Полный текст (1 543 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يُفْتَى) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَيَّدَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ؛ إذْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِذَةِ لَا يَتَيَمَّمُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
(وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَتَوَضَّأُ بِهِ) لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ لَهُ أَعِنْدَك طَهُورٌ قَالَ: لَا إلَّا شَيْءٌ مِنْ نَبِيذٍ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَكِنْ رَجَعَ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ أَقْوَى مِنْ الْحَدِيثِ فَيُعْمَلُ بِهَا أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهَا لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا، وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً فَوَجَبَ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا وَالْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الْإِمَامِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ النَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَلْحَقُهُ بِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَالْجَنَابَةُ حَدَثٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ.
وَقَالَ فِي الْمُفِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ الْحَدَثَيْنِ، وَالضَّرُورَةُ دُونَهَا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُفِيدِ أَنَّ النَّبِيذَ الْحُلْوَ الرَّقِيقَ كَالْمَاءِ يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ هُوَ الْمَطْبُوخُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ انْتَهَى فَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نَبِيذِ التَّمْرِ وَاقِعٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ تَدَبَّرْ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
مَعْنَى الْبَابِ فِي اللُّغَةِ النَّوْعُ، وَقَدْ يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلُقِّبَ بِبَابِ كَذَا ابْتَدَأَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْغُسْلِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى وَفْقِ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى تَقْدِيمًا لِمَا حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ التَّيَمُّمُ لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا طَهَارَةٌ حَاصِلَةٌ بِاسْتِعْمَالِ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ فِي عُضْوَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ عَلَى قَصْدٍ مَخْصُوصٍ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى قَصْدِ التَّطْهِيرِ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُ الْجُزْءِ فِي الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَجُوزَ بِالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الْجُزْءِ الْجُزْءُ الْحَاصِلُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَجَرُ أَيْضًا مِنْ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِهِ: اسْتِعْمَالُهُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا تَدَبَّرْ وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ ﵊ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» (يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ السَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ هَا هُنَا هُوَ السَّفَرُ الْعُرْفِيُّ وَالشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ سَوَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ.
(وَمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمِصْرِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ عَادِمَ الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ يَتَيَمَّمُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ (لِبُعْدِهِ عَنْ الْمَاءِ) الصَّالِحِ لِلْوُضُوءِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ فَلَمْ يَدْخُلْ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِنْ كَانَ التَّنْكِيرُ
стр. 37
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] يَدُلُّ عَلَى إفَادَةِ الْعُمُومِ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي قَوْلَ أَصْحَابِنَا أَنْ لَوْ كَانَ الْمَفْهُومُ حُجَّةً وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ (مِيلًا) سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا وَالْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةٍ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ.
وَفِي الصِّحَاحِ الْمِيلُ مِنْ الْأَرْضِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ مِنْهُ صَوْتَ أَهْلِ الْمَاءِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إلَيْهِ تَوَضَّأَ لَغَابَتْ الْقَافِلَةُ عَنْ بَصَرِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
(أَوْ لِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ بِسَبَبِ الْحَرَكَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ خَوْفُ التَّلَفِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ وَجَدَ الْمَرِيضُ مَنْ يُوَضِّئُهُ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ أَوْ أَجِيرٌ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفَاقِ (أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى زِيَادَتِهِ وَيَجُوزُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ إنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ، وَالْحَرَجُ يَتَحَقَّقُ بِالِامْتِدَادِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَمَعْرِفَتُهُ بِاجْتِهَادِ الْمَرِيضِ تَجْرِبَةً أَوْ أَمَارَةً أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ (أَوْ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ) سَوَاءٌ كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ أَوْ عَلَى مَالٍ عِنْدَهُ أَمَانَةٍ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا قِيلَ فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ أَوْجَبُ مِنْ صِيَانَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَإِنَّ لَهَا بَدَلًا، وَلَا بَدَلَ لِلنَّفْسِ انْتَهَى، وَكَذَا لَوْ خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ فَاسِقٍ أَوْ خَافَ الْمَدْيُونُ الْمُفْلِسُ مِنْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَاءِ.
وَفِي الْوَلْوَالِجِيِّ مُتَيَمِّمٌ مَرَّ عَلَى مَاءٍ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ إلَيْهِ لِخَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ عَلَى نَفْسِهِ لَا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ.
وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ بِوَعِيدِ قَتْلٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْد مَا زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْوُضُوءُ عَنْهُ كَالْمَحْبُوسِ فِي السِّجْنِ انْتَهَى لَكِنْ يُشْكِلُ هَذَا بِالْعَدُوِّ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُعْتَبَرُ ثَمَّةَ مَعَ أَنَّ الْعَجْزَ حَصَلَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ، وَالْقِيَاسُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ فِي الْمَحْبُوسِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِهِمْ غَالِبًا (أَوْ عَطِشَ) سَوَاءٌ كَانَ عَطَشُهُ أَوْ عَطَشُ رَفِيقِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ كَلْبِهِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَكَذَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ وَأَمَّا لِاِتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا (أَوْ لِفَقْدِ آلَةٍ) يَسْتَخْرِجُ بِهَا الْمَاءَ وَلَوْ مِنْدِيلًا طَاهِرًا.
(بِمَا كَانَ) أَيْ يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ (مِنْ) كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ، وَيَصِيرُ رَمَادًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْطَبِعُ وَيَذُوبُ (كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالنَّوْرَةِ وَالْجِصِّ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحَجَرِ) وَكَذَا الْيَاقُوتُ وَالْفَيْرُوزَجُ وَالزُّمُرُّدُ؛ لِأَنَّهَا أَحْجَارٌ مُضِيئَةٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِاللُّؤْلُؤِ وَلَوْ مَسْحُوقًا وَالزُّجَاجُ الْمُتَّخَذُ مِنْ الرَّمْلِ وَشَيْءٍ آخَرَ وَالْمَاءُ الْمُتَجَمِّدُ وَالْمَعَادِنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهَا أَوْ مُخْتَلِطًا بِالتُّرَابِ وَالتُّرَابُ غَالِبٌ.
(وَلَوْ بِلَا نَقْعٍ) أَيْ بِلَا غُبَارٍ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ جَازَ
стр. 38
(خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) أَيْ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِلَا نَقْعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ.
(وَخَصَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ) قِيلَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ الْخَالِصِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (وَيَجُوزُ بِالنَّقْعِ حَالَ الِاخْتِيَارِ) حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِغُبَارِ ثَوْبِهِ أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ فَارْتَفَعَ الْغُبَارُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ فَمَسَحَهُ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغُبَارَ جُزْءٌ مِنْ التُّرَابِ فَكَمَا جَازَ التَّيَمُّمُ بِالْخَشِنِ مِنْهُ جَازَ بِالرَّقِيقِ مِنْهُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ خَالِصٍ لَكِنَّهُ تُرَابٌ مِنْ وَجْهٍ فَجَازَ عِنْدَ الْعَجْزِ دُونَ الْقُدْرَةِ كَالْإِيمَاءِ وَأَمَّا حَالَةَ الْإِضْرَارِ فَيَجُوزُ بِهِ اتِّفَاقًا.
[شَرْطُ التَّيَمُّم]
(وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَقِيقَةً) بِأَنْ لَا يَجِدَهُ (أَوْ حُكْمًا) بِأَنْ وَجَدَهُ لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِسَبَبٍ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا.
(وَ) شَرْطُهُ (طَهَارَةُ الصَّعِيدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَالصَّعِيدُ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ تُرَابًا وَغَيْرَهُ وَالطَّيِّبُ هُنَاكَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
(وَالِاسْتِيعَابُ فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْوُضُوءِ فِي الْعُضْوَيْنِ الْمَخْصُوصَيْنِ حَتَّى قَالُوا لَوْ لَمْ يُخَلِّلْ الْأَصَابِعَ أَوْ لَمْ يَنْزِعْ الْخَاتَمَ أَوْ لَمْ يَمْسَحْ تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مَسْحَ أَكْثَرِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ كَافٍ.
(وَالنِّيَّةُ) فَرْضٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ أَضْعَفُ مِنْ الْوُضُوءِ لِانْتِقَاضِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَيَتَقَوَّى بِالنِّيَّةِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
(وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَلَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ) كَالصَّلَاةِ أَوْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَوْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَكَذَا لَمْسُ الْمُصْحَفِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ لَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً لَكِنْ يَحِلُّ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ كَذَا فِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِمِثْلِ هَذَا التَّيَمُّمِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ هُوَ أَنَّ التُّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إلَّا فِي حَالِ إرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ أَلْبَتَّةَ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ التُّرَابَ فِي التَّيَمُّمِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ غَيْرُ طَهُورٍ فَمَا حَلَّ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِاسْتِعْمَالِ تُرَابٍ غَيْرِ طَهُورٍ انْتَهَى لَكِنْ لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ لَمْ يَنْوِ بِهِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ إلَيْهَا أَصَالَةً بَلْ ضِمْنًا لِأَنَّ الْمَسَّ وَالدُّخُولَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ أَصَالَةً بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا التِّلَاوَةُ وَالصَّلَاةُ غَالِبًا وَهُمَا مَقْصُودَانِ ضِمْنًا وَبِهَذَا الْقَدْرِ يَكْفِي لَمْسُ الْمُصْحَفِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ وَقَدَمَاهُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ يَجُوزُ بِهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَا يَتَجَاوَزُ إلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَكَمَالُهَا أَنْ يَنْوِيَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا لَا فِي ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ تَدَبَّرْ (فَلَوْ تَيَمَّمَ كَافِرٌ لِلْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِهِ) عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلنِّيَّةِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ لِلْإِسْلَامِ لَا لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً
стр. 39
(وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فَإِنَّهُ يَقُولُ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَهُمَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
[صِفَةُ التَّيَمُّم]
(وَصِفَتُهُ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا) إذَا كَثُرَ الْغُبَارُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُثْلَةً. النَّقْضُ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَسْقُطَ مَا عَلَيْهِ مِنْ غُبَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُثْلَةُ مَا يُتَمَثَّلُ بِهِ فِي تَبْدِيلِ خِلْقَتِهِ (ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضْرِبَ بِهِمَا كَذَلِكَ وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَاهِرَ الذِّرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ) لِقَوْلِهِ «﵊ التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» وَفِي الْمُحِيطِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْفُضَهُمَا حَتَّى يَتَنَاثَرَ التُّرَابُ فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَضْرِبَ أُخْرَى فَيَنْفُضَهُمَا وَيَمْسَحَ بِبَاطِنِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى ظَاهِرَ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ كَفِّهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الرُّسْغِ وَيَمُرَّ بِبَاطِنِ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَفْعَلَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَهَذَا أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَالتُّرَابُ الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَسْحِ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ بَاطِنِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ يُغْنِي عَنْهُ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَدْخُلْ الْغُبَارُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ فَيَحْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ ثَالِثَةٍ لِتَخْلِيلِهَا انْتَهَى كَذَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِ اشْتِرَاطِ النَّقْعِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ بِلَا نَقْعٍ فَيَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِلَا نَقْعٍ، وَالثَّانِي عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ بِلَا نَقْعٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ، وَمَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ عَلَى هَذَا قَالَ تَدَبَّرْ، وَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ مَشْرُوعٌ فِي طَهَارَةٍ مَعْهُودَةٍ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالرَّأْسِ.
(وَيَسْتَوِي فِيهِ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: إنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلَمْ نَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَفِينَا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَقَالَ ﵊ عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ» كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الِاسْتِوَاءُ فِي حُكْمِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ عَنْ الْحَدَثِ يَجُوزُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا أَيْضًا لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَاصِرٌ عَنْهُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ قُصُورُ مَا قِيلَ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَالْكَيْفِيَّةُ وَالْآلَةُ.
(وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ (قَبْلَ) دُخُولِ (الْوَقْتِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَلَنَا أَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَ وَقْتٍ وَوَقْتٍ فَكَانَتْ مُطْلَقَةً وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِقَيْدٍ مُعْتَبَرٍ وَلَمْ يُوجَدْ هَا هُنَا فَصَارَ كَالْعَامِّ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يُخَصِّصْهُ مُخَصِّصٌ مُعْتَبَرٌ.
(وَيُصَلِّي) أَيْ الْمُتَيَمِّمُ (بِهِ) أَيْ بِالتَّيَمُّمِ
стр. 40
الْوَاحِدِ (مَا شَاءَ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَالْوُضُوءِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُصَلِّي مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] وَقَوْلُهُ ﵊ «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» فَجَعَلَهُ طَهَارَةً مُمْتَدَّةً إلَى وُجُودِ الْمَاءِ فَكَانَ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ كَالْوَضُوءِ.
(وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ (لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي الْمِصْرِ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقَّ الْإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ نَفْيٌ لِلصِّحَّةِ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا احْتِرَازٌ عَنْهُ كَمَا قِيلَ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِقَيْدٍ بَلْ أَطْلَقَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ إذَا فَجَأَتْك جِنَازَةٌ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَتَيَمَّمْ وَصَلِّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذَا فَجَأَتْك يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَلِيٍّ؛ إذْ الْوَلِيُّ غَالِبًا يَعْلَمُ الْجِنَازَةَ وَيَحْضُرُ بِالطَّهَارَةِ تَدَبَّرْ.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَحَضَرَتْ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ التَّوَضُّؤِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: يُعِيدُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ (أَوْ عِيدٍ ابْتِدَاءً) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَلِكَ إذَا خَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ.
(وَكَذَا بِنَاءً بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَوَضِّئًا وَ) بَعْدَ (سَبْقِ حَدَثِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَرُبَّمَا اعْتَرَاهُ مَا أَفْسَدَ صَلَاتَهُ (خِلَافًا لَهُمَا) لِعَدَمِ خَوْفِ الْفَوْتِ؛ إذْ اللَّاحِقُ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ.
وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ لَا يَفْرُغُ الْإِمَامُ عَنْ صَلَاتِهِ لَا يَجْزِيهِ التَّيَمُّمُ (لَا) يَجُوزُ (لِخَوْفِ فَوْتِ) صَلَاةِ (جُمُعَةٍ أَوْ وَقْتِيَّةٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ كُلَّ مَا يَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ جَازَ أَدَاؤُهُ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَكُلُّ مَا يَفُوتُ إلَى خَلَفٍ لَمْ يَجُزْ وَالْجُمُعَةُ تَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الظُّهْرُ وَالْوَقْتِيَّةُ كَذَلِكَ.
(وَلَا يَنْقُضُهُ رِدَّةٌ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ رِدَّةُ الْمُتَيَمِّمِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ حَصَلَ حَالَ الْإِسْلَامِ فَيَصِحُّ وَاعْتِرَاضُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ كَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ ثَوَابَ الْعَمَلِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ بِالنَّصِّ وَالتَّيَمُّمُ عِبَادَةٌ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ فِي تَيَمُّمٍ بِنِيَّةٍ، أَوْ نَقُولُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ (بَلْ) يَنْقُضُهُ (نَاقِضُ الْوُضُوءِ)) ؛ لِأَنَّهُ خَلَفُ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ أَضْعَفَ مِنْهُ كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ
стр. 41
وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الْبَدَلِيَّةِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ لَا قَوْلَهُمَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْبَدَلِيَّةَ ثَابِتُهُ إمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ أَوْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءُ يَنْقُضُهُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى كَذَا قَالَ الْمُحَشِّي الْمَعْرُوفُ بِيَعْقُوبَ بَاشَا وَالضَّمِيرُ فِي يَنْقُضُهُ رَاجِعٌ إلَى التَّيَمُّمِ الَّذِي بِلَا اعْتِبَارِ قَيْدٍ لَا إنْ عُدِمَ الْقَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ، وَبِهَذَا لَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الْفَاضِلِ الْمَعْرُوفِ بِقَاضِي زَادَهْ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ إنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى مُطْلَقِ التَّيَمُّمِ لَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ نَاقِضَ الْوُضُوءِ لَا يَرْفَعُ الطَّهَارَةَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَإِنْ أَرَادَ رُجُوعَ بَعْضِ التَّيَمُّمِ دُونَ مُطْلَقِهِ لَا يَسْتَقِيمُ عَطْفُ قَوْلِهِ: وَقُدْرَتُهُ عَلَى مَاءٍ كَافٍ لِطُهْرِهِ عَلَى نَاقِضِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ تَنْقُضُ مُطْلَقَ التَّيَمُّمِ. تَدَبَّرْ.
(وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَاءٍ كَافٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكْفِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (لِطَهَارَتِهِ وَعَلَى اسْتِعْمَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَيَنْقُضُهُ رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ إسْنَادَ النَّقْضِ إلَى رُؤْيَةِ الْمَاءِ إسْنَادٌ مَجَازِيٌّ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ شَرْطُ عَمَلِ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَمَلَهُ عِنْدَهَا، وَالنَّاقِضُ حَقِيقَةً هُوَ الْحَدَثُ السَّابِقُ بِخُرُوجِ النَّجَسِ كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْمُحَشِّي الْمَعْرُوفُ بِيَعْقُوبَ بَاشَا: وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُمَا لَيْسَ بِطَهَارَةٍ ضَرُورِيَّةٍ وَلَا خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ بَلْ هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لِمَنْ يُقَالُ: عَمَلُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَمَلُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَلَمْ يَجُزْ أَدَاءُ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ حِينَئِذٍ بَلْ يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِنْ مَعَهُمَا فَلَا يُنَاسِبُ أَيْضًا انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: إنَّ كَلَامَ الْمُحَشِّي سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلَفًا عَنْ الْوُضُوءِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ التُّرَابَ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ انْتَهَى لَكِنَّ كَلَامَ الْمُحَشِّي وَارِدٌ عَلَى تَعْلِيلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلَهُ: وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ بِكَوْنِهِ خَلَفًا لِلْوُضُوءِ تَدَبَّرْ ثُمَّ قَالَ الْمُحَشِّي: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ شَرْطًا لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَحُصُولِ الطَّهَارَةِ فَعِنْدَ وُجُودِهَا لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا فَانْتَفَى؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ وَالْمُرَادُ بِالنَّقْضِ انْتِفَاؤُهُ انْتَهَى
وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ أَيْضًا فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ بِالنَّقْضِ انْتِفَاؤُهُ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ مُتَعَدٍّ وَلِانْتِفَاءِ لَازِمٍ فَأَنَّى يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُوَ الثَّانِي.
وَلَوْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالنَّقْضِ نَفْيُهُ لَكَانَ لَهُ مَعْنًى فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالِانْتِقَاضِ هُوَ الِانْتِفَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّقْضِ الِانْتِفَاءَ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَتَنْتِفِي قُدْرَتُهُ إلَى آخِرِهِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ انْتَهَى لَكِنْ
стр. 42
هَذَا الْقَائِلُ لَا يَحُومُ حَوْلَ كَلَامِ الْمُحَشِّي فَقَالَ مَا قَالَ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ بِالنَّقْضِ انْتِفَاؤُهُ بَيَانَ مَا يَكُونُ حَاصِلًا بِالْمَعْنَى لَا أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ بِمَعْنَى الِانْتِفَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ (فَلَوْ وُجِدَتْ) الْقُدْرَةُ عَلَى مَاءٍ كَافٍ (وَهُوَ) وَالْحَالُ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ (فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ حَقِيقَةً فَتَبْطُلُ وَلَا تَبْقَى لَهَا حُرْمَةٌ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ الطَّهَارَةُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ مَانِعَةٌ عَنْ الْبُطْلَانِ فَكَانَ عَاجِزًا حُكْمًا (لَا إنْ حَصَلَتْ) الْقُدْرَةُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ اتِّفَاقًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلَفِ.
(وَلَوْ نَسِيَهُ الْمُسَافِرُ فِي رَحْلِهِ) سَوَاءٌ وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ قَيْدُ الْمُسَافِرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ وَالْمُعْتَبَرُ عَدَمُ كَوْنِهِ فِي الْعُمْرَانِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَاءَ فَنِيَ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَفْنَ أَعَادَ الصَّلَاةَ بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ بَقِيَ رَحْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَنَسِيَهُ يُعِيدُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُنْسَى عَادَةً.
(وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لَا يُعِيدُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعِيدُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، وَرَحْلُ الْمُسَافِرِ لَا يَخْلُو عَنْ الْمَاءِ عَادَةً فَكَانَ مُقَصِّرًا فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشُّرْبِ لَا لِلِاسْتِعْمَالِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَالْفَارِقُ أَنَّ فَرْضَ السَّتْرِ فَاتَ لَا إلَى خَلَفٍ، وَفَرْضُ الْوُضُوءِ هُنَا فَاتَ إلَى خَلَفٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِرَاجِي الْمَاءِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ لَكِنْ لَا يُبَالِغُ فِي التَّأْخِيرِ لِئَلَّا تَقَعَ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقِّقِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ بِدُونِ الرَّجَاءِ لَا يُؤَخِّرُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
(وَيَجِبُ طَلَبُهُ) بِأَنْ يَنْظُرَ يَمِينَهُ وَيَسَارَهُ وَأَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ (إنْ ظَنَّ قُرْبَهُ قَدْرَ غَلْوَةٍ) وَهِيَ رَمْيَةُ سَهْمٍ وَقُدِّرَ بِثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَلَا يَبْلُغُ الْمِيلَ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ (فَلَا) يَجِبُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً لِفَوَاتِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ.
(وَيَجِبُ شِرَاءُ الْمَاءِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنُهُ) لِتَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ (وَيُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ) إنْ كَانَ ثَمَنُ الْمِثْلِ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ، أَوْ كَانَ لَكِنْ لَا يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ (فَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ.
وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّ ثَمَنَ مَا يَكْفِي لِلْوُضُوءِ إنْ كَانَ دِرْهَمًا فَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ؛ لِأَنَّهُ غَبْنٌ يَسِيرٌ وَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ لَا يَجِبُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ غَبْنٌ فَاحِشٌ كَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ فَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَيُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّذِي يَعِزُّ
стр. 43
فِيهِ الْمَاءُ.
(وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ طَلَبَهُ) مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ غَالِبًا (فَإِنْ مَنَعَهُ يَتَيَمَّمُ) لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَإِذَا صَلَّى بَعْدَ الْمَنْعِ ثُمَّ أَعْطَاهُ يُنْقَضُ تَيَمُّمُهُ الْآنَ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا قَدْ صَلَّى.
(وَأَنْ يُتَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ) أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَقَالَا: لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً كَذَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ فِي الْفَلَوَاتِ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي الْفَلَوَاتِ مِنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مَبْذُولًا عَادَةً وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مَبْذُولٌ فِي الْعُمْرَانَاتِ فَالتَّقْرِيبُ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخَلَوَاتِ تَدَبَّرْ (أَوْ الْجُنُبُ فِي الْمِصْرِ) أَيْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ فِي الْمِصْرِ (لِخَوْفِ الْبَرْدِ جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ ثُمَّ إنْ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِسَبَبِ الْبَرْدِ ثَابِتَةٌ لِلْمُحْدِثِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ.
وَفِي الْحَقَائِقِ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ (خِلَافًا لَهُمَا) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
[الْجَمْعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ]
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَتَأَدَّى بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا لِمَكَانِ الشَّكِّ (فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ) أَيْ أَكْثَرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (جَرِيحًا) فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ أَكْثَرُ جَمِيعِ بَدَنِهِ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ (يَتَيَمَّمُ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ وَيَمْسَحَ الْجَرِيحَ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لِمَ يَكُنْ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ جَرِيحًا بَلْ مُسَاوِيًا أَوْ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ صَحِيحًا (غَسَلَ الصَّحِيحَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَرِيحِ) إنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِلَّا فَعَلَى الْخِرْقَةِ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ.
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
لَمَّا فَرَغَ عَنْ التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ خَلَفٌ عَنْ جَمِيعِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَسْحِ الَّذِي هُوَ خَلَفٌ عَنْ بَعْضِهِ، وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْبَابِ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَسْحًا وَرُخْصَةً مُؤَقَّتَةً وَوَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ أَنَّهُ بَدَلٌ نَاقِصٌ وَهُوَ بَدَلٌ تَامٌّ (يَجُوزُ بِالسُّنَّةِ) وَلَمْ يَقُلْ يَثْبُتُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ ثُبُوتَهُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ
стр. 44
وَمَا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ أَنَّ الثَّابِتَ بِالسُّنَّةِ مِقْدَارُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَشْتَمِلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَابِ الْمَسْحِ حِكَايَةُ فِعْلِهِ كَرِوَايَةِ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ فِي سَفَرٍ وَكُنْت أَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ وَمَسَحَ خُفَّيْهِ فَقُلْت نَسِيت غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» وَرَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﵊ بَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانَ يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ كَانَ رُؤْيَتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَإِخْبَارُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَرِوَايَةُ قَوْلِهِ كَرِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا عَنْ جَنَابَةٍ» وَالْأَخْبَارُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ كَثِيرَةٌ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ قَالَ مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ حَتَّى قَالَ الْكَرْخِيُّ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْمَسْحِ لِشُهْرَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهَا نَسْخٌ مِنْ وَجْهٍ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِالسُّنَّةِ إلَى أَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ سَاكِتٌ عَنْهُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَرِّ فِي " أَرْجُلِكُمْ " تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] يَدْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْغَايَةِ وَمَسْحُ الْخُفِّ غَيْرُ مُغَيَّا هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَيُطْلَبُ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا (مِنْ كُلٍّ حَدَثٍ مُوجِبُهُ الْوُضُوءُ لَا لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَتَكَرَّرُ عَادَةً فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ بِخِلَافِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْجِنَايَةُ أَلْزَمَتْهُ غَسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَدَّى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ غَسْلَ أَعْضَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ انْتَهَى قَالَ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ وَبَيْنَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَسْلًا حَقِيقِيًّا فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَمِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الرِّجْلَانِ فَلَا يَتَحَقَّقُ غَسْلُهُمَا غَسْلًا حَقِيقِيًّا إلَّا بِإِسَالَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا لَا بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمَلْبُوسَيْنِ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ وَبَيْنَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَسْلًا حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا وَمَسْحُ الْخُفِّ غَسْلٌ حُكْمِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُسْلًا حَقِيقِيًّا فَهُوَ مُسَلِّمٌ لَكِنْ يَتَأَدَّى الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَبَيْنَ غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي صُورَةِ الْجَنَابَةِ أَيْضًا فَلَا يَتِمُّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ مُخْتَلِفَةٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عُرْفًا فَلِأَنَّهَا لَا تُغْسَلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ، وَلَا كَذَلِكَ الْغُسْلُ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ مُتَّحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ تَدَبَّرْ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ دُونَ الْمُغْتَسَلِ لَكَانَ
стр. 45
أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُشْعِرُ بِجَوَازِ مَسْحِ مُغْتَسِلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى صُورَتَيْنِ الْأُولَى مَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ أَجْنَبَ فِي هَذَا الْمَسْحِ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إذَا تَوَضَّأَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِيَةُ مَنْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَجْنَبَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْبِطَ خُفَّيْهِ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ فِيهِمَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ وَيَمْسَحُ خُفَّيْهِ، وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَاهُمَا كَانَ مُقَصِّرًا (إنْ كَانَا مَلْبُوسَيْنِ عَلَى طُهْرٍ تَامٍّ وَقْتَ الْحَدَثِ) فَلَوْ تَوَضَّأَ وُضُوءً غَيْرَ مُرَتَّبٍ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ غَسَلَ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ تَوَضَّأَ وُضُوءً مُرَتَّبًا فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ لَيْسَ لَهُ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَقْتَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ.
وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَقْتَ لُبْسِ الْيُمْنَى لَكِنَّهُمَا مَلْبُوسَانِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ الْحَدَثِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّمَامَ وَقْتَ اللُّبْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ فِي مَكَان عَلَى طُهْرٍ عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: لِئَلَّا يَشْمَلَ التَّيَمُّمَ وَلَا عِبْرَةَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَالَ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَخْرُجُ بِقَيْدٍ تَامٍّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِطُهْرٍ تَامٍّ بَلْ طُهْرٌ نَاقِصٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِخُرُوجِ التَّيَمُّمِ بِقَيْدٍ تَامٍّ.
وَفِي التَّبْيِينِ فَلَا ضَيْرَ فِي أَنْ يَشْمَلَ الطُّهْرُ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَيْدِ التَّامِّ انْتَهَى وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ تَامًّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَاتِهِ نُقْصَانٌ وَلَيْسَ فِي ذَاتِ التَّيَمُّمِ نُقْصَانٌ إذَا وُجِدَ عَلَى مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طُهْرٌ تَامٌّ تَأَمَّلْ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ مَا قِيلَ: إنَّ قَيْدَ تَامٍّ احْتِرَازٌ عَنْ الْوُضُوءِ النَّاقِصِ كَوُضُوءِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَالْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا نُقْصَانٌ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا بَلْ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ وُضُوءٍ غَيْرِ مُسْبَغٍ بِأَنْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ الِاسْتِيعَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ تَأَمَّلْ.
(يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ لَا حِينَ اللُّبْسِ وَلَا الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ إنَّمَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ عِنْدَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ حُلُولِهِ بِالْقِدَمِ فَيُعْتَبَرُ مُدَّتُهُ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الْعَامَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ، وَالْمُسَافِرُ يَمْسَحُهُ مُؤَبَّدًا فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَفِي الْأُخْرَى الْمُقِيمُ كَالْمُسَافِرِ يَمْسَحُهُ مُؤَبَّدًا.
[فَرْضُ الْمَسْح عَلَى الْخُفّ]
(وَفَرْضُهُ) أَيْ الْمَسْحِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ هَا هُنَا: مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَلَا يَنْجَبِرُ بِجَابِرٍ وَهُوَ الْفَرْضُ عَمَلًا لَا عِلْمًا وَلَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ (قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ الْيَدِ) مِنْ كُلِّ رِجْلٍ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ مِقْدَارَ إصْبَعَيْنِ وَعَلَى الْأُخْرَى مِقْدَارَ أَرْبَعِ أَصَابِعِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمِيَاهٍ جَدِيدَةٍ عَلَى كُلِّ رِجْلٍ جَازَ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَ
стр. 46
مَوْضِعَ الْمَسْحِ مَاءُ الْمَطَرِ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَمَسَحَهُ جَازَ وَكَذَا لَوْ مَشَى فِي حَشِيشٍ فَابْتَلَّ ظَاهِرُ خُفَّيْهِ وَلَوْ بِالطَّلِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ (عَلَى الْأَعْلَى) لَا عَلَى أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ دُونَ بَاطِنِهِمَا» .
[سُنَن الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ]
(وَسُنَّتُهُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَيَمُدَّ إلَى السَّاقِ مُفَرِّجًا أَصَابِعَهُ خُطُوطًا مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ مَسْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ كَانَ خُطُوطًا فَعُلِمَ أَنَّهُ بِالْأَصَابِعِ دُونَ الْكَفِّ وَمَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ إنَّمَا هُوَ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَلَا اعْتِبَارَ فَبَقِيَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ، وَسُنَّتُهُ مَدُّهَا إلَى السَّاقِ فَلَوْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لَزِمَ كَوْنُ السُّنَّةِ بِالْمُسْتَعْمَلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ طَهُورٍ بِالِاتِّفَاقِ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْعُضْوِ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَنْفَصِلْ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَاءَ يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ لَا لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ فَيَجُوزُ بِنَاءُ كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلٌ بِمُجَرَّدِ الْإِصَابَةِ فِي الْمَسْحِ، وَأَمَّا عَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْعُضْوِ فَهُوَ يَجْرِي فِي الْغَسْلِ دُونَ الْمَسْحِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَيَمْنَعُهُ الْخَرْقُ الْكَبِيرُ) إلَّا أَنْ يَكُون فَوْقَهُ خُفٌّ آخَرُ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (وَهُوَ مَا يَبْدُو مِنْهُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْقَدَمِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ (أَصْغَرُهَا) لِلِاحْتِيَاطِ هَذَا إذَا كَانَ خَرْقُ الْخُفِّ غَيْرَ مُقَابِلٍ لِلْأَصَابِعِ، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْعَقِبِ أَمَّا إذَا كَانَ مُقَابِلًا لَهَا فَالْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِمَّا وَقَعَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرْقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ أَصْلٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْعَقِبِ لَا يُمْنَعُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَكْثَرُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ شُمُولُ الْمَنْعِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَشُمُولُ الْجَوَازِ فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ عُلَمَائِنَا، وَالْقَوْلُ بِغَسْلِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَدَمِ، وَمَسْحِ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ
وَجْهُ الْأَوَّلِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ لَمَّا كَانَ مَانِعًا كَانَ الْيَسِيرُ كَذَلِكَ كَالْحَدَثِ وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَمَا دَامَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُفِّ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ
وَوَجْهُ الثَّالِثِ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ الْخَرْقِ الْقَلِيلِ عَادَةً فَإِنَّ الْخُفَّ، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا فَإِنَّ آثَارَ الدُّرُوزِ وَالْأَشَافِيِّ خَرْقٌ فِيهِ وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ التُّرَابُ فَلَحِقَهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ فَجُعِلَ عَفْوًا وَيَخْلُو عَنْ الْكَثِيرِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَوَجْهُ الرَّابِعِ أَنَّ الْمَكْشُوفَ يَسْرِي إلَيْهِ الْحَدَثُ دُونَ الْمَسْتُورِ فَيُغْسَلُ الْمَكْشُوفُ دُونَ الْمَسْتُورِ كَمَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ
стр. 47
(وَتُجْمَعُ) الْخُرُوقُ (فِي خُفٍّ) حَتَّى لَوْ بَلَغَ مَجْمُوعُهَا قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ السَّفَرَ بِهِ (لَا فِي خُفَّيْنِ) حِينَ لَوْ بَلَغَ مَجْمُوعُ مَا فِيهِمَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يُمْنَعُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ عَنْ السَّفَرِ، وَالْخَرْقُ الْمُعْتَبَرُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ مِسَلَّةٌ وَمَا دُونَهَا كَالْعَدَمِ (بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ) الْمُتَفَرِّقَةِ فِي خُفَّيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَالِانْكِشَافُ) أَيْ انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ كَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ صَدْرِ الْمَرْأَةِ وَشَيْءٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٍ مِنْ فَخِذِهَا وَشَيْءٍ مِنْ سَاقِهَا حَيْثُ يُجْمَعُ بِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي الْعَوْرَةِ انْكِشَافُ قَدْرِ الْمَانِعِ، وَفِي النَّجَاسَةِ هُوَ كَوْنُهَا حَامِلًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَانِعِ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِمَا.
[نَوَاقِضُ الْمَسْحَ عَلَى الْخَفّ]
(وَيَنْقُضُهُ) أَيْ الْمَسْحَ (نَاقِضُ الْوُضُوءِ) ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ (وَنَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ السَّابِقِ إلَى الْقَدَمِ، وَإِسْنَادُ النَّقْضِ إلَى نَزْعِ الْخُفِّ مَجَازٌ وَكَذَا فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَفِي تَوْحِيدِ الْخُفِّ إشَارَةٌ إلَى نَزْعِ أَحَدِهِمَا كَافٍ فِي بُطْلَانِ الْمَسْحِ فَيَجِبُ نَزْعُ الْآخَرِ؛ إذْ لَا يُجْمَعُ الْغُسْلُ وَالْمَسْحُ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى التَّوْقِيتِ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا دُخُولُ الْمَاءِ أَحَدَ خُفَّيْهِ لِصَيْرُورَتِهَا مَغْسُولَةً (إنْ لَمْ يَخَفْ تَلَفَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ) يَعْنِي إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَخَافَ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ لَوْ نَزَعَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ وَمَسَحَ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالنَّزْعِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَصَارَ كَالْجَبِيرَةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ يَتَيَمَّمُ، وَلَا حَظَّ لِلرِّجْلَيْنِ مِنْ التَّيَمُّمِ انْتَهَى لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِوُضُوءٍ غَيْرِ تَامٍّ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمَيْنِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْوُضُوءِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ الْفَسَادُ (فَلَوْ نُزِعَ أَوْ مَضَتْ) الْمُدَّةُ.
(وَ) الْحَالُ (هُوَ مُتَوَضِّئٌ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ السَّابِقِ إلَيْهِمَا وَإِلَّا لَزِمَ غَسْلُ سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَغْسُولِ، وَالْمُوَالَاةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَخُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ نَزْعٌ) ؛ لِأَنَّ السَّاقَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الْمَسْحِ فَخُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ نَاقِضٌ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ مِنْ الْخُفِّ اُنْتُقِضَ مَسْحُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا بَقِيَ فِي الْخُفِّ مِنْ الْقَدَمِ قَدْرُ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا فِيمَا إذَا قَصَدَ النَّزْعَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَ أَمَّا إذَا كَانَ زَوَالُ الْعَقِبِ لِسَعَةِ الْخُفِّ فَلَا يُنْتَقَضُ الْمَسْحُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ أَمْكَنَ الْمَشْيُ بِهِ لَا يُنْتَقَضُ وَإِلَّا يُنْتَقَضُ.
(وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ) أَيْ يَتَحَوَّلُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ حَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْمُدَّةَ سَافَرَ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ
стр. 48
وَقَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ.
(وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرٌ فَأَقَامَ لِتَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا فَلَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَّا قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (تَمَّمَهَا) أَيْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ.
(وَالْمَعْذُورُ إنْ لَبِسَ عَلَى الِانْقِطَاعِ) أَيْ انْقِطَاعِ عُذْرِهِ وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ (فَكَالصَّحِيحِ) يَمْسَحُ إلَى تَمَام مُدَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلْبَسْ عَلَى الِانْقِطَاعِ بَلْ لَبِسَ حَالَ كَوْنِ الْعُذْرِ مَوْجُودًا (مَسَحَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ تَمَامِ الْوَقْتِ (لَا بَعْدَ خُرُوجِهِ) لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَقَالَ زُفَرُ يَمْسَحُ خَارِجَ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِ مُدَّةِ الْمَسْحِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ]
(وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ مَا يُلْبَسُ (فَوْقَ الْخُفِّ إنْ لَبِسَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ) وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى مَا تَحْتَهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَدِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ لَبِسَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ وَإِنْ لَبِسَهُمَا قَبْلَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ نَزَعَهُمَا دُونَ الْخُفَّيْنِ أَعَادَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ الدَّاخِلَيْنِ، وَإِنْ نَزَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْآخَرِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَخْلَعُ الْجُرْمُوقَ الْآخَرَ وَيَمْسَحُ الْخُفَّيْنِ وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ أَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقَشَّرَ جِلْدَ ظَاهِرِهِمَا أَوْ كَانَ جِلْدُ الْخُفَّيْنِ مُشْعِرًا فَمَسَحَ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ لَا يَلْزَمُ الْمَسْحُ عَلَى مَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْمُوحَ مُتَّصِلٌ بِمَا تَحْتَهُ فَصَارَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسْحًا عَلَى مَا تَحْتَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يَدُلُّ عَنْ الرِّجْلِ وَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ يَصِيرُ بَدَلًا عَنْ الْخُفِّ، وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ فِي الشَّرْعِ وَلَنَا مَا رُوِيَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﵊ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْخُفِّ بَلْ عَنْ الرِّجْلِ كَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الْجُرْمُوقُ.
وَفِي الْكَافِي أَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ فِي الْخُفِّ الصَّالِحِ لِلْمَسْحِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْمَسْحِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ الَّذِي فَوْقَهُ اتِّفَاقًا وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ مَا يُلْبَسُ مِنْ الْكِرْبَاسِ الْمُجَرَّدِ تَحْتَ الْخُفِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ الْغَيْرَ الصَّالِحِ لِلْمَسْحِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاصِلًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ بِالْكِرْبَاسِ فَاصِلًا أَوْلَى.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ]
(وَ) يَجُوزُ الْمَسْحُ (عَلَى الْجَوْرَبِ مُجَلَّدًا) وَهُوَ مَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ فَيَكُونُ كَالْخُفِّ (أَوْ مُنْعَلًا) بِالتَّخْفِيفِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ مَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَسْفَلِهِ كَالنَّعْلِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَالْخُفِّ.
(وَكَذَا عَلَى الثَّخِينِ) الَّذِي يَسْتَمْسِكُ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ
стр. 49
رَبْطٍ (فِي الْأَصَحِّ عَنْ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَا مُنَعَّلَيْنِ لَكِنْ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَإِنْ كَانَ مُنْعَلًا إلَّا إذَا كَانَ مُجَلَّدًا إلَى الْكَعْبَيْنِ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَارُوقِ إنْ كَانَ يَسْتُرُ الْقَدَمَ وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ كَانَ الْجَوْرَبُ مِنْ مَرْعَرِيٍّ أَوْ صُوفٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَزْلٍ وَهُوَ رَقِيقٌ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ ثَخِينًا مُسْتَمْسِكًا، وَيَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ سِتْرًا لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْعَلًا أَوْ مُبَطَّنًا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْكِرْبَاسِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّعْرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَلْبًا مُسْتَمْسِكًا يَمْشِي مَعَهُ فَرْسَخًا أَوْ فَرَاسِخَ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا.
[الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَة]
(لَا) يَجُوزُ الْمَسْحُ (عَلَى عِمَامَةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَاحِدُ الْعَمَائِمِ (وَقَلَنْسُوَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ السِّينِ مَعْرُوفَةٌ (وَبُرْقُعٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا الْخِمَارِ (وَقُفَّازَيْنِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَا يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ لِدَفْعِ الْبَرْدِ أَوْ مِخْلَبِ الصَّقْرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَلَا حَرَجَ فِي نَزْعِهَا لَكِنْ لَوْ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا وَنَفَذَتْ الْبَلَّةُ إلَى رَأْسِهَا حَتَّى ابْتَلَّ قَدْرُ الرُّبُعِ جَازَ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ]
(وَيَجُوزُ) الْمَسْحُ (عَلَى الْجَبِيرَةِ) وَهِيَ الْيَدَانِ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْعِظَامِ الْمَكْسُورَةِ.
وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إذَا كَانَ الْمَاءُ يَضُرُّ الْجِرَاحَةَ إذَا غَسَلَهَا فَإِذَا أَضَرَّ يَمْسَحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ سَقَطَ الْمَسْحُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي مَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ تَبَعٌ لَهَا.
(وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ) وَهِيَ مَا يُوضَعُ عَلَى الْقُرْحَةِ (وَنَحْوُهَا) كَالْجُرْحِ وَالْكَيِّ وَالْكَسْرِ وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفُرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهَا الدَّوَاءَ أَوْ الْعِلْكَ وَيَضُرُّهُ نَزْعُهُ عَنْهُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِلْكِ يَضُرُّهُ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْخِرْقَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ لَا يَضُرُّهُ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْشَفُ الْمَاءُ بِخِلَافِ الْخِرْقَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّفُهُ فَيَصِلُ إلَى الْجِرَاحَةِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (شَدَّهَا بِلَا وُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ وَأَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَمْسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهِ حِينَ انْكَسَرَ إحْدَى زَنْدَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَقِيلَ يَوْمَ خَيْبَرَ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَكَذَا الْمَسْحُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَهُوَ كَالْغَسْلِ) لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا وَفِي الْمُخْتَارَاتِ رَجُلٌ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ جِرَاحَةٌ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْمَجْرُوحَةِ وَغَسَلَ الصَّحِيحَةَ وَلَبِسَهَا ثُمَّ أَحْدَثَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْمَسْحِ
стр. 50
عَلَى الْمَجْرُوحَةِ وَذَلِكَ كَالْغَسْلِ فَيُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ وَذَا لَا يَجُوزُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ (فَيُجْمَعُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْغَسْلِ.
(وَلَا يَتَوَقَّفُ) بِمُدَّةٍ لَا فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَلَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ (وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ) وَهِيَ مَا تُشَدُّ بِهِ الْخِرْقَةُ لِئَلَّا تَسْقُطَ (مَعَ فُرْجَتِهَا إنْ ضَرَّهُ حَلُّهَا كَانَ تَحْتَهَا جِرَاحَةٌ أَوْ لَا) فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ الْحَلُّ حَلَّهَا وَغَسَلَ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَمَسَحَ عَلَيْهَا وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحَلِّ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجِدَ مَنْ يَرْبِطُهَا (وَيَكْفِي مَسْحُ أَكْثَرِهَا) وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ هَذَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(فَإِنْ سَقَطَتْ) الْجَبِيرَةُ وَالْعِصَابَةُ (عَنْ بُرْءٍ) وَكَانَ فِي الصَّلَاةِ (بَطَلَ) الْمَسْحُ وَاسْتَأْنَفَهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ بَرِئَ مَوْضِعُهُمَا، وَلَمْ تَسْقُطْ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ لِشِدَّةِ لُصُوقِهَا فَلَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ عَنْ بُرْءٍ (فَلَا) يَبْطُلُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ (وَلَوْ تَرَكَهُ) أَيْ الْمَسْحَ (مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَالْخِلَافُ فِي الْمَجْرُوحِ وَفِي الْمَكْسُورِ يَجِبُ بِالِاتِّفَاقِ ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ وَالْأَكْبَرُ.
(وَضَعَ عَلَى شِقَاقِ رِجْلِهِ) وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ عَلَى شُقُوقِ رِجْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّقَّ وَاحِدُ الشُّقُوقِ لَا الشِّقَاقِ؛ لِأَنَّ الشِّقَاقَ دَاءٌ يَكُونُ لِلدَّوَابِّ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ (دَوَاءٌ لَا يَصِلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ يَجْزِيهِ إجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الدَّوَاءِ) لِمَا فِي تَكْلِيفِ إيصَالِ الْمَاءِ تَحْتَهُ مِنْ الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَإِذَا كَانَ فِي أَعْضَائِهِ شِقَاقٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا يَلْزَمُهُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ يَلْزَمُهُ الْمَسْحُ ثُمَّ إنْ عَجَزَ عَنْهُ يَغْسِلُ مَا حَوْلَهُ وَيَتْرُكُهُ وَإِنْ كَانَ الشِّقَاقُ فِي يَدِهِ وَيَعْجَزُ عَنْ الْوُضُوءِ اسْتَعَانَ بِالْغَيْرِ لِيُوَضِّئَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعِنْ وَتَيَمَّمَ جَازَ خِلَافًا لَهُمَا وَإِذَا وَضَعَ الدَّوَاءَ عَلَى شِقَاقِ الرِّجْلِ أَمَرَّ الْمَاءَ فَوْقَ الدَّوَاءِ فَإِذَا أَمَرَّ الْمَاءَ ثُمَّ سَقَطَ الدَّوَاءُ، وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ عَنْ بُرْءٍ غَسَلَ الْمَوْضِعَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَفِيهِ رَدٌّ لِلْعَتَّابِيِّ مِنْ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي مَسْحِ الْجَبِيرَةِ وَتَوَابِعِهَا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا ذَكَرَ مَا هُوَ أَقَلُّ وُقُوعًا مِنْهُ وَلُقِّبَ بِالْبَابِ لِأَصَالَتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنَّهَا تُعْرَفُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وَالْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ السَّيَلَانِ يُقَالُ حَاضَ الْوَادِي أَيْ سَالَ فَسُمِّيَ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ (وَهُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ بَالِغَةٍ لَا دَاءَ بِهَا) وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ
стр. 51
الرَّحِمِ عَنْ الرُّعَافِ وَالدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْجِرَاحَاتِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنَّهَا دَمُ عِرْقٍ لَا دَمِ رَحِمٍ وَبِقَيْدِ بَالِغَةٍ عَنْ دَمٍ تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ وَبِقَيْدِ لَا دَاءَ بِهَا عَنْ دَمِ النِّفَاسِ فَإِنَّ النُّفَسَاءَ مَرِيضَةٌ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ حَتَّى اُعْتُبِرَ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْبَهْنَسِيِّ قَيْدُ بَالِغَةٍ زَائِدٌ؛ لِأَنَّهُ لِإِخْرَاجِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَقَدْ خَرَجَ بِقَوْلِهِ رَحِمُ وَقَوْلُهُ لَا دَاءَ بِهَا لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ نِفَاسٍ، وَيَخْرُجُ بِهِ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَيْضًا انْتَهَى لَكِنْ أَقُولُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ لَا يُطْلِقُونَ عَلَى دَمِ الصَّغِيرَةِ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ بَلْ دَمًا ضَائِعًا فَزِيدَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ تَكْمِيلًا لِلتَّعْرِيفِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ وَإِخْرَاجًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الْخِلَافِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا دَاءَ بِهَا لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ لِمَرَضِ الرَّحِمِ لَا لِمَرَضِ ذَاتِ الرَّحِمِ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ عِرْقٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّحِمِ فِيهِ تَدَبَّرْ.
[مُدَّة الْحَيْض]
(وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بِرَفْعِ: ثَلَاثَةُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ وَنَصْبِهَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ (بِلَيَالِيِهَا) يَعْنِي ثَلَاثَ لَيَالٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَإِضَافَةُ اللَّيَالِي إلَى الْأَيَّامِ لِبَيَانِ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ فِيهَا لَا لِلِاخْتِصَاصِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّيَالِي لَيَالِيَ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَمَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ عَلَى هَذَا قَالَ مَا قَالَ.
(وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ سَاعَةٌ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) أَيْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ لَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي الْأَظْهَرِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ لِقَلِيلِهِ وَلَا لِكَثِيرِهِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» (وَمَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ أَوْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَمَا تَرَاهُ مِنْ الْأَلْوَانِ فِي مُدَّتِهِ سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ فَهُوَ حَيْضٌ) اعْلَمْ أَنَّ أَلْوَانَ الْحَيْضِ هِيَ الْحُمْرَةُ وَالسَّوَادُ وَهُمَا حَيْضٌ إجْمَاعًا وَكَذَا الصُّفْرَةُ الْمُشْبَعَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْخُضْرَةُ وَالصُّفْرَةُ الضَّعِيفَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالتُّرَابِيَّةُ عِنْدَنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكُدْرَةَ تَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ، وَالتُّرَابِيَّةُ إلَى السَّوَادِ.
(وَكَذَا الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِيهَا) أَيْ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهَذِهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْبُدَاءَةُ بِالطُّهْرِ وَلَا الْخَتْمُ بِهِ وَوَجْهُهَا أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إجْمَاعًا فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ صُورَتُهُ مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ كُلُّهَا حَيْضٌ لِإِحَاطَةِ الدَّمِ بِطَرَفَيْ الْعَشَرَةِ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَقِيلَ - وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ -: إنْ كَانَ الطُّهْرُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَفْصِلُ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي لِقِلَّةِ التَّفَاصِيلِ الَّتِي يَشُقُّ
стр. 52
ضَبْطُهَا
وَيَجُوزُ عَلَيْهَا الْبُدَاءَةُ بِالطُّهْرِ وَالْخَتْمُ بِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ إحَاطَةِ الدَّمِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا لَوْ رَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَهُوَ) أَيْ الْحَيْضُ (يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ (وَتَقْضِيهِ دُونَهَا) أَيْ تَقْضِي الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ نَقْضِي صِيَامَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَلَا نَقْضِي الصَّلَاةَ» وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَصِحَّةَ أَدَائِهَا وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ بَلْ يَمْنَعُ صِحَّةَ أَدَائِهِ فَقَطْ فَنَفْسُ وُجُوبِهِ ثَابِتٌ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا طَهُرَتْ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ آخِرُ الْوَقْتِ عِنْدَنَا فَإِذَا حَاضَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ سَقَطَتْ، وَإِنْ طَهُرَتْ فِيهِ وَجَبَتْ فَإِذَا كَانَتْ طَهَارَتُهَا لِعَشَرَةٍ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَمْحَةً، وَإِنْ كَانَتْ لِأَقَلَّ مِنْهَا وَذَلِكَ عَادَتُهَا فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارَ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ، وَالتَّحْرِيمَةَ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُدَّةُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ وَالصَّائِمَةُ إذَا حَاضَتْ فِي النَّهَارِ فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ بَطَلَ صَوْمُهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ إنْ كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ نَفْلًا لَا (وَ) يَمْنَعُ (دُخُولَ الْمَسْجِدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولَ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ.
(وَ) يَمْنَعُ (الطَّوَافَ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ قِيلَ: وَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ الْحُكْمُ مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِ: وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ فَلِمَ ذَكَرَهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ عَدَمُ جَوَازِ شُرُوعِ الْحَائِضِ لِلطَّوَافِ؛ إذْ يَلْزَمُهَا الدُّخُولُ فِي الْمَسْجِدِ حَائِضًا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ لَا يَجُوزُ لَهَا الطَّوَافُ؛ إذْ حِينَئِذٍ لَا يُوجَدُ مِنْهَا الدُّخُولُ فِي الْمَسْجِدِ حَائِضًا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهَا.
(وَ) يَمْنَعُ (قُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) كَالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّفْخِيذِ وَيُحِلُّ الْقُبْلَةَ وَمُلَامَسَةَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: قُرْبَانَ الْفَرْجِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ حُرْمَتُهُ دُونَ حُرْمَةِ مَا سِوَاهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ وَطْئِهَا) وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ فَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالِاخْتِيَارِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَصَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَلَوْ وَطِئَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ عَامِدًا مُخْتَارًا لَا جَاهِلًا وَلَا نَاسِيًا وَلَا مُكْرَهًا كَبِيرَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ وَقِيلَ: بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ وَبِنِصْفِهِ فِي آخِرِهِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَحَرَامٌ فِي حَالَتَيْ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ.
(وَإِنْ انْقَطَعَ) الْحَيْضُ (لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ
стр. 53
فَلَا يَحْتَمِلُ عَوْدُ الدَّمِ بَعْدَهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَزُفَرُ: لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ.
(وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ) مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَفَوْقَ الثَّلَاثِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى تَمَامِ عَادَتِهَا (لَا يَحِلُّ) وَطْؤُهَا (حَتَّى تَغْتَسِلَ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ (أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ) فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ وَطْؤُهَا وَإِنْ لِمَ تَغْتَسِلْ إقَامَةً لِلْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الِاغْتِسَالِ مَقَامَ حَقِيقَةِ الِاغْتِسَالِ فِي حَقِّ حَمْلِ الْوَطْءِ؛ فَلِهَذَا صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا.
(وَإِنْ كَانَ) الِانْقِطَاعُ (دُونَ عَادَتِهَا) وَعَادَ لَهَا دُونَ الْعَشْرِ (لَا يَحِلُّ) وَطْؤُهَا (وَإِنْ اغْتَسَلَتْ) حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا؛ لِأَنَّ عَوْدَ الدَّمِ غَالِبٌ.
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ) الْفَاصِلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ فَصَارَ كَمُدَّةِ الْإِقَامَةِ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَقَدْ لَا يَمْتَدُّ وَقَدْ لَا تَرَى الْحَيْضَ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ (إلَّا عِنْدَ نَصْبِ الْعَادَةِ فِي زَمَنِ الِاسْتِمْرَارِ) يَعْنِي إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّقْدِيرِ وَقِيلَ: طُهْرُهَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ بِيَقِينٍ لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ الشَّهْرِ وَقِيلَ طُهْرُهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَحَيْضُهَا ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ طُهْرُهَا شَهْرٌ كَامِلٌ وَقِيلَ شَهْرَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ وَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؛ إذْ الْعَادَةُ نُقْصَانُ طُهْرِ غَيْرِ الْحَامِلِ عَنْ طُهْرِ الْحَامِلِ وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَنَقَصْنَا مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ السَّاعَةُ صُورَتُهُ مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا، وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ؛ لِأَنَّا نَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَإِلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كُلُّ طُهْرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ حَيْضُهَا عَشَرَةٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ كَمَا لَوْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً (وَإِذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَادَةِ فَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَالزَّائِدُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيْضًا مَا جَاوَزَ أَكْثَرَهُ.
(وَإِلَّا فَحَيْضٌ) أَيْ وَإِنْ لِمَ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ فَالزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَزَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ، وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا.
[دَم النِّفَاسُ]
(وَالنِّفَاسُ) بِكَسْرِ النُّونِ مَصْدَرُ نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا
стр. 54
إذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَهُنَّ نِفَاسٌ وَلَيْسَ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ إلَّا نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ وَالْوَلَدُ مَنْفُوسٌ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ (دَمٌ يَعْقُبُ الْوَلَدَ) مِنْ الْفَرْجِ
فَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بَلْ هِيَ نُفَسَاءُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَبِهِ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَصَحَّحَ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعْزِيًّا إلَى الْمُفِيدِ، وَقَالَ: لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ.
[حُكْم النِّفَاس]
(وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَا يُوجَدُ فَإِنَّهَا كَمَا وَلَدَتْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ سَاعَةً ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَالْمُرَادُ مِنْ السَّاعَةِ اللَّمْحَةُ لَا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَأَمَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَهُ حَدٌّ مُقَدَّرٌ بِأَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَعِنْدَ الْإِمَامِ أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ الْآخَرُ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي النِّفَاسِ مِنْ الْجَارِيَةِ كَقَوْلِنَا: وَفِي الْغُلَامِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا حُجَّتُنَا عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵊ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ حَالَ الْحَمْلِ، وَعِنْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ دَمٌ، وَبِالْحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ فَمَا تَرَاهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً رَوَى خَلَفٌ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ نِفَاسٌ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ.
(وَإِنْ زَادَ) الدَّمُ (عَلَى أَكْثَرِهِ وَلَهَا عَادَةٌ فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى عَادَتِهَا (اسْتِحَاضَةٌ، وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ (فَالزَّائِدُ عَلَى الْأَكْثَرِ فَقَطْ اسْتِحَاضَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ لَا يَتَجَاوَزَانِ الْأَكْثَرَ.
(وَالْعَادَةُ تَثْبُتُ وَتَنْتَقِلُ بِمَرَّةٍ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتَى وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا رَأَتْ خِلَافَ عَادَتِهَا مَرَّةً ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُرَدُّ إلَى آخِرِ مَا رَأَتْ، وَلَوْ أَنَّهَا رَأَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَا رَأَتْ مَرَّتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَنِفَاسُ التَّوْأَمَيْنِ) هُمَا وَلَدَانِ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (مِنْ الْأَوَّلِ) عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ ظَهَرَ انْفِتَاحُ الرَّحِمِ فَكَانَ الْمَرْئِيُّ عَقِيبَهُ نِفَاسًا كَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ يُشْكِلُ
стр. 55
هَذَا بِقَوْلِهِ: أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا تَرَاهُ عَقِيبَ الثَّانِي إنْ كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ نِفَاسُ الْأَوَّلِ لِتَمَامِهَا، وَاسْتِحَاضَةٌ بَعْدَ تَمَامِهَا.
وَفِي الْمُحِيطِ فَإِنْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَبَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْعَلُ كَحَمْلٍ وَاحِدٍ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ نِفَاسَهَا مِنْ الثَّانِي لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ بِالثَّانِي فَلَا يَكُونُ مَا تَرَاهُ عَقِيبَ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّحِمِ بَلْ هُوَ اسْتِحَاضَةٌ (وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ مِنْ) الْوَلَدِ (الْأَخِيرِ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ، وَلَا فَرَاغَ مَعَ بَقَاءِ الْوَلَدِ.
(وَالسِّقْطُ) مُثَلَّثَةٌ اسْمٌ لِلْوَلَدِ السَّاقِطِ قَبْلَ تَمَامِهِ (إنْ ظَهَرَ بَعْضُ خَلْقِهِ) كَشَعْرٍ وَأَنْفٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ (فَهُوَ وَلَدٌ تَصِيرُ بِهِ أُمُّهُ نُفَسَاءَ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ) إنْ ادَّعَاهُ السَّيِّدُ.
(وَيَقَعُ) بِهِ (الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
(وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ وَلَدٌ لَكِنَّهُ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَنُقْصَانُ الْخِلْقَةِ لَا يَمْنَعُ أَحْكَامَ الْوِلَادَةِ، وَفِي قَوْلِ صَاحِبِ التَّبْيِينِ وَلَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا نُظِرَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ]
(وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ كَرُعَافٍ دَائِمٍ لَا يَمْنَعُ صَلَاةً وَلَا صَوْمًا وَلَا وَطْءً) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ تُذْكَرْ فِي مَوْضِعِهَا، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ تُذْكَرَ فِي فَصْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَدَبَّرْ.
[فَصْلٌ الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ]
فَصْلٌ
(الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ) مَنْ بِهِ (اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ أَوْ رُعَافٌ دَائِمٌ أَوْ جُرْحٌ لَا يَرْقَأُ) الِاسْتِحَاضَةُ فِي اللُّغَةِ اسْتِمْرَارُ الدَّمِ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ أَيَّامِهَا وَسَلَسُ الْبَوْلِ اسْتِرْسَالُهُ وَعَدَمُ اسْتِمْسَاكِهِ وَاسْتِطْلَاقُ الْبَطْنِ جَرَيَانُهُ وَانْفِلَاتُ الرِّيحِ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ جَمْعَ مَقْعَدِهِ كُلَّ الْجَمْعِ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ دَمُهُ (يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلُّونَ بِهِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ) مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالنَّذْرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَيُصَلُّونَ بِهِ مِنْ النَّوَافِلِ مَا شَاءُوا تَبَعًا لِذَلِكَ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» أَطْلَقَ ﷺ الصَّلَاةَ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَالْكَامِلُ هِيَ الْمَكْتُوبَةُ وَلَنَا أَنَّ اللَّامَ فِي لِكُلِّ صَلَاةٍ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَإِلَّا لَزِمَ الْوُضُوءُ لِقَضَاءِ كُلِّ صَلَاةٍ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا صَلَوَاتٌ، وَهَذَا حَرَجٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ عَلَى أَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ مُتَمَسَّكِهِ عَلَى مَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَذْهَبِ (وَيَبْطُلُ) الْوُضُوءُ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ (فَقَطْ) هَذَا إذَا كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ أَمَّا لَوْ وُجِدَ قَبْلَهُ ثُمَّ انْقَطَعَ وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ إلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ، وَلِهَذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّمُ سَائِلًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ
стр. 56
(وَقَالَ زُفَرُ بِدُخُولِهِ) أَيْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (فَقَطْ) وَإِضَافَةُ الْبُطْلَانِ إلَى الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِنْقَاضِ حَقِيقَةً.
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) يَبْطُلُ (بِأَيِّهِمَا كَانَ) وَإِلَى ثَمَرَةِ الْخِلَافِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (فَالْمُتَوَضِّئُ وَقْتَ الْفَجْرِ لَا يُصَلِّي بِهِ بَعْدَ الطُّلُوعِ) عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ لِانْتِفَاضِ طَهَارَتِهِ بِالْخُرُوجِ (إلَّا عِنْدَ زُفَرَ وَالْمُتَوَضِّئُ بَعْدَ الطُّلُوعِ) قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَوْ لِعِيدٍ عَلَى الصَّحِيحِ (يُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِعَدَمِ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ فَلَا يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الطُّهْرِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِزُفَرَ لِوُجُودِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلِأَبِي يُوسُفَ لِوُجُودِ أَحَدِ النَّاقِضَيْنِ، وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ.
(وَالْمَعْذُورُ مَنْ لَا يَمْضِي عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ إلَّا وَاَلَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ) هَذَا تَعْرِيفُ الْمَعْذُورِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ فَإِنْ يَسْتَوْعِبْ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَامِلًا كَالِانْقِطَاعِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْوَقْتَ كُلَّهُ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي الْكَافِي مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ انْتَهَى
وَقَدْ وَفَّقَ صَاحِبُ الدُّرَرِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ اسْتِيعَابِ الْمَذْكُورِ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ عَلَى مَا يَعُمُّ الْحُكْمِيَّ، وَقَالَ الْبَاقَانِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ مِثْلُ الِانْقِطَاعِ فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِيعَابِ الِاسْتِيعَابَ الْحَقِيقِيَّ انْتَهَى أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِلْزَامَ الِاسْتِيعَابِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ الِانْقِطَاعِ لِلِاسْتِيعَابِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ مَا يَسْتَمِرُّ كَمَالَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ لَحْظَةً نَادِرٌ فَيُؤَدِّي إلَى نَفْيِ تَحَقُّقِ الْعُذْرِ إلَّا فِي الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ جَانِبِ الصِّحَّةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَدُومُ انْقِطَاعُهُ وَقْتًا كَامِلًا، وَهُوَ مَا يَتَحَقَّقُ وَلَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُ كُلِّ مَا فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الْمُشَبَّهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ مَا فِيهِ، وَمَا فِي الْكَافِي يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِمَا فِي غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ: وَلَوْ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الْيَسِيرَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَفِي النَّوَازِلِ وَإِذَا كَانَ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ وَشَدَّ عَلَيْهِ خِرْقَةً فَأَصَابَهُ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَوْ أَصَابَ ثَوْبًا فَصَلَّى، وَلَمْ يَغْسِلْهُ إنْ كَانَ غَسَلَهُ يَنْجَسُ ثَانِيًا قَبْلَ الْفَرَاغِ جَازَ أَنْ لَا يَغْسِلَهُ، وَإِلَّا هُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ كَانَتْ بِهِ دَمَامِيلُ أَوْ جُدَرِيٌّ فَتَوَضَّأَ وَبَعْضُهَا سَائِلٌ ثُمَّ سَالَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ كَمَا إذَا سَالَ أَحَدُ مَنْخَرَيْهِ فَتَوَضَّأَ مَعَ سَيَلَانِهِ وَصَلَّى ثُمَّ سَالَ الْمَنْخَرُ الْآخَرُ فِي الْوَقْتِ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ.
[بَابُ الْأَنْجَاسِ]
إضَافَةُ الْبَابِ إلَى الْأَنْجَاسِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَيَانَهَا فِيهِ فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَلَا يَقْتَضِي
стр. 57
تَقْدِيرَ الْبَيَانِ كَمَا سَبَقَ إلَى بَعْضِ الْأَذْهَانِ وَمَا فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى تَعَدُّدِ الْأَنْوَاعِ يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ الْأَنْوَاعِ مُضَافًا إلَى الْأَنْجَاسِ فَمَنْ قَالَ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: بَابُ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْأَنْجَاسِ فَقَدْ زَادَهُ وَالْأَنْجَاسُ جَمْعٌ نَجَسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَبِكَسْرِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْجِيمِ كُلُّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي اللُّغَةِ وَالنَّجَسُ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْخَبَثُ وَعَلَى الْحُكْمِيِّ وَهُوَ الْحَدَثُ وَالْمُرَادُ هَا هُنَا الْأَوَّلُ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَلِيلَهَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ قَلِيلَهَا مَعْفُوٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَنَا قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ وَمَا دُونَ رُبُعِ الثَّوْبِ مِنْ الْمُخَفَّفَةِ (يَطْهُرُ بَدَنُ الْمُصَلِّي وَثَوْبُهُ) وَكَذَا مَكَانُهُ يَعْنِي لَمَّا وَجَبَ التَّطْهِيرُ فِي الثَّوْبِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَجَبَ فِي الْبَدَنِ وَالْمَكَانِ بِدَلَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الْكُلَّ.
وَفِي الْآخَرَيْنِ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا، وَقَدْ يَخْلُو عَنْ الثَّوْبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَا هُنَا الْمَكَانَ؛ لِأَنَّهُ أَنْوَاعٌ وَلِكُلٍّ مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ عَلَى مَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي طَهَارَةِ الْمَكَانِ تَحْتَ قَدَمِ الْمُصَلِّي حَتَّى لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقِيَامِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْقَدَمِ وَأَمَّا فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ فَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ (مِنْ النَّجَسِ الْحَقِيقِيِّ بِالْمَاءِ) وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَنَجَسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّهُ إنْ أُزِيلَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ زَالَتْ وَتَبْقَى نَجَاسَةُ الْمَاءِ (وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ) احْتِرَازٌ عَنْ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (مُزِيلٍ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِأَنْ يَنْعَصِرَ إذَا عُصِرَ (كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ لَا الدُّهْنِ) ؛ لِأَنَّهُ بِدُسُومَتِهِ لَا تُزِيلُ غَيْرَهُ، وَكَذَا اللَّبَنُ، وَنَحْوُهُ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَالنَّجَسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَزُفَرَ وَلَهُمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقَةَ تَرْتَفِعُ بِالْمَاءِ اتِّفَاقًا لِقَلْعِهِ النَّجَاسَةَ عَنْ مَحَلِّهَا فَكَذَا يَرْفَعُهَا الْمَائِعُ لِمُشَارَكَتِهِ الْمَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي طَهَارَتِهِمَا بِالْمَائِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ لَا يَطْهُرُ الْبَدَنُ إلَّا بِالْمَاءِ.
(وَ) يَطْهُرُ (الْخُفُّ إنْ تَنَجَّسَ بِنَجَسٍ لَهُ جِرْمٌ بِالدَّلْكِ الْمُبَالَغِ إنْ جَفَّ) إنَّمَا خُصَّ الْخُفُّ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْجُرْمِ لِأَنَّ مَا لَا جُرْمَ لَهُ إذَا أَصَابَ الْخُفَّ لَا بِالدَّلْكِ وَإِنْ جَفَّ إلَّا إذَا الْتَصَقَ بِهِ مِنْ التُّرَابِ فَجَفَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَسَحَهُ يَطْهُرُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْجَفَافِ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ جِرْمٌ مِنْ النَّجَسِ إذَا أَصَابَ الْخُفَّ، وَلَمْ يَجِفَّ لَا يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالدَّلْكِ؛ لِأَنَّهُ بِالْغَسْلِ يَطْهُرُ اتِّفَاقًا ثُمَّ الْفَاصِلُ بَيْنَ مَا لَهُ جِرْمٌ وَمَا لَا جِرْمَ لَهُ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا يُرَى
стр. 58
بَعْدَ الْجَفَافِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ كَالْعُذْرَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ ذُو جِرْمٍ، وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ لَيْسَ بِذِي جِرْمٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمُبَالَغِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَائِرِ الْمُتُونِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَجِفَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتِي) أَيْ جَوَازِ الدَّلْكِ فِي رَطْبٍ ذِي جِرْمٍ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْجَفَافُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ ذَهَابُ الرَّائِحَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى.
(وَإِنْ تَنَجَّسَ بِمَائِعٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ تَتَشَرَّبُ فِي الْخُفِّ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
(وَالْمَنِيُّ نَجَسٌ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَيَطْهُرُ إنْ يَبِسَ بِالْفَرْكِ وَإِلَّا يُغْسَلْ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْيُبْسِ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إنْ حَتَّهُ أَوْ حَكَّهُ بَعْدَمَا يَبِسَ يَطْهُرُ وَطَهَارَتُهُ مَشْرُوطَةٌ بِطَهَارَةِ رَأْسِ الْحَشَفَةِ وَإِلَّا يَجِبُ الْغَسْلُ وَلَا يَضُرُّ الْمُجَاوَرَةُ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا النَّجَاسَةَ الْبَاطِنَةَ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ يُمْذِي ثُمَّ يُمْنِي وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ فَيَجْعَلَهُ تَبَعًا لَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُصَنِّفُ كَأَنَّهُ اخْتَارَهُ فَأَطْلَقَهُ، وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِي الْبَدَنِ أَشَدُّ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الدَّلْكِ، وَبَقَاءُ أَثَرِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْفَرْكِ لَا يَضُرُّ كَبَقَائِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ وَلَوْ أَصَابَ الْمَنِيُّ شَيْئًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَيْهَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ إذَا فُرِكَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا.
وَفِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقِلُّ النَّجَاسَةُ بِالْفَرْكِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ عَادَ نَجَسًا عِنْدَهُ قِيَاسًا، وَلَا يَعُودُ عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا وَكَذَا الْخُفُّ إذَا أَصَابَهُ نَجَسٌ فَدَلَكَهُ ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ الْمَاءُ.
(وَ) يَطْهُرُ (السَّيْفُ) الصَّقِيلُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَنَا بِالصَّقِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَنْقُوشًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ (وَنَحْوُهُ) كَالْمِرْآةِ وَالسِّكِّينِ (بِالْمَسْحِ مُطْلَقًا) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ سَيْفٌ أَوْ سِكِّينٌ أَصَابَهُ الْبَوْلُ وَالدَّمُ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْعُذْرَةُ أَيْ الرَّطْبَةُ وَالْيَابِسَةُ تَطْهُرُ بِالْحَتِّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ السَّيْفُ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ وَالْإِمَامُ الْقُدُورِيِّ اخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَكَذَا الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ أَطْلَقَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا.
(وَ) تَطْهُرُ (الْأَرْضُ) النَّجِسَةُ (بِالْجَفَافِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ) وَهُوَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ وَالطَّعْمُ وَمَنْ قَصَرَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ فَقَدْ قَصَرَ كَمَا فِي بَحْرِ الرِّوَايَةِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» أَيْ طَهَارَتُهَا جَفَافُهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ وَهِيَ الذَّبْحُ سَبَبُ الطَّهَارَةِ فِي الذَّبِيحَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (لَا لِلتَّيَمُّمِ) ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا لِلتَّيَمُّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] أَيْ طَاهِرًا فَلَا يَتَأَدَّى التَّيَمُّمُ بِمَا ثَبَتَتْ طَهَارَتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا لَمْ يَجُزْ التَّوَجُّهُ إلَى
стр. 59
الْحَطِيمِ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْحَطِيمُ مِنْ الْبَيْتِ» وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْجَفَافِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِفَّ لَا تَطْهُرُ إلَّا إذَا صَبَّ عَلَيْهَا مَاءً بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ فَتَطْهُرُ وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجَفَافِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْيُبْسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَفَافِ، وَالْمُعْتَبَرُ هَا هُنَا الْجَفَافُ.
(وَكَذَا الْآجُرُّ الْمَفْرُوشُ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْأَرْضِ (وَالْخُصُّ الْمَنْصُوبُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْبَيْتُ مِنْ قَصَبٍ وَالْمُرَادُ هَا هُنَا السُّتْرَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَى السُّطُوحِ مِنْ الْقَصَبِ وَتَقْيِيدُ الْخُصِّ بِالْمَنْصُوبِ كَتَقْيِيدِ الْآجُرِّ بِالْمَفْرُوشِ.
(وَالشَّجَرُ وَالْكَلَأُ غَيْرُ الْمَقْطُوعِ هُوَ الْمُخْتَارُ) رَاجِعٌ إلَى الْآخَرَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا مُقَيَّدَيْنِ بِقَيْدِ غَيْرِ الْمَقْطُوعِ، وَلَا يُخَالِفُهُ مَا فِي الْإِصْلَاحِ وَالْخَانِيَّةِ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ.
(وَالْمُنْفَصِلُ) مِنْ الْأَوَّلَيْنِ (وَالْمَقْطُوعُ) مِنْ الْأَخِيرَيْنِ (لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ) .
وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْجِصُّ بِالْجِيمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَرْضِ بِخِلَافِ اللَّبِنِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْأَرْضِ.
(وَطَهَارَةُ الْمَرْئِيِّ بِزَوَالِ عَيْنِهِ) النَّجَاسَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ وَطَهَارَةُ الْأُولَى بِزَوَالِ عَيْنِهَا لِأَنَّ تَنَجُّسَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِاتِّصَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ فَإِزَالَتُهَا، وَلَوْ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَطْهِيرٌ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ صَارَتْ كَنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ لَا يَخْلُو عَنْ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ فَإِنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِالثَّوْبِ لَا تَكُونُ مَرْئِيَّةً، وَغَيْرُ الْمَرْئِيِّ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا ذَكَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَهَذَا أَحْوَطُ، وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ.
(وَيُعْفَى أَثَرٌ شَقَّ زَوَالُهُ) بِأَنْ يَحْتَاجَ فِي إخْرَاجِهِ إلَى نَحْوِ الصَّابُونِ.
(وَ) يَطْهُرُ (غَيْرُ الْمَرْئِيِّ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يَغْسِلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوا بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا.
وَفِي الْمَطْلَبِ: وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا وَلِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْغَسْلِ ثَلَاثًا عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَعِنْدَ التَّحَقُّقِ يَنْبَغِي الزِّيَادَةُ احْتِيَاطًا عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ تَنْزِيهِيٌّ لَا تَحْرِيمِيٌّ بِدَلَالَةِ التَّعْلِيلِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ لِلْمُصَلِّي (أَوْ سَبْعًا) هَذَا عِبَارَةُ صَاحِبِ الْمُخْتَارِ وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قِيلَ: ذِكْرُ السَّبْعِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (وَالْعَصْرُ كُلُّ مَرَّةٍ إنْ أَمْكَنَ عَصْرُهُ) وَيُبَالِغُ فِي الثَّالِثِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ الْقَطْرُ وَالْمُعْتَبَرُ عَصْرُ الْغَاسِلِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَعَصَرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ يَطْهُرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً.
(وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْعَصْرُ كَالْحَصِيرِ وَنَحْوِهِ (فَيَطْهُرُ بِالتَّجْفِيفِ، كُلُّ مَرَّةٍ يَنْقَطِعُ التَّقَاطُرُ) وَلَا يُشْتَرَطُ الْيُبْسُ، وَلَوْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ مُنْتَفِخَةً وَاللَّحْمُ
стр. 60
مَغْلِيٌّ بِالْمَاءِ النَّجَسِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ تُنْقَعَ الْحِنْطَةُ فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ حَتَّى تَتَشَرَّبَ ثُمَّ يُجَفَّفَ وَيُغْلَى اللَّحْمُ فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ وَيُبَرَّدَ، يُفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعَلَى هَذَا السِّكِّينُ الْمُمَوَّهُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ بِأَنْ يُمَوَّهَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَوْ كَانَ الْغَسْلُ نَجَسًا يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِقَدْرِهِ وَيُغْلَى حَتَّى يَعُودَ إلَى مَكَانِهِ ثَلَاثًا وَكَذَا الدُّهْنُ بِأَنْ يُوضَعَ فِي إنَاءٍ مَثْقُوبٍ وَيُجْعَلَ عَلَى الْمَاءِ، وَيُحَرَّكَ ثُمَّ يُفْتَحَ الثَّقْبُ إلَى أَنْ يَذْهَبَ الْمَاءُ ثَلَاثًا، وَلَوْ أُلْقِيَتْ دَجَاجَةٌ حَالَةَ الْغَلَيَانِ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَيُغْسَلَ مَا فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ لِلنَّتْفِ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَكَذَا الدَّقِيقُ إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ بِالِاتِّفَاقِ (.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِعَدَمِ طَهَارَةِ غَيْرِ الْمُنْعَصِرِ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْعَصْرِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ.
(وَيَطْهُرُ بِسَاطٌ تَنَجَّسَ بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً) كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّة وَقِيلَ أَكْثَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَفِي الْوِقَايَةِ لَيْلَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الْبِسَاطُ إذَا تَنَجَّسَ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ إلَى أَنْ يُتَوَهَّمَ زَوَالُهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَا هُنَا مَا تَعَذَّرَ عَصْرُهُ أَوْ تَعَسَّرَ، وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ.
(وَ) يَطْهُرُ (نَحْوُ الرَّوْثِ وَالْعُذْرَةِ بِالْحَرْقِ حَتَّى يَصِيرَ رَمَادًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُخْتَارُ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، وَتَنْتِفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا فَكَيْفَ بِالْكُلِّ أَلَا يَرَى أَنَّ الْعَصِيرَ الطَّاهِرَ إذَا صَارَ خَمْرًا يَتَنَجَّسُ وَإِذَا صَارَ خَلًّا يَطْهُرُ اتِّفَاقًا فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ يَسْتَتْبِعُهُ زَوَالُ الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ صَابُونٍ صُنِعَ مِنْ زَيْتٍ نَجَسٍ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ ذَلِكَ النَّجَسِ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ.
(وَكَذَا يَطْهُرُ حِمَارٌ وَقَعَ فِي الْمُمَلَّحَةِ فَصَارَ مِلْحًا) لِانْقِلَابِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَمْرِ فَلَا خِلَافَ فِي الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا كَالْخِنْزِيرِ يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ،.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: الْعُذُرَاتُ إذَا دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى صَارَتْ تُرَابًا قِيلَ: تَطْهُرُ.
(وَعُفِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِسَاحَةً كَعَرْضِ الْكَفِّ فِي الرَّقِيقِ وَوَزْنًا بِقَدْرِ مِثْقَالٍ فِي الْكَثِيفِ) وَالْمُرَادُ بِعَرْضِ الْكَفِّ مَا وَرَاءَ مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ فِي الدِّرْهَمِ فَإِنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالْمِسَاحَةِ فِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَبِالْوَزْنِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالدِّرْهَمُ هُوَ الْكَبِيرُ الَّذِي بَلَغَ وَزْنُهُ مِثْقَالًا وَقِيلَ دِرْهَمُ زَمَانِهِ وَوَفَّقَ الْهِنْدُوَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمِسَاحَةِ فِي الرَّقِيقِ كَالْبَوْلِ، وَرِوَايَةُ الْوَزْنِ فِي الثَّخِينِ كَالْعُذْرَةِ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالنَّجَاسَةُ الَّتِي يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مَانِعَةٌ عِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً مُغَلَّظَةً كَانَتْ أَوْ مُخَفَّفَةً؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَنَا أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ
стр. 61
الْقَلِيلِ حَرَجٌ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَقَدَّرْنَاهُ بِالدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْكُلِّيَّةِ بِإِمْرَارِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ دَخَلَ الْمُسْتَنْجِي فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ، فَإِذَا صَارَ مَوْضِعُ الِاسْتِنْجَاءِ مَعْفُوًّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عُلِمَ أَنَّ قَلِيلَهَا فِي الشَّرْعِ مَعْفُوٌّ؛ لِأَنَّ الْمَحَالَّ مُسْتَوِيَةٌ فَعَبَّرُوا عَنْ الْمَقْعَدِ بِالدِّرْهَمِ لِاسْتِقْبَاحِهِمْ ذِكْرَهَا فِي مَحَافِلِهِمْ (مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ) السَّائِلِ إلَّا دَمَ الشَّهِيدِ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالسَّائِلِ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي اللَّحْمِ وَالْعُرُوقِ لَيْسَ بِنَجَسٍ (وَالْبَوْلِ وَلَوْ مِنْ صَغِيرِ لَمْ يَأْكُلْ) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا عَنْ الْبَوْلِ» الْحَدِيثَ (وَكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْآدَمِيِّ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالدَّمِ (مُوجِبًا لِلتَّطْهِيرِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْعِرْقِ وَالْبُزَاقِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهِ) كَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ وَالْإِوَزِّ (وَبَوْلِ الْحِمَارِ وَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ) وَاعْتَرَضَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوِقَايَةِ هَا هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ وَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَوْ طَرَحَ قَوْلَهُ: وَالْبَوْلِ لَكَانَ أَحْسَنَ انْتَهَى
وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِلْكَرَامَةِ وَبَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ؛ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الْكُتُبِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ كَذَا قَالَ الْمُحَشِّي يَعْقُوبُ بَاشَا، وَلَمْ يَتَفَطَّنْ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ فَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَالْبَوْلِ أَيْ مِنْ حَيَوَانٍ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْسَانٍ، وَقَوْلُهُ: بَوْلِ الْحِمَارِ نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ يُخَالِفُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ فِي الْبَوْلِ كَمَا خَالَفَهُ فِي السُّؤْرِ وَالْعِرْقِ وَلَمْ يُقَدِّرْ التَّدَارُكَ فِي قَوْلِهِ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ فَسَكَتَ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ التَّدَارُكُ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِمَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ بَوْلُ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخَرْؤُهُمَا نَجَسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ يَفْسُدُ الْمَاءُ وَالثَّوْبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَوْلُ الْخُفَّاشِ لَيْسَ بِنَجَسٍ لِلضَّرُورَةِ وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَالْهِرَّةِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ، وَعَلَى هَذَا تَخْصِيصُ ذِكْرِهِمَا لِكَوْنِهِمَا مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَكَذَا الرَّوْثُ وَالْخُنْثَى) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عِنْدَهُ مَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ فِي طَهَارَتِهِ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَوْ اخْتَلَفُوا فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ بِنَاءٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي نَجَاسَتِهِمَا نَصٌّ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ» .
وَلَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ فَتُغَلَّظُ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ عِنْدَهُمَا مُخَفَّفَةً لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ إذْ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ التَّخْفِيفَ عِنْدَهُمَا فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى طَهَارَتَهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ نَجَسٌ مُغَلَّظٌ؛ إذْ لَا ضَرُورَة فِيهِ فَإِنَّ الْأَرْض تُنَشِّفُهُ.
(وَمَا دُونَ رُبُعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفٍ) قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ: وَأَمَّا حَدُّ الْكَثِيرِ فِي النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ فَهُوَ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ فَكَرِهَ
стр. 62
أَنْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا، وَقَالَ: الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مَا يَسْتَفْحِشُهُ النَّاسُ وَيَسْتَكْثِرُونَهُ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ الطَّرَفَيْنِ الرُّبُعَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرُّبُعَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِ الرُّبُعِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رُبُعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَقِيلَ: رُبُعُ كُلِّ عُضْوٍ وَطَرَفٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْكُمِّ هُوَ الْأَصَحُّ (كَبَوْلِ الْفَرَسِ، وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) وَإِنَّمَا خَصَّ ذِكْرَ الْفَرَسِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي كَرَاهَةِ لَحْمِهَا تَنْزِيهًا أَوْ تَحْرِيمًا هَذَا مِثَالٌ لِلنَّجَسِ الْخَفِيفِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَوْلُ الْفَرَسِ، وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ.
(وَخَرَجَ طَيْرٌ لَا يُؤْكَلُ) هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا تَذْرِقُ فِي الْهَوَاءِ، وَالْتِحَامِي عَنْهَا مُتَعَذِّرٌ، وَعِنْدَهُمَا مُغَلَّظَةٌ فِي رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمُخَفَّفَةٌ فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجَسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إنَّ خُرْءَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْخُرْءِ انْتَهَى، وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِمَا عَرَفْت مِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ التَّخْفِيفَ وَقَدْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْخُرْءُ نَجَاسَةً غَلِيظَةً عِنْدَهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْقَائِلَةَ بِالطَّهَارَةِ ضَعِيفَةٌ فَلَمْ تُعَدَّ اخْتِلَافًا تَدَبَّرْ.
(وَبَوْلٌ انْتَضَحَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ) جَمْعُ إبْرَةٍ وَهُوَ الْمِخْيَطُ وَلَوْ كَانَ مِقْدَارَ عَرْضِ الْكَفِّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا جُمِعَ قِيلَ التَّقْيِيدُ بِالرُّءُوسِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْرَ جَانِبِهَا الْآخَرِ الْأَكْبَرِ لَمْ يُعْفَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الرَّأْسِ كَالرَّأْسِ، وَالْمُرَادُ مِنْ رُءُوسِ الْإِبَرِ هَا هُنَا تَمْثِيلٌ لِلتَّقْلِيلِ (عَفْوٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْفَى فِيمَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ وَفِي النَّوَازِلِ رَجُلٌ رَمَى بِعَذِرَةٍ فِي نَهْرٍ فَانْتَضَحَ الْمَاءُ مِنْ وُقُوعِهَا فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَوْ حِمَارٌ بَالَ فِي الْمَاءِ فَأَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الرَّشِّ ثَوْبَ إنْسَانٍ لَا يَضُرُّهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ لَوْنُ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ شَكًّا.
(وَدَمُ السَّمَكِ وَخُرْءُ طُيُورٍ مَأْكُولَةٍ طَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّ دَمَ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً، وَكَذَا دَمُ الْبَقِّ وَالْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ وَالذُّبَابِ طَاهِرٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (إلَّا الدَّجَاجَ وَالْبَطَّ وَنَحْوَهُمَا) .
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ خُرْءَ الدَّجَاجَةِ وَالْبَطِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الطُّيُورِ الْكِبَارِ الَّتِي لِخُرْئِهِ رَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ نَجَسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً بِالِاتِّفَاقِ (وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ طَاهِرٌ) عِنْدَهُمَا أَيْ لَا يَتَنَجَّسُ الشَّيْءُ الطَّاهِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَالطَّاهِرُ لَا يَزُولُ طَهَارَتُهُ بِالشَّكِّ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) نَجَسٌ (مُخَفَّفٌ) حَتَّى إذَا فَحُشَ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ اللَّحْمِ النَّجَسِ وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِلضَّرُورَةِ.
(وَمَاءٌ) قَلِيلٌ (وَرَدَ عَلَى نَجَسٍ نَجَسٌ) نَجَاسَةً غَلِيظَةً حَتَّى لَوْ أَصَابَ ثَوْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَاءُ طَاهِرٌ لِغَلَبَتِهِ (كَعَكْسِهِ) أَيْ كَنَجَسٍ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَإِنَّهُ نَجَسٌ اتِّفَاقًا.
(وَلَوْ لُفَّ ثَوْبٌ طَاهِرٌ فِي رَطْبٍ نَجَسٍ فَظَهَرَتْ فِيهِ رُطُوبَتُهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ قَطَّرَ تَنَجَّسَ) فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ
стр. 63
فِيهِ لِاتِّصَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ (وَإِلَّا فَلَا) هُوَ الْأَصَحُّ (كَمَا لَوْ وُضِعَ) الثَّوْبُ حَالَ كَوْنِهِ (رَطْبًا عَلَى مُطَيَّنٍ بِطِينٍ نَجَسٍ جَافٍّ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ مِنْ جَفَّ؛ لِأَنَّ الْجَفَافَ يَجْذِبُ رُطُوبَةً الثَّوْبِ فَلَا يَتَنَجَّسُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ رَطْبًا فَيَتَنَجَّسُ.
(وَلَوْ تَنَجَّسَ طَرَفٌ) مِنْ الثَّوْبِ (فَنَسِيَهُ) أَيْ نَسِيَ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ تَعَيَّنَ غَسْلُهُ.
(وَغَسَلَ طَرَفًا) أَيَّ طَرَفٍ (بِلَا نَحْرٍ) فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّحَرِّيَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: إنَّهُ شَرْطٌ (حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ) عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي مُتَفَرِّقَاتِ رُكْنِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَإِنْ تَحَرَّى وَكَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ يَغْسِلُ جَمِيعَ الثَّوْبِ فَلَوْ صَلَّى مَعَ هَذَا الثَّوْبِ صَلَاةً ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ يُعِيدُ هَذِهِ الصَّلَاةَ (كَحِنْطَةٍ بَالَتْ عَلَيْهَا حُمُرٌ) بِضَمَّتَيْنِ وَالسُّكُونُ جَمْعُ حِمَارٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّ بَوْلَهَا نَجَاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ فَيُعْلَمُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهَا بِالدَّلَالَةِ (تَدُوسُهَا) أَيْ: تَطَأُ بِقَوَائِمِهَا تِلْكَ الْحِنْطَةَ فَتُخْلَطُ بِغَيْرِهَا (فَغَسَلَ بَعْضَهَا أَوْ ذَهَبَ) بَعْضُهَا (طَهُرَ كُلُّهَا) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ بَعْضُهَا أَوْ قُسِّمَتْ الْحِنْطَةُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ طَاهِرًا؛ إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ فَاعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي الطَّهَارَةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ انْتَهَى فِيهِ كَلَامٌ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي التَّحَرِّي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَذَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَإِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ وَلَبَنُهَا طَاهِرٌ) قَالَ ابْنُ مَلَكٍ إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً كَرِشُ الْجَدْيِ أَوْ الْحَمَلِ الصَّغِيرِ لَمْ يُؤْكَلْ بَعْدُ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ " ينيرمايه " يَعْنِي: إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ جَامِدَةً كَانَتْ أَوْ مَائِعَةً طَاهِرَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَكَذَا لَبَنُهَا أَمَّا الْإِنْفَحَةُ الْجَامِدَةُ فَإِنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تَحِلَّ فِيهَا
وَأَمَّا الْمَائِعَةُ وَاللَّبَنُ فَلِأَنَّ نَجَاسَةَ مَحَلِّهَا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرَةً فِيهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ اللَّبَنُ الْخَارِجُ بَيْنَ فَرْثٍ وَدَمٍ طَاهِرًا فَلَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً بَعْدَ الْمَوْتِ انْتَهَى
أَقُولُ هَذَا يُشْكِلُ بِالْقَيْءِ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ غَيْرَ الْبَلْغَمِ نَجَسٌ بِالِاتِّفَاقِ بِمُجَاوَرَتِهِ، وَبِهَذَا ثَبَتَ تَأْثِيرُ نَجَاسَةِ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا عَدَمُ تَأْثِيرِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَلِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلْيُتَأَمَّلْ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا: إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ مُطْلَقًا نَجِسَةٌ وَلَبَنُهَا نَجَسٌ؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ يُوجِبُ تَنَجُّسَ مَا فِيهِ.
[الِاسْتِنْجَاءُ]
(وَالِاسْتِنْجَاءُ) إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ تَطْهِيرِ الْبَدَنِ مِنْ النَّجَاسَةِ
стр. 64
وَهُوَ مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجْوِ، وَالنَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ يُقَالُ: نَجَا وَأَنْجَا إذَا أَحْدَثَ وَالسِّينُ لِلطَّلَبِ كَأَنَّهُ طَلَبَ النَّجْوَ، وَفِي الْأَصْلِ أَعَمُّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بِالْمَاءِ تَارَةً وَبِالْأَحْجَارِ أُخْرَى (سُنَّةٌ) لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﵊ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاعْتِرَاضُ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ، وَدَفْعُهُ بِتَقْيِيدِهِ مَعَ التَّرْكِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ، وَمُوَاظَبَتُهُ ﵊ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالْقَائِلُ بِدَلَالَتِهَا عَلَى الْوُجُوبِ إنَّمَا يَقُولُ عِنْدَ سَلَامَتِهَا عَنْ مُعَارِضٍ، وَقَدْ وَقَعَ الْمُعَارِضُ هَا هُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا» حَرَجَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا لَمَّا انْتَفَى الْحَرَجُ عَنْ تَارِكِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَثَبَتَ بِالْمُوَاظَبَةِ سُنِّيَّتُهُ تَدَبَّرْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَرْضٌ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ (مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرُ الرِّيحِ) وَنَحْوُهُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ الْخَارِجِ الْمَذْكُورِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْفَصْدِ وَالْخَارِجِ مِنْ قُرْحِ السَّبِيلَيْنِ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاسْتِنْجَاءَ فِيهَا بِدْعَةٌ.
(وَمَا سُنَّ فِيهِ عَدَدٌ) أَيْ لَمْ يُسَنَّ فِي اسْتِنْجَاءِ الْأَحْجَارِ عَدَدٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّثْلِيثِ (بَلْ يَمْسَحُهُ بِنَحْوِ حَجَرٍ) وَمَدَرٍ وَطِينٍ يَابِسٍ وَتُرَابٍ وَخَشَبٍ وَقُطْنٍ وَخِرْقَةٍ وَغَيْرِهَا طَاهِرَةً وَفِي النَّظْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَمْدَارٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالْأَحْجَارِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا كَفَى التُّرَابُ وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثَ الْفَقْرَ (حَتَّى يُنَقِّيَهُ) أَيْ يُطَهِّرَ بِنَحْوِ حَجَرٍ مَوْضِعَ النَّجْوِ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَكُونُ دُونَهُ سُنَّةً (يُدْبِرُ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ وَيُقْبِلَ بِالثَّانِي) الْإِدْبَارُ الذَّهَابُ إلَى جَانِبِ الدُّبُرِ وَالْإِقْبَالُ ضِدُّهُ.
(وَيُدْبِرَ بِالثَّالِثِ فِي الصَّيْفِ) ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ تَتَدَلَّى فِي الصَّيْفِ فَيُخْشَى تَلَوُّثُهَا، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا سُنَّ فِيهِ عَدَدٌ يَقْتَضِي نَفْيَ الْعَدَدِ وَقَوْلُهُ: يُدْبِرُ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ إلَى آخِرِهِ يَقْتَضِي الْعَدَدَ، فَآخِرُ كَلَامِهِ يُنَافِي أَوَّلَهُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُنَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ كَيْفِيَّتِهِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا زِيَادَةُ الْإِنْقَاءِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ كَمِّيَّتِهِ، فَتُخْتَارُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ لِكَوْنِهَا أَبْلَغَ، وَأَسْلَمَ عَنْ زِيَادَةِ التَّلْوِيثِ (وَيُقْبِلُ الرَّجُلُ بِالْأَوَّلِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ فِي كُلِّ حَالٍ لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ فَرْجُهَا.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا كَالرَّجُلِ فِي الشِّتَاءِ لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ الْحَجَرُ مِنْ فَرْجِهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَخْرَجِهَا (وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي الشِّتَاءِ) ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ غَيْرُ مُدَلَّاةٍ فَيُؤْمَنُ مِنْ التَّلْوِيثِ.
(وَغَسْلُهُ) أَيْ الْمَوْضِعِ (بِالْمَاءِ بَعْدَ الْحَجَرِ أَفْضَلُ) إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَإِلَّا يَكْفِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ لِلِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ فَاسِقًا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً تَرَكَهُ وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ وَاخْتُلِفَ
стр. 65
فِيهِ فَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ: الْجَمْعُ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَبْعَرُونَ بَعْرًا؛ لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ قَلِيلًا، وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَأْكُلُونَ كَثِيرًا فَيَثْلِطُونَ ثَلْطًا، وَقِيلَ: سُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا هُوَ فِي الْجَوْهَرَةِ.
وَفِي الْمُفِيدِ: وَلَا يَسْتَنْجِي فِي حِيَاضٍ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا تُبْنَى لِلشُّرْبِ لَكِنْ يَتَوَضَّأُ، وَيَغْتَسِلُ فِيهَا (يَغْسِلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَخْرَجَ بِبَطْنِ إصْبَعٍ) وَاحِدَةٍ إنْ حَصَلَ بِهِ الْإِنْقَاءُ.
(وَإِصْبَعَيْنِ) إنْ اُحْتِيجَ إلَى الزِّيَادَةِ (أَوْ ثَلَاثٍ) إنْ اُحْتِيجَ إلَى أَزْيَدَ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى فَلَا يَغْسِلُ بِظُهُورِ الْأَصَابِعِ (وَلَا بِرُءُوسِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ يُصْعِدُ بَطْنَ الْوُسْطَى فَيَغْسِلُ مُلَاقِيَهَا ثُمَّ الْبِنْصِرَ، وَكَذَلِكَ ثُمَّ الْخِنْصِرَ ثُمَّ السَّبَّابَةَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ، وَلَا يُقَدَّرُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ إلَّا لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَقِيلَ بِالسَّبْعِ، وَالْمَرْأَةُ تُصْعِدُ الْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى جَمِيعًا مَعًا ثُمَّ تَفْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ عَلَى مَا وَصَفْنَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَدَأَتْ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ كَالرَّجُلِ عَسَى يَقَعُ فِي مَوْضِعِهَا فَتَتَلَذَّذُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَهِيَ لَا تَشْعُرُ بِهِ.
(وَيُرْخَى مُبَالَغَةً) أَيْ يُرْخَى كُلَّ الْإِرْخَاءِ حَتَّى يَطْهُرَ مَا يُدَاخِلُ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ صَائِمًا يَفْسُدُ فِي رِوَايَةٍ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ التَّنَفُّسِ وَالْقِيَامِ بِلَا نَشْفٍ بِخِرْقَةٍ.
(وَيَجِبُ) الْغَسْلُ بِالْمَاءِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا فَاعِلَ يَجِبُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ لَا يُسَمَّى اسْتِنْجَاءً (إنْ جَاوَزَ النَّجَسُ الْمَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ) ؛ لِأَنَّ لِلْبَدَنِ حَرَارَةً جَاذِبَةً أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ فَلَا يُزِيلُهَا الْمَسْحُ بِالْحَجَرِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ لِلنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ هَا هُنَا كُلُّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ.
(وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ: وَيُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ أَكْثَرَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَعَ سُقُوطِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا يَخِرُّ عَلَى الْمَخْرَجِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْمَخْرَجُ كَالْخَارِجِ فَإِنْ كَانَ مَا فِيهِ زَائِدًا عَلَى الدَّرَاهِمِ يُمْنَعُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ تُجْمَعُ فَإِنْ كَانَ الْمَجْمُوعُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يُمْنَعُ.
وَفِي الْقُنْيَةِ إذَا أَصَابَ الْمَخْرَجَ نَجَاسَةٌ مِنْ خَارِجٍ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
(وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَطَعَامٍ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَا يَسْتَنْجِي بِعَلَفِ الْحَيَوَانِ مِثْلِ الْحَشِيشِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا بِخَزَفٍ وَآجُرٍّ وَفَحْمٍ وَزُجَاجٍ وَمُحْتَرَمٍ كَخِرْقَةِ الدِّيبَاجِ وَنَحْوِهَا فَلَوْ اسْتَنْجَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ فَلَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ.
(وَبِيَمِينِهِ) أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْيَمِينُ لِلْوَجْهِ وَالْيَسَارُ لِلْمَقْعَدِ» إلَّا فِي ضَرُورَةٍ بِأَنْ تَكُونَ يُسْرَاهُ مَقْطُوعَةً أَوْ بِهَا جِرَاحَةٌ فَلَوْ شُلَّتَا سَقَطَ الِاسْتِنْجَاءُ.
(وَكُرِهَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا لِبَوْلٍ وَنَحْوِهِ) وَلَكِنْ لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» وَلِهَذَا
стр. 66
كَانَ الْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ كَرَاهَةَ الِاسْتِدْبَارِ كَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَوْ نَسِيَ فَجَلَسَ مُسْتَقْبِلًا فَذَكَرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِانْحِرَافُ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ كُتُبِ الْفِقْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ عَنْ الْمُحَاذَاةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُمْسِكَ وَلَدَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ لِيَبُولَ وَكَذَا اسْتِقْبَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ.
(وَلَوْ فِي الْخَلَاءِ) وَهُوَ بِالْمَدِّ بَيْتُ التَّغَوُّطِ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ فَهُوَ الْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يُفَرِّقْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَا يُكْرَهُ التَّغَوُّطُ وَالتَّبَوُّلُ فِي مَاءٍ وَلَوْ كَانَ جَارِيًا، وَعَلَى طَرَفِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ فِي زَرْعٍ أَوْ ظِلٍّ أَوْ بِجَنْبِ مَسْجِدٍ أَوْ مُصَلًّى أَوْ عِيدٍ أَوْ فِي الْمَقَابِرِ وَبَيْنَ دَوَابَّ وَفِي طَرِيقٍ وَمَهَبِّ رِيحٍ وَجُحْرِ فَأْرَةٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ نَمْلَةٍ وَكَذَا كُرِهَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَالْبَوْلُ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَجَرِّدًا مِنْ ثَوْبِهِ بِلَا عُذْرٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ، وَلَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَفِي كُمِّهِ مُصْحَفٌ إلَّا إذَا اُضْطُرَّ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَالتَّنَحْنُحُ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِمَسْحِ الذَّكَرِ وَاجْتِذَابِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ فَمَنْ غَلَبَهُ أَنَّهُ صَارَ طَاهِرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَعْلَمُ بِحَالِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الطَّهَارَةِ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ وَقَدَّمَ الْأَوْقَاتَ؛ لِأَنَّهَا الْأَسْبَابُ وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْمُسَبَّبَاتِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي زَادَهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُ الْأَسْبَابِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمُسَبَّبَاتِ إنَّمَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْأَوْقَاتِ عَلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي بُيِّنَتْ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَا عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ أَيْضًا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنْ مُسَبَّبَاتِ أَسْبَابِ الْمَشْرُوطَاتِ وَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وَالْأَظْهَرُ مَا ذُكِرَ فِي الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِبَيَانِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَكَانَتْ لَهُ جِهَتَانِ فِي التَّقْدِيمِ انْتَهَى
أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ تَقَدُّمَ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فِي الْوُجُودِ يَقْتَضِي تَقَدَّمَهُ عَلَى شُرُوطِهِ الَّتِي لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ مَشْرُوطِهَا لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ شَرْعًا فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ وَإِنَّمَا عَدَّى بِعَلَى بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الصَّلَاةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ الْمَعْهُودَةِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ
стр. 67
مَعَ بَقَاءِ مَعْنَى اللُّغَةِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لَا نَقْلًا عَلَى مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ أَنَّ فِي النَّقْلِ لَمْ يَبْقَ مَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ مَرْعِيًّا، وَفِي التَّغْيِيرِ يَكُونُ بَاقِيًا لَكِنْ زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ.
وَفِي الْغَايَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ لِوُجُودِهَا بِدُونِهِ فِي الْأُمِّيِّ وَلَوْ قَالَ فِي الْأَخْرَسِ لَكَانَ أَوْلَى إلَى هُنَا كَلَامُهُ
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ نَقْلًا عَنْهُ أَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الْأَخْرَسَ بَدَلَ الْأُمِّيِّ كَانَ أَوْلَى فَإِنَّ لِلْأَخْرَسِ إشَارَاتٍ مَقْبُولَةً مَعْهُودَةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ فَلَهُ إشَارَةٌ مَعْهُودَةٌ فِي أَمْرِ الدُّعَاءِ أَيْضًا فَخَرَسُهُ لَا يَسْتَدْعِي وُجُودَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ بِدُونِ الدُّعَاءِ بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ فَإِنَّ جَهْلَهُ يَسْتَدْعِي وُجُودَهَا فِيهِ بِدُونِهِ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الصَّلَاةِ بِدُونِ الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ فَذِكْرُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ دُونَ الْأَخْرَسِ؛ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ إمَامَةُ الْأَخْرَسِ إذَا اقْتَدَى بِهِ الْأُمِّيُّ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِ التَّحْرِيمَةِ دُونَ الْأَخْرَسِ، وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ سَقَطَ فِي الْأَخْرَسِ لِلْعُذْرِ، وَلَا عُذْرَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ فَبَقِيَتْ تَحْرِيمَةُ الْإِمَامِ شَرْطًا فِي حَقِّهِ، وَلَمْ تُوجَدْ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْعَدَمَ شَرْطٌ مِنْ سَائِرِ الشُّرُوطِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: هِيَ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ ثَابِتَةٌ عُرِفَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَإِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا، وَالثَّانِيَةُ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَعَلَى كَوْنِهَا خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِحِفْظِ جَمْعٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَعَطَفَ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى، وَأَقَلُّ جَمْعٍ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ وُسْطَى هُوَ الثَّلَاثَةُ وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» وَهُوَ مِنْ الْمَشَاهِيرِ وَبِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ أَجْمَعَ الْأُمَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ وَلَا رَدِّ رَادٍّ فَمَنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] عَلَى كَوْنِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ خَمْسًا غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوُسْطَى الْفُضْلَى فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوُسْطَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعْنَى الْفُضْلَى لَا تَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى كَوْنِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِمُحَافَظَتِهَا خَمْسًا حَتَّى تَثْبُتَ بِهِ فَرْضِيَّةُ الْخَمْسِ انْتَهَى
أَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ لَا يَقْدَحُ فِي ظُهُورِ دَلَالَةِ الْكَلَامِ بِصِيغَتِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلَا مَحْذُورَ فِيمَا أَجْرَى النَّظْمَ عَلَى أَصْلِهِ وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُتَعَارَفٌ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِوُجُودِ الْقَرِينَةِ لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ فَتَكُونُ الْآيَةُ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ لَا مَحَالَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[وَقْت الْفَجْر]
стр. 68
أَيْ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَالْفَجْرُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ فَإِنَّهُ ضَوْءُ الصُّبْحِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْوَقْتُ كَذَا قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: بَدَأَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ فِيهِمَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ أَوْ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ صَلَّاهَا آدَم ﵊ حِينَ أُهَبِّطَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَبَدَأَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ بِ وَقْتِ الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ بَدَأَ بِهِ (مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) أَيْ الصَّادِقِ.
(وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ) أَيْ الْمُنْتَشِرُ (فِي الْأُفُقِ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَهُوَ الْمُسْتَضِيءُ الْمُسَمَّى بِالصُّبْحِ الصَّادِقِ؛ لِأَنَّهُ أَصْدَقُ ظُهُورًا وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمُسْتَطِيلِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو فِي نَاحِيَةٍ مِنْ السَّمَاءِ كَذَنَبِ السَّرَطَانِ طُولًا ثُمَّ يَنْكَتِمُ فَسُمِّيَ فَجْرًا كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو نُورُهُ ثُمَّ يُخْفَى وَيَعْقُبُهُ الظَّلَامُ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَغُرُّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ» إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ (إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ إلَى وَقْتِ طُلُوعِ شَيْءٍ مِنْ جِرْمِ الشَّمْسِ.
وَفِي النَّظْمِ إلَى أَنْ يَرَى الرَّائِي مَوْضِعَ نَبْلِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ فِيهَا حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك» .
[وَقْت الظُّهْر]
(وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِهَا) أَيْ زَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي تَمَّ فِيهِ ارْتِفَاعُهَا، وَتَوَجَّهَ إلَى الِانْحِطَاطِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَفِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ رِوَايَاتٌ أَصَحُّهَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَنْ تَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَمَا دَامَ ظِلُّهَا عَلَى النُّقْصَانِ لَمْ تَزُلْ فَإِذَا وَقَفَتْ بِأَنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ فَهُوَ قِيَامُ الظَّهِيرَةِ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصُّورَةُ فَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ زَالَتْ عَنْ الْوُقُوفِ فَخُطَّ عَلَى مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ خَطًّا فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ إلَى الْعَوْدِ فَيْءُ الزَّوَالِ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّمْسُ فِي سَمْتِ الرَّأْسِ كَمَا فِي خَطِّ الِاسْتِوَاءِ ثُمَّ إنَّ الْفَيْءَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ بِحَسَبِ الْعُرُوضِ وَالْأَزْمِنَةِ بِحَسَبِ الْفُصُولِ كَمَا حُقِّقَ فِي مَوْضِعِهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَالْفَيْءُ كَالشَّيْءِ وَهُوَ نَسْخُ الشَّمْسِ قَالَ ابْنُ مَلِكٍ فِي إضَافَةِ الْفَيْءِ إلَى الزَّوَالِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَيْءَ قُبَيْلِ الزَّوَالِ.
وَفِي الدُّرَرِ: وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّوَالِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِحُصُولِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُعَدُّ تَسَامُحًا انْتَهَى لَكِنْ يُرَدُّ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِضَافَةِ كَمَالُ الِاخْتِصَاصِ مِثْلُ التَّمْلِيكِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ هَذَا يَكُونُ إمَّا تَجَوُّزًا إنْ لُوحِظَتْ الْعَلَاقَةُ، وَإِلَّا يَكُونُ تَسَامُحًا وَالْأَيْسَرُ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَمَا دَامَتْ الشَّمْسُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ فَالشَّمْسُ لَمْ تَزُلْ، وَإِذَا صَارَتْ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ عُلِمَ أَنَّهَا قَدْ زَالَتْ (إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ) وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ أَخَذَ الْإِمَامُ.
(وَقَالَا إلَى أَنْ يَصِيرَ مِثْلًا) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَرَوَى
стр. 69
أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ الْإِمَامِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فَيَكُونُ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ قِيلَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الظُّهْرِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ إلَى الْمِثْلِ وَلَا يَشْرَعُ فِي الْعَصْرِ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الظِّلِّ إلَى الْمِثْلَيْنِ وَلَا يُصَلِّي قَبْلَهُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.
[وَقْت الْعَصْر]
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ انْتِهَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ) عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) أَيْ جِرْمِهَا بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى الْأُفُقِ الْحِسِّيِّ لَا الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ إلَّا لِلْأَفْرَادِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَأَظُنُّ أَنَّ مُرَادَهُ: خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ وَقْتٌ مُهْمَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الرِّوَايَاتِ.
[وَقْت الْمَغْرِب]
(وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْكَائِنُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ الْحُمْرَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «وَآخِرُ وَقْتِهَا إذَا اسْوَدَّ الْأُفُقُ» .
(وَقَالَا هُوَ الْحُمْرَةُ) وَهُوَ رِوَايَةُ أَسَدٍ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنْ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ ﵊ «الشَّفَقُ هُوَ الْحُمْرَةُ» .
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْوَطُ وَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ أَيْ أَرْفَقُ لِلنَّاسِ (قِيلَ وَبِهِ يُفْتَى) قَالَ ابْنُ النُّجَيْمِ: إنَّ الصَّحِيحَ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ لَا قَوْلُ صَاحِبَيْهِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُفْتَى وَلَا يُعْمَلُ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا إلَّا لِمُوجِبٍ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ ضَرُورَةِ تَعَامُلٍ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ، وَإِنْ قَالَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَكَانَ دَلِيلُ الْإِمَامِ وَاضِحًا وَمَذْهَبُهُ ثَابِتًا لَا يُلْتَفَتُ إلَى فَتْوَاهُ فَإِذَا ظَهَرَ لَنَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَيْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَظَهَرَ أَيْضًا دَلِيلُهُ وَصِحَّتُهُ وَأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِهِمَا وَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِنْ رِسَالَتِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِهِمَا فِي الصَّيْفِ، وَبِقَوْلِهِ فِي الشِّتَاءِ.
[وَقْت الْعِشَاء وَالْوِتْر]
(وَوَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ مِنْ انْتِهَاءِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ) عَلَى اخْتِلَافُ الْقَوْلَيْنِ (إلَى الْفَجْرِ الثَّانِي) أَيْ الصَّادِقِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي قَوْلٍ حَتَّى يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ حَتَّى يَمْضِيَ النِّصْفُ وَكَوْنُ وَقْتِهِمَا وَاحِدًا مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا وَقْتُ الْوِتْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَسُنَّةٌ عِنْدَهُمَا.
(وَلَا يُقَدِّمُ الْوِتْرَ عَلَيْهَا لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ وَلَا يُقَدِّمُ الْوِتْرَ عَلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا اعْتِقَادًا، وَالْآخَرُ عَمَلًا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ نَاسِيًا أَوْ صَلَّاهُمَا فَظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ لَا الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهَا وَالثَّانِي أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ حَتَّى لَا تَجُوزَ صَلَاةُ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلِّ الْوِتْرَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ؛ إذْ لَا تَرْتِيبَ
стр. 70
بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ كَذَا فِي الدُّرَرِ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَا يَجِبَانِ عَلَيْهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: مَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ بِأَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فِيهِ كَمَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ بُرْهَانَ الدِّينِ الْكَبِيرَ أَفْتَى بِأَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ثُمَّ إنَّهُ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِدُونِ السَّبَبِ لَا يُعْقَلُ وَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْقَضَاءَ يَكُونُ أَدَاءً ضَرُورَةً، وَهُوَ فَرْضُ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ انْتَهَى أَقُولُ مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ وَلَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الدَّلِيلِ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَهُ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَتَبَ عَلَى عَبْدِهِ كُلَّ يَوْمٍ صَلَوَاتٍ خَمْسًا وَلَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ حَتَّى يُوجَدَ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِهِ - تَعَالَى - وَلَا يَنْوِي الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَعَدَمِ الْأَدَاءِ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ الْوَقْتُ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَضَاءَ تَدَبَّرْ.
(وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ وَمِنْهُ أَسْفَرَ بِالصَّلَاةِ إذَا صَلَّاهَا فِي الْإِسْفَارِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَإِطْلَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَدْءَ وَالْخَتْمَ بِالْإِسْفَارِ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ يَبْدَأُ بِالتَّغْلِيسِ وَيَخْتِمُ بِالْإِسْفَارِ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، وَالْإِسْفَارُ مُسْتَحَبٌّ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ وَالْإِسْفَارُ الْمُسْتَحَبُّ (بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ بِتَرْتِيلِ أَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ) سِوَى الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ إنْ ظَهَرَ فَسَادُ الطَّهَارَةِ يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ) أَوْ الْغُسْلُ، وَلَوْ قَالَ: يُمْكِنُهُ الطَّهَارَةُ لَكَانَ أَشْمَلَ.
(وَإِعَادَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ: حَدُّهُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ شَكٌّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ التَّغْلِيسَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ السَّوَادُ الْمَخْلُوطُ بِالْبَيَاضِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ.
وَفِي الْمُبْتَغِي الْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْفَجْرِ الْغَلَسُ، وَفِي غَيْرِهِ الِانْتِظَارُ إلَى فَرَاغِ الرِّجَالِ عَنْ الْجَمَاعَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (الْإِبْرَادُ بِظُهْرِ الصَّيْفِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ لَا؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ أَصْلًا وَاسْتِحْبَابًا فِي الزَّمَانَيْنِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ) فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ» لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَالْعِبْرَةُ لِتَغَيُّرِ الْقُرْصِ بِحَيْثُ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا لِتَغَيُّرِ الضَّوْءِ؛ لِأَنَّ ذَا يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ (الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) .
وَفِي رِوَايَةٍ إلَى مَا قَبْلَهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَوُفِّقَ بَيْنَهَا بِأَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى الثُّلُثِ فِي الشِّتَاءِ لِطُولِ لَيْلِهِ، وَإِلَى مَا قَبْلَ الثُّلُثِ
стр. 71
فِي الصَّيْفِ لِقِصَرِ لَيْلِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَفْوِيتِ فَرْضِ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْعَصْرِ إلَى وَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبِ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَالتَّكَلُّمُ بِكَلَامِ الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ إلَّا إذَا كَانَ لِمُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ (الْوِتْرِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ اللَّيْلِ (لِمَنْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاهِ، وَإِلَّا فَقَبْلَ النَّوْمِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ» .
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) أَيْ أَدَاؤُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِرِوَايَةِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ إذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» .
وَفِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّبِيعَ مُلْحَقٌ بِالشِّتَاءِ، وَالْخَرِيفُ بِالصَّيْفِ انْتَهَى أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ (الْمَغْرِبِ) فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «بَادِرُوا بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ» أَيْ كَثْرَتِهَا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ تَوَهُّمَ الْوُقُوعِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَفِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَرِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ (تَأْخِيرُ غَيْرِهِمَا) وَهُوَ الْفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ لَا كَرَاهَةَ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ وَالْمَغْرِبُ يُخَافُ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِشِدَّةِ الِالْتِبَاسِ.
وَفِي التُّحْفَةِ: وَكُلُّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ اسْمِهَا عَيْنٌ يُعَجَّلُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ اسْمِهَا عَيْنٌ يُؤَخَّرُ.
[الْأَوْقَات المنهي عَنْ الصَّلَاة فِيهَا]
(وَمُنِعَ عَنْ الصَّلَاةِ) فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي سَتُذْكَرُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ نَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ، وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهَا مَوْتَانَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ نُقْبِرَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تُضَيِّفُ أَيْ قَبْلَ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَلَوْ صَلَّى التَّطَوُّعَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ أَنْوَاعُهَا الْكَامِلَةُ وَهِيَ الْفَرَائِضُ وَالْوَاجِبَاتُ وَالْمَنْذُورَاتُ دُونَ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ حَتَّى لَوْ صَلَّى النَّوَافِلَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَشُرُوعُهُ حَصَلَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَيَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ كَمَا وَجَبَتْ نَاقِصَةً
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَقْضِيَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُبَاحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَيَجُوزُ النَّفَلُ بِمَكَّةَ بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) الَّتِي وَجَبَتْ قَبْلَهَا وَأَمَّا إذَا وَجَبَتْ بِالتِّلَاوَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ جَازَ أَدَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ
стр. 72
كَرَاهَةٍ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهَا لِيُؤَدِّيَهَا فِي الْوَقْتِ الصَّحِيحِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يُكْرَهُ سَجْدَةُ الشُّكْرِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَسَجْدَةُ السَّهْوِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيَسْقُطُ عَنْ ذِمَّتِهِ انْتَهَى وَلِهَذَا لَوْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ السَّجْدَةَ، وَاسْتَثْنَى سَجْدَةَ الشُّكْرِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ) حَضَرَتْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ فِيهَا جَازَتْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا لَوْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَسَجَدَهَا فِيهَا أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ فِيهَا وَصَلَّاهَا تَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (عِنْدَ الطُّلُوعِ) أَيْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ جِرْمِ الشَّمْسِ مِنْ الْأُفُقِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا لَمْ تَرْتَفِعْ الشَّمْسُ قَدْرَ الرُّمْحِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الطُّلُوعِ وَقِيلَ: إنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ فِي قُرْصِ الشَّمْسِ فِي الطُّلُوعِ فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ.
(وَالِاسْتِوَاءُ) أَيْ وَقْتُ وُقُوفِ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ (وَالْغُرُوبُ) أَيْ عِنْدَ أُفُولِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَغِيبَ جِرْمُهَا، وَقِيلَ مِنْ وَقْتِ التَّغَيُّرِ إلَى أَنْ يَغِيبَ جِرْمُهَا (إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَكَذَا عَلَى إرَادَةِ نَوْعِ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ فَرَضَ الْعَصْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جَازَ عَصْرُ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ أَيْ الَّذِي يَلِيهِ الشُّرُوعُ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّهُ سَبَبًا لَوَقَعَ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فَلَا يَكُونُ أَدَاءً وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضٌ مِنْهُ سَبَبًا، وَأَقَلُّ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْجُزْءُ السَّابِقُ لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ أَوْلَى فَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ تَعَيَّنَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ يَنْتَقِلُ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيه ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عَلَى الْجُزْءِ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْجُزْءُ الَّذِي يَلِيهِ الْأَدَاءُ هُوَ السَّبَبَ أَوْ الْجُزْءُ الْمُضَيَّقُ، أَوْ كُلُّ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يَقَعْ الْأَدَاءُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ كَانَ لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْأَدَاءِ خَارِجَ الْوَقْتِ عَلَى تَقْدِيرِ سَبَبِيَّةِ الْكُلِّ وَقَدْ زَالَتْ فَيَعُودُ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا ثُمَّ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ يَصِيرُ سَبَبًا لِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ حَالُ الْمُكَلَّفِ إسْلَامًا وَعَقْلًا وَبُلُوغًا وَطُهْرًا وَحَيْضًا وَسَفَرًا وَإِقَامَةً إذَا تَقَرَّرَ هَذَا نَقُولُ إنْ لَمْ يَتَّصِلْ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ فِي الْعَصْرِ وَانْتَقَلَتْ السَّبَبِيَّةُ إلَى كُلِّ الْوَقْتِ وَجَبَتْ كَامِلًا فَلَا يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ عَصْرَ أَمْسِهِ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ عَصْرِ يَوْمِهِ كَذَا فِي الْمَطْلَبِ.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ التَّنَفُّلِ
стр. 73
وَرَكْعَتِي الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ)
لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (لَا عَنْ قَضَاءِ فَائِتَةٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ لِفَرْضِهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ، وَالْفَرْضُ التَّقْدِيرِيُّ أَقْوَى مِنْ النَّفْلِ ثَوَابًا فَمُنِعَ وَلَمْ يُمْنَعْ نَحْوُ قَضَاءِ الْفَرَائِضِ إذْ الْفَرْضُ الْحَقِيقِيُّ أَقْوَى مِنْ الْفَرْضِ التَّقْدِيرِيِّ.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ النَّفْلِ) فَقَطْ (بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) الصَّادِقِ (بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّتِهِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ جَوَازَ التَّنَفُّلِ بِمِقْدَارِ سُنَّةٍ مَا عَدَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ سُنَّةُ الْفَجْرِ فَقَطْ لَا غَيْرُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» .
وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَمَا رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ تَدَبَّرْ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: الْمُتَنَفِّلُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً فَطَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْإِتْمَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ.
(وَ) مُنِعَ عَنْ النَّفْلِ فَقَطْ بَعْدَ الْغُرُوبِ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ.
(وَ) مُنِعَ عَنْ النَّفْلِ فَقَطْ (وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَيًّا كَانَتْ) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا أَيْ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ وَقْتَ الْخُرُوجِ أَمَّا لَوْ شَرَعَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ ثُمَّ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا يَقْطَعُهَا بَلْ يُتِمُّهَا رَكْعَتَيْنِ إنْ كَانَتْ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ قِيلَ: يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا أَرْبَعًا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ (وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) فِي الْمُصَلَّى وَغَيْرِهِ وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ) لِعُذْرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ (إلَّا بِعَرَفَةَ) فَإِنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ (وَمُزْدَلِفَةَ) فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ.
(وَمَنْ طَهُرَتْ فِي وَقْتِ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ صَلَّتْهُمَا فَقَطْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ وَقْتٌ لِلْمَغْرِبِ لَا إنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ وَاحِدٌ وَكَذَا وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَإِلَّا لَكَفَى عِنْدَهُ وُجُودُ الْحَدَثِ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْعُذْرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَمَنْ هُوَ أَهْلُ فَرْضٍ فِي آخَرِ وَقْتٍ) بِأَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ آخِرَ الْوَقْتِ أَوْ طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ وَقَدْ بَقِيَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ أَوْ طَهُرَتْ لِأَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِهِ، وَقَدْ بَقِيَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ وَالْغُسْلِ (يَقْضِيهِ ذَلِكَ) الْفَرْضَ فَقَطْ لَا الْفَرْضَ الْمُقَدَّمَ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا وَجَبَ الْعَصْرُ وَجَبَ الظُّهْرُ أَيْضًا كَالْعِشَاءَيْنِ (لَا) تَقْضِي بِالْإِجْمَاعِ (مَنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ مَثَلًا (فِيهِ) أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي السَّبَبِيَّةِ آخِرَ الْوَقْتِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَوْ شَرَعَتْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ الصَّوْمِ فَحَاضَتْ تَقْضِي وَفِي الْفَرْضِ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 74
[بَابُ الْأَذَانِ]
ِ) هُوَ لُغَةً الْإِعْلَامُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا إعْلَامُ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا مَسْنُونٌ فَلَوْ غُيِّرَ التَّرْتِيبُ كَانَتْ الْإِعَادَةُ أَفْضَلَ وَسَبَبُهُ ابْتِدَاءُ أَذَانِ مَلَكٍ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَإِقَامَتُهُ حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ ﵊ إمَامًا بِالْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ رُؤْيَا مِنْ الصَّحَابَةِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَقِيلَ: نُزُولُ جِبْرِيلَ ﵊ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لِإِمْكَانِ ثُبُوتِهِ بِمَجْمُوعِهَا
(سُنَّ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَاجِبٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ بَلْدَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ وَأَبُو يُوسُفَ يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ وَلَا يُقَاتَلُونَ (لِلْفَرَائِضِ) أَيْ فَرَائِضِ الرِّجَالِ - وَهِيَ الرَّوَاتِبُ الْخَمْسُ - وَقَضَائِهَا وَالْجُمُعَةِ (دُونَ غَيْرِهَا) أَيْ لَا يُسَنُّ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا.
(وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، وَفِي ذَلِكَ تَضْلِيلٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فَإِنَّهَا بَعْدَ الْأَذَانِ.
وَلَوْ أَقَامَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى الْفَوْرِ قَالُوا: إنْ طَالَ الْفَصْلُ يُعَادُ، وَإِلَّا لَا.
(وَيُعَادُ فِيهِ لَوْ فَعَلَ) أَيْ لَوْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ يُعَادُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْفَجْرِ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ، وَأُخْرَى عَنْهُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَنَّهُ «قَالَ يَا بِلَالُ لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ) الْوَاحِدَةِ (وَيُقِيمُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى الْفَجْرَ بِآذَانٍ وَإِقَامَةٍ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ فَقَطْ.
(وَكَذَا) يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ (لِأُولَى الْفَوَائِتِ وَخُيِّرَ فِيهِ لِلْبَوَاقِي) إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ فَقَطْ هَذَا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
وَفِي التَّبْيِينِ إنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَدَاءً وَقَضَاءً يُؤَذِّنُ لَهُ وَيُقِيمُ سَوَاءٌ أَدَّاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ إلَّا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنْ أَدَّاهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يُكْرَهُ.
(وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا مَعًا لِلْمُسَافِرِ) وَلَوْ مُنْفَرِدًا «لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا مَعًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ أَذَانُ الْمُنْفَرِدِ لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا أَذَانُ الْجَمَاعَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ (لَا) يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا مَعًا (لِمُصَلٍّ فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ) إذَا وُجِدَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رِوَايَةٍ يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتُهُ.
(وَنُدِبَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةُ مَعًا (لَهُمَا) أَيْ الْمُسَافِرِ وَالْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا مَعًا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَنُدِبَا لَهُمَا يُخَالِفُ لِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ
стр. 75
فَلْيُتَأَمَّلْ (لَا لِلنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
[صِفَةُ الْأَذَانِ]
(وَصِفَةُ الْأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهَا إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ يُكَبِّرُ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(وَيُزَادُ بَعْدَ فَلَاحِ أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا فِيهِ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ كَلِمَةٍ أُخْرَى بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَا يَلِيقُ (وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْأَذَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُ فُرَادَى فُرَادَى إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.
(وَيُزَادُ بَعْدَ فَلَاحِهَا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) هَكَذَا فَعَلَ الْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَيَتَرَسَّلُ فِيهِ) أَيْ يَتَمَهَّلُ فِي الْأَذَانِ بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ قَلِيلًا، وَإِلَّا فَالْإِعَادَةُ (وَيُحْدِرُ فِيهَا) أَيْ يُسْرِعُ فِي الْإِقَامَةِ وَيَكُونُ صَوْتُهُ فِيهَا أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِهِ فِي الْأَذَانِ.
(وَيُكْرَهُ التَّرْجِيعُ) التَّرْجِيعُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعَ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّلْحِينُ) وَالْمُرَادُ بِهِ التَّطْرِيبُ يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا طَرِبَ بِهَا أَيْ يُكْرَهُ تَغْيِيرُ الْكَلِمَةِ عَنْ وَضْعِهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ مَدٍّ أَوْ غَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي الْأَوَائِلِ أَوْ فِي الْأَوَاخِرِ وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ مِنْ الْمَجْلِسِ إذَا قُرِئَ بِاللَّحْنِ، وَأَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ قِيلَ لَا يَحِلُّ سَمَاعُ الْمُؤَذِّنِ إذَا لَحَّنَ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ الْأَذْكَارِ، أَمَّا فِي قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَا بَأْسَ فِيهِ بِإِدْخَالِ مَدٍّ وَنَحْوِهِ.
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَ فَعَلَ كَذَا وَلَوْ تُرِكَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ أَيْ لَا صَدْرَهُ (يَمْنَةً وَيَسْرَةً عِنْدَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا أَذَّنَ لِنَفْسِهِ لَا يُحَوِّلُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَوِّلُ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْيَمِينِ، وَالْفَلَاحُ فِي الشِّمَالِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ الْمُسْتَمِعُ وَيَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ بَلْ يَقُولُ فِي الْأَوَّلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَمَا قُدِّرَ سَيَكُونُ وَفِي الثَّانِي صَدَقْت وَبِالْحَقِّ نَطَقْت.
وَفِي الْجَوَاهِرِ: أَنَّ إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ سُنَّةٌ هَكَذَا يُجِيبُ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى قَوْلِهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فَحِينَئِذٍ يُجِيبُ بِالْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ يَقُولُ الْمُسْتَمِعُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَالْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَيَقْطَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَوْ بِمَنْزِلِهِ وَيُجِيبُ وَلَوْ بِمَسْجِدٍ لَا لِأَنَّهُ أَجَابَ بِالْحُضُورِ.
(وَيَسْتَدْبِرُ فِي صَوْمَعَتِهِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ التَّحْوِيلَ
следующие страницы →