Полный текст (1 189 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فِي جِنْسِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ «إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ» مِنْ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ فَإِنَّهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ فِي حُرْمَةِ دِمَائِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ رَاجِعٌ إلَى مَجْمُوعِ الثَّلَاثَةِ وَمَا قِيلَ فِي الْأُصُولِيَّةِ مِنْ أَنَّ نَحْوَ الِاسْتِثْنَاءِ وَكَذَا الشَّرْطُ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَيْسَ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ بَلْ فِي الظُّهُورِ.
قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ وَإِلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظُّهُورِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ إلَى التَّفْصِيلِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْأَخِيرَةِ.
وَأَمَّا إذَا أَبَوْا عَنْهَا فَلَا تُنْقَضُ ذِمَّتُهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتُؤْخَذُ جَبْرًا وَأَمَّا لَوْ أَبَوْا عَنْ قَبُولِهَا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ كَمَا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا فَتَجْرِي فِيهِمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَا قِيلَ أَنَّهُ إذَا أَبَوْا بَطَلَتْ ذِمَّتُهُمْ فِي قَوْلٍ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ (م عَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَسِنُّهُ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَا رَوَى عَنْ الْحَدِيثِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَطَبَ» فِي الْجَمْعِيَّةِ جُمُعَةً أَوْ عِيدًا أَوْ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْوَقَائِعِ مُطْلَقًا.
وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِيَّةِ " إنَّ " كَانَ إذَا أُطْلِقَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِلدَّوَامِ أَوْ الْكَثْرَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِ الْعُرْفُ فَإِنَّ أَصْلَهَا أَنْ تَصْدُقَ وَلَوْ عَلَى مَرَّةٍ أَقُولُ الْأَصْلُ فِي " كَانَ " هُوَ الِاسْتِمْرَارُ سِيَّمَا إذَا قُرِنَ بِقَرِينَةِ الِاسْتِمْرَارِ كَلَفْظِ إذَا فِي إذَا خَطَبَ سِيَّمَا فِي الْخَطَابِيَّةِ كَمَا فِي كُتُبِ الْمَعَانِي وَلِهَذَا قَدْ يُقَالُ أَنَّ إذَا سُوِّرَ لِلْكُلِّيَّةِ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ إنَّ إذَا قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَالْمُسْتَقْبِلَةِ نَحْوُ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤]- وَبِالْجُمْلَةِ الْمُتَبَادَرُ فِي أَمْثَالِهِ هُوَ الْكُلِّيَّةُ أَوْ الْأَكْثَرُ «احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ» الظَّاهِرُ حُدُوثُ الِاحْمِرَارِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْوَقْتِ لَا احْمِرَارُهُمَا الْأَصْلِيُّ الَّذِي هُوَ غَلَبَةُ الِاحْمِرَارِ عَلَى بَيَاضِ عَيْنَيْهِ كَمَا تُوُهِّمَ وَذَا لِكَمَالِ شَجَاعَتِهِ فِي تَبْلِيغِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
«وَعَلَا صَوْتُهُ» لِتَنْفِيذِ دَعْوَتِهِ إلَى الْجَوَانِبِ «وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ» لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَالَفَ زَوَاجِرَهُ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ عِيَاضٍ هَذَا شَأْنُ الْمُنْذِرِ الْمَخُوفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِنَهْيٍ خُولِفَ فِيهِ شَرْعُهُ «كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ» مُخَوِّفُهُمْ أَيْ كَمَنْ يُنْذِرُ قَوْمًا مِنْ جَيْشٍ عَظِيمٍ قَصَدُوا الْإِغَارَةَ عَلَيْهِمْ «يَقُولُ» حَالَ كَوْنِهِ يَقُولُ أَوْ صِفَةُ مُنْذِرٍ «صَبَّحَكُمْ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَدْرَكَكُمْ الْعَدُوُّ فِي الصُّبْحِ «وَمَسَّاكُمْ» أَتَاكُمْ وَقْتَ الْمَسَاءِ.
فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ شَبَّهَ فِي خُطْبَتِهِ وَإِنْذَارِهِ بِقُرْبِ الْقِيَامَةِ وَتَهَالُكِ النَّاسِ بِحَالِ مَنْ يُنْذِرُ قَوْمَهُ عِنْدَ غَفْلَتِهِمْ بِجَيْشٍ قَرِيبٍ يَقْصِدُ الْإِحَاطَةَ بِهِمْ بَغْتَةً بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَكَمَا أَنَّ الْمُنْذِرَ مِنْ كَمَالِ غَيْرَتِهِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ عَلَى تَغَافُلِهِمْ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْخَطِيبِ فِي أَمْرِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَحْمَرَّ عَيْنُهُ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَيُحَرِّكَ كَلَامَهُ
وَعَنْ النَّوَوِيِّ وَلَعَلَّ اشْتِدَادَ غَضَبِهِ كَانَ عِنْدَ إنْذَارِهِ أَمْرًا عَظِيمًا وَعَنْ الْمَطَامِحِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إغْلَاظِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَالْوَاعِظِ عَلَى الْمُسْتَمِعِ وَشِدَّةِ التَّخْوِيفِ أَقُولُ هَذَا عِنْدَ أَمَارَةِ الرَّدِّ وَشِدَّةِ الْإِصْرَارِ أَوْ لِبَيَانِ مُطْلَقِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَالرِّفْقُ وَاللِّينُ شَرْطٌ «وَيَقُولُ بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَةُ» أَيْ الْقِيَامَةُ «كَهَاتَيْنِ» فِي شِدَّةِ الْقُرْبِ وَبَيْنَ الرَّاوِي الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ بِقَوْلِهِ.
«وَيَقْرُنُ» أَيْ يَجْمَعُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيُفَرَّقُ مِنْ التَّفْرِيقِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْوَاوِ وَاَلَّذِي لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ أَنَا وَالسَّاعَةُ وَلِلثَّانِي أَيْضًا وَجْهٌ وَالْمُعْتَمَدُ فِي مِثْلِهِ عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ لَا مَسَاغَ لِلدِّرَايَةِ فِيهِ «بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى بَقَاءِ شَرِيعَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِلَى عَدَمِ تَخَلُّلِ شَرِيعَةٍ أُخْرَى لِعَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَنَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ
стр. 72
مِقْدَارُ فَضْلِ الْوُسْطَى عَلَى السَّبَّابَةِ.
أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ إلَيْهِ إشَارَةٌ وَتَنْبِيهٌ بِالْمُرَادِ «وَيَقُولُ» فِي الْخُطْبَةِ «أَمَّا بَعْدُ» قَدْ عَرَفْت فِي الدِّيبَاجَةِ أَنَّهُ فَصْلُ خِطَابٍ يُؤْتَى بِهِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى أُسْلُوبٍ آخَرَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ مَقْصُودٌ فِي الْكَلَامِ وَمَا قَبْلَهُ كَتَمْهِيدٍ لِمَا بَعْدَهُ.
«فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ» أَيْ كُلِّ حَدِيثٍ وَكَلَامٍ مِمَّا يُتَحَدَّثُ بِهِ «كِتَابُ اللَّهِ» الْقُرْآنُ وَقَدْ عَرَفْت وَجْهَ خَيْرِيَّتِهِ نَظْمًا وَمَعْنًى ( «وَخَيْرَ الْهَدْيِ» بِفَتْحِ الْهَاءِ جَمْعُ هَدِيَّةٍ بِمَعْنَى سِيرَةِ كَالْخَلْقِ «هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ) الْمُرَادُ مِنْ سِيرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ سُنَّتُهُ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَقِيلَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْهُدَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الدَّالِ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدَّلَالَةِ إلَى الْخَيْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي خَيْرِيَّةَ هِدَايَةِ الْحَدِيثِ مِنْ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ تَأَمَّلْ.
«وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا إشَارَةٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى إذْنِهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَوْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بَلْ بَعْدَ التَّابِعِينَ فَهَذَا كَعَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ شَرَّ الْأُمُورِ فَمَا وُجِدَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا أَوْ قَوْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ سُكُوتًا فَخَيْرُهَا «وَكُلَّ مُحْدَثٍ» أَيْ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فُهِمَ آنِفًا «بِدْعَةٌ» قَبِيحَةٌ عَلَى خِلَافِ الْمِلَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ «وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» خِلَافُ طَرِيقِ السُّنَّةِ.
وَبِمَا حُرِّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بِنَحْوِ تَدْوِينِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَآلَاتِهَا وَبِنَاءِ الْمَنَارَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ مُرَخَّصَةٌ وَمَأْذُونَةٌ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ كَمَا يُفَصَّلُ فِي مَحَلِّهِ
(تَنْبِيهٌ) : نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْقَيِّمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمِنْبَرِ وَالْبَعِيرِ وَلَا يَفْتَتِحُ إلَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَفْتَتِحُ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَكَثِيرًا مَا يَخْطُبُ بِالْقُرْآنِ وَيَخْطُبُ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ الْعَارِضَةُ أَطْوَلَ مِنْ الرَّاتِبَةِ.
(خ) يَعْنِي خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نِسْبَةً إلَى بُخَارَى بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وُلِدَ فِيهَا وَصَارَ كَالْعَلَمِ لَهُ وَلِكِتَابِهِ وَيُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ وَإِتْقَانِهِ وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ وَدِقَّةِ نَظَرِهِ وَوُفُورِ فِقْهِهِ وَكَمَالِ زُهْدِهِ وَغَايَةِ وَرَعِهِ وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ كَانَ فِي حِفْظِهِ مِائَةُ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ غَيْرُ صَحِيحٍ مِمَّا يُطْلِقُ السَّلَفُ عَلَيْهِ حَدِيثًا وَفِي صِبَاهُ كَانَ فِي حِفْظِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ وَبِنَظَرٍ وَاحِدٍ يَحْفَظُ مَا فِي الْكِتَابِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ قَدَرْت أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْت قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيِّ كُنْت بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ يَا أَبَا زَيْدٍ إلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي قُلْت وَمَا كِتَابُك قَالَ جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَنَّهُ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَلَمَّا بَلَغَ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ غَلَطًا وَفِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٌ وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ارْتَحَلَ لِلْحَدِيثِ إلَى الشَّامِ وَمِصْرَ مَرَّتَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ بِلَا إحْصَاءٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ مَا وَضَعْت فِي صَحِيحِي حَدِيثًا إلَّا بَعْدَ غُسْلٍ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَصَنَّفْته فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَعَلْته حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ
стр. 73
تَعَالَى وَصَنَّفْته فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا أَدْخَلْت فِيهِ حَدِيثًا إلَّا بِاسْتِخَارَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ فَيَتَيَقَّنُ صِحَّتَهُ. وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إلَّا فُرِجَتْ وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ وَأَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ وَيُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ قِيلَ وَهُوَ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْبُخَارِيَّ لِمُهِمَّاتٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً وَقَضَى حَاجَاتِهِ وَعَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ دَائِمُ التَّصَدُّقِ لِلْفُقَرَاءِ وَالطَّلَبَةِ وَهُوَ نَفْسُهُ يَقْنَعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَقِيلَ لَمْ يَأْكُلْ الْإِدَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قِيلَ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْأَمِيرُ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ وَيُحَدِّثَهُمْ فِي قَصْرِهِ فَامْتَنَعَ وَقَالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهُ إنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ وَلَا أَحْمِلُهُ إلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْنِي فِي مَسْجِدِي وَقَالَ الْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي فَرَاسِلْهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ وَلَا يَحْضُرُ غَيْرُهُمْ فَامْتَنَعَ أَيْضًا وَقَالَ لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَنُفِيَ عَنْ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَرِنِي مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ إلَّا أَرْكَبُوا الْأَمِيرَ عَلَى الْحِمَار فَنُودِيَ عَلَيْهِ وَحُبِسَ إلَى أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِسَمَرْقَنْدَ بِلَا وَلَدٍ ذُكِرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَمَّا وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ وَكَانَ يَتَوَارَدُ النَّاسُ مُدَّةً لِأَخْذِ تُرَابِهِ الْكُلُّ مُلَخَّصٌ مِنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أُمَّتِي» ظَاهِرُ الْإِضَافَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الِاسْتِشْرَافِ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ الِاسْتِشْهَادُ لِلِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ جَانِبَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ بِشَهَادَةِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا حِينَئِذٍ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ حِينَئِذٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ لِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا أَيْضًا.
«يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ مُطْلَقًا فَافْهَمْ «إلَّا مَنْ أَبَى» امْتَنَعَ عَنْ الْجَنَّةِ إمَّا بِتَرْكِ الطَّاعَةِ أَوْ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الِامْتِنَاعُ عَنْ الدُّخُولِ الْأَوَّلِيِّ وَعَلَى الثَّانِي هُوَ الْمُطْلَقُ أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ زِيَادَةُ تَغْلِيظٍ وَزَجْرٍ عَنْ الْمَعَاصِي لِإِيهَامِ ظَاهِرِ الصِّيغَةِ حِرْمَانَ صَاحِبِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْجَنَّةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِي لَفْظِ الْإِبَاءِ ذِكْرٌ لِمُسَبِّبٍ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ إذْ الْإِبَاءُ مُسَبَّبٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِبَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ هُوَ الِارْتِدَادُ عَلَى أَنْ يُرَادَ مَنْ أَطَاعَنِي دَامَ فِي الْإِيمَانِ بِي «قِيلَ» تَعَجُّبًا مَنْ هَذَا الْآبِي «وَمَنْ أَبَى» عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ يَعْنِي نَعْرِفُ مَنْ يَدْخُلُ وَمَنْ أَبَى مِنْهَا.
«قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي» بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ «دَخَلَ الْجَنَّةَ» مَعَ السَّابِقِينَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ مُطْلَقًا «وَمَنْ عَصَانِي» بِعَدَمِ التَّصْدِيقِ أَوْ بِارْتِكَابِ الْمُنْكَرِ «فَقَدْ أَبَى» عَنْ الدُّخُولِ الْأَوَّلِيِّ أَوْ الْمُطْلَقِ عَلَى حَسَبِ إرَادَةِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ أَوْ الدَّعْوَةِ.
قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ وَحَقُّ الْجَوَابِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى فَعَدَلَ إلَى مَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى أَنَّهُمْ مَا عَرَفُوا ذَاكَ وَلَا هَذَا إذْ التَّقْدِيرُ مَنْ أَطَاعَنِي وَتَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَزَالَ عَنْ الصَّوَابِ وَضَلَّ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ دَخَلَ النَّارَ فَوَضَعَ أَبَى مَوْضِعَهُ وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيّ أَنَّ الْعُدُولَ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَقُولُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ فِي الْجَوَابِ إشَارَةً إلَى أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِ السَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مَجْمُوعِهِمَا لَا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ السَّائِلِ الْأُمَّةَ الدَّاخِلَةَ فِي الْجَنَّةِ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ سَبَبَ الدُّخُولِ فَأَجَابَ أَنَّ سَبَبَهُ هُوَ طَاعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْكِتَابَ أَيْ الْقُرْآنَ كَافٍ فِي الدُّخُولِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى السُّنَّةِ فَأَجَابَ بِمَا تَرَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ إنَّمَا يَتِمُّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي الْجَوَابِ مِنْ إطَاعَةِ الرَّسُولِ حَاصِلُ التَّقْرِيرِ مَثَلًا الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ إطَاعَةً لِلرَّسُولِ وَإِطَاعَةُ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ وَلَوْ عَادِيَّةً لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا فَوَاجِبٌ
стр. 74
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ الْمَرْمُوزُ لَهُ بِقَوْلِهِ (حك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) هُوَ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ الْخُدْرِيِّ كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ الْعُلَمَاءِ الْفُضَلَاءِ وَأَوَّلِ مُشَاهَدِهِ الْخَنْدَقِ وَغَزَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَرَوَى أَلْفًا وَمِائَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا» .
قِيلَ الطَّيِّبُ هُوَ الْحَلَالُ وَقِيلَ أَخَصُّ مِنْهُ إذْ الْحَلَالُ يَصْدُقُ عَلَى مَا فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ دُونَ الطَّيِّبِ وَمَثَّلَ بِأَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي أَخَّرَ فِيهِ الصَّلَاةَ أَوْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ أَوْ الزَّرْعَ الَّذِي حَمَلَ الْبَقَرُ فِيهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَكَذَا مُطْلَقُ تَحْمِيلِ الدَّابَّةِ أَوْ الدَّيْنِ الَّذِي أَخَّرَ أَدَاءَهُ عَنْ وَقْتِهِ سِيَّمَا بَعْدَ طَلَبِ دَائِنِهِ حَلَالٌ لَيْسَ بِطَيِّبٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
«عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَوْسٍ أَنَّهَا بَعَثَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ فَرَدَّ عَلَيْهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَنَّى لَك هَذَا قَالَتْ مِنْ شَاةٍ لِي قَالَ أَنَّى لَك الشَّاةُ قَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْ مَالِي فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ ﷺ أُمِرَتْ الرُّسُلُ أَنْ لَا تَأْكُلَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَعْمَلَ إلَّا صَالِحًا» .
«وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ» أَيْ جَعَلَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ ظَرْفًا مُسْتَوْعَبًا لِعَمَلِهِ فَلَا يَخْرُجُ دَقِيقَةٌ مِنْ عَمَلِهِ عَنْ السُّنَّةِ بِلَا ابْتِدَاعٍ قَالَ الْمُنَاوِيُّ نَكَّرَهَا أَيْ السُّنَّةَ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ «وَأَمِنَ النَّاسُ» أَيْ كُلُّ النَّاسِ وَلَوْ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا لَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَنْ يَلْزَمُ أَذَاهُ لِانْزِجَارِ مَعَاصِيهِ وَإِجْرَاءِ لَوَازِمِ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ «بَوَائِقَهُ» مَفْعُولُ أَمِنَ جَمْعُ بَائِقَةٍ بِمَعْنَى الدَّاهِيَةِ الْمُرَادُ الشُّرُورُ كَالظُّلْمِ وَالْإِيذَاءِ وَالْغِشِّ.
وَعَنْ الطِّيبِيِّ تَنْكِيرُ سُنَّةٍ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ بِحَسَبِ إفْرَادِهِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ وَرَدَتْ فِيهِ سُنَّةٌ يَنْبَغِي رِعَايَتُهَا حَتَّى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ بَحْثٍ أُصُولِيٍّ وَأَيْضًا مَا فِي وَجْهِ دَلَالَةِ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
«دَخَلَ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا عَادِيًّا وَتَفَضُّلِيًّا بِلَا إيجَابٍ بِلَا عَذَابٍ فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ ظَرْفَ جَمِيعِ عَمَلِهِ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ فِي الطَّاعَةِ فَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ إلَى الْجَنَّةِ إذْ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا لَا يَكْتَسِبُ خَطِيئَةً مُبْعِدَةً فَالتَّقْيِيدُ بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَقْتَرِفْ سَيِّئَةً وَلَمْ يَتْرُكْ فَرْضًا إلَّا إنْ تَابَ وَإِلَّا فَهُوَ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ ذُهُولٌ عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَسِرُّهُ نَعَمْ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالسُّنَّةِ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُعَذَّبُ أَوْ يُعْفَى «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا فِي أُمَّتِك الْيَوْمَ كَثِيرٌ» لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ الْقُرُونِ وَلِسُطُوعِ نُورِ النُّبُوَّةِ وَلِعَدَمِ حُدُوثِ الْبِدَعِ.
«قَالَ وَسَيَكُونُ فِي قَوْمٍ بَعْدِي» لَمْ يَقُلْ وَكَثِيرٌ مِنْ بَعْدِي لِقِلَّتِهِمْ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» وَأَيْضًا الظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ فِي قَوْمٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَتَنْكِيرُ قَوْمٍ لِلتَّقْلِيلِ وَقِيلَ لِلتَّعْظِيمِ فَإِنْ قِيلَ الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِاكْتِفَاءِ سِينِ سَيَكُونُ أَوْ قَوْلُهُ بَعْدِي قُلْت لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِشَارَةِ إلَى اسْتِمْرَارِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا يُؤَيِّدُهُ نَصُّ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ إنَّ خِطَابَهُ تَعَالَى بِمِثْلِهِ فِي الْقُرْآنِ عَامٌّ لِلْحَاضِرِينَ وَقْتَ النُّزُولِ وَلِلْغَائِبِينَ الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهُ إمَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّغْلِيبِ قِيلَ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْقَرْنِ الْأَوَّلِ بَلْ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ انْتَهَى.
(هق) (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَمَسَّكَ» أَيْ اعْتَصَمَ وَتَحَفَّظَ «بِسُنَّتِي» اعْتِقَادًا وَفِعْلًا وَقَوْلًا لَفْظُ السُّنَّةِ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَشْمَلُ الْهَدْيَ وَالرَّوَاتِبَ وَالزَّائِدَ وَالظَّاهِرُ إضَافَتُهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ إذْ لَا قَرِينَةَ لِلْعَهْدِ وَلَا دَلِيلَ لِلْجِنْسِ فَالْأَجْرُ الْمَوْعُودُ إنَّمَا هُوَ لِإِتْيَانِ الْجَمِيعِ إذْ قَدْرُ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ نَعَمْ قَوْلُهُ «عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي» يُلَائِمُ اخْتِصَاصَهُ بِسُنَّةٍ يُوجِبُ تَرْكُهَا الْفَسَادَ إلَّا إنْ اتَّسَعَ فِي الْفَسَادِ وَيَعُمُّ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْبِدَعِ إلَى ارْتِكَابِ مَكْرُوهٍ وَلَوْ تَنْزِيهًا أَوْ تَرْكِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ
стр. 75
«فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» مَقْتُولٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِعْزَازِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ لِأَنَّ إتْيَانَ السُّنَّةِ حِينَئِذٍ كَالْمُجَاهِدِ الْمُقَاتِلِ فِي الْغُزَاةِ وَالصَّبْرِ عَلَى إتْيَانِ السُّنَّةِ أَشَقُّ مِنْ الصَّبْرِ فِي الْمَعْرَكَةِ إذْ الْبَلِيَّةُ إذَا عَمَّتْ طَابَتْ وَإِذَا خَصَّتْ أَتْعَبَتْ وَشَقَّتْ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ الْأَعْظَمُ وَفِي الْحَدِيثِ إنَّ «خَيْرَ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا وَأَجْرُكُمْ بِقَدْرِ تَعَبِكُمْ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَمْسِكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ اخْتِلَافِ أُمَّتِي كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» .
وَقَالَ «حِفْظُ الدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَالْجَمْرِ فِي الْيَدَيْنِ إنْ وَضَعَهُ طَفِئَ وَإِنْ أَمْسَكَهُ احْتَرَقَ» كَمَا حَرَّرَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي خواجه زَادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَعَنْ الْمَوَاهِبِ: وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْمُجَاهَدَةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْمَأْلُوفِ وَفِيهِ قَهْرُ النَّفْسِ وَالْمُحَارَبَةُ لَهَا وَالْجِهَادُ مَعَهَا جِهَادٌ أَكْبَرُ
دِيَةُ مَقْتُولِ الْخَلْقِ أَلْفُ دِينَارٍ ... وَدِيَةُ مَقْتُولِ الْحَقِّ رُؤْيَةُ الْغَفَّارِ
ثُمَّ أَقُولُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمِائَةِ هُوَ بَيَانُ قَدْرِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ لَا الْحَصْرِ بِهِ بَلْ قَدْ يَزِيدُ وَقَدْ لَا يَبْلُغُ عَلَى حَسَبِ تَمَسُّكِ الْمُتَمَسِّكِ وَحَالِهِ إذْ التَّمَسُّكُ يَقْتَضِي زَمَانًا مُتَمَادِيًا بِتَمَادِي الْعُمْرِ فَرُبَّ نَفْسٍ يَقْتُلُهَا صَاحِبُهَا كَثِيرًا وَرُبَّ نَفْسٍ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ أَقَلُّ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَإِلَّا فَالْمُبْتَدِعُ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ آخِرًا ثُمَّ قَالَ عَنْ الْبِسْطَامِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ هَمَمْت أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ كِفَايَةَ مُؤْنَةِ الطَّعَامِ ثُمَّ قُلْت كَيْفَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَسْأَلَ مَا لَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ ﵊.
وَعَنْ الدَّارَانِيِّ رُبَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِي نُكْتَةٌ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ أَيَّامًا فَلَا أَقْبَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - الطُّرُقُ كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ عَنْ الْخَلْقِ إلَّا عَلَى مَنْ اقْتَفَى أَثَرَ الْمُصْطَفَى.
وَعَنْ ابْنِ قِوَامٍ اسْتَأْذَنْت شَيْخِي فِي الْمُضِيِّ لِوَالِدِي فَأَذِنَ وَقَالَ سَيَحْدُثُ لَك اللَّيْلَةَ أَمْرٌ عَجِيبٌ فَاثْبُتْ وَلَا تَجْزَعْ فَخَرَجْت فَسَمِعْت صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَإِذَا أَنْوَارٌ مُتَسَلْسِلَةٌ فَالْتَفَتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى أَحْسَسْت بِبَرْدِهَا فَرَجَعْت فَأَخْبَرْت الشَّيْخَ فَقَالَ هَذِهِ سِلْسِلَةُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ صَحَابِيٌّ مَاتَ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الدِّينَ» هُوَ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ بِالذَّاتِ «بَدَأَ» بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْ ابْتَدَأَ أَوْ بَدَا بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ بَدَا الْأَمْرُ بُدُوًّا مِثْلُ قَعَدَ قُعُودًا أَيْ ظَهَرَ وَأَبْدَيْته أَظْهَرْته «غَرِيبًا» مُسْتَغْرَبًا يَسْتَغْرِبُ أَحْكَامَهُ كُلُّ أَحَدٍ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ وَائْتِلَافٍ بِهِ أَوْ هُوَ كَرَجُلٍ غَرِيبٍ لَا أَنِيسَ لَهُ وَلَا صَاحِبَ وَلَا حَافِظَ لَهُ وَلَا حَامِيَ يُوَاسِي أُمُورَهُ وَيَسْعَى فِي مَصَالِحِهِ «وَيَرْجِعُ غَرِيبًا» وَيَعُودُ إلَى الْغُرْبَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَقِلُّ صَاحِبُهُ وَيَكْثُرُ مُخَالِفُهُ وَلَا يُوجَدُ نَاصِرُهُ بَلْ يُهَانُ آتِيهِ وَعَامِلُهُ فَيَصِيرُ كَالْمُسْلِمِ بَيْنَ الْكَافِرِ كَمَا فِي أَوَّلِهِ.
«فَطُوبَى» فُعْلَى مِنْ الطِّيبِ قَلَبُوا الْيَاءَ وَاوًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا وَيُفَسَّرُ بِالْجَنَّةِ وَالْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ وَالسَّلَامَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وَالْخَصْلَةِ الْحَسَنَةِ وَغَايَةِ الْأُمْنِيَّةِ وَبِاسْمِ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ «لِلْغُرَبَاءِ» جَمْعُ غَرِيبٍ هُوَ شَخْصٌ مُفَارِقٌ عَنْ وَطَنِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ» ضِدُّ الْإِفْسَادِ «مَا أَفْسَدَهُ النَّاسُ» الْعَوَامُّ الَّذِينَ رَضُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ بِإِيثَارِهِمْ مَا يَفْنَى مِنْ النِّعَمِ الْعَاجِلَةِ عَلَى مَا يَبْقَى مِنْ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ
стр. 76
الْآجِلَةِ.
«مِنْ بَعْدِي» مُتَعَلِّقٌ بِأَفْسَدَ «مِنْ سُنَّتِي» بَيَانٌ لِ " مَا "، وَالْإِصْلَاحُ إمَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالنَّصَائِحِ الْحَسَنَةِ وَالْمَوَاعِظِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَوْ بِالْعَمَلِ عَلَى السُّنَّةِ مُخَالِفًا لِجُمْهُورِ الْمُخَالِفِينَ أَوْ بِتَصْنِيفِ كُتُبٍ أَوْ تَدْرِيسِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِ دِينٍ وَفُسِّرَ الْغُرَبَاءُ فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ» .
قَالَ شَارِحُهُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ يُبْغِضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ» وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَيْت الْعَالِمَ كَثِيرَ الْأَصْدِقَاءِ فَمُخْتَلِطٌ لِأَنَّهُ لَوْ نَطَقَ بِالْحَقِّ لَأَبْغَضُوهُ (م) مُسْلِمٌ (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) هُوَ الْحَارِثِيُّ الْأَنْصَارِيُّ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِصِغَرِ سِنِّهِ وَشَهِدَ أُحُدًا وَأَكْثَرُ الْمَشَاهِدِ وَأَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا أَشْهَدُ لَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَانْتَقَضَتْ جِرَاحَتُهُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ مَاتَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتُمْ أَعْلَمُ» أَكْثَرُ عِلْمًا «بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِكُمْ بِذَلِكَ وَعَدَمِ اشْتِغَالِي لِعَدَمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِ نَقْصٌ بَلْ يَزِيدُ كَمَالًا إذْ الدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهَا مَلْعُونَةٌ إلَّا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِلْمُ نَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ.
وَعِنْدَ وُقُوعِ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ هَكَذَا زَادَ الْمُنَاوِيُّ عَلَيْهِ مُشْعِرًا بِكَوْنِهِ حَدِيثًا هَكَذَا «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ مِنِّي وَأَنَا أَعْلَمُ بِأَمْرِ أُخْرَاكُمْ مِنْكُمْ» فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إنَّمَا بُعِثُوا لِإِنْقَاذِ الْخَلَائِقِ مِنْ الشَّقَاوَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَفَوْزِهِمْ بِالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ فَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَإِنْ كَانُوا أَحْذَقَ النَّاسِ فِي أَمْرِ الْوَحْيِ وَالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُمْ أَشْرَحُ النَّاسِ قُلُوبًا مِنْ جِهَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَجَمِيعُ مَا يُشَرِّعُونَهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَحْيِ وَلَيْسَ لِلْأَفْكَارِ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ» فِعْلًا أَوْ كَفًّا أَوْ مُطَابَقَةً وَالْتِزَامًا إذْ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْأَمْرِ فَمَعْنَى لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ اُكْفُفْ عَنْهُ لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ شَيْءٍ نَكِرَةٌ فِي الْمُثْبَتِ فَخَاصٌّ وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ إذْ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ إذَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَخُذُوهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا يَعُمُّ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ إذْ الظَّرْفُ الْمُسْتَقِرُّ صِفَةٌ لِشَيْءٍ وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ فَالنَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ «فَخُذُوا بِهِ» تَمَسَّكُوا وَاعْتَصِمُوا بِهِ فَالِاسْتِشْهَادُ حَاصِلٌ بِهِ.
(ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أَيْ إيمَانًا كَامِلًا وَنَفْيُ اسْمِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى نَفْيِ كَمَالِهِ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ وَيُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ لَا يُحِبُّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ» أَيْ مَيْلُهُ وَمَحَبَّتُهُ «تَبَعًا» تَابِعًا «لِمَا جِئْت بِهِ» مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الشَّرَائِعِ فَلَا يَخْتَارُ شَيْئًا بِلَا إذْنٍ شُرِعَ فَيَجْعَلُ هَوَاهُ تَابِعًا لِلشَّرْعِ وَلَا يَجْعَلُ الشَّرْعَ تَابِعًا لِهَوَاهُ (خ م) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ ﵊ قَالَ «وَاَللَّهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي» فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقَاضِي إمَّا أُمَّةُ دَعْوَةٍ فَيَشْمَلُ الْكَافِرَ أَوْ أُمَّةُ إجَابَةٍ فَيَخُصُّ بِالْمِلَلِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَعَنْ الطِّيبِيِّ فِي التَّعَدِّيَةِ بِلَفْظِ عَلَى إشَارَةٌ إلَى غَلَبَةِ الْهَلَاكِ «كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ» مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَعَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ التِّرْمِذِيِّ الْكَافُ فِي كَمَا اسْمِيَّةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ بِمَعْنَى مِثْلُ وَمَحَلُّهُ مِنْ الْإِعْرَابِ رُفِعَ لِأَنَّهُ فَاعِلُ لَيَأْتِيَن أَيْ مِثْلُ الَّذِي أَتَى «حَذْوَ» بِالنَّصْبِ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يَحْذُونَهُمْ حَذْوَ «النَّعْلِ» الْحَذْوُ الْقَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ حَذَوْت النَّعْلَ
стр. 77
«بِالنَّعْلِ» إذَا قَدَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى صَاحِبَتِهَا لِتَكُونَا عَلَى السَّوَاءِ وَالْمَعْنَى لَيَأْتِيَن عَلَى أُمَّتِي مُخَالَفَةٌ مِثْلُ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي أَتَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمَّةُ تَابِعَةً آثَارَ مَنْ قَبْلَهُمْ فِيمَا عَمِلُوا بِهِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَأَحْدَثُوا فِيهَا مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ.
«حَتَّى» لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَقِيلَ ابْتِدَائِيَّةٌ «إنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى» زَنَى «أُمَّهُ عَلَانِيَةً» جِهَارًا فَهَذَا غَايَةٌ فِي الْمَعْصِيَةِ وَنِهَايَةٌ فِي الْفَضَاحَةِ وَالْقَبَاحَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ زَوْجَةُ الْأَبِ مُطْلَقًا أَوْ مُطْلَقُ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَالْمُتَعَذِّرُ هُنَا هُوَ الْمَجَازُ إذْ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْفَصَاحَةِ كَمَا عَرَفْت «لَكَانَ» اللَّامُ جَوَابٌ لِأَنَّ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى لَوْ كَمَا أَنَّ لَوْ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الطِّيبِيِّ.
«مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ» وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي أُمَّتِي ( «وَإِنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً» بِالْكَسْرِ الشَّرِيعَةُ وَالدِّينُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَعَنْ الطِّيبِيِّ ثُمَّ اتَّسَعَتْ فِي الشَّرَائِعِ الْبَاطِلَةِ فَقِيلَ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» الظَّاهِرُ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ عَدَمُ مُلَاءَمَةِ آخِرِ الْحَدِيثِ
وَقِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ أَكْثَرُ افْتِرَاقًا فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَدُّ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ الْأُصُولِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ الْفُرُوعِ فَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَقَدْ أَوْرَدَ بِهِ عَلَيْهِ وَأُجِيبَ أَنَّ الْمُرَادَ الْفُرُوعُ لَكِنْ يَكْفِي بُلُوغُهُ إلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَإِنْ تَجَاوَزَ فِي بَعْضِ حِينٍ آخَرَ «عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً» فَإِنْ قِيلَ تَفَرُّقُ بَنِي إسْرَائِيلَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ وَتَفَرُّقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ فَكَيْفَ أَمْرُ الْمُمَاثَلَةِ وَقَدْ قَالَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ قُلْت لَعَلَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا لَا يَرْضَى عَنْهُ فَقَطْ كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً فَقَدْرُ جَمِيعِ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى قَدْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
«كُلُّهُمْ فِي النَّارِ» بِحَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَإِنْ جَازَ عَدَمُ الدُّخُولِ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى عَفْوُهُ أَوْ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ فَيَكُونُ لِلتَّطْهِيرِ فَلَا يُخَلَّدُ وَإِنْ أُرِيدَ الدَّعْوَةُ فَالنَّارُ لِلتَّكْفِيرِ فَيُخَلَّدُ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ مِنْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ مَنْ يَكْفُرُ كَالْمُجَسِّمَةِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ تَفْصِيلَهُ فَيَلْزَمُ إمَّا أَنْ يُقَالَ إنْ بَلَغَ ابْتِدَاعُهُ إلَى الْكُفْرِ فَخَارِجٌ عَنْ الْإِجَابَةِ أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ النَّارِ هُوَ الْمُطْلَقُ خُلُودًا وُجُوبًا أَوْ دُخُولًا جَوَازًا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ هَذَا مَعَ كَوْنِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَحْمَةً كَمَا حَدِيثُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» .
قُلْت الْمُرَادُ مِنْ الْأُمَّةِ الْمُجْتَهِدُ وَلَا اجْتِهَادَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ فِي وَلَوْ سَلِمَ الِاخْتِلَافُ فَالْمُرَادُ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ تَفْسِيرِ الْقَاضِي وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ «اخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ» وَلَا شَكَّ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ لَيْسَ إلَّا فِي الْأَحْكَامِ كَمَا نُقِلَ عَنْ السَّمْهُودِيِّ وَقِيلَ الْمُرَادُ الِاخْتِلَافُ فِي الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا خُصُوصَ لِلْأُمَّةِ بَلْ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْمَنَاصِبِ وَالدَّرَجَاتِ وَرُدَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الِاخْتِلَافِ
فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]- شَامِلٌ لِلْكُلِّ أَقُولُ يَجِبُ تَوْفِيقُ النُّصُوصِ الْمُتَعَارِضَةِ مَا أَمْكَنَ عَلَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا الْمُرَادُ هُوَ الِاخْتِلَافُ عَلَى الرُّسُلِ وَأَيَّدُوا بِحَدِيثِ «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ كَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ اخْتِلَافَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْفُرُوعِ مَغْفُورٌ لِمَنْ أَخْطَأَ بَلْ لَهُ أَجْرٌ وَلِلْمُصِيبِ أَجْرَانِ إلَّا أَنْ يُقَصِّرَ فِي الِاجْتِهَادِ بِأَنْ يُخْطِئَ مَعَ بَيِّنَةِ الْحَقِّ.
فَإِنْ قِيلَ كَوْنُ اخْتِلَافِ الْأُمَّةِ رَحْمَةً مُنَافٍ لِمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّ مَنْ قَلَّدَ مُجْتَهِدًا مُعَيَّنًا لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيِّ مَنْ عَمِلَ فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ إمَامٍ لَيْسَ لَهُ الْعَمَلُ فِيهَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا قُلْت قَالَ الْمُنَاوِيُّ إنْ أَرَادَ الِاتِّفَاقَ الْأُصُولِيَّ فَلَا يَلْزَمُ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ وَالْكَلَامُ فِيهِ وَإِلَّا فَمَرْدُودٌ وَزَعْمُ الِاتِّفَاقِ بَاطِلٌ أَوْ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ حَقِيقَتِهِ ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الِانْتِقَالِ أَحْوَالٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِهِ مَذْهَبَ الْغَيْرِ فَيَجُوزُ عَمَلُهُ بِالرَّاجِحِ الثَّانِي أَنْ لَا يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ شَيْءٍ فَيَجُوزُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْصِدَ الرُّخْصَةَ فِيمَا يَحْتَاجُهُ لِحَاجَةٍ لَحِقَتْهُ أَوْ ضَرُورَةٍ أَرْهَقَتْهُ فَيَجُوزُ الرَّابِعُ أَنْ يَقْصِدَ مُجَرَّدَ
стр. 78
التَّرَخُّصِ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِدِينٍ الْخَامِسُ أَنْ يَكْثُرَ ذَلِكَ وَيَجْعَلَ اتِّبَاعَ الرُّخَصِ دَيْدَنَهُ فَيَمْتَنِعُ لِمَا ذُكِرَ وَلِزِيَادَةِ فُحْشِهِ السَّادِسُ أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مُمْتَنِعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَمْتَنِعُ السَّابِعُ أَنْ يَعْمَلَ بِتَقْلِيدِ الْأَوَّلِ كَحَنَفِيٍّ يَدَّعِي شُفْعَةَ جِوَارٍ فَيَأْخُذُهَا بِمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَيُرِيدُ تَقْلِيدَ الشَّافِعِيِّ فَيَمْتَنِعُ لِخَطَئِهِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مُكَلَّفٌ وَكَلَامُ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً فَلَا يُمْنَعُ فِي الِانْتِقَالِ ثُمَّ قَالَ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى مَنْعِ الِانْتِقَالِ مُطْلَقًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُنْتَقِلُ بِاجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ آثِمٌ وَيُعَزَّرُ وَبِدُونِهَا أَوْلَى وَقَدْ انْتَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِغَيْرِهِ كَالطَّحَاوِيِّ مِنْ الشَّافِعِيِّ إلَى الْحَنَفِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ مِنْ الْحَنَفِيِّ إلَى الشَّافِعِيِّ.
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَهُ لَكِنْ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّهُ لَا نَصَّ لِأَحَدٍ فِي تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ مُعَيَّنٍ فَلِكُلٍّ أَنْ يُقَلِّدَ فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ لِأَيِّ مُجْتَهِدٍ وَفِي بَعْضِ أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ إذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ اتِّفَاقًا.
وَأَمَّا فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ «إلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً» قِيلَ إنْ أُرِيدَ مِنْ الِافْتِرَاقِ فِي الِاعْتِقَادِ فَقَطْ فَالْمُسْتَثْنَاةُ لَا تَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ وَإِنْ جَازَ دُخُولُهَا النَّارَ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ وَإِنْ أُرِيدَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْعَمَلِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى إنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً إلَخْ فَلَا تَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا مُطْلَقًا أَقُولُ وَمِنْ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ عَدَمُ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي النُّصُوصِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
«قَالُوا مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا» أَيْ مِلَّةُ «أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» وَهِيَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فَإِنْ قِيلَ كُلُّ فِرْقَةٍ تَدَّعِي أَنَّهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قُلْنَا ذَلِكَ لَا يَكُونُ بِالدَّعْوَى بَلْ بِتَطْبِيقِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِنَا إنَّمَا يُمْكِنُ بِمُطَابَقَةِ صِحَاحِ الْأَحَادِيثِ كَكُتُبِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي أُجْمِعَ عَلَى وَثَاقَتِهَا كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ فَإِنْ قِيلَ فَمَا حَالُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ قُلْنَا لِاتِّحَادِ أُصُولِهِمَا لَمْ يُعَدَّ مُخَالَفَةً مُعْتَدَّةً إذْ خِلَافُ كُلِّ فِرْقَةٍ لَا يُوجِبُ تَضْلِيلَ الْأُخْرَى وَلَا تَفْسِيقَهَا فَعُدَّتَا مِلَّةً وَاحِدَةً.
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ كَثْرَةَ اخْتِلَافٍ صُورَةً لَكِنْ مُجْتَمِعَةً فِي عَدَمِ مُخَالَفَةِ الْكُلِّ كِتَابًا نَصًّا وَلَا سُنَّةً قَائِمَةً وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا صَحِيحًا عِنْدَهُ وَأَنَّ الْكُلَّ صَارِفٌ غَايَةَ جَهْدِهِ وَكَمَالَ وُسْعِهِ فِي إصَابَةِ السُّنَّةِ وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضٌ لِقُوَّةِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ وَلِهَذَا يُعْذَرُ وَيُعْفَى بَلْ يُؤْجَرُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ عَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ (ت) التِّرْمِذِيُّ.
«عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» خَادِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي يَا بُنَيَّ» تَصْغِيرُ ابْنٍ النِّدَاءُ لِلْإِكْرَامِ وَالْإِشْفَاقِ «إنْ قَدَرْت» إنْ اسْتَطَعْت وَالْمُرَادُ صَرْفُ غَايَةِ الْجَهْدِ «أَنْ تُصْبِحَ» أَيْ فِي صُبْحِ كُلِّ عُمْرِك «وَتُمْسِيَ» كَذَلِكَ.
«وَ» الْحَالُ ( «لَيْسَ فِي قَلْبِك غِشٌّ» بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ غَشَّهُ لَمْ يُمْحِضْهُ النُّصْحُ أَوْ أَظْهَرَ لَهُ خِلَافَ مَا أَضْمَرَ مِنْ الْقَامُوسِ «لِأَحَدٍ» التَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ فَيَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالْمُوَافِقَ وَالْمُخَالِفَ وَغَيْرَهَا وَقِيلَ الْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ «فَافْعَلْ» أَيْ اسْتِمْرَارُ عَدَمِ الْغِشِّ فِي الْقَلْبِ لِيَطْهُرَ الْقَلْبُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِالدَّنَسِ.
«ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ» تَكْرِيرُ النِّدَاءِ مَعَ تَصْغِيرِ الِابْنِ لِلِاسْتِشْفَاقِ وَأَنَّ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ مِنْ آثَارِ الشَّفَقَةِ «وَذَلِكَ» أَيْ دَوَامُ بَرَاءَةِ الْقَلْبِ مِنْ الْغِشِّ «مِنْ سُنَّتِي» بَعْضِ سُنَّتِي.
«وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي» وَالْمَحَبَّةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا فَدَعْوَى الْمَحَبَّةِ بِلَا إتْيَانٍ دَعْوَى دَلَّ الْبُرْهَانُ عَلَى خِلَافِهَا إلَّا لِمَانِعٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيَكُونُ الْمَقَامُ اسْتِدْلَالِيًّا كَالْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ وَالْحَدِيثُ الْمُعَادُ الْمُعَرَّفُ عَيْنُ الْأَوَّلِ أَصْلٌ قَدْ يَعْدِلُ عَنْهُ وَلَوْ سَلِمَ فَيَشْتَمِلُ الْكُلَّ أَيْضًا إمَّا بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ.
«فَقَدْ أَحَبَّنِي» لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحِبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُمْكِنُ مَحَبَّةُ سُنَّتِهِ فَمَحَبَّةُ السُّنَّةِ إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ مَحَبَّةِ صَاحِبِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَبَّةَ السُّنَّةِ وَسِيلَةٌ إلَى مَحَبَّةِ صَاحِبِهَا فَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَمَالُ مَحَبَّتِهِ ﵊ فَلْيُوَاظِبْ عَلَى سُنَّتِهِ فَيَحْصُلُ مَحَبَّتُهُ بِالِاضْطِرَارِ كَمَا قَالَ الْمَشَايِخُ
стр. 79
إنَّ طَرِيقَ اسْتِحْصَالِ مَحَبَّتِهِ تَعَالَى هُوَ ذِكْرُهُ فَبِكَثْرَةِ الذِّكْرِ تَحْصُلُ الْمَحَبَّةُ الْإِلَهِيَّةُ.
نُقِلَ عَنْ مَوَاهِبِ الْقَسْطَلَّانِيِّ وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحَبَّةُ سُنَّتِهِ وَقِرَاءَةُ حَدِيثِهِ فَإِنَّ مَنْ دَخَلَتْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ إذَا سَمِعَ كَلِمَةً مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشَرَّبَتْهَا رُوحُهُ وَقَلْبُهُ وَنَفْسُهُ فَتَعُمُّهُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ وَتَشْمَلُهُ فَتَصِيرُ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنْهُ وَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنْهُ بَصَرًا فَيَسْمَعُ الْكُلَّ بِالْكُلِّ وَيُبْصِرُ الْكُلَّ بِالْكُلِّ حِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ الْقَلْبُ وَيَشْرَقُ سِرُّهُ وَتَتَلَاطَمُ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ التَّحْقِيقِ عِنْدَ ظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَيَرْتَوِي بِرِيِّ عَطْفِ مَحْبُوبِهِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَرْوَى لِقَلْبِهِ مِنْ عَطْفِهِ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ أَشَدُّ لِلْهَيْبَةِ وَحَرِيقِهِ مِنْ إعْرَاضِهِ عَنْهُ وَلِهَذَا كَانَ عَذَابُ أَهْلِ النَّارِ بِاحْتِجَابِ رَبِّهِمْ أَشَدَّ مِنْ الْعَذَابِ الْجُسْمَانِيِّ كَمَا أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِ تَعَالَى وَسَمَاعِ خِطَابِهِ وَرِضَاهُ وَإِقْبَالِهِ أَعْظَمُ النَّعِيمِ الْجُسْمَانِيِّ.
قِيلَ عَنْ وَابْنِ مَالِكٍ فِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّ فِي مَحَبَّةِ سُنَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سُنَّتِهِ مَحَبَّةٌ لَهُ ﵊ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ مَحَبَّةِ السُّنَّةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَكْفِي فِي مَحَبَّتِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَجَزِّئَةٍ فَالْوَاحِدَةُ تَسْتَلْزِمُ الْكُلَّ وَإِلَّا فَكَاذِبَةٌ «وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» لِأَنَّ «الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
وَفِي آخَرَ «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حُشِرَ مَعَهُمْ» وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ اتِّحَادِيَّةَ الدَّرَجَةِ الْمُفَادَةِ مِنْ الْمَعِيَّةِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ الْمُرَادُ هُوَ التَّقَارُبُ وَقِيلَ لَيْسَ الْمَعِيَّةُ فِي الْمَنْزِلَةِ مُرَادَةً بَلْ الْمُرَادُ اطِّلَاعُهُ لَهُ ﵊ وَكَاشِفٌ عَنْهُ مَعَ كَيْنُونَةِ كُلٍّ فِي مَنْزِلَتِهِ.
عَنْ النَّوَوِيِّ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِيهِ فَضْلُ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُمْ إذْ لَوْ عَمِلَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ انْتَهَى أَقُولُ وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِنَحْوِهِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ شَرْطِيَّةِ تَمَامِ الْعَمَلِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْلِيلُ فَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ دَعْوَى الْمَحَبَّةِ عَدَمُ إتْيَانِ الْمُحِبِّ مَا يَكْرَهُهُ الْمَحْبُوبُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ إتْيَانُ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى تَمَامِ قَدْرٍ وَإِلَّا فَدَعْوَى الْمَحَبَّةِ تَحَكُّمٌ وَكَذِبٌ (دز) إنْ بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ فَالرَّمْزُ لِأَبِي دَاوُد وَالْبَزَّارِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَإِنْ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَلِلدَّارِمِيِّ وَهُوَ الْأَكْثَرُ لَكِنْ حَقِيقَةُ الْحَقِّيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْوِجْدَانِ فِي أَيِّهِمَا أَوْ فِي كِلَيْهِمَا (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ الَّذِي هُوَ ابْنُ أُخْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ إنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ» أَيْ أَخْبَارَ الْكُتُبِ الْمَاضِيَةِ.
«مِنْ يَهُودَ» قِيلَ عَنْ الصَّاغَانِيِّ هُوَ ابْنُ يَعْقُوبَ ﵊ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ مُعَرَّبٌ أَعْجَمِيٌّ مَنْسُوبُونَ إلَى يَهُودِ بْنِ يَعْقُوبَ وَهُمْ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْآنَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَفْظَةُ يَهُودُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبِيلَةِ.
وَعَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ الْأَصْلُ فِي يَهُودَ وَمَجُوسٍ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِغَيْرِ لَامِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُمَا عَلَمَانِ خَاصَّانِ لِقَبِيلَتَيْنِ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ «تُعْجِبُنَا» صِفَةُ أَحَادِيثَ أَوْ حَالٌ مِنْهَا أَيْ تَرَى تِلْكَ الْأَحَادِيثَ لَنَا حَسَنًا، لَعَلَّهُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ «أَفَتَرَى» أَيْ أَفَتُجِيزُ مِنْ الرَّأْيِ وَمِمَّا عُدَّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْعَاطِفِ تَنْبِيهًا عَلَى أَصَالَتِهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ مِثْلُ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] كَمَا فِي الْإِتْقَانِ ثُمَّ الْعَطْفُ هَلْ هُوَ عَلَى مَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ أَوْ قَبْلَهَا فِيهِ خِلَافٌ أَيْ أَتَأْذَنُ لَنَا فَتَرَى ثُمَّ قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ فِي أَمْثَالِهِ زَائِدٌ لِاسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى بَعْدَ إسْقَاطِهِ.
«أَنْ نَكْتُبَ» مِنْ الْكِتَابَةِ قِيلَ أَيْ نَجْمَعَ «بَعْضَهَا» لِلِاعْتِبَارِ وَالِاتِّعَاظِ «فَقَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ» أَيْ مُتَحَيِّرُونَ وَيُقَالُ لِلْوُقُوعِ فِي الشَّيْءِ بِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ «كَمَا تَهَوَّكَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» جَمْعُ نَصْرَانِيٍّ وَهُمْ يَزْعُمُونَ الْآنَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ
стр. 80
عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ قِيلَ فِي تَهَوُّكِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَا سَبَقَ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ مِنْ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ تَفَرُّقِهِمَا إلَى الْفِرَقِ الْكَثِيرَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى التَّهَوُّكِ مِنْ جِنْسِ عَدَمِ الْقَنَاعَةِ بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْكِتَابِ وَأَنَّ التَّهَوُّكَ لَا يُلَائِمُ التَّفَرُّقَ بَلْ مُوجِبُ التَّفَرُّقِ هُوَ الْقَطْعُ وَالْحُكْمُ لَا الشَّكُّ وَالْحِيرَةُ
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَطْ وَالْجَوَابُ النَّبَوِيُّ وَقَعَ لِلْجَمْعِ وَأَنَّ مَا اسْتَجَازَهُ عُمَرُ إنْ وَافَقَ الْقُرْآنَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ تُعْجِبُنَا فَكَيْفَ التَّشْبِيهُ بِتَهَوُّكِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنْ خَالَفَ فَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ الِاسْتِجَازَةُ مِنْ عُمَرَ وَأَنَّ السُّؤَالَ بِمُجَرَّدِ الْيَهُودِ وَزِيدَ فِي الْجَوَابِ النَّصَارَى وَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي كُتُبِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ كَالْغَزَالِيِّ النَّقْلُ عَنْ الْإِنْجِيلِ وَالْإِسْرَائِيلِيَّات مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ
أَقُولُ لَعَلَّ الْأَوَّلَ أَنَّ السَّائِل وَإِنْ كَانَ عُمَرُ فَقَطْ لَكِنَّ سَامِعَ الْحَدِيثِ مِنْ الْيَهُودِ هُوَ الْجَمَاعَةُ كَمَا يُؤَيِّدُهُ صِيَغُ نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ وَيَجُوزُ حُضُورُ جَمَاعَةٍ عِنْدَ سُؤَالِ عُمَرَ وَلَعَلَّ الثَّانِيَ لِخَوْفِ السِّرَايَةِ إلَى الْغَيْرِ الْمَشْرُوعِ لِلتَّجَانُسِ وَلِخَوْفِ سِرَايَةِ الْأَخْذِ وَالْكِتَابَةِ لِلضُّعَفَاءِ وَالْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَمْيِيزِ مَا وَافَقَ شَرْعَنَا مِمَّا لَا يُوَافِقُهُ وَإِنَّهُ يُوجِبُ اسْتِحْسَانَ الْمِلَّةِ الْمَنْسُوخَةِ الَّتِي لَبَّسُوا فِي أَكْثَرِهَا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْأُلْفَةَ وَالْأُنْسَ وَاتِّخَاذَ الْوِلَايَةِ لِعَدُوِّ اللَّه وَعَدُوِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ الْمَيْلُ إلَى الْمَرْجُوحِ الضَّعِيفِ الْقَاصِرِ عِنْدَ وُجُودِ الرَّاجِحِ الْقَوِيِّ التَّامِّ الْكَامِلِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ فِي الْجَوَابِ النَّبَوِيِّ
وَلَعَلَّ الثَّالِثَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْكَارِ وَسَدِّ طُرُقِ الِاحْتِمَالِ وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِمَّا يُحْمَلُ الْمَنْعُ عَلَى أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ فَبَعْدَ التَّقْوَى وَالتَّكَامُلِ لَا ضَرَرَ فِي أَخْذِ الْأَحَادِيثِ الْمُوَافِقَةِ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ لَكِنْ هَذَا مُحْتَاجٌ إلَى الرِّوَايَةِ إذْ لَا يُفِيدُ الدِّرَايَةَ وَإِمَّا يُرَدُّ عَلَى مَنْ أَتَى ذَلِكَ وَإِمَّا الْحَمْلُ عَلَى تَخْصِيصِ الْمَنْعِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَالنَّقْلِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ دُونَ الْأَحْكَامِ فَبَعِيدٌ مُخَالِفٌ لِلْإِطْلَاقِ وَلَا يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَاعِدَةُ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهَا الرَّسُولُ ﵊ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
«لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا» أَيْ بِمَعَانِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُعْجِبُكُمْ أَوْ بِبَدَلِهَا وَقِيلَ أَيْ بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ بِعَوْنِ الْمَقَامِ «بَيْضَاءَ» أَيْ نَقِيَّةً خَالِيَةً عَنْ التَّحْرِيفِ وَمَحْفُوظَةً عَنْ التَّغْيِيرِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّتِي تُعْجِبُكُمْ وَقِيلَ أَيْ مُنِيرَةٌ مُشْرِقَةٌ بِأَلْفَاظٍ فَصِيحَةٍ وَمَعَانٍ وَاضِحَةٍ وَقِيلَ سَالِمَةً عَنْ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ «نَقِيَّةً» خَالِصَةً مِنْ شَوْبِ الْخَفَاءِ وَالِالْتِبَاسِ خِلَافُ أَهْلِ الْكِتَابِ قِيلَ هُنَا نَقْلًا عَنْ الْمَوَاهِبِ الْفَتْحِيَّةِ فَإِذَا نَهَى عُمَرُ عَنْ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ مَعَ كَوْنِهِ كِتَابًا إلَهِيًّا فَالنَّهْيُ عَنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ أَحَقُّ.
وَقَدْ غَلَبَ الِاشْتِغَالُ بِجَهَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَسَمَّوْهَا حِكْمَةً وَجَهَّلُوا مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْكَمَلَةُ وَيَعْكُفُونَ عَلَى دِرَاسَتِهَا وَلَا تَكَادُ تَلْقَى أَحَدًا مِنْهُمْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا حَدِيثًا هُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يُسَمُّوا سُفَهَاءَ إذْ هُمْ أَعْدَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَهُمْ أَضَرُّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى انْتَهَى مُلَخَّصًا وَسَيُفَصَّلُ عِنْدَ تَصْرِيحِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
«وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ» أَيْ مَا جَازَ لَهُ «إلَّا اتِّبَاعِي» إذْ هُوَ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ نُوَّابُهُ وَأَنَّ شَرِيعَتَهُ مَنْسُوخَةٌ كَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا أَنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِمُتَابَعَتِهِمْ إيَّاهُ إنْ لَقِيَهُمْ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ قَالَ مُوسَى ﵊ -
стр. 81
لَمَّا رَأَى صِفَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ فِي التَّوْرَاةِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْهَا فَمُجَاسَرَةُ أَمْرٍ عَظِيمٍ إذْ قَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِعَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ نَبِيِّ أُمَّةٍ نَبِيَّ آخَرَ وَإِنْ الْأُمَّةَ وَلَوْ وَلِيًّا مُقَرَّبًا لَنْ تَبْلُغَ دَرَجَةَ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ لِلْكَلِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَسْتَكْمِلَ بِالْأُمِّيَّةِ وَيَسْأَلُ ذَلِكَ وَلَوْ صَحَّ سَنَدُهُ فَيَلْزَمُ تَأْوِيلُهُ أَوْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا لَا يَجُوزُ ثُبُوتُ الْمُتَشَابِهِ بِالْآحَادِ ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى الْمَنْعِ عَنْ النَّظَرِ فِي مُطْلَقِ سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَلَوْ بِنِيَّةِ الِانْتِصَاحِ لِكَوْنِهَا مَشْحُونَةً بِالتَّحْرِيفَاتِ وَلِهَذَا جَوَّزَ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا إذَا خَلَتْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَعَنْ عَلْوَانَ الْحَمَوِيِّ لَا حُرْمَةَ لِلْكُتُبِ الْمَنْسُوخَةِ وَلَا يَجُوزُ الْإِيمَانُ بِالْمُحَرَّفِ بَلْ بَالَغَ بَعْضٌ إلَى أَنْ جَوَّزَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالتَّوْرَاةِ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ تَحْرِيفُهُ بِالْكُفْرِيَّاتِ انْتَهَى.
وَعَنْ شَمْسِ الدِّينِ الْمَيْدَانِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَاجِبُ الِاحْتِرَامِ وَالشَّكُّ الطَّارِئُ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الِاحْتِرَامَ بَلْ الْمُحَرَّفُ أَقَلُّهَا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ لَعَلَّ لِهَذَا كُرِهَ قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ لِلْجُنُبِ احْتِرَامًا وَقِيلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْكَنِيسَةَ وَاسْتَهَانَ التَّوْرَاةَ حَتَّى بَصَقَ فِيهَا ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْكُبُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ حَتَّى مَاتَ أَقْبَحَ مَيْتَةٍ حَتَّى أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ إهَانَةُ تِلْكَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَنْسُوخَةِ وَلَا قِرَاءَتُهَا وَلَا مُطَالَعَتُهَا (حذر) أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْبَزَّارُ.
(عَنْ مُجَاهِدٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بْنِ جَبْرٍ التَّابِعِيِّ (أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي سَفَرٍ فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ أَعْرَضَ وَمَالَ «عَنْهُ» أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ حَادَ يَحِيدُ إذَا مَالَ وَأَعْرَضَ عَنْ الشَّيْءِ «فَسُئِلَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ» الْإِعْرَاضَ «قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ» اتِّبَاعًا لَهُ وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ مُتَابَعَتِهِ لَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَمِثْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ الْعَادِيَّةِ يُقَالُ لَهَا السُّنَّةُ الزَّائِدَةُ قِيلَ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ بَلْ فِعْلُهَا حَسَنٌ وَتَرْكُهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَكَوْنِ تَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ قَرِيبًا إلَى الْحَرَامِ وَمُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ حِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» .
كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالتَّلْوِيحِ فَمَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ تَرْكَ سُنَّةِ الْهُدَى يُوجِبُ كَرَاهَةً كَالْجَمَاعَةِ لَا تَرْكَ سُنَّةِ الزَّوَائِدِ كَسِيَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ لَا مُطْلَقِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ إطْلَاقُ النَّفْيِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ التَّنْزِيهِيَّ مَا لَا يُمْنَعُ عَنْ فِعْلِهِ لَكِنْ تَرْكُهُ أَوْلَى فَكُلُّ شَيْءٍ تَرْكُهُ أَوْلَى فَتَنْزِيهٌ فَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ
فَإِنْ قِيلَ مَحَلُّ الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْأَثَرِ إمَّا مِنْ حَيْثُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ حَيْثُ مُتَابَعَةُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْأَوَّلُ قَالُوا إنَّ فِعْلَهُ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عِنْدَ بَعْضٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ أَوْ زَلَّةٌ وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ الْإِبَاحَةُ وَعِنْدَ الْبَعْضِ الِاتِّبَاعُ وَظَاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ السُّنَنِ الزَّوَائِدِ لَا يُوجِبُ الِاتِّبَاعَ فَلَا يُفِيدُ لُزُومَ الِاعْتِصَامِ وَالتَّمَسُّكَ عَلَى جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ إتْيَانَ صَحَابِيٍّ سُنَّةً مِنْ الزَّوَائِدِ لَا يُوجِبُ إتْيَانَ الْغَيْرِ لَا فِي حَقِّ هَذَا الْمَحَلِّ وَلَا فِي الْجَمِيعِ وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَسْأَلَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ كَالْبَرْذَعِيِّ وَالرَّازِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ كَالْكَرْخِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ إلَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ قُلْنَا لَعَلَّ الْمَطْلُوبَ مُطْلَقُ الِاعْتِصَامِ الشَّامِلِ لِلْأَوْلَى وَهَذَا الْأَثَرُ دَلِيلٌ لَهُ بِحَسَبِ هَذَا الِاعْتِبَارِ وَتَحْرِيضٌ عَلَى اتِّبَاعِ مُطْلَقِ السُّنَّةِ (ز) الْبَزَّارُ.
«عَنْ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَانَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي شَجَرَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَيَقِيلُ تَحْتَهَا» مِنْ الْقَيْلُولَةِ أَيْ يَنَامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَقْتَ قَيْلُولَةٍ وَالنَّوْمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ نُدِبَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ»
стр. 82
أَيْ مِنْ التَّهَجُّدِ وَنَحْوِهِ مِنْ ذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ اسْتَقْبَلَتْ السَّهَرَ بِنَشَاطٍ وَقُوَّةِ انْبِسَاطٍ فَوَجْهُ النَّدْبِ هُوَ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ فَنَوْمُ الْعَالِمِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الْجَاهِلِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ «وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ» الظَّاهِرُ مِنْ كَانَ هُوَ الْكَثْرَةُ «يَفْعَلُ ذَلِكَ» وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ السُّنَّةِ الْعَادِيَّةِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَطْلُوبِ كَمَا سَمِعْت الِاهْتِمَامُ وَالِالْتِزَامُ عَلَى إتْيَانِ جَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى مُتَابَعَتِهِ ﵊
وَرُوِيَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ إذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا أَجْدَرُ أَنْ لَا يَزِيدَ فِيهِ وَلَا يُنْقِصَ مِنْهُ وَيَتَّبِعَ لِأَوَامِرِهِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ» فِي حَدِيثٍ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَتَّبِعُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآثَارَهُ وَحَالَهُ وَيَهْتَمُّ بِهِ حَتَّى كَانَ قَدْ خِيفَ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ اهْتِمَامِهِ بِذَلِكَ (م) مُسْلِمٌ.
(عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَغِبَ» أَعْرَضَ «عَنْ سُنَّتِي» لِاتِّبَاعِ هَوًى وَمَيْلِ نَفْسٍ وَتَرْجِيحِ بَاطِلٍ وَإِيثَارِ لَذَّةٍ فَانِيَةٍ عَاجِلَةٍ عَلَى بَاقِيَةٍ آجِلَةٍ دَائِمَةٍ وَالسُّنَّةُ الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ أَقْوَالًا أَوْ أَفْعَالًا «فَلَيْسَ مِنِّي» أَيْ مِنْ مِلَّتِي وَدِينِي أَوْ مِنْ أُمَّتِي الْكَامِلَةِ أَوْ فَلَيْسَ لَهُ شَفَاعَةٌ مِنِّي قِيلَ فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهَا مُعْتَقِدًا لَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ وَإِنْ لَمْ يَرَهَا حَقًّا وَتَهَاوَنَ بِهَا فَهُوَ كَافِرٌ لَا يَخْفَى أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ مُعْتَقِدًا سُنِّيَّتَهَا لَا يَكُونُ فَاسِقًا لَا سِيَّمَا السُّنَّةَ الْمُطْلَقَةَ الشَّامِلَةَ لِلزَّوَائِدِ وَأَنَّ مُعْتَقِدَ عَدَمِ حَقِّيَّةِ السُّنَّةِ إنَّمَا يَكْفُرُ إنْ مُتَوَاتِرًا فَلَعَلَّ الْكُفْرَ إمَّا فِي التَّوَاتُرِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الِاسْتِهَانَةِ وَالِاسْتِحْقَارِ إنْ اعْتَرَفَ سُنِّيَّتَهَا ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ السُّنَّةِ إمَّا مَا ثَبَتَ بِمُطْلَقِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِمَعْنَى مُطْلَقِ النَّدْبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُقَابِلِ لِلْوُجُوبِ وَنَحْوِهِ وَالظَّاهِرُ الْمُطْلَقُ الشَّامِل لَهُمَا (حب) ابْنُ حِبَّانَ
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ وَبِعَلَامَةِ وَاوٍ بَعْدَ رَاءٍ عُمَرَ فِي بَعْضِهَا فَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَلَى الْأَوَّلِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
(أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِكُلِّ عَمَلٍ» خَيْرًا وَشَرًّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا «شِرَّةٌ» بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ نَشَاطٌ وَرَغْبَةٌ وَالظَّاهِرُ الْمُرَادُ الشَّوْقُ وَالنَّشَاطُ فِي قَصْدِ الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ التَّرْجِيحُ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الدَّاعِي لِإِتْيَانِهِ.
«وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ» بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فُتُورٌ وَضَعْفٌ وَسُكُونٌ بَعْدَ حِدَّةٍ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ غَلَبَ نَشَاطُهُ إلَى شَيْءٍ مُطْلَقًا لَا بُدَّ وَأَنْ يَضْعُفَ مِنْهُ لِعَدَمِ عِلْمٍ وَغَفْلَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَوْ عَلِمَ كَمَالًا وَلَوْ شَرًّا وَضُرًّا فِي نَفْسِهِ أَقْبَلْت عَلَيْهِ وَأَقْدَمْت وَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ رَأْيِ وَجْهٍ مِنْ النَّقْصِ.
«فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ» أَيْ فُتُورُهُ «إلَى سُنَّتِي» بِتَرْكِ الْإِقْبَالِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالِاشْتِغَالِ إلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ «فَقَدْ اهْتَدَى» يَعْنِي مَنْ كَانَ فُتُورُهُ عَنْ كُلِّ أَعْمَالٍ لِلدُّخُولِ إلَى السُّنَّةِ أَوْ كَانَ ضَعْفُهُ وَعِيُّهُ لِأَجْلِ كَوْنِ حَالِهِ وَعَمَلِهِ مِنْ سُنَّةٍ إلَى سُنَّةٍ فَقَدْ اهْتَدَى أَيْ فَازَ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ «وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ» أَيْ فُتُورُهُ وَضَعْفُ طَلَبِهِ مِنْ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ «إلَى غَيْرِ ذَلِكَ» أَيْ غَيْرِ السُّنَّةِ كَالْبِدْعَةِ فَقَدْ هَلَكَ بِالضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا وَالْحَسْرَةِ فِي الْآخِرَةِ.
(طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (حب) وَابْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ فَالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ (حك) وَالْحَاكِمُ (عَنْ عَائِشَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سِتَّةٌ» صَحَّ كَوْنُهَا مُبْتَدَأً لِوَصْفٍ مُقَدَّرٍ أَوْ لِمُضَافٍ إلَيْهِ «لَعَنْتُهُمْ»
стр. 83
اللَّعْنُ الطَّرْدُ وَالْبُعْدُ عَنْ الرَّحْمَةِ ضِدُّ الرَّحْمَةِ «وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ» فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَا وَاوٍ.
فَقَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْقَاضِي لَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى جُمْلَةِ مَا قَبْلَهُ إمَّا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَمَا قَبْلَهُ خَبَرٌ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَمَّا قَبْلَهُ فِي الْمَعْنَى بِأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ هِيَ لَعْنَةُ رَسُولِهِ وَبِالْعَكْسِ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ اللَّعْنُ عَلَى مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ كَإِبْلِيسَ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَلْعَنْهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُمْ كَمَا فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» .
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» وَفِيهِ أَيْضًا «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «إنَّ الْعَبْدَ إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ اللَّعْنَةُ إلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ثُمَّ تَهْبِطُ إلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إلَى الَّذِي لَعَنَ إنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ وَإِلَّا رَجَعَتْ إلَى قَائِلِهَا» هَذَا الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِأَصْحَابِ الْمَعَاصِي فَجَائِزٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]-
وَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْته أَوْ سَبَبْته فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا» وَفِي رِوَايَةٍ «أَوْ جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً» وَنَحْوَهُمَا فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَكَذَا السَّبُّ وَاللَّعْنُ لِحَدِيثِ «فَأَيَّمَا أَحَدٍ دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ فَاجْعَلْهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً» فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الدُّعَاءُ عَلَى أَحَدٍ بِلَا اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ ﵊ أُجِيبَ تَارَةً يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَكُونُ أَهْلًا فِي الظَّاهِرِ وَتَارَةً أَنَّ نَحْوَ السَّبِّ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ جَارٍ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِ تَرِبَتْ يَمِينُك وَلَا كَبُرَتْ سِنُّك فَيُخَافُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إجَابَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِيهَامِ فَيَتَدَارَكُ بِدَعْوَةٍ نَحْوِ الْقُرْبَةِ وَالْكَفَّارَةِ
«وَ» لَعَنَ «كُلُّ نَبِيٍّ» وَقَدْ كَانَ شَأْنُهُمْ «مُجَابُ الدَّعْوَةِ» لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُجَابٌ لَا بَعْضٌ مِنْهُمْ فَالْوَصْفُ لَا لِلتَّخْصِيصِ بَلْ نَحْوُ التَّوْضِيحِ فَمَا قِيلَ إنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ عَطْفٌ عَلَى سِتَّةٌ لَعَنْتهمْ أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَعَنْتهمْ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ كُلُّ عَلَى فَاعِلِ لَعَنْتهمْ وَمُجَابُ صِفَةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ كَوْنُ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ مُجَابِ الدَّعْوَةِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا قِيلَ قَوْلُهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إمَّا إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَإِمَّا إنْشَاءُ اللَّعْنِ أَيْ الدُّعَاءِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْوَاوُ اسْتِئْنَافٌ وَيُنَاسِبُهُ الْإِخْبَارُ بَعْدَهُ بِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُجَابُ الدَّعْوَةِ وَقَوْلُهُ كُلُّ نَبِيٍّ إمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَعَنْتهمْ أَوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ مُجَابُ الدَّعْوَةِ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ الْأَوَّلُ مِنْ السِّتَّةِ «الزَّائِدُ» الَّذِي زَادَ «فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» يَعْنِي الْقُرْآنَ مَا لَيْسَ مِنْهُ نَظْمًا أَوْ خَطًّا أَوْ مَعْنًى أَوْ كَيْفِيَّةً وَأَدَاءً كُلُّ ذَلِكَ عَمْدًا وَكَذَا إدْخَالُ مَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً أَوْ اكْتِفَاءً
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْكِتَابِ وَمَأْخُوذَةٌ مِنْهُ أَوْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى كَوْنِ كُلٍّ مِنْهَا حُجَّةً وَيَدْخُلُ فِيهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ غَيْرِ مُحَافَظٍ فِيهِ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ وَلَوَازِمَ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ» وَمِنْ هَاهُنَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ لَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِأَحَدٍ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا مُتَّسِعًا فِي مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ إلَّا بِرِوَايَةٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ جَامِعًا لِلْعُلُومِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُفَسِّرُ إلَيْهَا كَاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ وَعُلُومِ الْبَيَانِ وَالْقِرَاءَاتِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالْقَصَصِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْفِقْهِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُبَيِّنَةِ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ وَالْخَامِسَ عَشَرَ عِلْمُ الْمَوْهِبَةِ الَّذِي يُورِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» وَسَيُفَصَّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ مَعْنَى الزِّيَادَةِ هُوَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ لِتَرْوِيجِ هَوَاهُ وَبِدْعَتِهِ
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَيُحْتَمَلُ سِيَاقُهُ وَسِيَاقُهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ فَمُرَخَّصٌ
стр. 84
«وَ» الثَّانِي «الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ» تَعَالَى وَقَضَائِهِ أَيْ مُنْكِرُهُ مِنْ كَذَّبَ بِالْأَمْرِ تَكْذِيبًا أَنْكَرَهُ كَالْقَدَرِيَّةِ الْمُنْكِرِينَ كَوْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِقَضَائِهِ تَعَالَى بَلْ يَقُولُونَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ بِدُونِ مَدْخَلٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» الْحَدِيثَ.
«وَ» الثَّالِثُ «الْمُتَسَلِّطُ» مِنْ التَّسْلِيطِ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ وَالسَّلِيطُ الشَّدِيدُ وَاللِّسَانُ الطَّوِيلُ وَالطَّوِيلُ اللِّسَانِ وَقَدْ سَلُطَ كَكَرُمَ وَسَمِعَ سَلَاطَةً وَسُلُوطَةً بِالضَّمِّ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمَعْنَى الْمُطْلِقُ قَهْرَهُ وَقُدْرَتَهُ أَوْ الْمُطْلِقُ لِسَانَهُ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ «عَلَى أُمَّتِي» الْإِجَابَةِ وَالْمُعَاهَدِينَ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ «بِالْجَبَرُوتِ» بِالْبَاطِلِ وَالْغُرُورِ هُوَ فَعَلُوتٌ مِنْ الْجَبْرِ لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَظَمُوتِ مِنْ الْعَظَمَةِ أَيْ الَّذِي يَتَسَلَّطُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ «لِيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى» بِعِلْمٍ أَوْ دِينٍ أَوْ صَلَاحٍ بِدُنْيَا كَمَالٍ حَلَالٍ وَصَنْعَةٍ وَحُسْنِ خُلُقٍ «وَيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ» تَعَالَى بِنَحْوِ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ وَالْفَسَادِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَيَدْخُلُ فِيهِ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ «وَ» الرَّابِعُ «الْمُسْتَحِلُّ» الْمُسْتَبِيحُ «لِحَرَمِ اللَّهِ» بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ حَرَمِ مَكَّةَ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَضَمُّ الْحَاءِ عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ حُرْمَةٍ تَصْحِيفٌ يَعْنِي مَنْ فَعَلَ فِي حَرَمِ اللَّهِ مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ كَاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ وَاسْتَغْرَبَهُ الْمُنَاوِيُّ وَقَالَ إنَّ الضَّمَّ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَعَمَّ قَالَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ كَمَا قَالَ وَلَمْ يَثْبُتْ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِهِ لِلْمُنَاوِيِّ لَكِنْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُسْتَحِلُّ حُرْمَةَ اللَّهِ وَفَسَّرَهُ أَيْ يَسْتَحِلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَيَعْتَقِدُ حِلَّهُ فَلِذَلِكَ كَافِرٌ ثُمَّ مِقْدَارُ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ مِيلًا وَمِنْ الثَّالِثِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
وَمِنْ الرَّابِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَذَكَرَ أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَهُ ضَوْءٌ فَكُلُّ مَوْضِعٍ بَلَغَ ضَوْءُهُ كَانَ حَرَمًا مُحْتَرَمًا فَوَجَبَ تَعْظِيمُهُ أَبْلَغَ وَجْهٍ «وَ» الْخَامِسُ «الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي» بِالْكَسْرِ نَسْلُ الرَّجُلِ وَرَهْطُهُ أَوْ عَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ مِمَّنْ مَضَى وَمَنْ سَيَأْتِي قِيلَ وَالْمَعْنَى مِنْ ذُرِّيَّتِي وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِي الثَّابِتِ نَسَبُهُمْ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ أَوْ الشُّهْرَةِ أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ كَأَنْ صَارَ وَاقِعَةً شَرْعِيَّةً وَثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ وَإِلَّا فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الظَّنِّ «مَا» قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ ظَنًّا «حَرَّمَ اللَّهُ» .
أَيْ حَكَمَ اللَّهُ بِحُرْمَتِهِ يَعْنِي مَنْ فَعَلَ بِأَقَارِبِي مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مِنْ إيذَائِهِمْ أَوْ تَرْكِ
стр. 85
تَعْظِيمِهِمْ فَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ فَكَافِرٌ خَصَّهُمَا بِاللَّعْنِ لِتَأْكِيدِ حَقِّ الْحَرَمِ وَالْعِتْرَةِ وَعِظَمِ قَدْرِهِمَا بِإِضَافَتِهِمَا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَذَا الْمُنَاوِيُّ وَقِيلَ يَدْخُلُ فِيهِ الْقَاذِفُ لَهُمْ وَالشَّاتِمُ وَاَلَّذِي ظَنَّ بِهِمْ سُوءًا أَوْ اغْتَابَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ وَغَيْرَهَا فَإِثْمُهُ أَبْلَغُ مِنْ إثْمِ مَنْ فَعَلَ بِغَيْرِهِمْ حَيْثُ تَأَذَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَذَاهُمْ وَلِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مَرْجِعُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ قِبَلِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] «وَ» السَّادِسُ «التَّارِكُ لِسُنَّتِي» الَّذِي يَتْرُكُ سُنَّتِي.
قَالَ الْمُنَاوِيِّ بِأَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهَا اسْتِخْفَافًا أَوْ قِلَّةَ احْتِفَالٍ بِهَا وَالْمُرَادُ بِاللَّعْنِ الْإِبْعَادُ عَنْ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ فَإِنَّ مَنْ قَامَ فِي مَعْصِيَتِهِ بَعِيدٌ عَنْهُمَا.
وَقِيلَ نَقْلًا عَنْ التَّوْفِيقِ الَّذِي يَتْرُكُ سُنَنَ الْهُدَى عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَرَغْبَةً عَنْهَا وَاسْتِخْفَافًا فَهُوَ مَلْعُونٌ فَيَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَالْعِتَابَ وَقِيلَ يَكْفُرُ فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ انْتَهَى يُشِيرُ كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ إلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ سُنَّةٍ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلْإِبْعَادِ عَنْ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ تَرْكَ سُنَّةٍ وَاحِدَةٍ مُوجِبٌ لِإِبْعَادِ خَيْرٍ مَنُوطٍ بِتِلْكَ السُّنَّةِ وَكَذَا الرَّحْمَةُ وَإِنْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِخْفَافًا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كُفْرٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِبْعَادِ عَنْ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَعُمُّ الْكُفْرَ وَبِهِ يَظْهَرُ الْمَنْقُولُ عَنْ التَّوْفِيقِ إذْ اسْتِخْفَافُ السُّنَّةِ بِلَا تَأْوِيلٍ كُفْرٌ وَالْكَلَامُ فِيمَا أُقِرَّتْ سُنِّيَّتُهُ.
وَكَذَا قَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ إذْ مَا كَانَ ثُبُوتُهَا قَطْعًا كَالتَّوَاتُرِ فَمُنْكِرُهَا كَافِرٌ وَمَا كَانَ ثُبُوتُهَا شُهْرَةً فَمُفَسَّقٌ وَمَا كَانَ آحَادًا فَإِنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ الرِّوَايَةِ مِنْ نَحْوِ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْمَعْرُوفِ فِيهِ فَمُلْحَقٌ بِالشُّهْرَةِ وَإِلَّا فَلَا يُوجِبُ الْعِقَابَ وَالْعِتَابَ فَلْيُتَأَمَّلْ (خ م) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أَنَّهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤْمِنُ» إيمَانًا كَامِلًا كَمَا نُقِلَ عَنْ فَتْحِ الْبَارِي أَوْ إيمَانًا صَحِيحًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْمُرَادُ بِنَفْيِهِ نَفْيُ بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ وَنِهَايَتِهِ مِنْ قَبِيلِ خَبَرِ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» «أَحَدُكُمْ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَخُصُّوا بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمْ الْمَوْجُودُونَ إذْ ذَاكَ وَالْحُكْمُ عَامٌّ «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ» غَايَةً لِنَفْيِ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَنْ كَمُلَ إيمَانُهُ عَلِمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِتَرْجِيحِ حُبِّهِ عَلَى حُبِّ كُلٍّ «مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» وَلَفْظُ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ» الْمَقْصُودُ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ وَتَقْدِيمُ الْوَلَدِ لِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ إذْ كُلُّ أَحَدٍ لَهُ وَالِدٌ وَلَا عَكْسَ وَتَخْصِيصُهُمَا لِأَنَّهُمَا أَعَزُّ مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَالِ بَلْ عِنْدَ الْبَعْضِ وَمِنْ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّفْسَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَشَمِلَ لَفْظُ الْوَالِدِ الْأُمَّ أَوْ لِلدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ عَنْ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالْآخَرِ وَعُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ قَوْلُهُ «وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» حُبًّا اخْتِيَارِيًّا إيثَارًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ رُجْحَانَهُ مِنْ حُبِّهِ احْتِرَامًا وَإِجْلَالًا وَإِنْ كَانَ حُبُّ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ مَرْكُوزًا فِي غَرِيزَتِهِ فَسَقَطَ اسْتِشْكَالُهُ بِأَنَّ الْمَحَبَّةَ أَمْرٌ غَرِيزِيٌّ لَا يَدْخُلُهُ الِاخْتِيَارُ فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِهِ إذْ الْمُرَادُ حُبُّ الِاخْتِيَارِ الْمُسْتَنِدُ إلَى الْإِيمَانِ فَمَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُؤْثِرَ رِضَايَ عَلَى هَوَى وَالِدَيْهِ وَأَوْلَادِهِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ إرَادَةُ طَاعَتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ وَهُوَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ وَالْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ أَصْنَافَ الْمَحَبَّةِ الثَّلَاثَةِ مَحَبَّةُ إجْلَالٍ كَمَحَبَّةِ الْوَالِدِ وَالْعُلَمَاءِ وَمَحَبَّةُ رَحْمَةٍ وَإِشْفَاقٍ كَمَحَبَّةِ الْوَلَدِ وَمَحَبَّةُ مُشَاكَلَةٍ كَمَحَبَّةِ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَحَبَّةً رَاجِحَةً عَلَى ذَلِكَ كَمَحَبَّةِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَشَاهِدُ صِدْقِ ذَلِكَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي رِضَا الْمَحْبُوبِ وَإِيثَارُهُ عَلَى كُلِّ مَصْحُوبٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ إلَى قَضِيَّةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَالْمُطْمَئِنَّةِ فَمَنْ رَجَّحَ جَانِبَ الْمُطْمَئِنَّةِ كَانَ حُبُّهُ لِنَبِيِّهِ رَاجِحًا وَمَنْ رَجَّحَ الْأَمَّارَةَ كَانَ بِالْعَكْسِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَحَبَّ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنَى
стр. 86
مَفْعُولٍ وَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَفَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ مَعَ أَنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ قِيلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْفَضْلِ فَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِتَحْقِيقِ إنَافَةِ قَدْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْزِلَتِهِ عَلَى كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدٍ وَمُحْسِنٍ وَمُفَضِّلٍ وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ هَذَا وَاعْتَقَدَ سِوَاهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَكَيْفَ وَقَدْ اسْتَنْقَذَنَا مِنْ النَّارِ وَهَدَانَا إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَمِنْ مَحَبَّتِهِ نُصْرَةُ سُنَّتِهِ وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَإِجْلَالُهَا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي بَيَان الْبِدَعِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْبِدَعِ)
جَمْعُ بِدْعَةٍ خِلَافُ السُّنَّةِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا وَقَوْلًا وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا الْبِدْعَةُ فِي الشَّرِيعَةِ إحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي
стр. 87
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ الْبِدْعَةُ مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ.
وَعَنْ الْهَرَوِيِّ الْبِدْعَةُ الرَّأْيُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مُسْتَنْبَطٌ وَقِيلَ عَنْ الْفِقْهِيَّةِ الْبِدْعَةُ الْمَمْنُوعَةُ مَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِسُنَّةٍ أَوْ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ سُنَّةٍ فَالْبِدْعَةُ الْحَسَنَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلٍ وَسَنَدٍ ظَاهِرٍ أَوْ خَفِيٍّ أَوْ مُسْتَنْبَطٍ قِيلَ عَنْ حَوَاشِي الْمُصَنِّفِ أَقْبَحُ الْبِدَعِ عَشَرَةٌ أَوَّلُهَا
стр. 88
تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ بِالْأُجْرَةِ سِيَّمَا بِغَلَّةِ النُّقُودِ فَإِنَّ وَقْفَهَا بَاطِلٌ وَكَذَا الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ وَمِنْهُ التَّسْبِيحُ وَنَحْوُهُ لِتَرْوِيجِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِسُؤَالِ الْمَالِ وَثَانِيهَا طَعَامُ الْمَيِّتِ وَإِيقَادُ الشُّمُوعِ فِي الْمَقَابِرِ وَالْجَهْرُ بِالذِّكْرِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَالْعَرُوسِ وَنَحْوِهِمَا وَالْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَتَزْيِينُهُ وَالْبَيْتُوتَةُ عِنْدَهُ ثَالِثُهَا الْجَمَاعَةُ فِي النَّفْلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ وَالْبَرَاءَةِ وَالْقَدْرِ وَالتَّسْبِيحِ بِالْجَمَاعَةِ. رَابِعُهَا تَرْكُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَالسُّرْعَةُ وَالنَّقْرُ نَقْرَ الْغُرَابِ. خَامِسُهَا مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ وَمُخَالَفَتُهُ سَادِسُهَا عَدَمُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. سَابِعُهَا التَّغَنِّي وَسَمَاعُ الْغِنَاءِ وَمِنْهُ اللَّحْنُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَالرَّقْصُ وَالِاضْطِرَابُ. ثَامِنُهَا التَّصْلِيَةُ وَالتَّرْضِيَةُ وَالتَّأْمِينُ وَنَحْوُهَا عِنْدَ الْخُطْبَةِ تَاسِعُهَا التَّصَدُّقُ عَلَى الْمُسْرِفِ وَالسَّائِلِ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّلَاعُبُ وَاتِّخَاذُ الطَّعَامِ لِلرَّقْصِ وَخَتْمُ الْقُرْآنِ أَوْ لِلشُّهْرَةِ وَالرِّيَاءِ عَاشِرُهَا اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ وَتَوْحِيدُهُنَّ بِالْجَهْرِ وَخَلْوَتُهُنَّ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيٍّ لِلتَّهْنِئَةِ وَالتَّعْزِيَةِ وَالْعِيَادَةِ وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالدَّعْوَةِ إذَا كَانَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ وَقِرَائَتِهِنَّ مَوْلِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَهْرِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الرِّجَالُ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ خُصُوصًا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَالشَّوَابِّ مَعَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ انْتَهَى قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهَا مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ لِصُدُورِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ فَضَالٌّ وَمُضِلٌّ مَنْ اسْتَقْبَحَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُسْتَحْسَنَاتِ الشَّرْعِ فَتَكُونُ حَسَنَةً مُثَابًا عَلَيْهَا وَتَارِكُهَا مَحْرُومٌ أَقُولُ قَدْ عَرَفْت جَوَابَهُ فِيمَا سَبَقَ، وَنِسْبَتُهَا إلَى نَحْوِ الصَّحَابَةِ افْتِرَاءٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانٍ كَيْفَ وَلَوْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ لَكَانَتْ سُنَّةً لَا بِدْعَةً وَهُوَ مُعْتَرَفٌ بِبِدْعِيَّتِهَا وَقَدْ نَقَلَ فِي بِدْعِيَّةِ كُلٍّ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمَشَايِخِ مَا لَا يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ وَلَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ (الْأَخْبَارُ) الدَّالَّةُ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ.
(خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْدَثَ» اخْتَرَعَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ «فِي أَمْرِنَا» شَأْنِنَا وَدِينِنَا «هَذَا» الْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ وَلِكَمَالِ اسْتِحْضَارِهِ وَشَرَفِ مَنْزِلَتِهِ وَلِقُوَّةِ ظُهُورِهِ كَالْمَحْسُوسِ «مَا» اعْتِقَادًا أَوْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ حَالًا أَوْ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا وَمَعْنَى الْإِحْدَاثِ لِرَجَاءِ الثَّوَابِ «لَيْسَ مِنْهُ» أَيْ رَأْيًا لَيْسَ لَهُ فِي الْكِتَابِ عَاضِدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مَلْفُوظٌ أَوْ مُسْتَنْبَطٌ (فَهُوَ رَدٌّ) أَيْ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِيهِ تَلْوِيحٌ بِأَنَّ دِينَنَا قَدْ كَمُلَ وَظَهَرَ
стр. 89
كَضَوْءِ الشَّمْسِ بِشَهَادَةِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِمَرْضِيَّةٍ.
وَأَمَّا مَا شَهِدَ لَهُ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ فَمَقْبُولٌ كَبِنَاءِ نَحْوِ رِبَاطٍ وَمَدَارِسَ وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْدُودٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ قَاعِدَتِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ يَنْبَغِي حِفْظُهُ لِإِبْطَالِ الْمُنْكَرَاتِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَلِذَا قِيلَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نِصْفَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتَرَكَّبُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَالْمَطْلُوبُ بِالدَّلِيلِ إمَّا بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْحَدِيثُ مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى فِي إثْبَاتِ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَنَفْيِهِ؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُ مُقَدِّمَةٌ كُلِّيَّةٌ فِي كُلِّ دَلِيلٍ نَافِي الْحُكْمِ كَأَنْ يُقَالَ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءٍ نَجِسٍ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ رَدٌّ فَهَذَا الْعَمَلُ رَدٌّ فَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ ثَابِتَةٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأُولَى وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّرْعِ فَصَحِيحٌ فَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ ثَابِتَةٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْأُولَى فِيهَا النِّزَاعُ فَلَوْ وُجِدَ حَدِيثٌ يَكُونُ مُقَدِّمَةً أُولَى فِي إثْبَاتِ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَنَفْيِهِ لَا يَسْتَقِلُّ الْحَدِيثُ بِجَمِيعِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ لَكِنْ الثَّانِي لَمْ يُوجَدْ فَحَدِيثُنَا نِصْفُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَفِيهِ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي الْبَاطِنِ وَأَنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ مَنْقُوضٌ وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ
قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ رَدِّ الْبِدْعَةِ فِي نَحْوِ الْعَادَاتِ (وَفِي رِوَايَةٍ) عَنْ عَائِشَةَ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا» أَيْ شَرْعُنَا «فَهُوَ رَدٌّ» (خ) الْبُخَارِيُّ (عَنْ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ (الزُّهْرِيِّ) الْمُنْتَسِبِ لِبَنِي زُهْرَةَ الَّذِينَ مِنْهُمْ أُمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ (قَالَ دَخَلْت عَلَى أَنَسٍ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْت مَا يَبْكِيك قَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت) أَدْرَكْته فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ) أَيْ جِنْسَهَا أَوْ صُورَتَهَا (وَ) الْحَالُ أَنَّ (هَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ بِنَحْوِ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا وَتَرْكِ تَعْدِيلِهَا وَعَدَمِ رِعَايَةِ آدَابِهَا وَأَرْكَانِهَا وَخُشُوعِهَا وَحُضُورِهَا وَتَرْكِ جَمَاعَتِهَا وَبِالْجُمْلَةِ عَدَمُ إتْيَانِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى إظْهَارِ التَّأَسُّفِ وَالْحُزْنِ عِنْدَ انْتِهَاك حُرُمَاتِ الشَّرْعِ وَفِيهِ عَدَمُ تَعْيِينِ أَحَدٍ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَتَعْمِيمُ الْإِنْكَارِ وَسَتْرُ قَبَائِحِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعَيَّنِينَ فَإِنَّ بُكَاءَهُ إنَّمَا هُوَ لِرُؤْيَتِهِ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ.
(طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ أُمَّةٍ» جَمَاعَةٍ «ابْتَدَعَتْ» اسْتَحْدَثَتْ «بَعْدَ» زَمَانِ «نَبِيِّهَا فِي دِينِهَا بِدْعَةً» أَيْ بِدْعَةً مَمْنُوعَةً فِي الْإِطْلَاقِ، وَالتَّنْكِيرُ إشَارَةٌ إلَى شُمُولِ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ اعْتِقَادًا وَفِعْلًا وَخُلُقًا وَقَوْلًا إذْ النَّكِرَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَتْ بِعَامَّةٍ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَالْمُطْلَقُ جَارٍ عَلَى إطْلَاقِهِ.
«إلَّا أَضَاعَتْ» تِلْكَ الْأُمَّةُ أَيْ أَذَهَبَتْ وَتَرَكَتْ «مِثْلَهَا مِنْ السُّنَّةِ» إذْ فِعْلُ الْبِدْعَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ لَعَلَّ السُّنَّةَ عَامٌّ لِمُطْلَقِ الشَّرْعِيَّاتِ فَخِلَافُ الْفِعْلِ الْبِدْعَةُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ نَدْبٌ فَالْبِدْعَةُ مُفَوِّتٌ لِمَا ذُكِرَ أَوْ أَنَّ فِعْلَ الْبِدْعَةِ يُقَسِّي الْقَلْبَ فَصَاحِبُهُ يَتَجَاسَرُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُنْكَرِ قِيلَ السُّنَّةُ الضَّائِعَةُ بِسَبَبِ الْبِدْعَةِ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ الْخُشُوعِ وَالْحُضُورِ وَتَرْكِ فِكْرِ الْقَلْبِ عِنْدَ التِّجَارَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]-
(طب عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ» سَتَرَ وَمَنَعَ
стр. 90
«التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» إمَّا بِصَرْفِ أَصْلِ التَّوْبَةِ أَوْ بِصَرْفِ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا كَالْقَلْعِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَأَكْثَرُهَا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ بِدْعَتَهُ إلَى أَنْ يَرَى حَسَنَةً «حَتَّى يَدَعَ» يَتْرُكَ «بِدْعَتَهُ» بِسَبَبِ نُورٍ قَذَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ قِيلَ وَلِهَذَا كُلَّمَا أَرَادَ تَوْبَةً مَنَعَ مَانِعٌ فَلَا يَتَيَسَّرُ لِاحْتِجَابِ التَّوْبَةِ مِنْ تِلْكَ الْبِدْعَةِ قِيلَ هَذِهِ مَا فِي الِاعْتِقَادِ (مج) ابْنِ مَاجَهْ.
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبَى اللَّهُ» أَيْ كَرِهَ وَامْتَنَعَ لِقُوَّةِ قُبْحِ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْعُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَحُكْمُ الشَّيْطَانِ «أَنْ يَقْبَلَ» قَبُولَ إثَابَةٍ وَرِضًا أَوْ قَبُولَ كَمَالٍ عَلَى رُتْبَةِ الْبِدْعَةِ «عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» الظَّاهِرُ مُطْلَقُ الْعَمَلِ لَا عَمَلُهُ الَّذِي هُوَ الْبِدْعَةُ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ طَاعَةٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ إذْ النُّصُوصُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ هِيَ الْمَذْمُومَةُ كَمَا يُفَصَّلُ مِنْ الْمُصَنِّفِ «حَتَّى» إلَى أَنْ «يَدَعَ» يَتْرُكَ «بِدْعَتَهُ» بِالنَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ قَهْرِ اللَّهِ أَوْ طَمَعًا فِي ثَوَابِ اللَّهِ أَوْ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِهِ لَا خَوْفًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ أَوْ عَدَمِ قُدْرَتِهِ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِصْرَارِ الْبَاطِنِيِّ عَلَى تِلْكَ الْبِدْعَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ كَمَا أَنَّ عَمَلَ الْمُبْتَدِعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَذَنْبُهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى سَلَامَةِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّنْفِيرُ عَنْ مُلَازَمَةِ الْبِدْعَةِ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِهَا وَالْكَلَامُ فِي بِدْعَةٍ غَيْرِ مُكَفِّرَةٍ.
وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الْمُكَفِّرَةُ كَمُنْكِرِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَالْمُجَسِّمِ وَالْكَوْنِ فِي مَكَان وَالِاتِّصَالِ بِالْعَالَمِ وَالِانْفِصَالِ عَنْهُ فَلَا يُوصَفُ عَمَلُهُ بِقَبُولٍ وَرَدٍّ.
(مَجَّ عَنْ حُذَيْفَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ الْيَمَانِ الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ شَهِدَ هُوَ وَأَبُوهُ أُحُدًا وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَعُرِفَ بِصَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَقَالَ فِي حَقِّهِ «مَا حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ يَوْمٍ أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ يَوْمٍ آتِي أَهْلِي فَلَا أَجِدُ عِنْدَ هُمْ طَعَامًا وَيَقُولُونَ مَا نَقْدِرُ عَلَى قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. وَقَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إلَّا مَنْ دَعَا بِدُعَاءٍ كَدُعَاءِ الْغَرِيقِ وَقَالَ وَإِيَّاكُمْ وَمُوَافَقَةَ الْفِتَنِ قِيلَ وَمَا هَذِهِ قَالَ أَبْوَابُ الْأُمَرَاءِ يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَيُصَدِّقُهُ بِالْكَذِبِ. وَقَالَ أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْخُشُوعُ وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ وَقَالَ الْمُنَافِقُ مَنْ يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ وَقَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ لِي لِسَانًا ذَرِبًا عَلَى أَهْلِي قَدْ خَشِيت أَنْ يُدْخِلَنِي النَّارَ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» وَقَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَوْلَا أَنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ الْآخِرَةِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي كُنْت أُحِبُّ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَأُحِبُّ الذِّلَّةَ عَلَى الْعِزِّ وَأُحِبُّ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ حَبِيبٌ أَيْ الْمَوْتُ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ لَا أَفْلَحَ مِنْ نَدِمَ وَجَزِعَ حُذَيْفَةُ جَزَعًا شَدِيدًا حِينَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا فَقِيلَ مَا يُبْكِيك قَالَ مَا أَبْكِي أَسَفًا عَلَى الدُّنْيَا بَلْ الْمَوْتُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَكِنْ مَا أَدْرِي عَلَى مَا أُقْدِمُ عَلَى رِضًا أَمْ عَلَى سَخَطٍ مَاتَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَوْصَى ابْنَيْهِ صَفْوَانَ وَسَعِيدًا أَنْ يُبَايِعَا عَلِيًّا فَفَعَلَا وَقَاتَلَا مَعَهُ وَقُتِلَا مَعَهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -
(أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى» وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْإِثَابَةُ قِيلَ رِفْعَةُ شَأْنِ الْعَمَلِ وَإِنْ قَلِيلًا أَوْ مُبَاهَاةُ الْمَلَائِكَةِ بِهِ وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ فِي الدُّنْيَا بِمَقَامَاتِ الْكَشْفِ الْإِلَهِيِّ وَفِي الْآخِرَةِ بِالرُّؤْيَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، أَقُولُ هَذَا يُنَاسِبُ الْقَبُولَ الْكَامِلَ «لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ» يَقْتَضِي ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ الشُّمُولَ لِمَا فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِطْلَاقِ الْكَمَالُ وَادَّعَى الْكَمَالَ فِي الْعِبَادَةِ كَالِاعْتِقَادِ أَوْ يُرَادُ الشُّمُولُ وَادَّعَى أَنَّ الْعَادَةَ إذَا لَمْ تُقَارَنْ بِإِذْنِ الشَّارِعِ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ لَكِنْ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ يَجْعَلَ الْقَبُولَ كُلِّيًّا مُشَكِّكًا «صَوْمًا وَلَا حَجًّا» سَوَاءٌ كَانَا فَرِيضَتَيْنِ أَوْ نَفَلَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْبِدْعَةَ مُوَصِّلَةٌ إلَى الْكُفْرِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ
стр. 91
الْقَبُولِ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي مُطْلَقِ الْبِدْعَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوَصِّلْ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَنْ الْبِدْعَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. قُلْت: الصِّحَّةُ غَيْرُ الْقَبُولِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ عَمَلٍ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ قَبُولُهُ كَالصَّلَاةِ بِلَا تَعْدِيلِ أَرْكَانٍ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَقْبُولَةٍ قَبُولَ حُسْنٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] «وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا» قِيلَ نَفْلًا وَقِيلَ انْصِرَافًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ أَيْ تَوْبَةً قَالَ فِي الْقَامُوسِ الصَّرْفُ التَّوْبَةُ «وَلَا عَدْلًا» الْعَدَالَةُ ضِدُّ الْجَوْرِ وَقِيلَ الْفِدْيَةُ أَوْ الْفَرِيضَةُ أَوْ الصَّرْفُ الْوَزْنُ وَالْعَدْلُ الْكَيْلُ أَوْ الصَّرْفُ الِاكْتِسَابُ وَالْعَدْلُ الْجَزَاءُ أَوْ الْحِيلَةُ وَحَاصِلُ الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ عَمَلًا مِنْ الطَّاعَاتِ مَا دَامَ عَلَى بِدْعَتِهِ وَتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالذِّكْرِ لِقُوَّةِ صُعُوبَتِهَا بِالنَّفْسِ فَيُفْهَمُ الْغَيْرُ بِالْأَوْلَى كَذَا قِيلَ لَكِنْ يَشْكُلُ بِالصَّلَاةِ لِشَرَفِهَا فِي ذَاتِهَا وَإِتْعَابِهَا فِي أَدَائِهَا الْكَامِلِ «يَخْرُجُ» لِتَرْجِيحِ هَوَى نَفْسِهِ وَإِيثَارِ حُكْمِ شَيْطَانِهِ عَلَى رِضَا رَحْمَانِهِ وَأَمْرِ نَبِيِّهِ «مِنْ الْإِسْلَامِ» أَيْ الْكَامِلِ أَوْ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ أَيْ مِنْ تَسْلِيمِهِ أَمْرَ شَرِيعَتِهِ كَمَا يَخْرُجُ مُطْلَقُ الْعُصَاةِ مِنْ انْقِيَادِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْإِسْلَامُ مَا بِالْجَوَارِحِ وَالْإِيمَانُ مَا بِالْقَلْبِ فَلَا يُنَافِي إيمَانَهُ إذْ قَدْ يُوجَدُ الْإِيمَانُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَعْضٍ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْبِدْعَةِ كَمَالُهَا الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ «كَمَا يُخْرَجُ الشَّعْرُ مِنْ الْعَجِينِ» ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْخَفَاءَ، وَالْبِدْعَةُ الْمُكَفِّرَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْإِسْلَامِ قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنَّهُ خَفِيَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُبْتَدِعِ إذْ عِنْدَهُ هِيَ طَاعَةٌ أَوْ إصَابَةٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا نُسَلِّمُ اقْتِضَاءَهُ الْخَفَاءَ بَلْ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْمُبْتَدِعِ، فَإِنَّ الشَّعْرَةَ إذَا جُذِبَتْ مِنْ الْعَجِينِ لَا يَعْلَقُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الْعَجِينِ
(وَقَدْ سَبَقَ) فِي نَوْعِ الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ (حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَ) حَدِيثُ (جَابِرٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْمُشْتَمِلَانِ عَلَى قَوْلِهِ «كُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا هُوَ التَّمْهِيدُ لِلسُّؤَالِ الْآتِي أَخَّرَهُ هُنَا لِطُولِهِ مَعَ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ فَصْلِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الْمُرْتَبِطَةِ عَنْ بَعْضٍ (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ التَّطْبِيقُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﵊) فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» قِيلَ الْأَوْلَى وَكُلُّ بِدْعَةٍ بِالْوَاوِ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّهُ بَعْضُ الْحَدِيثِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَرَكَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِوُرُودِ الْإِشْكَالِ (وَبَيْنَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ) الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ وَدَلِيلِ الْجِنْسِ فَالْمُتَبَادَرُ هُنَا الِاسْتِغْرَاقُ وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ الْإِجْمَاعَ وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَالْحَدِيثِ سِيَّمَا خَبَرُ الْوَاحِدِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى التَّوْفِيقِ وَالتَّطْبِيقِ بَلْ قَالُوا فِي مُطْلَقِ تَعَارُضِ الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ يُقَدَّمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إذْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى التَّأْوِيلِ أَوْ التَّخْصِيصِ أَوْ الضَّعِيفِ أَوْ الْمَنْسُوخِ بِخِلَافِهَا فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَقُولُ الْمُتَبَادَرُ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا إجْمَاعَ وَيَجُوزُ إرْجَاعُ حَاصِلِ الْإِشْكَالِ إلَى أَنْ يُقَالَ هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ.
(إنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً) وَأَمَّا صَلَاحِيَّةُ الْمُبَاحِ لِمَا فِيهِ ضَلَالَةٌ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَلَى عَنْ الْعَوَارِضِ وَطَبْعُهُ لَا يَكُونُ ضَلَالَةً فَيَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحِ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ فَبَعْضُ الْمُبَاحِ ضَلَالَةٌ فَهَذَا خُلْفٌ وَكَذَا غَيْرُهُ (كَاسْتِعْمَالِ الْمُنْخُلِ) لِنَخْلِ الدَّقِيقِ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تُفْتَحَ خَاؤُهُ مَا يُنْخَلُ بِهِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ قِيلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ إنَّهُ مِنْ النَّوَادِرِ إذْ قِيَاسُ اسْمِ الْآلَةِ الْكَسْرُ (وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى أَكْلِ لُبِّ الْحِنْطَةِ) بِإِزَالَةِ قِشْرِهَا بِالْمُنْخُلِ.
وَفِي التَّقْيِيدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَأْكُلُونَ اللُّبَّ لَكِنْ نَادِرٌ لَيْسَ بِمُوَاظَبَةٍ إذْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْأُصُولِ وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي خَبَرِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَكْلُ لُبِّ الْحِنْطَةِ (وَالشِّبَعُ مِنْهُ)
стр. 92
أَيْ مِنْ أَكْلِ اللُّبِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيه وَسُكُونِهِ مَصْدَرُ شَبِعَ امْتَلَأَ وَفِي الشِّرْعَةِ أَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ الشِّبَعُ وَهَذِهِ الْمَنَاخِلُ وَلَمْ يُرَ نَبِيُّنَا يَأْكُلُ نَقِيًّا أَيْ مَا نُقِّيَ دَقِيقُهُ وَفِي شَرْحِهِ كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ فَتَأَمَّلْ (وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً كَبِنَاءِ الْمَنَارَةِ) الْمِئْذَنَةِ مَوْضِحِ الْأَذَانِ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْمِئْذَنَةُ بِالْكَسْرِ مَوْضِعُ الْأَذَانِ أَوْ الْمَنَارَةُ أَوْ الصَّوْمَعَةُ (وَالْمَدَارِسِ) جَمْعُ مَدْرَسَةٍ مَوْضِعُ الدِّرَاسَةِ أَيْ الْقِرَاءَةِ (وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ) أَيْ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ مَبَادِئِهَا وَإِلَّا فَحَرَامٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي عَصْرِ السَّلَفِ، وَإِنْ فِي يَدِ الْغَيْرِ كَكُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ أَقُولُ وَاَلَّذِي يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّ تَصْنِيفَ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ (بَلْ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً) يُوجِبُ تَرْكُهَا الْإِثْمَ (كَنَظْمِ الدَّلَائِلِ) أَيْ تَرْتِيبِهَا فَمِنْ قَبِيلِ التَّصْنِيفِ أَيْضًا تَأَمَّلْ.
الظَّاهِرُ الدَّلَائِلُ الْكَلَامِيَّةُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (لِرَدِّ شُبَهِ الْمَلَاحِدَةِ) جَمْعُ مُلْحِدٍ مِنْ الْإِلْحَادِ وَهُوَ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (وَنَحْوِهِمْ) لِنَحْوِ الْفَلَاسِفَةِ وَقِيلَ الْمَلَاحِدَةُ مُنْكِرُو الْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ وَنَحْوِهِمْ ظَاهِرٌ. .
(قُلْنَا لِلْبِدْعَةِ مَعْنًى لُغَوِيٌّ عَامٌّ هُوَ الْمُحْدَثُ) فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ (مُطْلَقًا) إنْ أُرِيدَ مِنْ الْإِطْلَاقِ مَا بَعْدَ الرَّسُولِ فَلَا يَكُونُ لُغَوِيًّا، وَإِنْ أَعَمُّ فَلَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ يَعْنُونَ بِهَا إلَخْ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَهُ لُغَوِيٌّ وَيَجْعَلُ هَذَا الْمَعْنَى الْعَامَّ وَالْخَاصَّ مِنْ الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ قَرِيبُ الشَّيْءِ مَعْدُودًا مِنْهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَرِيبٌ إلَى اللُّغَوِيِّ (عَادَةً أَوْ عِبَادَةً) لَعَلَّ الْأَوْلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً (؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ مِنْ الِابْتِدَاعِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مُشْتَقٍّ مِنْ الِابْتِدَاعِ مَصْدَرُ ابْتَدَعَ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ وُجُوهٍ فَتَأَمَّلْ (بِمَعْنَى الْإِحْدَاثِ كَالرِّفْعَةِ) لِلشَّرَفِ وَالْعُلُوِّ (مِنْ الِارْتِفَاعِ وَالْخِلْفَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ) فِي الْقَامُوسِ الْخِلْفَةُ بِالْكَسْرِ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْ التَّرَدُّدُ (وَهَذِهِ) الْبِدْعَةُ الْعَامَّةُ (هِيَ الْمَقْسَمُ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ) لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ تَخَاطُبَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ تَخَاطُبُ الشَّرْعِ أَوْ اصْطِلَاحُهُمْ الْخَاصُّ وَاللُّغَوِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَارْجِعْ لِمَا ذُكِرَ آنِفًا (يَعْنُونَ بِهَا) أَيْ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الْمَذْكُورِ (مَا أُحْدِثَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) زَمَانِ النَّبِيِّ وَصَحَابَتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» كَذَا قِيلَ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُؤْتَى بِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» بَلْ لَا يَتِمُّ بِهِ أَيْضًا لِمَا فِي الشِّرْعَةِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْبِدْعَةَ مَا حَدَثَ بَعْدَ تَبَعِ التَّابِعِينَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ هُوَ الْمَعْنَى الْإِضَافِيُّ أَيْ الشَّامِلُ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ (مُطْلَقًا) عِبَادَةً أَوْ عَادَةً (وَمَعْنَى شَرْعِيٌّ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يَتَبَادَرَ إلَيْهِ عِنْدَ إطْلَاقِ الشَّرْعِ فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَوْ تَعَدَّدَ مَعْنَى لَفْظٍ شَرْعِيٍّ فَأَيُّهُ أَشْهُرُ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ مَجَازٌ (خَاصٌّ) بِالدِّينِ وَالْعِبَادَةِ.
(وَ) هُوَ قَوْلُهُ (هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الدِّينِ) زِيَادَةً مُسْتَقِلَّةً كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ بِالْجَمَاعَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ كَزِيَادَةِ انْحِنَاءِ الرَّأْسِ فِي الرُّكُوعِ (أَوْ النُّقْصَانُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدِّينِ أَصَالَةً أَوْ تَبَعِيَّةً أَيْضًا
стр. 93
(الْحَادِثَانِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ) أَيْ زَمَانِهِمْ وَأَيْضًا زَمَانُ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ لَعَلَّ الْكَلَامَ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ وَلَا يَبْعُدُ الْحَمْلُ عَلَى الدَّلَالَةِ (بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ (الشَّارِعِ) فِي ذَيْنِك الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (لَا قَوْلًا وَفِعْلًا) بِأَنْ يَفْعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا صَرِيحًا) بِقَوْلِهِ (وَلَا إشَارَةً) كَمَا فِيهِ إعَانَةٌ لِلدِّينِ (فَلَا تَتَنَاوَلُ) الْبِدْعَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ (الْعَادَاتِ أَصْلًا) الْعَادَةُ مَا يُقْصَدُ فِيهِ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ كَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ الْمُخْتَرَعَةِ الْآنَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أُمُورَ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ إذْ لَا يَخْلُو فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ قُلْنَا لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الدِّينِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْمَخْصُوصَةُ بِالْعِبَادَاتِ اعْتِقَادِيَّةً أَوْ عَمَلِيَّةً، فَإِنْ قِيلَ: النُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فَمَا الصَّارِفُ عَنْ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى الْخَاصِّ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ هَذَا الْمَعْنَى شَرْعِيًّا فَظَاهِرُ النُّصُوصِ هُوَ الْخُصُوصُ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ (بَلْ تَقْتَصِرُ) فِي الشَّرْعِ الْيَوْمَ (عَلَى بَعْضِ الِاعْتِقَادَاتِ) أَيْ أَكْثَرِهَا، فَإِنَّ الْبَعْضَ، وَإِنْ أَوْهَمَ الْقِلَّةَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا لَكِنْ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ الْكَثْرَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]- بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ - ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]- فَإِنَّ اعْتِقَادَ السُّنَّةِ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الْحَدِيثُ (وَبَعْضِ صُوَرِ الْعِبَادَاتِ) إنْ كَانَا بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ لَا عَنْ دَلِيلٍ فَالزِّيَادَةُ أَوْ النُّقْصَانُ الْوَاقِعَانِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ لِكَوْنِهِمَا عَنْ دَلِيلٍ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ لَا يُعَدَّانِ بِدْعَةً كَصَلَاةِ الْخُسُوفِ بِرُكُوعَيْنِ وَسُجُودَيْنِ وَفَاتِحَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيِّ.
فَالْبِدْعَةُ مَا كَانَ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ كَزِيَادَةٍ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى التَّثْلِيثِ إنْ اُعْتُقِدَ عِبَادَةً فَبِدْعَةٌ، وَإِنْ وَسْوَسَةً فَمَكْرُوهٌ وَغَسْلِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ كَذَلِكَ (فَهَذِهِ) الْبِدْعَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا الْعَادِيَةُ (هِيَ مُرَادُهُ ﵊) مِنْ قَوْلِهِ «فَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» فَحَاصِلُهُ أَنْ يُرَادَ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ فِي الشَّرْعِ حَالَ عَدَمِ إعَانَتِهَا عَلَى الطَّاعَةِ ضَلَالَةٌ (بِدَلِيلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَتَنَاوَلُ.
(قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِيمَا سَبَقَ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْبِدْعَةُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ فِي تَخَاطُبِ الشَّرْعِ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْصِبَ الدَّلِيلَ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعْنًى شَرْعِيًّا لَا عَلَى عَدَمِ التَّنَاوُلِ وَأَنَّ الْعَادِيَّاتِ مِنْ أَفَاعِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ سُنَّةُ الزَّوَائِدِ فَكَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ الْعَادِيَّاتِ وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ مَجِيئَتَهُ ﷺ إنَّمَا هِيَ لَلدِّينِ لَا لِلدُّنْيَا فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْعَادِيَّاتِ سُنَّةً مُخَالِفَةً لِلْفِقْهِ وَالْأُصُولِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ السُّنَّةِ هُنَا الْكَامِلَةُ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ لِلْعَهْدِ بِمَعْنَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ عَلَى مَا يُقَالُ: إنَّ الشَّيْءَ إذَا ذُكِرَ مُطْلَقًا يُصْرَفُ إلَى الْكَمَالِ أَوْ بِقَرِينَةِ «عَلَيْكُمْ» فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ وَالْمُنَاسِبُ لِلُّزُومِ هُوَ سُنَّةُ الْهُدَى لَا الزَّوَائِدُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ شَامِلٌ لِمَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إلَى انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ بَلْ إلَى انْقِرَاضِ التَّابِعِينَ أَوْ تَبَعِ التَّابِعِينَ فَلَا تَقْرِيبَ فِي دَلَالَةِ هَذَا الدَّلِيلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْتَقِلًّا فِي الدَّلَالَةِ بَلْ مَعَ مَا بَعْدَهُ أَوْ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جُزْءِ الْمَدْلُولِ لَا عَلَى تَمَامِهِ فَافْهَمْ.
«وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» لَعَلَّ وَجْهَ دَلَالَةِ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إرَادَةُ عَدَمِ شُمُولِ السُّنَّةِ هُنَا إلَى الْعَادِيَّاتِ إمَّا بِقَرِينَةِ لَفْظِ عَلَيْكُمْ الظَّاهِرُ فِي اللُّزُومِ أَوْ بِكَوْنِ السُّنَّةِ الدِّينِيَّةِ هِيَ الْكَمَالَ وَثَانِيَتُهُمَا مَا نُقِلَ عَنْ الْفَتَاوَى الْبَزْدَوِيَّةِ أَنَّ الْبِدْعَةَ الْمَمْنُوعَةَ مَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِسُنَّةٍ أَوْ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ سُنَّةٍ فَنَقُولُ
стр. 94
الْعَادِيَّاتُ لَيْسَ بِمُخَالَفَةٍ لِلسُّنَّةِ، وَالْبِدْعَةُ مَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلسُّنَّةِ فَلَا تَتَنَاوَلُ الْبِدْعَةُ، وَالضَّلَالَةُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْعَادِيَّاتِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا حَدَثَ بَعْدَ الرَّسُولِ حِينَ الْخُلَفَاءِ فَفِيهِ تَأَمَّلْ.
(وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» ؛ لِأَنَّ بِعْثَتِي إنَّمَا هِيَ لِلدِّينِ لَا لِلدُّنْيَا فَأَنْتُمْ لَا تَتَوَقَّفُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَيَّ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْإِذْنِ إلَى مَا يَحْدُثُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فَلَا تَكُونُ الْعَادِيَّاتُ مَمْنُوعَةً فَلَا تَتَنَاوَلُ إلَيْهَا.
(وَقَوْلُهُ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا» أَيْ شَرْعِنَا وَدِينِنَا هَذَا «مَا لَيْسَ مِنْهُ» صَرَاحَةً أَوْ إيمَاءً أَوْ إشَارَةً بِأَنْ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ «فَهُوَ رَدٌّ» فَمَا يَكُونُ مُحْدَثًا فِي غَيْرِ أَمْرِ الدِّينِ لَيْسَ بِرَدٍّ وَمَا لَا يَكُونُ مَرْدُودًا لَا يَكُونُ بِدْعَةً لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالِفِ وَذَا لَيْسَ بِجَائِزٍ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ لَا بِالْمَفْهُومِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَ فِي غَيْرِ الدِّينِ لَيْسَ بِضَلَالٍ ثُمَّ حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَفُهِمَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ بَعْضَ الْبِدْعَةِ لَيْسَ بِضَلَالَةٍ فَتَنَاقَضَا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ الْبِدْعَةُ فِي الْحَدِيثِ شَرْعِيَّةٌ.
وَفِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ لُغَوِيَّةٌ فَمَوْضُوعَا الْقَضِيَّتَيْنِ لَيْسَا بِمُتَّحِدَيْنِ، وَقَدْ شَرَطَ فِي التَّنَاقُضِ اتِّحَادَهُمَا ثُمَّ قَوْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ كَوْنِ الْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرْعِيَّةَ وَلَمْ يُشِرْ إلَى قَرِينَةِ إرَادَةِ اللُّغَوِيِّ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ إمَّا لِكَوْنِ بَقَائِهِ عَلَى الْأَصْلِ اللُّغَوِيِّ أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَصْبِ الْعَيْنِ فِي الْمَقَامِ.
[أَنْوَاعِ الْبِدْعَةِ وَأَحْكَامِهَا]
(وَالْبِدْعَةُ فِي الِاعْتِقَادِ)
الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَتِمَّةِ الْجَوَابِ السَّابِقِ بَلْ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ يُرَادُ بِهِ تَفْصِيلُ أَنْوَاعِ الْبِدْعَةِ وَأَحْكَامِهَا وَتَفَاوُتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ وَلَوْ حُمِلَ إلَى جَوَابٍ آخَرَ أَوْ إلَى تَفْصِيلِ الْجَوَابِ السَّابِقِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فَتَدَبَّرْ (هِيَ الْمُتَبَادَرَةُ مِنْ إطْلَاقِ الْبِدْعَةِ) لِكَوْنِهِ كَمَالَهَا وَعِظَمَ مَفْسَدَتِهَا أَوْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِيهِ لِوُفُورِ دَوَاعِي الْمُكَالَمَةِ مَعَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ (وَ) إطْلَاقِ (الْمُبْتَدَعِ وَالْهَوَى وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ) يُقَالُ لِلْفِرَقِ الضَّالَّةِ أَهْلُ الْهَوَى فَالْمُتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا هِيَ الْبِدْعَةُ فِي الِاعْتِقَادِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْبِدْعَةَ الْمَذْمُومَةَ بِلِسَانِ الْأَحَادِيثِ سِيَّمَا الْبِدْعَةُ فِي قَوْلِهِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مُطْلَقَةٌ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَتَنَاوَلَ الْبِدْعَةَ فِي الْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الشُّمُولُ وَدَعْوَى عَدَمِ قَصْدِيَّةِ الشُّمُولِ يُنَافِي السِّيَاقَ وَالسِّيَاقُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا» لَا سِيَّمَا رِوَايَةُ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا» تَفْسِيرًا لِبَعْضٍ آخَرَ (فَبَعْضُهَا كُفْرٌ) الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ أَيْ عَطْفِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ لَعَلَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا وَاسْتِئْنَافُهَا.
وَالْكُفْرُ كَاعْتِقَادِ الْجِسْمِيَّةِ كَسَائِرِ الْأَجْسَامِ وَالتَّفْصِيلِ فِيمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَالتَّمْثِيلُ بِنَحْوِ عَدَمِ عِلْمِهِ تَعَالَى الْجُزْئِيَّاتِ وَجُحُودِ الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ وَالْحُكْمِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ إذْ نَحْوُهَا مَذَاهِبُ الْفَلَاسِفَةِ فَاعْتِقَادَاتٌ بَاطِلَةٌ لَيْسَتْ بِمُحْدَثَةٍ بَلْ قَدِيمَةٌ إذْ أَرْبَابُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ سَابِقَةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ ظُهُورُهَا وَشُيُوعُهَا (وَبَعْضُهَا لَيْسَتْ بِهِ) أَيْ بِكُفْرٍ كَإِنْكَارِ سُؤَالِ الْقَبْرِ وَاعْتِقَادِ أَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ (وَلَكِنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرَةٍ فِي الْعَمَلِ) فِي كَبَائِرِ الْعَمَلِ إمَّا لِاعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ دُون الْعَمَلِيَّاتِ وَإِمَّا لِكَوْنِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ أُصُولًا وَأُمَّهَاتٍ لِلْعَمَلِيَّاتِ وَقِيلَ لِتَمَكُّنِهَا فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا ثُمَّ قِيلَ: وَالصَّحِيحُ وُرُودُ وَعِيدٍ شَدِيدٍ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]- (حَتَّى الْقَتْلَ وَالزِّنَا) وَهُمَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ لِصُدُورِهِمَا عَنْ الْمُؤْمِنِ مُعْتَقِدًا بِحُرْمَتِهِمَا وَلَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ (وَلَيْسَ فَوْقَهَا) أَيْ الْبِدْعَةِ فِي الِاعْتِقَادِ (إلَّا الْكُفْرُ) ، وَإِنْ تَفَاوَتَ أَفْرَادُهَا فِي أَنْفُسِهَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَعَمَلُهُ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا كَمَا سَبَقَ لِاعْتِقَادِهِ الْبِدْعَةَ
стр. 95
طَاعَةً، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكْفُرُ هَذَا الْبَعْضُ، وَقَدْ قَالُوا وَلَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَهُمْ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا بِقَلْبِهِمْ دِينَ الْإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ الْعَلَّامَةَ الْعَضُدَ قَالَ وَلَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا بِمَا فِيهِ نَفْيُ الصَّانِعِ الْقَادِرِ أَوْ بِمَا فِيهِ شِرْكٌ أَوْ إنْكَارُ النُّبُوَّةِ أَوْ إنْكَارُ مَا عُلِمَ مَجِيءُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ضَرُورَةً أَوْ إنْكَارُ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ قَطْعًا أَوْ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ أَيْ الْمُجْمَعِ حُرْمَتُهَا قَطْعًا.
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَالْقَائِلُ بِهِ مُبْتَدِعٌ وَنُقِلَ عَنْ حَاشِيَةِ حَسَنٍ جَلَبِيٍّ عَلَى شَرْحِ الْمَوَاقِفِ عَدَمُ الْإِكْفَارِ إنَّمَا هُوَ فِي الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى مَا هِيَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْإِسْلَامِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَنَحْوِهِمَا وَاخْتَلَفُوا فِي أُصُولٍ سِوَاهَا، فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ الْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ فِي إكْفَارِ مَنْ وَاظَبَ عَلَى الطَّاعَاتِ طُولَ عُمْرِهِ بِاعْتِقَادِ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَاعْتِقَادِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ (وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ) وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ (فِيهِ) أَيْ فِي الِاعْتِقَادِ (لَيْسَ بِعُذْرٍ) شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُخْطِئَ فِي الْأُصُولِ وَالْعَقَائِدِ يُعَاقَبُ بَلْ يُضَلَّلُ أَوْ يَكْفُرُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ كَافٍ فِيهِ دُونَ الْفَرْعِ وَلِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَاحِدٌ إجْمَاعًا وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْيَقِينُ الْحَاصِلُ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي الْكَلَامِيَّةِ إذَا لَمْ يُوجِبْ تَكْفِيرَ الْمُخَالِفِ كَمَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ فَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْإِثْمِ وَتَحْقِيقُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ لَا حَقِيقَةُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ
فَإِنْ قُلْت يُشْعِرُ هَذَا الْقَوْلُ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَقَائِدِ، وَالِاعْتِقَادِيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ قَطْعِيَّةً وَحُكْمُ الِاعْتِقَادِ وَأَثَرُهُ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ تَفْرِيعِهِ اخْتِصَاصُهُ بِالْفَرْعِيِّ إذْ الْفَقِيهُ مَنْ يَعْرِفُ عِلْمَ الْفِقْهِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْفَرْعِيُّ إذْ الِاعْتِقَادِيُّ أَصْلِيٌّ وَعَقْلِيٌّ قُلْنَا قَدْ يُوجَدُ فِي الْكَلَامِيَّةِ مَسَائِلُ ظَنِّيَّةٌ أَيْضًا وَمَسَائِلُ الْكَلَامِ شَرْعِيَّةٌ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَكْثَرُهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي أَصْلِهَا ابْتِدَاءً وَجَمِيعُهَا لَازِمٌ تَطْبِيقُهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ انْتِهَاءً وَإِلَّا لَا تَكُونُ مُعْتَدَّةً بِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقُ الِاسْتِدْلَالِ (بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَعْمَالِ) ، فَإِنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ مَعْذُورٌ بَلْ مُثَابٌ نِصْفَ الْمُصِيبِ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا بَذْلُ الْوُسْعِ، وَقَدْ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَنَلْ الْحَقَّ لِخَفَاءِ دَلِيلِهِ لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْحَقِّ بَيَّنَّا وَإِلَّا فَالْخَطَأُ مِنْ تَقْصِيرِهِ وَتَرْكِ مُبَالَغَةِ اجْتِهَادِهِ فَيُعَاقَبُ (وَضِدُّ هَذِهِ الْبِدْعَةِ) الِاعْتِقَادِيَّةِ (اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ) النَّبَوِيَّةِ (وَالْجَمَاعَةِ) الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ كَثِيرٌ إلَى سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى تَخْرِيجِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَكِنَّ الِاتِّحَادَ أَكْثَرُ أُصُولِهِمَا وَعَدَمُ تَضْلِيلِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ لَمْ يَعُدْ كُلٌّ مُقَابِلًا لِلْآخَرِ (وَالْبِدْعَةُ فِي الْعِبَادَةِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْبِدْعَةُ فِي الِاعْتِقَادِ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا (وَإِنْ كَانَتْ دُونَهَا) الِاعْتِقَادِيَّةُ قِيلَ: لِأَنَّهَا تَنْجِيسُ مَوْضِعِ نَظَرِ الْحَقِّ، وَالْعَمَلِيَّةُ تَنْجِيسُ مَنْظَرِ الْخَلْقِ كَمَا وَرَدَ «أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ» (لَكِنَّهَا أَيْضًا مُنْكَرٌ وَضَلَالَةٌ) بَلْ فَوْقَ سَائِرِ الْمَعَاصِي لِاعْتِقَادِ صَاحِبِهَا كَوْنَهَا طَاعَةً (لَا سِيَّمَا إذَا صَادَمَتْ) أَيْ زَاحَمَتْ وَدَافَعَتْ (سُنَّةً مُؤَكَّدَةً) قِيلَ بِأَنْ كَانَ الشُّغْلُ بِهَا مَانِعًا مِنْ السُّنَّةِ وَقِيلَ بِأَنْ لَا يَكُونَ حُصُولُهَا إلَّا بِتَرْكِ السُّنَّةِ كَتَرْكِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِسُنِّيَّتِهِ.
قَالَ الْمَوْلَى خَوَاجَهْ زَادَهْ وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمُصَادَمَةِ
стр. 96
فَعِنْدَنَا مُنْكَرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَقُولُ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا سِيَّمَا لَكِنْ عَرَفْت مَا نُقِلَ عَنْ الْبَزْدَوِيَّةِ أَنَّ الْبِدْعَةَ الْمَمْنُوعَةَ مَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِسُنَّةٍ أَوْ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ سُنَّةٍ وَسَمِعْت الْحَصْرَ مِنْ حَدِيثِ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ (وَمُقَابِلُ هَذِهِ الْبِدْعَةِ) الْعِبَادِيَّةِ (سُنَّةُ الْهُدَى) الرَّشَادِ وَالدَّلَالَةِ (وَهِيَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ) دُونَ الْعَادَةِ (مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا) لِئَلَّا يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْأُمَّةِ لَا كَسْلَانًا وَإِلَّا فَلَا شَكَّ فِي فَضْلِ الْمُدَاوَمَةِ بِلَا تَرْكٍ وَاللَّائِقُ بِحَالِ النَّبِيِّ أَنْ لَا يَتْرُكَ مَا هُوَ أَفْضَلُ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا يُقَالُ الْفِعْلُ الَّذِي دَامَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵊ دَلِيلُ الْوُجُوبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ تَرْكَ هَذِهِ السُّنَّةِ أَحْيَانًا سُنَّةٌ (وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى تَارِكِهِ) الظَّاهِرُ إنْكَارُ تَوَعُّدٍ، فَإِنْ دَامَ وَأَنْكَرَ عَلَى تَارِكِهِ فَوَاجِبٌ (كَالِاعْتِكَافِ) هُوَ لُغَةً اللُّبْثُ وَالدَّوَامُ وَشَرْعًا لُبْثُ رَجُلٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ فَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَنْذُورِ وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمُسْتَحَبٌّ فِيمَا سِوَاهُ وَاعْلَمْ أَنَّ سُنَّةَ الْهُدَى مُكَمِّلَةٌ لِلدِّينِ وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَلَوْ تَرَكَهَا قَوْمٌ عُوقِبُوا أَوْ أَهْلُ قَرْيَةٍ أَوْ أَهْلُ بَلْدَةٍ وَأَصَرُّوا قُوتِلُوا وَأَمَّا سُنَّةُ الزَّوَائِدِ فَتَارِكُهَا يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ كَتَطْوِيلِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَسِيرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِبَاسِهِ كَالْبَيَاضِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ (وَأَمَّا الْبِدْعَةُ فِي الْعَادَةِ) بِأَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا عِبَادَةً وَلَا طَلَبَ ثَوَابٍ (كَالْمُنْخُلِ) وَكَذَا الْمِلْعَقَةُ لِلْأَكْلِ (فَلَيْسَ فِعْلُهَا ضَلَالَةً بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى) فَأَرْبَابُ الْوَرَعِ يَجْعَلُونَهَا كَالْمُحَرَّمِ إلَّا بِضَرُورَةٍ (فَتَرْكُهَا أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الطُّمَأْنِينَةَ عَلَى النِّعَمِ الْفَانِيَةِ وَالنِّسْيَانَ عَمَّا يُوجِبُ الْأُلْفَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ هُنَا وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْتُتْنَ وَالْقَهْوَةِ وَالصَّوَابُ عَدَمُ حُرْمَتِهِمَا وَكَرَاهَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبِدَعِ الْعَادِيَّةِ فَمَنْ حَرَّمَهُمَا لَزِمَهُ حُرْمَةُ الْبِدَعِ الْعَادِيَّةِ وَأَمْرُ السُّلْطَانِ وَنَهْيُهُ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ إذَا وَافَقَا الشَّرْعَ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ وَهَوَاهُ انْتَهَى.
أَقُولُ أَمَّا الْقَهْوَةُ فَلَعَلَّهَا لَيْسَ عَنْهَا مَنْعٌ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهَا أَوْلَى سِيَّمَا إصْرَارُهُ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ خِلَافٍ وَلَوْ ضَعِيفًا وَأَمَّا الدُّخَانُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنْ لَعَلَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي كَرَاهَتِهِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافٍ وَفَتْوَى مِنْ الَّذِينَ يُوثَقُ بِعِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَالسُّلْطَانُ إذَا نَهَى عَنْ أَمْرٍ مُبَاحٍ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ يَجِبُ تَبَعِيَّتُهُ فَضْلًا عَمَّا فِيهِ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ كَانَ أَدْنَى دَرَجَةِ خِلَافِهِمْ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ.
وَقَالَ فِي التَّلْوِيحِ الْمُحَرَّمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَسَيُفَصَّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهِ (وَضِدُّهَا) ضِدُّ الْبِدَعِ الْعَادِيَّةِ (السُّنَّةُ الزَّائِدَةُ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِتَكْمِيلِ الدِّينِ خِلَافُ سُنَّةِ الْهُدَى، فَإِنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِلدِّينِ كَمَا عَرَفْت (وَهِيَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِنْسِ الْعَادَةِ كَالِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ) مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ (فِي الْأَفْعَالِ الشَّرِيفَةِ) غَيْرِ الْخَسِيسَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» وَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ التَّبَرُّكُ بِاسْمِ الْيَمِينِ لِإِضَافَةِ الْخَيْرِ إلَيْهَا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، وَفِيهِ الْيُمْنُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ فَمِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ فَفِي الْيَمِينِ احْتِرَامٌ لَا يُسْتَعْمَلُ بِلَا ضَرُورَةٍ فِي الْأَقْذَارِ وَفِي خَسِيسِ الْأَعْمَالِ فَلِذَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ وَمَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَفِيهِ نَدْبُ الْبُدَاءَةِ بِشِقِّ الرَّأْسِ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ وَالْغُسْلِ وَالْحَلْقِ وَلَا يُقَالُ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِزَالَةِ فَيُبْدَأُ بِالْأَيْسَرِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّزْيِينِ وَالْبُدَاءَةِ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي التَّنَعُّلِ وَفِي إزَالَتِهَا بِالْيُسْرَى وَالْبُدَاءَةِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ وَنُدِبَ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَمَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَمَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ انْتَهَى.
(وَبِالْيَسَارِ فِي الْخَسِيسَةِ) مِثْلُ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ وَالْحَمَّامِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالِامْتِخَاطِ وَنَزْعِ الثَّوْبِ وَالنِّعَالِ وَمَسِّ الذَّكَرِ فَعِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ
стр. 97
بِالْحَجَرِ يَأْخُذُ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِ حَجَرًا (فَهِيَ) أَيْ السُّنَّةُ الزَّائِدَةُ (مُسْتَحَبَّةٌ) نُقِلَ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّ الْأَدَبَ وَالْمُسْتَحَبَّ وَالنَّافِلَةَ مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً مَرَّة وَتُسَمَّى سُنَّةٌ أَيْضًا.
وَعَنْ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ الْمُسْتَحَبُّ أَدْوَنُ مِنْ السُّنَّةِ وَأَعْلَى مِنْ الْأَدَبِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَعْضَ الْأَدَبِ عَنْ الْمُسْتَحَبِّ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُسْتَحَبُّ عَلَى السُّنَّةِ (فَظَهَرَ أَنَّ) (الْبِدْعَةَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ) وَهُوَ اللُّغَوِيُّ (ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ) (مُرَتَّبَةٍ فِي الْقُبْحِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْقُبْحِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مُرَتَّبَةٌ فَأَعْظَمُ الْقُبْحِ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ فَالْعِبَادِيَّةِ فَالْعَادِيَّةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْقُبْحَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الشَّرْعِيِّ، وَاللُّغَوِيُّ مُقَابِلٌ لِلشَّرْعِيِّ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقُبْحُ فِي اللُّغَوِيِّ سِيَّمَا الْعَادِيَّةُ فِي مَادَّةِ الِافْتِرَاقِ مِنْ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ آنِفًا بِعَدَمِ ضَلَالَةِ تَرْكِ الْعَادِيَّةِ بَلْ بِكَوْنِهَا تَرْكٌ أَوْلَى وَمَا لَا ضَلَالَةَ فِيهِ لَا قُبْحَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ سِيَّمَا عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وُجُودَ الْقُبْحِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيِّ وَإِطْلَاقُ الْقُبْحِ فِي الْعَادِيَّةِ تَجَوُّزٌ إذْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ثَلَاثَةٌ صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ وَمُلَائَمَةُ الْغَرَضِ وَمُنَافَرَتُهُ، وَالثَّالِثُ تَعَلُّقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ آجِلًا وَهُوَ الْمَعْنَى فِي الْمَقَامِ فَتَرْكُ الْعَادِيَّةِ، وَإِنْ أَوْجَبَ الثَّوَابَ لَكِنَّ فِعْلَهَا لَا يُوجِبُ الْعِقَابَ نَقَلَ شَارِحُ الْمَشَارِقِ الْبِدْعَةُ خَمْسَةٌ وَاجِبَةٌ كَنَظْمِ الدَّلَائِلِ وَمَنْدُوبَةٌ كَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ وَمُبَاحَةٌ كَالتَّبَسُّطِ بِأَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ عِنْدَ ضِيَافَةِ الْإِخْوَانِ وَمَكْرُوهَةٌ وَحَرَامٌ وَهُمَا ظَاهِرَانِ (فَإِذَا عَلِمْت هَذِهِ) الْمَذْكُورَاتِ (فَالْمَنَارَةُ) إنَّمَا كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً مَعَ كَوْنِهَا بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا (عَوْنٌ لِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) لِلنَّاسِ (الْمُرَادُ) صِفَةٌ لِلْإِعْلَامِ (مِنْ الْأَذَانِ وَالْمَدَارِسُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عَوْنٌ (وَتَصْنِيفُ الْكُتُبِ) شَرْعِيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ وَفَرْعِيَّةٌ وَآلَةٌ لَهُمَا كَعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ (عَوْنٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّبْلِيغِ) الْوَاجِبَيْنِ فَعَوْنُهُمَا لَا أَقَلَّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ. .
(وَرَدُّ الْمُبْتَدِعَةِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ نَهْيٌ (بِنَظْمِ) أَيْ تَرْتِيبِ (الدَّلَائِلِ) الْعَقْلِيَّةِ أَوْ النَّقْلِيَّةِ صَالِحَةً لِتَحْقِيقِ الْمَسَائِلِ (نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَبٌّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ دَفْعٌ وَمَنْعٌ وَطَرْدٌ وَرَدْعٌ وَزَجْرٌ (عَنْ الدِّينِ) وَهَذَا وَاجِبٌ فَالرَّدُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ (فَكُلُّ مَأْذُونٍ فِيهِ) نَتِيجَةٌ لِقَوْلِهِ فَالْمَنَارَةُ وَمَعْطُوفَاتُهَا تَقْرِيرُهُ الْمَنَارَةُ عَوْنٌ لِإِعْلَامِ الْوَقْتِ وَعَوْنُ إعْلَامِ الْوَقْتِ مَأْذُونٌ فِيهِ فَالْمَنَارَةُ مَأْذُونٌ فِيهِ وَالْبِدْعَةُ لَا تَكُونُ مَأْذُونًا فَيَنْتِجُ مِنْ الشَّكْلِ الثَّانِي الْمَنَارَةُ لَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ (بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ) نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا لَعَلَّ الْأَمْرَ مُفَادٌ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ نَحْوُ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقِيلَ مِنْ نَحْوِ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ؛ لِأَنَّ نَحْوَ بِنَاءِ الْمَنَارَةِ مِنْ جُمْلَةِ مُحَافَظَةِ الصَّلَوَاتِ (وَعَدَمُ وُقُوعِهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ مِنْ أَنَّ مَا يَكُونُ عَوْنًا لِلْخَيْرِ أَوْلَى أَنْ يَقَعَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ لَعَلَّ الْأَوَّلَ إضَافِيٌّ شَامِلٌ لِلْقَرْنِ الثَّانِي بَلْ الثَّالِثِ (إمَّا لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ) لِقُوَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ لَا يَحْتَاجُونَ لِلْإِعْلَامِ وَلِقُوَّةِ ذَكَائِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَحُصُولِ السَّمَاعِ مِنْ الرَّسُولِ لَا يَحْتَاجُونَ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَبِسُهُولَةِ مُرَاجَعَةِ الثِّقَاتِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ اسْتَغْنَوْا عَنْ تَصْنِيفِ الْكُتُبِ وَبِقِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ عَنْ نَظْمِ الدَّلَائِلِ (أَوْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ بِ) سَبَبِ (عَدَمِ الْمَالِ) فِي نَحْوِ الْمَنَارَةِ وَالْمَدَارِسِ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الدُّنْيَا (أَوْ لِعَدَمِ التَّفَرُّغِ لَهُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ) كَالْجِهَادِ مَعَ الْكُفَّارِ بَلْ النَّفْسِ وَنِظَامِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 98
(أَوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ دَوَاعِي التَّرْكِ مِنْ وُجُودِ النَّافِي وَانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ (وَلَوْ تَتَبَّعْت كُلَّ مَا قِيلَ فِيهِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ) اعْتِقَادًا أَوْ عَمَلًا قَوْلًا أَوْ خُلُقًا (مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ) إذْ مَا يَكُونُ مِنْ الْعَادَةِ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَمَا مَرَّ (وَجَدْته مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ) جَانِبِ (الشَّارِعِ) إلَهًا أَوْ رَسُولًا بَلْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا (إشَارَةً) أَيْ طَرِيقَ إشَارَةِ النَّصِّ (أَوْ دَلَالَةً) بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ، وَإِشَارَةُ النَّصِّ مَعْنًى ثَبَتَ بِالنَّظْمِ لَكِنَّ مَنْ غَيَّرَ سُوقَ النَّظْمِ لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى زَوَالِ مُلْكِهِمْ إلَى الْكُفَّارِ وَلَمْ يُسَقْ لِهَذَا بَلْ سَوْقُهُ لِإِيجَابِ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ مَا ثَبَتَ مِنْ النَّظْمِ لَكِنْ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فِي حَقِّ حُرْمَةِ الضَّرْبِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْأَذَى، فَإِنْ قِيلَ: فَلَمْ يَذْكُرْ الْعِبَارَةَ وَالِاقْتِضَاءَ مَعَ أَنَّهُمَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَدِلَّةِ قُلْنَا: الْعِبَارَةُ لِكَوْنِهَا مَعْنًى مَقْصُودًا مِنْ تَخْرِيجِ الْكَلَامِ لَا يُتَوَهَّمُ بِدْعِيَّتُهُ لِوُضُوحِهِ
وَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِاحْتِيَاجِ الْكَلَامِ إلَيْهِ مِنْ اللَّازِمِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ فَلَعَلَّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لَهُ التَّرَاخِي لَكِنْ فِيهِ تَأَمَّلْ قِيلَ: وَمِنْ قَبِيلِ مَا أُذِنَ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ مَا اُسْتُحْدِثَ مِنْ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْهَا ضَرَرٌ فَبِدْعَةٌ حَسَنَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالسُّنَّةِ بِإِشَارَةِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً أَيْ أَبْدَعَ وَأَحْدَثَ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» فَيَدْخُلُ فِي السُّنَّةِ كُلُّ بِدْعَةٍ حَسَنَةٍ.
وَعَنْ النَّوَوِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَنِّ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَتَحْرِيمِ الْأُمُورِ السَّيِّئَةِ وَأَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا وِزْرُ السَّيِّئَةِ
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ أَدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ فَكَثِيرٌ فِيهَا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فَعَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ لِلْعَادَةِ وَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ.
وَعَنْ فَتَاوَى بُرْهَانِ الدِّينِ يُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ لِكِفَايَةِ الْمُهِمَّاتِ جَهْرًا وَمُخَافَتَةً.
وَعَنْ فَتَاوَى السَّعْدِيِّ لَا يُكْرَهُ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْقُنْيَةِ وَالْأَشْبَاهِ الِاشْتِغَالُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي أَوْقَاتِهَا وَمِنْ الْأَوْقَاتِ الْمَأْثُورَةِ أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ إذْ وَرَدَ أَدْعِيَةٌ كَثِيرَةٌ أَعْقَابَ الصَّلَوَاتِ عَنْ سَيِّدِ السَّادَاتِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَكْمَلُ التَّحِيَّاتِ.
وَفِي التتارخانية أَيْضًا وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ لِأَجْلِ الْمُهِمَّاتِ مُخَافَتَةً وَجَهْرًا مَعَ الْجَمْعِ مَكْرُوهَةٌ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي بَدِيعِ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي جَلَالِ الدِّينِ أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَهَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي أَوْقَاتِهَا وَفِي هَامِشِ الْوَسِيلَةِ وَفِي كِتَابِ الثَّوَابِ لِأَبِي الشَّيْخِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَطَاءٍ. قَالَ: إذَا أَرَدْت حَاجَةً فَاقْرَأْ الْفَاتِحَةَ حَتَّى تَخْتِمَهَا تُقْضَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا تَعَارَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَحُصُولِ الْمُهِمَّاتِ كَمَا فِي مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِي انْتَهَى. وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْجَوَازِ لِكَثْرَةِ قَائِلِهِ، وَإِنَّ الْبِدْعَةَ الْمَمْنُوعَةَ مَا لَا يَكُونُ لَهَا إذْنُ إشَارَةٍ وَدَلَالَةٍ وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ سُورَةُ تَعْلِيمِ طَرِيقِ الدُّعَاءِ وَسُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَسُورَةٌ نَزَلَتْ لِبَيَانِ طَرِيقِ الْأَفْضَلِ مِنْ الدُّعَاءِ فَأَفْضَلُ الْأَدْعِيَةِ إنَّمَا يَلِيقُ وَيَجْرِي فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ فَلَا كَلَامَ فِي أَصْلِ قِرَاءَتِهَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي جَهْرِهَا سِيَّمَا مَعَ الْجَمْعِ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ
وَأَمَّا الْجَمْعُ مَعَ الْمُخَافَتَةِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ بَعْدَ سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الْفَاتِحَةُ يَعْنِي يَقُولُ لِلْجَمَاعَةِ: اقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ فَيَقْرَءُونَ مَعَ الْجَمَاعَةِ سَوَاءٌ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَوْ فِي أَعْقَابِ مُطْلَقِ الدَّعَوَاتِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَوْلَوِيَّةُ التَّرْكِ؛ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْإِمَامِ الدُّعَاءُ وَوَظِيفَةَ الْمُؤْتَمِّ وَالْجَمَاعَةِ التَّأْمِينُ لَكِنْ فِي رِسَالَةِ الْمَوْلَى عَالِمٍ مُحَمَّدٍ نَدْبِيَّةُ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ نَصِّ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَغَيْرِهِ لَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ إنْ صَحَّ أَنَّ الْفَضْلَ وَرَدَ فِي حَقِّ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَاللَّائِقُ أَنْ يَقْرَأَ كُلٌّ عَلَى انْفِرَادِهِ
стр. 99
لِيَنَالَ بِذَلِكَ الْفَضْلَ أَوْ أَنَّ التَّحْمِيدَ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ مَنْدُوبٌ وَأَفْضَلُ التَّحْمِيدِ الْفَاتِحَةُ (ثُمَّ اعْلَمْ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إلَى رُتْبَةِ ضَرَرِ الْبِدْعَةِ حَيْثُ يَجْزِمُ عَلَى السُّنَّةِ بَلْ الْوَاجِبُ (أَنَّ فِعْلَ الْبِدْعَةِ) الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْفِعْلِ مَا لَا يَكُونُ فِي الِاعْتِقَادِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْبِدْعَةَ الِاعْتِقَادِيَّةَ أَضَرُّ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ قَطْعًا (أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ) إذْ الْغَالِبُ فِي الْبِدَعِ بِاعْتِقَادِ الطَّاعَةِ وَتَرْكُ السُّنَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقِيلَ الْبِدْعَةُ سَارِيَةٌ وَالتَّرْكُ لَا فَفِيهِ خَفَاءٌ هَذَا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ تَرْكَ السُّنَّةِ طَاعَةً وَإِلَّا فَبِدْعَةٌ أَيْضًا مِثْلُهَا بَلْ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا (بِدَلِيلِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا إذَا تُرُدِّدَ) الظَّاهِرُ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي شَيْءٍ) وَلَوْ اعْتِقَادِيًّا (بَيْنَ كَوْنِهِ سُنَّةً وَبِدْعَةً فَتَرْكُهُ لَازِمٌ) عَنْ مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ مَا تُرُدِّدَ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْبِدْعَةِ يَأْتِي بِهِ احْتِيَاطًا وَمَا تُرُدِّدَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْبِدْعَةِ لَازِمٌ وَأَدَاءُ السُّنَّةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ يَرْجِعُ
دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ غَالِبًا
؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمُنْهَيَاتِ أَشَدُّ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَرُوِيَ «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَمِنْ ثَمَّةَ جَوَّزَ تَرْكَ الْوَاجِبِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ دُونَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ خُصُوصًا فِي الْكَبَائِرِ. .
(وَأَمَّا تَرْكُ الْوَاجِبِ هَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْبِدْعَةِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَفِيهِ اشْتِبَاهٌ) لِفَوَاتِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالْكُلِّيَّةِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ الْبِدْعَةِ وَلِاعْتِقَادِ أَنَّهَا طَاعَةٌ بِخِلَافِ تَرْكِ الْوَاجِبِ (حَيْثُ صَرَّحُوا فِيمَنْ تَرَدَّدَ فِي شَيْءٍ بَيْنَ كَوْنِهِ بِدْعَةً وَوَاجِبًا) بِأَنْ تَعَارَضَ بِلَا مُرَجِّحٍ (أَنَّهُ يَفْعَلُهُ) فَيُرَجِّحُ جَانِبَ الْوُجُوبِ فَعِنْدَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالْفَرْضِ فَالْفِعْلُ لَازِمٌ كَمَا إذَا شَكَّ فِي حَقِّ الْفَجْرِ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ صَلَّاهَا أَمْ لَا.
(وَفِي الْخُلَاصَةِ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ) هُوَ كَوْنُ تَرْكِ الْبِدْعَةِ مُقَدَّمًا عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ (حَيْثُ قَالَ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهَا بِيَقِينٍ كَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ (وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ ثُمَّ شَكَّ لَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الشَّكِّ يَعْنِي لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَلَّى فِي الْوَقْتِ كَانَ قَضَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِدْعَةً، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ فَتَرْجِيحُ جَانِبِ عَدَمِ الْقَضَاءِ تَرْجِيحُ احْتِمَالِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْوَاجِبِ فَفِي الْوَقْتِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْوُجُوبِ عَلَى الْبِدْعَةِ إذْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ بِدْعَةٌ وَالصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يُصَلِّهَا فَإِتْيَانُهَا فِي الْوَقْتِ وَاجِبٌ فَمَسْأَلَةُ الْخُلَاصَةِ تَصْلُحُ مِثَالًا لَهُمَا لَعَلَّ لُزُومَ الْإِعَادَةِ
стр. 100
فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْغَالِبَ شَغْلُ الذِّمَّةِ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَلَعَلَّهُ أَخَّرَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَعَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا يَتْرُكَهَا وَكَانَ الْأَصْلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ فَلَعَلَّهُ قَدْ جَعَلَ ذِمَّتَهُ بَرِيئَةً عَنْ الشُّغْلِ ثُمَّ يُرَدُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْبِدْعَةِ بَلْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْبِدْعَةِ إذْ قَضَاءُ صَلَاةٍ لَمْ تُصَلَّ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ لَا وَاجِبٌ ظَنِّيٌّ وَالْأَصْلُ فِيهِ رِعَايَةُ جَانِبِ الْفَرْضِ أَلْبَتَّةَ فَتَأَمَّلْ حَتَّى يَظْهَرَ الْوَجْهُ.
(وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ) وَالنَّفَلُ بَعْدَهَا مَكْرُوهٌ فَلَوْ أَعَادَهَا فِي الْوَقْتِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَفْلًا مَكْرُوهًا فَيُؤْتَى فِي الْوَقْتِ بِصَلَاةٍ لَا تَصِحُّ نَفْلًا وَتَصِحُّ فَرْضًا وَلَوْ مَعَ كَرَاهَتِهِ (يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) لَعَلَّ تَعْيِينَ الْأُولَى اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَوْ كَانَ التَّعْيِينُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى فَكَذَلِكَ (وَالثَّالِثَةِ وَلَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ) أَصْلًا وَأَلَّا تَصِحَّ نَفْلًا وَالْمَقْصُودُ عَدَمُ صِحَّتِهَا نَفْلًا وَالْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ فَرْضٌ (وَالرَّابِعَةِ) لِئَلَّا يَصِحَّ نَفْلًا فَيَقَعُ فِي كَرَاهَةٍ (انْتَهَى) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي ثِنْتَيْ مُطْلَقِ رَبَاعِيَةِ الْفَرْضِ فَرْضٌ بِلَا تَعْيِينِ رَكْعَةٍ وَرَكْعَةٍ وَالْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ فَرْضٌ فَالصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ تَصِحُّ فَرْضًا لَا نَفْلًا، فَإِنْ قِيلَ إنْ وَقَعَ أَنَّهُ صَلَّى فَرْضَ الْوَقْتِ أَوَّلًا فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ تَكُونُ نَفْلًا، وَقَدْ أَفْسَدَهُ بِتَرْكِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ قُلْنَا إنَّمَا يَلْزَمُ قَضَاءُ النَّفْلِ إذَا شَرَعَ قَصْدًا وَهُنَا كَانَ شُرُوعُهُ ظَنًّا فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ (وَتَعْيِينُ الْأَوَّلِيَّيْنِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْفَرْضِ وَاجِبٌ) لَا بِمَعْنَى الْفَرْضِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ سَهْوًا وَيُوجِبُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ إنْ قَصْدًا (وَقَدْ أُمِرَ بِتَرْكِهِ) أَيْ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (حَذَرًا عَنْ احْتِمَالِ وُقُوعِ النَّفْلِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ) مُحَرَّرَةٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ صَلَاتِهِ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قِيلَ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهَا بِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ حَيْثُ تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ تَعْيِينُ أُولَى الْفَرْضِ لِلْقِرَاءَةِ لِئَلَّا تَقَعَ الْبِدْعَةُ الَّتِي هِيَ النَّفَلُ بَعْدَ الْعَصْرِ يَشْكُلُ أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ هُنَا لَيْسَ لِلْبِدْعَةِ فَقَطْ بَلْ لِأَجْلِ مَجْمُوعِ الْبِدْعَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْمَقْصُودُ مَا يَكُونُ لِلْبِدْعَةِ فَقَطْ كَمَا يُشْعِرُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَحَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْبَيَانِ لِلْبِدْعَةِ أَوْ عِلَّةٍ لَهَا بَعِيدًا لَا أَنْ يَحْمِلَ بَيَانًا لِنَوْعِ الْبِدْعَةِ وَأَنَّ الْبِدْعَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي النَّفْلِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
فَكَذَا الْقِرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْفَرْضِ فَمَا وَجْهُ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هِيَ لِلْوَصْفِ وَالتَّضَمُّنِ وَفِي الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا وَجَمِيعِهَا (فَالتَّطْبِيقُ) بَيْنَ مَا صَرَّحُوا مِنْ تَرْجِيحِ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ مَا فُهِمَ مِنْ الْخُلَاصَةِ مِنْ تَرْجِيحِ تَرْكِ الْبِدْعَةِ فَالْقَوْلُ أَيْ التَّطْبِيقُ الْمَطْلُوبُ مِنْ السَّائِلِ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ التَّطْبِيقُ قَالَ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ خَطَأٌ ظَاهِرٌ (إمَّا بِحَمْلِ الْبِدْعَةِ) الَّتِي رَجَحَ عَلَيْهَا الْوَاجِبُ (عَلَى مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ) بَلْ بِعُمُومِهِ بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ فَتَقْدِيمُ الْبِدْعَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلَاصَةِ لِوُرُودِ النَّهْي عَنْهُ بِخُصُوصِهِ وَهُوَ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورُ آنِفًا لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِإِفَادَةِ الْعَامِّ الظَّنَّ لَا الْحَنَفِيَّةُ الْقَائِلِينَ بِإِفَادَةِ الْعَامِّ الْقَطْعَ كَالْخَاصِّ يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فِي إفَادَةِ الْعُمُومِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا كَانَ عُمُومُهُ مُجْمَعًا وَمُخْتَلَفًا (أَوْ) بِحَمْلِ (الْوَاجِبِ) الَّذِي رَجَحَ عَلَى الْبِدْعَةِ (عَلَى مَعْنَى الْفَرْضِ) الْقَطْعِيِّ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ لِكَوْنِهِ مَجَازِيًّا.
قِيلَ وَلِهَذَا قَالُوا: لَمْ يُكْرَهْ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَمْلَيْنِ مِنْ التَّدَافُعِ إذْ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا تَقَدُّمُ الْبِدْعَةِ سَوَاءٌ نُهِيَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ أَوْ لَا عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْفَرْضِ، وَقَدْ فُهِمَ مِنْ الْأَوَّلِ
стр. 101
تَقَدُّمُ الْوَاجِبِ عَلَى الْبِدْعَةِ الَّتِي لَمْ يَنْهَ عَنْهَا بِخُصُوصِهَا (أَوْ) بِحَمْلِ (الْوَاجِبِ) الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْفَرْضِ (عَلَى) الْوَاجِبِ (الْمُسْتَقِلِّ) مَعْمُولُ الْحَمْلِ كَالْوَتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (لَا الضِّمْنِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِقْلَالِهِ أَقْوَى مِنْ الضِّمْنِيِّ كَتَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي الْفَرْضِ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ فِيهِ دُونَ الِاسْتِقْلَالِيِّ (أَوْ بِالْحَمْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) عَنْ الْمُجْتَهِدِ إمَّا عَنْ وَاحِدٍ أَوْ إحْدَاهُمَا عَنْ مُجْتَهِدٍ وَأُخْرَاهُمَا عَنْ آخَرَ (وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) قِيلَ يُؤْتَى بِهَذَا فِي آخِرِ كَلَامٍ يُرَى فِيهِ أَثَرُ الضَّعْفِ لَعَلَّ مِنْ وَجْهِ الضَّعْفِ مَا ذُكِرَ وَأُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فِي الْقَطْعِ وَفِي كَوْنِ حَمْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْفَرْضِ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ بِلَا قَرِينَةٍ وَأَيْضًا الْأَصْلُ فِي الْمُطْلَقُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَحَمْلُ الْوَاجِبِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ مُطْلَقٌ وَالْحَمْلُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يُلَائِمُهُ تَعْبِيرٌ صَرَّحُوا حَيْثُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ.
وَأَنَا أَقُولُ دَلَالَةُ مَسْأَلَةِ الْخُلَاصَةِ عَلَى خِلَافِهِ خَفِيَّةٌ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ أَيْضًا (فَإِنْ قِيلَ مَا قَدْ سَبَقَ) مِنْ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ حَاصِلُهُ التَّقْسِيمُ الْمَفْهُومُ مِمَّا سَبَقَ لَيْسَ بِحَاصِرٍ إذْ الْمُقَسَّمُ يَعْنِي أَمْرَ الدِّينِ شَامِلٌ لِلْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْأَقْسَامِ بَلْ يَلْزَمُ كَوْنُهُمَا بِدْعَةً، وَالْفُقَهَاءُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ شِئْت قُلْت فِي الْحَاصِلِ أَمَّا هَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَوْ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ لَكِنَّ التَّالِيَ بَاطِلٌ إذْ لَا يُمْكِنُ بُطْلَانُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فَالْمُقَدَّمُ أَيْ عَدَمُ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ حَقٌّ فَفِي الْحَقِيقِيَّةِ نَقْضٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ لِلْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ (دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كَافِيَانِ فِي أَمْرِ الدِّينِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا سَبَقَ لُزُومُهُمَا لَا كِفَايَتُهُمَا، فَإِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الانفهام بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَذَا مُجْمَعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الرِّوَايَاتِ وَلِذَا قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ لِلْعَلَّامَةِ الطَّرْطُوسِيِّ.
وَمَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ وَكَذَا فِي الْأُصُولِيَّةِ وَيَدَّعِي أَيْضًا وُجُودَ الدَّلَالَةِ فِي الْمَفْهُومِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ يُقَالُ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ إفْرَادِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ كِفَايَتُهُمَا (وَ) دَلَّ مَا سَبَقَ أَيْضًا عَلَى (أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِأَحَدِهِمَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ) وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ لَيْسَا مِمَّا تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا (فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ) وَكَذَا أَهْلُ الْأُصُولِ (الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَرْبَعَةٌ) أَقُولُ بَعْدَ مُلَاحَظَةِ الْبِدْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا سَبَقَ لَا يُتَوَجَّهُ هَذَا السُّؤَالُ إلَّا إذَا أُخِذَ فِيهَا إذْنُ الشَّارِعِ مُطْلَقًا وَلَوْ إشَارَةً، وَالْإِذْنُ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ بَلْ حَاصِلُ الْجَوَابِ رَاجِعٌ إلَى هَذَا فَلَعَلَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ فِي وَضْعِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ هُوَ التَّمْهِيدُ عَلَى رَدِّ الْمُتَصَوِّفَةِ وَيَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
(قُلْنَا لَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ سَنَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا حَالًّا أَوْ مَآلًا عَلَى الصَّحِيحِ) هَذَا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ مَآلًا وَإِشَارَةٌ إلَى الِاخْتِلَافِ وَإِلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ قِيَاسًا وَظَاهِرٌ أَنَّ الْقِيَاسَ رَاجِعٌ إلَى الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَ) لَا بُدَّ (لِلْقِيَاسِ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَإِنَّهُ مُظْهِرٌ) لِلْحُكْمِ (لَا مُثْبِتٌ) فَلَا بُدَّ مِنْ مُثْبِتٍ وَهُوَ أَصْلُهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
стр. 102
(فَمَرْجِعُ الْأَحْكَامِ وَمُثْبِتُهَا اثْنَانِ فِي الْحَقِيقَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِنَاءُ الْإِجْمَاعِ عَلَى السَّنَدِ وَالسَّنَدُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَزِمَ رُجُوعُهُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَيْضًا إذَا كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ بَلْ مُظْهِرٌ فَالْمُثْبِتُ الْحَقِيقِيُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَالْقِيَاسُ مُظْهِرٌ شَارِحٌ وَمُفَسِّرٌ مُبَيِّنٌ وَجْهَ الثُّبُوتِ فَقَوْلُهُ فِي الْحَقِيقَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ كَوْنَهَا دَلِيلَيْنِ صُورِيٌّ مَحْضٌ إذْ الدَّلِيلُ الْحَقِيقِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إمَّا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لَكِنْ يُرَدُّ أَنَّ حَاصِلَهُ فِي الْإِجْمَاعِ رُجُوعُهُ إلَى سَنَدِهِ.
وَالْأَصْلُ فِي سَنَدِ الْإِجْمَاعِ أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا وَالْأَصْلُ فِي الْإِجْمَاعِ الْقَطْعُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لَمْ يُنْسَبْ الْحُكْمُ إلَى السَّنَدِ أَيْ الْكِتَابِ مَثَلًا كَسَائِرِ مَا نُسِبَ إلَى الْكِتَابِ، فَإِنْ قِيلَ: السَّنَدُ ظَنِّيٌّ وَالْقَطْعُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَنَقُولُ كَيْفَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ وَالْحَالُ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْحُكْمِ هُوَ قَطْعِيَّتُهُ لَا ظَنِّيَّتُهُ، وَقَدْ يَكُونُ السَّنَدُ قَطْعِيًّا أَيْضًا وَلَوْ قُلْتُمْ الْإِجْمَاعُ مُبَيِّنٌ لِوَجْهِ دَلَالَةِ السَّنَدِ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ قُلْنَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَبَيْنَهُ بَلْ الظَّاهِرُ حِينَئِذٍ كَوْنُهُمَا مُظْهِرَيْنِ أَوْ مُثْبِتَيْنِ وَالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ لَعَلَّ حَلَّ هَذَا الْبَحْثِ يُعْلَمُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا أَدِلَّةً أُخَرَ رَاجِعَةٌ أَيْضًا إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَشَرَائِع مَنْ قَبْلَنَا وَمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَالْعُرْفِ وَالتَّعَامُلِ وَالِاسْتِصْحَابِ وَالتَّحَرِّي وَالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَالْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْقُرْعَةِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْأُصُولِيَّةِ كَالْمِرْآةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ رَاجِعَةٌ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْأَرْبَعَةُ رَاجِعَةٌ إلَى اثْنَيْنِ بَلْ ثَانِي الِاثْنَيْنِ يَعْنِي السُّنَّةَ رَاجِعٌ إلَى أَوَّلِهِمَا أَيْ الْكِتَابِ إذْ السُّنَّةُ أَيْضًا شَرْحٌ وَبَيَانٌ لِلْكِتَابِ فَحِينَئِذٍ يَشْكُلُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الدَّلِيلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَاللَّازِمُ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالْكِتَابِ، وَإِنْ أُرِيدَ الدَّلِيلُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَاللَّازِمُ اعْتِبَارُ الْجَمِيعِ وَهُمْ اعْتَبَرُوا الْأَرْبَعَةَ (فَظَهَرَ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ أَدِلَّةِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ هُوَ الْأَرْبَعَةُ الرَّاجِعَةُ إلَى اثْنَيْنِ (أَنَّ مَا يَدَّعِيه بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ) وَهُمْ الْمُتَشَقْشِقَةُ مِنْهُمْ يَعْنِي يُظْهِرُونَ الصَّفْوَةَ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا لِعَدَمِ إتْيَانِهِمْ عَلَى قَوَاعِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فِي زَمَانِنَا) وَهُوَ عَصْرُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ سَنَةُ تِسْعِمِائَةٍ (إذَا أُنْكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (عَلَيْهِمْ بَعْضُ أُمُورِهِمْ) الْأُولَى فِي مَقَامِ الْمُبَالَغَةِ تَرَكَ لَفْظَ الْبَعْضِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ (الْمُخَالِفُ) صِفَةً لِلْبَعْضِ (لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ) إجْمَاعًا أَوْ مُجْتَهَدًا فِيهِ يَعْنِي خِلَافِيًّا فَلَوْ وَافَقَ بِاجْتِهَادِ مُجْتَهِدٍ مَا، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَنْ عَدَاهُ لَا يَكُونُ مُنْكِرًا فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يَرُدَّ مُجْتَهِدًا آخَرَ فِي مَحَلِّ خِلَافِهِمَا فَكَذَا مُقَلِّدُوهُمَا فَلَا يَعْتَرِضُ حَنَفِيٌّ عَلَى شَافِعِيٍّ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَلَا شَافِعِيٌّ عَلَى حَنَفِيٍّ بِشُرْبِ نَبِيذٍ غَيْرِ مُسْكِرٍ لَكِنَّ هَذَا إنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّأْوِيلِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّهُ قَدْ فَصَّلَ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ جَوَّزَ هَلْ يَلْزَمُ الِانْتِقَالُ فِي الْكُلِّ أَوْ يَجُوزُ فِي الْبَعْضِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِقَالِ فِي الْبَاقِي (أَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ) مَفْعُولُ يَدَّعِي أَيْ حُرْمَةَ مَا أَنْكَرَ إنَّمَا هُوَ (فِي الْعِلْمِ الظَّاهِرِ) فَحُرْمَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الظَّاهِرِ أَيْ أَرْبَابِ الشَّرِيعَةِ (وَأَنَّا) مَعْشَرُ الصُّوفِيَّةِ (أَصْحَابُ الْعِلْمِ الْبَاطِنِ) الْمُسَمَّى بِالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَهُوَ عِلْمُ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِ (وَإِنَّهُ) أَيْ مَا أُنْكِرَ (حَلَالٌ فِيهِ) فِي الْبَاطِنِ فَيَعْتَقِدُونَ الْحِلَّ الْقَطْعِيَّ فِيمَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ قَطْعًا فَكُفْرٌ صَرِيحٌ فَاعِلُهُ وَرَاضِيه وَلَوْ كَانَ مَا حَرَّمَ الشَّرْعُ غَيْرَ قَطْعِيٍّ بَلْ ظَنِّيٌّ فَلَا يُكَفَّرُ بَلْ يُفَسَّقُ أَوْ يُضَلَّلُ أَوْ يُجَهَّلُ (وَإِنَّكُمْ) وَفِي بَعْض النُّسَخِ وَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ الظَّاهِرِ وَأَرْبَابَ الشَّرِيعَةِ (تَأْخُذُونَ) عَمَلكُمْ بَلْ اعْتِقَادُكُمْ (مِنْ الْكِتَابِ) الْقُرْآنِ (وَأَنَّا نَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ) أَيْ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُهُ فِي يَدِ (مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً أَوْ حَالًا فَعِنْدَهُمْ الرُّؤْيَا وَالْإِلْهَامُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى قَطْعِيَّاتِ الْكِتَابِ وَسَيُصَرِّحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِلْمِ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِيِّ (فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا مَسْأَلَةٌ
стр. 103
اسْتَفْتَيْنَاهَا مِنْهُ) أَيْ طَلَبْنَا فَتْوَاهَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَإِنْ حَصَلَ) مِنْ فَتْوَاهُ (قَنَاعَةٌ فِيهَا) نَعْمَلْ (وَإِلَّا رَجَعْنَا) فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ (إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالذَّاتِ) إلَى ذَاتِهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا نَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَيْنَا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فَيُمْكِنُ لَنَا الرُّجُوعُ إلَى ذَاتِهِ تَعَالَى فِي أَيِّ وَقْتٍ (فَنَأْخُذُ مِنْهُ) وَهَذَا كُفْرٌ أَيْضًا اعْلَمْ إنَّمَا ادَّعَوْا مِنْ أَخْذِ الْفَتْوَى مِنْ النَّبِيِّ أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا بِمُقْتَضَى عَالَمِ الْمِثَالِ الَّذِي أَثْبَتُوهُ أَوْ بِمُقْتَضَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ الْحِسِّيِّ الْخَارِجِيِّ، فَالْأَوَّلُ إنَّمَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ وَرَحْمَانِيَّتُهُ بِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذْ كُلُّ وَقَائِعَ وَوَارِدَاتٍ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ فَوَسَاوِسُ شَيْطَانِيَّةٌ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُحَقِّقِي الصُّوفِيَّةِ فَتَرْكُ قَطْعِيَّاتِ الشَّرْعِ بِتَرْجِيحِ الْوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِيَّةِ كُفْرٌ عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: أَعْنِي رُؤْيَةَ شَخْصِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقَظَةً بِعَيْنِ الرَّأْسِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَرُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِ الرَّأْسِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْأَوَّلُ عَقْلِيٌّ إذْ الْمَوْتَى مَا دَامُوا كَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ ذَلِكَ
وَأَمَّا الثَّانِي فَمُمْتَنِعٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَجَائِزٌ عِنْدَ بَعْضِ غَيْرِهِمْ وَعِنْدَ الْمُجَوِّزِ هَلْ كَانَ وُقُوعُهُ أَوَّلًا قِيلَ نَعَمْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مَرَّةً وَقِيلَ لَا فَدَعْوَى وُقُوعِ رُؤْيَتِهِمْ إيَّاهُ تَعَالَى سِيَّمَا كُلَّمَا أَرَادُوا رُؤْيَتَهُ خَرْقُ إجْمَاعٍ وَتَفْضِيلٍ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ فَكُفْرٌ وَلَوْ فُرِضَ جَوَازُهُ عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ الْمُحَالِ فَمَا نَقَلُوا عَنْهُ تَعَالَى أَوْ النَّبِيِّ ﵊ خِلَافَ شَرِيعَتِهِ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إذْ ذَلِكَ إمَّا بِالنَّسْخِ أَوْ بِنِسْيَانِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلُ مُخَالِفٌ لِخَبَرِ الْكِتَابِ الْقَطْعِيِّ بِتَأْيِيدِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ إلَى الْقِيَامَةِ.
وَالثَّانِي إثْبَاتُ جَهْلٍ لَهُ تَعَالَى وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ أَيْضًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْفَاضِلُ الْمُنَاوِيُّ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» .
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ بَلْ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً، وَقَدْ نَصَّ عَلَى إمْكَانِ رُؤْيَتِهِ بَلْ وُقُوعُهَا أَعْلَامٌ مِنْهُمْ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ يَلْزَمُ كَوْنُ الرَّائِي صَحَابِيًّا رُدَّ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ، وَكَذَا عَنْ رِسَالَةِ السُّيُوطِيّ.
وَعَنْ شَرْحِ الشَّمَائِلِ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا دَاعِيَ إلَى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ حَيٌّ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ وَيَسِيرُ حَيْثُ شَاءَ فِي الْأَرْضِ وَالْمَلَكُوتِ وَكَوْنِهِ غَيْبًا عَنْ الْأَبْصَارِ كَغَيْبِ الْمَلَائِكَةِ.
وَفِي الْمُنَاوِيِّ أَيْضًا قَالَ الْحُجَّةُ وَلَيْسَ رَائِيهِ يَرَى بَدَنَهُ بَلْ مِثَالًا صَارَ آلَةً لِتَأْدِي الْمَعْنَى وَالْآلَةُ تَكُونُ حَقِيقَةً وَخَيَالِيَّةً وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ فَمَا رَآهُ مِنْ الشَّكْلِ لَيْسَ رُوحَ النَّبِيِّ وَلَا شَخْصَهُ بَلْ مِثَالُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّاذِلِيُّ لَوْ حُجِبَ عَنِّي طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا عَدَدْت نَفْسِي وَكَانَ بَعْضُهُمْ إذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ حَتَّى أَعْرِضَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَطْرُقُ ثُمَّ يَقُولُ قَالَ كَذَا فَيَكُونُ كَمَا أَخْبَرَ لَا يَتَخَلَّفُ (وَإِنَّا بِالْخَلْوَةِ) بِالْوَحْشَةِ عَنْ الْخَلْقِ (وَهِمَّةِ شَيْخِنَا) الَّذِي يُرَبِّينَا وَيُرْشِدُنَا وَيَتَصَرَّفُ فِينَا (نَصِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِالْمَعْرِفَةِ الْكَامِلَةِ أَوْ بِالرُّؤْيَةِ الْعَيَانِيَّةِ (فَتَنْكَشِفُ لَنَا الْعُلُومُ) إلْهَامًا ضَرُورِيًّا أَوْ بِأَخْذِنَا مِنْهُ (فَلَا نَحْتَاجُ إلَى الْكِتَابِ) الْقُرْآنِ أَوْ مُطْلَقِ كُتُبِ الْعِلْمِ (وَالْمُطَالَعَةِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْأُسْتَاذِ) قِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْعِلْمِ وَبِالْمُعْجَمَةِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَيُخَالِفُهُ مَا نُقِلَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ خَطِّ ابْنِ الْكَمَالِ أَنَّ أُسْتَاذَ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ أَعْجَمِيٌّ وَأَصْلُهُ است وآذواست بِالْفَارِسِيَّةِ هُوَ الْكِتَابُ وَآذَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِالْفَارِسِيِّ بِمَعْنَى الصَّاحِبِ كَأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ، فَإِنْ أَرَادُوا بِانْكِشَافِ الْعُلُومِ انْكِشَافَهَا عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالشَّرْعَ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى مُرَاجَعَتِهَا فَلَمْ تُجْرِهِ عَادَتُهُ تَعَالَى، وَإِنْ أَمْكَنَ فِي نَفْسِهِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِحِكْمَةِ إنْزَالِ الْكِتَابِ وَإِرْسَالِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَبِيُّهُ ﵊ بِطَلَبِ الْعِلْمِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّةِ تَحْصِيلِ عِلْمِ الْحَالِ فَكُفْرٌ وَضَلَالَةٌ نَعَمْ قَدْ يُمْكِنُ ذَلِكَ لَكِنْ
стр. 104
يَلْزَمُ تَطْبِيقُهُ بِالشَّرْعِ، وَإِنْ أَرَادُوا عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُ الشَّرْعَ أَوْ أَعَمَّ وَاعْتَقَدُوا حَقِّيَّتَهُ أَوْ رُجْحَانَهُ عَلَى الْكِتَابِ فَكُفْرٌ مَحْضٌ وَاعْلَمْ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ إنْكَارَ طَرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَيْفَ وَهُوَ سَبِيلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ فَكَمَالُ الْإِنْسَانِ إنَّمَا يَكُونُ بِجَمْعِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَكِنَّ الْبَاطِنَ كَالْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ وَالظَّاهِرَ كَشَرْطٍ فَهُمَا كَالْجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ اسْتَأْذَنْت مِنْهُ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ عَلَى الْقَصْرِ عَلَى الْبَاطِنِ لَا فَإِنَّهُمَا جَنَاحَانِ يُطَارُ بِهِمَا إلَى أَعَالِي مَقَاصِدِ النَّجَاحِ وَالْخَلْوَةُ وَهِمَّةُ الشَّيْخِ الْكَامِلِ الْجَامِعِ رِيَاسَتَيْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لَهُمَا تَأْثِيرَاتٌ فِي الْوُصُولِ وَالِانْكِشَافِ لَكِنْ لَيْسَا عَلَى نَهْجِ مَا ادَّعَوْا بَلْ عَلَى نَهْجِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا إذْ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَسَاوِسُ وَغَوَائِلُ لَا عُلُومٌ وَمَعَارِفُ
(وَأَنَّ الْوُصُولَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا بِرَفْضِ) تَرْكِ (الْعِلْمِ الظَّاهِرِ) الْمَعْلُومِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَ) رَفْضِ (الشَّرْعِ) كَعَطْفِ تَفْسِيرٍ، فَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّا نَتْرُكُ الشَّرْعَ لِحُصُولِ الْوُصُولِ إلَى حَقَائِقِ الشَّرْعِ بِدُونِ مُرَاجَعَةٍ إلَيْهِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يُوجِبُ نَفْيَ حِكْمَةِ الْبَعْثَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَعَبَثِيَّةَ وَضْعِ الشَّرَائِعِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِنْ أَرَادُوا تَرْكَ الشَّرْعِ لِلِاشْتِغَالِ بِمُرَاقَبَتِهِ وَلِاسْتِيعَابِ الْأَوْقَاتِ فِي شُهُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَيْضًا كُفْرٌ إذْ ذَلِكَ اعْتِقَادُ سُقُوطِ التَّكْلِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَجْلِ الْمُرَاقَبَةِ نَعَمْ الْمُرَاقَبَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمُطَالَعَةُ جَلَالِهِ تَعَالَى وَجَمَالِهِ أَحْسَنُ الْمَحَاسِنِ لَكِنْ بَعْدَ مُحَافَظَاتِ حَقَائِقِ الشَّرْعِ وَدَقَائِقِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عُلُومَنَا وَأَعْمَالَنَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَعْدِنِ الرِّسَالَةِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ صَحَّ لَنَقَلَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ الْتَزَمُوا بَيَانَ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَشَاعَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُمْ أُمَنَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَيْفَ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَلْزَمُ إعْلَانُهَا وَنَشْرُهَا (وَإِنَّا لَوْ كُنَّا عَلَى الْبَاطِلِ) كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (لَمَا حَصَلَ لَنَا) مِنْ اللَّهِ (تِلْكَ الْحَالَاتُ السَّنِيَّةُ) الرَّفِيعَةُ الْمُضِيئَةُ مِنْ حَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ إلَى النَّبِيِّ ﵊ وَالْمُرَاجَعَةِ إلَى اللَّهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَنَاعَةِ بِالنَّبِيِّ وَعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْعُلُومِ بِالْخَلْوَةِ وَهِمَّةِ الشَّيْخِ (وَالْكَرَامَاتِ الْعَلِيَّةِ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْأَنْوَارِ) الْمَلَكُوتِيَّةِ (وَرُؤْيَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِبَارِ) مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً بِقُوَّةِ الْمُجَاهَدَةِ وَخَرْقِ الْحُجُبِ الْمَادِّيَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْوُصُولِ إلَى الْقُدْسِيَّةِ الرَّحْمَانِيَّةِ.
قُلْنَا كُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ شُهُودَ أَنْوَارِهِ وَرُؤْيَةَ أَنْبِيَائِهِ لِمُرْتَكِبِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَبَاطِيلِ، وَقَدْ جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَحْوَالَ نَتَائِجَ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ عَلَى قَوَانِينِ الشَّرِيعَةِ وَثَمَرَاتِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَنْ يَصِلَ أَحَدٌ إلَى الثَّمَرَةِ بِدُونِ الشَّجَرَةِ فَالثَّمَرَةُ بِدُونِ الشَّجَرَةِ مُحَالٌ كَمَا أَنَّ الشَّجَرَةَ بِدُونِ الثَّمَرَةِ عَبَثٌ وَخِلَافٌ وَوَبَالٌ وَلِذَا اتَّفَقَ الْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّ الْأَحْوَالَ مَوَارِيثُ الْأَعْمَالِ وَلَا يَرِثُ الْأَحْوَالَ إلَّا مَنْ صَحَّحَ الْأَعْمَالَ فَمِثْلُ هَذِهِ الْمُكَاشَفَاتِ اللَّدُنْيَّةِ إنَّمَا تَنْكَشِفُ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُسُوخِ الْأَقْدَامِ فِي دَقَائِقِ الْمُتَابَعَةِ وَحَقَائِقِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّقْوَى وَالْمُجَانَبَةِ عَنْ فِتَنِ الْهَوَى فَعُلُومُهُمْ لَدُنْيَّةٌ وَأَرْوَاحُهُمْ عَرْشِيَّةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمْ فَرْشِيَّةً فَهُمْ كَائِنُونَ بَائِنُونَ قَرِيبُونَ غَرِيبُونَ ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ مَنْ رَوَاهُ شَيْطَانٌ مَكْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعَدَمِ اسْتِقَامَتِهِمْ عَلَى الشَّرْعِ وَالشَّيْطَانُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَقُولَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَكَّلْ بِشَكْلِهِ الشَّرِيفِ وَلَوْ سَلِمَ فَالرُّؤْيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قِيلَ (وَأَنَّا إذَا صَدَرَ مِنَّا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ نُبِّهْنَا) عَلَى الْمَفْعُولِ (فِي النَّوْمِ بِالرُّؤْيَا فَنَعْرِفُ بِهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ وَالْحُرْمَةَ وَالْحِلَّ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ وَالشَّرِيعَةِ.
وَقَدْ حَصَرُوا الْوُصُولَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِرَفْضِهِ آنِفًا فَهَذَا تَنَاقُضٌ كَقَوْلِهِمْ نَأْخُذُ الْفَتْوَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ هَذَا التَّنْبِيهِ الرُّؤْيَائِيِّ إيجَابُ
стр. 105
تَنَافٍ وَكَقَوْلِهِمْ: بَعْضُ أُمُورِنَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ آنِفًا بَعْضُ أُمُورِهِمْ الْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ مَعَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُنْفَهِمَةِ مِنْ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِمْ وَالْوُصُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ هِيَ كُلُّ أُمُورِنَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَأَنَّ مَا نَبَّهَ فِي النَّوْمِ أَمْرٌ خَيَّالِيٌّ حُجِّيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ وَارْتِكَابُ الْحُجَجِ الضَّعِيفَةِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَطْعِيَّةِ الْقَوِيمَةِ.
وَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ فَتَرْجِيحُ مَرْجُوحٍ وَارْتِكَابُ مُحَالٍ أَيْضًا (وَأَنَّ مَا فَعَلْنَا مِمَّا قُلْتُمْ إنَّهُ حَرَامٌ لَمْ نُنْهَ) لِلْمَفْعُولِ (عَنْهُ فِي الْمَنَامِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ حَلَالٌ) ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا صَدَرَ عَنَّا أَمْرٌ مَمْنُوعٌ نُبِّهْنَا فِي الْمَنَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّ صِحَّةَ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةِ إمَّا مِنْ الشَّرْعِ وَهُوَ مُنْتَفٍ ظَاهِرًا أَوْ مِنْ الْعَقْلِ وَلَا عَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ نَقُولُ أَوَّلًا إنَّ مَا ادَّعَوْا مِنْ الْمَنَامِ كَذِبٌ بَحْتٌ وَلَوْ سَلَّمَ، فَإِنَّهُ خَيَالَاتٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَوَسَاوِسُ نَفْسَانِيَّةٌ لِرَفْضِهِمْ حُدُودَهُ تَعَالَى.
نَعَمْ قَدْ يُنَبِّهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ خَوَاصِّ عِبَادِهِ وَخُلَّصِ أَوْلِيَائِهِ عَلَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً كَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ أَنَّهُ إذَا تَنَاوَلَ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ تَحَرَّكَ فِيهِ إصْبَعُهُ.
وَعَنْ الْبَعْضِ يَشُمُّ رَائِحَةً كَرِيهَةً وَفِي حَلَّ الرُّمُوزِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ فَقَالَ هَلْ رَأَيْت أَحَدًا فَوْقَك قَالَ نَعَمْ كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَرْوِي الْأَحَادِيثَ وَالنَّاسُ يَزْدَحِمُونَ وَرَأَيْت شَابًّا مِنْ بَعِيدٍ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَقُلْت لَهُ لَمْ لَا تَأْخُذْ الْأَحَادِيثَ فَقَالَ إنَّهُ يَرْوِي وَأَنَا لَسْت بِغَائِبٍ عَنْ اللَّهِ فَقُلْت لَهُ إنْ كُنْت صَادِقًا فَمَنْ أَنَا فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ فَعَلِمْت أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَمْ أَعْرِفْهُمْ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الْكَتَّانِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ شَيْخًا دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ فَجَاءَ عِنْدِي وَقَالَ لِي لِمَ لَا تَسْمَعُ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﵊.
فَقُلْت إنِّي أَسْمَعُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يُحَدِّثُنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي فَقَالَ هَلْ لَك حُجَّةٌ قُلْت حُجَّتِي أَنَّك الْخَضِرُ قَالَ الْخَضِرُ فَعَلِمْت أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَا أَعْرِفُهُمْ، فَإِنَّهُ عَرَفَنِي وَأَنَا مَا عَرَفْته (وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ التُّرَّهَاتِ) جَمْعُ تُرَّهَةٍ الْأَبَاطِيلُ (كُلُّهُ) لَا بَعْضُهُ (إلْحَادٌ) مَيْلٌ وَعُدُولٌ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَضَلَالٌ) إعْرَاضٌ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا يَدَّعِيه بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ (إذْ فِيهِ) أَيْ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَقَالَاتِ (ازْدِرَاءٌ لِلشَّرِيعَةِ) أَيْ احْتِقَارُهَا (الْحَنِيفِيَّةِ) الْمَائِلَةِ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ الْمِلَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي لَا حَرَجَ فِيهَا وَلَا ضِيقَ عَلَى النَّاسِ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ
стр. 106
بَاطِلٍ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْحَنَفُ مُحَرَّكَةٌ، الِاسْتِقَامَةُ، وَالْحَنِيفُ الصَّحِيحُ الْمَيْلُ إلَى الْإِسْلَامِ الثَّابِتُ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ جَمَعَ بَيْنَ كَوْنِهَا حَنِيفِيَّةً وَسَمْحَةً لِكَوْنِهَا حَنِيفِيَّةً فِي التَّوْحِيدِ سَمْحَةً فِي الْعَمَلِ، وَوَجْهُ الِازْدِرَاءِ اسْتِلْزَامُ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِلْأَخْذِ مِنْ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فِي الْمَنَامِ (وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ) كَعَطْفِ أَحَدِ اللَّازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ هَذَا بِقَوْلِهِمْ نَصِلُ بِالْخَلْوَةِ وَهِمَّةِ الشَّيْخِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى الْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ (وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمَا) هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ الْوُصُولُ لَا يَكُونُ إلَّا بِرَفْضِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ (وَتَجْوِيزِ الْخَطَأِ) ضِدُّ الصَّوَابِ خُصَّ هَذَا بِأَلْفَاظٍ كَمَا خُصَّ قَوْلُهُ (وَالْبُطْلَانِ) بِالْمَعَانِي (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ كُنَّا عَلَى الْبَاطِلِ إلَخْ.
(وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) مِنْ ذَلِكَ (فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الْبَاطِلَةِ الْإِنْكَارُ عَلَى قَائِلِهِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ إمَّا بِالنُّصْحِ اللَّيِّنِ أَوْ الْغِلْظَةِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَبِالْقَلْبِ كَمَا فِي سَائِرِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ (وَالْجَزْمِ بِبُطْلَانِ مَقَالِهِ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ وَلَا تَوَقُّفٍ وَلَا تَلَبُّثٍ) بِلَا لُبْثٍ وَلَا تَأْخِيرٍ هَذِهِ تَأْكِيدَاتٌ لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ وَلِدَفْعِ وَهْمِ الِاعْتِقَادِ بِظَوَاهِرِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ الْخَوَارِقِ الَّتِي اسْتَدْرَجَهُمْ اللَّهُ بِهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ كَثِيرِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يُسَاعِدُهُ الشَّرْعُ فَهُوَ بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ وَكُلُّ صُوفِيٍّ لَا يُجَاهِدُ فِي مُحَافَظَتِهِ فَمَفْتُونٌ جَاهِلٌ إذَا رَأَيْت مَنْ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَوْ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ فَلَا تُصَدِّقْهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ لَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ سِوَى الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ مُخَالِفٍ مِنْ فَرِيقٍ فَهُوَ غَرِيقٌ أَوْ حَرِيقٌ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُنْكِرْ أَوْ أَنْكَرَ لَكِنْ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِنْكَارِ بِدُونِ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ لَيْسَ بِمُفِيدٍ (فَهُوَ) مَحْسُوبٌ (مِنْ جُمْلَتِهِمْ) أَوْ مُلْحَقٌ بِهِمْ فَعَدَمُ الْإِنْكَارِ مَعَ الْجَزْمِ بِلَا شَكٍّ لَا يَجْعَلُهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَإِنْ حُسِبَ مِنْهُمْ مِنْ حَيْثُ أَصْلُ التَّفْسِيقِ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْإِنْكَارِ هَذَا لَكِنْ قَوْلُهُ (فَيُحْكَمُ بِالزَّنْدَقَةِ) لَا يُلَائِمُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَتَخْصِيصُ ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) بِالْقَائِلِينَ دُونَ تَارِكِي الْإِنْكَارِ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْإِنْكَارُ أَعَمَّ إلَى الْإِنْكَارِ الْقَلْبِيِّ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزِّنْدِيقُ بِالْكَسْرِ مِنْ الثَّنَوِيَّةِ أَوْ الْقَائِلُ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَلَا بِالرُّبُوبِيَّةِ
стр. 107
أَوْ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ زَنْ دِينِ أَيْ دِينِ الْمَرْأَةِ.
وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ مَنْ لَا يُوَحِّدُ.
وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مُلْحِدٌ وَدَهْرِيٌّ.
وَعَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ مُعَرَّبُ زنده أَيْ مَنْ يَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ.
وَعَنْ الْمَوَاهِبِ مَنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِدِينٍ.
وَعَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى هُمْ قَائِلُونَ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِمَعْنًى فِي شَيْءٍ آخَرَ أَيْ بِلَا عَلَاقَةٍ.
فَلَوْ قَالَ تُبْت يَجُوزُ مَعْنًى غَيْرُ التَّوْبَةِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَفِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ الْبَاطِنِيَّةِ قَائِلُونَ بِبَاطِنِ الْكِتَابِ دُونَ ظَاهِرِهِ لِقَصْدِ إبْطَالِ الشَّرَائِعِ وَقِيلَ الزِّنْدِيقُ الْمُنَافِقُ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ أَقَاوِيلَهُمْ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ كُفْرًا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهَا لَيْسَتْ زَنْدَقَةً بِشَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِدِينٍ مُبَالَغَةً أَوْ مَجَازًا وَبِهِ تَضْمَحِلُّ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا وَالزِّنْدِيقُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى وَفِي كِتَابِ الْحَصْرِ مِنْ قَاضِي خَانْ وَبَعْدَ الْأَخْذِ فِي سِيَرِ قَاضِي خَانْ لَا وَقَبْلَ الْأَخْذِ تُقْبَلُ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ
وَفِي أَصَحِّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيَّةِ الْقَبُولُ مُطْلَقًا ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُفْتَرَيَاتٌ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ وَلِذَا كَانَ مَوْتُهُ بِأَمَارَاتِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ بِمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ.
وَهَذَا مِنْ خُبْثِ الْبَاطِلِ فِي حَقِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَعَدِّ نَفْسِهِ مُسْتَقِلًّا فِي إصْلَاحِ الْعَالَمِ وَمُبَارَزَةِ مُعَادَاةِ اللَّهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» وَرُدَّ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ عَلَى مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى قَائِلِهِ بِبُطْلَانِ مَقَالِهِ وَقِيلَ إنِّي سَمِعْت مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الثِّقَاتِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ نَزْعِ رُوحِهِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧]- الْآيَةُ.
وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى حُسْنِ حَالِهِ جَمِيعُ مُصَنَّفَاتِهِ وَأَقُولُ أَيْضًا وَتَوَاتُرُ حُسْنِ أَخْلَاقِهِ وَأَحْوَالِهِ فَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ ثُمَّ أَقُولُ: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُتَصَوِّفَةِ مَنْ يَقُولُ جِنْسَ هَذِهِ الْأَبَاطِيلِ فَتَعَصُّبٌ مَحْضٌ، وَإِنْكَارٌ لِلْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُتَوَاتِرَاتِ إذْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ حِسًّا أَوْ تَوَاتُرًا وَأَنَّهُ إنْ ادَّعَى عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدُوا فِي مَحَلٍّ لَا يَبْلُغُهُ اسْتِقْرَاءُ الْمَوْرِدِ عَلَيْهِ وَوَصَلَ إلَى الْمُصَنِّفِ عِلْمُهُ وَأَنَّ النَّاقِصَ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ فِي الْمُتَصَوِّفَةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ لَكِنَّ مَنْ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ الْمُصَنِّفُ لَيْسُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ أَيْضًا إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعْيِينُهُمْ وَالْجَزْمُ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ مَا أَخْبَرَهُ الصَّادِقُ لَيْسَ بِجَائِزٍ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ عَدَمُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْفُحْشِيَّاتِ إنَّمَا كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْإِنْكَارُ عَدَمُ الرِّضَا عَلَى الْقَضَاءِ فَكُفْرٌ مُوجِبٌ لِعَبَثِيَّةِ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْكَارُ وُجُوبِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ وَأَيُّ كَلَامٍ يَدُلُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى عَدِّ نَفْسِهِ مُصْلِحًا لِلْعَالَمِ بَلْ فِيهِ إظْهَارُ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ، وَإِنْكَارُ أَشْنَعِ مُنْكَرَاتِ اللَّهِ تَعَالَى
(وَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ) مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ كَالنَّسَفِيِّ (بِأَنَّ الْإِلْهَامَ) يُقَالُ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا لَقَّنَهُ إيَّاهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ مَا يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ الْأَسْرَارِ.
وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ هُوَ إلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ وَفِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ وَقِيلَ الْإِلْهَامُ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ مِنْ عِلْمٍ وَهُوَ يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِآيَةٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ (لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَحْكَامِ) لَعَلَّ تَقْيِيدَهُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ وَفِي اخْتِيَارِ الْمَعْرِفَةِ دُونَ الْعِلْمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ عِلْمًا جُزْئِيًّا وَلَوْ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ الْعِلْمِ الْكُلِّيِّ الْقَطْعِيِّ.
قَالَ الشَّرِيفُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا عِنْدَ الصُّوفِيِّينَ لَعَلَّ مُرَادَهُ عِنْدَ بَعْضِ الصُّوفِيِّينَ.
وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى نَفْسِهِ لَعَلَّ الْأَوْلَى التَّفْصِيلُ أَنَّهُ إنْ مِنْ النَّبِيِّ فَحُجَّةٌ لَهُ وَلَنَا، وَإِنْ مِنْ الْوَلِيِّ فَحُجَّةٌ لَهُ لَا لَنَا، وَإِنْ مِنْ الْعَوَامّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا لَهُ وَلَا لَنَا.
وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَنَّ الْإِلْهَامَ لَيْسَ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ لِعَامَّةِ الْخَلْقِ وَيَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، وَقَدْ وَرَدَ الْقَوْلُ بِهِ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ
стр. 108
حُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ فَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَرِدُ عَلَى الضَّمَائِرِ إنْ مِنْ الْمَلَكِ فَإِلْهَامٌ، وَإِنْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَخَاطِرٌ حَقٌّ، وَإِنْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَوَسْوَاسٌ، وَإِنْ مِنْ النَّفْسِ فَهَوَاجِسُ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ كَمَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَفِي حَلِّ الرُّمُوزِ أَيْضًا وَعَلَامَةُ كُلِّ قِسْمٍ فَمَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْعِلْمِ أَيْ الظَّاهِرِ فَمِنْ الْمَلَكِ وَلِذَا قِيلَ كُلُّ خَاطِرٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرٌ فَبَاطِلٌ وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَاصِي فَمِنْ الشَّيْطَانِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَاسْتِشْعَارِ الْكِبْرِ وَسَائِرِ مَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ النَّفْسِ فَمِنْ النَّفْسِ وَالْفَرْقُ الْمَنْقُولُ عَنْ الْجُنَيْدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ أَصَرَّ وَاسْتَمَرَّ إلَى حُصُولِ الزَّلَّةِ فَحَدِيثُ نَفْسٍ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَطَلَبَ زَلَّةً أُخْرَى فَوَسْوَسَةٌ.
وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ اتَّفَقُوا أَنَّ آكِلَ الْحَرَامِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ.
وَعَنْ الدَّقَّاقِ وَكَذَا مَنْ كَانَ قُوتُهُ مَعْلُومًا
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ خَاطِرِ الْحَقِّ وَالْمَلَكِ أَنَّ الْأَوَّلَ الْعَبْدُ لَا يُخَالِفُهُ أَصْلًا وَالثَّانِي قَدْ يُخَالِفُهُ وَبِمَا ذُكِرَ عَرَفْت أَنَّ الْإِلْهَامَ إنَّمَا يُوجَدُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْخُذْ عِلْمَهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ فَوَسْوَسَةٌ أَوْ هَوَاجِسُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِلْهَامَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ طَرِيقًا صَحِيحًا لِفَهْمِ مَعَانِيهِمَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْفِقْهِيِّ وَإِلَّا فَوَسْوَسَةٌ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ ﵉ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْوَحْيِ بِالْعِلْمِ اللَّدُنِّي الَّذِي مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ فَقِيلَ كُفْرٌ مُوجِبٌ لِإِرَاقَةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ مُوسَى ﵊ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَى الْخَضِرِ وَلَمْ يَكُنْ الْخَضِرُ مَأْمُورًا بِمُتَابَعَتِهِ (وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا فِي الْمَنَامِ) فِي عَدَمِ كَوْنِهَا مِنْ أَسْبَابِ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ الرُّؤْيَا كَالْبُشْرَى مُخْتَصَّةٌ غَالِبًا بِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ يُرَى مَنَامًا وَقِيلَ هِيَ كَالرُّؤْيَةِ أَلْفُ تَأْنِيثٍ مَكَانُ تَائِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُرَى نَوْمًا وَيَقَظَةً فَإِدْرَاكُ الْيَقَظَةِ رُؤْيَةٌ وَإِدْرَاكُ النَّوْمِ رُؤْيَا ثُمَّ الرُّؤْيَا خَيَالٌ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ ضِدُّ الْإِدْرَاكِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَنَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَعَمَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا قَبْلَ الْوَحْي وَأُجِيبَ أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ إنْكَارَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهِمْ الْحَوَاسَّ الْبَاطِنَةَ مُطْلَقًا فَلَا قَائِلَ فِي إثْبَاتِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ
أَقُولُ: يَئُولُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى أَنْ تَكُونَ خَيَالًا بَاطِلًا فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِ نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ» الْحَدِيثُ وَفِي رِوَايَةٍ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَأَيْضًا حَدِيثُ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ» وَحَدِيثُ «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ» وَحَدِيثُ «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الْعَبْدَ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ» وَحَدِيثُ «يَنْقَطِعُ الْوَحْيُ وَلَا تَنْقَطِعُ الْمُبَشِّرَاتُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ الَّتِي يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» .
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخَوَارِقِ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ يَرُدُّهُ مَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ مَنَامَاتٌ صَادِقَةٌ كَمَنَامِ الْمَلِكِ الَّذِي رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ وَمَنَامِ عَاتِكَةَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ كَافِرَةٌ وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ الْمُوَافِقَ لِلنُّصُوصِ وَالْمُنَاسِبَ لِمَا تَشْهَدُ بِهِ التَّجَارِبُ مَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: النَّاسُ فِي الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّ رُؤْيَاهُمْ صِدْقٌ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْبِيرِ وَالصَّالِحُونَ غَالِبُ رُؤْيَاهُمْ صِدْقٌ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْبِيرِ وَمَنْ سِوَاهُمْ فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْقَ وَالْأَضْغَاثَ، وَهُمْ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ مَسْتُورُونَ الْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ وَفَسَقَةٌ الْغَالِبُ هُوَ الْأَضْغَاثُ.
وَقَدْ تَصْدُقُ وَكُفَّارٌ يَنْدُرُ صِدْقُهُمْ قَالَهُ الْمُهَلَّبِ انْتَهَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَحَصَّلَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ مِنْ الرُّؤْيَا إذْ الصِّدْقُ هُوَ الْعِلْمُ فَخِلَافٌ صَرِيحٌ لِتَصْرِيحِ الْمُصَنِّفِ فَالْكَلَامُ هُنَا كَالْكَلَامِ فِي الْإِلْهَامِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُمَا حُجَّتَيْنِ مُقَابِلَتَيْنِ لِوَاحِدٍ مِنْ
стр. 109
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ جَازَ كَوْنُهُمَا فِي تَأْيِيدِ شَيْءٍ مِنْهُمَا وَتِبْيَانًا وَتَوْضِيحًا وَتَعْيِينَ احْتِمَالٍ لَهُمَا وَنَحْوَهَا فَيَبْطُلُ احْتِجَاجُهُمْ بِهِمَا مُعَارِضًا وَمُقَابِلًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا سَبَبُ الرُّؤْيَا فَفِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ سَبَبَ الرُّؤْيَا إذَا نَامَ الْإِنْسَانُ سَطَعَ نُورُ النَّفْسِ حَتَّى يَجُولَ فِي الدُّنْيَا وَيَصْعَدَ إلَى الْمَلَكُوتِ فَيُعَايِنُ الْأَشْيَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَعْدِنِهِ، فَإِنْ وَجَدَ مُهْلَةً عَرَضَ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ يَسْتَوْدِعُ الْحَافِظَةَ وَفِي الْعَالِمِ يَخْرُجُ النَّفْسُ وَيَبْقَى الرُّوحُ عِنْدَ النَّوْمِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَخْرُجُ الرُّوحُ وَيَبْقَى شُعَاعُهُ فِي الْجَسَدِ فَبِذَلِكَ يَرَى الرُّؤْيَا وَيُقَالُ أَرْوَاحُ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامَاتِ فَتَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَفْهُومُ مِنْ مُحَاكَاةِ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ أَنَّ تَوَجُّهَ النَّفْسِ فِي الْيَقَظَةِ إلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَانِعٌ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَعْقُولَاتِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَانِعُ بِالنَّوْمِ تَسْتَعِدُّ النَّفْسُ بِالِاتِّصَالِ بِالْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّذِي ارْتَسَمَ فِيهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ إنَّ لِلرُّؤْيَا مَلَكًا يُقَالُ لَهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا فَعِنْدَ الْيَقَظَةِ تُعْدَمُ الْمُنَاسَبَةُ وَعِنْدَ النَّوْمِ تَحْصُلُ الْمُنَاسَبَةُ مَعَ ذَلِكَ الْمَلَكِ فَيَنْطَبِعُ فِي النَّفْسِ مِنْ الْمَلَكِ مَا أَخَذَهُ مِنْ اللَّوْحِ وَالْإِلْهَامَاتِ الْفَائِضَةِ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ
وَأَمَّا الْكَاذِبَةُ فَإِمَّا بِسَبَبِ تَخَيُّلٍ فَاسِدٍ فِي الْيَقَظَةِ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ أَوْ امْتِلَاءٍ أَوْ لِأَمْرَاضٍ ثُمَّ قِيلَ الرُّؤْيَا إمَّا صَادِقَةٌ وَهِيَ أَيْضًا ثَلَاثٌ تَبْشِيرٌ يُبَشِّرُهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا بِمَا يُسِرُّهُ مِنْ الْأُخْرَوِيِّ أَوْ الدُّنْيَوِيِّ وَتَحْذِيرٌ يُخَوِّفُهُ بِمَا يُبْعِدُ عَنْ الطَّاعَةِ وَيُقَرِّبُ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِلْهَامٌ يُلْهِمُهُ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ كَالْحَجِّ وَالتَّهَجُّدِ وَإِمَّا كَاذِبَةٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ رُؤْيَا هِمَّةٍ وَهِيَ مَا تَخَيَّلَهَا فِي الْيَقَظَةِ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِبَارٌ وَرُؤْيَا عِلَّةٍ نَاشِئَةٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِبَارٌ أَيْضًا وَرُؤْيَا شَيْطَانٍ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ فَلَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ أَيْضًا (خُصُوصًا) أَيْ أَخَصُّهُمَا (إذَا خَالَفَا كِتَابَ الْعَلِيمِ الْعَلَّامِ) جِيءَ بِالْوَصْفِ الثَّانِي إشَارَةً إلَى جَهْلِهِمْ وَتَعْرِيضًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدِّهِمْ (أَوْ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﵊) وَجْهُ التَّرَقِّي أَنَّهُمَا حِينَ الْمُخَالَفَةِ لَا يَكُونَانِ إلْهَامًا بَلْ وَسْوَسَةً شَيْطَانِيَّةً وَرُؤْيَا كَاذِبَةً عَلَى نَهْجِ مَا فُصِّلَ.
وَأَمَّا إذَا وَافَقَا إيَّاهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَا حُجَّةً لِصَاحِبَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا حُجَّةً لِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لَمَّا أَوْرَدَ فِي رَدِّهِمْ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ الْبُرْهَانِيَّةَ أَرَادَ أَنْ يُورِدَ الْأَدِلَّةَ الْجَدَلِيَّةَ وَالْخَطَّابِيَّةَ الْإِقْنَاعِيَّةَ وَهِيَ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَتْبَاعِهِمْ وَمُقَلِّدِيهِمْ.
فَقَالَ (وَقَدْ قَالَ) كَأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ أَدِلَّتَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْفُحْشِيَّاتِ إمَّا إلْهَامٌ وَمَنَامٌ أَوْ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْت وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِمَا سَتَعْرِفُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ الْمُنَافِيَةِ لِدَعْوَاهُمْ (سَيِّدُ) مِنْ السِّيَادَةِ (الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ) قَالُوا فِي اشْتِقَاقِهِ وَنِسْبَتِهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَيْ الصُّوفِيَّ مِنْ الصَّفَاءِ سُمُّوا بِهَا لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ وَبَقَاءِ آثَارِهِمْ.
قَالَ بِشْرٌ الْحَافِيُّ الصُّوفِيُّ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ الثَّانِي مِنْ الصَّفِّ لِكَوْنِهِمْ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: مِنْ الصُّفَّةِ لِقُرْبِهِمْ بِأَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَيْ صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الرَّابِعُ: مِنْ الصُّوفِ لِلُبْسِهِمْ الصُّوفَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الدُّنْيَا وَخَرَجُوا عَنْ الْأَوْطَانِ وَهَجَرُوا الْإِخْوَانَ وَسَاحُوا فِي الْبِلَادِ وَأَجَاعُوا الْأَكْبَادَ وَأَتْعَبُوا الْأَجْسَادَ وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ السَّقَطِيُّ ﵀ بِأَنَّ أَكْلَهُمْ أَكْلُ الْمَرْضَى وَنَوْمَهُمْ نَوْمُ الْغَرْقَى.
وَالْخَامِسُ: مِنْ الصَّفْوَةِ قَالَ فِي حَلِّ الرُّمُوزِ: الْكُلُّ ضَعِيفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ سِوَى الرَّابِعِ وَلِهَذَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لَا يَشْهَدُ لِهَذَا الِاسْمِ مِنْ حَدِيثِ الْعَرَبِيَّةِ قِيَاسٌ وَلَا اشْتِقَاقٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَاللَّقَبِ ثُمَّ قَالَ وَالنِّسْبَةُ إلَى الصُّوفِ مُسْتَقِيمَةٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَخْتَصُّوا بِلُبْسِ الصُّوفِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الصُّوفَ مِنْ لِبَاسِ الْأَنْبِيَاءِ وَزِيِّ الْأَوْلِيَاءِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَدْرَكْت سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مَا كَانَ لِبَاسُهُمْ إلَّا الصُّوفَ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ «كَانَ ﵊ يَلْبَسُ الصُّوفَ» وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الصُّوفِيِّ فَقَالَ مِنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَأُطْعِمَ الْهَوَى ذَوْقَ الْجَفَا وَكَانَتْ الدُّنْيَا مِنْهُ فِي الْقَفَا وَسَلَكَ مِنْهَاجَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا كَلَامُهُمْ وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْمَلَالِ لَأَوْرَدْنَا عَلَى كُلِّ مَا يُمْكِنُ إيرَادُهُ (وَإِمَامُ أَرْبَابِ) أَصْحَابِ (الطَّرِيقَةِ) أَيْ طَرِيقَةِ كَمَالِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِقَادًا وَأَخْلَاقًا وَأَعْمَالًا وَسِيرَةً وَلَوْ عَادِيَّةً إلَى أَنْ تَرَكُوا الْأَغْيَارَ لِقَصْرِهِمْ النَّظَرَ إلَى رَبِّ الدَّارِ فَجَعَلَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مَعَادِنَ أَسْرَارِهِ وَخَصَّهُمْ مِنْ الْعَالَمِينَ بِطَوَالِعِ أَنْوَارِهِ صَفَّاهُمْ اللَّهُ مِنْ كُدُورَاتِ الْأَرْكَانِ وَرَقَّاهُمْ إلَى الْمَلَكُوتِ
стр. 110
مِنْ الْأَكْوَانِ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ الْحُسْنَى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى فَهُمْ أَقْوَامٌ فَهِمُوا عَنْ اللَّهِ وَطَرَحُوا مَا سِوَى اللَّهِ وَسَارُوا إلَى اللَّهِ خَرَقَتْ الْحُجُبَ كُلَّهَا أَنْوَارُهُمْ وَجَالَتْ حَوْلَ سُرَادِقِ الْعَرْشِ أَسْرَارُهُمْ أَجْسَادٌ رُوحَانِيُّونَ وَأَجْسَادٌ رَبَّانِيُّونَ وَأَرْضِيُّونَ سَمَاوِيُّونَ غُيَّبٌ حُضَّارٌ مُلُوكٌ تَحْتَ أَطْمَارٍ
لِلَّهِ تَحْتَ قِبَابِ الْعِزِّ طَائِفَةٌ ... أَخْفَاهُمْ فِي رِدَاءِ الْعِزِّ إجْلَالًا
هُمْ السَّلَاطِينُ فِي أَطْمَارِ مَسْكَنَةٍ ... جَرُّوا عَلَى فَلَكِ الْخَضْرَاءِ أَذْيَالًا
غُبْرٌ مُلَابِسُهُمْ شَمٌّ مَعَاطِسُهُمْ ... اسْتَعْبَدُوا مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَقْيَالًا
قُلُوبُهُمْ عَرْشِيَّةٌ وَأَبْدَانُهُمْ عَنْ الْخَلْقِ وَحْشِيَّةٌ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ طَيَّارَةٌ وَأَشْبَاحُهُمْ فِي الْمُلْكِ سَيَّارَةٌ - ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] (وَالْحَقِيقَةُ) هِيَ عِنْدَهُمْ الْمَقْصُودُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ الْحَقِيَةِ وَاهْتِمَامِ دَقَائِقِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ إلَى أَنْ يَسْتَغْرِقَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ وَالْعُرْفَانِ بِحَيْثُ تَضْمَحِلُّ ذَاتُهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتُهُ فِي صِفَاتِهِ وَيَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَلَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْحَدِيثُ الْإِلَهِيُّ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي بِهِ يَسْمَعُ وَبَصَرَهُ الَّذِي بِهِ يُبْصِرُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا تَصْدُرُ عَنْهُ عِبَارَاتٌ تُشْعِرُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ بَيَانِ تِلْكَ الْحَالِ وَتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْهَا بِالْمَقَالِ وَنَحْنُ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ التَّمَنِّي نَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَنَعْتَرِفُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ فِي الْعِيَانِ دُونَ الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ ثُمَّ إنَّ لَهُمْ اصْطِلَاحَاتٍ وَفُرُوقًا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ لَا يَتَحَمَّلُهَا الْمَقَامُ
(جُنَيْدٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْجُنَيْدُ (الْبَغْدَادِيُّ) أَصْلُهُ مِنْ نَهَاوَنْدَ وَمَنْشَأُهُ وَمَوْلِدُهُ الْعِرَاقُ وَأَبُوهُ بَيَّاعُ الزُّجَاجِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ أَخَذَ الطَّرِيقَ مِنْ خَالِهِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ وَهُوَ عَنْ الْكَرْخِيِّ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّة (عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْهَادِي) الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ هُوَ الْأَدَبُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَشَايِخِ (الطُّرُقُ) أَيْ السُّبُلُ الْمُوصِلَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ (كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ السُّلُوكَ وَالْوُصُولَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُفُورِ الْحُجُبِ وَكُثُورِ الْمَوَانِعِ (إلَّا عَلَى مَنْ اقْتَفَى) أَيْ مَنْ اتَّبَعَ (أَثَرَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِأَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مَسْدُودَةً بَلْ تَكُونُ مَفْتُوحَةً مُوصِلَةً إلَى جَانِبِ الْقُدْسِ.
(وَقَالَ) أَيْضًا (مَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ) أَيْ لَمْ يَرْعَ حُدُودَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالْقَوْلُ أَيْ مَعَ التَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّ تِلَاوَتَهُ وَإِتْيَانَ أَحْكَامِهِ لَكَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً (وَلَمْ يَكْتُبْ الْحَدِيثَ) وَلَمْ يَجْمَعْ مَحَاوِيَهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْ وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْحَدِيثِ أَيْ مُطْلَقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْفَرْضُ اللَّازِمُ فِعْلُهُ (لَا يُقْتَدَى بِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ عَلَى كِتَابٍ وَسُنَّةٍ فَلَيْسَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]- الْآيَةُ (فِي هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاقْتِدَاءِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ لَا يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ لِجَوَازِ فَيْضِهِ تَعَالَى لِجَاهِلٍ أُمِّيٍّ مَحْضٍ بِالتَّجَلِّيَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَكَلَّمُ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إلَى أَنْ تَتَحَيَّرَ بِهِ
следующие страницы →