Полный текст (1 189 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
تَمْتَدُّ إلَى الظَّاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَزِيدَ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَاللِّبَاسِ وَيَتَعَمَّمَ وَيَرْتَدِيَ انْتَهَى أَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ الْخَوَاصِّ؛ إذْ الْأَصْلُ أَنَّهُ أُسْوَةٌ يُقْتَدَى بِهِ فِي فِعْلِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ خُصُوصِهِ لَهُ ﷺ وَإِنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ جَارٍ فِي الْغَيْرِ وَالشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ كَيْفَ وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ حَمْلِ حَوَائِجِهِ) مِنْ السُّوقِ مَثَلًا إلَى بَيْتِهِ (بَيْنَ النَّاسِ) لِئَلَّا يُسْقِطُوهُ مِنْ نَظَرِهِمْ (وَيَحْمِلُهُ فِي اللَّيْلِ) لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ (أَوْ) فِي النَّهَارِ (حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ) عُمُومُهُ أَوْ خُصُوصُهُ كَمَا عِنْدَ أَشْرَافِهِمْ أَوْ عِنْدَ الْغُرَبَاءِ، وَكَذَا الْكَسْبُ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عِنْدَ الْخَلْوَةِ وَيَمْتَنِعُ فِي الْجَلْوَةِ يَشْكُلُ أَنَّهُ قَدْ أُشِيرَ فِيمَا سَبَقَ كَمَا هُنَا أَيْضًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ الرِّيَاءِ وَلَوْ جُعِلَ مِنْ الْكِبْرِ أَيْضًا لَزِمَ التَّوَارُدُ أَوْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءَ عِلَّةٍ وَعِلَّةً نَاقِصَةً أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ وَالْآخَرُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَاعْرِفْهُ
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ]
(الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) (فِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ) الْأَوَّلُ مَا بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي مَا بِالتَّكَلُّفِ (اعْلَمْ أَنَّ الْكِبْرَ) لِقُوَّةِ خَفَائِهِ (قَدْ يَخْفَى عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَظُنَّ) يَعْتَقِدَ (أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ) وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهِ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ حَتَّى يَعْرِضَ كُلُّ سَالِكٍ) آخِرَةً (نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْكُورَةِ (فَيَمِيزُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ فَلَا يَغُرُّهُ الْغَرُورُ) قِيلَ بِالْفَتْحِ الشَّيْطَانُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] ، وَقِيلَ الْهَوَى أَوْ الدُّنْيَا (فَمِنْهَا) أَيْ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ (أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ) عِنْدَ قُدُومِهِ، قِيلَ وَقَدْ يُحِبُّ الْقِيَامَ لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ صِغَرِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَشْرَافِ بِلَا أَخْطَارِ كِبْرٍ وَقَدْ يُحِبُّ لِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الدِّينِ وَقَدْ يُحِبُّ لِيُظْهِرَ عَظَمَتَهُ فَيَمْتَثِلُونَ فِي نُصْحِ الدِّينِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كِبْرًا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي الْقُلُوبِ غَيْرُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْظُورٌ فِيهِ (أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ) كَمَا هُوَ عَادَةُ الظَّلَمَةِ فَإِنَّ خُدَّامَهُمْ وَغِلْمَانَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ حُضُورِهِمْ وَأَشْنَعُ مَا اعْتَادُوا كَوْنُهُمْ مُرْدًا (تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ) وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِمْ وَلِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ لَدَيْهِمْ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلَى رَجُلٍ قَاعِدٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَوْمٌ قِيَامٌ.
وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ» .
وَأَمَّا لَوْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِشَرَفِ الْعِلْمِ وَإِظْهَارًا لِمَرْتَبَةِ رَوْنَقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْعَيْنِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ السَّعِيدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَرَى يَحْيَى بْنَ الْقَطَّانِ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ مَنَارِ مَسْجِدِهِ فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالشَّاذَكُونِيُّ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمْ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْحَدِيثِ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ إلَى أَنْ تَجِيءَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ اجْلِسْ وَلَا يَجْلِسُونَ هَيْبَةً لَهُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَيَقْرَبُ إلَى هَذَا الْجِنْسِ مَا فِي الْفَتَاوَى كَالْخُلَاصَةِ يَتَقَدَّمُ الشَّابُّ الْعَالِمُ عَلَى الشَّيْخِ الْغَيْرِ الْعَالِمِ وَالتِّلْمِيذُ لَا يَفْتَحُ الْكَلَامَ قَبْلَ أُسْتَاذِهِ وَلَا يَجْلِسُ مَكَانَهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهُ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي مَشْيِهِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ لَا يَقُومُ عِنْدَ قُدُومِ الْعُلَمَاءِ وَيَقُومُ عِنْدَ قُدُومِ الْأَعْوَانِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ إنَّ طَبِيعَتَهُمْ مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ تَرْكِ الْقِيَامِ دُونَ مَجَالِسِنَا انْتَهَى
وَذَلِكَ رِضًا بِالْمَعْصِيَةِ وَعَوْنٌ عَلَيْهَا (بِلَا وِجْدَانِ كَرَاهَةٍ مِنْ نَفْسِهِ) بَلْ يَرْضَى وَيَكُونُ مَسْرُورًا (لِهَذَا الْحُبِّ)
стр. 527
حُبِّ الْقِيَامِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُبَّ ضِدُّ الْكَرَاهَةِ النَّفْسِيَّةِ فَالْقَيْدُ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا، بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّأْكِيدِ أَوْ التَّوْضِيحِ كَالتَّكْرِيرِ الْإِطْنَابِيِّ (بَلْ بِقَبُولٍ وَرُكُونٍ إلَيْهِ) حَتَّى يَزِيدَ عَلَيْهِ حُبُّهُ وَيَقْضِي لِأَجْلِهِ حَاجَتَهُ وَيُعِينُ فِي أَمْرِهِ، فَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ يَغْضَبُ عَلَيْهِ وَيُعَادِي (فَإِنْ وَجَدَ كَرَاهَةً وَعَدَمَ إجَابَةٍ) لِلْحُبِّ الْمَذْكُورِ (فِي نَفْسِهِ فَذَلِكَ) الْحُبُّ (مَيْلٌ طَبِيعِيٌّ) غَيْرُ ضَارٍّ لِعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ لَكِنْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ جَمْعُ هَذَا الْحُبِّ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْحُبُّ سَابِقٌ وَضَرُورِيٌّ، وَالْكَرَاهَةُ لَاحِقٌ وَاخْتِيَارِيٌّ فَافْهَمْ (أَوْ وَسْوَسَةٌ) شَيْطَانِيَّةٌ (لَا يَضُرَّانِ) أَيْ الْمَيْلُ وَالْوَسْوَسَةُ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ الْقُدْرَةِ (كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّيَاءِ) وَالضَّرَرُ الْمَحَبَّةُ مَعَ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا صُفُوفًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ»
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُثُولَ الِانْتِصَابُ يَعْنِي يَقُومُونَ لَهُ قِيَامًا صُفُوفًا أَوْ بِأَنْ يُقَامَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ قَالَ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَمَرَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ كَأَنَّهُ قَالَ مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ النَّارُ وَذَلِكَ نَاشِئٌ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَاعْتِقَادِ الْكَمَالِ وَذَا عُجْبٌ وَتَكَبُّرٌ وَجَهْلٌ وَغُرُورٌ وَلَا يُنَاقِضُهُ خَبَرُ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ؛» لِأَنَّ سَعْدًا لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَالْوَعِيدُ لِمَنْ أَحَبَّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ زَجْرُ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِيَامِ بِنَهْيٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ لَهُ فَلَوْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ فَقَامُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحَبَّهُ
ثُمَّ قَامُوا أَوَّلًا فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِتَرْكِ الْقِيَامِ وَلَا يُنَافِيهِ نَدْبُ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْكَمَالِ وَنَحْوِهِمْ انْتَهَى ثُمَّ الْمُصَنِّفُ اقْتَفَى أَثَرَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْقِيَامِ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا يُنْبِئُ عَنْ التَّرَفُّعِ وَالتَّكَبُّرِ كَالتَّقَدُّمِ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ الْمَشْيِ قُدَّامَهُ وَعَدَمِ التَّكَلُّمِ قَبْلَهُ وَعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ وَالتَّكَلُّمِ بِالْآدَابِ فِي حُضُورِهِ وَنَحْوِهَا مُلْحَقٌ بِمَا ذُكِرَ، فَالِاكْتِفَاءُ إمَّا لِلْمُقَايَسَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا أَنْ لَا يَمْشِيَ) فِي خَارِجِ بَيْتِهِ سِيَّمَا فِي أَسْوَاقِ مَدِينَتِهِ (إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ يَمْشِي خَلْفَهُ) أَوْ وَهُوَ رَاكِبٌ وَالْغَيْرُ كَالْخُدَّامِ وَالْغِلْمَانِ يَمْشُونَ قُدَّامَهُ وَسَائِرُ طُرَّافِهِ (دَيْلَمُ) الدَّيْلَمِيُّ (حَدّ) أَحْمَدُ (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ) مِنْ بَيْتِهِ (يَمْشِي إلَى الْبَقِيعِ» بِفَتْحِ الْبَاءِ مَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ ( «فَتَبِعَهُ) ﵊ (أَصْحَابُهُ فَوَقَفَ) ﵊ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمُوا وَمَشَى خَلْفَهُمْ فَسُئِلَ) ﵊ (عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي سَمِعْت خَفْقَ نِعَالِكُمْ» أَصْوَاتَهَا ( «فَأَشْفَقْت» حَذِرْت «أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ الْكِبْرِ» لَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِتَعْلِيمِ الْأَمْرِ وَإِلَّا فَعُرُوضُ الْكِبْرِ لَهُ بَعِيدٌ وَلَوْ سُلِّمَ عُرُوضُهُ بَغْتَةً لَأَمْكَنَ لَهُ إخْرَاجُهُ دَفْعَةً بِلَا حَاجَةٍ إلَى هَذَا التَّقْدِيمِ فَيَضْعُفُ بِهِ مَا قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا أَمْنَ لِأَحَدٍ مِنْ الْكِبْرِ وَأَنَّ غَايَتَهُ الْمَغْلُوبِيَّةُ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَزْدَادُ بُعْدًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا مُشِيَ خَلْفَهُ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُعْرَفُ مِنْ عَبِيدِهِ إذْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ فِي صُورَةٍ ظَاهِرَةٍ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَشْيَ الْغَيْرِ خَلْفَهُ سَبَبٌ لِلْكِبْرِ يَلْزَمُ احْتِرَازُهُ لَعَلَّ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَى الْقَلْبِ فَمَنْ لَا يَتَخَاطَرُ عَلَيْهِ شَائِبَةُ كِبْرٍ لَا يَلْزَمُ احْتِرَازُهُ.
(وَمِنْهَا) مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ (أَنْ لَا يَزُورَ غَيْرَهُ) سِيَّمَا نَحْوُ أَمْثَالِهِ (وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْ زِيَارَتِهِ) لِلْغَيْرِ (خَيْرٌ لَهُ) لِلزَّائِرِ وَالْمَزُورِ (أَوْ لِغَيْرِهِ) مِنْ اسْتِفَاضَةِ أَنْوَارِ الْعُلُومِ وَانْجِذَابِ الْكِمَالَاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنْ الْمَلَكَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالسِّيَرِ السَّنِيَّةِ، وَهَذَا الْمِسْكِينُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْخَوَالِفِ حَيْثُ رَجَّحَ عَلَى مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ تَلَهِّيَ هَوَاهُ وَأَجْرَى مُيُولَاتِهِ الشَّيْطَانِيَّةَ
стр. 528
(مِنْ التَّعْلِيمِ التَّوَاضُعُ) كَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا نَبَّهَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ زِيَارَةِ الْكِبَارِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّوَاضُعِ أَظْهَرُ فِيهِ كَمَا فِي الِاحْتِسَابِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ زَارَ يَوْمًا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَلْقَاهُ وِسَادَةً، فَقَالَ عُمَرُ لَمْ أَحْضُرْ لِهَذَا وَإِنَّمَا جِئْتُك لِتَفْتَحَ عَنِّي عُقْدَةً فِي قَلْبِي، فَقَالَ لَا تَلُمْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخٌ مُسْلِمٌ فَأَلْقَاهُ وِسَادَةً غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا» ، فَفِيهِ أَيْضًا بَيَانُ حُصُولِ الْخَيْرِ لَهُمَا وَاسْتِحْبَابُ الْقُدُومِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ وَمَسْأَلَتِهِ.
(وَمِنْهَا مَنْ يَسْتَنْكِفُ مِنْ جُلُوسِ غَيْرِهِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ) فِرَارًا مِنْ إيهَامِ تَسَاوِي الْمَنْزِلَةِ مَعَهُ وَالْغَيْرُ فِي اعْتِقَادِهِ مِنْ الْخَسَائِسِ (إلَّا أَنْ يَجْلِسَ) ذَلِكَ الْغَيْرُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) بَعِيدًا مِنْهُ كَالتِّلْمِيذِ فَرَضَاهُ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ.
(وَمِنْهَا أَنْ يَتَوَقَّى مُجَالَسَةَ الْمَرْضَى وَالْمَعْلُولِينَ وَيَتَحَاشَى عَنْهُمْ) لَعَلَّ هَذَا مَا يَكُونُ لِدَاعِي الْكِبْرِ وَإِلَّا فَنَقْلُ جَوَازِ الْفِرَارِ مِنْ الْأَمْرَاضِ السَّارِيَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَكِنْ فِي الْإِحْيَاءِ «دَخَلَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ جُدَرِيٌّ قَدْ تَقَشَّرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ فَمَا جَلَسَ بِجَنْبِ أَحَدٍ إلَّا قَامَ مِنْ جَنْبِهِ فَأَجْلَسَهُ ﵊ بِجَنْبِهِ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُقْعِدُ عَلَى الْمَائِدَةِ مَنْ رَأَى مِنْ الْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمُبْتَلَى.
(وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَعَاطَى) لَا يَتَنَاوَلَ (بِيَدِهِ شُغْلًا فِي بَيْتِهِ) رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَاهُ لَيْلَةً ضَيْفٌ وَكَانَ يَكْتُبُ وَكَادَ السِّرَاجُ يُطْفَأُ فَأَرَادَ الضَّيْفُ إصْلَاحَهُ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْكَرَمِ اسْتِخْدَامُ الضَّيْفِ فَأَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ الْغُلَامَ قَالَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ نَامَهَا فَقَامَ بِنَفْسِهِ فَمَلَأَ الْمِصْبَاحَ زَيْتًا، فَقَالَ الضَّيْفُ قُمْت أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ ذَهَبْت وَأَنَا عُمَرُ وَرَجَعْت وَأَنَا عُمَرُ وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَوَاضِعًا.
(وَمِنْهَا أَنْ لَا يَحْمِلَ مَتَاعَهُ إلَى بَيْتِهِ) بِنَفْسِهِ (وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَنْفِيَّاتِ) وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَا يَنْقُصُ الرَّجُلَ مِنْ كَمَالِهِ مَا حَمَلَ مِنْ شَيْءٍ إلَى عِيَالِهِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الْقَمِيصَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَقُولُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَلْبَسُوا الصُّوفَ وَيَحْلِبُوا الْغَنَمَ وَيَرْكَبُوا الْحِمَارَ، وَقَالَ عِيسَى ﵊ بِحَقٍّ أَقُولُ إنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ فَغِذَاءُ الشَّعِيرِ لَهُ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ وَفِيهِ نَدْبُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَأَنَّهُ لَا دَنَاءَةَ فِي ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ لُبْسِ الدُّونِ مِنْ الثِّيَابِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا خَرَّجَهُ د) أَبُو دَاوُد (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «الْبَذَاذَةُ» بِفَتْحِ الْبَاءِ رَثَاثَةُ الْهَيْئَةِ وَخُلُوقَةُ الثِّيَابِ وَقِيلَ الدُّونُ مِنْ الثِّيَابِ «مِنْ الْإِيمَانِ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفِيسَةِ بِلَا وِجْدَانِ كَرَاهَةٍ فِي الْقَلْبِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى السُّوقِ وَبِيَدِهِ الدِّرَّةُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ رُقْعَةً بَعْضُهَا مِنْ أُدْمٍ وَقَالَ عِيسَى ﵊ جَوْدَةُ الثِّيَابِ خُيَلَاءُ الْقَلْبِ وَكَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّذِي لِأَجْلِهِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَأَجِدُ نَفْسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ» وَكَانَ هُوَ يَجْمَعُ قِطَعَ الْخِرَقِ مِنْ الْمَزَابِلِ وَيَغْسِلُهَا وَيَضُمُّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَامِعِ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْمُتَبَذِّلَ» أَيْ تَارِكَ الزِّينَةِ تَوَاضُعًا «الْمُحْتَرِفَ» الَّذِي لَهُ صِنَاعَةَ يَكْتَسِبُ بِهَا «الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لَبِسَ» أَهُوَ مِنْ الْفَاخِرَةِ أَوْ أَدْنَى اللِّبَاسِ وَأَقَلِّهِ قِيمَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْهَجُ الْحُكَمَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَخْدُمُك وَلَا يَسْتَخْدِمُك قَالَ الْغَزَالِيُّ
стр. 529
الَّذِينَ يُنَظِّفُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَطْلُبُونَ الثِّيَابَ الرَّفِيعَةَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرُوسِ الَّتِي تُزَيِّنُ نَفْسَهَا طُولَ النَّهَارِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِبَادَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَبَيْنَ عِبَادَتِهِ صَنَمًا وَمَنْ رَأَى ثَوْبَهُ بِحَيْثُ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَلْبُهُ فَهُوَ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَقَالَ الْبَسْ مَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَهُوَ كِسَاءٌ يُغَطِّي بِهِ رَأْسَهُ وَأَوْسَطُهُ قَمِيصٌ وَقَلَنْسُوَةٌ وَنَعْلَانِ وَأَعْلَاهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ وَسَرَاوِيلُ وَرُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَبِسَ الْمُسُوحَ حَتَّى نَقَبَتْ جِلْدَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ الْبَسْ مَكَانَ الْمِسْحِ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ فَفَعَلَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا يَحْيَى أَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا فَبَكَى وَنَزَعَهَا وَعَادَ كَمَا كَانَ وَقَالَ أَيْضًا «وَكَانَتْ قِيمَةُ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَاحْتَذَى نَعْلَيْنِ جَدِيدَتَيْنِ فَأَعْجَبَهُ حُسْنَهُمَا فَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ تَوَاضَعْت لِرَبِّي خَشْيَةَ أَنْ يَمْقُتَنِي ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إلَى أَوَّلِ مِسْكِينٍ لَقِيَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُمَا» وَاشْتَرَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَوْبًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَلَبِسَهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ وَقَطَعَ كُمَّيْهِ مِنْ رُسْغٍ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَذَا مِنْ رِيَاشِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْمُنَاوِيِّ.
(وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ) إجَابَةِ (دَعْوَةِ الْفَقِيرِ) وَأَنْ يَحْضُرَ إلَى ضِيَافَتِهِ (لَا عَنْ دَعْوَةِ الْغَنِيِّ وَالشَّرِيفِ) حَيْثُ يُجِيبُ دَعْوَتَهُمَا وَقَدْ كَانَ الْفُقَرَاءُ أَفْضَلَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانُوا شَاكِرِينَ مَا دَامَ الْفُقَرَاءُ صَابِرِينَ وَأَيْضًا فِي طَعَامِهِمْ بَرَكَةٌ وَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ وَكَسْرُ صَوْلَةِ النَّفْسِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى» وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَأَدْنُوَ مِنْهُمْ» وَقَدْ «نَهَى ﵊ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ مُخَالَطَةِ الْأَغْنِيَاءِ» وَعَنْ عُمَرَ إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ وَحِينَ سَأَلَ هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَتْبَعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَوْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ هِرَقْلُ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَعَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ «قَالَ ﵊ حِينَ مَرَّ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْمِسْكِينُ فِي الْمَسْجِدِ هَذَا يَعْنِي الْمِسْكِينَ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا يَعْنِي الْغَنِيَّ» .
(وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْأَقْرِبَاءِ وَالرُّفَقَاءِ) مِنْ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ (فِي السُّوقِ خُصُوصًا شِرَاءَ الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ كَالصَّابُونِ وَالْكَبِدِ وَالْكَرِشِ وَالْحِنَّاءِ وَالنُّورَةِ وَالْمَصْطَكَى وَالْمُشْطِ وَمِنْهَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الْأَقْرَانِ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ بِحَيْثُ) ظَرْفٌ لِتَقَدُّمٍ أَوْ حَالٌ مِنْهُ (فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ) التَّقَدُّمُ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ (فَإِمَّا أَنْ يَذْهَبَ وَيُفَارِقَ فَلَا يَمْشِي وَلَا يَجْلِسُ) مَعَهُ أَصْلًا (أَوْ يَبْعُدُ عَنْهُ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَقْرَانِهِ (أَشْخَاصٌ مِمَّنْ يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ) أَيْ الْأَشْخَاصَ (أَدْوَنُ مِنْهُ) مِنْ الْمُتَكَبِّرِ (لِيُظْهِرَ) بَيْنَ النَّاسِ (أَنَّهُ اخْتَارَ التَّوَاضُعَ إذْ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ) فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ (لَظَنَّ أَنَّهُ أَدْوَنُ مِنْهُ) وَذَلِكَ يَخِفُّ عَلَى نُفُوسِ الْمُتَكَبِّرِينَ إذْ يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَكَانَهُمْ بِالِاخْتِيَارِ وَالتَّفَضُّلِ فَيَكُونُ قَدْ تَكَبَّرَ وَتَكَبَّرَ بِإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ أَيْضًا.
(وَمِنْهَا عَدَمُ قَبُولِ الْحَقِّ عِنْدَ مُنَاظَرَةِ الْأَقْرَانِ مِنْ صَاحِبِهِ) لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَعْلَمِيَّتَهُ
стр. 530
وَيُهَانُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ مِنْ نَظَرِهِمْ (وَعَدَمُ الِاعْتِرَافِ بِخَطَئِهِ) مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِي خَطَإٍ (وَ) عَدَمُ (الشُّكْرِ لَهُ) لِصَاحِبِهِ عَلَى إعْلَامِهِ وَإِرْشَادِهِ إلَى الْحَقِّ الْأَوْلَى مَعَ أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِهِ عِنْدَ ذَلِكَ هُوَ الشُّكْرُ وَعَدَمُ ذَلِكَ الْقَبُولِ (إمَّا لِعَدَمِ الْإِصْغَاءِ وَالتَّأَمُّلِ فِي كَلَامِهِ احْتِقَارًا وَاسْتِصْغَارًا لَهُ) يَعْنِي لَا يُصْغِي لِكَلَامِهِ لِعَدَمِ اعْتِنَائِهِ بِكَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي اعْتِقَادِهِ حَقِيرٌ وَصَغِيرٌ وَكَذَا عَدَمُ تَأَمُّلِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عَدَمُ الشُّكْرِ، وَعَدَمُ الِاعْتِرَافِ يَقْتَضِي فَهْمَ كَلَامِ صَاحِبِهِ وَقَوْلُهُ هَذَا يَقْتَضِي جَانِبَ عَدَمِ فَهْمِهِ فَافْهَمْ قِيلَ هُنَا كَمَا فَعَلَهُ الْمُدَرِّسُونَ مَعَ تَلَامِذَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي أَيْدِيهِمْ وَكَمَا فَعَلَ الْكَفَرَةُ مَعَ الْقُرْآنِ لَا يَخْفَى الْكَلَامُ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَهُمَا لَيْسَا بِمُنَاظَرَةٍ وَأَنَّ عَدَمَ اعْتِرَافِ الْأُسْتَاذِ مِنْ التِّلْمِيذِ يَجُوزُ لِمَصْلَحَةٍ كَتَشْحِيذِ الْأَذْهَانِ وَاخْتِبَارِ الْأَفْهَامِ وَعَدَمِ زَوَالِ اعْتِقَادِ التِّلْمِيذِ فِي حَقِّ أُسْتَاذِهِ فَيُخِلُّ بِتَعَلُّمِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ (أَوْ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً) أَيْ إصْرَارًا عَلَى الْبَاطِلِ وَنُصْرَةً لِلْبَاطِلِ وَتَقْوِيَةً لَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (فَكُلُّ هَذِهِ) الْمَذْكُورَاتِ (إنْ كَانَ فِي الْمَلَإِ فَقَطْ فَرِيَاءٌ) وَلَيْسَ فِيهِ كِبْرٌ فَيُعَالَجُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَدْوِيَةِ الرِّيَاءِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَلَإِ (وَفِي الْخَلْوَةِ) جَمِيعًا (فَكِبْرٌ) فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَاوِمَ التَّوَاضُعَ وَالْمَسْكَنَةَ حَتَّى يَظْهَرَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْوَاعُ الْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ وَأَصْنَافُ الْمَعَارِفِ السُّبْحَانِيَّةِ كَالتُّرَابِ لِتَوَاضُعِهِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنْوَاعَ الثِّمَارِ وَالطَّعَامِ «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَفِيفَ الْمُؤْنَةِ لَيِّنَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الطَّبِيعَةِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ طَلْقَ الْوَجْهِ بَسَّامًا مِنْ غَيْرِ ضَحِكٍ مَحْزُونًا مِنْ غَيْرِ عُبُوسٍ رَقِيقَ الْقَلْبِ رَءُوفًا رَحِيمًا لَمْ يَتَجَشَّأْ قَطُّ مِنْ شِبَعٍ وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ لِطَمَعٍ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيُشَيِّعُ الْجِنَازَةَ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ» قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ «وَلَا يَحْتَقِرُ مَا دُعِيَ إلَيْهِ وَلَوْ إلَى كُرَاعٍ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَوْ حَشَفَ التَّمْرِ وَيَعْلِفُ الْبَعِيرَ وَالشَّاةَ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيَرْقَعُ الثَّوْبَ وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ وَيَطْحَنُ مَعَهُ إذَا عَيِيَ وَيُقِيمُ حَوَائِجَ الْبَيْتِ وَيَحْمِلُ حَاجَتَهُ فِي السُّوقِ إلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَافَحُ مَعَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَيَبْدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ وَيُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ إذَا مَرَّ بِهِمْ» ، وَلِهَذَا قِيلَ مِنْ رَأْسِ التَّوَاضُعِ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ مَنْ لَقِيَهُ، كَذَا نُقِلَ عَنْ التَّوْفِيقِ وَالْإِحْيَاءِ
[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ آخِرُ مَبَاحِثِ الْكِبْرِ فِي أَسْبَابِ الضَّعَةِ]
آخِرُ مَبَاحِثِ الْكِبْرِ (فِي أَسْبَابِ الضَّعَةِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ (وَالتَّوَاضُعِ وَفَوَائِدِهِمَا) مِنْ قَبِيلِ اسْتِكْشَافِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَضْدَادِ فَالتَّوَاضُعُ ضِدُّ التَّكَبُّرِ وَقِيلَ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَقِيلَ التَّكَبُّرُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالتَّذَلُّلُ لِلْفُقَرَاءِ وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِالرُّكُونِ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ دُونَ غَيْرِهِ (أَمَّا الْأُولَى) مِنْ أَسْبَابِ الضَّعَةِ (فَهِيَ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ مِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ) مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ ثُمَّ مُضْغَةٍ ثُمَّ جِسْمٍ جَمَادٍ ثُمَّ نُفِخَ الرُّوحُ فِيهِ وَوُكِّلَتْ بِهِ الْأَمْرَاضُ إلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَتَفَرُّقَ الْأَجْزَاءِ وَغِذَاءَ الدِّيدَانِ وَتَنَادِي الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ
стр. 531
فِي الْمَهَانِ وَالْعَذَابِ قِيلَ عَنْ الرِّعَايَةِ مَا حَاصِلُهُ أَرَأَيْت مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِضَرْبِ أَلْفِ سَوْطٍ وَحُبِسَ لِأَجْلِهِ فِي سِجْنٍ يَنْتَظِرُ مَتَى يَخْرُجُ وَيُضْرَبُ كَيْفَ ذِلَّتُهُ فِي السِّجْنِ وَتَوَقُّعُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعَرْضِ فَيُضْرَبُ، فَكَذَا مَنْ فِي سِجْنِ الدُّنْيَا وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ لَا يَدْرِي مَتَى يَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا فَيُعْرَضُ عَلَى الْعَذَابِ فَهُوَ فِي خَوْفِ الْعَذَابِ يَتَوَقَّعُ الْمَوْتَ فَيَعْمَى بَعْدَ الْبَصَرِ وَيَصَمُّ بَعْدَ السَّمْعِ وَيَبْكَمُ بَعْدَ النُّطْقِ وَلَوْ تُقَطَّعُ أَوْصَالُهُ فَيَكُونُ جِيفَةً مُنْتِنَةً وَقَذِرَةً مُسْتَوْحَشَةً ثُمَّ يُحْيِيهِ اللَّهُ تَعَالَى إلَى أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ فَزَفِيرُ جَهَنَّمَ فِي سَمْعِهِ وَرُكُوبُ الصِّرَاطِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَالْعَرْضُ عَلَى الْمَوْلَى لِلسُّؤَالِ لِكُلِّ عَمَلِهِ فَالْأَمْرُ إلَى عَذَابٍ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ فِي غَايَةِ هَوَانٍ وَضَعْفٍ وَذُلٍّ.
فَإِذَا تَفَكَّرَ الْعَبْدُ كَيْفَ كَانَ مَبْدَؤُهُ وَأَصْلُهُ وَفَصْلُهُ وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْبِلَى وَالْعَذَابِ فَلَا جَرَمَ زَالَ عَنْهُ الْكِبْرُ وَلَزِمَهُ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ وَالتَّوَاضُعُ وَالشُّكْرُ لِلنِّعَمِ وَالِانْكِسَارُ لَعَلَّ هَذَا مَعْنَى مَا يُقَالُ يَكْفِي فِي هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى سَبْعِ آيَاتٍ - ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]- فَقَدْ أَشَارَتْ إلَى أَوَّلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَخُلِقَ مِنْ كَتْمِ الْعَدَمِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وَلَا شَيْءَ أَخَسَّ مِنْ الْعَدَمِ ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْ أَذَلِّ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ مِنْ أَقْذَرِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ لَيْسَ لَهَا حَيَاةٌ وَقُوَّةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ ثُمَّ خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]- ثُمَّ امْتَنَّ بِقَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]- وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ إلَى الْمَوْتِ وَهُوَ بَعْدُ عَلَى غَايَةِ النُّقْصَانِ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْأَمْرَاضُ وَالْعِلَلُ وَتُضَادُّ فِيهِ الطَّبَائِعُ وَيَهْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَمْرَضُ كُرْهًا وَيَجُوعُ كُرْهًا وَلَا يَأْمَنُ فِي لَحْظَةٍ مِنْ الْمَوْتِ وَالْآفَاتِ ثُمَّ آخِرُهُ الْمَوْتُ وَالتَّعَرُّضُ لِلْعِقَابِ وَالْحِسَابِ فَإِنْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَالْخِنْزِيرُ خَيْرٌ مِنْهُ فَمِنْ أَيْنَ يَلِيقُ بِهِ الْكِبْرُ وَهُوَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] .
- (وَمَعْرِفَةُ عُيُوبِ غَوَائِلِ الْكِبْرِ) لِيَمْتَنِعَ عَنْهُ وَيَجْتَهِدَ فِي إزَالَتِهِ.
(وَ) مَعْرِفَةُ (فَوَائِدُ التَّوَاضُعِ وَفَضَائِلِهِ) لِيَتَشَوَّقَ إلَى تَحْصِيلِهِ (مِنْ كَوْنِهِ) بَيَانٌ لِلْفَضَائِلِ (مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُوتِيتُ مَفَاتِحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَخُيِّرْت بَيْنَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا وَنَبِيًّا مَلِكًا بِكَسْرِ اللَّامِ فَأَوْحَى جَبْرَائِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ فَاخْتَرْت أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا فَأُوتِيتُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلَ شَافِعٍ» كَذَا نُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ، وَفِي الْفَيْضِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى أَتَدْرِي لِمَ اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي قَالَ لَا يَا رَبِّ، قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَاضَعْ إلَيَّ أَحَدٌ قَطُّ تَوَاضُعَك (وَالْأَوْلِيَاءِ) رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ سَمِعْت قَرِيبًا قِصَّةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ أَبِي السُّعُودِ أَنَّ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ كَانَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ فَاسْتَعْجَلَتْ جَارِيَةٌ بِالْعِشَاءِ فَأَرَاقَتْ الْقَصْعَةَ عَلَى رَأْسِ سَيِّدِهَا فَقَالَ سَيِّدُهَا أَحْرَقْتنِي فَقَالَتْ يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ وَمُؤَدِّبَ النَّاسِ ارْجِعْ إلَى مَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]- قَالَ كَظَمْت غَيْظِي قَالَتْ زِدْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ - ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]- قَالَ عَفَوْت عَنْك، قَالَتْ زِدْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ - ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]- قَالَ أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْعُلَمَاءِ) الْعَامِلِينَ (وَالصَّالِحِينَ) وَكَانُوا أَعَزَّ النَّاسِ عِنْدَ الْخَلْقِ وَعِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى رِفْعَةً.
كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَقِيلَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ حَيْثُ وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعَجْزِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ تَحْتَ أَوَامِرِهِ لِيَكُونَ عَبْدًا فِي كُلِّ حَالٍ
стр. 532
فَيَرْفَعَهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ
وَعَنْ الطَّبَرِيِّ فِي التَّوَاضُعِ مَصْلَحَةُ الدَّارَيْنِ فَلَوْ اسْتَعْمَلَتْهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا زَالَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ الشَّحْنَاءُ وَاسْتَرَاحُوا مِنْ نَصَبِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَةِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ مَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا نَزَلَ إلَى أَسْفَلِ الشَّجَرَةِ صَعِدَ إلَى أَعْلَاهَا فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ كَيْفَ صَعِدْت هُنَا وَأَنْتَ فِي الذُّلِّ، فَقَالَ لِسَانُ حَالِهِ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ.
قَالَ فِي الْحِكَمِ مَا طُلِبَ لَك شَيْءٌ مِثْلُ الِاضْطِرَارِ وَلَا أَسْرَعَ بِالْمَوَاهِبِ إلَيْك مِثْلُ الذِّلَّةِ وَالِافْتِقَارِ كَذَا فِي الْفَيْضِ مُلَخَّصًا (وَ) كَوْنُهُ (مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبًا لِرِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ) وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ حَبِيبَهُ ﵊ بِالتَّوَاضُعِ فَقَالَ - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]- وَقَدْ مَدَحَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]- أَيْ تَوَاضُعًا وَفِي الرَّوْضَةِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى عِيسَى ﵊ إذَا أَرَدْت أَنْ تَطِيرَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ فَكُنْ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْخَلْقِ كَالْهَامَةِ مَعَ الطُّيُورِ وَكُنْ بِالتَّوَاضُعِ مَعَ الضُّعَفَاءِ كَالْأَرْضِ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَلْيَكُنْ مَا فِي يَدَيْك كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي النَّهْرِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَكُنْ مُشْرِفًا عَلَى الْخَلْقِ كَالشَّمْسِ عَلَى الدُّنْيَا وَكُنْ حَارًّا فِي طَاعَتِي كَالنَّارِ وَكُنْ خَائِفًا وَجِلًا كَالْوَرَقِ مَعَ شَجَرٍ وَكُنْ هَيِّنًا لَيِّنًا مَعَ الْخَلْقِ كَالْجَمَلِ فِي يَدِ الْجَمَّالِ وَكُنْ خَفِيفًا عِنْدَ حَاجَاتِ النَّاسِ كَالتُّرَابِ عِنْدَ الرِّيحِ وَكُنْ ثَقِيلًا عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ (وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُنْزِلَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ مَنْزِلَتَهُ) أَيْ الْعَبْدِ إذْ مَنْزِلَةُ الْعَبْدِ هُوَ الذُّلُّ وَالضَّعْفُ وَالْحَقَارَةُ فَتَكَبُّرُهُ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ
وَقِيلَ أَيْ قِيَاسُ التَّوَاضُعِ عَلَى سَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ التَّنْزِيلُ الْمَذْكُورُ (لَا دُونَهَا وَلَا فَوْقَهَا) شَرْعًا وَعُرْفًا (كَالشَّجَاعَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ) هُوَ الْوُقُوعُ فِي أَمْرٍ بِلَا رَوِيَّةٍ (وَالْجُبْنِ وَالْعِفَّةِ بَيْنَ الشَّرَهِ) الْحِرْصِ الشَّدِيدِ (وَالْخُمُودِ) مَوْتِ الشَّهْوَةِ وَسُكُونِ لَهَبِهَا فِي النَّفْسِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَالسَّخَاءِ) الْجُودِ وَالْكَرَمِ (بَيْنَ الْبُخْلِ وَالْإِسْرَافِ فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا) وَطَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ (لَكِنْ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَكَانَ الْقِيَاسُ (لَمَّا كَانَ النَّفْسُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَانَتْ وَهُوَ الْأَقْيَسُ (مَائِلَةً بِالطَّبْعِ) إذَا خَلَتْ عَنْ الْعَوَائِقِ وَطَبْعُهَا أَنْ تَكُونَ مَائِلَةً (إلَى الْعُلُوِّ كَانَ الْأَحْوَطُ) مِنْ الِاحْتِيَاطِ (وَالْأَنْسَبُ حَطَّهَا) تَنْزِيلَ النَّفْسِ (عَنْ مَرْتَبَتِهَا قَلِيلًا إذْ رُبَّمَا لَا يَدْرِي مَرْتَبَتَهَا) شَرْعًا وَعُرْفًا (فَيُنْزِلَ) الْعَبْدُ (نَفْسَهُ فَوْقَهَا غَفْلَةً) عَنْ مَرْتَبَتِهِ (وَحُبًّا لِلْعُلُوِّ) عَلَى الْأَقْرَانِ (إذْ حُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ) قِيلَ هَذَا تَلْمِيحٌ لِحَدِيثِ «حُبُّك الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» وَاقْتِبَاسٌ مِنْهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُمَا مَفْهُومَانِ مُتَنَافِيَانِ إلَّا بِاعْتِبَارَيْنِ قَالَ فِي الْفَيْضِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ يَجْعَلُك أَعْمَى عَنْ عُيُوبِ الْمَحْبُوبِ وَأَصَمَّ عَنْ سَمَاعِهَا حَتَّى لَا تُبْصِرَ قَبِيحَ فِعْلِهِ وَلَا تَسْمَعَ فِيهِ نَهْيَ نَاصِحٍ، بَلْ تَرَى الْقَبِيحَ مِنْهُ حَسَنًا وَتَسْمَعُ مِنْهُ قَوْلًا جَمِيلًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ كَثِيرٍ يُعْمِي الْعَيْنَ عَنْ النَّظَرِ إلَى مُسَاوِيهِ وَيُصِمُّ الْأُذُنَ عَنْ الْعَذَلِ فِيهِ أَيْ يُعْمِي وَيُصِمُّ عَنْ الْآخِرَةِ أَوْ عَنْ طُرُقِ الْهُدَى، وَفَائِدَتُهُ النَّهْيُ عَنْ حُبِّ مَا لَا يَنْبَغِي الْإِغْرَاقُ فِي حُبِّهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَدَّهُ الْعَسْكَرِيُّ مِنْ الْأَمْثَالِ وَالْحُبُّ لَذَّةٌ تُعْمِي عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِ
стр. 533
الْمَحْبُوبِ وَتُصِمُّ عَنْ سَمَاعِ الْعَذَلِ فِيهِ وَالْمَحَبَّةُ إذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْبِ سَلَبَتْهُ عَنْ صِفَاتِهِ انْتَهَى
وَيَقْرَبُ مِنْهُ مَا قَالَ الْجُنَيْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا صَدَقَتْ الْمَحَبَّةُ سَقَطَتْ شُرُوطُ الْأَدَبِ وَ (هَذَا) أَيْ كَوْنُ حَطِّ النَّفْسِ عَنْ مَرْتَبَتِهَا أَحْوَطَ وَأَنْسَبَ (فِي التَّوَاضُعِ) أَيْ فِي إظْهَارِ الضَّعَةِ.
(وَأَمَّا فِي الضَّعَةِ) نَفْسِهَا فَالْأَوَّلُ مَا فِي الظَّاهِرِ وَالثَّانِي مَا فِي الْبَاطِنِ (فَالْأَوْلَى) الْأَحْرَى (أَنْ يَرَى) يَعْتَقِدَ (نَفْسَهُ أَدْنَى) أَذَلَّ (مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَهَذَا دَأْبُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ) مِنْ سَادَاتِنَا الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ (حَتَّى قَالَ الشِّبْلِيُّ ﵀) قِيلَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْوَلِيُّ الْمَشْهُورُ بَغْدَادِيٌّ صَحِبَ الْجُنَيْدَ قُدِّسَ سِرُّهُ مَالِكِيٌّ مَذْهَبًا عَاشَ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَقَبْرُهُ بِبَغْدَادَ (عَطَّلَ) لَعَلَّهُ مِنْ التَّعْطِيلِ (ذُلِّي) فَأَعَلَّهُ أَيْ جَعَلَ ذُلِّي (ذُلَّ الْيَهُودِ) مُعَطَّلًا يَعْنِي صَارَ ذُلُّ الْيَهُودِ مُعَطَّلًا بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذُلِّي أُعْدِمَ بَقَاءُ ذُلٍّ لَهُمْ فَجَمِيعُ الذُّلِّ حَصَلَ لَهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلْيَهُودِ ذُلٌّ وَقَدْ كَانَ الْيَهُودِيُّ عَرِيفَنَا بِالذُّلِّ عِنْدَ النَّاسِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْخُ نَفْسَهُ أَدْنَى مِنْ الْيَهُودِيِّ الَّذِي هُوَ أَذَلُّ الْخَلْقِ فَانْظُرْ (وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ ﵀ لَوْ أَرَادَ جَمِيعُ الْخَلْقِ أَنْ يَضَعُونِي أَدْنَى مِمَّا فِي نَفْسِي مِنْ الدَّنَاءَةِ) الَّتِي حَصَلَتْ بِنَفْسِهَا فِي نَفْسِهِ (مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَصَوُّرِ رُتْبَةٍ أَدْنَى مِنْهَا إذْ كُلُّ مَنْزِلَةٍ مُتَصَوَّرَةٍ فِي الْحَقَارَةِ فَنَفْسِي أَحْقَرُ مِنْهَا (فَإِنْ اخْتَلَجَ) اضْطَرَبَ (فِي قَلْبِك أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ) لَا سِيَّمَا الْمُؤْمِنُ هَذَا سُؤَالٌ نَشَأَ مِنْ قَوْلِ الدَّارَانِيِّ وَالشِّبْلِيِّ (نَفْسَهُ أَدْنَى مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ) وَهُمَا فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ وَنِهَايَةِ الدَّنَاءَةِ لِلْقَطْعِ بِكُفْرِهِمَا وَكَوْنِ كُفْرِهِمَا مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ وَإِنْ كَانَ مِلَّةً وَاحِدَةً لَكِنَّهُ مُتَفَاوِتٌ كَكُفْرِ دَعْوَةِ الْأُلُوهِيَّةِ وَاَلَّذِي جَمَعَ فِيهِ أَنْوَاعَ جِهَةِ الْكُفْرِ وَتَفَرَّعَ عَلَى كُفْرِهِ أَنْوَاعُ الْفَضَائِحِ وَالشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ كَمَا فِي إبْلِيسَ لَعَلَّ اخْتِيَارَهُمَا فِي الْمِثَالِ لِلْإِشَارَةِ إلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي كُفْرِ فِرْعَوْنَ وَلَا يَضُرُّهُ عَدَمُ ذِكْرِهِ فِي أَمْثِلَةِ مَنْ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكُفْرِهِ فِي وَصَايَاهُ التُّرْكِيَّةِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ الْبَعْضِ كَالدَّوَّانِيِّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسْتَقِلَّةِ مِنْ عَدَمِ إكْفَارِهِ اقْتِدَاءً بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي فُصُوصِهِ وَأَوْضَحَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ كَالْجَامِيِّ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] بِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِيَّ بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَالْأَصْلُ فِي نَفْيِ الْمُقَيَّدِ أَنْ يَرْجِعَ الْقَيْدُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَا عَصَيْت يَا فِرْعَوْنُ الْآنَ وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَيْهِمْ كَابْنِ الْكَمَالِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ إمَّا الْكُفْرُ أَوْ الضَّلَالُ لِلْمُخَالَفَةِ إمَّا لِلنُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ أَوْ الْمُفَسَّرَةِ وَإِمَّا لِلنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفُرَ لِكَوْنِ الِاحْتِجَاجِ بِمُحْتَمَلِ النَّصِّ وَلَوْ بَعِيدًا وَأَمَّا الشَّيْخُ ابْنُ عَرَبِيٍّ فَقَدْ طَالَ فِيهِ الْقِيلُ وَالْقَالُ وَكَثُرَتْ الْفُتْيَا وَالْأَقْوَالُ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَفَّرُوهُ كَسَعْدِ الدِّينِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ غَيْرُ الْمَعْرُوفِ وَكَعَلِيٍّ الْقَارِي فِي رِسَالَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لِرَدِّ الْفُصُوصِ؛ لِأَنَّهُ عَدَّ مَوَاضِعَ تَخْطِئَةِ الْفُصُوصِ وَكَفَّرَ بِكُلٍّ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ لُزُومَ التَّأْوِيلِ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ الْمَعْصُومِ، وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ فَإِمَّا يَكْفُرُ وَإِمَّا يَلْزَمُ عَدَمُ فَائِدَةِ مَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فُتِحَ بَابُ التَّأْوِيلَاتِ الضَّعِيفَةِ وَالِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ لَا يَكْفُرُ مُسْلِمٌ أَصْلًا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهَا بَعِيدَةً بِالنَّظَرِ إلَى أَنْفُسِهَا لَا نُسَلِّمُ بُعْدَهَا مُطْلَقًا، بَلْ عُلُوُّ شَأْنِ قَائِلِهَا وَكَلِمَاتُهُ الْمُتَكَثِّرَةُ وَالْمُتَعَدِّدَةُ الْمُهِمَّةُ فِي مَوَاضِعَ سَائِرِ كُتُبِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ بِالْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ وَالطُّرُقِ النَّقْلِيَّةِ تَقَرُّبُ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتُ، بَلْ تَيَقُّنُهَا فَإِنْ قِيلَ إنَّ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يَصِحُّ كَوْنُهَا مَدْلُولًا لِأَلْفَاظِهَا وَلَوْ الْتِزَامًا وَمَجَازًا بِالدَّلَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ قُلْنَا هَذَا بَحْثٌ اسْتِقْرَائِيٌّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَنَدٍ مُحَقَّقٍ وَأَنَّهُ عِنْدَ بَيَانِ مُرَادِهِ مِنْ لَفْظِهِ لَا يُخَطَّأُ بِالنَّظَرِ إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ خُطِّئَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهُ وَجُهِلَ بِحَسَبِهَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا مَخْصُوصًا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ كَالْمُرْتَجِلِ وَأَقُولُ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ ارْتِيَابَ أُولِي الْأَفْهَامِ وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ الشَّيْخِ صَادِرَةٌ حَالَ الْغَيْبَةِ وَالسَّكْرَةِ
стр. 534
فَيَلْحَقُ بِالْمَجَانِينِ فَلَا يَكْفُرُ وَرُدَّ بِأَنَّ كِتَابَتَهُ فِي تَصْنِيفِهِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّقِيقَةِ آبٍ عَنْهُ وَقِيلَ إنَّ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فِي الْفُصُوصِ مِنْ إلْحَاقِ يَهُودِيٍّ قَالَ أَبُو السُّعُودِ فِي الْمَعْرُوضَاتِ إنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَجُمْهُورُ الْمَشَايِخِ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالشَّرِيفِ الْعَلَّامَةِ وَالسُّيُوطِيِّ وَابْنِ الْكَمَالِ وَأَبِي السُّعُودِ نَزَّهُوهُ عَنْ الْكُفْرِ وَحَكَمُوا بِفَضْلِهِ بَلْ بِوِلَايَتِهِ وَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ الْكُفْرُ، وَقَالَ بَعْضٌ لَا يُمْكِنُ تَوْفِيقُ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ فَلَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ إلَّا افْتِرَاءٌ وَإِلْحَاقٌ مِنْ الْغَيْرِ كَمَا يَشْهَدُهُ تَوَاتُرُ حُسْنِ حَالِهِ وَشُهْرَةُ عُلُوِّ شَأْنِهِ وَيَشْهَدُهُ أَيْضًا مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ سَائِرِ كُتُبِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا مِنْ حَضْرَةِ الشَّيْخِ وَأَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ رَجُلٌ صَالِحٌ صَفِيٌّ وَالنَّظَرُ إلَى كُتُبِهِ مَمْنُوعٌ وَقَعَ فِيهِ نَهْيٌ سُلْطَانِيٌّ فَلْيُعْتَقَدْ بِحُسْنِهِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى كُتُبِهِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ وَرِسَالَةِ ابْنِ الْكَمَالِ وَرِسَالَةِ السُّيُوطِيّ (فَقُلْ) فِي دَفْعِ ذَلِكَ (إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَذَلَهُمَا) تَرَكَ عَوْنَهُ وَنُصْرَتَهُ لَهُمَا (وَأَضَلَّهُمَا) خَلَقَ فِيهِمَا الضَّلَالَةَ (فَوَقَعَا فِيمَا وَقَعَا) مِنْ دَعْوَى الْأُلُوهِيَّةِ وَتَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ لِلِاسْتِكْبَارِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَا مَا صَارَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِي إضْلَالِهِ تَعَالَى مَدْخَلٌ مِنْهُمَا كَصَرْفِ إرَادَتِهِمَا الْجُزْئِيَّةِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ أَهْلِ الْحَقِّ فَلَا يَحْسِمُ الْجَوَابُ مَادَّةَ الْإِشْكَالِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ الْجَبْرُ مَا وَقَعَ فِي دِيبَاجَةِ اللَّامِيَّةِ الشَّاطِبِيَّةِ
يُعَدُّ جَمِيعُ النَّاسِ مَوْلًى لِأَنَّهُمْ ... عَلَى مَا قَضَاهُ اللَّهُ يُجْرُونَ أَفْعُلَا
وَمَا أَوْضَحَهُ شَارِحُهَا الْجَعْبَرِيُّ أَيْ يَعْتَقِدُ الْمُجْتَبِي كُلَّ النَّاسِ سَادَاتٍ تَوَاضُعًا مِنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يُحَقِّرُ أَحَدًا طَائِعًا كَانَ أَوْ عَاصِيًا وَتَعْلِيلُهُ يَرْجِعُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُهُمْ عَبِيدًا لِلَّهِ مَسْلُوبِي الِاخْتِيَارِ وَالْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ وَتَقَعُ أَفْعَالُهُمْ عَلَى مَا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَزَلِ وَعَلَيْهِ دَلَّتْ النُّصُوصُ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يَقْطَعَ النَّظَرَ عَنْ خَيْرِهِ وَضُرِّهِ وَمَنْ نَظَرَ الْمُحْدَثَاتِ بِعَيْنِ الْفَنَاءِ لَمْ يَبْقَ فِي الْوُجُودِ إلَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ وَهَذَا مَقَامُ التَّوْحِيدِ فَلَا يُدْفَعُ ذَلِكَ بَلْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ بِعِنْوَانِ الدَّقِيقَةِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِلْجَبْرِيَّةِ لِتَعَلُّقِ الثَّوَابِ بِالِامْتِثَالِ وَالْعِقَابِ بِالْمُخَالَفَةِ فَلَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إنَّمَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَى الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ الِامْتِثَالُ وَالْمُخَالَفَةُ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، وَالْقَوْلُ إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ بِتَأْثِيرِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَقَطْ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَلَوْ سُلِّمَ نَفْعُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّاطِبِيِّ وَالْجَعْبَرِيِّ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ نَفْعِهِ لِلْمُصَنِّفِ، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْعَبْدِ بِتَأْثِيرِ مَجْمُوعِ الْقُدْرَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ لَكِنَّ أَصْلَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ صَادِرًا بَعْدَ صَرْفِهِ عَادَةً، لَكِنْ يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ عَلَى خَرْقِ عَادَةٍ فَعَدَمُ خَلْقِ التَّخَلُّفِ بَعْدَ الصَّرْفِ يَجْعَلُ الْفِعْلَ كَالصَّادِرِ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَإِنَّ نِسْبَةَ الْخِذْلَانِ وَالْإِضْلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ مِنْ قَبِيلِ التَّغْلِيبِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ إرَادَتِهِ لَفْظًا فَلَا يَحْصُلُ الْجَوَابِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَعْنًى وَلَعَلَّ الْحَقَّ فِي الْجَوَابِ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ أَنَّ الْكِبْرَ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْعَبْدُ بِوَجْهِهِ وَأَمَّا جَوَازُ التَّكَبُّرِ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ فَلَعَلَّ الْكِبْرَ فِيهِ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ (وَوَفَّقَنِي وَهَدَانِي لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ) يَعْنِي مَا صَدَرَ مِنِّي مِنْ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ هُوَ فِعْلُ اللَّهِ بِمَحْضِ عِنَايَتِهِ فَالْكَلَامُ كَالْكَلَامِ (فَلَوْ عَكَسَ) بِأَنْ خَذَلَنِي وَوَفَّقَهُمَا (لَعُكِسَ) لَكُنْت فِي خِذْلَانٍ وَكَانَا فِي هِدَايَةٍ (وَلَيْسَ اجْتِنَابُ نَفْسِي مِمَّا فَعَلَاهُ) فِرْعَوْنُ وَإِبْلِيسُ (مِنْ ذَاتِهَا) مِنْ ذَاتِ نَفْسِي أَصْلًا كَمَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِلسِّيَاقِ أَوْ فَقَطْ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا كَمَا أُشِيرَ (بَلْ مِنْ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَتَوْفِيقِهِ (وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي مِنْ الْخَبَائِثِ الْكَثِيرَةِ وَالْعُيُوبِ الْعَظِيمَةِ مَا لَا أَعْلَمُ مِنْهُمَا) أَيْ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ (وَالْمَعْلُومُ أَدْنَى مِنْ الشُّكُوكِ وَالْمَجْهُولِ) أَقُولُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ مَعْلُومِيَّةُ الْخَبَائِثِ الْكَثِيرَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَجْهُولِيَّتُهَا فِيهِمَا لَكِنْ أَيْضًا مَعْلُومٌ عَدَمُ أَخْبَثِ الْخَبَائِثِ أَعْنِي الْكُفْرَ وَوُجُودُ أَشْرَفِ الْفَضَائِلِ أَعْنِي الْإِيمَانَ فِي نَفْسِهِ وَعَدَمُ هَذَا الْأَشْرَفِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْأَخْبَثِ فِيهِمَا فَكَيْفَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ
стр. 535
دُونًا مِنْهُمَا وَقَدْ كَانَ التَّرْجِيحُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكَثْرَةِ (وَلَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَمُوتُ) بِالْإِيمَانِ أَوْ الْكُفْرِ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ فِي غَيْرِ الْمَعْصُومِينَ وَلِهَذَا كَانَ الْأَمْنُ كُفْرًا (وَيُحْتَمَلُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ) بِخِذْلَانِهِ تَعَالَى (فَأُشَارِكَهُمَا فِي الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ) وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّ عَاقِبَتِي مَشْكُوكَةٌ وَأَنَّ عَاقِبَتَهُمَا مَجْزُومَةٌ، وَالْمَجْزُومَةُ أَدْنَى مِنْ الْمَشْكُوكَةِ وَأَنَّ غَايَتَهُ الْمُسَاوَاةُ وَالْكَلَامُ فِي الْأَدْنَوِيَّةِ عَلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْعَذَابِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ إذْ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ خِفَّةُ عَذَابِ الْمُؤْمِنِ طُولَ عُمُرِهِ وَالْكَافِرُ فِي خَاتِمَةِ حَالِهِ، فَالْجَوَابُ الْحَقُّ هُوَ الْجَوَابُ الْحَقُّ فَالْحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَحَقُّ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَقَامَ خَطَابِيٌّ، بَلْ شِعْرِيٌّ يَقْنَعُ بِالظَّنِّ وَدَعْوَى وُجُودِ الظَّنِّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ وَاهٍ أَيْضًا (وَلْنَذْكُرْ) أَوْرَدَ عَلَى مِثْلِهِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ شَخْصٍ وَاحِدٍ آمِرًا وَمَأْمُورًا وَيُجَابُ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهُ يُجَرِّدُ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا وَيَتَخَاطَبُ مَعَهُ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِمْ اعْلَمْ وَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ - ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] .
- (مَا وَرَدَ فِي فَضَائِلِ التَّوَاضُعِ) أَيْ بَعْضِهَا أَوْ جَمِيعِ مَا وَصَلَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَوَفَّقَهُ (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ عِيَاضٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْصَى» وَحْيُ إرْسَالٍ وَهُوَ الْأَصْلُ وَزَعْمُ أَنَّهُ وَحْيُ إلْهَامٍ خِلَافَ الْأَصْلِ بِلَا دَلِيلٍ. وَالْوَحْيُ إعْلَامٌ فِي الْخَفَاءِ «أَنْ» بِأَنْ «تَوَاضَعُوا» بِخَفْضِ جَنَاحٍ وَلِينِ الْجَانِبِ وَأَنْ مُفَسِّرَةٌ «حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ» مِنْكُمْ «عَلَى أَحَدٍ» بِتَعْدَادِ مَحَاسِنِهِ كِبْرًا وَرَفْعِ قَدْرِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ تِيهًا وَعُجْبًا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ التَّوَاضُعُ انْكِسَارُ الْقَلْبِ لِلَّهِ وَخَفْضُ جَنَاحِ الذُّلِّ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ حَتَّى لَا يَرَى لَهُ عَلَى أَحَدٍ فَضْلًا وَلَا يَرَى لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ حَقًّا وَالْفَخْرُ ادِّعَاءُ الْعَظِيمِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَحَتَّى هُنَا بِمَعْنَى كَيْ «وَلَا يَبْغِيَ» بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى تَوَاضَعُوا أَيْ لَا يَجُورُ وَلَا يَتَعَدَّى «أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ مُؤَمَّنًا مِنْ الْأَمَانِ وَالْبَغْيُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ.
قَالَ الْجَدُّ بْنُ تَيْمِيَّةَ نَهَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَنْ نَوْعَيْ الِاسْتِطَالَةِ لِلْخَلْقِ الْفَخْرِ وَالْبَغْيِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَالَةَ إنْ بِحَقٍّ فَافْتِخَارٌ وَإِنْ بِغَيْرِهِ فَبَغْيٌ فَلَا يَحِلُّ هَذَا وَلَا ذَاكَ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَائِفَةٍ فَاضِلَةٍ كَبَنِي هَاشِمٍ فَلَا يُفَضِّلُ نَفْسَهُ فَإِنَّ فَضْلَ الْجِنْسِ لَا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الشَّخْصِ فَرُبَّ حَبَشِيٍّ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُمْهُورِ قُرَيْشٍ وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ لِلشَّيْخِ التَّوَاضُعُ مَعَ طَلَبَتِهِ - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]- وَإِذَا طَلَبَ التَّوَاضُعَ لِمُطْلَقِ النَّاسِ فَكَيْفَ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الصُّحْبَةِ وَحُرْمَةُ التَّوَدُّدِ وَصِدْقُ الْمَحَبَّةِ، لَكِنْ لَا يَتَوَاضَعُ مَعَهُمْ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُمْ دُونَهُ.
قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ مَنْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ تَوَاضُعًا فَهُوَ الْمُتَكَبِّرُ حَقًّا فَالتَّوَاضُعُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رِفْعَةٍ مَعَ عَظَمَةٍ وَاقْتِدَارٍ لَيْسَ الْمُتَوَاضِعُ الَّذِي إذَا تَوَاضَعَ رَأَى أَنَّهُ فَوْقَ مَا صَنَعَ، بَلْ الَّذِي إذَا صَنَعَ رَأَى أَنَّهُ دُونَ مَا صَنَعَ انْتَهَى، كَذَا فِي الْفَيْضِ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ رَكْبٍ الْمِصْرِيِّ) مِنْ حَدِيثِ نُصَيْحٍ الْعَنْسِيِّ عَنْ الذَّهَبِيِّ رَكْبٌ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَلَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ وَنَصِيحٌ ضَعِيفٌ وَعَنْ الْإِصَابَةِ هَذَا حَدِيثٌ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ أَقُولُ لَا يَضُرُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ ابْتِدَاءً وَقَدْ قَالُوا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَعَنْ الْقَامُوسِ رَكْبٌ صَحَابِيٌّ أَوْ تَابِعِيٌّ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَمُنْقَطِعٌ.
(أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ» قِيلَ أَيْ فِي حَالِ الِاتِّصَافِ بِالْكَمَالِ وَإِلَّا فَالتَّوَاضُعُ فِي النَّقِيصَةِ نَقِيصَةٌ قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِأَنْ لَا يَضَعَ نَفْسَهُ بِمَكَانٍ يُزْرِي بِهِ وَيُؤَدِّي إلَى تَضْيِيعِ حَقِّ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ فَإِنَّ الْقَصْدَ بِالتَّوَاضُعِ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْخَوَّاصُ إيَّاكَ وَالْإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِ نَقَائِصِك؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَقِلُّ شُكْرُك فَمَا رَبِحْته مِنْ جِهَةِ
стр. 536
نَظَرِك إلَى عُيُوبِك خَسِرْته مِنْ جِهَةِ تَعَامِيك مِنْ مَحَاسِنِك الَّتِي أَوْدَعَهَا الْحَقُّ. وَقَالَ شُهُودُ الْمَحَاسِنِ هُوَ الْأَصْلُ وَأَمَّا نُقْصَانُك فَإِنَّمَا طَلَبُ النَّظَرِ إلَيْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْعُجْبِ. وَقَالَ إذَا أَغْضَبَك أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلَا تَبْدَأْهُ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّك تُذِلُّ نَفْسَك فِي غَيْرِ مَحِلِّ وَتُكَبِّرُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الْإِفْرَاطُ فِي التَّوَاضُعِ يُورِثُ الْمَذَلَّةَ وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمُؤَانَسَةِ يُورِثُ الْمَهَانَةَ.
قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ الْخُضُوعُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ حَالٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا اتَّفَقَ فِي مَوْضِعٍ الْأَوْلَى فِيهِ ظُهُورُ عِزَّةِ الْإِيمَانِ وَجَبَرُوتِهِ لِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْجَبَرُوتِ مَا يُنَاقِضُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ، فَالْأَوْلَى إظْهَارُ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فَهَذَا مِنْ بَابِ إظْهَارِ عِزَّةِ الْإِيمَانِ لِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ فَإِذَا عَلِمْت أَنَّ لِلْمَوَاطِنِ أَحْكَامًا فَافْعَلْ بِمُقْتَضَاهَا تَكُنْ حَكِيمًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالْمَهَانَةِ، أَنَّ التَّوَاضُعَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى وَجَلَالَةِ نُعُوتِهِ، وَالْمَهَانَةَ الدَّنَاءَةُ وَالْخِسَّةُ وَبَذْلُ النَّفْسِ وَابْتِذَالُهَا فِي نَيْلِ حُظُوظِهَا كَتَوَاضُعِ الْفَاعِلِ لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالضَّعَةِ أَنَّ التَّوَاضُعَ رِضَا الْإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةٍ دُونَ مَا تَسْتَحِقُّهُ مَنْزِلَتُهُ، وَالضَّعَةَ وَضْعُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي مَكَان يُزْرِي بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ أَنَّ التَّوَاضُعَ يُعْتَبَرُ بِالْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ وَالْخُشُوعَ بِاعْتِبَارِ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ إذَا تَوَاضَعَ الْقَلْبُ خَشَعَتْ الْجَوَارِحُ وَالْكِبْرُ ظَنُّ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالتَّكَبُّرُ إظْهَارُ ذَلِكَ وَهَذِهِ صِفَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَبَّرَ عَلَيْهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَبَّهَ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا تَكَبَّرَ عَلَى مُتَكَبِّرٍ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ التَّجَبُّرُ عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ «وَأَذَلَّ نَفْسَهُ» وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي نُسَخِ الْكِتَابِ «ذَلَّ» أَيْ اعْتَقَدَ ذُلَّ نَفْسِهِ فِي قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِهِ مَعَ وُجُودِ التَّوَاضُعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّذَلُّلَ حَرَامٌ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ «مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ» مِنْ النَّاسِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذُلَّ فَوْقَ السُّؤَالِ
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ» .
قَالَ الْغَزَالِيُّ تَشَبَّثَتْ بِهِ طَائِفَةٌ فَقَلَّمَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَى الْأَمْثَالِ وَالتَّرَفُّعِ إلَى فَوْقِ قَدْرِهِ حَتَّى إنَّهُمْ لَيَتَقَاتَلُونَ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي الِارْتِفَاعِ وَالْقُرْبِ مِنْ وِسَادَةِ الصَّدْرِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدُّخُولِ مُعَلِّلِينَ بِصِيَانَةِ الْعِلْمِ عَنْ الِابْتِذَالِ، وَإِذْلَالُ النَّفْسِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ الْمُؤْمِنُ فَيُعَبِّرُونَ عَنْ التَّوَاضُعِ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالذُّلِّ وَعَنْ الْكِبْرِ الْمَمْقُوتِ عِنْدَ اللَّهِ بِعِزَّةِ الدِّينِ تَحْرِيفًا لِلِاسْمِ وَإِضْلَالًا لِلْخَلْقِ.
(فَائِدَةٌ) رَوَى الْعَسْكَرِيُّ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى عُمَرَ وَقَدْ تَخَشَّعَ وَتَذَلَّلَ وَبَالَغَ فِي الْخُضُوعِ، فَقَالَ عُمَرُ أَلَسْت مُسْلِمًا، قَالَ بَلَى قَالَ فَارْفَعْ رَأْسَك وَامْدُدْ عُنُقَك فَإِنَّ الْإِسْلَامَ عَزِيزٌ مَنِيعٌ، كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ «وَأَنْفَقَ مَالًا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ» بَلْ إلَى وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ أُشِيرَ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إلَى تَرْكِ الصَّدَقَةِ بِكُلِّ الْمَالِ «وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ» أَيْ الَّذِي بِمُخَالَطَتِهِمْ تَحْيَا الْقُلُوبُ «وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ» لِنَحْوِ الْفَقْرِ «وَالْمَسْكَنَةِ» أَيْ عَطَفَ عَلَيْهِمْ وَرَقَّ لَهُمْ وَوَاسَاهُمْ بِمَقْدُورِهِ «طُوبَى لِمَنْ طَابَ كَسْبُهُ» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَعَ قَبْلَ هَذَا «طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ نَفْسَهُ»
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ رَأَى ذُلَّهَا وَعَجْزَهَا فَلَمْ يَتَكَبَّرْ وَتَذَلَّلَ لِحُقُوقِ الْحَقِّ وَتَوَاضَعَ لِلْخَلْقِ رُوِيَ أَنَّ الْفَارُوقَ حَمَلَ حَالَ خِلَافَتِهِ قِرْبَةً إلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ أَرْمَلَةَ أَنْصَارِيَّةٍ وَمَرَّ بِهَا فِي الْمَجَامِعِ «وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ» بِصِفَاتِ التَّوْحِيدِ وَالثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخَوْفِ مِنْهُ أَوْ الرَّجَاءِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِهِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَوْلِيَائِهِ «وَكَرُمَتْ عَلَانِيَتُهُ» أَيْ ظَهَرَتْ أَنْوَارُ سَرِيرَتِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ فَكَرُمَتْ أَفْعَالُهَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَكَارِمِ أَخْلَاقِ الدِّينِ بِالصِّدْقِ وَالْبِرِّ وَبِمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ «وَعَزَلَ عَنْ النَّاسِ شَرَّهُ» فَلَمْ يُؤْذِهِمْ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ لِرَاهِبٍ عِظْنِي، فَقَالَ إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَك وَبَيْنَ النَّاسِ سُوَرًا مِنْ حَدِيدٍ فَافْعَلْ، وَقِيلَ لِسُقْرَاطَ لِمَ لَا تُعَاشِرُ النَّاسَ فَقَالَ وَجَدْت الْخَلْوَةَ أَجْمَعَ لِدَوَاعِي السَّلْوَةِ «طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ» لِئَلَّا يَكُونَ عِلْمُهُ وِزْرًا وَوَبَالًا عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ زُهْدًا فَإِنَّمَا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بُعْدًا» «وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ» عَنْ حَوَائِجِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ
стр. 537
«مِنْ مَالِهِ» فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ لِئَلَّا يَطْغَى وَيَسْكُنَ قَلْبُهُ إلَيْهِ وَيَحْظَى بِثَوَابِهِ فِي الْعُقْبَى «وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ» مِمَّا يَزِيدُ عَلَى الْحَاجَةِ بِأَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ مَنْ شُغِلَ بِنَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ النَّاسِ وَمَنْ شُغِلَ بِرَبِّهِ شُغِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا مَقَامُ الْعَارِفِينَ قَالَ الْغَزَالِيُّ التَّوَاضُعُ عَامِّيٌّ وَخَاصِّيٌّ فَالْعَامِّيُّ اكْتِفَاءٌ بِالدُّونِ مِنْ نَحْوِ مَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَمَرْكَبٍ وَالْخَاصِّيُّ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَى قَبُولِ الْحَقِّ مِنْ وَضِيعٍ أَوْ شَرِيفٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
(حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَعَالَى» لِأَجْلِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَوَاضُعًا حَقِيقِيًّا فَإِنَّ التَّوَاضُعَ لِلنَّاسِ مَعَ اعْتِقَادِ عَظَمَةٍ فِي النَّفْسِ لَيْسَ بِتَوَاضُعٍ حَقِيقِيٍّ، بَلْ هُوَ بِالتَّكَبُّرِ أَشْبَهُ «دَرَجَةً» قَلِيلَةً «يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى دَرَجَةً» عَظِيمَةً أَوْ كَثِيرَةً وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْعُمُومُ؛ لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ أَيْ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى وَفِي إخْرَاجِ أَبِي نُعَيْمٍ أَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى أَتَدْرِي لِمَ اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي قَالَ لَا يَا رَبِّ، قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَاضَعْ إلَيَّ أَحَدٌ قَطُّ مِثْلَ تَوَاضُعِك وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ تَفْسِيرِ الرِّفْعَةِ هُنَا بِأَنْ يُصَيِّرَهُ فِي نَفْسِهِ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا وَقِيلَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ حَيْثُ يَضَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعَجْزِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ تَحْتَ أَوَامِرِهِ بِالِامْتِثَالِ وَزَوَاجِرِهِ بِالِانْزِجَارِ وَأَحْكَامِهِ بِالتَّسْلِيمِ لِلْأَقْدَارِ لِيَكُونَ عَبْدًا فِي كُلِّ حَالٍ فَيَرْفَعَهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَلْبَتَّةَ وَالْمُكَلَّفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ وَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ فَإِنَّ الرِّفْعَةَ بِقَدْرِ النُّزُولِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا نَزَلَ إلَى أَسْفَلِ الشَّجَرَةِ صَعِدَ إلَى أَعْلَاهَا، قَالَ فِي الْحِكَمِ مَا طُلِبَ لَك شَيْءٌ مِثْلُ الِاضْطِرَارِ وَلَا أَسْرَعَ بِالْمَوَاهِبِ إلَيْك مِثْلُ الذِّلَّةِ وَالِافْتِقَارِ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَفِي شَرْحِ الْحَكَمِ عَنْ الشِّبْلِيِّ مَنْ رَأَى لِنَفْسِهِ قِيمَةً فَلَيْسَ لَهُ مِنْ التَّوَاضُعِ نَصِيبٌ وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ مَا دَامَ الْعَبْدُ يَرَى أَنَّ فِي الْخَلْقِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ فَمُتَكَبِّرٌ قِيلَ فَمَتَى يَكُونُ مُتَوَاضِعًا قَالَ إذَا لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ مَقَامًا وَلَا حَالًا وَتَوَاضَعَ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِرَبِّهِ «حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ» يَعْنِي كُلَّمَا ازْدَادَ التَّوَاضُعُ ازْدَادَ بِحَسَبِهِ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي عِلِّيِّينَ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ «وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دَرَجَةً» أَيْ عَلَى عِبَادِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ تَعَالَى كُفْرٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِمَنْ كَفَرَ «يَضَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ» قِيلَ فِيهِ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ لِتَأْكِيدِ مَنْطُوقِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَفْهُومَ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ، وَقِيلَ فِيهِ مُقَابَلَةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ فَتَأَمَّلْ
. (طط) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَوَاضَعَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْرِ عَلَى مُوجِبِ أُخُوَّتِهِ وَعَلَى مُقْتَضَى إسْلَامِهِ لَيْسَ لَهُ تَوَاضُعٌ؛ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْفَاسِقِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ التَّكَبُّرُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالتَّوَاضُعُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ التَّوَاضُعِ كَمَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ إخْرَاجٌ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت التَّوَاضُعَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَنَحْوِهِمَا فَيُفْهَمُ غَيْرُهُ إمَّا بِالدَّلَالَةِ أَوْ بِالْمُقَايَسَةِ فَافْهَمْ «رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ ارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» لِأَنَّهُ تَعَالَى غَيُورٌ فَيُجَازِيهِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ قَالَ
стр. 538
فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْلِفُ الْبَعِيرَ وَيَقُمُّ الْبَيْتَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرْقِعُ الثَّوْبَ وَيَحْلُبُ الشَّاةَ وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ وَيَطْحَنُ مَعَهُ إذَا عَيِيَ وَكَانَ لَا يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ يَحْمِلَ بِضَاعَتَهُ مِنْ السُّوقِ إلَى أَهْلِهِ وَكَانَ يُصَافِحُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَيُسَلِّمُ مُبْتَدِئًا وَلَا يُحَقِّرُ مَا دُعِيَ إلَيْهِ وَلَوْ إلَى حَشَفِ التَّمْرِ، وَكَانَ هَيِّنَ الْمُؤْنَةِ لَيِّنَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الطَّبِيعَةِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ طَلْقَ الْوَجْهِ بَسَّامًا مِنْ غَيْرِ ضَحِكٍ مَحْزُونًا مِنْ غَيْرِ عُبُوسَةٍ مُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ مَذَلَّةٍ جَوَادًا مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ رَقِيقَ الْقَلْبِ رَحِيمًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَتَجَشَّأْ قَطُّ مِنْ شِبَعٍ وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى طَمَعٍ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ ﵊ شَمَخَتْ الْجِبَالُ وَتَوَاضَعَ الْجُودِيُّ فَجَعَلَهُ اللَّهُ قَرَارًا لِسَفِينَةِ نُوحٍ ﵊، وَقَالَ الْفُضَيْلُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْجِبَالِ إنِّي مُكَلِّمٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْكُمْ نَبِيًّا فَتَطَاوَلَتْ الْجِبَالُ وَتَوَاضَعَ طُورُ سَيْنَاءَ فَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ لِتَوَاضُعِهِ وَعَنْ ابْنِ شَيْبَانَ الشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ وَالْعِزُّ فِي التَّقْوَى وَالْحُرِّيَّةُ فِي الْقَنَاعَةِ
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ أَعَزُّ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ عَالِمٌ زَاهِدٌ وَفَقِيهٌ صُوفِيٌّ وَغَنِيٌّ مُتَوَاضِعٌ وَفَقِيرٌ شَاكِرٌ وَشَرِيفٌ سُنِّيٌّ، وَقِيلَ رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ مَهْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا، فَقَالَ زَيْدٌ أَرِنِي يَدَك فَأَخْرَجَهَا فَقَبَّلَهَا وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ عُرْوَةُ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلَى عَاتِقِهِ قِرْبَةُ مَاءٍ، فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَنْبَغِي لَك هَذَا، فَقَالَ لَمَّا أَتَانِي الْوُفُودُ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ دَخَلَتْ نَفْسِي نَخْوَةٌ فَأَحْبَبْت أَنْ أَكْسِرَهَا وَمَضَى بِالْقِرْبَةِ إلَى حُجْرَةِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَفْرَغَهَا فِي إنَائِهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِنْ التَّوَاضُعِ أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ أَخِيهِ وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنًا لَهُ اشْتَرَى خَاتَمًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ فَإِذَا أَتَاك كِتَابِي بِعْ الْخَاتَمَ وَأَشْبِعْ أَلْفَ بَطْنٍ وَاتَّخِذْ خَاتَمًا مِنْ دِرْهَمَيْنِ وَاجْعَلْ فَصَّهُ حَدِيدًا صِينِيًّا وَاكْتُبْ عَلَيْهِ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ مَا سُرِرْت فِي إسْلَامِي إلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَرَّةً كُنْت فِي سَفِينَةٍ وَفِيهَا رَجُلٌ مِضْحَاكٌ كَانَ يَقُولُ كُنَّا نَأْخُذُ بِشَعْرِ الْعِلْجِ فِي بِلَادِ التُّرْكِ هَكَذَا وَيَأْخُذُ شَعْرَ رَأْسِي وَيَهُزُّنِي وَأُخْرَى كُنْت عَلِيلًا فِي مَسْجِدٍ فَدَخَلَ الْمُؤَذِّنُ وَقَالَ اُخْرُجْ فَلَمْ أُطِقْ فَأَخَذَ بِرِجْلِي وَجَرَّنِي إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَأُخْرَى كُنْت بِالشَّامِ وَعَلَيَّ فَرْوٌ فَلَمْ يُمَيَّزْ بَيْنَ شَعْرِهِ وَبَيْنَ الْقَمْلِ لِكَثْرَتِهِ فَسَرَّنِي ذَلِكَ، وَمَرَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِصِبْيَانٍ مَعَهُمْ كِسَرُ خُبْزٍ فَاسْتَضَافُوهُ فَنَزَلَ وَأَكَلَ مَعَهُمْ ثُمَّ حَمَلَهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَطْعَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ وَقَالَ الْيَدُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ مَا طَعَّمُونِي وَنَحْنُ نَجِدُ أَكْثَرَ مِنْهُ كُلُّ ذَلِكَ عُصَارَةُ مَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَقَدْ انْصَرَفْت مِنْ عَرَفَاتٍ لَمْ أَشُكَّ فِي الرَّحْمَةِ لَوْلَا أَنِّي كُنْت فِيهِمْ وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ اُدْعُ اللَّهَ لَنَا فَبَكَى، وَقَالَ لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ أَنَا سَبَبُ هَلَاكِكُمْ وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحْقِيقِ هَذَا الْخُلُقِ أَنْ لَا يَغْضَبَ إذَا عِيبَ أَوْ نُقِصَ وَلَا يَكْرَهُ أَنْ يُذَمَّ وَيُقْذَفَ بِالْكَبَائِرِ وَيُحْكَى عَنْ الْكَرْخِيِّ أُسْتَاذِ الْجُنَيْدِ أَنَّ رَجُلًا دَعَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَى طَعَامٍ ثُمَّ يَرُدُّهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ دَارِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ قَدْ رَضِيت عَلَى الذُّلِّ عِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى صِرْت بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ يُطْرَدُ فَيَنْظُرُ ثُمَّ يُدْعَى فَيَعُودُ وَيُرْمَى لَهُ عَظْمٌ فَيُجِيبُ وَلَوْ رَدَدْتنِي خَمْسِينَ مَرَّةً ثُمَّ دَعَوْتنِي بَعْدَ ذَلِكَ لَأَجَبْتُك عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْحَكَمِ.
(وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ التَّوَاضُعِ السُّخْرِيَةَ وَالنِّفَاقَ وَالرِّيَاءَ وَالطَّمَعَ) لِمَا فِي يَدِ مَنْ تَوَاضَعَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَالْمَنْصِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَالْخَوْفِ) مِمَّنْ تَوَاضَعَ لَهُ (فَيَكُونُ) أَيْ التَّوَاضُعُ (رَذِيلَةً) أَيْ ذَمِيمَةً
стр. 539
(بِحَسَبِ الْعَارِضِ وَالْكَيْفِ فَعَلَيْك بِصِيَانَتِهِ) أَيْ صِيَانَةِ التَّوَاضُعِ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ حَتَّى يَكُونَ تَوَاضُعُك مَمْدُوحًا.
[الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آفَات الْقَلْب الْعُجْبُ]
(الرَّابِعَ عَشَرَ الْعُجْبُ) فِي الصِّحَاحِ قَدْ أُعْجِبَ فُلَانٌ بِنَفْسِهِ يَعْنِي بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَهُوَ مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وَبِنَفْسِهِ، وَالِاسْمُ الْعُجْبُ (وَهُوَ اسْتِعْظَامُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ) أَيْ اعْتِقَادُ عَظَمَةِ عَمَلِهِ (وَذِكْرُ حُصُولِ شَرَفِهِ بِشَيْءٍ) حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (دُونَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ النَّفْسِ أَوْ النَّاسِ) بَيَانٌ لِغَيْرِهِ تَعَالَى قِيلَ هُنَا اعْلَمْ أَنَّ الْعُجْبَ إنَّمَا يَكُونُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا مَحَالَةَ وَلِلْعَالِمِ بِكَمَالِ نَفْسِهِ مُطْلَقًا حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى تَكَدُّرِهِ أَوْ زَوَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِمُعْجَبٍ وَالْأُخْرَى أَنْ يَكُونَ خَائِفًا وَلَكِنْ يَكُونُ فَرِحًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ أَيْضًا بِمُعْجَبٍ وَلَهُ حَالَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ خَائِفًا عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ فَرِحًا بِهِ مُطْمَئِنًّا إلَيْهِ حَيْثُ إنَّهُ كَمَالٌ وَنِعْمَةٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ لَهُ وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ نَاسِيًا أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْعُجْبُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا (وَقَدْ يُطْلَقُ) الْعُجْبُ (عَلَى مُطْلَقِ اسْتِعْظَامِ النِّعْمَةِ وَالرُّكُونِ) أَيْ الْمَيْلِ (إلَيْهَا) دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا (مَعَ نِسْيَانِ إضَافَتِهَا إلَى الْمُنْعِمِ وَضِدُّهُ) أَيْ الْعُجْبِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ (ذِكْرُ الْمِنَّةِ) أَيْ النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَهُوَ) أَيْ ذِكْرُهَا (أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (الَّذِي شَرَّفَهُ وَعَظَّمَ ثَوَابَهُ وَقَدْرَهُ) بِفَضْلِهِ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُ (وَهَذَا الذِّكْرُ فَرْضٌ) عَلَى الْعَبْدِ (عِنْدَ دَوَاعِي الْعُجْبِ) مُسْتَحَبٌّ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ.
(وَسَبَبُ الْعُجْبِ فِي الْحَقِيقَةِ الْجَهْلُ الْمَحْضُ) قِيلَ هُوَ مَنْشَأُ عُجْبِ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا بِكَوْنِ الْعَبْدِ خَالِقًا لِأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فِرَارًا مِنْ الْجَبْرِ فَوَقَعُوا فِي الْعُجْبِ بِنَاءً عَلَى هَذَا (أَوْ الْغَفْلَةُ أَوْ الذُّهُولُ) هَذَا سَبَبُ عُجْبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ كَوْنَ كُلِّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ وَحْدَهُ وَالْعُجْبُ مَعَ تَذَكُّرِهِ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ، بَلْ يَحْصُلُ مِنْ الذُّهُولِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ.
(فَعِلَاجُهُ الْجُمَلِيُّ) أَيْ الْإِجْمَالِيُّ (مَعْرِفَةُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ) فَلَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْجُزْءَ الِاخْتِيَارِيَّ مِنْ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ مَرْجِعُ الْكَسْبِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخَلْقُ إلَّا بِالْمَوْجُودِ كَمَا مَرَّ (وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ) هِيَ الْمُسْتَلَذُّ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (مِنْ عَقْلٍ) بَيَانٌ (وَعِلْمٍ وَعَمَلٍ وَجَاهٍ وَمَالٍ وَغَيْرِهَا) كُلُّهَا (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ) لَا خَالِقَ وَلَا مُنْعِمَ سِوَاهُ هَذَا عِلَاجُ الْعُجْبِ النَّاشِئِ مِنْ الْجَهْلِ بِذَلِكَ وَهُوَ عُجْبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ بَعْضٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إلَى كَثْرَةِ الْعَسْكَرِ وَأَسْلِحَتِهِمْ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، قِيلَ إنَّهُ هُوَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 540
قَالَ إعْجَابًا مِنْ الْكَثْرَةِ وَالشَّوْكَةِ لَا انْهِزَامَ لَنَا فِيمَا بَعْدُ وَلَمَّا وَصَلَ إلَى سَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ ذَلِكَ فَرَفَعَ اللَّهُ النُّصْرَةَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ الْغَزْوَةِ تَأْدِيبًا لَهُمْ بِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَا تُغْنِي شَيْئًا بِدُونِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا أَصَابَ دَاوُد ﵊ ذَنْبٌ إلَّا شَيْءٌ مِنْ نَحْوِ الْعُجْبِ إذْ قَالَ يَا رَبِّ مَا يَأْتِي مِنْ لَيْلَةٍ إلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُد قَائِمٌ وَلَا يَأْتِي مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُد صَائِمٌ فَأَوْحَى اللَّهُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ إلَّا بِي وَلَوْلَا عَوْنِي إيَّاكَ مَا قَوِيت عَلَى ذَلِكَ وَسَأَكِلُك إلَى نَفْسِك وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لَأَكِلَنك إلَى نَفْسِك فَابْتَلَاهُ بِمَا ابْتَلَاهُ (وَ) عِلَاجُ الْعُجْبِ النَّاشِئِ مِنْ الْغَفْلَةِ وَهُوَ عُجْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّنَبُّهُ وَالتَّيَقُّظُ) عَنْ الْغَفْلَةِ (بِذِكْرِهِ) أَيْ بِتَذَكُّرِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِهِ (وَإِخْطَارِهِ) كَذَلِكَ (بِالْبَالِ وَفِي الظَّاهِرِ) أَسْبَابُ الْعُجْبِ (أَسْبَابُ الْكِبْرِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ) فِي الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (وَالْعِلَاجُ التَّفْصِيلِيُّ) لِكُلِّ سَبَبٍ مِنْهَا هُنَا (يُعْرَفُ مِمَّا سَبَقَ) فِي عِلَاجِهِ، ثُمَّ قِيلَ هُنَا عَنْ الْفَقِيهِ الْعُجْبُ يُدْفَعُ بِأَرْبَعَةٍ إذَا رَأَى تَوْفِيقًا يُشْغَلُ بِشُكْرِهِ وَإِذَا رَأَى نِعْمَةً يُشْغَلُ بِشُكْرِهَا وَأَنْ يَخَافَ عَدَمَ قَبُولِ الْعَمَلِ وَأَنْ يَخَافَ تَرْجِيحَ سَيِّئَاتِهِ وَكَيْفَ يُعْجَبُ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ وَلَا يَدْرِي مَاذَا يَخْرُجُ مِنْ كِتَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عُجْبُهُ وَسُرُورُهُ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ (فَعَلَى السَّالِكِ) الَّذِي يَسْلُكُ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْعُقْبَى وَيُرِيدُ سَلَامَةَ بِضَاعَتِهِ، وَرَأْسُ مَالِ تِجَارَتِهِ فِي تِلْكَ الْعُقْبَى (الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ مَا وَجَدَ فِيهِ مِنْ النِّعَمِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَغَيْرِهِمَا وَ) الشُّكْرُ أَيْضًا (عَلَى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَوْنِهِ وَنَصْرِهِ وَخَلْقِهِ وَإِعْطَائِهِ إيَّاهُ لَهُ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وَقَالَ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]- (وَمِنْ أَقْوَى الْعِلَاجِ مَعْرِفَةُ آفَاتِهِ) أَيْ الْعُجْبِ (وَهِيَ كَثِيرَةٌ) فَإِنَّ الْعُجْبَ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْكِبْرُ الْحَاوِي لِآفَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قَالَ (وَيَكْفِيك أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْكِبْرِ وَنِسْيَانِ الذُّنُوبِ) الْمُتَسَبِّبِ عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ فَإِنَّ مَنْ عَدَّ عَمَلَهُ عَظِيمًا قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ الْكِبْرِ وَأَنَّ مَنْ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ لَا يَسْتَعْظِمُ عَمَلَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ إضَافَةِ عَمَلِهِ إلَى رَبِّهِ وَكَذَا بَوَاقِيهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ، بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ نِسْيَانَ الذُّنُوبِ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ (وَ) نِسْيَانَ (نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّمْكِينِ) أَيْ الْأَقْدَارِ يَشْكُلُ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْعَمَلِ لَا يُنَافِي مُلَاحَظَةَ التَّوْفِيقِ سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ إذْ لَا يَخْلُو التَّوْفِيقُ عَنْ مَدْخَلِ الْعَبْدِ عَلَى جَرْيِ عَادَتِهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ فِيهِ.
(وَ) سَبَبٌ (لِلْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَذَابِهِ) فَإِنَّ مَنْ فِيهِ خَوْفُ اللَّهِ لَا يَسْتَعْظِمُ عَمَلَهُ فَإِنَّ الْعَمَلَ يُسْتَعْظَمُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَقْبُولًا عِنْدَهُ تَعَالَى وَالْقَبُولُ يُوجِبُ الْأَمْنَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْعِلَّةَ
стр. 541
الْمُقْتَضِيَةَ، بَلْ السَّبَبُ الدَّاعِي فِي الْجُمْلَةِ (وَ) سَبَبٌ (لَأَنْ يَرَى أَنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَّةً وَحَقًّا بِأَعْمَالِهِ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِهِ وَعَطِيَّةٌ مِنْ عَطَايَاهُ تَعَالَى) أَنْعَمَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ الْمُعْجَبِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ فَالْفَضْلُ لَهُ تَعَالَى وَلَا حَقَّ لِلْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ (وَ) سَبَبٌ (يَدْعُو إلَى أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ) لِأَنَّ كُلَّ فِعْلِهَا حَسَنَاتٌ فِي اعْتِقَادِهَا وَأَنَّهُ مَيْلٌ إلَى قَاعِدَةِ الِاعْتِزَالِ فِي خَلْقِ الْأَعْمَالِ مِنْ عَدَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]- (وَبِمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِفَادَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَعْلَى مِنْهُ فِي اعْتِقَادِهِ؛ وَلِذَا قِيلَ لَا يَنَالُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ كَيْفَ وَجَدْت الْعِلْمَ قَالَ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ تَمَلَّقْت كَالْكَلْبِ وَتَوَاضَعْت كَالسِّنَّوْرِ وَصَبَرْت كَالْحِمَارِ وَصِحْت كَالْغُرَابِ (وَالِاسْتِشَارَةِ) مَعَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا، بَلْ هِيَ مِيزَانُ الِاعْتِدَالِ (زَهَقَ) الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ» نَكِرَةٌ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وَمِنْ ثَمَّةَ وَقَعَتْ مُبْتَدَأً أَيْ خِصَالٌ ثَلَاثٌ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ «مُهْلِكَاتٌ» أَيْ يُرْدِينَ فَاعِلَهُنَّ لِلْهَلَاكِ ( «شُحٌّ» بُخْلٌ «مُطَاعٌ» يُطِيعُهُ صَاحِبُهُ فِي مَنْعِ الْحُقُوقِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ يُقَالُ أَطَاعَهُ يُطِيعُهُ فَهُوَ مُطِيعٌ وَالِاسْمُ الطَّاعَةُ أَوْ يُطِيعُ هُوَ بُخْلَهُ فَلَا يُؤَدِّي حُقُوقَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وَفِي التَّقْيِيدِ تَنْبِيهٌ أَنَّ هَذَا الذَّمَّ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالِانْقِيَادِ دُونَ نَفْسِ الْبُخْلِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الرَّاغِبِ «وَهَوًى مُتَّبَعٌ» بِأَنْ يَتَّبِعَ كُلٌّ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ الْهَوَى أَوْ هُوَ يَتَّبِعُ هَوَاهُ فِي كُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ «وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» أَيْ تَحْسِينُ كُلِّ أَحَدٍ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ قَبِيحًا وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ مُلَاحَظَتُهُ لَهُ بِعَيْنِ الْكَمَالِ مَعَ نِسْيَانِ مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِعْجَابِ وَجَدَ أَنَّ الشَّيْءَ حَسَنًا فَثَمَرَةُ الْعُجْبِ الْهَلَاكُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] قَالَ الْغَزَالِيُّ أُمَّهَاتُ الْخَبَائِثِ الْمُهْلِكَةُ ثَلَاثٌ غَالِبَةٌ عَلَى مُتَفَقِّهَةِ الْعَصْرِ الْحَسَدُ وَالرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ فَاجْتَهِدْ فِي تَطْهِيرِ قَلْبِك مِنْهَا فَإِنْ عَجَزْت عَنْهُ فَأَنْتَ فِي غَيْرِهِ أَعْجَزُ وَلَا تَظُنُّ أَنَّهُ يَسْلَمُ لَك بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَفِي قَلْبِك شَيْءٌ مِنْ الْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ، وَثَمَرَةُ الْعُجْبِ أَنْ يَقُولَ أَنَا وَأَنَا كَمَا قَالَ إبْلِيسُ وَنَتِيجَتُهُ فِي الْمَجَالِسِ التَّقَدُّمُ وَالتَّرَفُّعُ وَطَلَبُ التَّصَدُّرِ وَفِي الْمُحَاوَرَةِ الِاسْتِنْكَافُ مِنْ أَنْ يُرَدَّ كَلَامُهُ وَذَلِكَ مُهْلِكٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْكِبَارِ مِمَّا يُشْعِرُ بِالْإِعْجَابِ نَحْوُ مَا تَحْتَ خَضْرَاءِ السَّمَاءِ مِثْلِي وَنَحْوُ أَسْرَجْت وَطُفْت فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَقُلْت هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيَّ أَحَدٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ حَالِ السُّكْرِ كَمَا قِيلَ عَنْ الْعَوَارِفِ وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ تَفْصِيلِ الْحَدِيثِ فِي سَابِعِ آفَاتِ الْقَلْبِ وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا
стр. 542
الْحَدِيثِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ وَجْهِ حِكْمَةِ مِعْرَاجِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَنَّهُ اخْتَصَمَ الْمَلَأُ الْأَعْلَى وَنَاظَرُوا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ مِقْدَارَ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَلَمْ يُوَفَّقُوا لِحَلِّهَا فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيُّنَا ﵇ عَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ إنَّمَا تَنْحَلُّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَضَرَّعُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِهِ فَدَعَا اللَّهُ حَبِيبَهُ إلَى مَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.
وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْوَحْيِ قَوْلُهُ ﵊: «رَأَيْت رَبِّي بِأَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى فَقُلْت أَنْتَ تَعْلَمُ يَا رَبِّ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِي فَوَجَدْت بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى فَقُلْت نَعَمْ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْمُنْجِيَاتِ وَالدَّرَجَاتِ وَالْمُهْلِكَاتِ، قَالَ صَدَقْت يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ قَالَ يَا مَلَائِكَتِي وَجَدْتُمْ حَلَّالَ الْمُشْكِلَاتِ فَاسْأَلُوا أَشْكَالَكُمْ، فَقَالَ إسْرَافِيلُ مَا الْكَفَّارَاتُ؟ فَقَالَ ﵊ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ إلَى الْجَمَاعَاتِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ مِيكَائِيلُ مَا الدَّرَجَاتُ؟ فَقَالَ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ قَالَ جَبْرَائِيلُ مَا الْمُنْجِيَاتُ؟ فَقَالَ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، ثُمَّ قَالَ عَزْرَائِيلُ مَا الْمُهْلِكَاتُ؟ فَقَالَ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلٍّ صَدَقَ مُحَمَّدٌ» (ز) الْبَزَّارُ.
(عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيت عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ» لِأَنَّ صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا يَأْمَنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ وَلَا يَرَى لَهُ مِنَّةً وَحَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِيًا عَفْوَهُ «الْعُجْبَ الْعُجْبَ» لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَعْرِفُ عِصْيَانَهُ فَيَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ وَالْمُعْجَبُ مَغْرُورٌ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ فَتَوْبَتُهُ بَعِيدَةٌ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا؛ وَلِذَا قِيلَ أَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَجَلِ صَوْتِ الْمُسَبِّحِينَ؛ لِأَنَّ زَجَلَهُمْ يَشُوبُهُ الِافْتِخَارُ وَأَنِينَ أُولَئِكَ يَشُوبُهُ الِانْكِسَارُ، وَالْمُؤْمِنُ حَبِيبُ اللَّهِ يَصُونُهُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ إلَى مَا يُصْلِحُهُ وَالْعُجْبُ يَصْرِفُ وَجْهَ الْعَبْدِ عَنْ اللَّهِ وَالذَّنْبُ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ يُنْتِجُ الِاسْتِكْبَارَ وَالذَّنْبَ يُنْتِجُ الِاضْطِرَارَ وَيُؤَدِّي إلَى الِافْتِقَارِ، وَخَيْرُ أَوْصَافِ الْعَبْدِ افْتِقَارُهُ وَاضْطِرَارُهُ إلَى رَبِّهِ، قِيلَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ إنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الذَّنْبَ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ لِخَوْفِهِ مِنْ أَجْلِهِ وَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ يَدْخُلُ بِهَا النَّارَ لِكِبْرِهِ وَعُجْبِهِ وَرِيَائِهِ بِهَا.
(وَأَقْبَحُ الْعُجْبِ الْعُجْبُ بِالرَّأْيِ الْخَطَإِ فَيَفْرَحُ بِهِ) كَأَهْلِ الْهَوَى (وَيُصِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ نُصْحَ نَاصِحٍ) لِكَوْنِهِ حَسَنًا فِي اعْتِقَادِهِ (بَلْ يَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ الِاسْتِجْهَالِ) مَعَ أَنَّهُ جَاهِلٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر: ٨] بِأَنْ غَلَبَ وَهْمُهُ وَهَوَاهُ عَلَى عَقْلِهِ، وَالْمُزَيِّنُ الْحَقِيقِيُّ إمَّا اللَّهُ تَعَالَى اسْتِدْرَاجًا أَوْ الشَّيْطَانُ ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] حَقًّا ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ) اعْتِقَادًا وَعَمَلًا (إنَّمَا أَصَرُّوا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ (لِعُجْبِهِمْ بِآرَائِهِمْ) الَّتِي يَرَوْنَهَا حَقًّا فَبَقُوا فِي ضَلَالِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ (وَعِلَاجُ هَذَا الْعُجْبِ) أَيْ الْعُجْبِ بِالرَّأْيِ الْخَطَإِ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ (أَعْسَرُ وَأَصْعَبُ) رُوِيَ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ السُّؤَالِ عَنْ مَعْنَى - قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]- تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ» فَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ، بَلْ الْكُفَّارَ كُلَّهُمْ مُعْجَبُونَ بِرَأْيِهِمْ مَا أَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَةِ
стр. 543
وَلَا أَقَامُوا الْأَدِلَّةَ عَلَيْهَا فَبِهَذَا الْإِعْجَابِ وَقَعَ هَلَاكُ جَمِيعِ الْهَالِكِينَ (إذْ صَاحِبُهُ يَظُنُّهُ) ذَلِكَ الْخَطَأَ فِي الرَّأْيِ (عِلْمًا لَا جَهْلًا) فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ فَيَصْعُبُ دَفْعُهُ (وَنِعْمَةً لَا نِقْمَةً وَصِحَّةً لَا مَرَضًا فَلَا يَطْلُبُ الْعِلَاجَ) إنَّمَا يَطْلُبُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَى إزَالَتِهِ (وَلَا يَصْغَى) فَيَسْتَمِعُ (إلَى الْأَطِبَّاءِ) الرُّوحَانِيِّينَ الْحَاذِقِينَ فِي مُعَالَجَةِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ بِأَدْوِيَةِ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ نَحْوِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ دَاءً، بَلْ إنَّمَا يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ صِحَّةً وَشِفَاءً بِلَا دَوَاءٍ (وَهُمْ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) كَثَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعَانَهُمْ وَخَذَلَ أَعَادِيهِمْ؛ لِأَنَّ دَوَاءَهُمْ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْدِنِ الرِّسَالَةِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا تَصَرُّفِهِمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
[الْخُلُقُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ السِّتِّينَ مِنْ آفَات الْقَلْب الْحَسَدُ]
الْخُلُقُ (الْخَامِسَ عَشَرَ) مِنْ السِّتِّينَ (الْحَسَدُ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحِثَ) الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهِ وَضِدِّهِ مَعَ مُنَاسِبِهِمَا وَحُكْمِهِمَا، الثَّانِي فِي آفَاتِهِ، الثَّالِثُ فِي عِلَاجِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، الرَّابِعُ فِي الْعِلَاجِ الْقَلَعِيِّ.
(الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهِ وَضِدِّهِ وَمُنَاسِبِهِمَا) أَيْ الْحَسَدِ وَضِدِّهِ (وَحُكْمُهُمَا) وَهُوَ الصَّوَابُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حُكْمُهَا بِلَا تَثْنِيَةِ تَعْرِيفٍ (الْحَسَدُ إرَادَةُ زَوَالِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً (عَنْ أَحَدٍ) مِنْ الْخَلْقِ (مِمَّا لَهُ فِيهِ صَلَاحٌ دِينِيٌّ) إذْ مَا لَيْسَ لَهُ صَلَاحٌ لَيْسَ بِحَسَدٍ بَلْ غَيْرَةُ دِينٍ كَمَنْ يَجْعَلُ عِلْمَهُ أَوْ مَالَهُ آلَةً لِمَعْصِيَتِهِ كَمَا سَيَجِيءُ (أَوْ) صَلَاحٌ (دُنْيَوِيٌّ) كَالْمَالِ وَالْجَاهِ (مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِي الْآخِرَةِ) ، وَأَمَّا بِهِ فَجَائِزٌ كَمَنْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا بَلْ يَجْعَلُهَا آلَةً لِمَعْصِيَةٍ فَتَمَنِّي زَوَالِ الصَّلَاحِ الدُّنْيَوِيِّ الْمُضِرِّ لَا يَكُونُ حَسَدًا (أَوْ) إرَادَةُ (عَدَمِ وُصُولِهَا) أَيْ النِّعْمَةِ (إلَيْهِ) إلَى ذَلِكَ الْأَحَدِ ابْتِدَاءً (أَوْ حُبُّهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ لَهُ) أَيْ لِلْحُبِّ كَمَنْ رَأَى أَحَدًا يَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ فَأَحَبَّ ذَلِكَ الْحَسَدَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. (وَلَوْ وَقَعَ ` فِي قَلْبِك) ضَرُورَةً (مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ) وَقَصْدٍ مِنْك (وَوَجَدْت الْإِنْكَارَ لِوُقُوعِهِ فِيهِ) لَعَلَّهُ الْأَظْهَرُ فَأَنْكَرْت (فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ) ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ إذْ الْأُمُورُ الِاضْطِرَارِيَّةُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعُهَا - لَعَلَّ كَلِمَةَ لَا بَأْسَ هُنَا لَيْسَتْ عَلَى مَعْنَاهَا الْمَشْهُورِ مِمَّا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى، إذْ التَّرْكُ اخْتِيَارِيٌّ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ وُجُودَ هَذَا اضْطِرَارِيٌّ بَلْ بِمَعْنَى لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْثَمُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْهِدَايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْقُشَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ أَيْضًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْكَافِي وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى كَمَا نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ النِّهَايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ بَلْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْبَأْسَ وَالْجُنَاحَ كَالْمُتَسَاوِي وَنَفْيِ الْجُنَاحِ لِلْوُجُوبِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَلْيُجِزْ أَيْضًا نَفْيَ الْبَأْسِ كَذَلِكَ كَذَا قِيلَ وَنُقِلَ عَنْ الزَّاهِدِيِّ أَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى لَا يَجُزْ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ لَا بَأْسَ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ.
(فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) الْإِنْكَارَ فِي الْقَلْبِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِلَا اخْتِيَارٍ (أَوْ وَقَعَ بِاخْتِيَارٍ) مِنْك (وَإِرَادَةِ زَوَالِ) نِعْمَةِ اللَّهِ عَنْ أَحَدٍ (أَوْ) إرَادَةِ (عَدَمِ وُصُولِهَا) نِعْمَةٍ إلَى غَيْرِ (فَإِنْ عَمِلْت بِمُقْتَضَاهُ) بِأَنْ صَدَرَ مِنْك مَا يَكُونُ مُسَبَّبًا عَنْهُ قَوْلُهُ (أَوْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي بَعْضِ الْجَوَارِحِ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَحَمْلُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]- وَإِنْ جَازَ فِي نَفْسِهِ كَالْحَمْلِ عَلَى التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]- ﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] وَكَالْإِضْرَابِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]- لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ التَّفَاهُمِ (فَحَسَدٌ حَرَامٌ)
стр. 544
قَيْدٌ وُقُوعِيٌّ لَعَلَّهُ لَيْسَ بِاحْتِرَازِيٍّ (بِالِاتِّفَاقِ) وَمَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَيُّ مَعْصِيَةٍ تَزِيدُ عَلَى كَرَاهَتِك لِرَاحَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَك فِيهِ مَضَرَّةٌ (وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ أَصْلًا) كُلًّا أَوْ بَعْضًا فِي أَيْ جَارِحَةٍ.
(وَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي الْقَلْبِ نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْحَسَدِ (فَقَطْ) دُونَ الْجَوَارِحِ (فَحَسَدٌ) أَيْضًا لَكِنْ (اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَتِهِ وَ) فِي (كَوْنِ صَاحِبِهِ آثِمًا وَمُخْتَارُ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ حُرْمَتُهُ وَظَنَّ هَذَا الْفَقِيرُ) يُرِيدُ الْمُصَنِّفَ نَفْسَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ (عَدَمَهَا) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَبَعْدَمَا كَتَبْت هَذَا وَجَدْت الشَّيْخَ أَكْمَلَ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ سَبَقَنِي وَاخْتَارَ فِي هَذَا عَدَمَ الْحُرْمَةِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ فَوَقَعَ التَّوَارُدُ فِي الْمُدَّعَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ الظَّنُّ» بِالنَّاسِ سُوءًا «وَالطِّيَرَةُ» وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ أَمَارَةً لِلشَّرِّ «وَالْحَسَدُ وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ» الْخَلَاصِ «مِنْ ذَلِكَ» الْمَذْكُورِ وَذَلِكَ الْمَخْرَجُ قَوْلُهُ «إذَا ظَنَنْت» السُّوءَ لِأَحَدٍ «فَلَا تُحَقِّقْ» أَيْ لَا تُخْرِجْ أَثَرَهُ فِي جَوَارِحِك مَا لَمْ تَتَيَقَّنْ «وَإِذَا تَطَيَّرْت فَامْضِ» وَلَا تَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى «وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ» لَا تَظْلِمْ عَلَى الْمَحْسُودِ عَلَيْهِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْحَسَدَ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِي الْجَوَارِحِ أَثَرُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَا يَخْفَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى لَا تَبْغِ بِإِبْقَائِهِ فِي قَلْبِك وَاسْتِمْرَارِهِ فِيهِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا فِي كَوْنِ ابْتِدَائِهِ اضْطِرَارِيًّا وَإِبْقَائِهِ اخْتِيَارِيًّا فَالْحُرْمَةُ حِينَئِذٍ لَا تَحْتَاجُ إلَى الْإِظْهَارِ بِالْجَوَارِحِ بَلْ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْقَلْبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ عَلَى الشَّرِّ إنْ كَانَتْ فِي مَرْتَبَةِ التَّصْمِيمِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَيُؤَاخَذُ بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
(خَرَّجَهُ دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. (وَحَمْلُ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ (هَذَا) أَيْ الْحَسَدَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ (عَلَى حُبِّ الطَّبْعِ لِزَوَالِ نِعْمَةِ الْعَدُوِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ) عَلَى مَعْنَى إذَا حَسَدْت إذَا وَجَدْت حُبًّا طَبِيعِيًّا فِي قَلْبِك لِزَوَالِ نِعْمَةِ الْعَدُوِّ فَلَا تَبْغِ أَيْ فَلَا تَقْبَلْهُ بَلْ انْكِرْهُ وَاكْرَهْهُ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ (غَيْرُ مُوَجَّهٍ إذْ الْحَسَدُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِرَادَةِ) الظَّاهِرُ مُطْلَقٌ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَسَدَ لَيْسَ مُطْلَقَ الْإِرَادَةِ بَلْ إرَادَةَ زَوَالِ نِعْمَةِ اللَّهِ إلَخْ، وَلَيْسَ اللَّفْظُ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ حَقِيقِيًّا، بَلْ ذِكْرُ الْكُلِّ وَإِرَادَةُ الْجُزْءِ أَوْ ذِكْرُ الْخَاصِّ وَإِرَادَةُ الْعَامِّ مِنْ الْمَجَازِ، نَعَمْ اسْتِعْمَالُهُ اللَّفْظَ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ حَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَاكَ حَقِيقَةً مُطْلَقَةً فَافْهَمْ (الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْكَرَاهَةِ) فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ
стр. 545
كَوْنُ الْإِرَادَةِ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا فَتَأَمَّلْ. فِيهِ بَلْ الْمُتَبَادِرُ كَوْنُهَا بِمَعْنَى الطَّلَبِ الْقَلْبِيِّ.
(فَلَا تُجَامِعُهَا) أَيْ الْإِرَادَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ لَزِمَ مُجَامَعَتُهُمَا فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَقُولُ كَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى مَا حَرَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ آنِفًا لَا يَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا بَلْ يُوجَدُ أَوَّلًا الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ ثُمَّ لَا يَقْبَلُهُ شَرْعًا بَلْ يَكْرَهُهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ قَلْبِهِ فَالْمُحَالُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ مَعًا لَا وُجُودُهُمَا مُتَعَاقِبًا فَاللَّازِمُ عَلَى الْإِمَامِ هُوَ التَّعَاقُبُ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُحَالٍ وَالْمُحَالُ هُوَ الْمَعِيَّةُ وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا قَدْ خَفِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بَلْ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ نَعَمْ يُقَرِّبُهُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَرَادَ نَفْيَ إمْكَانِ وُجُودِ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْحَاسِدِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِتَغَايُرِ الْجِهَتَيْنِ فَإِنَّ الْحَسَدَ بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ، وَالْكَرَاهَةُ عَارِضَةٌ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ كَوْنِهِ حَسَدًا مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا لِوُجُودِ تَمَامِ مَاهِيَّةِ الْحَسَدِ فِيهِ غَايَتُهُ حَسَدًا مِنْ إثْمِهِ بِتِلْكَ الْكَرَاهَةِ (كَمَا لَا تُجَامِعُ الشَّهْوَةُ أَعْنِي حُبَّ الطَّبْعِ ضِدَّهَا) أَيْ الشَّهْوَةِ (الَّذِي هُوَ النَّفْرَةُ) لَعَلَّ هَذَا تَنْظِيرٌ لِلِاسْتِظْهَارِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةُ.
فَائِدَةٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ (بِخِلَافِ كُلٍّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ الْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ (فَإِنَّهُ يُجَامِعُ كُلًّا مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ) أَيْ الشَّهْوَةِ وَالنَّفْرَةِ إلَى آخِرِهِ فَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى فَائِدَتِهِ فِي نَفْسِهِ بَلْ يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ عَلَى زَعْمِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدَ الشَّهْوَةَ وَالنَّفْرَةَ فِي الْإِرَادَةِ مَثَلًا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهَا فَافْهَمْ وَقَدْ قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي أَمَّا مُجَامَعَةُ الْإِرَادَةِ مَعَ الشَّهْوَةِ فَفِي أَكْلِ الْعَسَلِ لِصَحِيحِ الْمِزَاجِ وَأَمَّا مَعَ النَّفْرَةِ فَفِي أَكْلِ الدَّوَاءِ الْمَرِّ لِمَعْلُولِ الْمِزَاجِ وَأَمَّا مُجَامَعَةُ الْكَرَاهَةِ مَعَ الشَّهْوَةِ فَفِي الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَكْلِ الْعَسَلِ لِأَجْلِ ضَرَرِهِ لِمَرَضِهِ وَمَعَ النَّفْرَةِ فَفِي الْمُمْتَنِعِ عَنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ الْمُرِّ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ (وَالْأُولَيَانِ) أَيْ الْإِرَادَةُ وَالْكَرَاهَةُ (اخْتِيَارِيَّتَانِ) لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ كَوْنُ الْإِرَادَةِ سِيَّمَا مَبَادِئُهَا اخْتِيَارِيَّةٌ مَحَلُّ خَفَاءٍ كَيْفَ وَالِاخْتِيَارِيُّ لَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا وَالْإِرَادَةُ مِنْ قَبِيلِ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَهِيَ مَقُولَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْأُولَى وَأَيْضًا يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ مَلَكَةٌ رَاسِخَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عُرُوضُ الْكَرَاهَةِ اضْطِرَارِيَّةً بِلَا عِلْمٍ وَخَبَرٍ مِنْهُ كَمَا نُشَاهِدُ فِي بَعْضِ مَنْ وَجِدَاتِنَا (وَالْأُخْرَيَانِ) أَيْ الشَّهْوَةُ وَالنَّفْرَةُ (اضْطِرَارِيَّتَانِ) لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ لَا يَخْفَى أَنَّهُمَا فِي نِهَايَتِهِمَا وَاسْتِمْرَارِهِمَا قَدْ تَكُونَانِ اخْتِيَارِيَّتَيْنِ (لَا تُوصَفَانِ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ) كَيْفَ وَشَهْوَةُ الْمَعَاصِي وَنَفْرَةُ الطَّاعَاتِ قَدْ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُمَا بِالْحُرْمَةِ فَافْهَمْ (وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَلَا تَبْغِ مِنْ الْبَغْي الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ» يُرِيدُ بِهِ رَدًّا آخَرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فَإِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ بَلْ الْإِكْرَاهُ بِالْقَلْبِ وَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ إنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ بَلْ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَالْمَعْنَى لَا تَبْغِ بِالْأَفْعَالِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا بِالْقُلُوبِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَقُولُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْقَامُوسِ بَغَى الشَّيْءَ نَظَرَ إلَيْهِ وَبَغَيْته أَبْغِيه وَبَغِيَّتُهُ بِالْكَسْرِ طَلَبْته وَأَبْغَاهُ الشَّيْءَ طَلَبَهُ لَهُ وَاسْتَبْغَى الْقَوْمَ فَبَغَوْهُ وَلَهُ طَلَبُوا وَالْبَاغِي الطَّالِبُ وَبَغَى عَلَيْهِ عَلَا وَظَلَمَ وَعَدَلَ عَنْ الْحَقِّ وَاسْتَطَالَ، وَالشَّيْءَ نَظَرَ إلَيْهِ كَيْفَ هُوَ وَرَقَبَهُ وَانْتَظَرَ.
وَعَنْ الْمِصْبَاحِ بَغَى عَلَى النَّاسِ بَغْيًا ظَلَمَ وَاعْتَدَى لَا يَخْفَى أَنَّ النَّظَرَ وَالطَّلَبَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ أَيْضًا بَلْ الِانْتِظَارُ ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ وَأَنَّ الظُّلْمَ وَإِنْ كَانَ مُتَبَادِرًا فِيمَا بِالْجَوَارِحِ لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْبَغْي الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ مُحْتَمَلِيهِ إلَّا بِمُرَجَّحٍ كَمَا فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قِيلَ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ سِيَّمَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَصْمِ سِيَّمَا الْإِمَامُ الْغَزَالِيِّ (وَسُئِلَ الْحَسَنُ) الظَّاهِرُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (عَنْ الْحَسَدِ، فَقَالَ غُمَّةٌ) كَرْبٌ
стр. 546
شَدِيدٌ وَحُزْنٌ (لَا يَضُرُّك مَا لَمْ تُبْدِهِ) أَيْ مَا لَمْ تُظْهِرْهُ بِالْجَوَارِحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا تُظْهِرُهُ مِنْ الْحَسَدِ لَا يَضُرُّ بِمُجَرَّدِ مَا فِي الْقَلْبِ وَاعْلَمْ أَنَّ حُجِّيَّةَ قَوْلِ التَّابِعِيِّ وَإِنْ ظَهَرَ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابِيِّ كَالْحَسَنِ أَمْرٌ اخْتِلَافِيٌّ بَلْ حُجِّيَّةُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَمَذْهَبُهُ أَيْضًا اخْتِلَافِيٌّ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا أُقَلِّدُهُمْ هُمْ رِجَالٌ اجْتَهَدُوا وَنَحْنُ رِجَالٌ أَيْضًا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا نَتَّبِعُهُمْ فِي الرِّوَايَاتِ وَأَمَّا فِي الدِّرَايَةِ فَهُمْ رِجَالٌ تَكَلَّمُوا بِعُقُولِهِمْ. وَنَحْنُ رِجَالٌ كَذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا لَا حُجَّةَ مَعَ الِاخْتِلَافِ نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُرْسَلًا وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ شَائِعَةٌ مَشْهُورَةٌ لَكِنْ قَالُوا إنَّ أَكْثَرَ أَحَادِيثِ الْحَسَنِ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ رِوَايَةَ كُلٍّ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِكُلٍّ، وَلِذَا قِيلَ أَكْثَرُ أَحَادِيثِ الْمُتَصَوِّفَةِ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ فَيَقْبَلُونَ الرِّوَايَةَ مِنْ الْفَاسِقِ وَالْمَجْرُوحِ وَالْمَسْتُورِ وَالْمَطْعُونِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يَقْبَلُونَهَا ثُمَّ نُقِلَ عَنْ رِعَايَةِ الْإِمَامِ الْمُحَاسِبِيِّ فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى كَوْنِ الْحَسَدِ بِالْجَوَارِحِ دُونَ الْقَلْبِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا لَا يَضُرُّك مَا دَامَتْ فِي قَلْبِك وَكَرِهْتهَا فَلَمْ تُظْهِرْهَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَدَمُ إظْهَارِهَا دَلِيلًا عَلَى كَرَاهَتِهَا لَعَلَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ لَفْظَ مَا لَمْ تُبْدِهِ تَجُوزُ عَنْ الْحُبِّ وَالْإِبْقَاءِ فِي الْقَلْبِ مِنْ قَبِيلِ وَضْعِ دَلِيلِ الشَّيْءِ مَقَامَ ذَلِكَ الشَّيْء فَإِنَّ الْإِظْهَارَ دَلِيلُ الْإِبْقَاءِ وَالْحُبِّ فَمَدَارُ عَدَمِ الضَّرَرِ هُوَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لَا مُجَرَّدُ عَدَمِ الْإِظْهَارِ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ الْحَسَدُ إنَّمَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَأَمَّا الِاسْتِعْمَال بِالْجَوَارِحِ كَمَا فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَإِثْمٌ آخَرُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ الْحَسَدِ كَمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْغِيبَةُ وَالْوَقِيعَةُ وَتَحْرِيمُ الْخَيْرِ عَنْهُ كَالْعِلْمِ أَوْ الصِّلَةِ أَوْ الْمُعَاوَنَةِ أَوْ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالْإِيذَاءِ بِالْجَوَارِحِ وَلَوْ كَانَ جِنْسُ هَذَا حَسَدًا لَكَانَ جَمِيعُ إسَاءَةِ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ حَسَدًا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بِعِلْمٍ أَوْ بِعَقْلٍ فَالْحَسَدُ بِالْقَلْبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] وَقَوْلُهُ ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الْآيَةُ.
وَقَالَ ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] وَغَيْرُهَا فَوَصَفَ الْحَسَدَ بِكَرَاهَةِ الْقُلُوبِ لِلْحَسَنَاتِ فَأَضَافَ لِفِعْلِ الْقَلْبِ دُونَ الْجَوَارِحِ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا فَسَّرْت ذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَائِفَةً تَقُولُ إنَّ الْحَسَدَ بِالْجَوَارِحِ نَحْتَجُّ بِقَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا وَقَدْ دَلَّنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ بِالْقَلْبِ وَاسْتِعْمَالُهُ بِالْجَوَارِحِ مُتَسَبِّبٌ عَنْهُ أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَسَدَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْجَوَارِحِ، وَاسْتِعْمَالُ الْجَوَارِحِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الْمُحَاسِبِيِّ ثُمَّ قِيلَ الْمُحَاسِبِيُّ إمَامٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ رِجَالِ الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَمُتَقَدِّمٌ عَلَى الْغَزَالِيِّ فَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ قِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ لَا يَضُرُّك أَيْ الضَّرَرَ الدُّنْيَوِيَّ كَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، وَالْغَرَامَاتِ الْمَالِيَّةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرٌ بِمَا يَتَسَبَّبُ إلَى جِنْسِ مَا ذُكِرَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ وَإِنْ بَعُدَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ الْغَايَةَ إصْلَاحُهُ لِمُعَارِضَةِ الْقُوَى كَمَا سَمِعْت لَا يَكُونُ بَعِيدًا كُلَّ الْبُعْدِ فَافْهَمْ (وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ» أَيْ تَتَكَلَّمُ «أَوْ تَعْمَلُ بِهِ» لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعَى أَعْنِي الْحَسَدَ الْبَاطِنِيَّ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَحَدِيثَ النَّفْسِ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ فَلَا تَقْرِيبَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ حُكْمًا فِي ظَاهِرِهِ لَكَانَ نَحْوُ الْكُفْرِ وَالْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ مِمَّا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْقَلْبِ مُتَجَاوَزًا عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ مَا لَا يَسْتَقِرُّ وَلَوْ كُفْرًا إذْ لَوْ صَرَفَهُ مِنْ فَوْرِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا بَلْ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِمَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْقَبَائِحِ قَهْرًا ثُمَّ إنْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ بِهِ قِيلَ يُؤَاخَذُ بِهِمَا فَقَطْ وَقِيلَ يُؤَاخَذُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَدِيثِ النَّفْسِ أَيْضًا لَعَلَّ التَّحْقِيقَ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يُؤَاخَذُ بِحَدِيثِ النَّفْسِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْجَزْمِ فَلَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ أَثِمَ حَالًا كَمَا فِي الْفَيْضِ (أَخْرَجَهُ خ م) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
стр. 547
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا) وَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «إذَا هَمَّ عَبْدٌ بِسَيِّئَةٍ فَأَنَا أَغْفِرُهَا مَا لَمْ يَعْمَلْهَا؛ فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» فَعَنْ الْقَاضِي أَنَّ الْهَمَّ هُنَا يَمُرُّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ وَلَا تَوْطِينٍ وَإِلَّا فَعَزْمٌ مُؤَاخَذٌ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِمَا فِي الْقَلْبِ قِيلَ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ. (وَحَمْلُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جَانِبِ (الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ بِلَا اخْتِيَارٍ) بَلْ بِاضْطِرَارٍ (مَرْدُودٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ التَّكْلِيفِ) عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى - لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا - (فَلَا ذَنْبَ فِيهِ فَلَا عَفْوَ وَ) لَفْظُ (تَجَاوَزَ) فِي الْحَدِيثِ مُسْتَعْمَلٌ (مَعَ عَنْ بِمَعْنَى عَفَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللُّغَةُ أَقُولُ إنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ وَإِنْ كَانَ نَفْسُهُ اضْطِرَارِيًّا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَبَادِئُهُ اخْتِيَارِيَّةً، فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تُحَدِّثُهُ إلَّا بِأَسْبَابٍ اخْتِيَارِيَّةٍ غَالِبًا فَيَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِاعْتِبَارٍ مَبَادِئِهِ وَأَسْبَابِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ الَّذِي رَجَّحُوهُ كَوْنُ " أَنْفُسُهَا " فِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا فَاعِلًا لِلْفِعْلِ حَدَّثَتْ فَيَلْزَمُ أَنْ تَخْتَرِعَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْأَنْفُسُ لِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ صَاحِبِهَا فَيُتَّجَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ تَجَاوَزَ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ نَحْوُ لَا يُؤَاخِذُ.
وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ لَفْظَ مَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]- عَامَّةٌ لِمَا يُطْلَقُ وَمَا لَا يُطْلَقُ حَتَّى أَشْفَقَ الصَّحَابَةُ مِنْ مُحَاسَبَتِهِمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَقَالُوا كُلِّفْنَا بِمَا لَا نُطِيقُ «، فَقَالَ ﷺ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» فَأَقَرَّهُمْ عَلَى مَا فَهِمُوا مِنْ الْعُمُومِ فَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، غَايَتُهُ أَنَّهُ نُسِخَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُقُوعِ بَعْدَ الِاعْتِقَادِ كَمَا فِي الْأُصُولِ.
وَأَيْضًا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تَكْلِيفَهُمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَهُ مُمْكِنًا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَكِنَّهُ تَعَالَى تَفَضَّلَ بِعَدَمِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطِيقُونَهُ كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَلَّفَ سَائِرَ الْأُمَمِ بِهَا. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مِنْ تَفْرِيطٍ وَقِلَّةِ مُبَالَاةٍ أَوْ بِأَنْفُسِهَا إذْ لَا تَمْتَنِعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهَا عَقْلًا ثُمَّ قَالَ لَكِنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ التَّجَاوُزَ عَنْهَا رَحْمَةً وَفَضْلًا وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]- وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ وَإِلَّا لَمَا سَأَلَ التَّخَلُّصَ عَنْهُ. وَأَقُولُ أَيْضًا النَّهْيُ يُقَرِّرُ الْمَشْرُوعِيَّةَ عِنْدَنَا لِيُتَصَوَّرَ النَّهْيُ لِيَكُونَ الْعَبْدُ مُبْتَلًى بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ أَوْ يَأْتِيَ.
وَقَالَ فِي الدُّرَرِ النَّهْيُ عَنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ يُقَرِّرُ الْمَشْرُوعِيَّةَ وَعَنْ الْحِسِّيَّةِ يَقْتَضِي كَوْنَهَا مَقْدُورَةً حِسًّا وَعَنْ الْعَقْلِيَّةِ يَقْتَضِي كَوْنَهَا مَقْدُورَةً شَرْعًا وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُحَالِ مُحَالٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدُّعَاءَ أَيْضًا كَالنَّهْيِ فِي الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ فِي تِلْكَ الْآيَة إنَّ تَعَاطِيَ الْمَعَاصِي لَا يَبْعُدُ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ وَوَعْدُهُ تَعَالَى بِعَدَمِهِ لَا يُوجِبُ اسْتِحَالَةَ وُقُوعِهِ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَمِثْلُهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ وَالتَّجَاوُزُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَالذَّنْبُ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِلَا عَزِيمَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَقَدْ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ بَعْضَ مَا لَا يُطْلَقُ تَكْلِيفُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا.
(وَ) الْوَجْهُ (الثَّانِي أَنَّ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ لَا تُؤَاخَذُ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ حِينَئِذٍ) حِينَ كَوْنِ الْمُرَادِ غَيْرَ الِاخْتِيَارِيِّ (بِقَوْلِهِ أُمَّتِي) إذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ فَائِدَةٌ حِينَئِذٍ.
أَقُولُ قَدْ سَمِعْت آنِفًا جَوَازَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي غَيْرِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَكَوْنِ التَّجَاوُزِ تَفَضُّلًا مِنْهُ تَعَالَى وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِأُمَّتِي لِوَاقِعَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ وُجِدَتْ عِنْدَ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا فِي النُّصُوصِ وَقِيلَ إنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي لِمَا عَدَاهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي كَمَا تَجَاوَزَ
стр. 548
لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ.
(وَالثَّالِثُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ) أَيْ الْحَمْلَ عَلَى غَيْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ رَفْعِ أَنْفُسِهَا) بِأَنَّهَا فَاعِلُ حَدَّثَتْ (وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ نَصْبِهَا فَلَا) يَصِحُّ ذَلِكَ الْحَمْلُ (إذْ الرَّفْعُ دَالٌ عَلَى الِاضْطِرَارِ) كَمَا رُوِيَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ أَنْفُسُهَا بِالرَّفْعِ فَاعِلًا لَحَدَّثَتْ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ وَأَيْضًا مِثْلُهُ عَنْ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ النَّوَوِيِّ (وَالنَّصْبُ) دَالٌ (عَلَى الِاخْتِيَارِ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِمَسْأَلَةِ الْخَصْمِ إذْ لَا يَتِمُّ هَذَا بِدُونِ رَدِّ رِوَايَةِ الرَّفْعِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ بَلْ الرَّفْعُ أَظْهَرُ وَإِنْ كَانَ النَّصْبُ أَشْهَرَ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ بَلْ فِيهِ تَلْقِينُ الْجَوَابِ لِلْخَصْمِ. وَأَمَّا مَا قِيلَ يَجُوزُ الِاضْطِرَارُ عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ أَيْضًا إذْ الْأَمَةُ تُحَدِّثُ أَنْفُسَهَا بِحَدِيثٍ هِيَ مُضْطَرَّةٌ فِيهِ إذْ لَيْسَ حَدِيثًا بِاللِّسَانِ حَتَّى يَلْزَمَ الِاخْتِيَارُ فَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
(وَالرَّابِعُ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ) هُوَ قَوْلُهُ مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ (يُنَافِي ذَلِكَ الْحَمْلَ) أَيْ عَلَى غَيْرِ الِاخْتِيَارِيِّ (لِأَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ فِيهِ) هِيَ انْتِفَاءُ التَّجَاوُزِ (فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أُمَّتِي كُلَّ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا إلَى أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ) أَيْ أَثَرُ مَا حَدَّثَتْ بِهِ (عَلَى الْجَوَارِحِ إمَّا بِالتَّكَلُّمِ أَوْ بِالْعَمَلِ فَيَدْخُلُ فِي الْعَفْوِ الْهَمُّ وَالْعَزْمُ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَيْلِ الطَّبْعِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ) الْهَمُّ وَالْعَزْمُ اخْتِيَارِيَّانِ فَدَلَّ أَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ لَا يَقْصُرُ عَلَى الِاضْطِرَارِيِّ بَلْ يَشْمَلُ مُطْلَقَ مَا فِي الْقَلْبِ. أَقُولُ قَدْ عَرَفْت فِي مَبْحَثِ الرِّيَاءِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ التَّصْمِيمَ فِي الْعَزْمِ مُؤْثِمٌ وَعَنْ الْغَيْرِ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْعَزْمَ مُؤَاخَذٌ بِهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ الْقَارِي أَنَّ النِّيَّةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْعَزِيمَةَ مُؤَاخَذٌ بِهَا وَأَيْضًا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] عَلَى مَا صَرَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ مُنَافٍ لِإِطْلَاقِ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ إنَّهُ وَإِنْ اقْتَضَى ذَلِكَ لَكِنْ جَاءَتْ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْهَمِّ وَالْعَزْمِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِيهِ مَا فِيهِ (وَالْمُرَادُ بِالتَّكَلُّمِ تَكَلُّمُ مَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ) أَيْ الْحَسَدِ لَا مُطْلَقُهُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كَالْمُسْتَدْرَكِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ (وَمُقْتَضًى مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ كَالْغِيبَةِ وَالْقَدْحِ) أَيْ الطَّعْنِ (وَالسَّبِّ) أَيْ الشَّتْمِ (فِي الْحَسَدِ) لَفْظُ فِي مِنْ قَبِيل عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَيْ لِلْحَسَدِ (وَسُوءِ الظَّنِّ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَلْبِيٌّ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِمَسْأَلَةِ الْخَصْمِ وَالتَّأْوِيلُ بِالْقَوْلِ بَعْدَ كَوْنِهِ تَكَلُّفًا فِي نَفْسِهِ يُوجِبُ تَجْوِيزَ سُوءِ الظَّنِّ الْقَلْبِيِّ وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ مُضِرٍّ لِلْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ أَيْضًا لَا يُحَرِّمُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ حَاصِلُ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَضُرُّ شَيْءٌ مَا فِي الْقَلْبِ غَيْرُ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَقَدْ سَمِعْت آنِفًا الْمَنْقُولَاتِ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَنَحْوِهَا وَأَيْضًا عَنْ قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ بِإِثْمِيَّةِ الْعَزْمِ الْمُصَمَّمِ، وَعَنْ الْإِمَامِ الْمَازِرِيِّ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ طَيِّبٍ إنْ وَطَّنَ عَزْمَ الْمَعْصِيَةِ فِي قَلْبِهِ أَثِمَ فِي اعْتِقَادِهِ وَعَزْمِهِ وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ آخِذِينَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَامَّةُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِظَوَاهِر النُّصُوصِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] وَ ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] كَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَسَدِ وَاحْتِقَارِ الْمُسْلِمِينَ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا نُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. أَقُولُ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الْمُنَاسِبُ لِتَوْفِيقِ الْأَدِلَّةِ فَالْإِمَامُ فِي إفْرَاطٍ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَفْرِيطٍ وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ (وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ) .
(فَإِنْ قُلْت إنَّ مُجَرَّدَ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ) بِلَا عَمَلٍ
стр. 549
الظَّاهِرُ مَا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ (حَرَامٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ) بِدُونِ أَثَرٍ خَارِجِيٍّ (فَلِمَ لَا يَكُونُ مُجَرَّدُ سُوءِ الظَّنِّ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِهِمَا كَذَلِكَ) أَيْ حَرَامًا لَا يُعْفَى عَنْهُ (مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ النَّوْعَيْنِ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ وَسُوءُ الظَّنِّ مَعَ الْحَسَدِ فَالظَّاهِرُ مِنْهَا بَدَلٌ مِنْهُمَا (فِعْلٌ قَلْبِيٍّ) التَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ كَمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ (فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) حَتَّى كَانَ الْأَوَّلُ حَرَامًا دُونَ الثَّانِي (قُلْت الْأَوَّلُ) أَيْ اعْتِقَادُ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ كُلًّا مِنْهُمَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأَوَّلَانِ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (قُبْحُهُمَا وَحُرْمَتُهُمَا لِذَاتِهِمَا) لَا لِكَوْنِهِمَا بَاعِثَيْنِ لِعَمَلٍ مَحْظُورٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ آخَرُ سِوَى ذَاتِهِمَا كَجَمِيعِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَأَهْلُ الْأُصُولِ يَقُولُونَ الْكُفْرَ مِمَّا قَبُحَ لِعَيْنِهِ لِإِدْرَاكِ مُجَرَّدِ الْعَقْلِ قُبْحِهِ (وَقُبْحُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَحُرْمَتُهُ) مِنْ سُوءِ الظَّنِّ وَالْحَسَدِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ (لِسَبَبِيَّةِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ) فَإِنَّ أَثَرَهُ مِنْ الْقَبَائِحِ مُتَسَبِّبٌ عَنْهُ (فَإِذَا تَجَرَّدَ عَنْهُ وَلَمْ يُفِضْ إلَيْهِ لَا يَبْعُدُ) مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ (أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْهُ الْحُرْمَةُ وَالْإِثْمُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْحُكْمِ عَلَى مُقْتَضَى النَّصِّ.
وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الشَّكِّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأَدُّبِ وَالتَّبَرُّكِ، كَيْفَ وَهَذَا قَرِيبٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّيَّاتِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ وَظَنَّ هَذَا الْفَقِيرُ عَدَمَهَا لَعَلَّ الْمَطْلَبَ ظَنِّيٌّ فَيَقْنَعُ بِالظَّنِّ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامَ الْمَقَاصِدِ (لَا سِيَّمَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرِ الْأُمَمِ لِتَشْرِيفِ حَبِيبِهِ وَتَكْرِيمِ صَفَّيْهِ) كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ أُمَّتِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَرَفْعُ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ مِنْ نَحْوِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَلَّفَ بِهَا الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ مِنْ بَخْعِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَصَرْفِ رُبْعِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَحُرْمَةِ الْحَلَالِ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ وَرَفْعِ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ» وَقَالَ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَسْفُ وَالْمَسْخُ» . قِيلَ لَكِنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]- إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]- وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَمَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ. أَقُولُ قَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ قَبْلُ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْمُحَاسِبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَسَدَ الْقَلْبِيَّ بِلَا إفْضَاءٍ إلَى الْعَمَلِ إثْمٌ وَلَوْ اشْتَرَطَ الْجَوَارِحَ لَكَانَتْ الْغِيبَةُ الْمُتَسَبِّبَةُ عَنْ الْحَسَدِ حَسَدًا، وَكَذَا الْكَذِبُ وَالضَّرْبُ وَنَحْوُهُمَا ثُمَّ قَالَ فَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْ مَعْقُولِ الدِّينِ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]- وَقَوْلُهُ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]- (نَعَمْ قَصْدُ الْمَعْصِيَةِ وَهَمُّهَا لَا سِيَّمَا الْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ) عَلَى الْفِعْلِ (قَلَّمَا يُوجَدُ بِدُونِ الْأَثَرِ عَلَى الْجَوَارِحِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ فَيَجُوزُ التَّخَلُّفُ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدَ وَالْعَزْمَ وَالْهَمَّ لَا يُؤْثِمُ (وَلَا كَلَامَ أَيْضًا أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يُخْلِيَ الْإِنْسَانُ قَلْبَهُ عَنْ الْعَزَائِمِ الْفَاسِدَةِ وَالصِّفَاتِ الْخَبِيثَةِ) الرَّذِيلَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ وَالْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الِاتِّفَاقِ لَا يَخْفَى أَنَّ الصِّفَاتِ مَا لَمْ تُؤْثِمْ لَا تَكُونُ خَبِيثَةً وَلَا فَاسِدَةً فَافْهَمْ.
(وَيُحَلِّيه بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَةِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ) لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى الْأَفْعَالِ الْمَرَضِيَّةِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَيُؤْجَرُ
стр. 550
لِأَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (وَأَمَّا الرِّيَاءُ بِطَاعَةٍ أَوْ دَلِيلِهَا) ، نَحْوُ ذُبُولِ الشَّفَتَيْنِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ (فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ عَمَلٍ بِمُقْتَضَاهُ) فَلَا يُوجَدُ بِلَا أَثَرٍ فَلَا يُوجَدُ لَهُ التَّجَرُّدُ فَلَا تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْحُرْمَةُ (فَإِنَّ الِاجْتِنَابَ عَنْ بَعْضِ الشُّبُهَاتِ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَرِعٌ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الشُّبُهَاتِ (وَهُوَ) أَيْ الْكَفُّ (عَمَلُهَا) أَيْ الْجَوَارِحِ (وَالذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ وَالتَّفَكُّرُ) بِنِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُظْهِرُهُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَجْعَلُهُ خَطِيرًا شَرِيفًا فِي الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ، وَهَذَا رِيَاءٌ بِنَفْسِ الطَّاعَةِ (عَمَلٌ قَلْبِيٌّ) فَلَا يَنْفَكُّ الرِّيَاءُ بِحَالٍ عَنْ الْعَمَلِ (وَكِلَاهُمَا) أَيْ الذِّكْرُ وَالتَّفَكُّرُ (عَمَلٌ بِمُقْتَضَى الرِّيَاءِ) فَعَدَمُ انْفِكَاكِ الرِّيَاءِ عَنْ الْعَمَلِ فِي بَاقِي الصُّوَرِ ظَاهِرٌ (وَأَمَّا كَفُّ الْحَسُودِ وَالْجَوَارِحِ) عَنْ مُقْتَضَاهُ (فَلَيْسَ بِعَمَلٍ بِمُقْتَضَى حَسَدِهِ بَلْ عَمَلٌ بِضِدِّ مُقْتَضَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِ أَثَرِهِ لَا بِتَرْكِهِ قِيلَ فَلِذَا لَمْ يَأْثَمْ مَنْ وَجَدَ أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ أَوْ عَدَمُ حُصُولِهَا لِلْمَحْسُودِ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ. (وَأَمَّا الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ فَمِنْ قَبِيلِ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةُ) فِي أَنَّ قُبْحَهُمَا لِذَاتِهِمَا (وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) نُقِلَ عَنْهُ فِي الْحَاشِيَةِ لَمَّا كَانَ هَذَا الْإِلْحَاقُ بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
أَقُولُ قَالَ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْكِتَابِ إنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تُقَالُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ شُبْهَةٌ وَارْتِيَابٌ لَعَلَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الِاشْتِبَاهِ بَيْنَ الْحَسَدِ وَبَيْنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ بَلْ الْأَوْلَوِيَّةُ وَالْمُقَايَسَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ تَحَكُّمٌ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ رِعَايَةِ الْمُحَاسَبِيِّ أَنَّ الْحَسَدَ الْمُحَرَّمَ يَكُونُ مِنْ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ (وَإِنْ لَمْ تُرِدْ) أَنْتَ (زَوَالَ النِّعْمَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْمَبْحَثِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ الْحَسَدُ إرَادَةُ زَوَالِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَكِنْ أَرَدْت لِنَفْسِك مِثْلَهَا فَهُوَ غِبْطَةٌ وَمُنَافَسَةٌ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ) عَنْ الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ الْغِبْطَةُ حُسْنُ الْحَالِ غَبَطْتَهُ غَبْطًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا تَمَنَّيْت مِثْلَ مَا نَالَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرِيدَ زَوَالَهُ عَنْهُ لِمَا أَعْجَبَك مِنْهُ وَعَظُمَ عِنْدَك وَفِي الْحَدِيثِ أَقْوَمُ مَقَامٍ يَغْبِطُنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ. وَعَنْ الرِّعَايَةِ الْحَسَدُ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ الْمُنَافَسَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَقَالَ - ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]- ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]- وَلَا تَكُونُ الْمُسَابَقَةُ إلَّا أَنْ يُسَابِقَ غَيْرَهُ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ ﵊ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ» (بَلْ) هُوَ (مَنْدُوبٌ فِي الدِّينِيِّ) بَلْ قَدْ يَجِبُ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ إنْ كَانَ مَا رَأَى فِي غَيْرِهِ إتْيَانُ فَرْضٍ وَانْتِهَاءَ مُحَرَّمَ فَحَسَدُهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ وَلَمْ يَغْتَمَّ وَيَحْزَنْ عَلَى مَا تَخَلَّفَهُ وَلَمْ يَأْتِ مِثْلَهُ يَكُنْ عَاصِيًا. (وَحِرْصٌ مَذْمُومٌ فِي الدُّنْيَوِيِّ) فَالْغِبْطَةُ إمَّا فِي دُنْيَوِيٍّ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَإِمَّا فِي دِينِيٍّ مَمْدُوحٌ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ (وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي مَبْحَثِ الْحِرْصِ
. وَعَنْ الرِّعَايَةِ إنْ كَانَ مَا رَأَى فِي الْغَيْرِ مِنْ اللَّذَّاتِ وَالنَّعَمَاتِ مُبَاحًا لَهُ فَاغْتَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ مِثْلَهُ وَاجِبٌ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ فَيُوَسَّعَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ مُتَنَعِّمًا مِثْلَهُ فَمُبَاحٌ لَهُ لَكِنْ يَنْقُصُ الْفَضْلُ وَالزُّهْدُ وَإِنْ مُحَرَّمًا كَاكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَإِنْفَاقِ الْمَالِ بِالْمَعَاصِي فَاغْتَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ مِثْلَهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَلَيْسَ بِحَسَدٍ مُحَرَّمٍ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْغِشِّ
стр. 551
لِأَنَّهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِلْحَرَامِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النِّعْمَةِ) الَّتِي حَسَدْتهَا (صَلَاحٌ لِصَاحِبِهَا بَلْ) فِيهَا (فَسَادٌ) لَهُ (وَمَعْصِيَةٌ فَأَرَدْت زَوَالَهَا عَنْهُ أَوْ عَدَمَ وُصُولِهَا إلَيْهِ) إلَى صَاحِبِهَا (فَذَلِكَ) أَمْرٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ (نَاشِئٌ مِنْ غَيْرَةِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة أَيْ أَنَفَةٌ وَامْتِنَاعِ (الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ تَعَالَى) لِرِضَاهُ تَعَالَى (مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) . الْغَيْرَةُ أَرْبَعٌ: قِسْمٌ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ غَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمَانِ وَاجِبَانِ وَهُمَا غَيْرَةُ الْمُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ وَلِرَبِّهِ، وَقِسْمٌ مَذْمُومٌ وَهُوَ غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى بَعْلِهَا كَذَا قِيلَ (خ) الْبُخَارِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ» مِنْ الْغَيْرَةِ أَيْ عَلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ اللَّه تَعَالَى يَغَارُ لِلْمُسْلِمِ» وَفَسَّرَ أَيْ يَغَارُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ شَيْطَانَهُ وَهَوَاهُ وَجَمْعَ دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّهُ حَبِيبُهُ وَغَيْرَتُهُ زَجْرٌ عَنْ ذَلِكَ «وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ لَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ انْتَهَى وَقَالَ الصَّدْرُ الْمُنَاوِيُّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا قَوْلَهُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ زَادَ مُسْلِمٌ عَلَى الْبُخَارِيِّ «وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ عَنْ بَعْضِهِمْ، أَشَدُّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَةً رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَلِذَلِكَ كَانَ شَدِيدًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَانْتِقَامِهِ لِلَّهِ وَلَمْ تَأْخُذْهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَصَحْبُهُ تَابِعُوهُ فِي الْغَيْرَةِ (وَإِنَّ غَيْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى) هِيَ (أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ) ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَشَرَعَ عَلَيْهَا أَعْظَمَ الْعُقُوبَاتِ وَالْقِتْلَاتِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي الْحَدِيثِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ اقْتِحَامِ حِمَى الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْهَلَاكِ وَالطَّرْدِ عَنْ دَارِ السَّلَامِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ «يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُك لِنَفْسِي وَخَلَقْت كُلَّ شَيْءٍ لَك فَبِحَقِّي عَلَيْكَ أَنْ لَا تَشْتَغِلَ بِمَا خَلَقْته لَك عَمَّا خَلَقْتُك لَهُ» وَفِي أَثَرٍ آخَرَ «خَلَقْتُك لِنَفْسِي فَلَا تَلْعَبْ وَتَكَفَّلْت بِرِزْقِك فَلَا تَتْعَبْ» .
(تَنْبِيهٌ)
مِنْ غَيْرَةِ الْحَقِّ تَعَالَى عَلَى الْأَكَابِرِ أَنَّهُمْ إذَا سَاكَنُوا شَيْئًا سِوَاهُ أَوْ لَاحَظُوا غَيْرَهُ شَوَّشَ عَلَيْهِمْ وَامْتَحَنَهُمْ حَتَّى تَصْفُوَ أَسْرَارُهُمْ لَهُ كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ ﵊ حِين - قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ - أَيْ مَلِكِ مِصْرَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ وَإِبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا أَعْجَبَهُ إسْمَاعِيلُ ﵊ أُمِرَ بِذَبْحِهِ وَنَظَرَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ إلَى شَابٍّ نَظْرَةً فَإِذَا كَفٌّ مِنْ الْهَوَاءِ قَدْ لَطَمَهُ وَسَقَطَتْ عَيْنُهُ وَسَمِعَ صَوْتًا: لَطْمَةٌ بِنَظْرَةٍ وَإِنْ زِدْت زِدْنَاك وَذَلِكَ لِعُلُوِّ قَدْرِهِمْ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ. (وَالْغَيْرَةُ فِي الْأَصْلِ) وَاللُّغَةِ (كَرَاهِيَةُ مُشَارَكَةِ الْغَيْرِ فِي حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ) وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى فَلِذَا قَالَ (وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَنْعُهُ عَبْدَهُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفَوَاحِشِ؛ لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِقْدَامِ (مُشَارَكَةَ) الْعَبْدِ (لِلَّهِ تَعَالَى) فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى (بِأَنْ يَفْعَلَ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشَارَكَةِ (مَا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّدٍ وَتَقَيُّدٍ بِأَمْرٍ وَنَهْيٍ) كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلتَّعَبُّدِ، إذْ التَّعَبُّدُ إنَّمَا يَكُونُ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَانْزِجَارِ النَّهْيِ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِعْلَ مَا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّدٍ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى فَلَوْ أَقْدَمَ الْعَبْدُ عَلَى الْفَوَاحِشِ لَكَانَ فَاعِلًا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّدٍ فَيَلْزَمُ الْمُشَارَكَةُ لَهُ تَعَالَى مِنْ الْعَبْدِ فِيمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا كَانَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْفَوَاحِشِ فَاعِلًا بِلَا تَعَبُّدٍ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ إمَّا بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ أَوْ بِالِاجْتِنَابِ عَنْ النَّهْيِ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ مُقَيَّدٌ بِالْأَمْرِ فَافْتَرَقَا.
(وَغَيْرَةُ الْمُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ) عِنْدَ فِعْلِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ (هَيَجَانٌ) تَحَرُّكٌ وَاضْطِرَابٌ
стр. 552
(وَانْزِعَاجٌ مِنْ قَلْبِهِ يَحْمِلُهُ) أَيْ الْعَبْدَ (عَلَى مَنْعِ الْحَرِيمِ) أَوْ ذَاتِ الْحَرِيمِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ وَهُوَ السَّاكِنُ فِي حَرِيمِهِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ (مِنْ الْفَوَاحِشِ) كَالزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ (وَمُقَدَّمَاتِهَا) ، نَحْوُ التَّكَلُّمِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (لِأَنَّ فِيهِ كَرَاهِيَةَ الِاشْتِرَاكِ) مِنْ الْغَيْرِ فِيمَا ذُكِرَ الَّذِي هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ. وَحَاصِلُهُ أَيْضًا مَنْعُ مُشَارَكَةِ الْغَيْرِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ (وَهَذِهِ) الْغَيْرَةُ. (وَاجِبَةٌ) (م) مُسْلِمٌ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الْأَنْصَارِيُّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْت مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ» أَيْ أَلَمْ أَمَسَّهُ بِالْقَتْلِ «حَتَّى آتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ» مِنْ الرِّجَالِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ» فَإِنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ كَذَلِكَ «قَالَ» سَعْدٌ «كَلًّا» قَالَ فِي الْحَاشِيَةُ لَيْسَ هَذَا مِنْ سَعْدٍ رَدًّا أَوْ رَدْعًا لِرَسُولِ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كُفْرٌ بَلْ إخْبَارٌ عَمَّا فِي قَلْبِهِ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ ﵊ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّ نَفْسِي لَا تَتَحَمَّلُ ذَلِكَ بَلْ تُبَاشِرُ الْقَتْلَ قَبْلَهُ انْتَهَى. فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرْت لَكِنَّ نَفْسِي لَيْسَتْ بِقَانِعَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الرَّدْعِ كَحَرْفِ جَوَابٍ بِمَعْنَى نَعَمْ وَبِمَعْنَى حَقًّا أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي قَلْبِي وَبِمَعْنَى اسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ كُلُّ ذَلِكَ مَعَانٍ لَهُ ذَكَرُوهُ فِي مَحَلِّهِ «وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ» نَبِيًّا «إنْ كُنْت» أَيْ إنِّي كُنْت فَإِنْ مُخَفَّفَةٌ «لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ» أَيْ قَبْلَ قِيَامِ تِلْكَ الشُّهُودِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَأْنِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُعَالَجَةُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالشُّهَدَاءِ وَإِنْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسِي لَا تَتَحَمَّلُ ذَلِكَ لِفَرْطِ غَيْرَتِهَا وَكَمَالِ حَمِيَّتِهَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُك هَذَا أَوْ لَمْ أَعْلَمْ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي مِنْ الصَّحَابِيِّ أَنْ يُخَالِفَ حُكْمَ الشَّرْعِ سِيَّمَا فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْمَعُوا إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» ؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ «إنَّهُ لَغَيُورٌ» ؛ لِأَنَّهُ لِغَايَةِ حِرْصِهِ عَلَى مَنْعِ مُشَارَكَةِ الْغَيْرِ يَتَجَاسَرُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ. «وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَغْيَرُ مِنِّي» يَشْكُلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقْتَضَى الْغَيْرَةِ الْقَتْلُ بِلَا شُهُودٍ فَكَيْفَ كَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيَّ التَّوَقُّفُ عَلَى الشُّهُودِ وَكَيْفَ تَكُونُ غَيْرَةُ اللَّهِ وَغَيْرَةُ رَسُولِهِ سَابِقَةً عَلَى غَيْرَةِ سَعْدٍ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ غَيْرَةٌ لَمَا مَنَعَ عَنْهُ وَتَوَقَّفَ عَلَى الشُّهُودِ بَلْ ظَاهِرُهُ تَنَافٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّسْخِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَعِيدٌ.
أَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَغَيُورٌ أَيْ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِي الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنِّي أَغْيَرُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِي تَعْجِيلٌ بَلْ أُمْهِلُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ قِيَامِ الشُّهُودِ وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُعَجِّلُ الْعُقُوبَةَ فِي فَوْرِ الْفَوَاحِشِ وَفِي وَصْفِهِ لَهُ ﵊ بِالسِّيَادَةِ إشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إلَى وَجْهِ الْإِمْهَالِ مِنْ أَنَّ شَأْنَ السَّادَاتِ الِاقْتِدَارُ عَلَى الِانْتِقَامِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءُوا فَلَا فُرْصَةَ تَفُوتُ. وَبِالْجُمْلَةِ الْمَقْصُودُ هُوَ مَنْعُ سَعْدٍ عَنْ تَعْجِيلِهِ الْعُقُوبَةَ فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ اسْمَعُوا وَقَوْلِهِ نَعَمْ هَذَا لَكِنَّ ظَاهِرَهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ كَالْبَزَّازِيَّةِ رَأَى فِي مَنْزِلِهِ رَجُلًا مَعَ أَهْلِهِ يَزْنِي وَخَافَ إنْ أَخَذَهُ يَقْهَرُهُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً لَهُ قَتَلَهُمَا وَفِي الزَّيْلَعِيِّ
стр. 553
وَالْبَحْرِ يَحِلُّ قَتْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ بِنَحْوِ الصِّيَاحِ وَفِي فَتْحِ الْغَفَّارِ يُقْتَلُ إنْ انْزَجَرَ بِنَحْوِ صِيَاحٍ وَضَرْبٍ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى الْأَصْلُ فِي كُلِّ شَخْصٍ إذَا رَأَى مُسْلِمًا يَزْنِي أَنْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ خَوْفَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ زَنَى. وَنُقِلَ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى إنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ مَحْرَمُهُ مُكْرَهَةً فِي الزِّنَا فَلَهُ قَتْلُهُ فَقَطْ وَإِلَّا قَتَلَهُمَا جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلَانِ فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ فَالْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَقِيلَ إنْ صَدَرَ الْقَتْلُ مِمَّنْ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ مِنْهُ هُمَا مُتَّهَمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ. وَفِي مُتَفَرِّقَاتِ فَتَاوَى مُؤَيَّدَةِ زَادَهْ عَنْ الْحَاوِي وَجَدَ أَجْنَبِيًّا مَعَ قَرَابَتِهِ فِي بَيْتٍ خَالٍ أَوْ مَفَازَةٍ خَالِيَةٍ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَزْنِي بِهَا فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا إذَا بَاشَرَ الْفِعْلَ وَإِلَّا قَتَلَ الْعَامِدَ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ وَقَالَ بَعْضٌ لَا يُرَخَّصُ الْقَتْلُ حَتَّى يَرَى عَلَامَةَ الْعَمْدِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَاللَّعِبِ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْمُكَابَرَةُ بِالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الْمَكْسِ وَجَمِيعُ الظَّلَمَةِ بِأَدْنَى شَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْأَعْوَانُ وَالسُّعَاةُ فَيُبَاحُ قَتْلُ الْكُلِّ وَيُثَابُ قَاتِلُهُمْ وَفِيهِ أَيْضًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ التَّعْزِيرَ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكُلٌّ مَأْمُورٌ بِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَنْقُولَاتُ الْفِقْهِيَّةُ مُوَافِقَةٌ لِرَأْيِ سَعْدٍ فِي تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لَا ظَاهِرِ الْحَدِيثِ (وَفِي رِوَايَةِ. خ) الْبُخَارِيُّ «قَالَ ﵊ أَتَعْجَبُونَ» مَكَانَ اسْمَعُوا مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ أَيْ لَا تَعْجَبُوا «مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاَللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَغْيَرُ مِنِّي» لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الظَّاهِرُ كَالزِّنَا وَالْبَاطِنُ كَالْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ مُطْلَقًا قَبْلَ قِيَامِ أَرْبَعَة شُهَدَاءَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَدِيَانَةً لَا قَضَاءً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ وَدَفْعًا لِتَعَارُضِ الْحَدِيثِ وَلَا يَقْتُلُهُ بَلْ يَحْرُمُ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةَ الْغَيْرِ لِلتَّنَاقُضِ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ قَوْلِهِ كَلًّا وَبَيْنَ اسْمَعُوا أَوْ لِكَوْنِهِ خَبَرًا وَاحِدًا لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وَيُمْكِنُ دَفْعُ التَّنَاقُضِ مِنْ قِبَلِ أَحْمَدَ بِالْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ. أَقُولُ إذَا عَرَفْت آنِفًا الْمَنْقُولَ عَنْ كُتُبِنَا فَإِطْلَاقُ الْحُرْمَةِ مُشْكِلٌ. وَقَدْ نُقِلَ أَيْضًا عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُمَا إنْ طَوْعًا وَالْفَاعِلَ فَقَطْ إنْ كَرْهًا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي فَوَرَانِ غَضَبِهِ وَعِنْدَ التَّقَادُمِ لَا وَلَا يُكَلَّفُ بِالْبَيِّنَةِ بَلْ الْيَمِينُ يَقُومُ مَقَامَهَا. وَعَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْأَرْبَعَةِ بَلْ يَكْفِي شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّهَا لِلْوُجُودِ مَعَ الْمَرْأَةِ لَا عَلَى الزِّنَا. وَقِيلَ لَا بُدَّ
стр. 554
مِنْ أَرْبَعَةٍ وَيَجُوزُ إقَامَةُ التَّعْزِيرِ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَبَعْدَهَا إنَّمَا هُوَ لِلْحَاكِمِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِيهِ أَيْضًا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إنْ انْزَجَرَ بِصِيَاحٍ وَبِلَا سِلَاحٍ وَإِلَّا حَلَّ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ الْمُحَشِّي تَبِعَ فِي إطْلَاقِ الْحُرْمَةِ عِنْدَنَا الْبَزَّازِيَّةَ فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْخَبْطُ وَالْغَلَطُ كَمَا زَعَمَهُ الْبَعْضُ. أَقُولُ الْكَلَامُ فِي إطْلَاقِ الْإِطْلَاقِ مَعَ أَئِمَّتِنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ وَإِنْ كَثُرَتْ الْأَقْوَالُ فِي الْكُتُبِ لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ لُزُومُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَاتِلِ وَعَدَمُ التَّصْدِيقِ بِيَمِينِهِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ الْمُوَافِقُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (وَقَدْ تُطْلَقُ الْغَيْرَةُ) الظَّاهِرُ إطْلَاقٌ مَجَازِيٍّ (عَلَى كَرَاهِيَةِ الْمَرْأَةِ اشْتَرَاكَ الْغَيْرِ) مَعَهَا (فِي بَعْلِهَا) زَوْجِهَا (وَهَذِهِ) أَيْ غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ (مَذْمُومَةٌ) لِخِلَافِ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ (م) مُسْلِمٌ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا» الْتِفَاتٌ عِنْدَ السَّكَّاكِيِّ «فَغِرْت» أَخَذَتْنِي الْغَيْرَةُ لِخُرُوجِهِ إلَى بَعْضِ نِسْوَانِهِ «عَلَيْهِ» أَيْ عَلَى خُرُوجِهِ «فَجَاءَ) ﵊ (فَرَأَى مَا أَصْنَعُ» مِنْ الْغَيْرَةِ «، فَقَالَ مَا لَك يَا عَائِشَةُ أَغِرْت» مِنْ الْغَيْرَةِ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ «، فَقَالَتْ» عَلَى الِالْتِفَاتِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَقُلْت «وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي» فِي مَعْرِفَةِ شَرَفِ قَدْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي كَوْنِي مِنْ خِيَارِ زَوْجَاتِك «عَلَى مِثْلِك» فِي كَوْنِك أَفْضَلَ الْمَوْجُودَاتِ وَمَظْهَرَ رَحْمَةِ الْمُكَوَّنَاتِ «، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ جَاءَك شَيْطَانُك» كِنَايَةٌ عَنْ تَحْرِيكِهِ وَوَسْوَسَتِهِ فَظَهَرَتْ الْمَذْمُومِيَّةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْغَيْرَةِ الْمَذْمُومَةِ مَا هِيَ اخْتِيَارِيَّةٌ كَاسْتِمْرَارِهَا وَإِلَّا فَالْمَجْبُولَةُ الَّتِي طُبِعَتْ لَهَا النِّسْوَانِ لَا تَكُونُ مَذْمُومَةً لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ التَّكْلِيفِ «قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ مَعِي شَيْطَانِي» قِيلَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ دَاخِلَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أَيْ أَنَا مُطِيعَةٌ وَمَعِي شَيْطَانٌ. «قَالَ نَعَمْ قُلْت وَمَعَك يَا رَسُولَ اللَّهِ» فِيهِ الْتِفَاتٌ «قَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ أَعَانَنِي اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» قَالَ الْمُحَشِّي رُوِيَ بِرَفْعِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ حَتَّى أَكُونَ سَالِمًا مِنْ وَسَاوِسِهِ بِسَبَبِ عِنَايَتِهِ تَعَالَى وَعَلَى الثَّانِي حَتَّى صَارَ مُسْلِمًا مُنْقَادًا لَا يَأْمُرُنِي إلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ انْتَهَى. أَقُولُ تُرَجَّحُ صِيغَةُ الْمَاضِي بِمَا نُقِلَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الرُّوَاةِ إلَّا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ فَأَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِسْلَامُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَأَيَّدَ الْأَوَّلَ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِحَقٍّ. وَفِي رِوَايَةٍ «؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَيْسَ يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْرٍ» . وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّ هَذَا وَإِنْ ظَاهِرًا فِي الْإِسْلَامِ لَكِنْ يُحْتَمَلُ الْقَوْلُ الْآخَرُ وَرُدَّ بِوُرُودِ إسْلَامِ الْقَرِينِ النَّبَوِيِّ صَرِيحًا بِلَا احْتِمَالِ تَأْوِيلٍ كَمَا فِي دَلَائِلِ أَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ «- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فُضِّلْت عَلَى آدَمَ بِخَصْلَتَيْنِ كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا أَعَانَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ وَكُنَّ أَزْوَاجِي عَوْنًا لِي وَكَانَ شَيْطَانُ آدَمَ كَافِرًا وَزَوْجَتُهُ عَوْنًا عَلَى خَطِيئَتِهِ» . وَقِيلَ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجِيحِ الرِّوَايَةِ فَالْخَطَّابِيُّ رَجَّحَ الرَّفْعَ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ الْفَتْحَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْرٍ» وَاخْتَلَفُوا عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ قِيلَ أَسْلَمَ بِمَعْنَى اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ اسْتَسْلَمَ وَقِيلَ صَارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا ثُمَّ قِيلَ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْ. (وَغَيْرَةُ الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ تَعَالَى كَرَاهِيَةُ الْمَعْصِيَةِ) مِنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ (وَمَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ وَاجِبَةٌ) فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا
(وَضِدُّ الْحَسَدِ)
стр. 555
الْمَذْكُورِ (النُّصْحُ وَالنَّصِيحَةُ) يُقَالُ نَصَحْت لِزَيْدٍ أَنْصَحُ لَهُ نُصْحًا وَنَصِيحَةً، وَهَذِهِ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]- وَفِي لُغَةٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ نَصَحْته وَهُوَ الْإِخْلَاصُ وَالصِّدْقُ فِي الْمَشُورَةِ وَالْعَمَلِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ (وَهِيَ إرَادَةُ بَقَاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّا لَهُ فِيهَا صَلَاحٌ) مَنْفَعَةٌ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ (أَوْ) إرَادَةُ (حُدُوثِهَا لَهُ) أَيْ النِّعْمَةِ لِلْغَيْرِ (وَإِنْ شِئْت قُلْت) هِيَ (إرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ) فِيهِ جِنَاسٌ بَدِيعِيٌّ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَقَالَ ﵊ «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» وَقَالَ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ» وَقِيلَ؛ لِأَنَّ ضِدَّهَا الْحَسَدُ الْمُحَرَّمُ (م) مُسْلِمٌ (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) كَانَ نَصْرَانِيًّا فَوَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَأَسْلَمَ وَكَانَ صَاحِبَ لَيْلٍ وَقُرْآنٍ اشْتَرَى حُلَّةً بِأَلْفٍ يَخْرُجُ فِيهَا إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ بِإِذْنِ عُمَرَ كَذَا فِي الْفَيْضِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إنَّ الدِّينَ» الْحَقَّ الْكَامِلَ وَفِي الْحَاشِيَةِ قِوَامُ الدِّينِ وَعِمَادُ الشَّرِيعَةِ «النَّصِيحَةُ» وَكَرَّرَهُ فِي رِوَايَةٍ ثَلَاثًا فَقِيلَ التَّكْرِيرُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَتَأَمَّلْ.
«قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى» بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَوَصْفِهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ جَمِيعِ مَا لَا يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتِهِ وَبَذْلِ الطَّاقَةِ فِي طَاعَتِهِ وَتَجَنُّبِ مَعْصِيَتِهِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ بِمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ وَالِاعْتِرَافِ بِنِعَمِهِ وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِهِ وَالدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ فَمِنْ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا تُدْخِلَ فِي صِفَاتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَبْدِ فِي نَصِيحَةِ نَفْسِهِ لِلَّهِ وَاَللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ «وَلِكِتَابِهِ» الْإِضَافَةُ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ جَمِيعِ كُتُبِهِ كَمَا فِي الْمُؤْمِنِ بِهِ وَذَلِكَ بِبَذْلِ جُهْدِهِ فِي الذَّبِّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَبِالْوُقُوفِ عِنْدَ أَحْكَامِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ وَالتَّخَشُّعِ عِنْدَهُ وَالِاعْتِبَارِ بِمَوَاعِظِهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي عَجَائِبِهِ وَالْعَمَلِ بِمُحْكَمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمُتَشَابِهِهِ «وَلِرَسُولِهِ» بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَنُصْرَتِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَإِعْظَامِ حَقِّهِ وَبَثِّ دَعَوْتِهِ وَنَشْرِ سُنَّتِهِ وَالتَّلَطُّفِ فِي تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ وَتَجَنُّبِ مَنْ تَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ «وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» الْخُلَفَاءِ وَنُوَّابِهِمْ بِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَإِعَانَتِهِمْ فِيهِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِرِفْقٍ وَإِعْلَامِهِمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ بِصَلَاحِهِمْ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَجِهَادِ الْكُفَّارِ مَعَهُمْ وَأَدَاءِ الصَّدَقَاتِ إلَيْهِمْ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ إذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ سِيرَةٍ وَعَدَمِ تَغْرِيرِهِمْ بِإِفْرَاطِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءُ وَنَصِيحَتُهُمْ قَبُولُ مَا رَوَوْا إذَا انْفَرَدُوا وَتَقْلِيدُهُمْ وَمُتَابَعَتُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا «وَعَامَّتِهِمْ» بِإِرْشَادِهِمْ لِمَا يَنْفَعُ لَهُمْ فِي مَبْدَئِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا جَهِلُوهُ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِمْ وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ بِرِفْقٍ وَشَفَقَةٍ
стр. 556
وَالتَّرَحُّمِ عَلَى صَغِيرِهِمْ، وَالتَّوْقِيرِ عَلَى كَبِيرِهِمْ، وَتَذْكِيرِ الْآخِرَةِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُعِينُهُمْ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْقَوْلِ وَيَدْفَعُ الْمُؤْذِيَاتِ مَا قَدَرَ ثُمَّ بَدَأَ أَوَّلًا بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَثَنَّى بِكِتَابِهِ الصَّادِرِ بِبَيَانِ أَحْكَامِهِ الْمُعْجِزِ بِبَدِيعِ نِظَامِهِ وَثَلَّثَ بِمَا يَتْلُو كَلَامَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَهُوَ رَسُولُهُ الْهَادِي لِدِينِهِ الْمُوقِفُ عَلَى أَحْكَامِهِ الْمُفَصِّلُ لِمُجْمَلِ شَرِيعَتِهِ وَرَبَّعَ بِأُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ هُمْ خُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ الْقَائِمُونَ بِسُنَّتِهِمْ ثُمَّ خَمَّسَ بِالتَّعْمِيمِ.
قِيلَ النَّاصِحُ فِي دِينِ اللَّهِ يَحْتَاجُ إلَى عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَفِكْرٍ صَحِيحٍ وَرَوِيَّةٍ حَسَنَةٍ وَاعْتِدَالِ مِزَاجٍ وَتُؤْدَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ فَالْخَطَأُ أَسْرَعُ إلَيْهِ مِنْ الْإِصَابَةِ وَمَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَدَقُّ وَلَا أَخْفَى وَلَا أَعْظَمُ مِنْ النَّصِيحَةِ. ثُمَّ قَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ أُوجِزَ لَفْظًا أُطْنِبَ مَعْنًى؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْكَلَامِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَلِمَةٍ أَصْلًا وَفَرْعًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ بِمَضْمُونِهِ جَمَعَ الشَّرِيعَةَ بِأَسْرِهَا، أَكْثَرُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ عُصَارَةُ فَيْضِ الْقَدِيرِ وَأَكْمَلُ الْمَشَارِقِ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ» بِصَرْفِ هِمَّتَهُ وَبَذْلِ طَوْقِهِ فِي إرْشَادِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَحِمَايَتِهِمْ وَفَصْلِ خُصُومَتِهِمْ وَتَأْدِيبِ سُفَهَائِهِمْ وَجَمْعِ تَفْرِقَتِهِمْ وَرَفْعِ بُغْضِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ وَإِصْلَاحِ مَفْسَدَتِهِمْ «فَلَيْسَ مِنْهُمْ» أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا غَاشٌّ لَهُمْ أَوْ سَاعٍ فِي حُظُوظِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِ مُبَالٍ بِحُدُودِهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِ رَسُولِهِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْكَمَالِ «وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ» أَيْ يَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يَعْنِي يَدُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا «نَاصِحًا» بِالْقَلْبِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ « (لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِإِمَامِهِ» أَيْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضَهُ «وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ» أَيْ جَمِيعِهِمْ فِي إعَادَةِ الْجَارِّ فِي الْمَوَاضِعِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ فِي النُّصْحِ وَعَدَمِ كِفَايَةِ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ وَعَلَى لُزُوم الِاهْتِمَامِ فِي كُلٍّ وَعَكْسُ التَّرْتِيبِ هُنَا بَيْنَ الرَّسُولِ وَالْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي التَّبْلِيغِ وَإِنَّ ظُهُورَ الْكِتَابِ إلَى الْأُمَّةِ بِتَوَسُّطِ الرَّسُولِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ رُوعِيَ إلَى تَرْتِيبِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ أَوْ أَنَّهُ صِفَتُهُ تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَابِعَ مَوْصُوفَهُ تَعَالَى أَوْ أَنَّ ظُهُورَ الرِّسَالَةِ بِإِعْجَازِهِ فَكَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى ظُهُورِهِ «فَلَيْسَ مِنْهُمْ» مِنْ كَامِلِيهِمْ لَا يَخْفَى أَنَّ أَوَّلَ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمَلِ وَآخِرَهُ كَالْمُفَسَّرِ إيَّاهُ فَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الِاهْتِمَامَ بِأَمْرِهِمْ بِمُدَاوَمَةِ نُصْحِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ إلَى آخِرِهِ. وَأَمَّا مَعَانِي هَذِهِ النَّصَائِحِ مُفَصَّلَةٌ فَمَشْرُوحَةٌ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَدُلُّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ النُّصْحِ حَيْثُ نَفَى الْإِسْلَامَ مَرَّتَيْنِ فِيمَنْ تَرَكَ النُّصْحَ فَدَلَالَتُهُ بِالْمُطَابَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَلَالَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ لَعَلَّهُ نَظَرَ إلَى قُوَّةِ مَخْرَجِهِ إذْ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ ثَبَتَ الْوُجُوبُ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ فِي قُوَّةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَيَنْدَفِعُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْوُجُوبُ وَالدَّلِيلُ هُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ فَمِنْ قَبِيلٍ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي مِنْ الْأَرْبَعَةِ فِي غَوَائِلِ الْحَسَدِ]
(الْمَبْحَثُ الثَّانِي)
مِنْ الْأَرْبَعَةِ (فِي غَوَائِلِ الْحَسَدِ) مِنْ غَالَهُ غَوْلًا أَهْلَكَهُ وَاغْتَالَهُ قَتَلَهُ عَلَى غِرَّةٍ وَالِاسْمُ الْغِيلَةُ وَالْغَائِلَةُ الْفَسَادُ وَالشَّرُّ وَغَائِلَةُ الْعَبْدِ فُجُورُهُ وَإِبَاقُهُ وَالْجَمْعُ الْغَوَائِلُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الْغَوَائِلُ الدَّوَاهِي كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَمِنْهُ بِالْفَاءِ إذْ التَّفْرِيعُ خَفِيٌّ وَالتَّفْسِيرُ بَعِيدٌ كَالتَّفْصِيلِ (يُعْرَفُ الْعِلَاجُ الْإِجْمَالِيُّ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ إفْسَادُ الطَّاعَاتِ) قَدْ سَمِعْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ حَبْطَ الْأَعْمَالِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ فَانْظُرْ أَوْ ارْجِعْ إلَى مَا سَبَقَ (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 557
تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ» احْذَرُوا قَلَقَ النَّفْسِ مِنْ رُؤْيَةِ النِّعْمَةِ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ وَمُعَانَدَةٌ لَهُ وَإِزَالَةُ فَضْلِهِ عَمَّنْ أَهْلُهُ لَهُ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ «فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ» أَيْ يُذْهِبُهَا وَيُحْرِقُهَا وَيَمْحُو أَثَرَهَا كَمَا فِي الْفَيْضِ «كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَيْ الْيَابِسَ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إلَى اغْتِيَابِ الْمَحْسُودِ وَشَتْمِهِ وَقَدْ يُتْلِفُ مَالَهُ وَيَسْفِكُ دَمَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَظَالِمُ يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَيَذْهَبُ فِي عِوَضِ ذَلِكَ حَسَنَاتُهُ فَكَأَنَّهُ يُفْسِدُ عَمَلَهُ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي حَبْطِ الطَّاعَاتِ بِالْمَعَاصِي.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ الْغَزَالِيُّ الْحَاسِدُ جَمَعَ لِنَفْسِهِ بَيْنَ عَذَابَيْنِ؛ لِأَنَّ حَسَدَهُ عَلَى نِعْمَةِ الدُّنْيَا وَكَانَ مُعَذَّبًا بِالْحَسَدِ وَمَا قَنَعَ بِذَلِكَ حَتَّى أَضَافَ إلَيْهِ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ فَقَصَدَ مَحْسُودَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ وَأَهْدَى إلَيْهِ حَسَنَاتِهِ فَهُوَ صَدِيقُهُ وَعَدُوُّ نَفْسِهِ وَرُبَّمَا كَانَ حَسَدُهُ سَبَبَ انْتِشَارِ فَضْلِ مَحْسُودِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ «أَوْ قَالَ الْعُشْبَ» أَيْ الْكَلَأَ وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي (وَالْمُرَادُ بِالْأَكْلِ الْإِضْعَافُ) فَإِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَيُزِيلُ الْحَسَدُ التِّسْعَةَ فَيَبْقَى الْوَاحِدُ (إذْ لَا حَبْطَ) لِعَمَلِ الْخَيْرِ (بِالْمَعَاصِي) غَيْرِ الْكُفْرِ (عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ) كَمَا مَرَّ (أَوْ تَأْدِيَتِهِ إلَى الْكُفْرِ) بِاعْتِقَادِ الْحِلِّ أَوْ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ أَوْ أَفْعَالِ الِارْتِدَادِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ دَفْعُ مُنَافَاةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا مِنْ اقْتِصَاصِ الْآخِرَةِ أَقْرَبُ مِنْهُمَا وَأَمَّا مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَاهِرِهَا بِلَا صَارِفٍ قَطْعِيٍّ فَلَعَلَّ أَنَّ مَا ذَكَرُوا فِي إثْبَاتِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ قَطْعِيٌّ صَارِفٌ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ الزُّبَيْرِ) أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «دَبَّ» أَيْ سَرَى «إلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ» أَيْ عَادَةُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ «الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ» سُمِّيَا دَاءً؛ لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ «وَهِيَ الْحَالِقَةُ» مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ «أَمَا» بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ «إنِّي لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ» بِنَحْوِ الْمُوسَى «وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ تُزِيلُهُ أَيْ الْخَصْلَةِ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَحْلِقَ أَيْ تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَحُضُورِ الصَّلَوَاتِ وَالْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ فِي اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَلِئَ صَدْرُهُ حَسَدًا وَبُغْضًا لَا تَكْمُلُ مَحَبَّتُهُ وَلَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الطَّاعَاتِ فِي قَلْبِهِ وَلَا يَرْضَى بِقَضَائِهِ تَعَالَى. قِيلَ هُنَا عَنْ الْإِحْيَاءِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةُ جَوَاهِرَ فِي جِسْمِ بَنِي آدَمَ يُزِيلُهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ أَمَّا الْجَوَاهِرُ فَالْعَقْلُ وَالدِّينُ وَالْحَيَاءُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ الْغَضَبُ يُزِيلُ الْعَقْلَ وَالْحَسَدُ يُزِيلُ الدِّينَ وَالْغِيبَةُ تُزِيلُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالطَّمَعُ يُزِيلُ الْحَيَاءَ «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ) قَالُوا بَلَى
стр. 558
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» قِيلَ هُنَا عَنْ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ وَالرَّوْضَةِ. رُوِيَ أَنَّ إبْلِيسَ جَاءَ إلَى بَابِ فِرْعَوْنَ فَقَرَعَ الْبَابَ فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ مَنْ هَذَا قَالَ إبْلِيسُ أَنَا أَمَا لَوْ كُنْت إلَهًا لَعَرَفْت مَنْ بِالْبَابِ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ اُدْخُلْ يَا مَلْعُونُ. ثُمَّ قَالَ أَتَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرًّا مِنِّي وَمِنْك قَالَ إبْلِيسُ نَعَمْ الْحَاسِدُ إنَّ لِي صَدِيقًا أَجَابَنِي إلَى كُلِّ مَا دَعَوْته مِنْ الشَّرِّ فَقُلْت لَهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيَّ حَقُّك فَسَلْ مِنِّي الْحَاجَةَ، فَقَالَ لِجَارِي بَقَرَةٌ فَأَمِتْهَا فَقُلْت لَا قُوَّةَ لِي عَلَى ذَلِكَ أَتُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَك عَشْرَ بَقَرَاتٍ مَكَانَهَا، فَقَالَ لَا أُرِيدُ إلَّا هَلَاكَهَا فَعَلِمْت أَنَّ الْحَاسِدَ شَرٌّ مِنِّي وَمِنْك.
(وَالثَّانِي) مِنْ الْغَوَائِلِ الثَّمَانِيَةِ لِلْحَسَدِ (الْإِفْضَاءُ) التَّأْدِيَةُ (إلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي إذْ لَا يَخْلُو الْحَاسِدُ عَنْ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ وَالسَّبِّ وَالشَّمَاتَةِ عَادَةً) (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ ضَمْرَةَ بِفَتْحِ الضَّادِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوا» فَإِذَا تَحَاسَدُوا يَرْتَكِبُونَ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي فَظَهَرَ إفْضَاءُ الْحَسَدِ إلَى الْمَعَاصِي لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً لِلْمَطْلُوبِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ابْتِدَاءً وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّهُ رُبَّمَا تُوجَدُ الْمَعَاصِي فِي غَيْرِ التَّحَاسُدِ فَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَكْثَرِ.
(وَالثَّالِثُ حِرْمَانُ الشَّفَاعَةِ) أَيْ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي تَأْيِيدِهِ لَا كَوْنُهُ مِنْ الشَّافِعِينَ كَمَا تُوُهِّمَ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ مِنِّي» أَيْ مِنْ الْمُهْتَدِينَ بِهِدَايَتِي والمتشرعين بِشَرِيعَتِي وَالْجَارِينَ عَلَى مِنْهَاجِ سُنَّتِي «ذُو حَسَدٍ وَلَا نَمِيمَةٍ» أَيْ السَّعْيِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَدِيثِ لِإِيقَاعِ فِتْنَةٍ أَوْ وَحْشَةٍ «وَلَا كَهَانَةٍ» أَيْ الْقَضَاءِ بِالْغَيْبِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ «وَلَا أَنَا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] الْآيَةُ» لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ لِلْحَاسِدِ إنَّمَا هِيَ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ لَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ فَافْهَمْ. فَإِنْ قِيلَ إنَّ شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ
стр. 559
الْكَبَائِرِ وَالْحَسَدُ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً. قُلْنَا الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْقَاقِ (وَالرَّابِعُ دُخُولُ النَّارِ) (دَيْلَمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سِتَّةٌ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَبْلَ الْحِسَابِ» لِفَرْطِ شَقَاوَتِهِمْ وَقُوَّةِ عُتُوِّهِمْ «بِسِتَّةِ» خِصَالٍ مِنْ الْمَعَاصِي قَرِيبٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ انْقِسَامِ أَجْزَاءِ الْعِوَضِ بِأَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ فَمِنْ قَبِيلِ انْقِسَامِ الْآحَادِ إلَى الْآحَادِ فَلَوْ وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ كَفَى فِي ذَلِكَ الدُّخُولُ فَقِسْ عَلَيْهِ اجْتِمَاعَ تِلْكَ الْخِصَالِ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ الْأُمَرَاءُ بِالْجَوْرِ» أَيْ بِالظُّلْمِ لِخِيَانَتِهِمْ لِأَمَانَتِهِ تَعَالَى وَكُفْرَانِهِمْ أَعْظَمَ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُمْ لِكَوْنِهِمْ فِي مَقَامِ خِلَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَظُمَتْ جِنَايَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ « (وَالْعَرَبُ بِالْعَصَبِيَّةِ» بِالتَّعَصُّبِ وَالتَّنَاصُرِ وَالتَّعَاوُنِ وَالْغَيْرَةِ فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ إلَى أَنْ يَخْرِقُوا أَسْتَارَ الشَّرْعِ «وَالدَّهَاقِينَ» رَئِيسُ الْقَرْيَةِ مَثَلًا «بِالْكِبْرِ وَالتُّجَّارُ بِالْخِيَانَةِ» بِنَحْوِ الْكَذِبِ وَالرِّيَاءِ وَالْحِيلَةِ فِي أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ وَنَحْوِ سَتْرِ الْعَيْبِ «وَأَهْلُ الرُّسْتَاقِ» السَّوَادُ وَالْقُرَى «بِالْجَهْلِ» عَلَى مَا لَزِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ «وَالْعُلَمَاءُ بِالْحَسَدِ» خَصَّهُ بِالْعُلَمَاءِ، إمَّا لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ، أَوْ لِأَنَّ الْحَسَدَ فِيهِمْ أَكْثَرُ سِيَّمَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْعُلَمَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْسَدُ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْحَسَدِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا قِيلَ. عَدُوُّ الْمَرْءِ مَنْ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ.
وَعَنْ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ قَسَّمَ الْحَسَدَ عَشَرَةً فَجَعَلَ فِي الْعُلَمَاءِ تِسْعَةً وَفِي الدُّنْيَا وَاحِدًا وَقَسَّمَ الْمَصَائِبَ عَشَرَةً فَجَعَلَ فِي الصَّالِحِينَ تِسْعَةً وَفِي الدُّنْيَا وَاحِدًا وَالذُّلَّ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي الْيَهُودِ وَوَاحِدًا فِي الدُّنْيَا وَالتَّوَاضُعَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي النَّصَارَى وَوَاحِدًا فِي الدُّنْيَا وَالشَّهْوَةَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي النِّسَاءِ وَوَاحِدًا فِي الدُّنْيَا وَالْعِلْمَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي الْعِرَاقِ وَوَاحِدًا فِي الدُّنْيَا وَالْإِيمَانَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي الْيَمَنِ وَوَاحِدًا فِي الدُّنْيَا وَالْعَقْلَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي الرِّجَالِ وَوَاحِدًا فِي النِّسَاءِ وَالْبَرْكَةَ عَشَرَةً تِسْعَةً فِي الشَّامِ وَوَاحِدًا فِي الْأَرْضِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَتْ الْيَهُودُ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَاتَلُوا قَالُوا نَسْأَلُك بِالنَّبِيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُرْسِلَهُ إلَّا مَا نَصَرْتَنَا فَكَانُوا يُنْصَرُونَ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ وَعَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ حَسَدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] الْآيَةَ.
ثُمَّ نَقُولُ الْمَطْلُوبُ مُطْلَقُ دُخُولِ النَّارِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْحَدِيثِ دُخُولُ الْحَاسِدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَقَطْ وَدَعْوَى دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَالْمُقَايَسَةِ مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْعُلَمَاءِ لِقُوَّةِ إصْرَارِهِمْ أَوْ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَلِلْعَالَمِ مَرَّتَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
(وَالْخَامِسُ الْإِفْضَاءُ إلَى إضْرَارِ الْغَيْرِ) أَيْ الْمَحْسُودِ (فَلِذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى) نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 560
(بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ) بِقَوْلِهِ - ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]- أَيْ أَظْهَرَ حَسَدَهُ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ (كَمَا أُمِرْنَا بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ) بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]- (وَقَالَ ﷺ «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ» دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً جَلْبَ نَفْعٍ أَوْ دَفْعَ ضُرٍّ «بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ» دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ «مَحْسُودٌ» يَعْنِي إنْ أَظْهَرْتُمْ حَوَائِجَكُمْ حَسَدُوكُمْ فَعَارَضُوا فِي مَرَامِكُمْ، وَمَوْضِعُ التَّحَدُّثِ مَا بَعْدَ وُقُوعِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَمَنْ أَفْشَاهُ كَانَ الْخِيَارُ عَلَيْهِ وَكَمْ مَنْ أَظْهَرَ سِرًّا أَرَاقَ دَمَ صَاحِبِهِ وَمَنَعَ مِنْ بُلُوغِ مَآرِبِهِ وَلَوْ كَتَمَهُ كَانَ مِنْ سَطْوَتِهِ آمِنًا وَمِنْ عَوَاقِبِهِ سَالِمًا وَبِنَجَاحِ حَوَائِجِهِ عَالِمًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ سِرُّك مِنْ دَمِك فَإِذَا تَكَلَّمَتْ أَرَقْته. وَقَالَ أَنُو شُرْوَانَ مَنْ حَصَّنَ سِرَّهُ فَلَهُ بِتَحْصِينِهِ خَصْلَتَانِ الظُّفْرُ بِحَاجَتِهِ وَالسَّلَامَةُ مِنْ السَّطَوَاتِ وَفِي مَنْشُورِ الْحِكَمِ انْفَرِدْ بِسِرِّك وَلَا تُودِعْهُ خَازِنًا فَيَزُولَ وَلَا جَاهِلًا فَيَحُولَ لَكِنْ مِنْ الْأَسْرَارِ مَا لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ مُطَالَعَةِ صَدِيقٍ وَمَشُورَةِ نَاصِحٍ فَيَتَحَرَّى لَهُ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْدِعُهُ إيَّاهُ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ أَمِينًا عَلَى الْأَمْوَالِ أَمِينًا عَلَى الْأَسْرَارِ وَالْعِفَّةِ عَنْ الْأَمْوَالِ أَيْسَرُ مِنْ الْعِفَّةِ عَنْ إذَاعَةِ الْأَسْرَارِ.
قَالَ الرَّاغِبُ إذَاعَةُ السِّرِّ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَيُوصَفُ بِهِ ضَعَفَةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالسَّبَبُ فِي صُعُوبَةِ كِتْمَانِ السِّرِّ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ قُوَّتَيْنِ آخِذَةً وَمُعْطِيَةً وَكِلْتَاهُمَا تَتَشَوَّقُ إلَى الْفِعْلِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ الْمُعْطِيَةَ بِإِظْهَارِ مَا عِنْدَهَا لَمَا أَتَاكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْهُ فَصَارَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ تَتَشَوَّقُ إلَى فِعْلِهَا الْخَاصِّ بِهَا فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا يُطْلِقَهَا إلَّا حَيْثُ يَجِبُ إطْلَاقُهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ. وَقِيلَ اُكْتُمْ ذَهَبَك وَذَهَابَك وَمَذْهَبَك. وَقِيلَ صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ (خَرَّجَهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (طط) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (دُنْيَا) ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَفِي سَنَدِهِ سَعِيدٌ وَهُوَ كَذَّابٌ.
(وَالسَّادِسُ التَّعَبُ وَالْهَمُّ) لِلْحَاسِدِ (مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ) إذْ لَا يُغَيِّرُ حَسَدَهُ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى (بَلْ مَعَ وِزْرٍ وَمَعْصِيَةٍ) إنْ ظَهَرَ أَثَرُهُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا.
(قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ ﵀) مِنْ التَّابِعِينَ (لَمْ أَرَ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِالْمَظْلُومِ) فِي كَثْرَةِ تَعَبِهِ وَهَمِّهِ وَحُزْنِهِ (مِنْ الْحَاسِدِ نَفْسٌ ذَائِمٌ) أَيْ ذَامٌّ وَمُحَقَّرٌ أَوْ مَعِيبٌ أَيْ لَهُ نَفْسٌ ذَائِمٌ اسْتِئْنَافُ عِلَّةِ الشَّبَهِ كَذَا قِيلَ (وَعَقْلٌ هَائِمٌ) أَيْ حَيْرَانُ وَمُتَحَيِّرٌ (وَغَمٌّ لَازِمٌ) لَا يُفَارِقُهُ يَعْنِي نَفْسَهُ نَفْسٌ ذَائِمٌ وَعَقْلُهُ عَقْلٌ هَائِمٌ وَغَمُّهُ غَمٌّ لَازِمٌ.
وَفِي الْإِحْيَاءِ الْحَاسِدُ لَا يَخْلُو أَبَدًا مِنْ الْغَمِّ وَالْهَمِّ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَالْحَسَدَ. فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِيك قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي عَدُوِّك قَالَ أَبُو اللَّيْثِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِّ أَضَرَّ مِنْ الْحَسَدِ يَصِلُ إلَى الْحَاسِدِ بِهِ خَمْسُ عُقُوبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ مَكْرُوهٌ: الْأُولَى غَمٌّ لَا يَنْقَطِعُ.
الثَّانِيَةُ مُصِيبَةٌ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا.
الثَّالِثَةُ مَذَمَّةٌ لَا يُحْمَدُ بِهَا.
الرَّابِعَةُ يَسْخَطُ عَلَيْهِ الرَّبُّ.
الْخَامِسَةُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ التَّوْفِيقِ.
وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ أَعْدَاءً قِيلَ وَمَنْ أُولَئِكَ قَالَ الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» وَعَنْ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَاسِدُ عَدُوٌّ لِنِعْمَتِي سَاخِطٌ لِقَضَائِي غَيْرُ رَاضٍ بِقِسْمَتِي بَيْنَ عِبَادِي.
قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَثَرُ الْحَسَدِ يَتَبَيَّنُ فِيك قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي عَدُوِّك. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْحَاسِدُ عَدُوُّ نِعْمَتِي
стр. 561
(وَالسَّابِعُ: عَمَى الْقَلْبِ حَتَّى يَكَادَ لَا يَفْهَمُ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى) فَتَنْطَمِسُ بَصِيرَتُهُ وَتَعْمَى سَرِيرَتُهُ.
(قَالَ سُفْيَانُ ﵀ لَا تَكُنْ حَاسِدًا تَكُنْ سَرِيعَ الْفَهْمِ) فِي كُلِّ حَقٍّ وَحُكْمٍ شَرْعِيٍّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ سُفْيَانَ عَلَيْك بِطُولِ الصَّمْتِ تَمْلِكُ الْوَرَعَ وَلَا تَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا تَكُنْ حَافِظًا وَلَا تَكُنْ طَعَّانًا تَنْجُ مِنْ أَلْسُنِ النَّاسِ وَلَا تَكُنْ حَاسِدًا تَكُنْ سَرِيعَ الْفَهْمِ. (وَالثَّامِنُ الْحِرْمَانُ) مِنْ نَيْلِ الْمُرَادِ (وَالْخِذْلَانُ) عَدَمُ الْوُصُولِ إلَى الْأَمَانِي ضِدُّ التَّوْفِيقِ وَفُسِّرَ بِتَيْسِيرِ أَسْبَابِ الشَّرِّ وَالسُّوءِ (فَلَا يَكَادُ يَظْفَرُ بِمُرَادِهِ وَلَا يُنْصَرُ عَلَى عَدُوِّهِ) كَمَا قَالَ حَاتِمٌ الطَّعِينُ غَيْرُ ذِي دِينٍ وَالَعَائِبُ غَيْرُ عَابِدٍ وَالنَّمَّامُ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالْحَسُودُ غَيْرُ مَنْصُورٍ قُلْت الْحَسُودُ كَيْفَ يَظْفَرُ بِمُرَادِهِ وَمُرَادُهُ زَوَالُ نِعَمِ اللَّهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْفَ يُنْصَرُ عَلَى أَعْدَائِهِ وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ الْمُؤْمِنُونَ كَذَا فِي الْمِنْهَاجِ (فَلِذَا قِيلَ) الْقَائِلُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَهَكَذَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ فَمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ حَدِيثٌ فَمَوْضُوعٌ كَمَا فِي مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِئِ «الْحَسُودُ لَا يَسُودُ» أَيْ الْكَثِيرُ الْحَسَدِ لَا يَصِلُ إلَى مَرْتَبَةِ السِّيَادَةِ عَلَى أَحَدٍ أَصْلًا بَلْ حَالُهُ فِي انْخِفَاضٍ دَائِمًا وَأَمْرُهُ فِي نُقْصَانٍ فَلَا يَصِلُ إلَى مُرَادٍ وَمِنْ غَوَائِلِ الْحَسَدِ تَنْقِيصُ الْعُمْرِ.
قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ رَأَيْت أَعْرَابِيًّا أَتَى عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً فَقُلْت مَا أَطْوَلَ عُمْرَك، فَقَالَ تَرَكْت الْحَسَدَ فَبَقِيت.
وَمِنْهَا الْإِفْضَاءُ إلَى ضَرْبِ أَعْمَالِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ قَالَ فِيهَا أَيْضًا وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ إنَّ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ مَلَكًا يَمُرُّ بِهِ عَمَلُ عَبْدٍ لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ فَيَقُولُ قِفْ فَأَنَا مَلَكُ الْحَسَدِ أَضْرِبُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ حَاسِدٌ. وَمِنْهَا عَدَاوَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «إنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْدَاءً فَقِيلَ وَمَنْ ذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ. وَمِنْهَا الْإِفْضَاءُ إلَى لَعْنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَغَضَبِهِمْ وَمِنْهَا شِدَّةُ الْمَوْتِ وَمِنْهَا الْفَضِيحَةُ وَالْعُقُوبَةُ فِي الْمَوْقِفِ» .
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْحَاسِدُ لَا يَنَالُ مِنْ الْمَجَالِسِ إلَّا مَذَمَّةً وَذُلًّا وَلَا يَنَالُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إلَّا لَعْنَةً وَغَضَبًا وَلَا يَنَالُ مِنْ الْخَلْقِ إلَّا جَزَعًا وَغَمًّا وَلَا يَنَالُ عِنْدَ النَّزْعِ إلَّا شِدَّةً وَهَوْلًا وَلَا يَنَالُ عِنْدَ الْمَوْقِفِ إلَّا فَضِيحَةً وَنَكَالًا وَمِنْهَا عَدَمُ قَبُولِ دَعْوَةِ صَاحِبِهِ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ يُقَالُ ثَلَاثَةٌ لَا تُسْتَجَابُ دَعَوْتهمْ آكِلُ الْحَرَامِ وَمِكْثَارُ الْغِيبَةِ وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ أَوْ حَسَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا مُبَارَزَةُ رَبِّهِ، عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهِ: الْأَوَّلُ قَدْ أَبْغَضَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِهِ.
الثَّانِي سَخَطَ بِقِسْمَةِ رَبِّهِ.
الثَّالِثُ بَخِلَ بِفَضْلِهِ تَعَالَى.
الرَّابِعُ يُرِيدُ خِذْلَانَ مَنْ اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْخَامِسُ أَعَانَ إبْلِيسَ بَلْ صَارَ شَرِيكَهُ فِي صِفَةٍ خَاصَّةٍ صَارَ بِهَا كَإِبْلِيسَ وَهِيَ حَسَدُهُ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ التَّسْلِيمَةِ وَغَيْرُهَا مِنْ الْغَوَائِلِ كَادَ أَنْ لَا يَتَنَاهَى كَمَا ذُكِرَ بَعْضُهَا هُنَا آنِفًا فِي ضِمْنِ الْكَلَامِ
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِي الْعِلَاجِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ لِلْحَسَدِ]
(الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ) (فِي الْعِلَاجِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ) . (الْأَوَّلُ) أَيْ الْعِلْمِيُّ (أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ) كَمَا ذُكِرَ فِي الْغَوَائِلِ الْأُولَى تَقْدِيمُ الدِّينِ، فَإِمَّا لِوُجُودِهَا أَوَّلًا، أَوْ لِأَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا يَكْثُرُ خَوْفُهُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ أَوْ أَنَّ مُعْظَمَ سَبَبِهِ هُوَ الدُّنْيَا (وَأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِيهِمَا) فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى (بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِمَا أَمَّا ضَرَرُهُ لَك) أَيُّهَا الْحَاسِدُ (فِي الدِّينِ فَلِأَنَّك بِالْحَسَدِ سَخِطْت قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى) بِمَا أَعْطَاهُ لِلْمَحْسُودِ (وَكَرِهْت نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا لِعِبَادِهِ) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ (وَ) كَرِهْت (عَدْلَهُ) بِمَنْعِك مَا أَعْطَاهُ لِمَحْسُودِك (وَاسْتَنْكَرْت ذَلِكَ) الْفِعْلَ مِنْهُ تَعَالَى (وَغَشَشْت) غَشَّهُ غَشًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَالِاسْمُ غِشٌّ بِالْكَسْرِ لَمْ يَنْصَحْهُ وَزَيَّنَ لَهُ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (رَجُلًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرَكْت نُصْحَهُ وَالْغِشُّ) الَّذِي صَدَرَ مِنْك بِحَسَدِك (حَرَامٌ) .
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ غَشَّ
стр. 562
فَلَيْسَ مِنَّا» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ خَانَ يَعْنِي لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا فِي مُنَاصَحَةِ الْإِخْوَانِ (وَالنَّصِيحَةُ وَاجِبَةٌ) وَفِي الْحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ عِمَادُهُ وَقِوَامُهُ النَّصِيحَةُ عَلَى وَزْنِ الْحَجُّ عَرَفَةَ فَبُولِغَ فِي النَّصِيحَةِ حَتَّى جَعَلَ الدِّينَ كُلَّهُ إيَّاهَا. وَقِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ رُبْعُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَلْ هُوَ وَحْدَهُ فَلِذَا كَانَتْ النَّصِيحَةُ أَعْظَمَ وَصَايَا السَّلَفِ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ وُجُوبُ النُّصْحِ وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ فَائِدَتِهِ وَمَنْ قَبِلَ النَّصِيحَةَ أَمِنَ الْفَضِيحَةَ وَمَنْ أَبَى فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ وَأَيْضًا مِنْ ضَرَرِهِ الدِّينِيِّ أَنَّهُ مُفَارَقَةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُشَارَكَةُ إبْلِيسَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي مَحَبَّتِهِمْ الْبَلَايَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَزَوَالِ النِّعَمِ وَأَنَّهُ يُبْطِلُ بِهِ حَسَنَاتِهِ ثُمَّ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ هُنَا بِالْإِحَالَةِ عَلَى الْغَوَائِلِ لَكَانَ أَخْصَرَ لَعَلَّهُ أَرَادَ زِيَادَةَ تَفْصِيلٍ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ. (وَأَمَّا) ضَرَرُك (فِي الدُّنْيَا فَغَمٌّ وَحُزْنٌ وَضِيقُ نَفْسٍ) كَمَا عَرَفْت فِي الْغَوَائِلِ.
(وَأَمَّا أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِيهِمَا) فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا (فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ لَا تَزُولُ عَنْهُ) أَيْ الْمَحْسُودِ (بِحَسَدِك وَلَا يَأْثَمُ بِهِ) بِالْحَسَدِ فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ دُنْيَوِيٌّ أَوْ دِينِيٌّ (وَأَمَّا انْتِفَاعُهُ) أَيْ انْتِفَاعُ الْمَحْسُودِ مِنْ حَسَدِ الْحَاسِدِ (فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَنَّهُ مَظْلُومٌ مِنْ جِهَتِك) وَالْمَظْلُومُ مَأْجُورٌ وَدَعَوْته عَلَى ظَالِمِهِ مُجَابَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» كَمَا قِيلَ إنَّ دُعَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مُجَابٌ (لَا سِيَّمَا إذَا أَخْرَجَكَ الْحَسَدُ إلَى الْقَوْلِ) فِي عِرْضِهِ وَدِينِهِ وَإِلْحَاقِ الشَّيْنِ بِهِ (وَالْفِعْلِ بِالْغِيبَةِ لَهُ وَهَتْكِ سِتْرِهِ) بَيْنَ النَّاسِ (وَالْقَدْحِ فِيهِ وَنَحْوِهَا) كَالسِّعَايَاتِ الْبَاطِلَةِ إلَى الظَّلَمَةِ لِإِضْرَارِهِ مَالًا أَوْ بَدَنًا أَوْ عِرْضًا وَتَحْرِيكِ مُدَّعٍ عَلَيْهِ (فَهَذِهِ هَدَايَا تَهْدِيهَا إلَيْهِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ) يَعْنِي أَنَّك بِذَلِكَ تَهْدِي إلَيْهِ حَسَنَاتِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ كَانَتْ وَأَلَّا يُحْمَلُ عَلَيْك وِزْرُهُ فَتُلْقَى فِي النَّارِ فَأَضَفْت لَهُ نِعْمَةً إلَى نِعْمَةٍ وَأَضَفْت لِنَفْسِك شَقَاوَةً إلَى شَقَاوَةٍ وَيَكُونُ نَظِيرُك كَمَنْ رَمَى إلَى عَدُوِّهِ حَجَرًا فَلَمْ يُصَبْ وَانْقَلَبَ إلَيْهِ وَأَعْمَى عَيْنَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ إنَّ فُلَانًا قَدْ اغْتَابَك فَبَعَثَ إلَيْهِ طَبَقًا مِنْ الرُّطَبِ وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّك أَهْدَيْت إلَيَّ حَسَنَاتٍ فَأَرَدْت أَنْ أُكَافِئَك عَلَيْهَا فَاعْذُرْنِي فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُكَافِئَك بِهَا عَلَى التَّمَامِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَمَّا) انْتِفَاعُهُ (فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّ أَهَمَّ أَغْرَاضِ الْخَلْقِ مَسَاءَةُ الْأَعْدَاءِ وَغَمُّهُمْ) قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ الْحَاسِدُ لَا يَخْلُو أَبَدًا مِنْ الْغَمِّ وَالْهَمِّ وَالْمِحْنَةِ إذْ لَا يَزَالُ أَعْدَاؤُهُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى وَلَا عَذَابَ أَعْظَمَ مِمَّا فِي الْحَاسِدِ مِنْ أَلَمِ الْحَسَدِ وَغَايَةُ أَمَانِي أَعْدَائِك أَنْ يَكُونُوا فِي نِعْمَةٍ وَأَنْتَ فِي غَمٍّ وَحَسْرَةٍ وَقَدْ فَعَلْت بِنَفْسِك مُرَادَهُمْ مِنْ فَرَحِ عَدُوِّك بِغَمِّك وَلَوْ عَلِمَ بِخَلَاصِك مِنْ أَلَمِ الْحَسَدِ لَكَانَ أَعْظَمَ مُصِيبَةً عِنْدَهُ فَإِذَنْ أَنْتَ عَدُوُّ نَفْسِك وَصِدِّيقُ عَدُوِّك إذْ قَدْ حَزِنْت وَخَسِرْت وَآثَرْت عَلَى عَدُوِّك إبْلِيسَ (وَالْعِلَاجُ الْعَمَلِيُّ أَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ نَقِيضَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ نَقِيضِ الْحَسَدِ هُوَ النُّصْحُ (فَإِنْ بَعَثَهُ) أَيْ الْحَسَدُ الْحَاسِدَ (عَلَى الْقَدْحِ فِيهِ) بِاللِّسَانِ (كَلَّفَ لِسَانَهُ الْمَدْحَ لَهُ) وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ (وَإِنْ) بَعَثَهُ (عَلَى التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ) احْتِقَارًا لَهُ. (أَلْزَمَ نَفْسَهُ التَّوَاضُعَ لَهُ) عَمَلًا لَهَا بِنَقِيضِ مُرَادِهَا (وَالِاعْتِذَارَ إلَيْهِ) مِمَّا قَدْ يَبْدُو مِنْهُ (وَإِنْ) بَعَثَهُ
стр. 563
(عَلَى كَفِّ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِنْعَامِ وَإِنْ) بَعَثَهُ (عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ) بِالشَّرِّ (دَعَا لَهُ بِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي حَسَدَهُ فِيهَا) أَيْ لِأَجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ لِيَكُونَ مَا يَفْعَلهُ مَاحِيًا لِإِثْمِ مَا سَبَقَهُ.
وَهَذِهِ هِيَ أَدْوِيَةُ الْحَسَدِ وَهِيَ نَافِعَةٌ جِدًّا إلَّا أَنَّهَا مُرَّةٌ قَطْعًا وَالنَّفْعُ فِي الدَّوَاءِ الْمُرِّ فَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَرَارَةِ الدَّوَاءِ لَمْ يَنَلْ حَلَاوَةَ الشِّفَاءِ.
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ أَسْبَابُ الْحَسَدِ سِتَّةٌ]
(الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ (فِي الْعِلَاجِ الْقَلَعِيِّ وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَسْبَابِهِ ثُمَّ إزَالَتِهَا) فَإِنَّهَا مَوَادُّ هَذَا الْمَرَضِ وَلَا يَنْقَمِعُ الْمَرَضُ إلَّا بِقَمْعِ الْمَادَّةِ وَلَوْ انْقَمَعَ لَمْ يَظْهَرْ كَثِيرًا (وَهِيَ) أَسْبَابُ الْحَسَدِ (سِتَّةٌ) أَوَّلُهَا تَعَزُّزٌ ثَانِيهَا تَكَبُّرٌ ثَالِثُهَا خَوْفُ فَوْتِ الْمَقْصُودِ رَابِعُهَا حُبُّ الرِّيَاسَةِ خَامِسُهَا خُبْثُ النَّفْسِ سَادِسُهَا الْحِقْدُ.
(الْأَوَّلُ التَّعَزُّزُ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايَيْنِ أَيْ التَّكَلُّفُ مِنْ الْحَاسِدِ لِلتَّرَفُّعِ وَالْعِزَّةِ عَلَى الْمَحْسُودِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِ) الْحَاسِدُ (أَنْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ التَّرَفُّعِ (فَإِذَا أَصَابَ بَعْضُ أَمْثَالِهِ) وَأَقْرَانِهِ (وِلَايَةً) رِيَاسَةً كَالْجَاهِ (أَوْ عِلْمًا أَوْ مَالًا) لَا سِيَّمَا أَكْثَرُ مِنْ عِلْمِهِ وَمَالِهِ (خَافَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُطِيقُ تَكَبُّرَهُ وَلَا تَسْمَحُ) تَقْنَعُ وَتَرْضَى (نَفْسُهُ بِاحْتِمَالِ صَلَفِهِ) ادِّعَاءُ التَّكَبُّرِ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ (وَتَفَاخُرِهِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ غَرَضُهُ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ بَلْ غَرَضُهُ أَنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ) عَنْ نَفْسِهِ (وَيَرْضَى بِمُسَاوَاتِهِ لَهُ وَزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ) هَذَا التَّفْصِيلُ لَمْ يَقَعْ فِي الْإِحْيَاءِ بَلْ اكْتَفَى بِمَا قَبْلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَسَدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَمَا عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الْمُنْتَحَلِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَلَعَلَّ الْغَزَالِيَّ جَعَلَ مَضْمُونَ قَوْلِهِ خَافَ أَنْ يَتَكَبَّرَ إلَخْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْهُومَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْخَارِجِيَّاتِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْكُلُّ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ فَتَأَمَّلْ.
(فَإِنْ أَرَادَ عَدَمَ وُصُولِهِ إلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ أَوْ زَوَالِهَا) إرَادَةً (مُقَيَّدَةً بِالْإِفْضَاءِ إلَى الْكِبْرِ فَلَيْسَ يُحْسَدُ لِمَا مَرَّ) فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ نَاشِئٌ مِنْ غَيْرَةِ الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ لَهُ صَلَاحٌ دِينِيٌّ (وَإِنْ) أَرَادَ عَدَمَ وُصُولِهِ إلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ أَوْ زَوَالِهَا (وَإِنْ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ الْقَيْدِ أَعْنِي الْإِفْضَاءَ إلَى الْكِبْرِ (فَحَسَدٌ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالْفَسَادِ) وَهُوَ الْإِفْضَاءُ إلَى الْكِبْرِ وَأَيْضًا اللَّازِمُ حَمْلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الصَّلَاحِ
стр. 564
(وَإِمْكَانِ التَّقْيِيدِ) بِالصَّلَاحِ فَالْإِرَادَةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ عَدَمِ التَّيَقُّنِ دَالَّةٌ عَلَى وُجُودِ الْحَسَدِ فِي الْقَلْبِ فَعِلَاجُهُ التَّوَاضُعُ؛ لِأَنَّ التَّعَزُّزَ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ شَرَفًا فِي مَرْتَبَتِهَا شَرْعًا وَعُرْفًا فَإِذَا رَآهَا أَدْنَى مِنْهَا قَلِيلًا زَالَ لَا مَحَالَةَ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ.
(وَالثَّانِي التَّكَبُّرُ فَإِنَّ مَنْ فِي طَبْعِهِ التَّكَبُّرَ عَلَى إنْسَانٍ) لِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَرْفَعَ مِنْهُ (وَاسْتِصْغَارَهُ وَاسْتِخْدَامَهُ) وَتَوَقُّعَهُ الِانْقِيَادَ لَهُ وَالْمُتَابَعَةَ فِي أَغْرَاضِهِ (فَإِذَا نَالَ) ذَلِكَ الْإِنْسَانُ (نِعْمَةً خَافَ أَنْ لَا يَتَحَمَّلَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا فِي نُسْخَةِ الْإِحْيَاءِ أَنْ لَا يَحْتَمِلَ (تَكَبُّرَهُ وَيَتَرَفَّعَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ) بَلْ رُبَّمَا يَتَشَوَّفُ إلَى مُسَاوَاتِهِ أَوْ إلَى أَنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِ فَيَعُودَ مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ هُوَ مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ (فَيُرِيدُ زَوَالَهَا) أَيْ زَوَالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِإِجْرَاءِ غَرَضِهِ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَمِنْ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ حَسَدُ أَكْثَرِ الْكُفَّارِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَالُوا كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا يَتِيمٌ وَكَيْفَ نُطَأْطِئُ لَهُ رُءُوسَنَا ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أَيْ كَانَ لَا يَثْقُلُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لَهُ وَنَتَّبِعَهُ إنْ كَانَ عَظِيمًا (وَعِلَاجُهُ سَبَقَ) يَعْنِي أَلْزَمَ نَفْسَهُ التَّوَاضُعَ لَهُ وَالِاعْتِذَارَ إلَيْهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ قَضِيَّةِ الْحَسَدِ بِالْعَمَلِ بِضِدِّهِ مُجَاهَدَةً لِنَفْسِهِ وَمُخَالَفَةً لَهَا وَلِأَنَّهُ صَارَ كِبْرًا فَعِلَاجُهُ عِلَاجُهُ.
(وَالثَّالِثُ) خَوْفُ (سَبَبِيَّةِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ) مِنْ نَحْوِ الْفَضْلِ وَالْكِمَالَاتِ دُنْيَوِيًّا أَوْ دِينِيًّا (لِفَوْتِ مَقْصُودِهِ) مِنْ نَحْوِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْإِحْسَانِ وَحُصُولِ الْأَمَانِي وَالْأَعْرَاضِ لِلْمُمَانَعَةِ بَيْنَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فِي الْحَاسِدِ وَفِي الْمَحْسُودِ كُلًّا أَوْ بَعْضَهُ وَحَاصِلُهُ طَلَبُ مَضَرَّةِ الْغَيْرِ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ تَرْجِيحِ نَفْعِهِ عَلَى نَفْعِ الْغَيْرِ (وَذَلِكَ) السَّبَبُ (يَخْتَصُّ بِمُتَزَاحِمِينَ) مُتَجَاذِبِينَ (عَلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ) يَعْنِي يَطْلُبُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ (فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (يَحْسُدُ صَاحِبَهُ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ يَكُونُ زَوَالُهَا عَنْهُ) عَنْ صَاحِبِهَا (عَوْنًا لَهُ فِي الِانْفِرَادِ بِمَقْصُودِهِ) فَوُجُودُ النِّعْمَةِ فِي الْمَحْسُودِ مُنَافٍ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْحَاسِدِ كُلًّا أَوْ بَعْضَهَا (فَهَذَا الْحَسَدُ يَكُونُ بَيْنَ الْأَمْثَالِ وَالْأَقْرَانِ كَالضَّرَّاتِ) سُمِّيَتْ بِالضَّرَّةِ لِطَلَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرَرَ الْأُخْرَى أَوْ تَكُونُ فِي ضَرَرِهَا (وَالْإِخْوَةِ) وَكَذَا الْأَخَوَاتُ (يَقْصِدُونَ الْمَنْزِلَةَ فِي قَلْبِ الزَّوْجِ) لِيَتَوَجَّهَ وَيُحْسِنَ إلَيْهَا دُونَ الْأُخْرَى (وَالْأَبَوَيْنِ) فَالْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي لِلتَّوَصُّلِ إلَى مَقَاصِدِ الْكَرَامَةِ وَالْإِحْسَانِ (وَتَلَامِذَةِ) وَالْأَوْفَقُ وَتِلْمِيذِي (أُسْتَاذٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْعِلْمِ وَبِالْمُهْمَلَةِ فِي الصَّنَائِعِ كَمَا فِي بَعْضِ كُتُبِ ابْنُ الْكَمَالِ وَقَدْ يُقَالُ بِالْعَكْسِ وَبِعَدَمِ الْفَرْقِ (وَاحِدٍ وَمُرِيدِي) سُمِّيَ الْمُرِيدُ مُرِيدًا لِإِرَادَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّفْرِيحِ فِي أَوْطَانِ الْغَفْلَةِ وَالرُّكُونِ إلَى أَتْبَاعِ الشَّهْوَةِ وَتَرْكِ مَا دَعَتْ إلَيْهِ الْمُنْيَةُ بِالْتِزَامِ الْمُجَاهَدَاتِ وَتَحَمُّلِ الْمُكَابَدَاتِ وَالْمَصَاعِبِ وَالْمَتَاعِبِ وَمُعَالَجَةِ الْأَخْلَاقِ وَمُمَارَسَةِ الْأَشْوَاقِ وَقَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُرِيدِينَ التَّحَبُّبُ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْخُلُوصُ فِي نَصِيحَةِ الْأُمَّةِ وَالْأُنْسُ بِالْخَلْوَةِ وَالصَّبْرُ عَلَى مُقَاسَاةِ الْأَحْكَامِ وَالْإِيثَارُ لِأَمْرِهِ وَالْحَيَاءُ مِنْ نَظَرِهِ وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي مَحْبُوبِهِ وَالتَّعَرُّضُ لِكُلِّ سَبَبٍ يُوصِلُ إلَيْهِ وَالْقَنَاعَةُ بِالْخُمُولِ وَعَدَمُ الْقَرَارِ بِالْقَلْبِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الرَّبِّ وَفِيهَا أَيْضًا إذَا رَأَيْت الْمُرِيدَ يَشْتَغِلُ بِالرُّخْصِ وَالْكَسْبِ فَلَيْسَ يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْمُرَادِ فَالْمُرِيدُ الْمُبْتَدِئُ وَالْمُرَادُ الْمُنْتَهَى وَالْمُرِيدُ يَسِيرُ وَالْمُرَادُ يُسَارُ بِهِ وَالْمُرِيدُ يُرَاعِي سِيَاسَةَ الْعِلْمِ وَالْمُرَادُ يَتَوَلَّاهُ رِعَايَةُ الْحَقِّ، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا (شَيْخٍ وَاحِدٍ) فِي سُلُوكِ الطَّرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ (وَنُدَمَاءِ الْمَلِكِ) جَمْعُ نَدِيمٍ بِمَعْنَى صَاحِبٍ (وَخَوَاصِّهِ) مِثْلُ وُزَرَائِهِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلَى الْجَاهِ وَالْمَالِ
стр. 565
(وَوُعَّاظِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ) إذَا كَانَ أَغْرَاضُهُمْ جَمْعَ الْمَالِ أَوْ الْمَقْبُولِيَّةَ أَوْ حُصُولَ الْأَمَانِي (وَطُلَّابِ وِلَايَةٍ) كَوَالِي وِلَايَةٍ (وَقَضَاءٍ) مَنْصِبٍ مُعَيَّنٍ (وَتَدْرِيسِ) مَدْرَسَةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَتَوْلِيَةِ أَوْقَافٍ أَوْ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا) أَيْ جِهَاتِ الْأَوْقَافِ يَشْكُلُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ مِنْ هَذَا السَّبَبِ وَنَحْوِهِ مُجَرَّدَ مَا فِي الْقَلْبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَتِهِ فَلَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِمُخْتَارِهِ وَأَنَّ وَافَقَ مُخْتَارَ الْغَزَالِيِّ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ أَرَادَ الثَّمَرَةَ وَالْأَثَرَ فِي الْجَوَارِحِ فَالْوِزْرُ لَهُ لَا لِلْحَسَدِ وَالْكَلَامُ فِيمَا لِلْحَسَدِ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَعِنْدَ ظُهُورِ الْأَثَرِ فِي اللِّسَانِ أَوْ فِي الْجَوَارِحِ يَكُونُ لِمَا فِي الْقَلْبِ وِزْرُ غَيْرُ مَا فِي الْجَوَارِحِ فَتَأَمَّلْ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَسَدُ لِأَجْلِ حَسَدِ الْمَحْسُودِ لِلْحَاسِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ حَسَدًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْإِفْضَاءِ إلَى الْحَسَدِ كَالْإِفْضَاءِ إلَى الْكِبْرِ فِي التَّعَزُّزِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَرْقَ تَحَكُّمٌ. (وَمَآلُهُ) أَيْ مَآلُ السَّبَبِ الثَّالِثِ (حُبُّ الْمَالِ) فِي الْبَعْضِ (أَوْ الرِّيَاسَةِ) فِي الْآخِرَةِ فَعِلَاجُهُ عِلَاجُهُمَا وَعِلَاجُ الْأَوَّلِ سَيَأْتِي وَعِلَاجُ الثَّانِي سَبَقَ مِنْ كَوْنِهِ كَمَالًا وَهْمِيًّا وَغَيْرَ ذَلِكَ.
(وَالرَّابِعُ) (مُجَرَّدُ حُبِّ الرِّيَاسَةِ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُجَرَّدِ لِلْفَرْقِ عَمَّا قَبْلَهُ فَافْهَمْ (كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَدِيمَ النَّظِيرِ فِي فَنٍّ مِنْ الْفُنُونِ) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْفَنِّ هُنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نَوْعِ الْعُلُومِ بَلْ أَعَمُّ مِنْهُ إمَّا بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ بِالْمَعْنَى كَمَا يَشْهَدُ لَهُ مَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ. (وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الثَّنَاءِ) قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ بَدَلُهُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الثَّنَاءِ فَرِحَ بِمَا يُمْدَحُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ وَحِيدُ الدَّهْرِ وَفَرِيدُ الْعَصْرِ فِي فَنِّهِ (فَإِذَا سَمِعَ بِنَظِيرٍ لَهُ فِي أَقْصَى الْعَالَمِ) أَيْ فِي عَالَمٍ يُمْكِنُ مُزَاحَمَةُ رِيَاسَتِهِ أَوْ يُضْعِفُهَا لَا فِي غَايَةِ بُعْدٍ كَالْهِنْدِ وَالْيَمَنِ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ (سَاءَهُ ذَلِكَ وَأَحَبَّ مَوْتَهُ وَ) أَحَبَّ (زَوَالَ النِّعْمَةِ الَّتِي بِهَا) أَوْ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ (يُشَارِكُهُ) أَيْ يُشَارِكُ الْحَاسِدُ الْمَحْسُودَ (فِي الْمَنْزِلَةِ مِنْ شَجَاعَةٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ) مِنْ الصَّنَائِعِ (أَوْ جَمَالٍ أَوْ ثَرْوَةٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَثْرَةُ مَالِهِ وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا السَّبَبِ عَدَاوَةٌ وَلَا تَعَزُّزٌ وَلَا تَكَبُّرٌ عَلَى الْمَحْسُودِ وَلَا خَوْفٌ مِنْ فَوَاتِ مَقْصُودِهِ سِوَى تَمَحُّضِ الرِّيَاسَةِ بِدَعْوَى الِانْفِرَادِ وَمِنْهُ إنْكَارُ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِيفَةَ بُطْلَانِ رِيَاسَتِهِمْ. (وَالْخَامِسُ خُبْثُ النَّفْسِ وَشُحُّهَا بِالْخَيْرِ) أَيْ بُخْلُهَا مَعَ الْحِرْصِ (لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى) حَاصِلُهُ إرَادَةُ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ وَضَرَرِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَدَفْعِ مَضَرَّتِهِ بَلْ لِمُجَرَّدِ خُبْثِ نَفْسِهِ (فَإِنَّك) أَيُّهَا النَّاظِرُ الْمُمْتَحِنُ (تَجِدُ مَنْ لَا يَشْتَغِلُ بِرِيَاسَةٍ وَتَكَبُّرٍ وَطَلَبِ مَالٍ) مَثَلًا (إذَا وُصِفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حَالِ عَبْدٍ) أَيَّ عَبْدٍ كَانَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَحُسْنِ حَالِهِ عَلَاقَةٌ مُمَانِعَةٌ نَفْعَهُ وَدَفْعَ مَضَرَّتِهِ. (فِي نِعْمَةٍ يَشُقُّ) مِنْ الْمَشَقَّةِ (عَلَيْهِ ذَلِكَ) أَيْ حُسْنُ الْحَالِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةٍ مُقْتَضِيَةٍ لِذَلِكَ (وَإِذَا وُصِفَ لَهُ اضْطِرَابُ أُمُورِ النَّاسِ) كَإِصَابَةِ الْبَلْوَى وَالْمَكَارِهِ (وَإِدْبَارُهُمْ وَفَوَاتُ مَقَاصِدِهِمْ) وَعَدَمُ الْوُصُولِ إلَى مَرَامِهِمْ وَبُطْلَانُ سِعَايَتِهِمْ وَتَضْيِيقُ عَيْشِهِمْ (فَرِحَ بِهِ فَهُوَ أَبَدًا يُحِبُّ الْإِدْبَارَ) أَيْ إدْبَارَ النِّعَمِ (لِغَيْرِهِ وَيَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ) كَأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِنْ خِزَانَتِهِ وَمِلْكِهِ، وَيُقَالُ الْبَخِيلُ مَنْ يَبْخَلُ بِمَالِ نَفْسِهِ وَالشَّحِيحُ مَنْ يَبْخَلُ بِمَالِ غَيْرِهِ فَهَذَا يَبْخَلُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ (الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ وَلَا رَابِطَةٌ) عَلَاقَةٌ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ بَلْ لِمُجَرَّدِ خُبْثٍ فِي النَّفْسِ وَرَذَالَةٍ فِي الطَّبْعِ كَمَا قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ الْحَاسِدُ عَدُوُّ نِعْمَتِي وَعَنْ
следующие страницы →