ لَكِنْ لَيْسَتْ كَضَرُورَةِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْمَضَائِقِ دُونَ الْحِمَارِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ ضَرُورَةٌ أَصْلًا كَانَ كَالسِّبَاعِ فِي الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ بِلَا إشْكَالٍ، وَلَوْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ كَضَرُورَتِهَا كَانَ مِثْلُهَا فِي سُقُوطِ النَّجَاسَةِ، وَحَيْثُ ثَبَتَتْ الضَّرُورَةُ مِنْ وَجْهٍ وَاسْتَوَى مَا يُوجِبُ النَّجَاسَةَ وَالطَّهَارَةَ تَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي جَانِبِ الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي جَانِبِ اللُّعَابِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَبَقِيَ الْأَمْرُ الْآخَرُ مُشْكِلًا، وَأَمَّا الْبَغْلُ فَمِثْلُ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ. وَفِي الْغَايَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ أُمُّهُ أَتَانًا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ رَمَكَةً يَكُونُ سُؤْرُهُ طَهُورًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ (يَتَوَضَّأُ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَيَتَيَمَّمُ) أَيْ بِجَمْعٍ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ وَأَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ جَازَ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ أَصَابَ مَاءً نَظِيفًا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ الْمَاءُ، وَمَعَهُ سُؤْرُ الْحِمَارِ فَعَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ أَرَاقَ يَلْزَمُ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤْرُ الْحِمَارِ طَهُورًا. (وَأَيًّا قَدَّمَ جَازَ) وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ إلَّا التَّقْدِيمُ وَاخْتُلِفَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ. (وَعِرْقُ كُلِّ شَيْءٍ كَسُؤْرِهِ) أَيْ حُكْمُ اللُّعَابِ وَالْعِرْقِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَيُعْتَبَرُ عِرْقُ كُلِّ حَيَوَانٍ بِسُؤْرِهِ طَهَارَةً وَنَجَاسَةً وَكَرَاهَةً وَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ بِكَوْنِ سُؤْرِ الْحِمَارِ مَشْكُوكًا مَعَ أَنَّ عِرْقَهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِرْقِ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمُخَالِفِ لِلْقِيَاسِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا نَبِيذُ التَّمْرِ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ

стр. 36

يُفْتَى) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَيَّدَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ؛ إذْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِذَةِ لَا يَتَيَمَّمُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. (وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَتَوَضَّأُ بِهِ) لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ لَهُ أَعِنْدَك طَهُورٌ قَالَ: لَا إلَّا شَيْءٌ مِنْ نَبِيذٍ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَكِنْ رَجَعَ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ أَقْوَى مِنْ الْحَدِيثِ فَيُعْمَلُ بِهَا أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهَا لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا، وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً فَوَجَبَ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا وَالْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الْإِمَامِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ النَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَلْحَقُهُ بِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَالْجَنَابَةُ حَدَثٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ. وَقَالَ فِي الْمُفِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ الْحَدَثَيْنِ، وَالضَّرُورَةُ دُونَهَا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُفِيدِ أَنَّ النَّبِيذَ الْحُلْوَ الرَّقِيقَ كَالْمَاءِ يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ هُوَ الْمَطْبُوخُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ انْتَهَى فَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَبِيذِ التَّمْرِ وَاقِعٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ تَدَبَّرْ. [بَابُ التَّيَمُّمِ] مَعْنَى الْبَابِ فِي اللُّغَةِ النَّوْعُ، وَقَدْ يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلُقِّبَ بِبَابِ كَذَا ابْتَدَأَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْغُسْلِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى وَفْقِ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى تَقْدِيمًا لِمَا حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ التَّيَمُّمُ لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا طَهَارَةٌ حَاصِلَةٌ بِاسْتِعْمَالِ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ فِي عُضْوَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ عَلَى قَصْدٍ مَخْصُوصٍ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى قَصْدِ التَّطْهِيرِ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُ الْجُزْءِ فِي الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَجُوزَ بِالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الْجُزْءِ الْجُزْءُ الْحَاصِلُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَجَرُ أَيْضًا مِنْ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِهِ: اسْتِعْمَالُهُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا تَدَبَّرْ وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ ﵊ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» (يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ السَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ هَا هُنَا هُوَ السَّفَرُ الْعُرْفِيُّ وَالشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ سَوَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ. (وَمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمِصْرِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ عَادِمَ الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ يَتَيَمَّمُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ (لِبُعْدِهِ عَنْ الْمَاءِ) الصَّالِحِ لِلْوُضُوءِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ فَلَمْ يَدْخُلْ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِنْ كَانَ التَّنْكِيرُ

стр. 37

فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] يَدُلُّ عَلَى إفَادَةِ الْعُمُومِ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي قَوْلَ أَصْحَابِنَا أَنْ لَوْ كَانَ الْمَفْهُومُ حُجَّةً وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ (مِيلًا) سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا وَالْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةٍ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَفِي الصِّحَاحِ الْمِيلُ مِنْ الْأَرْضِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ مِنْهُ صَوْتَ أَهْلِ الْمَاءِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إلَيْهِ تَوَضَّأَ لَغَابَتْ الْقَافِلَةُ عَنْ بَصَرِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ. (أَوْ لِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ بِسَبَبِ الْحَرَكَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ خَوْفُ التَّلَفِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ وَجَدَ الْمَرِيضُ مَنْ يُوَضِّئُهُ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ أَوْ أَجِيرٌ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفَاقِ (أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى زِيَادَتِهِ وَيَجُوزُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ إنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ، وَالْحَرَجُ يَتَحَقَّقُ بِالِامْتِدَادِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَمَعْرِفَتُهُ بِاجْتِهَادِ الْمَرِيضِ تَجْرِبَةً أَوْ أَمَارَةً أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ (أَوْ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ) سَوَاءٌ كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ أَوْ عَلَى مَالٍ عِنْدَهُ أَمَانَةٍ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا قِيلَ فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ أَوْجَبُ مِنْ صِيَانَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَإِنَّ لَهَا بَدَلًا، وَلَا بَدَلَ لِلنَّفْسِ انْتَهَى، وَكَذَا لَوْ خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ فَاسِقٍ أَوْ خَافَ الْمَدْيُونُ الْمُفْلِسُ مِنْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَاءِ. وَفِي الْوَلْوَالِجِيِّ مُتَيَمِّمٌ مَرَّ عَلَى مَاءٍ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ إلَيْهِ لِخَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ عَلَى نَفْسِهِ لَا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ. وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ بِوَعِيدِ قَتْلٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْد مَا زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْوُضُوءُ عَنْهُ كَالْمَحْبُوسِ فِي السِّجْنِ انْتَهَى لَكِنْ يُشْكِلُ هَذَا بِالْعَدُوِّ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُعْتَبَرُ ثَمَّةَ مَعَ أَنَّ الْعَجْزَ حَصَلَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ، وَالْقِيَاسُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ فِي الْمَحْبُوسِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِهِمْ غَالِبًا (أَوْ عَطِشَ) سَوَاءٌ كَانَ عَطَشُهُ أَوْ عَطَشُ رَفِيقِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ كَلْبِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَكَذَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ وَأَمَّا لِاِتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا (أَوْ لِفَقْدِ آلَةٍ) يَسْتَخْرِجُ بِهَا الْمَاءَ وَلَوْ مِنْدِيلًا طَاهِرًا. (بِمَا كَانَ) أَيْ يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ (مِنْ) كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ، وَيَصِيرُ رَمَادًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْطَبِعُ وَيَذُوبُ (كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالنَّوْرَةِ وَالْجِصِّ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحَجَرِ) وَكَذَا الْيَاقُوتُ وَالْفَيْرُوزَجُ وَالزُّمُرُّدُ؛ لِأَنَّهَا أَحْجَارٌ مُضِيئَةٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِاللُّؤْلُؤِ وَلَوْ مَسْحُوقًا وَالزُّجَاجُ الْمُتَّخَذُ مِنْ الرَّمْلِ وَشَيْءٍ آخَرَ وَالْمَاءُ الْمُتَجَمِّدُ وَالْمَعَادِنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهَا أَوْ مُخْتَلِطًا بِالتُّرَابِ وَالتُّرَابُ غَالِبٌ. (وَلَوْ بِلَا نَقْعٍ) أَيْ بِلَا غُبَارٍ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ جَازَ

стр. 38

(خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) أَيْ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِلَا نَقْعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ. (وَخَصَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ) قِيلَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ الْخَالِصِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (وَيَجُوزُ بِالنَّقْعِ حَالَ الِاخْتِيَارِ) حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِغُبَارِ ثَوْبِهِ أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ فَارْتَفَعَ الْغُبَارُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ فَمَسَحَهُ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغُبَارَ جُزْءٌ مِنْ التُّرَابِ فَكَمَا جَازَ التَّيَمُّمُ بِالْخَشِنِ مِنْهُ جَازَ بِالرَّقِيقِ مِنْهُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ خَالِصٍ لَكِنَّهُ تُرَابٌ مِنْ وَجْهٍ فَجَازَ عِنْدَ الْعَجْزِ دُونَ الْقُدْرَةِ كَالْإِيمَاءِ وَأَمَّا حَالَةَ الْإِضْرَارِ فَيَجُوزُ بِهِ اتِّفَاقًا. [شَرْطُ التَّيَمُّم] (وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَقِيقَةً) بِأَنْ لَا يَجِدَهُ (أَوْ حُكْمًا) بِأَنْ وَجَدَهُ لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِسَبَبٍ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا. (وَ) شَرْطُهُ (طَهَارَةُ الصَّعِيدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَالصَّعِيدُ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ تُرَابًا وَغَيْرَهُ وَالطَّيِّبُ هُنَاكَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . (وَالِاسْتِيعَابُ فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْوُضُوءِ فِي الْعُضْوَيْنِ الْمَخْصُوصَيْنِ حَتَّى قَالُوا لَوْ لَمْ يُخَلِّلْ الْأَصَابِعَ أَوْ لَمْ يَنْزِعْ الْخَاتَمَ أَوْ لَمْ يَمْسَحْ تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مَسْحَ أَكْثَرِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ كَافٍ. (وَالنِّيَّةُ) فَرْضٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ أَضْعَفُ مِنْ الْوُضُوءِ لِانْتِقَاضِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَيَتَقَوَّى بِالنِّيَّةِ خِلَافًا لِزُفَرَ. (وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَلَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ) كَالصَّلَاةِ أَوْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَوْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَكَذَا لَمْسُ الْمُصْحَفِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ لَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً لَكِنْ يَحِلُّ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ كَذَا فِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِمِثْلِ هَذَا التَّيَمُّمِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ هُوَ أَنَّ التُّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إلَّا فِي حَالِ إرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ أَلْبَتَّةَ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ التُّرَابَ فِي التَّيَمُّمِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ غَيْرُ طَهُورٍ فَمَا حَلَّ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِاسْتِعْمَالِ تُرَابٍ غَيْرِ طَهُورٍ انْتَهَى لَكِنْ لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ لَمْ يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ إلَيْهَا أَصَالَةً بَلْ ضِمْنًا لِأَنَّ الْمَسَّ وَالدُّخُولَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ أَصَالَةً بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا التِّلَاوَةُ وَالصَّلَاةُ غَالِبًا وَهُمَا مَقْصُودَانِ ضِمْنًا وَبِهَذَا الْقَدْرِ يَكْفِي لَمْسُ الْمُصْحَفِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ وَقَدَمَاهُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ يَجُوزُ بِهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَا يَتَجَاوَزُ إلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَكَمَالُهَا أَنْ يَنْوِيَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا لَا فِي ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ تَدَبَّرْ (فَلَوْ تَيَمَّمَ كَافِرٌ لِلْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِهِ) عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلنِّيَّةِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ لِلْإِسْلَامِ لَا لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً

стр. 39

(وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فَإِنَّهُ يَقُولُ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَهُمَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ. [صِفَةُ التَّيَمُّم] (وَصِفَتُهُ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا) إذَا كَثُرَ الْغُبَارُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُثْلَةً. النَّقْضُ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَسْقُطَ مَا عَلَيْهِ مِنْ غُبَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُثْلَةُ مَا يُتَمَثَّلُ بِهِ فِي تَبْدِيلِ خِلْقَتِهِ (ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضْرِبَ بِهِمَا كَذَلِكَ وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَاهِرَ الذِّرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ) لِقَوْلِهِ «﵊ التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» وَفِي الْمُحِيطِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْفُضَهُمَا حَتَّى يَتَنَاثَرَ التُّرَابُ فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضْرِبَ أُخْرَى فَيَنْفُضَهُمَا وَيَمْسَحَ بِبَاطِنِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى ظَاهِرَ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ كَفِّهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الرُّسْغِ وَيَمُرَّ بِبَاطِنِ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَفْعَلَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَهَذَا أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَالتُّرَابُ الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَسْحِ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ بَاطِنِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ يُغْنِي عَنْهُ. وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَدْخُلْ الْغُبَارُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ فَيَحْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ ثَالِثَةٍ لِتَخْلِيلِهَا انْتَهَى كَذَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِ اشْتِرَاطِ النَّقْعِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ بِلَا نَقْعٍ فَيَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِلَا نَقْعٍ، وَالثَّانِي عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ بِلَا نَقْعٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ، وَمَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ عَلَى هَذَا قَالَ تَدَبَّرْ، وَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ مَشْرُوعٌ فِي طَهَارَةٍ مَعْهُودَةٍ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالرَّأْسِ. (وَيَسْتَوِي فِيهِ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: إنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلَمْ نَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَفِينَا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَقَالَ ﵊ عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ» كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الِاسْتِوَاءُ فِي حُكْمِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ عَنْ الْحَدَثِ يَجُوزُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا أَيْضًا لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَاصِرٌ عَنْهُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ قُصُورُ مَا قِيلَ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَالْكَيْفِيَّةُ وَالْآلَةُ. (وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ (قَبْلَ) دُخُولِ (الْوَقْتِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَلَنَا أَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَ وَقْتٍ وَوَقْتٍ فَكَانَتْ مُطْلَقَةً وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِقَيْدٍ مُعْتَبَرٍ وَلَمْ يُوجَدْ هَا هُنَا فَصَارَ كَالْعَامِّ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يُخَصِّصْهُ مُخَصِّصٌ مُعْتَبَرٌ. (وَيُصَلِّي) أَيْ الْمُتَيَمِّمُ (بِهِ) أَيْ بِالتَّيَمُّمِ

стр. 40

الْوَاحِدِ (مَا شَاءَ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَالْوُضُوءِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُصَلِّي مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] وَقَوْلُهُ ﵊ «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» فَجَعَلَهُ طَهَارَةً مُمْتَدَّةً إلَى وُجُودِ الْمَاءِ فَكَانَ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ كَالْوَضُوءِ. (وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ (لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي الْمِصْرِ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقَّ الْإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ نَفْيٌ لِلصِّحَّةِ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا احْتِرَازٌ عَنْهُ كَمَا قِيلَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِقَيْدٍ بَلْ أَطْلَقَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ إذَا فَجَأَتْك جِنَازَةٌ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَتَيَمَّمْ وَصَلِّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذَا فَجَأَتْك يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَلِيٍّ؛ إذْ الْوَلِيُّ غَالِبًا يَعْلَمُ الْجِنَازَةَ وَيَحْضُرُ بِالطَّهَارَةِ تَدَبَّرْ. وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَحَضَرَتْ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ التَّوَضُّؤِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: يُعِيدُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ (أَوْ عِيدٍ ابْتِدَاءً) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَلِكَ إذَا خَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ. (وَكَذَا بِنَاءً بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَوَضِّئًا وَ) بَعْدَ (سَبْقِ حَدَثِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَرُبَّمَا اعْتَرَاهُ مَا أَفْسَدَ صَلَاتَهُ (خِلَافًا لَهُمَا) لِعَدَمِ خَوْفِ الْفَوْتِ؛ إذْ اللَّاحِقُ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ لَا يَفْرُغُ الْإِمَامُ عَنْ صَلَاتِهِ لَا يَجْزِيهِ التَّيَمُّمُ (لَا) يَجُوزُ (لِخَوْفِ فَوْتِ) صَلَاةِ (جُمُعَةٍ أَوْ وَقْتِيَّةٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ كُلَّ مَا يَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ جَازَ أَدَاؤُهُ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَكُلُّ مَا يَفُوتُ إلَى خَلَفٍ لَمْ يَجُزْ وَالْجُمُعَةُ تَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الظُّهْرُ وَالْوَقْتِيَّةُ كَذَلِكَ. (وَلَا يَنْقُضُهُ رِدَّةٌ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ رِدَّةُ الْمُتَيَمِّمِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ حَصَلَ حَالَ الْإِسْلَامِ فَيَصِحُّ وَاعْتِرَاضُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ كَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ ثَوَابَ الْعَمَلِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ بِالنَّصِّ وَالتَّيَمُّمُ عِبَادَةٌ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ فِي تَيَمُّمٍ بِنِيَّةٍ، أَوْ نَقُولُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ (بَلْ) يَنْقُضُهُ (نَاقِضُ الْوُضُوءِ)) ؛ لِأَنَّهُ خَلَفُ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ أَضْعَفَ مِنْهُ كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ
следующие страницы →