← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَرَجَعَ فَقِيلَ لَهُ لَوْ حَوَّلَتْ رَأْسَ دَابَّتِكَ) مَا يَلْزَمُ شَيْءٌ (فَقَالَ) إبْرَاهِيمُ (إنَّمَا اسْتَأْجَرْتُهَا لِأَذْهَبَ وَلَمْ اسْتَأْجِرْهَا لِأَرْجِعَ) وَمِثْلُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرَخَّصًا فِي الْعَادَةِ وَجَائِزًا فِي الْفَتْوَى لَكِنْ لِكَمَالِ وَرَعِهِ وَاهْتِمَامِهِ احْتَاطَ وَنَزَلَ فَهَذَا عَمَلٌ بِالتَّقْوَى. (وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) لَعَلَّهُ مِنْ التَّابِعِينَ (وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ فِي الشَّامِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ فَانْكَسَرَ قَلَمُهُ فَاسْتَعَارَ قَلَمًا فَلَمَّا فَرَغَ نَسِيَ الْقَلَمَ وَجَعَلَهُ فِي مِقْلَمَتِهِ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى مَرْوَ رَأَى الْقَلَمَ وَعَرَفَ (أَنَّهُ عَارِيَّةٌ) فَتَجَهَّزَ بِالْخُرُوجِ إلَى الشَّامِ لِيَرُدَّ الْقَلَمَ) مَعَ خِفَّةِ ثَمَنِهِ وَقِلَّةِ أَمْرِهِ تَحَرُّزًا عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَاحْتِيَاطًا فِي أَمْرِ دِينِهِ عَنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الشَّامِ وَمَرْوَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَعَدَمُ إرْسَالِهِ بِالْغَيْرِ إمَّا لِعَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ لِعَدَمِ وَثَاقَتِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ فَتَجَهَّزَ إمَّا كِنَايَةٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْمُسَافَرَةِ أَوْ التَّأَخُّرِ عَنْ الْخُرُوجِ لِمَانِعٍ. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمَثِّلَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْبَهَائِمِ فَقَالَ (وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ ﵀ أَنَّهُ اشْتَرَى بِهَمَذَانَ حَبَّ الْقُرْطُمِ) ثَمَرُ شَجَرِ الْعُصْفُرِ (فَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَحَمَلَهُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى بِسْطَامٍ رَأَى فِيهِ نَمْلَتَيْنِ فَرَجَعَ) مِنْ بِسْطَامٍ (إلَى هَمَذَانَ) لِأَجْلِ النَّمْلَتَيْنِ مَرْحَمَةً لَهُمَا وَشَفَقَةً بِهِمَا وَخَوْفًا مِنْ احْتِمَالِ ظُلْمِهِمَا بِتَفْرِيقِهِمَا مِنْ رُفَقَائِهِمَا وَمَكَانِهِمَا وَبَيْنَ هَمَذَانَ وَبِسْطَامَ مُدَّةُ أُسْبُوعٍ (وَوَضَعَ النَّمْلَتَيْنِ) مَكَانَهُمَا. (وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ غَسَلَ ثَوْبَهُ فِي الصَّحْرَاءِ مَعَ صَاحِبٍ لَهُ فَقَالَ صَاحِبُهُ نُعَلِّقُ الثِّيَابَ مِنْ جُدَرَانِ الْكُرُومِ) أَشْجَارُ الْعِنَبِ (فَقَالَ لَا نَغْرِزُ الْوَتَدَ فِي جِدَارِ النَّاسِ فَقَالَ) الصَّاحِبُ (نُعَلِّقُهُ مِنْ الشَّجَرِ فَقَالَ) الشَّيْخُ (لَا) نَفْعَلُ (لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الْأَغْصَانَ) فَيَتَضَرَّرُ صَاحِبُهَا (فَقَالَ نَبْسُطُهُ عَلَى الْإِذْخِرِ) نَبْتٌ مَعْرُوفٌ (فَقَالَ لَا؛ لِأَنَّهُ عَلَفُ الدَّوَابِّ لَا نَسْتُرُهُ عَنْهَا) عَنْ الدَّوَابِّ لِئَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْنَا حَقُّهَا (فَوَلَّى) الشَّيْخُ (ظَهْرَهُ إلَى الشَّمْسِ حَتَّى جَفَّ جَانِبُهُ) الَّذِي يَلِيهَا (ثُمَّ قَلَبَهُ حَتَّى جَفَّ الْجَانِبُ الْآخَرُ) فَجَعَلَ نَفْسَهُ وِقَايَةً بَيْنَ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَحَقِّ الْبَهِيمَةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ التَّوَرُّعِ وَلِزِيَادَةِ اهْتِمَامٍ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ فِي ظِلِّ شَجَرَةِ غَرِيمِهِ) أَيْ مَدْيُونِهِ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ مِنْهُ (وَيَقُولُ فِي الْخَبَرِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا» إلَى الْمُقْرِضِ «فَهُوَ رِبًا» ، فَإِنَّ الِاسْتِظْلَالَ مِنْ قَبِيلِ جَرِّ النَّفْعِ. لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ رِبًا عِنْدَ كَوْنِ النَّفْعِ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ فِي الْفَتْوَى فَاحْتِرَازُهُ عَنْهُ بِلَا اشْتِرَاطِ طَرِيقِ التَّقْوَى وَالْحَدِيثُ بِلَفْظِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ شَارِحُهُ عَنْ السَّخَاوِيِّ إنَّ إسْنَادَهُ سَاقِطٌ، وَعَنْ الذَّهَبِيِّ مَتْرُوكٌ لَكِنْ قِيلَ إنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ اعْتَضَدَ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً

стр. 1122

وَلِذَا عَمِلَ بِهِ إمَامُنَا وَعُلَمَاؤُنَا انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا رَوَى الِاتِّفَاقَ عَنْهُمْ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ إنْ فِي احْتِيَاطِ عَمَلٍ كَمَا فِي بَابِ الْفَضَائِلِ مُطْلَقًا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَدُقُّ بَابَ دَارِ غَرِيمِهِ فَيَرْجِعُ الْقَهْقَرَى إلَى الشَّمْسِ وَلَا يَمْكُثُ فِي ظِلِّهِ وَيَقُولُ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا» وَرُوِيَ أَنَّهُ بَيْنَمَا يَمُرُّ فِي السُّوقِ أَصَابَ مِنْ قَدِمَهُ أَذًى إلَى جِدَارِ كَافِرٍ فَتَفَكَّرَ فِي إزَالَتِهِ فَلَمْ يَجِدْ وَجْهًا مَعْقُولًا لَهَا بِلَا ضَرَرٍ فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَ صَاحِبُهُ فَقَالَ صَدَرَ مِنِّي ذَلِكَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طَرِيقِ خَلَاصِهِ وَتَطْهِيرِهِ فَهَدَاهُ اللَّهُ لَهُ فَأَسْلَمَ وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ وُضُوئِهِ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ تُفَّاحَةً مِنْ النَّهْرِ فَلَمَّا أَكَلَ نِصْفَهَا بِلَا رَوِيَّةٍ خَطَرَ لَهُ أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ فَتَفَحَّصَ عَنْ صَاحِبِهَا فَاسْتَحَلَّهُ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ مِنْ الْحِلِّ امْتِحَانًا، فَقَالَ أُعْطِي قِيمَتَهَا، فَامْتَنَعَ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ لِي بِنْتًا مَفْلُوجَةَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَمْيَاءَ الْعَيْنَيْنِ صَمَّاءَ الْأُذُنَيْنِ سَاكِنَةً فِي بِئْرٍ أَبَدًا فَقَالَ الصَّاحِبُ اقْبَلْهَا وَأَنَا أُحِلُّ التُّفَّاحَةَ فَتَزَوَّجَ هَذِهِ، فَإِذَا هِيَ تَامَّةُ الْأَعْضَاءِ فَسُئِلَ مِنْهَا قَالَتْ يُرِيدُ أَبِي كَأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عِصْيَانٌ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ أَصْلًا، ثُمَّ وُلِدَ الْإِمَامُ فَأَرْسَلَ إلَى الْمُعَلِّمِ عِنْدَ بُلُوغِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ فَبَشَّرَ أَبَاهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ بِأَنَّهُ قَرَأَ نِصْفَ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ نِصْفُ تِلْكَ التُّفَّاحَةِ لَخَتَمَ ابْنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ الْوَاحِدِ (وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ مَكْتُوبًا) مَفْعُولًا ثَانٍ (لِيُوَصِّلَهُ إلَى رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ سَوْفَ أَسْتَأْذِنُ الْمُكَارِيَ، فَإِنْ أَذِنَ أَحْمِلُهُ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ (فَانْظُرْ) وَتَأَمَّلْ وَاعْتَبِرْ أَيُّهَا السَّالِكُ (إلَى دِقَّةِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ) فِي الدِّينِ وَاهْتِمَامِهِمْ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْ الْآثَامِ (وَمُسَاهَلَةِ أَكْثَرِ مَشَايِخِ هَذَا الزَّمَانِ) الْأَظْهَرُ مُتَشَيِّخِي هَذَا الزَّمَانِ (حَتَّى لَا تَغْتَرَّ بِزِيِّهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ) . قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ انْقَرَضَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَّا أَثَرُهُمْ، أَمَّا الْخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ حَصَلَتْ الْفَتْرَةُ فِي الطَّرِيقِ لَا بَلْ انْدَرَسَتْ الطَّرِيقَةُ فِي الْحَقِيقَةِ. مَضَى الشُّيُوخُ الَّذِينَ لَهُمْ اهْتِدَاءٌ وَقَلَّ الشَّبَابُ الَّذِينَ لَهُمْ بِسِيرَتِهِمْ وَبِسُنَّتِهِمْ اقْتِدَاءٌ. زَالَ الْوَرَعُ وَطَوَى بِسَاطَهُ وَاشْتَدَّ الطَّمَعُ وَقَوِيَ رِبَاطُهُ وَارْتَحَلَ عَنْ الْقُلُوبِ حُرْمَةُ الشَّرِيعَةِ فَعَدُّوا قِلَّةَ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ أَوْثَقَ ذَرِيعَةٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَ، وَقَالَ فِي الْفَوَائِحِ فِي ذَمِّ مَشَايِخِ الزَّمَانِ إنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى حُبِّ الْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْمُرِيدِينَ فَلَا وَاَللَّهِ بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ أَنْ تَظْهَرَ آثَارُ الشَّقَاوَةِ عَلَى مُرِيدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى مُرِيدِهِمْ فِي الْآخِرَةِ [الْبَابُ الثَّالِثُ خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الدِّقَّة فِي أَمَرَ الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة] [النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الدِّقَّةُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة أَنَّهَا بِدْعَة لَمْ تصدر عَنْ النَّبِيّ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ صِنْفَانِ] (الْبَابُ الثَّالِثُ) خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ (فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ بِسَبَبِ نَوْعِ مُنَاسَبَةٍ وَمُشَابَهَةٍ لَهَا وَإِكْبَابِ بَعْضِ) إصْرَارِ (الزُّهَّادِ فِي زَمَانِنَا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ مِنْهُمَا) مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ (فِي شَيْءٍ بَلْ هِيَ) أَيْ تِلْكَ الْأُمُورُ (بِدَعٌ حَدَثَتْ بَعْدَ) انْقِرَاضِ (الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَعْدُودَةٌ مِنْ الْوَسْوَسَةِ وَالْوَرَعِ الْبَارِدِ) الَّذِي يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ (وَتِلْكَ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّ أَعْظَمَهَا ثَلَاثَةٌ نُبَيِّنُ كُلًّا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: اعْلَمْ

стр. 1123

أَنَّ مُرَادَنَا بِالدِّقَّةِ فِيهِمَا) فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ) وَالْمُبَالَغَةُ فِي صَبِّهِ (وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ) الْمَشْرُوعِ (فِي عَدَدِ الْغَسْلِ) كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَالْعَصْرِ) فِيمَا يَطْهُرُ بِالْعَصْرِ كَالتَّثْلِيثِ (فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحُكْمِيَّةِ (وَالْأَخْبَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ مُغَلَّظَةً أَوْ مُخَفَّفَةً (وَغَسْلِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ) بِمُجَرَّدِ وَهْمِ النَّجَاسَةِ وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِخِلَافِ غَسْلِ الطَّاهِرِ لِلْوَسَخِ وَالدَّنَسِ وَالنَّظَافَةِ (وَعَدِّ الْمَاءِ الطَّاهِرِ) فِي نَفْسِهِ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ طَهَارَتَهُ يَقِينًا وَيُوهِمُ طُرُوُّ النَّجَاسَةِ بِلَا دَلِيلٍ (نَجِسًا) بِكَسْرِ الْجِيمِ فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَنَجَّسُ وَبِالْفَتْحِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (وَ) أَيْضًا (الِاحْتِرَازُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي شَيْءٍ مَا (وَإِصَابَتِهِ) لِشَيْءٍ كَبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ) وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا ظَنٍّ بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ اعْلَمْ أَنَّ الْوَهْمَ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ، وَالظَّنُّ رُجْحَانُ جِهَةِ الصَّوَابِ، وَالشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ. وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَغَالِبُ الظَّنِّ فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالظَّنُّ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ (وَتَرْكُ بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ) وُجُوبًا أَوْ نَدَبًا (بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِهَا) بِالْوَسَاوِسِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهِمَا وَفَسَّرَ بِأَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ) فِي عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مُكَوِّنَاتِهِ وَآلَائِهِ تَعَالَى تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ التَّفْصِيلُ فَمَنْ فَسَّرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ لَمْ يُصِبْ (وَالتَّذْكِيرِ) وَالْعِظَةِ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوَسِّعَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ (بَلْ الْجَمَاعَةُ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ (وَالصَّلَاةُ) رَاتِبَةً أَوْ نَفْلًا كَالضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ (وَفِعْلُ بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ) بَلْ الْمَنْهِيَّاتِ (كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ) كَمَا فِي الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالتَّطَهُّرِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ يَمْضِي الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ (وَتَعْيِينِ إنَاءٍ لِلْوُضُوءِ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ إنَاءِ غَيْرِهِ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغَيْرَ عَنْ إنَائِهِ وَهُمَا مِنْ التَّجْنِيسِ (وَ) تَعْيِينِ (سَجَّادَةٍ لَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا غَيْرُهُ عَلَيْهَا) مَعَ أَنَّهُمَا مَكْرُوهَانِ فِي الشَّرْعِ يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا مَعَ أَنَّهُ وَرَعٌ بَارِدٌ. [الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ] (وَالسُّؤَالُ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالْإِنَاءِ وَالْمَكَانِ وَالْبِسَاطِ وَاللِّبَاسِ بِلَا أَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ) دَالَّةٍ (عَلَى نَجَاسَتِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِمَّا لَا يَلْزَمُ فِيهِ التَّعَمُّقُ وَالتَّوَغُّلُ مِثْلُ السُّؤَالِ عَنْ حِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِمَا (فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي كَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالتَّفْتِيشِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ بِدْعَةً) الظَّاهِرُ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا (لَمْ تَصْدُرْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ) مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا قَبْلَ هَذَا مَعْنَى السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي عُرْفِهِمْ فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا ذُكِرَ خَارِجٌ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةٌ قُلْنَا: إنْ بِاتِّفَاقِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَدَاخِلٌ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ بِاخْتِلَافٍ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْخِلَافُ فَقَدْ يَصْلُحُ حُجَّةً، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فِي بَحْثِ السُّنَّةِ وَقَدْ قَرَّرَ أَيْضًا فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُطَالِبَ الظَّنِّيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ مَنْ يَحْسُنُ الظَّنُّ بِهِ (وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى سَعَةٍ وَرُخْصَةٍ وَفَتْوَى بِهِمَا) الْأَوْلَى بِهَا؛ إذْ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى السَّعَةِ (فِيهِ) أَيْ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالْفَتْوَى لَا الْعَزِيمَةِ وَالتَّقْوَى فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ صُدُورُ الرُّخْصَةِ مِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا أَحْيَانًا أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِالْأَوْلَى وَالِاحْتِيَاطِ لَيْسَ إلَّا طَرِيقُ الْوَرَعِ فَإِنْ قِيلَ عَنْ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُفْعَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ

стр. 1124

رُخْصَةَ رَبِّهِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ هُوَ الِاسْتِمْرَارُ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ قَالَ شَارِحُهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ سِيَّمَا الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ وَتَرْكُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الضَّرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ «إنَّ اللَّه يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» إذْ الْكُلُّ فِي مَحَلِّهِ؛ إذْ الْوُضُوءُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا الْإِتْمَامُ أَوْلَى مِنْ الْقَصْرِ فَيُطْلَبُ فِعْلُ الرُّخَصِ فِي مَوَاضِعِهَا وَالْعَزَائِمِ كَذَلِكَ فَإِنْ تَعَارَضَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ رَاعَى الْأَفْضَلَ كَذَا فِي الْفَيْضِ أَيْضًا (بَلْ) كَانُوا (عَلَى مَنْعِ التَّوَغُّلِ فِيهِ) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَهُوَ) أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ (صِنْفَانِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّنْفَ الْأَوَّلَ فِي إثْبَاتِ التَّحْقِيقِيِّ بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ لِكَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مَذْمُومَةً، وَالثَّانِي فِي الْإِثْبَاتِ التَّقْلِيدِيِّ لَهُ بِفَتْوَى مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (وَخَيْرُ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ (د عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَا» أَيْ بَيْنَ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فِي نَعْلَيْهِ؛ إذْ خَلَعَهُمَا» مِنْ رِجْلَيْهِ «فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ» قِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَلْعِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ أَوْ عَلَى كَوْنِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ غَيْرَ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ» لَعَلَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ وَجْهَ الْخَلْعِ لَكِنَّهُ سَأَلَ تَمْهِيدًا لِمَنْ يُجِيبُهُ «قَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا» ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ ﵊. وَأَمَّا احْتِمَالُ الْخَوَاصِّ وَالزَّلَّةِ فَبَعِيدٌ وَخِلَافُ سِيرَتِهِ ﵊ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْمِلُوا عَلَى إصَابَةِ النَّجَسِ لِعِلْمِهِمْ اهْتِمَامَهُ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ مِثْلِهِ وَسِيَّمَا عِنْدَ تَتَالِي نَسْخِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا وُقُوعُ هَذَا الْقَدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحِكْمَةٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَصْلَحَةِ إعْلَامِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ جَبْرَائِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» بِفَتْحِ الذَّالِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِهَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ضِدُّ الطَّاهِرِ أَوْ الطَّهَارَةِ «وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ» مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ أَوْ بِمَعْنًى لُغَوِيٍّ يَعْنِي مَحَلَّ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَوْ عُمُومَ مَجَازٍ «فَلْيَنْظُرْ» بِعَيْنِهِ «فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ» فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّعْلَيْنِ. وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُلْبَسُ بِالرِّجْلِ، وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِكَوْنِهِمَا مَظَانَّ الْإِصَابَةِ فَيَكُونُ نَزْعُ غَيْرِهِمَا مُقَايَسَةً «قَذَرًا أَوْ أَذًى» قِيلَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فَفِيهِ نَظَرٌ فَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ «فَلْيَمْسَحْهُ» إنْ مِنْ قَبِيلِ مَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ «خَبَثًا» بَدَلَ قَذَرًا (فِي الْمَوْضِعَيْنِ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَيَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبَعْضِ مَعَ النَّجَاسَةِ بِلَا عِلْمٍ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَعَهَا رُكْنٌ، وَالْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ قَدْرُ عَدَمِ أَدَاءِ رُكْنٍ، وَكَوْنُ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ مَفْهُومِيَّةُ الْبِنَاءِ بِلَا اسْتِئْنَافٍ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ صَرِيحًا إلَّا أَنْ يُدَّعَى مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا قَضَى الدَّلَالَةَ عَلَى الْبِنَاءِ، وَيُدَّعَى أَنَّ الْبِنَاءَ مَعَ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ قَدْرِ أَدَاءِ رُكْنٍ وَيُدَّعَى أَيْضًا أَنَّ خَبَرَ جَبْرَائِيلَ يَقْتَضِي كَوْنَ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَنْعِ الصَّلَاةِ

стр. 1125

(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ الْأَذَى» أَيْ النَّجَسَ «فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَوْقِعَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلْيَمْسَحْهُ بِالتُّرَابِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ آنِفًا؛ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ كَالْآيَةِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِ إنْ عَيْنُهُ مَرْئِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ إذَا أَصَابَتْ النَّعْلَ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا إذَا كَانَتْ يَابِسَةً بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ رَطْبَةً فَكَذَا فِي الْمُخْتَارِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِلَّا مِثْلَ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَطَهَارَتُهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرِ كَذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ الْعَصْرُ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنْ إذَا نَثَرَ عَلَيْهَا التُّرَابَ قَبْلَ الْجَفَافِ حَتَّى صَارَتْ مُتَجَسِّدَةً يَكْفِيهَا زَوَالُ الْعَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا فِي الْخُفِّ، وَالثَّوْبُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا إذَا نَتَرَ بَعْدَ الِابْتِلَالِ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُحَشِّي. وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَطْهُرُ الْخُفُّ مِنْ غَيْرِ الْمَنِيِّ الْجَافِّ إلَّا بِالْغَسْلِ كَالنَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ هَذَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ فُقَهَاءَنَا وَقَفُوا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ خَفَاءٌ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْغَسْلِ بَلْ اكْتَفَى بِالتُّرَابِ فَمَنْ تَكَلَّفَ بِالْغَسْلِ فَقَدْ ابْتَدَعَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مُضَايَقَةِ الْمَاءِ أَوْ مُضَايَقَةِ الْوَقْتِ أَقُولُ: لَعَلَّ الْحَدِيثَ هُوَ بَيَانُ الرُّخْصَةِ وَأَصْلُ الْجَوَازِ، وَلَا يَمْنَعُ الْغَسْلَ بَلْ أَوْ أَوْلَوِيَّتُهُ وَأَحْوَطِيَّتُهُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخْتَارٌ فِي التَّطْهِيرِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُطَهِّرَاتِ (خ م عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ» فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ الرُّخَصِ الْمَطْلُوبَةِ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ مَنْ يَدَّعِي التَّوَرُّعَ لَا يُصَلِّي بِالنَّعْلِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّ النَّعْلَ رُبَّمَا يَمُرُّ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَالْعَذِرَةِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَشَرُّبِ النَّجَاسَةِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَالصَّفِيُّ يُحْتَرَز عَنْهُ (د عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَالِفُوا الْيَهُودَ» . وَفِي رِوَايَةٍ «وَالنَّصَارَى» أَيْ وَصَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ وَخِفَافِكُمْ «فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهِمْ» فَصَلُّوا أَنْتُمْ فِيهَا إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً غَيْرَ مُتَنَجِّسَةٍ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ مَنْ تَنَجَّسَ نَعْلُهُ إذَا دَلَكَهُ عَلَى الْأَرْضِ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ «وَلَا نِعَالِهِمْ» وَكَانَ مِنْ شَرْعِ مُوسَى نَزْعُ النِّعَالِ فِي الصَّلَاةِ - ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]- وَكَانَ الْمُوجِبُ لِلنَّزْعِ أَنَّهُمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَالْتَزَمَهُ الْيَهُودُ فَلِهَذَا أُمِرَ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِيهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَحِكْمَةُ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَخَشْيَةُ أَنْ يَتَأَذَّى أَحَدٌ بِنَعْلَيْهِ إذَا خَلَعَهُمَا مَعَ مَا فِي لُبْسِهِمَا مِنْ حِفْظِهِمَا مِنْ سَارِقٍ أَوْ دَابَّةٍ تَنَجُّسِ نَعْلِهِ قَالَ: وَقَدْ نَزَعْت نَعْلِي مَرَّةً فَأَخَذَهُ كَلْبٌ فَعَبِثَ بِهِ وَنَجَّسَهُ كُلَّهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ هِيَ مِنْ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لَا مِنْ الْمَنْدُوبِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فَيَكُونُ نَدْبُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنْ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْعُقَيْلِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ الْمُحَشِّي: مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ لِكَوْنِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمْحَةً سَهْلَةً وَلِذَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَحِلُّ الرَّفَثِ

стр. 1126

لَيْلَةَ الصِّيَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَقُولُ يَشْكُلُ بِقَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ هِيَ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ثَبَتَ كَوْنُهُ شَرِيعَةً لِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ شَرِيعَةٌ أَبَدًا مَا لَمْ يَظْهَرْ النَّسْخُ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَاسِخٌ يَرُدُّهُ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ لَا يَنْسَخُ الشَّرِيعَةَ الثَّابِتَةَ نَعَمْ إنَّ مِثْلَ مَا ذُكِرَ لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِكَوْنِهِ شَرِيعَةً لِمُوسَى ﵊ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ تَحْرِيفَاتِهِمْ. (خ م «عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ أُمَّهُ» أَيْ أُمَّ أَنَسٍ أَعْنِي «مُلَيْكَةَ» بِالتَّصْغِيرِ «دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ» أَيْ صَنَعَتْ أُمُّهُ مُلَيْكَةُ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَهُ ﵊ وَقَدْ كَانَ مِنْ تَوَاضُعِهِ يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ دَعَاهُ، وَلَوْ إلَى ذِرَاعٍ «فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَأُصَلِّيَ بِكُمْ قَالَ أَنَسٌ» - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ» أَيْ فُرِشَ تَحْتَ الْأَقْدَامِ «فَنَضَحْته بِمَاءٍ» أَيْ أَفَضْت عَلَيْهِ مَاءً لِيَذْهَبَ بَعْضُ وَسَخِهِ «فَقَامَ عَلَيْهِ» مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَتِهِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ» قِيلَ اسْمُهُ ضُمَيْرَةُ «وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ» أَيْ مُلَيْكَةَ إنَّمَا أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الضَّمِيرِ وَعَبَّرَ بِالْوَصْفِ دُونَ الْعَلَمِ إشَارَةً إلَى أَدَبِ تَرْتِيبِ الصَّفِّ فَافْهَمْ «مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ» مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ. قِيلَ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي أَمَّا لَوْ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ وَاثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يُكْرَهُ وَإِذَا اقْتَدَى ثَلَاثَةٌ بِوَاحِدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَإِذَا اقْتَدَى أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ اضْطِرَابٍ إذْ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إطْلَاقُ الْجَوَازِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّمَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ إلَى آخِرِهِ جَوَازُ مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَلَوْ أَرْبَعَةً مَثَلًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّدَاعِي، وَأَيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ مِنْ الْحَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ بِجَمَاعَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي مَكْرُوهٌ مَا عَدَا التَّرَاوِيحَ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَالْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَالْبَرَاءَةِ وَالْقَدْرِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مَوْضُوعَةٌ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ، وَالْحِيلَةُ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا بِنَحْوِ النَّذْرِ بِالْجَمَاعَةِ أَيْضًا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْبَزَّازِيِّ. (حَدّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضَافَهُ الْيَهُودِيُّ» مِنْ الضِّيَافَةِ فَإِنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ مِنْ كَمَالِ حِسَانِ خُلُقِهِ «بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ» أَيْ دَسَمِ لَحْمٍ فَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ فَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْيَهُودِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ طَهَارَتِهِ، وَأَنَّ الْإِهَالَةَ مِنْ دَسَمٍ أَيْ حَيَوَانٍ وَهَلْ عَجَنَ الْخُبْزَ بِالْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْخَمْرِ (وَثَبَتَ) فِي نَحْوِ الصَّحِيحَيْنِ (أَكْلُهُ ﵊ فِي بَيْتِ الْيَهُودِيَّةِ) بِلَا سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَةِ وَذَكَاةِ الشَّاةِ فَدَلَّ عَلَى السَّعَةِ وَتَرْكِ التَّدْقِيقِ (الَّتِي سَمَّتْهُ) عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ يَهُودِيَّةَ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَشْوِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ ﵊ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ: سَمَمْت هَذِهِ الشَّاةَ فَقَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَك قَالَ أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ الذِّرَاعُ الَّتِي فِي يَدِي قَالَتْ نَعَمْ قُلْت: إنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِلَّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفَا عَنْهَا، وَلَمْ يُعَاقِبْهَا أَوَّلًا فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ لُقْمَةٍ تَنَاوَلَهَا مِنْهَا أَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقُتِلَتْ مَكَانَهُ» وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَسْطُورُ قِيلَ: لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَجَابِرٌ مِنْ الْمُخَالَفَةِ؛ إذْ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ صَرِيحٌ فِي أَكْلِهِ ﵊ وَمَا ذُكِرَ عَنْ جَابِرٍ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ أَكْلَهُ صَرِيحٌ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَلَيْت شِعْرِي وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ شَخْصًا بِالسُّمِّ لَا يُقْتَلُ قِصَاصًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ النَّسْخِ أَوْ الْخَاصَّةِ لَهُ ﵊ -

стр. 1127

(وَ) ثَبَتَ أَيْضًا «تَوَضُّؤُهُ) ﵊ (مِنْ مَزَادَةٍ» هِيَ كَالْإِدَاوَةِ إنَاءُ الْمَاءِ «لِمُشْرِكَةٍ» فِي بَيْتِهَا أَيْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ مَعَ احْتِمَالِ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ بِلَا سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَتِهَا. (خ م عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -) فِيهِ تَغْلِيبُ الشُّرَافَةِ عَلَى الْعَدَدِ؛ إذْ الصَّحَابِيُّ هُوَ الْجَدُّ، وَالْبَاقُونَ تَابِعُونَ فَحَقُّهُمْ الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ (أَنَّهُ قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا ثَلَاثًا» حِينَ سَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ الْوُضُوءِ. «وَقَالَ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ» أَيْ الْأَدَبَ (بِتَرْكِ السُّنَّةِ) فَإِنَّ الِازْدِيَادَ اسْتِنْقَاصٌ لِمَا اسْتَكْمَلَهُ الشَّارِعُ وَأَمَّا مُدَّعِي التَّوَرُّعِ فَيَزِيدُ اعْتِقَادًا لِلتَّوَرُّعِ فِيهِ قِيلَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ إكْمَالُهُ وَقِيلَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تَقَعُ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالثَّمَرَةُ فِي كَثْرَةِ السُّجُودِ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ السُّنَّةِ قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُجْزِئَ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيَجُوزُ بِالْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ثُمَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ اكْتَفَى بِالْوَاحِدَةِ قِيلَ: يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ. (خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلَانِ وَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا قَالَ فِي الْفَيْضِ وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ رِطْلٍ بِرِطْلِ بَغْدَادَ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ وَثَمَانِيَةً عِنْد الْعِرَاقِيِّينَ وَرُبَّمَا زَادَ فِي غُسْلِهِ عَلَى الصَّاعِ، وَرُبَّمَا نَقَصَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَرِطْلُ بَغْدَادَ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَالنَّوَوِيِّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا لِإِرَادَةِ كَسْرِ الْجَبْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ بِهِ «وَ» كَانَ «يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَرُبَّمَا يَتَوَضَّأُ بِثُلُثَيْهِ تَارَةً وَبِأَزْيَدَ مِنْهُ أُخْرَى نَحْوَ أَرْبَعِ أَوَاقٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُجْزِئَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيُجْزِئُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَيْثُ وُجِدَ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْقُصَ وَلَا يَزِيدَ عَلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ لِمَنْ بَدَنُهُ كَبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ وَوُقُوعُ غَيْرِهِ لَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَبَدَانِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَنْبَلَ وَأَعْظَمَ مِنْ أَبْدَانِ النَّاسِ الْآنَ؛ لِأَنَّ خَلْقَ النَّاسِ لَمْ يَزَلْ فِي نَقْصٍ إلَى الْيَوْمِ، وَعَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ تَوَقَّفَ فِي إمْكَانِ جَرْي الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِذَلِكَ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَيُقِرُّ بِهِ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ ﵊ وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الْمُغْتَسِلِ وَعَلَيْهِ الْقَصْدُ وَهُوَ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَهُوَ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا» مِنْ الرِّيحِ «فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ» أَيْ الْأَمْرُ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «أَخَرَجَ» مِنْهُ شَيْءٌ «أَمْ لَا» وَالْجَوَابُ «فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ» يَعْنِي لَا يَنْصَرِفُ مِنْ مُصَلَّاهُ إنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ هُوَ خَارِجُ خَارِجٌ عَنْ كَوْنِهِ مُصَلِّيًا مُبَالَغَةً. «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ وِجْدَانِ الرِّيحِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ حَقِيقَتَهُمَا بَلْ هُمَا كِنَايَتَانِ عَنْ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ الْحَدَثِ قِيلَ: الْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي قَوْلِهِ إنَّ الرِّيحَ مِنْ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَدُفِعَ بِعَدَمِ الْعَادَةِ مِنْ الْقُبُلِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا

стр. 1128

(وَفِي رِوَايَةِ د) أَبِي دَاوُد (قَالَ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ» أَيْ شَكَّ فِيهِمَا «فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ» بِعَدَمِ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ «فَلَا يَنْصَرِفُ» مِنْ الصَّلَاةِ «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَلِذَا قَالُوا الْحَرَكَةُ الَّتِي فِي الدُّبُرِ إذَا لَمْ تَنْبَعِثْ مِنْ الْبَطْنِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهَا اخْتِلَاجٌ نَاشِئٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعِنْدَ فُقَهَائِنَا الْإِطْلَاقُ فَإِمَّا نَقُولُ لَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ عِنْدَنَا فِي النَّصِّ أَوْ الْقَيْدُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِنَحْوِ وَاقِعَةٍ أَوْ سُؤَالٍ أَوْ يُفْهَمُ حُكْمُ الْخَارِجِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ إذْ هُوَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْمُصَلَّى لَا يَخْفَى مَا فِي الِاسْتِشْهَادِ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ أَمْرِ الطَّهَارَةِ عَلَى السَّعَةِ وَتَرْكِ التَّدْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالشَّكِّ الَّذِي هُوَ فِي طَرِيقِ الْيَقِينِ فَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ لَكِنْ مَا ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَا كَانَ مُحْدِثًا وَإِنْ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ وَمَعَهُ مَاءٌ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَوْ لَا كَانَ مُتَوَضِّئًا فَلَعَلَّ الْغَالِبَ فِيهِمَا يَكُونُ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً (ط عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ) إلَى السَّفَرِ (مَعَ رَكْبٍ) أَيْ مَعَ رُكْبَانٍ مِنْ الْإِبِلِ (فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى وَرَدَا) أَيْ عُمَرُ وَعَمْرٌو (حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ يَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا) لِأَنَّا نَعْمَلُ بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَلَا نَلْتَفِتُ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَفِيهِ تَأْدِيبٌ لِعَمْرٍو حَيْثُ سَأَلَ عِنْدَ حُضُورِ الْأَفْضَلِ مِنْهُ بَلْ وَظِيفَتُهُ التَّسْلِيمُ لِلْأَفْضَلِ، وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ وَتَعْرِيضٌ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَوْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ثُمَّ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِ عُمَرَ إمَّا لِسُكُوتِ بِوَاقِي الصَّحَابَةِ فَيَحِلُّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ أَوْ لَا يُعْلَمُ خِلَافُهُمْ، وَلَا وِفَاقهُمْ فَيَكُونُ حُجَّةً عِنْدَنَا سِيَّمَا عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ (خ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» لَا يَغْسِلُونَ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الظَّاهِرِ وَأَصَالَةِ الطَّهَارَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ بَوْلِ الْكِلَابِ وَرَوْثِهَا قِيلَ وَمَا فِي نُسْخَةِ إبْرَاهِيمَ النَّسَفِيِّ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّسْخِ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ يَقْلِبُونَ وَجْهَ الْأَرْضِ (د عَنْ «دَاوُد بْنِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّهِ أَنْ مَوْلَاتَهَا» سَيِّدَتَهَا «أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ» أَيْ الْأَمَةُ «فَوَجَدْتهَا تُصَلِّي» أَيْ عَائِشَةُ «فَأَشَارَتْ إلَيَّ أَنْ أَضَعَهَا» قِيلَ الْإِشَارَةُ لَا تَضُرُّ الْمُصَلِّيَ وَتَمَامُهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي انْتَهَى فَتَأَمَّلْ فَوَضَعَتْهَا فِيمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ «فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ، وَقَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 1129

- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ عَدَمَ التَّنَجُّسِ لَيْسَ إلَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِلْحَرَجِ الْمُشَارِ إلَيْهِ لَا فِي حَقِّ الْأَكْلِ «إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» الطَّائِفُ الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُك بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ، وَالطَّوَافُ مِنْهُ يُجْمَعُ عَلَى طَوَّافِينَ شَبَّهْتهَا بِالْخَادِمِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى مَوْلَاهُ وَيَدُورُ حَوْلَهُ ثُمَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ عَدَمِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ فِي الِاحْتِرَازِ عَمَّا كَثُرَ طَوَافُهُ حَرَجًا؛ إذْ الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ كَالسَّفَرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: السَّادِسُ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا كَمَا فِي دُونِ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ الْخَفِيفَةِ وَقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْغَلِيظَةِ وَنَجَاسَةِ الْمَعْذُورِ الَّتِي تُصِيبُ ثِيَابَهُ وَكَانَ كُلَّمَا غَسَلَهَا خَرَجَتْ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ فِي الثَّوْبِ وَإِنْ كَثُرَ بَوْلٌ تُرُشِّشَ عَلَى الثَّوْبِ قَدْرُ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَطِينِ الشَّوَارِعِ وَأَثَرِ نَجَاسَةٍ عَسُرَ زَوَالُهُ ثُمَّ قَالَ وَبَوْلِ سِنَّوْرٍ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخَرْءِ حَمَامَةٍ وَعُصْفُورٍ وَإِنْ كَثُرَ وَخَرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي رِوَايَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَغُبَارِ السَّرْجِينِ وَقَلِيلِ الدُّخَانِ النَّجَسِ وَالْعَفْوِ عَنْ الرِّيحِ وَالْفُسَاءِ إذَا أَصَابَ السَّرَاوِيلَ الْمُبْتَلَّةَ أَوْ الْمُقْعَدَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْبَعْرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ وَرُمِيَ قَبْلَ التَّفَتُّتِ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا يُصِيبُهُ مِمَّا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ النَّجَاسَةَ، وَتَمَامُهُ فِيهِ «وَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا» أَيْ بِفَضْلِ مَا شَرِبَتْ الْهِرَّةُ اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي سُؤْرِهَا فَمِنْهُمْ كَالطَّحَاوِيِّ مَالَ إلَى كَوْنِهِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا نَظَرًا إلَى حُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَمِنْهُمْ كَالْكَرْخِيِّ إلَى كَوْنِهِ تَنْزِيهًا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى عَنْ النَّجَاسَةِ قَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَوَضُّؤُهُ ﵊ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْرًا وَإِلَّا فَنَجَسٌ كَذَا، وَقِيلَ فَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَكِنْ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ سُؤْرَهَا عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَرَجِ وَعَلِمْت أَيْضًا أَنَّ حَصْرَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ عَرَفْت الْمُفْتَى بِهِ عَنْ الْأَشْبَاهِ فِي حَقِّ بَوْلِهَا فَضْلًا عَنْ سُؤْرِهَا كَمَا صَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ فِي حَقِّ السُّؤْرِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَعَنْ الْحَدَّادِيِّ إذَا أَكَلَتْ الْهِرَّةُ مِنْ شَيْءٍ يُكْرَهُ أَنْ يُؤْكَلَ بَاقِيهِ وَعَنْ الْكَامِلِ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ لَا الْفَقِيرِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّ كَرَاهَةَ سُؤْرِ الْهِرَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمُحَمَّدٍ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا (د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (أَيْ بُنَيَّ) يَا بُنَيَّ (سَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ» يَتَجَاوَزُونَ حَدَّ الشَّرْعِ كَالْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَكَثْرَةِ ضَيَاعِهِ وَمُجَاوَزَةِ الْغُسْلِ عَنْ الثَّلَاثِ وَمُجَاوَزَةِ غَايَةِ الْأَعْضَاءِ فَوْقَ الْغُرَّةِ «وَالدُّعَاءِ» لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فَسُؤَالُ الْقَصْرِ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ اعْتِدَاءٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الدَّاعِي فَحِينَئِذٍ يَكُون سَائِلًا مَا لَيْسَ لَهُ كَذَا قِيلَ هُنَا لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ الْأَدَبَ كَوْنُ مَا يُدْعَى بِهِ مِمَّا يَلِيقُ بِحَالِ الدَّاعِي، وَإِلَّا كَرُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالصُّعُودِ إلَى السَّمَاءِ اعْتِدَاءٌ فِي الدُّعَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّاعِي اعْتِدَاءً وَقِيلَ الِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ مُبَاحٍ كَدُعَاءٍ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ لِكَافِرٍ أَوْ لِظَالِمٍ بِغَيْرِ الصَّلَاحِ وَالْإِسْلَامِ وَقِيلَ وَجْهُ الْمَنْعِ هُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ

стр. 1130

(وَقَالَ الْإِمَامُ) حُجَّةُ الْإِسْلَامِ (الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ مَا مُحَصَّلُهُ وَمُخْتَصَرُهُ) مَا سَيَرِدُ عَلَيْك فِي قَوْلِهِ (سِيرَةُ الْأَوَّلِينَ) عَادَتُهُمْ أَيْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ أُسْوَتُنَا وَسَادَتُنَا (اسْتِغْرَاقُ جَمِيعِ الْهَمِّ) الْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ وَالْقَصْدِ (وَفِي تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ) عَنْ الْمَلَكَاتِ الرَّدِيئَةِ وَالْوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَالْمُيُولَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَوَائِلِ الْهُيُولَانِيَّةِ (وَالتَّسَاهُلُ) الْمُسَامَحَةُ وَالسَّعَةُ (فِي تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِ الْعِبَادِ بَلْ إلَى قُلُوبِهِمْ فَلَمَّا كَانَتْ الْقُلُوبُ مَنْظَرَ عَلَّامِ الْغُيُوبِ دُونَ الصُّوَرِ لَزِمَ تَطْهِيرُهَا عَنْ الْخَبَائِثِ وَالرَّذَائِلِ حَتَّى يَلِيقَ بِنَظَرِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ؛ فَلِذَا صَرَفُوا جَمِيعَ قَصْدِهِمْ وَاهْتِمَامِهِمْ إلَى تَطْهِيرِهَا وَتَسَاهَلُوا فِي الظَّاهِرِ (حَتَّى إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ عُلُوِّ مَنْصِبِهِ) عِنْدَ رَبِّهِ وَحَبِيبِهِ وَعَامَّةِ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلِيقَتِهِ بَعْدَ صِدِّيقِهِ الْأَعْظَمِ (تَوَضَّأَ بِمَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ) مَعَ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِ الْكَافِرِ مَعَ جَوَازِ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ شَيْءٍ نَجِسٍ عِنْدَنَا عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ (مج وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ مَاجَهْ (وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ) وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَأْوًى غَيْرُ صُفَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالِاكْتِسَابِ وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعَلِّمُونَ الْخَلْقَ الدِّينَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِمْ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ رُؤَسَائِهِمْ ثُمَّ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ وَأَيَّدَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفَاءَ بِفَضْلِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَمَّ الْخَيْرُ وَكُشِفَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الضُّرُّ وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَبِسَ الْخَزَّ كَمَا تَقَدَّمَ (كُنَّا) كَلِمَةُ كَانَ لِلِاسْتِمْرَارِ فَإِنَّ الْكَثْرَةَ اللَّازِمَةَ لِلسُّنَّةِ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِمْرَارِ (نَأْكُلُ الشِّوَاءَ) اللَّحْمَ الْمَشْوِيَّ (فَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَنُدْخِلُ أَصَابِعَنَا فِي الْحَصْبَاءِ) رَمْلٌ دَقِيقٌ (ثُمَّ نَفْرُكُهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ نُكَبِّرُ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لَهَا بِالْمَاءِ قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ تَرْكِ الْفَاضِلِ إحْرَازًا لِلْأَفْضَلِ فَيَكْتَفُونَ بِمَسْحِ التُّرَابِ لِلرُّخْصَةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُلَائِمُ مَقْصُودَ الْمَرَامِ مِمَّا يُظَنُّ مِنْ التَّوَرُّعِ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِمَا مَرَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْتُوتَةِ بِرِيحِ غَمْرٍ وَأُجِيبَ بِعَدَمِ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الْغَسْلِ عِنْدَ الْبَيْتُوتَةِ فَإِنَّهُمْ يَغْسِلُونَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنَّ فَرْكَهُمْ لَهَا بِالتُّرَابِ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْقِي لِلْغَمْرِ رِيحًا (وَكَانُوا) السَّلَفُ (يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) لِكَوْنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ سُنَّةً، وَأَمَّا بِالْمَاءِ فَأَدَبٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَتَرْكُهُ تَرْكُ الْأَوْلَى كَذَا قِيلَ فَفِيهِ خَفَاءٌ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِشْهَادُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الِاسْتِمْرَارُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلِمَةِ كَانَ يَلْزَمُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَرْكِ أَدَبٍ فَوْقَ سُنَّةٍ فَحَاشَاهُمْ مِنْ نَحْوِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ تَجْوِيزُهُمْ الِاقْتِصَادَ الْمَذْكُورَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ إذْ عَرَفْت مَعْنَى الْحَدِيثِ قَرِيبًا أَنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْمَحَبَّةِ؛ إذْ الْمُتَعَارَفُ قُوَّةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَعَلَّ الْوَجْهَ كَانَ هَذَا الِاقْتِصَارَ مِنْهُمْ عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِمَا فِي الدُّرَرِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْحَجَرِ أَوْلَى إنْ أَمْكَنَ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَفِي الْمِنَحِ أَمَّا مَعَهَا فَلَا يُفْعَلُ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ تَرْكُهُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ، وَالْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ عَوْرَةٍ وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَحْجَارِ قَالُوا مَنْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ لِلِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ فَاسِقًا قَالُوا: الْمَاءُ مَنْدُوبٌ قَبْلَهُ الْحَجَرُ أَوْ لَا وَالصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ الْجَمْعَ سُنَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي هَذَا حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِمُجَرَّدِ الْحَجَرِ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ لَازِمٌ (مج وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْأُشْنَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنَادِلُنَا)

стр. 1131

جَمْعُ مَنْدِيلٍ خِرْقَةٌ تُمْسَحُ بِهَا الْيَدُ لِلْوَسَخِ (بَوَاطِنُ أَرْجُلِنَا) فَنَمْسَحُ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِينَا مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى بِدَعِيَّةِ الْمِنْدِيلِ لِلْوُضُوءِ فَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الطَّعَامِ أَدَبًا (حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ أَفْضَلُ) قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَرِيبًا مِنْ خِتَامِهِ، وَفِي الْحُجَّةِ الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْحَافِي أَضْعَافًا مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (لِفِعْلِهِ ﵊ وَإِنْكَارِهِ خَلْعَهَا) كَمَا مَرَّ لَا يَخْفَى أَنَّ فَهْمَ الْفَضِيلَةِ مِنْ ذَلِكَ إنْ تَمَّ لَيْسَ إلَّا بِالِالْتِزَامِ، وَفَهْمُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا مُطَابَقَةٌ وَصَرِيحٌ لَعَلَّ الْحَقَّ هُنَا مَا قِيلَ إنَّ نَهْيَهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ عَنْ خَلْعِهِمَا لِلصَّلَاةِ بَلْ عَنْ خَلْعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ. وَكَذَا الْأَمْرُ بِلُبْسِهِمَا مِنْ قَبِيلِ تَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْيَهُودِ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّجْوِيزِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَهُ (وَقَالَ النَّخَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الَّذِينَ يَخْلَعُونَ نِعَالَهُمْ: وَدِدْت) أَيْ أَحْبَبْت (لَوْ أَنَّ مُحْتَاجًا جَاءَ وَأَخَذَهَا) حَالَ كَوْنِهِ (مُنْكِرًا لِخَلْعِ النِّعَالِ) قِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الصَّلَاةَ بِالنَّعْلِ أَقُولُ فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ اسْتِشْهَادُ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ الْإِطْلَاقَ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (وَكَانُوا) أَيْ السَّلَفُ (يَمْشُونَ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ) جَمْعُ شَارِعٍ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ (حُفَاةً) بِلَا خُفٍّ وَلَا نَعْلٍ فَبِمَعْنَى عُرَاةٍ وَقَدْ عُلِمَ فِي مَحَلِّهِ سُنِّيَّةُ الْمَشْيِ حُفَاةً (وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الطِّينِ فِي الشَّوَارِعِ أَقُولُ: مَشْيُهُمْ عَلَى الطِّينِ، وَلَوْ طَاهِرًا خَالِصًا وَكَذَا جُلُوسُهُمْ عَلَيْهَا بَعِيدٌ عَنْ التَّلْوِيثِ وَالتَّلْطِيخِ الْمُنَافِي لِلنَّظَافَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النَّقْلِ أَوْ تَأْوِيلِ الطِّينِ بِالْيَابِسِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَعِيدًا مِنْ مُرَادِ الْمَقَامِ قِيلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ: وَطِينُ بُخَارَى طَاهِرٌ، وَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوءًا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ وَالْحَلْوَانِيُّ لَا يَقْبَلُ هَذَا (وَ) كَانُوا (يُصَلُّونَ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى الْأَرْضِ) مَعَ احْتِمَالِ تَنَجُّسِهَا بَلْ مَعَ قَرَائِنِ النَّجَاسَةِ كَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ ﵊ فِي عَرَفَاتٍ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ فِي مِنًى قِيلَ: حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ ثُمَّ عَلَى الْحَصِيرِ وَكَرِهَهَا عَلَى الْبِسَاطِ غَيْرُهُ (وَيَأْكُلُونَ مِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَهُوَ يُدَاسُ بِالدَّوَابِّ وَتَبُولُ عَلَيْهِ) . قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَكَمَا لَوْ بَالَ حِمَارٌ عَلَى مَا يَدُوسُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا فَقُسِمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضٌ مِنْهَا حَيْثُ يَطْهُرُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّحَرِّي، وَعَنْ الْمِنَحِ وَكَذَا لَوْ أُكِلَ أَوْ بِيعَ بَعْضُهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ النَّجِسِ فِي كُلِّ طَرَفٍ كَمَا فِي الثَّوْبِ (وَلَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ عَرَقِ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ مَعَ كَثْرَةِ تَمَرُّغِهَا فِي النَّجَاسَاتِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ مَمْدُوحًا لَفَعَلُوا، وَلَوْ فَعَلُوا لَنَقَلُوا، وَإِلَّا فَأَثِمُوا، وَهُمْ بُرَآءُ فَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ (وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ) كَمَا نُقِلَ مِنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ دَقَائِقِ خَبَائِثِ الْقَلْبِ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُؤَالٌ عَنْ دَقَائِقِ النَّجَاسَاتِ) بَلْ تَسَامَحُوا جَرْيًا عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ مَا ذُكِرَ بَقَاءُ أَصْلِ الطَّهَارَةِ الثَّابِتَةِ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْحَالِّ عِنْدَ عَدَمِ صَرِيحٍ يُنَافِيهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ الْمُفَسَّرُ بِالْحُكْمِ بِبَقَاءِ أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ؛ إذْ تَفْصِيلُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا عَنْ بَعْضٍ كَأَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الدَّفْعِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ. قَالَ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ: وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ بِلَا دَلِيلٍ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَقَدْ انْتَهَتْ النَّوْبَةُ الْآنَ إلَى طَائِفَةٍ يُسَمُّونَ الرُّعُونَةَ) أَيْ الْحَمَاقَةَ وَالْجَهَالَةَ فَالتَّسْمِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَطَابُقٍ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى (نَظَافَةً) مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ

стр. 1132

فَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. (وَيَقُولُونَ: هِيَ) أَيْ النَّظَافَةُ (مَبْنَى الدِّينِ) بِنَاؤُهُ وَأَصْلُهُ (فَأَكْثَرُ أَوْقَاتِهِمْ فِي تَزْيِينِهِمْ الظَّوَاهِرَ كَفِعْلِ الْمَاشِطَةِ) الْمَرْأَةِ الْمُزَيِّنَةِ (لِعَرُوسِهَا وَالْبَاطِنُ خَرَابٌ مَشْحُونٌ) مَمْلُوءٌ بِخَبَائِثِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ (وَهُوَ أَحَقُّ بِالنَّظَافَةِ) لِكَوْنِهِ مَحَلَّ نَظَرِ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ (وَلَا يَسْتَنْكِرُونَ ذَلِكَ) أَيْ لَا يَعُدُّونَ تَزْيِينَ الظَّوَاهِرِ مَعَ خَرَابِ الْبَاطِنِ أَمْرًا مُنْكَرًا، وَلَا يَقْصِدُونَ الْإِصْلَاحَ وَالْإِزَالَةَ (وَلَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ) أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ تَعَجُّبٌ وَانْفِعَالٌ وَتَأَثُّرٌ حَتَّى يَقْصِدُوا إزَالَتَهُ (وَلَوْ اقْتَصَرَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَوْ مَشَى حَافِيًا) عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ) مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ (وَعَلَى بَوَارِي) أَيْ حَصِيرِ (الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ سَجَّادَةٍ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ آنِيَةِ عَجُوزٍ أَوْ آنِيَةِ رَجُلٍ غَيْرِ مُتَقَشِّفٍ) أَيْ مُتَعَمِّقٍ وَمُسْتَقْصٍ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مَعَ أَنَّهَا مُسْتَحْسَنٌ، وَمَسْنُونٌ فِي الشَّرْعِ (لَأَقَامُوا فِيهِ الْقِيَامَةَ) بِالْإِنْكَارِ وَاللَّوْمِ لَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ بِالتَّجْرِبَةِ أَوْ الْأَمَارَاتِ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهَا وِجْدَانِيٌّ يَتَعَسَّرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ سُوءِ الظَّنِّ (وَشَدَّدُوا عَلَيْهِ النَّكِيرَ) مَعَ أَنَّ النَّكِيرَ حَرِيٌّ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ. (وَلَقَّبُوهُ بِالْقَذِرِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ زُمْرَتِهِمْ) جَمَاعَتِهِمْ (وَاسْتَنْكَفُوا مِنْ مُؤَاكَلَتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ) زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَاشٍ عَنْ النَّجَاسَاتِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِسُنِّيَّتِهِ يُخَافُ مِنْهُ خَطَأٌ عَظِيمٌ (فَسَمَّوْا الْبَذَاذَةَ) أَيْ الْحَقَارَةَ وَرَثَاثَةَ الْهَيْئَةِ (الَّتِي هِيَ مِنْ) ثَمَرَاتِ (الْإِيمَانِ قَذَارَةً) أَيْ نَجَاسَةً (وَالرُّعُونَةَ) أَيْ الْجَهَالَةَ وَالْحَمَاقَةَ (نَظَافَةً) يَعْنِي إذَا لَقَّبُوا الِاقْتِصَارَ الْمَذْكُورَ الْمَسْنُونَ بِالْقَذَارَةِ لَزِمَ أَنْ يُسَمُّوا الْأَمْرَ الْمَسْنُونَ الَّذِي هُوَ الْبَذَاذَةُ وَثَمَرَةُ الْإِيمَانِ بِالْقَذَارَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ النَّجَاسَاتِ وَأَفْحَشُ الْمُسْتَقْذَرَاتِ هَذَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ، وَالرُّعُونَةَ نَظَافَةٌ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عَطْفِ الرُّعُونَةِ عَلَى الْبَذَاذَةِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِالْتِزَامِيَّةَ، وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا لَيْسَ إلَّا عَكْسَ الْمَشْرُوعِ وَالْمَوْضُوعِ، وَتَغْيِيرَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ بَلْ وَضْعُ شَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ لِشَرِيعَةٍ ثَابِتَةٍ. وَلِهَذَا قَالَ (فَانْظُرْ) يَا مَنْ شَأْنُهُ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ (كَيْفَ صَارَ الْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَالْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا) فِي جَعْلِهِمْ فَإِنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ مَثَلًا مَسْنُونٌ، وَمَعْرُوفٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي الشَّرِيعَةِ، وَمُنْكَرٌ فِي جَعْلِهِمْ لِتَشْدِيدِهِمْ الْإِنْكَارَ (وَكَيْفَ انْدَرَسَ) أَيْ انْقَطَعَ وَخَفِيَ (مِنْ الدِّينِ رَسْمُهُ) أَيْ أَثَرُهُ وَثَمَرَتُهُ الْمُطَابِقُ لَهُ وَبَقِيَ مُجَرَّدُ اسْمِهِ (كَمَا انْدَرَسَ تَحْقِيقُهُ) أَيْ حَقِيقَةُ الدِّينِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَهَابَ الدِّينِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ كُفْرًا، وَالتَّأْوِيلُ بِالْكَمَالِ لَا يُنَافِي التَّحْقِيقَ؛ إذْ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ تَمَامُ مَاهِيَّتِه، وَجَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ التَّجَوُّزَ مُبَالَغَةً أَوْ يَدَّعِيَ لُزُومَ الْكُفْرِ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ كَمَا أُشِيرَ هُنَالِكَ (انْتَهَى) كَلَامُ الْغَزَالِيِّ. (وَقَالَ الْإِمَامُ الْخَبَّازِيُّ) وَهُوَ الشَّارِحُ الْأَوَّلُ لِلْهِدَايَةِ (فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ) فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ هُوَ ابْنُ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَالْبَاقِرُ لَقَبُهُ سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَاهِرًا فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ مِنْ الْبَقَرِ وَهُوَ الْمَهَارَةُ فِي الشَّيْءِ (أَوْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) لَقَبُهُ (زَيْنُ الْعَابِدِينَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَنَّهُ رَأَى فِي الْخَلَاءِ ذُبَابًا يَقَعْنَ عَلَى النَّجَاسَاتِ ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَمَرَ بِثِيَابٍ) مُعَدَّةٍ (لِلْخَلَاءِ) كُلَّمَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ

стр. 1133

فَإِذَا خَرَجَ نَزَعَ (فَلَمَّا مَضَى عَلَى ذَلِكَ زَمَانٌ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ) الْفِعْلِ (وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ - تَعَالَى - فَسُئِلَ عَنْ) سَبَبِ (ذَلِكَ) الِاسْتِغْفَارِ (فَقَالَ: أَحْدَثْت ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرْته فَقِيلَ وَمَاذَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: فَعَلْت شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّالِحُونَ، وَلَا خَيْرَ فِي الْبِدْعَةِ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَيْسَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الصَّلَاحِ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ فِعْلِهِمْ صَرِيحُ إنْكَارِهِمْ لَعَلَّ لِهَذَا قَالَ (وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» فَشَرِيعَتُنَا حَنِيفِيَّةٌ أَيْ مَائِلَةٌ عَنْ كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ وَسَمْحَةٌ فِي بَابِ الْعَمَلِ «وَلَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ الصَّعْبَةِ» كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ «وَمَنْ خَالَفَ سُنَّتِي» بِأَنْ شَدَّدَ وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ وَتَرَهَّبَ «فَلَيْسَ مِنِّي» بِخِلَافِ مَبْعُوثِهِ مِنْ الرِّفْقِ وَاللِّينِ وَالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالْمُسَاهَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ وَالْيُسْرِ الَّذِي لَا حَرَجَ فِيهِ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَاعِدَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ وَالطَّبَرَانِيِّ «أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - الْحَنِيفِيَّةُ قَالَ تَعَالَى - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] » - السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ الْمُنْقَادَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُسَلِّمَةُ أَمْرَهَا إلَيْهِ لَا تَتَوَجَّهُ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَثَافَةِ وَالْغِلَظِ وَالْجُمُودِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْهَا الْعِصْيَانُ وَالسَّمَاجَةُ وَالطُّغْيَانُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]- ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]- ثُمَّ قِيلَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ فِي الْأَصْلِ حَتَّى قَالَ بَعْضٌ لَمْ أَجِدْ أَحَدًا وَثَّقَهُ لَكِنْ لَهُ طُرُقٌ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ يَبْعُدَانِ لَا يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ (وَانْتَهَى) كَلَامُ الْخَبَّازِيِّ [الصِّنْفُ الثَّانِي مَا ورد عَنْ أَئِمَّتنَا الْحَنَفِيَّة فِي عَدَمِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ] (الصِّنْفُ الثَّانِي) مِنْ الصِّنْفَيْنِ (فِيمَا وَرَدَ عَنْ أَئِمَّتِنَا الْحَنَفِيَّةِ) الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ عَدَمِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ هَذَا شُرُوعٌ فِي الْإِثْبَاتِ التَّقْلِيدِيِّ (فِي الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ) قِيلَ تَنْزِيهًا (لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ لِنَفْسِهِ إنَاءً يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ غَيْرُهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ لَيْسَ مِنْ سِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَكَذَا اسْتِخْلَاصُ سَجَّادَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ فَيَجُوزُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (وَفِيهِ) أَيْ فِي الْخُلَاصَةِ (التَّوَضُّؤُ فِي الْحَوْضِ) الَّذِي هُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ (أَفْضَلُ مِنْ التَّوَضُّؤِ فِي النَّهْرِ) ؛ لِأَنَّ التَّوَضُّؤَ فِي الْحَوْضِ مَعَ وُجُودِ النَّهْرِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ فَهَذَا سِيرَةُ الْأَوَّلِينَ، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَمُشْعِرٌ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ زَعْمًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوْهَرٍ مُفْرَدٍ مُنْفَصِلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ جُزْءٍ نَجَاسَةُ جُزْءٍ آخَرَ إلَّا بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَفِي الْحَوْضِ الْكَبِير الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ سِرَايَةِ النَّجَسِ مِنْ طَرَفِ الْحَوْضِ إلَى الْآخِرِ وَقِيلَ عِنْدَ الْبَعْضِ يُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ مِنْ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ فِعْلِهِ ﵊ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّهْرِ، وَلَوْ وُجِدَ لَتَوَضَّأَ فَفِيهِ إذْنٌ دَلَالَةً، وَأَمَّا التَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ فَقَدْ صَدَرَ مِنْهُ

стр. 1134

- ﵊ صَرِيحًا، وَالصَّرِيحُ فَوْقَ الدَّلَالَةِ؛ فَلِذَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ التَّوَضُّؤِ فِي النَّهْرِ وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ عُجْبٍ بِوَاسِطَةِ التَّنَزُّهِ عَنْ مُتَوَضَّأِ الْعَامَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (وَفِيهِ) أَيْ الْخُلَاصَةِ (يَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْحَوْضِ الَّذِي يُخَافَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَذَرٌ وَلَا يَسْتَيْقِنُهُ) ظَاهِرٌ، وَإِنْ غَلَبَ ظَنُّهُ بِنَجَاسَتِهِ فَمَحَلُّ تَأَمُّلٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الِاسْتِيقَانِ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ مَجَازًا (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ) ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا اعْتَمَدَ عُمَرُ الْيَقِينَ فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ إلَّا بِمِثْلِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ (وَلَا يَدْعُ التَّوَضُّؤَ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَذِرٌ) لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ التَّوَضُّؤِ فِي الْحَوْضِ، وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ طَهَارَتِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ غَيْرُ الْيَقِينِ نَعَمْ إنَّ نَفْسَ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ مُلْحَقٌ بِالشَّكِّ؛ وَلِذَا قَالَ فِيهِ أَيْضًا بُعَيْدَ هَذَا وَبِمُجَرَّدِ الظَّنِّ لَا يَمْنَعُ، وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ عَرَفْت آنِفًا مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَهُ (وَعَلَى هَذَا الضَّيْفُ إذَا قُدِّمَ لَهُ الطَّعَامُ لَيْسَ لِلضَّيْفِ أَنْ يَسْأَلَهُ) أَيْ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَذًى لِلْمُسْلِمِ وَهُوَ حَرَامٌ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحُرْمَةُ، وَإِنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحِلِّهِ لَهُ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ فِيهِ مَقْبُولٌ كَذَا قِيلَ: لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْمَتْنِ، وَإِنْ وَافَقَ الشَّرْحَ وَلِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مِلْكُهُ فَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ خِلَافَهُ فَافْهَمْ كَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِ (مِنْ أَيْنَ لَك؟) هَذَا الطَّعَامُ (أَمِنَ الْغَصْبِ أَمْ مِنْ السَّرِقَةِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ الْغَصْبَ أَوْ السَّرِقَةَ لَا يَتَحَاشَى عَنْ الْكَذِبِ فَلَا يَحْصُلُ الِاطْمِئْنَانُ بِخَبَرِهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْحَلَالِ (وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ جُبٍّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ، وَيُشْرَبُ مِنْهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَذِرٌ) وَجْهُ اشْتِبَاهِهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا فِي سَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (وَفِيهِ) أَيْ الْخُلَاصَةِ (أَيْضًا مَاءُ الثَّلْجِ) وَمَاءُ الْمَطَرِ (إذَا جَرَى عَلَى الطَّرِيقِ، وَفِي الطَّرِيقِ نَجَاسَاتٌ إنْ تَغَيَّبَتْ النَّجَاسَاتُ فِيهَا) أَيْ فِي الثُّلُوجِ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ فَيَكُونُ فِي قُوَّةِ قَضَايَا تَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِ مَوْضُوعَاتِهَا كَمَا قِيلَ (وَاخْتَلَطَتْ) بَعْدَ اضْمِحْلَالِهَا (بِحَيْثُ لَا يُرَى لَوْنُهَا وَلَا أَثَرُهَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَفِيهِ إذَا تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ وَنَسِيَهُ فَغَسَلَ طَرَفًا مِنْ الثَّوْبِ) وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا قَطَعَ طَرَفًا مِنْهُ (مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَسَلَ طَرَفًا مِنْهُ، أَوْ قَطَعَ زَالَ تَيَقُّنُ النَّجَاسَةِ، وَبَقِيَ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهُوَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ بَلْ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ زَالَ بِغَسْلِ ذَلِكَ الطَّرَفِ أَوْ قَطْعِهِ انْتَهَى يَعْنِي أَنَّ تَيَقُّنَ الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ قَدْ زَالَ بِتَيَقُّنِ تَنَجُّسِ الطَّرَفِ فَإِذَا قُطِعَ أَوْ غُسِلَ بَقِيَ الْبَوَاقِي مَظْنُونَ النَّجَاسَةِ، وَالظَّنُّ لَا يُزِيلُ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ الْمُتَيَقَّنَةَ؛ إذْ عِنْدَ زَوَالِ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ يَعُودُ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ وَعِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ يَعُودُ الْمَمْنُوعُ لَكِنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ إذَا اسْتَثْنَوْا مِنْ قَاعِدَةِ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ صُوَرًا كَثِيرَةً كَمَنْ وَجَدَ بَلَلًا، وَلَا يَدْرِي أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَعَ أَنَّهُ شَاكٌّ، وَكَمَنْ وَجَدَ فَارَةً مَيِّتَةً، وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَقَدْ تَوَضَّأَ مِنْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مَعَ الشَّكِّ وَكَمَنْ شَكَّ هَلْ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ أَوْ لَا أَوْ أَحْدَثَ أَوْ لَا أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ لَا وَكَانَ أَوَّلَ مَا عُرِضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِ الْأَشْبَاهِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) إشَارَةً إلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ ثُمَّ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَقَدْ نُقِلَ قُبَيْلَ ذَلِكَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا خَفِيَ مَحَلُّ النَّجَاسَاتِ مِنْ الثَّوْبِ قِيلَ: الْوَاجِبُ

стр. 1135

غَسْلُ طَرَفٍ مِنْهُ بِتَحَرٍّ أَوْ لَا وَالتَّفْصِيلُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ فَوَائِدِ الْأَشْبَاهِ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ تَرْجِيحُ جَانِبِ غَسْلِ الْكُلِّ كَمَا فَهِمْت آنِفًا وَقَدْ كَانَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ الْمُخْتَارُ خِلَافُهُ (وَفِيهِ رَجُلٌ وَضَعَ رِجْلَهُ رَطْبَةً عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ أَوْ لَبَدٍ نَجِسٍ إنْ كَانَ) الْأَرْضُ أَوْ اللَّبَدُ (يَابِسًا، وَهُوَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ مَشَى لَا تَتَنَجَّسُ رِجْلُهُ، وَلَوْ كَانَ رَطْبًا، وَالرِّجْلُ يَابِسَةً فَظَهَرَتْ الرُّطُوبَةُ فِي قَدَمِهِ تَتَنَجَّسُ) قَدَمُهُ (انْتَهَى) قِيلَ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ مِنْ الْخُلَاصَةِ لَيْسَ إلَّا مُطْلَقٌ لَا لِظُهُورِ الْخُبْثِ فَتَأَمَّلْ (وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: إذَا نَامَ الْكَلْبُ عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ) الْكَلْبُ أَوْ الْحَصِيرُ (يَابِسًا لَا يَتَنَجَّسُ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا، وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَصِيرِ (فَكَذَلِكَ) لَا يَتَنَجَّسُ، وَإِلَّا فَيَتَنَجَّسُ (وَفِيهِ إذَا وُجِدَ الشَّعِيرُ فِي بَعْرِ الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُؤْكَلُ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّعِيرِ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ فَيَكُونُ الْبُرُّ وَنَحْوُهُ مِثْلَهُ لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى الْخَاطِرِ هُوَ التَّنَجُّسُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَشَرُّبِ النَّجَاسَةِ ثُمَّ وَقَفْت عَلَى الْكُبْرَى الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَصَّلُ بِالِانْتِفَاخِ وَعَدَمِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَعْرُ وَالْخُثِيُّ انْتَهَى لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ التَّفْصِيلَ تَعَسُّفٌ؛ إذْ لَا يُوجَدُ بِلَا انْتِفَاخٍ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ انْتِفَاخٍ وَانْتِفَاخٍ؛ إذْ يُمْكِنُ التَّفَاوُتُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَخْثَاءِ الْبَقَرِ لَا يُؤْكَلُ) لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ يَتَفَسَّخُ أَوْ يَتَفَتَّتُ فِي الْبَقَرِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَالنَّادِرُ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْفَرْقُ خَفِيٌّ قِيلَ: لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوجَدَ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ وَكَذَا كُلُّ نَجَاسَةٍ تُغْسَلُ إلَّا إذَا تَعَسَّرَتْ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ الْقُرْحِ، وَعَنْ الْكُبْرَى لِصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَصَّلُ بِالِانْتِفَاخِ وَعَدَمِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَعْرُ، وَالْخُثِيُّ كَذَا فِي التتارخانية (وَفِيهِ) أَيْ فِي قَاضِي خَانْ (خُفٌّ بِطَانَةُ سَاقِهِ مِنْ الْكِرْبَاسِ فَدَخَلَ فِي خُرُوقِهِ مَاءٌ نَجِسٌ فَغَسَلَ الْخُفَّ، وَدَلَكَ بِالْيَدِ وَمَلَأَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَهْرَاقَ الْمَاءَ) إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ عَصْرُ الْكِرْبَاسِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ (يَصِيرُ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُمْكِنُ) لَهُ فِي تَطْهِيرِهِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ، وَالْكِرْبَاسُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْعَصِرُ لَكِنَّهُ بِسَبَبِ اتِّصَالِهِ فِيهِ حَرَجٌ فَيَطْهُرُ بِالتَّبَعِيَّةِ وَمَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (وَفِيهِ الطِّينُ النَّجِسُ يُجْعَلُ مِنْهُ الْكُوزُ أَوْ الْقِدْرُ فَيُطْبَخُ يَكُونُ طَاهِرًا) إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ (وَفِيهِ إذَا غَسَلَ رِجْلَهُ وَمَشَى عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ بِغَيْرِ مُكَعَّبٍ فَابْتَلَّتْ الْأَرْضُ مِنْ بَلَلِ رِجْلِهِ وَاسْوَدَّ وَجْهُ الْأَرْضِ) مِنْ ذَلِكَ الْبَلَلِ وَ (لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ بَلَلِ الْأَرْضِ فِي رِجْلِهِ) بِأَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْأَرْضِ (فَصَلَّى جَازَتْ صَلَاتُهُ) وَلَا يَضُرُّ فِي طَهَارَتِهِ مُلَاصَقَتُهَا بِمَا ذُكِرَ تَخْفِيفًا وَعَفْوًا (وَفِيهِ إذَا اسْتَنْجَى الرَّجُلُ وَجَرَى مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى رِجْلِهِ، وَهُوَ مُتَخَفِّفٌ إنْ لَمْ يَدْخُلْ مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ فِي خُفِّهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَطْهُرُ خُفُّهُ) بَعْدَ انْفِصَالِ الثَّالِثِ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَيْهِ الْمَاءَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ فَلَا يَطْهُرُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَطَاهِرٌ لَا يَضُرُّ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَعَلَّ فِيهِ تَفْصِيلًا فَلْيُتَأَمَّلْ (تَبَعًا لِطَهَارَةِ مَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ) إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْخُفِّ خُرُوقٌ وَيَدْخُلُ مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ بَاطِنَ الْخُفِّ، وَإِنْ كَانَتْ

стр. 1136

الْخُرُوقُ بِحَالٍ يَدْخُلُ الْمَاءُ فِيهَا مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْخُفِّ مَعَ طَهَارَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَذَا فِي التتارخانية (وَفِيهِ) أَيْ قَاضِي خَانْ (بَعْرُ الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَ فِي حِنْطَةٍ) مَثَلًا (فَطُبِخَتْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ فَطُحِنَتْ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ (الْحِنْطَةُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ) إمَّا لِقِلَّةٍ فِي حُكْمِ التَّلَاشِي أَوْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَالْحَرَجِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ: سُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ فَإِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْبَعْرُ (كَثِيرًا) وَبَيَّنَ الْكَثْرَةَ بِقَوْلِهِ: (يَظْهَرُ أَثَرُهُ بِتَغَيُّرِ الطَّعْمِ أَوْ غَيْرِهِ) كَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ فَإِنَّهُ لَا يَتَلَاشَى وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْكَثْرَةِ حَرَجٌ لِلنُّدْرَةِ (وَفِيهِ خُبْزٌ وُجِدَ فِي خِلَالِهِ) وَسَطِهِ (بَعْرُ الْفَأْرَةِ إنْ كَانَ الْبَعْرُ) بَاقِيًا (عَلَى صَلَابَتِهِ يُرْمَى الْبَعْرُ وَيُؤْكَلُ الْخُبْزُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْرِي شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْرُ أَوْ الْخُبْزُ رَطْبًا (وَفِيهِ ذُبَابُ الْمُسْتَرَاحِ) مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (إذَا جَلَسَ عَلَى ثَوْبٍ لَا يُفْسِدُهُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْبَةُ زَيْنِ الْعَابِدِينَ مِنْ التَّنَزُّهِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَفْرُوضَةَ فِي أَرْجُلِهَا كَرُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ الْمُنْتَشِرِ الْمَعْفُوِّ (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ وَيَكْثُرَ) نَجَاسَةُ الذُّبَابِ بِحَيْثُ يُرَى وَاحِدٌ مِنْ آثَارِ النَّجَاسَةِ (وَفِيهِ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ عَلَى نَعْلَيْهِ جَازَ) قِيَامُهُ عَلَيْهِمَا الظَّاهِرُ مِنْ الْقِيَامِ هُوَ قِيَامُ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ لَهُ حُكْمُ مُعْتَدِيهِ (وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّعْلُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ طَاهِرًا فَظَاهِرٌ) فِي الْجَوَازِ (وَإِنْ كَانَ مَا يَلِي الْأَرْضَ مِنْهُ) قِيلَ: تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَلْبُوسِ (نَجِسًا فَكَذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقِيَ لِلرِّجْلِ طَاهِرٌ (وَهُوَ) أَيْ النَّعْلُ (بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ ذِي طَاقَيْنِ أَسْفَلُهُ نَجِسٌ وَقَامَ عَلَى الطَّاهِرِ) مِنْهُ (انْتَهَى، وَفِي التتارخانية الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ) لَا فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ (تَفْضُلُ) فِي الثَّوَابِ (عَلَى صَلَاةِ الْحَافِي أَضْعَافًا) وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْحَلَبِيِّ عَنْ الْحُجَّةِ بِالسَّبْعِينَ (مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ) الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِمْ وَنَسْخِهِمْ لَا مِنْ أَصْلِ شَرِيعَتِهِمْ؛ إذْ الشَّرَائِعُ السَّابِقَةُ شَرِيعَةٌ لَنَا، أَوْ نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْكَارِ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ فَتَأَمَّلْ (وَفِيهِ لَوْ اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ ثَوْبًا أَوْ بِسَاطًا صَلَّى عَلَيْهِ) وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ مَا لَمْ يَبْدُ لَهُ ظَنُّ عُرُوضِ النَّجَاسَةِ؛ وَلِذَا قَالَ (وَإِنْ كَانَ بَائِعُهُ شَارِبَ الْخَمْرِ) إذْ طَهَارَةُ أَصْلِهِ مُتَيَقَّنَةٌ وَعُرُوضُ النَّجَاسَةِ مَشْكُوكٌ، وَمُحْتَمَلٌ وَالْأَمْرُ الْيَقِينِيُّ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ (وَفِيهِ) ، وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتَيَقِّنِ بِالْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ حَدَثًا وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّك بُلْت) مِنْ الْبَوْلِ (فِي مَوْضِعِ كَذَا

стр. 1137

فَشَكَّ الرَّجُلُ) فِيهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ صَلَوَاتٍ) لَعَلَّ الْجَمْعَ اتِّفَاقِيٌّ فَالْوَاحِدَةُ مِثْلُهَا (فَقَالَ) مُحَمَّدٌ فِي جَوَابِهِ (إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ قَضَاهَا) ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ تُفِيدُ الْيَقِينَ (وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقْضِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِهِ، وَالْإِعَادَةُ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْ خَبَرُ الْوَاحِدِ هُنَا الْيَقِينَ لِمُعَارَضَةِ عَدَمِ التَّذْكِيرِ إيَّاهُ ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي لَكِنْ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ وَثَاقَتِهِ، وَإِلَّا فَمَنْ لَيْسَ لَهُ وَثَاقَةٌ عَلَى ظَنِّهِ فَلَهُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ (وَفِي الْأَمَالِي عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُتَوَضِّئِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بَلْ الشَّكُّ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْيَقِينِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ هُوَ الظَّنُّ الْمُطْلَقُ فَقَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ إذْ الظَّنُّ الْمُطْلَقُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ مُلْحَقٌ بِالشَّكِّ كَمَا مَرَّ مِرَارًا. وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ: إنَّ الظَّنَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّرَدُّدَ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ اسْتَوَيَا أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا عَلَى ظَنِّي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لِلشَّكِّ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَالِبُ الظَّنِّ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ يَعْنِي الظَّنَّ الْقَوِيَّ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ، وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْهُ أَيْضًا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْيَقِينِ غَالِبُ الظَّنِّ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: وَلَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ وَأَحَبَّ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ عُمْرِهِ مُنْذُ أَدْرَكَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ فَسَادَهَا بِسَبَبِ الطَّهَارَةِ أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُكْرَهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ فَلَا يَنْبَغِي قَوْلُهُ (وَإِنْ صَلَّى بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا) ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ عَدَمُ السَّعَةِ بَلْ وُجُوبُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّنَّ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ فَكَمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَ حَقِيقَةِ التَّيَقُّنِ فِي الْفَوْتِ فَكَذَا فِي حُكْمِهِ وَبِمَا ذُكِرَ يَضْمَحِلُّ مَا قِيلَ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَلَكِنَّهُ يُورِثُ شُبْهَةً يَحْصُلُ بِهَا الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَيْفَ تُقَابِلُ الْيَقِينَ بَلْ حَقُّهَا السُّقُوطُ أَصْلًا عَلَى مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ هَذَا لَيْسَ مُؤَاخَذَةً عَلَى صَاحِبِ الْمُؤَاخَذَةِ بَلْ إشْكَالٌ عَلَى مُقْتَضَى قَاعِدَتِهِ وَقِيَاسِهِ فَافْهَمْ (وَفِيهِ) أَيْ فِي التتارخانية (مَنْ شَكَّ فِي إنَائِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا فَهُوَ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ) أَيْ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ يَقِينٌ بِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ بِخَبَرِ الْعَدْلِ وَظُهُورِهَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ يُفِيدُ الْيَقِينَ الْمُرَادَ هُنَا، فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَاصِلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ إلَّا الظَّنَّ لَعَلَّ أَصْلَ الظَّنِّ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَاحِدِ وَغَلَبَتِهِ بِالْعَدَالَةِ (وَكَذَلِكَ الْآبَارُ وَالْحِيَاضُ الَّتِي يَسْتَقِي مِنْهَا الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ) فَطَاهِرَةٌ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا لَزِمَ هُوَ الشَّكُّ وَالِاحْتِمَالُ وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْأَصْلَ الْمُتَيَقَّنَ (وَكَذَلِكَ السَّمْنُ وَالْجُبْنُ وَالْأَطْعِمَةُ الَّتِي يَتَّخِذُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَ) أَهْلُ (الْبَطَالَةِ كَذَلِكَ الثِّيَابُ الَّتِي تَنْسِجُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ، وَالْجَهَلَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْجِبَابُ) جَمْعُ جُبٍّ (الْمَوْضُوعَةُ أَوْ الرَّكِيَّةُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالسِّقَايَاتِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا إصَابَةُ النَّجَاسَةِ كُلُّ ذَلِكَ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِطَهَارَتِهَا حَتَّى يُتَيَقَّنَ نَجَاسَتُهَا)

стр. 1138

بِمَعْنَى أَكْبَرِ الظَّنِّ كَمَا مَرَّ فَيَشْتَمِلُ خَبَرَ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ لَا الْفَاسِقَ وَالْمَسْتُورَ (وَفِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ الَّذِي يَجْرِي فِي السِّكَكِ، وَفِي السِّكَكِ نَجَاسَاتٌ ثُمَّ يَجْرِي الْمَاءُ فِي النَّهْرِ وَلَيْسَ فِي النَّهْرِ غَيْرُ هَذَا الْمَاءِ) ظَاهِرُهُ فَلَوْ كَانَ مَاءٌ غَيْرُ هَذَا الْمَاءِ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ، وَهُوَ لَيْسَ بِجَائِزٍ مَا دَامَ يُرَى لَوْنُ النَّجَاسَةِ فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِاحْتِرَازِيٍّ بَلْ وُقُوعِيٌّ لِلْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي النَّهْرِ مَاءٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْمَاءِ تَتَلَاشَى النَّجَاسَةُ وَلَا يُرَى لَوْنُهَا (لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَرَ لَوْنَ النَّجَاسَةِ) الظَّاهِرُ الْمُرَادُ مِنْ اللَّوْنِ مَا يَشْتَمِلُ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا عَلَى طَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَرَ لَوْنَ النَّجَاسَةِ لَكِنْ فِي طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ نَجَاسَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ وَفِيهِ مَاءُ الثَّلْجِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الطَّرِيقِ، وَفِي الطَّرِيقِ سِرْقِينٌ وَنَجَاسَاتٌ إنْ ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَفِيهِ مَاءُ الثَّلْجِ وَالْمَطَرِ يَجْرِي فِي الطَّرِيقِ إنْ بَعِيدًا مِنْ الْأَلْوَاثِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَارِيًا فِي طَرِيقٍ مُخْتَلِطَةٍ بِالْعَذِرَاتِ وَالْغَالِبُ هُوَ الْمَاءُ وَلَا أَثَرَ فِيهِ يَجُوزُ وَلَا يَخْلُو عَنْ الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: جَرَى مَاءٌ عَلَى جِيفَةٍ أَوْ سَطْحٍ نَجَسٍ إنْ كَانَ يُلَاقِي أَكْثَرُهُ النَّجِسَ أَوْ سَاوَاهُ فَنَجِسٌ، وَإِنْ أَقَلَّ فَلَا وَكَذَا بَطْنُ النَّهْرِ إنْ نَجِسًا لَكِنَّهُ جَرَى فِي النَّهْرِ مَاءٌ كَثِيرٌ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ بَطْنُ النَّهْرِ نَجِسًا. (وَفِيهِ سُئِلَ الْخُجَنْدِيُّ ﵀ عَنْ رَكِيَّةٍ) أَيْ بِئْرٍ (وُجِدَ فِيهَا خُفٌّ لَا يَدْرِي مَتَى وَقَعَ فِيهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ قَالَ لَا) فَلَوْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي التتارخانية أَيْضًا لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ خِرْقَةٌ أَوْ خَشَبَةٌ نَجِسَةٌ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ وَلَوْ وَقَعَتْ خَشَبَةٌ نَجِسَةٌ فَتَشَرَّبَتْهُ نُزِحَ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ وَلَا تَطْهُرُ الْخَشَبَةُ وَتُخْرَجُ مِنْهَا، وَقِيلَ عَنْ الْقُنْيَةِ وَكَذَا الْخُذْرُوفُ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ (وَفِيهِ وَالْفَتْوَى فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِالنِّيلِ وَدُهْنِ السِّرَاجِ أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الطَّهَارَةُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ نَجَاسَتُهُ) بِالرُّؤْيَةِ أَوْ ظُهُورِ الْأَثَرِ أَوْ خَبَرِ عَدْلٍ أَوْ خَبَرِ مَسْتُورَيْنِ مَثَلًا (وَفِيهِ) أَيْ التتارخانية (م) أَيْ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ (وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الصَّابُونَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْ دُهْنِ الْكَتَّانِ وَدُهْنُ الْكَتَّانِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ أَوْعِيَتَهُ تَكُونُ مَفْتُوحَةَ الرَّأْسِ عَادَةً، وَالْفَأْرَةُ تَقْصِدُ شُرْبَهَا وَتَقَعُ فِيهَا غَالِبًا) وَلِلْغَالِبِ حُكْمُ الْكُلِّ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ مُلْحَقٌ بِالتَّيَقُّنِ (وَلَكِنَّا لَا نُفْتِي بِنَجَاسَةِ الصَّابُونِ) أَيْ ذَلِكَ الصَّابُونِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَضْلًا عَنْ الْمُطْلَقِ لَا سِيَّمَا مَا عُلِمَ عَدَمُ كَوْنِهِ كَذَلِكَ (؛ لِأَنَّا لَا نُفْتِي بِنَجَاسَةِ الدُّهْنِ) لِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ فَلَمَّا وَرَدَ لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ تَيَقُّنِ ذَلِكَ بِالتَّيَقُّنِ الْحَقِيقِيِّ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الْحُكْمِيَّ لِمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ. قَالَ: (وَمَعَ هَذَا لَوْ أَنَّا نُفْتِي بِنَجَاسَةِ الدُّهْنِ لَا نُفْتِي بِنَجَاسَةِ الصَّابُونِ؛ لِأَنَّ الدُّهْنَ قَدْ تَغَيَّرَ، وَصَارَ شَيْئًا آخَرَ) ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ تَبَدَّلَتْ بِمَاهِيَّةٍ أُخْرَى وَلِتَبَدُّلِ الْحَقِيقَةِ تَأْثِيرٌ فِي الطَّهَارَةِ مِثْلُ الْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَ وَالْكَلْبِ أَوْ الْحِمَارِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَمْلَحَةِ، وَصَارَ مِلْحًا لَكِنْ إنْ ادَّعَى كُلِّيَّةَ ذَلِكَ فَلَا يُسَلَّمُ لِمَا فِي التتارخانية أَيْضًا خَشَبَةٌ أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ فَاحْتَرَقَتْ فَوَقَعَ رَمَادُهَا فِي الْبِئْرِ يَفْسُدُ الْمَاءُ وَكَذَا رَمَادُ الْعَذِرَةِ الَّتِي احْتَرَقَتْ فَوَقَعَ رَمَادُهَا فِي الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِي خِلَافِهِ وَلَا شَكَّ فِي تَبَدُّلِ الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلِّيَّةً فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ لِعَدَمِ مَعْلُومِيَّةِ دُخُولِ مَا نَحْنُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَطْلَبُ ظَنِّيٌّ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الظَّنِّ وَادَّعَى وُجُودَ الظَّنِّ فَافْهَمْ. (وَفِيهِ سُئِلَ أَبُو نَصْرٍ ﵀ عَمَّنْ يَغْسِلُ الدَّابَّةَ يُصِيبُهُ) عِنْدَ الْغَسْلِ (مِنْ مَائِهَا) أَيْ مِنْ غُسَالَةِ الدَّابَّةِ وَلَوْ حِمَارًا (أَوْ مِنْ عَرَقِهَا) وَلَوْ غَيْرَ وَقْتِ الْغَسْلِ (قَالَ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ قِيلَ فَإِنْ كَانَتْ تَمَرَّغَتْ فِي بَوْلِهَا وَرَوْثِهَا قَالَ إذَا جَفَّ وَتَنَاثَرَ

стр. 1139

وَذَهَبَتْ عَيْنُهُ لَا يَضُرُّهُ أَيْضًا) وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِي الْبَوْلِ تَحَقُّقُ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ الْجَفَافَ وَالتَّنَاثُرَ لَا يُؤَثِّرَانِ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ لَكِنْ لِعِلَّةِ الْحَرَجِ أُلْحِقَ بِالْأَرْضِ النَّجِسَةِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ؛ وَلِذَا قَالُوا: إنَّ الْأَرْضَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْأَحْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ وَكَذَا الدَّوَابُّ إذَا تَنَجَّسَتْ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، وَذَهَابِ الْأَثَرِ كَمَا قَالَ ﵊ «زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» . وَأَمَّا الدَّوَابُّ فَبِإِلْحَاقِ دَلَالَةٍ أَوْ مُقَايَسَةٍ بِجَامِعِ الْحَرَجِ وَأَمَّا الْحَشِيشُ النَّجِسُ وَمَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ فَطَهُرَتْ بِالْجَفَافِ وَالشَّجَرُ وَالْكَلَأُ إنْ قَامَ عَلَى الْأَرْضِ فَفِي طَهَارَتِهِ بِالْجَفَافِ اخْتِلَافٌ (وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ فَعَلَى هَذَا إذَا جَرَى الْفَرَسُ فِي الْمَاءِ وَابْتَلَّ ذَنَبُهُ فَضَرَبَ بِهِ رَاكِبَهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضُرَّهُ) أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ظَاهِرُهُ، وَإِنْ عَلِمَ تَلَطُّخَهُ بِالْبَوْلِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ مُعَايَنَةِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ (وَفِيهِ السَّخْلَةُ) وَلَدُ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ سُمِّيَ بِهَا مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (إذَا خَرَجَتْ مِنْ أُمِّهَا فَتِلْكَ الرُّطُوبَاتُ) الَّتِي عَلَيْهَا (لَا يَتَنَجَّسُ بِهَا الثَّوْبُ وَلَا الْمَاءُ وَكَذَلِكَ الْبَيْضَةُ) فِي الطَّهَارَةِ وَعَنْ مُخْتَصَرِ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى الْبَيْضَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الدَّجَاجَةِ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ وَهِيَ رَطْبَةٌ أَوْ يَابِسَةٌ لَا تُفْسِدُ الْمَاءَ وَهَذَا حُكْمُ السَّخْلَةِ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ إنْ كَانَتْ رَطْبَةً أَفْسَدَتْ الْمَاءَ وَإِنْ يَابِسَةً لَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْبَيْضَةُ الرَّطْبَةُ أَوْ السَّخْلَةُ الرَّطْبَةُ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ تُنَجِّسُ وَإِنْ يَابِسَةً لَا وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ طَاهِرٌ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا فِي الْإِنْفَحَةِ الْخَارِجَةِ بَعْدَ مَوْتِ السَّخْلَةِ (وَفِيهِ الرُّطُوبَةُ الَّتِي عَلَى الْوَلَدِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ طَاهِرَةٌ) ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ الْمُلْتَقِطِ: السَّخْلَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أُمِّهَا فَتِلْكَ الرُّطُوبَاتُ طَاهِرَةٌ لَا يَتَنَجَّسُ بِهَا الثَّوْبُ وَلَا الْمَاءُ وَكَذَلِكَ الْبَيْضَةُ لَكِنْ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْحُجَّةِ وَيُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ ثُمَّ قَالَ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا أَنَفْحَةُ الشَّاةِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَعِنْدَ بَعْضٍ يَتَنَجَّسُ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ، وَفِي الْمَنْظُومَةِ أَنَفْحَةُ الْمَيْتَةِ وَالْأَلْبَانُ ... طَاهِرَةٌ وَيَسْتَمِرُّ الشَّانُ وَأَوْجَبَا فِي الْجَامِدَاتِ غَسْلَهَا ... وَحَرَّمَا فِي الذَّائِبَاتِ أَكْلَهَا (وَفِيهِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ نَزْحُ بَعْضِ الْمَاءِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ دَجَاجَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ سِنَّوْرٌ، وَأُخْرِجَتْ مِنْهَا حَيَّةً لَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ، وَلَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ مِنْهُ وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ التَّنَجُّسِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ النَّزْحِ (اسْتِحْسَانٌ) الظَّاهِرُ مِنْ قَبِيلِ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ وَإِلَّا فَلَا يُرَجَّحُ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ كَمَا فَصَّلَ فِي الْأُصُولِ (؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مَا دَامَتْ حَيَّةً طَاهِرَةٌ) فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى، وَعَلَيْهِ هِرَّةٌ جَازَ قِيلَ: ضَابِطُ مَا يَكُونُ نَجِسًا لَا لِعَيْنِهِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْهِرَّةِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ لَا يُنَجِّسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ (وَالْقِيَاسُ أَنَّ تَنَجُّسَ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهَا، وَإِنْ أُخْرِجَ حَيًّا؛ لِأَنَّ سَبِيلَ) أَيْ دُبُرَ (هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ نَجِسٌ فَتَنْحَلُّ النَّجَاسَةُ فِي الْمَاءِ فَتُوجِبُ تَنَجُّسَ الْمَاءِ) لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ سَبِيلِهَا نَجِسًا لَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ بَلْ لَوْ تُتُبِّعَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ الْأَكْثَرُ بِلَا نَجَاسَةٍ، وَتَفْصِيلُهُ إنْ أُرِيدَ تَيَقُّنُ النَّجَاسَةِ فِي تِلْكَ السُّبُلِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ شَكَّهَا أَوْ ظَنَّهَا فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ (لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآثَارِ الصَّحَابَةِ ﵃) الظَّاهِرُ بِلَا خِلَافٍ فَيَحِلُّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ سَنَدَهُ، وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ

стр. 1140

(فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا نَجَاسَةَ السَّبِيلِ حَتَّى أُمِرُوا بِنَزْحِ بَعْضِ مَاءِ الْبِئْرِ بَعْدَ مَوْتِ الْفَأْرَةِ فِيهِ وَلَوْ اعْتَبَرُوا نَجَاسَةَ السَّبِيلِ لَأُمِرُوا بِنَزْحِ جَمِيعِ الْمَاءِ وَلَكِنْ مَعَ هَذَا) مَعَ عَدَمِ التَّنَجُّسِ وَعَدَمِ وُجُوبِ النَّزْحِ (إنْ كَانَ الْوَاقِعُ فَأْرَةً) وَأُخْرِجَتْ حَيَّةً (يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَنْزَحُوا عِشْرِينَ دَلْوًا) وَسَطًا أَوْ دَلْوَ كُلِّ بِئْرٍ أَوْ دَلْوَ الْبِئْرِ عَلَى قَدْرِ الْبِئْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّوَالِي فِي النَّزْحِ (وَإِنْ كَانَ) الْوَاقِعُ (سِنَّوْرًا أَوْ دَجَاجَةً مُخَلَّاةً) جَائِلَةً بَيْنَ عَذِرَاتِ النَّاسِ (يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَنْزَحُوا أَرْبَعِينَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ سُؤْرَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مَكْرُوهٌ) وَلَوْ تَنْزِيهًا (عَلَى مَا يَأْتِي) الظَّاهِرُ عِلَّةٌ عَلَى كَوْنِ النَّزْحِ أَرْبَعِينَ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَلَوْ جُعِلَ سُؤْرُ الْفَأْرَةِ مَكْرُوهًا وَلَوْ مَرْجُوحًا تَكُونُ الْإِشَارَةُ إلَى كِلَا النَّوْعَيْنِ فَيَكُونُ وَجْهُ التَّفَاوُتِ فِي النَّوْعَيْنِ بِالْعَظِيمَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْكَثْرَةِ وَعَنْ الْأَصْلِ الْأَحْسَنُ أَنْ يُنْزَحَ دِلَاءٌ وَلَمْ يُقَدِّرْ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْزِحُ لَا يَنْزِحُ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا (وَالْحَالُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ يُصِيبُ فَمَ الْوَاقِعِ حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يُصِبْ فَمَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ لَا يُنْزَحُ شَيْءٌ مِنْ الْمَاءِ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ كَوْنُ سَبَبِ النَّزَحِ هَذَا الْغَالِبَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ قِيَاسَ النَّجَسِيَّةِ هُوَ السَّبِيلُ وَأَنَّ لِلْغَالِبِ حُكْمَ التَّيَقُّنِ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هُنَا قِيَاسَيْنِ أَشَارَ فِي مَوْضِعٍ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ بِالْآخَرِ وَلَا يُتَوَجَّهُ عِنْدَنَا عَلَيْنَا بِأَنَّ الْقِيَاسَيْنِ رَاجِحَانِ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ؛ إذْ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْقِيَاسِ (وَإِنْ كَانَتْ الدَّجَاجَةُ غَيْرَ مُخَلَّاةٍ لَا يُنْزَحُ مِنْهَا شَيْءٌ) فِي الْحَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهَا لَيْسَ لِذَاتِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ نَقْرِ النَّجَاسَةِ بِمِنْقَارِهَا، وَفِي الْمَحْبُوسَةِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ بِخِلَافِ السِّنَّوْرِ وَالْفَأْرَةِ انْتَهَى لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا سَبَقَ فِي نَجِسِ السَّبِيلِ فَتَدَبَّرْ (وَفِيهِ إذَا غَمَسَ الرَّجُلُ يَدَهُ فِي سَمْنٍ نَجِسٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (ثُمَّ غَسَلَ الْيَدَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي بِغَيْرِ حَوْضٍ) أَوْ نَحْوِهِ (وَأَثَرُ السَّمْنِ بَاقٍ عَلَى يَدِهِ طَهُرَتْ يَدُهُ) عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِخِلَافِ السَّمْنِ النَّجَسِ بِالْفَتْحِ كَسَمْنِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا أَصَابَ شَيْئًا لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَدَمُ أَثَرِهِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لِذَاتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ (؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ السَّمْنِ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ، وَقَدْ زَالَتْ الْمُجَاوَرَةُ عَنْهُ) بِغَسْلِهِ بِالْمَاءِ وَيُقَرِّبُهُ مَا قَالُوا: إنَّ مَا فِي زَوَالِهِ مَشَقَّةٌ فَمَعْفُوٌّ (فَبَقِيَ عَلَى يَدِهِ سَمْنٌ طَاهِرٌ) ثُمَّ قَالَ فِيهِ: لِأَنَّ تَطْهِيرَ السَّمْنِ بِالْمَاءِ مُمْكِنٌ كَأَنْ يَجْعَلَ الدُّهْنَ فِي إنَاءٍ فَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَعْلُو الدُّهْنُ الْمَاءَ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ فَيَطْهُرُ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنْ زَالَ الْأَثَرُ فِي الْأُولَى قِيلَ: يَطْهُرُ، وَقِيلَ: لَا اعْتِبَارَ بِغَيْرِ الْمَرْئِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ (وَفِيهِ ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ) فِيمَا يَنْعَصِرُ فِي غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) بِالْمُبَالَغَةِ، وَفِي الثَّالِثَةُ عَلَى طَاقَتِهِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ: التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِلَازِمٍ عِنْدَنَا بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَيَطْهُرُ بِمَا دُونَ ثَلَاثٍ، وَعَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إلَى أَنْ يَسْكُنَ قَلْبُهُ إلَيْهِ وَتَقْدِيرُ الثَّلَاثِ مَذْهَبًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَطْهُرُ بِالْوَاحِدَةِ إذَا خَرَجَ الْمَاءُ مُتَغَيِّرًا، وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثِ (فِي) ظَاهِرِ رِوَايَةِ الْأَصْلَ (أَنَّهُ أَحْوَطُ، وَفِي) غَيْرِ (رِوَايَةِ) الْأَصْلِ (يَكْتَفِي بِالْعَصْرِ مَرَّةً) وَاحِدَةً (وَهُوَ أَوْسَعُ وَأَرْفَقُ بِالنَّاسِ، وَفِي النَّوَازِلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) ثُمَّ قَالَ فِي عَقِبِهِ: يَكْفِي صَبُّ الْمَاءِ فِي الْبَوْلِ أَوْ النَّجَسِ، وَيَطْهُرُ الثَّوْبُ عَلَى قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اتَّزَرَ فِي الْحَمَّامِ وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّهْرُ وَالْبَطْنُ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ الْجَنَابَةِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْإِزَارِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْإِزَارِ، وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهُ: وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْإِزَارِ وَأَمَرَّ الْمَاءَ يَكْفِيهِ فَوْقَ الْإِزَارِ، وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ فَهُوَ أَحْسَنُ

стр. 1141

وَأَحْوَطُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِهِ ثُمَّ قَالَ (وَفِي الْمُنْتَقَى: شَرَطَ الْعَصْرَ مَرَّةً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ يُصِيبُهُ مِثْلُ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْبَوْلِ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ صَبَّةً وَاحِدَةً وَعَصَرَهُ طَهُرَ وَكَذَلِكَ إذَا غَمَسَهُ غَمْسَةً وَاحِدَةً فِي إنَاءٍ وَنَهْرٍ جَارٍ وَعَصَرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَطْهُرُ، وَإِنْ غَمَسَهُ غَمْسَةً وَاحِدَةً سَابِغَةً) أَيْ كَامِلَةً (لَمْ يَطْهُرْ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُرِيدُ بِهِ إذَا لَمْ يَعْصِرْهُ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ) لِاضْمِحْلَالِهَا حِينَئِذٍ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ بَوْلُ صَبِيٍّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَلَا يَعْصِرُهُ» ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً يُشْتَرَطُ) الْعَصْرُ لِقُوَّةِ لُصُوقِهَا بِالْمَحَلِّ بِجَفَافِهَا (انْتَهَى) مَا فِي التتارخانية لَا مَا فِي النَّوَازِلِ كَمَا تُوُهِّمَ ثُمَّ قَالَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَالِغَ فِي الْعَصْرِ فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى يَصِيرَ الثَّوْبُ بِحَالٍ لَوْ عَصَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ شَخْصٍ قُوَّتُهُ وَطَاقَتُهُ. (وَفِي التَّجْنِيسِ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ) تَنْزِيهًا (فِي ثِيَابِ الْفَسَقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَ الْخُمُورَ إلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُكْرَهُ فِي ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَّا السَّرَاوِيلَ مَعَ أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ) وَالْفَسَقَةُ لَا يَسْتَحِلُّونَهُ لَعَلَّ مَبْنَاهُ أَصَالَةُ الطَّهَارَةِ وَالظَّنُّ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ تَوَقِّي الْخَمْرِ لَا يُفِيدُ غَلَبَةَ ظَنٍّ بَلْ غَايَتُهُ إيرَاثُ ظَنٍّ وَذَا لَا يُفِيدُ لَكِنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ تَجَنُّبُ الْوَرَعِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَةِ الْخِلَافِ إيرَاثُ شُبْهَةٍ وَقَدْ مَرَّ مِرَارَ تَأْثِيرِ الشُّبْهَةِ فِي الْحُرْمَةِ (وَفِيهِ رَجُلٌ أَصَابَهُ طِينٌ أَوْ مَشَى فِي طِينٍ، وَلَمْ يَغْسِلْ قَدَمَيْهِ) وَبَدَنَهُ (وَصَلَّى) مَعَهُ (تُجْزِئُهُ) الصَّلَاةُ (مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ انْتَهَى) كَلَامُ التَّجْنِيسِ. وَفِي التتارخانية: إذَا جَعَلَ الطِّينَ النَّجِسَ كُوزًا يَطْهُرُ بِالطَّبْخِ، وَفِيهِ إذَا لِينَ بِالْمَاءِ النَّجَسُ أَوْ التُّرَابُ النَّجِسُ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ طَهُرَ وَلَوْ جَفَّ بِلَا نَارٍ فَكَذَا إلَّا أَنَّهُ تَعُودُ النَّجَاسَةُ بِإِعَادَةِ الْمَاءِ، وَفِيهِ الْمَحْلُوجُ النَّجِسُ إذَا نُدِفَ إنْ النَّجِسُ قَلِيلًا مِنْ النِّصْفِ طَهُرَ بِهَذَا الْفِعْلِ وَإِلَّا فَلَا، وَفِيهِ إذَا أَصَابَ نَعْلَهُ بَوْلٌ أَوْ خَمْرٌ ثُمَّ مَشَى عَلَى التُّرَابِ فَلَزِقَ بَعْضُ التُّرَابِ وَجَفَّ وَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ يَطْهُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي رَاوِيَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَمْ يُشْتَرَطْ الْجَفَافُ وَعَنْ بَعْضٍ يُفْتَى بِهِ تَوْسِعَةً وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا الْتَقَى تُرَابًا أَوْ رَمَادًا عَلَى خُفٍّ أَصَابَهُ بَوْلٌ وَمَسَحَهُ مُبَالَغَةً إلَى أَنْ لَا يَبْقَى أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ وَكَذَا فِيمَا لَهَا جُرْمٌ وَكَانَتْ رَطْبَةً وَعِنْدَهُمَا لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يُغْسَلْ (وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ كَانَ وَالِدِي ﵀ يَقُولُ: إذَا تَرَشَّشَ الْبَوْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ) أَكْبَرَ مِنْ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَإِلَّا فَمَعْفُوٌّ (فَحَثَى عَلَيْهِ التُّرَابَ وَتَرَاكَهُ حَتَّى جَفَّ ثُمَّ حَكَّهُ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ ذَا جُرْمٍ فَيَكْفِيهِ الْحَكُّ إذَا جَفَّ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا الرَّطْبُ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى (انْتَهَى) . كَذَا فِي الْبَدَائِعِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ

стр. 1142

فِيهِمَا» ، وَفِي الْكَافِي وَالْفَتْوَى: أَنَّهُ يَطْهُرُ لَوْ مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ (وَفِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ النَّجِسُ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِمَّا لَا تَتَشَرَّبُ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَالْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ انْتَهَى) وَظَاهِرُهُ لُزُومُ تَثْلِيثِ الْغَسْلِ مُطْلَقًا مُصَيْقَلًا أَوْ لَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِمَا فِي التتارخانية أَنَّ السَّيْفَ إذَا أَصَابَهُ دَمٌ أَوْ عَذِرَةٌ فَمَسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ فَلَوْ قَطَعَ بِطِّيخًا يُؤْكَلُ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ وَيَمْسَحُونَ السُّيُوفَ وَيُصَلُّونَ مَعَهَا بَلْ قَالَ فِيهِ أَيْضًا: الْحَدِيدُ النَّجِسُ الْغَيْرُ الْمُمَوَّهِ بِالنَّجَاسَةِ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَالْمَسْحِ بِخِرْقَةِ لَكِنْ عَنْ الْأُصُولِ طَهُورُهُ بِالْغَسْلِ فَقَطْ، وَلَوْ أَدْخَلَ الْحَدِيدَ فِي النَّارِ يَطْهُرُ إنْ ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ كَرَأْسِ شَاةٍ مُلَطَّخٍ أُحْرِقَ وَزَالَ الدَّمُ يَطْهُرُ، وَفِيهِ أَيْضًا إذَا مَسَحَ النَّجَاسَةَ فِي أَعْضَائِهِ بِيَدِهِ الْمُبْتَلَّةِ ثَلَاثًا إنْ مُتَقَاطِرَةً جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَفِيهِ أَيْضًا إذَا مَسَحَ التَّنُّورَ بِخِرْقَةِ مُبْتَلَّةٍ بِنَجَسٍ ثُمَّ خَبَزَ فِيهِ إنْ مَحَتْ حَرَارَةُ النَّارِ بِلَّةَ الْمَاءِ قَبْلَ إلْصَاقِ الْخُبْزِ بِالتَّنُّورِ لَا يَتَنَجَّسُ الْخُبْزُ وَالْأَرْضُ النَّجِسَةُ إذَا جَفَّتْ وَلَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ طَهُرَتْ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لَا التَّيَمُّمِ وَلَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ تَعُودُ نَجِسَةً، وَالْحَجَرُ الَّذِي لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ يَطْهُرُ بِالْيُبْسِ، وَاَلَّذِي يَتَشَرَّبُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ لَكِنْ عَنْ الْخُلَاصَةِ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ إذَا أَصَابَهُمَا نَجَاسَةٌ إنْ بَوْلًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَإِلَّا فَيُمْسَحُ بِنَحْوِ التُّرَابِ. (وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ شَيْئًا يَتَشَرَّبُ فِيهِ الْقَلِيلُ كَالْبَدَنِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ انْتَهَى) وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَثِيرًا لَزِمَ الْعَصْرُ، وَمَا ذُكِرَ لَيْسَ مِمَّا يَقْبَلُ الْعَصْرَ، وَفِي التتارخانية ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ إذَا أَصَابَتْ الْخُفَّ أَوْ النَّعْلَ وَحَكَّهَا أَوْ حَتَّهَا بَعْدَمَا يَبِسَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْأَصْلِ تَطْهُرُ بِمَسْحِ التُّرَابِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا: لَوْلَا مَا فِي الْجَامِعِ لَنَقُولُ: لَا تَطْهُرُ إلَّا بِمَسْحِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالتُّرَابِ لَهُ أَثَرٌ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَلِلْحَكِّ أَثَرٌ أَيْضًا ثُمَّ عِنْدَ وُجُوبِ غَسْلِ الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ فَإِنْ الْجِلْدُ صَلْبًا يُنَشِّفُ رُطُوبَاتِ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ. وَقَالَ بَعْضٌ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَرَهُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُنْقَعُ ثَلَاثًا فِي مَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي رِوَايَةٍ. وَفِي الثَّلَاثَةِ فِي أُخْرَى وَقَاسُوا الْخُفَّ وَالنَّعْلَ عَلَى الْخَزَفِ الْجَدِيدِ وَالْآجُرِّ الْجَدِيدِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْخُفِّ وَغَيْرِهِ بِلَا تَفْصِيلٍ بَيْنَ خُفٍّ وَخُفٍّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي الْحُجَّةِ حَدُّ التَّجْفِيفِ عَدَمُ ابْتِلَالِ الْيَدِ بِلَا اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ يَابِسًا انْتَهَى مُلَخَّصًا (وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يُتَوَضَّأُ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي يُدْلَى فِيهَا الدِّلَاءُ وَالْجِرَارُ) كَالْكُوزِ (الدَّنِسَةِ) بِلَا تَيَقُّنِ نَجَاسَةٍ (يَحْمِلُهَا الصِّغَارُ وَالْعَبِيدُ) الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ التَّوَقِّي عَنْ النَّجَاسَةِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْهَا (لَا يَعْلَمُونَ الْأَحْكَامَ) وَلَوْ إجْمَالًا وَتَقْلِيدًا (وَيَمَسُّهَا الرُّسْتَاقِيُّونَ) أَهْلُ الْقُرَى؛ إذْ مِنْ شَأْنِهِمْ عَدَمُ عِلْمِ الْأَحْكَامِ أَيْضًا (بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ النَّجَاسَةُ) بِظُهُورِ الْأَثَرِ أَوْ خَبَرِ الْعَدْلِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ الرُّؤْيَةِ لَعَلَّ مَبْنَى الْحُكْمِ الطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَعَدَمُ زَوَالِ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ بَلْ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ كَمَا مَرَّ أَوْ الْعُسْرُ وَالْحَرَجُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى. (وَفِيهِ فِي يَدِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَجَعَلَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ كُلَّمَا صَبَّ عَلَى الْيَدِ، فَإِنْ غُسِلَ ثَلَاثًا طَهُرَتْ الْعُرْوَةُ مَعَ طَهَارَةِ الْيَدِ) بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ (؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا) أَيْ الْعُرْوَةِ (بِنَجَاسَتِهَا) بِسَبَبِ نَجَاسَةِ الْيَدِ (فَطَهَارَتُهَا بِطَهَارَتِهَا) يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ فِيهِ كَلَامٌ فَتَأَمَّلْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْإِطْلَاقُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ بِالْغَيْرِ الْمَرْئِيِّ، وَيُقَالُ فِي الْمَرْئِيِّ لَا بُدَّ مِنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ إصَابَةِ الْإِبْرِيقِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهَا مَتَى أَصَابَتْهُ تَنَجَّسَ وَكَذَا مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَزُلْ عَنْهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (انْتَهَى) كَلَامُ فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَالْقُنْيَةِ الْجُلُودُ الَّتِي تُدْبَغُ فِي بِلَادِنَا وَلَا يُغْسَلُ مَذْبَحُهَا وَلَا يُتَوَقَّى النَّجَاسَاتُ

стр. 1143

فِي دَبْغِهَا) بَلْ تُعَالَجُ بِنَجَاسَةِ الْكِلَابِ (وَيُلْقُونَهَا عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَلَا يَغْسِلُونَهَا بَعْدَ تَمَامِ الدَّبْغِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْخِفَافِ وَغِلَافِ الْكُتُبِ وَالْقِرَابِ وَالدِّلَاءِ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا) إذَا لَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لَعَلَّ وَجْهَهُ إمَّا الْحَرَجُ، وَعُمُومُ الْبَلْوَى أَوْ التَّلَاشِي بِأَعْمَالِ الدِّبَاغَةِ، وَعَنْ الْخُلَاصَةِ إذَا دُبِغَ الْجِلْدُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ، وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُبَيِّنُ الْعَيْبَ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ وَعَنْ الْبَزَّازِيِّ دُبِغَ الْجِلْدُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ يُغْسَلُ بِالطَّاهِرِ، وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْبَيَانِ وَلَوْ بِلَا بَيَانٍ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي (وَفِيهِمَا) أَيْ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَالْقُنْيَةِ (صَلَّى وَمَعَهُ عُنُقُ شَاةٍ غَيْرُ مَغْسُولٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ مَا سَالَ مِنْهُ) أَيْ النَّجَسِ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحِ وَقَدْ سَالَ (وَمَا بَقِيَ لَا بَأْسَ بِهِ) وَلِذَا قَالُوا: إنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّمِ فِي عُرُوقِ الْمُذَكَّاةِ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا يُغْسَلُ وَإِنْ فَحُشَ كَذَا نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ (وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (طِينُ الشَّوَارِعِ وَمَوَاطِئُ الْكِلَابِ فِيهِ) أَيْ فِي الطِّينِ (طَاهِرٌ وَكَذَا الطِّينُ الْمُسَرْقَنُ) أَيْ الْمَخْلُوطُ بِالسِّرْقِينِ (وَرَزْغَةُ) بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَالْغَيْنِ بِمَعْنَى الطِّينِ (طَرِيقٍ فِيهِ نَجَاسَاتٌ طَاهِرَةٌ إلَّا إذَا رَأَى عَيْنَ النَّجَاسَاتِ قَالَ) ﵀ (وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَقَرِيبٌ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَنْ أَصْحَابِنَا مِنْ مُنْيَةِ الْفُقَهَاءِ انْتَهَى) كَلَامُ الْقُنْيَةِ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى، وَفِي قَاضِي خَانْ إذَا جَعَلَ السِّرْقِينَ فِي الطِّينِ فَطُيِّنَ بِهِ شَيْءٌ فَيَبِسَ فَوُضِعَ عَلَيْهِ مَنْدِيلٌ مَبْلُولٌ لَا يَتَنَجَّسُ السِّرْقِينُ الْجَافُّ وَالتُّرَابُ النَّجِسُ إذَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ فَأَصَابَ شَيْئًا لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يُرَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَلَوْ مَرَّ عَلَى النَّجَاسَاتِ وَثَمَّةَ ثَوْبٌ مَبْلُولٌ مُعَلَّقٌ يُصِيبُهُ بِهِ الرِّيحُ قِيلَ بِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ، وَفِيهِ الْكَلْبُ إذَا أَخَذَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ بَغْتَةً إنْ أَخَذَهُ فِي الْغَضَبِ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ أَخَذَهُ فِي الْمِزَاحِ وَاللَّعِبِ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ يَأْخُذُ بِسُنَّةِ وَلَيْسَ بِنَجَسٍ، وَفِي الثَّانِي بِفَمِهِ وَلُعَابِهِ وَفِيهِ إذَا مَشَى كَلْبٌ عَلَى ثَلْجٍ فَوَضَعَ إنْسَانٌ رِجْلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ الثَّلْجُ رَطْبًا بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَبْتَلُّ يَصِيرُ الثَّلْجُ نَجِسًا فَمَا يُصِيبُهُ يَكُونُ نَجِسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَطْبًا لَا يَتَنَجَّسُ، وَقِيلَ بِأَنْ لَا يَتَنَجَّسَ الثَّلْجُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَكَذَا الْكَلْبُ إذَا مَشَى فِي طِينِ رَزْغَةٍ يُنَجِّسُ الطِّينَ وَالرَّزْغَةَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْكَلْبُ إذَا دَخَلَ الْمَاءَ ثُمَّ خَرَجَ فَانْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ، وَلَوْ أَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ لَمْ يُفْسِدْ الْكَلْبُ إذَا تَنَفَّسَ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ حَتَّى انْجَمَدَ الثَّوْبُ مِنْ نَفَسِهِ يَنْجُسُ الثَّوْبُ الْكَلْبُ إذَا بَال عَلَى طِينِ إنْ لَمْ يُرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَا يَتَنَجَّسُ؛ إذْ مِنْ طَبْعِ الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ النَّجَاسَةَ، وَفِي التتارخانية إذَا مَشَى بِرِجْلِهِ الْمَغْسُولَةِ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ فَابْتَلَّتْ الْأَرْضُ مِنْ رِجْلِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ بَلَلِ الْأَرْضِ فِي رِجْلِهِ لَا تَتَنَجَّسُ، وَإِنْ ظَهَرَ أَثَرُ بَلَلِ الْأَرْضِ أَيْ طِينِهَا فِي رِجْلِهِ تَتَنَجَّسُ (وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى غَسَلَ الثَّوْبَ النَّجِسَ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَكَذَا بِغَيْرِهِمَا مِنْ قَالِعِ النَّجَاسَاتِ (وَقَدْ بَقِيَ فِيهِ) أَيْ الثَّوْبِ (شَيْءٌ مِنْ الصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ مُلْتَصِقًا بِهِ) أَيْ الثَّوْبِ (طَهُرَ) ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ فَيَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ (وَفِيهِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ) أَيْ الظَّهِيرِيَّةِ (وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَاتِ) كَبُخَارِ الْكَنِيفِ وَالْإِصْطَبْلِ وَالْحَمَّامِ (قِيلَ يَتَنَجَّسُ بِهَا وَقِيلَ: لَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ) وَإِنْ كَانَتْ نَجِسَةً تَخْفِيفًا لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَلِأَنَّ فِيهِ تَبَدُّلَ الْحَقِيقَةِ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي الطَّهَارَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَفِي التتارخانية إذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَعَلَا دُخَانُهَا وَبُخَارُهَا إلَى الطَّابَقِ فَانْعَقَدَ ثُمَّ ذَابَ أَوْ عَرِقَ

стр. 1144

الطَّابَقُ فَأَصَابَ مَاؤُهُ ثَوْبًا لَا يُفْسِدُهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَبِهِ يُفْتَى وَمُخْتَارُ الْمَرْغِينَانِيِّ وَكَذَا عَرَقُ الْإِصْطَبْلِ إذَا تَقَاطَرَ مِنْهُ وَكَذَا الْحَمَّامُ إذَا أُهْرِيقَ فِيهِ النَّجَاسَاتُ فَعَرِقَ حِيطَانُهُ وَتَقَاطَرَ وَكَذَا كُوزٌ فِي إصْطَبْلٍ فَتَرَشَّحَ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ طَاهِرٌ (وَفِيهِ وَفِي الْمُنْيَةِ سُئِلَ نُورُ الْأَئِمَّةِ عَمَّنْ اسْتَقَى مِنْ الْوَادِي وَصَبَّ فِي الْجُبِّ وَكَانَ فِي الْمَاءِ بَعْرَةُ الْغَنَمِ قَالَ: لَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَوَانِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ) وَعَنْ الْخَانِيَّةِ وَبَعْرُ الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ لَا يُفْسِدُ مَا لَمْ يَفْحُشُ، وَالْفَاحِشُ فِيهِ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاسُ، وَالْيَسِيرُ مَا يَسْتَقِلُّهُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ لَا يَسْلَمُ كُلُّ دَلْوٍ عَنْ بَعْرَةِ أَوْ بَعْرَتَيْنِ فَهُوَ فَاحِشٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إنْ أَخَذَ رُبْعَ وَجْهِ الْمَاءِ فَهُوَ كَثِيرٌ وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّطْبُ وَالْيَابِسُ وَالصَّحِيحُ وَالْمُنْكَسِرُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي الْمَفَازَةِ انْتَهَى (قَالَ نُورُ الْأَئِمَّةِ: قُلْت لِشِهَابِ الْأَئِمَّةِ: لَوْ تَفَتَّتَتْ) أَيْ تَفَرَّقَتْ الْبَعْرَةُ بِالِانْحِلَالِ (فِي الْجُبِّ قَالَ نَأْخُذُ بِالْأَوْسَعِ) الْأَخَفِّ (فَلَا يَتَنَجَّسُ) مَا لَمْ يُوجَدْ الْوَصْفُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ (وَفِيهِ الْإِنَاءُ كَالْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ) فَكَمَا أَنَّ الْبِئْرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ فَكَذَلِكَ الْإِنَاءُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) ﵀ (وَفِيهِ وَقَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ وَقَاضِي خَانْ: يَكُونُ نَجِسًا وَفِيهِ وَفِي التَّفْرِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) ﵀ (لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى إزَارٍ نَجِسٍ وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ وَكَذَا الْجُنُبُ لَوْ اتَّزَرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْإِزَارِ طَهُرَ وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهُ، وَفِي شَرْحِ الْحَلْوَانِيِّ ﵀ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي إزَارِهِ أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ) رَطْبَةٌ (فَاسْتَكْثَرَ) أَيْ فَأَكْثَرَ (صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ طَهُرَ وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهُ وَلَمْ يَدْلُكْهُ انْتَهَى) وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: اتَّزَرَ الْجُنُبُ وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ صَبَّ عَلَى الْإِزَارِ النَّجِسِ طَهُرَ الْإِزَارُ إنْ لَمْ يُعْصَرْ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ فَأَكْثَرَ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ طَهُرَ بِلَا دَلْكٍ وَعَصَرَهُ. اهـ. (وَفِي الْقُنْيَةِ رُعَاةٌ يَشُدُّونَ ضَرْعَ الشَّاةِ بِخِرْقَةٍ مُتَلَطِّخَةٍ بِطِينٍ مَخْلُوطٍ بِبَعْرِهَا كَيْ لَا يَرْتَضِعَهَا وَلَدُهَا وَيَجِفَّ) ذَلِكَ الطِّينُ (ثُمَّ يَحْلُبُهَا) مِنْ الْحَلْبِ (بَعْد الْحَلِّ بِيَدٍ رَطْبَةٍ فَيُصِبْهَا بَقِيَّةُ ذَلِكَ الطِّينِ عَلَى الضُّرُوعِ فَهُوَ عَفْوٌ) قِيلَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَطَهَارَتُهُ بِالْيُبْسِ اضْمَحَلَّتْ بِالْبَلَلِ بَعْدَهُ (انْتَهَى) وَعَنْ الْخَانِيَّةِ: الْبَعْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَحْلَبِ عِنْدَ الْحَلْبِ فَرُمِيَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ بَقِيَتْ الْبَعْرَةُ فِي اللَّبَنِ يَصِيرُ نَجِسًا لَا يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي قَاضِي خَانْ بَدَلُ بَقِيَتْ تَفَتَّتَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فُرُوعٌ مَنْشُورَةٌ) فِي قَاضِي خَانْ ذَرْقُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْحِدَأَةِ لَا يُفْسِدُ الثَّوْبَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِقِلَادَةٍ فِي عُنُقِهِ فِيهَا سِنُّ كَلْبٍ أَوْ ذِئْبٍ إذَا بَالَ الْحِمَارُ فِي مَاءٍ جَارٍ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ لَا يُفْسِدُ مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ أَنَّهُ بَوْلٌ، وَفِي مَاءٍ رَاكِدٍ يُفْسِدُ إنْ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ الْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْهِرَّةِ، وَقَدْ أَسَاءَ وَقَمِيصُ الْحَيَّةِ طَاهِرٌ الْبَيْضَةُ الرَّطْبَةُ وَالسَّخْلَةُ الرَّطْبَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي ثَوْبٍ لَا تُفْسِدُهُ إذَا نَسِيَ مَحَلَّ وُقُوعِ نَجِسٍ فِي ثَوْبٍ يَطْهُرُ - بِغَسْلِ أَيْ مَوْضِعِهِ - الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْعَصْرُ لِصَلَابَتِهِ، وَقَدْ نَشِفَتْ النَّجَاسَةُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَوَّهَ الْحَدِيدَ بِالْمَاءِ النَّجَسِ فَيُغْلَى فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثًا، وَيُبَرَّدُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَالْحَصِيرُ الْبَرْدِيُّ الْجَدِيدُ لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا يَبِسَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ الْخُفُّ النَّجِسُ يَطْهُرُ بِإِصَابَةِ الْمَطَرِ ثَوْبٌ ذُو طَاقٍ وَاحِدٍ كَالْقَمِيصِ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَنَفَذَتْ إلَى جَانِبٍ آخَرَ فَلَوْ جُمِعَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ لَوْ أَصَابَ

стр. 1145

رِجْلَهُ رَوْثٌ مِنْ الْمَرْبِطِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ مَا لَمْ يَفْحُشْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى إنْ كَانَ تَنَجَّسَ سَرْجُ الدَّابَّةِ مِنْ عَرَقِهَا لَا يَمْنَعُ وَإِنْ مِنْ الْغَيْرِ فَيَمْنَعُ إذَا طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ بِبَعْرِ الْفَأْرَةِ تُؤْكَلُ إلَّا إنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ النَّجَاسَةِ الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِصَبْغٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ يُغْسَلُ ثَلَاثًا الْأَرْضُ الْمُتَنَجِّسَةُ بِالْبَوْلِ إنْ رَخْوَةً يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ صَلْبَةً يُصَبُّ الْمَاءُ ثُمَّ يُنَشَّفُ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ ثَلَاثًا، وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهَا مَاءً كَثِيرًا إلَى أَنْ يَبْقَى أَثَرُهَا وَجَفَّتْ طَهُرَتْ السَّلَّةُ تَطْهُرُ بِإِصَابَةِ الْمَطَرِ ثَلَاثًا وَالشَّمْسِ ثَلَاثًا انْتَهَى وَلَوْ مَعْنًى وَمُلَخَّصًا، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَبَنُ الْبَقَرَةِ الْمَيْتَةِ طَاهِرٌ مَاءُ فَمِ النَّائِمِ نَجِسٌ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَفِي التتارخانية عَنْ الْخُلَاصَةِ الْفَتْوَى أَنَّ بَوْلَ الْفَأْرَةِ مَعْفُوٌّ وَعَنْ الْحُجَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ الدَّمُ الْبَاقِي فِي عُرُوقِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ يُؤْكَلُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَعْفُوٌّ فِي الْأَكْلِ، وَغَيْرُ مَعْفُوٍّ فِي الثِّيَابِ الْغُبَارُ النَّجِسُ طَارَ وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُفْسِدُهُ الثَّوْبُ الَّذِي أَصَابَهُ بُخَارُ النَّجَاسَاتِ الصَّحِيحُ لَا يُنَجَّسُ لَوْ عَصَرَ عِنَبًا فَأَدْمَى رِجْلَهُ وَسَالَ فِي الْعَصِيرِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ الدَّمِ فِيهِ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَكَذَا وَقَعَ الْبَوْلُ فِي الْعَصِيرِ، وَهُوَ غَالِبٌ يَسِيلُ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ وَلَوْ أَدْمَى رِجْلَهُ قَبْلَ سَيْلَانِ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ لِلضَّرُورَةِ وَقِيلَ يَنْجُسُ الْمَرَقَةُ إذَا أَنْتَنَتْ لَا تَنْجُسُ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ: إذَا أَنْتَنَ الطَّعَامُ وَاشْتَدَّ تَغَيُّرُهُ يَتَنَجَّسُ وَعَنْ مُشْكِلِ الْآثَارِ إذَا أَنْتَنَ اللَّحْمُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَالزَّيْتُ لَا يَحْرُمُ الْعِنَبُ إذَا تَنَجَّسَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا، وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ بَعْضَ الْعُنْقُودِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَعْدَمَا يَبِسَ الْعُنْقُودُ الْعَذِرَاتُ الْمَدْفُونَةُ إذَا صَارَتْ تُرَابًا. قِيلَ: تَطْهُرُ إذَا لَمْ يَدْرِ مَحَلَّ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ يُغْسَلُ كُلُّ الثَّوْبِ، وَعَنْ خُوَاهَرْ زَادَهْ إذَا غَسَلَ مَوْضِعًا بِلَا تَحَرٍّ يَطْهُرُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا الْحِنْطَةُ الَّتِي تَبُولُ عَلَيْهَا الْحُمُرُ حِينَ تُدَاسُ وَيَخْتَلِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ غَسَلَ الْبَعْضَ ثُمَّ خُلِطَ بِالْكُلِّ فَيُبَاحُ وَكَذَا لَوْ عُزِلَ أَوْ وَهَبَ بَعْضَهَا لِإِنْسَانِ أَوْ تَصَدَّقَ وَكَذَا لَوْ قَسَمَ بَيْنَ الْأَكَّارِينَ جَازَ لِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ، وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ بَأْسٌ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ بِلَا غَسْلٍ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: طَاهِرٌ لِلْبَلْوَى، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيِّ لَا يُعْبَأُ بِهِ انْتَهَى (وَالْحَاصِلُ أَنَّ وُجُوبَ الِاحْتِزَازِ عَنْ النَّجَاسَةِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِوَصْفِهَا الْمُنَفِّرِ) نَفْرَ الطَّبْعِ (مِنْ الرِّيحِ النَّتِنِ وَالطَّعْمِ الْبَشِيعِ وَاللَّوْنِ الْقَبِيحِ) قِيلَ هُنَا: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْوَصْفَ الْمُنَفِّرَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ يَجِبُ الِاحْتِرَازُ بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ إلَّا إذَا كَانَ فِي زَوَالِهِ شِقٌّ بِالِاحْتِيَاجِ فِيهِ إلَى غَيْرِ الْمَاءِ مِثْلَ الصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ لَا إلَى تَكْرَارِ الْغَسْلِ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ لِلْحَرَجِ (فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يُتَيَقَّنْ بِوُجُودِهِ فَإِنَّهُ مُنَفِّرٌ أَيْضًا فَلَا يَجِبُ) الِاحْتِرَازُ بِالِاتِّفَاقِ (مَعَ التَّيَقُّنِ) أَيْ مَعَ تَيَقُّنِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ (يُعْفَى الْقَلِيلُ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ) ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ مَنْفِيٌّ) فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَالْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ مَعَهَا حَرَجٌ اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ حَاشِيَةً طَوِيلَةً تَرَكْنَاهَا لِلْغِنَى عَنْهَا بِمَا ذَكَرْنَا وَلِلشُّهْرَةِ (بِخِلَافِ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ قُبْحَهَا لِذَاتِهَا؛ فَلِذَا وَرَدَ) مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» مَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، أَوْ مُطْلَقًا إنْ مُسْتَحِلًّا (وَقَدْ مَرَّ فَخُذْ هَذَا التَّعْلِيلَ) مِنْ الْعِلْمِ (وَالضَّبْطَ وَاعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُك) . الْمُرَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ كَوْنُ التَّحَرُّزِ

стр. 1146

عَنْ النَّجَاسَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالظَّاهِرِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِوَصْفِهَا وَكَوْنِ الِاحْتِرَازِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ كَالْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ لِذَاتِهِ وَبِالضَّبْطِ كَوْنُ نَجَاسَةِ الظَّاهِرِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهَا لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَكَوْنِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لَا يُعْفَى وَلَوْ قَدْرَ الذَّرَّةِ. [النَّوْعُ الثَّانِي فِي ذَمِّ الْوَسْوَسَةِ وَآفَاتِهَا] (النَّوْعُ الثَّانِي فِي ذَمِّ الْوَسْوَسَةِ وَآفَاتِهَا) (ت عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلْهَانُ» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَمَعْنَاهُ الْمُتَحَيِّرُ مِنْ شِدَّةِ الْعِشْقِ سُمِّيَ بِهِ هَذَا الشَّيْطَانُ لِإِغْوَائِهِ النَّاسَ فِي التَّحَيُّرِ فِي الطَّهَارَةِ حَتَّى لَا يَعْلَمُوا هَلْ عَمَّ الْمَاءُ الْعُضْوَ أَوْ لَا وَكَمْ غَسَلَ مَرَّةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْهَامِ «فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» أَيْ احْذَرُوا وَسْوَاسَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ مِنْ وَهْنِ عِلْمِ الرَّجُلِ وَلُوعُهُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَقَالَ ابْنُ أَدْهَمَ: أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ الْوَسْوَاسُ مِنْ قِبَلِ الطَّهُورِ وَقَالَ أَحْمَدُ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ وَلُوعِهِ بِالْمَاءِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمُخَالِفَاتِ وَالْوَسْوَاسِ شَيْطَانًا يَخُصُّهُ وَيَدْعُو إلَيْهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَاخْتِلَافُ الْمُسَبَّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ قَالَ مُجَاهِدٌ: لِإِبْلِيسَ خَمْسَةُ أَوْلَادٍ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ شَبْرٌ وَالْأَعْوَرُ وَمَبْسُوطٌ وَدَاسِمٌ وَزَلَنْبُورٌ فَشَبْرٌ صَاحِبُ الْمَصَائِبِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالثُّبُورِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَعْوَرُ صَاحِبُ الزِّنَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُزَيِّنُهُ لَهُمْ وَمَبْسُوطٌ صَاحِبُ الْكَذِبِ وَدَاسِمٌ يَدْخُلُ مَعَ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يُرِيهِ الْعَيْبَ فِيهِمْ وَيُغْضِبُهُ عَلَيْهِمْ وزلنبور صَاحِبُ السُّوقِ وَشَيْطَانُ الصَّلَاةِ يُسَمَّى خَنْزَبٌ وَالْوُضُوءُ يُسَمَّى الْوَلْهَانُ وَكَمَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ فَفِي الشَّيَاطِينِ كَثْرَةٌ (تَتِمَّةٌ) مِنْ آفَاتِ الطَّهَارَةِ الْوَسْوَسَةُ، وَأَصْلُهَا جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ أَوْ خَبَالٌ فِي الْعَقْلِ وَمُتَّبِعُهَا مُتَكَبِّرٌ مُذِلٌّ نَفْسَهُ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعِبَادِ اللَّهِ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَمَلِهِ مُعْجَبٌ بِهِ وَقُوَّتِهِ، وَعِلَاجُهَا بِالتَّلَهِّي عَنْهَا وَالْإِكْثَارِ مِنْ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] كَذَا فِي النَّصَائِحِ وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَدْخُلُ فِي صَلَاتِي فَلَمْ أَدْرِ أَعَلَيَّ شَفْعٌ أَمْ عَلَيَّ وِتْرٌ مِنْ وَسْوَسَةٍ أَجِدُهَا فِي صَدْرِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَجَدْت ذَلِكَ فَاطْعَنْ أُصْبُعَكَ يَعْنِي: السَّبَّابَةَ فِي فَخِذِك الْيُسْرَى وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهَا سِكِّينُ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قَالُوا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَضَعِيفٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إنَّ شَيْطَانًا يَضْحَكُ بِالنَّاسِ فِي الْوُضُوءِ يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ ﷺ «جَاءَ جَبْرَائِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إذَا تَوَضَّأْت فَانْتَضِحْ أَيْ فَرُشَّ الْمَاءَ عَلَى سَرَاوِيلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ» (قش) الْقُشَيْرِيُّ (أَنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ فَقِيرٌ فَقَالَ لِلشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ) ﵀. قِيلَ هُوَ مِنْ كِبَارِ مَشَايِخِ شِيرَازَ (إنَّ فِي وَسْوَسَةً فَقَالَ الشَّيْخُ عَهْدِي بِالصُّوفِيَّةِ أَنَّهُمْ يَسْخَرُونَ مِنْ الشَّيْطَانِ) بِرَدِّ كَيْدِهِ بِقُوَّةِ نُورِهِمْ (وَالْآنَ) فِي هَذَا الْوَقْتِ (الشَّيْطَانُ يَسْخَرُ مِنْهُمْ وَكَفَى لِلْعَاقِلِ زَجْرًا أَنْ يَكُونَ ضُحْكَةً لِلشَّيْطَانِ وَمَسْخَرَةً

стр. 1147

لَهُ وَهَذِهِ) أَيْ كَيْنُونَةُ الْمَسْخَرِيَّةِ (إحْدَى آفَاتِ اتِّبَاعِ الْوَسْوَسَةِ وَثَانِيهَا تَرْكُ الْأَمْرِ) أَيْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] وَالْمُتَابَعَةُ لِلْوَسْوَسَةِ اتِّخَاذُ الشَّيْطَانِ صَدِيقًا (بَلْ) اتِّخَاذُهُ (أَخًا) وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّخَاذِهِ عَدُوًّا بِعَدَمِ تَبَعِيَّةِ وَسَاوِسِهِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي جَمِيعِ شُئُونِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَالِاتِّبَاعُ مَعْصِيَةٌ) فِيهِ كَلَامٌ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ (، وَثَالِثُهَا: إسْرَافُ الْمَاءِ وَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ (وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ وَلَوْ عَلَى شَطِّ) أَيْ جَانِبِ (نَهْرٍ جَارٍ) بِالْحَدِيثِ (وَرَابِعُهَا إفْضَاؤُهُ إلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ) الظَّاهِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ إلَى الْجَمِيعِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ (أَوْ) إلَى (تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ) لَا يَزَالُ يَدُورُ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ بِالْوَسَاوِسِ وَيَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ فَيَصِيرُ كَحِمَارِ الرَّحَى (أَوْ تَرْكِ التَّعْلِيمِ أَوْ الذِّكْرِ) قَلْبًا أَوْ لِسَانًا (أَوْ الْفِكْرِ) فِي آلَاءِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ كَمَا سَبَقَ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ) جَمْعُ فَضِيلَةٍ قَائِمَةٍ بِالْفَاعِلِ غَيْرِ سَارِيَةٍ إلَى الْغَيْرِ (وَالْفَوَاضِلِ) سَارِيَةٍ إلَى الْغَيْرِ فَالْأَوَّلُ كَالنَّوَافِلِ وَالثَّانِي كَالْعِلْمِ وَدَرْسِهِ وَتَعْلِيمِهِ (وَتَضْيِيعِ الْعُمُرِ وَالْأَوْقَاتِ) وَقَدْ أُعْطِيَ ذَلِكَ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ مَا خُلِقَ لَهُ نَوْعُ الْإِنْسَانِ فَالسَّعَادَةُ كُلُّ السَّعَادَةِ لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَالْخَسَارَةُ كُلُّ الْخَسَارَةِ لِمَنْ ضَاعَ عُمُرُهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ كَصَرْفِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ؛ إذْ مِنْ عَلَامَةِ إعْرَاضِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَنْ عَبْدِهِ اشْتِغَالُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ (وَخَامِسُهَا تَأْدِيَتُهَا) إلَى أُمُورٍ مُحْدَثَةٍ مَكْرُوهَةٍ (كَاتِّخَاذِ إنَاءٍ لِلْوُضُوءِ) (وَ) اتِّخَاذُ (اللِّبَاسِ) لِلْخَلَاءِ كَمَا سَبَقَ (وَالسَّجَّادِ وَعَدَمِ التَّوَضُّؤِ مِنْ إنَاءِ غَيْرِهِ وَعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى بِسَاطِهِ وَلِبَاسِهِ وَسُؤَالِهِ عَنْ طَهَارَتِهِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ طَعَامٍ بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ) قَيْدٌ لِلْعَدَمِ وَالسُّؤَالِ وَالِاحْتِرَازِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا لَا يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ (وَفِيهَا) فِي هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ (أَذَى النَّاسِ) وَهُوَ لَيْسَ بِجَائِزٍ بَلْ حَرَامٌ (وَسَادِسُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ) وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الظَّنِّ إثْمًا (بِعَدَمِ التَّوَقِّي مِنْهُمْ عَنْ النَّجَاسَاتِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَلْ بِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي اعْتِقَادِهِ لَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ (وَسَابِعُهَا التَّكَبُّرُ عَلَى النَّاسِ) لِمَا يَرَى مِنْ نَزَاهَةِ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ (وَالْإِعْجَابُ بِنَفْسِهِ حَيْثُ انْفَرَدَ مِنْ بَيْنَ النَّاسِ بِالِاحْتِيَاطِ الْبَالِغِ فِي الدِّينِ وَالنَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الدِّينِ) وَمَرْضَاةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَذَلِكَ لِإِكْحَالِ الشَّيْطَانِ عَيْنَ بَصِيرَتِهِ فَرَأَتْ النُّورَ ظُلْمَةً وَالظُّلْمَةَ نُورًا

стр. 1148

﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وَلَمَّا بَيَّنَ مَذْمُومِيَّةَ الْوَسْوَسَةِ فِي الشَّرْعِ وَآفَاتِهَا [النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي عِلَاجِ الْوَسْوَسَةِ] وَلَزِمَ بَيَانُ عِلَاجِهَا لِيُمْكِنَ الِاحْتِرَازُ لِلسَّالِكِ وَيَتَحَقَّقَ فِيهِ التَّقْوَى وَيَحْصُلَ لَهُ الْآثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا وَضَعَ لِذَلِكَ نَوْعًا ثَالِثًا فَقَالَ. (النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي عِلَاجِ الْوَسْوَسَةِ) فِي نَفْسِ السَّالِكِ (وَطَرِيقُ التَّوَقِّي عَنْهَا) قِيلَ: وَيُسَمَّى هَذَا حِفْظَ الصِّحَّةِ (لِمَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْهَا) وَالْخَوْفُ عَلَيْهِ إمَّا (بِالِاسْتِعْدَادِ الطَّبِيعِيِّ) مِنْهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي طَبْعِهِ اسْتِقَامَةٌ بَلْ زَيْغٌ وَانْحِرَافٌ بِحَسَبِ الْخِلْقَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْجِبِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ (وَبِمُقَارَنَةِ أَصْحَابِ الْوَسْوَسَةِ وَتَوَهُّمِهَا خَيْرًا وَوَرَعًا وَتَقْوَى) فَإِنَّ فِيهَا تَأْثِيرًا قَوِيًّا كَمَا سَبَقَ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ «اُنْظُرْ مَنْ تُخَالِلُ» . وَقِيلَ وَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي (اعْلَمْ أَنَّ عِلَاجَهَا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْ تَعْرِفَ الْآفَاتِ) السَّبْعَ (السَّابِقَةَ وَتُكَرِّرُ مُلَاحَظَتَهَا) وَهِيَ التَّكَبُّرُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَالتَّأْدِيَةُ إلَى مَكْرُوهٍ وَالْإِفْضَاءُ إلَى تَأْخِيرِ مَا يَجِبُ أَوْ إلَى تَرْكِهِ وَإِسْرَافُ الْمَاءِ وَتَرْكُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضُحْكَةُ الشَّيْطَانِ وَمَسْخَرِيَّتُهُ وَاسْتُشْهِدَ عَلَى أَنَّ لِلْعِلْمِ أَثَرًا فِي عِلَاجِهَا فَقَالَ (قش عَنْ عَطَاءِ الرُّوذَبَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ كَانَ فِي) بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ (اسْتِقْصَاءٌ) طَلَبُ الْقُصْوَى الظَّاهِرُ كِنَايَةٌ عَنْ زِيَادَةِ قَدْرِ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَقُصْوَى الشَّيْءِ كَمَالُهُ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسُّنَّةِ (فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَضَاقَ صَدْرِي لَيْلَةً لِكَثْرَةِ مَا صَبَبْت مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَسْكُنْ قَلْبِي) مِنْ الْمُضَايَقَةِ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تِلْكَ الْقُصْوَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ عَدَمِ السُّكُونِ لِلتَّحَيُّرِ وَالْإِضْرَابِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْقُصْوَى لِلْوَسْوَسَةِ وَعَلَى الْإِحْجَامِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ الْوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ (فَقُلْت يَا رَبِّ عَفْوَك عَفْوَك) أَيْ أَسْأَلُ عَفْوَك وَالتَّكْرِيرُ لِكَوْنِ الْمَقَامِ مَقَامَ تَضَرُّعٍ وَأَنَّهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ فِي عَمَلِي عَلَى مُوجِبِ الْوَسْوَسَةِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّبِّ عَلَى قَدْرِ السُّنَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ؛ إذْ اسْتِغْفَارُهُ مِنْ ذَلِكَ الصَّبِّ يُقْتَضَى كَوْنَهُ إسَاءَةً بَلْ مَعْصِيَةً (فَسَمِعْت هَاتِفًا) صَوْتًا مِنْ الْغَيْبِ (يَقُولُ: الْعَفْوُ فِي الْعِلْمِ) يَعْنِي: الْعَفْوُ دَائِرٌ عَلَى عِلْمِ كَوْنِ الِاسْتِقْصَاءِ وَسْوَسَةً أَوْ إنْ عَلِمْت كَوْنَهُ وَسْوَسَةً فَاَللَّهُ يَعْفُو عَنْك فَعَلِمْت أَنَّ هَذِهِ وَسْوَسَةٌ (فَزَالَ عَنِّي ذَلِكَ) الِاسْتِقْصَاءُ وَالضِّيقُ وَحَصَلَ لِي السُّكُونُ وَانْدَفَعَ عَنْ قَلْبِي الْوَسْوَسَةُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْهَاتِفِ، وَذَا لَيْسَ مِنْ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ أَصْلًا غَايَتُهُ الْإِلْهَامُ، وَالْإِلْهَامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ كَمَا سَبَقَ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ ابْتِدَاءً بَلْ فِي تَأْيِيدِ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فَافْهَمْ (وَأَنْ تَعْرِفَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَأَنْ تَعْرِفَ (أَنَّ الِاحْتِيَاطَ وَالْوَرَعَ وَالتَّقْوَى بَلْ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ) إنَّمَا هُوَ (فِي الِاقْتِدَاءِ) فِيمَا لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّهِ أَوْ بِطَرِيقِ ذِلَّةٍ كَمَا سَبَقَ (بِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) إذْ مَا يُقْتَدَى بِهِ إمَّا سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ أَوْ مُبَاحٌ كَمَا فِي الْأُصُولِ (وَأَصْحَابِهِ وَالْمُجْتَهِدِينَ) وَقِيلَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ، وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ الْمُقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّهُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ يُرَجَّحُ جَانِبُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا مَرَّ

стр. 1149

وَأَنْ تَعْرِفَ مُسَاهَلَتَهُمْ (فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ) بِعَدَمِ الِاسْتِقْصَاءِ بَلْ بِالتَّخْفِيفِ (وَعَدَمِ دِقَّتِهِمْ فِيهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (وَ) أَنْ تَعْرِفَ (أَفْعَالَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ وَفَتَاوِيَهُمْ فِي الرُّخْصَةِ وَالسَّعَةِ) الْمُؤْذِنِ بِهِمَا حَدِيثُ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» (وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا) فِي الصِّنْفِ الثَّانِي (وَأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْعِبَادَةِ) الظَّاهِرَ مِنْ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعِبَادَةِ هُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ كَمَا فَسَرُّوا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] (تَطْهِيرُ الْقَلْبِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ) وَالْمَلَكَاتِ الرَّذِيلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ كَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَسَائِرِ مُهْلِكَاتِ الْأَعْمَالِ لَعَلَّ فِي الْكَلَامِ مُسَامَحَةً؛ إذْ الْمُرَادُ كَوْنُ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ فِي الْعِبَادَاتِ قَرِينَةً عَلَى تَخْلِيَةِ تِلْكَ الذَّمِيمَةِ (وَتَحْلِيَتُهُ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ) بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِعِبَادَتَيْنِ ابْتِدَاءً وَأَصَالَةً بَلْ كَوْنُهُمَا عِبَادَةً إمَّا لِكَوْنِهِمَا دَاعِيَتَيْنِ إلَى الْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ أَوْ لِتَسَبُّبِهَا إيَّاهَا، وَإِلَّا فَهُمَا لَيْسَتَا مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالْعِبَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ بَلْ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت سَابِقًا فَافْهَمْ (فَلِذَا) لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ التَّطْهِيرَ وَالتَّخْلِيَةَ الْمَذْكُورَتَيْنِ (كَانَ دِقَّةُ السَّلَفِ) كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ (فِيهِ) أَيْ فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ مُطَابَقَةً وَالْآخَرِ الْتِزَامًا لَكِنْ يَشْكُلُ بِعَدَمِ اهْتِمَامِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ، وَالِاحْتِجَاجُ وَلُزُومُ الِاتِّبَاعِ وَالْوُقُوفُ عَلَى نَفْسِ الْأَمْرِ إنَّمَا هُوَ بِآرَائِهِمْ، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَنَظَرُهُمْ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ وَلِذَا تَرَاهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْهُ كَالطُّفَيْلِيِّ وَالنَّبْعِيِّ (وَفِي الِاحْتِرَازِ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَ) حُقُوقِ (الْحَيَوَانَاتِ) إمَّا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ عَطْفُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْعِبَادِ هُوَ الْإِنْسَانُ مَجَازًا أَوْ الْحَيَوَانُ سَائِرُهُ مَجَازًا أَيْضًا أَوْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً دُخُولُ ذَلِكَ تَحْتَ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ: فَلِذَا كَانَ فِيهِ خَفَاءٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ " عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا " أَوْ يَدَّعِي ابْتِدَاءَ كَلَامٍ وَاسْتِقْلَالَ مَرَامٍ فَافْهَمْ. ثُمَّ ظَاهِرُهُ عَدَمُ اهْتِمَامِهِمْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - مُطْلَقًا كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَأَيْضًا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ الِاهْتِمَامِ كُلِّيًّا مُشَكِّكًا وَيَدَّعِيَ قُوَّتَهُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ حَدِيثِ نِصْفِ الدَّانِقِ فِيمَا مَرَّ وَأَيْضًا فِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ الْقُشَيْرِيِّ يُقَالُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ثَوَابُ سَبْعِينَ نَبِيًّا وَلَهُ خَصْمٌ بِنِصْفِ دَانِقٍ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرْضَى خَصْمُهُ قِيلَ يُؤْخَذُ بِدَانِقٍ قِسْطُ سَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ مَقْبُولَةٍ، وَتُعْطَى لِلْخَصْمِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَوْ حَاسَبْتَ نَفْسَك وَأَنْتَ مُوَاظِبٌ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ لَعَلِمْت أَنَّهُ لَا يَنْقَضِي عَلَيْك يَوْمٌ إلَّا وَيَجْرِي عَلَى لِسَانِك مِنْ غِيبَةِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُسَاوِي جَمِيعَ حَسَنَاتِك فَكَيْفَ بِبَقِيَّةِ السَّيِّئَاتِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الطَّاعَاتِ وَكَيْفَ تَرْجُو الْخَلَاصَ مِنْ الْمَظَالِمِ فِي يَوْمٍ يُقْتَصُّ فِيهِ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ انْتَهَى (، وَفِي حِفْظِ اللِّسَانِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْءَ إذَا عَلِمَ آفَاتِ الْوَسْوَسَةِ ثُمَّ تَيَقَّنَ كَوْنَ أَمْرِ الطَّهَارَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَتَنَبَّهَ أَنَّ الدِّقَّةَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ عَلَى مَنْ يَجِبُ اقْتِدَاؤُهُمْ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ ضَلَالٌ كَفَّتْ عَنْهُ يَدُ التَّوْفِيقِ سِهَامَ الْوَسْوَسَةِ عِنْدَ مُلَاحَظَةِ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْعِلَاجُ بِالْعِلْمِ (وَأَمَّا الْعَمَلُ فَأَنْ يُدَاوِمَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْأَقْوَالِ الَّتِي فِيهَا رُخْصَةٌ وَسَعَةٌ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ مَرْجُوحَةً بَعْدُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَهْجُورَةً) ؛ إذْ الْمَهْجُورُ كَالْمَعْدُومِ كَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ ارْتِكَابِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الضَّرَرِ الْكَثِيرِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ ارْتِكَابِ الضَّرَرِ الْجُزْئِيِّ لِلْوَصْلَةِ إلَى النَّفْعِ الْكُلِّيِّ (إلَى أَنْ تَزُولَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَأَنْ يُدَاوِمَ (عَنْهُ الْوَسْوَسَةُ ثُمَّ) إذَا

стр. 1150

زَالَتْ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ (يَعُودُ إلَى الِاقْتِصَادِ) ؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ ذَلِكَ الْمَرْجُوحِ إنَّمَا هُوَ لِمَانِعٍ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ كَمَا قِيلَ الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «فَإِنَّ الْمُنْبِتَ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» (وَالْعَمَلِ بِالْأَقْوَى) مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ (إذْ الْأَمْرَاضُ تُدَاوَى بِالْأَضْدَادِ) ؛ لِأَنَّ الدِّقَّةَ فِيهَا جَانِبُ الْإِفْرَاطِ، وَالْأَقْوَالُ الْمَرْجُوحَةُ جَانِبُ التَّفْرِيطِ، وَالْأَقْوَالُ الْقَوِيَّةُ جَانِبُ الِاقْتِصَادِ كَمَا فِي حَدِيثِ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» وَأَيَّدَ مَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ (رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ قَالَ اعْتَرَانِي) أَيْ نَزَلَ بِي (وَسْوَسَةٌ وَكُنْت أَغْسِلُ) مُنْذُ زَمَانٍ كَثِيرٍ عَلَى أَيِّ حُكْمٍ كَانَ الِاسْتِمْرَارُ (مِنْ ثَوْبِي كُلَّ مَا أَصَابَ مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ فَخَرَجْت يَوْمًا إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَصَابَ ثَوْبِي شَيْءٌ مِنْ طِينِ الطَّرِيقِ فَإِنْ ذَهَبَتْ إلَى غُسْلِهِ تَفُوتُ عَنِّي صَلَاةُ الْفَجْرِ بِالْجَمَاعَةِ) لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِاقْتِضَاءِ مُدَّةٍ كَثِيرَةٍ لِكَثْرَةِ الطِّينِ (فَلَمَّا هَمَمْتُ إلَى غَسْلِهِ هَدَانِي اللَّهُ - تَعَالَى، فَأَلْقَى فِي قَلْبِي أَنْ تَمَرَّغْ فِي الطِّينِ) لِلتَّلَطُّخِ الْكَثِيرِ لِتَذْهَبَ الْوَسْوَسَةُ (ثُمَّ صَلِّ مَعَ الْجَمَاعَةِ بِلَا غَسْلٍ فَفَعَلْت فَزَالَتْ عَنِّي الْوَسْوَسَةُ) وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ الْمَأْخُوذَةَ مِمَّنْ يَحْسُنُ بِهِمْ الظَّنُّ مِنْ الْعِلْمِ وَالرَّغْبَةِ وَالثِّقَةِ مَقْبُولٌ فِي مَقَامِ الظَّنِّيَّاتِ فِي مَقَامِ التَّرْغِيبِ وَالتَّنْفِيرِ (وَمِنْ الْأَعْمَالِ الْمُزِيلَةِ لِبَعْضِ الْوَسْوَسَةِ نَضْحُ الْمَاءِ عَلَى فَرْجِهِ) أَيْ رَشُّهُ (بَعْدَ الْوُضُوءِ فَإِذَا أَحَسَّ بَلَلًا) فِي إزَارِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (حَمَلَهُ عَلَيْهِ) إنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ بَوْلًا يَعْنِي يُحْمَلُ مَا يَكُونُ فِي الشَّكِّ بَلْ الظَّنِّ الْمُجَرَّدِ كَمَا عَرَفْت قَرِيبًا (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ «إذَا تَوَضَّأْت فَانْضَحْ) الْمَاءَ عَلَى فَرْجِك حَتَّى تَزُولَ وَسْوَسَتُك» لَعَلَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْطَانٌ بَلْ لَوْ فُرِضَ شَيْطَانٌ لَهُ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُوَسْوِسُ بَلْ الْحِكْمَةُ مِنْ إسْلَامِهِ عَدَمُ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ هَذَا هُوَ الْكَلَامُ عَلَى قَاعِدَتِنَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِقِصَّةِ مَنَامِ الْخَلِيلِ فِي ذَبْحِ ابْنِهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَلْ قَدْ تَسْمَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا ﵊ فَتَأَمَّلْ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُزِيلَةِ لِلْوَسْوَسَةِ (أَنْ لَا يَبُولَ فِي الْمُغْتَسَلِ) مَكَانَ الِاغْتِسَالِ (س ت. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵊ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ

стр. 1151

فِي مُسْتَحَمِّهِ» مَوْضِعِ اسْتِحْمَامِهِ وَيُقَالُ لِمُطْلَقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ «فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» أَيْ أَكْثَرَهُ قِيلَ عَنْ التَّوْفِيقِ، وَقَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَمَّامِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكْبِيرِ الِافْتِتَاحِ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْوَسْوَسَةُ صَرِيحُ الْإِيمَانِ أَوْ مَحْضُ الْإِيمَانِ» فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُورِ الْفَاسِدَةِ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا مُنَازَعَةُ الشَّيْطَانِ مَعَ الْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ مِنْ أَحْوَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِهَا تَدُلُّ عَلَى صَرِيحِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِهِ وَكَمَالِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ سَارِقٌ وَالسَّارِقُ إنَّمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مَعْمُورًا؛ وَلِهَذَا قِيلَ: الشَّيْطَانُ لَا يُوَسْوِسُ لِلْكُفَّارِ لِعَدَمِ إيمَانِهِمْ وَسُئِلَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا وَسْوَسَةَ فِيهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا وَسْوَسَةَ فِي صَلَاتِهِمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: الْفَرْقُ بَيْنَ صَلَاتِنَا وَصَلَاةِ الْكُفَّارِ الْوَسْوَسَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ مَعَ الْكُفَّارِ وَسْوَسَةٌ وَمُحَارَبَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَهُ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يُخَالِفُونَهُ، وَالْمُحَارَبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمُخَالَفَةِ (تَذْنِيبٌ) ثُمَّ لَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَ نُبَذًا مِنْ مَبْحَثِ الْوَسْوَسَةِ وَإِنْ عُرِفَ بَعْضُهَا مِمَّا سَبَقَ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْحَوَاسَّ شَيْءٌ يَحْصُلُ مِنْهُ أَثَرٌ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ الْقَلْبُ يَنْتَقِلُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْآثَارِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ دَائِمًا وَتُسَمَّى الْخَوَاطِرَ، وَالْخَوَاطِرُ مُحَرِّكَةٌ لِلرَّغْبَةِ، وَهِيَ تُحَرِّكُ الْعَزْمَ، وَالنِّيَّةُ تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ فَالْخَوَاطِرُ مَبْدَأٌ لِلْأَفْعَالِ وَتَنْقَسِمُ إلَى مَا يَدْعُو إلَى الشَّرِّ وَإِلَى مَا يَدْعُو إلَى الْخَيْرِ فَالْمَحْمُودُ إلْهَامٌ، وَالْمَذْمُومُ وَسْوَسَةٌ فَسَبَبُ الْمَحْمُودِ يُسَمَّى مَلَكًا وَالْمَذْمُومِ شَيْطَانًا، وَاللُّطْفُ الَّذِي يَتَهَيَّأُ بِهِ الْقَلْبُ لِقَبُولِ الْإِلْهَامِ لِلْمَلَكِ يُسَمَّى تَوْفِيقًا، الَّذِي يَتَهَيَّأُ بِهِ لِقَبُولِ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ يُسَمَّى إغْوَاءً وَخِذْلَانًا، الْقَلْبُ مُتَجَاذِبٌ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِالْمُجَاهَدَةِ أَوْ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ سِلَاحُ الشَّيْطَانِ وَكَثِيرًا مَا يَعْسُرُ تَمْيِيزُ إلْهَامِ الْمَلَكِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ؛ إذْ الشَّيْطَانُ يَعْرِضُ الشَّرَّ فِي مَعْرِضِ الْخَيْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْعَانِ النَّظَرِ، وَلَا يَطَّلِعُ إلَّا بِنُورِ التَّقْوَى، وَلَا يَنْجُو مِنْ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ إلَّا مَنْ سَدَّ أَبْوَابَ الْخَوَاطِرِ، وَاخْتَارَ الْعُزْلَةَ وَقَطَعَ الْعَلَائِقَ وَدَاوَمَ الذِّكْرَ ثُمَّ إنَّ الْقَلْبَ إذَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ يَسْتَقِرُّ الشَّيْطَانُ فِيهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ الذِّكْرُ مِنْ سُوَيْدَائِهِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى حَوَاسِّهِ، وَأَمَّا إذَا صَفَا وَخَلَا عَنْ الشَّهَوَاتِ رُبَّمَا يَطْرُقُهَا الشَّيْطَانُ لَا لِلشَّهَوَاتِ بَلْ لِخُلُوِّهَا عَنْ الذِّكْرِ فَإِذَا ذَكَرَ خَنَّسَ الشَّيْطَانُ ثُمَّ إنَّ الشَّيَاطِينَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمَعَاصِي شَيْطَانٌ يَخُصُّهُ وَيَدْعُوهُ إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فَالْوَلْهَانُ شَيْطَانُ الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ إذْ يَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْهُمْ بِعَمَلٍ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ هُنَا [مَرَاتِب الْوَسْوَسَة] ثُمَّ لِلْوَسْوَسَةِ مَرَاتِبُ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَمَلِ الْأُولَى الْخَاطِرُ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ الثَّانِيَةُ: الْمَيْلُ وَهُوَ حَرَكَة الشَّهْوَةِ الَّتِي فِي الطَّبْعِ الثَّالِثُ: الِاعْتِقَادُ وَالْحُكْمُ بِأَنَّ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ الرَّابِعَةُ الْهَمُّ وَهُوَ الْعَزْمُ وَجَزْمُ النِّيَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَنْدَمَ فَيَتْرُكَ أَوْ يَغْفُلَ لِعَارِضٍ فَلَا يَعْمَلُ أَوْ يَعُوقُهُ عَنْهُ عَائِقٌ، وَالْأَوَّلَانِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِمَا لِعَدَمِ كَوْنِهِمَا تَحْتَ الِاخْتِيَارِ وَيُسَمَّيَانِ حَدِيثَ النَّفْسِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهَا» . وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنْ اخْتِيَارِيًّا يُؤَاخَذُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمُؤَاخَذٌ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَنَدَمًا عَلَى هَمِّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ فَإِنَّ هَمَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ إلَّا أَنْ يُكَفِّرَهُ بِحَسَنَةٍ كَمَا عَرَفْت سَابِقًا أَيْضًا فَافْهَمْ هَذَا عُصَارَةُ مَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِيهِ [النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ]

стр. 1152

وَالْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ) الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامِ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا (فِيهِ) أَيْ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ (فَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ) فِي الْحَاشِيَةِ: رَئِيسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلَعَلَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ أَخْطَئُوا بَلْ كَفَرُوا؛ لِأَنَّ التَّجَسُّمَ مِنْهُمْ يَعْنِي أَنَّ الطَّوَائِفَ ثَلَاثٌ الظَّاهِرِيَّةُ وَهُمْ يَحْمِلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى الظَّوَاهِرِ فِي الْجَمِيعِ حَتَّى الْمُتَشَابِهَاتِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَالْبَاطِنِيَّةُ وَهُمْ يُؤَوِّلُونَ الْكُلَّ وَأَخْطَئُوا أَيْضًا؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إلَّا بِصَارِفٍ قَطْعِيٍّ وَالْمُقْتَصِدَةُ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى ظَوَاهِرِهِ إلَّا بِمَانِعٍ، وَقَدْ فَهِمْت التَّفْصِيلَ قَبْلُ (أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ أَصْلًا جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ (أَوْ كَثِيرًا) فِي الْجَرَيَانِ أَوْ فِي الرَّكْدِ (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَاءِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَشَيْءٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُنَجِّسَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ قِيلَ: وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا اللَّامَ عَلَى الْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ بِئْرُ بُضَاعَةَ فِي الْمَدِينَةِ الْمَسْئُولُ عَنْ مَائِهَا وَقَدْ أُلْقِيَ فِيهَا نَحْوُ لُحُومِ الْكِلَابِ وَخِرَقِ الْمَحَايِضِ، وَأَجَابَ ﵊ بِالْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَاءَ آبَارِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جَارٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ إذَا ثَبَتَ جَرَيَانُ ذَلِكَ الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ نُزُولًا أَوْ وُرُودًا ثُمَّ قِيلَ: الْوَجْهُ الْوَجِيهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا صَاحِبُ الْمَذْهَبِ كَالْحَدِيثِ الْآتِي هُنَا وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ قُوَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ فَانْتَظِرْ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَقُولُ: إنَّ سَبَبَ الْوُرُودِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي كَوْنِهِ قَرِينَةً لِلْمَجَازِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ مُقَايَسَةً أَوْ دَلَالَةً (خَرَّجَهُ د ت س قُطْن حك هق طح) أَيْ الطَّحَاوِيُّ. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (وَيَحْيَى) بْنُ مَعِينٍ (وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ أَيْ الْحَدِيثُ (مِثْلُ قَوْلِنَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مَنْ لَفْظِ الْقَوْلِ «إنَّ الْمَاءَ) طَهُورٌ (لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) » بِزِيَادَةِ لَفْظِ إنَّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ (عَائِشَةُ وَعُمَرُ) الظَّاهِرُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ (وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمَيْمُونَةُ) مِنْ الزَّوْجَاتِ

стр. 1153

الْمُطَهَّرَةِ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ (وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ (وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ طَهَارَتُهُ إنْ بَقِيَ عَلَى طَبْعِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ إذْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ طَبْعِهِ لَا يُسَمَّى مَاءً) وَأَنَا أَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي فَائِدَةُ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ الْمُصَنِّفِ بَلْ لَا يَبْعُدُ مِمَّنْ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْقَرِيبِ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الْقَوْلِيِّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ مَاءً. (وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيِّ) ﵀ (أَنَّ الْأَبْوَالَ كُلَّهَا وَالْأَرْوَاثَ كُلَّهَا طَاهِرَةٌ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ) ، وَلَوْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ (إلَّا الْآدَمِيَّ وَالثَّانِي مَذْهَبُ مَالِكٍ) إمَامِ الْمَدِينَةِ (وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ) وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَلَّ الْمَاءُ أَوْ كَثُرَ (إلَّا مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ) اللَّوْنُ وَالرِّيحُ وَالطَّعْمُ (بِالنَّجَسِ جَارِيًا) كَانَ (أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) عَالِمُ مِصْرَ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْر وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ) ﵏ (فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَضِي طَاهِرِيَّةَ الْمَاءِ وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ الظَّاهِرِيَّةُ بِهِ لِضَعْفِهِ وَقُوَّةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِجَزْمِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحُفَّاظِ بِضَعْفِهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ نَشَأَ مِمَّا قَبْلَهُ حَاصِلُهُ أَنَّ الضَّعْفَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ سَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَلَمَّا وَرَدَ مَا نَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَعَ صِحَّتِهِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: اللَّامُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِلْعَهْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِنَّمَا عَمِلَ مَالِكٌ بِظَاهِرِ الثَّانِي مَعَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي طَبْعِهِ إحَالَةُ الْأَشْيَاءِ إلَى نَفْسِهِ فَتُقْلَبُ النَّجَاسَةُ مَاءً مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ كَالْجِيفَةِ الْمُلْقَاةِ فِي الْمَمْلَحَةِ فَانْقَلَبَتْ مِلْحًا وَالْخَمْرُ الْمُنْقَلِبَةُ خَلًّا انْتَهَى مُلَخَّصًا أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَيْضِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْهُمْ الْعِرَاقِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ لِضَعْفِ رُوَاتِهِ، وَمِنْهُمْ رُشَيْدُ بْنُ سَعْدٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ: لَا يُبَالِي عَمَّنْ رَوَى، وَأَبُو حَاتِمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَالنَّسَائِيُّ مَتْرُوكٌ وَيَحْيَى وَاهٍ. وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ضَعْفِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ حَكَى الْعِرَاقِيُّ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ لَكِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَحَسَّنَهُ الْيَعْمُرِيُّ لَكِنْ يَشْكُلُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَةِ

стр. 1154

الظَّاهِرِيَّةِ لَا سِيَّمَا دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ إذْ سَمِعْت مِنْ حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَيْضًا أَنَّ اللَّامَ فِيهِ أَيْضًا لِلْعَهْدِ؛ إذْ سَبَبُ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ بِئْرُ بُضَاعَةَ فَلَا وَجْهَ لِلْحَمْلِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَفِي الْآخَرِ عَلَى الْعَهْدِ وَأَيْضًا يَشْكُلُ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَمْ يَحِلْ الْأَشْيَاءَ إلَى نَفْسِهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ الْإِحَالَةُ فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ (تَنْبِيهٌ) مِنْ خَاصَّةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعْلُ الْمَاءِ مُزِيلًا لِلنَّجَاسَةِ وَأَنَّ كَثِيرَ الْمَاءِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْخَبَثُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْجَامِدِ (خَرَّجَهُ هق مج عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَ) خَرَّجَهُ (رَزَّاقٌ قُطْن طح عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُرْسَلًا) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ أَقُولُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ (وَوَجْهُهُ الْمَعْقُولُ) يَعْنِي الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ عَلَى مُدَّعَى مَالِكٍ مَثَلًا مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْعَقْلِيُّ (أَنَّ الْمَاءَ شَيْءٌ فِي طَبْعِهِ إحَالَةُ كُلِّ شَيْءٍ إلَى نَفْسِهِ) وَكُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِمَا يُلَاقِيهِ مِنْ النَّجِسِ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فَقَوْلُهُ (فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ) فِيهِ (يَظْهَرُ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ مَاءً فَيَطْهُرُ) إلَى آخِرِهِ فِي قُوَّةِ دَلِيلِ تِلْكَ الْكُبْرَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَوَجْهُهُ الْمَعْقُولُ عِلَّةُ حُكْمِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ عَلَى قَوَانِينِ الشَّرْعِ فَلَا يُتَوَهَّمُ الْمَيْلُ إلَى الْحُسْنِ الْعَقْلِيِّ (كَالْجِيفَةِ الْمُلْقَاةِ فِي الْمَاءِ الْمَالِحِ فَانْقَلَبَتْ مِلْحًا) بِلَا تَنَجُّسِ الْجِيفَةِ فَضْلًا عَمَّا يُلَاقِيهَا مِنْ الْمَاءِ الْمُنْقَلَبِ مِلْحًا (فَإِنَّهَا) أَيْ الْجِيفَةَ (طَاهِرَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (أَيْضًا) كَمَا عِنْدَ مَالِكٍ (لِانْقِلَابِ الْحَقِيقَةِ) إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى. فَالْوَصْفُ الْجَامِعُ هُوَ انْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَخْفَى لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ لَمْ تَتَخَلَّفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ فَإِذَا تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَالتَّغَيُّرِ بِأَحَدِ الْأَوْصَافِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْإِحَالَةُ، وَالْكَلَامُ بِالْعَقْلِ فَلَا يَضُرُّ اسْتِثْنَاءُ النَّقْلِ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى كَمَا فِي الْعَامِّ الْبَاقِي مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَأَصْلُهُ) أَيْ دَلِيلُ طَهَارَةِ تِلْكَ الْجِيفَةِ (الْخَمْرُ إذَا صَارَتْ خَلًّا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الْقِيَاسِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَاسْتِحَالَةُ الْخَمْرِ خَلًّا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَالْأَوْلَى إمَّا أَنْ يَكْتَفِيَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحُكْمِ بَدَلَهُ أَوْ يَذْكُرَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ فِيهِ رَائِحَةُ الْقِيَاسِ عَلَى الْقِيَاسِ فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْقِيَاسِ مَعَ الْفَارِقِ إذْ مَا وُجِدَ فِي الْفَرْعِيَّةِ هُوَ الْحُلُولُ السُّرْيَانِيُّ أَوْ الْجَوَارِي، وَفِي الْأَصْلِ هُوَ الِانْقِلَابُ وَأَحَدُهُمَا لَيْسَ عَيْنَ الْآخَرِ (وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ الرَّوْثُ) نَجَاسَةُ عَرِيضِ الْأَظْفَارِ كَالْفَرَسِ (وَالْخِثْيُ) نَجَاسَةُ ضِدِّهِ (طَاهِرَانِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ) ظَاهِرُهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إذْ هُوَ مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ مِمَّنْ قَالَ: الْعَمَلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ وَلِذَا تَقَاعَدَ لِلتَّفَرُّغِ، وَلَمْ يُصَنِّفْ، وَلَمْ يُدَرِّسْ (وَالنَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ) لَا يَخْفَى مَا فِي بَعْضِ هَذَا التَّرْتِيبِ (بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرَانِ وَالثَّالِثُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَنْ تَبِعَهُ) قِيلَ: وَسَنَدُهُمْ فِيهِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ» وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) وَالرِّطْلُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ رِطْلُ بَغْدَادَ وَبِالْمِسَاحَةِ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَرُبُعِ ذِرَاعٍ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا «لَا يَتَنَجَّسُ» إلَّا بِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ) بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ (كَقَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ يَتَنَجَّسُ بِنَجِسٍ وَإِنْ قَلِيلًا) كَنُقْطَةِ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ

стр. 1155

فِي الْمَاءِ الْجَارِي الْوَصْفَ الْمُنَفِّرَ فَقَطْ كَمَالِكٍ وَحَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ إذَا وُجِدَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَإِلَّا فَبِطَهَارَتِهِ، وَكَذَا عِنْدَنَا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى وَأَمَّا فِي الرَّاكِدِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَكَذَا، وَإِلَّا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ وُجِدَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ أَوْ لَا وَحَمَلَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُ مَالِكٍ عَلَى الْجَارِي وَالرَّاكِدِ الَّذِي بَلَغَ هَذَا الْمِقْدَارَ تَطْبِيقًا بَيْنَهُمَا وَالْجَوَابُ مِنْ طَرَفِ مَالِكٍ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابًا، وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ مُطْلَقٌ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ: فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ يَرُدُّهُ مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ حَسَنٌ " د " فَهُوَ صَحِيحٌ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ضَعَّفَهُ " د " وَهَمٌ وَكَفَى شَاهِدًا تَصْحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَ " حب " وَاعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ بِصِحَّتِهِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّ إسْنَادَهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَكَذَا عَلَى شَرْطِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: جَيِّدٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ صَحِيحٌ وَلَمْ يَرَوْا الِاضْطِرَابَ فِيهِ قَادِحًا انْتَهَى بِنَحْوِ إيجَازٍ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ مُطْلَقٌ أَيْ حَدِيثُ مَالِكٍ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَعَدَمِ قَدْحِ الِاضْطِرَابِ فَمُطْلَقُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِ الثَّانِي فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْبَالِغَ قُلَّتَيْنِ طَاهِرٌ إلَى آخِرِهِ وَهُنَا رِوَايَةٌ أُخْرَى وَهِيَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» فَحُمِلَ عَلَى التَّقْيِيدِ كَذَلِكَ (وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْإِحْيَاءِ: وَكُنْت أَوَدُّ) أُحِبُّ (أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِثْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِسَبْعَةِ أَدِلَّةٍ الْأَوَّلُ: عَدَمُ وُقُوعِ السُّؤَالِ مِنْ أَوَّلِ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ) - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهُوَ تَمَامُ مِائَةِ عَامٍ مِنْ وَفَاتِهِ (عَنْ كَيْفِيَّةِ حِفْظِ الْمَاءِ وَحَالِهِ) فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْعِبْرَةُ فِي طَهَارَةِ الرَّاكِدِ مُطْلَقًا بِعَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُنَفِّرِ بَلْ شُرِطَ مَعَ عَدَمِ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ السُّؤَالِ وَجْهٌ مَعَ كَمَالِ اهْتِمَامِهِمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَكَذَا لِارْتِكَابِهِمْ الْكَرَاهَةَ وَلَوْ تَنْزِيهًا عُدِمَ الدَّوَامُ كَمَا ذَكَرَ الْمُحَشِّي لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَظْهَرُ مِمَّا حُرِّرَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هُنَا فَلَا يَخْلُو مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ الْقُصُورِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ مِنْ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ كَوْنُ عَدَمِ سُؤَالِهِمْ لِأَجْلِ فَهْمِهِمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ النَّصِّ كَحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ (وَكَانَتْ أَوَانِي مِيَاهِهِمْ يَتَعَاطَاهَا الصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ وَاَلَّذِينَ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ) لِجَهْلِهِمْ حُكْمَ الْحَادِثَةِ أَوْ لِعَدَمِ إدْرَاكِهِمْ الْمُمَيِّزَ، وَكُلُّ أَوَانِي مِيَاهٍ كَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَأْنِهِ، وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ عَدَمَ سُؤَالِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ زَوَالِ الْيَقِينِ؛ إذْ هَذَا التَّعَاطِي إنَّمَا يُورِثُ الشَّكَّ لَا الْقَطْعَ، وَالطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ يَقِينِيَّةٌ، وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَا يَكُونُ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجِسِ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ (وَالثَّانِي تَوَضَّأَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ إلَّا عَلَى عَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ) فِي الْحَصْرِ خَفَاءٌ لِجَوَازِ كَوْنِ التَّعْوِيلِ لِعَدَمِ خَبَرِ عَدْلٍ أَوْ عَدَدٍ مَثَلًا (وَإِلَّا فَنَجَاسَةُ النَّصْرَانِيَّةِ وَإِنَائِهَا غَالِبَةٌ) إنْ أُرِيدَ بِالْغَلَبَةِ مَرْتَبَةُ الظَّنِّ الْغَالِبِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ الظَّنُّ الْمُجَرَّدَ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ

стр. 1156

(وَالثَّالِثُ إصْغَاءُ) بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمُعْجَمَةِ الْإِمَالَةُ (رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ وَعَدَمُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي مِنْهَا) مَعَ أَنَّ سُؤْرَهَا مَكْرُوهٌ لَا يَلِيقُ بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمُنَفِّرِ وَأَيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا حُرِّرَ هُنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ: «سُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ» (وَالرَّابِعُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَصَّ عَلَى أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُلَاقِيَ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ بِالْوُرُودِ عَلَيْهَا أَوْ بِوُرُودِهَا عَلَيْهِ) حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِنَجَاسَةِ الثَّانِي مُطْلَقًا بَعْدُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْغَيْرَ الْبَالِغِ قُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجِسِ وَلَوْ قَلِيلًا، وَالْمَفْهُومُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ وَظَاهِرٌ أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الْمَفْهُومِ شَامِلٌ لَهُمَا مَعًا (وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ) أَيْ النَّجِسَ (إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ جَارٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِهِ (أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ) الْمَاءُ (قَلِيلًا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ) حَتَّى يَفْصِلَ بِبُلُوغِ الْقُلَّتَيْنِ وَعَدَمِهِ، وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فِي سَنَدِهِ اضْطِرَابٌ لَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَعَدَمُ الْفَرْقِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَدْ عَرَفْت عَدَمَ ضَرَرِ الِاضْطِرَابِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَارِيَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِسَيَلَانِهِ دُونَ الرَّاكِدِ (وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ رِطْلٌ مِنْ الْبَوْلِ فِي قُلَّتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقْنَاهُ فَكُلُّ كُوزٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ طَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ طَاهِرٍ (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ مُنْتَشِرٌ فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَعْنِي الْقُلَّتَيْنِ (وَهُوَ قَلِيلٌ) مِنْ الْقُلَّتَيْنِ فَيَلْزَمُهُ النَّجَاسَةُ لِعَدَمِ الْقُلَّتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ. وَأُجِيبَ أَنَّهُ اُسْتُهْلِكَ الْبَوْلَ فِي الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبَارٌ وَلَا كَذَلِكَ الْوَاقِعُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ بِمُلَاقَاتِهِ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ فَرْضَ وُقُوعِ نِصْفِ هَذَا الرَّطْلِ فِي قُلَّةٍ وَاحِدٍ يَتَنَجَّسُ فِي الِابْتِدَاءِ فَمَا وَجْهُ عَدَمِ تَنَجُّسِهِ فِي الِانْتِهَاءِ لَعَلَّ الْأَوْلَى هُوَ أَنْ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا احْتَجَّ بِالنَّصِّ، وَهَذَا رَأْيٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ (وَالسَّابِعُ أَنَّ الْحَمَّامَاتِ) مَوْضِعَ الْغُسْلِ (لَمْ تَزَلْ فِي الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ) السَّابِقَةِ (يَتَوَضَّأُ فِيهَا) فِي حِيَاضِهَا (الْمُتَقَشِّفُونَ) الْمُبَالِغُونَ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَيَغْمِسُونَ الْأَيْدِيَ وَالْأَوَانِيَ فِي تِلْكَ الْحِيَاضِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ (وَمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَيْدِيَ النَّجِسَةَ وَالطَّاهِرَةَ كَانَتْ تَتَوَارَدُ عَلَيْهِ) مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا مِنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْمُتَوَضِّئِينَ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَيُحْتَجُّ بِأَفْعَالِهِ، وَكَوْنَ تِلْكَ الْقُلَّةِ نَاقِصَةً مِنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَكَوْنَ تَوَارُدِ الْأَيْدِي النَّجِسَةِ مَعْلُومًا لَهُمْ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْعَادَاتِ وَلَيْسَتْ الْمَذْكُورَاتُ مُطَّرِدَةً (فَهَذِهِ الْأُمُورُ) السَّبْعَةُ (مَعَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ) لِلْمَاءِ (تُقَوِّي فِي النَّفْسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ) الْأَوْلَى إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ فَقَطْ لَا التَّغَيُّرِ عِنْدَ الْقُلَّتَيْنِ وَالتَّنَجُّسِ مُطْلَقًا عِنْدَ نَقْصِهِ عَنْهُمَا وَإِلَّا

стр. 1157

فَالشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِمُطْلَقِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ كَمَالِكٍ (انْتَهَى) كَلَامُ الْغَزَالِيِّ (مُخْتَصَرًا) لَا يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذَا النَّقْلِ بَيَانُ حَالِ السَّلَفِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ مَيْلِ جَانِبِ السَّعَةِ دُونَ تَضْيِيقِ بَعْضِ مُدَّعِي التَّوَرُّعِ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مَذْهَبًا فَتَدَبَّرْ (وَالرَّابِعُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْجَارِي) بِأَنْ يَذْهَبَ بِتَبِنَةٍ كَمَا هُوَ الْهِدَايَةُ وَالْكَافِي وَبِأَنْ لَا يَتَكَرَّرَ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا قِيلَ. وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ مُطْلَقًا) مَرْئِيَّةً أَوْ لَا وَقِيلَ لَا فِي أَكْثَرِهِ أَوْ لَا قِيلَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ لَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ: النَّهْرُ إذَا كَانَ يَجْرِي بَعْضُهُ عَلَى الْجِيفَةِ إنْ كَانَ مَا يُلَاقِي الْجِيفَةَ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا سَوَاءٌ فَالْمَاءُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَى الْجِيفَةِ أَقَلَّ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ أَنَّ الْجَارِيَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جِيفَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِذَا بَالَ إنْسَانٌ فِيهِ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ يَجُوزُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْجَرْيَةِ أَثَرُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ: وَلَوْ كُسِرَتْ خَابِيَةُ خَمْرٍ فِي الْفُرَاتِ، وَرَجُلٌ يَتَوَضَّأُ أَسْفَلَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِي الْمَاءِ طَعْمَ الْخَمْرِ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ (وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ النَّجَاسَةَ أَوْ) لَاقَى (نِصْفُهُ فَنَجِسٌ) وَعِنْدَ الْبَعْضِ النِّصْفُ مُلْحَقٌ بِالطَّاهِرِ (وَإِنْ أَقَلَّهُ فَطَاهِرٌ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ مُرَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُمْ: إنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَصْفٌ مُنَفِّرٌ، وَتَغَيَّرَ مَرْئِيُّهُ أَوْ لَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ لِلنَّاسِ وَأَرْفَقُ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا الْإِطْلَاقُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ أَوْ نِصْفُهُ النَّجَاسَةَ فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا أَحْوَطُ وَعِنْدَ الْبَعْضِ نِصْفُ الْمَاءِ إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ فَظَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي. (وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ فَلَهُ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ) فِي الْفِقْهِ (وَأَمَّا مَا عَدَاهُمَا) وَهُوَ الرَّاكِدُ (فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَالْمَاءِ الْجَارِي) لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ (وَإِلَّا فَيَتَنَجَّسُ بِقَلِيلِ نَجَاسَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّغَيُّرُ (وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ) عَشْرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ بِحَسَبِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعُمْقِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَنْحَسِرُ أَرْضُهُ بِالْغَرْفِ لِلْوُضُوءِ، وَقِيلَ لِلِاغْتِسَالِ وَإِذَا لَمْ يَتَنَجَّسْ كُلُّهُ هَلْ يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً يَتَنَجَّسُ، وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ يَتَنَجَّسُ فِيهِمَا وَقَدْ يَعْتَبِرُ مَا هُوَ بِقَدْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ طُولٌ وَعُمْقٌ وَلَا عَرْضَ لَهُ لَكِنْ لَوْ بُسِطَ صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَصِلُ إلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ أَبُو النَّصْرِ: يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَرْضِ، وَإِنْ أَوْجَبَ التَّنَجُّسَ لَكِنَّ اعْتِبَارَ الطُّولِ لَا يُوجِبُهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْحَوْضُ الْمُدَوَّرُ يُعْتَبَرُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا هُوَ الصَّحِيحُ (وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَبِهِ يُفْتَى وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِيهِ

стр. 1158

أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَإِلَّا جَازَ) مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ (وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِأَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - انْتَهَى) كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ (مُخْتَصَرًا) وَمِمَّنْ نَصَّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ الْحَوْضُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ لَا يَضْطَرِبُ طَرَفُ مُقَابِلِهِ بِأَنْ لَا يَرْتَفِعَ، وَلَا يَنْخَفِضَ فَكَثِيرٌ، وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى لَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ الْوُضُوءِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) كَالشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْفَرَسِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ فِي إطْلَاقِهِ الْفَرَسَ كَلَامٌ فِقْهِيٌّ لِمَا فِيهِ نَحْوَ الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَوَازِ أَصْلِ الْحِلِّ (طَاهِرٌ) قَالَ فِي الْمُلْتَقَى وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ قِيلَ مُخَفَّفٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀ (وَقَالُوا) قِيلَ أَيْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ جَمِيعًا (خَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ طَاهِرٌ سِوَى الدَّجَاجَةِ وَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ) فَإِنَّهُ نَجِسٌ غَلِيظٌ (وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخَرْؤُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا) مَعَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا وَالْقِيَاسُ النَّجَاسَةُ لَكِنْ عُفِيَ عَنْهَا لِيُدْفَعَ الْحَرَجُ (وَفِي خَرْءِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ رِوَايَتَانِ طَهَارَتُهُ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَنَجَاسَتُهُ خَفِيفَةٌ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: وَالْأَقْوَى دِرَايَةً جَانِبُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجَاسَةِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِوَصْفِهَا الْمُنَفِّرِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي خَرْئِهَا. (وَقَالُوا لَوْ انْتَضَحَ الْبَوْلُ) وَكَذَا الْخَمْرُ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ (مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ مَعْفُوٍّ (وَالْغُبَارُ النَّجِسُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ لَا يَضُرُّ، وَإِذَا تَنَجَّسَ بَعْضُ صُبْرَةٍ أَوْ نَحْوُهَا فَقُسِّمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضُهُ حُكِمَ بِطَهَارَةِ كُلِّ قِسْمٍ حَتَّى يَحِلَّ أَكْلُهُ وَكَذَا فِي اللِّبَاسِ) إذَا تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْهُ وَغُسِلَ بِلَا تَحَرٍّ طَرَفٌ آخَرُ مِنْهُ يَطْهُرُ كُلُّهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: الْقِسْمَةُ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ يَعْنِي لَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الْبُرِّ ثُمَّ قُسِّمَ طَهُرَ لِوَقْعِ الشَّكِّ فِي كُلِّ جُزْءٍ هَلْ هُوَ الْمُتَنَجِّسُ أَوْ لَا فَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: ثَوْبٌ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ مَعَ قَوْلِ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ وَتَفْصِيلُهُ يُنْقَلُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَقَدْ جُوِّزَ الْأَخْذُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ) لَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِالطَّهَارَةِ لِلسَّعَةِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى إنْ لِضَرُورَةٍ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، وَإِلَّا فَإِنْ الْغَيْرُ أَعْلَمَ فَلَيْسَ مَسْأَلَتُنَا فِيهِ، وَإِنْ مُطْلَقًا فَقَابِلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَا أَتَى فِي حُجَّتِهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ

стр. 1159

فِي الْأَوَّلِ. (حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اغْتَسَلَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَ لِلْيَوْمِ بَلْ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَمَّا لِلْيَوْمِ فَلِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْأَوْلَى لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ، وَحَذْفُ الْمُضَافِ بِلَا قَرِينَةٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الظَّاهِرِ لِلسُّنَّةِ (وَصَلَّى بِبَغْدَادَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إمَامٌ (فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ) الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ (فَأْرَةً مَيْتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ) وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ كَمَا فُصِّلَ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَأَيْضًا إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (فَقَالَ نَأْخُذُ بِقَوْلِ إخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) كَالْمَالِكِيَّةِ (تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خُبْثًا» كَذَا فِي التتارخانية وَغَيْرِهَا) لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الْأُصُولِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خِلَافِ رَأْيِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ قُلْنَا: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَقْلِيدِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا نَعَمْ قَدْ يُقَالُ يُرَخَّصُ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ كَوْنَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ التَّابِعُونَ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِلْأَعْلَمِ مِنْهُ إذَا كَانَ الْأَعْلَمُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا، وَالتَّفْصِيلُ فِي زُبْدَةِ الْوُصُولِ فِي الْأُصُولِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ حُرْمَةَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَا قَلَّدَهُ حُكْمًا قَوِيًّا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ النَّصِّ) فَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ فَيَجُوزُ؛ إذْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِينَ لَعَلَّ قُوَّةَ الِاهْتِمَامِ فِي الْأَوَّلِ مَانِعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَعَدَمُ قُوَّتِهِ فِي الثَّانِي مُجَوِّزٌ إيَّاهُ. وَأَقُولُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَظَرِيًّا مُحْتَاجًا إلَى الِاجْتِهَادِ حَتَّى يُقَلِّدَ بَلْ مَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ نَصٍّ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى قِيَاسٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِّيَّةُ (أَوْ فِي الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ) الْأَقْرَبُ لَفْظًا عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ وَمَعْنًى عَلَى قَوْلِهِ حُكْمًا قَوِيًّا (لَا الْوَسَائِلِ) فَلِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ فِي الْوَسَائِلِ، مِثْلُهُ فِي الْمَقَاصِدِ جَوَّزَ فِيهَا دُونَهَا فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْوِيجًا لِمَا كَانَ فِي صَدَدِهِ لَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْأُصُولُ، وَلَمْ يُرَ هَذَا التَّفْصِيلُ فِيهِ فَالْأَوْجَهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا أَوْ مَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ مَمْنُوعِ التَّقْلِيدِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَيَجُوزُ كَوْنُ أَبِي يُوسُفَ مِنْهُمْ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ (فَإِذَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ) كَأَبِي يُوسُفَ هُنَا (التَّقْلِيدُ فِيهِ) فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ (فَجَوَازُهُ لِلْمُقَلِّدِ أَوْلَى) فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ كَانَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ تَقْلِيدِ حَنَفِيٍّ لِمَالِكِيٍّ فَضْلًا عَنْ شَافِعِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بَلْ قِيلَ هُنَا أَيْضًا: وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ إنْ عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ. (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ (فَالْأَصْلُ) أَيْ فَهُوَ الْأَصْلُ (فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ لِمَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْفَتَاوَى: وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ بَلْ يَزُولُ بِيَقِينٍ بِمِثْلِهِ)

стр. 1160

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَزُولُ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ بَلْ إنَّمَا يَزُولُ بِمَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ قُلْنَا حُكْمُ الْمُمَاثَلَةِ هُوَ التَّعَارُضُ فَيَتَسَاقَطَانِ فَيَزُولُ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا: مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْيَقِينِ هُنَا غَالِبُ الظَّنِّ (وَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيثِ) كَأَنَّ مَا فِي كُتُبِ الشَّرْعِ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (مُصَرَّحٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ) وَدَخَلَ تَحْتَهَا فُرُوعٌ كَقَوْلِهِمْ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ كَعَكْسِهِ وَهُوَ: تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَمُحْدِثٌ تَيَقَّنَ التَّيَمُّمَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَعَلَى تَيَمُّمِهِ اسْتَيْقَنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي التَّيَمُّمِ فَعَلَى حَدَثِهِ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي سَبْقِهِمَا فَمُتَطَهِّرٌ عَلِمَ عَدَمَ غَسْلِ عُضْوٍ لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَلِ شَكَّ فِي وُجُودِ النَّجَسِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّاهِرِيَّةِ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطُّرُقَاتِ أَكَلَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ صَلَّاهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ كَمَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ حَدَثٍ أَحْدَثَهُ وَالْمَنِيُّ مِنْ آخِرِ نَوْمِهِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ (وَلَمْ أَرَ مُخَالِفًا فِيهِ) أَيْ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَإِذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ فِي طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ طِينٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ لِبَاسٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ فَذَلِكَ الشَّيْءُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَحِلِّ الْأَكْلِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَكَذَا) كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يَشُكُّ فِيهِ (إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَةٌ) فَإِنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ كَمَا عَرَفْت وَأَنْتَ عَرَفْت أَيْضًا أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ، وَأَحَبَّ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ عُمُرِهِ مُنْذُ أَدْرَكَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ فَسَادَهَا بِسَبَبِ طَهَارَةٍ أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُكْرَهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ انْتَهَى. قَالَ شَارِحُهُ الْحَمَوِيُّ: قِيلَ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ لِشُبْهَةِ الْفَسَادِ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَيَقْرَأُ فِي الْجَمِيعِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ (لَكِنْ) هُنَا أَيْ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ (يَحْتَسِبُ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ) وَمِمَّا عَرَفْت آنِفًا وَسَابِقًا اللَّازِمُ يَجِبُ فَتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ تَحْمِلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ عَلَى نَفْسِ الظَّنِّ. (وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا اسْتِعْمَالُهُ) وَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهَا (كَسَرَاوِيلِ الْكَفَرَةِ) فَإِنَّ الْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ عَنْهَا لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِلَلِ الْكَفَرَةِ (وَسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) وَأَمَّا الْمَحْبُوسَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شَاهِدِ الْبَابِ لَكِنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا فِي خِزَانَةِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهَا: سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ (وَالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ) فِي غَلَبَةِ نَجَاسَةِ يَدِ مُطْلَقِ الصَّبِيِّ خَفَاءٌ لَا يَخْفَى (وَطِينِ الشَّوَارِعِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ شَكَّ فِي وُجُودِ
следующие страницы →