← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [المائدة: ١٦] مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِرْفَانِ أَوْ مِنْ اسْتِحْقَاقِ النِّيرَانِ إلَى دُخُولِ الْجِنَانِ ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦] أَيْ بِإِرَادَتِهِ أَوْ بِتَوْفِيقِهِ ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] إلَى طَرِيقٍ مُؤَدٍّ إلَى اللَّهِ لَا مَحَالَةَ. قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فَإِنْ قِيلَ الْهِدَايَةُ الْأُولَى مُقَيَّدَةٌ بِتَبَعِيَّةِ الرِّضْوَانِ وَسَبَبِيَّةِ الْقُرْآنِ وَالْهِدَايَةُ الثَّانِيَةُ مُطْلَقَةٌ فَبَيْنَهُمَا نَوْعُ تَنَافٍ وَإِنَّ الثَّانِيَةَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكِتَابِ فَلَا فَائِدَةَ فِي حَقِّ الِاعْتِصَامِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُكْتَفَى بِالْأُولَى قُلْنَا الْمَعْطُوفُ مُشَارِكٌ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْقَيْدِ قَالَ الْعِصَامُ الْمَعْطُوفُ عَلَى مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ يُشَارِكُهُ فِي الْقَيْدِ لَا مَحَالَةَ وَإِنَّ الْمُطْلَقَ فِي مِثْلِهِ لَا يَبْعُدَانِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالْحَادِثَةِ وَيُقِرُّ بِهِ مَا يُقَالُ الْقُرْآنُ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقُرْآنَ فِي الْحُكْمِ وَمِنْهَا آيَةُ الْأَنْعَامِ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] يَعْنِي كَثِيرٌ نَفْعُهُ دَائِمٌ خَيْرُهُ جَلِيلٌ قَدْرُهُ ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] بِإِتْيَانِ مُوَاجَبِهِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ ﴿وَاتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥] أَيْ اجْتَنِبُوا عَنْ مُخَالَفَتِهِ أَوْ تَحَفَّظُوا بِحُكْمِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] أَيْ رَاجِينَ رَحْمَتَهُ وَقِيلَ لِيَكُنْ الْغَرَضُ بِالتَّقْوَى رَحْمَةَ اللَّهِ وَقِيلَ لِكَيْ تُرْحَمُوا لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الْعَرَبِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِمَا فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ أَنَّ مِنْ مَعَانِي لَعَلَّ التَّعْلِيلَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] بَلْ فِي الْإِتْقَانِ عَنْ الْبَغَوِيّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ. وَعَنْ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ لَعَلَّ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى كَيْ نَعَمْ الْكَلَامُ بَاقٍ فِي اجْتِمَاعِ اللَّامِ مَعَ كَيْ وَاعْتُذِرَ عَنْهُ بَعْضُ حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ لَكِنَّ الْأَصَحَّ التَّرَجِّي لَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعَالَى بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ وَمِنْهَا آيَةُ يُونُسَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [يونس: ٥٧] الْمُرَادُ قُرَيْشٌ أَوْ الْجِنْسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] أَيْ الْقُرْآنُ وَالْوَعْظُ زَجْرٌ بِتَخْوِيفٍ وَعَنْ الْخَلِيلِ تَذْكِيرُ خَيْرٍ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ أَوْ إنَابَةٌ إلَى إصْلَاحٍ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ كِتَابٌ جَامِعٌ لِلْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ الزَّاجِرَةِ عَنْ الْقَبَائِحِ وَالنَّظَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] مِنْ الشُّكُوكِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ كَالْعَقَائِدِ الزَّائِغَةِ وَالْمَلَكَاتِ الْمُهْلِكَةِ نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ فِي وَجْهِ ذِكْرِ الصَّدْرِ أَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَلْبِ وَغِلَافُهُ وَأَعَزُّ مَوْضِعٍ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] لِأَنَّهُمْ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ وَنَجَوْا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ بِسَبَبِ التَّمَسُّكِ بِالْقُرْآنِ فَحَاصِلُ الْآيَةِ الْمُعْتَصِمُ بِالْقُرْآنِ يَتَحَفَّظُ عَنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ الْبُؤْسَ وَيَتَوَصَّلُ إلَى كُلِّ نِعْمَةٍ وَثَوَابٍ وَرَحْمَةٍ وَمِنْهَا آيَةُ النَّحْلِ. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] يُقَالُ التِّبْيَانُ مُبَالَغَةٌ مَصْدَرٌ لَعَلَّ لِهَذَا فَسَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ بَيَانًا بَلِيغًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ عَلَى التَّفْصِيلِ أَوْ الْإِجْمَالِ بِالْإِحَالَةِ عَلَى السُّنَّةِ أَوْ الْقِيَاسِ انْتَهَى لَعَلَّ الْأَوْلَى أَوْ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُخَصِّصٍ مُعْتَبَرٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ إذْ التَّخْصِيصُ خِلَافُ الْأَصْلِ بَلْ هُنَا خِلَافُ الْوَاقِعِ إذْ الْقُرْآنُ لَا يَقْتَصِرُ بَيَانُهُ عَلَى الدِّينِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . فَإِنْ قِيلَ كَوْنُ الْبَيَانِ بَلِيغًا يُوجِبُ التَّفْصِيلَ فِي الْكُلِّ فَقَوْلُهُ أَوْ الْإِجْمَالِ لَا يُلَائِمُهُ قُلْنَا لَعَلَّ الْأَبْلَغِيَّةَ أَعَمُّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّكْثِيرِ وَإِلَّا فَيَشْكُلُ كَوْنُهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ إذْ بَعْضُ الشَّيْءِ مُبِينٌ بِغَيْرِ الْكِتَابِ كَبَاقِي الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ هَذَا أَقُولُ لِدَوَاعِي رُجُوعِ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ إلَى الْكِتَابِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُفَسَّرًا وَكَاشِفًا كَالْقِيَاسِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ أَمْثَالِ النُّصُوصِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْثُرُ مِنْ بَعْدِي الْأَحَادِيثُ الْحَدِيثُ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾ [النحل: ٨٩] بِالْجَنَّةِ ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فَقَطْ

стр. 37

فَإِنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يُهْتَدَى بِهِدَايَتِهِ وَلَوْ فُرِضَ الْعَمَلُ بِأَحْكَامِهِ بِلَا إيمَانٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ هَادِيًا وَرَحْمَةً إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَاسْتَمْسَكَ بِمَضْمُونِهِ فَمَنْ يَعْتَصِمُ بِهِ فَلَهُ رَحْمَةٌ وَبُشْرَى وَمِنْهَا آيَةُ الْإِسْرَاءِ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أَيْ يَهْدِي إلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَصْوَبُ مِنْ نَحْوِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ عَلَى مَا فَسَّرُوا بِهِ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ مَثَلًا لَوْ أُخِذَ مِنْ الشَّرْعِ لَزِمَ الدَّوْرُ الْمَشْهُورُ إذْ الشَّرْعُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعَقْلِ وَأَلَّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَسَائِلُ الِاعْتِقَادِيَّةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا بِالْعَقْلِ لَا بُدَّ مِنْ تَطْبِيقِهَا بِالشَّرْعِ وَإِلَّا لَا تَكُونُ مُعْتَدًّا بِهَا شَرْعًا وَمِنْهَا آيَةُ الْإِسْرَاءِ أَيْضًا ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] أَيْ كُلُّ الْقُرْآنِ شِفَاءٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ لِلتَّبْيِينِ لِأَنَّ كُلَّهُ شِفَاءٌ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ وَمَرَضِ الشَّكِّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فَقِيلَ فَيُتَبَرَّكُ بِهِ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ وَالْمَكَارِهِ. وَأُيِّدَ بِحَدِيثٍ ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ «مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بِالْقُرْآنِ فَلَا شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَقِيلَ شِفَاءٌ لِلْأَمْرَاضِ الْبَاطِنَةِ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَمْرَاضِ الْحِسِّيَّةِ لِأَنَّهُ يُدْفَعُ بِقُرْآنِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ وَمِنْ هُنَا قِيلَ لَفْظَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ عَلَى مَعْنَى بَعْضِ الْقُرْآنِ شِفَاءٌ لِلْمَرَضِ كَالْفَاتِحَةِ وَآيَاتِ الشِّفَاءِ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] إذْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ عَذَابًا وَعُقُوبَةً لِعَدَمِ اعْتِصَامِهِمْ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ أَيْ ثَوَابٌ لَا يَنْقَطِعُ بِتِلَاوَتِهِ ﴿وَلا يَزِيدُ﴾ [الإسراء: ٨٢] الْقُرْآنُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] الْغَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] يَعْنِي يَزِيدُهُمْ خُسْرَانًا لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَجَدَّدَ نُزُولُ الْقُرْآنِ أَوْ تَبْلِيغُهُ يَتَجَدَّدُ إنْكَارُهُمْ فَبِتَجَدُّدِ إنْكَارِهِمْ يَتَجَدَّدُ خُسْرَانُهُمْ وَمِنْهَا آيَةُ الْعَنْكَبُوتِ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] يَعْنِي أَيَطْلُبُونَ آيَةً عَلَى صِدْقِك وَلَمْ يَكْفِهِمْ قِيلَ عَنْ الْخَازِنِ هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ قَبْلَهُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]- ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] يَعْنِي الْقُرْآنَ مُعْجِزَةً كَافِيَةً فِي صِدْقِك عَلَى وَجْهٍ بَيِّنٍ لِدَوَامِهِ أَبَدًا بِخِلَافِ سَائِرِ الْآيَاتِ أَوْ بِخِلَافِ آيَاتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ٥١] أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ آيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ ﴿لَرَحْمَةً﴾ [العنكبوت: ٥١] عَظِيمَةٌ ﴿وَذِكْرَى﴾ [العنكبوت: ٥١] تَذْكِرَةٌ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] لِمَنْ هَمُّهُ الْإِيمَانُ لَا التَّعَنُّتُ فَالْقُرْآنُ كَافٍ لِكُلِّ مَصَالِحَ فَالْعَمَلُ بِمَضْمُونِهِ وَالتَّمَسُّكُ بِمُوجِبِهِ فِي الْوَقَائِعِ وَالْأَحْوَالِ مُوجِبٌ لِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ وَالرُّؤْيَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ. وَمِنْهَا فِي ص ﴿كِتَابٌ﴾ [ص: ٢٩] أَيْ هَذَا كِتَابٌ ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] خَيْرٌ كَثِيرٌ وَنَفْعٌ جَلِيلٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْقُرْآنِ بَعْضُهَا مُفَسِّرٌ لِلْبَعْضِ وَأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي مِثْلِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَقَدْ عَرَفْت الْقَيْدَ فِي الْآيَاتِ وَإِلَّا يَلْزَمَ التَّعَارُضُ مَعَ أَنَّ مَضْمُونَهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِلْوَاقِعِ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] يَتَفَكَّرُوا آيَاتِهِ الْعَجِيبَةَ وَأَسْرَارَهُ الْغَرِيبَةَ اللَّطِيفَةَ وَقِيلَ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ذَوُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ التَّدَبُّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ بِمَعْنَى لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ لَا يُدْرَكُ وَالتَّذَكُّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يُمْكِنُ تَوَصُّلُهُ بِالْعَقْلِ كَذَاتِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ وَأَنْ يُجْعَلَ الْأَوَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي إلَى الْقِيَاسِ. وَمِنْهَا فِي الزُّمَرِ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]

стр. 38

أَيْ الْقُرْآنَ وَجْهُ الْأَحْسَنِيَّةِ إمَّا لِكَوْنِ نَظْمِهِ مُعْجِزًا وَإِمَّا لِكَوْنِ مَعْنَاهُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَخْبَارِ الْغُيُوبِ وَالْمَاضِينَ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَحْوَالِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] بَدَلٌ مِنْ أَحْسَنَ أَوْ حَالٌ مِنْهُ أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْإِعْجَازِ وَالصِّحَّةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَفِي تَصْدِيقِ بَعْضِهِ بَعْضًا آخَرَ وَعَدَمِ الِاخْتِلَافِ وَقِيلَ يُشْبِهُ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُرَى اخْتِلَافٌ فِي بَعْضِ الْقُرْآنِ نَحْوُ ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]- فَالْأُولَى تُفْهِمُ إمْكَانِ الْعَدَالَةِ وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهِ. وَنَحْوُ - ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]- لِأَنَّ الْوَجَلَ خِلَافُ الطُّمَأْنِينَةِ وَنَحْوُ - ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]- وَغَيْرِهَا وَنَحْوِ اخْتِلَافُ وُجُوهِ الْقِرَاءَةِ وَمَقَادِيرِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَنَحْوِهَا مِنْ وُجُوهِ الْقُرْآنِ الَّتِي يُرْوَى فِيهَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا - ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]- وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذُكِرَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ قُلْنَا لَا اخْتِلَافَ فِيمَا ذُكِرَ أَصْلًا فَإِنَّ التَّسَاؤُلَ فِي مَوْطِنٍ وَعَدَمِهِ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ مِنْ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ التَّعْدِيلَ فِي تَوْفِيَةِ حُقُوقِ النِّسَاءِ وَعَدَمِهِ فِي الْمَيْلِ الْعَقْلِيِّ الْقَلْبِيِّ وَهُوَ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ وَإِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى وَالْوَجَلِ عِنْدَ خَوْفِ ذَهَابِ الْهُدَى وَالزَّيْغِ وَإِنَّ النَّاسَ سُكَارَى مِنْ الْأَهْوَالِ مَجَازًا وَلَيْسُوا بِسُكَارَى مِنْ الشَّرَابِ حَقِيقَةً. وَقَالَ فِي الْإِتْقَانِ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ الْمَنْفِيُّ عَنْ الْقُرْآنِ هُوَ الِاخْتِلَافُ الدَّاعِي إلَى التَّنَاقُضِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ التَّلَاؤُمِ الَّذِي هُوَ تَوَافُقُ الْجَانِبَيْنِ نَحْوُ اخْتِلَافِ وُجُوهِ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا فَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مَنْفِيٍّ مِنْ الْقُرْآنِ وَبِالْجُمْلَةِ الْمَنْفِيُّ اخْتِلَافٌ بِالذَّاتِ كَالْفَصَاحَةِ وَعَدَمِهَا وَالدَّعْوَةِ إلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالشِّعْرِ وَعَدَمِهِ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] جَمْعُ مَثْنَى أَوْ مُثَنَّى صِفَةُ مُتَشَابِهًا بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى السُّوَرِ وَالْآيَاتِ وَنَحْوِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَثَانِي مِنْ التَّثْنِيَةِ أَوْ الثَّنَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُكَرَّرُ قِرَاءَتِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَقَصَصِهِ وَمَوَاعِظِهِ أَوْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِالْبَلَاغَةِ وَالْإِعْجَازِ أَوْ يُثْنَى فِي التِّلَاوَةِ فَلَا يَمَلُّ أَوْ يَشْمَلُ الْمُزْدَوِجَاتِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَذِكْرِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ [الزمر: ٢٣] وَصْفٌ ثَالِثٌ لِلْكِتَابِ أَيْ تَضْطَرِبُ وَتَرْتَعِدُ ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] خَوْفًا مِنْ الْعَذَابِ وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الْخَازِنِ الْمُرَادُ مِنْ الْجُلُودِ الْقُلُوبُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُوَ مَثَلٌ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَقِيلَ إنَّ ذِكْرَ الْخَشْيَةِ أَغْنَى عَنْ الْقُلُوبِ لِأَنَّهَا شَأْنُهَا وَقَرَنَهَا فِي ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾ [الزمر: ٢٣] تَطْمَئِنُّ وَتَسْكُنُ ﴿جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] لِزَوَالِ الْخَشْيَةِ وَمَجِيءِ الرَّجَاءِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ بِالرَّحْمَةِ وَعُمُومِ الْمَغْفِرَةِ وَالْإِطْلَاقِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِهِ الرَّحْمَةُ وَإِنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ عَلَى غَضَبِهِ وَالتَّعَدِّيَةُ بِإِلَى لِتَضْمِينِ مَعْنَى السُّكُونِ وَالِاطْمِئْنَانِ وَذِكْرِ الْقَلْبِ لِتَقَدُّمِ الْخَشْيَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ عَوَارِضِهِ وَعَنْ الْخَازِنِ أَيْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ تَقْشَعِرُّ عِنْدَ الْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ جُلُودُ الْخَائِفِينَ وَتَلِينُ عِنْدَ الْوَعْدِ وَالرَّحْمَةِ وَقِيلَ تَقْشَعِرُّ عِنْدَ الْخَوْفِ وَتَلِينُ عِنْدَ الرَّجَاءِ وَعَنْ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَحَاتُّ مِنْ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَرَقُهَا وَفِي رِوَايَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. وَقِيلَ السَّائِرُونَ فِي جَلَالِ اللَّهِ إذَا نَظَرُوا إلَى عَالَمِ الْجَلَالِ طَاشُوا وَإِذَا لَاحَ لَهُمْ أَثَرٌ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ عَاشُوا أَوْ تَقْشَعِرُّ جُلُودُ السَّالِكِينَ عِنْدَ الْقَبْضِ وَتَلِينُ عِنْدَ الْبَسْطِ ﴿ذَلِكَ﴾ [الزمر: ٢٣] أَيْ الْكِتَابُ ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] شَرَحَ صَدْرَهُ لِقَبُولِ الْهِدَايَةِ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣] بِأَنْ يَخْذُلَهُ بِخَلْقِ الضَّلَالَةِ

стр. 39

﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] يُخْرِجُهُ مِنْ الضَّلَالَةِ فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مَجْبُورًا فِي الضَّلَالَةِ قُلْت قَدْ عَرَفْت أَنَّ عَادَتَهُ تَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ مَشْرُوطَةٌ بِصَرْفِ الْعَبْدِ قُدْرَتَهُ الَّتِي يَسْتَوِي تَعَلُّقُهَا بِالْجَانِبَيْنِ فَإِنْ قِيلَ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْسُنُ قَوْله تَعَالَى فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَهْدِيَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِأَنْ يَصْرِفَ قُدْرَتَهُ إلَى جَانِبِ الْهِدَايَةِ قُلْنَا إنَّ خَالِقَ الْهِدَايَةِ بَعْدَ هَذَا الصَّرْفِ لَيْسَ غَيْرَهُ تَعَالَى لَا يُقَالُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيْضًا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّفْيِ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ تَعَالَى كَمَا فِي نَحْوِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَتَأَمَّلْ. وَمِنْهَا فِي فُصِّلَتْ ﴿وَإِنَّهُ﴾ [فصلت: ٤١] أَيْ الذِّكْرَ الْمُرَادَ مِنْهُ الْقُرْآنُ ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] قَوِيٌّ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَاطِلِ الشَّيْطَانُ وَقِيلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النُّقْصَانِ وَمِنْ خَلْفِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّيَادَةِ وَقِيلَ لَا يَأْتِيهِ تَكْذِيبُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَلَا يَجِيءُ بَعْدَهُ نَاسِخٌ وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَآخِرِهِ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٢] أَيْ مَانِعٌ مُعَانِدِيهِ أَنْ يُبَدِّلُوهُ بِأَحْكَامِ مَبَانِيهِ ﴿حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ بِإِلْهَامِ مَعَانِيهِ أَوْ بِسَبَبِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ يَحْمَدُهُ كُلُّ خَلْقٍ بِمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ ثُمَّ هَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ آيَةً تَدُلُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَكْثِيرِ الْآيَاتِ وَقَدْ كَفَى وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَإِنْ أُرِيدَ دَلَالَةُ الْمَجْمُوعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا وَاحِدًا لَزِمَ عَدَمُ دَلَالَةِ آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَطْلُوبِ قَطْعًا وَأَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَطْعُ مِنْ اجْتِمَاعِ الظُّنُونِ وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ إذْ لَا يَكُونُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَعْرِفَتِهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ الْمَذْهَبَ تَفَاوُتُ الْمَرَاتِبِ فِي الْيَقِينِيَّاتِ كَمَا فِي الظَّنِّيَّاتِ خِلَافًا لِبَعْضٍ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضٌ مِنَّا عَلَى حُصُولِ الْقَطْعِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الظُّنُونِ وَيَجُوزُ كَوْنُ دَلَالَةِ بَعْضِ آيَاتٍ ظَنِّيَّةٍ لِخَفَاءٍ فِي نَفْسِهَا وَإِنْ قَطْعِيَّةً فِي ثُبُوتِهَا وَإِلَّا فَيَلْزَمُ وُرُودُ الْإِشْكَالِ عَلَى الْقُرْآنِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكُلِّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ وَهُوَ الِاعْتِصَامُ فَمَا فَائِدَةُ هَذِهِ التَّكْرَارَاتِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَوَاضِعُ مُخْتَلِفَةً وَقَدْ عُدَّ تِلْكَ التَّكْرَارَاتُ مِنْ التَّكْرِيرِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِطْنَابِ لِفَوَائِد كَالتَّقْرِيرِ وَمِنْهُ قِيلَ الْكَلَامُ إذَا تَكَرَّرَ تَقَرَّرَ كَالتَّأْكِيدِ وَكَزِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى نَفْيِ التُّهْمَةِ لِتَكْمِيلِ قَبُولِ الْكَلَامِ وَكَالتَّعْظِيمِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَكَتَعَدُّدِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَنْ يَكُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَعْضُ غَيْرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْآخَرُ وَهَذَا الَّذِي سَمَّوْهُ بِالتَّرْدِيدِ كَمُكَرَّرَاتِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْإِتْقَانِ فَافْهَمْ بَقِيَ أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ عَلَى اعْتِصَامِ الْكِتَابِ شَائِبَةَ دَوْرٍ فَعَلَيْك دَفْعُهُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ أَدِلَّةُ اعْتِصَامِ الْكِتَابِ نَوْعَيْنِ كِتَابًا وَسُنَّةً وَقَدَّمَ الْكِتَابَ لِأَصَالَتِهِ وَقَطْعِيَّتِهِ ثُبُوتًا وَفَرَغَ مِنْهُ أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الثَّانِي فَقَالَ (الْأَخْبَارُ) أَيْ النَّبَوِيَّةُ الْخَبَرُ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَقِيلَ الْحَدِيثُ مَا جَاءَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَبَرُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ وَقِيلَ كُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ كَمَا فِي النُّخْبَةِ وَمَا فِي الْأَلْفِيَّةِ الْخَبَرُ هُوَ الْأَثَرُ مُطْلَقًا مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا أَوْ مَقْطُوعًا فَيُنَاسِبُ الْأَوَّلَ وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَطْلَبِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ الْأَوَّلُ (طك) يَعْنِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِهِ (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْخُزَاعِيِّ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عُمَرَ وَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقِيلَ اسْمُهُ كَعْبٌ (أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» عَنْ الْمَشَارِقِ هَذِهِ الْحِكَايَةُ حَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ صُدُورِ الْحَدِيثِ عَنْهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْحُدُوثِ لِكَوْنِهِ كَالتَّرْجَمَةِ لَهُ أَقُولُ لَا يَخْفَى عَدَمُ مَدْخَلِيَّتِهِ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى بَلْ الظَّاهِرُ

стр. 40

فِي الْوَجْهِ الْإِشَارَةُ إلَى كَمَالِ تَدَبُّرِ الرَّاوِي وَرَوَيْته فِيمَا رَوَاهُ وَفِيهِ تَأْكِيدُ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ ﵊ بِتَكْرِيرِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ ﷺ اعْتَنَى بِهَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِهِ لَعَلَّ مِثْلَهُ حَسَنٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ لِجِنْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَوَائِدِ «فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» تَحْقِيقُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إعْرَابًا وَبَيَانًا وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ تَوْحِيدًا وَفَضْلًا مُحْتَاجٌ إلَى زِيَادَةِ بَسْطٍ حَرَّرْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَالشَّهَادَةُ الْإِخْبَارُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ يَعْنِي بِعِلْمٍ وَيَقِينٍ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا مُقَدَّرٌ وُجُوبًا وَالِاسْتِفْهَامُ إمَّا إنْكَارٌ حَاصِلُهُ تَأْكِيدٌ لِلتَّقْرِيرِ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ أَوْ تَقْرِيرٌ وَتَثْبِيتٌ وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ بَلَى الْمَوْضُوعُ لِإِبْطَالِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْمُجَابُ بِبَلَى أَيْ بَلَى أَنْتَ رَبُّنَا بِخِلَافِ نَعَمْ لِأَنَّهُ لِتَصْدِيقِ الْخَبَرِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَوْ قَالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا «قَالُوا بَلَى» أَيْ نَشْهَدُ ذَلِكَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ حُذِفَ اكْتِفَاءً بِلَفْظِ الْجَوَابِ عَنْهُ وَفَائِدَةُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِ بِشَهَادَتِهِمْ لِلْإِشَارَةِ مَعَ مَزِيدِ اهْتِمَامِ مَا يَذْكُرُ وَزِيَادَةِ تَأْكِيدِهِ وَلُزُومِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عِرْفَانُ كَوْنِ الْقُرْآنِ مِنْ اللَّهِ وَعَدَمِ ضَلَالَةِ مُتَمَسِّكِيهِ. وَمُقْتَضَى الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ هُوَ تَصْدِيقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ مَا يَذْكُرُهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ كَالدَّلِيلِ لِإِمْكَانِهِ وَالثَّانِي لِوُقُوعِهِ يَظْهَرُ بِالتَّدَبُّرِ أَوْ يَقُولُ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ وَبِي فَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إلَخْ وَإِنْ آمَنْتُمْ بِرِسَالَتِي فَلَا بُدَّ أَنْ أُخْبِرَ كُمْ مَا هُوَ مِنْ دَوَاعِي الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ، وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ فِي تَقْدِيمِ هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا يُخْبِرُ بِهِ شَيْءٌ شَرِيفُ وَأَمْرٌ مُهِمٌّ يَجِبُ اعْتِنَاؤُهُ لِصُدُورِهِ عَنْ دَوَاعِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ «قَالَ إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ» كَوْنُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشَارَةٍ لِتَعْظِيمِهِ وَالْمُنَاسِبُ هُوَ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْهُ الْأُصُولُ لَا الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي يُذْكَرُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ إذْ مَدَارُ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ هُوَ الْأَوَّلُ أَحَدُ «طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ» الْيَدُ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي كَانَ الْأَسْلَمُ فِيهَا تَفْوِيضَ عِلْمِهَا إلَيْهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ دَأْبُ السَّلَفِ وَكَانَ الْأَحْكَمُ فِيهَا التَّأْوِيلَاتُ الصَّحِيحَةُ دَفْعًا لِمَطَاعِنِ الْجَاهِلِينَ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ الدَّوَانِيُّ فِي الْفَوَائِدِ أَمَّا الصِّفَاتُ الَّتِي تَفَرَّدَ بِإِثْبَاتِهَا الْأَشْعَرِيُّ فَإِحْدَى عَشْرَةَ الْبَقَاءُ وَالْقِدَمُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ وَالْجَنْبُ وَالرِّجْلُ وَالْيَمِينُ وَالْإِصْبَعُ وَالتَّكْوِينُ وَلَكِنَّ كَلَامَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَيْضًا يُوَافِقُهُ لِأَنَّهُ قَالَ يَدُهُ صِفَتُهُ بِلَا كَيْفٍ فَتَأْوِيلُهُ بِنَحْوِ الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ إبْطَالُ الصِّفَةِ. كَذَا فِيمَا نُقِلَ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَدُفِعَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ، وَتَأْوِيلُ الْيَدِ عَلَى مَسْلَكِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ إمَّا بِالْمُلْكِ كَمَا فِي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] أَوْ بِالْمِنَّةِ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . وَأَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَقَعَ تَأْوِيلُ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ لَكِنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ وَالْبَحْرَ صَرَّحَا بِرَدِّهِ فَافْهَمْ «وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ» بِالْعَمَلِ

стр. 41

بِمَضْمُونِهِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى أَحْكَامِهِ وَالْإِتْعَابِ وَالتَّكَلُّفِ فِي اسْتِحْصَالِ مُوَاجَبِهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى عِلَّتِهِ أَوْ فَائِدَتِهِ لِزِيَادَةِ اهْتِمَامِهِ وَكَمَالِ قُوَّةِ إحْكَامِ أَحْكَامِهِ فَقَالَ «فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلَكُوا» يَعْنِي إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَكُونُوا فِي خَطَأٍ وَحِيرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَنْ تَكُونُوا فِي عُقُوبَةٍ وَحَسْرَةٍ فِي الْآخِرَةِ بَلْ تَكُونُوا فِي تَوْفِيقٍ وَهِدَايَةٍ وَثَوَابٍ وَنِعْمَةٍ، وَجْهُ التَّأْكِيدَيْنِ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمُسَارَعَةِ فِي أَمْرِ التَّمَسُّكِ «بَعْدَهُ» أَيْ بَعْدَ التَّمَسُّكِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ كَافٍ فِي الْوُصُولِ إلَى كُلِّ الْمَآرِبِ وَالْخَلَاصِ عَنْ كُلِّ الْمَهَالِكِ «أَبَدًا» فِي أَزْمِنَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ أَوْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَامِعٌ مَجَامِعَ أَحْكَامِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ. قِيلَ وَفِي ذِكْرِ الْيَدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُشَاكَلَةُ نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]- وَلَمْ يَقُلْ فَجَازُوهُ لَكِنْ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا جَازَتْ الْمُشَاكَلَةُ مِنْ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِي وَالظَّاهِرُ فِي مَوَاقِعِ أَمْثِلَتِهِمْ مِنْ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ نَعَمْ عُدَّ فِي الْإِتْقَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤]- مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُشَاكَلَةِ وَأَنَّ ظَاهِرَ مَفْهُومِ الْمُشَاكَلَةِ مِنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ هُوَ الْإِطْلَاقُ ثُمَّ الْأَحْسَنُ أَنَّ هُنَا اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً تَشْبِيهَ هَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِالْأُخْرَى كَذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ بَعْضِ الْمُفْرَدَاتِ بَلْ كُلِّهَا مَجَازًا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُشَبَّهَ الْقُرْآنُ بِالْحَبْلِ الْمَمْدُودِ مِنْهُ تَعَالَى إلَى الْعِبَادِ، اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَذِكْرُ الطَّرَفِ لَهُ اسْتِعَارَةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ قَرِينَةٌ لِلْمَكْنِيَّةِ حَاصِلُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الْكُلِّ هُوَ الْوَصْلَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْخَلْقُ فِي طَرِيقِهِ كَالْعُمْيَانِ فَإِنْ أَخَذُوا وَتَمَسَّكُوا بِالْحَبْلِ يَصِلُوا إلَيْهِ وَإِنْ تَرَكُوا ضَلُّوا عَنْ طَرِيقِهِ وَسَقَطُوا فِي مَهَاوِي الْمَهَالِكِ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ بِالْكِتَابِ قُلْنَا قَالُوا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَانِ إلَى الْكِتَابِ كَمَا سَبَقَ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَاعْلَمْهُ ثُمَّ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَشَارَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّمَسُّكُ وَالرَّبْطُ بِحَسَبِ تِلَاوَتِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي (حب) . رَوَى ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادِهِ (عَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ ابْنُ مَسْعُود وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مَاتَ فِي الْكُوفَةِ (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْقُرْآنُ شَافِعٌ» لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَرَافِعُ الدَّرَجَاتِ وَالتَّخْصِيصُ بِمُذْنِبٍ بِلَا تَوْبَةٍ تَقْصِيرٌ. «مُشَفَّعٌ» مَقْبُولُ الشَّفَاعَةِ فَإِنْ قِيلَ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فَهُوَ قَائِمٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَلَيْسَ أَمْرًا مُغَايِرًا لَهُ وَكَوْنُهُ شَافِعًا إلَيْهِ تَعَالَى يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُغَايِرًا لَهُ تَعَالَى وَإِنْ أُرِيدَ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ فَهُوَ كَالْعَرَضِ فِي عَدَمِ الْبَقَاءِ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا يُمْكِنُ انْقِلَابُهُ جَوْهَرًا لِامْتِنَاعِ انْقِلَابِ الْحَقَائِقِ قُلْنَا أُجِيبَ عَنْهُ أَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُ الْقُرْآنَ عَلَى صُورَةٍ يَرَاهُ النَّاسُ كَالْأَعْمَالِ عِنْدَ الْمِيزَانِ، ثُمَّ قِيلَ فَلْيَعْتَقِدْ بِإِيمَانِهِ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ أَقُولُ أَوَّلُ كَلَامِهِ صَرِيحٌ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ وَآخِرُهُ فِي امْتِنَاعِهِ وَظَاهِرُهُ يُشْعِرُ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْمُتَشَابِهُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَا يَثْبُتُ بِالْآحَادِ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُهُ مِنْ الْآحَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ هُوَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لَفْظًا لَكِنْ لَا يَبْعُدُ تَوَاتُرُهُ مَعْنًى وَلَوْ سَلِمَ فَلَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِهِ مَشْهُورَ الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ الْأَعْمَالِ لَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّهُ تَنْظِيرٌ وَتَمْثِيلٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ وَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِنْ الْعَرَضِ جَوْهَرًا بِقَلْبِهِ إلَيْهِ لِتَجَانُسِهِمَا فِي أَصْلِ الْإِمْكَانِ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ جِنْسِهِمَا فَامْتِنَاعُ الِانْقِلَابِ إنْ أُرِيدَ الِانْقِلَابُ الذَّاتِيُّ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ بِالْغَيْرِ فَلَيْسَ بِمُضِرٍّ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ثَوَابِهِ شَخْصًا آخَرَ وَيَشْفَعُ وَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا لِكَوْنِ قَبُولِ الْقُرْآنِ سَبَبًا لِخِلْقَتِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَظِيرُهُ مِثْلُ شَفَاعَةِ سُورَةِ الْمُلْكِ وَآلَم السَّجْدَةِ وَالْبَقَرَةِ وَرَمَضَانَ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَسَائِرِ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ وَنَحْوِهَا «وَمَاحِلٌ»

стр. 42

عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ سَاعٍ بَلِيغٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ وَيُقَرُّ بِهِ مَا قِيلَ أَيْ خَصْمٌ مُجَادِلٌ. وَعَنْ الْقَامُوسِ مَحَلٌّ بِهِ مُثَلَّثَةُ الْحَاءِ قَادَهُ بِسِعَايَةٍ إلَى السُّلْطَانِ «مُصَدَّقٌ» بِالْبِنَاءِ عَلَى الْمَجْهُولِ يَعْنِي يُصَدِّقُ تَعَالَى الْقُرْآنَ فِي مُخَاصَمَتِهِ فِي شَفَاعَتِهِ لِقَارِئِهِ وَعَامِلِهِ وَأَيْضًا مُصَدَّقٌ فِي شِكَايَتِهِ لِمَنْ يُضَيِّعُ حَقَّهُ بِعَدَمِ الْعَمَلِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ التَّرْتِيلِ فَيُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ بِالْعَفْوِ أَوْ الرِّفْعَةِ. وَكَذَا شِكَايَتُهُ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الزَّاهِدِيِّ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِالتَّقْصِيرِ فَهُوَ فِي النَّارِ «مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ» بِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِأَحْكَامِهِ وَيَتَّعِظَ بِمَوَاعِظِهِ وَيَعْتَبِرَ بِقَصَصِهِ وَأَخْبَارِهِ «قَادَهُ» مِنْ الْقَوْدِ أَيْ أَوْصَلَهُ «إلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ سَاقَهُ إلَى النَّارِ» بِأَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ الْقَانُونُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَمَامَهُ فَقَدْ بَنَى عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ لَا يَخْفَى مِنْ الْحُسْنِ مَا فِي اسْتِعْمَالِ الْقَوْدِ فِي الْأَوَّلِ وَالسَّوْقِ فِي الثَّانِي لِأَنَّ فِي الْقَوْدِ رِفْقًا وَتَلْطِيفًا وَفِي السَّوْقِ زَجْرًا وَتَشْدِيدًا ثُمَّ الْقَوْدُ يُنَاسِبُ الشَّفَاعَةَ فَمَنْ قُبِلَ فِي حَقِّهِ شَفَاعَتُهُ يَقُودُهُ إلَى الْجَنَّةِ وَالسَّوْقِ إلَى الْخُصُومَةِ فَمَنْ قُبِلَ فِي حَقِّهِ شِكَايَتُهُ يَسُوقُهُ إلَى النَّارِ فَجُمْلَتَا مَنْ جَعَلَهُ اسْتِئْنَافٌ أَوْ تَعْلِيلٌ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَا بَيَانِيَّتَيْنِ فَشَفَاعَتُهُ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْدِهِ وَشِكَايَتُهُ كِنَايَةٌ عَنْ سَوْقِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ أَوْ إحْدَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّالِي وَالْأُخْرَى إلَى الْعَامِلِ وَعَدَمِهِمَا (دحك) . رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادِهِمَا (عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِهِ» مِنْ الْأَحْكَامِ وَالِاتِّعَاظِ وَالِاعْتِبَارِ فَالْأَجْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَلِ فَمَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ أَخْذُهُ مِنْ تِلَاوَتِهِ فَلَا يُؤْجَرُ بِهَذَا الْأَجْرِ وَإِنْ أُوجِرَ بِمُطْلَقِ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ بِلَا عَمَلٍ مُطْلَقًا فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْأَجْرِ بِالْعَالِمِ بِمَعْنَاهُ بَلْ بِالْمُجْتَهِدِ إذْ لَا يَعْرِفُ مَعَانِي جَمِيعِهِ إلَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يُؤْجَرُ غَيْرُ الْعَالِمِ أَوْ الْعَالِمُ الْغَيْرُ الْمُجْتَهِدِ قُلْت لَعَلَّ الْمَقْصُودَ مُطْلَقُ الْجَمْعِ وَلَا دَلَالَةَ لِكَوْنِ الْقِرَاءَةِ لِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ يُشْتَرَطُ أَخْذُهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ لَا يَبْعُدُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْحُكْمِ بِالْعُلَمَاءِ وَلَا يُنَافِي مَأْجُورِيَّةَ الْغَيْرِ بِمُطْلَقِهِ كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «رَكْعَتَانِ مِنْ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً مِنْ غَيْرِ عَالِمٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «رَكْعَةٌ مِنْ عَالِمٍ بِاَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ مِنْ مُتَجَاهِلٍ بِاَللَّهِ» مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي فَضْلِ صَلَاةِ غَيْرِ الْعَالِمِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ إمَّا لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ وَإِمَّا لِلِاطِّلَاعِ بِمَضْمُونِهِ وَالْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي مَزِيَّةِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ «أُلْبِسَ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ الْإِلْبَاسِ بِمَعْنَى الْإِكْسَاءِ «وَالِدَاهُ تَاجًا» ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ سَوَاءً كَانَ لَهُمَا دَخْلٌ فِي تَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ وَتَرْبِيَتِهِ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ لَا. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى انْتِفَاعِ الْوَالِدِ بِعِبَادَةِ الْمَوْلُودِ سَوَاءً دَعَا لَهُ أَوْ وَهَبَ ثَوَابَ عَمَلِهِ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فِي الدُّعَاءِ وَالْهِبَةِ مَزِيَّةٌ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فِي الْجَنَّةِ أَوْ قَبْلَهَا الظَّاهِرُ عَدَمُ عُمُومِهِ لِلْجَدِّ وَالْجَدَّةِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَا لَهُ «ضَوْءُهُ» أَيْ التَّاجِ «أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا» الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِضِيَاءِ الشَّمْسِ لَعَلَّهُ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ كَمَالِ الْحُسْنِ وَالْبَهْجَةِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ مَا فِي الْبَيْتِ وَيُرَى مِنْ لَطَافَتِهِ كَالشَّمْسِ فَبِهِ يُعْلَمُ وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِبَيْتِ الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَضْلُ لِوَالِدَيْهِ تَكْرِمَةً لِلْوَلَدِ وَلِكَوْنِهِمَا سَبَبًا لَهُ. «فَمَا ظَنُّكُمْ بِاَلَّذِي عَمِلَ بِهَذَا» يَعْنِي لَا يَقْدِرُ ظَنُّكُمْ عَلَى إدْرَاكِ إحْسَانِهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِ هَذَا الْعَامِلِ بِالْقُرْآنِ لِغَايَةِ عَظَمَتِهِ وَنِهَايَةِ جَلَالَتِهِ وَالسَّوْقُ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ بِاَلَّذِي قَرَأَ وَعَمِلَ اكْتَفَى بِهِ إمَّا لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ هُوَ الْعَمَلُ أَوْ الْعَمَلُ مِنْ حَيْثُ أَصْلِهِ وَنَفْسِهِ لَا يَكُونُ بِلَا قِرَاءَةٍ سِيَّمَا عَادَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ هَذَا

стр. 43

إشَارَةٌ إلَى الْقُرْآنِ الَّذِي قُرِئَ عَلَى مَا يُقَالُ الْأَصْلُ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ أَخَذَ وَصْفَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الضَّمَائِرِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْقُرْآنِ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ يَعْنِي كُلًّا ذَا أَجْزَاءٍ فَهَذِهِ الْكَرَامَةُ تَقْتَضِي قِرَاءَةَ الْكُلِّ مَعَ عَمَلِهِ حَتَّى إنْ بَقِيَ فَرْدٌ وَاحِدٌ بِلَا قِرَاءَةٍ أَوْ بِلَا عَمَلٍ لَا يَسْتَحِقُّ لَهَا وَإِنْ اسْتَحَقَّ مُطْلَقَهَا وَإِنْ لِلْكُلِّيِّ فَيُمْكِنُ بِالْبَعْضِ إذْ وُجُودُ الْجِنْسِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ بَلْ يُوجَدُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ لَكِنَّ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ تَخْرِيجِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَكْمَلَهُ وَعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا» الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْإِكْمَالَ أَيْ الْأَوَّلَ وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْإِكْمَالِ التَّجْوِيدُ وَالتَّرْتِيلُ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ ظَاهِرٌ بِآخِرِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إشَارَةً وَعَلَى التَّرْغِيبِ عَلَى تَعْلِيمِ وَلَدِهِ عِبَارَةُ. (طك) رُوِيَ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁) سَادِسٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَهُ مُشَابَهَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ كَانَ خَفِيفَ اللَّحْمِ قَصِيرًا شَدِيدَ الْأُدْمَةِ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي سِنِّ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. رُوِيَ عَنْهُ ﵊ قَالَ «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْد اللَّه يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ» هَاجَرَ إلَى الْحَبَشِ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَكَانَ صَاحِبَ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (أَنَّهُ قَالَ «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ» ) أَيْ ضِيَافَتُهُ فِي الْقَامُوسِ الْمَأْدُبَةُ طَعَامٌ يُصْنَعُ لِدَعْوَةٍ أَوْ عُرْسٍ فَمِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَيْ كَضِيَافَتِهِ مِنْ قَبِيلِ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَالْوَجْهُ الْخَيْرُ وَالْمَنَافِعُ وَقِيلَ مُطْلَقُ الْمَأْدُبَةِ الشَّامِلُ لِلْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ أَقُولُ إلَّا وَجْهَ الْمَنْفَعَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْإِحْسَانِ الْبَاعِثِ إلَى الْأُلْفَةِ وَالْأُنْسِ بِلَا تَعَبٍ وَزَحْمَةٍ «فَاقْبَلُوا مَأْدُبَتَهُ» بِضَمٍّ أَوْ بِفَتْحٍ فِي الدَّالِ «مَا اسْتَطَعْتُمْ» مِقْدَارَ وُسْعِكُمْ وَقُدْرَتِكُمْ بِإِتْيَانِ مَا فِيهَا وَالتَّنَاوُلُ مِنْ حَقَائِقِهَا وَدَقَائِقِهَا وَلَا تَرُدُّوا ضِيَافَتَهُ تَعَالَى فَيَغْضَبُ عَلَيْكُمْ. «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ» طَرَفُهُ بِيَدِهِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ بِأَيْدِينَا كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا وَهُوَ أَيْضًا مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَالْوَجْهُ الْخَلَاصُ عَنْ الْهَلَاكِ وَالْوُصُولُ إلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْوَصْلَةُ إلَى اللَّهِ وَثَوَابُهُ لَكِنْ فِي ظَاهِرِ الصِّيغَةِ إشَارَةٌ إلَى احْتِيَاجِ صَرْفِ جَمِيعِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْمُمْكِنَةِ الْمَعْلُومَةِ فِي الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إتْيَانَ الْغَايَةِ مِنْ النَّوْعَيْنِ حَسْبَمَا شُرِعَ «وَالنُّورُ الْمُبِينُ» الظَّاهِرُ وَالْكَاشِفُ عَنْ أَسْرَارِ عَالِمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَقِيلَ أَيْ هُوَ كَالنُّورِ فِي الدَّلَالَةِ إلَى سُبُلِ الْهُدَى وَلَا يَبْعُدُ كَوْنُهُ نُورًا فِي الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ أَوْ النُّورُ شَيْءٌ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى أَكْثَرِ الْمَنَافِعِ الْحِسِّيَّةِ فَكَذَا الْقُرْآنُ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَنَافِعِ الْقُدْسِيَّةِ. «وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ» فَإِنَّهُ يَنْفَعُ لِأَمْرَاضِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَيُزِيلُ مَا اسْتَوْجَبَتْهُ الْحِيَلُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُشْفِي مِنْ الْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ بِالرُّقْيَةِ الْقَوْلِيَّةِ بَلْ الرَّقْمِيَّةِ «عِصْمَةٌ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ هُوَ عَاصِمٌ وَحَافِظٌ عَنْ السُّقُوطِ فِي مَهَاوِي الْغَوَايَةِ وَالطُّغْيَانِ وَالْوُقُوعِ فِي الضَّلَالَةِ. «لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ» بِأَحْكَامِهِ «وَنَجَاةٌ لِمَنْ اتَّبَعَهُ» هَذَا كَعَطْفِ

стр. 44

تَفْسِيرٍ لِلتَّمَسُّكِ وَلَا يَبْعُدُ الْعِصْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاعْتِقَادِيَّات وَالنَّجَاةِ إلَى الْعَمَلِيَّاتِ أَوْ الْعِصْمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ لَا يَخْفَى مَا فِي حُسْنِ اسْتِعْمَالِ التَّمَسُّكِ بِالْعِصْمَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ بِالنَّجَاةِ إذْ التَّمَسُّكُ أَقْوَى مِنْ التَّبَعِيَّةِ كَالْعِصْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّجَاةِ «لَا يَزِيغُ» لَا يَمِيلُ الْقُرْآنُ عَنْ الْحَقِّ «فَيُسْتَعْتَبَ» مَنْصُوبٌ بِطَرِيقٍ أَمَا تَأْتِينَا فَتُحَدِّثَنَا وَالِاسْتِعْتَابُ طَلَبُ الْعِتَابِ وَعَرَضْته يَعْنِي لَا يَمِيلُ إلَى الْبَاطِلِ حَتَّى يَكُونَ عُرْضَةً لِلْعِتَابِ أَيْ لَا يَعْتِبُ صَاحِبُهُ أَوْ الِاسْتِعْتَابُ طَلَبُ الرِّضَا لَا يَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى طَلَبِ الرِّضَا مِنْ أَحَدٍ «وَلَا يُعَوَّجُ» يَعْنِي مُسْتَقِيمٌ لَيْسَ فِيهِ انْحِرَافٌ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]- لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَعَنْ الْخَازِنِ أَيْ مُنَزَّهًا عَنْ التَّنَاقُضِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ وَقَدْ سَبَقَ نَوْعٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَيْهِ «فَيُقَوَّمَ» عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ بِإِزَالَةِ عِوَجِهِ «وَلَا تَنْقَضِي» أَيْ لَا تَفْنَى وَلَا تَنْتَهِي «عَجَائِبُهُ» يَعْنِي غَرَائِبَهُ وَعَجَائِبَهُ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وَفِي الْإِتْقَانِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ شِئْتُ أَنْ أُوقِرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لَفَعَلْت. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ ذُو شُجُونٍ وَفُنُونٍ وَظُهُورٍ وَبُطُونٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَبْلُغُ غَايَتَهُ فَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِرِفْقٍ نَجَا وَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِعُنْفٍ هَوَى انْتَهَى مُلَخَّصًا لَكِنْ يُرَدُّ بِمَا فِيهِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - «لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» . وَبِرِوَايَةٍ أُخْرَى «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْهُ حَرْفٌ إلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» وَفُسِّرَ

стр. 45

الْحَدُّ بِالْمُنْتَهَى إذْ يَقْتَضِي هَذَا النِّهَايَةَ وَذَاكَ عَدَمَهَا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِأَحَدِهِمَا عِلْمُهُ تَعَالَى وَبِالْآخَرِ عِلْمُ مَخْلُوقِهِ فِي إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَايَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِبَادِهِ فَهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَيْهِ فَيَكُونُ نُزُولُ الْقُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَبَثًا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَلْيُتَأَمَّلْ حَتَّى يَظْهَرَ الْوَجْهُ «وَلَا يَخْلَقُ» . أَيْ لَا يَبْلَى مِنْ خَلِقَ الثَّوْبُ أَيْ بَلِيَ مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ «مِنْ كَثْرَةِ التَّرْدَادِ» مِنْ تَكْرَارِ تِلَاوَتِهِ وَاسْتِمَاعِهِ قِيلَ أَيْ لَا يَمَلُّ قَارِئُهُ وَلَا يَسْأَمُ وَقِيلَ لَا يَذْهَبُ رَوْنَقُهُ وَبَهْجَتُهُ كَمَا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ التَّكْرَارُ يَزْدَادُ الْحُسْنُ وَقِيلَ لَا يَتَغَيَّرُ حَرْفُهُ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ تِلَاوَةً وَتَدْرِيسًا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَلَاءِ وَالْأَعْرَابِ وَالْأَعْجَامِ بَلْ يُرَدُّ الْخَطَأُ إلَى الصَّوَابِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إذَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَأَخْطَأَ أَوْ لَحَنَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا كَتَبَهُ الْمَلَكُ كَمَا أُنْزِلَ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ إثَابَةُ الْمُخْطِئِ وَاللَّاحِنِ فِي الْقِرَاءَةِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَوْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي التَّعْلِيمِ وَإِلَّا فَيُوزَرُ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَفَاءِ إذْ أَمْرُ التَّكْرَارِ لَا يُفِيدُهُ مُنَاسَبَةَ «اُتْلُوهُ» مِنْ التِّلَاوَةِ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ وَالْأَمْرُ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَوْ مُقَابِلِهِ وَقَدْ تَكُونُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَدْبًا لَكِنْ فِي الْبِدَايَةِ لِأَنَّهُ فِي النِّهَايَةِ يَكُونُ وَاجِبًا وَفِي غَيْرِهَا يَكُونُ لِلنَّدَبِ وَالْأَفْضَلُ فِيهِ مِنْ الْمُصْحَفِ لَا مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ لِأَنَّ فِي إمْسَاكِ الْمُصْحَفِ عَمَلَ الْيَدِ وَكَذَا فِي حَمْلِهِ وَفِي نَظَرِهِ عَمَلُ الْبَصَرِ وَيُعِينُ عَلَى تَأَمُّلِ مَعَانِيهِ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَقْرَءُونَ مِنْ الْمُصْحَفِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ ثَلَاثٌ يَزِدْنَ فِي الْحِفْظِ وَيُذْهِبْنَ الْبَلْغَمَ السِّوَاكُ وَالصَّوْمُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَيُقَالُ النَّظَرُ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ كَالنَّظَرِ إلَى الْكَعْبَةِ وَلِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ قُوَّةٌ عَجِيبَةٌ مُجَرَّبَةٌ لِحِفْظِ قُوَّةِ الْبَصَرِ وَتَقْوِيَتِهِ وَقَدْ قِيلَ الْخَتْمَةُ مِنْ الْمُصْحَفِ بِسَبْعٍ «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى» . فَإِنْ قِيلَ إنَّ لَفْظَ تَعَالَى إذَا لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ فَيَلْزَمُ تَغْيِيرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِزِيَادَةِ مَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّهُ لَوْ لَزِمَ إتْيَانُهُ لَأَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قُلْنَا قَالَ الْفُقَهَاءُ بِوُجُوبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] نَحْوَهُ أَيْضًا فَعَلَيْنَا تَعْظِيمُهُ مُطْلَقًا. وَأَمَّا عَدَمُ وُقُوعِهِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ فَلَا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْنَا كَعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَمَلَةِ خَوَاصِّهِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ التَّعْظِيمُ لَازِمٌ وَلَوْ وَقَعَ ذِكْرُ اسْمِهِ تَعَالَى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ لَا الْفَرْضِ وَكَذَا اسْتِمَاعُهُ فَاعْرِفْهُ. «يَأْجُرُكُمْ» مِنْ الْأَجْرِ وَهُوَ جَزَاءُ الْعَمَلِ وَفِي صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الدَّلَالَةُ عَلَى كَثْرَةِ الْأَجْرِ لَا التَّجَدُّدِ وَهُوَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْكَثْرَةِ كَمَا يُصَرِّحُ ذَيْلُ الْحَدِيثِ «عَلَى تِلَاوَةِ كُلِّ حَرْفٍ» مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي أَوْ بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ كَمَا فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ. وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ أَيْ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ حَرْفًا حَرْفًا أَيْ كَلِمَةً كَلِمَةً كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ «عَشْرُ» بِسُكُونِ الشِّينِ «حَسَنَاتٍ» يَشْكُلُ أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فَمَا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالْقُرْآنِ وَالْجَوَابُ الْحَدِيثُ مُفَسَّرٌ لِبَعْضِ مُتَنَاوِلِ النَّصِّ وَدَافِعٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْحَسَنَةُ الْوَاحِدَةُ نَحْوَ تَمَامِ السُّورَةِ أَوْ الْآيَةِ أَوْ الْكَلِمَةِ عَلَى وَجْهٍ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَافْهَمْ. وَأَيْضًا يَشْكُلُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُؤْجَرَ بِمُجَرَّدِ مُفْرَدَاتِ تَهَجِّي الْقُرْآنِ بِدُونِ إتْيَانِ كَلِمِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَضْلًا عَنْ الْأَجْرِ إذْ مَسْأَلَةُ إتْيَانِ نَحْوِ الْجَنْبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْجَرَ بِالْجُزْءِ بِشَرْطِ إتْيَانِ الْكُلِّ فَإِنْ أَتَى بِقَدْرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ فَيُؤْجَرُ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ وَإِلَّا فَلَا وَأَيْضًا إنْ أَتَى الْقُرْآنَ بِلَا قَصْدِ الْقُرْآنِيَّةِ كَالِاقْتِبَاسِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْأَجْرِ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّعْوِيذِ وَلِجَوَازِ تَغْيِيرِ الْمَعْنَى مُطْلَقًا وَجَوَازِ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ الشُّمُولُ إلَّا أَنْ يُفَسَّرَ مِثْلُهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ. وَقَدْ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ إلَّا إذَا نَذَرَ. وَفِي الْأَشْبَاهِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالْقَصْدِ فَجُوِّزَ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِقَصْدِ الذِّكْرِ «أَمَا» بِفَتْحٍ فَتَخْفِيفٍ قِيلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ هِيَ تَحْقِيقٌ لِلْكَلَامِ «إنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ» وَاحِدٌ

стр. 46

«وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» فَيُثَابُ قَائِلُهَا بِثَلَاثِينَ حَسَنَةٍ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ مَقْصُودِ الْحَدِيثِ أَنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنْ نَحْوِ الْقَافِ وَاللَّامِ مِنْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص: ١] حَرْفًا وَاحِدًا مُوجِبًا لِعَشْرِ حَسَنَاتٍ فَيَقْتَضِي مُسَمَّى حُرُوفِ التَّهَجِّي وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ كَالصَّرِيحِ فِي إرَادَةِ الْكَلِمَةِ مِنْ لَفْظِ الْحَرْفِ فَإِنَّ الْمُتَلَفِّظَ مِنْ الم هُوَ الِاسْمُ وَاسْمُ كُلِّ كَلِمَةٍ لَا بِمَعْنَى الْحَرْفِ النَّحْوِيِّ فَتَأَمَّلْ فِيهِ حَتَّى يَظْهَرَ مَا فِيهِ. الْخَامِسُ (ت) مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ (عَنْ الْحَارِثِ بْنِ الْأَعْوَرِ) قِيلَ هُوَ مِنْ التَّابِعِينَ وَفِيهِ مَقَالٌ لِلْمُحَدِّثِينَ وَيُؤَيِّدُهُ يَعْنِي كَوْنَهُ مِنْ التَّابِعِينَ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ﵀ خِلَافًا لِمَا فِي آخِرِ مِنْ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ «مَرَرْت بِالْمَسْجِدِ» إمَّا مَسْجِدُ النَّبِيِّ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ مُطْلَقُ الْمَسَاجِدِ «فَإِذَا النَّاسُ» فُسِّرَ بِالصَّحَابَةِ «يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ» فِي الْأَقَاوِيلِ الْبَاطِلَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ خَاضَ الْمَاءَ يَخُوضُهُ خَوْضًا وَخِيَاضًا دَخَلَهُ ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] أَيْ فِي الْبَاطِلِ انْتَهَى فَأَمَّا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ الْخَوْضِ أَوْ مِنْ الْقَرِينَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَا لَا يَعْنِي كَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَامَةُ إعْرَاضِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ اشْتِغَالُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ» وَيُقَرِّبُهُ مَا يُفَسَّرُ بِالْأَقْوَالِ الْغَيْرِ الْمُهِمَّةِ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا. قَالَ الرَّاوِي «فَدَخَلْت عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ تَعْلِيلِيَّةٌ فَالدُّخُولُ لِأَجْلِ الِاشْتِكَاءِ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا فِي الْمَسْجِدِ وَفَائِدَةُ الِاشْتِكَاءِ إمَّا الْمَنْعُ أَوْ إرَادَةٌ مُفَرَّعَةٌ حَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ لِإِيهَامِ الْجَوَازِ مِنْ صَنِيعِهِمْ «فَأَخْبَرْته فَقَالَ أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا» أَيْ هَذِهِ الْفِعْلَةَ الَّتِي هِيَ الْأَحَادِيثُ الْبَاطِلَةُ فِي الْمَسْجِدِ قِيلَ الْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وَقِيلَ لِلْإِنْكَارِ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ لِلتَّعَجُّبِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ تَنْفَعِلُ النَّفْسُ مِنْهُ وَفَائِدَتُهُ التَّحْذِيرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ خَاصَّةِ الْهَمْزَةِ تَقَدُّمَهَا عَلَى الْعَاطِفِ تَنْبِيهًا عَلَى أَصَالَتِهَا فِي التَّصْدِيرِ مِثْلُ ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]- ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]- ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]- كَمَا فِي الْإِتْقَانِ فَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَخَاضُوهَا وَقَدْ فَعَلُوهَا «قُلْت نَعَمْ قَالَ أَمَا إنِّي» حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ وَتَنْبِيهٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ فِي عَدَمِ وُقُوعِ التَّصْلِيَةِ فِي كَلَامٍ عَلَى نَوْعِ مُخَالَفَةٍ لِلْقَاعِدَةِ الْمُتَعَهَّدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَافْهَمْ «يَقُولُ» حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ سَمِعَ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ لَا مِنْ فَاعِلِهِ وَإِنْ تَوَهَّمَ وَقِيلَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُ «أَلَا إنَّهَا» بِفَتْحٍ وَتَخْفِيفٍ دَالٌّ عَلَى تَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ كَانَتْ لِإِفَادَةِ التَّحْقِيقِ نَحْوُ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]- وَفِي الْإِتْقَانِ لَعَلَّ وَجْهَ التَّأْكِيدِ كَوْنُهَا خِلَافَ مَا يُتَرَقَّبُ نَحْوُ ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧]- أَوْ كَوْنُهَا خِلَافَ مَا يُعْتَقَدُ قِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ وَقِيلَ لِلْفِعْلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ كَلَامِ الدُّنْيَا كَأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ عِنْدَ عَلِيٍّ ثُمَّ قَالَ عَنْ ابْنِ هِشَامٍ مَتَى أَمْكَنَ غَيَّرَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِثَالُ الشَّأْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]- وَالْقِصَّةُ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ [الأنبياء: ٩٧]- وَفَائِدَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَتَفْخِيمِهِ بِأَنْ يُذْكَرَ أَوَّلًا مُبْهَمًا ثُمَّ يُفَسَّرُ هَذَا لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ كَأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ عِنْدَ عَلِيٍّ إشَارَةٌ إلَى مُصَحِّحِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى مَا ادَّعَاهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ سِيَّمَا بِمُلَاحَظَةِ الْأَلْفَاظِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعُمُومِ فِي الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ وَفِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَوَائِدِ وَأَيْضًا يَكُونُ الْمَقَامُ اسْتِدْلَالِيًّا مِنْ قَبِيلِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ حِينَئِذٍ مِنْ أَفْرَادِ مُتَنَاوِلِ عُمُومِ الْحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ فِيهِ ( «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ» بِالْكَسْرِ الْحِيرَةُ وَالضَّلَالُ وَالْإِثْمُ وَالْفَضِيحَةُ وَالْإِضْلَالُ وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الْآرَاءِ فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ هِيَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِحَدِيثِ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ تَكَلَّمُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الِافْتِرَاقَاتِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَهَذَا الَّذِي أَتَى لِإِنْكَارِهِ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ «قُلْت» يَعْنِي عَلِيًّا «فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» يَعْنِي سَأَلَ عَلَى سَلَامَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ «قَالَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» أَيْ التَّمَسُّكُ وَالِاعْتِصَامُ بِكِتَابِهِ تَعَالَى سَبَبٌ قَوِيٌّ لِلْخَلَاصِ عَنْ الْفِتَنِ الْمَوْعُودَةِ كُلِّهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ هُوَ هَذَا أَمَّا سَبَبُ

стр. 47

الْخَلَاصِ مِنْ فِتْنَةِ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ فِي الْمَسْجِدِ بِكِتَابِهِ تَعَالَى مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمُرَادُ مِنْ الْبُيُوتِ جَمِيعُ الْمَسَاجِدِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. وَأَمَّا عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْبُيُوتَ بِالْمَسَاجِدِ الْأَرْبَعَةِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ قَبَاءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَأَمَّا عَلَى الْمُقَايَسَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي جِنْسِ الْعِلَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ كَمَالَ رِفْعَةِ عَلِيٍّ فِي الْعِلْمِ يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ قَبْلَ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا فَائِدَةُ إخْبَارِهِ لِعَلِيٍّ قُلْتُ وَإِنْ سُلِّمَ مَعْرِفَةُ عَلِيٍّ قَبْلَ هَذَا الْإِخْبَارِ لَكِنْ لَا يُسَلَّمُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْإِيذَانُ لِلْغَيْرِ مِنْ الْحَاضِرِينَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْغَيْرُ ابْتِدَاءً وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ «فِيهِ» أَيْ فِي الْقُرْآنِ «نَبَأُ» خَبَرُ «مَا قَبْلَكُمْ» مِنْ قَصَصِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلِاعْتِبَارِ فَإِنَّ السَّعِيدَ مِنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ «وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ» مِنْ نَحْوِ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْمُجَازَاةِ وَالْمُحَاسَبَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلِانْزِجَارِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْإِقْدَامِ عَلَى الطَّاعَاتِ «وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ» مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اعْتِقَادِيَّةً أَوْ عَمَلِيَّةً دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]- «هُوَ» أَيْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى «الْفَصْلُ» أَيْ الْكَامِلُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لَا غَيْرَهُ، يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]- بِمَعْنَى الْفَاصِلِ فَلِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ «لَيْسَ بِالْهَزْلِ» لِأَنَّ نُزُولَهُ لَيْسَ بِهَزْلٍ بَلْ بِجِدٍّ كُلِّهِ يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤]- فُسِّرَ فِيهِ بِالْعَبَثِ أَوْ الْبَاطِلِ أَوْ الْكَذِبِ. «مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ» بَيَانٌ لِمَنْ، وَقَيْدٌ وُقُوعِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ إذْ لَا يَتْرُكُ عَمَلَ الْقُرْآنِ إلَّا الْجَبَّارُ وَالْجَبَّارُ كُلُّ عَاتٍ وَقَلْبٌ لَا تَدْخُلُهُ الرَّحْمَةُ وَالْقِتَالُ فِي غَيْرِ حَقِّ كَذَا فِي الْقَامُوسِ «قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَهْلَكَهُ اللَّهُ أَوْ أَذَلَّهُ وَأَهَانَهُ أَوْ قَطَعَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ قَطْعًا بَيِّنًا لِإِعْرَاضِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفَاصِلِ الْقَوِيِّ وَالْمَخْرَجِ مِنْ الْفِتْنَةِ لِعَلِيٍّ وَالْجُمْلَةُ إمَّا دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ إخْبَارٌ بِمَا يَقَعُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا «وَمَنْ ابْتَغَى» أَيْ طَلَبَ «الْهُدَى» الدَّلَالَةَ «فِي غَيْرِهِ» كَالْعَقْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَكَالْكُتُبِ الْمَنْسُوخَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ «أَضَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى» بِخَلْقِهِ فِيهِ الضَّلَالَةَ أَيْ فِقْدَانُ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ. وَأَمَّا إسْنَادُ الضَّلَالَةِ إلَى الشَّيْطَانِ وَالْأَصْنَامِ فَمَجَازٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَأَمَّا بِوَاقِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ فَقِيلَ بِرُجُوعِهَا إلَى الْكِتَابِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ عَدُّ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ كُلًّا مِنْهَا دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا وَمُقَابِلًا لِلْآخَرِ وَعَدَمُ ثُبُوتِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِالْقُرْآنِ اسْتِقْرَاءٌ وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّف وَدَعْوَى عَدَمِ وُقُوفِنَا تَحَكُّمٌ غَيْرُ مُفِيدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرَ حُجِّيَّةِ الْكُلِّ وَمَأْمُورِيَّتِهِ فَالْعَمَلُ بِالْكُلِّ عَمَلٌ بِالْكِتَابِ «وَهُوَ» أَيْ الْقُرْآنُ «حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ» قِيلَ عَنْ التُّورْبَشَتَّي شَارِحِ الْمَصَابِيحِ الْحَبْلُ يُسْتَعَارُ لِلْوَصْلِ وَلِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى شَيْءٍ وَالْمَعْنَى هُوَ السَّبَبُ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ. «وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ» قِيلَ إعَادَةُ الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّلَذُّذِ بِذِكْرِ مَا يُرْجَعُ إلَيْهِ أَقُولُ الْأَوْجَهُ لِإِفَادَةِ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَصْفِ ذُكِرَ

стр. 48

وَلِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ أَيْ الذِّكْرِ الْمُحْكَمِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الْبَاطِلِ وَالنَّسْخِ وَمِنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ أَوْ الْحَاكِمِ أَيْ الْمَانِعِ عَنْ الْفَسَادِ وَالتَّحْرِيفِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ» أَيْ الطَّرِيقُ السَّوِيُّ أَيْ طَرِيقُ الْحَقِّ أَوْ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ. كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ «وَهُوَ الَّذِي لَا يَزِيغُ» لَا يَمِيلُ «بِهِ الْأَهْوَاءُ» الْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ أَيْ لَا يَمِيلُ بِهِ الْبَطَلَةُ أَوْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْفِرَقُ الضَّالَّةُ عَنْ الْحَقِّ إلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَقَيْدُ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ وَتَكَلُّفٌ فِي تَفْسِيرِ الْأَهْوَاءِ بِإِرَادَةِ النَّفْسِ بِمَعْنَى إرَادَةِ النُّفُوسِ وَآرَائِهَا مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ لَا تَزِيغُ بِسَبَبِ اتِّبَاعِهِ عَنْ الْحَقِّ «وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ» يَعْنِي لَا يُشْبِهُ وَلَا يُشْبِهُهُ كَلَامُ أَحَدٍ لِإِعْجَازِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ وَتَصَرُّفٍ فِيهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ سَوَاءً فِي جَوَاهِرِهِ أَوْ فِي أَوْصَافِهِ لِغَايَةِ ظُهُورِهِ وَوُضُوحِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]- «وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ» قِيلَ لِأَنَّهُ بَحْرُ الْمَعَانِي فَكُلُّ ظَمَأٍ يُطْلَبُ رِيُّهُ مِنْهُ وَفِيهِ غِذَاءُ الْعُلَمَاءِ وَتَرْبِيَةُ كَمَالِهِمْ الرُّوحَانِيِّ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ عَرَفُوهُ تَعَالَى بِجَلَالِ ذَاتِهِ وَكَمَالِ صِفَاتِهِ وَقِيلَ أَيْ الْقُرْآنُ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ لِكَمَالِ لَذَّتِهِ وَنِهَايَةِ حَلَاوَتِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْعَجِيبَةِ وَالْبَدَائِعِ الْغَرِيبَةِ وَالْأَسَالِيبِ الْمُسْتَحْسَنَةِ «وَلَا يَخْلَقُ» مِنْ الْبِلَى «مِنْ كَثْرَةِ التَّكْرَارِ» مِنْ تَكْرِيرِ تِلَاوَتِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَكَثْرَةِ مُسْتَعْمَلِيهِ وَمُسْتَمِعِيهِ بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ تَكْرِيرُهُ يَزْدَادُ حُسْنُهُ وَبَهْجَتُهُ «وَلَا تَنْقَضِي» أَيْ تَنْتَهِي وَتَنْقَطِعُ «عَجَائِبُهُ» مِنْ الْعُلُومِ الْغَرِيبَةِ وَالْأَسْرَارِ الْعَجِيبَةِ وَالدَّقَائِقِ اللَّطِيفَةِ لِعَدَمِ انْتِهَائِهَا فِي حَدٍّ. «هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ» أَيْ لَمْ تَعْرِضْ الْجِنُّ عَنْ الْإِيمَانِ بِهِ «إذْ سَمِعَتْهُ» أَيْ وَقْتَ سَمَاعِ الْجِنِّ الْقُرْآنَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ عَنْ الْخَازِنِ هَلْ رَأَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِنَّ نَعَمْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ. «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجِنِّ وَلَا رَآهُمْ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَ الشَّيَاطِينُ إلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقِيلَ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا وَمَا ذَاكَ إلَّا مِنْ نَبِيٍّ قَدْ حَدَّثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِدًا إلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا وَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَرَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ» . وَعَلَى هَذَا فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْلَمْ بِاسْتِمَاعِهِمْ وَلَا كَلِمِهِمْ وَإِنَّمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: ١] إلَخْ كَذَا قِيلَ وَنُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْوَاحِدِيِّ «عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إنَّا لَمْ نَرَ الْجِنَّ فِي لَيْلَةِ الْجِنِّ أَنْفُسِهِمْ لَكِنْ أَرَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ» . وَالظَّاهِرُ مِنْهُ رُؤْيَتُهُمْ النَّبِيَّ ﵊ وَعَنْ الْخَازِنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِنْذَارِ الْجِنِّ فَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ فَاسْتَتْبَعَ ﵊ أَصْحَابَهُ حِينَ ذَهَابِهِ إلَى الْجِنِّ فَطَفِقُوا ثَمَّ وَثَمَّ فِي الثَّالِثَةِ تَبِعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ فَانْطَلَقْنَا إلَى شِعْبِ الْحُجُونِ وَخَطَّ لِي خَطًّا ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ وَلَا أَخْرُجَ فَانْطَلَقَ فَافْتَتَحَ

стр. 49

الْقُرْآنَ وَسَمِعْتُ لَفْظًا شَدِيدًا حَتَّى خِفْت عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَهُ فَفَرَغَ ﷺ مَعَ الْفَجْرِ فَانْطَلَقَ إلَيَّ فَقَالَ لِي نِمْتَ فَقُلْت لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ مِرَارًا أَنْ أَسْتَغِيثَ بِالنَّاسِ حَتَّى سَمِعْتُك تَقْرَعُهُمْ بِعَصَاك تَقُولُ اجْلِسُوا فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا قُلْت نَعَمْ رِجَالًا سُودًا بِثِيَابٍ بِيضٍ قَالَ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ سَأَلُونِي الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ الزَّادُ فَمَتَّعْتهمْ بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تَغْدِرُهَا النَّاسُ فَقُلْت وَمَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ فَقَالَ إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلَ وَلَا رَوْثَةً إلَّا وَجَدُوا فِيهَا حَبَّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ فَقُلْت سَمِعْت لَغَطًا شَدِيدًا فَقَالَ إنَّ الْجِنَّ بَدَرَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ فَتَحَاكَمُوا إلَيَّ فَقَضَيْت بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» . «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هُمْ سَبْعَةٌ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلَى قَوْمِهِمْ» وَقَالَ آخَرُونَ تِسْعَةٌ وَرُوِيَ أَنَّ الْجِنَّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ عَلَى صُورَةِ الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابِ وَصِنْفٌ يَرْحَلُونَ وَيَظْعَنُونَ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْجِنَّ كَانُوا يَهُودًا فَأَسْلَمُوا قَالُوا وَفِي الْجِنِّ مِلَلٌ كَثِيرَةٌ مِثْلُ الْإِنْسِ فَفِيهِمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَفِي مُسْلِمِيهِمْ مُبْتَدَعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَكُلُّهُمْ مُكَلَّفُونَ «حَتَّى قَالُوا» لِقَوْمِهِمْ لَمَّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ « ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] » ذَا عَجَبٍ يُعْجَبُ مِنْهُ لِبَلَاغَتِهِ وَعَدَمِ مُشَابَهَتِهِ بِكَلَامِ أَحَدٍ وَلِغَايَتِهِ فِي حُسْنِ النَّظْمِ وَدِقَّةِ مَعْنَاهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ. « ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] » إلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ « ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] » أَيْ: الْقُرْآنِ «فَمَنْ قَالَ بِهِ» اسْتَدَلَّ بِالْقُرْآنِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ «صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ» بِمَضْمُونِهِ «أُجِرَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ يَعْنِي يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَجْرًا «وَمَنْ حَكَمَ بِهِ» فِي نَفْسِهِ أَوْ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ «عَدَلَ» فِي حُكْمِهِ «وَمَنْ دَعَا» النَّاسَ «إلَيْهِ» بِالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ وَالتَّدْرِيسِ أَوْ بِالتَّمَسُّكِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ «هُدِيَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْصَلَهُ «إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» مُعْتَدِلٍ وَهُوَ طَرِيقُ الْحَقِّ الْمُؤَدِّي إلَى الْجَنَّةِ. السَّادِسُ حَدِيثُ (حك) الْحَاكِمُ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» وَهِيَ حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّنَةِ

стр. 50

الْعَاشِرَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ لِتَوْدِيعِ النَّبِيِّ ﵊ أَصْحَابَهُ فِيهَا إذْ عَاشَ بَعْدَهَا إحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً وَعَنْ تَخْرِيجِ الشَّعْبِيِّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ» وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَبِمَكَّةَ أُخْرَى. وَعَنْ السُّيُوطِيّ أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةً قَبْلَ فَرْضِيَّتِهِ وَحَجَّةً بَعْدَهَا وَهِيَ الَّتِي وَدَّعَ أَصْحَابَهُ فِيهَا وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْكَمَالِ إلَّا النُّقْصَانُ وَخَطَبَ ﷺ يَوْمَ عَرَفَة خُطْبَةً مِنْهَا مَا. (قَالَ «إنَّ الشَّيْطَانَ» أَيْ جِنْسَهُ أَوْ رَئِيسَهُ الْمَعْهُودَ «قَدْ يَئِسَ» مِنْ الْيَأْسِ بِمَعْنَى قَطْعِ الطَّمَعِ «أَنْ يُعْبَدَ» عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ «بِأَرْضِكُمْ» الْمُخَاطَبُونَ هُمْ الصَّحَابَةُ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَرْضِ مُطْلَقُ مَا سَكَنُوا مِنْ الدِّيَارِ فَالتَّخْصِيصُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَيْسَ لَهُ مُخَصِّصٌ كَمَا يُوهِمُ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ مَا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]- لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ هُوَ مُطْلَقُ تَبَعِيَّتِهِ كُفْرًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَإِنْ سَلِمَ انْقِطَاعُ الْكُفْرِ فِي أَرَاضِي الْأَصْحَابِ لَكِنَّهُ لَا يَخْفَى فِي عَدَمِ انْقِطَاعِ الْعِصْيَانِ فِيهِمْ وَتَخْصِيصُهُ بِالشِّرْكِ كَمَا تَوَهَّمَ مَعَ عَدَمِ مُخَصِّصِهِ وَتَخَالُفِهِ لِأَصْلِ جَرَيَانِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ وَلَكِنْ رَضِيَ إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ بِالنَّظَرِ إلَى خَيْرِ الْقُرُونِ سِيَّمَا بِأَكْثَرِهِمْ وَقَدْ قَالُوا لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ النَّادِرُ ثُمَّ الْوَجْهُ فِي عَدَمِ مَعْبُودِيَّةِ الشَّيْطَانِ إكْمَالُ الدِّينِ بِشَوْكَةِ الْإِسْلَامِ وَمَقْهُورِيَّةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مُعِينُ الشَّيْطَانِ «وَلَكِنْ رَضِيَ مِنْكُمْ أَنْ يُطَاعَ» إطَاعَتَكُمْ لَهُ «فِيمَا سِوَى ذَلِكَ» فِي غَيْرِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الَّتِي يَئِسَ. وَالظَّاهِرُ كَمَا أُشِير أَنَّهُ الْكُفْرُ وَالْكَبِيرَةُ لَا الشِّرْكُ فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ «فِيمَا تَحْتَقِرُونَ» إذْ الْمُتَبَادَرُ هُوَ الصَّغِيرَةُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقَارَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفْرِ بَعِيدٌ «مِنْ أَعْمَالِكُمْ» بَدَلٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَيَانٌ لِمَا، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا كَبِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لَكِنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا صَغِيرَةً كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]- لَكِنْ يُرَدُّ حِينَئِذٍ أَنَّ اسْتِحْقَارَ الصَّغِيرَةِ وَاسْتِخْفَافَهَا خَطَأٌ عَظِيمٌ فَضْلًا عَنْ الْكَبِيرَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا أُرِيدَ هُنَا وَبَيْنَ مَا هُنَالِكَ وَقِيلَ إذَا اُسْتُصْغِرَ ذَنْبٌ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَإِنْ اُسْتُكْبِرَ فَصَغِيرَةٌ. «فَاحْذَرُوا» مِنْ إطَاعَةِ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ الْمُحْتَقَرِ «إنِّي قَدْ تَرَكْت فِيكُمْ» بَيَانُ سَبَبِ التَّحْذِيرِ يَعْنِي أَنَّ الْحَذَرَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا أَبْقَيْت لَكُمْ «مَا» أَيْ شَيْئًا عَظِيمًا «إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا» لَا تَقَعُونَ فِي الضَّلَالَةِ «أَبَدًا» الدَّوَامُ فِي عَدَمِ الضَّلَالَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالدَّوَامِ بِالِاعْتِصَامِ فَإِنْ قِيلَ لَفْظٌ (إنْ) لِلْإِهْمَالِ فَفِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ فَيَلْزَمُ كِفَايَةُ بَعْضِ الِاعْتِصَامِ فِي دَوَامِ عَدَمِ الضَّلَالَةِ قُلْت لَعَلَّ (إنْ) فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى إذَا وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا مُهْمَلَاتُ الْعُلُومِ كُلِّيَّاتٌ «كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 51

فَإِنْ قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَطْلَبَ كِفَايَةُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ فَقَطْ وَهَذَا الْكَلَامُ صَرِيحٌ فِي لُزُومِ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ بِاسْتِقْلَالِ الْقُرْآنِ فِي الِاعْتِصَامِ وَهَذَا بِلُزُومِ الْمَجْمُوعِ قُلْنَا قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْأَرْبَعَةَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إلَى الْكِتَابِ فَالتَّعَدُّدُ وَالتَّغَايُرُ لَيْسَ إلَّا بِالْأَوْصَافِ وَالِاعْتِبَارِ ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ وَزِيَادَةٍ أَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ عَلَى تَخْرِيجِ الْحَاكِمِ بِأَنَّ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ تَمَامًا وَشَنَّعَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ عِلْمِ الْمُصَنِّفِ بِأَحْوَالِ الْحَدِيثِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَأَحَادِيثُهُ لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعْتَبَرَةِ بَلْ مِنْ الْحَوَاشِي وَبَعْضِ الْكُتُبِ وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ الْغَلَطَاتِ وَالْهَذَايَانَاتِ وَدُفِعَ بِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يُجَوِّزُونَ الِاكْتِفَاءَ بِمُجَرَّدِ مَحَلِّ الِاسْتِشْهَادِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ فِيهِ مُخْتَلِفَةً وَالنَّقْلُ بِالْمَعْنَى جَائِزٌ عِنْدَهُمْ وَأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ الصَّحِيحَةِ أَعْطَاهَا السُّلْطَانُ وَغَيْرُهُ فَالْأَخْذُ مِنْ نَحْوِ الْحَوَاشِي وَالْأَطْرَافِ وَالْحَمْلِ عَلَى الْغَلَطِ وَالسَّقَطِ وَالْهَذَايَانَاتِ فِرْيَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ وَسُوءِ ظَنٍّ وَافْتِرَاءٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي اقْتِصَارِ الْحَدِيثِ قِيلَ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا وَالْأَكْثَرُ بِجَوَازِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْعَالِمَ لَا يَنْقُصُ بِمَا يُغَيَّرُ بِهِ الْمَعْنَى وَيُخِلُّهُ وَالْجَاهِلُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَأَمَّا النَّقْلُ بِالْمَعْنَى فَالْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْجَوَازِ وَقِيلَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمُفْرَدَاتِ دُونَ الْمُرَكَّبَاتِ. وَقِيلَ وَالتَّفْصِيلُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ وَأَقُولُ تَفْصِيلُ هَذَا الْمَبْحَثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَرَفُ الدِّينِ الطِّيبِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ اخْتِصَارَ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِجَائِزٍ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ وَجَائِزٌ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ مُطْلَقًا قَالَ مُجَاهِدٌ ﵀ اُنْقُصْ مِنْ الْحَدِيثِ مَا شِئْت وَلَا تَزِدْ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنَّ مِنْ الْعَالِمِ عِنْدَ عَدَمِ تَعَلُّقِ الْمَتْرُوكِ بِالْمَذْكُورِ كَالصِّفَاتِ لَهُ وَفِي الْمَشَارِقِ. وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْمُصَنِّف لِلِاحْتِجَاجِ فَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ كَمَا إذَا أَتَى بِمَسْأَلَةٍ فِي الصَّلَاةِ مِثْلُ مَا يَكُونُ مَحَلَّ اسْتِشْهَادٍ مِنْ بَعْضِ الْحَدِيثِ مَعَ قَطْعِهِ عَنْ بَاقِيهِ وَقَدْ فَعَلَهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا مَا تُعُقِّبَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَرَدَّهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ فِي الْعُلُومِ احْتِجَاجًا بِبَعْضِ الْحَدِيثِ كَاسْتِشْهَادِ النَّحْوِيِّينَ وَإِذَا أَتْقَنْت هَذَا عَرَفْت دَفْعَ إيرَادِ الْمُشَنِّعِ عَلَى وَجْهٍ تَحْقِيقِيٍّ لَا عَلَى وَجْهٍ ظَاهِرِيٍّ وَامْتِنَاعِيٍّ كَمَا فِي كَلَامِ الدَّافِعِ. وَأَمَّا سَائِرُ فُحْشِيَّاتِ الْمُشَنِّعِ فَلِوُضُوحِ بُطْلَانِهِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ضَائِعٌ. وَالسَّابِعُ حَدِيثُ (ت) أَيْ التِّرْمِذِيُّ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاسْتَظْهَرَهُ» أَيْ حَفِظَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ بِلَا كِتَابٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالْحِفْظِ فَيَلْزَمُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْأَجْرِ الْآتِي بِهَذَا الْجَامِعِ وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ أَقُولُ يَجُوزُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْأَجْرِ بِحَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَحَفَظَتِهِ لِمَزِيدِ تَفَهُّمِهِمْ الْمَعْنَى هَذَا لَيْسَ أَجْرَ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ بَلْ لَهُ أَتْعَابُ الْحِفْظِ وَمَشَقَّتُهُ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحَالَ ذَلِكَ عَلَى دَلَالَةِ النَّصِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَضْلُ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَاضِحُ الْبُرْهَانِ وَلِذَا تَرَى الْفُقَهَاءَ يَجْزِمُونَ بِأَنَّ حِفْظَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْفَاتِحَةُ مَعَ سُورَةٍ وَاجِبٌ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِحَافِظِ الْقَدِيمِ: يَحْمِلُ الْمُحَدِّثُ الْقُرْآنَ يَحْمِلُك وَيَحْمِلُنَا وَيَحْفَظُك وَيَحْفَظُنَا ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْحَدِيثِ كَمَالُهُ لَا الْمُطْلَقُ فَهَذَا الْأَجْرُ لِقَارِئِ الْجَمِيعِ وَحَافِظِهِ لَا الْمُطْلَقُ وَلَوْ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ «فَأَحَلَّ حَلَالَهُ» الظَّاهِرُ الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ فَالْمَعْنَى كَانَ قِرَاءَتُهُ لِأَجْلِ اتِّخَاذِ حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ حَلَالًا وَحَرَامًا وَعَمَلُهُ فَيَشْكُلُ بِقِرَاءَةِ الْعَامِّيِّ بَلْ الْخَوَاصُّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ مِنْ الْفِقْهِ وَيَقْرَءُونَ لِمُجَرَّدِ ثَوَابِ التِّلَاوَةِ بِلَا وُقُوفٍ عَلَى مَعْنَاهُ وَقَصْدِ عَمَلِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُؤْجَرَ بِهَذَا الْأَجْرِ لَعَلَّ ذَلِكَ يَنْدَفِعُ بِبَعْضِ مَا ذُكِرَ آنِفًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَجْرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَخْصُوصَةِ لَا أَجْرَ مُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ. «وَحَرَّمَ حَرَامَهُ» أَيْ اتَّخَذَ مَا حَرَّمَهُ حَرَامًا وَتَجَنَّبَ عَنْهُ ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ إضَافَتَيْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هُوَ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَوْ تَرَكَ حَلَالًا وَاحِدًا أَوْ فَعَلَ حَرَامًا وَاحِدًا لَزِمَ أَنْ لَا يُؤْجَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ

стр. 52

مِثْلُ الْأَوَّلِ. أَمَّا الْقَارِئُ إنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ لَكِنْ لَا بِهَذَا الْأَجْرِ إنْ اعْتَقَدَ وَإِلَّا فَكَافِرٌ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا «أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» بِسَبَبِهِ أَوْ بِشَفَاعَتِهِ «الْجَنَّةَ» هَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى كَثِيرٍ فَظَاهِرُ اللَّفْظِ جَانِبُ الْكِفَايَةِ فِي أَصْلِ هَذَا الْأَجْرِ نَعَمْ الْكَثْرَةُ فِي الْقِرَاءَةِ مُؤَثِّرَةٌ فِي قُوَّةِ الْمُسَابَقَةِ إلَى الْجَنَّةِ وَالشَّفَاعَةِ فَإِنْ زِدْتُمْ زِدْنَا لَكِنْ، إنْ حَافَظَ حُدُودَ الْقُرْآنِ وَقْتَ تِلَاوَتِهِ ثُمَّ أَتَى بِمُنَافَاتِهِ هَلْ يُمْحَى مَا كُتِبَ مِنْ الْأَجْرِ الْمَوْعُودِ أَوْ لَا؟ فَقَاعِدَةُ عَدَمِ حُبُوطِ طَاعَةِ الْمُؤْمِنِ بِمَعْصِيَتِهِ يُلَائِمُ الثَّانِي وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُحْمَلَ مِثْلُهُ عَلَى الْقُيُودِ وَالشُّرُوطِ بِدَلَالَةِ بَعْضِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ إذْ الْفِسْقُ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ الدُّخُولِ وَقَدْ قَالُوا إنَّ الِاعْتِبَارَ بِخَوَاتِيمِ الْأَعْمَالِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ أَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الدَّالَّةِ عَلَى التَّحَقُّقِ وَتَحَقُّقِهِ وَثَبَاتِهِ إنَّمَا يَكُونُ بِاسْتِمْرَارٍ فَإِنَّ الزَّائِلَ لَيْسَ لَهُ تَحَقُّقٌ «وَشَفَّعَهُ» قَبِلَ شَفَاعَتَهُ «فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» وَهُمْ سُكَّانُ بَيْتِهِ أَبْنَاؤُهُ وَآبَاؤُهُ وَأَزْوَاجُهُ وَكُلُّ مِنْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ قِبَلِ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ لَا قَوْمُ الْأُمِّ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُعَدُّ مِنْ قَوْمِ الْأَبِ لَا مِنْ قَوْمِ الْأُمِّ. وَاخْتُلِفَ فِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ كَمَا نُقِلَ عَنْ وَقْفِ الْفِقْهِيَّةِ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إنْ أُرِيدَ بَيْتُ السُّكْنَى فَهُوَ مَنْ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَإِنَّ بَيْتَ النَّسَبِ فَهُوَ جَمِيعُ أَوْلَادِهِ الْمَعْرُوفِينَ «كُلِّهِمْ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» بِالْمَعَاصِي يَعْنِي بِسَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ الْأَصْلِيِّ لَا مُطْلَقًا فَلَا يَضُرُّ هَذَا الْوُجُوبُ جَوَازَ عَدَمِ تَعْذِيبِهِ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ فَضْلًا وَعَدَمُ التَّنَافِي بِشَفَاعَةٍ مِنْ الْغَيْرِ. [النَّوْعُ الثَّانِي فِي الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَوَّلِ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ شَرَعَ فِي ثَانِيهِ وَهُوَ وُجُوبُ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ (الْآيَاتُ) أَيْ هَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَ آيَةً عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْمُصَنِّفِ أَوْ تَعَلَّقَ رَأْيُهُ بِإِتْيَانِهَا فَلَا يَضُرُّ زِيَادَتُهَا فِي نَفْسِهَا مِنْهَا فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١]- نَزَلَتْ حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ حُبًّا لَهُ تَعَالَى لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى وَقِيلَ نَزَلَتْ حِينَ قَالَ نَصَارَى نَجْرَانَ هَذَا الْقَوْلَ فِي عِيسَى حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ. وَقِيلَ فِي حَقِّ الْيَهُودِ حِينَ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]- يَعْنِي نَحْنُ فِي الْمَنْزِلَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْنَاءِ - وَأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١]- يَعْنِي إنْ صَدَقْتُمْ فِي دَعْوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا تَكُونُ بِاتِّبَاعِي فَإِنِّي رَسُولُهُ إلَيْكُمْ وَحُجَّتِي وَاضِحَةٌ لَدَيْكُمْ فَوَجَبَ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ مُتَابَعَتِي فِيمَا آمُرُ وَأُنْهِي قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الشَّيْءِ لِكَمَالٍ أُدْرِكَ فِيهِ بِحَيْثُ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا يُقَرِّبُهَا إلَيْهِ وَالْعَبْدُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْكَمَالَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلَّا لِلَّهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَرَاهُ كَمَالًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إرَادَةَ طَاعَتِهِ وَالرَّغْبَةَ فِيمَا يُقَرِّبُهُ فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ الْمَحَبَّةُ بِإِرَادَةِ الطَّاعَةِ وَجُعِلَتْ الطَّاعَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِاتِّبَاعِ الرُّسُلِ فِي عِبَادَتِهِ وَالْحِرْصِ عَلَى مُطَاوَعَتِهِ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ مَنُوطَةٌ بِاتِّبَاعِي قَالَ فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ مَعْنَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَبْدَهُ إرَادَتُهُ بِأَنْ يَخُصَّهُ بِالْقُرْبِ وَالْأَحْوَالِ الْعَلِيَّةِ وَقِيلَ هِيَ مَدْحُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِالْجَمِيلِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجَبْرَائِيلَ ﵇ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ» . وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ عِنْدَ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَقِيلَ الْمَحَبَّةُ الْمَيْلُ الدَّائِمُ بِالْقَلْبِ الْهَائِمِ وَقِيلَ هِيَ إيثَارُ الْمَحْبُوبِ عَلَى جَمِيعِ الْمَصْحُوبِ وَقِيلَ مُوَافَقَةُ الْحَبِيبِ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ وَقِيلَ مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ لِمَوَارِدِ الرَّبِّ وَقَالَ الْبِسْطَامِيُّ الْمَحَبَّةُ اسْتِقْلَالُ الْكَثِيرِ مِنْ نَفْسِك وَاسْتِكْثَارُ الْقَلِيلِ مِنْ حَبِيبِك وَقَالَ سَهْلٌ الْحُبُّ مُعَانَقَةُ الطَّاعَةِ وَمُبَايَنَةُ الْمُخَالَفَةِ. وَقَالَ الشِّبْلِيُّ

стр. 53

قُدِّسَ سِرُّهُ - سُمِّيَتْ الْمَحَبَّةُ لِأَنَّهَا تَمْحُو مِنْ الْقَلْبِ مَا سِوَى الْمَحْبُوبِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ هِيَ مَا لَا يَنْقُصُ بِالْجَفَاءِ وَلَا يَزِيدُ بِالْبِرِّ وَقَالَ الْجُنَيْدُ إذَا صَحَّتْ الْمَحَبَّةُ سَقَطَتْ شُرُوطُ الْأَدَبِ وَقَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ رَأَيْت سَحْنُونًا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَحَبَّةِ فَتَكَسَّرَتْ قَنَادِيلُ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ جَلَسَ الشِّبْلِيُّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا: مُحِبُّوك فَأَقْبَلَ يَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ فَفَرُّوا فَقَالَ إنْ ادَّعَيْتُمْ مَحَبَّتِي فَاصْبِرُوا عَلَى بَلَائِي. وَقِيلَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى عِيسَى ﵇ إنِّي إذَا اطَّلَعْت عَلَى قَلْبِ عَبْدٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ حُبَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَلَأْته مِنْ حُبِّي وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ مِنْ الْحُبِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً بِلَا حُبٍّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ جَرَتْ مَسْأَلَةٌ فِي الْمَحَبَّةِ بِمَكَّةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ فَتَكَلَّمَ الشُّيُوخُ فِيهَا وَكَانَ الْجُنَيْدُ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقَالَ عَبْدٌ ذَاهِبٌ عَنْ نَفْسِهِ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ رَبِّهِ قَائِمٌ بِأَدَاءِ حُقُوقِهِ نَاظِرٌ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ أَحْرَقَ قَلْبَهُ أَنْوَارُ هَوِيَّتِهِ وَصَفَا شِرْبُهُ مِنْ وَرْدِ كَأْسِهِ وَانْكَشَفَ لَهُ الْجَبَّارُ مِنْ أَسْتَارِ غَيْبِهِ فَإِنْ تَكَلَّمَ فَبِاَللَّهِ وَإِنْ سَكَنَ فَهُوَ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ وَمَعَ اللَّهِ فَبَكَى الشُّيُوخُ وَقَالُوا مَا عَلَى هَذَا مَزِيدٌ جَبَرَك اللَّهُ يَا تَاجَ الْعَارِفِينَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُعْذُرْنِي فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى شَغَلَتْنِي عَنْ مَحَبَّتِك فَقَالَ يَا مُبَارَكُ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ فَقَدْ أَحَبَّنِي. وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ أَكْثَرُ فَسَادِ الْعَارِفِينَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِسْقِ الْعَارِفِينَ وَخِيَانَةِ الْمُحِبِّينَ وَكَذِبِ الْمُرِيدِينَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ فِسْقُ الْعَارِفِينَ إطْلَاقُ الطَّرْفِ وَاللِّسَانِ وَالسَّمْعِ إلَى أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَمَنَافِعِهَا وَخِيَانَةِ الْمُحِبِّينَ اخْتِيَارُ أَهْوَائِهِمْ عَلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُمْ وَكَذِبِ الْمُرِيدِينَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَلْقِ وَرُؤْيَتُهُمْ تَغْلِبُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُؤْيَتِهِ وَالْكُلُّ مِنْ رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] فَيُحْبِبْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ جَوَابُ الْأَمْرِ أَيْ يَرْضَ عَنْكُمْ وَيَكْشِفْ الْحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكُمْ بِالتَّجَاوُزِ عَمَّا فَرَّطَ مِنْكُمْ فَيُقَرِّبْكُمْ مِنْ جَنَابِ عِزِّهِ وَيُبَوِّئْكُمْ فِي جِوَارِ قُدْسِهِ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَحَبَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ الْمُقَابَلَةِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ فَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يَتَّبِعْ رَسُولَ اللَّهِ فَهُوَ كَذَّابٌ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فَحَاصِلُ رَبْطِ الْآيَةِ بِالْمَقْصُودِ الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ تَبَعِيَّةُ الرَّسُولِ، وَتَبَعِيَّتُهُ شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ وَكُلُّ مَا شَأْنُهُ كَذَا فَهُوَ وَاجِبٌ فَالِاعْتِصَامُ وَاجِبٌ وَقَوْلُهُ غَفُورٌ فِي مَقَامِ الْعِلَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَقَوْلُهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] لِقَوْلِهِ ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿قُلْ﴾ [آل عمران: ٣٢] وَحِينَ نُزُولِ الْآيَةِ الْأُولَى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ الْمُنَافِقُ لِأَصْحَابِهِ إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَأَنْزَلَ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] أَجْمِعُوا بَيْنَهُمَا فِي الطَّاعَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّ طَاعَتَكُمْ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَاعَتُكُمْ لِي. وَأَمَّا أَنْ تُطِيعُونِي وَتَعْصُوا مُحَمَّدًا فَلَنْ أَقْبَلَ مِنْكُمْ نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢] أَيْ عَنْ طَاعَتِهِمَا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] لَا يَرْضَى عَنْهُمْ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ لَا يُحِبُّهُمْ لِقَصْدِ الْعُمُومِ أَوْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَوْضِعَ التَّالِي إذْ الْمَعْنَى فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاَللَّهُ لَا يُحِبُّهُمْ لِأَنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ فَمِنْ قَبِيلِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ الْبَدِيعِيِّ. وَعَنْ الْخَازِنِ عَنْ، أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا وَمَنْ أَبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] لِكَيْ تُرْحَمُوا وَلَا تُعَذَّبُوا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَعَلَّ وَعَسَى فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةِ التَّوَصُّلِ إلَى مَا جُعِلَ خَبَرًا لَهُ فَلَمْ يَكْفِ فِي الرَّحْمَةِ مُجَرَّدُ طَاعَتِهِ تَعَالَى بَلْ مَجْمُوعُهُمَا وَأَيْضًا فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الْمَنُّ إمَّا بِمَعْنَى الْإِحْسَانِ وَالنِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَوْ بِمَعْنَى الِامْتِنَانِ أَوْ التَّنْبِيهِ

стр. 54

وَتَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِ مَعَ أَنَّ بَعْثَةَ الرَّسُولِ عَامَّةٌ لِلْكُلِّ لِزِيَادَةِ انْتِفَاعِهِمْ أَوْ أَنَّ الْبَعْثَةَ وَإِنْ كَانَتْ نِعْمَةً لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا بِحَسَبِ أَصْلِهَا لَكِنْ نِقْمَةً بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَالْخَارِجِ ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] مِنْ جِنْسِهِمْ لِيَسْهُلَ اسْتِئْنَاسُهُمْ وَأُلْفَتُهُمْ وَيُعِينَ عَلَى فَهْمِ كَلَامِهِ وَأَخْذِ حِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ جِنْسُهُمَا مُخْتَلِفًا لَرُبَّمَا تَقَعُ الْوَحْشَةُ وَالْمُنَافَرَةُ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا يَسْرُعُ فَهْمُ النُّبُوَّةِ فِي الْمُجَانَسَةِ مِنْ عِلْمِ حَالِهِ فِي الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَقُرِئَ ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أَيْ أَشْرَفِهِمْ. وَعَنْ الْخَازِنِ وَقِيلَ أَرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعْنَى مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ بِالْإِيمَانِ وَالشَّفَقَةِ لَا بِالنَّسَبِ وَمِنْ جِنْسِهِمْ لَيْسَ بِمِلْكٍ وَلَا أَحَدَ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ. وَوَجْهُ مَنِّهِ تَعَالَى بِالرَّسُولِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ دَاعٍ إلَى مَا يُنَجِّيهِمْ مِنْ الْمَخَاوِفِ وَهَادٍ إلَى مَا هُوَ مَحْبُوبُهُمْ بِالذَّاتِ وَوَجْهُ الِامْتِنَانِ بِكَوْنِ الرَّسُولِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ آنِفًا مِنْ سُهُولَةِ فَهْمِ نُبُوَّتِهِ وَأَخْذِ شَرِيعَتِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ فَالِامْتِنَانُ هُنَا بِشَيْئَيْنِ أَصْلِ الرِّسَالَةِ وَالْمُجَانَسَةِ بَلْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَعْظَمِيَّةِ الْمُجَانَسَةِ فِي الْمِنَّةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِفَادَةِ فِي الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ هُوَ بِاعْتِبَارِ قَيْدِهِ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤] لِيَهْدِيَهُمْ إلَى صِرَاطٍ سَوِيٍّ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] يُطَهِّرُهُمْ مِنْ نَجَسِ الْكُفْرِ وَدَنَسِ الْمَعْصِيَةِ وَوَسَخِ الْخَبَائِثِ وَفُحْشِ الطِّبَاعِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ يَعْنِي إنَّمَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ لِيُزَكِّيَهُمْ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فُسِّرَ الْكِتَابُ بِالْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةُ بِالسُّنَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَقِيلَ بِالسُّنَّةِ الَّتِي سَنَّهَا لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِتَعْلِيمِ الْكِتَابِ نَظْمُهُ وَبِالْحِكْمَةِ مَعَانِيهِ وَأَسْرَارُهُ وَقَدْ عَرَفْت مَعَانِي الْحِكْمَةِ فِي الْخُطْبَةِ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الْبَعْثَةِ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] لَفِي جَهَالَةٍ وَحِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَظَاهِرٌ لَا يُرْتَابُ فِيهِ وَإِنْ فِيهِ مُخَفَّفَةٌ وَاللَّامُ فَارِقَةٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ إنْ النَّافِيَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمُقَدَّرُ وُجُوبًا وَبِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ خَبَرُهَا وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ حَالٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ اعْتِصَامُ السُّنَّةِ وَالْحَاصِلُ مِنْ الْآيَةِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ غَايَتُهُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ إذْ زُبْدَتُهُ النَّبِيُّ مَبْعُوثٌ بِتِلَاوَةِ الْآيَاتِ وَتَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَكُلُّ مَا شَأْنُهُ كَذَا فَالتَّمَسُّكُ بِهِ لَازِمٌ دَلِيلُ الْكُبْرَى أَدِلَّةُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ بِالسُّنَّةِ وَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ هُوَ جُزْءُ الْآيَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَصْوِيرُ الْمَقَامِ هَكَذَا الْحِكْمَةُ يَعْنِي السُّنَّةَ شَيْءٌ بُعِثَ الرَّسُولُ بِتَعْلِيمِهِ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا فَالِاعْتِصَامُ بِهِ لَازِمٌ وَفِي النِّسَاءِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٥٩] قِيلَ فِي فَرَائِضِهِ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] قِيلَ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ أَقُولُ لَيْسَ الْفَرْضُ مُخْتَصًّا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا السُّنَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ بَلْ الْفَرْضُ يَحْصُلُ مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا وَالسُّنَّةُ مِنْ الْكِتَابِ أَيْضًا إذْ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِدَلِيلٍ وَفِي تَخْصِيصِ الْأَمْرِ بِالْإِطَاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ الْإِيمَانِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مُحَقِّقِي الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَالشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ فَإِذَا وَجَبَ إطَاعَةُ الرَّسُولِ وَجَبَ الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ لَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ فِي السُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ. وَأَمَّا الْفِعْلِيَّةُ وَالسُّكُوتِيَّةُ فَلَعَلَّهَا مُلْحَقَةً بِالْقَوْلِيَّةِ أَوْ الْإِطَاعَةُ عَامَّةٌ لِلْجَمِيعِ تَحْقِيقًا أَوْ تَأْوِيلًا ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ لَعَلَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا فِي الْإِطَاعَةِ بَلْ مُقَيَّدَةٌ وَمَشْرُوطَةٌ بِمُوَافَقَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ وَلِهَذَا يُقَالُ لَا مَعْصِيَةَ لِلْخَالِقِ بِأَمْرِ الْمَخْلُوقِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ مَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا فَضْلًا عَنْ الْأُضْحِيَّةِ. وَقَدْ نَزَلَتْ فِي أَمِيرِ سَرِيَّةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ السُّدِّيَّ فِي حَقِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ بَعَثَهُ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ وَفِيهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى عَمَّارٍ قَدْ أَسْلَمَ فَأَمَّنَهُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَأَخَذَهُ خَالِدٌ فَقَالَ عَمَّارٌ إنِّي أَمَّنْته وَقَدْ أَسْلَمَ فَقَالَ خَالِدٌ تَجَرَّأَ عَلَيَّ وَأَنَا الْأَمِيرُ فَتَنَازَعَا عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجَازَ أَمَانَ عَمَّارٍ وَنَهَاهُ أَنْ يَجْرَأَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأَمِيرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ قُلْنَا هَذَا إنَّمَا يَرِدُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ

стр. 55

الصِّيغَةِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ لِاحْتِجَاجِ الصَّحَابَةِ فِي وَقَائِعَ بِعُمُومِ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي أَسْبَابٍ خَاصَّةٍ. وَأَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي خَصُّوهَا عَلَى أَسْبَابِهَا فَبِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ قَالُوا مِنْ فَوَائِدِ أَسْبَابِ النُّزُولِ تَفْسِيرُ النَّصِّ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْآيَةِ بِدُونِ الْوُقُوفِ عَلَى قِصَّتِهَا وَبَيَانِ نُزُولِهَا قُلْت لَعَلَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْعِلْمِ بِالسَّبَبِ مُفْضِيًا إلَى الْعِلْمِ بِالْمُسَبَّبِ أَوْ الْمُرَادُ بِالتَّفْسِيرِ هُوَ بِوَجْهٍ مَا لَا عَلَى التَّفْصِيلِ. وَقَدْ عَرَفْت هَاهُنَا أَنَّ التَّفْسِيرَ بِالْعُلَمَاءِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَغَيْرِهِ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ حَدِيثٌ أُرْسِلَ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أَنْتُمْ وَأُولُو الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩] وَخُصَّ بِأُمُورِ الدِّينِ لَعَلَّ الْأَظْهَرَ تَعْمِيمُهُ بِهِ وَبِأُمُورِ الدُّنْيَا ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى﴾ [النساء: ٥٩] كِتَابِ ﴿اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] مَا دَامَ حَيًّا وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ قِيلَ إنْ وُجِدَ فِي الْكِتَابِ أُخِذَ بِهِ وَإِلَّا فَبِالسُّنَّةِ وَإِلَّا أَيْضًا فَبِاجْتِهَادٍ فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا الْأَخِيرُ زِيَادَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ قُلْنَا الِاجْتِهَادُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ بِمُثْبِتِ حُكْمٍ بَلْ مُظْهِرٌ أَنَّ النَّصَّ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ شَامِلٌ لِصُورَةِ الْمَقِيسِ يَعْنِي الْفَرْعَ وَأَنَّ مَوَاضِعَ الْقُرْآنِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَافْهَمْ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . قِيلَ عَنْ الْخَازِنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ وَالْآخِرِ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ بِوُجُوبِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ قُلْت هَذَا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا ﴿ذَلِكَ﴾ [النساء: ٥٩] أَيْ الرَّدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴿خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] مِنْ التَّنَازُعِ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] أَجْمَلُ مِنْ تَأْوِيلِكُمْ وَحَمْدُ عَاقِبَةٍ وَالْعَاقِبَةُ تُسَمَّى تَأْوِيلًا لِأَنَّهَا مَآلُ الْأَمْرِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ لِتَأْيِيدِ مَذْهَبِ السَّلَفِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَتَفْوِيضِهَا إلَى اللَّهِ كَمَا قِيلَ لَكِنْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ مَعْنَى النِّزَاعِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النِّزَاعَ فِي الْمُتَشَابِهِ مِنْ إفْرَادِ مُطْلَقِ التَّنَازُعِ الْمُشَارِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي رَدَّ الْأَمْرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْوَاجِبُ رَدُّ جَمِيعِ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قُلْنَا هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا وَأَنَّ شَأْنَ الْغَيْرِ الْمُتَنَازَعِ أَنْ يَجِيءَ مِنْ اللَّهِ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ الِاخْتِلَافِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الرَّدِّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِمَدْلُولِهَا التَّضَمُّنِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. وَمِنْ قَوْلِهِ وَالرَّسُولِ فِي قَوْلِهِ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَأَصْلُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَقَدْ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩]- بَلْ بِتَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا ﴿فَلا﴾ [النساء: ٦٥] أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ آمَنُوا وَهُمْ يُخَالِفُونَ حُكْمَك ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ وَقَالَ ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] وَقِيلَ لَفْظَةُ (لَا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ أَوْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي لَا يُؤْمِنُونَ وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا كَذَا قِيلَ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَيْ يَرْضَوْا حُكْمَك ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] . أَيْ فِيمَا اُخْتُلِفَ بَيْنَهُمْ مِنْ التَّشَاجُرِ بِمَعْنَى التَّنَازُعِ وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِتَدَاخُلِ أَغْصَانِهِ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أَيْ شَكًّا وَضِيقًا وَحَذَفَ النُّونَ فِي لَا يَجِدُونَ لِعَطْفِهِ عَلَى يُحَكِّمُوك كَأَنَّ حَاصِلَ الْآيَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ مُتَعَلِّقٌ بِرِضَا حُكْمِ النَّبِيِّ وَعَدَمِ اسْتِصْعَابِهِ فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ أَوْ رَضِيَ لَكِنَّهُ اسْتَصْعَبَهُ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مُؤْمِنًا فَالتَّمَسُّكُ وَالِاعْتِصَامُ بِحُكْمِهِ لَازِمٌ وَلَوْ الْتِزَامًا فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مُطْلَقُ السُّنَّةِ وَاللَّازِمُ مِنْ الدَّلِيلِ السُّنَّةُ الْمُقَيَّدَةُ بِحُكْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يُقَالَ وُجُودُ الْخَاصِّ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ الْعَامِّ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَايَسَةِ أَوْ دَلَالَةِ النَّصِّ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِك انْقِيَادًا بِالْخُلُوصِ وَالرِّضَا. وَفِي النِّسَاءِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩] نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلِيلَ

стр. 56

الصَّبْرِ حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ وَعُرِفَ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ ﵊ مَا غَيَّرَ لَوْنَك فَقَالَ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ إلَّا إنِّي إذَا لَمْ أَرَك اسْتَوْحَشْت وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاك ثُمَّ إنِّي إذَا ذَكَرْت الْآخِرَةَ أَخَافُ أَنْ لَا أَرَاك لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِك أَوْ لِعَدَمِ دُخُولِي الْجَنَّةَ. نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَقِيلَ إنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَكَى فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا يُبْكِيك فَقَالَ بِاَللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي أَذْكُرُك وَأَنَا فِي أَهْلِي فَيَأْخُذُنِي مِثْلُ الْجُنُونِ حَتَّى أَرَاك وَذَكَرْت مَوْتِي وَأَنَّك تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَأَنِّي وَإِنْ دَخَلْت الْجَنَّةَ كُنْت أَدْنَى مَنْزِلَةً فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] جَمْعُ صِدِّيقٍ فِعِّيلٌ مِنْ أَوْزَانِ الْمُبَالَغَةِ كَثِيرُ الصِّدْقِ وَهُمْ أَتْبَاعٌ خَاصَّةٌ لِلرُّسُلِ حَتَّى لَحِقُوا بِهِمْ وَقِيلَ هُنَا أَفَاضِلُ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نُقِلَ هَذَا عَنْ الْخَازِنِ. وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ كُلُّ مَنْ صَدَقَ بِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُدَاخِلُهُ شَكٌّ وَصَدَّقَ الْأَنْبِيَاءَ فَهُوَ صِدِّيقٌ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُمْ الَّذِينَ صَعِدَتْ نُفُوسُهُمْ تَارَةً بِمَرَاقِي النَّظَرِ فِي الْحِجَجِ وَالْآيَاتِ وَأُخْرَى بِمَعَارِجِ التَّصْفِيَةِ وَالرِّيَاضَاتِ إلَى أَوْجِ الْعِرْفَانِ حَتَّى اطَّلَعُوا عَلَى الْأَشْيَاءِ وَأَخْبَرُوا عَنْهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩] مُطْلَقًا وَقِيلَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ أَوْ بَدْرٍ ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] مَنْ اسْتَوَتْ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ فِي الْخَيْرِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُمْ الَّذِينَ صَرَفُوا أَعْمَارَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْوَالَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَقِيلَ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَارِفُونَ وَهَؤُلَاءِ إنْ بَلَغُوا دَرَجَةَ الْعِيَانِ بِكَمَالِ الْقُرْبِ فَالْأَنْبِيَاءُ وَأَنْ يَقْرُبَ فِي الْجُمْلَةِ فَالصِّدِّيقُونَ وَإِنْ وَقَفُوا فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ فَالْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ وَبِالْأَمَارَاتِ وَالْإِقْنَاعَاتِ الَّتِي تَطْمَئِنُّ بِهَا نُفُوسُهُمْ فَالصَّالِحُونَ فَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لِلصَّالِحِينَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ فِي الْمَآلِ مُقَلِّدِينَ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا مِنْ الْمُقَرَّبِينَ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فِي مَعْنَى التَّعَجُّبِ بِمَنْزِلَةِ مَا أَحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا بِمَعْنَى الْجَمْعِ نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِمَعْنَى الصُّحْبَةِ. وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ وَحَدُّ الرَّفِيقِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي التَّمْيِيزِ يَنُوبُ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَفِي النِّسَاءِ أَيْضًا ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] لِأَنَّ أَمْرَهُ ﵊ إنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الرِّسَالَةِ وَالسِّفَارَةِ قَالَ الْحَسَنُ جَعَلَ اللَّهُ طَاعَةَ رَسُولِهِ طَاعَتَهُ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُعْلَمُ بِلَا بَيَانِ كَيْفِيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ قِيلَ فَالِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ عَيْنُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ فَمَا وَجْهُ عَدِّ أَحَدِهِمَا مُغَايِرًا لِلْآخَرِ بَلْ لَا تَكُونُ السُّنَّةُ مُطْلَقًا دَلِيلًا مُقَابِلًا لِلْكِتَابِ وَقَدْ جَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ كُلًّا مِنْهُمَا دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا قُلْنَا نَعَمْ فِي التَّحْقِيقِ كَذَلِكَ لَكِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ لَمَّا كَانَ خَفِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا أُضِيفَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ إلَى السُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنْ قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ إطَاعَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَّةٌ لِلْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ وَالتَّقْرِيرِيِّ وَأَيْضًا لِجَمِيعِ أَفْرَادِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَجِبُ الِاتِّبَاعُ فِيهِ كَالْمُبَاحِ بَلْ لَا يَجُوزُ كَمَا يَكُونُ مِنْ خَوَاصِّهِ وَقَدْ جَوَّزُوا السَّهْلَ وَالزَّلَّةَ قُلْنَا الْأَصْلُ الِاتِّبَاعُ إلَّا بِقَرِينَةِ عَدَمِهِ لَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ كَلَامٍ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ. وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أَيْ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالرَّحْمَةِ إنْ خُصَّ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فَظَاهِرٌ وَإِنْ عَمَّ لَهُ وَلِأَمْرِ الْآخِرَةِ فَسَعَةُ الرَّحْمَةِ بِبَيَانِ طَرِيقِ الْحَقِّ كَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَمُكْنَةِ اكْتِسَابِ الْخَيْرِ وَتَسْهِيلِ طَرِيقِهِ كَإِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ قِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ قَالَ اللَّعِينُ أَنَا دَاخِلٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ فَأَقْنَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَسَأُثْبِتُهَا فِي الْآخِرَةِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] قِيلَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَافَتِهَا وَلِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَيْهِمْ

стр. 57

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . فَقَالَتْ الْيَهُودُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ لَنَا لِإِيمَانِنَا بِآيَاتِ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْرَاةَ وَإِيتَائِنَا الزَّكَاةَ فَأَخْرَجَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] رِسَالَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ وَنُبُوَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ وَيُمْكِنُ رِسَالَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كِتَابِهِ الَّذِي هُوَ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ وَنُبُوَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَحْيِ الْغَيْرِ الْمَتْلُوِّ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ الصِّفَةُ الْعَامَّةُ لَا تَأْتِي بَعْدَ الْخَاصَّةِ. وَالْإِشْكَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١]- مُجَابٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَالٌ لَا صِفَةٌ فَنَقُولُ هُنَا بِعَدَمِ عُمُومِ النَّبِيِّ لِتَرَادُفِهِمَا أَوْ تَسَاوِيهِمَا أَوْ نَقُولُ لَمَّا كَانَ مَقَامُ التَّبَعِيَّةِ أَدْعَى وَأَنْسَبَ لِجِهَةِ الرِّسَالَةِ قَدَّمَ الرَّسُولَ وَقَدْ قَالُوا وَقَدْ يَعْرِضُ أَمْرٌ يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنْ الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ ﴿الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ وَالْكِتَابَةُ مِنْ خَوَاصِّهِ الْمُحَرَّمَةِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ لِعَدَمِ إيهَامِ اتِّهَامِ أَخْذٍ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَلِاقْتِضَاءِ الْأُسْتَاذِيَّةِ السَّبْقَ عَلَيْهِ فِي الْفَضْلِ وَقِيلَ لِكَوْنِ نَشْأَتِهِ فِي صِغَرِهِ مَعَ أُمِّهِ نُسِبَ إلَيْهَا وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى أُمِّ الْقُرَى يَعْنِي مَكَّةَ. وَلَعَلَّ الْأَوْجَهَ مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبْدَأَ الشَّرِيعَةِ وَمَنْشَأَ الْأَحْكَامِ كَانَ كَالْأُمِّ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ وَصْفَهُ وَنُبُوَّتَهُ ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلَكِنَّهُمْ كَتَمُوهُ وَبَدَّلُوهُ حَسَدًا وَخَوْفًا عَلَى زَوَالِ رِيَاسَتِهِمْ وَقَدْ وَقَعُوا عَلَى مَا خَافُوا لِذُلِّهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْت أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ أَجَلْ إنَّهُ مَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ مَا فِي الْقُرْآنِ - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُك بِالْمُتَوَكِّلِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ لَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا وَالصَّخَّابُ الْكَثِيرُ الصِّيَاحِ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إنْ أُرِيدَ مِنْ الْأَمْرِ الْإِيجَابُ كَمَا هُوَ حَقِيقَتُهُ وَتَبَادُرُهُ فَالْمَعْرُوفُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ عِصْيَانًا كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَأَنَّ نَحْوَ النَّدْبِ فَالْمَعْرُوفُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْفَضَائِلِ الْأُوَلِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ وَخَلَاصِ الْعِقَابِ وَالثَّانِي لِكَمَالِ الثَّوَابِ وَرِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْمُرَادُ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَثَرٌ وَإِلَّا فَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ ظَاهِرُهُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ وَذَا فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَلَوْ كَانَ بِحَدِيثٍ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا إذْ التَّقْيِيدُ زِيَادَةٌ وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الْكَلَامُ بَيْنَ النَّهْيِ وَالْمُنْكَرِ كَالْكَلَامِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْمَعْرُوفِ وَخُصَّ أَيْضًا بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ قِيلَ كَانَ عَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرِّفْقَ وَاللِّينَ وَالنُّصْحَ إنْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَالْعُنْفَ وَالْغِلْظَةَ إنْ لِلْعُمُومِ فَالتَّغْلِيظُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِدْعَةٌ وَإِنْ ظَهَرَ مُنْكَرُهُ إذْ النَّبِيُّ ﵊ كَانَ يَسْتُرُ أَبْلَغَ الْمُنْكَرِ وَهُوَ الْكُفْرُ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الَّتِي حُرِّمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ وَغَيْرِهِمَا قِيلَ الطَّيِّبُ هُوَ الْحَلَالُ وَقِيلَ أَخَصُّ مِنْهُ إذْ الْمَالُ الَّذِي أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ أَوْ تُرِكَتْ الْجَمَاعَةُ عِنْدَ كَسْبِهِ حَلَالٌ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَنَحْوِهِ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ الْأَوَّلُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْحَرَامِ بَلْ لَمَّا لَمْ يُشْرَعْ كَالشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالرِّيَاءِ وَالرِّشْوَةِ وَقِيلَ كُلُّ مَا يَسْتَخْبِثُهُ الطَّبْعُ وَتَسْتَقْذِرُهُ النَّفْسُ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ خِلَافُ الْأَصْلِ فِي اللَّامِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَهْدُ الْخَارِجِيُّ ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ وَادَّعَى مَعْهُودِيَّةَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ ثُمَّ قَالَ مَنْ أَثْبَتَ بِهِ حَرَامًا جَدِيدًا لَمْ يُصِبْ لِعَدَمِ عُمُومِهِ حَيْثُ تَعَيَّنَ لِعَهْدٍ خَارِجِيٍّ كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ التَّعْرِيضَ عَلَى مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى خُبْثِ الدُّخَّانِ لِاسْتِخْبَاثِ الطَّبْعِ وَاسْتِقْذَارِ النَّفْسِ السَّلِيمَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَرِسَالَتِهِ الْمَوْضُوعَةِ لِإِبَاحَةِ الدُّخَّانِ وَأَقُولُ كَوْنُ الْعَهْدِ أَصْلًا مَشْرُوطٌ بِالْقَرِينَةِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْقَرِينَةِ لِنَحْوِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَوْ فُرِضَ

стр. 58

فَهْمُ الْقَرِينَةِ مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ يَرُدُّهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِعُمُومِ الصِّيغَةِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلَوْ سَلِمَ الْعَهْدُ فِيمَا ادَّعَاهُ لَا شَكَّ فِي قِيَامِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ خَبِيثًا وَهَذَا الْمَعْنَى يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَخْلُو عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ وَدَعْوَى انْقِرَاضِ الِاجْتِهَادِ أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ﴿وَيَضَعُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ يُزِيلُ ﴿عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ثِقَلَهُمْ وَالْمُرَادُ الْعَهْدُ الَّذِي أُخِذَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكَانَتْ تِلْكَ شَدِيدَةً. نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَعَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ شِدَّةُ الْعِبَادَةِ ﴿وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] مِنْ الْأَفَاعِيلِ الشَّاقَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّرَائِعِ كَتَعْيِينِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَحُرْمَةِ الدِّيَةِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْخَاطِئَةِ وَقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَقَرْضِ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ بِالْمِقْرَاضِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ وَعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْكَنَائِسِ وَتَتَبُّعِ الْعُرُوقِ مِنْ اللَّحْمِ وَإِحْرَاقِ الْغَنَائِمِ وَفَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَصَرْفِ رُبْعِ الْمَالِ لِلزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا تَشْبِيهٌ بِالْغَلِّ فِي مَنْعِ الْفِعْلِ أَوْ بِالْأَغْلَالِ الَّتِي تَجْمَعُ الْيَدَ إلَى الْعُنُقِ وَكَانَتْ هَذِهِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ فِي شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ ﵊ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَاءِ» . ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَّرُوهُ وَعَظَّمُوهُ وَأَصْلُ التَّعْزِيرِ الْمَنْعُ لِمَنْعِهِ عَنْ إعَادَةِ مِثْلِهِ وَهُنَا مَنْعُ الْأَعْدَاءِ بِالنُّصْرَةِ وَالتَّعْظِيمِ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] بِالرِّمَاحِ وَالسِّهَامِ وَبِالْأَمْوَالِ أَيْضًا ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ الْقُرْآنَ لِاسْتِنَارَةِ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعُلُومِ وَالْعِرْفَانِ أَوْ لِظُهُورِ النُّبُوَّةِ بِهِ أَوْ لِظُهُورِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ وَيَجُوزُ تَعَلَّقَ مَعَهُ بِاتَّبَعُوا وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الْفَائِزُونَ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ وَفِي الْأَعْرَافِ أَيْضًا مُتَّصِلًا بِاَلَّتِي قَبْلَهَا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] لَا إلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ كَالْأَنْبِيَاءِ السَّالِفَةِ تَصْرِيحٌ فِي كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَالْخِطَابُ عَلَى هَذَا النَّهْجِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . قَوْلُهُ الَّذِي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ صِفَةٌ لِلْجَلَالَةِ قِيلَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَفَاءِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْأُلُوهِيَّةِ الْمُفَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَعَمْ قَدْ يُمْكِنُ فَهْمُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ التَّفْرِيعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] تَأَمَّلْ ثُمَّ إنَّهُ إذَا اخْتَصَّ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي جَمِيعَ الْمُمْكَنَاتِ وَالتَّخْصِيصُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ اُخْتُصَّ لَهُ أُلُوهِيَّتُهُمَا حَسْبَمَا يُشِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلِذَا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ الْعَالَمَ كَانَ هُوَ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا غَيْرُهُ وَفِي قَوْلِهِ ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] مَزِيدُ تَقْدِيرٍ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَنُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ إلَى خَلْقِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ كَوْنُهُ رَسُولًا بِالْفِعْلِ وَاللَّازِمُ مِمَّا ذُكِرَ كَوْنُهُ رَسُولًا بِالْقُوَّةِ لَا أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ إثْبَاتُ الْإِمْكَانِ فَقَطْ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَثَابِتٌ بِالْمُعْجِزَةِ وَعَلَيْهِ يَدُورُ تَفْرِيعُ. قَوْلِهِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] التَّفْرِيعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّسُولِ فَمُحْتَاجٌ إلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ

стр. 59

﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] آيَاتِهِ أَوْ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَوْ عِيسَى لِخَلْقِهِ يَكُنْ تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِبَعْضِ نَبِيٍّ لَمْ يُعْتَبَرْ إيمَانُهُ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ التَّكَلُّمِ إلَى الْغَيْبَةِ لِإِجْرَاءِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَالِاتِّبَاعِ لَهُ ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ إلَّا مَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فِي جَعْلِ رَجَاءِ الِاهْتِدَاءِ إثْرَ الْإِيمَانِ وَالِاتِّبَاعِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَدَّقَهُ وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْتِزَامِ شَرْعِهِ فَهُوَ يُعَدُّ فِي الضَّلَالَةِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْ ذُو رَحْمَةٍ أَوْ مُبَالِغٌ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى كَأَنِّي عَيْنُهَا لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا النَّفْعُ وَذَاتُهُ كَذَلِكَ فَالْمَعْنَى مَا أَنَا إلَّا ذُو رَحْمَةٍ لِلْعَالَمِينَ أَهْدَاهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ فَمَنْ قَبِلَ هِدَايَتَهُ أَفْلَحَ وَنَجَا وَمَنْ أَبَى خَابَ وَخَسِرَ. وَقَالَ أَيْضًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إنَّمَا بُعِثْت رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا» لِأَنَّهُ غُشِيَ بِالرَّحْمَةِ وَاسْتَنَارَ قَلْبُهُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ رَحْمَةً وَمَفْزَعًا وَمَأْمَنًا فَالْعَذَابُ لَمْ يُقْصَدْ مِنْ بِعْثَتِهِ ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِهِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بَلْ الثَّانِي أَيْضًا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ عَامٌّ لِلْكَافِرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ وَرَفْعِ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ وَالِاسْتِئْصَالِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ مَعَ الْخَيَالِيِّ كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْفَرِيقَيْنِ لِبَيَانِهِ لَهُمَا طَرِيقَ الْحَقِّ لَكِنَّ الْكَافِرَ لَمْ يَهْتَدِ بِهِدَايَتِهِ وَقَالَ فِي شِفَاءِ عِيَاضٍ عَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ يَعْنِي لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَقِيلَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ أَقُولُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ظَاهِرِ صِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ مَعَ عَدَمِ الْعَهْدِ وَدَلِيلِ الْجِنْسِ فَيَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ كَمَا فِي الشِّفَاءِ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵊ هَلْ أَصَابَك مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ كُنْت أَخْشَى الْعَاقِبَةَ فَأَمِنْت لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] » وَيَشْمَلُ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَا فِي الْمَوَاهِبِ الْقَسْطَلَّانِيَّة أَنَّ قَبُولَ تَوْبَةِ آدَمَ ﵊ إنَّمَا هُوَ بِتَوَسُّلِ آدَمَ ﵊ اسْتِشْفَاعَهُ بِرُوحِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ وَكَتَبَهُ عَلَى أَعْلَى عَتَبَةِ أَبْوَابِ الْجِنَانِ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ آدَمَ ﵊ حِينَ أَرَادَ التَّنَاوُلَ بِحَوَّاءَ وَقْتَ النِّكَاحِ مَنَعَهُ جَبْرَائِيلُ ﵊ لِلْمَهْرِ فَقَالَ مَهْرُهَا أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵊ عَشْرَ مَرَّاتٍ فَفَعَلَ فَحَلَّتْ لَهُ وَإِنَّ أُمَمَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ مُشَفَّعُونَ بِشَفَاعَتِهِ الْعُظْمَى وَرَحْمَةُ الْأُمَّةِ رَحْمَةٌ لِنَبِيِّهِمْ كَذَا قِيلَ وَقِيلَ كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَهْلَ الْعَرَصَاتِ حِينَ اشْتِدَادِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ فِي الْعَرَقِ يَسْتَشْفِعُونَ مِنْ كُلِّ نَبِيٍّ فَتَكُونُ الشَّفَاعَةُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﵊ لَا غَيْرُ فَيَنْتَفِعُ مِنْ تِلْكَ الشَّفَاعَةِ كُلُّ ذِي رُوحٍ حَتَّى الدَّوَابُّ وَالْحَشَرَاتُ وَالْجِنُّ وَالْكُفَّارُ وَقِيلَ كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلشَّيَاطِينِ نَحْوُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عُيِّنَ مَلَكٌ عَلَى إبْلِيسَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً لَا يَنْقَطِعُ أَلَمُ كُلِّ ضَرْبَةٍ إلَى الْأُخْرَى فَعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ اسْتَغَاثَ إنِّي مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ فَلَا تَحْرِمْنِي مِنْ رَحْمَتِك عَلَى وَعْدِك فَخَلَصَ مِنْهُ بِحُرْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ أَمَّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِنَحْوِ الدَّوَابِّ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ الْقَحْطُ الْعَظِيمُ الَّذِي وَقَعَ فِي سَنَةِ وِلَادَتِهِ ﵊ بِسَبَبِ وِلَادَتِهِ وَأَيْضًا كُلَّمَا وَقَعَ قَحْطٌ يَنْدَفِعُ بِدُعَائِهِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْأَفْلَاكِ فَلِمَا قِيلَ فِي بَعْضِ حِكْمَةِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ بِسَبَبِ اسْتِشْرَافِ الْأَفْلَاكِ مِنْ قُدُومِهِ ﵊. وَأَمَّا كَوْنُهُ لِلْأَرْضِ فَلِمَنْعِ الْعَذَابِ عَلَى الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْعِصْيَانِ الَّذِي كَانَ يَقَعُ بِمِثْلِهِ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَفِي النُّورِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَإِنْ قِيلَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا تَعَيَّنَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ الضَّمِيرُ لِلَّهِ أَوْ لِلرَّسُولِ بِلَا تَرْجِيحِ جَانِبِ الرَّسُولِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَأَنَّهُ كَالْمُشْتَرَكِ فِي تَزَاحُمِ الْمَعَانِي فَلَا يُحْتَجُّ بِلَا تَرْجِيحٍ قُلْنَا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ أَيْضًا الْعِبَادَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَإِنْ قِيلَ الْمَطْلُوبُ مُطْلَقُ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاللَّازِمُ مِنْ هَذِهِ

стр. 60

الْآيَةِ هُوَ الْوُجُوبُ الْمَفْهُومُ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ لَا غَيْرِهِ مِنْ النَّدْبِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إذْ الْفِتْنَةُ وَالْعَذَابُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ وَالنَّدْبِ قُلْنَا يَجُوزُ كَوْنُ الْمَقْصُودِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمَطْلُوبِ أَوْ الْخَاصِّ يَسْتَلْزِمُ الْعَامَّ قِيلَ لَفْظَةُ عَنْ صِلَةٌ أَيْ زَائِدَةٌ لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِعْرَاضِ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] فِي الدُّنْيَا مَفْعُولُ يَحْذَرُ أَيْ لِئَلَّا يُصِيبَهُمْ بَلَاءٌ أَوْ مِحْنَةٌ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالْوَلَدِ أَوْ عُقُوبَةٌ أَوْ زَلَازِلُ وَأَهْوَالٌ وَتَسْلِيطُ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ إسْبَاغُ النِّعَمِ اسْتِدْرَاجًا أَوْ قَسْوَةُ الْقَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ أَوْ طَبْعُ الْقُلُوبِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَتَكْرَارُ الْمُنْكَرِ كَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ نَحْوُ الْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ وَحَبْسِ الْمَطَرِ وَتَسْلِيطِ الْمَضَرَّاتِ كَالْجَرَادِ وَنَحْوِهَا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] مُؤْلِمٌ وَجِيعٌ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ هُوَ الْقَتْلُ. وَفِي الْأَحْزَابِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢١] اللَّامُ تَوْطِئَةُ قَسَمٍ أَيْ وَاَللَّهِ قِيلَ الْخِطَابُ لِلْمُنَافِقِينَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أَيْ قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ أَيْ اقْتَدُوا بِهِ اقْتِدَاءً حَسَنًا بِنَصْرِ دِينِهِ وَعَدَمِ تَخَلُّفِهِ وَصَبْرِ شَدَائِدِهِ كَنَفْسِهِ ﵊ إذْ كُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ وَجُرِحَ وَجْهُهُ وَقُتِلَ عَمُّهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنْ الْأَذَى فَصَبَرَ وَسَامَحَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَافْعَلُوا أَنْتُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ قَالَهُ الْخَازِنُ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢١] قِيلَ بَدَلٌ مِنْ لَكُمْ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ صِلَةٌ لِحَسَنَةٍ أَوْ صِفَةٌ لَهَا كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ أَيْ ثَوَابُ اللَّهِ وَلِقَاؤُهُ قِيلَ أَوْ يَخَافُونَ حِسَابَهُ ﴿وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أَيْ نَعِيمَ الْآخِرَةِ أَوْ يَخْشَى يَوْمَ الْبَعْثِ الَّذِي فِيهِ الْجَزَاءُ ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ بِاللِّسَانِ أَوْ الْقَلْبِ أَوْ بِهِمَا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَفِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَرَنَ بِالرَّجَاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ الْمُؤَدِّيَةِ لِمُلَازَمَةِ الطَّاعَةِ فَإِنَّ الْمُؤْتَسِيَ بِالرَّسُولِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ إمَّا بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْمُفَادِ الْمَذْكُورِ أَوْ مِنْ إشَارَةِ قَوْلِهِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ إلَخْ فَحَاصِلُ التَّوْجِيهِ مَثَلًا الِاقْتِدَاءُ الْحَسَنُ بِرَسُولِ اللَّهِ اعْتِصَامٌ بِالسُّنَّةِ وَالِاقْتِدَاءُ وَاجِبٌ فَيُنْتَجُ مِنْ الشَّكْلِ الثَّالِثِ الِاعْتِصَامُ وَاجِبٌ أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا الْكُبْرَى فَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أَمْرَ اقْتَدُوا اقْتِدَاءً حَسَنًا وَأَمْرَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ. وَقِسْ عَلَيْهِ وَجْهَ الْأَمْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَفِي الْأَحْزَابِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ أَوْ لِلْخَلْقِ كَافَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ شَاهِدًا لِوَحْدَانِيِّتِنَا ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] بِرَحْمَتِنَا أَوْ لِلْمُحْسِنِينَ بِرِضَانَا أَوْ لِمَنْ آمَنَ بِالْجَنَّةِ ﴿وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] لِمَنْ كَذَّبَ بِالنَّارِ أَوْ بِنِقْمَتِنَا أَوْ لِلْعُصَاةِ بِعِقَابِنَا ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوْ دَاعِيًا الْخَلْقَ إلَى بَابِ اللَّهِ ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] بِأَمْرِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ أَوْ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِتَيْسِيرِ الدَّعْوَةِ إيذَانًا بِأَنَّهُ أَمْرٌ صَعْبٌ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَعُونَةٍ مِنْ جَنَابِ قُدْسِهِ لِأَنَّ دَعْوَةَ أَهْلِ الشِّرْكِ إلَى التَّوْحِيدِ أَمْرٌ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] أَيْ كِتَابًا مُبِينًا أَيْ ذَا سِرَاجٍ مُنِيرٍ وَقِيلَ وَسِرَاجًا حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَضْرَتِنَا أَوْ هَدْيًا لَهُمْ إلَى أَنْوَارِ الْأُنْسِ مُنِيرًا عَلَيْهِمْ ظُلُمَاتِ النَّفْسِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مُنِيرًا يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهَالَةِ وَتُقْتَبَسُ مِنْ نُورِهِ أَنْوَارُ الْبَصَائِرِ. وَعَنْ الْخَازِنِ إنَّمَا سَمَّاهُ سِرَاجًا مُنِيرًا لِأَنَّهُ جَلَا بِهِ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ وَاهْتَدَى بِهِ الضَّالُّونَ كَمَا يُجْلَى ظَلَامُ اللَّيْلِ بِالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَقِيلَ أَيْ أَمَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ الْبَصَائِرِ كَمَا يُمَدُّ بِنُورِ السِّرَاجِ نُورُ الْإِبْصَارِ وَصَفَهُ بِالْإِنَارَةِ لِأَنَّ مِنْ السِّرَاجِ مَا لَا يُضِيءُ لِفُتُورِهِ قِيلَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِالسِّرَاجِ مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ أَنْوَرُ هُوَ أَنَّ نُورَ الشَّمْسِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَنُورُ السِّرَاجِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْوَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ نُورَ الْقَمَرِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّمْسِ وَأَيْضًا أَنْوَارُ النُّجُومِ عَلَى رَأْيِ الْبَعْضِ فَقِيلَ فِي الْوَجْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السِّرَاجِ هُوَ الشَّمْسُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى

стр. 61

﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] . أَقُولُ إنَّ اسْتِفَادَةَ نُورِ الْقَمَرِ مِنْ الشَّمْسِ قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ لَا ثُبُوتَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَوْ سُلِّمَ فَثُبُوتُهُ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَعْرِفُ بُرُوجَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَتَقَارُبَهُمَا وَتَقَابُلَهُمَا وَهَذَا لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَأَكْثَرُ مُخَاطَبَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى مُقْتَضَى فَهْمِ الْكُلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ وَالْمُفْرَدُ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَبِهِ تَبَيَّنَ فَسَادُ حَالِ أَنْوَارِ النُّجُومِ فَإِنَّهُ لَا إمْكَانَ لِكَوْنِهَا مِنْ الْحَدَثَاتِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْحُكْمِيَّةِ وَالْمِيزَانِيَّةِ ثُمَّ يُرْجَعُ الْكَلَامُ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا أَرَادَ مِنْ الْمَرَامِ إلَى وَجْهِ تَعْبِيرِهِ عَنْ الشَّمْسِ بِالسِّرَاجِ ثُمَّ أَقُولُ لَعَلَّ الْوَجْهَ الْوَجِيهَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالسِّرَاجِ هُوَ الْقُرْبِيَّةُ وَسُهُولَةُ الْأَخْذِ وَاخْتِصَاصُهُ لِلْبَعْضِ دُونَ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُؤْمِنُونَ وَإِيقَادُهُ وَقْتَ قَصْدِ الِانْتِفَاعِ وَنَحْوِهَا وَفِي الْأَحْزَابِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا حَمِيدًا. وَفِي الْآخِرَةِ سَعِيدًا يَعْنِي يَظْفَرُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ وَفِي الْحَشْرِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فَسَّرُوا بِمَالِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] مِنْ الْغُلُولِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الِاعْتِصَامُ الْمُطْلَقُ وَتَفْسِيرُ الْمُفَسِّرِينَ يَخْتَصُّ بِنَحْوِ الْغَنِيمَةِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ إمَّا تَخْصِيصُ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ إرَادَةُ تَعْمِيمِ الْمُصَنِّفِ فَتَأَمَّلْ حَتَّى يَظْهَرَ لَك وَجْهُ الْمُصَنِّفِ أَوْ نَقُولَ الدَّلَالَةُ حَاصِلَةٌ بِمُلَاحَظَةِ قَوْلِهِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ٧] فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِمُطْلَقِ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] لِمَنْ خَالَفَهُ مُطْلَقًا فَهَذِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً لِلِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ. (وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ) الدَّالَّةُ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْمُصَنِّفِ وَاخْتِيَارِهِ فَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَهِيَ قَوْلُهُ (الْإِخْبَارُ) الْأَوَّلُ (د) مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (عَنْ الْعِرْبَاضِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ» أَيْ نَفْسَ يَوْمٍ أَوْ لَفْظَةُ ذَاتَ مُقْحَمَةٌ لِتَحْسِينِ اللَّفْظِ وَالتَّأْكِيدِ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى اسْمِهِ مِثْلُ ذَاتَ مَرَّةٍ وَمُؤَنَّثُ ذُو أَصْلُهَا ذَوِي فَحُذِفَتْ الْيَاءُ مِنْهُ فَبَقِيَ ذُو وَعُوِّضَ التَّاءُ عَنْهَا فَصَارَتْ ذَوَتْ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ أَلْفًا فَصَارَ ذَاتَ وَقَدْ قُطِعَتْ عَنْ الْإِضَافَةِ وَالْوَصْفِيَّةِ وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إلَيْهَا ذَاتِيٌّ بِإِثْبَاتِ التَّاءِ. وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَهُوِيَّتِه وَعَلَى مَا يُقَابِلُ الْوَصْفَ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ وَلِذَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا» قِيلَ نَقْلًا عَنْ الْمَوَاهِبِ فِي وَجْهِ لَفْظِ ثُمَّ إنَّ الْإِقْبَالَ بَعْدَ الْأَذْكَارِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ الْمَسْنُونُ الْمُتَوَارَثُ مِنْ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّحْمِيدَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْبَالَ لَيْسَ بَعْدَهَا بَلْ عِنْدَهَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بِمَعْنَى الْفَاءِ. كَمَا نُقِلَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ أَوْ مُقْحَمٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْأَخْفَشِ أَوْ لَيْسَ لَهُ هُنَا مُهْلَةٌ كَمَا فِي نَحْوِ ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨]- فَتَأَمَّلَ «بِوَجْهِهِ» حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ «فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً» عَظِيمَةً «بَلِيغَةً» أَيْ مُجْتَهِدًا غَيْرَ قَاصِرٍ فِيهَا أَوْ بِكَلَامٍ بَلِيغٍ فَصِيحٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ تَامَّةٍ كَامِلَةٍ أَوْ بِكَلَامٍ مُطَابِقٍ لِمُقْتَضَى الْحَالِ مَعَ فَصَاحَتِهِ «ذَرَفَتْ فِيهَا الْعُيُونُ» سَالَ دَمْعُهَا مِنْ الْبُكَاءِ وَقِيلَ لَفْظُ فِي هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ

стр. 62

كَمَا فِي حَدِيثِ «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» . «وَوَجِلَتْ» بِكَسْرِ الْجِيمِ بِمَعْنَى الْخَوْفِ «مِنْهَا» تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْضًا «الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ» مِنْ الْحَاضِرِينَ لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ خِلَافَ عَادَتِهِ «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ» الْمَوْعِظَةَ «مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ» أَيْ كَمَوْعِظَةِ مُوَدِّعٍ أَوْ هِيَ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ لِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ حِينَ إرَادَةِ السَّفَرِ بِنَصَائِحَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا غَايَةَ الِاحْتِيَاجِ فَرْطًا لِحُبِّهِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَضِلَّ بَعْدَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مُوَدِّعٍ لِهَوَاهُ مُوَدِّعٍ لِعُمْرِهِ وَسَائِرٌ إلَى مَوْلَاهُ وَقِيلَ يَعْنِي صَلِّ صَلَاةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ فَيُصَلِّي بِاسْتِفْرَاغٍ فِي إحْكَامِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْوَاعِظِ أَنْ يَسْتَفْرِغَ جَهْدَهُ فِي إفَادَةِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَتَقْيِيدُ ذَلِكَ وَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّخْوِيفُ وَالتَّشْدِيدُ أَحْيَانًا «فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا» أَيْ تُوصِينَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعَهْدُ الْوَصِيَّةُ «قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي آخَرَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» لِوُلَاةِ الْأُمُورِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] يُقَالُ فُلَانٌ سَمِعَ مِنْ فُلَانٍ أَيْ امْتَثَلَ «وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا» يَعْنِي وَلَوْ كَانَ أَمِيرُكُمْ حَقِيرًا ذَلِيلًا كَالْعَبْدِ الْحَبَشِيِّ يَجِبُ عَلَيْكُمْ الطَّاعَةُ لَكِنْ هَذَا إنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى نَهْجِ الشَّرْعِ وَإِلَّا فَلَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِإِطَاعَةِ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ إنْ عَلَى الشَّرْعِ فَبِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّرْعِ فَإِنْ أَدَّى عِصْيَانُهُ إلَى فَسَادٍ عَظِيمٍ فَيُطِيعُ فِيهِ أَيْضًا إذْ الضَّرَرُ الْأَخَفُّ يُرْتَكَبُ لِلْخَلَاصِ مِنْ الضَّرَرِ الْأَشَدِّ وَالْأَعْظَمِ وَكَذَا فِي كُلِّ مَفْسَدَتَيْنِ مُتَفَاوِتَتَيْنِ كَمَا فِي الْأَشْيَاءِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ دَاعِيَةٍ لِذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ إتْيَانُهُ وَأَيْضًا لَا يُلَائِمُ لِجَوَابِ الْمُجِيبِ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُ» أَيْ الشَّأْنَ «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» . الظَّاهِرُ مِنْ السِّيَاقِ أَيْ فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ كَمَا فِي عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمِنْ السِّيَاقِ أَيْ فِي مُطْلَقِ الْأُمُورِ كَخِلَافِيَّاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ مَا قَالَ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ «فَعَلَيْكُمْ» أَيْ الْزَمُوا «بِسُنَّتِي» . الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُطْلَقِ وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إلَّا أَنْ يُقَالَ نَفْهَمُ الْمُطْلَقَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ أَوْ الْمُقَيَّدُ خَاصٌّ وَالْمُطْلَقُ عَامٌّ فَالتَّقْرِيبُ تَامٌّ فَافْهَمْ «وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ» أَيْ خُلَفَائِي فِي الْقَامُوسِ الْخَلِيفَةُ السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ. وَعَنْ الرَّاغِبِ الْخِلَافَةُ النِّيَابَةُ عَنْ الْغَيْرِ لِغَيْبَةِ الْمَنُوبِ عَنْهُ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ عَجْزِهِ أَوْ تَشْرِيفِ الْمُسْتَخْلَفِ وَعَلَى الْأَخِيرِ اسْتَخْلَفَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ وَالْمُرَادُ الْخِلَافَةُ الْكَامِلَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» الَّتِي انْتَهَتْ بِشَهَادَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَمَا قِيلَ مِنْ تَجْوِيزِ مَنْ بَعْدَهُمْ إنْ سَارُوا سِيرَتَهُمْ مِنْ الْأَوْصَافِ الْآتِيَةِ فَكَالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ الْآخَرَ عَلَى أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ «ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» . وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَقَدْ يُزَادُ «عَضُوضًا» يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ وَأَيْضًا لَا يُلَائِمُ ذَيْلَ هَذَا الْحَدِيثِ

стр. 63

فَإِنْ قِيلَ الْمَرْجِعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ لَيْسَ إلَى السُّنَّةِ فَقَطْ بَلْ مَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ أَقُولُ لَعَلَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ شُمُولِ السُّنَّةِ بِهَا وَلَوْ مَجَازًا أَيْ بِطَرِيقَتَيْ وَلَوْ قِيَاسًا. «الرَّاشِدِينَ» الرُّشْدُ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ «الْمَهْدِيِّينَ» صِيغَةُ مَفْعُولٍ قِيلَ أَيْ هَدَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَاهْتَدَوْا لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ أَمْرِ السَّابِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُلَفَاءِ وَتَمْهِيدٌ لِبَعْضِ الْأَمْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ «تَمَسَّكُوا بِهَا» أَيْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ السُّنَّتَيْنِ كَأَنَّهُ تَكْرِيرٌ لِزِيَادَةِ تَثْبِيتٍ وَتَأْكِيدٍ لِصُعُوبَةِ الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ خُصُوصًا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ وَفِي إفْرَادِ الضَّمِيرِ إشَارَةٌ إلَى رُجُوعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إلَى سُنَّتِهِ ﵊ وَأَخْذِهَا مِنْهَا لَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَإِنْ قِيلَ اتِّخَاذُ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إمَّا لِكَوْنِهِمْ خُلَفَاءَ أَوْ لِكَوْنِهِمْ رَاشِدِينَ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ عَدَمُ الِاتِّخَاذِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَ خِلَافَتِهِمْ وَأَيْضًا يَجْرِي فِي سَائِرِ الْخُلَفَاءِ وَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي اتِّخَاذَ سُنَّةِ كُلِّ مَنْ كَانَ رَاشِدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً. وَعَلَى الثَّالِثِ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا الِاخْتِصَاصِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ بَلْ كَلَامُهُمْ فِي مُطْلَقِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَصَحَابِيٍّ نَعَمْ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِجْمَاعِ إجْمَاعُهُمْ لَكِنَّهُ خِلَافُ الصَّحِيحِ وَلَوْ خُصَّ بِأُمُورِ الْخِلَافَةِ كَالسِّيَاسَةِ الدِّينِيَّةِ أَوْ تَدْبِيرِ نِظَامِ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ لَا يُلَائِمُ السِّيَاقَ وَالسِّيَاقَ قُلْت يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ أَوْ سُنَّةٍ لِرَسُولٍ إشَارَةٌ إلَى الدِّينِيِّ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إلَى الْعَادِيِّ وَالْوَصْفَانِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهِمْ عَلَى الرُّشْدِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَبَعْدُ فِيهِ تَأَمُّلٌ. «وَعَضُّوا عَلَيْهَا» أَيْ مُطْلَقِ السُّنَّةِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَى تَيْنِك السَّنَتَيْنِ ( «بِالنَّوَاجِذِ» هِيَ أَقْصَى الْأَضْرَاسِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَوْ هِيَ الْأَنْيَابُ أَوْ الَّتِي تَلِي الْأَنْيَابَ أَوْ هِيَ الْأَضْرَاسُ كُلُّهَا جَمْعُ نَاجِذَةٍ وَالنَّجْذُ شِدَّةُ الْعَضِّ بِهَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مَثَلٌ فِي شِدَّةِ الِاسْتِمْسَاكِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى غَايَةِ إتْعَابِ الْمُسْتَمْسِكِ بِالسُّنَّةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَالْمُجَاهِدِينَ مَعَ الْمُخَالِفِينَ وَتَصْعُبُ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَيَتْعَبُ فِي الْحَلَالِ قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ كَمَا هُوَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا فِي الْأُصُولِ أَقُولُ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْخُلَفَاءِ لَا الصَّحَابِيِّ وَأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ وُجُوبَ التَّقْلِيدِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ وَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ مَعْلُومِيَّةِ خِلَافِهِمْ وَوِفَاقِهِمْ. وَأَمَّا عِنْدَ مَعْلُومِيَّةِ خِلَافِهِمْ فَلَا يَجِبُ إجْمَاعًا وَأَمَّا عِنْدَ مَعْلُومِيَّةِ عَدَمِ خِلَافِهِمْ فَيَجِبُ إجْمَاعًا نَعَمْ قَالُوا كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» أَيْ اتَّقُوا وَاحْذَرُوا الْأَخْذَ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ السُّنَّتَيْنِ مِنْ الْأُمُورِ الْحَادِثَةِ الَّتِي لَا إشَارَةَ لَهَا بِالْإِذْنِ مِنْ الشَّارِعِ وَسَيُفَصِّلُ. «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» هَذَا شَكْلٌ أَوَّلٌ مَذْكُورُ الْمُقَدَّمَتَيْنِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مُبَاحًا وَوَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا وَالتَّخْصِيصُ بِالدِّينِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ إذْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ إنَّمَا هِيَ فِي أَمْرِ الدِّينِ لِأَنَّهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَفَائِدَتُهُ إنَّمَا تَظْهَرُ لَا الْعَادِيَّاتُ أَقُولُ سَيُوَضِّحُهُ الْمُصَنِّفُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِإِذْنٍ مِنْ الشَّارِعِ فَلَا بِدْعَةَ مُطْلَقًا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» قِيلَ عَنْ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ عَامٌّ خَصَّهُ

стр. 64

حَدِيثُ «فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَحَدِيثُ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» فَاَلَّذِي اجْتَمَعَ عَلَى حَسَنِهِ الْمُسْلِمُونَ وَرَأَوْهُ حَسَنًا لَيْسَ بِضَلَالَةٍ بَلْ مَثُوبَةٌ كَصَلَاةِ الْقَدْرِ بِالْجَمَاعَةِ وَالتَّصْلِيَةِ وَالتَّرْضِيَةِ

стр. 65

حَالَ الْخُطْبَةِ وَالْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ وَدَوَرَانِ الصُّوفِيَّةِ. وَالذِّكْرِ عِنْدَ الْجِنَازَةِ وَالْعَرَائِسِ وَالسُّؤَالِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاتِّخَاذِ الطَّعَامِ لِرُوحِ الْمَيِّتِ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ النَّاسِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي أَصْلِهِ وَمُثَابٌ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ ثُمَّ قَالَ فَنَهْيُ الْمُصَنِّفِ فِتْنَةً فِي الدِّينِ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ تَفَاصِيلِ كُلِّ ذَلِكَ بِمَا لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ أَقُولُ بِإِجْمَالِ يُقْنَعُ بِهِ عَنْ التَّفْصِيلِ وَهُوَ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ حَمَلُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْكَامِلِ وَالْأُمَّةِ الْكَامِلَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ انْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَى الْكَمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ الْكَامِلَةَ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى مَنْعٍ وَخِلَافٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلِذَا كَانَ دَلِيلُ الْمُقَلِّدِ هُوَ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ لَا النُّصُوصُ إذْ اسْتَخْرَجَ الْأَحْكَامَ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ وَقَدْ قَالُوا إذَا تَعَارَضَ النَّصُّ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ النَّصِّ اجْتِهَادِيًّا وَلَهُ مُعَارِضٌ قَوِيٌّ وَتَأْوِيلٌ وَتَخْصِيصٌ وَنَاسِخٌ وَغَيْرُهَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَنَّ ذَلِكَ كَالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ إذْ الْمَنْعُ عَنْ كُلِّ مَا ذَكَرَهُ صَرِيحٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ. (د ت) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ الْمِقْدَادِ) بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَهُوَ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ ثُمَّ قِيلَ هُوَ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ

стр. 66

بَيْنَهُمَا أَلِفٌ لَكِنْ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ عَنْ التُّحْفَةِ وَأَيْضًا عَنْ التَّنْقِيحِ آخِرُهُ مِيمٌ (﵁ «أَلَا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ. «إنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ» أَيْ تَنَبَّهُوا وَتَحَقَّقُوا إنِّي أُعْطِيت الْقُرْآنَ مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ «وَمِثْلَهُ مَعَهُ» أَيْ وَأُوتِيت مِثْلَ الْقُرْآنِ مَعَهُ يَعْنِي آتَانِيَ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَهُ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْإِيتَاءِ هُوَ الْوَحْيُ فَالْقُرْآنُ الْوَحْيُ الْمَتْلُوُّ وَالسُّنَّةُ بِأَنْوَاعِهَا وَلَوْ حَدِيثًا قُدْسِيًّا بَلْ قِيَاسُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْيٌ غَيْرُ مَتْلُوٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]-. وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «كَانَ جَبْرَائِيلُ ﵊ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ يُعَلِّمُهُ إيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ» فَالْمُرَادُ بِالْمُمَاثَلَةِ الِاتِّحَادُ فِي مُطْلَقِ الْوَحْيِ لَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ إذْ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ صِفَةً لَهُ تَعَالَى مُعْجِزٌ لَفْظًا وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ أَيْضًا مُعْجِزًا مَعْنًى وَدَالًّا قَطْعِيًّا فَمَضْمُونُ الْحَدِيثِ قَطْعِيٌّ كَالْقُرْآنِ وَلِهَذَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْحَدِيثِ إنْ ثَبَتَتْ حَدِيثِيَّتُهُ فَلَا يَشْكُلُ بِنَحْوِ مَا يُخَصُّ بِالْقُرْآنِ مِنْ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَثَوَابِ التِّلَاوَةِ وَحُرْمَةِ مَسِّ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ. «أَلَا يُوشِكُ» بِالْكَسْرِ مُضَارِعٌ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ مِنْ أَوْشَكَ يُوشِكُ إيشَاكًا إذَا قَرُبَ وَالْمَعْنَى يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ «رَجُلٌ» اسْمُ يُوشِكُ وَخَبَرُهُ يَقُولُ قِيلَ التَّرْكِيبُ لِلنُّدْرَةِ «شَبْعَانَ» صِفَتُهُ مِنْ الشِّبَعِ ضِدُّ الْجُوعِ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَغْرُورِ الْغَافِلِ الْمُنْهَمِكِ بِشَهْوَتِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِالشِّبَعِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ الْحَامِلُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْدُودِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّ الشِّبَعَ سَبَبُ الْحَمَاقَةِ وَالْغَفْلَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَشْبَعْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا فِي الشِّفَاءِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «لَمْ يَمْتَلِئْ جَوْفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِبَعًا قَطُّ» «عَلَى أَرِيكَتِهِ» . فِي الْقَامُوسِ الْأَرِيكَةُ كَسَفِينَةٍ، سَرِيرٌ فِي حَجَلَةٍ، أَوْ كُلُّ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ سَرِيرٍ وَمِنَصَّةٍ وَفِرَاشٍ، أَوْ سَرِيرٌ مُتَّخَذٌ مُزَيَّنٌ فِي قُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَرِيرٌ فَهُوَ حَجَلَةٌ، جَمْعُهُ أَرَائِكُ انْتَهَى. فَالْمَعْنَى أَلَا يَقْرُبُ رَجُلٌ صَاحِبُ عَيْشٍ وَافِرٍ وَرَفَاهِيَةٍ جَالِسًا عَلَى تَخْتِهِ وَكُرْسِيِّهِ أَنْ «يَقُولَ» بِطَرِيقِ الْوَعْظِ أَوْ لِاحْتِجَاجِ بَعْضِ أَغْرَاضِهِ «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ» فَقَطْ أَيْ لَا تَلْتَفِتُوا إلَى غَيْرِهِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَالسِّيَاقُ. «فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ» أَيْ اتَّخِذُوهُ وَاحْكُمُوا بِحِلِّهِ «وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ» اعْتَقِدُوا حُرْمَتَهُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ الْغَافِلُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي أَخْذِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَيُرِيدُ الْمَنْعَ عَنْ أَخْذِ الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ أَيْ السُّنَّةِ وَهَذَا زَعْمٌ بَاطِلٌ مِنْهُ إذْ تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ كَالسُّنَّةِ وَلِهَذَا رَدَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ» يُرِيدُ نَفْسَهُ أَيْ وَإِنَّ مَا حَرَّمْت لَعَلَّ إظْهَارَهُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِلْإِشَارَةِ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ إذْ مُلَاحَظَةُ عِنْوَانِ الرِّسَالَةِ يَجْعَلُ الْحُكْمَ ضَرُورِيًّا «كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» يَعْنِي الْأَحْكَامَ

стр. 67

الْمَدْلُولَةَ مِنْ الْكِتَابِ كَالْأَحْكَامِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ السُّنَّةِ فِي لُزُومِ الِاتِّبَاعِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِلَا تَفَاوُتٍ بَلْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُهَا وَالْمُغَايَرَةُ لَيْسَ إلَّا فِي الظَّاهِرِ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ الْقَائِلُ الْمَذْكُورُ مُصِيبًا وَقَدْ رَدَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت نَعَمْ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْقَائِلِ كَذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُ نَفْيُ الْمُرَاجَعَةِ بِالسُّنَّةِ وَالِاكْتِفَاءُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ كَافِلًا لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَكِنْ لَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى فَهْمِهِ غَيْرِ الْمُؤَيَّدِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِأَنْوَارِ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِجَانِبِ الْحُرْمَةِ مَعَ أَنَّ جَانِبَ الْحِلِّ كَذَلِكَ إمَّا لِعِظَمِ خَطَرِ جَانِبِ الْحُرْمَةِ أَوْ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ فِيهَا لِمَجْبُولِيَّةِ النَّفْسِ عَلَى حُبِّ الْهَوَى أَوْ يُرَادُ تَعْمِيمُ الْحُرْمَةِ عَلَى مَا بِوَاسِطَةِ تَرْكِ الْمَشْرُوعَاتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ مِنْ الْحُرْمَةِ مُطْلَقُ الْمَنْعِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْكَرَاهَةِ بَلْ تَرْكُ الْأَوْلَى وَأَيْضًا نَحْوُ السُّنَنِ بَلْ الْآدَابِ فَتَأَمَّلْ. «أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ» أَيْ أَكْلُهُ لَا اسْتِعْمَالُهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْأَهْلِيِّ لِأَنَّ الْوَحْشِيَّ حَلَالٌ وَالْأَهْلِيُّ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ هَذَا قِيلَ النَّهْيُ وَقَعَ يَوْمَ خَيْبَرَ هَذَا تَعْدَادٌ لِبَعْضِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْكِتَابِ وَدَلَّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْقَصْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ لَيْسَ لِلِانْحِصَارِ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ لَعَلَّهُ لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْهُ الْوَاقِعَةُ وَالْحَادِثَةُ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِوُرُودِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا فِي الْأَدِلَّةِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ» فَقِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفُ الْأَسَانِيدِ وَلَوْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاضْطِرَارِ وَقِيلَ عَلَى ثَمَنِهَا وَأُجْرَتِهَا وَأَقُولُ حَدِيثُ الْحُرْمَةِ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ بَلْ قَرِيبٌ إلَى الْمَشْهُورِ بِالْمَعْنَى فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّعَارُضُ «وَلَا» يَحِلُّ أَكْلُ «كُلِّ ذِي نَابٍ» إذْ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ صِفَةُ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ لَا الْأَعْيَانِ «مِنْ السِّبَاعِ» النَّابُ هُوَ السِّنُّ خَلْفَ الرُّبَاعِيَّةِ الْمُرَادُ سَبْعٌ يَصِيدُ بِسِنِّهِ لَعَلَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ تَعْدَادَ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ أَيْضًا كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَكَذَا حَشَرَاتُ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ فَإِنْ قِيلَ لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَعْرِضُ بَيَانٍ وَمَوْضِعُ تَعْدَادٍ قَالُوا كُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْحَصْرَ قُلْنَا لَا يُعْمَلُ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ فِي الْأَدِلَّةِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]- الْآيَةَ فَمَا لَا يُذْكَرُ فِي الْآيَةِ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا وَذُو النَّابِ وَالْمِخْلَبِ لَا يُذْكَرَانِ فِيهَا وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ لَكِنْ يُرَدُّ مِنْ طَرَفِ مَالِكٍ مُوجِبُ الْآيَةِ الْحَصْرَ عَلَى الْمَذْكُورِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِجَائِزٍ لِأَنَّهُ نُسِخَ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ لَا يُفِيدُ الْحَرَامَ الْقَطْعِيَّ بَلْ مَا أَفَادَهُ ظَنِّيٌّ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْكَرَاهَةِ لَعَلَّك لَا تَجِدُ مُخَلِّصًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِادِّعَاءِ شُهْرَةِ الْحَدِيثِ وَلَوْ مَعْنًى وَقَدْ قَالُوا الزِّيَادَةُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ إذْ يُمْكِنُ شُهْرَتُهُ إذْ فِي الزَّيْلَعِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ وَابْنِ دَاوُد وَجَمَاعَةٍ أُخَرَ. وَعَنْ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَيْضًا وَغَيْرِهِمْ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ رِوَايَةُ النَّهْيِ عَنْ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ. لَكِنْ دَعْوَى الشُّهْرَةِ أَيْضًا فِي مِثْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيّ وَالْبَغْلِ وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ وَنَحْوِهَا بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُدَّعَى الْقِيَاسُ فِي بَعْضِهَا وَدَلَالَةُ النَّصِّ فِي بَعْضِهَا

стр. 68

«وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ» أَيْ ذِمِّيٍّ إذْ سَبَقَ مَعَهُ عَهْدُ عِصْمَةِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَاللُّقَطَةُ مَالٌ أُخِذَ مِنْ الْأَرْضِ لِلرَّدِّ إلَى صَاحِبِهِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَبِعُمُومِ هَذِهِ الْعِلَّةِ يَدْخُلُ فِيهِ مَالُ الْمُسْتَأْمَنِ وَالتَّقْيِيدِ بِالذِّمَّةِ مَعَ إنَّ الْمُسْلِمَ كَذَلِكَ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهِ أَوْ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مَظَانُّ إبَاحَةِ مَالِهِ أَوْ لَأَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً ثُمَّ حُكْمُ أَخْذِ اللُّقَطَةِ الْوُجُوبُ إنْ خِيفَ الضَّيَاعُ وَإِلَّا فَمُسْتَحَبٌّ وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ بِالطَّمَعِ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهَا وَحُكْمُ الرَّدِّ إلَى صَاحِبِهَا الْوُجُوبُ أَيْضًا إنْ أُقِيمَ بُرْهَانٌ وَإِنْ ذَكَرَ عَلَامَةً فَقَطْ فَيَجُوزُ بِلَا وُجُوبٍ وَحُكْمُ حِفْظِهَا حُكْمُ أَمَانَةٍ فَلَا يُضْمَنُ بِلَا تَعَدٍّ إنْ أَشْهَدَ. «إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا» أَيْ اللُّقَطَةِ «صَاحِبُهَا» لِحَقَارَتِهَا كَتَمْرَةٍ وَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَهَا أَبَاحَ لِكُلِّ مَنْ أَخَذَهَا فَيَحِلُّ «وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ» أَيْ صَارَ ضَيْفًا عِنْدَهُمْ «فَعَلَيْهِمْ» بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ إنْ مُضْطَرًّا وَإِلَّا فَنُدِبَ «أَنْ يَقْرُوهُ» يُضَيِّفُوهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ قَرَيْت الضَّيْفَ إذَا أَحْسَنْته فَإِنْ لَمْ يُحْسِنُوهُ فَلَهُ أَخْذٌ قَدْرِهِ الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا مِنْ الضِّيَافَةِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُصْرَفُ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ يُشْبِعُهُ لَيْلَتَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ فَالضَّيْفُ يَسْتَحِقُّ لِذَاتِهِ فَالْمَنْعُ ظُلْمٌ لِعَدَمِ إعْطَاءِ حَقِّهِ لَكِنْ يُعْطَى بَدَلُهُ بَعْدَهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَا يَضْمَنُ إذْ هُوَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبِالْجُمْلَةِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الضَّرُورَةِ وَقِيلَ مُخْتَصٌّ بِأَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَنُسِخَ «وَلَهُ» أَيْ يَجُوزُ لَهُ «أَنْ يُعْقِبَهُمْ» بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَالْعُقْبَى جَزَاءُ الْأَمْرِ فَالْمَعْنَى أَنْ يُجَازِيَهُمْ عَلَى مَنْعِهِمْ حَقَّهُ. «بِمِثْلِ قِرَاهُ» أَيْ يَأْخُذُ مِثْلَ ضِيَافَتِهِ عَلَى قَدْرِ اضْطِرَارِهِ وَقِيلَ مُخْتَصٌّ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِفَقْرِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ كَمَا عَرَفْت وَلَوْ لَمْ أَكُنْ رَأَيْت عَامَّةَ شُرَّاحِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا النَّهْجِ لَقُلْت فِي شَرْحِهِ وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا كَمَا مَرَّ أَنْ يَقْرُوهُ بِالضِّيَافَةِ وَسَائِرِ مَحَاوِيجِ الضَّيْفِ وَلَهُ أَيْ لِلضَّيْفِ يَجِبُ أَوْ يَنْدُبُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ أَيْ يُكَافِئَهُمْ وَيُقَابِلَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ أَيْ ضِيَافَتِهِ وَإِكْرَامِهِ عَلَى وَفْقِ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]-. (دت) أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا أُلْفِيَنَّ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ

стр. 69

وَكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ لَا أَجِدَنَّ «أَحَدَكُمْ» مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِأَجِد «مُتَّكِئًا» أَيْ مُعْتَمِدًا مَفْعُولُهُ الثَّانِي «عَلَى أَرِيكَتِهِ» سَرِيرِهِ «يَأْتِيهِ» جُمَلٌ حَالِيَّةٌ مِنْ الْفَاعِلِ أَيْ يَصِلُ إلَيْهِ «أَمْرِي» أَيْ شَأْنِي «مِمَّا أَمَرْت بِهِ أَوْ نَهَيْت عَنْهُ» صِيغَتَا مَعْلُومٌ أَوْ مَجْهُولٌ عَلَى طَرِيقِ الْخِلَافَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ لَا بَيَانٌ لِأَمْرِي «فَيَقُولَ» مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ فِي جَوَابِ النَّهْيِ أَوْ النَّفْيِ. «لَا أَدْرِي» أَيْ أَمْرَ الرَّسُولِ يَعْنِي لَا أَعْرِفُ أَمْرَ الرَّسُولِ الَّذِي لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّه تَعَالَى مُرِيدًا قَصْرَ الْعَمَلِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ «وَمَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَا» . إذْ مَعْنَاهُ مَا الْتَزَمْنَا تَبَعِيَّتَهُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ لَا غَيْرُ كَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَحَاصِلُ الْحَدِيثِ لَا تَقْصُرُوا الْمُتَابَعَةَ عَلَى الْكِتَابِ بَلْ أَجْمَعُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُنَّتِي وَفِيهِ أَمْرٌ أَكِيدٌ بِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى إذَا وَصَلَ إلَيْكُمْ أَمْرِي أَوْ نَهْيِي وَلَمْ يُوجَدْ فِي صَرِيحِ كِتَابِ اللَّهِ فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَقُولُوا لَا نَتَّبِعُ لِأَنَّ مَا لَزِمَنَا تَبَعِيَّتُهُ إنَّمَا هُوَ مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَالِاسْتِشْهَادُ مِنْ لُزُومِ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ حَاصِلٌ بِمَا ذُكِرَ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]- قُلْت هَذَا عَلَى وَفْقِ مَا عَدُّوا السُّنَّةَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مُقَابِلًا لِلْكِتَابِ وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْكِتَابِ وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ جَوَازَ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ عِنْدَنَا فَتَأَمَّلْ (د) . (عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁) وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ يُكَنَّى أَبَا نَجِيحٍ سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ «قَامَ فِينَا» خَطِيبًا «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ» فِي خُطْبَتِهِ «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ» حَالَ كَوْنِهِ «مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ» تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِيَحْسَب بِمُرَادِفِهِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلَ كُلٍّ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُعْتَبَرُ الْقُيُودُ وَالْمُتَعَلِّقَاتُ بَعْدَ تَمَامِ أَصْلِ الْجُمْلَةِ بِنَفْسِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ أَوْ يُعْتَبَرُ قَيْدُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ وَإِلَّا فَلَا تَتَّحِدُ الْجُمْلَتَانِ فَلَا يَظْهَرُ صِحَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَأَمَّلْ. «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا» وَكَذَا لَمْ يُحِلَّ اكْتَفَى بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا أَوْ عَلَى طَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ أَوْ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَاكْتَفَى بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ لَكِنْ ذَكَرَ عَدَمَ الْحِلِّ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ إلَخْ فَكَأَنَّهُ كَانَ كَالِاحْتِبَاكِ. «إلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ» حَاصِلُهُ لَا تَظُنُّوا انْحِصَارَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْصُلُ مِنْ سُنَّتِي مُمَاثِلًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ بَلْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ. «أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَمَرْت وَوَعَظْت وَنَهَيْت» عَلَى صِيَغِ الْمَعْلُومِ «عَنْ أَشْيَاءَ» قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ سُكُوتًا فَهَذَا تَعْلِيلٌ أَوْ بَيَانٌ لِمَضْمُونِ السَّابِقِ مِنْ عَدَمِ انْحِصَارِ الْأَحْكَامِ بِالْقُرْآنِ وَمَا يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَوْ الْمُبَيِّنَ نَفْيُ انْحِصَارِ الْحُرْمَةِ بِالْقُرْآنِ وَصَرِيحِ الْعِلَّةِ أَوْ الْبَيَانِ لَيْسَ عَلَى وَفْقِهِ بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ أَمَرْت وَوَعَظْت إذْ الْحُرْمَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ النَّهْيِ فَالدَّلِيلُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ مُسْتَدْرَكَةٍ وَالْبَيَانُ لَيْسَ عَنْ الْمُبَيَّنِ فَمَدْفُوعٌ بِمَا أُشِيرَ آنِفًا إذْ الْمَطْلُوبُ عَامٌّ لِلْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ بَلْ قَرِينَةٌ لِلْعُمُومِ فَيَخْرُجُ لَك تَأْيِيدٌ لِمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ. وَأَمَّا الْوَعْظُ أَيْ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَالتَّبْشِيرُ وَالْإِنْذَارُ فَإِنَّمَا هُوَ لِتَرْوِيجِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ «أَنَّهَا» أَيْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا أَمْرِي وَنَهْيِي وَوَعْظِي

стр. 70

الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ «مِثْلُ الْقُرْآنِ» فِي الْكَمِّ وَالْعَدَدِ أَوْ فِي الْقُوَّةِ لَكِنْ لَا يَحْسُنُ مَعَ قَوْلِهِ «أَوْ أَكْثَرَ» إلَّا أَنْ تُؤَوَّلَ كَثْرَةُ الْقُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلْمِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ الْخَفَاءُ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ أَكْثَرُ وَالْوُضُوحُ فِي دَلَالَةِ السُّنَّةِ أَكْثَرُ. وَأَمَّا مَا قِيلَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقُرْآنِ فِي صِفَةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فَإِنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ فَنُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ الْقُرْآنُ كُلُّهُ ثَابِتٌ تَوَاتُرًا وَالْحَدِيثُ يَعِزُّ فِيهِ التَّوَاتُرُ اللَّفْظِيُّ أَوْ يَنْعَدِمُ عَلَى أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنْ أُوجِدَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ لَكِنْ لَا يُفِيدُ إذْ الْكَلَامُ فِي ذَاتِ الْحَدِيثِ لَا فِي سَنَدِهِ وَطَرِيقِهِ وَإِنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ قَدْ عَرَفْت فِيمَا مَرَّ وَفِي مَحَلِّهِ أَنَّ السُّنَّةَ تَكُونُ نَاسِخَةً لِلْقُرْآنِ نَعَمْ يُرَجَّحُ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا لَكِنْ هُوَ كَلَامٌ آخَرُ لَا يَضُرُّ الْمَقْصُودُ هُنَا وَبِمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ أَمْكَنَ لَك أَنْ تَقُولَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقُوَّةِ وَالْأَكْثَرِيَّةُ فِي الْعَدَدِ فَإِنْ قِيلَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِ حَدِيثِ «فَإِذَا رُوِيَ عَنِّي حَدِيثٌ فَأَعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ وَمَا خَالَفَ فَرُدُّوهُ» . وَحَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ «إنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا آتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ عَنِّي» . وَحَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدِي رُوَاةٌ يَرْوُونَ عَنِّي الْحَدِيثَ فَأَعْرِضُوا حَدِيثَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ فَمَا وَافَقَ الْقُرْآنَ فَحَدِّثُوهُ وَمَا لَمْ يُوَافِقْ الْقُرْآنَ فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ» قُلْت قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ أَنَّ مِثْلَهَا مَحْمُولٌ عَلَى حَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي نَعْرِفُ بِهَا كَوْنَ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا مُخَالَفَتُهُ لِصَرِيحِ الْقُرْآنِ. وَلِهَذَا كَانَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ قَطْعِيًّا كَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ وَالْحَدِيثُ ظَنِّيًّا ثُبُوتًا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ دَلَالَةً كَالْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ بِاعْتِبَارِ الْخَفَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأُصُولِيَّةِ وَنَحْوِهَا وَبَقِيَ أَنَّهُ قِيلَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِابْنِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ لِأَنَّ عِلْمَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُكَاشَفَاتِهِ كَانَ يَزِيدُ لَحْظَةً فَلَمَّا رَأَى زِيَادَةَ عِلْمِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنَّهَا مِثْلُ الْقُرْآنِ قَالَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ أَيْ بَلْ أَكْثَرَ أَقُولُ هَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْحُكْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ لَا عَنْ عِلْمٍ فَلَا يُنَاسِبُ مَنْصِبَهُ الْعَالِيَ نَعَمْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهُ ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]- ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]- فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ ثُمَّ التَّحْقِيقُ فِي الْأَحَادِيثِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْقُرْآنِ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَبِحَسَبِ نَظَرِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّحْقِيقِ فَهِيَ مُفَسِّرَاتٌ لِخَفَاءِ الْقُرْآنِ، وَاطِّلَاعُهَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ وَأَمَّا الْغَيْرُ وَإِنْ وَلِيًّا صَاحِبَ كَشْفٍ أَوْ عَالِمًا صَاحِبَ اجْتِهَادٍ فَلَا يَصِلُ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ كَمَا أُشِيرَ سَابِقًا «وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى» بِالْكَسْرِ «لَمْ يُحِلَّ» مِنْ الْإِحْلَالِ «لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ» مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَكَذَا غَيْرُهُمَا كَالْمُشْرِكِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ لِاشْتِرَاكِ الْعِلَّةِ الْمُشَارَةِ فِي قَوْلِهِ إذَا أَعْطَوْكُمْ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مُطْلَقُ الذِّمِّيِّ بِعُمُومِ الْمَجَازِ بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ «إلَّا بِإِذْنٍ» . قِيلَ عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ «وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ» أَيْ بِلَا إذْنٍ أَيْضًا لَعَلَّهُ تَرَكَهُ لِانْفِهَامِهِ مِنْ الْقَيْدِ السَّابِقِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إيذَاءٌ بِهِمْ وَإِيذَاؤُهُمْ لِقَبُولِ الْجِزْيَةِ كَإِيذَاءِ الْمُسْلِمِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِذِمِّيٍّ يَا كَافِرُ يَأْثَمُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَيَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ كَمَا فِي الْفَتَاوَى فَأَمْكَنَ لَك أَنْ تُرِيدَ بِهَا النَّهْيَ عَنْ مُطْلَقِ مَا يُؤْذِيهِمْ إذْ قَدْ يَنْتَقِلُ مِنْ عُمُومِ الْعِلَّةِ إلَى عُمُومِ الْحُكْمِ وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَّا لِاقْتِضَاءِ حَادِثَةٍ خَاصَّةٍ فِي وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ لِابْتِلَاءِ الْخَلْقِ فِي زَمَانِهِ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ أُمِرْنَا فِي الشَّرْعِ بِأُمُورٍ مَعَهُمْ يَلْزَمُ فِيهَا الْأَذَى بِهِمْ كَعَدَمِ إرْكَابِهِمْ دَابَّةً إلَّا حِمَارَ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِ إلْبَاسِ الْعَمَائِمِ وَالْإِنْزَالِ فِي الْمَجَامِعِ وَالتَّضْيِيقِ فِي الْمُرُورِ وَنَحْوِهَا الْمُفَصَّلَةِ فِي الْفِقْهِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِهَانَةِ وَالْخُصُومَةِ قُلْت لَعَلَّ مِثْلَ هَذَا ثَابِتٌ بِأَدِلَّةٍ خِلَافَ الْقِيَاسِ أَوْ أَنَّ ثُبُوتَ الْأَذَى الشَّرْعِيِّ

стр. 71

فِي جِنْسِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ «إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ» مِنْ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ فَإِنَّهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ فِي حُرْمَةِ دِمَائِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ رَاجِعٌ إلَى مَجْمُوعِ الثَّلَاثَةِ وَمَا قِيلَ فِي الْأُصُولِيَّةِ مِنْ أَنَّ نَحْوَ الِاسْتِثْنَاءِ وَكَذَا الشَّرْطُ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَيْسَ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ بَلْ فِي الظُّهُورِ. قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ وَإِلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظُّهُورِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ إلَى التَّفْصِيلِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْأَخِيرَةِ. وَأَمَّا إذَا أَبَوْا عَنْهَا فَلَا تُنْقَضُ ذِمَّتُهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتُؤْخَذُ جَبْرًا وَأَمَّا لَوْ أَبَوْا عَنْ قَبُولِهَا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ كَمَا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا فَتَجْرِي فِيهِمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَا قِيلَ أَنَّهُ إذَا أَبَوْا بَطَلَتْ ذِمَّتُهُمْ فِي قَوْلٍ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ (م عَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَسِنُّهُ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَا رَوَى عَنْ الْحَدِيثِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَطَبَ» فِي الْجَمْعِيَّةِ جُمُعَةً أَوْ عِيدًا أَوْ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْوَقَائِعِ مُطْلَقًا. وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِيَّةِ " إنَّ " كَانَ إذَا أُطْلِقَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِلدَّوَامِ أَوْ الْكَثْرَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِ الْعُرْفُ فَإِنَّ أَصْلَهَا أَنْ تَصْدُقَ وَلَوْ عَلَى مَرَّةٍ أَقُولُ الْأَصْلُ فِي " كَانَ " هُوَ الِاسْتِمْرَارُ سِيَّمَا إذَا قُرِنَ بِقَرِينَةِ الِاسْتِمْرَارِ كَلَفْظِ إذَا فِي إذَا خَطَبَ سِيَّمَا فِي الْخَطَابِيَّةِ كَمَا فِي كُتُبِ الْمَعَانِي وَلِهَذَا قَدْ يُقَالُ أَنَّ إذَا سُوِّرَ لِلْكُلِّيَّةِ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ إنَّ إذَا قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَالْمُسْتَقْبِلَةِ نَحْوُ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤]- وَبِالْجُمْلَةِ الْمُتَبَادَرُ فِي أَمْثَالِهِ هُوَ الْكُلِّيَّةُ أَوْ الْأَكْثَرُ «احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ» الظَّاهِرُ حُدُوثُ الِاحْمِرَارِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْوَقْتِ لَا احْمِرَارُهُمَا الْأَصْلِيُّ الَّذِي هُوَ غَلَبَةُ الِاحْمِرَارِ عَلَى بَيَاضِ عَيْنَيْهِ كَمَا تُوُهِّمَ وَذَا لِكَمَالِ شَجَاعَتِهِ فِي تَبْلِيغِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى. «وَعَلَا صَوْتُهُ» لِتَنْفِيذِ دَعْوَتِهِ إلَى الْجَوَانِبِ «وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ» لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَالَفَ زَوَاجِرَهُ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ عِيَاضٍ هَذَا شَأْنُ الْمُنْذِرِ الْمَخُوفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِنَهْيٍ خُولِفَ فِيهِ شَرْعُهُ «كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ» مُخَوِّفُهُمْ أَيْ كَمَنْ يُنْذِرُ قَوْمًا مِنْ جَيْشٍ عَظِيمٍ قَصَدُوا الْإِغَارَةَ عَلَيْهِمْ «يَقُولُ» حَالَ كَوْنِهِ يَقُولُ أَوْ صِفَةُ مُنْذِرٍ «صَبَّحَكُمْ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَدْرَكَكُمْ الْعَدُوُّ فِي الصُّبْحِ «وَمَسَّاكُمْ» أَتَاكُمْ وَقْتَ الْمَسَاءِ. فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ شَبَّهَ فِي خُطْبَتِهِ وَإِنْذَارِهِ بِقُرْبِ الْقِيَامَةِ وَتَهَالُكِ النَّاسِ بِحَالِ مَنْ يُنْذِرُ قَوْمَهُ عِنْدَ غَفْلَتِهِمْ بِجَيْشٍ قَرِيبٍ يَقْصِدُ الْإِحَاطَةَ بِهِمْ بَغْتَةً بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَكَمَا أَنَّ الْمُنْذِرَ مِنْ كَمَالِ غَيْرَتِهِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَى تَغَافُلِهِمْ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْخَطِيبِ فِي أَمْرِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَحْمَرَّ عَيْنُهُ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَيُحَرِّكَ كَلَامَهُ وَعَنْ النَّوَوِيِّ وَلَعَلَّ اشْتِدَادَ غَضَبِهِ كَانَ عِنْدَ إنْذَارِهِ أَمْرًا عَظِيمًا وَعَنْ الْمَطَامِحِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إغْلَاظِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَالْوَاعِظِ عَلَى الْمُسْتَمِعِ وَشِدَّةِ التَّخْوِيفِ أَقُولُ هَذَا عِنْدَ أَمَارَةِ الرَّدِّ وَشِدَّةِ الْإِصْرَارِ أَوْ لِبَيَانِ مُطْلَقِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَالرِّفْقُ وَاللِّينُ شَرْطٌ «وَيَقُولُ بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَةُ» أَيْ الْقِيَامَةُ «كَهَاتَيْنِ» فِي شِدَّةِ الْقُرْبِ وَبَيْنَ الرَّاوِي الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ بِقَوْلِهِ. «وَيَقْرُنُ» أَيْ يَجْمَعُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيُفَرَّقُ مِنْ التَّفْرِيقِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْوَاوِ وَاَلَّذِي لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ أَنَا وَالسَّاعَةُ وَلِلثَّانِي أَيْضًا وَجْهٌ وَالْمُعْتَمَدُ فِي مِثْلِهِ عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ لَا مَسَاغَ لِلدِّرَايَةِ فِيهِ «بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى بَقَاءِ شَرِيعَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِلَى عَدَمِ تَخَلُّلِ شَرِيعَةٍ أُخْرَى لِعَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَنَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ

стр. 72

مِقْدَارُ فَضْلِ الْوُسْطَى عَلَى السَّبَّابَةِ. أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ إلَيْهِ إشَارَةٌ وَتَنْبِيهٌ بِالْمُرَادِ «وَيَقُولُ» فِي الْخُطْبَةِ «أَمَّا بَعْدُ» قَدْ عَرَفْت فِي الدِّيبَاجَةِ أَنَّهُ فَصْلُ خِطَابٍ يُؤْتَى بِهِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى أُسْلُوبٍ آخَرَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ مَقْصُودٌ فِي الْكَلَامِ وَمَا قَبْلَهُ كَتَمْهِيدٍ لِمَا بَعْدَهُ. «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ» أَيْ كُلِّ حَدِيثٍ وَكَلَامٍ مِمَّا يُتَحَدَّثُ بِهِ «كِتَابُ اللَّهِ» الْقُرْآنُ وَقَدْ عَرَفْت وَجْهَ خَيْرِيَّتِهِ نَظْمًا وَمَعْنًى ( «وَخَيْرَ الْهَدْيِ» بِفَتْحِ الْهَاءِ جَمْعُ هَدِيَّةٍ بِمَعْنَى سِيرَةِ كَالْخَلْقِ «هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ) الْمُرَادُ مِنْ سِيرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ سُنَّتُهُ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَقِيلَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْهُدَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الدَّالِ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدَّلَالَةِ إلَى الْخَيْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي خَيْرِيَّةَ هِدَايَةِ الْحَدِيثِ مِنْ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ تَأَمَّلْ. «وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا إشَارَةٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى إذْنِهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَوْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بَلْ بَعْدَ التَّابِعِينَ فَهَذَا كَعَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ شَرَّ الْأُمُورِ فَمَا وُجِدَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا أَوْ قَوْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ سُكُوتًا فَخَيْرُهَا «وَكُلَّ مُحْدَثٍ» أَيْ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فُهِمَ آنِفًا «بِدْعَةٌ» قَبِيحَةٌ عَلَى خِلَافِ الْمِلَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ «وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» خِلَافُ طَرِيقِ السُّنَّةِ. وَبِمَا حُرِّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بِنَحْوِ تَدْوِينِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَآلَاتِهَا وَبِنَاءِ الْمَنَارَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ مُرَخَّصَةٌ وَمَأْذُونَةٌ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ كَمَا يُفَصَّلُ فِي مَحَلِّهِ (تَنْبِيهٌ) : نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْقَيِّمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمِنْبَرِ وَالْبَعِيرِ وَلَا يَفْتَتِحُ إلَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَفْتَتِحُ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَكَثِيرًا مَا يَخْطُبُ بِالْقُرْآنِ وَيَخْطُبُ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ الْعَارِضَةُ أَطْوَلَ مِنْ الرَّاتِبَةِ. (خ) يَعْنِي خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نِسْبَةً إلَى بُخَارَى بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وُلِدَ فِيهَا وَصَارَ كَالْعَلَمِ لَهُ وَلِكِتَابِهِ وَيُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ وَإِتْقَانِهِ وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ وَدِقَّةِ نَظَرِهِ وَوُفُورِ فِقْهِهِ وَكَمَالِ زُهْدِهِ وَغَايَةِ وَرَعِهِ وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ كَانَ فِي حِفْظِهِ مِائَةُ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ غَيْرُ صَحِيحٍ مِمَّا يُطْلِقُ السَّلَفُ عَلَيْهِ حَدِيثًا وَفِي صِبَاهُ كَانَ فِي حِفْظِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ وَبِنَظَرٍ وَاحِدٍ يَحْفَظُ مَا فِي الْكِتَابِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ قَدَرْت أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْت قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيِّ كُنْت بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ يَا أَبَا زَيْدٍ إلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي قُلْت وَمَا كِتَابُك قَالَ جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَنَّهُ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَلَمَّا بَلَغَ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ غَلَطًا وَفِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٌ وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ارْتَحَلَ لِلْحَدِيثِ إلَى الشَّامِ وَمِصْرَ مَرَّتَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ بِلَا إحْصَاءٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ مَا وَضَعْت فِي صَحِيحِي حَدِيثًا إلَّا بَعْدَ غُسْلٍ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَصَنَّفْته فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَعَلْته حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ

стр. 73

تَعَالَى وَصَنَّفْته فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا أَدْخَلْت فِيهِ حَدِيثًا إلَّا بِاسْتِخَارَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ فَيَتَيَقَّنُ صِحَّتَهُ. وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إلَّا فُرِجَتْ وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ وَأَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ وَيُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ قِيلَ وَهُوَ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْبُخَارِيَّ لِمُهِمَّاتٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً وَقَضَى حَاجَاتِهِ وَعَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ دَائِمُ التَّصَدُّقِ لِلْفُقَرَاءِ وَالطَّلَبَةِ وَهُوَ نَفْسُهُ يَقْنَعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَقِيلَ لَمْ يَأْكُلْ الْإِدَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قِيلَ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْأَمِيرُ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ وَيُحَدِّثَهُمْ فِي قَصْرِهِ فَامْتَنَعَ وَقَالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهُ إنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ وَلَا أَحْمِلُهُ إلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْنِي فِي مَسْجِدِي وَقَالَ الْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي فَرَاسِلْهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ وَلَا يَحْضُرُ غَيْرُهُمْ فَامْتَنَعَ أَيْضًا وَقَالَ لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَنُفِيَ عَنْ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَرِنِي مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ إلَّا أَرْكَبُوا الْأَمِيرَ عَلَى الْحِمَار فَنُودِيَ عَلَيْهِ وَحُبِسَ إلَى أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِسَمَرْقَنْدَ بِلَا وَلَدٍ ذُكِرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَمَّا وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ وَكَانَ يَتَوَارَدُ النَّاسُ مُدَّةً لِأَخْذِ تُرَابِهِ الْكُلُّ مُلَخَّصٌ مِنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أُمَّتِي» ظَاهِرُ الْإِضَافَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الِاسْتِشْرَافِ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ الِاسْتِشْهَادُ لِلِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ جَانِبَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ بِشَهَادَةِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا حِينَئِذٍ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ حِينَئِذٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ لِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا أَيْضًا. «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ مُطْلَقًا فَافْهَمْ «إلَّا مَنْ أَبَى» امْتَنَعَ عَنْ الْجَنَّةِ إمَّا بِتَرْكِ الطَّاعَةِ أَوْ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الِامْتِنَاعُ عَنْ الدُّخُولِ الْأَوَّلِيِّ وَعَلَى الثَّانِي هُوَ الْمُطْلَقُ أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ زِيَادَةُ تَغْلِيظٍ وَزَجْرٍ عَنْ الْمَعَاصِي لِإِيهَامِ ظَاهِرِ الصِّيغَةِ حِرْمَانَ صَاحِبِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْجَنَّةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِي لَفْظِ الْإِبَاءِ ذِكْرٌ لِمُسَبِّبٍ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ إذْ الْإِبَاءُ مُسَبَّبٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِبَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ هُوَ الِارْتِدَادُ عَلَى أَنْ يُرَادَ مَنْ أَطَاعَنِي دَامَ فِي الْإِيمَانِ بِي «قِيلَ» تَعَجُّبًا مَنْ هَذَا الْآبِي «وَمَنْ أَبَى» عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ يَعْنِي نَعْرِفُ مَنْ يَدْخُلُ وَمَنْ أَبَى مِنْهَا. «قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي» بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ «دَخَلَ الْجَنَّةَ» مَعَ السَّابِقِينَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ مُطْلَقًا «وَمَنْ عَصَانِي» بِعَدَمِ التَّصْدِيقِ أَوْ بِارْتِكَابِ الْمُنْكَرِ «فَقَدْ أَبَى» عَنْ الدُّخُولِ الْأَوَّلِيِّ أَوْ الْمُطْلَقِ عَلَى حَسَبِ إرَادَةِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ أَوْ الدَّعْوَةِ. قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ وَحَقُّ الْجَوَابِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى فَعَدَلَ إلَى مَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى أَنَّهُمْ مَا عَرَفُوا ذَاكَ وَلَا هَذَا إذْ التَّقْدِيرُ مَنْ أَطَاعَنِي وَتَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَزَالَ عَنْ الصَّوَابِ وَضَلَّ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ دَخَلَ النَّارَ فَوَضَعَ أَبَى مَوْضِعَهُ وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيّ أَنَّ الْعُدُولَ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَقُولُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ فِي الْجَوَابِ إشَارَةً إلَى أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِ السَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مَجْمُوعِهِمَا لَا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ السَّائِلِ الْأُمَّةَ الدَّاخِلَةَ فِي الْجَنَّةِ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ سَبَبَ الدُّخُولِ فَأَجَابَ أَنَّ سَبَبَهُ هُوَ طَاعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْكِتَابَ أَيْ الْقُرْآنَ كَافٍ فِي الدُّخُولِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى السُّنَّةِ فَأَجَابَ بِمَا تَرَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ إنَّمَا يَتِمُّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي الْجَوَابِ مِنْ إطَاعَةِ الرَّسُولِ حَاصِلُ التَّقْرِيرِ مَثَلًا الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ إطَاعَةً لِلرَّسُولِ وَإِطَاعَةُ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ وَلَوْ عَادِيَّةً لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا فَوَاجِبٌ

стр. 74

وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ الْمَرْمُوزُ لَهُ بِقَوْلِهِ (حك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) هُوَ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ الْخُدْرِيِّ كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ الْعُلَمَاءِ الْفُضَلَاءِ وَأَوَّلِ مُشَاهَدِهِ الْخَنْدَقِ وَغَزَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَرَوَى أَلْفًا وَمِائَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا» . قِيلَ الطَّيِّبُ هُوَ الْحَلَالُ وَقِيلَ أَخَصُّ مِنْهُ إذْ الْحَلَالُ يَصْدُقُ عَلَى مَا فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ دُونَ الطَّيِّبِ وَمَثَّلَ بِأَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي أَخَّرَ فِيهِ الصَّلَاةَ أَوْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ أَوْ الزَّرْعَ الَّذِي حَمَلَ الْبَقَرُ فِيهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَكَذَا مُطْلَقُ تَحْمِيلِ الدَّابَّةِ أَوْ الدَّيْنِ الَّذِي أَخَّرَ أَدَاءَهُ عَنْ وَقْتِهِ سِيَّمَا بَعْدَ طَلَبِ دَائِنِهِ حَلَالٌ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. «عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَوْسٍ أَنَّهَا بَعَثَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ فَرَدَّ عَلَيْهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَنَّى لَك هَذَا قَالَتْ مِنْ شَاةٍ لِي قَالَ أَنَّى لَك الشَّاةُ قَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْ مَالِي فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ ﷺ أُمِرَتْ الرُّسُلُ أَنْ لَا تَأْكُلَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَعْمَلَ إلَّا صَالِحًا» . «وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ» أَيْ جَعَلَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ ظَرْفًا مُسْتَوْعَبًا لِعَمَلِهِ فَلَا يَخْرُجُ دَقِيقَةٌ مِنْ عَمَلِهِ عَنْ السُّنَّةِ بِلَا ابْتِدَاعٍ قَالَ الْمُنَاوِيُّ نَكَّرَهَا أَيْ السُّنَّةَ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ «وَأَمِنَ النَّاسُ» أَيْ كُلُّ النَّاسِ وَلَوْ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا لَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَنْ يَلْزَمُ أَذَاهُ لِانْزِجَارِ مَعَاصِيهِ وَإِجْرَاءِ لَوَازِمِ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ «بَوَائِقَهُ» مَفْعُولُ أَمِنَ جَمْعُ بَائِقَةٍ بِمَعْنَى الدَّاهِيَةِ الْمُرَادُ الشُّرُورُ كَالظُّلْمِ وَالْإِيذَاءِ وَالْغِشِّ. وَعَنْ الطِّيبِيِّ تَنْكِيرُ سُنَّةٍ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ بِحَسَبِ إفْرَادِهِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ وَرَدَتْ فِيهِ سُنَّةٌ يَنْبَغِي رِعَايَتُهَا حَتَّى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ بَحْثٍ أُصُولِيٍّ وَأَيْضًا مَا فِي وَجْهِ دَلَالَةِ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. «دَخَلَ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا عَادِيًّا وَتَفَضُّلِيًّا بِلَا إيجَابٍ بِلَا عَذَابٍ فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ ظَرْفَ جَمِيعِ عَمَلِهِ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ فِي الطَّاعَةِ فَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ إلَى الْجَنَّةِ إذْ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا لَا يَكْتَسِبُ خَطِيئَةً مُبْعِدَةً فَالتَّقْيِيدُ بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَقْتَرِفْ سَيِّئَةً وَلَمْ يَتْرُكْ فَرْضًا إلَّا إنْ تَابَ وَإِلَّا فَهُوَ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ ذُهُولٌ عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَسِرُّهُ نَعَمْ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالسُّنَّةِ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُعَذَّبُ أَوْ يُعْفَى «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا فِي أُمَّتِك الْيَوْمَ كَثِيرٌ» لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ الْقُرُونِ وَلِسُطُوعِ نُورِ النُّبُوَّةِ وَلِعَدَمِ حُدُوثِ الْبِدَعِ. «قَالَ وَسَيَكُونُ فِي قَوْمٍ بَعْدِي» لَمْ يَقُلْ وَكَثِيرٌ مِنْ بَعْدِي لِقِلَّتِهِمْ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» وَأَيْضًا الظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ فِي قَوْمٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَتَنْكِيرُ قَوْمٍ لِلتَّقْلِيلِ وَقِيلَ لِلتَّعْظِيمِ فَإِنْ قِيلَ الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِاكْتِفَاءِ سِينِ سَيَكُونُ أَوْ قَوْلُهُ بَعْدِي قُلْت لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِشَارَةِ إلَى اسْتِمْرَارِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا يُؤَيِّدُهُ نَصُّ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ إنَّ خِطَابَهُ تَعَالَى بِمِثْلِهِ فِي الْقُرْآنِ عَامٌّ لِلْحَاضِرِينَ وَقْتَ النُّزُولِ وَلِلْغَائِبِينَ الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهُ إمَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّغْلِيبِ قِيلَ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْقَرْنِ الْأَوَّلِ بَلْ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ انْتَهَى. (هق) (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَمَسَّكَ» أَيْ اعْتَصَمَ وَتَحَفَّظَ «بِسُنَّتِي» اعْتِقَادًا وَفِعْلًا وَقَوْلًا لَفْظُ السُّنَّةِ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَشْمَلُ الْهَدْيَ وَالرَّوَاتِبَ وَالزَّائِدَ وَالظَّاهِرُ إضَافَتُهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ إذْ لَا قَرِينَةَ لِلْعَهْدِ وَلَا دَلِيلَ لِلْجِنْسِ فَالْأَجْرُ الْمَوْعُودُ إنَّمَا هُوَ لِإِتْيَانِ الْجَمِيعِ إذْ قَدْرُ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ نَعَمْ قَوْلُهُ «عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي» يُلَائِمُ اخْتِصَاصَهُ بِسُنَّةٍ يُوجِبُ تَرْكُهَا الْفَسَادَ إلَّا إنْ اتَّسَعَ فِي الْفَسَادِ وَيَعُمُّ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْبِدَعِ إلَى ارْتِكَابِ مَكْرُوهٍ وَلَوْ تَنْزِيهًا أَوْ تَرْكِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ

стр. 75

«فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» مَقْتُولٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِعْزَازِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ لِأَنَّ إتْيَانَ السُّنَّةِ حِينَئِذٍ كَالْمُجَاهِدِ الْمُقَاتِلِ فِي الْغُزَاةِ وَالصَّبْرِ عَلَى إتْيَانِ السُّنَّةِ أَشَقُّ مِنْ الصَّبْرِ فِي الْمَعْرَكَةِ إذْ الْبَلِيَّةُ إذَا عَمَّتْ طَابَتْ وَإِذَا خَصَّتْ أَتْعَبَتْ وَشَقَّتْ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ الْأَعْظَمُ وَفِي الْحَدِيثِ إنَّ «خَيْرَ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا وَأَجْرُكُمْ بِقَدْرِ تَعَبِكُمْ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَمْسِكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ اخْتِلَافِ أُمَّتِي كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» . وَقَالَ «حِفْظُ الدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَالْجَمْرِ فِي الْيَدَيْنِ إنْ وَضَعَهُ طَفِئَ وَإِنْ أَمْسَكَهُ احْتَرَقَ» كَمَا حَرَّرَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي خواجه زَادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَعَنْ الْمَوَاهِبِ: وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْمُجَاهَدَةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْمَأْلُوفِ وَفِيهِ قَهْرُ النَّفْسِ وَالْمُحَارَبَةُ لَهَا وَالْجِهَادُ مَعَهَا جِهَادٌ أَكْبَرُ دِيَةُ مَقْتُولِ الْخَلْقِ أَلْفُ دِينَارٍ ... وَدِيَةُ مَقْتُولِ الْحَقِّ رُؤْيَةُ الْغَفَّارِ ثُمَّ أَقُولُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمِائَةِ هُوَ بَيَانُ قَدْرِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ لَا الْحَصْرِ بِهِ بَلْ قَدْ يَزِيدُ وَقَدْ لَا يَبْلُغُ عَلَى حَسَبِ تَمَسُّكِ الْمُتَمَسِّكِ وَحَالِهِ إذْ التَّمَسُّكُ يَقْتَضِي زَمَانًا مُتَمَادِيًا بِتَمَادِي الْعُمْرِ فَرُبَّ نَفْسٍ يَقْتُلُهَا صَاحِبُهَا كَثِيرًا وَرُبَّ نَفْسٍ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ أَقَلُّ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَإِلَّا فَالْمُبْتَدِعُ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ آخِرًا ثُمَّ قَالَ عَنْ الْبِسْطَامِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ هَمَمْت أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ كِفَايَةَ مُؤْنَةِ الطَّعَامِ ثُمَّ قُلْت كَيْفَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَسْأَلَ مَا لَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ ﵊. وَعَنْ الدَّارَانِيِّ رُبَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِي نُكْتَةٌ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ أَيَّامًا فَلَا أَقْبَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَعَنْ الْجُنَيْدِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - الطُّرُقُ كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ عَنْ الْخَلْقِ إلَّا عَلَى مَنْ اقْتَفَى أَثَرَ الْمُصْطَفَى. وَعَنْ ابْنِ قِوَامٍ اسْتَأْذَنْت شَيْخِي فِي الْمُضِيِّ لِوَالِدِي فَأَذِنَ وَقَالَ سَيَحْدُثُ لَك اللَّيْلَةَ أَمْرٌ عَجِيبٌ فَاثْبُتْ وَلَا تَجْزَعْ فَخَرَجْت فَسَمِعْت صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَإِذَا أَنْوَارٌ مُتَسَلْسِلَةٌ فَالْتَفَتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى أَحْسَسْت بِبَرْدِهَا فَرَجَعْت فَأَخْبَرْت الشَّيْخَ فَقَالَ هَذِهِ سِلْسِلَةُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ صَحَابِيٌّ مَاتَ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الدِّينَ» هُوَ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ بِالذَّاتِ «بَدَأَ» بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْ ابْتَدَأَ أَوْ بَدَا بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ بَدَا الْأَمْرُ بُدُوًّا مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا أَيْ ظَهَرَ وَأَبْدَيْته أَظْهَرْته «غَرِيبًا» مُسْتَغْرَبًا يَسْتَغْرِبُ أَحْكَامَهُ كُلُّ أَحَدٍ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ وَائْتِلَافٍ بِهِ أَوْ هُوَ كَرَجُلٍ غَرِيبٍ لَا أَنِيسَ لَهُ وَلَا صَاحِبَ وَلَا حَافِظَ لَهُ وَلَا حَامِيَ يُوَاسِي أُمُورَهُ وَيَسْعَى فِي مَصَالِحِهِ «وَيَرْجِعُ غَرِيبًا» وَيَعُودُ إلَى الْغُرْبَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَقِلُّ صَاحِبُهُ وَيَكْثُرُ مُخَالِفُهُ وَلَا يُوجَدُ نَاصِرُهُ بَلْ يُهَانُ آتِيهِ وَعَامِلُهُ فَيَصِيرُ كَالْمُسْلِمِ بَيْنَ الْكَافِرِ كَمَا فِي أَوَّلِهِ. «فَطُوبَى» فُعْلَى مِنْ الطِّيبِ قَلَبُوا الْيَاءَ وَاوًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا وَيُفَسَّرُ بِالْجَنَّةِ وَالْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ وَالسَّلَامَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وَالْخَصْلَةِ الْحَسَنَةِ وَغَايَةِ الْأُمْنِيَّةِ وَبِاسْمِ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ «لِلْغُرَبَاءِ» جَمْعُ غَرِيبٍ هُوَ شَخْصٌ مُفَارِقٌ عَنْ وَطَنِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ» ضِدُّ الْإِفْسَادِ «مَا أَفْسَدَهُ النَّاسُ» الْعَوَامُّ الَّذِينَ رَضُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ بِإِيثَارِهِمْ مَا يَفْنَى مِنْ النِّعَمِ الْعَاجِلَةِ عَلَى مَا يَبْقَى مِنْ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ
следующие страницы →