← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 1156–1189 · переход к 1161.

стр. 1156

(وَالثَّالِثُ إصْغَاءُ) بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمُعْجَمَةِ الْإِمَالَةُ (رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ وَعَدَمُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي مِنْهَا) مَعَ أَنَّ سُؤْرَهَا مَكْرُوهٌ لَا يَلِيقُ بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمُنَفِّرِ وَأَيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا حُرِّرَ هُنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ: «سُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ» (وَالرَّابِعُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَصَّ عَلَى أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُلَاقِيَ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ بِالْوُرُودِ عَلَيْهَا أَوْ بِوُرُودِهَا عَلَيْهِ) حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِنَجَاسَةِ الثَّانِي مُطْلَقًا بَعْدُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْغَيْرَ الْبَالِغِ قُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجِسِ وَلَوْ قَلِيلًا، وَالْمَفْهُومُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ وَظَاهِرٌ أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الْمَفْهُومِ شَامِلٌ لَهُمَا مَعًا (وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ) أَيْ النَّجِسَ (إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ جَارٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِهِ (أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ) الْمَاءُ (قَلِيلًا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ) حَتَّى يَفْصِلَ بِبُلُوغِ الْقُلَّتَيْنِ وَعَدَمِهِ، وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فِي سَنَدِهِ اضْطِرَابٌ لَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَعَدَمُ الْفَرْقِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَدْ عَرَفْت عَدَمَ ضَرَرِ الِاضْطِرَابِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَارِيَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِسَيَلَانِهِ دُونَ الرَّاكِدِ (وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ رِطْلٌ مِنْ الْبَوْلِ فِي قُلَّتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقْنَاهُ فَكُلُّ كُوزٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ طَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ طَاهِرٍ (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ مُنْتَشِرٌ فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَعْنِي الْقُلَّتَيْنِ (وَهُوَ قَلِيلٌ) مِنْ الْقُلَّتَيْنِ فَيَلْزَمُهُ النَّجَاسَةُ لِعَدَمِ الْقُلَّتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ. وَأُجِيبَ أَنَّهُ اُسْتُهْلِكَ الْبَوْلَ فِي الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبَارٌ وَلَا كَذَلِكَ الْوَاقِعُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ بِمُلَاقَاتِهِ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ فَرْضَ وُقُوعِ نِصْفِ هَذَا الرَّطْلِ فِي قُلَّةٍ وَاحِدٍ يَتَنَجَّسُ فِي الِابْتِدَاءِ فَمَا وَجْهُ عَدَمِ تَنَجُّسِهِ فِي الِانْتِهَاءِ لَعَلَّ الْأَوْلَى هُوَ أَنْ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا احْتَجَّ بِالنَّصِّ، وَهَذَا رَأْيٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ (وَالسَّابِعُ أَنَّ الْحَمَّامَاتِ) مَوْضِعَ الْغُسْلِ (لَمْ تَزَلْ فِي الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ) السَّابِقَةِ (يَتَوَضَّأُ فِيهَا) فِي حِيَاضِهَا (الْمُتَقَشِّفُونَ) الْمُبَالِغُونَ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَيَغْمِسُونَ الْأَيْدِيَ وَالْأَوَانِيَ فِي تِلْكَ الْحِيَاضِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ (وَمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَيْدِيَ النَّجِسَةَ وَالطَّاهِرَةَ كَانَتْ تَتَوَارَدُ عَلَيْهِ) مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا مِنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْمُتَوَضِّئِينَ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَيُحْتَجُّ بِأَفْعَالِهِ، وَكَوْنَ تِلْكَ الْقُلَّةِ نَاقِصَةً مِنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَكَوْنَ تَوَارُدِ الْأَيْدِي النَّجِسَةِ مَعْلُومًا لَهُمْ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْعَادَاتِ وَلَيْسَتْ الْمَذْكُورَاتُ مُطَّرِدَةً (فَهَذِهِ الْأُمُورُ) السَّبْعَةُ (مَعَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ) لِلْمَاءِ (تُقَوِّي فِي النَّفْسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ) الْأَوْلَى إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ فَقَطْ لَا التَّغَيُّرِ عِنْدَ الْقُلَّتَيْنِ وَالتَّنَجُّسِ مُطْلَقًا عِنْدَ نَقْصِهِ عَنْهُمَا وَإِلَّا

стр. 1157

فَالشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِمُطْلَقِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ كَمَالِكٍ (انْتَهَى) كَلَامُ الْغَزَالِيِّ (مُخْتَصَرًا) لَا يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذَا النَّقْلِ بَيَانُ حَالِ السَّلَفِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ مَيْلِ جَانِبِ السَّعَةِ دُونَ تَضْيِيقِ بَعْضِ مُدَّعِي التَّوَرُّعِ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مَذْهَبًا فَتَدَبَّرْ (وَالرَّابِعُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْجَارِي) بِأَنْ يَذْهَبَ بِتَبِنَةٍ كَمَا هُوَ الْهِدَايَةُ وَالْكَافِي وَبِأَنْ لَا يَتَكَرَّرَ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا قِيلَ. وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ مُطْلَقًا) مَرْئِيَّةً أَوْ لَا وَقِيلَ لَا فِي أَكْثَرِهِ أَوْ لَا قِيلَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ لَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ: النَّهْرُ إذَا كَانَ يَجْرِي بَعْضُهُ عَلَى الْجِيفَةِ إنْ كَانَ مَا يُلَاقِي الْجِيفَةَ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا سَوَاءٌ فَالْمَاءُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَى الْجِيفَةِ أَقَلَّ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ أَنَّ الْجَارِيَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جِيفَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِذَا بَالَ إنْسَانٌ فِيهِ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ يَجُوزُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْجَرْيَةِ أَثَرُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ: وَلَوْ كُسِرَتْ خَابِيَةُ خَمْرٍ فِي الْفُرَاتِ، وَرَجُلٌ يَتَوَضَّأُ أَسْفَلَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِي الْمَاءِ طَعْمَ الْخَمْرِ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ (وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ النَّجَاسَةَ أَوْ) لَاقَى (نِصْفُهُ فَنَجِسٌ) وَعِنْدَ الْبَعْضِ النِّصْفُ مُلْحَقٌ بِالطَّاهِرِ (وَإِنْ أَقَلَّهُ فَطَاهِرٌ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ مُرَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُمْ: إنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَصْفٌ مُنَفِّرٌ، وَتَغَيَّرَ مَرْئِيُّهُ أَوْ لَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ لِلنَّاسِ وَأَرْفَقُ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا الْإِطْلَاقُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ أَوْ نِصْفُهُ النَّجَاسَةَ فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا أَحْوَطُ وَعِنْدَ الْبَعْضِ نِصْفُ الْمَاءِ إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ فَظَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي. (وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ فَلَهُ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ) فِي الْفِقْهِ (وَأَمَّا مَا عَدَاهُمَا) وَهُوَ الرَّاكِدُ (فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَالْمَاءِ الْجَارِي) لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ (وَإِلَّا فَيَتَنَجَّسُ بِقَلِيلِ نَجَاسَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّغَيُّرُ (وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ) عَشْرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ بِحَسَبِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعُمْقِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَنْحَسِرُ أَرْضُهُ بِالْغَرْفِ لِلْوُضُوءِ، وَقِيلَ لِلِاغْتِسَالِ وَإِذَا لَمْ يَتَنَجَّسْ كُلُّهُ هَلْ يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً يَتَنَجَّسُ، وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ يَتَنَجَّسُ فِيهِمَا وَقَدْ يَعْتَبِرُ مَا هُوَ بِقَدْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ طُولٌ وَعُمْقٌ وَلَا عَرْضَ لَهُ لَكِنْ لَوْ بُسِطَ صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَصِلُ إلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ أَبُو النَّصْرِ: يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَرْضِ، وَإِنْ أَوْجَبَ التَّنَجُّسَ لَكِنَّ اعْتِبَارَ الطُّولِ لَا يُوجِبُهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْحَوْضُ الْمُدَوَّرُ يُعْتَبَرُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا هُوَ الصَّحِيحُ (وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَبِهِ يُفْتَى وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِيهِ

стр. 1158

أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَإِلَّا جَازَ) مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ (وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِأَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - انْتَهَى) كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ (مُخْتَصَرًا) وَمِمَّنْ نَصَّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ الْحَوْضُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ لَا يَضْطَرِبُ طَرَفُ مُقَابِلِهِ بِأَنْ لَا يَرْتَفِعَ، وَلَا يَنْخَفِضَ فَكَثِيرٌ، وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى لَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ الْوُضُوءِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) كَالشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْفَرَسِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ فِي إطْلَاقِهِ الْفَرَسَ كَلَامٌ فِقْهِيٌّ لِمَا فِيهِ نَحْوَ الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَوَازِ أَصْلِ الْحِلِّ (طَاهِرٌ) قَالَ فِي الْمُلْتَقَى وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ قِيلَ مُخَفَّفٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀ (وَقَالُوا) قِيلَ أَيْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ جَمِيعًا (خَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ طَاهِرٌ سِوَى الدَّجَاجَةِ وَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ) فَإِنَّهُ نَجِسٌ غَلِيظٌ (وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخَرْؤُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا) مَعَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا وَالْقِيَاسُ النَّجَاسَةُ لَكِنْ عُفِيَ عَنْهَا لِيُدْفَعَ الْحَرَجُ (وَفِي خَرْءِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ رِوَايَتَانِ طَهَارَتُهُ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَنَجَاسَتُهُ خَفِيفَةٌ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: وَالْأَقْوَى دِرَايَةً جَانِبُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجَاسَةِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِوَصْفِهَا الْمُنَفِّرِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي خَرْئِهَا. (وَقَالُوا لَوْ انْتَضَحَ الْبَوْلُ) وَكَذَا الْخَمْرُ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ (مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ مَعْفُوٍّ (وَالْغُبَارُ النَّجِسُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ لَا يَضُرُّ، وَإِذَا تَنَجَّسَ بَعْضُ صُبْرَةٍ أَوْ نَحْوُهَا فَقُسِّمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضُهُ حُكِمَ بِطَهَارَةِ كُلِّ قِسْمٍ حَتَّى يَحِلَّ أَكْلُهُ وَكَذَا فِي اللِّبَاسِ) إذَا تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْهُ وَغُسِلَ بِلَا تَحَرٍّ طَرَفٌ آخَرُ مِنْهُ يَطْهُرُ كُلُّهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: الْقِسْمَةُ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ يَعْنِي لَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الْبُرِّ ثُمَّ قُسِّمَ طَهُرَ لِوَقْعِ الشَّكِّ فِي كُلِّ جُزْءٍ هَلْ هُوَ الْمُتَنَجِّسُ أَوْ لَا فَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: ثَوْبٌ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ مَعَ قَوْلِ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ وَتَفْصِيلُهُ يُنْقَلُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَقَدْ جُوِّزَ الْأَخْذُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ) لَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِالطَّهَارَةِ لِلسَّعَةِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى إنْ لِضَرُورَةٍ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، وَإِلَّا فَإِنْ الْغَيْرُ أَعْلَمَ فَلَيْسَ مَسْأَلَتُنَا فِيهِ، وَإِنْ مُطْلَقًا فَقَابِلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَا أَتَى فِي حُجَّتِهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ

стр. 1159

فِي الْأَوَّلِ. (حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اغْتَسَلَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَ لِلْيَوْمِ بَلْ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَمَّا لِلْيَوْمِ فَلِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْأَوْلَى لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ، وَحَذْفُ الْمُضَافِ بِلَا قَرِينَةٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الظَّاهِرِ لِلسُّنَّةِ (وَصَلَّى بِبَغْدَادَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إمَامٌ (فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ) الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ (فَأْرَةً مَيْتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ) وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ كَمَا فُصِّلَ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَأَيْضًا إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (فَقَالَ نَأْخُذُ بِقَوْلِ إخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) كَالْمَالِكِيَّةِ (تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خُبْثًا» كَذَا فِي التتارخانية وَغَيْرِهَا) لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الْأُصُولِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خِلَافِ رَأْيِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ قُلْنَا: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَقْلِيدِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا نَعَمْ قَدْ يُقَالُ يُرَخَّصُ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ كَوْنَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ التَّابِعُونَ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِلْأَعْلَمِ مِنْهُ إذَا كَانَ الْأَعْلَمُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا، وَالتَّفْصِيلُ فِي زُبْدَةِ الْوُصُولِ فِي الْأُصُولِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ حُرْمَةَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَا قَلَّدَهُ حُكْمًا قَوِيًّا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ النَّصِّ) فَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ فَيَجُوزُ؛ إذْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِينَ لَعَلَّ قُوَّةَ الِاهْتِمَامِ فِي الْأَوَّلِ مَانِعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَعَدَمُ قُوَّتِهِ فِي الثَّانِي مُجَوِّزٌ إيَّاهُ. وَأَقُولُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَظَرِيًّا مُحْتَاجًا إلَى الِاجْتِهَادِ حَتَّى يُقَلِّدَ بَلْ مَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ نَصٍّ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى قِيَاسٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِّيَّةُ (أَوْ فِي الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ) الْأَقْرَبُ لَفْظًا عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ وَمَعْنًى عَلَى قَوْلِهِ حُكْمًا قَوِيًّا (لَا الْوَسَائِلِ) فَلِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ فِي الْوَسَائِلِ، مِثْلُهُ فِي الْمَقَاصِدِ جَوَّزَ فِيهَا دُونَهَا فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْوِيجًا لِمَا كَانَ فِي صَدَدِهِ لَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْأُصُولُ، وَلَمْ يُرَ هَذَا التَّفْصِيلُ فِيهِ فَالْأَوْجَهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا أَوْ مَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ مَمْنُوعِ التَّقْلِيدِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَيَجُوزُ كَوْنُ أَبِي يُوسُفَ مِنْهُمْ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ (فَإِذَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ) كَأَبِي يُوسُفَ هُنَا (التَّقْلِيدُ فِيهِ) فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ (فَجَوَازُهُ لِلْمُقَلِّدِ أَوْلَى) فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ كَانَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ تَقْلِيدِ حَنَفِيٍّ لِمَالِكِيٍّ فَضْلًا عَنْ شَافِعِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بَلْ قِيلَ هُنَا أَيْضًا: وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ إنْ عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ. (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ (فَالْأَصْلُ) أَيْ فَهُوَ الْأَصْلُ (فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ لِمَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْفَتَاوَى: وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ بَلْ يَزُولُ بِيَقِينٍ بِمِثْلِهِ)

стр. 1160

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَزُولُ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ بَلْ إنَّمَا يَزُولُ بِمَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ قُلْنَا حُكْمُ الْمُمَاثَلَةِ هُوَ التَّعَارُضُ فَيَتَسَاقَطَانِ فَيَزُولُ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا: مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْيَقِينِ هُنَا غَالِبُ الظَّنِّ (وَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيثِ) كَأَنَّ مَا فِي كُتُبِ الشَّرْعِ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (مُصَرَّحٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ) وَدَخَلَ تَحْتَهَا فُرُوعٌ كَقَوْلِهِمْ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ كَعَكْسِهِ وَهُوَ: تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَمُحْدِثٌ تَيَقَّنَ التَّيَمُّمَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَعَلَى تَيَمُّمِهِ اسْتَيْقَنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي التَّيَمُّمِ فَعَلَى حَدَثِهِ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي سَبْقِهِمَا فَمُتَطَهِّرٌ عَلِمَ عَدَمَ غَسْلِ عُضْوٍ لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَلِ شَكَّ فِي وُجُودِ النَّجَسِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّاهِرِيَّةِ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطُّرُقَاتِ أَكَلَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ صَلَّاهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ كَمَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ حَدَثٍ أَحْدَثَهُ وَالْمَنِيُّ مِنْ آخِرِ نَوْمِهِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ (وَلَمْ أَرَ مُخَالِفًا فِيهِ) أَيْ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَإِذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ فِي طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ طِينٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ لِبَاسٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ فَذَلِكَ الشَّيْءُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَحِلِّ الْأَكْلِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَكَذَا) كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يَشُكُّ فِيهِ (إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَةٌ) فَإِنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ كَمَا عَرَفْت وَأَنْتَ عَرَفْت أَيْضًا أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ، وَأَحَبَّ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ عُمُرِهِ مُنْذُ أَدْرَكَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ فَسَادَهَا بِسَبَبِ طَهَارَةٍ أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُكْرَهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ انْتَهَى. قَالَ شَارِحُهُ الْحَمَوِيُّ: قِيلَ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ لِشُبْهَةِ الْفَسَادِ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَيَقْرَأُ فِي الْجَمِيعِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ (لَكِنْ) هُنَا أَيْ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ (يَحْتَسِبُ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ) وَمِمَّا عَرَفْت آنِفًا وَسَابِقًا اللَّازِمُ يَجِبُ فَتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ تَحْمِلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ عَلَى نَفْسِ الظَّنِّ. (وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا اسْتِعْمَالُهُ) وَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهَا (كَسَرَاوِيلِ الْكَفَرَةِ) فَإِنَّ الْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ عَنْهَا لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِلَلِ الْكَفَرَةِ (وَسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) وَأَمَّا الْمَحْبُوسَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شَاهِدِ الْبَابِ لَكِنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا فِي خِزَانَةِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهَا: سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ (وَالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ) فِي غَلَبَةِ نَجَاسَةِ يَدِ مُطْلَقِ الصَّبِيِّ خَفَاءٌ لَا يَخْفَى (وَطِينِ الشَّوَارِعِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ شَكَّ فِي وُجُودِ

стр. 1161

النَّجِسِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّاهِرِيَّةِ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْضٌ تَمْلَأُ مِنْهُ الصِّغَارُ وَالْعَبِيدُ بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ وَالْجِرَارِ الْوَسِخَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ نَجَاسَةٌ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطَّرَقَاتِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ الْجَوَازُ بِلَا كَرَاهَةٍ فِي شَرْحِ الْحَمَوِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ إنْ كَانَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَنَجِسٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي السِّرَاجِ ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَشَى فِي الطِّينِ وَأَصَابَهُ لَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ غَسْلُهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الصَّلَاةِ غَسْلُهُ وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (إذَا لَمْ يُرَ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا أَثَرُهَا وَأَوَانِي الْمُشْرِكِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا) كُلِّهِ (مَا ذَكَرْنَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ «أَكْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ضِيَافَةِ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ» مَعَ أَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ فِي طَعَامِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ النَّجَاسَةُ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ فِيمَا يُكْرَهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي فِعْلِهِ ﵊ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ قَدْ بُعِثَ أُسْوَةً وَإِمَامًا لِلْأُمَّةِ وَهَادِيًا لَهُمْ بَلْ عَامَّةُ فِعْلِهِ الْقَصْدِيِّ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ فَتَأَمَّلْ أَوْ ارْجِعْ إلَى بَعْضِ مَا مَرَّ (وَمَا خَرَّجَهُ " د " عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ وَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا يَعِيبُ) ﵊ (ذَلِكَ عَلَيْنَا» فَسُنَّةٌ تَقْرِيرِيَّةٌ وَسُكُوتِيَّةٌ إذْ سُكُوتُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ حُجَّةٌ وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَةِ بَعِيدٌ. (وَكَذَا فِي التتارخانية وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: الصَّبِيُّ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي كُوزِ مَاءٍ أَوْ رِجْلَهُ فِيهِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ يَدَهُ) أَوْ رِجْلَهُ (طَاهِرَةٌ بِيَقِينٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ لَا تَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ (يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهَذَا الْمَاءِ) فِي إيرَادِ هَذَا لَا يُعْلَمُ كَثِيرُ نَفْعٍ فِي الْمَقَامِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ قَوْلُهُ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ يَدَهُ) أَوْ رِجْلَهُ (نَجِسَةٌ بِيَقِينٍ) أَوْ أَخْبَرَ الْعَدْلُ أَوْ الْعَدَدُ (وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ رَاكِدٌ قَلِيلٌ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ) قِيلَ لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ تَبَعِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ الْعَدَمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَالْعَادَةُ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِذَا قَالَ (لِأَنَّ الصَّبِيَّ) لَا سِيَّمَا الْغَيْرَ الرَّشِيدَ (لَا يَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَاتِ عَادَةً وَمَعَ هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ انْتَهَى) ، وَفِي الْإِجْزَاءِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى لَا يَخْفَى إنْ سَلَّمَ تِلْكَ الْعَادَةَ فِي الصَّبِيِّ يَلْزَمُ الْقَطْعُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ إذْ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ كَمَا قَالُوا فِي حَدِّ الْمَاءِ الْجَارِي: الْأَصَحُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَفِي وُقُوعِ الْكَثِيرِ فِي الْبِئْرِ الْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَكَوْنُ الْعَادَةِ مِعْيَارَ الْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ فِي بَابِ الْحَيْضِ مَعْرُوفٌ، وَكَذَا أَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ تُنْبِئُ عَلَى عُرْفِهِمْ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ، وَتَعْلِيمُ الْكَلْبِ عَلَى الْعُرْفِ، وَهَكَذَا وَهَكَذَا إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ عَادَةٍ وَعَادَةٍ وَيَدَّعِيَ أَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ مِنْ الصَّبِيِّ لَيْسَتْ مِمَّا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ وَمَا ذُكِرَتْ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ مِمَّا لَا يَغْلِبُ فَافْهَمْ. (وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَيُكْرَهُ) قِيلَ تَنْزِيهًا (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ) وَكَذَا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ (فِي أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ) وَلَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ (قَبْلَ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ أَوَانِيهِمْ النَّجَاسَةُ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ (وَيَشْرَبُونَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُونَ فِي قِصَاعِهِمْ) جَمْعُ قَصْعَةٍ (وَأَوَانِيهِمْ فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهَا قَبْلَ الْغَسْلِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ) لَا يَخْفَى كَمَا عَرَفْت مِرَارًا أَنَّ اقْتِدَاءَ الْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ هُوَ الْحُرْمَةُ وَالنَّجَاسَةُ؛ إذْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الشَّرْعِ حُكْمُ التَّيَقُّنِ إلَّا أَنْ يُتَجَوَّزَ بِنَحْوِ مَا أُشِيرَ (كَمَا كُرِهَ التَّوَضُّؤُ بِسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالْغَالِبِ وَكَمَا كُرِهَ التَّوَضُّؤُ بِمَا أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالْغَالِبِ

стр. 1162

وَكَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَرَاوِيلِ الْمُشْرِكِينَ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَنْجُونَ) وَلَا يَجْتَنِبُونَ عَنْ الْبَوْلِ (وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ سَرَاوِيلِهِمْ النَّجَاسَةَ وَمَعَ هَذَا) الظَّاهِرِ (لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِيهَا قَبْلَ الْغَسْلِ جَازَ وَلَا يَكُونُ آكِلًا وَلَا شَارِبًا حَرَامًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ، وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ فَيَجْرِي عَلَى الْأَصْلِ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ وَدَلِيلٌ خِلَافُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّاهِرَ قَرِينَةٌ خِلَافُ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَنَظِيرُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ حَدَثٌ أَوْ لَا كَانَ مُحْدِثًا وَإِنْ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ وَمَعَهُ مَاءٌ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَوْ لَا كَانَ مُتَوَضِّئًا عَمَلًا بِالْغَالِبِ فِيهَا (حَتَّى يَعْلَمَ) الظَّاهِرَ أَيْ يَتَيَقَّنَ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الظَّاهِرِ لَا يُغَيِّرُ الْأَصْلَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَيَقَّنًا (بِحُدُوثِ الْعَارِضِ وَمَا يَقُولُ) السَّائِلُ اعْتِرَاضًا (بِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَتُهُ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ. (قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرِ مُجَرَّدُ الظَّنِّ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا يَعُمُّ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ إذْ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْيَقِينِ فَلَا يُتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ بَلْ يَنْدَفِعُ مَا سَبَقَ أَيْضًا (انْتَهَى) كَلَامُ الذَّخِيرَةِ (ثُمَّ قَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ كُلِّهِ) أَيْ كُلِّ الطَّعَامِ (مِنْ الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يَعْنِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلًا آخَرَ غَيْرَ الْأَصْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ) مِنْهُ تَعَالَى (بَيْنَ الذَّبِيحَةِ وَغَيْرِهَا وَيَسْتَوِي الْوُجُوبُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكَذَا يَسْتَوِي الْجَوَابُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَوَالنَّصْرَانِيُّ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ) أَوْلَادِ يَعْقُوبَ ﵊ (أَوْ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَنَصَارَى الْعَرَبِ لِظَاهِرِ مَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَكِتَابِيٍّ وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ كُلِّهِ إلَّا الذَّبِيحَةَ فَإِنَّ ذَبِيحَتَهُمْ حَرَامٌ) لِعَدَمِ كِتَابِهِمْ وَلِعَدَمِ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِمْ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (انْتَهَى وَقَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ﵀) مِنْ التَّابِعِينَ (أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَظْهَرُونَ) يَغْلِبُونَ (عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِي أَوَانِيهِمْ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْسِلُونَهَا قَبْلَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعْنَى يَظْهَرُونَ يَغْلِبُونَ وَيَسْتَوْلُونَ) مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: - ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] وَمَعْنَاهُ مَا قُلْنَا

стр. 1163

وَرُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَجَمُوا عَلَى بَابِ كِسْرَى مَلِكِ الْعَجَمِ وَجَدُوا فِيهِ مَطْبَخَةً) آلَةَ طَبْخٍ أَوْ مَكَانَ طَبْخٍ (قُدُورًا) بَدَلٌ مِنْ: " مَطْبَخَةً " (فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ فَسَأَلُوا عَنْهَا) هَلْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الذَّبِيحَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ مَجُوسٌ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ (فَقِيلَ إنَّهُ مَرَقَةٌ) وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهَا (فَأُطْعِمُوهُ فَأَكَلُوا) أَيْ مَا فِي الْقُدُورِ (وَتَعَجَّبُوا مِنْ لَذَّتِهِ وَبَعَثُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إلَى عُمَرَ ﵁ فَتَنَاوَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ وَتَنَاوَلَ أَصْحَابُهُ فَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَكَلُوا مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي طَبَخُوهُ) أَيْ الْكُفَّارُ (وَطَبَخُوا) أَيْ الصَّحَابَةُ (فِي قُدُورِهِمْ قَبْلَ الْغَسْلِ) وَلَوْ كَانَ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَاسْتِعْمَالُ قُدُورِهِمْ قَبْلَ الْغَسْلِ حَرَامًا لَمَا أَكَلُوا وَاسْتَعْمَلُوا قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حُكِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَجُوسِ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ حَسَنَ التَّعَهُّدِ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُطْعِمُ جَائِعَهُمْ وَيَكْسُو عَارِيَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى مَسَاجِدِهِمْ وَيُعْطِي أَدْهَانَ سَرْجِهَا وَيُقْرِضُ مَحَاوِيجَ الْمُسْلِمِينَ فَدَعَا النَّاسَ لِوَلِيمَةٍ فَشَهِدَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْدَى إلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَدَايَا فَكَتَبَ بَعْضٌ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنْ أَدْرِكْ أَهْلَ بَلَدِك فَقَدْ ارْتَدُّوا بِأَسْرِهِمْ فَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ إجَابَةَ دَعْوَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُرَخَّصَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمُجَازَاةُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ مِنْ بَابِ الْكَرَمِ وَالْمُرُوءَةِ، وَالْحُكْمُ بِرِدَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الْقَدْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ انْتَهَى وَمِنْ هَذَا قِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ النَّصَارَى وَقِيلَ وَكَذَا الْمَجُوسُ وَقِيلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَاخْتُلِفَ فِي عِيَادَتِهِمْ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبَأْسِ، وَيَجُوزُ تَعْزِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ بِمَوْتِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ وَيَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك خَيْرًا مِنْهُ، وَأَصْلَحَك كَمَا فِي التتارخانية (وَالْمَعْنَى) الْمَعْقُولُ وَالدَّلِيلُ (فِي ذَلِكَ) أَيْ أَكْلِهِمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَطَبْخِهِمْ، وَمِنْ أَوَانِيهِمْ (أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي هَذَا الْعَارِضِ) لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الظَّنُّ بِلَا غَلَبَةٍ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ عِنْدَهُمْ كَمَا سَبَقَ، وَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَا يَزُولُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّكِّ الْعَارِضِ (وَلَا تَرْتَفِعُ الطَّهَارَةُ الثَّابِتَةُ بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ) هُوَ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ (وَمَا يَقُولُ) قَائِلٌ اعْتِرَاضًا (بِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ النَّجَاسَةُ) لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ مِنْ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ الْخَمْرَ (قُلْنَا: نَعَمْ وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ) فَاحْتِمَالُ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ ظَاهِرًا لَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْيَقِينَ (أَلَا يُرَى أَنَّهُ إذَا أَصَابَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ مِنْ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ) وَلَمْ يَدْرِ نَجَاسَتَهَا يَقِينًا (وَصَلَّى مَعَ ذَلِكَ) (جَازَتْ صَلَاتُهُ) قِيلَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا (وَإِذَا صَلَّى فِي سَرَاوِيلِ الْمُشْرِكِينَ جَازَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ وَقَدْ تَيَقَّنَّا الطَّهَارَةَ وَشَكَكْنَا فِي النَّجَاسَةِ فَلَمْ تَثْبُتْ النَّجَاسَةُ بِالشَّكِّ كَذَا هُنَا انْتَهَى ثُمَّ قَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (وَرَوَى مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ) أَيْ الْأَصْلِ (أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا انْتَهَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَلَامِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافٌ عَنْ سَائِرِهِمْ، وَفِي التتارخانية عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: إنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ طَعْمَهُ لِلْمَالِ دُونَ إعْزَازِ الدِّينِ، وَالْقَبُولُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ

стр. 1164

فِي زَمَانِنَا وَوَفَّقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ بِالنَّظَرِ إلَى مَنْ تَقِلُّ صَلَابَتُهُ وَعِزَّتُهُ فِي حَقِّهِ لِقَبُولِ هَدِيَّتِهِ، وَالْقَبُولُ إلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ مُسْلِمٌ دَعَاهُ نَصْرَانِيٌّ إلَى دَارِهِ ضَيْفًا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ السِّغْنَاقِيِّ الْمَجُوسِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ إذَا دَعَا رَجُلًا إلَى طَعَامِهِ تُكْرَهُ الْإِجَابَةُ ثُمَّ قَالَ: مَا ذُكِرَ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ يُخَالِفُ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَا نَقَلْنَا سَابِقًا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرُّخَصِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ إلَّا بِمِثْلِهِ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ قِيلَ لَا شَكَّ مَعَ الْيَقِينِ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ وَأُجِيبَ الْأَصْلُ الْمُتَيَقَّنُ لَا يُزِيلُهُ شَكٌّ طَارِئٌ عَلَيْهِ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ: الشَّكُّ لُغَةً مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ: اسْتِوَاءُ طَرَفَيْ الشَّيْءِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَمِيلُ الْقَلْبُ إلَى أَحَدِهِمَا فَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَطْرَحْ الْآخَرَ فَهُوَ ظَنٌّ وَإِنْ طَرَحَهُ فَهُوَ غَالِبٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ فَهُوَ وَهْمٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ كَاللُّغَةِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ كَمَا زَعَمَ النَّوَوِيُّ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ وَقَدْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَقِيلَ الْيَقِينُ جَزْمٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالِاعْتِقَادُ جَزْمٌ بِلَا دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَضْعَفُ مِنْ الْآخَرِ، وَالشَّكُّ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّكَّ شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، وَشَكٌّ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهُ فَالْأَوَّلُ كَأَنْ يَجِدَ شَاةً مَذْبُوحَةً فِي بَلَدٍ فِيهَا مُسْلِمٌ وَمَجُوسٌ فَلَا تَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ذَكَاةُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا حَرَامٌ وَشَكَكْنَا فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ فَلَوْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهَا الْمُسْلِمِينَ جَازَ الْأَكْلُ عَمَلًا بِالْغَالِبِ الْمُفِيدِ لِلطَّهَارَةِ وَالثَّانِي: أَنْ يَجِدَ مَاءً تَغَيَّرَ وَاحْتُمِلَ تَغَيُّرُهُ بِنَجَاسَةٍ أَوْ طُولِ مُكْثٍ يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ الطَّهُورِيَّةِ وَالثَّالِثُ مِثْلُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مَالِهِ عَيْنُ الْحَرَامِ فَلَا تَحْرُمُ مُبَايَعَتُهُ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ قَالَ: وَنُقِضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَهِيَ جَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالْيَقِينِ الْقَطْعُ بَلْ إنَّ الشَّيْءَ الثَّابِتَ بِشَيْءٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِمِثْلِهِ، وَالنَّصُّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَهُوَ كَافٍ فِي الْأَحْكَامِ كَذَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ اهـ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ مَنْظُورٌ فِيهِ فَيُعْرَفُ بِمُرَاجَعَةِ الْأُصُولِ (وَبِالْجُمْلَةِ) هِيَ لُبُّ الْمَقَالِ (أَنَّ الِاهْتِمَامَ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ) وَالنَّجَاسَةِ (لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ السَّلَفِ ﵏) كَمَا تَرَى (فَمَنْ لَهُ طَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ خَالٍ عَنْ الْوَسْوَسَةِ وَ) عَنْ (اسْتِعْدَادِهَا) بِالطَّبْعِ بِأَنْ خَلَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - طَبْعَهُ آبِيًا عَنْ قَبُولِهِ (فَلَهُ أَنْ يَتَحَرَّى) أَيْ يَطْلُبَ (الْأَقْوَى وَالْأَحْوَطَ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ بِهِ أَهَمُّ مِنْهُ كَالْجَمَاعَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ) اللِّسَانِيِّ (وَالْفِكْرِ) الْجَنَانِيِّ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَالتَّصْنِيفِ) وَيَجْتَنِبُ عَنْ الرُّخَصِ مَا أَمْكَنَ (وَأَمَّا الْمُوَسْوَسُ) مَنْ بِهِ وَسْوَسَةٌ بِالْفِعْلِ (وَالْمُسْتَعِدُّ لَهَا) أَيْ الْوَسْوَسَةِ بِالطَّبْعِ أَوْ بِمُقَارَنَةِ أَهْلِ الْوَسْوَسَةِ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الرُّخْصَةَ وَالسَّعَةَ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْهُ احْتِمَالُ الْوَسْوَسَةِ) ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْأَقْوَى وَالْأَحْوَطِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرُّخَصِ إنَّمَا يَكُونُ لِإِزَالَةِ الْوَسْوَسَةِ فَإِذَا حَصَلَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعَمَلِ بِهَا كَمَا قِيلَ [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّوَرُّع التَّكَلُّفِ فِي تَحْصِيلِ الْوَرَعِ] (الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّوَرُّعِ) التَّكَلُّفِ فِي تَحْصِيلِ الْوَرَعِ (وَالتَّوَقِّي) التَّحَفُّظِ (مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْوَظَائِفِ مِنْ الْأَوْقَافِ أَوْ) مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ مَعَ اخْتِلَاطِ) هَذَا الْمُتَوَرِّعِ مَعَ (الْجَهَلَةِ وَالْعَوَامِّ وَأَكْلِ طَعَامِهِمْ) مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْ هَؤُلَاءِ (وَهَذَا) التَّوَرُّعُ (نَاشِئٌ مِنْ الْجَهْلِ) بِحَقِيقَةِ الْحَالِ (أَوْ) مِنْ (الرِّيَاءِ) فَيَتَجَنَّبُ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَرِعٌ (فَكَمَا أَنَّ الْكَسْبَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا) كَالزَّرْعِ وَأَنْوَاعِ الْحِرَفِ (إذَا رُوعِيَ فِيهَا شَرَائِطُ الشَّرْعِ حَلَالٌ) بَلْ (طَيِّبٌ كَذَلِكَ الْوَقْفُ إذَا صَحَّ وَرُوعِيَ) فِيهِ

стр. 1165

(شَرَائِطُ الْوَقْفِ) وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوَرُّعُ الْمُتَوَرِّعِ لِلِاشْتِبَاهِ فِي صِحَّةِ أَصْلِ الْوَقْفِ، وَفِي تَحَقُّقِ شَرَائِطِهِ وَوُقُوعِهِ فِي مَصْرِفِهِ وَقَدْرِهِ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا (فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ) أَيْ فِي حَالِهِ (أَصْلًا) وَلِلْمَانِعِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: إنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ لَوْ كَانَ لِنَفْسِ ذَلِكَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُبِيحَ أَوْ يَهَبَ إلَى غَيْرِهِ بَلْ أَوْقَافُ بَيْتِ الْمَالِ مُخْتَصَّةٌ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ؛ وَلِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي شُبْهَةٍ (إذْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَقَفُوا) قِيلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَهْمِهِ مِنْ خَيْبَرَ (وَأَكَلُوا مِنْهُ) وَلَمْ يُنْقَلْ الْإِنْكَارُ مِنْهُمْ فَيَحِلُّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ (وَكَذَا بَيْتُ الْمَالِ يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مَصْرِفًا لَهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ) لِنَفْسِهِ وَخَادِمِهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَالْكُتُبِ اللَّازِمَةِ لَهُ إنْ كَانَ عَالِمًا، وَفِي الْمِنَحِ: لِكُلِّ قَارِئٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَتَا دِينَارٍ أَوْ أَلْفَا دِرْهَمٍ إنْ أَخَذَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِلَّا أَخَذَهَا فِي الْآخِرَةِ كَذَا قِيلَ فِي مَآلِ الْفَتَاوَى أَيْضًا (وَقَدْ أَخَذَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - سِوَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْهُ) أَيْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَدَمُ أَخْذِ عُثْمَانَ لِغِنَاهُ وَعَدَمِ احْتِيَاجِهِ؛ إذْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِنْدَ خَادِمِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَلَّفَ إجْبَاءً قِيمَتُهَا مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ وَبَلَغَ ثَمَنُ مَالِ الزُّبَيْرِ خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ وَتَرَكَ أَلْفَ فَرَسٍ وَأَلْفَ مَمْلُوكٍ وَخَلَّفَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَغِنَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فَكَانَتْ الدُّنْيَا فِي أَكُفِّهِمْ لَا فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّنْوِيرِ لَكِنَّهُمْ مَعَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ حُبِّهِمْ إيَّاهَا وَعَدَمِ شَغْلِ قُلُوبِهِمْ فِي وُجُوهِهَا بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمْ بَذْلُ تِلْكَ الْأَمْوَالِ إلَى الْمَحَاوِيجِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَطُرُقِ الْحَسَنَاتِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي غُزَاةِ تَبُوكَ أَحَدٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مَالُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا إلَى ثَمَانِينَ أَلْفًا (فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَكَاسِبِ فِي) أَصْلِ (الْحِلِّ وَالطِّيبِ إذَا رُوعِيَ شَرَائِطُ الشَّرْعِ وَلَا فِي الْحُرْمَةِ وَالْخُبْثِ إذَا لَمْ تُرَاعَ) شَرَائِطُهُ (بَلْ الْأَوَّلَانِ) الْوَقْفُ وَبَيْتُ الْمَالِ (أَشْبَهُ وَأَمْثَلُ فِي زَمَانِنَا) ، وَفِيهِ مَا عَرَفْت لَا سِيَّمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ إذْ جَمْعُهُ لَا يُدْرَى هَلْ هُوَ مِنْ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ أَوْ طَرِيقٍ جَبْرِيٍّ بَلْ فِي زَمَانِنَا عَلَى مَا سَمِعْنَا إنَّمَا هُوَ اسْمُ بَيْتِ الْمَالِ لَا رَسْمُهُ (إذْ أَكْثَرُ بُيُوتِ أَسْوَاقِنَا) كَبَيْعِ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ عَلَى أَنْ يُوزَنَ بِظَرْفِهِ وَيُطْرَحَ لِكُلِّ ظَرْفٍ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ (وَإِجَارَاتِهِمْ) مِثْلَ اسْتِئْجَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ لِلْحَلْبِ وَاتِّخَاذِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ بِالْبَعْضِ مِنْهَا (بَاطِلَةٌ) لَا تُفِيدُ مِلْكًا وَلَا أُجْرَةً؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ خَبِيثٌ وَاجِبُ التَّصْدِيقِ وَيَحْرُمُ التَّنَاوُلُ (أَوْ فَاسِدَةٌ) تُفِيدُ مِلْكًا خَبِيثًا وَاجِبَ التَّصَدُّقِ وَيَحْرُمُ التَّنَاوُلُ فِي الْبَيْعِ، وَأَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ وَيَكُونُ نَحْوُ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (أَوْ مَكْرُوهَةٌ) تُوجِبُ نَوْعَ خُبْثٍ

стр. 1166

(نَعَمْ الْوَرَعُ فِي الشُّبُهَاتِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَيْسَ كَالْوَرَعِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ) لِتَخْفِيفِ السَّلَفِ فِي هَذَيْنِ (بَلْ هُوَ أَهَمُّ فِي الدِّينِ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّوَقِّي مِنْ هَذَا يُفْضِي إلَى تَحَمُّلِ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِخِلَافِ أَمْرِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَاصَّةً وَلِأَنَّهُ قَرِيبٌ إلَى الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ وَسَطِيُّ الْمَسَائِلِ؛ وَلِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَهَمِّ فِي الدِّينِ (وَسِيرَةِ سَلَفِ الصَّالِحِينَ وَلَكِنْ فِي زَمَانِنَا لَا يُمْكِنُ) التَّوَرُّعُ عَنْ جَمِيعِ الشُّبُهَاتِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بَلْ إنَّمَا يُمْكِنُ الْبَعْضُ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ التَّوَرُّعُ فِي شَيْءٍ مَا؛ إذْ مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَا يُكَلَّفُ بِهِ وَلَوْ نَدْبًا لَكِنْ يَشْكُلُ إنْ أَرَدْت عَدَمَ الْإِمْكَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَشْيَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوَرَعِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُكَلَّفِ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَرَدْت بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَبَعْضِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يُمْكِنُ لِبَعْضٍ لَا يَمْتَنِعُ لِآخَرَ لِاتِّحَادِ الْكُلِّ وَاشْتِرَاكِهِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، وَأَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُ مَفْهُومِ الْوَرَعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّوَرُّعَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ، وَيُعْلَمُ الْجَوَابُ مِمَّا سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ (بَلْ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِالْقَوْلِ الْأَحْوَطِ فِي الْفَتْوَى وَهُوَ) أَيْ الْأَحْوَطُ فِيهَا (مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِ الرَّجُلِ حَلَالًا جَازَ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَمُعَامَلَتُهُ) ؛ إذْ لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ (وَإِلَّا) وَلَوْ مُسَاوِيًا (فَلَا) تُقْبَلُ هَدِيَّتُهُ وَمُعَامَلَتُهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ عِنْدَهُ حَلَالٌ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْكُلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَا سِيَّمَا فِي صُورَةِ التَّسَاوِي، وَأَيْضًا يَرِدُ مُطْلَقًا مَا قَالُوا: الْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ. (قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ قَالُوا لَيْسَ زَمَانُنَا زَمَانَ) اعْتِبَارِ (الشُّبُهَاتِ) بِالِاحْتِرَازِ وَالتَّوَقِّي (وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّقِيَ الْحَرَامَ الْمُعَايَنَ) بِالْحِسِّ أَوْ بِخَبَرِ الْعَدْلِ أَوْ الْعَدَدِ (وَكَذَا) قَالَ (صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ، وَزَمَانُهُمَا) أَيْ زَمَانُ قَاضِي خَانْ وَالْهِدَايَةِ (قَبْلَ سِتِّمِائَةٍ وَقَدْ بَلَغَ التَّارِيخُ الْيَوْمَ) أَيْ يَوْمَ تَصْنِيفِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْكِتَابَ (تِسْعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ) وَأَنَا أَقُولُ: بَلَغَ الْيَوْمَ ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ وَمِائَةً وَأَلْفًا (وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْفَسَادَ وَالتَّغَيُّرَ يَزِيدَانِ بِزِيَادَةِ الزَّمَانِ لِبُعْدِهِ عَنْ عَهْدِ النُّبُوَّةِ) لِحَدِيثِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» لَكِنْ يَشْكُلُ بِحَدِيثِ مَثَلُ «أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» وَالتَّوْفِيقُ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْأَوَّلِ بِنَيْلِ شَرَفِ قُرْبِ الْعَهْدِ وَلُزُومِ سُنَنِ الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، وَأَمَّا كَثْرَةُ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَنَيْلُ الدَّرَجَاتِ فَلَا يُدْرَى أَنَّ الْأَوَّلَ خَيْرٌ لِمَا ذُكِرَ، أَمْ آخِرُ الْأَمَةِ خَيْرٌ لِلْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَالطَّاعَةِ وَالرَّغْبَةِ مَعَ انْقِضَاءِ زَمَنِ مُشَاهَدَةِ آثَارِ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ؛ إذْ الطَّاعَةُ وَالرَّغْبَةُ يُنَافِيَانِ الْفَسَادَ وَالتَّغَيُّرَ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِإِنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَى النَّبِيِّ ﵊ خَيْرِيَّةُ الْأَوَّلِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الِاحْتِمَالِ؛ إذْ يَجُوزُ الْعَكْسُ. وَأَيْضًا مَا فِي الْفَيْضِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ «أُمَّتِي أُمَّةٌ مُبَارَكَةٌ لَا يُدْرَى أَوَّلُهَا خَيْرٌ أَمْ آخِرُهَا» مِنْ

стр. 1167

الْقَطْعِ بِخَيْرِيَّةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ نَصَرُوهُ وَآوُوهُ وَجَاهَدُوا مَعَهُ، وَعَدَمُ الدِّرَايَةِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُؤَيِّدُ الْإِشْكَالَ كَقَوْلِهِ فِيهِ أَيْضًا وَجْهُ عَدَمِ الدِّرَايَةِ تَقَارُبُ أَوْصَافِهِمْ وَتَشَابُهُ أَفْعَالِهِمْ فَلَا يَكَادُ يُمَيِّزُ النَّاظِرُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْفَضْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيُحْكَمُ بِالْخَيْرِ لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَلِذَا قِيلَ هُمْ كَالْحَلْقَةِ الْمُفْرَغَةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفُهَا وَأَيْضًا قَالَ فِي الْفَيْضِ عَنْ الْكَلَابَاذِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ، وَأَمَّا خَبَرُ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» فَخَاصٌّ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ فِي قَرْنِي كَالْعَشَرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ، وَأَمَّا سِوَاهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَاقَ لَهُمْ أَفَاضِلُ أَوَاخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَاَلَّذِينَ يَنْصُرُونَ الْمَسِيحَ وَيُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ فَهُمْ أَنْصَارُ النَّبِيِّ ﵊، وَأَيْضًا فِي الْفَيْضِ فِي شَرْحِ «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَخُونُونَ» الْحَدِيثَ. ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّحْبَ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ لَكِنْ ذَهَبَ جَمْعٌ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهِمْ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَثَلُ «أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ» الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ الْقَطْعُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَعْرَابِيٍّ جِلْفٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إلَّا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، وَلَمْ يُخَالِطْ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ عَلَى مِثْلِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا فِي حَفِيدِ السَّعْدِ عَلَى النَّوَوِيِّ أَنَّ حَدِيثَ «مَثَلُ أُمَّتِي» ضَعِيفٌ فَيَرُدُّهُ مَا فِي الْفَيْضِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ حَاصِلُهُ أَنَّهُ وَإِنْ ضَعِيفًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ بَلْ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عِنْدَ الْهَيْثَمِيِّ لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ لَهُ طَرِيقٌ يَرْتَقِي إلَى الصِّحَّةِ كَمَا أُشِيرَ أَيْضًا آنِفًا وَأَيْضًا عِنْدَ الْمُنْذِرِيِّ بِإِسْنَادٍ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ. وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَيْضًا عِنْدَ حَدِيثِ «مَثَلُ أُمَّتِي» عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ كَمَا اجْتَهَدَ الْأَوَّلُونَ فِي التَّأْسِيسِ وَالتَّمْهِيدِ اجْتَهَدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي التَّجْرِيدِ وَالتَّلْخِيصِ وَصَرَفُوا عُمُرَهُمْ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ فَكُلٌّ مَغْفُورٌ، وَسَعْيُهُ مَشْكُورٌ، وَأَجْرُهُ مَوْفُورٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَخَيْرِيَّةُ حَدِيثِ «خَيْرُ النَّاسِ» بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجْمُوعِ لَا الْأَفْرَادِ وَلَوْ سَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ فَإِنَّ حَدِيثَ «أُمَّتِي أُمَّةٌ مُبَارَكَةٌ» لَا كَلَامَ فِي صِحَّتِهِ بَلْ قَالَ فِي الْفَيْضِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ إطْلَاقَ حَدِيثِ «خَيْرُ الْقُرُونِ» مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَكْثَرِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَحَدِيثُ «مَثَلُ أُمَّتِي» بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ الْمُجْمَعِ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ: لَقَدْ أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَهُمْ الصَّحَابَةُ كُنَّا فِي جَنْبِهِمْ لُصُوصًا، وَقَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: لَوْ رَآنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَالُوا هَؤُلَاءِ لَا يُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَأَمَّا فِتَنُ نَحْوِ يَوْمِ الدَّارِ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفَسَادَاتِ يَزِيدَ وَالْحَجَّاجِ فَقَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الصَّلَاحِ فِي زَمَنِهِمْ كَمَا قِيلَ قَلِيلٌ إذَا عُدُّوا ... كَثِيرٌ إذَا شَدُّوا وَكَمَا قِيلَ أَيْضًا إنَّ الْكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلَادِ وَإِنْ ... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّوا وَإِنْ كَثُرُوا (فَالْوَرَعُ وَالتَّقْوَى فِي زَمَانِنَا فِي حِفْظِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ) مِنْ آفَاتِهَا الْمَذْكُورَةِ كُلٌّ فِي مَبَاحِثِهَا لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ حَاصِلِ مَا ذُكِرَ نَفْيُ التَّحَرُّزِ عَنْ الشُّبُهَاتِ مَا لَمْ يَعْلَمْ حُرْمَةَ الْأَكْثَرِ أَوْ الْمُسَاوَاةَ فِي أَحَدٍ وَمَا لَمْ يُعَايِنْ الْحَرَامَ وَحَصْرُ التَّحَرُّزِ وَالتَّقْوَى بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَالْكُلُّ مَنْظُورٌ فِيهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِحَدِيثِ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» الْحَدِيثَ وَقَدْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُ أَمْرِ الشَّرْعِ وَقُطْبُ الْأَحْكَامِ وَلِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» أَيْ دَعْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ إلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَرَعُ كُلُّهُ فِي تَرْكِ مَا يَرِيبُ إلَى مَا لَا يَرِيبُ، وَفِيهِ عُمُومٌ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّيبَةَ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَأَنَّ تَرْكَ الرِّيبَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَرَعٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَأَصْلٌ فِي الْوَرَعِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْيَقِينِ وَرَاحَةٌ مِنْ ظُلَمِ الشُّكُوكِ وَالْأَوْهَامِ الْمَانِعَةِ مِنْ نُورِ الْيَقِينِ وَأَيْضًا لِحَدِيثِ «الْوَرِعُ الَّذِي يَقِفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ» أَيْ يَشْتَبِهُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَوْ يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِلَا رُجْحَانٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ عَرَفْت مِمَّا ذُكِرَ أَيْضًا لَمَّا عَرَفْت الْعُمُومَ وَأَنَّ الصُّعُوبَةَ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَتْ بِأَخَفَّ مِمَّا قَبْلَهُ فَمَا وَجْهُ

стр. 1168

عَدَمِ الْإِمْكَانِ فِي ذَلِكَ دُونَ هَذَا وَالْجَوَابُ نَفْيُ الْمُصَنِّفِ رَاجِعٌ إلَى الْوُجُوبِ، وَالْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى النَّدْبِيَّةِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ وَمَعْنَى مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ لَا الْوُقُوعُ بِالْفِعْلِ أَوْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَوَامّ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْخَوَاصِّ كَالْفَتْوَى وَالتَّقْوَى وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَنْبَغِي التَّدْقِيقُ فَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِمَنْ اسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ وَتَشَابَهَتْ أَعْمَالُهُ فِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَمَّا سَأَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ أَتَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَدْ قَتَلْتُمْ الْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ أَحْمَدَ أَنْ يَكْتُبَ مِنْ مِحْبَرَتِهِ فَقَالَ: اُكْتُبْ هَذَا وَرَعٌ مُظْلِمٌ، وَقَالَ لِآخَرَ لَمْ يَبْلُغْ وَرَعِي وَلَا وَرَعُك هَذَا انْتَهَى وَلَعَلَّ تَعْزِيرَ الْوَرَعِ الْبَارِدِ فِي الْفِقْهِيَّةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِلْوَرَعِ مَرَاتِبَ الْأُولَى: وَرَعُ الْعُدُولِ وَهُوَ مَا يَحْرُمُ بِفَتَاوَى الْفُقَهَاءِ الثَّانِيَةُ: وَرَعُ الصَّالِحِينَ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ احْتِمَالِ الْحُرْمَةِ، وَإِنْ رَخَّصَ الْمُفْتِي الثَّالِثَةُ: وَرَعُ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ مَا لَا حُرْمَةَ فِيهِ بِحَسَبِ الْفَتْوَى وَلَا شُبْهَةَ فِي حِلِّهِ لَكِنْ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ الرَّابِعَةُ: وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ أَصْلًا، وَلَا يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مَا بِهِ بَأْسٌ، وَلَكِنَّهُ يُتَنَاوَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا عَلَى نِيَّةِ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوْ يَتَطَرَّقُ الْأَسْبَابَ الْمُسَهِّلَةَ لَهُ كَرَاهِيَةً أَوْ مَعْصِيَةً وَاعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَتَرَجَّحُ فِيهِ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّكِّ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ احْتِمَالُ حُرْمَةٍ يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ وَيُعَارِضُهُ أَصْلُ الْحِلِّ فَعُرُوضُ الشَّكِّ الْمُحَلِّلِ عَلَى مَا عُلِمَ حُرْمَتُهُ لَيْسَ بِمُحَلِّلٍ، وَالشَّكُّ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى مَا عُلِمَ حِلُّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَمَا إذَا طَارَ طَائِرٌ فَقَالَ وَاحِدٌ إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَقَالَ آخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَالْتَبَسَ أَمْرُ الطَّائِرِ فَلَا يُقْضَى بِالتَّحْرِيمِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الْوَرَعَ اجْتِنَابُهُمَا وَغَلَبَةُ ظَنِّ الْحِلِّيَّةِ عَلَى مَا حُرِّمَ إنْ اسْتَنَدَتْ إلَى سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَالْمُخْتَارُ الْحِلُّ وَلَكِنَّ اجْتِنَابَهُ وَرَعٌ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَغَلَبَ ظَنُّ الْحُرْمَةِ عَلَى الْحِلِّ كَذَلِكَ فَحَرَامٌ كَمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ لِعَلَامَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ ثُمَّ الشَّكَّ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ فَإِنْ مَحْصُورَيْنِ كَمَنْ تَزَوَّجَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَيْنِهَا فَتَحْرُمُ فَبِالْأَوْلَى عِنْدَ كَوْنِ الْحَلَالِ مَحْصُورًا وَالْحَرَامِ لَيْسَ بِمَحْصُورٍ، وَإِنْ دُونَ الْحَلَالِ فَيَحِلُّ كَمَا إذَا اخْتَلَطَتْ رَضِيعَةٌ بِنِسْوَةِ بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ، وَإِنْ غَيْرَ مَحْصُورَيْنِ كَحُكْمِ الْأَمْوَالِ فِي زَمَانِنَا كَمَنْ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ فَحَلَالٌ لَكِنَّ تَرْكَهُ وَرَعٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَعَ الْغَلُولُ وَاخْتَلَطَ بِالْأَمْوَالِ وَكَذَا أَثْمَانُ الْخُمُورِ فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ بَلْ الرِّبَا أَيْضًا وَمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَحَقِّقَ فِي زَمَانِنَا أَكْثَرِيَّةُ الْحَرَامِ لِكَثْرَةِ الظَّلَمَةِ أَوْ كَثْرَةِ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ أَوْ كَثْرَةِ أَيْدِي الظَّلَمَةِ فَمَدْفُوعٌ إذْ الظَّلَمَةُ كَالْجُنْدِيَّةِ وَالْمُتَغَلِّبَةِ إذَا نُسِبَتْ إلَى أَهْلِ الْعَالَمِ فَلَمْ يَبْلُغُوا عُشْرَ عُشْرِهِمْ. وَكَذَا الْمُعَامَلَاتُ فِي الْأَسْوَاقِ بِشُرُوطِ الشَّرْعِ أَكْثَرُ وَكَذَا أَهْلُ الرِّبَا وَأَمَّا كَثْرَةُ أَيْدِي الظَّلَمَةِ فَقِيلَ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَسْتَنِدُ إلَى عَلَامَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى التَّوَرُّعَ وَأَيْضًا إنْ اتَّصَلَتْ مَعْصِيَةٌ بِالْمُحَلَّلِ فَأَمَّا فِي الْقَرَائِنِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبِ فَمَكْرُوهٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَالْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ دَرَجَاتٌ تَقْرُبُ مِنْ الْحَرَامِ فَالْوَرَعُ عَنْهَا مُهِمٌّ كَالصَّيْدِ بِكَلْبٍ مَغْصُوبٍ وَدُونَهَا الِاحْتِطَابُ بِالْقَدُّومِ الْمَغْصُوبِ، وَدُونَ هَذِهِ الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ. وَأَمَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّوَاحِقِ فَأَعْلَاهَا بَيْعُ الْعِنَبِ مِنْ الْخَمَّارِ، وَبَيْعُ الْغُلَامِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ فَالْمَأْخُوذُ مَكْرُوهٌ شَدِيدٌ، وَتَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ الْمُهِمِّ وَيَلِيهَا بَيْعُ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَلَمْ يَكُنْ خَمَّارًا فَالْكَرَاهَةُ وَالْوَرَعُ فَوْقَ الْأَوَّلِ وَيَلِيهَا مَا يَكَادُ يَكُونُ مِنْ الْوَسْوَاسِ كَمَنْ لَا يُجَوِّزُ مُعَامَلَةَ الْفَلَّاحِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الطَّعَامَ مِنْ الظَّلَمَةِ، وَإِمَّا مَعْصِيَةٌ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَالْعُلْيَا مَا بَقِيَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَاوَلِ كَالْأَكْلِ مِنْ شَاةٍ رَعَتْ مِنْ مَرْعَى حَرَامٍ وَالْوُسْطَى مَا نُقِلَ عَنْ بِشْرٍ مِنْ امْتِنَاعِهِ عَمَّا يُسَاقُ مِنْ نَهْرِ الظَّلَمَةِ وَامْتِنَاعِ آخَرَ عَنْ عِنَبِ

стр. 1169

كَرْمٍ سُقِيَ بِنَهْرٍ مَذْكُورٍ، وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ ذِي النُّونِ مِنْ طَعَامٍ حَلَالٍ وَصَلَ إلَيْهِ بِيَدِ سَجَّانٍ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ جَاءَ عَلَى يَدِ ظَالِمٍ، وَالسُّفْلَى قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَسْوَاسِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ حَلَالٍ وَصَلَ إلَيْهِ عَلَى يَدِ زَانٍ أَوْ قَاذِفٍ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ شُرْبِ كُوزٍ صَنَعَهُ عَاصٍ أَوْ ضَارِبٌ أَوْ شَاتِمٌ فَوَسْوَاسٌ لَيْسَ بِوَرَعٍ، وَإِمَّا مَعْصِيَةٌ فِي الْعِوَضِ فَالْعُلْيَا أَنْ يَشْتَرِيَ طَعَامًا بِثَمَنٍ مَغْصُوبٍ أَوْ حَرَامٍ فَيُسَلِّمَهُ الْبَائِعُ بِطِيبِ الْخَاطِرِ فَيَأْكُلَهُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ فَحَلَالٌ، وَعَدَمُ الْأَكْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَا مِنْ الْوَرَعِ الْكَامِلِ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ بِقَضَاءِ الثَّمَنِ مِنْ الْحَرَامِ فَبَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يَنْقَلِبُ حَرَامًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّسْلِيمُ بِطِيبِ الْخَاطِرِ فَحَرَامٌ كَأَكْلِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الرَّهْنِ؛ إذْ لِلْمَالِكِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ لَكِنَّ حُرْمَتُهُ دُونَ حُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ. وَأَمَّا إذَا أَوْفَى الثَّمَنَ الْحَرَامَ أَوَّلًا ثُمَّ قَبَضَ فَإِنْ عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ بَطَلَ حَقُّ حَبْسِهِ وَبَقِيَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ؛ إذْ مَا أَخَذَهُ لَيْسَ بِثَمَنٍ فَأَكْلُ الْمَبِيعِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حُرْمَتَهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمَ لَا يَرْضَى وَلَا يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ فَحَقُّ حَبْسِهِ بَاقٍ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ إلَى أَنْ يُبْرِئَهُ أَوْ يُوَفِّيَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ يَرْضَى هُوَ بِالْحَرَامِ وَيُبْرِئَ فَيَصِحَّ إبْرَاؤُهُ وَلَا يَصِحُّ رِضَاهُ بِالْحَرَامِ فَالِامْتِنَاعُ مِنْ أَكْلِهِ وَرَعٌ مُهِمٌّ؛ إذْ رِضَاهُ حِينَئِذٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ، وَإِنْ جَازَ فِي الْفَتْوَى، وَالْوُسْطَى أَنْ لَا يَكُونَ الثَّمَنُ حَرَامًا لَكِنَّ الْآخِذَ يَعْنِي الْبَائِعَ يَصْرِفُهُ إلَى مَعْصِيَةٍ كَمَنْ يَجْعَلُ الثَّمَنَ عِنَبًا وَالْآخِذُ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ سَيْفًا وَهُوَ قَاطِعُ طَرِيقٍ فَلَا يَحْرُمُ حِينَئِذٍ فِي الْفَتْوَى لَكِنْ مَكْرُوهٌ فِي التَّقْوَى دُونَ الْأَوَّلِ، وَالسُّفْلَى هِيَ دَرَجَةُ الْوَسْوَاسِ كَمَا إذَا حَلَفَ إنْسَانٌ عَلَى أَنْ لَا يَلْبَسَ مِنْ غَزْلِ جَارِيَتِهِ فَبَاعَ غَزْلَهَا وَاشْتَرَى بِهِ ثَوْبًا فَهَذَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ فَوَرَعُهُ وَسْوَسَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ بِحَصْرٍ بَلْ تَقْرِيبٌ إلَى الْفَهْمِ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِدَقَائِق الْوَرَعِ إلَّا بِحَضْرَةِ عَالِمٍ، وَإِلَّا كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَدِلَّةِ فَإِنْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ فَإِنْ تَرَجَّحَ جَانِبُ الْحُرْمَةِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ الْحِلُّ فَجَائِزُ الْعَمَلِ وَالْوَرَعُ تَرْكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبٌ فَجَانِبُ الْحَظْرِ رَاجِحٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَإِنْ تَعَارَضَتْ الْعَلَامَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ كَأَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ حَلَالٌ، وَآخَرُ حَرَامٌ فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحٌ حُكِمَ بِهِ وَلِلْوَرِعِ الِاجْتِنَابُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ، وَإِنْ تَعَارَضَتْ الْأَشْبَاهُ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا مَنَاطُ الْأَحْكَامِ كَمَنْ أَوْصَى لِلْفُقَهَاءِ فَالْفَاضِلُ دَاخِلٌ قَطْعًا وَالْمُتَعَلِّمُ مُنْذُ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ غَيْرُ دَاخِلٍ قَطْعًا وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ يَقَعُ الشَّكُّ فِيهَا فَالْمُفْتِي يُفْتِي بِحَسَبِ الظَّنِّ فَلِلْوَرِعِ الِاجْتِنَابُ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَاتُ فَإِنَّ الْمُحْتَاجَ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وَالْغَنِيُّ مَنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ. وَأَمَّا مَنْ لَهُ دَارٌ، وَأَثَاثٌ وَثِيَابٌ وَكِتَابٌ فَإِنَّ مَا هُوَ قَدْرُ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُمَا، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالتَّقْرِيبِ وَنَحْوِهَا كَسَعَةِ الدَّارِ وَأَبْنِيَتِهَا وَعَدَدِ بُيُوتِهَا وَقَدْرِ قِيمَتِهَا وَمَحَلِّهَا وَجَارِهَا وَنَحْوِهَا فَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِظَنٍّ وَتَخْمِينٍ فَلِلْوَرِعِ التَّوَقُّفُ، وَالْوَجْهُ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» (وَ) أَيْضًا الْوَرَعُ فِي زَمَانِنَا (التَّحَرُّزُ عَنْ الظُّلْمِ) وَلَوْ فِي أَقَلِّ قَلِيلٍ (وَإِيذَاءِ الْغَيْرِ) لَا سِيَّمَا حَيَوَانًا (بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَوْ) كَانَ (بِالسُّؤَالِ) فِيمَا لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الشَّرْعِ (وَالِاسْتِخْدَامِ بِغَيْرِ أَجْرٍ) لَا سِيَّمَا فِي الْخِدْمَةِ الْعَزِيزَةِ (وَأَنْ يَجْعَلَ) أَيْ الْوَرِعُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَجْعَلَ (مَا فِي يَدِ كُلِّ إنْسَانٍ مِلْكًا لَهُ) بِلَا سُوءِ ظَنٍّ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِيَّةِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ) الظَّاهِرُ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُلْحَقَةٌ بِالْيَقِينِ فَالشَّكُّ وَالظَّنُّ لَا يُعْتَبَرَانِ (كَوْنُهُ بِعَيْنِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَسْرُوقًا) وَيَلْحَقُهُ نَحْوُ الرِّبَا وَالرِّشَا (وَإِنْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ فِي مَالِهِ حَرَامًا قَالَ) فِي حَقِّهِ (فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ أَنَّ فَقِيرًا) وَكَذَا الْغَنِيُّ (يَأْخُذُ جَائِزَةَ السُّلْطَانِ) أَيْ عَطِيَّتَهُ (مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ يَأْخُذُهَا غَصْبًا أَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ خَلَطَ الدَّرَاهِمَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ (فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) وَالتَّوَقِّي أَفْضَلُ (وَإِنْ) (دَفَعَ عَيْنَ الْغَصْبِ) أَيْ الْمَغْصُوبَ (مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ) (لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: ﵀ هَذَا الْجَوَابُ يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ إذَا غَصَبَ دَرَاهِمَ

стр. 1170

مِنْ قَوْمٍ وَخَلَطَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ) قِيلَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَلْطُ نَاشِئًا مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي وَإِلَّا فَلَا يَمْلِكُ عِنْدَهُ أَيْضًا كَمَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِالْإِرْثِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ غَصَبَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ وَعَشَرَةً مِنْ آخَرَ فَوَضَعَهُمَا فِي مَكَانِ بَعْدَ جَعْلِهِمَا فِي كِيسٍ عَلَى حِدَةٍ فَوَقَعَ الْخَلْطُ بِانْشِقَاقِ الْكِيسِ لَا يَمْلِكُ بَلْ يَبْقَى بِلَا مِلْكٍ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ خَلْطٌ بَعْدَهُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَغْصُوبِ طَيِّبًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ رِوَايَةٌ مَشْهُورَةٌ طَيِّبٌ أَيْضًا، وَفِي أُخْرَى خَبِيثٌ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَيَحْرُمُ التَّنَاوُلُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْبَدَلَيْنِ لِكَوْنِهِ ضَامِنًا وَهُوَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرْعِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ إذَا أَكَلَ عَيْنَ الْغَصْبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَأْكُلُ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ بِالْمَضْغِ فَيَصِيرُ مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الِابْتِلَاعِ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِهَذَا كَيْ لَا يَتَجَاسَرَ الْغَاصِبُ وَالظَّلَمَةُ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَهَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُسْتَهْلَكَ يَكُونُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ صَالَحَ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَلَى أَضْعَافِ قِيمَتِهِ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ جَازَ عِنْدَهُ (وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:) (السُّلْطَانُ) الْجَائِرُ (إذَا قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ إنْ اشْتَرَاهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ وَلَكِنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِي الطَّعَامِ شَيْئًا مَغْصُوبًا بِعَيْنِهِ يُبَاحُ أَكْلُهُ انْتَهَى) وَفِي مِفْتَاحِ الْعُلُومِ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ فَهُوَ حَرَامٌ مَحْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِيهِ خِلَافٌ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَرَامُ فِيهِ غَالِبٌ فَلَا يَجُوزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَا لَا أَتَيَقَّنُ بِحُرْمَتِهِ فَلِي أَنْ آخُذَهُ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ الْغَالِبُ حَرَامًا فَحَرَامٌ، وَإِنْ حَلَالًا فَمَوْضِعُ تَوَقُّفِنَا، وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَخْذِ بَعْضٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ مَرْوَانَ وَيَزِيدَ، وَمِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمِنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الرَّشِيدِ أَلْفَ دِينَارٍ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَخَذَ مَالِكٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَمْوَالًا جَمَّةً وَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَقْبَلَانِ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ وَأَمَّا امْتِنَاعُ آخَرِينَ فَيَدُلُّ عَلَى الْوَرَعِ دُونَ الْحُرْمَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآخِذِينَ أَكْثَرُ مِنْ الْمُمْتَنِعِينَ فَإِنْ وُجِّهَ الرَّدُّ بِالْوَرَعِ فَكَذَا الْأَخْذُ يُوَجَّهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ إذْ الِاحْتِمَالَاتُ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا وَهُوَ أَشَدُّ الْوَرَعِ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا عَلِمَ حِلَّهُ وَهُوَ مَحْمَلُ مَا أَخَذَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ فَإِنَّهُ مَالٌ لَا يَتَعَيَّنُ مَالِكُهُ، وَالسُّلْطَانُ لَا يَصْرِفُهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَخْذُهُ وَتَفْرِيقُهُ أَوْلَى، وَهَذَا مَحْمَلُ مَا أَخَذَهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَلَالٌ وَيُنْفِقُ كَمَا فِي أَكْثَرِ خُلَفَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ خُذْ مَا أَعْطَاك السُّلْطَانُ فَإِنَّ مَا تَأْخُذُهُ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ وَأَمَّا مَالُ سَلَاطِينِ زَمَانِنَا فَإِمَّا حَرَامٌ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِي عَصْرِ السَّلَفِ إذْلَالٌ وَسُؤَالٌ وَلَا هُمْ يَسْكُتُونَ عَنْ الْحَقِّ لِأَجْلِ عَطَائِهِمْ، وَفِي زَمَانِنَا عَلَى الْعَكْسِ فَيُؤَدِّي الْقَبُولُ إلَى الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ (وَهَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ وَزَادَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ) وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِمِثْلِهِ وَلَمْ يُوجَدْ هَا هُنَا إلَّا غَلَبَةُ الظَّنِّ فَلَمْ يَجِبْ الِاحْتِرَازُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِ الْوَالِي لِيَكُونَ تَغَيُّرًا عَلَى الْغَاصِبِ، وَسُئِلَ عَنْ الْأَكْلِ مِنْ طَعَامِ السُّلْطَانِ وَالظَّلَمَةِ وَأَخْذُ الْجَائِزَاتِ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى عِنْدَ الْأَخْذِ وَالْأَكْلِ فَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ حَلَالٌ يَأْخُذُ وَيَتَنَاوَلُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَأْخُذُ جَائِزَةَ السُّلْطَانِ، وَكَانَ يَسْتَقْرِضُ جَمِيعَ حَوَائِجِهِ، وَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْجَائِزَةِ كَانَ يَقْتَضِي بِهَا دَيْنَهُ وَالْحِيلَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا ثُمَّ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ مِنْ أَيِّ مَالٍ أَحَبَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الْحِيلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا فَأَجَابَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِطَعَامِ السُّلْطَانِ أَوْ الظَّلَمَةِ يَتَحَرَّى إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ حِلُّهُ قَبِلَهُ وَإِلَّا فَلَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ» الْحَدِيثَ، وَجَوَابُ الْإِمَامِ فِيمَنْ بِهِ وَرَعٌ وَصَفَاءُ قَلْبٍ يَنْظُرُ

стр. 1171

بِنُورِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيُدْرِكُ بِالْفِرَاسَةِ قَالَ: مَا أَكَلْت طَعَامًا حَرَامًا قَطُّ فَإِنَّهُ مَا قُدِّمَ إلَيَّ إلَّا، وَقَدْ شَهِدْت بِحِلِّهِ (وَفِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْ السُّلْطَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْ الْحَرَامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ) مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْ الْحَلَالِ لِكَوْنِ مَا فِي يَدِهِ حَرَامًا فِي الْعَادَةِ (أَمَّا مَنْ أَجَازَهُ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ السُّلْطَانَ) الْجَائِرَ (يُصِيبُ مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَمَا أَعْطَاك فَخُذْ فَإِنَّمَا يُعْطِي مِنْ الْحَلَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْخَلْطِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (وَرَوَى عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَلْيَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى» فِي الْحَاشِيَةِ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ تَعُمُّ جَائِزَةَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي هُوَ مُتَيَقِّنُ الْحُرْمَةِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ فَإِذَا خَصَّ الْبَعْضَ يَكُونُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ فِي الْبَاقِي انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّ النَّكِرَةَ فِي الْإِثْبَاتِ لَيْسَ لَهَا عُمُومٌ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ الْعَقْلُ كَتَخْصِيصِ الْعَقْلِ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ مِنْ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ مِنْ قَبِيلِ مَعْلُومِيَّةِ الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ فَحِينَئِذٍ قَطْعِيٌّ فِي الْبَاقِي وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَطْلَبُ ظَنِّيٌّ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ (وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْأَخْذِ مِنْ الْأُمَرَاءِ) مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحُرْمَةَ (وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت هَدَايَا الْمُخْتَارِ) هُوَ مَلِكٌ مَشْهُورٌ بِالظُّلْمِ وَالْجَوْرِ فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِ حَتَّى ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ بِمُلَاحَظَةِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْأَخْذِ (تَأْتِي إلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَيَقْبَلَانِهَا وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ خَرَجَ إلَى زُهَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ وَكَانَ) زُهَيْرٌ (عَامِلًا عَلَى حُلْوَانٍ) حَالَ كَوْنِهِ (يَطْلُبُ جَائِرَتَهُ) أَيْ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (هُوَ وَأَبُو ذَرٍّ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهِ) بِالْجَوَازِ (نَأْخُذُ مَا لَمْ نَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ عَطَائِهِ حَرَامًا بِعَيْنِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) لَا فِعْلُهُ وَعَمَلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْتِي، وَلَا يَعْمَلُ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَأَفْتَيَا بِالْجَوَازِ، وَأَخَذَا مِنْهُ (انْتَهَى) (وَهَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَزَادَ) فِيهِ (وَأَصْحَابُهُ بَعْدَ) ذِكْرِ (أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَعَلَّك) لَمَّا ادَّعَى الْمُصَنِّفُ عَدَمَ إمْكَانِ الْوَرَعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْجَمِيعِ وَأَثْبَتَهُ بِبُرْهَانٍ إنِّيٍّ أَرَادَ إثْبَاتَهُ بِبُرْهَانٍ لَمِّيٍّ فَقَالَ (وَلَعَلَّك يَخْتَلِجُ

стр. 1172

فِي قَلْبِك مَا سَبَبُ امْتِنَاعِ الْوَرَعِ عَنْ الشُّبُهَاتِ، وَالْأَخْذِ بِالْقَوْلِ الْأَحْوَطِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَنَقُولُ: سَبَبُهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الْأَوَّلُ غَلَبَةُ الْجَهْلِ عَلَى التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ وَالشُّرَكَاءِ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ) أَيْ رَأْسِ الْمَالِ (أَوْ الْغَلَّةِ) أَيْ الْمُضَارَبَةِ مَثَلًا (فَلَا يُرَاعُونَ شَرَائِطَ الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ فَتَفْسُدُ أَوْ تَبْطُلُ أَوْ تُكْرَهُ فَيَكُونُ مَسْكُوبُهُمْ حَرَامًا) فِي الْبَاطِلِ (أَوْ خَبِيثًا) فِي الْفَاسِدِ وَالْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ خُبْثٍ فِيهِ بَحْثٌ مِيزَانِيٌّ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ فِي عُمُومِ الْأَزْمَانِ بِعُمُومِ التِّجَارَاتِ يَعْنِي الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ فَظَاهِرٌ أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، وَأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّنَا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، وَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِالِامْتِنَاعِ بَلْ الْجَوَازَ بَلْ الْوُقُوعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ، وَأَنْتَ لَوْ أَنْصَفْتَ وَجَرَّبْتَ لَوَجَدْت كَثِيرًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ التِّجَارَاتِ، وَعَامِلًا بِهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْأَصْلَ إذَا كَانَ يَقِينِيًّا فَلَا يُغَيِّرُهُ إلَّا يَقِينٌ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْ. (وَالثَّانِي غَلَبَةُ الظُّلْمِ مِنْ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالتَّزْوِيرِ وَنَحْوِهَا) كَالرِّبَا لَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ النَّظَرَ السَّابِقَ. (الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: أَنَّ قِوَامَ الْبَدَنِ وَانْتِظَامَ الْمَعَاشِ بِالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ) مِنْ الْفَوَاكِهِ (وَالْغَالِبُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الدَّرَاهِمُ، وَقَدْ صَغَّرُوهَا حَتَّى لَا يَبْلُغَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا وَزْنَ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ وَالطَّامِعُونَ) مِنْ الطَّمَعِ (مِنْ أَخِسَّاءَ) كَصَحِيحٍ وَأَصِحَّاءَ (الْفَسَقَةِ وَالْكَفَرَةِ يَقْطَعُونَهَا حَتَّى صَارَ الْمَقْطُوعُ فِي الدَّرَاهِمِ غَالِبًا عَلَى غَيْرِهِ وَجَعَلُوهَا) أَيْ الدَّرَاهِمَ (مِنْ الْمَعْدُودَاتِ فِي التَّبَايُعِ وَالِاسْتِقْرَاضِ) وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِوَزْنِهَا قَلَّ أَوْ جَلَّ (وَهَجَرُوا وَزْنَهَا) الْمُعْتَدَّ بِهِ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ كَمَا قَالَ (وَالْفِضَّةُ وَزْنِيَّةٌ أَبَدًا) كَالذَّهَبِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ (لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَزْنِيَّتِهَا (فَلَا يَتَبَدَّلُ بِالْعُرْفِ) إذْ الْعُرْفُ لَا يُغَيِّرُ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ كَمَا قَالُوا: الرَّأْيُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاسْتِلْزَامِ نَسْخِ النَّصِّ بِالْعَادَةِ فَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَقَعْ نَصٌّ مِنْ الشَّارِعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ بِتَقْدِيمِ الْعُرْفِ عَلَى الشَّرْعِ فِي الْأَيْمَانِ مَثَلًا فَمِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمَجَازِيِّ بِقَرِينَةِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ (إذْ شَرْطُ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْعُرْفِ (عَدَمُ النَّصِّ) وَهَا هُنَا مَوْجُودٌ فَإِنْ قِيلَ: اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ النَّصِّ بَلْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ قُلْت: قَالَ فِي الْأَشْبَاهُ أَيْضًا عَنْ الْعَلَاءِ: لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ أَصْلًا، وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الدَّرَاهِمِ وَزْنِيَّةً أَبَدًا (مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَرِوَايَةٌ ظَاهِرَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فَقَطْ مُطْلَقًا) وُجِدَ فِي خِلَافِهِ نَصٌّ أَوْ لَا بِشَرْطِ كَوْنِ الْعُرْفِ مَبْدَأً وَسَبَبًا لِنَصِّ الشَّارِعِ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ

стр. 1173

عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ الْعُرْفِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَاقِلِ فَكَيْفَ مِنْ أَبِي يُوسُفَ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ لَا يَخْفَى بِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كَوْنُهُ فِي خِلَافِ النَّصِّ رَسْمًا مُجَرَّدًا؛ إذْ مَرْجِعُهُ نَصٌّ أَيْضًا قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي قَوْلِهِ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ عَنْ إجَازَةِ الظَّهِيرِيَّةِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ فِي كَوْنِهِ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا، وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَى كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعُرْفِ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَالَ - بُعَيْدُ مَسْأَلَةٍ -: وَهَذَا ضَعِيفٌ وَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ بِخِلَافِ نَصٍّ لَا يُعْتَبَرُ (فَإِذَا كَانَتْ) الْفِضَّةُ (وَزْنِيَّةً أَبَدًا) وَافَقَ الْعُرْفُ أَوْ خَالَفَ (وَيَلْزَمُ بَيَانُ وَزْنِهَا فِي التَّبَايُعِ وَالِاسْتِقْرَاضِ) لَكِنْ لَوْ كَانَ مَوْزُونًا عِنْدَ ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَمَا فِي زَمَانِنَا فَالظَّاهِرُ كِفَايَةُ الْعَدَدِ الْمَحْضِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ عُمُومُ الْبَلْوَى (لِأَنَّ بَيَانَ مِقْدَارِ الثَّمَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُشَارًا إلَيْهِ) كَبِعْتُ هَذَا التَّمْرَ (شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ) كَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الثَّمَنِ مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ (وَمِقْدَارُ الْوَزْنِيِّ لَا يُعْلَمُ بِالْعَدَدِ كَالْعَكْسِ) أَيْ كَمَا أَنَّ مِقْدَارَ الْعَدَدِيِّ لَا يُعْلَمُ بِالْوَزْنِ، وَلَوْ كَانَ أُفْرِدَ الْمَعْدُودُ عَلَى الْوَزْنِ عِنْدَ الضَّرْبِ وَالصَّوْغِ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا فِيهِ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ سِيَّمَا فِيمَا عَمَّتْ فِيهِ الْبَلْوَى الْمُقْتَضِيَةُ فَسَادَ بُيُوعَاتِ الْعَوَامّ وَالْخَوَاصِّ وَخُبْثَ تِجَارَاتِهِمْ فَافْهَمْ (فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ وَزْنَهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَالِاسْتِقْرَاضُ وَالْإِجَارَةُ وَنَحْوُهَا وَلَا مُخَلِّصَ وَلَا حِيلَةَ فِي هَذَا إلَّا التَّمَسُّكُ بِالرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀) وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالْأَقْوَالِ الصَّحِيحَةِ لَا سِيَّمَا بِالْإِجْمَاعِ اللَّازِمِ بِمَعِيَّةِ الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ مَعَهُمَا وَإِذَا عَرَفْت مَا سَبَقَ آنِفًا فَاعْرِفْ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَعَنْ الثَّانِي اعْتِبَارُ الْعُرْفِ مُطْلَقًا وَرَجَّحَهُ الْكَمَالُ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ سَعْدِيٌّ أَفَنْدِي اسْتِقْرَاضَ الدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَبَيْعَ الدَّقِيقِ وَزْنًا فِي زَمَانِنَا، وَفِي الْكَافِي الْفَتْوَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ ثُمَّ قَالَ أَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي مُصَنِّفَ مَتْنِ الدَّارِيِّ التَّنْوِيرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ ضَعِيفًا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَرَاجِحٌ فِي الْعَمَلِ وَالْمُفْتَى بِهِ (وَأَمْرُ الْأَرَاضِيِ) الَّتِي تَتَحَصَّلُ مِنْهَا الْحُبُوبُ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الرَّابِعُ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِيمَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحُبُوبُ ظَاهِرُهُ الِاسْتِغْرَاقُ لِعَدَمِ الْعَهْدِ لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ الْأَرَاضِيِ (فِي زَمَانِنَا) الْعُشْرِيَّةَ وَالْخَرَاجِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَثِيرًا فِي دِيَارِنَا، وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ قَوْلِهِ: فِي زَمَانِنَا فِي دِيَارِنَا فَبَعْدَ التَّسْلِيمِ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ؛ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ سَوْقِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْأَمْكِنَةِ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي دِيَارِ الرُّومِ وَهِيَ دِيَارُ الْمُصَنِّفِ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ أَوْ الْخَرَاجِيَّةُ الْمُنْتَقِلَةُ إلَى الْوَرَثَةِ مُطْلَقًا وَيَجْرِي عَلَيْهِ تَمَامُ أَحْكَامِ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ اللَّامِ الْجِنْسُ بِدَلَالَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ

стр. 1174

(مُشَوَّشٌ جِدًّا إذْ أَصْحَابُهَا يَتَصَرَّفُونَ) حَاصِلُهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَرَاضِيَ إمَّا مَمْلُوكَةٌ لِمُتَصَرِّفِيهَا أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ، الْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي بَاطِلٌ فَالتَّشْوِيشُ فِيهَا ثَابِتٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ. (فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ مِنْ الْبَيْعِ) الشَّائِعِ فِي دِيَارِنَا وَالْوَاقِعِ فِي الْقَوَانِينِ السُّلْطَانِيَّةِ هُوَ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ لَا الْبَيْعِ بَلْ صَرَّحَ فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّصَرُّفُ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْإِرْثِ (وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهَا) إذْ أَمْثَالُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَا تَجْرِي فِي غَيْرِ الْمِلْكِ (وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا مِنْ الْمُوَظَّفَةِ) بَيَانٌ لِلْخَرَاجِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّوْهُ رَسْمَ زَمِينٍ، وَالْمُقَاسَمَةُ يُقَالُ لَهَا فِي زَمَانِنَا الْعُشْرُ (وَالْمُقَاسَمَةُ) مَا يَكُونُ الْوَاجِبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْخَارِجِ كَالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ، وَهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ، وَالْمُوَظَّفُ مَا يَكُونُ الْوَاجِبُ شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ تَمَكُّنِ الزِّرَاعَةِ (إلَى الْمُقَاتِلَةِ) أَيْ الْغُزَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِ يُؤَدُّونَ (أَوْ) لِطَائِفَةٍ (غَيْرِهَا) مِنْ الْمَصَارِيفِ غَالِبًا (مِمَّنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ) وَكُلُّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَصَرُّفُ الْمُلَّاكِ فَيَقْتَضِي الْمِلْكِيَّةَ (إلَّا أَنَّهُمْ إذَا بَاعُوا أَخَذَ بَعْضَ الثَّمَنِ مَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ) . وَجَمِيعُ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ يَقْتَضِي عَدَمَهَا فَيُشَوِّشُ (لِأَخْذِ الْخَرَاجِ) هُوَ مَنْ سَمَّوْهُ " بِالسَّبَاهِي " غَالِبًا وَسَمَّوْا مَا أَخَذَهُ حَقَّ الْقَرَارِ (فَإِذَا مَاتُوا) أَيْ أَصْحَابُ الْأَرَاضِي (فَإِنْ تَرَكُوا أَوْلَادًا ذُكُورًا يَرِثُونَهَا فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ) وَمُقْتَضَى الْمِلْكِ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ لَكِنْ يَقُولُونَ إنَّهُ انْتِقَالٌ عَادِيٌّ لَا إرْثِيٌّ، وَفِي قَوْلِهِ فَإِذَا مَاتُوا بِصِيغَةِ الذُّكُورِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ ذَلِكَ عِنْدَ فَوْتِ الْإِنَاثِ مِنْ الْمُتَصَرِّفَاتِ (وَلَا يَقْضِي مِنْهَا) أَيْ مِنْ ثَمَنِ تِلْكَ الْأَرَاضِي (دُيُونَهُ وَلَا تَنْفُذُ وَصَايَاهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوا أَوْلَادًا ذُكُورًا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ أَوْلَادٌ أَصْلًا أَوْ يَكُونَ إنَاثٌ فَقَطْ (فَيَبِيعُهَا مَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ) الْغُزَاةَ مَثَلًا لَكِنْ لَا بِتَمَامِ الْقِيمَةِ، وَلَا لِمَنْ شَاءَ بَلْ لِأَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ ثُمَّ لِلْإِخْوَةِ ثُمَّ لِلْأَخَوَاتِ ثُمَّ وَثُمَّ عَلَى مَا رَتَّبُوا فِي قَوَانِينِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْدٌ مِنْ جِنْسِ مَنْ سَمَّوْهُ بِأَرْبَابِ الطَّابُو فَيَبِيعُونَ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ لِمَنْ شَاءُوا (فَإِذَا اعْتَبَرْنَا الْيَدَ. وَقُلْنَا: إنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لِذِي الْيَدِ) ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ (يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا لِكُلِّ الْوَرَثَةِ) مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ (بَعْدَ أَنْ يُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَيُنَفَّذَ وَصَايَاهُ فَحِرْمَانُ مَا عَدَا الْأَوْلَادَ الذُّكُورَ، وَعَدَمُ الْقَضَاءِ وَالتَّنْفِيذِ ظُلْمٌ) إذْ الْفَرْضُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمِلْكِ (وَتَصَرُّفُهُمْ) مُبْتَدَأٌ وَبَيَانُ كَوْنِهِ ظُلْمًا أَيْ تَصَرُّفُ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ (فِيهَا) فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ (وَتَصَرُّفُ مَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ تَصَرُّفٌ) خَبَرُهُ (فِي مِلْكِ الْغَيْرِ) إذْ الْمِلْكُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالذُّكُورِ فِي الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِمَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ عَلَاقَةٌ فِي الثَّانِي (فَيَكُونُ الْحَاصِلُ مِنْهَا خَبِيثًا) لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَبَاثَتِهِ مَا (قَالَ فِي التتارخانية رَجُلٌ غَصَبَ أَرْضًا فَأَجَّرَهَا وَأَخَذَ غَلَّتَهَا أَوْ زَرَعَ الْأَرْضَ كِرَاءً) مِنْ الْحَبَّةِ (فَخَرَجَ مِنْهُ

стр. 1175

ثَلَاثَةُ أَكْرَارٍ يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ) أَعْنِي (الْكُرَّ وَيَتَصَدَّقُ بِالْغَلَّةِ) فِي صُورَةِ الْإِجَارَةِ (وَالْكُرَّيْنِ) فِي صُورَةِ الزَّرْعِ (وَيَضْمَنُ النُّقْصَانَ) مِنْ الزِّرَاعَةِ لِرَبِّ الْأَرْضِ إنْ نَقَصَ (وَهَذَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا انْتَهَى) فَلَوْ فُرِضَ كَوْنُ تِلْكَ الْأَرَاضِي مِلْكًا لِمُتَصَرِّفِيهِمْ، وَمَنَعَ غَيْرَ الذَّكَرِ مِنْ الْأَوْلَادِ، وَمِنْ مُطْلَقِ الْوَرَثَةِ فَيَكُونُ غَصْبًا. وَحُكْمُ الْغَصْبِ مَا سَمِعْت مِنْ التتارخانية مِنْ الْخَبَاثَةِ فِي الْمَحْصُولِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَيَكُونُ أَخْذُ بَعْضِ الثَّمَنِ) عِنْدَ الْبَيْعِ (أَوْ كُلِّهِ) عِنْدَ مَوْتِ الْمُتَصَرِّفِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَكَرٌ (فِي الْبَيْعِ حَرَامًا لِمَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ) يَعْنِي إذَا بَاعَ الْأَرَاضِيَ صَاحِبُهَا أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ وَرَثَةً لَيْسَ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَكَذَا بَيْعُ الذُّكُورِ أَيْضًا فِي حَقِّ حِصَّةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْوَرَثَةِ فَتَأَمَّلْ (وَبِمُرُورِ الْأَزْمَانِ) وَتَدَاوُلِ السِّنِينَ (تَخْرُجُ الْأَرَاضِي أَوْ أَكْثَرُهَا عَنْ مِلْكِ ذِي الْيَدِ بِالْكُلِّيَّةِ) لِكَوْنِ الْمَالِكِ الْأَصْلِيِّ نَسْيًا مَنْسِيًّا (وَفِيهِ) أَيْ فِي اعْتِبَارِ ذِي الْيَدِ (فَسَادٌ عَظِيمٌ) وَقِيلَ إلَى خُرُوجِ الْأَرْضِ مِنْ مِلْكِ ذِي الْيَدِ الْمَدْلُولِ لَا بِاقْتِضَاءِ إذْنٍ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ مِنْ وُجُوهٍ: حِرْمَانُ مَا عَدَا الذُّكُورَ، وَعَدَمُ قَضَاءِ الدُّيُونِ وَالتَّنْفِيذُ وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَأَخْذُ بَعْضِ الثَّمَنِ أَوْ كُلِّهِ فِي حَالِ الْبَيْعِ لِمَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ وَكَذَا يَلْزَمُ الضَّرَرُ لِعَامَّةِ النَّاسِ لَا كُلِّهِمْ خَبِيثًا عَلَى الدَّوَامِ (وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْأَرَاضِيَ) كَأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقُلْنَا إنَّ الْأَرَاضِيَ مِلْكٌ إلَى آخِرِهِ (لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لِأَصْحَابِهَا، وَرَقَبَتُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ؛ إذْ الْمَعْهُودُ فِي زَمَانِنَا، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَزْمِنَةِ (مِمَّا يَعْرِفُهُ آبَاؤُنَا وَأَجْدَادُنَا أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً لَا يُقَسِّمُ أَرَاضِيهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَهَذَا جَائِزٌ؛ إذْ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِسْمَةِ) لِلْغَانِمِينَ. (وَ) بَيْنَ (الْإِبْقَاءِ) مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ (لِلْمُسْلِمِينَ) يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِهَا (إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فِي التتارخانية عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَسَّمَ الْكُلَّ وَتَرَكَ الْأَرْضِينَ وَجَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ شَاءَ نَقَلَ إلَيْهَا قَوْمًا آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَعَلَهَا خَرَاجِيَّةً مِنْ خَرَاجِ مُقَاسَمَةٍ أَوْ مُوَظَّفَةٍ لِيَصْرِفَ خَرَاجَهَا إلَى الْمُقَاتِلَةِ انْتَهَى. (بِوَضْعِ الْخَرَاجِ) عَلَيْهَا الْمُوَظَّفَةِ أَوَالْمُقَاسَمَةِ عَلَى رِقَابِهَا، وَعَنْ قَاضِي خَانْ أَيْضًا الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَ الْأَرَاضِيَ فِي أَيْدِيهِمْ عِنْدَنَا، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ وَالْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَتَمَامُهُ فِيهَا (وَيَكُونُ تَصَرُّفُ ذِي الْيَدِ)

стр. 1176

عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ (فِيهَا بِأَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ) اللَّذَيْنِ أُشِيرَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (قَالَ فِي التتارخانية السُّلْطَانُ إذَا دَفَعَ أَرَاضِيَ لَا مَالِكَ لَهَا) بِأَنْ لَا تُمْلَكَ لِأَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِطَرِيقِ الْخَرَاجِيَّةِ أَوْ الْعُشْرِيَّةِ (وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى أَرَاضِيَ الْمَمْلَكَةِ) وَالْأَرَاضِيَ الْأَمِيرِيَّةُ لِتَعَلُّقِ أُمُورِهَا بِالْأَمِيرِ أَوْ الْأَرْضَ الْمِيرِيَّةَ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ (إلَى قَوْمٍ) الظَّاهِرُ دُونَ الْمُقَاتِلَةِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً أَوْ عُشْرِيَّةً (لِيُعْطُوا الْخَرَاجَ جَازَ) مُوَظَّفًا كَمَا سَمَّوْهُ فِي دِيَارِنَا بِرَسْمِ زَمِينٍ أَوْ رَسْمِ جَفَّتْ أَوْ مُقَاسَمَةً وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْعُشْرِ سَوَاءٌ كَانَ ثُمُنًا كَمَا فِي بَعْضِ الدِّيَارِ أَوْ عُشْرًا كَمَا فِي أُخْرَى أَوْ نِصْفًا كَمَا فِي بَعْضِ الْأَرَاضِي (وَطَرِيقُ الْجَوَازِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ إمَّا إقَامَتُهُمْ) أَيْ لِقَوْمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ (مَقَامَ الْمُلَّاكِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَإِعْطَاءُ الْخَرَاجِ) إلَى الْمَصَارِفِ كَالْمُقَاتِلَةِ لَعَلَّ الْكَلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، أَوْ يُرَادُ مِنْ الْخَرَاجِ مَا يَعُمُّ الْعُشْرَ، وَإِلَّا فَالْإِقَامَةُ مَقَامَ الْمِلْكِ لَا تُوجِبُ كَوْنَ الْمِلْكِ مُخْتَصًّا بِالْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ بَلْ الْعُشْرِيَّةُ كَذَلِكَ لَكِنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ كَمَا تَرَى، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَصْرِيحِ أَبِي السُّعُودِ مِنْ أَنَّ رَقَبَةَ أَرْضِ الْمَمْلَكَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ تَصَرُّفُهَا مُفَوَّضٌ إلَى الرَّعَايَا يُعْطُونَ خَرَاجَهَا مُوَظَّفَهَا عَلَى رَسْمِ جَفَّتْ وَخَرَاجَ مُقَاسَمَتِهَا بِاسْمِ الْعُشْرِ وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الشَّيْئَيْنِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ الْإِجَارَةُ) فَعَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إمَّا إقَامَتُهُمْ فَالْمُؤَجِّرُ هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ وُكَلَاؤُهُ، وَالْأُجْرَةُ (بِقَدْرِ الْخَرَاجِ) أَيْ مَحْصُولِ الْأَرْضِ أَيْ عَلَى طَاقَةِ الْأَرْضِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ بَيَانَ الْمُدَّةِ شَرْطٌ فِي الْإِجَارَةِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَاللَّازِمُ فِي الْإِجَازَةِ الْفَاسِدَةِ هُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ إطْلَاقُ مُطْلَقِ الْجَوَازِ. وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ بِمُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ بَلْ إنْ زَرَعَ فَأَصَابَتْ الزَّرْعَ آفَةٌ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، فَأَصَابَتْ الزَّرْعَ آفَةٌ فَهَلَكَ، أَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ، وَلَمْ تُنْبِتْ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ تَامًّا ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَبَضَ الْأَرْضَ، وَلَمْ يَزْرَعْهَا حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُ الْأَجْرِ، وَالشَّائِعُ فِي زَمَانِنَا عَدَمُ الْأَجْرِ عِنْدَ عَدَمِ الزَّرْعِ وَلَوْ صَلَحَتْ الْأَرْضُ لِلزِّرَاعَةِ نَعَمْ يَأْخُذُونَ رَسْمَ الزَّمِينِ مُطْلَقًا (وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ خَرَاجًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ أُجْرَةً فِي حَقِّهِمْ انْتَهَى) فَيَصْرِفُهُ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ فَلَا يُصْرَفُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْخَرَاجِ إلَيْهِ فَمَا فِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ عَنْ أَبِي السُّعُودِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ جَوَازِ أَيِّ مَحَلٍّ أَرَادَ فَمَحَلُّ خَفَاءٍ (فَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ) مِنْ إقَامَةِ الْمُلَّاكِ وَالْإِجَارَةِ (لَا يَجْرِي فِيهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالشُّفْعَةُ وَالْوَقْفُ وَالْإِرْثُ وَنَحْوُهَا) مِنْ الرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْإِعَارَةِ (أَمَّا عَلَى) الْوَجْهِ (الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ إقَامَتَهُمْ مَقَامَ الْمُلَّاكِ لِضَرُورَةِ صِيَانَةِ حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ عَنْ الضَّيَاعِ أَعْنِي الْخَرَاجَ) تَفْسِيرٌ لِلْحَقِّ (فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا) ؛ إذْ الضَّرُورَةُ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا يَرِدُ عَلَيْهِ إرْثُ الذُّكُورِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى: الْمَانِعُ مِنْ الْإِنَاثِ عَدَمُ اقْتِدَارِهِنَّ عَلَى التَّصَرُّفِ بِأَنْفُسِهِنَّ فَفِيهِ مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ لَكِنْ إذَا قِيلَ أَمَّا الْمُقِيمُ أَيْ السُّلْطَانُ إذَا أَقَامَ هَكَذَا يَعْنِي بِإِقَامَةِ الْآبَاءِ ابْتِدَاءً وَالْأَوْلَادِ الذُّكُورِ بَعْدَ انْتِقَالِهِمْ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ لَكِنْ يَرِدُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ تَجُوزَ إقَامَتُهُمْ فِي حَقِّ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَظَاهِرُ سَوْقِهِ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ لَعَلَّ الْحَقَّ جَوَازُ كُلِّ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ إنْ رَأَى ذَلِكَ لِمَا فِي الْفَتَاوَى الزَّيْنِيَّةِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ لِلْإِمَامِ بَيْعَ عَقَارِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُطْلَقًا وَعَلَى الْمُفْتَى بِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ ثُمَّ ظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَامَّةً، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ

стр. 1177

فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِاعْتِيَاضُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ الْعَامِّ جَائِزٌ مِنْ الْإِمَامِ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صَحَّ بَيْعُهُ انْتَهَى فَقَوْلُهُ شَيْئًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ الْمَنْقُولَ وَغَيْرَهُ كَالْعَقَارِ وَالدُّورِ وَالْأَرَاضِي لِحَاجَةٍ أَوْ لَا انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْنِيَّةِ مُلَخَّصًا، وَكَذَا فِي الْأَشْبَاهِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْأَرَاضِي الَّتِي بَاعَهَا السُّلْطَانُ وَحُكِمَ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا ثُمَّ وَقَفَهَا الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ شَرَائِطِهِ ثُمَّ قَالَ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ: لِلْإِمَامِ الْبَيْعُ إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ، وَتَمَامُهُ فِيهِمَا (وَأَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ) إذْ بَيْعُ الْمُسْتَأْجَرِ وَهِبَتُهُ وَنَحْوُهُمَا لَا يَجُوزُ؛ إذْ لَا مِلْكَ لَهُمْ حَتَّى يَتَصَرَّفُوا فِيهِ (فَيَكُونُ بَيْعُ ذِي الْيَدِ بَاطِلًا، وَثَمَنُهَا حَرَامًا وَرِشْوَةً) وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ الْفِقْهِ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا فُضُولِيًّا مَوْقُوفًا فَلَا يَكُونُ الثَّمَنُ رِشْوَةً بَلْ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ فُرِضَ التَّجْوِيزُ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ وَالْإِيرَادُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ كَمَا كَانَتْ لَكِنْ فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ لَا يَجْرِي فِيهَا بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ، وَإِعْطَاءُ الْقُضَاةِ حُجَّةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَاطِلٌ مَحْضٌ فَلَوْ وَقَعَ مِثْلُهُ يُقَالُ: فَوَّضَ مُتَصَرِّفُهَا فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ بِمُقَابَلَةِ دَرَاهِمِ كَذَا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْأَرْضِ أَيْ الْمُقَاتِلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّبَاهِي، وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ فَرَاغَ حَقِّ التَّصَرُّفِ بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ ثُمَّ إذْنُ " السَّبَاهِيُ " لَيْسَ أَمْرًا مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَعَنْهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَخْذُ شَيْءٍ لِحَقِّ التَّصَرُّفِ ثُمَّ أَعْطَاهُ السَّبَاهِيُ بِالطَّابُو لَيْسَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، وَمَا أَخَذَهُ أُجْرَةً مُعَجَّلَةً لِلْأَرْضِ فَلَا لَكِنْ لَا يُعْلَمُ وَجْهُ عَدَمِ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فِي أَخْذِ الْمُتَصَرِّفِ السَّابِقِ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ فَرَاغِ التَّصَرُّفِ بَلْ اللَّائِحُ مِنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ كَوْنُهُ رِشْوَةً وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى ابْنِ كَمَالٍ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْ صَاحِبِ التَّيْمَارِ وَالْمُتَصَرِّفِ السَّابِقِ لِشَيْءٍ مِنْ رَقَبَةِ الْأَرْضِ فَلَا يَمْلِكَانِ نَحْوَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الْإِعَارَةُ لَكِنَّ قَوْلَهُ وَالْإِعَارَةُ مَحَلُّ بَيَانٍ كَمَا فُهِمَ مِمَّا سَبَقَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بِحَسَبِ الْقَانُونِ فَجَائِزٌ الْبَيْعُ وَالْإِرْثُ لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ، وَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى وَفِي رِسَالَةٍ مَنْسُوبَةٍ إلَى الْمُفْتِي الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ بَهَائِيٍّ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ تَقْسِيمُ أَرَاضِي الْمَمْلَكَةِ بِطَرِيقَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَاضِيَ لَا مَالِكَ لَهَا فَيُعْطِيَهَا الْإِمَامُ لِرَجُلٍ لِيَقُومَ عَلَيْهَا كَالْمَالِكِ وَيُعْطِيَ الْخَرَاجَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَالِكَ إنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْخَرَاجِ وَالزِّرَاعَةِ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا مَلَّكَهُ، وَإِنَّمَا أَقَامَهُ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ لَكِنْ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الدَّهْقَانِيَّةِ، وَكَذَا الْإِمَامُ يُؤَاجِرُهَا، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ الْأُجْرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بَاعَ وَأَعْطَى الثَّمَنَ لِلْمَالِكِ، وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْمُشْتَرِي جَازَ قِيلَ: جَوَازُ الْبَيْعِ قَوْلُهُمَا وَقِيلَ قَوْلُهُ انْتَهَى قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَ إلَخْ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَصْحِيحِ النَّقْلِ لِمَا فِي بُيُوعِ الصُّرَّةِ عَنْ الْمِنَحِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا عُوَارٌ فِي أَيْدِي الرَّعَايَا، وَلَا تَصِيرُ مِلْكًا لِأَحَدٍ إلَّا إذَا مَلَّكَهَا الْإِمَامُ إلَيْهِ، وَلِمَا فِيهِ أَيْضًا عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: لَوْ بَاعَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْأَرَاضِيَ جَازَ، وَإِنْ أَجَّرَهَا جَازَ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَ الْبَيْعَ إلَى آخِرِهِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ وَبَعْدَ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي أَنَّ مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا وَجَرَى عَلَيْهِ قَوَانِينُ سَلَاطِينِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ بَلْ تَفْوِيضُ تَصَرُّفٍ وَفَرَاغَةٍ فَلَا يَرِدُ إشْكَالُ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ يَرْجِعُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ مَا أَخَذَهُ الْمُتَصَرِّفُ السَّابِقُ مِنْ الَّذِي فَرَغَ إلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ مَا أَخَذَهُ السَّبَاهِيُ أَيْضًا شَيْءٌ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ رِشْوَةً كَمَا أُشِيرَ، وَلَا يُفِيدُ تَسْمِيَتُهُ بِالْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ؛ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ الثَّانِي لَا يُعَطِّلُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ كَالْأَوَّلِ، وَلَمْ أَقِفْ بَعْدَ تَتَبُّعِ كَثِيرٍ عَلَى رِوَايَةٍ صَرِيحَةٍ، وَلَا بَعْدَ تَأَمُّلٍ عَلَى دِرَايَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى وَجْهٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى، وَقِوَامُ الْوُجُودِ، وَبَقَاءُ الْعَالَمِ مُحْتَاجٌ ضَرُورِيٌّ إلَى الْأَرَاضِي وَالْعُشْرِ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - يُرِيدُ بِهِمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمْ الْعُسْرَ فَلَا جَرَمَ إمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذِهِ الرِّشْوَةَ جَائِزٌ كَمَا فِي صُوَرِهَا الْجَائِزَةِ لِلضَّرُورَةِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ جُوِّزَ مِنْ السُّلْطَانِ أَخْذُ شَيْءٍ فِي بَدَلِ الْفَرَاغِ لِمَصْلَحَةٍ وَتَصَرُّفُهُ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلرَّعَايَا جَائِزٌ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: تَصَرُّفُ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ وَيَدَّعِي عَدَمَ مُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ سِيَّمَا فِي حَقِّ تِلْكَ الْأَرَاضِي بِمَا نُقِلَ عَنْ الزَّيْنِيَّةِ قَرِيبًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لِلْعَطَاءِ بِإِثْبَاتِ الْإِمَامِ فِيمَنْ لَهُ إعْطَاءٌ فِي الدِّيوَانِ هَذَا مَبْلَغُ فَهْمِي وَالْعِلْمُ

стр. 1178

عِنْدَ اللَّهِ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ تِلْكَ الْأَرَاضِي لِبَيْتِ الْمَالِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَصْحَابِهَا (أَصْلَحُ الِاحْتِمَالَيْنِ) أَحَدُهُمَا هَذَا وَثَانِيهَا كَوْنُهَا لِأَصْحَابِهَا لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ وُجُودُ أَصْلِ الصَّلَاحِ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا عَلَى قَاعِدَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ وَلَيْسَ لَهُ وَجْهُ صَلَاحٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إلَّا أَنْ يُدَّعَى كَوْنُهُ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَوْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُ هَذَا إشَارَةٌ إلَى طَرِيقِ الْإِجَارَةِ فَحِينَئِذٍ الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ فِي التتارخانية لَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَوْلَهُ (وَأَقَلُّ مُخَالَفَةٍ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ) يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَبْعَدُ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ الشَّرْعِ، وَفِي ثَانِيهِمَا قَلِيلُ مُخَالَفَةٍ لِلشَّرْعِ، وَالْحُكْمُ سِيَّمَا مِنْ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الشَّرْعِ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ لَيْسَ فِي طَوْرِ الصِّنَافِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ (وَضِرَرًا لِلنَّاسِ) يُلَائِمُ الْأَوَّلَ (فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا لِمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَرَامِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ ارْتِكَابِ الضَّرَرِ الْجُزْئِيِّ لِلْوَصْلَةِ إلَى النَّفْعِ الْكُلِّيِّ (فَيَكُونُ انْتِقَالُهَا لِلْأَوْلَادِ الذُّكُورِ بِأَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ أَيْضًا) الْمَذْكُورَيْنِ فِي التتارخانية نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ الْإِنَاثُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْهَا بِأَحَدِهِمَا انْتَهَى الظَّاهِرُ مُرَادُهُ لَمْ يَجْعَلْهُ السُّلْطَانُ مُنْتَقِلًا إلَى الْإِنَاثِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ قَوَانِينَ السُّلْطَانِ عَلَى إعْطَائِهِنَّ بِمَا سُمُّوا بِالطَّابُو ثُمَّ لِلْأَخِ ثُمَّ لِلْأُخْتِ ثُمَّ لِلْأَبِ ثُمَّ لِلْأُمِّ ثُمَّ لِلشَّرِيكِ ثُمَّ لِلْوَرَثَةِ الَّذِينَ لَهُمْ أَشْجَارٌ إرْثِيَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْأَرَاضِي ثُمَّ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ إنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ ثُمَّ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ (لَا بِالْإِرْثِ) ؛ وَلِهَذَا سَمَّوْا بِالِانْتِقَالِ الْعَادِيِّ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْإِرْثِ فَمَجَازٌ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ سَوْقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ أَرَاضِيَ زَمَانِنَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي التتارخانية فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا تَشْوِيشٌ وَقَدْ حُكِمَ بِأَنَّهَا مُشَوَّشَةٌ فَلَا تَقْرِيبَ نَعَمْ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ مُخَالَفَةٍ لَكِنْ قَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ آنِفًا فَتَأَمَّلْ نَعَمْ فِي الصُّرَّةِ عَنْ التَّجْرِيدِ: لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَزْرَعُ فِيهَا، وَأَيْضًا إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي نَظَرِ الْمُصَنِّفِ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَأَمُّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا جَعْلُ بَيْعِهَا إجَارَةً فَاسِدَةً) لِعَدَمِ بَيَانِ الْمُدَّةِ (لِيَحِلَّ مِقْدَارُ أَجْرِ الْمِثْلِ لِلْبَائِعِ) وَإِنْ حَرُمَ زِيَادَتُهُ مِنْهُ (فَفَاسِدٌ جِدًّا لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا) قِيلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ هَذَا رَدٌّ لِأَبِي السُّعُودِ؛ إذْ هُوَ الْجَاعِلُ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِفْتَائِهِ بِأَنَّ الْأَرَاضِيَ بِأَيْدِي أَصْحَابِهِمْ عَارِيَّةٌ فَبَيْعُهُمْ بَاطِلٌ، وَالثَّمَنُ حَرَامٌ اهـ لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي مَعْرُوضَاتِهِ رَقَبَةُ تِلْكَ الْأَرَاضِي لِبَيْتِ الْمَالِ أُعْطِيت لِلرَّعَايَا عَلَى أُسْلُوبِ الْإِجَارَةِ، وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ عَنْ أَبِي السُّعُودِ رَقَبَتُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ فُوِّضَ تَصَرُّفُهَا إلَى الرَّعَايَا إلَى آخِرِهِ، وَفِي مَقَامٍ آخَرَ أَيْضًا عَنْهُ فُوِّضَ تَصَرُّفُهَا لِمُتَصَرِّفِيهَا لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى رِوَايَةٍ كَذَلِكَ أَيْضًا. (أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ) لِلْفَتْوَى لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْخُلَاصَةِ اخْتِيَارُ جَانِبِ جَوَازِهِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ بِعْتُك مَنَافِعَ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا ذَكَرَ فِي الْعُيُونِ أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ ثُمَّ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْتُك نَفْسِي شَهْرًا بِكَذَا لِعَمَلِ كَذَا فَهُوَ إجَارَةٌ ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ الْكَرْخِيِّ الْإِجَارَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ثُمَّ رَجَعَ. وَقَالَ: تَنْعَقِدُ (خُصُوصًا إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّوْقِيتُ) لَا يَخْفَى عَدَمُ التَّوْقِيتِ إنَّمَا يَضُرُّ لِصَحِيحِ الْإِجَارَةِ لَا لِفَاسِدِهَا بَلْ يَجُوزُ جَعْلُهُ إجَارَةً لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ وَأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْوُرُودِ لِمَا اخْتَارَهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ التتارخانية (قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ: وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) إذَا وُجِدَ التَّوْقِيتُ هَذَا دَلِيلُ الْأَوَّلِ نَعَمْ يُقَدَّمُ مَا فِي قَاضِي خَانْ فِي الْوَثَاقَةِ عَلَى الْخُلَاصَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي قَاضِي خَانْ أَيْضًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ قَالَ لِغَيْرِهِ: اشْتَرَيْتُ مِنْك خِدْمَةَ عَبْدِك شَهْرًا بِكَذَا كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً فَافْهَمْ

стр. 1179

(وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ إنْ وُجِدَ التَّوْقِيتُ) ظَاهِرُهُ فِي الصَّحِيحَةِ كَمَا عَرَفْت آنِفًا (وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْإِقَامَةَ مَقَامُ الْمُلَّاكِ) كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فِي الْمَنْقُولِ مِنْ التتارخانية (لَيْسَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بَلْ لِضَرُورَةِ) صِيَانَةِ حُقُوقِ الْمُقَاتِلَةِ، وَهَذِهِ تَرْتَفِعُ بِالْإِقَامَةِ فِي حَقِّ الزَّرْعِ وَإِعْطَاءِ الْخَرَاجِ فَقَطْ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى الْبَيْعِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (فَلَا يَمْلِكُ ذُو الْيَدِ الْإِجَارَةَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْإِجَازَةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ تِلْكَ الْإِقَامَةِ؛ إذْ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ إلَّا بِلَوَازِمِهِ وَضَرُورِيَّاتِهِ بَلْ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى الثَّانِي عِنْدَ سَلْبِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ فَالْإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي ضِمْنِ الْإِجَارَةِ فَتَدَبَّرْ. (وَكَذَا فِي) الطَّرِيقِ (الثَّانِي لِوَجْهَيْنِ) ، وَفِي طَرِيقِ الْإِجَارَةِ (الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ أُجْرَةً فِي حَقِّ ذِي الْيَدِ لِضَرُورَةِ عَدَمِ تَحْقِيقِ حَقِيقَتِهِ) أَيْ الْخَرَاجِ (وَمَعْنَاهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْخَرَاجَ (مَئُونَةُ الْأَرْضِ، وَالْمَئُونَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْمَالِكِ) وَذُو الْيَدِ لَيْسَ بِمَالِكٍ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ (فَجَعْلُهُ) أَيْ الْخَرَاجَ (أُجْرَةً فِي حَقِّ ذِي الْيَدِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ فَقَطْ) لَا مُطْلَقًا. أَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ السَّوْقِ الْجَوَازُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى إرَادَةِ الْإِجَارَةِ مَجَازًا، وَلَا مَانِعَ فِي كَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ ذِي الْيَدِ أَيْضًا (وَلِهَذَا سَقَطَ وُجُوبُ بَيَانِ قَدْرِ الْأُجْرَةِ وَجَازَ مَعَ جَهَالَتِهَا فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ) دُونَ خَرَاجِ الْمُوَظَّفِ فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَأَمَّا نَحْوَ الْعُشْرِ أَوْ الثُّمُنِ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِكَوْنِهِ جُزْءًا شَائِعًا فَالْجَوَازُ مَعَ عَدَمِ مَعْلُومِيَّةِ الْأُجْرَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لَا يَخْفَى أَنَّهُ خَرَّجَ بِهِ الْجَوَابَ عَنْ بَعْضِ إشْكَالٍ فِيمَا سَبَقَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى ذَلِكَ هُنَالِكَ لَكِنْ يَجُوزُ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ فَسَادِ الْإِجَارَةِ. (فَهُوَ) أَيْ مَا أَخَذَهُ مِنْ ذِي الْيَدِ هُنَا (فِي الْحَقِيقَةِ خَرَاجٌ) وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ (وَلِذَا) لِكَوْنِهِ خَرَاجًا فِي الْحَقِيقَةِ (لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَّا إلَى مَصَارِفِ الْخَرَاجِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ آثَارِ كَوْنِهِ خَرَاجًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ إجَارَةً فِي حَقِّ ذِي الْيَدِ لَا سِيَّمَا أَنَّ أَصْلَ الْأَرْضِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَ إجَارَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُنَافِي اخْتِصَاصَ الْمَصْرِفِ بِمَا ذُكِرَ (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أُجْرَةً حَقِيقَةً، وَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهَا) أَيْ الْأَرَاضِي (إجَارَتُهَا) لِغَيْرِهِ قِيلَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ إجَارَةَ الْمُسْتَأْجَرِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ، وَإِلَّا فَإِنَّ إجَارَةَ الْمُسْتَأْجَرِ إنْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا تَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: تَجُوزُ فِي الْعَقَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَجَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَصْلَحُ الِاحْتِمَالَيْنِ كَيْفَ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْبِلَادِ عَلَى تَدَاوُلِ الْأَيَادِي فَلَوْ مَنَعَ بِهَذَا فَكَيْفَ سَبِيلُ الْأَصْلَحِيَّةِ وَالْأَقْرَبِيَّةِ فَهَذَا مُشْتَرِكُ الْوُرُودِ. (وَالثَّانِي أَنَّ الْخَرَاجَ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُتَصَرِّفِ فَإِذَا كَانَ شِرَاؤُهُ اسْتِئْجَارًا، وَثَمَنُهُ أُجْرَةً مُعَجَّلَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَرَاجَ أُجْرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَصَرِّفِ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (بَلْ يَجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ

стр. 1180

يَجِبَ الْخَرَاجُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مَعَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُتَصَرِّفِ وَيَكُونُ مَا أَخَذَهُ لَهُ وَإِنْ أَخَذَ بَعْضَهُ مَنْ عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ، وَفِي قَاضِي خَانْ وَإِنْ آجَرَ أَرْضَهُ الْخَرَاجِيَّةَ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ خَرَاجٌ فَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَجَعْلُهُ أُجْرَةً لَا يَخْفَى أَنَّ جِنْسَ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ مَرْضِيِّ الْمُصَنِّفِ فَافْهَمْ وَقَدْ قِيلَ هَذَا عَلَى إقَامَةِ ذِي الْيَدِ الَّذِي هُوَ الْبَائِعُ مَقَامَ الْمُلَّاكِ عَلَى فَرْضِ مَنْعِ كَوْنِ هَذَا الِاعْتِبَارِ لِلضَّرُورَةِ تَسْلِيمًا لِلْخَصْمِ وَمُجَارَاةً لَهُ ظَاهِرًا. وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِ ذِي الْيَدِ أَعْنِي الْبَائِعَ مُسْتَأْجِرًا كَمَا بَنَى عَلَيْهِ كَلَامَهُ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ انْتَهَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ كَمَا أُشِيرَ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ تَصَرُّفًا فِي الْأَرَاضِي فَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ عَيَّنَهُ بِالْإِيجَارِ فَالْبَائِعُ الْمُؤَجِّرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ رَبُّ الْأَرْضِ بِدُونِ إذْنِهِ لَا رَبُّ الْأَرْضِ بَلْ فِي الصُّورَةِ وَالرَّسْمِ فَقَطْ (وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ قَدْ يَمُوتُ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ) بِالْمَوْتِ (فَيَجِبُ رَدُّ الْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ لَهُ) لِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ مُرَادِيَ مِنْ الْإِجَارَةِ هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِمَّا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى ذِي الْيَدِ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ فَهُوَ جَوَابُنَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فَسْخَ الْإِجَارَةِ إنَّمَا هُوَ فِي صُورَةِ عَدَمِ وَلَدٍ ذَكَرٍ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَلَدُ قَائِمًا مَقَامَ الْأَبِ (فَالْحَقُّ أَنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ) ظَاهِرُهُ تَفْرِيعٌ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ جَعَلَ بَيْعَهَا إجَارَةً فَاسِدَةً، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إنْ ادَّعَى الْجَاعِلُ بَيْعًا حَقِيقِيًّا، وَقَدْ جَعَلَهُ إجَارَةً، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِلَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الذَّاتِ أَصْلًا، وَهَا هُنَا بَيْعُ تِلْكَ الْأَرَاضِي جَائِزٌ لِلسُّلْطَانِ إمَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا هُوَ عِنْدَ بَعْضٍ، أَوْ مُطْلَقًا لِمَصْلَحَةٍ كَمَا هُوَ عِنْدَ بَعْضٍ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ كَيْفَ، وَمِنْ جِنْسِهَا الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ وَالْخَرَاجِيَّةُ وَهُمَا يَقْبَلَانِ الْبَيْعَ فَالْمَانِعُ فِي تِلْكَ الْأَرَاضِي إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ، وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْبُطْلَانِ الْفَسَادُ فَأَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَالْحَقُّ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ قَبْلُ مِنْ أَنَّهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ غَيْرُ مَحُوزٍ مَالِكُهُ فَيَكُونُ غَصْبًا فَتَأَمَّلْ فِيهِ (وَالْمَأْخُوذُ رِشْوَةٌ يَجِبُ رَدُّهَا إلَى مُعْطِيهَا) قَدْ عَرَفْت فِيمَا قَبْلُ مَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَشِدَّةِ ضَرُورَةِ احْتِيَاجِ قِوَامِ الْبَدَنِ وَبَقَاءِ الْوُجُودِ (فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا) فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ: غَلَبَةُ الْجَهْلِ وَغَلَبَةُ الظُّلْمِ وَتَصْغِيرُ النُّقُودِ وَتَشَوُّشُ الْأَرَاضِي الَّتِي تُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الْحُبُوبُ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ. (فَالْأَخْذُ بِالْقَوْلِ الْأَحْوَطِ) الْمُشَارِ إلَيْهِ فِيمَا قَبْلُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْ هُوَ مَا اخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِ الرَّجُلِ حَلَالًا جَازَ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا قِيلَ (فَضْلًا عَنْ الْوَرَعِ عَنْ الشُّبُهَاتِ) فَالْوَرَعُ هُنَا فَوْقَ الْأَحْوَطِ (يَسْتَدْعِي) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: فَالْأَخْذُ (أَنْ لَا يُعَامَلَ مَعَ النَّاسِ) لِلْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا آنِفًا الْمُفَصَّلَةِ قَبْلُ (لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْحَرَامِ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لَا يَجُوزُ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَافَ لِلْقِرَانِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ تَفَاوُتُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ (وَلَا يَصِيرَ) أَيْ الْحَرَامُ (بِهَا) بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ (حَلَالًا، وَالْخَبِيثُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ تَصَدُّقُهُ فَيَأْثَمُ) مَالِكُهُ الصُّورِيُّ (بِغَيْرِهِ) التَّصْدِيقِ أَوْ الرَّدِّ إلَى صَاحِبِهِ (مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ) أَخْذُ الْخَبِيثِ (بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يُعْلَمُ صَاحِبُهُ. (وَ) الْحَالُ (هُوَ فَقِيرٌ) أَهْلٌ لِلصَّدَقَةِ لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا ذَكَرَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ وَاللَّازِمُ مِنْهَا هُوَ الِاحْتِمَالُ وَالظَّنُّ وَمَا يَقْتَضِي هُوَ الْجَزْمُ وَالْيَقِينُ

стр. 1181

لَكِنَّ طَرِيقَ الْمُصَنِّفِ هُوَ التَّقْوَى (فَيَلْزَمُ الْعُزْلَةُ عَنْ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] فَالْمُعَامَلَاتُ وَالْأَكْلُ وَاللُّبْسُ لَا تَخْلُصُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ (وَسُكْنَى الْمَغَارَاتِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَرَتْعُ) أَكْلُ (الْكَلَأِ) الْعُشْبِ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا (وَالْعُشْبِ) الرَّطْبِ (وَلُبْسُهُمَا) وَأَمَّا نَحْوَ أَنْ يَزْرَعَ مِنْ أَرْضِهِ الْمَوْرُوثَةِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ حَبًّا وَقُطْنًا وَنَحْوَهُ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ إمْكَانِهِ نَادِرٌ وَمُتَعَسِّرٌ أَيْضًا وَلَيْسَ النَّادِرُ وَالْمُتَعَسِّرُ مَدَارًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. (وَ) الْحَالُ (الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ) مُحْتَاجٌ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ طَبْعُهُ يَقْتَضِي اجْتِمَاعَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فِي أَمْرِ مَعَاشِهِمْ لِاحْتِيَاجِ كَسْبِ الْآخَرِ (بِالطَّبْعِ) لِأَسْبَابِ الْمَعَاشِ وَقِوَامِ الْبَدَنِ؛ إذْ جِبِلَّةُ الْإِنْسَانِ تُوجِبُ الِاجْتِمَاعَ مَعَ بَنِي نَوْعِهِ؛ إذْ لَا يَعِيشُ بِمُجَرَّدِ كَسْبِهِ بِلَا انْضِمَامِ كَسْبِ الْآخَرِ (وَفِي هَذَا) الْمَذْكُورِ مِنْ الْعُزْلَةِ وَالرَّتْعِ وَاللُّبْسِ (حَرَجٌ عَظِيمٌ وَتَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ عَادَةً) الظَّاهِرُ عَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ (وَكِلَاهُمَا) الْحَرَجُ وَالتَّكْلِيفُ (مُنْتَفِيَانِ بِالنَّصِّ) مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ مَعَ أَقْسَامِهِ. (فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ لَا مَحَالَةَ فِي هَذَا الزَّمَانِ) سِيَّمَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ لِمَا سَبَقَ (بِمَا قَالَ) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخْذِ (مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ. وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ) الظَّاهِرُ هُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَتَأَمَّلْ (مِنْ جَوَازِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ) بِالتَّبَايُعِ أَوْ الِاتِّهَابِ أَوْ التَّصَدُّقِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ نَحْوِهَا (بِعِوَضٍ وَبِلَا عِوَضٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ حَرَامٌ) الظَّاهِرُ الْعِلْمُ بِمَعْنَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِمَا عَرَفْت سَابِقًا وَأَنَّهُ طَرِيقُ الْفَتْوَى؛ إذْ فِي التَّقْوَى يَجِبُ التَّحَفُّظُ عَنْ الشُّبُهَاتِ فَافْهَمْ. (تَمَسُّكًا بِأُصُولٍ مُقَرَّرَةٍ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ) حَتَّى تَجُوزَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ مَعَ سَبْقِ الْخَاطِرِ، وَإِلَّا فَلَا (وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ وَأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ؛ إذْ مَا ذَكَرَهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا مَرَّ وَهُنَا أَنَّ الْغَلَبَةَ كَافِيَةٌ فِي الْعُدُولِ عَنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ (وَأَنَّ الْأَثْمَانَ النُّقُودَ) غَالِبًا أَوْ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ مُخْتَصَّةٌ بِالثَّمَنِيَّةِ ذُكِرَ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْأَمْوَالَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ثَمَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَا كَانَ مُقَابِلُهَا مِنْ جِنْسِهَا أَوْ لَا، وَنَوْعٌ مَبِيعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهُوَ مَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْمَمَالِيكِ، وَنَوْعٌ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ كَانَ مَبِيعًا، وَإِلَّا فَإِنْ صَحِبَهُ حَرْفُ الْبَاءِ، أَوْ قَابَلَهُ مَبِيعٌ فَهُوَ ثَمَنٌ (لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ لَا سِيَّمَا الصَّحِيحَيْنِ) مِنْهُمَا وَجْهُ التَّرَقِّي

стр. 1182

يُفْهَمُ مِمَّا فِي الْأَشْبَاهِ النَّقْدُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَفِي تَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ رِوَايَتَانِ إلَى آخِرِهِ فَلَوْ عَيَّنَ الْعَاقِدَانِ دِرْهَمًا مَثَلًا ثُمَّ أَرَادَ الْمُشْتَرِي تَبْدِيلَهُ بِدِرْهَمٍ آخَرَ جَازَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَعَنْ الْعِمَادِيَّةِ أَنَّهُمَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ الْأَصْلِ وَلَا يَتَعَيَّنَانِ فِيمَا يُنْتَقَضُ بَعْدَ الصِّحَّةِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَالصَّحِيحِ تَعَيُّنُهُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ ثُمَّ قَالَ: وَيَتَعَيَّنُ فِي الْأَمَانَاتِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْغَصْبِ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْعِنَايَةِ: إنَّ عَدَمَ تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ لَا غَيْرَ فَإِنَّهُمَا يَتَعَيَّنَانِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَوَصْفًا بِالِاتِّفَاقِ فَفِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مُسَامَحَةٌ فَافْهَمْ (بَلْ الثَّمَنُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ) حِينَ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ (لَوْ حَالًّا وَمُنَجَّزًا) فَالْمُؤَجَّلُ بِالْأَوْلَى (بِخِلَافِ الْمَبِيعِ) فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بَعْدَ الْعَقْدِ حَتَّى لَا يَجُوزَ اسْتِبْدَالُهُ بِآخَرَ وَإِقَامَتُهُ مَقَامَهُ إلَّا بِالْفَسْخِ وَتَكَرُّرِ الْعَقْدِ (وَ) تَعْيِينِ الْأَخْذِ (بِمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِكَوْنِ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا) مِنْ (أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِحَرَامٍ بِعَيْنِهِ) حَرَامٌ مُعَيَّنٌ كَثَمَنِ الْمَغْصُوبِ (حَلَالٌ طَيِّبٌ إلَّا أَنْ يُشَارَ إلَيْهِ حِينَ الْعَقْدِ وَيُسَلَّمَ فَيَكُونَ) الْمَبِيعُ (مِلْكًا خَبِيثًا) وَعَنْ الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ طَعَامًا إنْ لَمْ يُضِفْ الشِّرَاءَ إلَى الْغَصْبِ، وَلَكِنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْهَا حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ وَيُؤَكِّلُ غَيْرَهُ وَإِنْ أَضَافَ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْهَا يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤَكِّلَ غَيْرَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ وَرَبِحَ فِيهَا قَالَ نُصَيْرٌ: إنْ أَضَافَ الشِّرَاءَ إلَى الْوَدِيعَةِ وَدَفَعَ الثَّمَنَ مِنْ الْوَدِيعَةِ يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْ الشِّرَاءَ إلَى الْوَدِيعَةِ أَوْ نَقَدَ غَيْرَهَا لَا يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ انْتَهَى وَفِي الْكَافِي: لَا يَتَنَاوَلُ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ الْمُشْتَرَى قَبْلَ الضَّمَانِ وَبَعْدَ الضَّمَانِ لَا يَطِيبُ الرِّبْحُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ (وَ) تَعَيَّنَ أَيْضًا الْأَخْذُ (بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ أَنَّ الْخَلْطَ الرَّافِعَ لِلتَّمْيِيزِ) بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ، وَقِيلَ: أَوْ يَتَعَسَّرُ (اسْتِهْلَاكٌ مُوجِبٌ لِلتَّمَلُّكِ وَالضَّمَانِ) فَإِنَّهُ بِالْإِهْلَاكِ يُتَمَلَّكُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو اللَّيْثِ فَلَوْ مَاتَ عَامِلٌ مِنْ عُمَّالِ السُّلْطَانِ وَأَوْصَى أَنْ تُعْطَى الْحِنْطَةُ لِلْفُقَرَاءِ إنْ مُخْتَلَطًا بِمَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ أَخْذُهُ بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ مَعْلُومًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَقِيرُ أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَحَلَالٌ إلَى أَنْ تَتَبَيَّنَ حُرْمَتُهُ وَعِنْدَهُمَا فِي صُورَةِ الِاخْتِلَاطِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ: يَحِلُّ لِلْفَقِيرِ فِي صُورَةِ الْخَلْطِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعْلُومًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُبْقِيَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ يَفِي حَقَّ الْخُصَمَاءِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ (وَ) الْأَخْذُ أَيْضًا (بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ سَبَبَ الطِّيبِ) هُوَ (وُجُوبُ الضَّمَانِ لَا أَدَاؤُهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الطِّيبِ هُنَا هُوَ الْحِلُّ عِنْدَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ، وَفِي رِوَايَةٍ سَبَبُهُ أَدَاءُ الضَّمَانِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ بِلَا حِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِهِ أَوْ إبْرَائِهِ أَوْ تَضْمِينِ الْقَاضِي وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الْحِلُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ بِكَسْبِهِ، وَالْمِلْكُ مُجَوِّزٌ لِلتَّصَرُّفِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ وَلِذَا لَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ صَحَّ، جه الِاسْتِحْسَانِ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ مِنْ الْأَثَرِ (نَعَمْ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ) قِيلَ اسْتِدْرَاكٌ مِمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ التَّمَتُّعَ مِنْ الشُّبُهَاتِ مُمْتَنِعٌ، وَقَدْ كَانَ فِيمَا ذَكَرْتَ سَعَةٌ فَدَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ إلَى آخِرِهِ (لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ فَالْأَوْلَى وَالْأَحْوَطُ الِاحْتِرَازُ عَنْ بَعْضِ الشُّبُهَاتِ) لَعَلَّهُ مَا يَكُونُ قَوِيًّا، وَإِلَّا فَالْبَعْضُ الْمُطْلَقُ لَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهُ كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ

стр. 1183

(مِمَّا فِيهِ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْحُرْمَةِ) كَغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي حُرْمَتِهِ لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» فَيُجْعَلُ عَلَى هَذَا مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَمَعَ هَذَا الْأَوْلَى مُطْلَقُ الِاجْتِنَابِ عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ (وَمِمَّنْ لَهُ شُهْرَةٌ تَامَّةٌ بِالظُّلْمِ أَوْ الْغَضَبِ أَوْ السَّرِقَةِ) مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَكَذَا قَوْلُهُ (أَوْ الْخِيَانَةِ أَوْ التَّزْوِيرِ أَوْ نَحْوِهَا) عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ غَالِبُ مَالِ الْمَهْدِيِّ إنْ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَأَكْلِ مَالِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ وَإِنْ غَالِبُ مَالِهِ حَرَامًا لَا يَقْبَلُهَا وَلَا يَأْكُلُ لَا إذَا قَالَ: إنَّهُ حَلَالٌ وَرِثَهُ أَوْ اسْتَقْرَضَهُ فَلَوْ كَانَ غَالِبُ مَالِهِ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَفِي قَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ حَرَامٍ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ (مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ مَا فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِهِ) أَيْ أَوْلَى مِمَّا احْتَرَزَ مَثَلًا إذَا كَانَ فِي التَّوَرُّعِ مِنْ ذَلِكَ خَوْفُ الرِّيَاءِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ قَطْعِيٌّ أَوْ خَوْفُ لُحُوقِ الضَّرَرِ لِنَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَقْرِبَائِهِ أَوْ الْأَذَى لَهُ أَوْ عَدَمُ نُفُوذِ قَوْلِهِ فِي دَفْعِ الْمُنْكَرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَعَدَمُ الِاحْتِرَازِ أَوْلَى وَأَهَمُّ ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (أَوْ) مِنْ غَيْرِ (فِعْلِ مَا تَرَكَهُ كَذَلِكَ) أَيْ مَا تَرَكَهُ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ بِهِ (فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْوَرَعُ عَنْ الشُّبُهَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي زَمَانِنَا) لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ وَغَلَبَةِ الظُّلْمِ وَتَشَوُّشِ الْأَثْمَانِ وَتَشَوُّشِ الْأَرَاضِي كَمَا فُصِّلَ (فَالْمَرْجُوّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّ مَنْ اتَّقَى وَتَوَرَّعَ فِي غَيْرِهِمْ) غَيْرِ الشُّبُهَاتِ الْمَالِيَّةِ بِأَنْ تَطَهَّرَ عَمَّا مَرَّ مِنْ الرَّذَائِلِ وَتَزَيَّنَ بِالْفَضَائِلِ (يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابَ الْمُتَّقِي) مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَأَلَّا نُخَطِّئَ عَامَّةَ السَّلَفِ الَّذِينَ تَوَرَّعُوا فِي الْمَالِيَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ بَلْ الْكُلُّ عَنْ بَعْضٍ (وَالْمُتَوَرِّعِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاسْتِطَاعَةِ فَإِنَّ كَسْبَ الْعَارِفِ بِأَحْكَامِ التِّجَارَاتِ وَلَا ظُلْمَ لَهُ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ بِهِمَا لَكِنْ بِوَزْنِهِمَا وَهُوَ فِي غَيْرِ دِيَارِ الْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ أَوْ فِيهَا لَكِنْ يُهَاجِرُ مِنْهَا إلَى دِيَارِ الْعُشْرِيَّةِ أَوْ الْخَرَاجِيَّةِ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ، وَلَكِنَّ الْأَرَاضِيَ مَوْرُوثَةٌ لَهُ عَنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ ذَكَرًا عَنْ ذَكَرٍ كَمَا سَبَقَ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ وَأَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّوَرُّعُ عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّوَرُّعِ عَنْ الْبَعْضِ الَّذِي أَمْكَنَ فِي حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضٍ آخَرَ قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنْ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِطَاعَةِ مَا هُوَ عَلَى جَعْلِهِ - تَعَالَى - كَرَمًا وَفَضْلًا لَهُمْ لَا الْعَقْلِيُّ أَوْ الِامْتِنَاعُ الْعَادِيُّ؛ إذْ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى شُرُوطِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ لَا الْمُمْكِنَةِ، وَأَنَّ مِثْلَ مَا ذُكِرَ نَادِرٌ وَحُكْمُ الشَّرْعِ عَلَى الْغَالِبِ وَأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ عَلَى الْجِنْسِ لَا عَلَى الْأَفْرَادِ وَمَعَ ذَلِكَ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَا يَنْفِي أَوْلَوِيَّةَ التَّوَرُّعِ عَنْ الْكُلِّ عَلَى شُرُوطِ الْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ لِمَنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَوْ اعْتِبَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمُتَّقِي بِالْمَعْنَى الْمُتَوَسِّطِ، وَلَا يَنْفِي عَنْ الْمُتَّقِي بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ كَمَا عَرَفْت الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ مَتْنًا وَشَرْحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُمُورٍ مُبْتَدَعَةٍ بَاطِلَةٍ] (أَكَبَّ) أَصَرَّ (النَّاسُ عَلَيْهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا قُرَبٌ مَقْصُودَةٌ) لِاسْتِيلَاءِ الْجَهَالَةِ أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهَا أَوْ بِظَنِّ مَا لَا يَكُونُ دَلِيلًا (وَهَذِهِ كَثِيرَةٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي كَاتِّخَاذِ الضِّيَافَةِ لِلْمَيِّتِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالسَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ وَتَمَامِ السَّنَةِ وَلِلدُّعَاءِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَلِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ الْإِخْلَاصِ وَالْأَكْلِ فِي الْمَقَابِرِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَسَاجِدِ وَوَضْعِ الْكِيزَانِ فِيهَا لِلشُّرْبِ وَدَعْوَةِ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَخُرُوجِهِنَّ إلَى أَكْلِ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ فِي بَيْتِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَاجْتِمَاعِهِنَّ فِيهِ وَقِرَاءَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَوْلِدَ النَّبِيِّ ﵊ بِالْجَهْرِ وَاسْتِمَاعِ الْبَوَاقِي وَخُرُوجِهِنَّ لِلتَّعْزِيَةِ وَالتَّهْنِئَةِ وَالْعِيَادَةِ لِغَيْرِ الْمَحْرَمِ وَتَجْصِيصِ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْكِتَابَةِ عَلَى أَحْجَارِهَا وَإِيقَادِ الشُّمُوعِ عَلَيْهَا فِي اللَّيَالِيِ وَتَقْبِيلِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَالسُّجُودِ إلَيْهَا وَالْجَهْرِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ غُسْلِ الْجِنَازَةِ وَتَشْيِيعِهَا وَعِنْدَ

стр. 1184

نَقْلِ الْعَرُوسِ وَالْخِتَانِ وَعِنْدَ تَشْيِيعِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِمْ وَعِنْدَ قُدُومِ الْمَشَايِخِ وَاللَّحْنِ بِالذِّكْرِ بِأَنْ يَقُولَ لَا إيلَاهَا إيَّلَا اللَّهُ، وَفِي الْأَذَانِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّغَنِّي فِيهِمَا وَالِاسْتِمَاعِ لَهُمَا وَالتَّلَذُّذِ بِهِمَا وَالنِّدَاءِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ لِأَجْلِ الْمُهِمَّاتِ وَالْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ وَتَطْوِيلِهِ وَالتَّصْلِيَةِ وَالتَّرْضِيَةِ وَالتَّأْمِينِ بِالْجَهْرِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ وَفَرْشِ الْبُسُطِ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَفْعِ بِنَائِهَا وَتَزْيِينِهَا بِالنُّقُوشِ وَغَيْرِهَا وَإِنْفَاقِ مَالٍ عَظِيمٍ لِأَجْلِهَا وَإِعْطَاءِ سُؤَالِهِمَا وَوَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَاسْتِرْبَاحِهَا بِالْعِينَةِ الَّتِي ذَمَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّلَفُ الصَّالِحُونَ حَتَّى قَالُوا إيَّاكُمْ وَالْعِينَةَ فَإِنَّهَا لَعِينَةٌ مَذْمُومَةٌ مَكْرُوهَةٌ اخْتَرَعَهَا أَكَلَةُ الرِّبَا وَالِاسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالتَّسْبِيحِ وَإِعْطَاءِ الثَّوَابِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْوَصِيَّةِ بِدَرَاهِمَ لِمَنْ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَالْوَقْفِ بِهَا لَهُ وَالِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَالْبَرَاءَةِ وَالْقَدْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى السُّنَنِ بَلْ الْفَرَائِضِ وَالرُّكُوعِ عِنْدَ السَّلَامِ وَرَدِّهِ لِلْكُبَرَاءِ بِلَا إسْمَاعٍ وَالْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ عِنْدَهُمَا لِلْأَصَاغِرِ بِلَا إسْمَاعٍ أَيْضًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى قَوْلُهُ مَذْمُومَةٌ مَكْرُوهَةٌ إلَى آخِرِهِ قَدْ سَبَقَ مَتْنًا وَشَرْحًا لَكِنْ هُنَا فِي هَامِشِ الْوَسِيلَةِ سُئِلَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا مَرَّ فِي قَاضِي خَانْ وَكَذَا الْخُلَاصَةُ مِنْ الْعِينَةِ وَهُوَ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا ثَلَاثَةَ عَشْرَ إلَى أَجَلٍ إلَى آخِرِهِ هَلْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَحِيحَةٌ وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا هَلْ يَخْلُصُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَأَجَابَ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ وَالْمَسْأَلَةُ اخْتِلَافِيَّةٌ وَعَلَى فَهْمِ هَذَا الْفَقِيرِ أَصِحِّيَّةُ الْكَرَاهَةِ بُيِّنَ فِي آخِرِ إنْقَاذِ الْهَالِكِينَ انْتَهَى (فَلْنَذْكُرْ أَعْظَمَهَا مِنْهَا وَقْفُ الْأَوْقَافِ سِيَّمَا النُّقُودُ) لَعَلَّ الْأَوْلَى وَقْفُ النُّقُودِ سِيَّمَا (لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ) كَانَ مُرَادُهُ هَذَا وَأَنَّ عِبَارَتَهُ ذَلِكَ وَأَمَّا أَصْلُ وَقْفِ النُّقُودِ كَمَا أَشَارَ آنِفًا فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَنْ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ فِيمَنْ وَقَفَ الدَّرَاهِمَ أَوْ الطَّعَامَ أَوْ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُوزَنُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قِيلَ وَكَيْفَ قَالَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ مُضَارَبَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ يُبَاعُ وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ مُضَارَبَةً أَوْ بِضَاعَةً كَالدَّرَاهِمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ هَذَا الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقْفٌ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُقْرِضَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا بَذْرَ لَهُمْ أَنْ يَزْرَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَدْرَ الْقَرْضِ ثُمَّ يُقْرِضَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَبَدًا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا قَالَ فِي الصُّرَّةِ بَعْدَ مَا حَكَى قَوْلَ الْخُلَاصَةِ: سُئِلَ صَاحِبُ الْمِنَحِ عَنْ امْرَأَةٍ قَالَتْ فِي صِحَّتِهَا: إنْ مِتُّ فَعَشَرَةٌ سُلْطَانِيَّةٌ مِنْ مَالِي تَكُونُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ بِرِّ كَذَا أَجَابَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ كَوْنِ الدَّرَاهِمِ مُسَلَّمَةً إلَى الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الشَّرْطُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ثُمَّ قَالَ: وَيَلْزَمُ الْوَقْفُ بِدُونِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوْجَهُ، وَفِي الْمُنْيَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَشَرْحِ مُلَّا خُسْرو ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَقْفُهَا، وَيَلْزَمَ عَلَى قَوْلِهِ الْمُفْتَى بِهِ فَحِينَئِذٍ تُؤْخَذُ الدَّنَانِيرُ مِنْ تَرِكَتِهَا وَتَجْعَلُ وَقْفًا عَلَى مَا شَرْطُهَا عَلَيْهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَا يَصِحُّ وَقْفُهُ مُطْلَقًا، وَالدَّرَاهِمُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو السُّعُودِ عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً وَشَرَطَ أَنْ تُسْتَرْبَحَ وَمَا حَصَلَ مِنْ الْمُرَابَحَةِ لِنَفْسِهِ مَادَامَ حَيًّا وَبَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ شَرْطِهِ أَجَابَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ وَقْفِيَّةِ النُّقُودِ مَرْوِيَّةٌ عَنْ زُفَرَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ صَحِيفَةٍ: وَلَمَّا جَرَى التَّعَامُلُ فِي زَمَانِنَا فِي الْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ دَخَلَتْ تَحْتَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ فِي وَقْفِ كُلِّ مَنْقُولٍ فِيهِ تَعَامُلٌ كَمَا لَا يَخْفَى فَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى تَخْصِيصِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ وَقْفِهَا لِمَذْهَبِ زُفَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ أَفْتَى مَوْلَانَا صَاحِبُ الْبَحْرِ بِجَوَازِ وَقْفِهَا وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا مِنْ وَقْفِ الْمِنَحِ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى آخِرِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ، وَفِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ ﵀ الْقُضَاةُ الْيَوْمَ مَأْمُورُونَ بِالْحُكْمِ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِطَرِيقَتَيْنِ أَحَدُهُمَا قَضَاءُ الْقَاضِي بِلُزُومِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَالثَّانِي أَنْ يُسَلِّمَ الْوَاقِفُ مَا وَقَفَ إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ يُرِيدَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَيُنَازِعَهُ لِعِلَّةِ عَدَمِ

стр. 1185

اللُّزُومِ وَيَخْتَصِمَانِ إلَى الْقَاضِي فَيَقْضِي الْقَاضِي بِلُزُومِهِ قَاضِي خَانْ وَعَنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالَ: إذَا كَتَبَ فِي آخِرِ الصَّكِّ وَقَدْ قَضَى بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ وَبِلُزُومِهِ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ قَاضِي خَانْ انْتَهَى بِلَفْظِهِ، وَفِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى شَرْحِ الْمُنْتَقَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْكَتْبُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذُكِرَ هُنَالِكَ قُلْت: وَعَلَيْهِ مَعَ مَا مَرَّ عَنْ الزَّاهِدِيِّ فَلَا يَحْتَاجُ لِرِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زُفَرَ بِوُقُوفِ الدِّرْهَمِ وَالدَّنَانِيرِ كَمَا ظَنَّ وَقَدْ أَمَرَ الْقُضَاةُ بِالْحُكْمِ بِهِ كَمَا فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ ﵀ انْتَهَى فَعَلَى مَا ذُكِرَ كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَنْعُ الْمُصَنِّفِ مَصْرُوفًا إلَى الْقَيْدِ يَعْنِي قَوْلُهُ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إلَى آخِرِهِ كَمَا قَالُوا: الْأَصْلُ كَوْنُ الْحُكْمِ فِي الْمُقَيَّدِ دَائِرًا عَلَى الْقَيْدِ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا لَكِنْ يَخْدِشُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ آنِفًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ صَرْفَ النَّفْيِ هُنَالِكَ أَيْضًا إلَى الْقَيْدِ أَعْنِي الْعِينَةَ فَبَقِيَ أَصْلُ جَوَازِ وَقْفِ الدَّرَاهِمِ بِتِجَارَاتِ غَيْرِ الْعِينَةِ وَلِغَيْرِ نَحْوِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى ذَوْقِ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا (أَوْ لَأَنْ يُصَلِّيَ نَوَافِلَ أَوْ لَأَنْ يُسَبِّحَ أَوْ لَأَنْ يُهَلِّلَ أَوْ لَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعْطِيَ ثَوَابَهَا الرُّوحَ الْوَاقِفَ أَوْ الرُّوحَ مَنْ أَرَادَهُ) كَأَبَوَيْهِ أَوْ رُوحِ النَّبِيِّ ﵊، وَفِي الْإِنْقَاذِ اعْلَمْ أَنَّ الشَّائِعَ فِي زَمَانِنَا وَقْفُ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ لِلْقِرَاءَةِ لِرُوحِهِ أَوْ لِرُوحِ غَيْرِهِ، وَاسْتِغْلَالُهَا بِأَنْ يَدْفَعَ الْقَيِّمُ لِرَجُلٍ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً قَرْضًا ثُمَّ يَبِيعَ ثَوْبًا لَهُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يَأْمُرَهُ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ، وَيَأْمُرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِالْهِبَةِ لِنَفْسِهِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ خَبَائِثَ الْأُولَى وَقْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلَّا جَوَازُ الْوَقْفِ دُونَ لُزُومِهِ وَوُجُوبِهِ فَلَا يَلْزَمُ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِلُزُومِهِ فَيَلْزَمُ زَكَاتُهَا وَتَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَبَالُهُ عَلَى الْوَاقِفِ وَالثَّانِيَةُ: الِاسْتِرْبَاحُ بِالْعِينَةِ الَّتِي ذَمَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَرَّحَ بِكَرَاهَتِهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالزَّيْلَعِيُّ وَأَكْمَلُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّالِثَةُ جَهْلُهُمْ بِالصُّورِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْفَتَاوَى لِجَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ بِكَرَاهَةٍ وَذُهُولُهُمْ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا» وَكَوْنُ الرِّبْحِ لِلْقَيِّمِ دُونَ الْوَاقِفِ وَالرَّابِعَةُ:

стр. 1186

كَوْنُهُمْ سَبَبًا لِلْأَكْلِ بِالدِّينِ وَابْتِذَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْإِنْقَاذِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَقُولُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيمَا سَبَقَ مِنْ النُّقُولِ وَلْيُوَفَّقْ أَوْ لِيُرَجَّحْ (وَمِنْهَا الْوَصِيَّةُ بِاتِّخَاذِ الطَّعَامِ وَالضِّيَافَةِ يَوْمَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ) قِيلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُتَّخَذَ الطَّعَامُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِيَّةِ: إذَا أَوْصَى بِأَنْ يَتَّخِذُوا طَعَامًا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيُطْعِمُونَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ التَّعْزِيَةَ جَازَ مِنْ الثُّلُثِ انْتَهَى وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ إلَى أَهْلِ الْمُصِيبَةِ وَالْأَكْلِ عِنْدَهُمْ قَالَ حَمْلُهُ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِاشْتِغَالِ أَهْلِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا حَمْلُ الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَجْتَمِعُ النَّائِحَاتُ فَإِطْعَامُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَعَنْ الْقُنْيَةِ: وَفِي زَمَانِنَا تَتَعَارَفُ الْوَصِيَّةُ بِالطَّعَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْغَنِيِّ أَوْ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْمُوصِي تَبَعًا لِلْعُرْفِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمَصْرِفَ، وَعَنْ الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ أَوْصَى بِاتِّخَاذِ الطَّعَامِ لِلْمَأْتَمِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيُطْعَمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ التَّعْزِيَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ، وَيَحِلُّ لِلَّذِينَ يَطُولُ مَقَامُهُمْ عِنْدَهُ، وَلِلَّذِي يَجِيءُ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي لَا تَطُولُ مَسَافَتُهُ وَلَا مَقَامُهُ وَفِي التتارخانية فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ: إذَا قَالَ الْمُوصِي لِلْوَصِيِّ: أَعْطِ الْوَصِيَّةَ مَنْ شِئْت صَحَّتْ وَيُعْطِيهَا مَنْ شَاءَ مِنْ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ (وَبِإِعْطَاءِ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ لِمَنْ يَتْلُو الْقُرْآنَ لِرُوحِهِ أَوْ يُسَبِّحُ لَهُ أَوْ يُهَلِّلُ) وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَفِي النَّوَازِلِ رَجُلٌ أَوْصَى لِقَارِئِ الْقُرْآنِ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرِهِ بِشَيْءٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ قِيلَ عَنْ هَوَامِشِ الْمُصَنِّفِ عَنْ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَلَا لِصِلَةِ الْقَارِئِ بِقِرَاءَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ، وَالْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ انْتَهَى (أَوْ بِأَنْ يَبِيتَ عِنْدَ قَبْرِهِ رِجَالٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ) فِي الْجَلَاءِ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ وَسَبَبٌ لِأُمُورٍ مَكْرُوهَةٍ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الْقَبْرِ (أَوْ بِأَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بِنَاءٌ) عَنْ الْخُلَاصَةِ، وَفِي النَّوَازِلِ الْوَصِيَّةُ بِتَطْيِينِ الْقَبْرِ وَأَنْ يُضْرَبَ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ بَاطِلَةٌ، وَعَنْ السِّرَاجِيَّةِ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ فُلَانٌ، أَوْ يُحْمَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى بَلَدِ كَذَا، وَيُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ كَذَا، أَوْ يُطَيَّنَ قَبْرُهُ أَوْ يُضْرَبَ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ، أَوْ يُدْفَعَ إلَى إنْسَانٍ شَيْءٌ لِيَقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ (وَكُلُّ هَذِهِ بِدَعٌ مُنْكَرَاتٌ وَالْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَانِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمَا حَرَامٌ لِلْآخِذِ وَهُوَ عَاصٍ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا) ؛ لِأَنَّهُ رِيَاءٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدٌ وَلَا شَرْطٌ فَقَرَأَ لِرُوحِ الْمَيِّتِ لِمَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَعْطَاهُ قَرِيبُ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ

стр. 1187

بِطَرِيقِ الصِّلَةِ فَجَائِزٌ كَمَا سَبَقَ جِنْسُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ إعْطَاءُ الْمَاءِ مُتَعَارَفًا بِالْقِرَاءَةِ لَهُ أَوْ فِي قَبْرِهِ مَثَلًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عُرْفًا كَالْمُشْتَرَطِ شَرْطًا نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرُوفِيَّةُ فِي جَانِبِ الصِّلَةِ فَتَأَمَّلْ وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْكِتَابِ هُنَا مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَارِئٍ مُعَيَّنٍ لِقَصْدِ إينَاسِ الْمَيِّتِ بِالْقُرْآنِ أَوْ إسْمَاعِ الْأَحْيَاءِ أَوْ لِإِعَانَةُ مَنْ يَحْصُرُ وَقْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَتَفَرَّغُ وَقْتًا لِلِاكْتِسَابِ صَحِيحٌ فَتَكُونُ غَلَّةُ الْوَقْفِ صِلَةً لَا أُجْرَةً فَإِنْ جَعَلَ مَدَارَ الْجَوَازِ عَدَمَ الْعَقْدِ وَعَدَمَ قَصْدِ أَخْذِ الْمَالِ فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا لَكِنْ يَخْفَى حِينَئِذٍ كَوْنُ أَكْثَرِهِمْ قُيُودَاتِهِ حَشْوًا مُوهِمًا بَلْ مُشْعِرًا بِخِلَافِ مَقْصُودِهِ، وَإِنْ جَعَلَ مَدَارَهُ كَوْنَ الْقَارِئِ مُعَيَّنًا أَوْ نَحْوَ الْإِينَاسِ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْمُحِيطِ قَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ الْقَارِئُ مُعَيَّنًا يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ لَهُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ مُعَيَّنًا، وَفِي الْوَسِيلَةِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَبَعْدَ الْأُسْبُوعِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ تُتَّخَذُ عِنْدَ السُّرُورِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لِلْمُصِيبَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْأَطْعِمَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ عِنْدَ السُّرُورِ، وَلَا يُوصِي بِدَفْعِ شَيْءٍ لِمَنْ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرِهِ الْقُرْآنَ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ قَالَ فِي الْمُحِيطَيْنِ وَالْخُلَاصَةِ وَالِاخْتِيَارِ رَجُلٌ أَوْصَى لِقَارِئِ قُرْآنٍ عِنْدَ قَبْرِهِ بِشَيْءٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَنَقَلَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الثَّوَابَ لَا لِلْمَيِّتِ وَلَا لِلْقَارِئِ وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ نَاقِلًا عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَيُمْنَعُ الْقَارِئُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِذُ وَالْمُعْطِي آثِمَانِ، وَلَا يُوصِي بِتَجْصِيصِ الْقَبْرِ وَلَا تَطْيِينِهِ وَبِنَاءِ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ صَرَّحَ بِهَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ وَعَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّ عِمَارَةَ الْقُبُورِ لِلْإِحْكَامِ مَكْرُوهَةٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» قَالَ التوربشتي ﵀ قَوْلُهُ: وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، وَالْأُخْرَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خِبَاءً أَوْ نَحْوَهُ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ انْتَهَى، وَفِي التتارخانية عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «صَفْقُ الرِّيَاحِ وَقَطْرُ الْأَمْطَارِ عَلَى قَبْرِ الْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ» انْتَهَى وَلَمَّا اقْتَضَى تَحْقِيقُ ذَلِكَ زِيَادَةَ بَسْطٍ وَتَفْصِيلٍ لِكَثْرَةِ الْأَقْوَالِ وَلَمْ يَتَحَمَّلْ الْمَقَامُ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ أَحَالَ مَحَلَّ ذَلِكَ التَّحْقِيقِ إلَى رَسَائِلَ فَقَالَ (وَقَدْ بَيَّنَّا) أَدِلَّةَ (ذَلِكَ) وَتَحْقِيقَهُ عَلَى صَرِيحِ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَاقْتِضَاءِ قَوَاعِدِهِمْ (فِي بَعْضِ رَسَائِلِنَا) إذْ لِلْمُصَنِّفِ رَسَائِلُ سِوَاهَا كَمَعْدِلِ الصَّلَاةِ (السَّيْفِ الصَّارِمِ وَإِنْقَاذِ الْهَالِكِينَ وَإِيقَاظِ النَّائِمِينَ وَجَلَاءُ الْقُلُوبِ فَعَلَيْك) أَيُّهَا السَّاعِي لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَطْلَبِ الْخَفِيِّ الْمُهِمِّ (بِهَا وَطَالِعْهَا) لِتَخْرُجَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْأَوْهَامِ وَتَخْلُصَ عَنْ كَدُورَاتِ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ، وَتَدْخُلَ فِي أَنْوَارِ الْأَعْيَانِ، وَتَصِلَ إلَى ذُرْوَةِ التَّحْقِيقِ (حَتَّى تَعْلَمَ حَقِيقَةَ مَقَالِنَا) ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا فِيهَا هُوَ النُّقُولُ الصَّحِيحَةُ وَالْمَذَاهِبُ الْمُسْتَقِيمَةُ وَالْحُجَجُ الْيَقِينِيَّةُ [خَاتِمَة الْكتاب] ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا التَّصْنِيفُ مِنْ عَظَائِمِ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ لِعِظَمِهِ وَعَدَمِ نَظِيرِهِ وَمِثْلُهُ مَظِنَّةُ الْعُجْبِ وَنَحْوِهِ قَالَ شُكْرًا لَهُ تَعَالَى وَنَفْيًا لِدَوَاعِي نَحْوِ الْعَجَبِ تَبَرُّكًا وَاقْتِبَاسًا بِالْكَلَامِ الْقَدِيمِ (وَ) نَحْنُ (نَقُولُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَهُوَ الظَّاهِرُ ﴿الَّذِي﴾ [الأعراف: ٤٣] اقْتَضَاهُ الْمَقَامُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: نَقُولُ أَنْتَ وَلِمَنْ خَصَّ هَذَا الْحَمْدَ بِالْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي أُحِيلَ تَحْقِيقُهَا إلَى تِلْكَ الرَّسَائِلِ كَمَا يَشْهَدُهُ الذَّوْقُ وَكَمَا نَبَّهَ آنِفًا وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّ الْحَمْدَ كَمَا يَلْزَمُ فِي الْبِدَايَةِ يَلْزَمُ فِي النِّهَايَةِ كَمَا تَحَقَّقَ فِي مَحَلِّهِ، وَفِيهِ أَيْضًا حُسْنُ تَنَاسُبِ النِّهَايَةِ إلَى الْبِدَايَةِ ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أَوْصَلْنَا إلَى هَذَا التَّصْنِيفِ فَتَأَمَّلْ ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فَإِنَّ كُلَّ خَيْرٍ صَدَرَ مِنْ الْعَبْدِ لَيْسَ إلَّا بِتَوْفِيقِهِ - تَعَالَى. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَاللَّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ لَعَلَّ هَذِهِ الْهِدَايَةَ إنَّمَا هِيَ بِتَوْسِيطِ إرَادَةِ الْعِبَادِ عَلَى نَهْجِ حِكْمَتِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى

стр. 1188

إيجَادِهِ فِي الْعِبَادِ بِقُدْرَتِهِ الْمُسْتَقِلَّةِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْإِيجَابِيَّةِ الْغَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ بِمَعِيَّةِ إرَادَةِ الْعِبَادِ مَعَ إرَادَتِهِ - تَعَالَى، وَعَدَمِ تَوْسِيطِهِ بَلْ بِإِيجَادِهِ - تَعَالَى - فِي الْعَبْدِ بِلَا مَدْخَلِيَّةِ إرَادَةِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ جَبْرًا مَحْضًا وَقَدْ عَرَفْت التَّفْصِيلَ فِي الْمَبْحَثِ الِاعْتِقَادِيِّ سَابِقًا فَلَا تَتَجَاسَرْ عَلَى الْإِشْكَالِ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ شُكْرُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِعَبْدٍ مِثْلِهِ كَمَا يَشْكُرُهُ - تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ احْتِيَاجُهُ - تَعَالَى - فِي إيجَادِ فِعْلِ الْعَبْدِ إلَى إرَادَةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ نَقْصٌ وَاجِبُ تَنْزِيهِهِ وَأَيْضًا فِيهِ حُسْنُ الْخِتَامِ؛ لِأَنَّ إيذَانَ السَّامِعِ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ حَتَّى لَا يَبْقَى مَعَهُ لِلنَّفْسِ تَشَوُّفٌ إلَى مَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ تَحْمِيدٍ وَدُعَاءٍ، وَكَذَا اقْتِبَاسُهُ بِقَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] عَمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابُ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْحَقَّةِ وَحَقَائِقِ التَّقْوَى وَفُرُوعَاتِهَا كَالْأَخْلَاقِ وَغَيْرِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ الْمَقَامُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ إلَى جَمِيعِ مَا وَفَّقَهُ - تَعَالَى - مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ وَالْأَخْلَاقِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ تَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شَاءَ أَقَامَهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ عَنْهُ» وَقِيلَ: لَا تُبْلِنَا بِبَلَايَا تَزِيغُ فِيهَا قُلُوبُنَا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلَى الْحَقِّ كَالتَّصْنِيفِ أَوْ الْعُمُومِ، وَقِيلَ: لَفْظُ إذْ بِمَعْنَى إنْ ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] تُقَرِّبُنَا إلَيْك وَنَفُوزُ بِهَا عِنْدَك أَوْ تَوْفِيقًا لِلثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ أَوْ مَغْفِرَةً لِلذُّنُوبِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] مُبَالِغٌ فِي الْعَطَاءِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا غَرَضٍ أَوْ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَحُسْنِ الْخِتَامِ لَا سِيَّمَا بِرُتْبَةِ الشَّهَادَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى إلْحَاقِ الرِّفْقَةِ الْعَلِيَّةِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ - ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]- وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِحُسْنِ الْخِتَامِ، وَهُوَ غَايَةُ أَمَانِي الْعَارِفِينَ وَنِهَايَةُ قُصْوَى مَقَاصِدِ الْعَابِدِينَ، وَأَسْنَى مَرَاصِدِ الْعُبَّادِ الْمُتَوَرِّعِينَ وَأَعْلَى مَعَالِمِ الزَّاهِدِينَ الْمُتَّقِينَ، وَنَتِيجَةُ إنْزَالِ الْكُتُبِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَخُلَاصَةُ ثَمَرَةِ إرْسَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَلْنَسْأَلْ اللَّهَ - تَعَالَى - مُوجِبَاتِ رَحْمَتِهِ وَلْنَفْدِ أَجْسَامَنَا وَأَرْوَاحَنَا فِي تَحَمُّلِ مِحَنِهَا وَتَجَشُّمِ مَشَاقِّهَا وَتَذَوُّقِ أَتْعَابِهَا وَكُلُفَاتِهَا تَضَرُّعًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى بِنَحْوِ دُعَاءِ حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ اللَّهُمَّ اُحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَاسْتَعْمِلْنَا بِسُنَّتِهِ وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ وَاجْعَلْنَا فِي حِزْبِهِ اللَّهُمَّ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَمَا آمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَرَهُ وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَتَّى تُدْخِلَنَا مُدْخَلَهُ وَتَجْعَلَنَا مِنْ رُفَقَائِهِ - ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]- (اللَّهُمَّ صَلِّ) وَسَلِّمْ (عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ) لِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَم فَمَنْ سِوَاهُ إلَّا تَحْتَ لِوَائِي» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ» الْحَدِيثَيْنِ، وَفِي آخَرَ «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» ، وَفِي آخَرَ «آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي وَلَا فَخْرَ» وَالتَّفْصِيلُ فِيمَا سَبَقَ (وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْبَابِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خِتَامِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ كَمَا فِي بِدَايَتِهِ وَلَعَلَّك سَمِعْت ذَلِكَ فِي الْبِدَايَةِ تَفْصِيلًا قِيلَ مِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْ الْآلِيَّةِ وَالصَّحْبِيَّةِ كَعَلِيٍّ وَالْحَسَنَيْنِ أَوْ انْفَرَدَ بِالصَّحْبِيَّةِ فَقَطْ كَسَائِرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَوْ بِالْآلِيَّةِ كَأَشْرَافِ الزَّمَانِ، وَقَدْ عَرَفْت قَبْلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ إمَّا مِنْ جَانِبِ الْأَبِ فَقَطْ أَوْ هُوَ، وَمِنْ الْأُمِّ مُطْلَقًا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ فِي شَرَفِ الْأَوْلَادِيَّةِ فِي الْمُطْلَقِ، وَأَيْضًا فِي الْجَمْعِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْبابِيَّتِه وَأَوْلَوِيَّتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ - ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]-، وَفِيهِ إشَارَةٌ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْآلِ

стр. 1189

وَالصَّحْبِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْآلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَوَدَّةَ الْقُرْبَى أَقْدَمُ مِنْ مَوَدَّةِ الصُّحْبَةِ يَعْنِي: اسْتِحْقَاقُ الْقَرَابَةِ أَوْلَى وَأَقْدَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الصُّحْبَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى دَرَجَةِ الْفَضْلِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لَعَلَّ وَجْهَ التَّكْرِيرِ أَنَّ الْأَوَّلَ لِلنِّعْمَةِ الْخَاصَّةِ وَهَذَا لِلْعَامَّةِ أَوْ الْأَوَّلُ عَلَى الْفَضَائِلِ وَهَذَا عَلَى الْكُلِّ، أَوْ الْأَوَّلُ عَلَى كَوْنِ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ اخْتِيَارِيًّا، وَهَذَا عَامٌّ أَوْ الْأَوَّلُ اسْتِحْقَاقُهُ الْحَمْدَ مِنْ حَيْثُ صِفَاتُهُ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، أَوْ الثَّانِي حِكَايَةُ حَمْدِهِ - تَعَالَى - نَفْسَهُ عَلَى صِفَاتِهِ بِمَعْنَى إكْمَالِ كَمَالِ ضَرَاعَتِهِ كَمَا فَصَّلَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَطَالِعِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الثَّانِي هُوَ عَيْنُ الْمُرَادِ مِنْ الْأَوَّلِ عَلَى نَهْجِ التَّأْكِيدِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الْحَمْدِ لِقُوَّةِ عَظَمَةِ النِّعَمِ الَّتِي مِنْهَا التَّصْنِيفُ الَّذِي هُوَ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَأَعْظَمُ الْأَعْمَالِ الدَّائِمَةِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ وَأَقْوَى الصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةِ لِجَمْعِهِ جَمِيعَ مُهِمَّاتِ الدِّينِ اعْتِقَادًا وَأَخْلَاقًا وَأَعْمَالًا وَفِي إيثَارِهِ لَفْظَ الْحَمْدِ دُونَ الشُّكْرِ وَالْمَدْحِ عَمَلٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ» وَامْتِثَالٌ وَعَمَلٌ وَاقْتِبَاسٌ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ تَعْلِيمِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ ذِهْنٍ ذَاهِلٍ وَقَلْبٍ غَافِلٍ وَقَائِلٍ لَا فَاعِلٍ وَعَالِمٍ لَا عَامِلٍ وَوَاعِظٍ غَيْرِ مُتَّعِظٍ وَنَاصِحٍ غَيْرِ مُتَنَصِّحٍ وَآمِرٍ بِتَقْوَى غَيْرِ مُتَّقٍ كَطَبِيبٍ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ مَرِيضٌ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَغْلَطُونَ فِي اسْمِهِ فِي زَعْمِهِمْ بِحُسْنِهِ وَلَيْسَ بِحَسَنٍ فِي نَفْسِهِ لِتَبَحُّرِهِ فِي الْفُرُطَاتِ وَتَعَمُّقِهِ فِي إكْمَالِ التَّقْصِيرَاتِ لِكَوْنِهِ خَدِيمَ الْأَهْوَاءِ الْهُيُولَانِيَّةِ وَانْتِكَاسِهِ فِي مَهَاوِي سِجِّينِ الدُّنْيَاوِيَّةِ لِعَدَمِ نَظَرِ نَفْسِهِ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَعَدَمِ اتِّقَائِهِ فِي الْيَوْمِ بِرَغَدٍ فَأَيْنَ أَمْرُ «جَاهَدُوا فِينَا» حَتَّى يُتَوَصَّلَ إلَى «لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» وَقَدْ كَانَ مَنْ جَاهَدَ إنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤] وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ قَوْلٍ بِلَا عَمَلٍ وَدَعْوَى عِلْمٍ مَعَ تَقْصِيرٍ فِيهِ وَخَلَلٍ، وَمِنْ خَاطِرٍ دَعَانَا إلَى التَّصْنِيعِ فِي كِتَابٍ سَطَّرْنَاهُ أَوْ كَلَامٍ نَظَّمْنَاهُ أَوْ عِلْمٍ أَفَدْنَاهُ، وَمِنْ كُلِّ مَا زَلَّ بِهِ الْقَدَمُ أَوْ طَغَى بِهِ الْقَلَمُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ وِزْرًا وَوَبَالًا وَيَجْعَلَهُ ذَرِيعَةَ عَفْوٍ وَغُفْرَانٍ وَسَلَامَةَ بَالٍ وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ عَدَّ نَفْسِي مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ بَلْ إنْجَازَ وَعْدٍ سَبَقَ فِي حُضُورِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ خِدْمَةً وَقُرْبَةً لِرَحْمَةِ الْعَالَمِينَ عَسَى أَنْ يَحْشُرَنِي اللَّهُ فِي زُمْرَتِهِ مَعَ الصَّالِحِينَ وَقَدْ اتَّفَقَ مَسْكِيَّةُ الْخِتَامِ قُبَيْلَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ اللَّيَالِي الْعِظَامِ وَظَهَرَ أَثَرُ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ بِإِشَارَاتٍ قُدْسِيَّةٍ وَتَلْوِيحَاتٍ أُنْسِيَّةٍ لَائِحَةٍ بِالْقَبُولِ وَالْإِحْسَانِ لِكُلِّ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ فَحَمْدًا ثُمَّ حَمْدًا ثُمَّ حَمْدًا لَهُ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى أَفْضَلِ مَنْ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِ كُلٍّ أَجْمَعِينَ فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنْ هِجْرَةِ مَنْ لَهُ الْعِزُّ وَالشَّرَفُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آمِينَ