← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ ذَاتِهِ الْمُتَكَبِّرُ فَإِنَّ الْمُتَكَبِّرَ مَنْ يَرَى الْكُلَّ حَقِيرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَاتِهِ وَلَا يَرَى الْكِبْرِيَاءَ إلَّا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ صَادِقَةً كَمَا فِي اللَّهِ كَانَ حَقًّا وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَاذِبَةً فَبَاطِلًا فَهُوَ الْمَذْمُومُ (وَالتَّكَبُّرُ حَرَامٌ) عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ عَظِيمُ الْآفَاتِ وَمَنْبَعُ أَكْثَرِ الْبَلِيَّاتِ وَمُوجِبُ سُرْعَةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ إلَّا لَهُ تَعَالَى فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَوْلَى اشْتَدَّ غَضَبُ الْمَوْلَى (إلَّا عَلَى الْمُتَكَبِّرِ) مِنْ النَّاسِ فَالتَّوَاضُعُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ لَيْسَ بِجَائِزٍ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَغْضَبَك أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلَا تَبْتَدِئْهُ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّك تُذِلُّ نَفْسَك فِي غَيْرِ مَحَلٍّ وَتُكْبِرُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الْإِفْرَاطُ فِي التَّوَاضُعِ يُورِثُ الْمَذَلَّةَ، وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمُؤَانَسَةِ يُورِثُ الْمَهَانَةَ وَإِذَا اُتُّفِقَ أَنْ يُقَامَ الْعَبْدُ فِي مَوْطِنٍ فَالْأَوْلَى فِيهِ ظُهُورُ عِزَّةِ الْإِيمَانِ وَجَبَرُوتِهِ وَعَظَمَتِهِ لِعِزِّ الْمُؤْمِنِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْجَبَرُوتِ مَا يُنَاقِضُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ فَالْأَوْلَى إظْهَارُ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْمَوْطِنُ فَهَذَا مِنْ بَابِ إظْهَارِ عِزَّةِ الْإِيمَانِ بِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ (فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ: التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَاضَعْت لَهُ تَمَادَى فِي ضَلَالِهِ وَإِذَا تَكَبَّرْت عَلَيْهِ تَنَبَّهَ. وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ تَكَبَّرْ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ التَّجَبُّرُ عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَظْلَمُ الظَّالِمِينَ مَنْ تَوَاضَعَ لِمَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَقِيلَ قَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ لِتَنْبِيهِ الْمُتَكَبِّرِ لَا لِرِفْعَةِ النَّفْسِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْجُهَلَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: التَّكَبُّرُ عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْك بِمَالِهِ تَوَاضُعٌ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الْقِتَالِ) مَعَ الْكُفَّارِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَإِيقَاعًا لِلْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالْمَهَابَةِ عَلَيْهِمْ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الصَّدَقَةِ) إظْهَارُ الْعَدَمِ قَدْرَ مَا بَذَلَهُ لِأَخِيهِ وَإِبْرَازًا لِلسُّرُورِ وَالْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَشَاشَتِهِ وَانْبِسَاطِهِ مَعَ الْفُقَرَاءِ لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ لَدَى الِاحْتِيَاجِ فَلَا يُنَافِي مَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَظَّمَ عَلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَيَرْفُقُ وَيَتَحَاشَى عَمَّا يُوهِمُ الْأَذَى لَهُ (دَ) أَبُو دَاوُد (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ» بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ وَمِنْهُ الْمُخْتَالُ لِلْمُتَكَبِّرِ «الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ» تَكَبُّرُهُ «نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ» مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ «وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ» فَثَبَتَ جَوَازُ التَّكَبُّرِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ الْفَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ قُلْنَا لِلْحَدِيثِ ابْتِدَاءٌ وَتَتِمَّةٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْمُخَرِّجِينَ إذْ هُوَ «إنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الَّتِي يَبْغُضُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ، وَإِنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى» وَتَتِمَّتُهُ «وَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» فَالْمُصَنِّفُ قَصَرَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الِاقْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ مُخْتَلِفٌ، فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ جَانِبَ الْجَوَازِ وَلَعَلَّ الْعَزِيمَةَ هُوَ الْإِتْمَامُ سِيَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ خُصُوصًا عِنْدَ ظُهُورِ الِارْتِبَاطِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَفْظِ الْفَاءِ ثُمَّ لَمَّا تُوُهِّمَ مِنْ ظَاهِرِ الِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ جَوَازُ تَكَبُّرِ الْغَنِيِّ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنٌّ وَأَذًى وَاسْتِكْثَارٌ مَمْنُوعٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ قَالُوا النَّدْبُ لِلْمُتَصَدِّقِ الْإِجْلَالُ وَالتَّوْقِيرُ لِلْفَقِيرِ حَيْثُ صَارَ سَبَبًا لِكَوْنِ الْمَالِ الْمُسْتَعَارِ الْمُجَازَى مِلْكًا حَقِيقِيًّا لَهُ وَمُدَارًا عَلَى كَوْنِهِ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ وَعَلَى كَوْنِ مَالِهِ مَأْمُونًا مِنْ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ حَيْثُ كَأَنَّهُ وَضَعَهُ فِي خِزَانَةِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَكَذَا دَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ إظْهَارُ الْغِنَى) عَنْ الْمَالِ الْمُعْطَى (وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَالِ) الَّذِي أَعْطَاهُ كَأَنَّهُ فِي نَظَرِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ الْفَقِيرُ الِامْتِنَانَ وَالْأَذَى (وَاسْتِصْغَارُهُ)

стр. 492

أَيْ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ (وَاسْتِقْلَالُهُ) عَدُّهُ قَلِيلًا حَقِيرًا تَعْظِيمًا لِلْفَقِيرِ (لِيَقْصِدَهُ الْفَقِيرُ) يَمِيلُ إلَيْهِ وَيُرِيدُهُ (بِنَشَاطٍ وَأَمْنٍ مِنْ الْمَنِّ وَالْأَذَى) وَيَكُونُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِلْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ الْمُرَادُ إظْهَارُ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ الْغُنَّ بِأَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ كَالْمُسْتَغْنِي عَنْهَا غَيْرَ سَائِلٍ وَلَا مُلِحٍّ وَلَا مُذِلٍّ نَفْسَهُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ إظْهَارُ مَنْ يُرِيدُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْنَاءَ تَعَفُّفًا عَنْ أَخْذِهَا وَالْجَهْدَ عَلَى الْكَفَافِ مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ لَا يَرْتَكِنُ عَلَى أَخْذِ غُسَالَةِ مَالِ الْغَيْرِ كَالْهَاشِمِيِّ حَرُمَ لِجَلَالَتِهِمْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ إكْثَارُ الصَّدَقَةِ [الْكِبْرِ جَائِزٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ] (وَإِلَّا) عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ السَّابِقِ (التَّكَبُّرُ بِالْمُرَاءَاةِ) بِسَبَبِ الرِّيَاءِ (بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا) وَأَمْتِعَتِهَا (بِدُونِ الْكِبْرِ) بِأَنْ يُظْهِرَ الرَّجُلُ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا كِبْرًا مِنْ غَيْرِ مَيْلِ نَفْسٍ إلَى الْعُلُوِّ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْكِبْرِ (لَيْسَ بِحَرَامٍ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا) مَكْرُوهًا مِنْ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَإِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ (وَقَدْ مَرَّ) فِي مَبْحَثِ الرِّيَاءِ (وَسَيَجِيءُ) تَفْصِيلُهُ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَالْحَاصِلُ إظْهَارُ الْكِبْرِ بِدُونِهِ فِي الْقَلْبِ جَائِزٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ وَالتَّكَبُّرُ عِنْدَ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَالتَّكَبُّرُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ لِأَجْلِ قَصْدِ الْفُقَرَاءِ بِنَشَاطٍ وَالتَّكَبُّرُ بِالْمُرَاءَاةِ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا وَهَذَا مَذْمُومٌ وَمَكْرُوهٌ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَإِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ انْتَهَى لَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ جَائِزٌ وَبَيْنَ وَهَذَا مَذْمُومٌ وَمَكْرُوهٌ، فَالْأَوْلَى لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فِي أَرْبَعَةٍ نَعَمْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ يُقَالُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (وَإِظْهَارُ الضِّعَةِ) أَيْ التَّوَاضُعِ (بِمَا دُون مَرْتَبَتِهِ) الَّتِي اسْتَحَقَّ لَهَا شَرْعًا وَعُرْفًا بِأَنْ يُظْهِرَ ذُلَّ نَفْسِهِ عَنْ مَقَامٍ تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ (قَلِيلًا تَوَاضُعٌ مَحْمُودٌ) لِعَدَمِ الْإِفْرَاطِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ السَّمَّاكِ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ تَوَاضُعَك فِي شَرَفِك أَشْرَفُ لَك مِنْ شَرَفِك وَإِنْ امْرَأً آتَاهُ اللَّهُ جَمَالًا فِي خِلْقَتِهِ وَتَوَاضُعًا فِي حَسَبِهِ وَبَسْطًا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَعَفَّ فِي جَمَالِهِ وَوَاسَى فِي مَالِهِ وَتَوَاضَعَ فِي حَسَبِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَوَاصِّ اللَّهِ، كَذَا فِي الْإِحْيَاءِ (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَتَمَلُّقٌ) أَيْ إظْهَارُ زِيَادَةِ تَوَدُّدٍ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي لِيَتَوَصَّلَ بِهِ لِمُرَادٍ مَا، كَمَا قِيلَ (مَذْمُومٌ) لِأَنَّ فِيهِ إذْلَالَ النَّفْسِ وَإِهَانَتَهَا بِلَا فَائِدَةٍ (إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) فَإِنَّهُ مَمْدُوحٌ لِأُسْتَاذِهِ وَشَيْخِهِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّف أَنَّ مِنْ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَكَانَ طَلَبُهُ عَلَى الْخُلُوصِ وَلِرِضَاهُ تَعَالَى. لِمَا خَرَّجَ (عَدِيٌّ) ابْنُ عَدِيٍّ (عَنْ مُعَاذٍ) بْنِ جَبَلٍ (وَأَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) الْبَاهِلِيِّ (مَرْفُوعًا) مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْقَطِعًا. فَالْمُتَّصِلُ قَدْ يَكُونُ مَرْفُوعًا وَغَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَالْمَرْفُوعُ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا وَغَيْرَ مُتَّصِلٍ وَالْمُسْنَدُ مُتَّصِلٌ مَرْفُوعٌ «لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ التَّمَلُّقُ» أَيْ الزِّيَادَةُ فِي التَّرَدُّدِ وَالتَّضَرُّعِ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي لِيُسْتَخْرَجَ مِنْ الْإِنْسَانِ مُرَادُهُ، وَزِيدَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى رِوَايَةِ مُعَاذٍ عَنْ الْبَيْهَقِيّ «وَلَا الْحَسَدُ» «إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ» فَإِنَّ الْمُتَعَلِّمَ يَنْبَغِي لَهُ التَّمَلُّقُ لِمُعَلِّمِهِ وَإِظْهَارُ الشَّرَفِ بِخِدْمَتِهِ وَأَنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ زِمَامَ أَمْرِهِ وَيَذْعَنَ لِنُصْحِهِ إذْعَانَ الْمَرِيضِ الْجَاهِلِ لِلطَّبِيبِ الْمُشْفِقِ الْحَاذِقِ، صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَ فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ زَيْدٌ خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ قَالَ الْحَلَبِيُّ التَّمَلُّقُ لِغَيْرِ الْمُعَلِّمِ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الذِّلَّةِ وَالضِّعَةِ وَمِمَّا يُزْرِي بِفَاعِلِهِ وَيَدُلُّ عَلَى سَقَاطَتِهِ وَقِلَّةِ مِقْدَارِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُهِينَ نَفْسَهُ كَمَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُهِينَهُ، ثُمَّ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: طَعْنًا عَلَى مُصَنِّفِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَحَكَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ فَاضْمَحَلَّ مَا قِيلَ هُنَا وَلِلْحَدِيثِ إسْنَادَانِ وَرِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ فَاحْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ عَلَى طَرِيقِ الْوَضْعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَصْلًا وَعَلَى طَرِيقِ الضَّعْفِ أَيْضًا لَيْسَ بِتَامٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّعْفُ وَالْوَضْعُ عَلَى طَرِيقِ مُعَاذٍ كَمَا نَبَّهَ آنِفًا فَيَجُوزُ صِحَّتُهُ عَلَى

стр. 493

طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ فَتَأَمَّلْ. (وَفِي) كِتَابِ (تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ التَّمَلُّقُ مَذْمُومٌ) فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ (إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) لِقُوَّةِ شَرَفِ الْعِلْمِ (فَإِنَّهُ يَنْبَغِي) لِطَالِبِ الْعِلْمِ (أَنْ يَتَمَلَّقَ لِأُسْتَاذِهِ) الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنْهُ وَكَذَا لِشَيْخِهِ الَّذِي يُرْشِدُهُ وَيُرَبِّيهِ بِالدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ إنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا ... لَا يَنْصَحَانِ إذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا أَكْرِمْ طَبِيبَك إنْ أَرَدْت تَدَاوِيَا ... وَكَذَا الْمُعَلِّمُ إنْ أَرَدْت تَعَلُّمَا (وَشُرَكَائِهِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ) وَهُمْ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْأُسْتَاذِ (انْتَهَى) فَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ الِاسْتِفَادَةَ عَلَى الْأُسْتَاذِ بَلْ قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ وَلَا يَتَكَبَّرُ بَلْ قَدْ تَكُونُ الِاسْتِفَادَةُ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا مِنْ الْأُسْتَاذِ؛ إذْ قَدْ يَدِقُّ تَقْرِيرُ الْأُسْتَاذِ وَيَصْعُبُ فَهْمُهُ لِبَعْضِ التَّلَامِذَةِ لِكَوْنِهِ مُبْتَدِئًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَوَاقِي أَوْ لِبَلَادَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ وَلَا يَخَافُ مِنْ تَعْيِيرِ الْغَيْرِ وَمَذَمَّتِهِ بَلْ يَقْصُرُ النَّظَرَ عَلَى انْتِفَاعِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْ اسْتِشْكَالِهِمْ عَلَى الْأُسْتَاذِ وَمُبَاحَثَتِهِمْ مَعَهُ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّقُ إلَى الْعُلَمَاءِ غَيْرُ تِلْمِيذِهِمْ حِينَ الطَّلَبِ فَغَيْرُ التِّلْمِيذِ مُطْلَقًا وَالتِّلْمِيذُ غَيْرُ زَمَانِ الطَّلَبِ لَا يَتَمَلَّقُ لَكِنْ السَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ قُوَّةَ شَرَفِ الْعِلْمِ تَقْتَضِي جَوَازَ تَمَلُّقِ الْكُلِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَعْلَ الْعِلَّةِ الِاسْتِشْفَاقَ وَالِاسْتِعَانَةَ عَلَى الطَّلَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ فَلَا يَعُمُّ وَأَنَّ مُطْلَقَ شَرَفِ الْعِلْمِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ نَعَمْ يُمْكِنُ الْمُقَايَسَةُ بِأَنَّ احْتِيَاجَ الْغَيْرِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَلَوْ فِي الْمَسَائِلِ وَالْفَتَاوَى وَالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ ضَرُورِيٌّ فَكَمَا يَجُوزُ تَمَلُّقُ التِّلْمِيذِ لِلِانْتِفَاعِ بِالِاسْتِفَادَةِ فَلْيَجُزْ تَمَلُّقُ الْغَيْرِ لِلِانْتِفَاعِ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِمَا ذُكِرَ أَمْكَنَ أَنْ يَنْدَفِعَ تَوَهُّمُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْحَصْرِ فِي الدَّعْوَى وَالْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا وَسِعَ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ وَجُمِعَ الشَّرِيكُ مَعَ الْأُسْتَاذِ (وَإِنْ) كَانَ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ (أَكْثَرَ فَتَذَلُّلٌ حَرَامٌ) كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّا لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَالِافْتِقَارُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَمِنْ قِلَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ، وَالنَّفْعُ وَالضُّرُّ وَالْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى اللَّهِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَصِيَانَةِ دِينٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَرْضٍ عَنْ تَلَفٍ أَوْ تَأَلُّمٍ مِنْ ظَالِمٍ مُتَكَبِّرٍ وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]- وَجَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. ثُمَّ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ قَوْلُهُ إنَّ أَكْثَرَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ أَظْهَرَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَفْظًا فَلَا تَقَابُلَ وَلَا تَغَايُرَ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ حَقِيقَةً وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْأَكْثَرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْكَثِيرَ مَذْمُومٌ فِي غَيْرِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْأَكْثَرَ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُ مَذْمُومِيَّةُ الْأَكْثَرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَالْمَنْقُولِ هُوَ الْمُطْلَقُ فَيَلْزَمُ التَّقْيِيدُ بِالرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّحَكُّمِ وَإِنْ عَطَفَ عَلَى مَضْمُونِ الْمُسْتَثْنَى أَيْ قَوْلَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَمَا تُوُهِّمَ فَمَعَ مَا ذُكِرَ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ إذْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ لَا تَتَأَتَّى مِنْ الْأَسَاتِذَةِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَتَّخِذَ مِثْلَهُ أُسْتَاذًا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ التَّوَاضُعُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الْمُسْتَثْنَى مَذْمُومٌ وَالْأَكْثَرُ حَرَامٌ مُطْلَقًا إلَّا فِي مُسْتَثْنَاهُ أَيْضًا لَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ عَلَى نَحْوِهِ فَافْهَمْ. [التَّذَلُّلُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ] (وَهُوَ) أَيْ التَّذَلُّلُ (الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) وَمِثَالُ التَّذَلُّلِ (كَالْعَالِمِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ إسْكَافٌ) خَصَّافٌ أَيْ صَنْعَتُهُ عَمَلُ النِّعَالِ (فَتَنَحَّى لَهُ) تَحَوَّلَ يَعْنِي قَامَ (عَنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَهُ فِيهِ) تَعْظِيمًا لَهُ (ثُمَّ تَقَدَّمَ وَسَوَّى لَهُ نَعْلَهُ) عِنْدَ الْخُرُوجِ (وَعَدَا) أَيْ تَجَاوَزَ وَمَشَى (إلَى بَابِ الدَّارِ) مَثَلًا تَشْيِيعًا لَهُ (خَلْفَهُ فَقَدْ تَخَاسَسَ) صَارَ خَسِيسًا (وَتَذَلَّلَ) صَارَ ذَلِيلًا أَوْ أَظْهَرَ الذِّلَّةَ (وَإِنَّمَا تَوَاضُعُهُ لَهُ) لِلْإِسْكَافِ (بِالْقِيَامِ) الظَّاهِرِ أَيْ بِحَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ (وَالْبِشْرِ) أَيْ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ لَهُ (وَالرِّفْقِ فِي السُّؤَالِ) عَنْ مَصْلَحَتِهِ وَسَبَبِ مَجِيئِهِ أَوْ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِهِ وَبِالْجُمْلَةِ الرِّفْقُ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُكَالَمَةِ

стр. 494

مَعَهُ فَالْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ لَا التَّخْصِيصِ بِمَا ذُكِرَ (وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ) إلَى نَحْوِ ضِيَافَتِهِ فَلَا يَمْتَنِعُ تَكَبُّرًا (وَالسَّعْيِ فِي حَاجَتِهِ) الَّتِي جَاءَ لِأَجْلِهَا إنْ كَانَ فِي وُسْعِهِ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ» ، وَفِيهِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى «كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَقَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ وَالْعَبْدُ فِي حُقُوقِ الْخَلْقِ لَهُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ الْأُولَى أَنْ يُنَزَّلَ فِي حَقِّهِمْ مَنْزِلَةَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَهُوَ أَنْ يَسْعَى فِي أَغْرَاضِهِمْ رِفْقًا بِهِمْ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِمْ الثَّانِيَةُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرَهُ وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنْهُمْ شَرَّهُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُتَّقَى شَرُّهُ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَلْحَقَ بِأُفُقِ الْمَلَائِكَةِ فَاحْذَرْ أَنْ تَنْزِلَ عَنْ دَرَجَةِ الْجَمَادَاتِ إلَى دَرَجَةِ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ فَإِنْ رَضِيت النُّزُولَ مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَلَا تَرْضَ بِالرِّضَا فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ فَلَعَلَّك تَنْجُو كِفَافًا لَا لَك وَلَا عَلَيْك. وَفِيهِ أَيْضًا أَمْرُ الْحَسَنِ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ بِالْمَشْيِ فِي حَاجَةٍ، فَقَالَ أَنَا مُعْتَكِفٌ فَقَالَ يَا أَعْمَشُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَك فِي حَاجَةِ أَخِيك خَيْرٌ لَك مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ لِلشَّيْخِ السَّعْيُ فِي مَصَالِحِ طَلَبَتِهِ وَمُسَاعَدَتِهِمْ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَسَلَامَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ انْتَهَى. (وَأَنْ لَا يَرَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْهُ) إذْ اللَّائِقُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ النَّاسِ أَوْلَى مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ كَافِرًا كَمَا سَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ وَوَقَعَ فِي دِيبَاجَةِ الشَّاطِبِيَّةِ وَفَصْلِ الْجَعْبَرِيِّ وَعَلِيٍّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِخَوَاتِمِهَا وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ بِمَاذَا يَخْتِمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَرُبَّ عَالِمٍ يُخْتَمُ لَهُ بِسُوءٍ كَمَا سَمِعْت مِنْ قِصَّةِ بَلْعَامٍ وَرُبَّ جَاهِلٍ يُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرٍ كَسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]- (وَلَا يُحَقِّرَهُ) لِكَوْنِهِ مِنْ الْإِسْكَافِ (وَلَا يَسْتَصْغِرَهُ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَسْبُ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يُحَقِّرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّذَلُّلِ الْحَرَامِ (السُّؤَالُ لِمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ) وَإِنْ سَأَلَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَدْيُونِ لَا يَضُرُّ وَلَا يَكُونُ سَائِلًا بَلْ هُوَ إعَانَةٌ لِذَلِكَ الْمُحْتَاجِ. وَفِي الصُّرَّةِ عَنْ كَرَاهِيَةِ جَامِعِ الْفَتَاوَى وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا يَسْأَلُ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُدُوشٌ أَوْ خُمُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذْلَالُ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَنَّهُ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» . (وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَمِنْ السُّؤَالِ إهْدَاءُ قَلِيلٍ لِأَخْذِ كَثِيرٍ كَمَا يُفْعَلُ فِي دَعْوَةِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ) كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي زَمَانِنَا جَرَتْ بِإِعْطَاءِ شَيْءٍ قَلِيلٍ عَلَى قَصْدِ دَفْعِ عِوَضٍ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ تَذَلُّلٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ لَازِمٌ لَهُ وَإِنْ تُعُورِفَ ذَلِكَ (وَكَمَنْ يُرِيدُ اتِّخَاذَ غَنَمٍ أَوْ نَحْلٍ) فَيُهْدِي إلَى جَمَاعَةٍ أَوْ أَهَالِي قَرْيَةٍ قَلِيلًا فَيُعْطُونَ لَهُ أَغْنَامًا (قِيلَ فِيهِ) أَيْ: فِي إهْدَاءِ الْقَلِيلِ لِأَخْذِ الْكَثِيرِ (نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَيْ لَا تُعْطِ قَلِيلًا طَالِبًا لِلْكَثِيرِ وَإِنَّمَا صَدَّرَ بِلَفْظِ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاسْتِغْزَارِ وَهُوَ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يُعَوَّضَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ بَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُكَافِئَ الْهَدِيَّةَ بِأَفْضَلَ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمُكَافَأَةِ بِالْمَالِ فَبِالدُّعَاءِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ كَذَا فِي الصُّرَّةِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفِقْهِ. (وَمِنْهُ الذَّهَابُ إلَى الضِّيَافَةِ وَوَصِيَّةُ الْمَيِّتِ) أَيْ إلَى مَا أَوْصَى بِهِ (بِلَا دَعْوَةٍ د) أَبُو دَاوُد (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دُعِيَ» مِنْ الدَّعْوَةِ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَسَائِرِ الضِّيَافَةِ «فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»

стр. 495

قَالَ الْمُنَاوِيُّ: الْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْوَلِيمَةِ عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ وَنُدِبَ فِي غَيْرِهَا وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا بِشَرْطٍ وَجَزَمَ بِاخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، أَقُولُ الظَّاهِرُ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبُ الْإِجَابَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ وَإِنْ وَلِيمَةً عِنْدَ آخَرَ فَسُنَّةٌ فِي غَيْرِهَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُنْكَرِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِيمَا يُرَى أَوْ يُسْمَعُ أَوْ يُعْلَمُ وَبِشَرْطِ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِعَدَمِ قَصْدِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَالتَّبَاهِيَ وَالتَّفَاخُرَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ بَلْ لَا يَجُوزُ كَمَا قِيلَ. وَفِي الدُّرَرِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُنْكَرَ ابْتِدَاءً لَا يَحْضُرُ وَإِنْ بَعْدَ الْحُضُورِ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ فَيَمْتَنِعُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَخْرُجُ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ غَيْرَ مُقْتَدًى بِهِ جَازَ أَكْلُهُ فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِاقْتِرَانِ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُتْرَكُ لِنَائِحَةٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا لَكِنْ الْمَفْهُومُ مِنْ قَاعِدَةِ الْأُصُولِ تَرْجِيحُ الْبِدْعَةِ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ بَلْ مُحَرَّمٌ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ وَسَيَجِيءُ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ دَخَلَ) الضِّيَافَةَ (عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا) لِأَنَّهُ لِعَدَمِ الْإِذْنِ كَالدَّاخِلِ خُفْيَةً أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْحُرْمَةِ (وَخَرَجَ مُغِيرًا) مِنْ الْإِغَارَةِ وَهِيَ النَّهْبُ فَهَذَا الشَّخْصُ جَمَعَ بَيْنَ إثْمَيْ السَّارِقِ فِي الدُّخُولِ وَالْمُغِيرِ فِي الْخُرُوجِ قِيلَ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ إلَّا أَنَّ لِلْمَحَلِّ الْمُسْتَشْهَدِ شَاهِدًا مِنْ الْقُرْآنِ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]- الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِئْذَانُ لَا يَخْفَى أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِالْبُيُوتِ. وَفِي الْمَطْلَبِ: الدُّخُولُ لِأَكْلِ الضِّيَافَةِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْأَكْلِ فَلَا يَصْلُحُ شَاهِدًا وَأَنَا أَقُولُ لَوْ سَلِمَ الضَّعْفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِلْقِيَاسِ إذْ مَالُ الْغَيْرِ حَرَامٌ مُطْلَقًا إلَّا بِالْإِذْنِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ كَالسَّارِقِ وَالْمُغِيرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ يُؤْتَى لِأَجْلِ تَأْيِيدِ دَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ. (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّذَلُّلِ (الِاخْتِلَافُ) أَيْ التَّرَدُّدُ وَالِاخْتِلَاطُ (إلَى الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ) عَمَلَةِ السُّلْطَانِ (وَالْأَغْنِيَاءِ طَمَعًا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ بِلَا ضَرُورَةٍ) فِي قَوْلِهِ طَمَعًا نَوْعُ غِنًى عَنْ قَوْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَّا أَنْ لَا يَجْعَلَ طَمَعًا قَيْدًا لِلِاخْتِلَافِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ ابْتِدَاءً وَجُعِلَ لِلْأَغْنِيَاءِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ أَيْضًا يَنْدَفِعُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ مَنْعُ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُوجِبُ الْمَنْعَ بِشَرْطِ قَيْدِ ذَلِكَ الطَّمَعِ، ثُمَّ تِلْكَ الضَّرُورَةُ كَالشَّهَادَةِ سِيَّمَا عِنْدَ التَّعَيُّنِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ وَإِعَانَةِ الْمَظْلُومِ فَيَجُوزُ بَلْ قَدْ يَجِبُ (وَمِنْهُ السُّجُودُ وَالرُّكُوعُ) إنْ أَرَادَ التَّحِيَّةَ وَالتَّعْظِيمَ لَيْسَ بِكَافِرٍ عِنْدَ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَكَافِرٌ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَإِنْ أَرَادَ الْعِبَادَةَ يَكْفُرُ إجْمَاعًا. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَأَمَّا السَّجْدَةُ لِلْجَبَابِرَةِ فَكَبِيرَةٌ يَكْفُرُ فَاعِلُهَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفُرُ مُطْلَقًا وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ إنْ لِلْعِبَادَةِ يَكْفُرْ وَإِنْ لِلتَّحِيَّةِ لَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي سِيَرِ الْأَصْلِ إذَا قِيلَ لِمُسْلِمٍ اُسْجُدْ لِلْمَلِكِ وَإِلَّا قَتَلْنَاك إنْ أَمَرَهُ لِلْعِبَادَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَسْجُدَ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ صُورَةً (وَالِانْحِنَاءُ لِلْكُبَرَاءِ عِنْدَ الْمُلَاقَاةِ وَ) عِنْدَ (السَّلَامِ وَرَدِّهِ) لِوُرُودِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ. وَفِيهِ أَيْضًا تَشْبِيهٌ بِالْيَهُودِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَنُقِلَ عَنْ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ الِانْحِنَاءُ لِلسُّلْطَانِ وَلِغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ. (وَ) مِنْهُ (الْقِيَامُ بَيْنَ يَدَيْ الظَّلَمَةِ وَتَقْبِيلُ أَيْدِيهِمْ وَثِيَابِهِمْ) بِلَا ضَرُورَةٍ قَيَّدَ بِالظَّلَمَةِ فَإِنَّ تَقْبِيلَ

стр. 496

يَدِ الْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ الْعَادِلِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَإِنْ لِتَعْظِيمِ إسْلَامِهِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا لَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُهُ وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ. وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُكْرَهُ تَقْبِيلُ فَمِ الرَّجُلِ أَوْ يَدِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ تَعَانُقُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا الْقِيَامُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِ الظَّلَمَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَكَذَا تَقْبِيلُ ثِيَابِهِمْ فَلَعَلَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ. (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ التَّذَلُّلِ (مُبَاشَرَةُ أَعْمَالِ الْبَيْتِ وَحَاجَاتِهِ كَكَنْسِ الْبَيْتِ) أَيْ إزَالَةِ قُمَامَةٍ (وَطَبْخِ الطَّعَامِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «كَأَنْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفَلِّيَ ثَوْبَهُ أَيْ يُخْلِيَ عَنْ ثَوْبِهِ الْمُؤْذِيَاتِ كَقَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ وَيَحْلُبَ شَاتَهُ وَيَخْدُمَ نَفْسَهُ» ، فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَخْدُمُ نَفْسَهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا. قَالَ الْمِصْرِيُّ: مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْيَانِ فَتَارَةً بِنَفْسِهِ وَتَارَةً بِغَيْرِهِ وَتَارَةً بِالْمُشَارَكَةِ، وَفِيهِ نَدْبُ خِدْمَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِمَنْصِبِهِ وَإِنْ جَلَّ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ وَعَنْهُ ﵊ أَيْضًا «أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ وَيَرْفَعُ دَلْوَهُ وَيَعْلِفُ شَاتَهُ وَيَقُمُّ بَيْتَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ» (وَحَمْلِ الْمَتَاعِ مِنْ السُّوقِ إلَى الْبَيْتِ) «لِأَنَّهُ ﵊ شَرَى سَرَاوِيلَ وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَرَادَ حَمْلَهَا فَأَبَى. وَقَالَ صَاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا» الْحَدِيثَ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى التَّوَاضُعِ وَأَنْفَى لِلْكِبْرِ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مَعَ أَنَّ فِي خِدْمَتِهِ غَايَةَ شَرَفٍ؛ لِأَنَّهُ مُشَرِّعٌ فَبَيَّنَ مَشْرُوعِيَّةَ الْحُكْمِ (وَلُبْسِ الْخَشِنِ وَالْخَلَقِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ (وَالْمُرَقَّعِ وَالْمَشْيِ حَافِيًا وَلَعْقِ الْأَصَابِعِ) بَعْدَ تَمَامِ الْأَكْلِ لَا فِي أَوْسَاطِهِ (وَ) لَعْقِ (الْقَصْعَةِ) بِاللِّسَانِ أَوْ الْأَصَابِعِ قِيلَ جَاءَ فِي الْخَبَرِ إنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِصَانِعِ ذَلِكَ بِهَا. وَفِي نِصَابِ الِاحْتِسَابِ رَجُلٌ قَالَ «كُلَّمَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ لَحِسَ أَصَابِعَهُ» فَقَالَ السَّامِعُ " أَيْنَ بِي ادب يست " يَكْفُرُ لِاسْتِخْفَافِ السُّنَّةِ (وَأَكْلُ مَا سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الطَّعَامِ) مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْلُ الْعَنَا وَتَرْكُ الزِّنَى مِنْ أَسْبَابِ الْغِنَى» . (وَالْتِقَاطِ) أَيْ أَخْذُ (دَقَائِقِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهَا مِنْ السُّفْرَةِ) مَا وُضِعَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ كَالْمَائِدَةِ (وَالْحَصِيرِ وَ) مِنْ (الْأَرْضِ وَمُجَالَسَةِ الْمَسَاكِينِ) أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ خُلُقِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَمُخَالَطَتِهِمْ) كَمَا قَالَ ﵊ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» وَذَلِكَ مِنْ سِيَرِ الْمَشَايِخِ وَالصَّالِحِينَ وَفِيهَا رَغْمَ أَنْفِ الْمُتَكَبِّرِينَ. وَعَنْ تَخْرِيجِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى رِوَايَةِ «أَبِي ذَرٍّ وَصَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَأَنْ أَدْنُوَ مِنْهُمْ» . وَعَنْ تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى رِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ أَحَبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَرِّبُك يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي «اتَّخِذُوا عِنْدَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِيَ فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةً، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا دَوْلَتُهُمْ؟ قَالَ يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ: قُومُوا فَلَا يَبْقَى فَقِيرٌ إلَّا قَامَ حَتَّى إذَا اجْتَمَعُوا قِيلَ اُدْخُلُوا إلَى صُفُوفِ أَهْلِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ صَنَعَ مَعَكُمْ مَعْرُوفًا فَأَوْرِدُوهُ إلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَجَعَلَ يَجْتَمِعُ عَلَى الرَّجُلِ كَذَا وَكَذَا مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ أَلَمْ أَكْسُك

стр. 497

فَيُصَدِّقُهُ وَيَقُولُ الْآخَرُ يَا فُلَانُ: أَلَمْ أُكَلِّمْ لَك فُلَانًا فَلَا يَزَالُونَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا صَنَعُوا إلَيْهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ بِهِمْ جَمِيعًا حَتَّى يَدْخُلَ بِهِمْ الْجَنَّةَ، فَيَبْقَى قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا يَصْنَعُونَ الْمَعْرُوفَ فَيَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا كُنَّا نَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ حَتَّى نَدْخُلَ الْجَنَّةَ» . (فَائِدَةٌ) : رُئِيَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ مَا أَحْسَنُ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ عَطْفُ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَحْسَنُ مِنْهُ تَيَّةُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ثِقَةً بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «اتَّخِذُوا عِنْدَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِيَ فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ سِيرُوا إلَى الْفُقَرَاءِ فَيُعْتَذَرُ كَمَا يَعْتَذِرُ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا» . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَقَدْ تَأَدَّبَ السَّلَفُ فِي هَذَا بِأَدَبِ الْمُصْطَفَى ﷺ حَتَّى حُكِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي مَجْلِسِهِ أُمَرَاءُ. وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: الْفَقْرُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ دَاعٍ إلَى الْإِنَابَةِ وَالِالْتِجَاءِ إلَيْهِ وَالطَّلَبِ مِنْهُ، وَهُوَ حِلْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرُتْبَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَزِيُّ الصُّلَحَاءِ وَمِنْ ثَمَّةَ وَرَدَ خَبَرُ إذَا رَأَيْت الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَبًا بِشَعَائِرِ الصَّالِحِينَ فَهُوَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ بَيْدَ أَنَّهُ مُؤْلِمٌ شَدِيدُ التَّحَمُّلِ. وَأَمَّا «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْفَقْرِ وَكَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا» فَعَنْ الْغَزَالِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَقْرَ لَيْسَ خَيْرًا مَحْضًا وَلَا شَرًّا مَحْضًا كَالْمَالِ بَلْ سَبَبٌ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا يُمْدَحُ مَرَّةً وَيُذَمُّ أُخْرَى وَالْبَصِيرُ الْمُمَيِّزُ يُدْرِكُ أَنَّ الْمَحْمُودَ مِنْهُ غَيْرُ الْمَذْمُومِ كَتَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ عَلَيْك بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْأَلُ رَبَّهُ حُبَّ الْمَسَاكِينِ» وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَيْضًا فِي الصُّرَّةِ مِنْ بُرْهَانِ الصِّحَاحِ أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُزْهِدٌ أَيْ قَلِيلُ الْمَالِ، وَلِهَذَا فُضِّلَ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ كَمَا سَبَقَ عَنْ بَحْرِ الْكَلَامِ وَأَيْضًا فِي الصُّرَّةِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفِقْهِ اتَّفَقَ الْمَشَايِخُ أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ. (وَ) مُعَاطَاةُ (أَنْوَاعِ الْكَسْبِ) بِنَفْسِهِ (مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ لِلْأَعْمَالِ الْمُبَاحَةِ كَرَعْيِ الْغَنَمِ) قِيلَ فِيهِ إشْبَاعُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَرْحَمَةُ لَهُمْ (وَسَقْيِ الْبُسْتَانِ وَالْكَرَمِ وَعَمَلِ الطِّينِ وَالْبِنَاءِ وَحَمْلِ الْحَطَبِ) لِنَفْسِهِ أَوْ لِلنَّاسِ بِالْأَجْرِ أَوْ لِلضَّعِيفِ لِمُجَرَّدِ الْمَرْحَمَةِ (عَلَى ظَهْرِهِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَأَمْثَالَهُ تَوَاضُعٌ) مَحْمُودٌ وَلَيْسَ بِتَذَلُّلٍ مَذْمُومٍ وَقَدْ (فَعَلَهُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈) الظَّاهِرُ مِنْ قَبِيلِ انْقِسَامِ الْآحَادِ إلَى الْآحَادِ وَلَوْ آحَادًا نَوْعِيَّةً (وَالْأَوْلِيَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ تَعَيُّنِ رُتْبَةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ لِمِقْدَارِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَرْضٌ وَمَا زَادَ فَمُبَاحٌ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ أَنْوَاعَ الْكَسْبِ فِي الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ الزِّرَاعَةُ أَوْ التِّجَارَةُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَأَكْثَرُهُ) الظَّاهِرُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَسْبِ (صَدَرَ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ) وَلَوْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ (عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعِينَ وَصَحَابَتِهِ الْمُكْرَمِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) . وَفِي الشِّرْعَةِ كَسَبَ إدْرِيسَ خِيَاطَةُ الثِّيَابِ وَدَاوُد يَعْمَلُ الدُّرُوعَ مِنْ الْحَدِيدِ وَالْخَلِيلُ يَحْرُثُ وَيُحْرَثُ لَهُ وَيَتَّجِرُ فِي الْبَزِّ أَيْضًا وَأَوَّلُ مَنْ نَسَجَ الْأَثْوَابَ آدَم وَعِيسَى يَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُهُ وَنُوحٌ نَجَّارٌ وَصَالِحٌ يَنْسِجُ الْأَكْسِيَةَ بِيَدِهِ، وَرَعْيُ الْغَنَمِ مِنْ دَأْبِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَبِيُّنَا عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ ذُكِرَ مَعَ سَائِرِهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَنْمَى التَّسْلِيمَاتِ رَعَى الْغَنَمَ لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى قَرَارِيطَ قَبْلَ الْوَحْيِ. وَعَنْ عَارِيَّةَ الْمُحَاسِبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ بِالْأَرْضِ وَأَلْبَسُ الصُّوفَ وَأَعْتَقِلُ الْعَنْزَ وَأَلْعَقُ أَصَابِعِي وَأُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ مَنْ حَمَلَ لِأَهْلِهِ الْفَاكِهَةَ وَالشَّيْءَ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ» ، وَذَكَرَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ وَاشْتَرَى وَشِرَاؤُهُ أَكْثَرُ وَآجَرَ وَاسْتَأْجَرَ وَإِيجَارُهُ أَكْثَرُ وَضَارَبَ وَشَارَكَ وَوَكَّلَ وَتَوَكَّلَ وَتَوْكِيلُهُ أَكْثَرُ وَأَهْدَى وَأُهْدِيَ لَهُ وَوَهَبَ وَاتَّهَبَ وَاسْتَدَانَ وَاسْتَعَارَ وَضَمِنَ عَامًّا وَخَاصًّا وَوَقَفَ وَشَفَعَ فَقَبِلَ تَارَةً وَرَدَّ أُخْرَى فَلَمْ يَغْضَبْ

стр. 498

وَلَا عَتَبَ وَحَلَفَ وَاسْتَحْلَفَ وَمَضَى فِي يَمِينِهِ تَارَةً وَكَفَّرَ أُخْرَى وَمَازَحَ وَلَمْ يَقُلْ إلَّا حَقًّا وَهُوَ الْقُدْوَةُ وَالْأُسْوَةُ» (وَالتَّجَنُّبُ) مِنْ الِاجْتِنَابِ (مِنْهُ) مِمَّا ذُكِرَ مِثْلُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُمْ (وَالتَّأَنُّفُ) أَيْ الْعَارُ (عَنْهُ كِبْرٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَبَّارِينَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِجَهْلِهِمْ) أَوْ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجَبِ عُلُومِهِمْ (يَعْكِسُونَ الْأَمْرَ) فَيُسَمُّونَ التَّوَاضُعَ ذُلًّا وَعَكْسَهُ تَوَاضُعًا، وَهَذَا لَيْسَ إلَّا مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَنَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ أَنْ يَرْزُقَنَا مُتَابَعَةَ نَبِيِّنَا جِنَانًا وَأَرْكَانًا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ فِي الدِّينِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ. [الْمَبْحَثُ الثَّانِي مِنْ الْخَمْسَةِ لِلْكِبْرِ] (الْمَبْحَثُ الثَّانِي) مِنْ الْخَمْسَةِ لِلْكِبْرِ (فِي أَقْسَامِ الْكِبْرِ) صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ (وَالتَّكَبُّرِ) إظْهَارِ تِلْكَ الصِّفَةِ لِلْغَيْرِ وَقِيلَ التَّكَلُّفُ وَالتَّطَبُّعُ بِهِ (وَآفَاتِهِمَا فَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ لَكِنْ فِي التَّفْرِيعِ حِينَئِذٍ خَفَاءٌ وَأَمَّا الْإِرْجَاعُ إلَى الْآفَاتِ أَوْ الْأَقْسَامِ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ التَّعْرِيفِ حِينَئِذٍ فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الرَّاجِعِ وَالْمُرْجَعِ، وَالْأَوْجَهُ الْمَبْحَثُ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْأَقْسَامِ وَفِي ضِمْنِهَا الْأَحْكَامُ وَالْآفَاتُ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْعِلَاجُ الْإِجْمَالِيُّ لَا التَّفْصِيلِيُّ فَالْمَحْذُورُ فِي التَّفْصِيلِيِّ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ مُصَرَّحٍ، وَالْمُصَرَّحُ الْإِجْمَالِيُّ وَلَيْسَ بِمَحْذُورٍ (يُعْرَفُ الْعِلَاجُ) لِلْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ (الْجُمَلِيُّ) الْإِجْمَالِيُّ (قَدْ عَرَفْت) مِنْ تَعْرِيفِ التَّكَبُّرِ فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ (أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ مِنْ مُتَكَبَّرٍ عَلَيْهِ وَهُوَ) أَيْ الْمُتَكَبَّرُ عَلَيْهِ (إمَّا اللَّهُ تَعَالَى) وَإِمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَإِمَّا سَائِرُ الْخَلْقِ (وَهُوَ) أَيْ مَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ) أَشَدُّهَا فُحْشًا؛ لِأَنَّهُ تَكَبُّرُ الْمَمْلُوكِ الْحَقِيقِيِّ الْعَاجِزِ عَلَى السَّيِّدِ الْحَقِيقِيِّ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَوْ لِكَوْنِ فَضَاحَتِهِ وَمَلَامَتِهِ وَاضِحَةً أَوْ لِكَوْنِ جَزَائِهِ وَعُقُوبَتِهِ أَعْظَمَ (مِثْلُ نُمْرُودَ) مُدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ فَأُرْسِلَ إلَيْهِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ التَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ وَهَمَّ بِإِحْرَاقِهِ (حَيْثُ حَدَّثَ نَفْسَهُ) عَزَمَ وَهَمَّ فِي قَلْبِهِ (أَنْ يُقَاتِلَ رَبَّ السَّمَاءِ فَاتَّخَذَ النُّسُورَ وَطَارَ بِهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ فَرَمَى السِّهَامَ نَحْوَ السَّمَاءِ فَعَادَتْ إلَيْهِ بِالدَّمِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَتَلَ رَبَّ السَّمَاءِ ثُمَّ رَكِبَ بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، فَقَالَ يَا إبْرَاهِيمُ إنْ كَانَ لِرَبِّك مُلْكٌ فَلْيُرْسِلْ عَسْكَرًا وَلْيُحَارِبْ مَعِي فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى جُنْدَ الْبَعُوضَةِ فَأَهْلَكَتْهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّفَاسِيرِ (وَمِثْلُ فِرْعَوْنَ) مُدَّعِي الْأُلُوهِيَّةِ (حَيْثُ قَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى) عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِي أَمْرَكُمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ مُوسَى فَكَذَّبَهُ فَأَغْرَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَحْرِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ لِلْعَالَمِ كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَفَضَاحَةُ مُدَّعِيهِ ظَاهِرَةٌ لِوُضُوحِ كَذِبِهِ قُلْنَا أُجِيبُ أَنَّهُ دَهْرِيٌّ مُنْكِرٌ لِصَانِعِ الْعَالَمِ وَالْبَعْثِ فَمُرَادُهُ أَنَّهُ هُوَ الْمُحْسِنُ وَالْمُرَبِّي الْمُنْعِمُ إلَيْكُمْ لَا غَيْرُ وَقِيلَ إنَّمَا قَوْلُهُ ذَلِكَ لِحِيرَتِهِ وَدَهْشَتِهِ مِنْ انْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً

стр. 499

عَظِيمَةً وَظُهُورِ عَجْزِهِ وَضَعْفِهِ كَانَ كَمَسْلُوبِ الْعَقْلِ فَقَالَ مَا قَالَ (وَإِمَّا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إمَّا الْمُتَكَبَّرُ عَلَيْهِ (رَسُولُهُ) أَيَّ رَسُولٍ كَانَ (﵊ كَبَعْضِ الْكَفَرَةِ حَيْثُ قَالُوا) اسْتِهْزَاءً ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] الْإِشَارَةُ لِلتَّحْقِيرِ وَقَالُوا أَيْضًا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١] أَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَقِيلَ الطَّائِفُ بَدَلَ الْمَدِينَةِ ﴿عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] بِالْجَاهِ وَالْمَالِ عَنْ الْوَاحِدِيِّ يُرِيدُونَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَكَّةَ وَعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ مِنْ الطَّائِفِ (وَأَمَّا سَائِرُ الْخَلْقِ) غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِينَ فَأَيْضًا عَظِيمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكِبْرَ وَالْعَظَمَةَ لَا يَلِيقُ إلَّا بِالْمَلِكِ الْقَادِرِ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ الْعَاجِزُ فَمِنْ أَيْنَ يَلِيقُ بِهِ الْكِبْرُ فَمَهْمَا تَكَبَّرَ الْعَبْدُ نَازَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي صِفَةٍ لَا تَلِيقُ إلَّا بِجَلَالِهِ، الثَّانِي أَنَّهُ يَدْعُو إلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ إذَا سَمِعَ الْحَقَّ مِنْ عَبْدٍ اسْتَنْكَفَ مِنْ قَبُولِهِ وَتَشَمَّرَ لِجَحْدِهِ وَذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْكَافِرِينَ. (وَغَائِلَةُ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ مُنَازَعَةُ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ) فَإِنْ قِيلَ هَذَا يُوجِبُ كَوْنَ الْكِبْرِ كُفْرًا مُطْلَقًا قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِصَدَدِهِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَكُنْ فِي الْتِزَامِهِ، وَالِالْتِزَامُ غَيْرُ اللُّزُومِ وَالْكُفْرُ هُوَ الْأَوَّلُ فَإِنْ قِيلَ بِكُفْرِ الثَّانِي أَيْضًا كَمَا فِي الْخَيَالِيِّ وَلَوْ سَلِمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ اللُّزُومِ الْبَيِّنِ وَالْغَيْرِ الْبَيِّنِ وَيُدَّعَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ بَيِّنِ وَالْكُفْرُ مَا يَكُونُ بَيِّنًا فَالْحَمْلُ حِينَئِذٍ حَمْلُ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ (الْعَاجِزِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) ضَرًّا وَنَفْعًا إذْ الْأَمْرُ (لِلَّهِ الْمَلِكِ الْمَالِكِ) فِي مُقَابَلَةِ الْمَمْلُوكِ (الْقَهَّارِ الْقَادِرِ) فِي مُقَابَلَةِ الْعَاجِزِ (الْقَوِيِّ) فِي مُقَابَلَةِ الضَّعِيفِ فَقِيلَ فِي الْعِبَارَةِ طِبَاقٌ وَتَلْمِيحٌ لِأَثَرِ «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي صِفَةٍ لَا تَلِيقُ إلَّا بِجَلَالِهِ تَعَالَى) وَهِيَ الْكِبْرِيَاءُ (وَ) غَائِلَتُهُمَا (التَّأْدِيَةُ) الْوَصْلَةُ (إلَى مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ كَإِبْلِيسَ ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وَظَنَّ اللَّعِينُ أَنَّ النَّارَ لِارْتِفَاعِهَا وَلَطَافَتِهَا وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهَا وَضِيَائِهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَجَهِلَ كَوْنَ الطَّهَارَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِهِمَا فِي الْأَنْجَاسِ وَالْأَحْدَاثِ وَأَنَّ الْفَضْلَ لَيْسَ إلَّا فِي التَّوَاضُعِ كَالتُّرَابِ لَا فِي التَّعَلِّي وَالرِّفْعَةِ وَتَفْصِيلُهُ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ تَفْسِيرِ بَحْرِ الدُّرَرِ إجْمَالًا أَنَّهُ عِنْدَ ادِّعَاءِ اللَّعِينِ بِهَذَا جَاءَ نِدَاءٌ مِنْ جَانِبِ الْحِكْمَةِ يَا لَعِينُ حَالُ النَّارِ الِاضْطِرَابُ دَائِمًا وَحَالُ التُّرَابِ السُّكُونُ وَأَهْلُ السُّكُونِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ الِاضْطِرَابِ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ وَتُرَابَهَا مِسْكٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا نَارٌ وَأَنَّ النَّارَ هِيَ مَحَلُّ تَعْذِيبِ الْأَعْدَاءِ وَأَنَّ النَّارَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التُّرَابِ فِي التَّمَكُّنِ دُونَ التُّرَابِ

стр. 500

إلَى النَّارِ وَالنَّارُ سَبَبُ خَرَابٍ وَالتُّرَابُ سَبَبُ عِمَارَةٍ يَا لَعِينُ اُسْكُتْ فَلْيَتَنَاظَرْ عُنْصُرُ آدَمَ الَّذِي هُوَ التُّرَابُ مَعَ عُنْصُرِك الَّذِي هُوَ النَّارُ ثُمَّ قَالَتْ النَّارُ يَا تُرَابُ لِي صُورَةٌ صَافِيَةٌ وَسِيرَةٌ مُضِيئَةٌ وَمِنْ خَوَاصِّي أَجْعَلُ اللَّيَالِيَ بِأَنْوَارِي كَالنَّهَارِ وَأَرْفَعُ الظُّلُمَاتِ وَأَجْعَلُ الْأَشْجَارَ وَالْحَشَائِشَ رَمَادًا وَكُنْت مَظْهَرَ تَجَلِّي الْحَقِّ وَدَلِيلَ مَعْرِفَةِ الْهِدَايَةِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ التُّرَابُ يَا نَارُ صَنِيعُك هُوَ التَّرَفُّعُ وَصَنِيعِي هُوَ التَّوَاضُعُ فَقَرِّرِي حُجَّتَك وَبَاعِثَ تَرَفُّعِك، فَقَالَتْ أَنَا جَوْهَرٌ مُنَوَّرٌ وَمُضِيءٌ وَمَظْهَرُ ظُهُورٍ إنِّي أَنَا اللَّهُ وَمَحَلُّ انْتِقَامِ الْأَعْدَاءِ، فَقَالَ التُّرَابُ يَا نَارُ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ الْعِزَّةَ فِي الذِّلَّةِ وَالرَّاحَةَ فِي التَّوَاضُعِ فَأَثَرْت تَحْتَ الْأَقْدَامِ وَأَنَا مُتَحَمِّلٌ أَحْمَالَ الْأَنَامِ وَأَنَا خِزَانَةٌ دَفِينَةُ الْمَلَكُوتِ وَأَنَا كَعْبَةُ طَوَافِ الْخَلَائِقِ وَأَكُونُ تَارَةً خَلِيفَةَ الْمَاءِ الطَّهُورِ. ثُمَّ قَالَتْ النَّارُ لَا أَقْدِرُ عَلَى مُنَاظَرَتِك مَهْمَا تَرَفَّعْت أَنَا وَأَنْتَ تَتَوَاضَعُ وَلَكِنْ فَلْنَبْحَثْ بِكَلَامٍ مَرَّةً مِنِّي وَمَرَّةً مِنْك، فَقَالَتْ يَا تُرَابُ لِي نُورٌ فَقَالَ لِي شَوْقُ لِقَاءٍ فَقَالَتْ لِي صُعُودٌ إلَى كَرَّةِ النَّارِ فَقَالَ أَنَا أَتَحَمَّلُ الْأَحْمَالَ فِي الِاسْتِقَامَةِ فَقَالَتْ أَجْعَلُ اللَّيَالِيَ كَالنَّهَارِ فَقَالَ أُزَيَّنُ فَوْقِي بِأَنْوَاعِ الْأَزْهَارِ فَقَالَتْ أَنَا مَحَلُّ امْتِحَانِ الْجَوَاهِرِ فَقَالَ أَنَا مَحَلُّ سَتْرِ خَزَائِنِ الدَّفَائِنِ فَقَالَتْ أَنَا أُظْهِرُ الْغِلَّ وَالْغِشَّ فَقَالَ أَنَا أَسْتُرُ الْعُيُوبَ فَقَالَتْ أَنَا أُخْرِجُ الْجَوَاهِرَ مِنْ الْأَحْجَارِ الصُّلْبَةِ فَقَالَ أَنَا أُخْرِجُ الْوَرْدَ الْكَثِيرَ ذَا الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَالْأَلْوَانِ الْعَجِيبَةِ، فَبِالْآخِرَةِ قَالَ التُّرَابُ أَنَا مَادَّةُ خَلِيقَةِ اللَّهِ وَمَرْقَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِحْرَابِ أَهْلِ الْمُنَاجَاةِ وَمَحَلُّ سَجْدَةِ الطَّاعَاتِ لَا غَايَةَ لِفَضَائِلِي وَلَا نِهَايَةَ لِخَصَائِصِي لَكِنْ شَأْنِي السُّكُوتُ تَوَاضُعًا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي أَمْرٌ إلَهِيٌّ لَمْ أَذْكُرْ هَذَا الْقَدْرَ (فَإِذَا سَمِعَ) أَيْ الْمُتَكَبِّرُ (الْحَقَّ مِنْ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ اسْتَنْكَفَ مِنْ قَبُولِهِ) لِكِبْرِهِ (وَتَشَمَّرَ لِجَحْدِهِ) . قِيلَ وَلِذَلِكَ تَرَى الْمُنَاظِرِينَ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُبَاحِثُونَ عَنْ أَسْرَارِ الدِّينِ ثُمَّ إنَّهُمْ يَتَجَاحَدُونَ تَجَاحُدَ الْمُتَكَبِّرِينَ وَمَهْمَا اتَّضَحَ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنِفَ الْآخَرُ مِنْ قَبُولِهِ وَتَشَمَّرَ لِجَحْدِهِ وَاحْتَالَ لِدَفْعِهِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْحِيَلِ وَالتَّلْبِيسِ، وَمَا هُوَ إلَّا نَاشِئٌ مِنْ مُشَارَكَةِ إبْلِيسَ (وَيَكْفِيك فِيهِ) أَيْ فِي فُحْشِ الْكِبْرِ (قَوْله تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ﴾ [الأعراف: ١٤٦] أَمْنَعُ ﴿عَنْ آيَاتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] عَنْ فَهْمِ الْحِجَجِ وَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَأَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ كَلَامِي وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] يُظْهِرُونَ الْكِبْرَ ﴿فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] إمَّا صِلَةٌ لِلْكِبْرِ يَتَكَبَّرُونَ بِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ وَهُوَ دِينُهُمْ الْبَاطِلُ وَظُلْمُهُمْ الْمُفْرِطُ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ حَالٍ مِنْ فَاعِلِهِ أَيْ يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَمَّا الْحَقُّ فَكَالْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ (وَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٠١] بِحَيْثُ لَا يَفْهَمُ الْحَقَّ وَلَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَصِيرُ اخْتِيَارُهُ مَسْلُوبًا، وَهَذَا الْجَبْرُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ مُكَافَأَةً لِأَعْمَالِهِ الْخَبِيثَةِ، وَالْمُمْتَنِعُ الْجَبْرُ ابْتِدَاءً كَذَا قِيلَ. وَالْمُرَادُ بِالطَّبْعِ أَنْ تَحْدُثَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْئَةُ تَمَرُّنِهِمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَاسْتِقْبَاحِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ بِسَبَبِ غَيِّهِمْ وَتَكَبُّرِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فَتُجْعَلُ قُلُوبُهُمْ بِحَيْثُ لَا يَنْفُذُ فِيهَا الْحَقُّ وَأَسْمَاعُهُمْ تَعَافُ اسْتِمَاعَهُ فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا مَطْبُوعَةٌ لَا تَجْتَلِي لَهَا الْآيَاتُ الْمَنْصُوبَةُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ وَلَا طَبْعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ أَوْ مَثَّلَ قُلُوبَهُمْ الْمَؤْوُفَةَ بِأَشْيَاءَ ضُرِبَ حِجَابٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْتِنْفَاعِ بِهَا طَبْعًا ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] مِنْ الْجَبْرِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ فَإِذَا خُتِمَ عَلَى الْقَلْبِ بِطَبْعِهِ فَلَا يَكَادُ يَنْفَتِحُ لِمَوْعِظَةِ وَاعِظٍ وَلَا تَلِجُ الْعِبْرَةُ وَالنَّصِيحَةُ ﴿أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] إبْلِيسُ ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] اسْتَعْظَمَ وَعَدَّ نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ آدَمَ ﴿وَكَانَ﴾ [البقرة: ٣٤] صَارَ مِنْ الْكَافِرِينَ أَوْ كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] (د) أَبُو دَاوُد

стр. 501

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي» أَيْ كَالرِّدَاءِ فِي الِاخْتِصَاصِ فَلَا يَلِيقُ الْكِبْرُ إلَّا إلَيَّ فَالْمُنَازِعُ فِيهِ مُنَازِعٌ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِي فَمَنْ تَكَبَّرَ فَقَدْ جُنِيَ عَلَيْهِ. وَعَنْ الْكَلَابَاذِيِّ الرِّدَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَمَالِ وَالْبَهَاءِ وَعَنْ الْقَاضِي الْكِبْرِيَاءُ الْكِبْرُ وَهُوَ التَّرَفُّعُ عَلَى الْغَيْرِ بِأَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ شَرَفًا. وَالْعَظَمَةُ كَوْنُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ كَامِلًا شَرِيفًا مُسْتَغْنِيًا فَالْأَوَّلُ أَرْفَعُ إذْ هُوَ غَايَةُ الْعَظَمَةِ «وَالْعَظَمَةُ» وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَاهُ آنِفًا «إزَارِي» فِي الِاخْتِصَاصِ أَيْضًا. وَعَنْ الْكَلَابَاذِيِّ أَيْضًا الْإِزَارُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَلَالِ وَالسَّتْرِ وَالْجَمَالِ وَقِيلَ الْكِبْرِيَاءُ التَّرَفُّعُ عَنْ الِانْقِيَادِ فَأُلُوهِيَّتُهُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَمَّا سِوَاهُ، وَعَظَمَتُهُ وُجُوبُهُ الذَّاتِيُّ وَاسْتِغْنَاؤُهُ، وَمَثَّلَهُمَا بِالرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ إدْنَاءً لِلْمُتَوَهِّمِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ وَإِبْرَازًا لِلْمَعْقُولِ فِي صُورَةِ الْمَحْسُوسِ «فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا» الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ «قَذَفْته» رَمَيْته وَطَرَحْته «فِي النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْته» أَيْ أَذْلَلْته وَأَهَنْته أَوْ قَرَّبْت هَلَاكَهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذَا وَارِدٌ عَنْ غَضَبٍ شَدِيدٍ وَمُنَادٍ عَلَى سُخْطٍ عَظِيمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا «وَالْعِزُّ إزَارِي مَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْته» . قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِيهِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ الْكِبْرِ وَمِنْ آفَاتِهِ حِرْمَانُ الْحَقِّ وَعَمَى الْقَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَفَهْمِ أَحْكَامِهِ، وَالْمَقْتُ وَالْبُغْضُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ خَصْلَةً تُثْمِرُ لَك الْمَقْتَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَزَنَ فِي الدُّنْيَا وَالنَّارَ فِي الْآخِرَةِ وَتَقْدَحُ فِي الدِّينِ لَحَرِيٌّ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنْهَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «وَلَا أُبَالِي» بِمَا فَعَلْته مَعَهُ فِي نَارِ الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ عَنْ شُهُودِهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَنَارِ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ (م) مُسْلِمٌ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» الذَّرَّةُ وَاحِدَةُ الذَّرِّ وَهُوَ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ. وَقِيلَ مَا يُرَى مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ فِي الْكُوَّةِ وَقِيلَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَبَاءِ وَفِيهِ أَنَّهُ وَإِنْ صَغُرَ قَدْرُهُ عَظُمَ جَزَاؤُهُ إمَّا لِكُفْرِهِ إنْ مُتَشَبِّهًا بِهِ تَعَالَى أَوْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ تَعْذِيبِهِ عَلَى قَدْرِ كِبْرِهِ أَوْ حَتَّى يُزِيلَهُ عَنْهُ إمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي الْمَحْشَرِ أَوْ فِي النَّارِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِ فِي الشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ لِلتَّهْذِيبِ وَالتَّنْقِيحِ

стр. 502

حَتَّى يَلِيقَ بِجِوَارِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ «فَقَالَ رَجُلٌ» قِيلَ مُعَاذٌ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقِيلَ رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرٍ «إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا قَالَ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ» قِيلَ أَيْ كُلُّ أَمْرِهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَقِيلَ إنَّهُ ذُو النُّورِ وَالْبَهْجَةِ أَيْ مَالِكُهُمَا وَقِيلَ جَمِيلُ الْأَفْعَالِ بِكُمْ وَالنَّظَرِ إلَيْكُمْ يُكَلِّفُكُمْ الْيُسْرَ «يُحِبُّ الْجَمَالَ» أَيْ التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ فِي أَنْ لَا تُظْهِرُوا الْحَاجَةَ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى. فَالتَّجَمُّلُ هُوَ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي اسْتِعْمَالِ الْحُسْنِ فِي الرَّجُلِ وَالْجَمَالِ فِي اللَّهِ فَإِنَّ الْحُسْنَ بِالْعَرْضِ وَالْجَمَالَ بِالذَّاتِ كَمَا قِيلَ «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ» أَيْ رَدُّهُ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ عَنْ الزَّجَّاجِ الْبَطَرُ أَنْ يَطْغَى عِنْدَ النِّعْمَةِ أَيْ يَتَكَبَّرَ وَالْأَصْمَعِيُّ الْحِيرَةُ أَيْ يَتَحَيَّرُ عِنْدَ الْحَقِّ وَلَا يَرَاهُ حَقًّا ( «وَغَمْطُ النَّاسِ» أَيْ احْتِقَارُهُمْ بِأَنْ لَمْ يُرِهِمْ شَيْئًا وَقِيلَ الِاسْتِهَانَةُ وَالِازْدِرَاءُ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ» الْخِيَانَةِ وَالِاخْتِلَاسِ مِنْ الْمَغْنَمِ لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا مُطْلَقُهَا «وَالدَّيْنِ» دَيْنِ الْعِبَادِ أَوْ مُطْلَقِ الدَّيْنِ «دَخَلَ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ مُحْتَاجٌ إلَى التَّأْوِيلِ وَالتَّقْيِيدِ أَوْ مُجَرَّدُ الْبَرَاءَةِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا تُصَحِّحُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إيرَادِ الْأَحَادِيثِ هُوَ بَيَانُ غَوَائِلِ الْكِبْرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلَى طَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالِفِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا وَلَوْ سَلِمَ لَكَانَ ظَنِّيًّا عِنْدَ مُثْبِتِيهِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَطْلَبِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ إلَّا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَا مَنْعَ فِي كَوْنِهِ تَأْيِيدًا لِلنَّصِّ فَالْمَحْذُورُ مَا يَكُونُ لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً لَا مَا يَكُونُ تَأْيِيدًا ثُمَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الدَّيْنُ شَيْنُ الدِّينِ الْأَوَّل بِفَتْحِ الدَّالِ وَالثَّانِي بِكَسْرِ الدَّالِ وَالشَّيْنُ الْعَيْبُ وَالنَّقْصُ، وَفِيهِ أَيْضًا الدَّيْنُ رَايَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُذِلَّ عَبْدًا وَضَعَهَا فِي عُنُقِهِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَذَلِكَ بِالِاسْتِدَانَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ اسْتِدَانَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قِيلَ «إنَّهُ أَوْصَى فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَقَالَ يَا عَلِيٌّ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ عَلَيَّ كَذَا فَلَا تَمُوتَنَّ بِلَا أَدَائِهِ» أُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لِضَرُورَةٍ وَالذَّمُّ مَا يَكُونُ بِلَا ضَرُورَةٍ وَرُدَّ أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الضَّرُورَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَيَّرَهُ أَنْ تَكُونَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لَهُ ذَهَبًا وَأُجِيبُ أَنَّهُ خَيَّرَهُ فَاخْتَارَ الْقِلَّةَ وَالْقَنَاعَةَ فَالضَّرُورَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «الدَّيْنُ دَيْنَانِ فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَاكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» . وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إنْ عَنَى قَصْدَ الْأَدَاءِ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَطْلُ. وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «الدَّيْنُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ وَأَيْضًا فِيهِ الدَّيْنُ يُنْقِصُ مِنْ الدِّينِ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْقَصْدُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الدَّيْنَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْمَذَلَّةِ فَإِنْ لِضَرُورَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ قَدْ يَجِبُ وَلَا لَوْمَ عَلَى فَاعِلِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا قَالُوا بِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا اقْتِدَاءً بِالرَّسُولِ ﵊ وَإِظْهَارَ الْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مُعْطِيهِ فَمَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْخَيْرِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ صَرْفَهُ إلَى السَّفَهِ وَالْعِصْيَانِ (هَقّ) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي النَّارِ تَوَابِيتَ»

стр. 503

جَمْعُ تَابُوتٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَقِيلَ صُنْدُوقٌ قِيلَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْقَامُوسِ أَصْلُهُ تَابُوهُ وَلُغَةُ الْأَنْصَارِ بِالتَّاءِ وَعَنْ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ أَصْلُهُ تَابُوةٌ مِثْلُ تَرْقُوَةٍ وَهُوَ فَعْلُوَةٌ فَلَمَّا سُكِّنَتْ الْوَاوُ قُلِبَتْ هَاءُ التَّأْنِيثِ تَاءً. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ لَمْ تَخْتَلِفْ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا فِي التَّابُوتِ فَلُغَةُ قُرَيْشٍ بِالتَّاءِ وَلُغَةُ الْأَنْصَارِ بِالْهَاءِ فَاضْمَحَلَّ مَا يُقَالُ لَمْ أَرَهُ فِي الْقَامُوسِ «يُجْعَلُ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «فِيهَا الْمُتَكَبِّرُونَ فَتُقْفَلُ عَلَيْهِمْ» لِئَلَّا يَرَوْا أَحَدًا وَلَا يُرَوْا فَيَشْتَدَّ عَذَابُهُمْ فِي النَّارِ أَوْ لِتَضِيقَ وَتَشْتَدَّ عُقُوبَتُهُمْ (طِبّ) الطَّبَرَانِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ» قِيلَ إسْرَائِيلِيٌّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ «- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ مَرَّ بِالسُّوقِ وَعَلَيْهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ فَقِيلَ لَهُ مَا يَحْمِلُك» أَيُّ شَيْءٍ يَبْعَثُك «عَلَى هَذَا وَقَدْ أَغْنَاك اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا» أَيْ عَنْ حَمْلِ الْحَطَبِ عَلَى الظَّهْرِ لِأَجْلِ الْبَيْعِ لِكَثْرَةِ مَالِكَ. «قَالَ أَرَدْت أَنْ أَدْفَعَ الْكِبْرَ» قِيلَ عَنْ الْفُقَهَاءِ إذَا حَمَلَ الْغَنِيُّ مَتَاعَهُ فَإِنْ كَانَ لَثِقَلِ أُجْرَةِ الْحَمَّالِ عَلَيْهِ فَهُوَ دَنَاءَةٌ مُسْقِطٌ لِلْمُرُوءَةِ وَإِنْ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَمُجَاهَدَةً لِلنَّفْسِ فَخَيْرٌ وَطَاعَةٌ (سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ مِنْ كِبْرٍ» أَيْ لَا يَدْخُلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِلَا عَذَابٍ وَخِزْيٍ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يُعَاقَبَ بِمَا اجْتَرَحَهُ أَوْ لَا يَدْخُلُ أَصْلًا إنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا أَوْ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ، بَلْ بَعْدَ إزَالَتِهِ عَنْهُ إمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي الْعَذَابِ بِمِقْدَارِهِ (م) مُسْلِمٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى» وَأَكْثَرُ النُّسَخِ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ» «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» نَظَرَ رَحْمَةٍ وَمَغْفِرَةٍ فَإِنَّ مَنْ سَخِطَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَهَانَ بِهِ أَعْرَضَ عَنْهُ وَعَنْ التَّكَلُّمِ مَعَهُ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ «وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ» مَعَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَهُولِ ( «عَذَابٌ أَلِيمٌ» مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هُوَ الْعَذَابُ يَخْلُصُ إلَى قُلُوبِهِمْ وَجَعُهُ وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَلَمُ الْوَجَعُ الشَّدِيدُ «شَيْخٌ زَانٍ» لِاسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ الْحَقِّ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِهِ وَرَذَالَاتِ طَبْعِهِ إذْ دَاعِيَتُهُ قَدْ ضَعُفَتْ وَهِمَّتُهُ قَدْ فَتَرَتْ فَزِنَاهُ عِنَادٌ وَمُرَاغَمَةٌ؛ وَلِأَنَّ شَهْوَتَهُ مَقْهُورَةٌ فَزِنَاهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَطْبُوعًا بِهِ وَأَمَّا الشَّابُّ فَقَدْ تَقْهَرُهُ نَفْسُهُ عَلَيْهِ «وَمَلِكٌ كَذَّابٌ» لِأَنَّ الْكَذِبَ غَالِبٌ لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ وَالْمَلِكُ لَا يَخَافُ أَحَدًا فَيُضَايِقُهُ فَقَبِيحٌ لِفَقْدِ الضَّرُورَةِ «وَعَائِلٌ» فَقِيرٌ «مُسْتَكْبِرٌ» لِأَنَّ كِبْرَهُ مَعَ فَقْدِ سَبَبِهِ فِيهِ مِنْ نَحْوِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ مُسْتَحْكِمًا فِيهِ فَيَسْتَحِقُّ أَلِيمَ الْعَذَابِ وَفَظِيعَ الْعِقَابِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَمِ اللَّهِ فِي قَبُولِ عُذْرِ عَبِيدِهِ

стр. 504

مِمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْقَنَوِيُّ سِرُّ عَدِّ الْمَلِكِ الْكَذَّابِ مِنْهُمْ أَنَّ الْكَذِبَ قِسْمَانِ ذَاتِيٌّ وَصِفَاتِيٌّ فَالصِّفَاتِيُّ مَحْصُورٌ فِي مُوجِبَيْنِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَالْمَلِكُ مَحِلُّهُمَا ظَاهِرًا وَلَيْسَ حُكْمُهُ مَعَ الرَّعِيَّةِ بِصُورَةِ رَهْبَةٍ مِنْهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ فِيمَا عِنْدَهُمْ تُوجِبُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْكَذِبِ فَإِذَا كَانَ الْمَلِكُ كَذَّابًا فَلَا مُوجِبَ إلَّا لُؤْمُ الطَّبْعِ فَهُوَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهُ، وَالْأَوْصَافُ الذَّاتِيَّةُ الْجِبِلِّيَّةُ تَسْتَلْزِمُ نَتَائِجَ تُنَاسِبُهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ. وَعَنْ الْأَرْبَعِينَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَبُغْضُهُ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ أَوَّلُهَا يُبْغِضُ الشُّبَّانَ الْفُسَّاقَ وَبُغْضُهُ لِلشُّيُوخِ الْفُسَّاقِ أَشَدُّ وَالثَّانِي يُبْغِضُ الْبُخَلَاءَ وَبُغْضُهُ لِلْأَغْنِيَاءِ الْبُخَلَاءِ أَشَدُّ وَالثَّالِثُ يُبْغِضُ الْمُتَكَبِّرِينَ وَبُغْضُهُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُتَكَبِّرِينَ أَشَدُّ» . وَيُقَالُ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَحُبُّهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ أَوَّلُهَا يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَحُبُّهُ لِلشُّبَّانِ الْأَتْقِيَاءِ أَشَدُّ وَالثَّانِي يُحِبُّ الْأَسْخِيَاءَ وَحُبُّهُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَسْخِيَاءِ أَشَدُّ وَالثَّالِثُ يُحِبُّ الْمُتَوَاضِعِينَ وَحُبُّهُ لِلْأَغْنِيَاءِ الْمُتَوَاضِعِينَ أَشَدُّ» انْتَهَى (حَكَّ) الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ. (عَنْ طَارِقٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ خَرَجَ عُمَرُ) مُتَوَجِّهًا (إلَى الشَّامِ) إقْلِيمٍ مَعْرُوفٍ أَوَّلُهُ نَابُلُسُ وَآخِرُهُ الْعَرِيشُ (وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ) بْنُ الْجَرَّاحِ (فَأَتَوْا) أَيْ عُمَرُ مَعَ عَسْكَرِهِ (عَلَى مَخَاضَةٍ) مَوْضِعِ خَوْضِ الْمَاءِ (وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَنَزَلَ) عَنْهَا لِتَمَامِ نَوْبَةِ الرُّكُوبِ فَأَرْكَبَ غُلَامَهُ عَلَيْهَا (وَخَلَعَ خُفَّيْهِ) مِنْ قَدَمَيْهِ (فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ) تَوَاضُعًا (وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ) فِي الْمَاءِ (فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يُلَقَّبْ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ (أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا؟) بِاسْتِفْهَامٍ مُقَدَّرٍ لِلتَّعَجُّبِ (مَا يَسُرُّنِي) مَا يُعْجِبُنِي هَذَا الْفِعْلُ مِنْك (فَإِنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ) أَيْ الشَّامِ (اسْتَشْرَفُوك) يُقَالُ اسْتَشْرَفَ الشَّيْءَ إذَا ارْتَفَعَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى حَاجِبَيْهِ يَعْنِي: أَنَّ الْقَوْمَ يَنْظُرُونَ إلَيْك وَيُحَقِّرُونَ ذَلِكَ (فَقَالَ أَوَّهْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَاءِ كَلِمَةُ تَوَجُّعٍ (وَلَمْ يَقُلْ ذَا) إشَارَةً إلَى مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَحَدٌ (غَيْرُك) يَا (أَبَا عُبَيْدَةَ جَعَلْته) أَيْ هَذَا الْكَلَامَ (نَكَالًا) سَبَبَ نَكَالٍ وَعَذَابٍ (لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْعِزَّ وَالشَّرَفَ بِالْمَرَاكِبِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَلَابِسِ الْفَاخِرَةِ لَا بِالْإِسْلَامِ وَالْعِبَادَةِ فَيَحْصُلُ الْكِبْرُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ كَمَا ذَكَرَ الْمُحَشِّي، وَأَنَا أَقُولُ إنَّهُمْ أُسْوَةٌ لِلْأُمَّةِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُتَابَعَتِهِمْ بِلِسَانِ الرِّسَالَةِ لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِالِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ (إنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ) كَمَا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي جَهَالَةٍ وَقِيلَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَرَبَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَحْتَ طَاعَةِ الْفُرْسِ وَكَانَ سُلْطَانُهُمْ يَتَوَلَّى وَيُعْزَلُ بِأَمْرِ كِسْرَى وَكَانَتْ الشَّوْكَةُ حِينَئِذٍ لِلرُّومِ وَفَارِسَ (فَأَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ) بِكَثْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِشَرَفِ أَصْلِ الْإِسْلَامِ (فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّ بِغَيْرِ مَا) مِنْ نَحْوِ الْمَرَاكِبِ وَالْمَلَابِسِ (أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ) مِنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ (أَذَلَّنَا اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّهُ اعْتِزَازٌ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ وَمَنْ سَلَكَ إلَى غَيْرِ طَرِيقِ الْمَطْلُوبِ ضَلَّ سَعْيُهُ وَخَسِرَ كَدَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْعِزَّ بِالْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَإِذَا طُلِبَ الْعِزُّ بِغَيْرِهِ أَذَلَّهُ اللَّهُ فَأَفَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عِزٌّ وَرِفْعَةٌ وَالْكِبْرُ خِلَافُهُ فَإِنْ قِيلَ سُؤَالُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَارِدٌ عَلَى نَهْجِ الْقِيَاسِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إمَامًا أَوْ مُفْتِيًا أَوْ حَاكِمًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ

стр. 505

آخَرَ اتِّفَاقًا فَكَيْفَ يَلْزَمُ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ تَحْقِيقِيًّا لَا إلْزَامِيًّا وَإِقْنَاعِيًّا، وَفَقَاهَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ سَبَبِ فِعْلِهِ لَا الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ عَلَيْهِ وَأَمَّا وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَأَبِي الْيُسْرِ فَتَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ مُطْلَقًا. وَأَمَّا عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ كَالْكَرْخِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ فَلَا يُقَلَّدُ إلَّا فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَاحْتِجَاجُ الْمُصَنِّفُ إمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ أَوْ عَلَى مَنْعِ كَوْنِ سُؤَالِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ بَلْ الْقِيَاسُ هُوَ التَّوَاضُعُ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ الْخَلِيفَةِ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ مَنْ جَوَّزَ التَّقْلِيدَ بِلَا إيجَابٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْجَوَابُ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ وَكَانُوا سَاكِتِينَ ثُمَّ السَّامِعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا سَاكِتِينَ وَقَابِلِينَ وَيَكُونُ إجْمَاعًا وَقَدْ قَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ وُجُوبِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ إجْمَاعًا فِيمَا شَاعَ فَسَكَتُوا وَسَلَّمُوا. وَفِي كِتَابِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَقَعَ الرِّوَايَةُ هَكَذَا عَنْ طَارِقٍ أَنَّ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ لَقِيَهُ الْجُنُودُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ وَهُوَ آخِذٌ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ وَقَدْ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَجَعَلَهُمَا تَحْتَ إبْطَيْهِ، قَالُوا لَهُ الْآنَ يَلْقَاك الْجُنُودُ، قَالَ إنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنْ نَلْتَمِسَ الْعِزَّةَ بِغَيْرِهِ. وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ قِرْبَةً عَلَى عُنُقِهِ فَقِيلَ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا قَالَ نَفْسِي أَعْجَبَتْنِي فَأَرَدْت أَذِلُّهَا وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ طَافَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ فِي دَارٍ وَحَوْلَهَا صِبْيَانٌ يَبْكُونَ وَإِذَا قِدْرٌ يَغْلِي عَلَى النَّارِ بِالْمَاءِ فَسَأَلَ عَنْ بُكَائِهِمْ، فَقَالَتْ لِلْجُوعِ فَسَأَلَ عَنْ الْمَاءِ، فَقَالَتْ لِأُرِيَهُمْ مَرَقَةً وَأُعَلِّلَهُمْ بِهِ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ النَّوْمُ، فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ جَاءَ إلَى دَارِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَ فِي غِرَارَةٍ طَعَامًا وَلِبَاسًا وَدَرَاهِمَ، فَقَالَ يَا أَسْلَمُ احْمِلْ عَلَيَّ فَقُلْت أَنَا أَحْمِلُهُ فَقَالَ إنِّي أَنَا الْمَسْئُولُ فِي الْآخِرَةِ فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ فَجَاءَ مَنْزِلَ الْمَرْأَةِ وَجَعَلَ فِي الْقِدْرِ دَقِيقًا وَشَحْمًا وَتَمْرًا وَحَرَّكَهُ بِيَدِهِ وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ وَيَخْرُجُ الدُّخَانُ مِنْ خِلَالِ لِحْيَتِهِ حَتَّى طَبَخَ لَهُمْ فَأَطْعَمَهُمْ بِيَدِهِ فَخَرَجَ فَاطَّلَعَ عَلَى ضَحِكِ الصِّبْيَانِ وَسُرُورِهِمْ، فَقَالَ الْآنَ طَابَتْ نَفْسِي وَلِتَوَاضُعِهِ أَيْضًا قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا مَعَ سَائِرِ مَنَاقِبِهِ فِي شَرْحِ وَصَايَا إمَامِنَا أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ» النَّمْلِ الصَّغِيرِ فِي الذُّلِّ وَالْحَقَارَةِ جَزَاءً عَلَى وِفَاقِ عَمَلِهِمْ «فِي صُوَرِ الرِّجَالِ» زِيَادَةً فِي ذُلِّهِمْ وَحَقَارَتِهِمْ يَعْنِي جُثَّتَهُمْ كَجُثَّةِ الذَّرَّةِ وَصُورَتَهُمْ كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ «يَغْشَاهُمْ» يُحِيطُهُمْ «الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَان» يَتَضَاعَفُ ذُلُّهُمْ وَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا «يُسَاقُونَ إلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ» بِالزَّجْرِ وَالْقَهْرِ وَالسَّائِقُونَ هُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ غِلَاظٌ شِدَادٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] الْآيَاتِ «يُقَالُ لَهُ بُولَسٌ» بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ آخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، كَذَا قِيلَ عَنْ النِّهَايَةِ وَقِيلَ فُوعِلٌ مِنْ الْإِبْلَاسِ بِمَعْنَى الْيَأْسِ وَلَعَلَّ السِّجْنَ إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ بِهِ يَئِسَ مِنْ الْخَلَاصِ عَمَّا قَرِيبٌ وَإِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَوْ فَتْحِهَا فَلَعَلَّهُ أَعْجَمِيٌّ إذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ مِثَالُهُ أَقُولُ فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَأَمَّلْ فِيهِ «يَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ» يَغْشَاهُمْ وَيُحِيطُهُمْ نَارُ النِّيرَانِ فِي الْقَامُوسِ النَّارُ تُجْمَعُ عَلَى أَنْيَارٍ «يُسْقَوْنَ» عَلَى الْمَفْعُولِ «مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ» مَا يُعْصَرُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ لَعَلَّهَا الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ. «طِينَةِ الْخَبَالِ» بَدَلٌ مِنْ عُصَارَةِ وَالْخَبَالُ الْفَسَادُ أَيْ الطِّينَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ فَسَادِ أَبْدَانِ أَهْلِ النَّارِ وَقِيلَ اسْمُ مَوْضِعٍ فِي جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ كَالْحَوْضِ وَقِيلَ السُّمُّ الْقَاتِلُ وَالْهَلَاكُ وَالْعَنَاءُ وَالتَّعَبُ (م) مُسْلِمٌ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ

стр. 506

أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْمَدِينَةِ) يُنَصِّبُ خَلِيفَةً (فَيَأْتِي بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَشُقُّ السُّوقَ) يَعْنِي يَنْشَقُّ أَهْلُ السُّوقِ لَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لِيَمُرَّ هُوَ (وَ) الْحَالُ (هُوَ يَقُولُ جَاءَ الْأَمِيرُ) لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فَإِنَّ تِلْكَ الْحَالِيَّةَ مُنَافِيَةٌ لِلْإِمَارَةِ عَادَةً فَيَحْتَاجُ إلَى التَّعْرِيفِ وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَهْلُ السُّوقِ عَزْلَهُ مِنْ صَنِيعِ حَالِهِ وَلِيُفَسَّحَ لَهُ الطَّرِيقُ فَيُتِمَّ مَصْلَحَتَهُ وَيَقْضِيَ مَهَامَّ الْمُسْلِمِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ) يَقُولُ (طَرِّقُوا) أَيْ أَعْطُوا طَرِيقًا (لِلْأَمِيرِ حَتَّى يَنْظُرَ النَّاسُ إلَيْهِ) وَيَقْتَدُونَ بِهِ فِي تَوَاضُعِهِ مَعَ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ لِلتَّرْغِيبِ وَلِتَعْلِيمِ شَرَفِ التَّوَاضُعِ وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَقَهْرِهَا (خ) الْبُخَارِيُّ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَجُرُّ إزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ» أَيْ التَّكَبُّرِ «خُسِفَ بِهِ» فِي الْأَرْضِ «فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ» يَتَحَرَّك وَيَضْطَرِبُ يَعْنِي يَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا «فِي الْأَرْضِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قِيلَ عَنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إذْ خَسَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . فَحَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ لِجَرِّ إزَارِهِ عَلَى الْأَرْضِ لِكِبْرِهِ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَبِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكِبْرِ إذَا جُوزِيَ بِمَا تَرَى فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَّخِذُ الْكِبْرَ صَنْعَةً وَيَأْتِي بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَسِيرَتِهِ فَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالْعَاقِلُ يَنْزَجِرُ وَيَعْتَبِرُ مِنْ مِثْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ قَالَ يَقُولُونَ فِي) بِالتَّشْدِيدِ (التِّيهُ) أَيْ يَنْسُبُونَ إلَيَّ الْكِبْرَ أَوْ يَكُونُونَ فِي الْكِبْرِ (وَ) الْحَالُ أَنِّي (قَدْ رَكِبْت الْحِمَارَ) . وَمَا أَنِفْت مِنْ رُكُوبِهِ (وَلَبِسْت الشَّمْلَةَ) أَيْ الصُّوفَ (وَقَدْ حَلَبْت الشَّاةَ وَقَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ» ) أَيْ الثَّلَاثَةَ ( «فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ شَيْءٌ» ) لِأَنَّهَا مِنْ عَادَاتِ أَسَافِلِ النَّاسِ غَالِبًا. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَرَاءَةٌ مِنْ الْكِبْرِ لُبْسُ الصُّوفِ وَمُجَالَسَةُ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَرُكُوبُ الْحِمَارِ وَاعْتِقَالُ الْعَنْزِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ يَعْنِي بِقَصْدٍ صَالِحٍ لَا لِإِظْهَارِ الزُّهْدِ وَإِيهَامًا لِمَزِيدِ التَّعَبُّدِ وَمُجَالَسَةُ الْفُقَرَاءِ بِقَصْدِ إينَاسِهِمْ وَالتَّوَاضُعُ مَعَهُمْ وَنَحْوُ رُكُوبِ الْحِمَارِ وَاعْتِقَالِ الْعَنْزِ يَعْنِي اعْتِقَالَ الْعَنْزِ لِيَحْلُبَ لَبَنَهَا يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُبْعِدَةٌ عَنْ الْكِبْرِ

стр. 507

[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ مِنْ الْخَمْسَةِ فِي أَسْبَابِ الْكِبْرِ] (الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ) مِنْ الْخَمْسَةِ (فِي أَسْبَابِ الْكِبْرِ) فِي النَّفْسِ أَوْ الْحَاصِلِ فِي نَفْسِهِ (وَالتَّكَبُّرِ) إظْهَارِهِ لِلْغَيْرِ أَوْ الْحَاصِلِ بِالتَّكَلُّفِ (أَعْنِي مَا بِهِ الْكِبْرُ وَالتَّكَبُّرُ، وَالْعِلَاجِ التَّفْصِيلِيِّ، وَهِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ (سَبْعَةٌ) الْأَوَّلُ عِلْمٌ الثَّانِي عِبَادَةٌ الثَّالِثُ نَسَبٌ الرَّابِعُ جَمَالٌ الْخَامِسُ قُوَّةٌ السَّادِسُ مَالٌ السَّابِعُ أَتْبَاعٌ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ أَسْبَابَ الْكِبْرِ (بِاعْتِبَارِ الْجَهْلِ الْمُقَارَنِ بِهَا) بِالْبِنَاءِ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ نَعْتٌ لِلْجَهْلِ (لِأَنَّهَا) الْأَسْبَابَ (فِي أَنْفُسِهَا أَسْبَابٌ تَامَّةٌ وَعِلَلٌ مُوجِبَةٌ) بَلْ جُزْءُ سَبَبٍ وَعِلَّةٌ نَاقِصَةٌ فَمُحْتَاجَةٌ إلَى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهَا فَبِمُجَرَّدِهَا لَا تَكُونُ كِبْرًا وَلَا تَكَبُّرًا (فَسَبَبِيَّتُهَا) أَيْ الْأَسْبَابُ (فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إلَى الْجَهْلِ) فَيَنْشَأُ مِنْهُ الْأَسْبَابُ (فَعِلَاجُهُ) أَيْ الْجَهْلِ (إزَالَتُهُ) بِالتَّعَلُّمِ (وَسَنُبَيِّنُهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَوَّلُ الْعِلْمُ) الرَّسْمِيُّ (وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ) الْمُوصِلَةِ إلَى الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ النَّافِعُ فَلَا بَلْ مِنْ الْمُعَالَجَاتِ وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الضَّعَةِ وَالتَّوَاضُعِ فَالْفَضْلُ وَالشَّرَفُ الْوَارِدُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ لَهُ لَا لِلْأَوَّلِ بَلْ هُوَ وِزْرٌ وَوَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَفَاهُ كَوْنُ ثَمَرَتِهِ وَنَتِيجَتِهِ نَحْوُ كِبْرٍ وَتَكَبُّرٍ (وَأَشَدُّهَا وَأَصْعَبُهَا عِلَاجًا؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْعِلْمِ) فِي نَفْسِهِ (عَظِيمٌ) مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُتَعَلَّقِهِ (عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ النَّاسِ) أَيْضًا فَيَرَى نَفْسَهُ أَعْلَى وَأَشْرَفَ مِنْ الْغَيْرِ فَيَخَافُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْجُو لِغَيْرِهِ وَيَنْظُرُ إلَى الْغَيْرِ نَظَرَ الْحَقَارَةِ وَالْهَوَانِ فَهَذَا أَلْيَقُ بِأَنْ يُسَمَّى جَهْلًا، بَلْ الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ مَا يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ بِهِ نَفْسَهُ وَرَبَّهُ فَيَزِيدُ خَوْفُهُ وَتَوَاضُعُهُ وَخُشُوعُهُ وَيُفْضِي إلَى أَنْ يَرَى كُلَّ النَّاسِ أَوْلَى مِنْهُ لِعِظَمِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ لِلْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَمُقْتَضَاهُ، فَإِذَا كَانَ قَدْرُ الْعِلْمِ عَظِيمًا مُطْلَقًا فَكَانَ الْعِلَاجُ صَعْبًا فَإِنَّ زَوَالَ الْمُسَبَّبِ بِزَوَالِ السَّبَبِ فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ شَرِيفًا مُطْلَقًا كَانَ شَرَفُهُ ذَاتِيًّا فَلَا يَزُولُ فَيَصْعُبُ زَوَالُ الْمُسَبَّبِ فَافْهَمْ. (وَقَدْ سَمِعْت) فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ الثَّانِي (مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَكَوْنِهِ فَرْضًا) عَيْنًا وَكِفَايَةً، لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ مَا يَكُونُ سَبَبَ الْكِبْرِ هُوَ الرَّسْمِيُّ وَمَا ذُكِرَ لَيْسَ بِرَسْمِيٍّ بَلْ عِلْمٌ نَافِعٌ فَلَا تَقْرِيبَ وَأَنَّ مَا لَهُ فَضْلٌ وَوُجُوبٌ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي جُعِلَ آلَةَ الْعَمَلِ عَلَى الْخُلُوصِ وَمَا يَكُونُ سَبَبًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَبِهِ يُعْلَمُ حَالُ قَوْلِهِ (فَلَا مَجَالَ لِقَلْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَتَرْكِ تَعَلُّمِهِ) فَتَأَمَّلْ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فَضْلُهُ كَذَا وَحُكْمُهُ كَذَا يَمْتَنِعُ مُتَارَكَتُهُ هَكَذَا فَإِنْ قِيلَ إنَّ إتْيَانَ أَصْلِ هَذَا الْعِلْمِ وَاجِبٌ وَمَا دَعَاهُ مِنْ نَحْوِ الْكِبْرِ الْمُحَرَّمِ عَرْضِيٌّ وَمِنْ قَاعِدَةِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَنَّ الْأَمْرَ الذَّاتِيَّ لَا يَزُولُ بِالْعَوَارِضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ الْعَارِضُ فِي نَفْسِهِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى جِنْسِ مَا يَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ هُنَا قُلْنَا وَمِنْ قَاعِدَةِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَيْضًا دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ فَإِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ قُدِّمَ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ أَشَدُّ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» وَرُوِيَ فِي الْكَشْفِ حَدِيثُ: «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» ، وَمِنْ ثَمَّةَ تَرْكُ الْوَاجِبِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَلَمْ يُسَامِحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ خُصُوصًا الْكَبَائِرَ، كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ الطَّرِيقُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعِنْدَ إمْكَانِهِ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا. (فَإِنَّمَا عِلَاجُهُ) أَيْ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْكِبْرِ (بِمَعْرِفَتَيْنِ) إحْدَاهُمَا مَعْرِفَةُ أَنَّ فَضْلَهُ (إنَّمَا هُوَ بِمُقَارَنَةِ

стр. 508

النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ) فِي ابْتِدَائِهِ وَأَثْنَائِهِ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَخْلِيصَ نَفْسِهِ مِنْ الْجَهْلِ وَمَضَرَّةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَلَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الْوَظَائِفِ وَالْمَدَارِسِ وَالْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ وَسَوْقِ الدُّنْيَا وَإِلَّا لَانْقَلَبَتْ الْقَضِيَّةُ وَانْعَكَسَ الْأَمْرُ (وَالْعَمَلُ بِهِ وَنَشْرُهُ) كَالتَّدْرِيسِ (لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا طَمَعِ نَفْعٍ مِنْ النَّاسِ وَأَخْذِ مَالٍ عَلَيْهِ وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُقَارَنْ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ وَالنَّشْرِ وَلَمْ يَخْلُ عَنْ الطَّمَعِ وَأَخْذِ الْمَالِ (فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِ) الْأَمْرُ (فَيَصِيرُ أَخَسَّ مَرْتَبَةً مِنْ الْجَاهِلِ وَأَشَدَّ عَذَابًا مِنْهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ) وَعِنْدَ بَعْضٍ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ تَرَكَ فَرْضَيْنِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ وَالْفَاسِقَ تَرَكَ الْعَمَلَ فَقَطْ. وَأُجِيبَ أَنَّ ذَلِكَ الْفَرْضَ وَإِنْ وَاحِدًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ عَنْ عِلْمٍ كَانَ أَقْبَحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ لَيْسَ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» لَعَلَّ أَصْلَ هَذَا الْجَوَابِ مَا ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَنَا كَكَثْرَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشُّهْرَةِ وَإِنْ رَجَحَتْ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ وَكَذَا كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ وَالْفَرْقُ أَنَّ نَيْطَ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ، فَلَا تَرْجِيحَ وَإِنْ بِالْمَجْمُوعِ فَنَعَمْ أَقُولُ لَعَلَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ لَيْسَ الْجَهْلَ الصِّرْفَ وَإِلَّا فَكُفْرٌ، بَلْ فِيمَا وَرَاءَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ الْعِلْمَ الْفَرْضَ غَايَتُهُ تَرْكُ تَفْصِيلِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَدَقَائِقِهِ فَلَا يَصِلُ رُتْبَةَ الْفَرْضِ (فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَالِمِ) الَّذِي انْقَلَبَ عِلْمُهُ عَلَيْهِ وِزْرًا وَوَبَالًا لِقَلْبِهِ الْمَوْضُوعَ وَعَكْسِهِ الْمَعْقُولَ (أَنْ يَتَكَبَّرَ بِهِ) بِعِلْمِهِ ذَلِكَ (عَلَيْهِ) عَلَى الْجَاهِلِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ رُتْبَةً (وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الْعِلْمِ فَضِيلَةً مَشْرُوطٌ بِمُقَارَنَةِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَكَوْنُ عَذَابِ الْعَالِمِ الْفَاسِقِ أَشَدَّ مِنْ الْجَاهِلِ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ مِنْ (مَا خُرِّجَ) لَكِنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى وَإِنْ دَلَّ بَعْضُهُ عَلَى التَّمَامِ (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ» لِلتَّوَصُّلِ إلَى غَيْرِهِ كَالْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْأَمَانِيِّ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا كَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمُلُوكِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْحُكَّامِ «أَوْ» لَمْ يَتَعَلَّمْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ حُصُولِهِ «أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى» كَمَا ذُكِرَ «فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» فَلْيَتَّخِذْ فِيهَا نُزُلًا فَإِنَّهَا دَارُهُ وَقَرَارُهُ وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ لِاكْتِسَابِ الدُّنْيَا وَالرِّفْعَةِ فِيهَا كَمَنْ رَفَعَ الْعَذِرَةَ بِمِلْعَقَةٍ مِنْ يَاقُوتٍ» فَمَا أَشْرَفَ الْوَسِيلَةَ وَمَا أَخَسَّ الْمُتَوَسَّلَ إلَيْهِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد عَلَيَّ نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَك عَالِمًا مَفْتُونًا فَيَصُدَّك عَنْ مَحَبَّتِي، أُولَئِكَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَلَى عِبَادِي وَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ شَهِدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَعَّالُ وَأَنَّهُ لَا ضَارَّ وَلَا نَافِعَ إلَّا هُوَ وَأَنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ بِيَدِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنَالُ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا مَا قُسِمَ لَهُ كَيْفَ يَقْصِدُ بِعِلْمِهِ غَيْرَهُ تَعَالَى فَمَا فِي الْفَيْضِ (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 509

- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ الْمُحَشِّي يَعْنِي الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولَيْنِ وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَجَائِزٌ تَعَلُّمُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْضُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَبَعْضُهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ «لَا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ غَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْمَتَاعَ وَقِيلَ عِوَضًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ فَالْوَاوُ «لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا» مِنْ الرَّاوِي، وَفِي الْحَدِيثِ «وَإِنَّ عَرْفَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسَافَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» فَإِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ أَصْلًا إنْ أَوْصَلَهُ إلَى الْكُفْرِ أَوْ أَوَّلًا فَكَامِلُ الْإِيمَانِ لَا يَفْعَلُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبَى الْعِلْمُ أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ، وَحَدِيثُ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَشْكُلُ بِهِ فِي مَقَامِنَا هَذَا فَافْهَمْ (طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلَانِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ» بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَشْمَلَ الْبَذْلَ بِإِظْهَارِ الْعَمَلِ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي الْعَمَلِ «وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا» فِي مُقَابَلَةِ تَعْلِيمِهِ أَجْرًا، بَلْ طَلَبَ أَجْرَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا أُجْرَةُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ وَأَخْذُ وَظَائِفِ الدَّرْسِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ عُرِفَ مِنْ مَحَلِّهَا «وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا» يَعْنِي لَمْ يَبِعْهُ بِثَمَنٍ مِنْ أَثْمَانِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، بَلْ طَلَبَ الْجَزَاءَ مِنْ رَبِّ الْجَزَاءِ «فَذَلِكَ» الرَّجُلُ «يَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيتَانُ» جَمْعُ حُوتٍ «الْبَحْرِ» وَكَذَا النَّهْرُ وَالْغَدِيرُ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً إمَّا حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْهَا أَمْرٌ مُمْكِنٌ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَمَضْمُونُهُ وَاقِعٌ وَأَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مَا لَمْ يَصْرِفْ صَارِفٌ قَطْعِيٌّ كَمَا مَرَّ وَقَدْ قَالَ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحشر: ١] ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ، وَحِكْمَةُ تَسْبِيحِهِمْ لِتَنْفَعَهُمْ بِالْعِلْمِ إذْ بِالْعِلْمِ يُدْرَى أَنَّ الطَّيْرَ لَا يُؤْذَى وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُذْبَحُ إلَّا فِيمَا شُرِعَ وَلَا يُعَذَّبُ بِجُوعٍ وَظَمَإٍ وَحَبْسٍ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ لَا يُطِيقُهُ وَلَا يَجُوزُ الصَّيْدُ لِلتَّلَهِّي كَمَا فِي الْفَيْضِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ نُزُولَ الرَّحْمَةِ إنَّمَا هُوَ بِصَلَاحِ الْعَالِمِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَإِمَّا مَجَازٌ بِمَعْنَى أَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْأَرْضِيَّةِ اسْتِغْفَارَةً مُسْتَجَابَةً حَكَاهُ عَنْ الْحَلِيمِيِّ فِي الْفَيْضِ أَيْضًا لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ الْعَادِيِّ وَعَلَى تَأْوِيلِ النُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ فِي إمْكَانِ ذَلِكَ «وَدَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ» مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِوُصُولِ بَرَكَةِ الْعِلْمِ إلَيْهِمْ أَوْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَقِيلَ إنَّ الْحَالَ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ «وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ» تَعَالَى «عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى» وَلَمْ يُعَلِّمْ وَلَمْ يُدَرِّسْ وَلَمْ يُصَنِّفْ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ وَالْإِمْكَانِ «وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَشَرَى بِهِ ثَمَنًا» وَلَوْ قَلِيلًا؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقْلِيلِ حُكِيَ عَنْ تَاجِ الدِّينِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ، أَمَّا عِلْمٌ يَكُونُ مَعَهُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّمَلُّقُ لِأَرْبَابِهَا وَصَرْفُ الْهِمَّةِ إلَى اكْتِسَابِهَا وَالْجَمْعُ وَالِادِّخَارُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالِاسْتِكْثَارُ وَطُولُ الْأَمَلِ وَنِسْيَانُ الْآخِرَةِ فَمَا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ عِلْمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلْ يَنْتَقِلُ الشَّيْءُ الْمَوْرُوثُ إلَى الْوَارِثِ إلَّا بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا عِنْدَ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ، وَمَثَلُ مَنْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَوْصَافُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَثَلِ الشَّمْعَةِ تُضِيءُ عَلَى غَيْرِهَا وَهِيَ تُحْرِقُ نَفْسَهَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ الْعَالِمِ الَّذِي عِلْمُهُ

стр. 510

مَنْ هَذَا وَصِفَتُهُ هَكَذَا حُجَّةً عَلَيْهِ وَسَبَبًا فِي تَكْثِيرِ الْعُقُوبَةِ لَدَيْهِ «فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ كُلُّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْجُرْمِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَانِ الْوُجُوبِ كَالْإِفْتَاءِ عِنْدَ الِاسْتِفْتَاءِ وَالْإِرْشَادِ لَدَى الِاسْتِرْشَادِ وَتَعْلِيمِ عِلْمِ الْحَالِ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ «وَيُنَادِي مُنَادٍ هَذَا» لِلتَّحْقِيرِ «الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ» بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى «عِلْمًا» يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ «فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَشَرَى بِهِ ثَمَنًا وَذَلِكَ» أَيْ الْإِلْجَامُ «حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْحِسَابِ» مِنْ حِسَابِهِ أَوْ حِسَابِ الْخَلَائِقِ فَيُؤْمَرُ بِهِ بِمَنْزِلِهِ (خ م) الشَّيْخَانِ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) مُحِبِّ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنِ مُحِبِّهِ وَزَيْدٍ الَّذِي اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ ابْنًا (أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى» يُرْمَى ( «فِي النَّارِ فَيَنْدَلِقُ» يَخْرُجُ سَرِيعًا ( «أَقْتَابُ بَطْنِهِ» أَمْعَاؤُهُ «فَيَدُورُ بِهَا» أَيْ الْأَقْتَابِ ( «كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَى» حَوْلَ الطَّاحُونِ لِإِدَارَتِهِ «فَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ» وَهُمْ فِي عَذَابٍ «فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ مَا لَك» حَتَّى نَزَلْت هَذَا الْمَنْزِلَ الْمُهَابَ «أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ» إمَّا لِرَابِطَةٍ عَقْلِيَّةٍ بَيْنَ الْعَذَابِ وَالْعَمَلِ أَوْ لِلْقَرَائِنِ «فَيَقُولُ» ذَلِكَ الرَّجُلُ «بَلَى كُنْت آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ» وَلَكِنْ لَا أَعْمَلُ فِي نَفْسِي بِمَا أَمَرْت بِهِ الْغَيْرَ «وَلَا آتِيهِ» لَا أَفْعَلُ أَنَا «وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ» لَكِنْ أَيْضًا لَمْ أَنْتَهِ عَنْهُ، بَلْ «وَآتِيهِ» قَالَ تَعَالَى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ، لَكِنْ وَإِنْ كَانَ الْإِثْمُ عَظِيمًا عِنْدَ تِلْكَ الْحَالِ لَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِعَدَمِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْعَمَلُ فَيَأْمُرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَعَلَّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْرِ وَعَدَمِ الْعَمَلِ يَشْتَدُّ الْعَذَابُ (وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ) أَيْ أُسَامَةُ (وَإِنِّي سَمِعْته ﵊ يَقُولُ «مَرَرْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي» إلَى السَّمَاءِ «بِأَقْوَامٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَائِيلُ قَالَ خُطَبَاءُ أُمَّتِك» أَيْ وُعَّاظُهُمْ «الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» أَيْ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ قِيلَ أَمِيرٌ بِلَا عَدْلٍ كَسَحَابٍ بِلَا غَيْثٍ وَغَنِيٌّ بِلَا سَخَاوَةٍ كَشَجَرٍ بِلَا ثَمَرٍ وَعَالِمٌ بِلَا عَمَلٍ كَسِرَاجٍ بِلَا ضَوْءٍ (طِبّ) الطَّبَرَانِيُّ (نَعَمْ) وَأَبُو نُعَيْمٍ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ

стр. 511

«الزَّبَانِيَةُ أَسْرَعُ إلَى فَسَقَةِ الْقُرَّاءِ» أَيْ فَسَقَةِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ كَمَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ هَذَا الْمَخْرَجِ «مِنْهُمْ إلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ» الظَّرْفَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ وَالْوَثَنُ بِفَتْحَتَيْنِ الصَّنَمُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ «فَيَقُولُونَ» أَيْ الْفَسَقَةُ لِلزَّبَانِيَةِ وَالْقَوْلُ لِبَعْضِهِمْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ إلَخْ «أَيُبْدَأُ بِنَا قَبْلَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ» تَعَجُّبًا وَإِنْكَارًا مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحَاذِيَ الْكَفَرَةَ فِي الْعَذَابِ فَضْلًا عَنْ السَّبْقِ لَهُمْ «فَيُقَالُ لَهُمْ» مِنْ جَانِبِ الزَّبَانِيَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ النَّاسِ فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى الْعِلْمِ أَنْ يَعْلَمُوا وَجْهَ الِابْتِدَاءِ بِهِمْ قُلْنَا مُطْلَقُ الْعِلْمِ لَا يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ رُبَّ عَالِمٍ لَا يَعْلَمُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً سِيَّمَا الْأَشْيَاءُ الَّتِي خَفِيَ وَجْهُهَا وَدَقَّ فَهْمُهَا لِعَارِضٍ كَمَا أُشِيرَ أَوْ فِي نَفْسِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْهُ لِكَمَالِ دَهْشَتِهِ وَاضْطِرَابِهِ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ «لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ» فَإِنَّ الذَّنْبَ وَالْمُخَالَفَةَ تَعْظُمُ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْمُخَالِفِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِلتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْنَاقِكُمْ مِنْ الشَّعْرِ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُوبِقَاتِ إذْ كَانَتْ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى أَتَمَّ فَكَانَ الصَّغَائِرُ عِنْدَهُمْ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ كَبَائِرَ، فَبِهَذَا السَّبَبِ يَعْظُمُ مِنْ الْعَالِمِ مَا لَا يَعْظُمُ مِنْ الْجَاهِلِ وَيُتَجَاوَزُ لَهُ مِنْ الْمَعَاصِي مَا لَا يُتَجَاوَزُ لِلْعَالِمِ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَشَدِّيَّةَ عَذَابِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ مِنْ الْكَافِرِ سِيَّمَا الْمُشْرِكُ الْعَابِدُ لِلْوَثَنِ وَالْإِجْمَاعُ وَصَرِيحُ النُّصُوصِ عَلَى خِلَافِهِ قُلْنَا يَجُوزُ أَنَّ كَوْنَ الْأَشَدِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَشَدِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِفَسَقَةِ الْقُرَّاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ بِنَحْوٍ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالْعَلَاقَةُ ظَاهِرَةٌ وَالسَّوْقُ قَرِينَةٌ أَوْ يُرَادُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ جِنْسُ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِنَحْوٍ مِنْ التَّمَحُّلِ أَيْضًا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ الْمُخَالِفُ لِصَرِيحِ الْقُرْآنِ أَوْ الْإِجْمَاعُ مُنْكَرٌ أَوْ مَوْضُوعٌ وَقَدْ قَالَ فِي الْفَيْضِ عَنْ ابْنِ حِبَّانَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ مَوْضُوعٌ وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ غَرِيبٌ وَقِيلَ عَنْ الذَّهَبِيِّ مُنْكَرٌ وَأَيْضًا فِي الْمِيزَانِ كَذَلِكَ لَكِنْ فِي الْفَيْضِ أَيْضًا عَنْ الْمُنْذِرِيِّ لَهُ مَعَ غَرَابَتِهِ شَوَاهِدُ صَحِيحَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي ذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ تِلْكَ الشَّوَاهِدُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ مَعَ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِهِ لِلْقِيَاسِ كَمَا عَرَفْت وَأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَاتُ الشَّيْءِ بَاطِلًا فَهَلْ يَصِحُّ بِالْوَصْفِ الْعَرْضِيِّ فَافْهَمْ (حَكَّ) الْحَاكِمُ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ ﵊) هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ﵊ «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى الْعِبَادِ» لِحِفْظِهِمْ الشَّرِيعَةَ مِنْ تَحْرِيفِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ فَفِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ وَالتَّعْوِيلُ فِي أَمْرِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ، وَالْأُمَنَاءُ جَمْعُ أَمِينٍ وَهُوَ الثِّقَةُ الْحَافِظُ لِمَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَوْجَبَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ سُؤَالَهُمْ حَيْثُ قَالَ - ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]- قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَإِذَا كَانُوا أُمَنَاءَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَكَفَّلَ كُلُّ عَالِمٍ بِإِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ أَوْ مَسْجِدٍ بِتَعْلِيمِ أَهْلِهَا دِينَهُمْ وَتَمْيِيزِ مَا يَضُرُّهُمْ مِمَّا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يُشْقِيهِمْ مِمَّا يُسْعِدُهُمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ إلَى أَنْ يُسْأَلَ، بَلْ يَتَصَدَّى لِدَعْوَةِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا النَّاسَ عَلَى جَهْلِهِمْ، بَلْ كَانُوا يُنَادُونَهُمْ فِي الْمَجَامِعِ وَيَدُورُونَ عَلَى دُورِهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ وَيَطْلُبُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَيُرْشِدُونَهُمْ فَإِنَّ مَرْضَى الْقُلُوبِ لَا يَعْرِفُونَ مَرَضَهُمْ كَمَا أَنَّ مَنْ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِهِ بَرَصٌ لَا يَعْرِفُ بَرَصَهُ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَلَى السَّلَاطِينِ أَنْ يُرَتِّبُوا فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ الْمَرْضَى إذْ لَيْسَ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ إلَّا مَيِّتٌ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا إلَّا سَقِيمٌ وَمَرَضُ الْقُلُوبِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَضِ الْأَبْدَانِ وَالْعُلَمَاءُ أَطِبَّاءُ وَالسَّلَاطِينُ قُوَّامُ دِيَارِ الْمَرْضَى فَكُلُّ مَرِيضٍ لَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ بِمُدَاوَاةِ الْعَالِمِ سُلِّمَ لِلسُّلْطَانِ لِيَكُفَّ شَرَّهُ عَنْ النَّاسِ كَمَا يُسَلِّمُ الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ لِمَنْ يُحِبُّهُ. وَأَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى رِوَايَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ أُمَّتِي» قَالَ الْفَيْضُ فِي شَرْحِهِ قَالَ الْخَطِيبُ

стр. 512

هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ أَعْلَامُ الدِّينِ وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ وَهُمْ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عِلْمًا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَعْرَفُ النَّاسِ بِأَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ثُمَّ أَطَالَ بِكَلَامٍ لَطِيفٍ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» فَإِنَّ الرُّسُلَ اسْتَوْدَعُوهُمْ الشَّرَائِعَ الَّتِي جَاءُوا بِهَا وَهِيَ الْعُلُومُ وَالْأَعْمَالُ وَكَلَّفُوا الْخَلْقَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فَهُمْ أُمَنَاءُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ وَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ وَوَافَقَ سِرُّهُ عَلَنَهُ كَانَ جَارِيًا عَلَى سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ الْأَمِينُ وَمَنْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَهُوَ الْخَائِنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ دَرَجَاتٌ فَلِذَلِكَ قَالَ «مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ» بِلَا مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ ضَرُورِيَّةٍ وَإِلَّا فَقَدْ يَجِبُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ «وَيَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا» لِأَنَّهُمْ إذَا دَخَلُوا فِيهَا تَلَطَّخُوا بِأَقْذَارِهَا وَتَدَنَّسُوا بِأَدْنَاسِهَا. «فَإِذَا دَخَلُوا فِي الدُّنْيَا» الَّتِي حُبُّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ «وَخَالَطُوا السُّلْطَانَ» الَّذِي لَا تَخْلُو خُلْطَتُهُ مِنْ الْمُدَاهَنَةِ وَالْخَوْضِ فِي الثَّنَاءِ وَالْإِطْرَاءِ فِي الْمَدْحِ وَفِيهِ هَلَاكُ الدِّينِ إذْ بِهِ يَهْتَزُّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ «فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ فَاعْتَزِلُوهُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَاحْذَرُوهُمْ» أَيْ خَافُوا مِنْهُمْ وَاسْتَعِدُّوا وَتَأَهَّبُوا لِمَا يَبْدُو مِنْهُمْ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّ تَقَرُّبَهُمْ بِاسْتِمَالَةِ قَلْبِهِ وَتَحْسِينِ قَبِيحِ فِعْلِهِ وَمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ وَإِنْ أَخْبَرُوهُ بِمَا فِيهِ نَجَاتُهُ اسْتَثْقَلَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ وَالْعُلَمَاءُ سَادَاتُ النَّاسِ، وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ بِلَا الْتِبَاسٍ مَا لَمْ يَتَنَجَّسُوا بِحُطَامِ الدُّنْيَا فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ سَقَطُوا مِنْ مَرَاتِبِهِمْ الْعَلِيَّةِ وَهَانُوا عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَفِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ (ز) الْبَزَّارُ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «تَعَرَّضْت أَوْ تَصَدَّيْت) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي (لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْت لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ غُفْرًا» أَسْأَلُك مَغْفِرَةً «سَلْ عَنْ الْخَيْرِ» لِأَنَّهُ الْأَحَبُّ الْحَرِيُّ أَنْ يُسْأَلَ يَعْنِي سَلْ عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خَيْرًا «وَلَا تَسْأَلْ عَنْ الشَّرِّ» أَيْ عَنْ النَّاسِ لَا عَنْ نَفْسِ الشَّرِّ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْهُ مَمْدُوحٌ وَإِنْ تُوُهِّمَ. ثُمَّ أَجَابَ بِقَوْلِهِ «شِرَارُ النَّاسِ» إنَّمَا أَجَابَ عَنْهُ بَعْدَ مَنْعِ سُؤَالِهِ؛ لِأَنَّ فِي جَوَابِهِ فَوَائِدَ مُهِمَّةً وَمَقَاصِدَ جَمَّةً، وَالْأَقْرَبُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْمَنْعَ الْأَصْلِيَّ بَلْ بَيَانٌ لِلْأَوْلَى وَالْأَحْرَى «شِرَارُ الْعُلَمَاءِ» لِأَنَّهُمْ عَصَوْا رَبَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ، وَالْمَعْصِيَةُ مَعَ الْعِلْمِ أَقْبَحُ مِنْهَا مَعَ الْجَهْلِ قَالَ عِيسَى ﵊ مَثَلُ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ مَثَلُ صَخْرَةٍ وَقَعَتْ عَلَى فَمِ النَّهْرِ لَا تَشْرَبُ وَلَا تَتْرُكُ الْمَاءَ يَخْلُصُ إلَى الزَّرْعِ وَمَثَلُ قَنَاةِ الْبَالُوعَةِ ظَاهِرُهَا جَصٌّ وَبَاطِنُهَا نَتْنٌ وَمَثَلُ الْقُبُورِ ظَاهِرُهَا عَامِرٌ وَبَاطِنُهَا عِظَامُ الْمَوْتَى، وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ هَذَا الْمَخْرَجِ «شِرَارُ أُمَّتِي شِرَارُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّاسِ» . (طص) الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ (هَقّ) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ» لِأَنَّ عِصْيَانَهُ

стр. 513

عَنْ إدْرَاكٍ وَلِذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ لِكَوْنِهِمْ جَحَدُوا بَعْدَ الْعِلْمِ وَكَانَ الْيَهُودُ شَرًّا مِنْ النَّصَارَى لِكَوْنِهِمْ أَنْكَرُوا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْظَمَهُمْ ثَوَابًا عَالِمٌ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَالْعِلْمُ لَا يُهْمِلُ الْعَالِمَ بَلْ يُهْلِكُهُ هَلَاكَ الْأَبَدِ أَوْ يُحْيِيهِ حَيَاةَ الْأَبَدِ فَمَنْ لَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ فَهَيْهَاتَ خَطَرُهُ عَظِيمٌ وَطَالِبُهُ طَالِبُ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْعَذَابُ السَّرْمَدُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمِلْكِ أَوْ الْهَلَكِ فَهُوَ كَطَالِبِ الْمُلْكِ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْإِصَابَةُ لَمْ يَطْمَعْ فِي السَّلَامَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ إنَّمَا كَانَ عَذَابُهُ أَشَدَّ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ يَعْلَمُ لَذَّةَ الْوُصُولِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَيَزِيدُ عَذَابُ الْعَالِمِ بِعَذَابِ عَدَمِ الْوُصُولِ عَلَى عَذَابِ الْجَاهِلِ بِالْعَذَابِ الْحِسِّيِّ وَقَدْ قَالُوا الْعَذَابُ الرُّوحَانِيُّ أَبْلَغُ مِنْ الْجُسْمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ فِي الْفَيْضِ عَنْ الْمُنْذِرِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ وَالذَّهَبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ غَرِيبٌ سَنَدًا وَمَتْنًا وَعَنْ الْغَيْرِ مَتْرُوكٌ، وَعَنْ ابْنِ عَدِيٍّ فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ مِقْسَمٍ وَعَامَّةُ حَدِيثِهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ إسْنَادًا وَمَتْنًا فَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ إلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ بِإِتْيَانِهِ مُجَرَّدُ التَّأْيِيدِ لَا الدَّلِيلُ مُسْتَقِلًّا، نَعَمْ قَالَ فِيهِ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ أَصِيلٌ إذْ فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مَرْفُوعًا «أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ وَالْمُصَوِّرُونَ وَعَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ» ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ عَزَاهُ الْمُؤَلِّفُ كَانَ أَحْسَنَ وَأَنَا أَقُولُ فَلَوْ عَزَاهُ هَذَا الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا لَكَانَ أَقْوَمَ مِنْهُ فِي الْحُسْنِ لِكَوْنِ هَذَا الْمَقَامِ مَقَامَ الِاحْتِجَاجِ وَإِثْبَاتُ الْمُدَّعَى دُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (حَدّ) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ) قِيلَ الْعَالِمُ الْمَشْهُورُ (أَنَّهُ قَالَ «نُبِّئْت» أَيْ أُخْبِرْت يَعْنِي أَخْبَرَنِي بَعْضٌ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَإِلَّا فَجِنْسُ مِثْلِ هَذَا الْمَطْلَبِ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالرَّأْيِ وَالدِّرَايَةِ، بَلْ مِنْ النَّقْلِيَّةِ «أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ يَتَأَذَّى أَهْلُ النَّارِ بِرِيحِهِ» الْمُنْتِنِ «فَيُقَالُ لَهُ» أَيْ مِنْ الْمُجَاوِرِ لَهُ فِي الْعَذَابِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الظَّاهِرُ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ أَمْكَنَ الْإِطْلَاقُ سِيَّمَا بِنَحْوِ بَعْضِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ «وَيْلَك مَا كُنْت تَعْمَلُ» فِي الدُّنْيَا «أَمَا يَكْفِينَا مَا نَحْنُ فِيهِ» مِنْ الْعَذَابِ «حَتَّى اُبْتُلِينَا بِك وَبِنَتْنِ رِيحِك، فَيَقُولُ كُنْت عَالِمًا فَلَمْ أَنْتَفِعْ بِعِلْمِي» لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَيْلَك مَعَ قَوْلِهِ أَمَا يَكْفِينَا إلَى آخِرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الِاسْتِفْهَامِ لِنَحْوِ التَّوْبِيخِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَإِرَادَتُهُمَا جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ فَائِدَةَ السُّؤَالَ إنَّمَا تَكُونُ لِنَحْوِ الِانْزِجَارِ وَالِاعْتِبَارِ أَوْ لِإِخْطَارِ الْمَضَرَّةِ لِئَلَّا يَعُودَ إلَى مِثْلِهِ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي تِلْكَ الدَّارِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ وَالتَّوْبِيخُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ، بَلْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لَا يَحْسِمُ مَادَّةَ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لِزِيَادَةِ تَفْضِيحِ هَذَا الْعَالِمِ وَتَخْجِيلِهِ وَلِزِيَادَةِ عَذَابٍ عَلَى عَذَابِهِ لَا يُنَاسِبُ كَوْنَ السَّائِلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ هَذَا النَّتْنِ تَعْذِيبٌ لَهُمْ بِمَا اسْتَحَقُّوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَالِاحْتِجَاجُ بِمُطْلَقِ الْمُرْسَلِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَكَلَامٌ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ قَالَ لَا يَكُونُ الْمَرْءُ عَالِمًا) مُعْتَدًّا بِهِ مَرْضِيًّا بِعِلْمِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ (حَتَّى يَكُونَ بِعِلْمِهِ عَامِلًا) فَالْعِلْمُ إنَّمَا يَنْفَعُ بِالْعَمَلِ كَإِبْلِيسَ عَالِمٌ بِدَقَائِقِ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي النَّصَائِحِ الْوَلَدِيَّةِ أَيُّهَا الْوَلَدُ لَا تَكُنْ مِنْ الْأَعْمَالِ مُفْلِسًا وَمِنْ الْأَحْوَالِ خَالِيًا تَيَقَّنْ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُجَرَّدَ لَا يَأْخُذُ الْيَدَ مِثَالُهُ لَوْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ فِي بَرِّيَّةٍ عَشَرَةُ أَسْيَافِ

стр. 514

هِنْدٍ مَعَ أَسْلِحَةٍ أُخْرَى وَكَانَ الرَّجُلُ شُجَاعًا وَأَهْلَ حَرْبٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَسَدٌ مَهِيبٌ مَا ظَنُّك هَلْ تَدْفَعُ الْأَسْلِحَةُ شَرَّهُ بِلَا اسْتِعْمَالِهَا وَضَرْبِهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تَدْفَعُ إلَّا بِالتَّحْرِيكِ وَالضَّرْبِ فَكَذَا لَوْ قَرَأَ مِائَةَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَتَعَلَّمَهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا لَا تُفِيدُهُ إلَّا بِالْعَمَلِ وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ حَرَارَةٌ وَمَرَضٌ صَفْرَاوِيٌّ يَكُونُ عِلَاجُهُ بِالسَّكَنْجَبِينِ وَالْكُشْكَابِ فَلَا يَحْصُلُ الْبُرْءُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِهِمَا كيرم وهزار جام مي بيمابي تامي نخوري بشدت شيدابي وَلَوْ قَرَأْت الْعِلْمَ أَلْفَ سَنَةٍ وَجَمَعْت أَلْفَ كِتَابٍ لَا تَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْعَمَلِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ (حك) حَاكِمٌ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِبَادٌ» جَمْعُ عَابِدٍ «جُهَّالٌ» جَمْعُ جَاهِلٍ يَعْنِي يُكْثِرُونَ الْعِبَادَةَ لَكِنْ مَعَ جَهْلِ أَحْوَالِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ «وَعُلَمَاءُ فُسَّاقٌ» يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الْفِسْقِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الْعِلْمِ الِامْتِنَاعُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَصَمَ رَجُلَانِ ظَهْرَيْ عَالِمٍ مُتَهَتِّكٍ وَجَاهِلٍ مُتَنَسِّكٍ وَعَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: فَسَادٌ كَبِيرٌ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ ... وَأَكْبَرُ مِنْهُ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكُ . هُمَا فِتْنَةٌ فِي الْعَالَمِينَ عَظِيمَةٌ ... لِمَنْ بِهِمَا فِي دِينِهِ يَتَمَسَّكُ وَمِنْ جُمْلَةِ فِسْقِهِمْ اخْتِلَاطُهُمْ بِعَوَامِّ النَّاسِ قَالَ سُفْيَانُ فِي جَهَنَّمَ وَادٍ لَا يَسْكُنُ فِيهِ إلَّا الْقُرَّاءُ الزَّائِرُونَ لِلْمُلُوكِ وَعَنْهُ أَيْضًا كُنْت تَكَلَّمْت فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَجْهًا فَأَكَلْت لُقْمَةً مِنْ يَدِ السُّلْطَانِ فَنَسِيت ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ شُؤْمِ تِلْكَ اللُّقْمَةِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الذُّبَابُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَحْسَنُ مِنْ قَارِئٍ عَلَى بَابِ هَؤُلَاءِ (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا» سَوَاءٌ عَمَّنْ طَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَكِنْ اقْتَضَى الْحَالُ تَعْلِيمَهُ «مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» جَزَاءً وِفَاقًا الْمُرَادُ هُوَ الْعِلْمُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ تَوَقُّفَ وُجُودٍ كَعِلْمِ الْكَلَامِ أَوْ كَمَالٍ كَالنَّحْوِ وَالْمَنْطِقِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أَهْلِهِ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِجَامًا مِنْ نَارٍ» هُوَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النُّصُوصِ يُفَسِّرُ بَعْضَهَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ كَالْحَلِيمِيِّ لَا الْمُطْلَقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُطْلَقٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ، وَالْحَدِيثِ نَصَّ فِي تَحْرِيمِ الْكَتْمِ وَإِنْ خَصَّهُ بَعْضٌ بِمَا يَلْزَمُهُ أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِهِ مَنْ كَتَمَهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَمَطْلُوبٌ، بَلْ وَاجِبٌ فَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ شَيْءٍ وَلَمْ يُجِبْ، فَقَالَ السَّائِلُ أَمَا سَمِعْت خَبَرَ «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أَهْلِهِ» إلَخْ اُتْرُكْ اللِّجَامَ وَاذْهَبْ فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَفْقَهُهُ فَكَتَمْته فَيُلْجِمُنِي وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]- تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الْعِلْمِ عَمَّنْ يُفْسِدُهُ أَوْ يَضُرُّ بِهِ أَوْلَى وَلَيْسَ الظُّلْمُ فِي إعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ بِأَقَلَّ مِنْ الظُّلْمِ فِي مَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ حَبْسَ كُتُبِ الْعِلْمِ فِي صُورَةِ الْكَتْمِ سِيَّمَا إنْ عَزَّتْ نُسْخَتُهُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ إيَّاكَ وَغُلُولَ الْكُتُبِ، قِيلَ وَمَا غُلُولُهَا قَالَ حَبْسُهَا، كَذَا فِي الْفَيْضِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ. (ز) الْبَزَّارُ (طط) طَبَرَانِيٌّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَظْهَرُ» يَغْلِبُ «الْإِسْلَامُ» عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ «حَتَّى يَخْتَلِفَ» يَجْرِيَ «التُّجَّارُ فِي الْبَحْرِ» سَلِيمًا وَأَمِينًا «وَحَتَّى يَخُوضَ» يَشْرَعَ «الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ» يُرَاءُونَ، ن وَيَتَكَبَّرُونَ

стр. 515

«يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَقُولُونَ مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا» كُلُّ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ «أُولَئِكَ» الْإِشَارَةُ لِلتَّحْقِيرِ «مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ «وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ» الْوَقُودُ مَا يُوقَدُ بِهِ النَّارُ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ لَا أَعْلَمُهُ) أَيْ الْحَدِيثَ الْآتِي (إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَالَ إنِّي عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ» لِأَنَّ الْعَالِمَ لَا يَدَّعِي الْعِلْمَ وَمُدَّعِي الْعِلْمِ لَا يَكُونُ عَالِمًا. وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَنْ رَأَيْته مُجِيبًا عَنْ كُلِّ مَا سُئِلَ وَمُعَبِّرًا لِكُلِّ مَا شَهِدَ وَذَاكِرًا لِكُلِّ مَا عَلِمَ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَهْلِهِ، وَدَعْوَى عَدَمِ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ عِلْمِهِ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت صُدُورَ لَا أَدْرِي مَنْ أَفْضَلُ الْبَشَرِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ التَّحِيَّةِ وَالتَّسْلِيمَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ، وَجَبْرَائِيلُ أَيْضًا حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُ حَتَّى سُئِلَ مِنْ اللَّهِ فَأَجَابَ بِالْمَسَاجِدِ وَفِي شِفَاءِ عِيَاضٍ «حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] سَأَلَ جَبْرَائِيلُ عَنْ تَأْوِيلِهَا فَقَالَ حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ ثُمَّ ذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎ يَأْمُرُك أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك، وَقَالَ لَهُ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] » انْتَهَى وَأَيْضًا حِينَ سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ أَمَّا تَسْتَحْيِي وَأَنْتَ مُفْتِي الْعِرَاقِيِّينَ، فَقَالَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ قَالُوا ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فَكَيْفَ أَنَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا لَا أَدْرِي فَقِيلَ أَنْتَ تَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَذَا فَكَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي فَقَالَ آكُلُ عَلَى قَدْرِ عِلْمِي وَلَوْ أَكَلْت عَلَى قَدْرِ جَهْلِي مَا كَفَانِي مَالُ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا، وَمِثْلُهَا عَنْ عِيَاضٍ وَعَنْ الْغَيْرِ وَلَعَلَّك سَمِعْته مَعَ زِيَادَةٍ فَارْجِعْ وَنُقِلَ عَنْ الْحِكَمِ الْعَطَائِيَّةِ لَأَنْ تَصْحَبَ جَاهِلًا لَا يَرْضَى عَنْ نَفْسِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ عَالِمًا يَرْضَى عَنْ نَفْسِهِ لَعَلَّ الْمَنْعَ عِنْدَ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالتَّكَبُّرِ وَنَحْوِهِمَا وَإِلَّا فَعِنْدَ الْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ فَيَجُوزُ. قَالَ الْمُصَنِّف ﵀ (وَلَا أَدْرِي عَالِمًا مُنْصِفًا) فَإِنَّ غَيْرَ الْمُنْصِفِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ (إذَا نَظَرَ وَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ) الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَخْبَارِ (بَلْ الظَّنُّ) الْغَالِبُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْيَقِينِ (أَنْ يَحْكُمَ) ذَلِكَ الْعَالِمُ (عَلَيْهَا) عَلَى نَفْسِهِ (بِهَا) بِهَذِهِ الْآفَاتِ الْمُهْلِكَاتِ (أَوْ بِبَعْضِهَا) كَمَا قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ أَيُّهَا الْعَالِمُ قَالَ لَسْت بِعَالِمٍ إنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ الْعِلْمُ لَا يُبْعِدُ عَنْ الْمَعَاصِي وَلَا يَحْمِلُ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَنْ يُبْعِدَ غَدًا عَنْ نَارِ جَهَنَّمَ (فَتَكَبُّرُهُ بِالْعِلْمِ جَهْلٌ مَحْضٌ) لِأَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَدَّ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ آلَةً لِلتَّوَاضُعِ لَا لِلْكِبْرِ قِيلَ لَيْتَ شِعْرِي مَنْ عَرَفَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ وَسَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ قَوْلِهِ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» كَيْفَ يُعَظِّمُ نَفْسَهُ وَيَتَكَبَّرُ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي النَّارِ، وَالْعَظِيمُ مَنْ خَلَا مِنْ النَّارِ. وَثَانِيَةُ الْمَعْرِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتْ أُولَاهُمَا مَعْرِفَةَ فَضْلِ الْعَالِمِ يَعْنِي الثَّانِي فِي عِلَاجِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْكِبْرِ (أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ الْعِبَادِ حَرَامٌ وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى)

стр. 516

كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي» وَقَالَ «إنَّ لَك عِنْدِي قَدْرًا مَا لَمْ تَرَ لِنَفْسِك قَدْرًا فَإِنْ رَأَيْت لِنَفْسِك قَدْرًا فَلَا قَدْرَ لَك» وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا مِنْ الدِّينِ فَاسْمُ الْعَالِمِ عَلَيْهِ كَذِبٌ وَمَنْ عَلِمَهُ لَزِمَهُ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ قَدْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ مَا يُحِبُّ مَوْلَاهُ (وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْعَالِمَ بَرِيءٌ مِنْ الْآفَاتِ الْمَذْكُورَةِ) كَمَا أَنَّ مُقْتَضَى الْعِلْمِ وَطَبْعَهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بِأَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُوصِ وَالنَّشْرِ كَذَلِكَ (وَأَنَّ لِعِلْمِهِ فَضْلًا) أَيْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ لِعِلْمِهِ فَضْلًا لِسَلَامَتِهِ مِنْ آفَاتِهِ (فَعِلْمُهُ يُورِثُ خَشْيَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] اقْتِبَاسٌ وَدَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ (وَ) يُورِثُ (تَوَاضُعًا لَا جَرَاءَةً عَلَى) مَعْصِيَةِ (اللَّهِ) تَعَالَى (وَأَمْنًا مِنْهُ) فِيهِ كَلَامٌ فَتَأَمَّلْ (وَكِبْرًا عَلَى عِبَادِهِ وَعُجْبًا) لِنَفْسِهِ ذِكْرُ الْعُجْبِ هُنَا تَطَفُّلِيٌّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ اسْتِلْزَامَ الْكِبْرِيَاءِ أَوْ عَكْسَهُ (فَلِذَا) أَيْ لِأَجْلِ إيرَاثِ الْعِلْمِ الْخَشْيَةَ وَالتَّوَاضُعَ (صَارَ الْأَنْبِيَاءُ مُتَوَاضِعِينَ) لِعِبَادِهِ تَعَالَى (خَاشِعِينَ) مِنْ جَنَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعِلْمُ ازْدَادَتْ الْخَشْيَةُ وَالتَّوَاضُعُ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ (لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كِبْرٌ وَلَا عُجْبٌ) أَصْلًا فَلَوْ كَانَ الْكِبْرُ جَائِزًا لِغَيْرِهِ تَعَالَى لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَكْثَرَ كِبْرًا فَإِذَا كَانَ حَرَامًا لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ تَعَالَى (فَحَقُّ الْعَبْدِ) يَبْتَهِلُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ) مِنْ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالْفُسَّاقِ وَالْفُجَّارِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُصَنِّفِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ فَإِنَّ «التَّكَبُّرَ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ» . (فَإِنْ نَظَرَ) الْعَالِمُ (إلَى جَاهِلِ) تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ التَّكَبُّرِ عَلَى أَحَدٍ (يَقُولُ هَذَا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى بِجَهْلٍ وَأَنَا عَصَيْته بِعِلْمٍ) لِأَنَّ الْكَيِّسَ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا يَقْضِ مِنْ أَمْرِهِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّهُ التَّسْلِيمُ الْمَذْكُورُ آنِفًا (فَهَذَا) أَيْ هَذَا الْجَاهِلُ (أَعْذَرُ مِنِّي) أَقْرَبُ إلَى كَوْنِهِ مَعْذُورًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ مَعَ الْعِلْمِ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ مِنْهُ مَعَ الْجَهْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَهْلُ عُذْرًا (وَإِنْ نُظِرَ إلَى عَالِمٍ يَقُولُ هَذَا عِلْمُ مَا لَمْ أَعْلَمْ) مِنْ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ (فَكَيْفَ أَكُونُ مِثْلَهُ) وَأَيْضًا يَقُولُ هَذَا يُؤَدِّي حَقَّ عِلْمِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَالْخُلُوصِ وَأَنَا لَسْت كَذَلِكَ لَكِنْ لِكَوْنِ الْكَلَامِ مَعَ نَفْسِ الْعِلْمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ إلَى جِهَةِ عَمَلِهِ لَكِنْ إنْ كَانَ سَابِقِيَّةُ عِلْمِ النَّاظِرِ أَوْضَحَ وَأَظْهَرَ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ كَالْمُدَاهَنَةِ فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ (وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا يَقُولُ إنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلِي وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَصْغَرَ) سِنًّا مِنْهُ (يَقُولُ إنِّي عَصَيْت اللَّهَ قَبْلَهُ)

стр. 517

فَيَكُونُ جُرْمِي أَكْثَرَ مِنْهُ فَكَيْفَ أَكُونُ مِثْلَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَإِنْ نَظَرَ إلَى مُسَاوِيهِ سِنًّا يَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِحَالِي وَلَا أَعْلَمُ، وَالْمَعْلُومُ أَوْلَى بِالتَّحْقِيرِ مِنْ الْمَجْهُولِ) . نُقِلَ هُنَا عَنْ رِعَايَةِ الْمُحَاسِبِيِّ مَا حَاصِلُهُ النَّاسُ عِنْدَك إمَّا مَسْتُورٌ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْك عِنْدَك لِتَيَقُّنِك مَكْرُوهَك دُونَهُ وَإِمَّا قَلِيلُ الذَّنْبِ مِنْ ذُنُوبِك فِي طُولِ عُمُرِك فَأَفْضَلُ مِنْك عِنْدَك وَإِمَّا كَثِيرُ الذَّنْبِ عِنْدَك مِنْك وَلَا شَكَّ أَنَّك تُفَارِقُهُ فِي عُمُرِك وَلَا تُفَارِقُ عَنْ نَفْسِك فَيَجُوزُ عَدَمُ عِصْيَانِهِ عِنْدَ عَدَمِ وُقُوفِك عَلَى حَالِهِ وَأَنْتَ تَعْرِفُ نَفْسَك أَنَّك لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِك وَلَسْت بِمُطَّلِعٍ عَلَى ضَمِيرِهِ فَذُنُوبُك عِنْدَك فِي الْحَقِيقَةِ أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَأَمَّا عِظَمُ الذُّنُوبِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ وَالْخَمْرِ مَعَ عَدَمِهَا مِنْك فَذَلِكَ الْغَيْرُ إمَّا لَيْسَ بِعَالِمٍ فَالْخَوْفُ عَلَيْك مَعَ عِلْمِك لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِك أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ لِجَوَازِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ فَلَا كِبْرَ بِذَلِكَ أَوْ عَالِمٌ فَاللَّازِمُ عَلَيْك هُوَ الشُّكْرُ لَهُ تَعَالَى عَلَى عِصْمَتِك مِنْ مِثْلِهَا مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا مِنْك وَعَلَيْك الْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَعَلَيْك الْخَوْفُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَى مِثْلِ مَا وَقَعَ هُوَ عَلَيْهِ وَمِمَّا يُحْتَمُ عَلَيْك وَالْحَالُ يَجُوزُ أَنْ يُخْتَمَ هُوَ بِخَيْرٍ وَأَنْتَ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنْتَ إنَّمَا مُوَكَّلٌ عَلَى نَفْسِك دُونَهُ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقْبَلَ صَالِحُ أَعْمَالِك وَيُقْبَلَ صَالِحُ عَمَلِهِ مِنْهُ فَيُغْفَرُ لَهُ دُونَك عَلَى أَنَّك لَا تَأْمَنُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مُفْسِدِ الْأَعْمَالِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ حَالَك فِي عِلْمِهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَقِيًّا عِنْدَهُ وَهُوَ سَعِيدٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْك الْخَوْفُ مِنْ ذَنْبِ غَيْرِك، بَلْ ذَنْبُك ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] فَأَنْتَ عَلَى الْخَوْفِ عَلَى الْغَيْرِ وَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ وَلَمْ يَرْضَ عَنْك وَكَمْ مِنْ رَاحِمٍ لِلْغَيْرِ لِعِصْيَانِهِ قَدْ رَجَعَ إلَى الْمَعَاصِي حَتَّى مَاتَ عَلَيْهَا وَتَابَ الْمَرْحُومُ وَمَاتَ عَلَيْهَا فَالْخَوْفُ عَلَى نَفْسِك أَوْلَى بِك مِنْ الْخَوْفِ عَلَى غَيْرِك وَإِذَا نَظَرْت إلَى الْغَيْرِ بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ عَلَى ظَنِّ خَيْرِيَّتِك مِنْهُ ذَاهِلًا عَمَّا سَلَفَ مِنْ فَرَطَاتِك وَجَاهِلًا حَالَك عِنْدَ خِتَامِك فَقَدْ جَمَعْت بَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وَالْكِبْرِ. (وَإِنْ نَظَرَ) ذَلِكَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ (إلَى مُبْتَدِعٍ) كَصَاحِبِ الْهَوَى (أَوْ كَافِرٍ) لَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ وَ (يَقُولُ مَا يُدْرِينِي) أَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُنِي دَارِيًا وَعَالِمًا بَكَوْنِي خَيْرًا مِنْهُ (لَعَلَّهُ يُخْتَمُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَيُخْتَمُ لِي بِمَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ) مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْكُفْرِ، فَلَيْسَ دَوَامُ الْهِدَايَةِ إلَيَّ كَمَا لَمْ يَكُنْ ابْتِدَاؤُهَا إلَيَّ وَلَيْسَ لَهُ دَوَامُ الشَّقَاوَةِ كَذَلِكَ فَبِمُلَاحَظَةِ الْخَاتِمَةِ يُنْفَى الْكِبْرُ وَعَنْ رِعَايَةِ الْمُحَاسِبِيِّ مَا حَاصِلُهُ وَعُصَارَتُهُ فَإِنْ قُلْت إنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ خُصَمَاءُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِمَّتُهُمْ إطْفَاءُ أَنْوَارِ السُّنَّةِ وَإِحْيَاءُ أَسَاسِ الضَّلَالَةِ وَمَذَلَّةُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالِافْتِرَاءُ بِالتَّأْوِيلِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْنَا بُغْضُهُمْ وَنَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ فَضَّلَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْعِصْمَةِ مِنْ التَّدَيُّنِ بِمِثْلِ أَدْيَانِهِمْ قُلْت نَعَمْ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَلْبُك نَاسِيًا لِمَا فَرَّطْت مِنْ الذُّنُوبِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّك مِنْ عِلْمِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ بِالشَّقَاوَةِ أَوْ السَّعَادَةِ أَوْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ فَلَا قَطْعَ لَك أَنَّك خَيْرٌ مِنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّك نَاجٍ وَأَنَّهُمْ الْهَالِكُونَ وَعِلْمُهُ تَعَالَى غَيْبٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَمُوتَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَهُمْ مَيِّتُونَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِك مَا هُمْ عَلَيْهِ عِيَاذًا بِهِ تَعَالَى فَاسْتِصْغَارُهُمْ وَظَنُّ النَّجَاةِ فِي نَفْسِك تَكَبُّرٌ فِي نَفْسِك وَاغْتِرَارٌ بِرَأْيِك. ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت إنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَإِنْ كَانُوا ضَالِّينَ، لَكِنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمَحْضُ فَلَا يَمْتَنِعُ قَلْبِي أَنْ أَكُونَ خَيْرًا مِنْهُ لِلْقَطْعِ فِي إيمَانِي مَعَ الْقَطْعِ فِي كُفْرِهِ وَأَنَا فِي احْتِمَالِ الْمَآلِ وَإِنْ كُنْت مُتَسَاوِيًا مَعَهُ لَكِنْ فِي اعْتِبَارِ الْحَالِ لَا ارْتِيَابَ فِي فَضْلِي عَلَيْهِ قُلْت نَعَمْ لَكِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَيَمُوتَ وَهُوَ أَعْبَدُ أَهْلِ زَمَانِهِ وَتَمُوتَ أَنْتَ أَكْفَرُ أَهْلِ زَمَانِك وَالْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ الْخَوْفِ مُمْتَنِعٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ كَوْنِ نَحْوِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَبِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى الْأَيْمَانِ يَنْظُرُونَ إلَى نَحْوِ عُمَرَ وَيَعْرِفُونَهُ ضَالًّا وَكَافِرًا وَلَا يَدْرُونَ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ فَاقَ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَعْلَمُونَ إكْرَامَهُ تَعَالَى إيَّاهُ وَكَانَ هُوَ كَافِرًا وَقَدْ ارْتَدَّ قَوْمٌ أَسْلَمُوا عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُتِلُوا وَمَاتُوا كُفَّارًا وَأَسْلَمَ مَنْ كَانَ كَافِرًا وَهُوَ مُؤْمِنُونَ وَقُتِلُوا شُهَدَاءَ وَمَاتُوا عَلَى الْإِيمَانِ فَإِنْ خِفْت الْخَاتِمَةَ وَالْعَاقِبَةَ فَلَنْ يَغْلِبَ عَلَى

стр. 518

قَلْبِك نَجَاتُك وَقَدْ اُحْتُمِلَ مَوْتُك عَلَى الْكُفْرِ وَهُمْ مَيِّتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ فَلَا جَرَمَ بَعْدَ مِثْلِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ تَنْفِي الْكِبْرَ وَالِاغْتِرَارَ. (وَإِنْ نَظَرَ) ذَلِكَ الصَّالِحُ (إلَى كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّا يُرَى شَرًّا مَحْضًا وَمُؤْذِيًا وَمُضِرًّا أَقُولُ بَعْدَمَا ذُكِرَ قِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ إذْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِمَّا قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَالْأَوْلَى إمَّا أَنْ لَا يَذْكُرَ أَوْ يَذْكُرَ قَبْلَ ذَلِكَ لَعَلَّ الْمَقَامَ لِكَوْنِهِ مُوجِبًا لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ لَمْ يَكْتَفِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، بَلْ اعْتَنَى بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَالصَّرَاحَةِ (يَقُولُ هَذَا لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا عِتَابَ وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ وَأَمَّا أَنَا عَصَيْته فَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لَهُمَا) الْعِتَابِ وَالْعَذَابِ (فَيَكُونُ مَصْرُوفَ الْهَمِّ إلَى نَفْسِهِ مَشْغُولَ الْقَلْبِ بِعَيْبِهِ لِخَوْفِهِ لِعَاقِبَتِهِ) مُعْرِضًا (عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ) . (فَإِنْ قُلْت كَيْفَ أَبْغُضُ الْمُبْتَدِعَ وَالْفَاسِقَ فِي اللَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِأَبْغَضُ (وَ) الْحَالُ أَنِّي (قَدْ أُمِرْت بِهِ) بِبُغْضِهِمَا (فَكَيْفَ أَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ رُؤْيَةِ نَفْسِي دُونَهُمَا) وَجَمْعُهُمَا تَنَافٍ وَأَيْضًا كُفْرُ الْكَافِرِ حَالًا ثَابِتٌ قَطْعًا وَإِيمَانُ الْمُؤْمِنِ حَالًا ثَابِتٌ أَيْضًا قَطْعًا بَعْدَ فَرْضِ تَسْلِيمِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْخَاتِمَةِ يَعْنِي اسْتِوَاءَ احْتِمَالِ خِتَامِ الْكَافِرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَخِتَامِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُخْتَمَ كُلُّ مَا هُوَ عَلَيْهِ حَالًا وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِيمَانِ الْحَالِيِّ (قُلْت تُبْغِضُ وَتَنْهَى) عَمَّا هُمَا عَلَيْهِ لَا لِتَعَلِّيكَ وَتَرَفُّعِكَ عَلَيْهِ، بَلْ (لِمَوْلَاك إذْ أَمَرَك بِهِمَا) بِالْبُغْضِ وَالنَّهْيِ (لَا لِنَفْسِك وَ) الْحَالُ (أَنْتَ فِيهِمَا لَا تَرَى نَفْسَك نَاجِيًا وَصَاحِبَك هَالِكًا) فِي الْبُغْضِ وَالنَّهْيِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَمَلَ نَفْسِهِ وَانْتِهَاءَهُ وَإِنْ تَمَّ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهُمَا لَكِنْ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الثَّانِي وَلَوْ عِنْدَ بَعْضٍ (بَلْ يَكُونُ خَوْفُك عَلَى نَفْسِك بِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَفَايَا ذُنُوبِك) كَالرِّيَاءِ الْخَفِيِّ (أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِك عَلَيْهِمَا) عَلَى الْمُبْتَدِعِ وَالْكَافِرِ لَا يَخْفَى أَنَّ خَفَايَا الذُّنُوبِ احْتِمَالٌ وَالْبِدْعَةُ وَالْكُفْرُ قَطْعِيٌّ وَالِاحْتِمَالُ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ (مَعَ الْجَهْلِ بِالْخَاتِمَةِ) أَمْرٌ احْتِمَالِيٌّ وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَإِنَّ سُوءَ الْخَاتِمَةِ مِنْ قَبِيلِ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ وَمِنْ قَوَاعِدِهِ أَيْضًا الْأَصْلُ الْعَدَمُ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ وَمِنْهَا أَيْضًا اسْتِدَامَةُ الشَّيْءِ تُعْتَبَرُ بِأَصْلِهِ فَالْأَصْلُ دَوَامُ الْحَالَةِ الْأُولَى مِنْ الْإِيمَانِ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكُفْرِ فِي الْكَافِرِ فَالْغَالِبُ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ عِنْدَ الْخَاتِمَةِ مَا هُمَا عَلَيْهِ حَالًا فَلَعَلَّ الْجَوَابَ الْحَاسِمَ لِمَوَادِّ الْإِشْكَالِ جَمِيعًا أَنْ يُقَالَ إنَّ حُرْمَةَ الْكِبْرِ إنَّمَا هِيَ لِكَوْنِهِ صِفَةً مُخْتَصَّةً بِهِ تَعَالَى لَا لِنَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَسْبَابِ وَأَنَّ صُدُورَ مِثْلِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَيْسَ الْعَبْدُ فِيهِ مُسْتَقِلًّا، بَلْ إنَّمَا هُوَ بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى مَحْضًا وَأَنَّ التَّكَبُّرَ بِجِنْسِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَأَنَّ النُّصُوصَ لَيْسَتْ بِمُعَلَّلَةٍ وَلَوْ عِنْدَ بَعْضٍ وَقَدْ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ تَعَبُّدِيٌّ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ لَهُ عِلَّةٌ وَوَجْهٌ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ وَلَوْ كَافِرًا ثُمَّ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ مِثَالًا جُزْئِيًّا لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ لَا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسِ الْمَعْقُولِ عَلَى الْمَحْسُوسِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ فِي الْمَقَامِ الْخَطَابِيِّ بِضَعِيفٍ كُلَّ الضَّعْفِ، فَقَالَ (فَتَكُونُ كَغُلَامٍ مَلَكَ أَمْرَهُ) أَيْ الْمَلِكُ أَمَرَ غُلَامَهُ (بِمُرَاقَبَةِ) مُحَافَظَةِ (وَلَدِهِ) الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ مَكَانَةٌ رَفِيعَةٌ سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغُلَامِ (وَ) أَمْرُهُ بِ (الْغَضَبِ عَلَيْهِ) فَالْعَطْفُ عَلَى الْمَجْرُورِ (وَضَرْبِهِ مَهْمَا أَسَاءَ) مِنْ السُّوءِ (فَيَغْضَبُ) (الْغُلَامُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَلَدِ

стр. 519

(وَيَضْرِبُهُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ وَتَقَرُّبًا لَهُ بِهِ) بِالضَّرْبِ (بِلَا تَكَبُّرٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَلَدِ (بَلْ هُوَ مُتَوَاضِعٌ لَهُ) لِلْوَلَدِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَلِكَ إمَّا أَمَرَ بِالتَّكَبُّرِ صَرِيحًا أَوْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الْتِزَامًا وَلَيْسَ بِمَعْقُولٍ أَنْ يُحَصِّلَ الْمَقْصُودُ مَعَ تَوَاضُعِهِ لِلْوَلَدِ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالضَّرْبِ لَا يَأْمُرُ بِالتَّوَاضُعِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ إذْ نَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ التَّكَبُّرِ وَأَمْرُهُ بِالتَّوَاضُعِ عِنْدَ بُغْضِ الْمُبْتَدِعِ وَالْكَافِرِ (يَرَى قَدْرَهُ) أَيْ قَدْرَ الْوَلَدِ عِنْدَ مَوْلَاهُ فَوْقَ قَدْرِ نَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَرَى قَدْرَ الْمُبْتَدِعِ وَالْكَافِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَوْقَ قَدْرِهِ سِيَّمَا حَالًا، وَأَمَّا الْخَاتِمَةُ فَأَمْرٌ احْتِمَالِيٌّ يَنْدُرُ وُقُوعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ قَالُوا الْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ الشَّائِعِ لَا لِلنَّادِرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْكِفَايَةِ. (فَكَذَلِكَ عَلَيْك أَنْ تَنْظُرَ إلَى الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ وَتَقُولَ رُبَّمَا كَانَ قَدْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمَ) مِنِّي فِي الْآخِرَةِ (لِمَا سَبَقَ) فِي عِلْمِهِ تَعَالَى (لَهُمَا مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الْأَزَلِ وَلِمَا سَبَقَ لِي مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ فِيهِ وَ) الْحَالُ (أَنَا غَافِلٌ عَنْهُ فَتَغْضَبُ وَتُنْهِي لِحُكْمِ الْأَمْرِ مَحَبَّةً لِمَوْلَاك إذْ جَرَى مَا يَكْرَهُهُ تَعَالَى) مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ (مَعَ التَّوَاضُعِ لِمَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ مِنْك عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ) فَهَكَذَا بُغْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَكْيَاسِ فَيُضَمُّ إلَيْهِ الْخَوْفُ وَالتَّوَاضُعُ وَأَمَّا الْغُرُورُ فَإِنَّهُ يَتَكَبَّرُ وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْجُو لِغَيْرِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِالْعَاقِبَةِ فَهَذَا سَبِيلُ التَّوَاضُعِ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ الْبِدْعَةَ مَعَ الْغَضَبِ عَلَيْهِ وَمُجَانَبَتِهِ لِحُكْمِ الْأَمْرِ. [وَالثَّانِي مِنْ الْأَسْبَابِ السَّبْعَةِ لِلْكِبْرِ الْعِبَادَةُ وَالْوَرَعُ] (وَالثَّانِي) مِنْ الْأَسْبَابِ السَّبْعَةِ لِلْكِبْرِ (الْعِبَادَةُ وَالْوَرَعُ) وَذَلِكَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْعِبَادِ وَلَا يَخْلُو عَنْ رَذِيلَةِ الْكِبْرِ وَاسْتِمَالَةِ قُلُوبِ النَّاسِ وَالزُّهَّادِ (فَإِنَّ الْعَابِدَ الْوَرِعَ قَدْ يَتَكَبَّرُ عَلَى الْفَاسِقِ، بَلْ عَلَى مَنْ لَا يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ مِنْ النَّوَافِلِ) وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ (وَ) مِنْ (الِاحْتِرَازِ عَنْ الشُّبُهَاتِ وَفُضُولِ الْحَلَالِ وَهَذَا) أَيْ التَّكَبُّرُ بِهَذَيْنِ (أَيْضًا) كَالتَّكَبُّرِ بِالْعِلْمِ مَذْمُومٌ نَاشِئٌ (مِنْ الْجَهْلِ) قِيلَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ إنَّمَا هُوَ الْمُتَوَاضِعُ ثُمَّ إنَّك هَلْ تَكُونُ أَعْبَدَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُمْ مُتَوَاضِعُونَ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ وَقَدْ مُثِّلَ الْعَالِمُ الْغَيْرُ الْعَامِلُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ دَائِمًا وَبِحِمَارٍ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فَأَيُّ خِزْيٍ أَعْظَمُ مِنْ التَّمْثِيلِ بِهِمَا وَأَيُّ عِتَابٍ أَشْنَعُ مِنْهُ. (فَعِلَاجُهُ أَيْضًا) كَالْعِلْمِ (مَعْرِفَتَانِ مَعْرِفَةُ أَنَّ فَضْلَ الْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ إنَّمَا يَكُونُ بِاسْتِجْمَاعِهِمَا) أَيْ الْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ (الشَّرَائِطَ) الَّتِي يَتَوَقَّفَانِ عَلَيْهَا شَرَائِطُ الْأَوَّلِ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَشَرَائِطُ الثَّانِي فِي كُتُبِ التَّصَوُّفِ (وَالْأَرْكَانَ) الَّتِي كَانَتْ فِي أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُرَاعِ أَنَّ جُزْءًا أَصْلِيًّا لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ رَأْسًا وَأَنَّ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُكَمِّلَةِ لَا تَصِحُّ كَمَالًا وَلَا كَذَا الشَّرَائِطُ، أَمَّا الْعِبَادَةُ فَكَالصَّلَاةِ الَّتِي شَرَائِطُهَا وَأَرْكَانُهَا وَمُرَاعَاتُهَا أَصْلًا وَكَمَالًا بِمُرَاعَاةِ وَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتِهَا وَفَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا الَّتِي حُرِّرَتْ فِي مَحَلِّهَا، وَأَمَّا الْوَرَعُ فَبَحْرٌ عَمِيقٌ وَحِمْلٌ ثَقِيلٌ وَفِعْلٌ صَعْبٌ وَأَمْرٌ ذُو تَعَبٍ فَحُصُولُهُ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا عَقْلًا لَكِنْ فَكَالْمُحَالِ عَادَةً فَلَا يَجْرُؤُ عَلَى دَعْوَى حُصُولِهِ عَاقِلٌ إلَّا مُتَعَصِّبٌ جَاهِلٌ؛ إذْ الْوَرَعُ عَلَى مَا فِي الْقُشَيْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ الْوَرَعُ تَرْكُ كُلِّ شُبْهَةٍ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِيك تَرْكُ الْفَضَلَاتِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -

стр. 520

كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الْحَرَامِ وَعَنْ الشِّبْلِيِّ الْوَرَعُ أَنْ تَتَوَرَّعَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الْوَرَعُ وَرَعٌ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ إلَّا بِاَللَّهِ وَوَرَعٌ فِي الْبَاطِنِ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ قَلْبَك سِوَاهُ وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ الْوَرَعُ الْخُرُوجُ عَنْ كُلِّ شُبْهَةِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ مَعَ كُلِّ طَرْفَةٍ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ مَكَثَ بِالْبَصْرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ تَمْرِ الْبَصْرَةِ وَلَا مِنْ رُطَبِهَا حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُذَقْهُ فَكَانَ إذَا انْقَضَى وَقْتُ الرُّطَبِ قَالَ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ هَذَا بَطْنِي مَا نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا زَادَ فِيكُمْ شَيْءٌ وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ وَلَعَلَّك سَمِعْته سَابِقًا (وَمُجَانَبَتُهَا الْمُفْسِدَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ) بِعَدَمِ مُرَاعَاةِ بَعْضِ شَرَائِطِهِمَا أَوْ بِعَدَمِ إتْيَانِ بَعْضِ مَوَادِّهِمَا لَكِنَّ الشُّبْهَةَ الْبَعِيدَةَ لَيْسَتْ مِمَّا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهَا فِيهِمَا كَتَرْكِ التَّزْوِيجِ مِنْ نِسَاءِ بَلَدٍ كَبِيرٍ خَوْفَ الْمَحْرَمِيَّةِ لَهُ وَتَرْكِ مَاءٍ فِي فَلَاةٍ لِجَوَازِ عُرُوضِ النَّجَاسَةِ أَوْ غَسْلِ ثَوْبٍ مَخَافَةَ لُحُوقِ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ الْوَرَعُ فِي مِثْلِهَا وَسْوَسَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَسَيُفَصِّلُ الْمُصَنِّفُ (وَمُقَارَنَتُهُمَا النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ) وَقْتَهُ وَقَدْ سَبَقَ (وَالْإِخْلَاصُ) وَهُوَ إفْرَادُ الْحَقِّ فِي الطَّاعَةِ بِالْقَصْدِ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِطَاعَتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعِ الْمَخْلُوقِ أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ مَدْحٍ مِنْ الْخَلْقِ أَوْ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي سِوَى التَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْته قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْت مِنْ عِبَادِي» ، وَقِيلَ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْخَلْقِ وَالصِّدْقُ وَالتَّنَقِّي مِنْ مُطَالَعَةِ النَّفْسِ (وَالتَّقْوَى) وَقَدْ سَبَقَ مَاهِيَّتُهَا وَتَحْقِيقُهَا وَتَفْصِيلُهَا مَتْنًا وَشَرْحًا (وَصَوْنُهُمَا عَنْ الْمُحْبِطَاتِ) مِنْ الْحَبْطِ (وَالْمُبْطِلَاتِ) كَالْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ، الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْكُفْرِيَّاتِ أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا وَإِلَّا فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حُبُوطَ لِطَاعَةِ الْمُؤْمِنِ بِمَعْصِيَتِهِ وَلَا لِمَعْصِيَتِهِ بِطَاعَتِهِ، وَمَنْ قَالَ يَحْبَطُ الْأَقَلُّ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمَا مَعَ سُقُوطِ مِثْلِهِ فِي الْأَكْثَرِ كَأَبِي هَاشِمٍ أَوْ بِدُونِهِ كَأَبِي عَلِيٍّ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا فِي أُنْمُوذَجِ الْعُلُومِ لِأُسْتَاذِ الشَّيْخِ الْوَالِدِ مُحَمَّدٍ الطَّرْطُوسِيِّ عَامَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ الْقُدُّوسِيِّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ فَيَضْمَحِلُّ مَا يُتَوَهَّمُ هُنَا مِنْ حَبْطِ مُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا زَوَالُ الْعَمَلِ بِنَحْوِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَلَيْسَ مِنْ الْبَابِ وَقَدْ حُقِّقَ فِي مَحَلِّهِ (إلَى الْمَوْتِ وَحُصُولُ هَذِهِ) الْأُمُورِ (بِأَسْرِهَا مِنْ أَمْثَالِنَا مُتَعَسِّرَةٌ بَلْ مُتَعَذِّرَةٌ) لِأَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الْهَوَى وَأَنَّ الْمَنَاهِيَ مَطْبُوعَةٌ وَقَدْ كَانَ الشَّيْطَانُ فِي مَعِيَّتِهَا فَفِي كُلِّ عِبَادَةٍ قَلَّمَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْ سُيُوفِهِمَا وَسِهَامِهِمَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُوَ الِامْتِنَاعُ الْمُطْلَقُ حَتَّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ لُزُومِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَا لَا يُطَاقُ، بَلْ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ تَوْضِيحًا لِمَرَامٍ الْمَقَامِ (لَا سِيَّمَا) قِيلَ الْأَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مُسْتَنِدًا إلَى مُغْنِي اللَّبِيبِ (الْإِخْلَاصُ) الْمُضَادُّ لِلرِّيَاءِ (وَالتَّقْوَى) بَعْدَمَا تَيَقَّنْتهمَا فِيمَا قَبْلُ تَعْرِفُ وَجْهَ التَّرَقِّي الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَا سِيَّمَا فِيهِمَا (فَلِذَا) أَيْ لِتَعَذُّرِ هَذِهِ الْأُمُورِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] لَا تَمْدَحُوهَا بِأَنَّهَا أَزْكَى مِنْ غَيْرِهَا ﴿هُوَ﴾ [النجم: ٣٢] أَيْ اللَّهُ ﴿أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا أَنْتُمْ فَتَزْكِيَتُكُمْ رُبَّمَا تَكُونُ عَلَى خِلَافِ مَنْ اتَّقَى حَالَ كَوْنِهِ (مُشِيرًا بِأَنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ إنَّمَا تَكُونُ بِالتَّقْوَى) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ إنَّمَا تَكُونُ بِالتَّقْوَى وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ صُدُورَ التَّقْوَى مِنْكُمْ لِغَايَةِ خَفَائِهِ وَصُعُوبَةِ حُصُولِهِ (وَأَنَّهَا) أَيْ التَّقْوَى (لَا يَعْلَمُ كُنْهَهَا وَحَقِيقَتَهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى) فَلَا يَعْرِفُ حُصُولَهَا إلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَاهِيَّتَهَا وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ الْعَبْدُ مَاهِيَّتَهَا فَلَا يَعْرِفُ حُصُولَهَا مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِمَا لَا يَعْرِفُ حُصُولَهُ مِنْهَا لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْحَصْرِ إذْ مَاهِيَّتُهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ الشَّرْعِ كَمَا مَرَّ فَالْأَوْلَى لَا يَعْلَمُ صُدُورَهَا مِنْ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ الْقَبُولِ بِأَنْ يُرَاعِيَ شَرَائِطَهَا وَأَرْكَانَهَا وَيَرْفَعَ مَوَانِعَهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَعَلَّ مُرَادَهُ هَذَا وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ ذَلِكَ. (وَالْمَعْرِفَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهَا الْعِلَاجُ

стр. 521

(مِثْلُ مَا سَبَقَتْ) فِي الْكِبْرِ بِالْعِلْمِ أَيْ فِي مَعْرِفَةِ الْكِبْرِ مِنْ الْعِبَادِ حَرَامٌ قَطْعِيٌّ وَأَنَّهُ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى لَا يَلِيقُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ فَإِذَا حَصَلَ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ كَمَا يَنْبَغِي تَكْفِي لِزَجْرِهِ عَنْ الْكِبْرِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يُفْضِي إلَى مُنَازَعَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَيَسْتَحِقَّ الْقَذْفَ فِي النَّارِ (فَتَذَكَّرْهَا) كَمَا أُشِيرَ آنِفًا فَحَاصِلُ الْعِلَاجِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكِبْرَ بِالْعِبَادَةِ لَوْ تُصُوِّرَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِقَبُولِهَا وَقَبُولُهَا إنَّمَا يَكُونُ اسْتِجْمَاعَ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَإِتْيَانَهَا بِأَوْصَافِهَا الْمُكَمَّلَةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ لِقُوَّةِ صُعُوبَتِهَا وَكَثْرَةِ عَوَائِقِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْكِبْرُ بِالْعِبَادَةِ وَحَاصِلُ الثَّانِي أَنَّ الْكِبْرَ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى فَحَرَامٌ عَلَى الْعَبْدِ قِيلَ هُنَا عَنْ الرِّعَايَةِ، حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَابِدَ الْعَالِمَ قَدْ يَحْتَقِرُ مَا هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِ مِثْلَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ هَذَا مُضَيِّعٌ لِعِلْمِهِ وَالْحُجَّةُ تَكُونُ عَلَيْهِ آكَدُ وَكَذَا غَيْرُ الْعَالِمِ يَحْتَقِرُ مَنْ كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَقَلَّ مِنْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِ مِثْلَهُ وَيَنْظُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَيْهِمْ نَظَرَ الْحَقَارَةِ وَيَتَعَظَّمُ عَلَيْهِمْ فَيَنْقَبِضُ مِنْ وَعْظِهِمْ وَسَلَامِهِمْ فَيَرْجُو زِيَارَتَهُمْ وَخِدْمَتَهُمْ وَعِيَادَتَهُمْ دُونَ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ بِالِاسْتِصْغَارِ وَإِلَى نَفْسِهِ بِالتَّعْظِيمِ وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْجُو لَهُمْ، وَكَذَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُمْ أَنَّهُمْ هَالِكُونَ دُونَهُ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالرَّجُلِ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يُحَقِّرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» فَإِذَا كَانَ نَظَرُهُ إلَى نَفْسِهِ كَذَا وَإِلَيْهِمْ هَكَذَا وَكَانَ نَظَرُ الْغَيْرِ إلَيْهِ بِالتَّعْظِيمِ وَإِلَى أَنْفُسِهِمْ بِالِاسْتِصْغَارِ وَخَوْفُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَهُ عَلَيْهِ بَلْ ظَنُّهُمْ أَنَّهُمْ هَالِكُونَ وَهُوَ نَاجٍ فَكَانَ الْغَيْرُ أَعْبَدَ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِمَقْتِ اللَّهِ وَحَابِطٌ لِأَجْرِ عَمَلِهِ لِكِبْرِهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُعَرَّضُونَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ لِتَوَاضُعِهِمْ وَحُبِّهِمْ لَهُ فَهُمْ مُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ بِقُرْبِهِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُ وَالْحُبِّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ حُبًّا لَهُ تَعَالَى وَرَجَاءً لِقُرْبَتِهِ تَعَالَى فَقَدْ تَعَرَّضُوا لِلْمَغْفِرَةِ وَالْغُفْرَانِ وَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِحَبْطِ عَمَلِهِ وَالْبُعْدِ عَنْهُ تَعَالَى. [السَّبَبُ الثَّالِثُ لِلْكِبْرِ النَّسَبُ] (وَ) السَّبَبُ (الثَّالِثُ) لِلْكِبْرِ (النَّسَبُ) الشَّرَفُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ (وَالْحَسَبُ) الْحَسَبُ مَا يَعُدُّ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ وَأَيْضًا مَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ آبَائِهِ (وَالْكِبْرُ بِهِمَا) بِالنَّسَبِ وَالْحَسَبِ الْأَوْلَى بِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ وَجْهُهُ (نَاشِئٌ عَنْ الْجَهْلِ أَيْضًا) كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّكَبُّرُ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الْأَوْفَقُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْقَعَ ذَلِكَ فَافْهَمْ (تَعَزَّزَ) إظْهَارُ عِزَّةٍ أَوْ تَكَلُّفٌ فِي الْعِزَّةِ (بِكَمَالِ غَيْرِهِ) فَظَهَرَ الْمَوْعُودُ آنِفًا مِنْ الْآبَاءِ (وَلِذَا قِيلَ لَئِنْ) اللَّامُ تَوْطِئَةُ قَسَمٍ لَئِنْ (فَخَرْت بِآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ لَقَدْ صَدَقْت) فِي تَفَاخُرِك (وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا) أَيْ الْآبَاءُ الْمَذْكُورُونَ لِخُلُوِّك عَنْ الشَّرَفِ فِي نَفْسِك (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا خَرَّجَهُ) (م) مُسْلِمٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ» الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ «لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» يَعْنِي مَنْ أَخَّرَهُ عَمَلُهُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ وُصُولِ الْمَقَامِ الرَّفِيعِ لَمْ يُفِدْ نَسَبُهُ لِعَدَمِ مَدْخَلِهِ فِيهِمَا؛ إذْ السَّبَبُ لَهُمَا إنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١] (اُنْظُرْ إلَى ابْنِ آدَمَ) ﵊ (قَابِيلَ) قَاتِلِ هَابِيلَ (وَابْنِ نُوحٍ) ﵊ (كَنْعَانَ) قِيلَ كَوْنُ كَنْعَانَ اسْمَ ذَلِكَ الِابْنِ قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وَقِيلَ إنَّهُ اسْمُ ابْنِ زَوْجَتِهِ وَفِي الْإِتْقَانِ اسْمُ ابْنِ

стр. 522

نُوحٍ يَامْ (هَلْ نَفَعَهُمَا نَسَبُهُمَا) مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ أَوْلَادِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَوْ كَانَ لِلنَّسَبِ نَفْعٌ لَنَفَعَهُمَا وَلَيْسَ فَلَيْسَ كَمَا نُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعُيُونِ وَغَيْرِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ كَنْعَانَ حِينَ سَمِعَ ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] اتَّخَذَ صُنْدُوقًا مِنْ رَصَاصٍ وَجَعَلَ فِيهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَسَدَّ بَابَهُ بِالرَّصَاصِ الْمُذَابِ، فَلَمَّا عَلَاهُ الْمَاءُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْبَوْلِ إلَى أَنْ امْتَلَأَ الصُّنْدُوقُ فَغَرَّقَهُ بِبَوْلِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَيَدَعَنَّ قَوْمٌ الْفَخْرَ بِآبَائِهِمْ وَقَدْ صَارُوا فَحْمًا فِي جَهَنَّمَ» لَكِنْ يَشْكُلُ الْمَطْلَبَ الْفَخْرُ مَعَ الْإِيمَانِ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَلَا تَقْرِيبَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وَقَالَ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا فَائِدَةَ بِالنَّسَبِ إلَّا نَسَبَ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَلْيُتَأَمَّلْ (ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى نَسَبِك الْحَقِيقِيِّ) الَّذِي كَانَ عُنْصُرُك الْأَصْلِيُّ مِنْهُ (فَإِنَّ أَبَاك الْقَرِيبَ) مِنْهُ (نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ) يُسْتَقْذَرُ مِنْهَا لَا مَسَاغَ إلَّا إلَى غَسْلِهَا لَوْ تَلَوَّثَ بِهَا ثَوْبٌ (وَجَدُّك الْبَعِيدُ) الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ أَبُوك آدَم ﵇ (تُرَابٌ ذَلِيلٌ) يُدَاسُ تَحْتَ الْأَقْدَامِ فَأَصْلُك تُرَابٌ مَهِينٌ يُدَاسُ بِأَقْدَامِ الْأَقْوَامِ وَفَصْلُك مِمَّا يُغْسَلُ مِنْهُ الْأَبْدَانُ (فَكَيْفَ يَلِيقُ بِك التَّكَبُّرُ بِالنَّسَبِ) . ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ أَجْدَادَك وَآبَاءَك إنْ نَجَوْا فَإِنَّمَا نَجَوْا بِنَحْوِ التَّوَاضُعِ وَكَسْبِ الصَّلَاحِ لَا بِالتَّكَبُّرِ، بَلْ لَا أَنْسَابَ فِي يَوْمِ الْهَوْلِ وَالشِّدَّةِ بَلْ تَتَلَذَّذُ الْأُمُّ الشَّفِيقَةُ الْمُؤْمِنَةُ بِعَذَابِ وَلَدِهَا الْكَافِرِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَجِبْت لِابْنِ آدَمَ يَفْخَرُ وَأَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَعَجَبًا مِنْ الْمُتَكَبِّرِ الْفَخُورِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ وَآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ» وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنْ آبَائِهِ الْكِرَامِ عَجِبْت أَنْ أُعَظِّمَ نَفْسِي وَقَدْ خَرَجْت مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ وَيَكْفِيهِمْ عَنَى آيَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] فَأَشَارَ إلَى أَنَّ أَوَّلَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ كَوْنِهِ فِي كَتْمِ الْعَدَمِ دُهُورًا وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا أَذَلُّ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ مِنْ أَقْذَرِهَا إذْ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ عِظَامًا ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا فَكَانَ هَذَا بِدَايَةَ وُجُودِهِ. وَأَمَّا وَسَطُ أَحْوَالِهِ فَمُدَّةُ حَيَاتِهِ إلَى الْمَوْتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]- فَأَحْيَاهُ بَعْدَمَا كَانَ جَمَادًا مَيِّتًا تُرَابًا أَوْ نُطْفَةً وَأَسْمَعَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ أَصَمَّ وَبَصَّرَهُ بَعْدَ عَمَاهُ وَقَوَّاهُ بَعْدَ ضَعْفِهِ وَعَلَّمَهُ بَعْدَ جَهْلِهِ وَأَغْنَاهُ بَعْدَ فَقْرِهِ وَأَشْبَعَهُ بَعْدَ جُوعِهِ وَكَسَاهُ بَعْدَ الْعُرْيِ وَهَدَاهُ بَعْدَ الضَّلَالِ، فَكَانَ فِي ذَاتِهِ لَا شَيْءَ ثُمَّ صَارَ شَيْئًا فَإِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ التُّرَابِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَذَلُّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ وَلَا يَلِيقُ بِهِ إلَّا التَّوَاضُعُ وَلَا يَلِيقُ التَّعْظِيمُ إلَّا بِاَللَّهِ، وَأَمَّا آخِرُ أَحْوَالِهِ فَالْمَوْتُ الْمُشَارُ بِقَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]- فَيَعُودُ جَمَادًا كَمَا فِي الْبِدَايَةِ فَيَصِيرُ جِيفَةً مُنْتِنَةً قَذِرَةً كَرِيهَةً تَبْلَى أَعْضَاؤُهُ وَتَتَفَتَّتُ أَجْزَاؤُهُ وَيَأْكُلُهُ الدُّودُ ثُمَّ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْسِ وَلَيْتَهُ بَقِيَ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْيَا بِطُولِ الْبَلَايَا وَشَدَائِدِ الْأَحْوَالِ وَالْإِفْزَاعِ فَمَنْ هَذَا حَالُهُ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ. [وَالرَّابِعُ الْجَمَالُ مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ] (وَالرَّابِعُ الْجَمَالُ) ضِدُّ الْقُبْحِ وَعَنْ سِيبَوَيْهِ دِقَّةُ الْحُسْنِ (وَذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَجْرِي فِي النِّسَاءِ) وَقَدْ يَجْرِي فِي الْغِلْمَانِ الْحِسَانِ لِانْجِذَابِ الْقُلُوبِ يَفْتَخِرُونَ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ سَرِيعُ الزَّوَالِ (وَهَذَا أَيْضًا) كَالْكِبْرِ بِالنَّسَبِ (جَهْلٌ إذْ هُوَ فَانٍ) مِنْ الْفَنَاءِ (سَرِيعُ الزَّوَالِ) وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ فَالتَّكَبُّرُ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، بَلْ يَدُهُ كَيَدِ مُسْتَعِيرٍ سَيَزُولُ فِي أَوَانِهِ

стр. 523

(لَا تَنْظُرُ إلَى ظَاهِرِك نَظَرَ الْبَهَائِمِ) الظَّاهِرُ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ نَظَرَ الرَّجُلِ لِلْبَهَائِمِ وَقِيلَ النَّظَرُ إلَى ظَاهِرِ الْبَهَائِمِ بِدُونِ تَدَبُّرِ الْغَايَةِ هُوَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ الَّذِي سَمَّوْهُ نَظَرَ الْحَمْقَاءِ وَهُوَ شَأْنُ الْبَهَائِمِ فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْنَعُ بِهِ، بَلْ يُمْعِنُ النَّظَرَ وَيَتَدَبَّرُ عَاقِبَتَهُ وَفِعْلَهُ (وَانْظُرْ إلَى بَاطِنِك) أَهُوَ مَعْمُورٌ بِمُحَافَظَةِ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَمُمَارَسَةِ سُنَّةِ حَبِيبِ اللَّهِ (نَظَرَ الْعُقَلَاءِ أَوَّلُك نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ) بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ مُتَغَيِّرَةٌ بَيَانٌ لِطَرِيقِ نَظَرِ الْعُقَلَاءِ (خَرَجْت مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ) مَرَّتَيْنِ مِنْ ذَكَرِ الْأَبِ نُطْفَةً وَمِنْ فَرْجِ الْأُمِّ (وَدَخَلْت فِي) مَخْرَجِ الْبَوْلِ (آخَرَ وَاخْتَلَطَتْ بِأُخْرَى) بِنُطْفَةٍ مَذِرَةٍ أُخْرَى (وَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ) مُدَّةَ حَمْلِك بَلْ هُوَ غِذَاءٌ لَك فِيهِ. (ثُمَّ خَرَجْت مِنْهُ) الْفَرْجِ الْآخَرِ (مَرَّةً أُخْرَى) بَعْدَ خُرُوجِك أَوَّلًا مِنْ فَرْجِ أَبِيك (وَآخِرُك جِيفَةٌ قَذِرَةٌ وَأَنْتَ بَيْنَهُمَا) بَيْنَ الْوِلَادَةِ وَالْمَوْتِ (حَمَّالُ الْعَذِرَةِ الرَّجِيعِ) الْغَائِطِ (فِي أَمْعَائِك وَالْبَوْلِ فِي مَثَانَتِك وَالْمُخَاطِ) مَا يَسِيلُ مِنْ الْأَنْفِ (فِي أَنْفُسِك وَالْبُزَاقِ فِي فَمِك وَالْوَسَخِ فِي أُذُنَيْك وَالدَّمِ فِي عُرُوقِك وَالصَّدِيدِ تَحْتَ بَشَرَتِك) أَيْ جِلْدِك (وَالصُّنَانِ) رَائِحَةِ الْإِبْطِ (تَحْتَ إبْطِك وَتَغْسِلُ الْغَائِطَ كُلَّ يَوْمٍ دَفْعَةً أَوْ دَفْعَتَيْنِ بِيَدِك وَتَتَرَدَّدُ إلَى الْخَلَاءِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لِتُخْرِجَ مِنْ بَاطِنِك مَا لَوْ رَأَيْته بِعَيْنِك لَاسْتَقْذَرْتَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَمَسَّهُ أَوْ تَشُمَّهُ وَلَوْ تَرَكَ نَفْسَهُ أَيَّامًا لَصَارَ أَقْذَرَ مِنْ الْجِيفَةِ وَأَنْتَنَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُهْمَلَةِ فَمِنْ أَيْنَ لِلْمَزْبَلَةِ أَنْ تَفْتَخِرَ بِجَمَالِهَا وَالْإِنْسَانُ فِي الْحَقِيقَةِ مَزْبَلَةٌ فَإِنَّهُ مَنْبَعُ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ، بَلْ بِئْرُ بَالُوعَةٍ (وَكُلُّ هَذَا سَبَبُ الضَّعَةِ) التَّوَاضُعِ (وَالذُّلِّ وَالْحَيَاءِ فَضْلًا عَنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ) فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَأَمَّلَ جِنْسَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَيَسْتَحْيِي مِنْ الْكِبْرِ، بَلْ يَتَوَاضَعُ وَقَدْ قِيلَ اعْلَمْ أَنَّك أَشَدَّ فَضَاحَةً مِنْ الْمَزْبَلَةِ وَقَدْ سُلِّطَ عَلَيْك أَمْرَاضٌ وَآلَامٌ ثُمَّ تَكُونُ أَقْذَرَ مِنْ الْجِيَفِ وَهَلْ يَتَكَبَّرُ طَعَامُ الدِّيدَانِ وَبَعْدَمَا أَكَلَتْك الدِّيدَانُ يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضَهَا فَتَبْقَى وَاحِدَةٌ تَمُوتُ جُوعًا. وَعَنْ الرِّعَايَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَيُعْجِزُنِي ابْنُ آدَمَ وَإِنَّمَا خَلَقْته مِنْ مِثْلِ هَذِهِ وَبَزَقَ ﵊ فِي كَفِّهِ» فَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَقْذَارٍ وَسَكَنَ فِي أَقْذَارٍ وَخَرَجَ مِنْ أَقْذَارٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صُلْبٍ ثُمَّ مِنْ ذَكَرٍ إلَى رَحِمٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَخْرَجٍ قَذِرٍ. [وَالْخَامِسُ مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ الْقُوَّةُ الْبَدَنِيَّةُ وَشِدَّةُ الْبَطْشِ] (وَالْخَامِسُ) مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ (الْقُوَّةُ) الْبَدَنِيَّةُ (وَشِدَّةُ الْبَطْشِ) الْأَخْذُ بِالْعُنْفِ (وَالتَّكَبُّرِ بِهَا جَهْلٌ أَيْضًا إذْ الْحِمَارُ وَالْبَقَرُ وَالْجَمَلُ وَالْفِيلُ كُلُّ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْإِنْسَانِ) وَلَوْ صَلَحَ ذَلِكَ لِذَلِكَ لَحَرِيٌّ تِلْكَ الْبَهَائِمُ أَنْ تَتَكَبَّرَ عَلَى الْكُلِّ وَأَمَّا ذُلُّهَا لِلْإِنْسَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧٢] الْآيَةَ. فَمِنْ نِعَمِهِ تَعَالَى الَّتِي تُوجِبُ التَّوَاضُعَ لِلشُّكْرِ (وَأَيُّ افْتِخَارٍ فِي صِفَةٍ يَسْبِقُك الْبَهَائِمُ فِيهَا ثُمَّ إنَّهَا تَزُولُ بِحُمَّى يَوْمٍ وَنَحْوِهَا) فَلَا تَنْجَبِرُ فِي مُدَّةٍ، بَلْ لَوْ

стр. 524

تَوَجَّعَ عِرْقٌ وَاحِدٌ فِي يَدِك لَصِرْت أَعْجَزَ مِنْ كُلِّ عَاجِزٍ وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ وَأَنَّهُ لَوْ سَلَبَ الذُّبَابُ مِنْك شَيْئًا لَا تَسْتَنْقِذُهُ وَإِنْ بَقَّةٌ لَوْ دَخَلَتْ أَنْفَك أَوْ نَمْلَةٌ دَخَلَتْ أُذُنَك لَقَتَلَتْك وَإِنْ شَوْكَةٌ لَوْ دَخَلَتْ رِجْلَك لَأَعْجَزَتْك فَمَنْ لَا يُطِيقُ دَفْعَ أَمْثَالِ هَذِهِ فَكَيْفَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْتَخِرَ بِقُوَّتِهِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ (فَلَا تَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا) أَيْ الْقُوَّةِ وَقَدْ قِيلَ حُمَّى يَوْمٍ تُذْهِبُ نَعِيمَ سَنَةٍ (وَلَا عَلَى تَحْصِيلِهَا) بَعْدَ الزَّوَالِ بِأَدْنَى عِلَّةٍ (بَلْ هِيَ كَظِلٍّ زَائِلٍ) بِالْوَصْفِ (وَنَوْمِ نَائِمٍ) فِي سُرْعَةِ التَّقَضِّي وَعَدَمِ الْحِفْظِ. [وَالسَّادِسُ الْمَالُ وَالتَّلَذُّذُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ] (وَالسَّادِسُ الْمَالُ وَالتَّلَذُّذُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا) وَعِلَاجُهُ يُعْرَفُ مِنْ السَّبَبِ السَّابِعِ. (وَالسَّابِعُ) آخِرُ الْأَسْبَابِ (الْأَتْبَاعُ مِنْ الْبَنِينَ وَالْأَقَارِبِ وَالْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي وَالتَّلَامِذَةِ وَالتَّقَرُّبُ مِنْ السُّلْطَانِ وَوُلَاتِهِ) جَمْعُ وَالٍ (وَقُضَاتِهِ) بِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَنْ لَهُ مُكَاثَرَةٌ وَمُغَالَبَةٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ (وَهَذَانِ) السَّبَبَانِ السَّادِسُ وَالسَّابِعُ (أَقْبَحُ أَنْوَاعِ أَسْبَابِ الْكِبْرِ؛ لِأَنَّهُ تَكَبُّرٌ بِمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الْإِنْسَانِ) وَيَدُهُ عَلَيْهِ يَدُ عَارِيَّةٍ (سَرِيعُ الزَّوَالِ وَالِانْقِلَابِ) فَأَيْنَ هَرَامِسَةُ الدُّهُورِ وَقَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ وَأَيْنَ شَدَّادٌ وَعَادٌ وَأَيْنَ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، كُلُّهُمْ مَضَوْا وَتَرَكُوا وَأَنَّهُ لَوْ تَكَبَّرَ بِفَرَسِهِ مَثَلًا وَدَارِهِ فَمَاتَ فَرَسُهُ وَهُدِمَتْ دَارُهُ لَعَادَ ذَلِيلًا فَالْمُتَكَبِّرُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ فَهُوَ ظَاهِرُ الْجَهْلِ (يَشْتَرِكُ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) بَلْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا جَنَّتُهُمْ (لَوْ هَلَكَ مَالُهُ أَوْ أَتْبَاعُهُ أَوْ عُزِلَ) فِعْلٌ مَجْهُولٌ أَيْ مِنْ قُرْبِ السُّلْطَانِ مَثَلًا (أَوْ مَاتَ سَنَدُهُ كَانَ أَذَلَّ الْخَلْقِ وَأَحْقَرَهُمْ فَأُفٍّ) بِالتَّنْوِينِ وَغَيْرِهِ اسْمُ صَوْتٍ بِمَعْنَى أَتَقَذَّرُ وَأَتَضَجَّرُ وَقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى مَا ذُكِرَ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ التَّضَجُّرِ وَالتَّكَرُّهِ وَالْكَرْبِ وَالْبُؤْسِ ثُمَّ حَكَى فِيهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ لُغَةً وَتَفْصِيلُهَا فِيهِ (لِشَرَفٍ) فِي اعْتِقَادِك (يَسْبِقُك بِهِ الْيَهُودُ) وَهُمْ أَرْذَلُ خَلْقِ اللَّهِ (وَأُفٍّ لِشَرَفٍ يَأْخُذُهُ السَّارِقُ فِي لَحْظَةٍ) فَتَعُودُ ذَلِيلًا مُفْلِسًا وَهَذِهِ أَسْبَابٌ لَيْسَتْ فِي ذَاتِهِ وَمَا لَيْسَ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ إلَيْهِ دَوَامُ وُجُودِهِ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ وَبَالٌ وَنَكَالٌ فَالتَّفَاخُرُ بِهِ غَايَةُ جَهْلٍ وَكُلُّ مَا لَيْسَ إلَيْك فَلَيْسَ لَك وَشَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ إلَيْك، بَلْ إلَى وَاهِبِهِ إنْ أَبْقَاهُ بَقِيَ وَإِنْ أَزَالَهُ زَالَ وَمَا أَنْتَ إلَّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَزُولَ كِبْرُك وَتَتَوَجَّهَ إلَى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ. [لَلتَّكَبُّرَ دُونَ الْكِبْرِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ أُخَرُ الْأَوَّلُ الْحِقْدُ] (ثُمَّ إنَّ التَّكَبُّرَ فَقَطْ) دُونَ الْكِبْرِ (ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ أُخَرُ) الْأَوَّلُ (الْحِقْدُ) بِالْكَسْرَةِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ هُوَ الِانْطِوَاءُ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ

стр. 525

وَحَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَالْجَمْعُ أَحْقَادٌ وَقِيلَ كَوْنُ السَّرِيرَةِ مَطْوِيَّةً عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ (كَاَلَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى مَنْ يَرَى) فِي بَصِيرَتِهِ (أَنَّهُ مِثْلُهُ) فِي أَوْصَافِ الْكَمَالِ كَالْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَالدِّينِ (أَوْ فَوْقَهُ وَلَكِنْ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ سَبْقٍ مِنْهُ) مِنْ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إنْفَاذِهِ (فَأَوْرَثَهُ) أَيْ الْغَضَبُ إيَّاهُ (حِقْدًا وَرَسَخَ فِي قَلْبِهِ بُغْضُهُ فَلَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لَهُ) وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ يَسْتَحِقُّ التَّوَاضُعَ (وَيَحْمِلُهُ) ذَلِكَ (عَلَى رَدِّ الْحَقِّ إذَا جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ وَعَلَى الْأَنَفَةِ) بِفَتْحَتَيْنِ الِاسْتِنْكَافِ وَالتَّبَاعُدِ (مِنْ قَبُولِ نُصْحِهِ) وَعَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الْبَاطِلِ (وَ) يَحْمِلُهُ (عَلَى أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ) فِي الْمَجَالِسِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ وَعَلَى أَنْ يَسْتَحِلَّهُ وَأَنْ ظَلَمَهُ وَلَا يَعْتَذِرُ إلَيْهِ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلُهُ عَمَّا هُوَ جَاهِلٌ بِهِ. (وَ) الثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ التَّكَبُّرِ (الْحَسَدُ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (فَإِنَّهُ يَدْعُو) يُوَصِّلُ (إلَى جَحْدِ الْحَقِّ) حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ النُّصْحِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ يَشْتَاقُ إلَى الْعِلْمِ وَقَدْ بَقِيَ فِي رَذِيلَةِ الْجَهْلِ لِاسْتِنْكَافِهِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا عَلَيْهِ (وَ) إلَى (التَّكَبُّرِ عَلَى الْمَحْسُودِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَاسِدِ وَلَكِنَّ الْحَسَدَ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُعَامِلَهُ بِأَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَإِنْ كَانَ فِي بَاطِنِهِ عِلْمٌ أَنَّهُ فَوْقَهُ (وَعِلَاجُ التَّكَبُّرِ بِهَذَيْنِ) السَّبَبَيْنِ (إزَالَتُهُمَا) أَيْ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ (وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي مَبْحَثِ الْحَسَدِ وَالْغَضَبِ. [السَّبَبُ الثَّالِثُ لَلتَّكَبُّرُ الرِّيَاءُ] (وَ) السَّبَبُ الثَّالِثُ (الرِّيَاءُ) وَهُوَ أَيْضًا يَدْعُو إلَى أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ (حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ) قِيلَ هَذَا حَرَامٌ لِكَوْنِهِ رِيَاءَ أَهْلِ الدِّينِ (لِيُنَاظِرَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَعْرِفَةٌ) أَوْ كَانَتْ مَعْرِفَةٌ (وَ) لَكِنْ (لَا حِقْدَ وَلَا حَسَدَ) بَيْنَهُمَا (وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ) مِنْهُ (وَيَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ) فِي الِاسْتِفَادَةِ (خِيفَةَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ) فَيَكُونُ بَاعِثُهُ عَلَى التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ الْمُجَرَّدُ (وَلَوْ خَلَا مَعَهُ بِنَفْسِهِ) بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ (لَكَانَ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ) لَعَلَّ هَذَا أَكْثَرِيٌّ وَإِلَّا فَمِثْلُهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالطَّبَائِعِ؛ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاظِرِ إمَّا مَخَافَةً عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى إخْبَارِهِ الْغَيْرَ (وَقَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ عَلَى التَّكَبُّرِ الْمِرْآة بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا) وَحُكْمُ هَذَا هُوَ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا (كَمَنْ يَلْبَسُ فِي بَيْتِهِ مَا لَا يَلْبَسُ عِنْدَ النَّاسِ) لِئَلَّا يَنْظُرُوا إلَيْهِ نَظَرَ الِاسْتِصْغَارِ لَكِنْ قَالُوا يَنْبَغِي لِكُلٍّ أَنْ يَتَزَيَّا بِزِيِّ نَوْعِهِ سِيَّمَا لِلْعُلَمَاءِ لِيَأْمَنَ ازْدِرَاءَ النَّاسِ وَلِئَلَّا يَسْقُطَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَظِّمُوا عَمَائِمَكُمْ وَوَسِّعُوا أَكْمَامَكُمْ وَقَالُوا مَنْ تَزَيَّا بِغَيْرِ زِيِّ نَوْعِهِ فَأَدِّبُوهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثٍ «كَانَ لَهُ بُرْدٌ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ وَكَانَ يَتَجَمَّلُ لِلْوُفُودِ» أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا كَانَ مِنْهُ عِبَادَةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ النَّاسِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الِاتِّبَاعِ وَاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِمْ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ لَمْ يَرْغَبُوا فِي اتِّبَاعِهِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ مَحَاسِنَ أَحْوَالِهِ لِئَلَّا تَزْدَرِيَهُ أَعْيُنُهُمْ فَإِنَّ أَعْيُنَ الْعَوَامّ

стр. 526

تَمْتَدُّ إلَى الظَّاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَزِيدَ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَاللِّبَاسِ وَيَتَعَمَّمَ وَيَرْتَدِيَ انْتَهَى أَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ الْخَوَاصِّ؛ إذْ الْأَصْلُ أَنَّهُ أُسْوَةٌ يُقْتَدَى بِهِ فِي فِعْلِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ خُصُوصِهِ لَهُ ﷺ وَإِنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ جَارٍ فِي الْغَيْرِ وَالشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ كَيْفَ وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ حَمْلِ حَوَائِجِهِ) مِنْ السُّوقِ مَثَلًا إلَى بَيْتِهِ (بَيْنَ النَّاسِ) لِئَلَّا يُسْقِطُوهُ مِنْ نَظَرِهِمْ (وَيَحْمِلُهُ فِي اللَّيْلِ) لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ (أَوْ) فِي النَّهَارِ (حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ) عُمُومُهُ أَوْ خُصُوصُهُ كَمَا عِنْدَ أَشْرَافِهِمْ أَوْ عِنْدَ الْغُرَبَاءِ، وَكَذَا الْكَسْبُ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عِنْدَ الْخَلْوَةِ وَيَمْتَنِعُ فِي الْجَلْوَةِ يَشْكُلُ أَنَّهُ قَدْ أُشِيرَ فِيمَا سَبَقَ كَمَا هُنَا أَيْضًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ الرِّيَاءِ وَلَوْ جُعِلَ مِنْ الْكِبْرِ أَيْضًا لَزِمَ التَّوَارُدُ أَوْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءَ عِلَّةٍ وَعِلَّةً نَاقِصَةً أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ وَالْآخَرُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَاعْرِفْهُ [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ] (الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) (فِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ) الْأَوَّلُ مَا بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي مَا بِالتَّكَلُّفِ (اعْلَمْ أَنَّ الْكِبْرَ) لِقُوَّةِ خَفَائِهِ (قَدْ يَخْفَى عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَظُنَّ) يَعْتَقِدَ (أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ) وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهِ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ حَتَّى يَعْرِضَ كُلُّ سَالِكٍ) آخِرَةً (نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْكُورَةِ (فَيَمِيزُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ فَلَا يَغُرُّهُ الْغَرُورُ) قِيلَ بِالْفَتْحِ الشَّيْطَانُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] ، وَقِيلَ الْهَوَى أَوْ الدُّنْيَا (فَمِنْهَا) أَيْ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ (أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ) عِنْدَ قُدُومِهِ، قِيلَ وَقَدْ يُحِبُّ الْقِيَامَ لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ صِغَرِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَشْرَافِ بِلَا أَخْطَارِ كِبْرٍ وَقَدْ يُحِبُّ لِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الدِّينِ وَقَدْ يُحِبُّ لِيُظْهِرَ عَظَمَتَهُ فَيَمْتَثِلُونَ فِي نُصْحِ الدِّينِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كِبْرًا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي الْقُلُوبِ غَيْرُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْظُورٌ فِيهِ (أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ) كَمَا هُوَ عَادَةُ الظَّلَمَةِ فَإِنَّ خُدَّامَهُمْ وَغِلْمَانَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ حُضُورِهِمْ وَأَشْنَعُ مَا اعْتَادُوا كَوْنُهُمْ مُرْدًا (تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ) وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِمْ وَلِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ لَدَيْهِمْ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلَى رَجُلٍ قَاعِدٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَوْمٌ قِيَامٌ. وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ» . وَأَمَّا لَوْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِشَرَفِ الْعِلْمِ وَإِظْهَارًا لِمَرْتَبَةِ رَوْنَقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْعَيْنِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ السَّعِيدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَرَى يَحْيَى بْنَ الْقَطَّانِ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ مَنَارِ مَسْجِدِهِ فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالشَّاذَكُونِيُّ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمْ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْحَدِيثِ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ إلَى أَنْ تَجِيءَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ اجْلِسْ وَلَا يَجْلِسُونَ هَيْبَةً لَهُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَيَقْرَبُ إلَى هَذَا الْجِنْسِ مَا فِي الْفَتَاوَى كَالْخُلَاصَةِ يَتَقَدَّمُ الشَّابُّ الْعَالِمُ عَلَى الشَّيْخِ الْغَيْرِ الْعَالِمِ وَالتِّلْمِيذُ لَا يَفْتَحُ الْكَلَامَ قَبْلَ أُسْتَاذِهِ وَلَا يَجْلِسُ مَكَانَهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهُ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي مَشْيِهِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ لَا يَقُومُ عِنْدَ قُدُومِ الْعُلَمَاءِ وَيَقُومُ عِنْدَ قُدُومِ الْأَعْوَانِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ إنَّ طَبِيعَتَهُمْ مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ تَرْكِ الْقِيَامِ دُونَ مَجَالِسِنَا انْتَهَى وَذَلِكَ رِضًا بِالْمَعْصِيَةِ وَعَوْنٌ عَلَيْهَا (بِلَا وِجْدَانِ كَرَاهَةٍ مِنْ نَفْسِهِ) بَلْ يَرْضَى وَيَكُونُ مَسْرُورًا (لِهَذَا الْحُبِّ)

стр. 527

حُبِّ الْقِيَامِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُبَّ ضِدُّ الْكَرَاهَةِ النَّفْسِيَّةِ فَالْقَيْدُ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا، بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّأْكِيدِ أَوْ التَّوْضِيحِ كَالتَّكْرِيرِ الْإِطْنَابِيِّ (بَلْ بِقَبُولٍ وَرُكُونٍ إلَيْهِ) حَتَّى يَزِيدَ عَلَيْهِ حُبُّهُ وَيَقْضِي لِأَجْلِهِ حَاجَتَهُ وَيُعِينُ فِي أَمْرِهِ، فَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ يَغْضَبُ عَلَيْهِ وَيُعَادِي (فَإِنْ وَجَدَ كَرَاهَةً وَعَدَمَ إجَابَةٍ) لِلْحُبِّ الْمَذْكُورِ (فِي نَفْسِهِ فَذَلِكَ) الْحُبُّ (مَيْلٌ طَبِيعِيٌّ) غَيْرُ ضَارٍّ لِعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ لَكِنْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ جَمْعُ هَذَا الْحُبِّ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْحُبُّ سَابِقٌ وَضَرُورِيٌّ، وَالْكَرَاهَةُ لَاحِقٌ وَاخْتِيَارِيٌّ فَافْهَمْ (أَوْ وَسْوَسَةٌ) شَيْطَانِيَّةٌ (لَا يَضُرَّانِ) أَيْ الْمَيْلُ وَالْوَسْوَسَةُ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ الْقُدْرَةِ (كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّيَاءِ) وَالضَّرَرُ الْمَحَبَّةُ مَعَ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا صُفُوفًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُثُولَ الِانْتِصَابُ يَعْنِي يَقُومُونَ لَهُ قِيَامًا صُفُوفًا أَوْ بِأَنْ يُقَامَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ قَالَ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَمَرَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ كَأَنَّهُ قَالَ مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ النَّارُ وَذَلِكَ نَاشِئٌ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَاعْتِقَادِ الْكَمَالِ وَذَا عُجْبٌ وَتَكَبُّرٌ وَجَهْلٌ وَغُرُورٌ وَلَا يُنَاقِضُهُ خَبَرُ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ؛» لِأَنَّ سَعْدًا لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَالْوَعِيدُ لِمَنْ أَحَبَّ. قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ زَجْرُ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلْقِيَامِ بِنَهْيٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ لَهُ فَلَوْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ فَقَامُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحَبَّهُ ثُمَّ قَامُوا أَوَّلًا فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِتَرْكِ الْقِيَامِ وَلَا يُنَافِيهِ نَدْبُ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْكَمَالِ وَنَحْوِهِمْ انْتَهَى ثُمَّ الْمُصَنِّفُ اقْتَفَى أَثَرَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْقِيَامِ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا يُنْبِئُ عَنْ التَّرَفُّعِ وَالتَّكَبُّرِ كَالتَّقَدُّمِ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ الْمَشْيِ قُدَّامَهُ وَعَدَمِ التَّكَلُّمِ قَبْلَهُ وَعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ وَالتَّكَلُّمِ بِالْآدَابِ فِي حُضُورِهِ وَنَحْوِهَا مُلْحَقٌ بِمَا ذُكِرَ، فَالِاكْتِفَاءُ إمَّا لِلْمُقَايَسَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمِنْهَا أَنْ لَا يَمْشِيَ) فِي خَارِجِ بَيْتِهِ سِيَّمَا فِي أَسْوَاقِ مَدِينَتِهِ (إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ يَمْشِي خَلْفَهُ) أَوْ وَهُوَ رَاكِبٌ وَالْغَيْرُ كَالْخُدَّامِ وَالْغِلْمَانِ يَمْشُونَ قُدَّامَهُ وَسَائِرُ طُرَّافِهِ (دَيْلَمُ) الدَّيْلَمِيُّ (حَدّ) أَحْمَدُ (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ) مِنْ بَيْتِهِ (يَمْشِي إلَى الْبَقِيعِ» بِفَتْحِ الْبَاءِ مَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ ( «فَتَبِعَهُ) ﵊ (أَصْحَابُهُ فَوَقَفَ) ﵊ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمُوا وَمَشَى خَلْفَهُمْ فَسُئِلَ) ﵊ (عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي سَمِعْت خَفْقَ نِعَالِكُمْ» أَصْوَاتَهَا ( «فَأَشْفَقْت» حَذِرْت «أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ الْكِبْرِ» لَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِتَعْلِيمِ الْأَمْرِ وَإِلَّا فَعُرُوضُ الْكِبْرِ لَهُ بَعِيدٌ وَلَوْ سُلِّمَ عُرُوضُهُ بَغْتَةً لَأَمْكَنَ لَهُ إخْرَاجُهُ دَفْعَةً بِلَا حَاجَةٍ إلَى هَذَا التَّقْدِيمِ فَيَضْعُفُ بِهِ مَا قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا أَمْنَ لِأَحَدٍ مِنْ الْكِبْرِ وَأَنَّ غَايَتَهُ الْمَغْلُوبِيَّةُ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَزْدَادُ بُعْدًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا مُشِيَ خَلْفَهُ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُعْرَفُ مِنْ عَبِيدِهِ إذْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ فِي صُورَةٍ ظَاهِرَةٍ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَشْيَ الْغَيْرِ خَلْفَهُ سَبَبٌ لِلْكِبْرِ يَلْزَمُ احْتِرَازُهُ لَعَلَّ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَى الْقَلْبِ فَمَنْ لَا يَتَخَاطَرُ عَلَيْهِ شَائِبَةُ كِبْرٍ لَا يَلْزَمُ احْتِرَازُهُ. (وَمِنْهَا) مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ (أَنْ لَا يَزُورَ غَيْرَهُ) سِيَّمَا نَحْوُ أَمْثَالِهِ (وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْ زِيَارَتِهِ) لِلْغَيْرِ (خَيْرٌ لَهُ) لِلزَّائِرِ وَالْمَزُورِ (أَوْ لِغَيْرِهِ) مِنْ اسْتِفَاضَةِ أَنْوَارِ الْعُلُومِ وَانْجِذَابِ الْكِمَالَاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنْ الْمَلَكَاتِ الْحَمِيدَةِ وَالسِّيَرِ السَّنِيَّةِ، وَهَذَا الْمِسْكِينُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْخَوَالِفِ حَيْثُ رَجَّحَ عَلَى مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ تَلَهِّيَ هَوَاهُ وَأَجْرَى مُيُولَاتِهِ الشَّيْطَانِيَّةَ

стр. 528

(مِنْ التَّعْلِيمِ التَّوَاضُعُ) كَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا نَبَّهَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ زِيَارَةِ الْكِبَارِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّوَاضُعِ أَظْهَرُ فِيهِ كَمَا فِي الِاحْتِسَابِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ زَارَ يَوْمًا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَلْقَاهُ وِسَادَةً، فَقَالَ عُمَرُ لَمْ أَحْضُرْ لِهَذَا وَإِنَّمَا جِئْتُك لِتَفْتَحَ عَنِّي عُقْدَةً فِي قَلْبِي، فَقَالَ لَا تَلُمْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَخٌ مُسْلِمٌ فَأَلْقَاهُ وِسَادَةً غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا» ، فَفِيهِ أَيْضًا بَيَانُ حُصُولِ الْخَيْرِ لَهُمَا وَاسْتِحْبَابُ الْقُدُومِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ وَمَسْأَلَتِهِ. (وَمِنْهَا مَنْ يَسْتَنْكِفُ مِنْ جُلُوسِ غَيْرِهِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ) فِرَارًا مِنْ إيهَامِ تَسَاوِي الْمَنْزِلَةِ مَعَهُ وَالْغَيْرُ فِي اعْتِقَادِهِ مِنْ الْخَسَائِسِ (إلَّا أَنْ يَجْلِسَ) ذَلِكَ الْغَيْرُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) بَعِيدًا مِنْهُ كَالتِّلْمِيذِ فَرَضَاهُ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ. (وَمِنْهَا أَنْ يَتَوَقَّى مُجَالَسَةَ الْمَرْضَى وَالْمَعْلُولِينَ وَيَتَحَاشَى عَنْهُمْ) لَعَلَّ هَذَا مَا يَكُونُ لِدَاعِي الْكِبْرِ وَإِلَّا فَنَقْلُ جَوَازِ الْفِرَارِ مِنْ الْأَمْرَاضِ السَّارِيَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَكِنْ فِي الْإِحْيَاءِ «دَخَلَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ جُدَرِيٌّ قَدْ تَقَشَّرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ فَمَا جَلَسَ بِجَنْبِ أَحَدٍ إلَّا قَامَ مِنْ جَنْبِهِ فَأَجْلَسَهُ ﵊ بِجَنْبِهِ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُقْعِدُ عَلَى الْمَائِدَةِ مَنْ رَأَى مِنْ الْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمُبْتَلَى. (وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَعَاطَى) لَا يَتَنَاوَلَ (بِيَدِهِ شُغْلًا فِي بَيْتِهِ) رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَاهُ لَيْلَةً ضَيْفٌ وَكَانَ يَكْتُبُ وَكَادَ السِّرَاجُ يُطْفَأُ فَأَرَادَ الضَّيْفُ إصْلَاحَهُ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْكَرَمِ اسْتِخْدَامُ الضَّيْفِ فَأَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ الْغُلَامَ قَالَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ نَامَهَا فَقَامَ بِنَفْسِهِ فَمَلَأَ الْمِصْبَاحَ زَيْتًا، فَقَالَ الضَّيْفُ قُمْت أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ ذَهَبْت وَأَنَا عُمَرُ وَرَجَعْت وَأَنَا عُمَرُ وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَوَاضِعًا. (وَمِنْهَا أَنْ لَا يَحْمِلَ مَتَاعَهُ إلَى بَيْتِهِ) بِنَفْسِهِ (وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَنْفِيَّاتِ) وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَا يَنْقُصُ الرَّجُلَ مِنْ كَمَالِهِ مَا حَمَلَ مِنْ شَيْءٍ إلَى عِيَالِهِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الْقَمِيصَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَقُولُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَلْبَسُوا الصُّوفَ وَيَحْلِبُوا الْغَنَمَ وَيَرْكَبُوا الْحِمَارَ، وَقَالَ عِيسَى ﵊ بِحَقٍّ أَقُولُ إنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ فَغِذَاءُ الشَّعِيرِ لَهُ وَالنَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ وَفِيهِ نَدْبُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَأَنَّهُ لَا دَنَاءَةَ فِي ذَلِكَ. (وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ لُبْسِ الدُّونِ مِنْ الثِّيَابِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا خَرَّجَهُ د) أَبُو دَاوُد (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «الْبَذَاذَةُ» بِفَتْحِ الْبَاءِ رَثَاثَةُ الْهَيْئَةِ وَخُلُوقَةُ الثِّيَابِ وَقِيلَ الدُّونُ مِنْ الثِّيَابِ «مِنْ الْإِيمَانِ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفِيسَةِ بِلَا وِجْدَانِ كَرَاهَةٍ فِي الْقَلْبِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى السُّوقِ وَبِيَدِهِ الدِّرَّةُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ رُقْعَةً بَعْضُهَا مِنْ أُدْمٍ وَقَالَ عِيسَى ﵊ جَوْدَةُ الثِّيَابِ خُيَلَاءُ الْقَلْبِ وَكَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّذِي لِأَجْلِهِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَأَجِدُ نَفْسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ» وَكَانَ هُوَ يَجْمَعُ قِطَعَ الْخِرَقِ مِنْ الْمَزَابِلِ وَيَغْسِلُهَا وَيَضُمُّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَامِعِ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْمُتَبَذِّلَ» أَيْ تَارِكَ الزِّينَةِ تَوَاضُعًا «الْمُحْتَرِفَ» الَّذِي لَهُ صِنَاعَةَ يَكْتَسِبُ بِهَا «الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لَبِسَ» أَهُوَ مِنْ الْفَاخِرَةِ أَوْ أَدْنَى اللِّبَاسِ وَأَقَلِّهِ قِيمَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْهَجُ الْحُكَمَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَخْدُمُك وَلَا يَسْتَخْدِمُك قَالَ الْغَزَالِيُّ

стр. 529

الَّذِينَ يُنَظِّفُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَطْلُبُونَ الثِّيَابَ الرَّفِيعَةَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرُوسِ الَّتِي تُزَيِّنُ نَفْسَهَا طُولَ النَّهَارِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِبَادَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَبَيْنَ عِبَادَتِهِ صَنَمًا وَمَنْ رَأَى ثَوْبَهُ بِحَيْثُ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَلْبُهُ فَهُوَ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَقَالَ الْبَسْ مَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَهُوَ كِسَاءٌ يُغَطِّي بِهِ رَأْسَهُ وَأَوْسَطُهُ قَمِيصٌ وَقَلَنْسُوَةٌ وَنَعْلَانِ وَأَعْلَاهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ وَسَرَاوِيلُ وَرُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَبِسَ الْمُسُوحَ حَتَّى نَقَبَتْ جِلْدَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ الْبَسْ مَكَانَ الْمِسْحِ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ فَفَعَلَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا يَحْيَى أَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا فَبَكَى وَنَزَعَهَا وَعَادَ كَمَا كَانَ وَقَالَ أَيْضًا «وَكَانَتْ قِيمَةُ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَاحْتَذَى نَعْلَيْنِ جَدِيدَتَيْنِ فَأَعْجَبَهُ حُسْنَهُمَا فَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ تَوَاضَعْت لِرَبِّي خَشْيَةَ أَنْ يَمْقُتَنِي ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إلَى أَوَّلِ مِسْكِينٍ لَقِيَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُمَا» وَاشْتَرَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَوْبًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَلَبِسَهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ وَقَطَعَ كُمَّيْهِ مِنْ رُسْغٍ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَذَا مِنْ رِيَاشِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْمُنَاوِيِّ. (وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ) إجَابَةِ (دَعْوَةِ الْفَقِيرِ) وَأَنْ يَحْضُرَ إلَى ضِيَافَتِهِ (لَا عَنْ دَعْوَةِ الْغَنِيِّ وَالشَّرِيفِ) حَيْثُ يُجِيبُ دَعْوَتَهُمَا وَقَدْ كَانَ الْفُقَرَاءُ أَفْضَلَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانُوا شَاكِرِينَ مَا دَامَ الْفُقَرَاءُ صَابِرِينَ وَأَيْضًا فِي طَعَامِهِمْ بَرَكَةٌ وَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ وَكَسْرُ صَوْلَةِ النَّفْسِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى» وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ «أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَأَدْنُوَ مِنْهُمْ» وَقَدْ «نَهَى ﵊ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ مُخَالَطَةِ الْأَغْنِيَاءِ» وَعَنْ عُمَرَ إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ وَحِينَ سَأَلَ هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَتْبَعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَوْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ هِرَقْلُ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَعَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ «قَالَ ﵊ حِينَ مَرَّ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْمِسْكِينُ فِي الْمَسْجِدِ هَذَا يَعْنِي الْمِسْكِينَ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا يَعْنِي الْغَنِيَّ» . (وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَنْكِفَ عَنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْأَقْرِبَاءِ وَالرُّفَقَاءِ) مِنْ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ (فِي السُّوقِ خُصُوصًا شِرَاءَ الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ كَالصَّابُونِ وَالْكَبِدِ وَالْكَرِشِ وَالْحِنَّاءِ وَالنُّورَةِ وَالْمَصْطَكَى وَالْمُشْطِ وَمِنْهَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الْأَقْرَانِ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ بِحَيْثُ) ظَرْفٌ لِتَقَدُّمٍ أَوْ حَالٌ مِنْهُ (فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ) التَّقَدُّمُ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ (فَإِمَّا أَنْ يَذْهَبَ وَيُفَارِقَ فَلَا يَمْشِي وَلَا يَجْلِسُ) مَعَهُ أَصْلًا (أَوْ يَبْعُدُ عَنْهُ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَقْرَانِهِ (أَشْخَاصٌ مِمَّنْ يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ) أَيْ الْأَشْخَاصَ (أَدْوَنُ مِنْهُ) مِنْ الْمُتَكَبِّرِ (لِيُظْهِرَ) بَيْنَ النَّاسِ (أَنَّهُ اخْتَارَ التَّوَاضُعَ إذْ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ) فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ (لَظَنَّ أَنَّهُ أَدْوَنُ مِنْهُ) وَذَلِكَ يَخِفُّ عَلَى نُفُوسِ الْمُتَكَبِّرِينَ إذْ يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَكَانَهُمْ بِالِاخْتِيَارِ وَالتَّفَضُّلِ فَيَكُونُ قَدْ تَكَبَّرَ وَتَكَبَّرَ بِإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ أَيْضًا. (وَمِنْهَا عَدَمُ قَبُولِ الْحَقِّ عِنْدَ مُنَاظَرَةِ الْأَقْرَانِ مِنْ صَاحِبِهِ) لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَعْلَمِيَّتَهُ

стр. 530

وَيُهَانُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ مِنْ نَظَرِهِمْ (وَعَدَمُ الِاعْتِرَافِ بِخَطَئِهِ) مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِي خَطَإٍ (وَ) عَدَمُ (الشُّكْرِ لَهُ) لِصَاحِبِهِ عَلَى إعْلَامِهِ وَإِرْشَادِهِ إلَى الْحَقِّ الْأَوْلَى مَعَ أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِهِ عِنْدَ ذَلِكَ هُوَ الشُّكْرُ وَعَدَمُ ذَلِكَ الْقَبُولِ (إمَّا لِعَدَمِ الْإِصْغَاءِ وَالتَّأَمُّلِ فِي كَلَامِهِ احْتِقَارًا وَاسْتِصْغَارًا لَهُ) يَعْنِي لَا يُصْغِي لِكَلَامِهِ لِعَدَمِ اعْتِنَائِهِ بِكَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي اعْتِقَادِهِ حَقِيرٌ وَصَغِيرٌ وَكَذَا عَدَمُ تَأَمُّلِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عَدَمُ الشُّكْرِ، وَعَدَمُ الِاعْتِرَافِ يَقْتَضِي فَهْمَ كَلَامِ صَاحِبِهِ وَقَوْلُهُ هَذَا يَقْتَضِي جَانِبَ عَدَمِ فَهْمِهِ فَافْهَمْ قِيلَ هُنَا كَمَا فَعَلَهُ الْمُدَرِّسُونَ مَعَ تَلَامِذَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي أَيْدِيهِمْ وَكَمَا فَعَلَ الْكَفَرَةُ مَعَ الْقُرْآنِ لَا يَخْفَى الْكَلَامُ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَهُمَا لَيْسَا بِمُنَاظَرَةٍ وَأَنَّ عَدَمَ اعْتِرَافِ الْأُسْتَاذِ مِنْ التِّلْمِيذِ يَجُوزُ لِمَصْلَحَةٍ كَتَشْحِيذِ الْأَذْهَانِ وَاخْتِبَارِ الْأَفْهَامِ وَعَدَمِ زَوَالِ اعْتِقَادِ التِّلْمِيذِ فِي حَقِّ أُسْتَاذِهِ فَيُخِلُّ بِتَعَلُّمِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ (أَوْ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً) أَيْ إصْرَارًا عَلَى الْبَاطِلِ وَنُصْرَةً لِلْبَاطِلِ وَتَقْوِيَةً لَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (فَكُلُّ هَذِهِ) الْمَذْكُورَاتِ (إنْ كَانَ فِي الْمَلَإِ فَقَطْ فَرِيَاءٌ) وَلَيْسَ فِيهِ كِبْرٌ فَيُعَالَجُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَدْوِيَةِ الرِّيَاءِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَلَإِ (وَفِي الْخَلْوَةِ) جَمِيعًا (فَكِبْرٌ) فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَاوِمَ التَّوَاضُعَ وَالْمَسْكَنَةَ حَتَّى يَظْهَرَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْوَاعُ الْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّةِ وَأَصْنَافُ الْمَعَارِفِ السُّبْحَانِيَّةِ كَالتُّرَابِ لِتَوَاضُعِهِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنْوَاعَ الثِّمَارِ وَالطَّعَامِ «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَفِيفَ الْمُؤْنَةِ لَيِّنَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الطَّبِيعَةِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ طَلْقَ الْوَجْهِ بَسَّامًا مِنْ غَيْرِ ضَحِكٍ مَحْزُونًا مِنْ غَيْرِ عُبُوسٍ رَقِيقَ الْقَلْبِ رَءُوفًا رَحِيمًا لَمْ يَتَجَشَّأْ قَطُّ مِنْ شِبَعٍ وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ لِطَمَعٍ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيُشَيِّعُ الْجِنَازَةَ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ» قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ «وَلَا يَحْتَقِرُ مَا دُعِيَ إلَيْهِ وَلَوْ إلَى كُرَاعٍ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَوْ حَشَفَ التَّمْرِ وَيَعْلِفُ الْبَعِيرَ وَالشَّاةَ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيَرْقَعُ الثَّوْبَ وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ وَيَطْحَنُ مَعَهُ إذَا عَيِيَ وَيُقِيمُ حَوَائِجَ الْبَيْتِ وَيَحْمِلُ حَاجَتَهُ فِي السُّوقِ إلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَافَحُ مَعَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَيَبْدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ وَيُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ إذَا مَرَّ بِهِمْ» ، وَلِهَذَا قِيلَ مِنْ رَأْسِ التَّوَاضُعِ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ مَنْ لَقِيَهُ، كَذَا نُقِلَ عَنْ التَّوْفِيقِ وَالْإِحْيَاءِ [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ آخِرُ مَبَاحِثِ الْكِبْرِ فِي أَسْبَابِ الضَّعَةِ] آخِرُ مَبَاحِثِ الْكِبْرِ (فِي أَسْبَابِ الضَّعَةِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ (وَالتَّوَاضُعِ وَفَوَائِدِهِمَا) مِنْ قَبِيلِ اسْتِكْشَافِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَضْدَادِ فَالتَّوَاضُعُ ضِدُّ التَّكَبُّرِ وَقِيلَ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَقِيلَ التَّكَبُّرُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالتَّذَلُّلُ لِلْفُقَرَاءِ وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِالرُّكُونِ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ دُونَ غَيْرِهِ (أَمَّا الْأُولَى) مِنْ أَسْبَابِ الضَّعَةِ (فَهِيَ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ مِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ) مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ نُطْفَةٍ ثُمَّ عَلَقَةٍ ثُمَّ مُضْغَةٍ ثُمَّ جِسْمٍ جَمَادٍ ثُمَّ نُفِخَ الرُّوحُ فِيهِ وَوُكِّلَتْ بِهِ الْأَمْرَاضُ إلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَتَفَرُّقَ الْأَجْزَاءِ وَغِذَاءَ الدِّيدَانِ وَتَنَادِي الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ
следующие страницы →