Полный текст (1 189 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْعَمَلُ مِنْ الْآفَةِ وَالنَّفْسُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْقَلْبُ مِنْ الْمَنِيَّةِ أَوْ هِيَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الدِّينِ وَمُصَاحَبَةُ الصَّالِحِينَ وَزِيَادَةُ الطَّاعَاتِ عَلَى مَمَرِّ السَّاعَاتِ أَوْ قَرَارُ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لَحْظَةً أَوْ نَفْسٌ بِلَا بَلَاءٍ وَرِزْقٌ بِلَا عَنَاءٍ وَعَمَلٌ بِلَا رِيَاءٍ أَوْ أَنْ لَا يَكِلَك اللَّهُ تَعَالَى إلَى غَيْرِهِ أَوْ دِينٌ قَوِيمٌ وَبَدَنٌ غَيْرُ سَقِيمٍ وَقَلْبٌ سَلِيمٌ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى الرَّبِّ الْكَرِيمِ أَوْ الْخَتْمُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْبَعْثُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ بِالسَّلَامَةِ ثُمَّ دُخُولُ الْجَنَّةِ أَوْ هِيَ عَشْرٌ خَمْسٌ فِي الدُّنْيَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالْإِخْلَاصُ وَالشُّكْرُ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ بَيَاضُ الْوَجْهِ وَرُجْحَانُ الْمِيزَانِ بِالْحَسَنَاتِ وَالْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ وَالنَّجَاةُ مِنْ النِّيرَانِ وَالدُّخُولُ فِي الْجِنَانِ هَذِهِ أَقْوَالٌ فِي الْعَافِيَةِ وَحِينَ «سُئِلَ ﵊ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ قَالَ سَلُوا اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ» كَذَا نُقِلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ (وَالثَّالِثُ) مِنْ فَوَائِدِ الْحِلْمِ (كَوْنُهُ قَرِينَ الْعِلْمِ وَمَأْمُورًا بِهِ) (سِنِي) ابْنُ السُّنِّيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ» الْأَمْرُ لِمُطْلَقِ الْوُجُوبِ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً «وَاطْلُبُوا مَعَ الْعِلْمِ السَّكِينَةَ» قِيلَ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ وَالسَّكِينَةُ الْوَقَارُ «وَالْحِلْمَ لِيَنُوا» اجْعَلُوا أَخْلَاقَكُمْ لَيِّنَةً «لِمَنْ تُعَلِّمُونَ» مِنْ التَّلَامِذَةِ «وَلِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ» الْأَسَاتِذَةِ «وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ» مِنْ التَّجَبُّرِ وَهُوَ التَّكَبُّرُ «فَيَغْلِبُ جَهْلُكُمْ حِلْمَكُمْ) » . وَالرَّابِعُ (رَفْعُ الدَّرَجَاتِ وَشَرَفُ الْبُنْيَانِ) فِي الْجِنَانِ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (ز) الْبَزَّارُ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» أُخْبِرُكُمْ «بِمَا يُشَرِّفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْبُنْيَانَ» التَّفَعُّلُ لِلتَّصْيِيرِ أَيْ يُصَيِّرُهُ شَرِيفًا «وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَحْلُمُ» بِضَمٍّ «عَلَى مَنْ جَهِلَ» بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ غَضِبَ «عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَك» كَمَا فِي حَدِيثِ «أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك وَتَصْفَحُ عَمَّنْ ظَلَمَك» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «أَلَا أُعَلِّمُك خَصْلَاتٍ يَنْفَعُك اللَّهُ بِهِنَّ عَلَيْك بِالْعِلْمِ فَإِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ وَالْحِلْمُ وَزِيرُهُ وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَالْعَمَلُ قَيِّمُهُ وَالرِّفْقُ أَبُوهُ وَاللِّينُ أَخُوهُ وَالصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ إنَّمَا كَانَ الْحِلْمُ وَزِيرًا؛ لِأَنَّهُ سَعَةُ الصَّدْرِ وَطِيبُ النَّفْسِ فَإِذَا اتَّسَعَ الصَّدْرُ وَانْشَرَحَ بِالنُّورِ أَبْصَرَتْ النَّفْسُ رُشْدَهَا مِنْ غَيِّهَا وَعَوَاقِبَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَطَابَتْ وَإِنَّمَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِسَعَةِ الصَّدْرِ وَإِنَّمَا يَتَّسِعُ بِوُلُوجِ النُّورِ الْإِلَهِيِّ فَإِذَا أَشْرَقَ نُورُ الْيَقِينِ ذَهَبَتْ الْحِيرَةُ وَزَالَتْ الْمَخَاوِفُ وَاسْتَرَاحَ الْقَلْبُ وَهِيَ صِفَةُ الْحِلْمِ فَهُوَ وَزِيرُ الْمُؤْمِنِ يُوَازِرُهُ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ فَإِذَا فُقِدَ الْحِلْمُ ضَاقَتْ النَّفْسُ وَانْفَرَدَتْ بِلَا وَزِيرٍ وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا «الْحَلِيمُ سَيِّدٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَظَهَرَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ فَائِدَةَ الْحِلْمِ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ إذْ مِنْ فَوَائِدِهِ الْوِزَارَةُ وَالسِّيَادَةُ.
(الْمَقْصِدُ الثَّانِي)
مِنْ مَقَاصِدِ الْحِلْمِ (فِي فَوَائِدِ ثَمَرَاتِهِ) أَيْ نَتَائِجِ نَتِيجَتِهِ (أَعْنِي) بِهَا (اللِّينَ وَالرِّفْقَ) ضِدُّ الْعُنْفِ وَهُوَ لَطَافَةُ الْفِعْلِ وَلِينُ الْجَانِبِ (وَهِيَ) أَيْ الْفَوَائِدُ (خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ حُرْمَةُ النَّارِ عَلَيْهِ) فَمَنْ
стр. 597
كَانَ حَالُهُ الرِّفْقَ وَاللِّينَ فِي كُلِّ مَنْ يُصَاحِبُهُ فَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ النَّارَ (ت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قِيلَ عَنْ الْهَيْثَمِيِّ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ وَقِيلَ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ» لَا تَصِلُ النَّارُ إلَيْهِ «عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ» إلَى النَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ وَالتَّلَطُّفِ وَالتَّوَاضُعِ ( «هَيِّنٍ» مِنْ الْهَوْنِ وَهُوَ السُّهُولَةُ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ «سَهْلٍ» يَقْضِي حَوَائِجَهُمْ وَيَخْدُمُهُمْ وَيَنْقَادُ لِلشَّرْعِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ وَيُحَرِّمُهُ عَلَى النَّارِ فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْإِنْسَانِ سَهْلَ الْعَرِيكَةِ لَيِّنَ الْجَانِبِ طَلْقَ الْوَجْهِ قَلِيلَ النُّفُورِ طَيِّبَ الْكَلِمَةِ.
(وَالثَّانِي الْيُمْنُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ضِدُّ الشُّؤْمِ (طس) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرِّفْقُ يُمْنٌ» سَبَبٌ لِلْيُمْنِ وَالْيُمْنُ الْبَرَكَةُ «وَالْخُرْقُ» بِضَمٍّ فَسُكُونٍ «شُؤْمٌ» الْحُمْقُ وَالْجَهْلُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ قِلَّةُ التَّنَبُّهِ لِطَرِيقِ الْحَقِّ حُمْقٌ وَالْجَهْلُ بِالْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ خُرْقٌ بِأَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ عَلَى غَيْرِ نِظَامٍ مَحْمُودٍ.
وَفِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ جَرِيرٍ الرِّفْقُ بِهِ الزِّيَادَةُ وَالْبَرَكَةُ وَمَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ وَفِيهِ أَيْضًا الرِّفْقُ فِي الْمَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ التِّجَارَةِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَةٍ» وَفِيهِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ جَرِيرٍ الرِّفْقُ رَأْسُ الْحِكْمَةِ فَإِنَّ بِهِ تَنْتَظِمُ الْأُمُورُ وَيَصْلُحُ حَالُ الْجُمْهُورِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَتَدْرُونَ مَا الرِّفْقُ هُوَ أَنْ تَضَعَ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، الشِّدَّةَ فِي مَوْضِعِهَا، وَاللِّينَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالسَّيْفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالسَّوْطَ فِي مَوْضِعِهِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ الْأُمُورِ أُمُورٌ لَا يَصْلُحُ فِيهَا إلَّا الشِّدَّةُ كَالْجُرْحِ يُعَالَجُ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى الْحَدِيدِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ بِالشِّدَّةِ شَيْئًا إلَّا أَعْطَوْا بِاللِّينِ أَفْضَلَ مِنْهُ قَالَ بَرْزُجُمَهْرٍ كُنْ شَدِيدًا بَعْدَ رِفْقٍ لَا رَفِيقًا بَعْدَ شِدَّةٍ؛ لِأَنَّ الشِّدَّةَ بَعْدَ الرِّفْقِ عِزٌّ وَالرِّفْقَ بَعْدَ الشِّدَّةِ ذُلٌّ (وَالثَّالِثُ عَدَمُ الْحِرْمَانِ عَنْ الْخَيْرِ) (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ كُلَّهُ» أَيْ صَارَ مَحْرُومًا مِنْ الْخَيْرِ وَفِيهِ فَضْلُ الرِّفْقِ وَشَرَفُهُ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الرِّفْقُ فِي الْأُمُورِ كَالْمِسْكِ فِي الْعُطُورِ.
(وَالرَّابِعُ زَيْنُ صَاحِبِهِ. وَالْخَامِسُ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ) (م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) قِيلَ فِيهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ كَذَا فِي الْفَيْضِ (إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ» مِنْ الزَّيْنِ أَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثِ «الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْخُرْقُ شُؤْمٌ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ بَابَ الرِّفْقِ» فَإِنَّ الرِّفْقَ إلَخْ كَمَا فِي الْجَامِعِ «وَلَا يُنْزَعُ عَنْ شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ» مِنْ الشَّيْنِ ضِدُّ الزَّيْن، وَلِذَا كَثُرَ ثَنَاءُ الشَّرْعِ فِي جَانِبِ الرِّفْقِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مَا الرِّفْقُ قَالَ أَنْ تَكُونَ ذَا أَنَاةٍ وَتَلَايُنٍ وَالْخَرَقُ مُعَادَاةٌ مَنْ أَمَامَك وَمُنَاوَأَةُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ضُرِّك (وَفِي رِوَايَةٍ) عَنْهَا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ» مِنْ الْأَجْرِ «مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»
стр. 598
أَيْ عَلَى غَيْرِ الرِّفْقِ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ عَلَى الرِّفْقِ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الشِّدَّةِ وَالصَّلَابَةِ.
(الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ فِي طَرِيقِ تَحْصِيلِ الْحِلْمِ وَهُوَ)
أَيْ الطَّرِيقُ (التَّحَلُّمُ) أَيْ تَكَلُّفُ الْحِلْمِ (أَعْنِي حَمْلَ النَّفْسِ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ) وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُ شَاقًّا عَلَيْهَا (مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِالتَّكَلُّفِ) بِالْمَشَقَّةِ (حَتَّى يَكُونَ مَلَكَةً وَطَبْعًا) كَالْمَلَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الْغَرِيزِيَّةِ (مُسَمًّى بِالْحِلْمِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلُقَ عِبَارَةٌ عَنْ هَيْئَةٍ فِي النَّفْسِ يَصْدُرُ عَنْهَا الْفِعْلُ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَتَكَلُّفٍ وَلَكِنْ كَوْنُ التَّكَلُّفِ طَرِيقَ تَحْصِيلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَجْبُولًا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا يَشْكُلُ أَنَّ الْحِلْمَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْفِعْلِ حَتَّى يُمْكِنَ تَحْصِيلُهُ وَاكْتِسَابُهُ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْكَيْفِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إذْ الْكَيْفِيَّاتُ النَّفْسَانِيَّةُ طَبِيعَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِحْصَالُهَا بِالْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَجْبُولًا عَلَى الْحِلْمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ (طب قُطْن) الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» هَذَا لَيْسَ بِحَصْرٍ إضَافِيٍّ أَوْ أَكْثَرِيٍّ كَمَا تُوُهِّمَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ لَيْسَ إلَّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَلُّمِ وَتَعَلُّمُهُ طَلَبُهُ مِنْ أَهْلِهِ حَيْثُ كَانُوا فَلَا عِلْمَ إلَّا بِتَعْلِيمِ الشَّارِعِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ وَمَا تُفِيدُهُ الْعِبَادَةُ وَالتَّقْوَى وَالْمُجَاهَدَةُ وَالرِّيَاضَةُ إنَّمَا هُوَ فَهْمٌ يُوَافِقُ الْأُصُولَ وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ وَيُوَسِّعُ الْعُقُولَ ثُمَّ هُوَ يَنْقَسِمُ لِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ دَائِرَةِ الْأَحْكَامِ وَمَا يَدْخُلُ تَحْتَ دَائِرَةِ الْعِبَارَةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْإِشَارَةُ وَمَا لَا تَفْهَمُهُ الضَّمَائِرُ وَإِنْ أَشَارَتْ إلَيْهِ الْحَقَائِقُ فِي وُضُوحِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ وَتَحَقُّقِهِ عِنْدَ مُتَلَقِّيهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ تَعَلَّمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ مَا سَبَقَنَا ابْنِ هِشَامٍ بِالْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُ يَشُدُّ ثَوْبَهُ عِنْدَ صَدْرِهِ وَيَسْأَلُ وَكُنَّا تَمْنَعُنَا الْحَدَاثَةُ عَنْهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِمَ نِلْت هَذَا الْعِلْمَ قَالَ بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ «وَ» إنَّمَا «الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» أَيْ بِبَسْطِ النَّفْسِ وَتَنْشِيطِهَا لَهُ قَالَ الرَّاغِبُ الْحِلْمُ إمْسَاكُ النَّفْسِ عَنْ هَيَجَانِ الْغَضَبِ وَالتَّحَلُّمُ إمْسَاكُهَا عَنْ قَضَاءِ الْوَطَرِ إذَا هَاجَ الْغَضَبُ «وَمَنْ تَحَرَّى الْخَيْرَ» أَيْ طَلَبَهُ وَقَصَدَهُ أَوْ مَنْ يَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ الْخَيْرِ «يُعْطَهُ» أَيْ يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ «وَمَنْ يَتَّقِ» وَفِي رِوَايَةٍ يَتَوَقَّ «الشَّرَّ» مِثْلَ الْجَهْلِ وَالْغَضَبِ «يُوقَهُ» ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِيَدِهِ وَلَا مَانِعَ لِمَا يُعْطِيهِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ بَعْضُهُمْ وَيُحَصَّلُ الْعِلْمُ بِالْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ لَكِنَّهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَلِذَا تَمَّمَ الْكَلَامَ نَحْوَ الْغَالِبِ.
قَالَ الرَّاغِبُ الْفَضَائِلُ ضَرْبَانِ نَظَرِيٌّ وَعَمَلِيٌّ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ بِتَعَلُّمِ بَشَرِيٍّ يَحْتَاجُ إلَى زَمَانٍ وَتَدَرُّبٍ وَمُمَارَسَةٍ وَيَتَقَوَّى الْإِنْسَانُ فِيهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفِي فِيهِ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلَادَةِ وَالثَّانِي بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ نَحْوُ أَنْ يُولَدَ إنْسَانٌ عَالِمًا بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ كَعِيسَى وَيَحْيَى ﵉ وَقَدْ يَكُونُ بِالطَّبْعِ كَصَبِيٍّ صَادِقِ اللَّهْجَةِ وَالسَّخَاءِ وَآخَرَ بِعَكْسِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْعَادَةِ فَمَنْ صَارَ فَاضِلًا طَبْعًا وَعَادَةً وَتَعَلُّمًا فَهُوَ كَامِلُ الْفَضِيلَةِ وَمَنْ كَانَ رَاذِلًا فَهُوَ كَامِلُ الرَّذِيلَةِ (وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﵏) تَعَالَى قِيلَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ (إنِّي حَصَّلْت الْحِلْمَ) حَتَّى صِرْت حَلِيمًا (بِمُسَاكَنَةِ مُتَهَوِّرٍ) فِي الْأَفْعَالِ
стр. 599
(بَذِيِّ اللِّسَانِ) بِالْمُوَحَّدَةِ فَالْمُعْجَمَةِ فَاحِشٍ (مُدَّةً مَدِيدَةً وَكُنْت أَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ) بِالتَّهَوُّرِ وَفُحْشِ اللِّسَانِ (وَأَكْظِمُ غَيْظِي) أَمْنَعُ نَفْسِي مِنْ الِانْتِقَامِ بِالتَّكْلِيفِ (حَتَّى صَارَ مَلَكَةً لِي) رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ إنِّي تَعَلَّمْت الْحِكْمَةَ مِنْ الْحَمْقَاءِ وَالْأَدَبَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ أَدَبٌ فَإِنِّي كُلَّمَا رَأَيْت مِنْهُمْ فِعْلًا مُخَالِفًا لِطَبْعِي وَقَبِيحًا فِي مَنْظَرِي تَعَوَّدْت الْمُخَالَفَةَ إيَّاهُمْ فَإِنْ قِيلَ أَصْلُ كُلِّ خُلُقٍ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَهُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا فِعْلٌ كَسْبِيٌّ فَكَيْفَ يَنْقَلِبُ الضَّرُورِيُّ كَسْبِيًّا بِتَكَلُّفِ الْعَبْدِ قُلْنَا لَعَلَّ أَصْلَهُ بَاقٍ عَلَى خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّغَيُّرُ وَالتَّبَدُّلُ بِالتَّكَلُّفِ إنَّمَا هُوَ لِأَثَرِهِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ بَعْضٍ أَنَّ الْخُلُقَ مِنْ قَبِيلِ الْفِعْلِ فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ تَبَدُّلِهِ حِينَئِذٍ وَالسَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ مِنْ عِبَارَاتِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَمِنْ الْفِعْلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ (وَهَكَذَا) كَتَحْصِيلِ الْحِلْمِ بِالتَّحَلُّمِ (طَرِيقُ تَحْصِيلِ كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ كَالتَّوَاضُعِ وَالسَّخَاءِ وَالشَّجَاعَةِ أَعْنِي) بِالتَّشْبِيهِ فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ بِتَحْصِيلِ الْحِلْمِ (الْمُمَارَسَةُ الْكَثِيرَةُ بِالتَّكَلُّفِ إلَى أَنْ تَكُونَ كَيْفِيَّةً رَاسِخَةً وَكَذَا) كَحُصُولِ الْأَخْلَاقِ بِالتَّكَلُّفِ (طَرِيقُ إزَالَةِ كُلِّ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَالْكِبْرِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ) الْأَوَّلُ ضِدٌّ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي وَالثَّالِثُ لِلثَّالِثِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (أَعْنِي) بِجَامِعِ الشَّبَهِ (الْمُمَارَسَةَ الْكَثِيرَةَ عَلَى تَرْكِ مُقْتَضَاهُ) أَيْ الْخُلُقِ الْمَطْلُوبِ إزَالَتُهُ (وَالْعَمَلِ بِضِدِّهِ) كَمَا يُقَالُ الْأَشْيَاءُ تَنْكَشِفُ بِضِدِّهَا (إلَى أَنْ تَزُولَ تِلْكَ الْمَلَكَةُ الرَّدِيئَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى) وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ خُلُقٍ يَقْوَى بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَيَضْعُفُ بَلْ يُعْدَمُ بِالْعَمَلِ بِضِدِّهِ فَظَهَرَ أَنَّ طَرِيقَ التَّحْصِيلِ الْمُمَارَسَةُ الْكَثِيرَةُ عَلَى الْحَسَنِ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكُونَ مَلَكَةً صَادِرَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَأَنَّ طَرِيقَ الْإِزَالَةِ الْعَمَلُ بِالضِّدِّ وَتَرْكُهُ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ وَفُتُورٌ حَتَّى يَزُولَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى رَأْسًا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ أَنَّ الْخُلُقَ طَبِيعَةٌ غَرِيزِيَّةٌ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ عِنْدَ بَعْضٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ أَرْزَاقَكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ الْخُلُقُ جِبِلَّةٌ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ مَحْمُودًا وَإِلَّا أُمِرَ بِالْمُجَاهَدَةِ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ مَحْمُودًا، وَكَذَا إنْ كَانَ ضَعِيفًا فَيَرْتَاضُ صَاحِبُهُ حَتَّى يَقْوَى كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ أَقُولُ هَذَا مُسْتَنِدٌ إلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْحُكَمَاءِ وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ كَسَبِيَّةٍ.
[الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى]
(الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ) مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ (سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى) بِأَنَّهُ لَا يُغْفَرُ ذَنْبُهُ وَلَا يُعْطَى أَرَبَهُ (وَبِالْمُؤْمِنِينَ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ أَوْ الشَّكِّ) بِفَسَادِهِمْ وَفِسْقِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ وَأَمَّا بِهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ بُغْضٌ فِي اللَّهِ مَأْمُورٌ بِهِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ قَالُوا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ إنْ رَأَى عَيْبًا فِي أَخِيهِ
стр. 600
أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ مَا قَدَرَ بِتَأْوِيلَاتٍ فَعِنْدَ مُطْلَقِ الظَّنِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَجَاسَرَ عَلَى الْمُمَاشَاةِ عَلَى مُوجِبِ ظَنِّهِ وَيَحْمِلُ عَلَى الصَّلَاحِ بِأَدْنَى إمْكَانٍ إلَّا إذَا اقْتَضَى دَوَاعِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ الشَّرْعِيِّ (فَإِنَّهُ حَرَامٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ حَرَامٌ كَسُوءِ الْقَوْلِ لَكِنْ لَسْت أَعْنِي بِهِ إلَّا عَقْدَ الْقَلْبِ حُكْمَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِالسُّوءِ أَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ فَعَفْوٌ بَلْ الشَّكُّ عَفْوٌ أَيْضًا فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الظَّنُّ وَالظَّنُّ مَا تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَمِيلُ إلَيْهِ الْقَلْبُ وَسَبَبُ حُرْمَتِهِ أَنَّ أَسْرَارَ الْقُلُوبِ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ فَيَلْزَمُ الْمُنَازَعَةُ مَعَهُ تَعَالَى فِي الْحَصْرِ بِدَعْوَى الْمُشَارَكَةِ فَلَيْسَ لَك الظَّنُّ إلَّا بِعِيَانٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَمَا قِيلَ
إذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عَدُوِّهِ ... وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنْ الشَّكِّ مُظْلِمِ
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] كُونُوا مِنْهُ عَلَى جَانِبٍ وَإِبْهَامِ الْكَثِيرِ لِيَحْتَاطَ فِي كُلِّ ظَنٍّ وَيَتَأَمَّلُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْقَبِيلِ فَإِنَّ مِنْ الظَّنِّ مَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَالظَّنِّ حَيْثُ لَا قَاطِعَ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَحْرُمُ كَالظَّنِّ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ حَيْثُ يُخَالِفُهُ قَاطِعٌ وَظَنُّ السُّوءِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَمَا يُبَاحُ كَالظَّنِّ فِي الْأُمُورِ الْمُعَايَشَةِ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْأَمْرِ وَالْإِثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي تُسْتَحَقُّ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إثْمِيَّةِ بَعْضِ الظَّنِّ الِاجْتِنَابُ عَنْ أَكْثَرِ الظَّنِّ غَايَتُهُ إثْمِيَّةُ بَعْضِ الظَّنِّ وَأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْبَعْضَ يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ الْأَكْثَرِ وَأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النُّصُوصِ عِنْدَنَا فَيَكُونُ صُورَةُ الدَّلِيلِ إذَا كَانَ أَكْثَرُ الظَّنِّ إثْمًا فَالِاجْتِنَابُ عَنْ أَكْثَرِهِ لَازِمٌ لَكِنَّ الْمُقَدَّمَ صِدْقٌ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]- لَكِنْ لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَكْثَرُ الْمَطْلُوبُ إلَّا أَنْ يُقَالَ جَانِبُ الْأَقَلِّ حُسْنُ الظَّنِّ وَإِنَّمَا كَانَ سُوءُ الظَّنِّ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْهَوَى وَدَوَاعِي الْهَوَى كَالطَّبِيعِيِّ وَخِلَافُهَا كَالْقَسْرِيِّ وَمَا هُوَ طَبِيعِيٌّ أَكْثَرُ أَوْ جَانِبُ الْأَقَلِّ سُوءُ الظَّنِّ الَّذِي طَرِيقُهُ مَا لَيْسَ بِوَهْمٍ وَشَكٍّ بَلْ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ أَيْضًا كَمَا نَبَّهَ فَافْهَمْهُ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ» أَيْ ظَنَّ السُّوءِ الَّذِي لَا دَلِيلَ لَهُ وَلَوْ ظَنًّا وَإِلَّا فَ يَشْكُلُ بِمَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْفَيْضِ أَيْ احْذَرُوا سُوءَ الظَّنِّ بِمَنْ لَا يُسَاءُ الظَّنُّ بِهِ مِنْ الْعُدُولِ وَالظَّنُّ تُهْمَةٌ تَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ «فَإِنَّ الظَّنَّ» أَقَامَ الظَّاهِرَ مَقَامَ الضَّمِيرِ لِزِيَادَةِ تَمَكُّنٍ فِي ذِكْرِ السَّامِعِ «أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ؛ لِأَنَّهُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَاسْتَشْكَلَ تَسْمِيَةُ الظَّنِّ حَدِيثًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ قَوْلًا وَغَيْرَهُ أَوْ مَا يَنْشَأُ عَنْ الظَّنِّ فَوُصِفَ الظَّنُّ بِهِ مَجَازًا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ حَكَمَ بِشَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ بِالظَّنِّ بَعَثَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَنْ يَطُولَ فِيهِ اللِّسَانُ بِالْغِيبَةِ فَيَهْلِكُ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ وَيَرَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ، وَلِذَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلتُّهَمِ ( «وَلَا تَجَسَّسُوا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِجِيمٍ أَيْ لَا تَتَعَرَّفُوا خَبَرَ النَّاسِ بِلُطْفٍ كَالْجَاسُوسِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّجَسُّسُ أَنْ لَا تَتْرُكَ عِبَادَ اللَّهِ تَحْتَ سَتْرِهَا فَتَتَوَصَّلُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِمْ وَالتَّجَسُّسِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَهَتْكِ السِّتْرِ حَتَّى يَنْكَشِفَ لَك مَا كَانَ مَسْتُورًا عَنْك وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يَكُونُ طَرِيقًا لِإِنْقَاذِ مُحْتَرَمٍ مِنْ هَلَاكٍ وَنَحْوِهِ كَأَنْ يُخْبِرَ ثِقَةٌ بِأَنَّ فُلَانًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا فَجَازَ التَّجَسُّسُ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَاسْتَجَادَهُ ( «وَلَا تَحَسَّسُوا» بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ لَا تَطْلُبُوا الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَإِبْصَارِ الشَّيْءِ خُفْيَةً وَقِيلَ الْأَوَّلُ الْفَحْصُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَبَوَاطِنِ
стр. 601
أُمُورِهِمْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقِيلَ الْأَوَّلُ يَخْتَصُّ بِالشَّرِّ وَالثَّانِي أَعَمُّ كَمَا فِي الْفَيْضِ قِيلَ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِابْنِ مَالِكٍ يَعْنِي لَا تَطْلُبُوا التَّطَلُّعَ عَلَى خَيْرِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى شَرِّهِ؛ لِأَنَّ اطِّلَاعَ الْخَيْرِ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى الْحَسَدِ وَاطِّلَاعَ الشَّرِّ يُفْضِي إلَى التَّعْيِيبِ وَالتَّفْضِيحِ وَفِي الْحَاشِيَةِ وَالتَّجَسُّسُ مَنْهِيٌّ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِظُلْمٍ فِي مَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ فَيَجُوزُ التَّجَسُّسُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ وَالْخَلَاصِ مِنْ شَرِّهِ وَفِيهِ أَيْضًا وَالْمُنْكَرُ الْخَفِيُّ إذَا حَصَلَ إلَى الْمُحْتَسِبِ ظَنٌّ بِهِ بِوَاسِطَةِ الْقَرَائِنِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ هَذَا النَّهْيِ «وَلَا تَنَافَسُوا» مِنْ الْمُنَافَسَةِ وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَالِانْفِرَادُ بِهِ وَمِنْهُ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ أَيْ لَا تَرْغَبُوا فِيمَا رَغِبَ فِيهِ الْغَيْرُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا بَعْدَ دَلِيلِ الرِّضَا وَقِيلَ التَّنَافُسُ وَالتَّحَاسُدُ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ «وَلَا تَحَاسَدُوا» بِزَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ وَفِي رِوَايَةٍ «لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا» «وَلَا تَبَاغَضُوا» لَا يَبْغُضُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَوْ لَا تَسْتَعْمِلُوا مَا هُوَ سَبَبُ الْبُغْضِ بَيْنَكُمْ ( «وَلَا تَدَابَرُوا» أَيْ لَا تَعْمَلُوا بِمُقْتَضَى التَّبَاغُضِ مَأْخُوذٌ مِنْ الدُّبُرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَبَاغِضَيْنِ يُوَلِّي دُبُرَهُ صَاحِبَهُ وَقِيلَ لَا تَغْتَابُوا قَالَ فِي الْعَارِضَةِ التَّدَابُرُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ دُبُرَهُ مَحْسُوسًا بِالْأَبْدَانِ وَمَعْقُولًا بِالْعَقَائِدِ وَالْآرَاءِ وَالْأَقْوَالِ «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ» بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ أَوْ خَبَرِ كَانَ «إخْوَانًا» حَصِّلُوا مَا تَكُونُ الْأُخُوَّةُ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْأَخِ فِي اللَّهِ أَوْ إنْ تَرَكْتُمْ مَا ذُكِرَ فَكُنْتُمْ إخْوَانًا وَإِلَّا فَأَعْدَاءً «كَمَا أَمَرَكُمْ» الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَمَرَكُمُوهُ أَوْ بِهِ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» أَيْ يَجْمَعُهُمَا دِينٌ وَاحِدٌ وَالْأُخُوَّةُ الدِّينِيَّةُ أَعْظَمُ مِنْ الْخَارِجِيَّةِ «لَا يَظْلِمْهُ» كَأَنَّهُ بَيَانٌ أَوْ تَعْلِيلٌ لِلْأُخُوَّةِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَخِ عَدَمُ ظُلْمِ أَخِيهِ كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ آمَنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» قَالَ الْقَاضِي فَمَنْ لَمْ يُرَاعِ حُكْمَ اللَّهِ فِي ذِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَنْهُمْ لَمْ يَكْمُلْ إسْلَامُهُ قَالَ الْقَيْصَرِيُّ الْإِسْلَامُ مَقَامٌ عَظِيمٌ وَحَالٌ شَرِيفٌ مَنْ تَحَقَّقَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَحَالُهُ حَالُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى وَمَعْنَاهُ الِانْقِيَادُ لِلْأَوَامِرِ وَتَرْكُ الِاسْتِعْصَاءِ لَهَا وَالْإِمْسَاكُ عَنْ إيذَاءِ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَنَفْعِ أَهْلِهِ وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ كَذَا فِي الْفَيْضِ «وَلَا يَخْذُلْهُ» أَيْ لَا يَتْرُكُ النُّصْرَةَ وَالْإِعَانَةَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مُؤَاخَذَةِ الظَّالِمِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ نُصْرَتِهِ «وَلَا يُحَقِّرْ» أَيْ لَا يَرَاهُ حَقِيرًا فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ «التَّقْوَى هَاهُنَا» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ «ثَلَاثًا» الظَّاهِرُ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «وَيُشِيرُ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ هَاهُنَا «إلَى صَدْرِهِ» أَيْ قَلْبِهِ فَإِذَا كَانَتْ التَّقْوَى فِي الصَّدْرِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُحَقِّرَ مُسْلِمًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِي قَلْبِهِ إلَّا بِعَلَامَةٍ ظَاهِرَةٍ كَتَرْكِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَتَغَنِّي مَشَايِخِ زَمَانِنَا وَرَقْصِهِمْ أَيْضًا فَإِنَّهَا حَرَامٌ لَا يَقْبَلُ الصَّلَاحَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ «بِحَسْبِ امْرِئٍ» أَيْ كَافِيهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَالسِّينُ سَاكِنَةٌ وَأَنْ يُحَقِّرَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِحَسْبِ «مِنْ الشَّرِّ أَنْ يُحَقِّرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَكُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ» أَيْ إهْرَاقُ دَمِهِ كَمَا فِي حَدِيثٍ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» «وَ» هَتْكُ «عِرْضِهِ وَ» أَخْذُ «مَالِهِ» بِغَيْرِ حَقٍّ كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَالرِّبَا وَالْحِيلَةِ فِي التِّجَارَاتِ
стр. 602
«إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إلَى صُوَرِكُمْ» كَالْحُسْنِ وَالْعِظَمِ وَالْقُوَّةِ «وَلَا إلَى أَعْمَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ» إلَى طَهَارَتِهَا عَمَّا سِوَاهُ أَوْ هَلْ بِالْخُلُوصِ أَوْ لَا قِيلَ الْقُلُوبُ مَحَلُّ التَّقْوَى وَأَوْعِيَةُ الْجَوَاهِرِ وَكُنُوزُ الْمَعَارِفِ وَقَالَ الْمُحَشِّي يَعْنِي أَنَّ مَنْظَرَ اللَّهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ هُوَ الْقَلْبُ ثُمَّ الْأَعْمَالُ فَإِنْ سَالِمًا عَنْ الْعَزَائِمِ الْفَاسِدَةِ وَمُحَلًّى بِالنِّيَّاتِ الْمَحْمُودَةِ يَنْظُرُ إلَى الْأَعْمَالِ فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَجْمِعَةً لِلشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ يَقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَلْبُ سَالِمًا لَا يَقْبَلُ الْأَعْمَالَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مَنْظَرَ اللَّهِ أَصْلًا كَمَا زَعَمَتْ الْمَلَاحِدَةُ وَلَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَنَّ الْمَنْظَرَ هُوَ الْقَلْبُ فَبَعْدَمَا كَانَ سَالِمًا عَنْ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ قُبِلَتْ الْأَعْمَالُ مُسْتَجْمِعَةً لِلشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ خَارِقَانِ لِلْإِجْمَاعِ مُخَالِفَانِ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» الْحَدِيثَ (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «وَلَا تَنَاجَشُوا» التَّنَاجُشُ أَنْ يَزِيدَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ عَلَى هَذَا فِي الْبَيْعِ وَالنَّجْشُ رَفْعُ الثَّمَنِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الرِّضَا وَأَمَّا قَبْلَهُ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ وَقِيلَ النَّهْيُ عَنْ إغْرَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى الشَّرِّ وَالْخُصُومَةِ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ شِرَاءٍ لِيَغْتَرَّ الرَّاغِبُ فَيَشْتَرِيَ بِمَا ذَكَرَهُ وَأَصْلُهُ الْإِغْرَاءُ وَالتَّحْرِيضُ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ وَقِيلَ الْمُرَادُ إغْرَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى الشَّرِّ وَالْخُصُومَةِ وَقِيلَ عَنْ الْقَاضِي ذَمُّ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (وَزَادَ خ «وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ» بِكَسْرِ الْخَاءِ طَلَبُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لِلتَّزَوُّجِ «أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» هَذَا النَّهْيُ بَعْدَ الرِّضَا وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا، وَحُرْمَةُ مَا ذُكِرَ مِنْ الظَّنِّ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُجَاهِرِينَ أَوْ عَدَمِ دَلَالَةِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ (وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ وَالْفِسْقِ الْمُجَاهِرِينَ) صِفَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْفِسْقِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُجَاهِرُونَ صِفَةٌ لِلْأَهْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ (أَوْ) لَمْ يُجَاهِرْ لَكِنْ (دَلَّ عَلَيْهِ) عَلَى الْفِسْقِ (قَرَائِنُ تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ) بِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ (فَعَلَيْنَا أَنْ نُبْغِضَهُمْ فِي اللَّهِ تَعَالَى) لَا لِغَرَضٍ نَفْسَانِيٍّ، وَلِذَا يَنْقَطِعُ الْبُغْضُ بِخُرُوجِهِمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ (وَلَيْسَ) بُغْضُهُمْ (مِنْ سُوءِ الظَّنِّ فِي شَيْءٍ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا) أَيْ كَوْنِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ كَافِيَةً عَلَى سُوءِ الظَّنِّ (قَوْله تَعَالَى) إنْكَارًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ [النساء: ٨٨] أَيْ مَا أَمْرُكُمْ وَشَأْنُكُمْ تَفَرَّقْتُمْ ﴿فِي﴾ [البقرة: ١٠] أَمْرِ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨] وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى كُفْرِهِمْ ﴿فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الْآيَةَ)
стр. 603
فِرْقَتَيْنِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ) عَلَى مُجَرَّدِ الشَّكِّ وَالْوَهْمِ.
(إنَّمَا يَحْرُمُ) الظَّنُّ (إذَا ظَهَرَ أَثَرُهُ) أَثَرُ الظَّنِّ (عَلَى الْجَوَارِحِ) بِاغْتِيَابٍ وَنَحْوِهِ (قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) قِيلَ ثَوْرٌ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ (الظَّنُّ ظَنَّانِ أَحَدُهُمَا إثْمٌ وَهُوَ أَنْ تَظُنَّ وَتَتَكَلَّمَ بِهِ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِإِثْمٍ وَهُوَ أَنْ تَظُنَّ) بِقَلْبِك فَقَطْ (وَلَا تَتَكَلَّمَ بِهِ، وَهَذَا) عَدَمُ الْحُرْمَةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْجَوَارِحِ (هُوَ الْمُخْتَارُ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ (وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَسَدِ وَضِدُّ سُوءِ الظَّنِّ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أَمَّا الْأَوَّلُ) حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ (فَوَاجِبٌ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ كُلُّ شَيْءٍ وَفَضْلُهُ الْعَظِيمُ وَالْخَوْفُ بِالنَّظَرِ إلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْعَبْدُ أَشَدَّ الِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابَ بِالنَّارِ وَاللَّائِقُ ذِكْرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِيهَا لِلزَّجْرِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْإِنَابَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (م عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ» تَعَالَى بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ أَجَلُهُ وَأَتَتْ رِحْلَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِخَوْفِهِ مَعْنًى بَلْ يُؤَدِّي إلَى الْقُنُوطِ
قَالَ الطِّيبِيُّ نُهِيَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ حُسْنِ الظَّنِّ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ بَلْ الْمُرَادُ الْأَمْرُ بِحُسْنِ الظَّنِّ لِيُوَافِقَ الْمَوْتَ وَهُوَ عَلَيْهِ نَحْوُ وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، وَهَذَا قَالَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ وَالنَّهْيُ وَإِنْ وَقَعَ عَنْ الْمَوْتِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ إذْ هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ بَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بَلْ عَنْ تَرْكِ الْخُشُوعِ وَأَفَادَ الْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُفْضِي إلَى حُسْنِ الظَّنِّ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى تَأْمِيلِ الْعَفْوِ وَتَحْقِيقِ الرَّجَاءِ فِي رُوحِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (خ م ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» كَظَنِّ الْغُفْرَانِ إذَا اسْتَغْفَرَ وَالْقَبُولِ إذَا تَابَ وَالْإِجَابَةِ إذَا دَعَا وَالْكِفَايَةِ إذَا طَلَبَ الْكِفَايَةَ كَذَا نُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَظَنِّ قَبُولِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَكَذَا ظَنُّ الْعُقُوبَةِ عَلَى عِصْيَانِهِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إنَّك مَا دَعَوْتَنِي» أَيْ مُدَّةَ دُعَائِك لِي «وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَك ذُنُوبَك عَلَى مَا كَانَ مِنْك» مِنْ عَظَائِمَ وَجَرَائِمَ أَوْ مَا دُمْت تَدْعُونِي وَتَرْجُو مَغْفِرَتِي وَلَا تَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِي فَأَغْفِرُ لَك وَلَا تَعْظُمُ عَلَيَّ مَغْفِرَتُك وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُك كَثِيرَةً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَالرَّجَاءَ مُتَضَمِّنٌ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ وَهُوَ قَالَ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» وَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَوَجَّهُ
стр. 604
الرَّحْمَةُ لَهُ فَإِذَا تَوَجَّهَتْ لَا يَتَعَاظَمُهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ
وَفِيهِ أَيْضًا «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي» أَيْ يَا عَبْدِي «أَنَا عِنْدَ ظَنِّك بِي وَأَنَا مَعَك» بِالتَّوْفِيقِ وَالْمَعُونَةِ «إذَا ذَكَرْتَنِي» وَدَعَوْتَنِي فَأَسْمَعُ مَا تَقُولُ فَأُجِيبُك قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ أَنَا مَعَك بِحَسَبِ مَا قَصَدْت مِنْ ذِكْرِك لِي بِاللِّسَانِ فَقَطْ أَوْ بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَوْ بِهِمَا ثُمَّ دَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَعْنِي وُجُوبَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ خُفْيَةً مَتْنًا وَسَنَدًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ وُجُوبُ حُسْنِ ظَنِّ الْعَبْدِ بِهِ تَعَالَى قُلْنَا لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت عَنْ الْأُصُولِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَرْعِيَّ شَرَائِطُهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ سِيَّمَا حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ فِي رُتْبَةِ الْمَشْهُورِ وَأَنَّ مَتْنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ نَفْسَ الْمَطْلُوبِ بَلْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ وَدَالٌّ عَلَيْهِ بِنَحْوِ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ اللَّهُ عِنْدَ ظَنِّ الْعَبْدِ بِهِ حُسْنًا وَسُوءًا فَحُسْنُ الظَّنِّ وَاجِبٌ لَكِنَّ الْمُقَدَّمَ حَقٌّ فَالتَّالِي كَذَلِكَ أَمَّا الْمُقَدَّمُ فَلِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلَعَلَّهَا ظَاهِرَةٌ
(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ أَيْضًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُجَرَّدِ حُسْنِ الظَّنِّ بِلَا تَقْيِيدٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَتَعَرَّضْ شَرْحُهُ لِلُزُومِ هَذَا الْقَيْدِ فَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِأَيِّ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِالرَّأْيِ لَيْسَ بِجَائِزٍ فَافْهَمْ (مِنْ) جُمْلَةِ (حُسْنِ الْعِبَادَةِ) (حب) ابْنُ حِبَّانَ (حَدّ) أَحْمَدُ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ وَاثِلَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إنْ ظَنَّ خَيْرًا» كَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِجَابَةِ «فَلَهُ» ذَلِكَ فَضْلًا وَمِنَّةً مِنْهُ تَعَالَى «وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا» بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ «فَلَهُ» قِيلَ الْأَصْلُ فَعَلَيْهِ وَعَبَّرَ بِمَا ذُكِرَ مُشَاكَلَةً (طب) طَبَرَانِيٌّ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ بِاَللَّهِ الظَّنَّ إلَّا أَعْطَاهُ ظَنَّهُ) أَيْ مُقْتَضَى ظَنِّهِ وَأَوْصَلَهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَذَلِكَ) الْإِعْطَاءُ (بِأَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ) ذِكْرُ الْخَيْرِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِالذَّاتِ وَالشَّرِّ بِالْعَرْضِ إذْ لَا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا أَوْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَقَعَ فِيهِ
ثُمَّ قَالَ الْمُحَشِّي: هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَسَمُ (هق) بَيْهَقِيٌّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى» يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ ( «بِعَبْدٍ إلَى النَّارِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى شَفَتِهَا» أَيْ طَرَفِهَا يُقَالُ شَفَا كُلِّ شَيْءٍ أَيْ حَرْفُهُ وَطَرَفُهُ «الْتَفَتَ» خَلْفَهُ مَثَلًا «فَقَالَ أَمَا وَاَللَّهِ يَا رَبِّ إنْ» مُخَفَّفَةٌ وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ «كَانَ ظَنِّي بِك لَحَسَنٌ» فِي الدُّنْيَا وَقَدْ خَرَجْت بِهِ «فَقَالَ اللَّهُ رُدُّوهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»
стр. 605
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِهِ تَعَالَى.
(وَأَمَّا الثَّانِي) هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ (فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِيمَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِمْ) مِنْ الْفَسَادِ وَالصَّلَاحِ أَيْ اسْتِوَائِهَا فَعِنْدَ رُجْحَانِ جَانِبِ الصَّلَاحِ فَبِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ عِنْدَ رُجْحَانِ جَانِبِ الْفَسَادِ فَحُسْنُ الظَّنِّ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ بَلْ اللَّازِمُ حِينَئِذٍ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا فَافْهَمْ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ مَدَارَ الظَّنِّ هُوَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ ظَنًّا عَلَى الْحُكْمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الظَّنُّ عِنْدَ كَوْنِ مَدَارِهِ شَكًّا وَقَدْ قِيلَ إنَّ الشَّكَّ مِنْ بَابِ التَّصَوُّرَاتِ وَالظَّنَّ مِنْ التَّصْدِيقَاتِ وَتَحْصِيلُ التَّصْدِيقِ مِنْ التَّصَوُّرِ لَيْسَ بِجَائِزٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الشَّكَّ وَالظَّنَّ مَاهِيَّتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَكَيْفَ تَتَحَصَّلُ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ حُسْنُ الظَّنِّ عِنْدَ كَوْنِ مُوجِبِهِ شَكًّا (وَيَحْتَمِلُ الصَّلَاحَ وَالْفَسَادَ) احْتِمَالًا مُسَاوِيًا (خُصُوصًا فِي الْمُسْلِمِ الظَّاهِرِ عَدَالَتُهُ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِانْضِمَامِ الْعَدَالَةِ إلَى التَّسَاوِي الصُّورِيِّ يَخْرُجُ مِنْ الشَّكِّ إلَى الظَّنِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْبَابِ (فَحَمْلُهُ عَلَى الْفَسَادِ حَرَامٌ) اللَّازِمُ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ كَمَا فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى دَلَالَةِ أَدِلَّةِ سُوءِ الظَّنِّ فَافْهَمْ (وَ) حَمْلُهُ (عَلَى الصَّلَاحِ) بِحُسْنِ الظَّنِّ (مُسْتَحَبٌّ) لِأَدِلَّةِ حُسْنِ الظَّنِّ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَمْلُ عَلَى الْفَسَادِ حَرَامًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا وَقُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ فَاللَّازِمُ هُوَ الْوُجُوبُ لَا الِاسْتِحْبَابُ وَقَدْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إنَّ ضِدَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَاجِبٌ إنْ قَوِيَ الْمَقْصُودُ بِالنَّهْيِ وَإِلَّا فَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ. وَأَمَّا عَدَمُ الْحَمْلِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ بَلْ التَّوَقُّفُ فَجَائِزٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَنْدُوبٍ.
[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَمِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ التَّطَيُّرُ]
(الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ) وَمِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ (التَّطَيُّرُ) مَصْدَرُ تَطَيَّرَ مِنْ الشَّيْءِ وَأُطِيرَ مِنْهُ (وَالطِّيَرَةُ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ التَّفَاؤُلُ بِالطَّيْرِ فَإِنَّهُمْ يَتَفَاءَلُونَ بِأَسْمَائِهَا وَأَصْوَاتِهَا وَمُرُورِهَا ثُمَّ خُصَّ بِالتَّشَاؤُمِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلَامَةً لِلشَّرِّ وَالشُّؤْمِ ضِدُّ الْيُمْنِ فَلِذَا قَالَ (وَهُوَ التَّشَاؤُمُ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا لِحَاجَةٍ فَإِنْ رَأَوْا الطَّيْرَ يَمُرُّ يَمْنَةً يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَإِنْ يَسْرَةً يَتَشَاءَمُونَ وَيَرْجِعُونَ إلَى بُيُوتِهِمْ وَرُبَّمَا يُنَفِّرُونَ الطُّيُورَ فَإِنْ أَخَذَتْ جَانِبَ الْيَمِينِ يَتَبَرَّكُونَ أَوْ جَانِبَ الْيَسَارِ فَيَتْرُكُونَ (وَهُوَ حَرَامٌ) بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْكُفْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِظَاهِرِ
стр. 606
مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ كَزَيْدٌ أَسَدٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ التَّأْثِيرِ مِنْهُ قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا إذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَحَقَّقَهُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُحَقِّقْ فَلَا بِالِاتِّفَاقِ بَلْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكًا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ فِي حُصُولِ الْمَكْرُوهِ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطَيُّرِ وَالطِّيَرَةِ أَنَّ التَّطَيُّرَ الظَّنُّ السَّيْء بِالْقَلْبِ وَالطِّيَرَةُ الْفِعْلُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الطِّيَرَةِ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ (ثَلَاثًا) أَيْ كَرَّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ثَلَاثًا تَأْكِيدًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرَادَةِ غَيْرِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ لِخَفَاءِ النِّسْبَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالتَّطَيُّرِ (وَمَا مِنَّا) أَيْ لَيْسَ مَحْسُوبًا مِنْ جَمَاعَتِنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَتَطَيَّرُ (إلَّا) وَيَجِدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ) أَيْ التَّطَيُّرَ (بِالتَّوَكُّلِ) فَالتَّوَكُّلُ عِلَاجٌ لِلتَّطَيُّرِ أَوْ يُذْهِبُ إثْمَ التَّطَيُّرِ عَنْ الْخَطَّابِيِّ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا مِنَّا إلَّا مَنْ يَعْتَرِضُهُ التَّطَيُّرُ وَتَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِهِ الْكَرَاهِيَةُ فِيهِ فَحَذَفَهُ اخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ وَاعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ قَالَ الْبُخَارِيُّ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَقَالَ إنَّ كُلَّ كَلَامٍ مَسُوقٍ فِي السِّيَاقِ لَا يَقْبَلُ دَعْوَى الدَّرَجِ فِيهِ إلَّا بِحُجَّةٍ وَدَلِيلٍ وَقِيلَ فَلَعَلَّهُ كَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُوَافَقَتِهِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ الظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ إذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقُ وَإِذَا تَطَيَّرْت فَامْضِ وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ التَّمَائِمَ وَالرُّقَى وَالتَّوَلَةَ مِنْ الشِّرْكِ التَّمَائِمُ خَرَزَاتٌ تُعَلِّقُهَا الْعَرَبُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ لِاتِّقَاءِ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكًا عِنْدَ إرَادَةِ دَفْعِ الْمُقَدَّرَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ اعْتَقَدَ رَدَّ الْقَدَرِ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ هَذَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَحْوُ قُرْآنٍ وَإِلَّا فَمَا فِيهِ ذِكْرُهُ تَعَالَى فَلَا نَهْيَ عَنْهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ، وَكَذَا لَا نَهْيَ فِيمَا يُعَلَّقُ لِأَجْلِ الزِّينَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْخُيَلَاءَ وَالسَّرَفَ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَفِي النِّصَابِ لَكِنْ يَنْزِعُهُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالْقُرْبَانِ وَعَنْ الْخَانِيَّةِ مَا صَنَعَتْ الْمَرْأَةُ لِحُبِّ زَوْجِهَا حَرَامٌ وَمَا يُتَّخَذُ لُعْبَةً لِتَفْرِيقِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا ارْتِدَادٌ فَيُقْتَلُ إنْ اعْتَقَدَ التَّفْرِيقَ مِنْ اللُّعْبَةِ، وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (خ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا عَدْوَى»
стр. 607
مُجَاوَزَةُ الْعِلَّةِ مِنْ صَاحِبِهَا إلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي الْمَبَارِقِ أَيْ لَا سِرَايَةَ لِعِلَّةٍ مِنْ صَاحِبِهَا لِغَيْرِهِ كَمَا يَعْتَقِدُ الطَّبَائِعِيُّونَ مِنْ سِرَايَتِهَا بِالطَّبْعِ بَلْ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشِيئَةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالنَّهْيُ عَنْ مُدَانَاةِ الْمَجْذُومِ مِنْ قَبِيلِ اتِّقَاءِ الْجِدَارِ الْمَائِلِ وَالسَّفِينَةِ الْمَعِيبَةِ «وَلَا طِيَرَةَ» أَيْ تَشَاؤُمَ كَمَا مَرَّ وَفِي النِّصَابِ إذَا خَرَجَ إلَى السَّفَرِ فَصَاحَ الْعَقْعَقُ وَرَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ يَكْفُرُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعَنْ الْمُحِيطِ إذَا صَاحَتْ الْهَامَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ يَمُوتُ الْمَرِيضُ يَكْفُرُ عِنْدَ الْبَعْضِ ( «وَلَا هَامَةَ» بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ تَشْدِيدَهَا دَابَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْقَتِيلِ أَوْ تَتَوَلَّدُ مِنْ دَمِهِ فَلَا تَزَالُ تَصِيحُ حَتَّى يُؤْخَذَ بِثَأْرِهِ كَذَا تَزْعُمُ الْعَرَبُ فَأَكْذَبَهُمْ الشَّارِعُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلَا يُنَافِيهِ خَبَرٌ لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاعْتِقَادِ أَوْ تَشْوِيشِ النَّفْسِ وَتَأْثِيرِ الْوَهْمِ فِيهِ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِلَا مَدْخَلٍ فِيهِ لِلنَّسْخِ وَعَنْ ابْنِ رَجَبٍ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمَكْرُوهَةِ الِاشْتِغَالُ بِمَا يُرْجَى بِهِ دَفْعُ الْعَذَابِ مِنْ إجْمَالِ الطَّاعَاتِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ قِيلَ عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ تَطَيُّرُ الْعَامَّةِ بِصَوْتِ الْهَامَةِ ( «وَلَا صَفَرَ» بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْمُحَرَّمِ إلَى صَفَرٍ فِي النَّسِيءِ أَوْ دَابَّةٌ فِي بَطْنِ الْإِنْسَانِ تَلْدَغُهُ إذَا جَاعَتْ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهْرَ صَفَرٍ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَاهِي وَعَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى سَأَلْته عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يُسَافِرُونَ فِي صَفَرٍ وَلَا يَبْتَدِئُونَ بِالْأَعْمَالِ فِيهِ مِنْ النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ فِيهِ وَيَتَمَسَّكُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ صَفَرٍ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ» هَلْ يَصِحُّ هَذَا الْخَبَرُ وَهَلْ فِيهِ نُحُوسَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْعَمَلِ فِيهِ، وَكَذَا لَا يُسَافِرُونَ إذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي بُرْجِ الْعَقْرَبِ، وَكَذَا لَا يَخِيطُونَ الثِّيَابَ وَلَا يَقْطَعُونَهَا إذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي بُرْجِ الْأَسَدِ هَلْ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا قَالَ أَمَّا مَا يَقُولُونَ فِي صَفَرٍ فَذَاكَ شَيْءٌ كَانَتْ الْعَرَبُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يَقُولُونَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ أَوْ فِي الْأَسَدِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ يَذْكُرُهُ أَهْلُ النُّجُومِ وَلِتَنْفِيذِ مَقَالَتِهِمْ يَنْسُبُونَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ انْتَهَى قَوْلُهُ كَانَتْ الْعَرَبُ إلَخْ يُشْعِرُ بِإِرَادَةِ تَجْوِيزِهِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِعْلَ الْعَرَبِ لَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَى الْجَوَازِ بَلْ أَكْثَرُ أَفْعَالِهِمْ أَفْعَالُ زَمَانِ الْجَهَالَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ قِيلَ وَمِنْ زَعَمَاتِ الْعَرَبِ أَنَّ فِي بَطْنِ الْإِنْسَانِ حَيَّةً تَعَضُّهُ إذَا جَاعَ وَيُسَمُّونَهَا صَفَرًا (وَزَادَ) الْبُخَارِيُّ (فِي رِوَايَةٍ «وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ»
стр. 608
لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُعْتَدِيَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْجَرَبِ وَالْحَصْبَاءِ وَالْوَبَاءِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا عَدْوَى يَعْنِي بِطَبْعِهِ لَا بِفِعْلِهِ تَعَالَى كَمَا تَزْعُمُ الْعَرَبُ وَعَنْ عِيَاضٍ فِي صَحِيحِ شَرْحِ مُسْلِمٍ «كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا قَدْ بَايَعْنَاك فَارْجِعْ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵊ أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ وَقَالَ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَكَانَ لَنَا مَوْلًى مَجْذُومٌ وَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي وَذَهَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إلَى الْأَكْلِ مَعَهُ وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخٌ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ نَسْخِهِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِحَمْلِ الْفِرَارِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ وَأَمَّا الْأَكْلُ فَلِتَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَاخْتُلِفَ هَلْ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ عِنْدَ وِجْدَانِهَا زَوْجَهَا مَجْذُومًا وَأَيْضًا هَلْ لِلْأَمَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا عَنْ قُرْبَانِ مَوْلَاهَا وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّهُمْ عِنْدَ تَكَثُّرِهِمْ هَلْ يُؤْمَرُونَ بِاتِّخَاذِ مَوْضِعٍ لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً وَهَلْ نَمْنَعُهُمْ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ النَّافِعَةِ (د عَنْ قَطَنٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (ابْنِ قَبِيصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْعِيَافَةُ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ قِيلَ هُوَ التَّكَهُّنُ لَكِنْ فِي الْحَاشِيَةِ زَجْرُ الطُّيُورِ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَالِاعْتِبَارُ بِأَسْمَائِهَا وَأَصْوَاتِهَا وَمَسَاقِطِهَا وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْعِيَافَةِ (وَالطِّيَرَةُ) أَيْ التَّشَاؤُمُ بِأَسْمَاءِ الطُّيُورِ وَأَصْوَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَجِهَةِ مَسِيرِهَا عِنْدَ تَنْفِيرِهَا كَمَا يُتَفَاءَلُ بِالْعِقَابِ عَلَى الْعُقُوبَةِ وَبِالْغُرَابِ عَلَى الْغُرْبَةِ وَبِالْهُدْهُدِ عَلَى الْهُدَى وَكَمَا يُنْظَرُ إنْ طَارَ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ تَيَمَّنَ أَوْ الْيَسَارِ تَشَاءَمَ ( «وَالطَّرْقُ» بِفَتْحٍ وَسُكُونٍ الضَّرْبُ بِالْحَصَى أَوْ الْخَطُّ بِالرَّمْلِ وَمِنْهُ الضَّرْبُ بِالْبَاقِلَاءِ وَالشَّعِيرِ فِي زَمَانِنَا وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْكِهَانَةِ ( «مِنْ الْجِبْتِ» مِنْ أَعْمَالِ السِّحْرِ فَكَالسِّحْرِ فِي الْحُرْمَةِ وَعَنْ الْفِرْدَوْسِ الْجِبْتُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ الْكَهَنَةُ وَالشَّيَاطِينُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكَهَنَةِ وَالشَّيَاطِينِ قِيلَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يَتَيَمَّنُونَ بِكُلِّ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُمْ وَإِنْ كَانَ جَانِبَ شَرٍّ وَيَتَشَاءَمُونَ بِمَا يُخَالِفُ وَإِنْ جَانِبَ خَيْرٍ وَيَتَشَاءَمُونَ وَإِنْ كَانَ الْهَامَةُ أَنْصَحَ الطُّيُورِ لِابْنِ آدَمَ وَأَشْفَقَ بِهِ وَنُقِلَ عَنْ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ كُنْت عِنْدَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 609
فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَغْرَبِ شَيْءٍ قَرَأْته فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ هَامَةً جَاءَتْ سُلَيْمَانَ ﵊، فَقَالَتْ السَّلَامُ عَلَيْك يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَامُ يَا هَامَةُ لِمَ لَا تَأْكُلِينَ مِنْ الزَّرْعِ قَالَتْ خَرَجَ آدَم بِسَبَبِهِ قَالَ لِمَ لَا تَشْرَبِينَ مِنْ الْمَاءِ قَالَتْ غَرِقَ فِيهِ قَوْمُ نُوحٍ قَالَ لِمَ تَرَكْت الْعُمْرَانَ وَاخْتَرْت الْخَرَابَ قَالَتْ؛ لِأَنَّ الْخَرَابَ مِيرَاثُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَمَا صِيَاحُك فِي الدُّورِ قَالَتْ أَقُولُ وَيْلٌ لِبَنِي آدَمَ كَيْفَ يَنَامُونَ وَأَمَامَهُمْ الشَّدَائِدُ قَالَ لِمَ لَا تَخْرُجِينَ فِي النَّهَارِ قَالَتْ مِنْ كَثْرَةِ ظُلْمِ بَنِي آدَمَ لِأَنْفُسِهِمْ قَالَ مَا تَقُولِينَ فِي صِيَاحِك قَالَتْ أَقُولُ تَزَوَّدُوا يَا غَافِلُونَ وَتَهَيَّئُوا لِسَفَرِكُمْ سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵊ لَيْسَ فِي الطُّيُورِ أَنْصَحُ لِابْنِ آدَمَ وَأَشْفَقُ مِنْ الْهَامَةِ وَلَا فِي قُلُوبِ الْجُهَّالِ أَبْغَضُ مِنْهَا (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا عَدْوَى» بِطَبْعِهَا كَالطَّبائِعِيِّينَ وَالْأَطِبَّاءِ فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ كَمَا سَبَقَ «وَلَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ» ضِدُّ الْيُمْنِ «فِي ثَلَاثٍ فِي الْفَرَسِ» بِأَنْ تَكُونَ شَمُوسًا أَوْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُحَرَّمِ «وَالْمَرْأَةِ» بِأَنْ تَكُونَ بَذِيَّةَ اللِّسَانِ أَوْ عَاقِرًا أَوْ مُعَرَّضَةَ الْعَيْبِ «وَالدَّارِ» بِضِيقِ مَسَاكِنِهَا وَسُوءِ جِيرَانِهَا (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» قِيلَ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لِلشُّؤْمِ وُجُودٌ لَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَيْسَ فَلَيْسَ (د عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا فِيهَا وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا» نَقَلْنَا وَهَاجَرْنَا «إلَى دَارٍ أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا» بِالْمَوْتِ «وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا» بِالتَّلَفِ وَعَدَمِ النَّمَاءِ «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَرُوهَا ذَمِيمَةً» اخْتَلَفُوا فِي تَطْبِيقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» وَقَوْلُهُ ﵊ «وَلَا طِيَرَةَ» وَجْهُ التَّعَارُضِ أَنَّ قَوْلَهُ «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» فِي قُوَّةٍ سَالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ أَعْنِي لَا شَيْءَ مِنْ الطِّيَرَةِ بِمَوْجُودٍ لِقَوْلِهِ وَلَا طِيَرَةَ وَقَوْلُهُ إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي قُوَّةٍ مُوجِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ أَعْنِي بَعْضَ الطِّيَرَةِ مَوْجُودٌ إذْ الطِّيَرَةُ هِيَ التَّشَاؤُمُ فَإِنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بَعْضٌ مِنْ مُطْلَقِ الطِّيَرَةِ فَهُمَا قَضِيَّتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ فَإِمَّا يُوَفِّقُ أَوْ يُرَجِّحُ إحْدَاهُمَا أَوْ يَحْكُمُ إنْ كَانَ مَوْضِعًا يَجْرِي فِيهِ النَّسْخُ بِنَسْخِ إحْدَاهُمَا إنْ عُلِمَ تَارِيخُهُمَا وَإِلَّا تَسَاقَطَا وَلَا يَحْكُمُ بِشَيْءٍ مِنْ مُوجِبِهِمَا فَيَحْكُمُ بِمَا تَقْتَضِي الْقَوَاعِدُ وَالْأُصُولُ إذَا لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ (قَالَ بَعْضُهُمْ شُؤْمُ الثَّلَاثِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ) وَالتَّقْدِيرِ (بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) وَهِيَ إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ؛ لِأَنَّ وَضْعَ إنْ لِلشَّكِّ وَأَصْلُ الشَّكِّ الْعَدَمُ أَوْ بِمَعْنَى لَوْ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا وَأَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَةِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا كَبَعْضِ الْحَدِيثِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ وَالْآيَةِ كَذَلِكَ فَحَاصِلُهُ مُنِعَ لِقَوْلِهِ بَعْضُ الطِّيَرَةِ مَوْجُودٌ لَكِنْ يُرَدُّ أَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ وَلَا طِيَرَةَ لَا يُلَائِمُ لِمَا ذَكَرَهُ لَا سِيَّمَا التَّعْبِيرُ بِكَلِمَةِ إنَّمَا الْمَوْضُوعَةُ لِلْحَصْرِ وَالتَّأْكِيدِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ بَيَانُ تَغْيِيرٍ لِمَا قَبْلَهُ إذْ يَجُوزُ كَوْنُهُ بَيَانَ تَغْيِيرٍ بِالْعَطْفِ وَعَدَمُ ذِكْرِ أَهْلِ الْأُصُولِ لَيْسَ لِعَدَمِ جَوَازِهِ بَلْ لِعَدَمِ اطِّرَادِهِ وَانْضِبَاطِهِ كَمَا فِي الْمِرْآةِ وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْفَرْضِ وَجْهٌ بَلْ الْجَمِيعُ فِي الْإِمْكَانِ وَالِامْتِنَاعِ مُتَسَاوٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ذَرُوهَا ذَمِيمَةً آبٍ عَنْ ذَلِكَ وَتَأْوِيلُهُ أَيْضًا بَعِيدٌ (وَ) قَالَ (بَعْضُهُمْ) مَنْعًا لِتِلْكَ الْجُزْئِيَّةِ بِمَعْنَى عَدَمِ اتِّحَادِ
стр. 610
مَوْضُوعِهَا مَعَ مَوْضُوعِ الْكُلِّيَّةِ وَالِاتِّحَادُ شَرْطٌ فِي الْوَحَدَاتِ الثَّمَانِيَةِ (شُؤْمُ الْمَرْأَةِ سُوءُ خُلُقِهَا) مَثَلًا أَوْ فِي الْأَكْثَرِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ بِغَيْرِهَا (وَشُؤْمُ الْفَرَسِ شُمُوسُهَا) نُفْرَتُهَا مِنْ رَاكِبِهَا وَاشْتِدَادُهَا كَمَا وَفَّقَ النَّوَوِيُّ بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ» وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنَّ الشُّؤْمَ قَدْ يَكُونُ فِي الْفَرَسِ بِأَنَّ الشُّؤْمَ فِي الْفَرَسِ بِعَدَمِ كَوْنِهَا مُعَدَّةً لِلْغَزْوِ وَنَحْوِهِ وَأَنَّ الشُّؤْمَ وَالْخَيْرَ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا لِتَفْسِيرِهِ الْخَيْرُ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَا يَمْنَعُ مَعَ هَذَا أَنْ يُتَشَاءَمَ بِهِ انْتَهَى. (وَشُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا) مَثَلًا فَإِنَّ نَحْوَ بُعْدِهَا عَنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بُعْدِهَا عَنْ الْمَاءِ وَبَعْضِ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ فَحَاصِلُ ذَلِكَ مَنْعُ كَوْنِ الشُّؤْمِ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الطِّيَرَةِ بَلْ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَتَفْصِيلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الطِّيَرَةِ فِي الْجُزْئِيَّةِ وَهُوَ الشُّؤْمُ بِمَعْنَى جَعْلِ الشَّيْءِ عَلَامَةً لِلشَّرِّ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ الشُّؤْمُ فِي الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَأَنَّ اللُّغَوِيَّ فَالْجُزْئِيَّةُ مُسَلَّمَةٌ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ اتِّحَادَ مَوْضُوعَيْ الْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ إذْ مَوْضُوعُ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ هُوَ الشُّؤْمُ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ شُرِطَ فِي التَّنَاقُضِ اتِّحَادُ الْمَوْضُوعِ كَمَا مَرَّ آنِفًا لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ ذَرُوهَا ذَمِيمَةً لَيْسَ بِمُلَائِمٍ لِذَلِكَ بَلْ آبٍ أَيْضًا وَأَنَّ الشُّؤْمَ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثُرَ أَفْرَادُهُ فَلَا يَحْسُنُ تَخْصِيصُهُ بِالثَّلَاثَةِ سِيَّمَا بِأَدَاةِ الْحَصْرِ (وَقِيلَ شُؤْمُ الْمَرْأَةِ غَلَاءُ مَهْرِهَا) تَجَاوُزُهُ عَنْ الْحَدِّ (وَقِيلَ أَنْ لَا تَلِدَ) لِكَوْنِهَا عَاقِرًا (وَشُؤْمُ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهَا) بَلْ تُعَدُّ لِلْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ مِثْلُ التَّفَاخُرِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَيْنِ رَاجِعَانِ إلَى مَا قَبْلَهُ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُجْمَعَ كُلُّهُ بِفَصْلٍ وَاحِدٍ (وَبَعْضُهُمْ) قَالَ (إنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ الطِّيَرَةِ) بِالْجَوَازِ لِشِدَّةِ الِابْتِلَاءِ بِهَا عَادَةً كَذَا قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّ امْتِنَاعَ الطِّيَرَةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَاتِيًّا فَاشْتِدَادُ الِابْتِلَاءِ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَوَازِهِ وَأَمَّا حُجِّيَّةُ عُمُومِ الْبَلْوَى وَالْعُسْرِ وَالْحَرَجِ فَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا هُوَ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَا الِامْتِنَاعَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فِيهِ يَضْعُفُ قَوْلُهُ (وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «ذَرُوهَا ذَمِيمَةً» ؛ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْأَحَادِيثِ بَلْ بِمُطْلَقِ النَّصِّ إنَّمَا يُمْكِنُ إذَا كَانَ مَضْمُونُهَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ وَإِلَّا فَتُؤَوَّلُ النُّصُوصُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَتُرَدُّ إنْ أَمْكَنَ كَأَخْبَارِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا كَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فَيَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ فَيَتَوَقَّفُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشِّرْكِ فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرَهُ إذْ التَّشَاؤُمُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَأْثِيرُ غَيْرِهِ تَعَالَى حَقِيقَةً بَلْ مِثْلُهُ يَجْرِي فِي غَيْرِ التَّشَاؤُمِ بَلْ فِي مُطْلَقِ الْعَادِيَّاتِ بَلْ فِي الِاتِّفَاقِيَّاتِ الْغَالِبَةِ فَلَا يَحْسُنُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّشَاؤُمِ فَلَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّهُ يَجُوزُ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الشُّؤْمَ دُونَ بَعْضٍ فَنَفَى ذَلِكَ الْبَعْضَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَأَثْبَتَ فِي بَعْضِهَا الْآخَرِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ (وَيَكُونُ شُؤْمُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِخَاصِّيَّةِ وَضَعَهَا فِيهَا) فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا ثَبَتَ الشُّؤْمُ فِي الْبَعْضِ بِالنَّصِّ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ بِالْقِيَاسِ قُلْنَا لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَفَى ذَلِكَ بِتِلْكَ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ النَّبَوِيَّةِ فَيَكُونُ رَأْيًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَأَنَّ ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِنَصٍّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَمِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُمْ قَدْ يَدَّعُونَ الشُّؤْمِيَّةَ فِي غَيْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ كَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَيُسْنِدُونَ ذَلِكَ إلَى التَّجْرِبَةِ وَقَدْ عُلِمَ فِي فَنِّ الْمِيزَانِ بَلْ الْأُصُولُ أَنَّ التَّجْرِيبِيَّاتِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِ. قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ التَّجْرِبَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُتَصَوَّرُ عِنْدَ عَدَمِ التَّخَلُّفِ كُلَّمَا تَكَرَّرَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْمَنْعِ وَلَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ كُلُّ تَجْرِبَةٍ مِنْ الْيَقِينِيَّةِ بَلْ مِنْهَا ظَنِّيَّةٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا وَهْمِيَّةٌ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْوِجْدَانُ وَلَوْ سَلِمَ فَيَجُوزُ حَصْرُ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى الْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ فَتَأَمَّلْ. فِيهِ (كَالْأَدْوِيَةِ الْمُضِرَّةِ) وَالْعَيْنِ الْمُصِيبَةِ (لَا بِطَبْعِهَا) فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّشَاؤُمَ جَائِزٌ فِي الثَّلَاثَةِ لَا بِطَبْعِهَا بَلْ بِإِذْنِهِ تَعَالَى
стр. 611
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى كَمَا لَا بِطَبْعِهَا لِعَدَمِ النَّصِّ وَلِعَدَمِ الْقِيَاسِ كَمَا عَرَفْت فَاعْتِقَادُ التَّشَاؤُمِ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يَكُونُ كَذِبًا بِالْعَدَمِ خَارِجٌ لِنِسْبَتِهِ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكْفُرُ إنْ عَلَى قَصْدِ التَّكْذِيبِ عِيَاذًا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَيَكْفُرُ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ لُزُومُ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَلَا يَكْفُرُ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ بَلْ يُشْتَرَطُ الِالْتِزَامُ فِي كَوْنِهِ كَافِرًا فَافْهَمْ لَعَلَّ هَذَا الْجَوَابَ الثَّالِثَ هُوَ الْحَقُّ لِمَا عَرَفْت فَيَكُونُ إيجَادُ الشُّؤْمِ فِيهَا كَإِيجَادِ الْحَرَارَةِ وَالطَّبْخِ وَالْإِحْرَاقِ لِلنَّارِ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لَهُ تَعَالَى لَا بِإِيدَاعِ قُوَّةٍ مُوجِبَةٍ لِمَا ذُكِرَ، وَنَحْوُهُ الْأَلَمُ عِنْدَ الْجُرْحِ وَالشِّبَعُ عِنْدَ الطَّعَامِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِلتَّفْتَازَانِيِ وَنُقِلَ عَنْ السَّنُوسِيِّ الِاتِّفَاقُ فِي إكْفَارِ مَنْ اعْتَقَدَ تَأْثِيرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِطَبْعِهَا. (وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَطْبِيقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ» وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ» بِكَسْرِ الرَّاءِ مَنْ كَانَتْ إبِلُهُ مَرِيضَةً «عَلَى مُصَحِّحٍ» مَنْ كَانَتْ إبِلُهُ صَحِيحَةً (خَرَّجَهُ خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ «لَا عَدْوَى» أَكْثَرُهُمْ حَمَلُوا الْأَوَّلَيْنِ عَلَى صِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ) مِمَّا يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ أَوْ يُبَدِّعُهُ عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الْأَمْرَاضِ بِالْمُخَالَطَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ بِاعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى (كَمَا) فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ (فِي) حَقِّ (الطَّاعُونِ) حَيْثُ كَرِهُوا الْقُدُومَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَهْبِطُوا عَلَيْهَا» وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ وَإِنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ» نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا أَيْ صِيَانَةُ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الْفِرَارُ مِنْهُ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ (وَبَعْضُهُمْ) حَمَلَ (عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ) بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى. (التَّعْدِيَةُ بِالطَّبْعِ) فَيَجُوزُ السِّرَايَةُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا سِرَايَةَ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَكْثَرُ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا (كَمَا يَعْتَقِدُهُ أَصْحَابُ الطَّبِيعَةِ) مِنْ الْفَلَاسِفَةِ (وَأَمَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ فَجَائِزٌ) وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نُقِلَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ تَوَجَّهَ إلَى الشَّامِ وَسَمِعَ أَنَّ الطَّاعُونَ فِيهَا رَجَعَ فَقِيلَ أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِرَارِي مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ فِرُّوا مِنْ الطَّاعُونِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِرُّوا مِنْ هَذَا الرِّجْزِ فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَإِذَا تَزَلْزَلَتْ الْأَرْضُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِرَارُ إلَى الصَّحْرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَفِيهِ قِيلَ الْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إذَا نَزَلَ بِبَلَدِهِ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِخِلَافِهِ انْتَهَى قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِهِ قَوْلَهُ وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ أَقُولُ فِي الْإِفَادَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ انْتَهَى قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ» إلَخْ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ وَعَنْ التُّورْبَشْتِيِّ أَنَّهُ شُرِعَ لَنَا التَّوَقِّي مِنْ الْمَحْذُورِ وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﵊ لَمَّا بَلَغَ الْحِجْرَ مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ دُخُولِهِ» انْتَهَى وَعَنْ فَتَاوَى أَبِي مَسْعُودٍ الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ بِنِيَّةِ الِالْتِجَاءِ مِنْ قَهْرِهِ إلَى لُطْفِهِ جَائِزٌ وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْجُذَامَ كَالْجَرَبِ وَالْحَصْبَاءِ وَالْوَبَاءِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَا بِطَبْعِهَا كَمَا اُعْتُقِدَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَالَ بَعْضٌ مِنْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ مَنْ هُوَ فِي بَلَدٍ فِيهَا الطَّاعُونُ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْمَرِيضِ وَمَنْ فِي الْمَعْرَكَةِ
стр. 612
انْتَهَى. وَفِي الْأَشْبَاهِ فَلَوْ أَغْضَبَ صَبِيًّا وَمَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا إذَا نَقَلَهُ إلَى مَسْبَعَةٍ أَوْ مَكَانِ الْوَبَاءِ أَوْ الْحُمَّى (وَارْتَضَاهُ الْإِمَامُ التُّورْبَشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) مِنْ فُضَلَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ) نَفْسِهَا بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ كَمَا سَبَقَ (وَبَيْنَهَا) الظَّاهِرُ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ (وَبَيْنَ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ) إذْ ظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَنْعُ السِّرَايَةِ مُطْلَقًا وَقَوْلُ الْأَطِبَّاءِ إثْبَاتُ السِّرَايَةِ فِي الْبَعْضِ وَحُمِلَ مَنْعُ السِّرَايَةِ عَلَى مَا هِيَ بِالطَّبْعِ وَحُمِلَ إثْبَاتُ السِّرَايَةِ عَلَى مَا هِيَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى تَوْفِيقٌ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ (حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعِلَلَ السَّبْعَ تَتَعَدَّى) لَا يَخْفَى إنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّوْفِيقُ إذَا لَمْ يُصَرِّحُوا السِّرَايَةَ بِالطَّبْعِ وَأَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ نَوْعٌ مِنْ عِلْمِ الْحِكْمَةِ وَالْحُكَمَاءُ يَنْفُونَ صُدُورَ الْأَشْيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً غَيْرَ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ بَلْ يَنْسُبُونَ صُدُورَ مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا إلَى الْعَقْلِ الْفَيَّاضِ أَيْ الْعَاشِرِ (الْجُذَامُ) يُقَالُ جَذَمَ الْإِنْسَانُ إذَا أَصَابَهُ الْجُذَامُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ اللَّحْمَ وَيُسْقِطُهُ (وَالْجَرَبُ) خَلْطٌ غَلِيظٌ يَحْدُثُ فِي الْجِلْدِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْبَلْغَمِ الْمِلْحِ لِلدَّمِ (وَالْجُدَرِيُّ) قُرُوحٌ تَتَنَفَّطُ عَنْ الْجِلْدِ مُمْتَلِئَةٌ مَاءً ثُمَّ تَتَقَيَّحُ وَأَوَّلُ مَنْ عُذِّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَهُ (وَالْحَصِبَةُ) وِزَانُ كَلِمَةٍ بَثْرٌ تَخْرُجُ بِالْجَسَدِ وَيُقَالُ هِيَ الْجُدَرِيُّ (وَالْبَخَرُ) نَتِنُ رِيحِ الْفَمِ (وَالرَّمَدُ) وَجَعُ الْعَيْنِ.
(وَ) السَّابِعُ (الْأَمْرَاضُ الْوَبَائِيَّةُ) قَدْ تُفَسَّرُ بِالطَّاعُونِ وَالْحُمَّى الْمُحْرِقَةِ وَالتَّعَدِّيَةُ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بَلْ مَذَاهِبُهُمْ أَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ يَكُونُ لَهَا نَتِنٌ وَرِيحٌ كَرِيهٌ لَهَا تَعْدِيَةٌ أَوْ رُدَّ عَلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ لَيْتَ شِعْرِي مَا سَبَبُ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ بِالسِّرَايَةِ مَعَ أَنَّ سَبَبَ الْأَمْرَاضِ اخْتِلَاطُ الْأَخْلَاطِ وَالِاسْتِقْصَاءَات وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَسْبَابَ الْأَمْرَاضِ اخْتِلَاطُ الْأَخْلَاطِ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ مَنْ يَقْرَبُ مِنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْأَوْرَامِ يَحْصُلُ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَكُونُ سَبَبًا لِاخْتِلَاطِ الْأَخْلَاطِ السَّبَبِ لِحُصُولِ الْأَمْرَاضِ فَيَمْرَضُ مِثْلَ مَرَضِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَمْرُهُمْ بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُ وَبِعَدَمِ الْجُلُوسِ تَحْتَ الرِّيحِ مِنْهُ انْتَهَى أَقُولُ لَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِجَرَيَانِ عَادَةٍ مِنْهُ تَعَالَى فَيَحْصُلُ الْمَرَضُ بِمُجَرَّدِ الْقُرْبِيَّةِ فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى اخْتِلَاطَ الْأَخْلَاطِ حِينَئِذٍ فَيَمْرَضُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَمْرَضَ بِلَا اخْتِلَاطٍ أَصْلًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْجَامِعُ هَهُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا مَا لَمْ يَقَعْ الضَّرَرُ بِهِ وَلَا اطَّرَدَتْ بِهِ عَادَةٌ لَا خَاصَّةٌ وَلَا عَامَّةٌ فَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَأَنْكَرَ الشَّرْعُ الِالْتِفَاتَ إلَيْهِ وَهُوَ الطِّيَرَةُ وَالثَّانِي مَا يَقَعُ عِنْدَهُ الضَّرَرُ عُمُومًا لَا خُصُوصًا وَنَادِرًا لَا مُتَكَرِّرًا كَالْوَبَاءِ فَلَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَالثَّالِثُ مَا يَخُصُّ وَلَا يَعُمُّ كَالدَّارِ وَالْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ فَهَذَا يُبَاحُ الْفِرَارُ مِنْهُ
(وَضِدُّ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ) بِالْهَمْزَةِ وَرُبَّمَا يُخَفِّفُهَا النَّاسُ (وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ) قِيلَ الْفَأْلُ فِيمَا يَسُرُّ وَيَسُوءُ وَالسُّرُورُ غَالِبٌ وَالطِّيَرَةُ فِيمَا يَسُوءُ فَقَطْ وَقَدْ يَتَجَوَّزُ فِي السُّرُورِ وَقِيلَ الطِّيَرَةُ فِيمَا يَسُوءُ وَالْفَأْلُ فِيمَا يَسُرُّ (خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَيَنَالُ بِذَلِكَ فَائِدَةً قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي الْفَأْلُ الْحَسَنُ شَرْطُهُ أَنْ لَا يَقْصِدَ الشَّرَّ وَإِلَّا فَطِيَرَةٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ ( «قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ» أَيْ يَحْصُلُ التَّبَرُّكُ وَالتَّيَمُّنُ بِهَا لِحُسْنِ مَدْلُولِهَا مِثْلُ يَا وَاجِدُ وَيَا سَالِمُ فَإِذَا سَمِعَ مَنْ لَهُ حُجَّةٌ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ رَجَاءَ الْوِجْدَانِ وَالسَّلَامَةِ وَبِالْجُمْلَةِ اسْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَامِ وَالنَّجَاحِ وَخَيْرِ الْعَاقِبَةِ
стр. 613
(ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ» وَهُوَ مِنْ قَضَيْت حَاجَتَهُ يَعْنِي يَتَبَرَّكُ بِهِمَا
وَعَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ بِشَيْءٍ وَكَانَ إذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ فَإِنْ أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهَا وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ» (د عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «ذُكِرَتْ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ أَحْسَنُهَا» الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَالْأَحْسَنُ بِمَعْنَى الْحَسَنِ أَيْ حَسَنُ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْعَلَامَةِ لِلشَّيْءِ فَبِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ إذْ لَا حَسَنَ لِلطِّيَرَةِ إلَّا أَنْ يَتَجَوَّزَ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا «الْفَأْلُ» لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَجَاءَ الْخَيْرِ وَالطِّيَرَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ «وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا» عَنْ حَاجَتِهِ الَّتِي خَرَجَ إلَيْهَا وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تَرُدَّ الطِّيَرَةُ مُسْلِمًا عَنْ مَطْلُوبِهِ حَاصِلُهُ نَهْيٌ عَنْ رَدِّ الطِّيَرَةِ وَمَنْعِهَا مُسْلِمًا عَنْ مَقْصُودِهِ مِثْلِ السَّفَرِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ إذَا رَأَى شَيْئًا يَظُنُّهُ شَرًّا
وَفِي النِّصَابِ إذَا خَرَجَ إلَى السَّفَرِ فَصَاحَ الْعَقْعَقُ وَرَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ يَكْفُرُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْهَامَةَ إذَا صَاحَتْ، فَقَالَ رَجُلٌ يَمُوتُ الْمَرِيضُ يَكْفُرُ عِنْدَ الْبَعْضِ لَعَلَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْيَقِينِ لَا عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ «وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ» عَلَى الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ «فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا أَنْتَ» دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً «وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك» قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْقُوَّةُ وَسَطُ مَا بَيْنَ الْحَوْلِ وَظَاهِرِ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا يُوجَدُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ هِمَّةِ الْعَمَلِ يُسَمَّى حَوْلًا وَمَا تُحِسُّ بِهِ الْأَعْضَاءُ مَثَلًا قُوَّةً وَظُهُورُ الْعَمَلِ بِصُورَةِ الْبَطْشِ وَالتَّنَازُلِ قُدْرَةٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ كَلِمَةُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مَرْجِعُ الْأُمُورِ وَالْأَعْمَالِ
وَعَنْ الدَّمِيرِيِّ فِي حَيَاةُ الْحَيَوَانِ اعْلَمْ أَنَّ التَّطَيُّرَ إنَّمَا يَضُرُّ مَنْ أَشْفَقَ مِنْهُ وَخَافَ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَالِ بِهِ وَلَمْ يَعْتَنِ بِهِ فَلَا يَضُرُّهُ أَلْبَتَّةَ لَا سِيَّمَا إنْ قَالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يَتَطَيَّرُ بِهِ أَوْ سَمَاعِهِ «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُك وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك وَلَا إلَهَ غَيْرُك اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا أَنْتَ وَلَا يُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك» وَأَمَّا مَنْ يَعْتَنِي بِهِ فَهُوَ إلَيْهِ أَسْرَعُ مِنْ السَّيْلِ إلَى مُنْحَدَرٍ قَدْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْوَسَاوِسِ فِيمَا يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ وَيَفْتَحُ لَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمُنَاسَبَاتِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ وَيُكَدِّرُ عَلَيْهِ عَيْشَهُ انْتَهَى فَإِذَا سَمِعْت هَذِهِ الْأَخْبَارَ (فَظَهَرَ) لَك (أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَأْلِ الْمَحْمُودِ لَيْسَ الْفَأْلُ الَّذِي يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِمَّا يُسَمُّونَهُ فَأْلَ الْقُرْآنِ أَوْ فَأْلَ دَانْيَالَ أَوْ نَحْوَهُمَا) كالنِّيرَجِيَّاتِ وَلَعَلَّ مِنْهُ الْجَفْرِيَّاتِ، وَالْكِهَانَةُ (بَلْ هِيَ) أَيْ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ
стр. 614
(مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ) أَيْ طَلَبُ الْقَسْمِ وَهُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ وَالْأَزْلَامُ جَمْعُ زَلَمٍ مِثْلُ قَلَمٍ لَفْظًا وَمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ عَادَةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَحَرَّمَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ الْأَقْلَامِ الثَّلَاثَةِ مَكْتُوبٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَمَرَنِي رَبِّي وَعَلَى آخَرَ نَهَانِي رَبِّي، وَلَيْسَ عَلَى الثَّالِثِ شَيْءٌ.
فَإِذَا خَرَجَ مَا أَمَرَنِي يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَمَا نَهَانِي لَمْ يَفْعَلُوا وَإِذَا خَرَجَ الْخَالِي يَسْتَقْسِمُونَ ثَانِيًا وَثَالِثًا (فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِقْسَامِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْغَيْبِ (وَلَا) يَجُوزُ (اعْتِقَادُهَا حَقًّا) لِعَدَمِ خَارِجٍ يُطَابِقُهُ (كَيْفَ وَأَنَّ فِيهَا الْخَبَرَ عَنْ الْغَيْبِ) وَعِلْمُ الْغَيْبِ مُنْفَرِدٌ بِهِ تَعَالَى لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ عِلْمُ الْغَيْبِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ وَإِنْ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَائِمِ وَإِلَّا اسْتِدْلَالٌ بِالتَّجَارِبِ فَكَوْنُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَيْبِ مَمْنُوعٌ بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِيمَا يَجُوزُ شَرْعًا وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ صَاحِبُهَا
قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَبِالْجُمْلَةِ الْعِلْمُ بِالْغَيْبِ أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْعِبَادِ إلَّا بِإِعْلَامٍ مِنْهُ أَوْ إلْهَامٍ بِطَرِيقِ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ ثُمَّ قَالَ أَوْ إرْشَادٍ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ فِيمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَالَةِ الْقَمَرِ يَكُونُ مَطَرٌ مُدَّعِيًا عِلْمَ الْغَيْبِ لَا بِعَلَامَةِ كُفْرٍ (وَالتَّطَيُّرُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ أَخْذُ الْفَأْلِ مِنْ الْقُرْآنِ مَكْرُوهٌ أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عِنْدَنَا وَعَنْ ابْنِ عَرَبِيٍّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ تَحْرِيمُهُ وَمُبَاحٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّهَا الْمَحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عِنْدَهُمْ وَفِي كِتَابِ أَدَبِ الدُّنْيَا لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفَاءَلَ يَوْمًا فِي الْمُصْحَفِ فَخَرَجَ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] فَمَزَّقَ الْمُصْحَفَ وَأَنْشَأَ شِعْرًا
أَتَوَعَّدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ
إذَا مَا جِئْت رَبَّك يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ مَزَّقَنِي الْوَلِيدُ
فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى قُتِلَ وَصُلِبَ رَأْسُهُ عَلَى قَصْرِهِ ثُمَّ عَلَى سُورِ بَلَدِهِ وَقِيلَ بِجَوَازِ التَّفَاؤُلِ دُونَ التَّشَاؤُمِ حَتَّى يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَعَلَّك سَمِعْت ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ «مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ خَطِّ الرَّمْلِ، فَقَالَ كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ إدْرِيسُ وَقِيلَ هُوَ دَانْيَالُ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ الَّذِي تَجِدُونَ إصَابَتَهُ» كَذَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي
وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الزَّجْرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُعْجِزَةً لَهُ وَمُوَافَقَةُ خَطِّ غَيْرِهِ لَهُ مُمْتَنِعٌ فَلَا يُبَاحُ لَنَا خَطُّ الرَّمْلِ قَالَ فِي الْمَبَارِقِ عَنْ النَّوَوِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ (وَإِنَّمَا الْفَأْلُ التَّيَمُّنُ وَالتَّبَرُّكُ بِالْكَلِمَةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمُرَادِ لِمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالرَّاشِدِ وَالنَّجِيحِ) كَمَا سَبَقَ (وَيُلْحَقُ بِهَا) الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ (رُؤْيَةُ الصَّالِحِينَ) يُتَيَّمَن بِهِمْ فِي قَضَاءِ الْمَطَالِبِ (وَ) مُصَادَفَةُ (الْأَيَّامِ الشَّرِيفَةِ) الْمُعَدَّةِ لِحُصُولِ الْفَيْضِ عَادَةً كَأَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَكَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِبَدْءِ السَّبْقِ وَالْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ لِلسَّفَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ التَّفَاؤُلَ مَا لَا يَكُونُ بِالْقَصْدِ وَالْأَيَّامِ
стр. 615
إنَّمَا تَكُونُ بِالْقَصْدِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» وَأَيْضًا قَالَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] شُؤْمُهُ لَوْ كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ آخِرَ الشَّهْرِ
أَقُولُ قَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ نُسِخَ يَوْمُ النَّحْسِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا ﵊ وَأَمَّا الْحَدِيثُ وَأَنَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا، فَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ السَّخَاوِيِّ لَا أَصْلَ لَهُ وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ إنَّهُ لِلْأَعْدَاءِ وَأَمَّا عَلَى الْأَحِبَّاءِ فَمُبَارَكٌ وَسَعِيدٌ وَقِيلَ دَائِرٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ نَحْسًا أَوْ لَا وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مَا بُدِئَ بِشَيْءٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ إلَّا وَقَدْ تَمَّ وَإِنْ طُعِنَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ أَنَّ الْأَرْبِعَاءَ سَعْدٌ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَبْرَارِ وَقَدْ اعْتَمَدَ مِنْ أَئِمَّتِنَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَكَانَ يَعْمَلُ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ دَرْسِهِ وَقَدْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ اشْتَكَتْ الْأَرْبِعَاءُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَشَاؤُمَ النَّاسِ بِهَا فَمَنَحَهَا أَنَّهُ مَا يُبْتَدَأُ بِشَيْءٍ فِيهَا إلَّا تَمَّ وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ (وَنَحْوُهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ) أَيْ الْفَأْلُ (الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ) كَمَا فِي الْكَاهِنِ (بَلْ مُجَرَّدُ طَلَبِ الْخَيْرِ وَرَجَاءِ حُصُولِ الْمُرَادِ وَالْبِشَارَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) بِحُصُولِ مَقْصُودِهِ قِيلَ عَلَى تَخْرِيجِ مَالِكٍ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلِقْحَةٍ تَحْلُبُ، فَقَالَ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ ﵊ مَا اسْمُك قَالَ مُرَّةُ قَالَ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ. ﵊ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُك قَالَ حَرْبٌ قَالَ ﵊ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ مَا اسْمُك قَالَ يَعِيشُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُحْلُبْ» وَمِثْلُهُ عَنْ الْبَزَّازِ عَنْ بُرَيْدَةَ
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُك قَالَ جَمْرَةُ، فَقَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرْقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُك قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَفِي السِّيرَةِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ إلَى بَدْرٍ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ فَسَأَلَ عَنْ اسْمِهِمَا فَقِيلَ أَحَدُهُمَا مَسِيخٌ وَالْآخَرُ مَخْزِيٌّ فَعَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِمَا» لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ كُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشَاؤُمِ وَقِيلَ إنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ التَّطَيُّرِ بَلْ مِنْ كَرَاهَةِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَامَ، فَقَالَ لَا أَدْرِي أَأَقُولُ أَمْ أَسْكُتُ، فَقَالَ لَهُ قُلْ، فَقَالَ كَيْفَ نَهَيْتنَا عَنْ الطِّيَرَةِ وَتَطَيَّرْت، فَقَالَ مَا تَطَيَّرْت
стр. 616
وَلَكِنِّي آثَرْت الِاسْمَ الْحَسَنَ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اُطْلُبُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عِنْدَ صَبَاحِ الْوُجُوهِ أَيْ الطَّلَقَةِ الْمُسْتَبْشَرَةِ وُجُوهُهُمْ؛ لِأَنَّ طَلَاقَةَ الْوَجْهِ عِنْوَانُ مَا فِي النَّفْسِ، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبِيحٌ إلَّا وَوَجْهُهُ أَحْسَنُ مَا فِيهِ.
وَلِبَعْضِهِمْ
وَدَلَّ عَلَى مَعْرُوفِهِ حُسْنُ وَجْهِهِ ... فَبُورِكَ هَذَا مِنْ دَلِيلٍ مُبَارَكِ
وَقِيلَ حُسْنُ الْوَجْهِ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَةِ وَفِي حَدِيثِ الْخَطِيبِ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «اُطْلُبُوا حَوَائِجَكُمْ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ إنْ قَضَاهَا قَضَاهَا بِوَجْهٍ طَلِيقٍ وَإِنْ رَدَّهَا رَدَّهَا بِوَجْهٍ طَلِيقٍ» فَرُبَّمَا يَدُلُّ حُسْنُ الْوَجْهِ عَلَى حَيَاءِ صَاحِبِهِ وَمُرُوءَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبِيٌّ وَغَيْرُهُ نَادِرٌ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى الْحَدِيثِ، فَقَالَ
يَدُلُّ عَلَى مَعْرُوفِهِ حُسْنُ وَجْهِهِ ... وَمَا زَالَ حُسْنُ الْوَجْهِ إحْدَى الشَّوَاهِدِ.
[فَرْعٌ فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ]
(فَرْعٌ) فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وَفِيهِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا» مَنْ يَدَّعِي عِلْمَ الْمَسْرُوقِ وَالضَّالَّةِ «أَوْ كَاهِنًا» مَنْ يَدَّعِي عِلْمَ الْكَوَائِنِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالْأَسْرَارِ وَيَدَّعِي إخْبَارَ الْجِنِّ وَالْغَيْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي إدْرَاكَهُ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ وَأَمَارَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ الْكَاهِنُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ بِجِنٍّ أَوْ لَا وَالْعَرَّافُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْهَا بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَلَكِنْ فِي الْأَخِيرِ كَلَامٌ كَمَا مَرَّ وَيُفَسَّرُ الْكَاهِنُ أَيْضًا بِمَنْ يُخْبِرُ عَمَّا يَحْدُثُ أَوْ عَنْ غَائِبٍ أَوْ طَالِعِ أَحَدٍ بِسَعْدٍ أَوْ نَحْسٍ أَوْ دَوْلَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» الْكُفْرُ عِنْدَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ وَلَوْ ظَنًّا وَقِيلَ مُقَيَّدٌ بِالِاعْتِقَادِ الْقَطْعِيِّ لَا عِنْدَ السُّؤَالِ اسْتِهْزَاءً ثُمَّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ اعْتِقَادِ عِلْمِ الْكَاهِنِ الْغَيْبَ اسْتِقْلَالًا وَذَاكَ عِنْدَ اعْتِقَادِهِ بِتَلَقِّي الْجِنِّ مِمَّا سَمِعْته مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ فَلَا يَكْفُرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، كَذَا فِي الْفَيْضِ فَتَأَمَّلْ. وَانْظُرْ وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَوْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» قِيلَ عَنْ الْمُظْهِرِ فِعْلُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ
стр. 617
إنْ بِالِاسْتِحْلَالِ فَكُفْرٌ وَإِلَّا فَكُفْرَانُ نِعْمَةٍ قَالَ فِي الْفَيْضِ أَنَّ حُرْمَةَ إتْيَانِ الْكَاهِنِ شَدِيدَةٌ حَتَّى فِي الْمِلَلِ السَّابِقَةِ قَالَ فِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنْ التَّوْرَاةِ لَا تَبْتَغُوا الْعَرَّافِينَ وَالْقَافَةَ وَلَا تَنْطَلِقُوا إلَيْهِمْ وَلَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ لِئَلَّا تَنَجَّسُوا بِهِمْ وَفِي الثَّالِثِ مَنْ تَبِعَهُمْ وَضَلَّ بِهِمْ أُنْزِلُ بِهِ غَضَبِي الشَّدِيدَ وَأُهْلِكُهُ مِنْ شَعْبِهِ وَفِيهِ أَيْضًا " مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حَجَبْت عَنْهُ التَّوْبَةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ كَفَرَ " وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ إنَّ تَصْدِيقَ الْكَاهِنِ فِيمَا أَخْبَرَهُ مِنْ الْغَيْبِ كُفْرٌ. وَفِي قَاضِي خَانْ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ، فَقَالَ " خداي راو ببغمبر راكواه كرديم " فَكَفَرَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ. وَرَجُلٌ قَالَ أَعْلَمُ الْمَسْرُوقَاتِ كَفَرَ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
стр. 618
[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ]
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ) . مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ (الْبُخْلُ وَالتَّقْتِيرُ) زِيَادَةُ الْإِمْسَاكِ (وَهُوَ مَلَكَةُ إمْسَاكِ الْمَالِ حَيْثُ يَجِبُ بَذْلُهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ) كَالزَّكَاةِ وَالْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالنُّذُورِ وَالْعُشْرِ وَخَرَاجِ الْأَرْضِ وَالنَّفَقَاتِ اللَّازِمَةِ (أَوْ) بِحُكْمِ (الْمُرُوءَةِ) بِالْهَمْزَةِ، وَهِيَ التَّخَلُّقُ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ، الْمُرَادُ هُنَا نَحْوُ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ، وَهَدِيَّةِ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ (وَهُوَ) حُكْمُ الْمُرُوءَةِ (تَرْكُ الْمُضَايَقَةِ) عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ عَائِلَتِهِ، وَأَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ (وَ) تَرْكُ (الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ) الْأُمُورِ الْقَلِيلَةِ وَالْيَسِيرَةِ إنْ لِحِرْصٍ، وَإِلَّا فَلَا (وَذَلِكَ) التَّرْكُ الْمَذْكُورُ (يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ) كَحَالِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَحَالِ مُصَادَفَةِ الْأَسْخِيَاءِ وَالْمُمْسِكِينَ (مِنْ الْأَقَارِبِ) بَيَانٌ لِلْأَشْخَاصِ فَكَمْ مِنْ رِجَالٍ تُكْثِرُ الْعَطَاءَ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وَكَمْ مِنْ رِجَالٍ عَلَى الْعَكْسِ (وَالْأَجَانِبِ) كَمَا عَرَفْت فَقَدْ يَتْرُكُ الْمُضَايَقَةَ لِلْأَقَارِبِ دُونَ الْأَجَانِبِ، وَقَدْ يَعْكِسُ (وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْبُخْلِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ دُونَ بَعْضٍ وَالْبُخْلِ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ كَرَمَضَانَ (وَأَشَدُّ الْبُخْلِ الْإِمْسَاكُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يَسْمَحَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَلْبَسَ) لَا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ كَرِيَاضَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَقَهْرِ النَّفْسِ وَدَفْعِ الْمُيُولَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ الْهَوَائِيَّةِ (أَوْ يَتَدَاوَى) إذَا مَرِضَ (وَقِيلَ يُسَمَّى) هَذَا الْبُخْلُ (شُحًّا) هُوَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ، وَالْبُخْلُ بِأَنْوَاعِهِ مَذْمُومٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]-.
[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ]
(السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ، وَهُوَ مَلَكَةُ بَذْلِ الْمَالِ
стр. 619
حَيْثُ يَجِبُ إمْسَاكُهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَوْ) بِحُكْمِ (الْمُرُوءَةِ، وَهِيَ) أَيْ الْمُرُوءَةُ (رَغْبَةٌ صَادِقَةٌ لِلنَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ) لِلْغَيْرِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ (بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ وَالْفُتُوَّةُ) فِي اللُّغَةِ السَّخَاءُ وَالْكَرَمُ، وَفِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ إيثَارُ الْخَلْقِ بِنَفْسِك بَعْدَ أَنْ تُؤْثِرَهُمْ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِأَنْ تَبْذُلَ نَفْسَك لِكُلِّ خَسِيسٍ وَنَفِيسٍ فِيمَا يُرِيدُ وَتُمَكِّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيك، وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَبَدًا فِي أَمْرِ غَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ» ، وَقِيلَ هِيَ الصَّفْحُ عَنْ عَثَرَاتِ الْإِخْوَانِ وَسَتْرُ عُيُوبِهِمْ، وَقِيلَ أَنْ لَا تَرَى لِنَفْسِك فَضْلًا عَلَى غَيْرِك، وَقِيلَ إظْهَارُ النِّعْمَةِ وَكِتْمَانُ الْمَحَبَّةِ (أَخَصُّ مِنْهَا، وَهِيَ) أَيْ الْفُتُوَّةُ (كَفُّ الْأَذَى وَبَذْلُ النَّدَى) أَيْ الْإِحْسَانُ (وَالصَّفْحُ عَنْ الْعَثَرَاتِ) أَيْ الْإِعْرَاضُ عَنْ الزَّلَّاتِ (وَسَتْرُ الْعَوْرَاتِ) أَيْ الْقَبَائِحِ، (وَهُمَا) أَيْ الْبُخْلُ وَالْإِسْرَافُ (فِي مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ حَرَامَانِ) كَالْبُخْلِ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ فِيمَا يَحْرُمُ كَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَإِعْطَاءِ الْمَالِ بِالْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ (وَفِي مُخَالَفَةِ الْمُرُوءَةِ مَكْرُوهَانِ تَنْزِيهًا. وَضِدُّهُمَا)
أَيْ الْبُخْلِ وَالْإِسْرَافِ (، وَهُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ ذَيْنِك الطَّرَفَيْنِ التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ) أَيْ الْإِكْثَارُ ضِدُّ التَّفْرِيطِ (مَعَ الْمَيْلِ إلَى الْبَذْلِ السَّخَاءُ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ وَضِدُّهُمَا (وَالْجُودُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلسَّخَاءِ (فَهُوَ مَلَكَةُ بَذْلِ الْمَالِ زَائِدًا عَلَى الْوَاجِبِ) الشَّرْعِيِّ أَوْ الْمُرُوءَةُ (لِنَيْلِ الثَّوَابِ أَوْ) تَحْصِيلِ (فَضِيلَةِ الْجُودِ وَتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ رَذَالَةِ الْبُخْلِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ) مِنْ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ (مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِسْرَافِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] أَيْ لَا تَجْعَلْ يَدَك مَرْبُوطَةً إلَى عُنُقِك مِنْ كَثْرَةِ الْبُخْلِ مَخَافَةَ أَنْ تَغْلَطَ وَتُعْطِيَ ﴿وَلا تَبْسُطْهَا﴾ [الإسراء: ٢٩] أَيْ الْيَدَ ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] فِي الْإِعْطَاءِ فَتَمْثِيلَانِ لِمَنْعِ الشَّحِيحِ، وَإِسْرَافِ الْمُبَذِّرِ نَهَى عَنْهُمَا آمِرًا بِالِاقْتِصَادِ بَيْنَهُمَا الَّذِي هُوَ الْكَرَمُ ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] فَتَصِيرُ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ النَّاسِ بِالْإِسْرَافِ وَسُوءِ التَّدْبِيرِ ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] نَادِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا بِك قِيلَ نَزَلَتْ حِينَ «جَاءَ صَبِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك دِرْعًا، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ إلَّا قَمِيصُهُ فَقَالَ لِلصَّبِيِّ عُدْ، وَقْتًا آخَرَ فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْك فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارِهِ فَنَزَعَ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ، وَقَعَدَ عُرْيَانًا فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَانْتَظَرُوا لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الْآيَةَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] » لَمْ يُجَاوِزُوا حَدَّ الْكَرَمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وَلَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وَقِيلَ الْإِسْرَافُ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي الْمَحَارِمِ وَالتَّقْتِيرُ مَنْعُ الْوَاجِبِ
стр. 620
وَقِيلَ الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي النَّفَقَةِ.
وَإِنْ قُلْت: وَالتَّقْتِيرُ التَّضْيِيقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِسْرَافِ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وَسَطًا، وَعَدْلًا (وَأَعْلَى السَّخَاءِ الْإِيثَارُ، وَهُوَ بَذْلُ الْمَالِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) ، وَإِيصَالُ ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] أَيْ يُقَدِّمُ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قِيلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ حَتَّى إنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ نَزَلَ عَنْ وَاحِدَةٍ وَزَوَّجَهَا مِنْ أَحَدِهِمْ ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فَقْرٌ وَحَاجَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِيثَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَا هُوَ غَيْرُ الْقُرُبَاتِ فَإِنَّ الْإِيثَارَ فِيهَا مَكْرُوهٌ كَمَا هُوَ فِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ وَبِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبِالصَّفِّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْإِجْلَالِ اللَّازِمِ لِلْعَابِدِ.
فَلَوْ وَهَبَ مَاءَ الْوُضُوءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ آثَرَ الْمُضْطَرُّ إلَى طَعَامِهِ غَيْرَهُ يَجُوزُ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ، وَإِيثَارُ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ لِلْقُرْآنِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ إيثَارٌ بِالْقُرَبِ، وَفِي هِبَةِ مُنْيَةِ الْمُفْتِي فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ مَعَهُ دَرَاهِمُ فَأَرَادَ أَنْ يُؤْثِرَ الْفُقَرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى الشِّدَّةِ فَالْإِيثَارُ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْضَلُ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (شَيْخٌ) أَبُو الشَّيْخِ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ ﵊ أَيُّمَا امْرِئٍ اشْتَهَى شَهْوَةً» أَيْ مُشْتَهًى مِنْ مُشْتَهَيَاتِ النَّفْسِ «فَرَدَّ شَهْوَتَهُ» ، وَلَمْ يَقْضِهَا «وَآثَرَ» قَدَّمَ غَيْرَهُ «عَلَى نَفْسِهِ» مَعَ احْتِيَاجِهِ «غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ» أَيْ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ، وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ لَكِنَّ الْمُرَادَ فِي مِثْلِهِ هُوَ الصَّغَائِرُ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَمِنْ جُمْلَةِ التَّوْبَةِ الْقَضَاءُ وَاسْتِرْضَاءُ الْخُصُومِ وَالْكَفَّارَاتُ فَمَا قِيلَ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ صَغِيرَةٌ فَيَغْفِرْ الْكَبَائِرَ فَيَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]- الْآيَةَ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ» لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى شِبَعِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَا مُنَافَاةَ لِعَدَمِ شِبَعِهِ أَصْلًا قَالَ فِي الشِّرْعَةِ: أَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ الشِّبَعُ، وَفِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِجَامِعِ الشُّرُوحِ وَكَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ بَلْ، وَلَا لَيْلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ بَلْ أَصْلًا لِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ» ، وَفِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ جَاءَتْ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ يَا فَاطِمَةُ قَالَتْ قُرْصٌ خَبَزْته، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُك بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ فَقَالَ أَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيك مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا) يَعْنِي لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَجْزِنَا، وَعَدَمِ اقْتِدَارِنَا عَلَى قُوتِنَا بَلْ مِنْ إيثَارِنَا الْغَيْرَ عَلَى أَنْفُسِنَا. الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولِ عَائِشَةَ يَعْنِي لَمْ يَكُنْ عَدَمُ شِبَعِ رَسُولِ اللَّهِ، وَعَدَمُ شِبَعِنَا لِعَدَمِ وِجْدَانِنَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ عُرِضَتْ عَلَيْهِ بَطْحَاءُ مَكَّةَ مِنْ ذَهَبٍ فَأَبَى وَخُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا مِنْ كَمَالِ زُهْدِهِ (وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ) غَيْرَهُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ؛ وَلِأَنَّ الشِّبَعَ مَجْلَبَةٌ لِلْآثَامِ مَنْقَصَةٌ لِلْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ﵊: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ فَإِنَّ مَنْ امْتَلَأَ بَطْنُهُ انْتَكَسَتْ بَصِيرَتُهُ وَتَشَوَّشَتْ فِكْرَتُهُ» ، وَلَا يَسْتَوْلِي عَلَى مَعَادِنِ إدْرَاكِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنْ مَعِدَتِهِ إلَى دِمَاغِهِ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ نَظَرٌ صَحِيحٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَشْبَعُوا فَتُطْفِئُوا أَنْوَارَ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِكُمْ» كَذَا فِي أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ عَنْ الْقَاضِي (قُطْن) الدَّارَقُطْنِيُّ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَعَامُ الْجَوَّادِ دَوَاءٌ»
стр. 621
هُوَ مَنْ بَذَلَ الْأَكْثَرَ، وَأَبْقَى الْأَقَلَّ وَالسَّخِيُّ مَنْ أَعْطَى بَعْضَ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْبَعْضَ، وَقِيلَ السَّخِيُّ مَنْ يَأْكُلُ وَيُؤَكِّلُ، وَالْجَوَّادُ لَا يَأْكُلُ وَيُؤَكِّلُ وَالسَّخِيُّ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّوْقِيفِ «وَطَعَامُ الْبَخِيلِ دَاءٌ» .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ طَعَامُ السَّخِيِّ دَوَاءٌ وَطَعَامُ الشَّحِيحِ دَاءٌ لِكَوْنِهِ يُطْعِمُ الضَّيْفَ مَعَ ثِقَلٍ وَتَضَجُّرٍ، وَعَدَمِ طِيبِ نَفْسٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْخَوَاصُّ: إنَّهُ يُظْلِمُ الْقَلْبَ فَتَنْبَغِي الْإِجَابَةُ إلَى طَعَامِ السَّخِيِّ دُونَ الْبَخِيلِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ بَخِيلًا مُوسِرًا دَعَاهُ بَعْضُ جِيرَانِهِ فَقَدَّمَ لَهُ طُبَاهَجَةَ بَيْضٍ فَأَكْثَرَ مِنْهَا فَانْتَفَخَ بَطْنُهُ وَصَارَ يَتَأَذَّى فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ تَقَيَّأْ فَقَالَ أَتَقَيَّأُ طُبَاهَجَةً أَمُوتُ وَلَا أَتَقَيَّأُهَا فَعَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِدَاءِ الْبُخْلِ أَنْ يُعَالِجَهُ حَتَّى يَزُولَ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي مُخْتَصَرِ حَدَائِقِ الْحَقَائِقِ كَانَ أَبُو مَرْثَدٍ مِنْ الْكِرَامِ فَمَدَحَهُ شَاعِرٌ فَقَالَ لَهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَدْفَعُ إلَيْك، وَلَكِنْ اذْهَبْ مَعِي إلَى الْقَاضِي وَادَّعِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حَتَّى أُقِرَّ لَك ثُمَّ احْبِسْنِي فَإِنَّ أَهْلِي لَا يَتْرُكُونَنِي مَحْبُوسًا وَيُعْطُونَك الْمَالَ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَمَا أَمْسَى حَتَّى أَعْطَوْهُ الْمَالَ كُلَّهُ، وَقِيلَ لَمَّا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى مَكَّةَ وَكَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ قِيلَ لَهُ اشْتَرِ بِهَا ضَيْعَةً فَضَرَبَ خَيْمَةً خَارِجَ مَكَّةَ وَصَبَّ الْكُلَّ تَحْتَهَا وَكَانَ يُعْطِي مَنْ دَخَلَ إلَيْهِ قَبْضَةً حَتَّى فَرَغَ الْكُلُّ قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْفَيْضِ عَنْ الْمِيزَانِ أَنَّهُ حَدِيثٌ كَذِبٌ، وَعَنْ السُّيُوطِيّ فِي دُرَرِهِ أَنَّ فِيهِ ضُعَفَاءَ وَمَجَاهِيلَ.
(شَيْخٌ) أَبُو الشَّيْخِ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا جُبِلَ وَلِيُّ اللَّهِ» أَيْ لَمْ يُجْعَلْ مَجْبُولًا وَالْوَلِيُّ الْمُسْلِمُ الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمُجْتَنِبُ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ (إلَّا عَلَى السَّخَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ) إذْ هُمَا أُسُّ الْكَمَالِ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وَضْعُهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ تَوَهَّمَ الْكَذِبَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ غَايَتُهُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا فِي عُرْفِهِمْ لَا فِي نَفْسِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَدَّ الْمُتَأَخِّرُونَ بِكَلَامِهِ وَخَرَّجُوا أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِيهِ الْوَضْعُ فِي كُتُبِهِمْ كَالسُّيُوطِيِّ فِي الْجَامِعِينَ كَذَا قِيلَ عَنْ التَّوْفِيقِ وَالتَّحْقِيقِ لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ اصْطَلَحَ عَلَى الْوَضْعِ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ الْكَذِبِ مِنْ الرُّوَاةِ مُطْلَقًا أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانٍ بَلْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ وَسُوءُ الظَّنِّ بِمِثْلِهِ يَرْفَعُ الْأَمْنَ عَنْ كُلِّ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ تَوَهُّمَ الْكَذِبِ حَاصِلٌ فِي كُلِّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ إلَّا الْمُتَوَاتِرَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِالْوَضْعِ وَكَيْفَ يَكُونُ غَايَتُهُ ضَعِيفًا، وَقَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَحِيحًا إلَخْ مَنْظُورٌ أَيْضًا إذْ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الصِّحَّةِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَطْلُوبُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ: فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لِلْمُحَدِّثِينَ مِنْ حَيْثُ نَظَرُهُمْ إلَى الْإِسْنَادِ، وَإِلَّا فَلَا مَطْمَعَ لِلْقَطْعِ فِي مَقَامِ الْإِسْنَادِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَعِيفًا أَوْ مَوْضُوعًا، وَالْمَوْضُوعُ صَحِيحًا مَرْفُوعًا غَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ. انْتَهَى (قُطْن) .
الدَّارَقُطْنِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السَّخَاءُ» هُوَ بَذْلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَنْ يُوصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَعَنْ الرَّاغِبِ: السَّخَاءُ هَيْئَةٌ فِي الْإِنْسَانِ دَاعِيَةٌ إلَى بَذْلِ الْمَقِيتَاتِ حَصَلَ مَعَهُ الْبَدَلُ أَوْ لَا وَمُقَابِلُهُ الشُّحُّ وَالْجُودُ بَذْلُ الْمَقِيتَاتِ بِلَا بَدَلٍ وَيُقَابِلُهُ الْبُخْلُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مَحَلَّ الْآخَرِ. وَفِي الْإِحْيَاءِ الْإِمْسَاكُ مَحَلَّ الْبَذْلِ بُخْلٌ وَالْبَذْلُ مَحَلَّ الْإِمْسَاكِ تَبْذِيرٌ وَالْوَسَطُ هُوَ الْجُودُ وَالسَّخَاءُ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ فِعْلِ الْجَوَارِحِ بِدُونِ طِيبِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ تَسَخٍّ لَا سَخَاءٌ، وَعَنْ بَعْضٍ: السَّخَاءُ أَتَمُّ، وَأَكْمَلُ مِنْ الْجُودِ وَضِدُّ الْبُخْلِ وَضِدُّ السَّخَاءِ الشُّحُّ، وَالْجُودُ وَالشُّحُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمَا الِاكْتِسَابُ عَادَةً بِخِلَافِ ذَيْنِك فَإِنَّهُمَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْغَرِيزَةِ فَكُلُّ سَخِيٍّ جَوَادٌ، وَلَا عَكْسَ، وَالْجُودُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الرِّيَاءُ وَيُمْكِنُ تَطَبُّعُهُ بِخِلَافِ السَّخَاءِ.
«شَجَرَةٌ» أَيْ كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ «فِي الْجَنَّةِ»
стр. 622
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُجَسِّدَ الْمَعَانِيَ وَيَجْعَلَ لَهَا صُورَةً كَثِيفَةً كَمَا فِي مِيزَانِ الْأَعْمَالِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا قَوْلُك سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ ذَلِكَ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشُّحُّ» قَدْ عَرَّفْته آنِفًا «شَجَرَةٌ فِي النَّارِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَاتٌ فِي الدُّنْيَا» هُنَا، وَفِي الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ ذَلِكَ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ
كَمَا فِي الْفَيْضِ قَالَ أَنَسٌ «أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ الْإِسْلَامَ بِالسَّخَاءِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ أَلَا إنَّ السَّخَاءَ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ سَخِيًّا لَا يَزَالُ مُتَعَلِّقًا بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا حَتَّى يُورِدَهُ الْجَنَّةَ أَلَا إنَّ اللُّؤْمَ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ، وَأَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَئِيمًا لَا يَزَالُ مُتَعَلِّقًا بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا حَتَّى يُورِدَهُ النَّارَ» ثُمَّ قَالَ فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجَاهِيلُ يَعْنِي السَّخَاءُ يَدُلُّ عَلَى كَرَمِ النَّفْسِ، وَعَلَى تَصْدِيقِ الْخَلَفِ عَلَى مَنْ ضَمِنَ الرِّزْقَ فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا الْأَصْلِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْجَاذِبَةِ إلَى دِيَارِ الْأَبْرَارِ، وَالْبُخْلُ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَعَدَمُ الْوُثُوقِ بِضَمَانِهِ تَعَالَى جَاذِبٌ إلَى الْخُسْرَانِ قَائِدٌ إلَى دَارِ الْهَوَانِ. وَقِيلَ أَقْبَحُ مَا فِي الْبَخِيلِ أَنَّهُ يَعِيشُ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ وَيُحَاسَبُ مُحَاسَبَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ، وَالْبَخِيلُ لَيْسَ لَهُ خَلِيلٌ.
(تَنْبِيهٌ) سَخَاءُ الْعَوَامّ بِبَذْلِ الْمَوْجُودِ وَسَخَاءُ الْخَوَاصِّ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَفْقُودٍ غِنًى بِالْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ كَذَا فِي الْفَيْضِ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَيْضًا بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ كَذِبِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَضْعُ يَقِينًا، وَقَدْ نَقَلَهُ الثِّقَاتُ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْإِعْمَالُ أَوْلَى مِنْ الْإِهْمَالِ. انْتَهَى. أَقُولُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى تَخْرِيجِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى تَخْرِيجِ الْخَطِيبِ، وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ ثُمَّ تَكَلَّمَ الْمُنَاوِيُّ فِي كُلِّ تِلْكَ الطُّرُقِ بَعْضُهَا بِالْوَضْعِ وَبَعْضُهَا بِالضَّعْفِ إلَّا طَرِيقَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ» مِنْ رَحْمَتِهِ «قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ» قُرْبَ مَوَدَّةٍ «قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ» لِسَبْقِهِ فِيمَا يُدْنِيهِ مِنْهَا وَسُلُوكِهِ طَرِيقَهَا قُرْبَ مَسَافَةٍ لِجَوَازِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى بِرَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُبْعِدُهُ عَنْهَا كَثْرَةُ الْحُجُبِ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَحْجُوبَتَانِ عَنْ الْخَلْقِ بِمَا حُفَّتَا بِهِ مِنْ الْمَكَارِهِ وَالشَّهَوَاتِ «بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ» رَحْمَةِ «اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ» الْبُخْلُ ثَمَرَةُ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا «وَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَخُولِفَ لِيُفِيدَ أَنَّ الْجَاهِلَ غَيْرَ الْعَابِدِ السَّخِيَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْعَالِمِ الْعَابِدِ الْبَخِيلِ ثُمَّ قَالَ عَنْ ابْنِ عَرَبِيٍّ فِي قَوْلِهِ وَجَاهِلٌ سَخِيٌّ إلَخْ مُشْكِلٌ يُبَاعِدُ الْحَدِيثَ عَنْ الصِّحَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ قِسْمَانِ جَاهِلٌ بِمَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي عَمَلِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَجَاهِلٌ بِمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْعِلْمِ فَأَمَّا الْمُخْتَصُّ بِهِ فَعَابِدٌ بَخِيلٌ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْهُ فَجَاهِلٌ سَخِيٌّ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالْعِلْمَ يَعُودَانِ إلَى الِاعْتِقَادِ وَالسَّخَاءَ وَالْبُخْلَ لِلْعَمَلِ، وَعُقُوبَةُ ذَنْبِ الِاعْتِقَادِ أَشَدُّ مِنْ ذَنْبِ الْعَمَلِ. انْتَهَى.
وَقِيلَ الْجَاهِلُ هُنَا ضِدُّ الْعَابِدِ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ فَمَنْ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ فَقَطْ فَسَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ
стр. 623
تَعَالَى مِمَّنْ يُكْثِرُ النَّوَافِلَ الَّذِي هُوَ بَخِيلٌ لَا يَخْفَى عَلَى هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَدَدِ الْمَقَامِ ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ إنَّهُ غَرِيبٌ، وَعَنْ الذَّهَبِيِّ وَالْهَيْثَمِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ ضَعِيفٌ لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِوَضْعِهِ كَمَا ظَنَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَنْتَ قَدْ سَمِعْت أَنَّ الْحَدِيثَ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَكِنْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَيُذْكَرُ لِتَأْيِيدِ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَخِيلُ عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ رَاهِبًا وَكَذَا الْبَخِيلُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَوْ كَانَ عَابِدًا وَالسَّخِيُّ لَا يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا فَفِي مَوْضُوعَاتِ عَلِيِّ الْقَارِي أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ (شَيْخٌ) أَبُو الشَّيْخِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «السَّخَاءُ خُلُقُ» بِضَمَّتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ «اللَّهِ» تَعَالَى «الْأَعْظَمُ» بِالرَّفْعِ أَوْ بِالْجَرِّ أَيْ هُوَ وَصْفُهُ الْأَعْظَمُ أَوْ مِنْ صِفَاتِهِ الْأَعْظَمِ فَمَنْ تَخَلَّقَ بِهِ تَخَلَّقَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى قَالَ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ (صف) الْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَلَا إنَّ كُلَّ جَوَّادٍ فِي الْجَنَّةِ» أَيْ كُلَّ مَنْ كَثُرَ جُودُهُ كَأَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ حَالًا لِعَدَمِ تَخَلُّفِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ «حَتْمٌ عَلَى اللَّهِ» يَعْنِي عَدَمَ تَخَلُّفِهِ كَالْوَاجِبِ أَوْ وَاجِبٍ عَادِيٍّ لَهُ تَعَالَى فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ شَيْءٌ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ، (وَأَنَا بِهِ كَفِيلٌ) بِالشَّفَاعَةِ؛ وَلِهَذِهِ الْفَضَائِلِ كَانَ مُعْظَمُ خُلُقِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ السَّخَاءَ.
وَفِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَيْئًا فَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ ائْتِ بِحَمَّالٍ يَحْمِلُ الْمَالَ، وَأَعْطَى طَيْلَسَانَهُ، وَقَالَ كِرَاءُ الْحَمَّالِ مِنْ قِبَلِي وَسَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ سُكْرُجَةَ عَسَلٍ فَأَمَرَ لَهَا بِزِقٍّ مِنْ عَسَلٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّهَا سَأَلَتْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهَا وَنَحْنُ نُعْطِي عَلَى قَدْرِ هِمَّتِنَا، وَقِيلَ لَمَّا قَرُبَتْ وَفَاةُ الشَّافِعِيِّ قَالَ مُرُوا فُلَانًا يُغَسِّلُنِي وَكَانَ هُوَ غَائِبًا فَلَمَّا قَدِمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَدَعَا بِتَذْكِرَتِهِ فَوَجَدَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَاهَا، وَقَالَ هَذَا غُسْلِي إيَّاهُ، وَقِيلَ بَكَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيك فَقَالَ لَمْ يَأْتِنِي ضَيْفٌ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَهَانَنِي.
وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زَكَاةُ الدَّارِ أَنْ يَتَّخِذَ فِيهَا بَيْتًا لِلضِّيَافَةِ، وَقِيلَ عَطِشَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ يَوْمًا فِي طَرِيقِهِ فَاسْتَسْقَى مِنْ مَنْزِلِ امْرَأَةٍ فَأَخْرَجَتْ لَهُ كُوزًا فَشَرِبَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَاءَ، وَقَالَ لِغُلَامِهِ احْمِلْ إلَيْهَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَتَسْخَرُ بِي فَقَالَ احْمِلْ إلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَقَالَ احْمِلْ إلَيْهَا ثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ يَا غُلَامُ فَرَدَّتْ الْبَابَ، وَقَالَتْ أُفٌّ لَك فَحَمَلَ إلَيْهَا ثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ الْجَوَّادُ الْأَوَّلُ إجَابَةُ الْخَاطِرِ الْأَوَّلِ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْبُوشَنْجِيُّ فِي الْخَلَاءِ فَدَعَا تِلْمِيذًا لَهُ، وَقَالَ انْزِعْ عَنِّي هَذَا الْقَمِيصَ وَادْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ فَقِيلَ لَهُ هَلَّا صَبَرْت فَقَالَ لَمْ أُومِنْ عَلَى نَفْسِي أَنْ يَتَغَيَّرَ عَلَيَّ لِمَا وَقَعَ لِي مِنْ الْخُلْفِ مَعَهُ بِذَلِكَ الْقَمِيصِ الْكُلُّ مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] الْآيَةَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ عَشَرَةٍ بِاللَّيْلِ، وَعَشَرَةٍ بِالنَّهَارِ، وَعَشَرَةٍ بِالسِّرِّ، وَعَشَرَةٍ بِالْعَلَانِيَةِ، وَقِيلَ فِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَمْلِكُ إلَّا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا وَدِرْهَمٍ نَهَارًا وَدِرْهَمٍ سِرًّا وَدِرْهَمٍ عَلَانِيَةً. انْتَهَى.
«أَلَا وَإِنَّ كُلَّ بَخِيلٍ فِي النَّارِ حَتْمٌ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَا بِهِ كَفِيلٌ» الْكَفَالَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي وُصُولِ الْحَقِّ الَّذِي لَهُ نَفْعٌ، وَأَمَّا الضَّرَرُ الْمَحْضُ فَلَيْسَ فِيهِ كَفَالَةٌ لَعَلَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي عَدَمِ تَخَلُّفِهِ عَنْ النَّارِ فَكَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ مَطْلُوبٌ لَهُ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْجَوَّادُ وَمَنْ الْبَخِيلُ» وَجْهُ السُّؤَالِ عَنْ مَاهِيَّتِهِمَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُهُمَا مَعْلُومَيْنِ لَهُمْ لَعَلَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفُوا مَفْهُومَهُمَا الشَّرْعِيَّ، وَإِنْ عَرَفُوا مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيَّ أَوْ لِتَقَوِّي مَا فِي خَاطِرِهِمْ أَوْ لِاخْتِيَارِ مَا فِي خَاطِرِهِمْ هَلْ هُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ لِتَعْلِيمِ غَيْرِهِمْ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِيمَنْ
стр. 624
أَبْعَدَهُمْ، أَوْ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ لَيْسَ كَمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ غَيْرَ مَعْنَاهَا الْمَعْلُومِ لَهُمْ كَمَا يُشْعِرُهُ الْجَوَابُ «قَالَ الْجَوَّادُ مَنْ جَادَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى» كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَالْأُضْحِيَّةِ بَلْ مُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ «فِي مَالِهِ، وَالْبَخِيلُ مَنْ مَنَعَ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَخِلَ عَلَى رَبِّهِ، وَلَيْسَ الْجَوَّادُ مَنْ أَخَذَ حَرَامًا» كَالْغَصْبِ «، وَأَنْفَقَ إسْرَافًا» قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «تَجَاوَزُوا عَنْ ذَنْبِ السَّخِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِهِ كُلَّمَا عَثَرَ» أَقُولُ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلسَّخِيِّ وَمَعُونَتِهِ لَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي مَحَبَّتِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَلَمَّا سَخَا بِالْأَشْيَاءِ اعْتِمَادًا وَتَوَكُّلًا عَلَى رَبِّهِ شَمِلَهُ بِعَيْنِ عِنَايَتِهِ وَكُلَّمَا، وَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ أَنْقَذَهُ مِنْهَا وَمَعْنَى أَخِذٌ بِيَدِهِ خَلَّصَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ خُذْ بِيَدِي خَلِّصْنِي مِمَّا وَقَعْت فِيهِ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «تَجَاوَزُوا عَنْ ذَنْبِ السَّخِيِّ» أَيْ تَسَاهَلُوا وَخَفِّفُوا فِيهِ «وَزَلَّةِ الْعَالِمِ وَسَطْوَةِ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ فِي أَحْكَامِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى آخِذٌ بِيَدِهِمْ كُلَّمَا عَثَرَ عَاثِرٌ مِنْهُمْ» لِمَا أَنَّهُمْ مَشْمُولُونَ بِعِنَايَتِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قِيلَ هُوَ وَهْمٌ، وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الرِّزْقُ إلَى بَيْتٍ فِيهِ السَّخَاءُ أَسْرَعُ مِنْ الشَّفْرَةِ إلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ» قَالَ فِي شَرْحِهِ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى السَّخَاءِ سِيَّمَا عَلَى الْعِيَالِ الَّذِينَ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى رِزْقَهُمْ عَلَى يَدِهِ وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ سَبَبٌ لِجَلْبِ الرِّزْقِ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وَمَنْ وَسَّعَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَنْ قَتَّرَ قَتَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِي ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ عَظِيمٌ مِنْ الْبُخْلِ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ بَعْضِ الرِّزْقِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ السَّخَاءُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ أُصُولِ النَّجَاةِ.
وَعَنْهُ عَبَّرَ النَّبِيُّ ﵊ حَيْثُ قَالَ «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ إلَى الْأَرْضِ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا قَادَهُ إلَى الْجَنَّةِ» ، وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُلُقَانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَخُلُقَانِ يُبْغِضُهُمَا اللَّهُ فَأَمَّا اللَّذَانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ فَحُسْنُ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءُ، وَأَمَّا اللَّذَانِ يُبْغِضُهُمَا فَسُوءُ الْخُلُقِ وَالْبُخْلُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ» وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ دُرَّةَ وَكَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَتْ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إلَيْهَا بِمَالٍ فِي غَزْوَتَيْنِ ثَمَانِينَ أَلْفًا وَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَسَمَتْهَا فَلَمَّا أَمْسَتْ أَفْطَرَتْ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَقَالَتْ لَهُمْ أُمُّ دُرَّةَ مَا اشْتَرَيْت لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ لَوْ كُنْت ذَكَّرْتنِي لَفَعَلْت.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ خَرَجَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حُجَّاجًا فَمَرُّوا بِعَجُوزٍ فَسَأَلُوا الشَّرَابَ فَقَالَتْ نَعَمْ وَالطَّعَامَ قَالَتْ لَا إلَّا هَذِهِ الشَّاةُ فَذَبَحَتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا وَارْتَحَلُوا ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَغَضِبَ فَقَالَ وَيْلَكِ تَذْبَحِينَ شَاتِي لِقَوْمٍ لَا تَعْرِفِينَهُمْ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ دَخَلَتْ الْعَجُوزُ الْمَدِينَةَ لِحَاجَةٍ فَمَرَّتْ الْعَجُوزُ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَرَآهَا الْحَسَنُ فَعَرَفَهَا، وَهِيَ لَهُ مُنْكِرَةٌ فَبَعَثَ إلَيْهَا غُلَامُهُ وَدَعَاهَا فَقَالَتْ لَا أَعْرِفُك قَالَ أَنَا ضَيْفُك يَوْمَ كَذَا فَأَمَرَ لَهَا بِأَلْفِ شَاةٍ، وَأَلْفِ دِرْهَمٍ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ غُلَامٍ إلَى الْحُسَيْنِ فَقَالَ بِكَمْ وَصَلَك أَخِي قَالَتْ بِأَلْفِ شَاةٍ، وَأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَهَا ثُمَّ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَاسْتَخْبَرَ عَطِيَّتَهُمَا فَأَعْطَاهَا مِثْلَ مَجْمُوعِ عَطِيَّتِهِمَا فَرَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ شَاةٍ، وَأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَدَّثَنَا أَبِي أَنَّهُ رَفَعَ رُقْعَةً إلَى الْمَأْمُونِ يَذْكُرُ فِيهَا كَثْرَةَ دَيْنِهِ، وَقِلَّةَ صَبْرِهِ فَكَتَبَ الْمَأْمُونُ عَلَى ظَهْرِ رُقْعَتِهِ إنَّك رَجُلٌ اجْتَمَعَ فِيك خَصْلَتَانِ سَخَاءٌ وَحَيَاءٌ أَمَّا السَّخَاءُ فَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَ مَا فِي يَدَيْك، وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُك مِنْ تَبْلِيغِنَا مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرْت لَك بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ أَنْفَذَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ إلَى اللَّيْثِ ﵀ فَبَعَثَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَغَضِبَ هَارُونُ، وَقَالَ أَعْطَيْته خَمْسَمِائَةٍ وَتُعْطِيهِ أَلْفًا، وَأَنْتَ مِنْ رَعِيَّتِي فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ غَلَّتِي كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ دِينَارٍ وَاسْتَحْيَيْت أَنْ أُعْطِيَ أَقَلَّ مِنْ غَلَّةِ يَوْمٍ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ قَطُّ مَعَ أَنَّ دَخْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ دِينَارٍ، وَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَتَصَدَّقَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ وَسِتِّينَ مِسْكِينًا، وَقَالَ
стр. 625
«عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أُهْدِيَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاةٌ فَقَالَ إنَّ أَخِي كَانَ أَحْوَجَ مِنِّي فَبَعَثَ بِهَا إلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى آخَرَ حَتَّى تَدَاوَلَهَا سَبْعُ أَيَادِي وَرَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ وَبَاتَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ إنِّي آخَيْت بَيْنَكُمَا وَجَعَلْت عُمُرَ أَحَدِكُمَا أَطْوَلَ مِنْ الْآخَرِ فَأَيُّكُمَا يُؤْثِرُ صَاحِبَهُ بِالْحَيَاةِ فَاخْتَارَ كِلَاهُمَا الْحَيَاةَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمَا أَفَلَا كُنْتُمَا مِثْلَ عَلِيٍّ آخَيْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ فَبَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ يَفْدِيهِ بِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهُ بِالْحَيَاةِ اهْبِطَا إلَى الْأَرْضِ فَاحْفَظَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ وَكَانَ جَبْرَائِيلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَمِيكَائِيلُ عِنْدَ رِجْلِهِ وَجَبْرَائِيلُ يُنَادِي مَنْ مِثْلُك يَا عَلِيُّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] » كُلُّهُ مُنْتَخَبٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ اشْتَاقَ رَجُلٌ إلَى بِنْتِ رَجُلٍ فَقَالَ أَبُوهَا لَا سَبِيلَ إلَّا بِقَتْلِ حَاتِمِ طيئ، وَهُوَ مَعَ أُمِّهِ فِي مَفَازَةٍ، وَلَهُمَا شَاةٌ يَشْرَبَانِ لَبَنَهَا فَجَاءَ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ حَاتِمٍ، وَلَقِيَهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَكَلَّفَهُ بِأَكْلِ شَيْءٍ مُعْتَمِدًا عَلَى لَبَنِ الشَّاةِ وَمِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ كُلَّ مَنْ مَرَّ فَإِذَا قَدْ شَرِبَاهُ، وَقَدْ نَسِيَهُ فَذَبَحَ الشَّاةَ فَأَكَلَ لَحْمَهَا، وَأَبْقَاهُ يَوْمًا ثُمَّ سَأَلَهُ حَاتِمٌ عَنْ مَصْلَحَتِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ كَذَا وَكَذَا فَكَتَمَ حَاتِمٌ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ، وَقَالَ امْشِ مَعِي حَتَّى أُخْبِرَك مَكَانَهُ ثُمَّ قَالَ إنَّ حَاتِمًا رَجُلٌ شُجَاعٌ لَعَلَّك لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَيَقْتُلُنِي لَكِنْ شُدَّ يَدِي حَتَّى أَعْتَذِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كُرْهًا ثُمَّ قَالَ شُدَّ رِجْلِي أَيْضًا لِمَصْلَحَةٍ سَأُخْبِرُك فَشَدَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَنَا مَطْلُوبُك حَاتِمٌ فَافْعَلْ مَا قَصَدْت فَإِنَّ رَأْسًا صَالِحًا لِمَصْلَحَةِ حَبِيبٍ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِي فَقَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَرَجَعَ فَأَخَذَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ بِقَهْرِهِ ثُمَّ اُشْتُهِرَ أَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِضَيْفِهِ قِرًى لَهُ ثُمَّ رُزِقَ لَهُ غِنًى فَبَنَى حُجْرَةً لِلصَّدَقَةِ وَجَعَلَ فِيهَا أَرْبَعِينَ ثُقْبًا لِلسَّائِلِينَ فَلَمَّا مَاتَ قَالَ أَخُوهُ إنِّي أَفْعَلُ مِثْلَ أَخِي فَيَوْمًا جَاءَ سَائِلٌ فَأَعْطَاهُ مِنْ ثُقْبٍ دِينَارًا ثُمَّ ذَلِكَ السَّائِلُ سَأَلَ مِنْ ثُقْبٍ آخَرَ فَأَعْطَاهُ أَيْضًا ثُمَّ إلَى الرَّابِعِ ثُمَّ غَلُظَ وَغَضِبَ عَلَيْهِ فَقَالَ السَّائِلُ إنَّ أَخَاك أَعْطَانِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الثُّقُوبِ، وَأَنْتَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ تَغْضَبُ وَتَغْلُظُ عِنْدَ الرَّابِعِ.
[مَبْحَثٌ فِي غَوَائِل الْبُخْل وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ]
(وَأَمَّا الْبُخْلُ فَفِيهِ مَبْحَثَانِ)
(الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ) . (فِي غَوَائِلِهِ وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ أَمَّا الْأُولَى) أَيْ الْغَوَائِلُ (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] بِأَنْ مَنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةَ، وَقِيلَ أَيْ مِنْ عَطَائِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِكِتْمَانِهِ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أَيْ الْبُخْلُ ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] لِاسْتِجْلَابِ الْعِقَابِ عَلَيْهِمْ ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] مِنْ الطَّوْقِ ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] بَيَانٌ لِكَوْنِهِ شَرًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ، وَعَنْهُ ﵊ «مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شُجَاعًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ يَجْعَلُ مَا بَخِلَ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ حَيَّةً يُطَوِّقُهَا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْهَشُهُ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ وَتَنْقُرُ رَأْسَهُ وَتَقُولُ أَنَا مَالُك» ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . (ت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ» كَامِلٍ فَلَا يَرِدُ وُجُودُهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَلْزَمُ كُفْرُ مَنْ وُجِدَا فِيهِ «الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» أَوْ الْمُرَادُ بُلُوغُ النِّهَايَةِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا، وَلَا يَنْفَكَّانِ عَنْهُ فَمَنْ فِيهِ بَعْضُ ذَا وَبَعْضُ ذَا وَيَنْفَكُّ عَنْهُ أَحْيَانًا فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ إذْ كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ الْمُؤْمِنُ فِي التَّنْزِيلِ وَيُرَادُ الْمُؤْمِنُ حَقًّا الَّذِي ارْتَقَى إلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْحَدِيثُ غَرِيبٌ
стр. 626
عِنْدَ بَعْضٍ وَضَعِيفٌ عِنْدَ آخَرَ.
(ت عَنْ) أَبِي بَكْرٍ (الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِلَا حِسَابٍ، وَلَا بَأْسَ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يُعَاقَبَ بِمَا اجْتَرَحَهُ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ هَذَا هُوَ السَّبِيلُ فِي تَأْوِيلِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتُوَافِقَ أُصُولَ الدِّينِ، وَقَدْ هَلَكَ بِالتَّمَسُّكِ بِظَوَاهِرِ أَمْثَالِهَا جَمٌّ غَفِيرٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَمَنْ عَرَفَ وُجُوهَ الْقَوْلِ، وَأَسَالِيبَ الْبَيَانِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ هَانَ عَلَيْهِ التَّخْلِيصُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ الشُّبَهِ «خِبٌّ» بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ الْخَدَّاعُ الْمُفْسِدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ حَتَّى يَطْهُرَ مِنْهَا إمَّا بِتَوْبَةٍ أَوْ بِعَفْوٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ بِعَذَابٍ «، وَلَا بَخِيلٌ» قِيلَ مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ عَامٌّ لِمَانِعِ مُؤْنَةِ مَنْ يَمُونُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ مُطْلَقُ حُقُوقِ الْعِبَادِ ( «، وَلَا مَنَّانٌ» مَنْ يَمُنُّ عَلَى النَّاسِ بِمَا يُعْطِيهِ فَالْمِنَّةُ تُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ أَوْ بِمَعْنَى النَّقْصِ وَالْقَطْعِ مُرَادًا بِهِ نَقْصَ الْحُقُوقِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَوْلُهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَشَدُّ وَعِيدًا مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى مِنْهُ الْخَلَاصُ فَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالْحَدِيثُ أَيْضًا قِيلَ غَرِيبٌ، وَقِيلَ ضَعِيفٌ.
(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ» مِنْ الْأَوْصَافِ وَالْأَخْلَاقِ «شُحٌّ هَالِعٌ» أَيْ جَازِعٌ يَعْنِي شُحًّا يَحْمِلُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَزَعِ عَلَى ذَهَابِهِ قِيلَ هُوَ مَنْ لَا يَشْبَعُ كُلَّمَا وَجَدَ شَيْئًا بَلَعَهُ، وَلَا قَرَارَ لَهُ، وَلَا يَتَبَيَّنُ فِي جَوْفِهِ وَيَحْرِصُ عَلَى تَهْيِئَةِ شَيْءٍ آخَرَ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ وَكُلُّ مَا يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنْ بَذْلِ مَالٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ طَاعَةٍ، وَالْهَلَعُ أَفْحَشُ الْجَزَعِ أَيْ أَنَّهُ يَجْزَعُ فِي شُحِّهِ أَشَدَّ الْجَزَعِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ مِنْهُ قَالُوا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ مَعَ مَعْرِفَةٍ أَبَدًا فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَالْجُودِ خَوْفُ الْفَقْرِ جَهْلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعَدَمُ وُثُوقٍ بِوَعْدِهِ وَضَمَانِهِ وَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ لَمْ يَثِقْ بِغَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ الْأَغْنِيَاءُ يَثِقُونَ بِالْأَرْزَاقِ وَالْفُقَرَاءُ يَثِقُونَ بِالْخَلَّاقِ «وَجُبْنٌ» أَيْ خَوْفٌ «خَالِعٌ» شَدِيدٌ كَأَنَّهُ يَخْلَعُ فُؤَادَهُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ، وَالْمُرَادُ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْكَارِ وَضَعْفِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْخَوْفِ فَلَا يَقْدَمُ عَلَى نَحْوِ مُحَارَبَةِ الْكُفَّارِ وَدُخُولِ عَمَلِ الْأَبْرَارِ أَوْ يَخْلَعُ الشَّجَاعَةَ وَيَذْهَبُ بِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ الْفَرْقُ بَيْنَ وَصْفِ الشُّحِّ بِالْهَلَعِ وَالْجُبْنِ بِالْخَلْعِ أَنَّ الْهَلَعَ فِي الْحَقِيقَةِ لِصَاحِبِ الشُّحِّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ مَجَازًا فَهُمَا حَقِيقِيَّانِ لَكِنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَلْعُ إذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِصَاحِبِ الْجُبْنِ حَتَّى يُسْنَدَ إلَيْهِ مَجَازًا بَلْ هُوَ وَصْفٌ لِلْجُبْنِ لَكِنَّ الْمَجَازَ حَيْثُ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ الشِّدَّةُ، وَإِنَّمَا قَالَ شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ دُونَ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ وَالْجُبْنَ مِمَّا تُحْمَدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَيُذَمُّ بِهِ الرَّجُلُ أَوْ؛ لِأَنَّ الْخَصْلَتَيْنِ تَقَعَانِ مَوْقِعًا فِي الذَّمِّ مِنْ الرِّجَالِ فَوْقَ مَا تَقَعَانِ فِي النِّسَاءِ كَمَا فِي الْفَيْضِ فَيَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ الرَّجُلِ هُوَ الْإِنْسَانُ فَتَدَبَّرْ.
(طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ» بِالْفَتْحِ أَيْ كَرَاهِيَةِ الدُّنْيَا وَالْإِدْبَارِ عَنْهَا، وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالزُّهْدِ بَدَلَ الزَّهَادَةِ «وَالْيَقِينِ» بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَقِيلَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِي الْفَيْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الْعَبْدَ شَاكِرًا لِلَّهِ خَالِصًا لَهُ مُتَوَاضِعًا مُعْرِضًا مُسْلِمًا فَيَتَوَلَّى اللَّهَ وَيَتَوَلَّاهُ اللَّهُ «، وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» ، وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ وَيَهْلِكُ بَدَلَ، وَهَلَاكُ لَكِنَّ الْمُلَائِمَ لِقَوْلِهِ صَلَاحُ
стр. 627
هُوَ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ إلَّا مَنْ فَقَدَ الْيَقِينَ سَاءَ ظَنُّهُمْ بِرَبِّهِمْ فَبَخِلُوا وَتَلَذَّذُوا بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِطُولِ الْأَمَلِ - ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]- وَالْمُرَادُ أَنَّ غَلَبَةَ الْبُخْلِ وَالْأَمَلِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَكُونُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلْهَلَاكِ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ وَالْحِرْصِ وَحُبِّ الْمَالِ الْمُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْيَقِينُ تَيَقُّنُ كَوْنِهِ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ الْمُتَكَفِّلُ لِلْأَرْزَاقِ فَمَنْ تَيَقَّنَهُ لَمْ يَبْخَلْ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْمَالِ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ وَطُولِ الْأَمَلِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ تَلَوْتُ عَلَى أَعْرَابِيٍّ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [الذاريات: ١] فَلَمَّا بَلَغْتُ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ حَسْبُك، وَقَامَ إلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا وَوَزَّعَهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَعَمَدَ إلَى سَيْفِهِ فَكَسَرَهُ وَوَلَّى فَلَقِيتُهُ بِالطَّوَافِ قَدْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَاسْتَقْرَأَنِي السُّورَةَ فَلَمَّا بَلَغْتهَا صَاحَ، وَقَالَ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ غَيْرُ هَذَا فَقَرَأْتُ - ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]- فَصَاحَ، وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ ذَا الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ قَالَهَا ثَلَاثًا فَخَرَجَتْ مَعَهَا رُوحُهُ. وَقَالَ الْحُكَمَاءُ الْجَاهِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَمَلِ وَالْعَاقِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَمَلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَمَلُ كَالسَّرَابِ غُرَّ مَنْ رَآهُ وَخَابَ مَنْ رَجَاهُ قِيلَ إنَّ قِصَرَ الْأَمَلِ حَقِيقَةُ الزُّهْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَرَ أَمَلُهُ زَهِدَ وَيَتَوَلَّدُ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ الْكَسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ وَالتَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَنِسْيَانُ الْآخِرَةِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَصَفَاءَهُ إنَّمَا يَقَعُ بِتَذَكُّرِ الْمَوْتِ فَاجْتَهِدْ فِي الطَّاعَةِ وَارْضَ بِمَا قَلَّ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمَلُ مَذْمُومٌ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَاهُ لَمَا صَنَّفُوا ثُمَّ حَاصِلُ الْحَدِيثِ كَوْنُ الْبُخْلِ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ خَفِيفٌ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ غَرِيبًا وَضَعِيفًا، وَعَنْ الْمُنْذِرِيِّ إسْنَادُهُ مُهْمَلٌ لِلتَّحْسِينِ وَمَتْنُهُ غَرِيبٌ.
(تَتِمَّةٌ) رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَإِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ يَقُولُ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ اغْفِرْ لِي قَالَ وَمَا ذَنْبُك قَالَ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْوَصْفِ قَالَ صِفْهُ قَالَ إنِّي رَجُلٌ ذُو ثَرْوَةٍ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّ السَّائِلَ لَيَأْتِينِي فَكَأَنَّمَا يَسْتَقْبِلُنِي بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَحَّ عَنِّي حَتَّى لَا تُحْرِقَنِي بِنَارِك فَوَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ رَسُولًا لَوْ قُمْت بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ثُمَّ صَلَّيْت أَلْفَ عَامٍ وَتَبْكِي حَتَّى تَجْرِيَ مِنْ عُيُونِك الْعُيُونُ، وَأَنْتَ بَخِيلٌ لَئِيمٌ لَكَبَّك اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ قَالَ تَزَيَّنِي فَتَزَيَّنَتْ فَنَظَرَ إلَيْهَا فَقَالَ تَكَلَّمِي فَقَالَتْ طُوبَى لِمَنْ دَخَلَنِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِزَّتِي لَا أُسْكِنُك بَخِيلًا» .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ إذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْمٍ شَرًّا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ وَجَعَلَ أَرْزَاقَهُمْ بِأَيْدِي بُخَلَائِهِمْ.
وَقَالَ كَعْبٌ مَا مِنْ صَبَاحٍ إلَّا، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا؛ وَلِمُنْفِقٍ خَلَفًا، وَعَنْ بِشْرٍ الْحَافِي الْبَخِيلُ لَا غِيبَةَ لَهُ وَالنَّظَرُ إلَى الْبَخِيلِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَمُدِحَتْ امْرَأَةٌ بِأَنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ إلَّا أَنَّ فِيهَا الْبُخْلَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا خَيْرُهَا إذَنْ، وَعَنْ الْمُعْتَزِّ أَبْخَلُ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بِعَرْضِهِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ مَا فِي الْقَلْبِ لِلْأَسْخِيَاءِ إلَّا حُبٌّ، وَلَوْ فُجَّارًا وَمَا لِلْبُخَلَاءِ إلَّا بُغْضٌ، وَلَوْ أَبْرَارًا كُلُّهُ مِنْ الْإِحْيَاءِ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِك أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» .
(وَأَمَّا سَبَبُ الْبُخْلِ فَحُبُّ الْمَالِ) لِذَاتِهِ وَالْمَيْلُ إلَى الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا، وَلَذَّاتِهَا وَالْحِرْصُ عَلَى الْبَقَاءِ وَطُولُ الْأَمَلِ (لَا لِلتَّصَدُّقِ) ، وَلَا لِلصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ كَالْوَقْفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالْقَنَاطِرِ فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مِنْ الرَّجُلِ» ، وَإِنَّ لِلْغَنِيِّ عِبَادَاتٍ لَيْسَتْ لِلْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ جَامِعٌ بَيْنَ عِبَادَتَيْ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ بِالْمَالِ عَلَى حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ - ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]- كَمَا مَنَّ عَلَيْهِ بِالْهُدَى؛ وَلِذَا اخْتَارَ الْغِنَى كَثِيرٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفَ، وَأَيُّوبَ وَشُعَيْبٍ، وَأَيْضًا كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى رُوِيَ
стр. 628
أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ فَصُولِحَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ رُبْعِ ثُمُنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ فَضْلَ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى (وَ) لَا (لِقِوَامِ الْبَدَنِ) لِبَقَاءِ الْبِنْيَةِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «نَفْسُك مَطِيَّتُك فَارْفُقْ بِهَا» (وَإِقَامَةِ الْوَاجِبِ) مِنْ دَيْنٍ وَكَذَا النَّفَقَةُ فَحُبُّ الْمَالِ لِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ سَبَبًا لَيْسَ لِلْبُخْلِ (وَهُوَ) أَيْ حُبُّ الْمَالِ لَا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ. .
[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حُبُّ الْمَالِ لِلْحَرَامِ]
(الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ، وَهُوَ) حُبُّ الْمَالِ (لِلْحَرَامِ) أَيْ لِلتَّوَسُّلِ إلَى مَا يَحْرُمُ (حَرَامٌ؛ وَلِلْحَلَالِ لَا) لَيْسَ بِحَرَامٍ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ) مَكْرُوهٌ فِيهِ خَفَاءٌ وَتَفْصِيلٌ فَافْهَمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] مِحْنَةٌ وَبَلَاءٌ لَكُمْ فَالْعَاقِلُ لَا يَلْتَفِتُ بَلْ يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ رَاغِبًا إلَى مَا عِنْدَهُ تَعَالَى كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] لِمَنْ صَبَرَ عَلَى الْفَقْرِ وَالْمِحَنِ أَوْ لِمَنْ آثَرَ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالسَّعْيِ لَهُمْ - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]- لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ إنَّمَا يَتِمُّ إنْ عَلِمَ إرَادَةَ عُمُومِ الْأَمْوَالِ، وَعُمُومِ الْأَمْلَاكِ، وَعُمُومِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ حَفِيٌّ بِمُلَاحَظَةِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي مَدْحِ الْأَمْوَالِ.
(طب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الشَّيْطَانُ لَنْ يَسْلَمَ مِنِّي صَاحِبُ الْمَالِ مِنْ إحْدَى ثَلَاثِ» حِيَلٍ «أَغْدُو» صَبَاحًا «عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَرُوحُ» مَسَاءً أَيْ أَسْعَى لِوَسْوَسَتِهِ، وَإِضْلَالِهِ وَقْتَ الْغَدَاةِ وَالرَّوَاحِ بِهَذِهِ الْحِيَلِ كِنَايَةً عَنْ اسْتِمْرَارِ الْوَسْوَسَةِ إحْدَاهَا «أَخْذُهُ» أَيْ الْمَالِ «مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ» مِنْ الْمَعَاصِي وَالْفِسْقِ وَمِنْهُ الْإِهْدَاءُ وَالْإِطْعَامُ إلَى الظَّلَمَةِ وَالْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى جَاهِ الدُّنْيَا «وَأُحَبِّبُهُ إلَيْهِ» الْفَاعِلُ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ اُخْتِيرَتْ الِاسْتِقْبَالِيَّة لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ «فَيَمْنَعُهُ» أَيْ حُبُّهُ «مِنْ حَقِّهِ» الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالنَّفَقَةِ اللَّازِمَةِ عَلَيْهِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَأَدَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الْجِنَايَاتِ وَالضَّمَانَاتِ وَالْأَعْشَارِ وَخَرَاجِ الْأَرْضِ. (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» أَيْ طُرِدَ وَأُبْعِدَ الْحَرِيصُ عَلَى جَمْعِ الدِّينَارِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ» قَالَ الطِّيبِيُّ الْحُرِّيَّةُ ضَرْبَانِ مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ السَّبْيِ وَمَنْ أَخَذَتْ الدُّنْيَا الذَّمِيمَةُ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ وَتَمَلَّكَتْهُ فَصَارَ عَبْدًا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ أَقْوَى الرِّقَّيْنِ قَالَ وَرِقُّ ذَوِي الْأَطْمَاعِ رِقٌّ مُقَلَّدٌ، وَقِيلَ عَبْدُ الشَّهْوَةِ أَوْلَى مِنْ عَبْدِ الرِّقِّ فَمَنْ أَلْهَاهُ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ فَهُوَ مِنْ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا أُلْهِيَ الْقَلْبُ عَنْ الذِّكْرِ سَكَنَهُ الشَّيْطَانُ وَصَرَفَهُ حَيْثُ أَرَادَ وَمِنْ فِقْهِ الشَّيْطَانِ فِي الشَّرِّ أَنَّهُ يُرْضِيهِ بِبَعْضِ أَعْمَالِ الْخَيْرِ لِيُرِيَهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِيهَا الْخَيْرَ، وَقَدْ تَعَبَّدَ لَهَا قَلْبُهُ فَأَيْنَ يَقَعُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْبِرِّ مَعَ تَعَبُّدِهِ لَهَا لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَوْنِ حُبِّ الْمَالِ سَبَبًا لِلْبُخْلِ
стр. 629
لَا يَظْهَرُ إلَّا بِلُزُومٍ خَفِيٍّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ أَخَذَ إبْلِيسُ أَوَّلَ دِرْهَمٍ ضُرِبَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَقَالَ مَنْ أَحَبَّك فَهُوَ عَبْدِي، وَعَنْ وَهْبٍ قَالَ سُلَيْمَانُ ﵊ لِإِبْلِيسِ مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ عِيسَى قَالَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَيْ لَأَشْغَلَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ إلَهَيْنِ قَالَ فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ قَالَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ حَتَّى يَكُونَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَشْهَى مِنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ سُلَيْمَانُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَهَبَ كَمَا فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ. (ت عَنْ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً» امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا، وَقَالَ الْقَاضِي ضَلَالًا، وَعِصْيَانًا «، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ» ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْبَالَ عَنْ الْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ وَيُنْسِي الْآخِرَةَ.
[مَبْحَثٌ فِي سَبَبِ حُبِّ الْمَالِ وَعِلَاجِهِ]
(الْمَبْحَثُ الثَّانِي) . (فِي سَبَبِ حُبِّ الْمَالِ وَعِلَاجِهِ. وَسَبَبُهُ ثَلَاثَةٌ. الْأَوَّلُ: حُبُّ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ) فَيَجْتَهِدُ فِي الْكَسْبِ لِإِغْنَائِهِمْ عَنْ الِاحْتِيَاجِ (وَعِلَاجُهُ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهَا) أَيْ الْأَنْفُسَ الْمَذْكُورَةَ (خَلَقَ مَعَهَا رِزْقَهَا) قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، وَأَوْجَدَ رِزْقَ كُلٍّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَكَتَبَ آجَالَهُمْ، وَأَعْمَارَهُمْ، وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَنْ رَامَ مِنْهُمْ فَوْقَ مَا فُرِضَ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ فَقَدْ كَدَّ نَفْسَهُ، وَأَتْعَبَ جِسْمَهُ، وَلَمْ يَأْتِ إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا الرِّزْقُ أَشَدُّ طَلَبًا لِلْعَبْدِ مِنْ أَجَلِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ بِهِ وَضَمِنَهُ وَوَعْدُهُ لَا يَتَخَلَّفُ وَضَمَانُهُ لَا يَتَأَخَّرُ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضٌ: الرِّزْقُ يَطْرُقُ عَلَى صَاحِبِهِ الْبَابَ وَالرِّزْقُ يَطْلُبُ الْمَرْزُوقَ وَبِسُكُونِ أَحَدِهِمَا يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ قَالَ الْغَزَالِيُّ قَدْ قَسَمَ اللَّهُ الْأَرْزَاقَ وَكَتَبَهَا فِي اللَّوْحِ، وَقَدَّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا يَأْكُلُهُ وَيَشْرَبُهُ وَيَلْبِسُهُ كُلٌّ بِمِقْدَارٍ مُقَدَّرٍ وَبِوَقْتٍ مُوَقَّتٍ لَا يَزِيدُ، وَلَا يَنْقُصُ، وَلَا يَتَقَدَّمُ، وَلَا يَتَأَخَّرُ كَمَا كُتِبَ بِعَيْنِهِ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَحْرِصَ فِي رِزْقِهِ بَلْ يَكِلَهُ إلَى اللَّهِ الَّذِي تَوَلَّى الْقِسْمَةَ فِي خَلْقِهِ.
(وَكَمْ مِنْ وَلَدٍ لَمْ يَرِثْ عَنْ أَبِيهِ مَالًا) كَأَوْلَادِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَصَابَ كُلًّا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا مِنْ أَبِيهِ (وَحَالُهُ أَحْسَنُ مِمَّنْ وَرِثَ) عَنْ أَبِيهِ مَالًا عَظِيمًا كَأَوْلَادِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَيْثُ اقْتَسَمُوا الذَّهَبَ بِالْمَكَايِيلِ وَبَعْدَ زَمَانٍ قِيلَ سَأَلَ بَعْضُهُمْ النَّاسَ لِفَاقَتِهِ (وَ) أَنْ يَتَذَكَّرَ (أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا أَتْقِيَاءَ فَيَكْفِيهِمْ اللَّهُ تَعَالَى) بِوَعْدِهِ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي، وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك» لَكِنْ يَشْكُلُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَوُجُوبِ الْكَسْبِ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً فَيَسْتَعِينُونَ بِمَالِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَتَرْجِعُ مَظْلِمَتُهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَالَهُ آلَةً لِفِسْقِهِمْ وَظُلْمِهِمْ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا التَّرْدِيدِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ عَيَّرَهُ وَاحِدٌ مِمَّنْ يَعُودُهُ بِعَدَمِ تَرْكِهِ شَيْئًا لِأَبْنَائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ (إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ) اسْتِعَانَتَهُمْ بِهِ عَلَى الْفِسْقِ وَالظُّلْمِ، وَإِلَّا فَلَا تَرْجِعُ مَظْلِمَتُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا فِي الْفَتَاوَى: الْوَصِيَّةُ بِتَمَامِ الثُّلُثِ أَفْضَلُ عِنْدَ كَوْنِ الْوَرَثَةِ كِبَارًا فَسَقَةً.
(وَ) السَّبَبُ (الثَّانِي التَّلَذُّذُ بِوُجُوبِ الْمَالِ وَرُؤْيَتِهِ وَتَقْلِيبِهِ بِيَدِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) بِأَنْ تَمَكَّنَ حُبُّهُ فِي قَلْبِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُحِبِّ مَعَ مَحْبُوبِهِ
стр. 630
(فَلَا تَسْمَحُ) فَلَا تَرْضَى (نَفْسُهُ بِأَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ) مُحَافَظَةً عَلَى غَرَضِ التَّلَذُّذِ (وَهَذَا) السَّبَبُ (مَرَضٌ لِلْقَلْبِ عَسِيرُ الْعِلَاجِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خُبْثِ الطَّبْعِ (لَا سِيَّمَا فِي كِبَرِ السِّنِّ) ؛ لِأَنَّهُ يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَيَشُبُّ فِيهِ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَطُولُ الْأَمَلِ، الْحَدِيثَ.
(فَإِنْ قَبِلَ الْعِلَاجَ فَبِكَثْرَةِ التَّأَمُّلِ فِيمَا وَرَدَ) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ (مِنْ ذَمِّ الْبُخْلِ وَالْبُخَلَاءِ وَنُفُورِ الطَّبْعِ عَنْهُمْ وَذَمِّ الْمَالِ وَآفَاتِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]- وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» وَرُوِيَ أَنَّهُ مَاتَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَقَصْرًا فَتَخَاصَمَا فِي قِسْمَتِهِ فَتَكَلَّمَتْ لَبِنَةٌ مِنْ الْقَصْرِ بِأَنْ لَا تَخَاصَمُوا لِأَجْلِي فَلَقَدْ كُنْت مَلِكًا عَمَّرْت ثَلَاثَمِائَةٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِتَّ فَبَقِيتُ فِي الْقَبْرِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَ تُرَابِي وَجُعِلَ مِنِّي آنِيَةٌ فَبَقِيَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ انْكَسَرْتُ وَرُمِيَتْ فِي الطَّرِيقِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ ضُرِبَتْ لَبِنَةً وَوُضِعَتْ فِي هَذَا الْقَصْرِ مُنْذُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً أَفَتُخَاصِمُونَ وَسَتَصِيرُونَ مِثْلِي فَاعْتَبِرُوا بِي.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ، وَأَفْضَلُ أَمْوَالِ الدُّنْيَا الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ وَآخِرُ الْأَوَّلِ هَمٌّ وَآخِرُ الثَّانِي هُوَ النَّارُ» (وَمَدْحِ السَّخَاءِ) كَمَا مَرَّ، وَفِي الْمَوَاقِفِ أَنَّهُ اُشْتُهِرَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُؤْثِرُ الْمَحَاوِيجَ وَالْمَسَاكِينَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ حَتَّى تَصَدَّقَ فِي الصَّلَاةِ بِخَاتَمِهِ وَنَزَلَ - ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] .
وَفِي حَاشِيَةِ الْمَوْلَى حَسَنٍ جَلَبِيٌّ رُوِيَ أَنَّهُ مَرِضَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَنَذَرَ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ وَجَارِيَتُهُمَا إنْ عُوفِيَا صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَعُوفِيَا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا شَيْءٌ فَاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ ثَلَاثَةَ أَصْوَاعِ شَعِيرٍ مِنْ يَهُودِيٍّ وَطَحَنَتْ فَاطِمَةُ صَاعًا وَخَبَزَتْ خَمْسَةَ أَقْرَاصٍ عَلَى عَدَدِهِمْ فَعِنْدَ الْإِفْطَارِ قَالَ سَائِلٌ يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا مِسْكِينٌ مِنْ مَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ أَطْعِمُونِي أَطْعَمَكُمْ اللَّهُ مِنْ مَوَائِدِ الْجَنَّةِ فَآثَرُوهُ بِهِ وَبَاتُوا، وَلَمْ يَطْعَمُوا شَيْئًا فَأَصْبَحُوا صِيَامًا، وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ خَبَزَتْ خَمْسَةَ أَقْرَاصٍ مِنْ الصَّاعِ الثَّانِي فَعِنْدَ الْإِفْطَارِ سَأَلَ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ بِهِ، وَلَمْ يَطْعَمُوا شَيْئًا فَأَصْبَحُوا صِيَامًا، وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ خَبَزَتْ خَمْسَةَ أَقْرَاصٍ مِنْ الصَّاعِ الثَّالِثِ فَعِنْدَ الْإِفْطَارِ سَأَلَ أَسِيرٌ فَآثَرُوهُ بِهِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]- الْآيَاتِ لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَدْخُولَةٌ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَ) مَدْحِ (الزُّهْدِ) هُوَ مَا نُقِلَ عَنْ الْجُنَيْدِ اسْتِصْغَارُ الدُّنْيَا وَمَحْوُ آثَارِهَا مِنْ الْقَلْبِ.
وَعَنْهُ أَيْضًا هُوَ خُلُوُّ الْيَدِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْقَلْبِ مِنْ التَّتَبُّعِ، وَعِنْدَ الشِّبْلِيِّ هُوَ أَنْ تَزْهَدَ فِيمَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ تَرْكُ الدُّنْيَا وَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ كَذَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَكْعَتَانِ مِنْ زَاهِدٍ عَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الْمُتَعَبِّدِينَ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ أَبَدًا سَرْمَدًا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِبَعْضِ التَّابِعِينَ أَنْتُمْ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَاجْتِهَادًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ لِكَوْنِهِمْ أَزْهَدَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا فَمَقَادِيرُ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً فِي الْحُسْنِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي التَّحَقُّقِ، وَعَمَلُ رَاغِبِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَثِيرًا فِي الْحِسِّ قَلِيلٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ سَلَامَتِهِمْ مِنْ قَوَادِحِ الْخُلُوصِ، وَعَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّاعَةِ إنَّمَا تُمْكِنُ بِإِخْرَاجِ الدُّنْيَا مِنْ الْقَلْبِ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ شَكَا بَعْضُ النَّاسِ إلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ يَعْمَلُ أَعْمَالَ الْبِرِّ، وَلَا يَجِدُ حَلَاوَةً فِي قَلْبِهِ قَالَ؛ لِأَنَّ عِنْدَك بِنْتَ إبْلِيسَ، وَهِيَ الدُّنْيَا، وَلَا بُدَّ لِلْأَبِ أَنْ يَزُورَ بِنْتَهُ فِي بَيْتِهَا، وَهُوَ قَلْبُك، وَلَا يُؤْثِرُ دُخُولَهُ إلَّا فَسَادًا.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْطَى الزَّاهِدُ ثَوَابَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ ثُمَّ يُقْسَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْحِكَمِ (وَ) بِكَثْرَةِ (الْبَذْلِ تَكَلُّفًا) لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ طَبْعِهِ (حَتَّى يَصِيرَ) بِالْمُدَاوَمَةِ (طَبْعًا لَهُ.
وَالثَّالِثُ: حُبُّ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ الَّتِي لَا وُصُولَ لَهَا إلَّا بِالْمَالِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِحُبِّ الدُّنْيَا) كَاللِّبَاسِ الْفَاخِرِ وَالْأَبْنِيَةِ الْعَالِيَةِ وَالْأَطْعِمَةِ النَّفِيسَةِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْحَدَائِقِ.
حَاصِلُ الْكُلِّ حُبُّ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ
стр. 631
حَدِيثًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (وَهُوَ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ) مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ (مَعَ طُولِ الْأَمَلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَعَ قِصَرِهِ لَا يُتَصَوَّرُ حُبُّ الدُّنْيَا (وَعِلَاجُ طُولِ الْأَمَلِ كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَغَوَائِلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ) بَيَانُهُمَا (وَأَمَّا حُبُّ الدُّنْيَا فَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَرَامِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَلَالِ فَلَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ جِدًّا) ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ وَمَعْدِنُ كُلِّ فِتْنَةٍ لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِهِ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ. .
(وَفِيهِ) أَيْ فِي بَيَانِ حُبِّ الدُّنْيَا (مَقَالَتَانِ الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي ذَمِّهِ وَغَوَائِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]- الْآيَةَ) ﴿وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] يَعْنِي أَنَّهَا أُمُورٌ خَيَالِيَّةٌ قَلِيلَةُ النَّفْعِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ أَتْعَابٌ كَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَمَلْعَبَةِ الصِّبْيَانِ فِي عَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَلَهْوٌ يَلْهُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَمَّا يُهِمُّهُمْ وَزِينَةٌ كَالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ الْبَهِيَّةِ وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ وَتَفَاخُرٌ بِالْأَنْسَابِ وَتَكَاثُرٌ بِالْعَدَدِ فَإِنْ قِيلَ الدُّنْيَا رُبَّمَا تَكُونُ خَيْرًا كَكَوْنِ الْأَمْوَالِ مَصْرُوفَةً إلَى رِضَاهُ وَطَاعَاتِهِ وَكَوْنِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْأَعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ قُلْنَا مُثِّلَ هَذَا بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْكَلَامِ إذَا خَلَا عَنْ الْعَوَارِضِ وَطَبْعُهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» مَطْرُودَةٌ وَمَبْغُوضَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ مَتْرُوكَةٌ مُبْعَدَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْ النُّفُوسَ بِزَهْرَتِهَا، وَلَذَّتِهَا وَإِمَالَتِهَا عَنْ الْعُبُودِيَّةِ إلَى الْهَوَى حَتَّى سَلَكَتْ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى «مَلْعُونٌ مَا فِيهَا» مِنْ الشَّهَوَاتِ كَحُبِّ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ «إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ» أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مُذَكِّرٍ لِلَّهِ تَعَالَى «وَمَا وَالَاهُ» أَيْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُوَالَاةُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ يَعْنِي مَلْعُونٌ مَا فِي الدُّنْيَا إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِي الدُّنْيَا وَمَا سِوَاهُ مَلْعُونٌ «، وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا» فَإِنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، وَفِي عَطْفِ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي مَا وَالَاهُ عَلَى طَرِيقِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَفْخِيمِ شَأْنِهِمَا، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ سِوَاهُمَا هَمَجٌ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُنَا جَامِعُوا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَرَأْسُ كُلِّ الْعِبَادَةِ وَالْحَدِيثُ مِنْ كُنُوزِ الْحِكَمِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ لِدَلَالَتِهِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى جَمِيعِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَبِالْمَفْهُومِ عَلَى رَذَائِلِهَا الْقَبِيحَةِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ؛ لِأَنَّ مَا خُلِقَ فِيهَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ حَقَارَتِهِ أَمَدًا قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ
стр. 632
حَقِيرَةٌ، وَأَنَّهَا أَطْيَبُ حَلَالٍ فِي الدُّنْيَا لِحِفْظِهَا زَوْجَهَا مِنْ الْحَرَامِ، وَإِعَانَتِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؛ وَلِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلذَّرَارِيِّ الَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صَالِحَةً كَانَتْ شَرَّ مَتَاعٍ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» ، وَأَيْضًا «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ » ، وَأَيْضًا فِيهِ «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ» ، وَأَيْضًا «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى» قَدْ أَعْلَمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الدُّنْيَا مَبْغُوضَةٌ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا مَا فِيهِ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ أَوْ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ يَنْدَفِعُ بِهَا مَفْسَدَةُ الزِّنَا، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ جِمَاعُ الْمَنَافِعِ، وَالذِّكْرُ جِمَاعُ الْعِبَادَةِ وَمَنْشُورُ الْوِلَايَةِ وَالْكُلُّ يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى قَالُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَعَنَهَا، وَأَبْغَضَهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ فِيهَا وَمَنْ أَحَبَّ مَا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبْغَضَهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْغَنِيِّ شَاكِرًا وَمِنْ جُمْلَةِ شُكْرِهِ جَعْلُ الدُّنْيَا وَسِيلَةً لِلْآخِرَةِ بِنَحْوِ الصَّدَقَةِ وَالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لَهُمْ قَالَ فِي شَرْحِ الْحِكَمِ، وَقِيلَ «أَوْحَى اللَّهُ إلَى الدُّنْيَا أَنْ تَضَيَّقِي وَتَشَدَّدِي عَلَى أَوْلِيَائِي وَتَرَفَّهِي وَتَوَسَّعِي عَلَى أَعْدَائِي حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِك عَنِّي فَلَا يَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِي» ، وَقَدْ سَمِعْت حَدِيثَ «يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي، وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك» .
وَأَنْشَدَ أَبُو الثَّعَالِي شِعْرًا
تَنَحَّ عَنْ الدُّنْيَا فَلَا تَخْطُبَنَّهَا ... وَلَا يَخْطُبَنَّ قِتَالَهُ مَنْ يُنَاكِحُ
فَلَيْسَ يَفِي مَرْجُوُّهَا بِمَخُوفِهَا ... وَمَكْرُوهُهَا إمَّا تَأَمَّلْتَ رَاجِحُ
(وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ)
هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى ... وَدَارُ الْفَنَاءِ وَدَارُ الْعِبَرْ
وَلَوْ نُلْتَهَا بِحَذَافِيرِهَا ... لَمِتَّ وَلَمْ تَكُ تَقْضِي الْوَطَرْ
أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْبَقَاءِ ... وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ
إذَا مَا كَبِرْتَ وَبَانَ الشَّبَابُ ... فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ
دَارُ الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ الْمَنَامِ ... وَسُرُورُهَا كَظِلِّ الْغَمَامِ
وَأَحْدَاثُهَا كَصَوَائِبِ السِّهَامِ ... وَشَهَوَاتُهَا كَمَشُوبِ خَلْطِ السِّمَامِ
وَفِتْنَتُهَا كَأَمْوَاجِ الْطَوَامِّ
(ت عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» مَثَلٌ لِزِيَادَةِ الْقِلَّةِ وَغَايَةِ الْحَقَارَةِ «مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» أَيْ لَا يُمَتِّعُهُ أَدْنَى تَمَتُّعٍ هَذَا أَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَدْنَى عَلَامَاتِ الْفَقِيرِ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِوَاحِدٍ فَأَنْفَقَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ خَطَرَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهَا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ مَاهِيَّةُ الْفَقِيرِ، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ عِنْدِي أَهْوَنُ مِنْ عِرْقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ، وَقَدْ قِيلَ
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى مَا يَسُوءُهُ ... فَلَا يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخَافُ لَهُ فَقْدًا
(دُنْيَا) ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا» ، وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ فَإِنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ «إلَّا نُقِصَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» لَفْظَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ «، وَإِنْ كَانَ» ذَلِكَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ «عَلَيْهِ» أَيْ عَلَى اللَّهِ «كَرِيمًا» مُكْرَمًا مَحْبُوبًا لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ صَرْفِ مَا أَصَابَهُ إلَى رِضَاهُ تَعَالَى بَلْ يَتَلَذَّذُ بِمُبَاحَاتِهِ، وَقِيلَ
هِيَ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ الْقَلِيلِ ... وَعَاشِقُهَا أَذَلُّ مِنْ الذَّلِيلِ
تَصُمُّ بِسِحْرِهَا قَوْمًا وَتُعْمِي ... فَهُمْ مُتَحَيِّرُونَ بِلَا دَلِيلِ
(حَدّ) أَحْمَدُ (ز) الْبَزَّارُ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (حك) الْحَاكِمُ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
стр. 633
- ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ» ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَحَبَّةِ تَقْتَضِي اسْتِحْصَالَ شَهَوَاتِهَا وَالتَّوَجُّهَ إلَى مُيُولَاتِهَا فَلَا يَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحِسَابِ حَلَالِهَا، وَعَذَابِ حَرَامِهَا وَشَاهَدَ بِنُورِ إيمَانِهِ جَمَالَ الْآخِرَةِ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ فِي دُنْيَاهُ بِتَحَمُّلِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبِ الشَّهَوَاتِ فَصَبَرَ قَلِيلًا وَتَنَعَّمَ طَوِيلًا؛ وَلِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ شَغَلَتْهُ عَنْ تَفْرِيغِ قَلْبِهِ لِحُبِّ رَبِّهِ؛ وَلِسَانِهِ لِذِكْرِهِ فَتَضُرُّ بِآخِرَتِهِ، وَلَا بُدَّ كَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ الْآخِرَةِ تَضُرُّ بِالدُّنْيَا.
وَلَا بُدَّ كَمَا قَالَ (وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ) بِتَحَمُّلِ مَا يَنْفَعُهُ فِيهَا (أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ) أَيْ هُمَا كَكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ فَإِذَا رَجَحَتْ إحْدَاهُمَا خَفَّتْ الْأُخْرَى وَكَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمُحَالٌ أَنْ يَظْفَرَ سَالِكُ طَرِيقِ الشَّرْقِ بِمَا يُوجَدُ فِي الْغَرْبِ وَكَالضَّرَّتَيْنِ إذَا رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا سَخِطَتْ الْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَكَادُ يَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. «فَآثِرْ» أَنْتَ «مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» وَمَنْ أَحَبَّهَا صَيَّرَهَا غَايَتَهُ وَتَوَسَّلَ إلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ وَسَائِلَ إلَيْهِ، وَإِلَى الْآخِرَةِ فَعَكَسَ الْأَمْرَ، وَقَلَّتْ الْحِكْمَةُ فَانْتَكَسَ قَلْبُهُ، وَعَكَسَ قَضِيَّتَهُ إلَى وَرَائِهِ، وَهَذَا سِرٌّ مَنْكُوسٍ، وَقَلْبٌ مَعْكُوسٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إذَا قَرَبْت مِنْ إحْدَاهُمَا بَعُدْت مِنْ الْأُخْرَى، وَفِي الْحَدِيثِ «فَكُونُوا أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا» ، وَعَنْ فُضَيْلٍ ﵀ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ يَفْنَى وَالْآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ يَبْقَى لَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْتَارَ خَزَفًا يَبْقَى فَكَيْفَ نَخْتَارُ خَزَفًا يَفْنَى عَلَى ذَهَبٍ يَبْقَى.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي عَلَى الْمَاءِ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَبْتَلَّ قَدَمَاهُ فَكُلُّ مَا أَلْهَاك عَنْ مَوْلَاك فَهُوَ دُنْيَاك» .
وَقَالَ ﵊ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ» ، وَقَالَ ﵊ «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّك اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّك النَّاسُ» .
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنْ الذُّنُوبِ» لِإِفْضَائِهَا إلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَا يَسْتَقِيمُ حُبُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ الْمَاءُ وَالنَّارُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ» ، وَعَنْ الْإِحْيَاءِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﵊ أَتَتْ إبْلِيسَ جُنُودُهُ فَقَالُوا قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ وَأُخْرِجَتْ أُمَّةٌ قَالَ أَيُحِبُّونَ الدُّنْيَا قَالُوا نَعَمْ قَالَ لَئِنْ كَانُوا يُحِبُّونَهَا مَا أُبَالِي أَنْ لَا يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ، وَأَنَا أَغْدُو عَلَيْهِمْ، وَأَرُوحُ بِثَلَاثٍ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِمْسَاكِهِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ تَبَعٌ لِذَلِكَ» .
(حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ» لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مِنْ الدَّارِ الْإِقَامَةَ
стр. 634
مَعَ عَيْشٍ أَبَدِيٍّ وَالدُّنْيَا بِخِلَافِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ أَنْ تُسَمَّى دَارًا فَمَنْ دَارُهُ الدُّنْيَا فَلَا دَارَ لَهُ قَالَ عِيسَى مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْمَوْجِ دَارًا تِلْكُمْ الدَّارُ فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ زِيدَ هُنَا قَوْلُهُ «وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ» ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْمَالِ الْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ فَمَنْ أَتْلَفَهُ فِي شَهَوَاتِهِ فَحَقِيقٌ بِأَنْ يُقَالَ لَا مَالَ لَهُ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ «، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» لِغَفْلَتِهِ عَمَّا يُهِمُّهُ فِي الْآخِرَةِ وَيُرَادُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِلُ إنَّمَا يَجْمَعُ لِلْآخِرَةِ وَيَتَزَوَّدُ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى قَالَ فِي الْحِكَمِ لَا بُدَّ لِبِنَاءِ هَذَا الْوُجُودِ أَنْ تَنْهَدِمَ دَعَائِمُهُ، وَأَنْ تُسْلَبَ كَرَائِمُهُ فَالْعَاقِلُ مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ يَبْقَى أَفْرَحَ مِنْهُ بِمَا هُوَ يَفْنَى، وَأَنْشَدَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا
أَيَا فُرْقَةَ الْأَحْبَابِ لَا بُدَّ لِي مِنْك ... وَيَا دَارَ دُنْيَا إنَّنِي رَاحِلٌ عَنْك
وَيَا قِصَرَ الْأَيَّامِ مَا لِي وَلِلْمُنَى ... وَيَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ مَا لِي وَلِلضَّحِكِ
وَمَا لِي لَا أَبْكِي لِنَفْسِي بِعَبْرَةٍ ... إذَا كُنْت لَا أَبْكِي لِنَفْسِي فَمَنْ أَبْكِي
أَلَا أَيُّ حَيٍّ لَيْسَ بِالْمَوْتِ مُوقِنًا ... وَأَيُّ يَقِينٍ مِنْهُ أَشْبَهُ بِالشَّكِّ
وَعَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ بِهَا تَرْكُهَا أَبَرُّ، وَقَالَ ﵊ «إذَا طَلَبْتُمْ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ، وَإِذَا طَلَبْتُمْ مِنْ الْآخِرَةِ تَيَسَّرَ لَكُمْ» بَيْتٌ فَارِسِيٌّ
بد نيادل نه بندد هركه مرداست ... كه دُنْيَا سرتسر اندوه ودردست
بكورستان نظركن تأبيني ... كه دُنْيَا همنشينان راجه كردست
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) مُرْسَلًا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» بِشَهَادَةِ التَّجْرِبَةِ فَإِنَّ حُبَّهَا يَدْعُو إلَى كُلِّ خَطِيئَةٍ سِيَّمَا مَا يَتَوَقَّفُ تَحْصِيلُهُ عَلَيْهَا فَيُسْكِرُ عَاشِقَهَا حُبُّهَا عَنْ عِلْمِهِ بِتِلْكَ الْخَطِيئَةِ وَقُبْحِهَا، وَعَنْ كَرَاهَتِهَا وَاجْتِنَابِهَا وَحُبُّهَا يُوقِعُ فِي الشُّبُهَاتِ ثُمَّ فِي الْمَكْرُوهِ ثُمَّ فِي الْحَرَامِ بَلْ كَفَّرَ جَمِيعُ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ رُسُلَهُمْ لِحُبِّ الدُّنْيَا فَأَصْلُ كُلِّ خَطِيئَةٍ فِي الْعَالَمِ هُوَ حُبُّ الدُّنْيَا فَشَرُّ إبْلِيسَ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ الَّتِي هِيَ شَرٌّ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الدُّنْيَا خَمْرُ الشَّيْطَانِ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يُفِقْ مِنْ سَكْرَتِهَا إلَّا فِي عَسْكَرِ الْمَوْتَى خَاسِرًا نَادِمًا، وَفِي الْإِحْيَاءِ «مَرَّ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَبْكِي وَرَجَعَ، وَهُوَ يَبْكِي، وَقَالَ يَا رَبِّ عَبْدُك يَبْكِي مِنْ مَخَافَتِك فَقَالَ تَعَالَى يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَوْ نَزَلَ دِمَاغُهُ عَلَى دُمُوعِهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَمْ أَغْفِرْ لَهُ، وَهُوَ يُحِبُّ الدُّنْيَا» .
(تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضٌ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ الْعِلْمُ إلَّا عَنْ أَقَلِّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ أَنْوَرُ قَلْبًا فَكَيْفَ يُؤْخَذُ عِلْمٌ عَمَّنْ جَمَعَ رَأْسَ خَطِيئَاتِ الْوُجُودِ وَكَيْفَ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ دُخُولِ حَضْرَةِ اللَّهِ وَحَضْرَةِ الرَّسُولِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِأَخْلَاقِ صَاحِبِ الْكَلَامِ لَا يُمْكِنُهُ دُخُولُ حَضْرَتِهِ، وَعَنْ نَصْرَانِيٍّ يَقُولُ لِفَقِيهٍ كَيْفَ يَزْعُمُ عُلَمَاؤُكُمْ وِرَاثَةَ
стр. 635
نَبِيِّهِمْ، وَهُمْ يَرْغَبُونَ فِيمَا زَهِدَ رُهْبَانُنَا قَالَ كَيْفَ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ فِي إقَامَةِ شِعَارِ دِينِهِمْ مِنْ تَدْرِيسٍ وَخَطَابَةٍ، وَإِمَامَةٍ عَرَضَ الدُّنْيَا وَرُهْبَانُنَا جَمِيعًا يَقُومُونَ بِأَمْرِ دِينِنَا مَجَّانًا فَانْظُرْ قُوَّةَ يَقِينِ أَصْحَابِنَا وَضَعْفَ يَقِينِ أَصْحَابِكُمْ فَلَوْ صَدَّقُوا رَبَّهُمْ أَنَّ مَا عِنْدَهُ خَيْرٌ، وَأَبْقَى لَزَهِدُوا فِي الدُّنْيَا كَنَبِيِّهِمْ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحِكَمِ عَنْ وَهْبٍ صَحِبَ رَجُلٌ بَعْضَ الرُّهْبَانِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِلِاسْتِفَادَةِ فَوَجَدَهُ مَشْغُولًا عَنْهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ الْتَفَتَ فِي السَّابِعِ فَقَالَ يَا هَذَا عَلِمْت مَا تُرِيدُ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَالتَّوْفِيقُ نَجَاحُ كُلِّ بَرٍّ قَالَ وَكَيْفَ أَعْرِفُ ذَلِكَ؟ .
قَالَ جَدِّي مِنْ الْحُكَمَاءِ شَبَّهَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةٍ شَبَّهَهَا بِالْمَاءِ الْمَالِحِ يَغُرُّ، وَلَا يَرْوِي وَيَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ وَبِظِلِّ الْغَمَامِ يَغُرُّ وَيَخْذُلُ وَبِالْبَرْقِ الْخُلَّبِ يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ وَبِسَحَابِ الصَّيْفِ يَغُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَبِزَهْرِ الرَّبِيعِ يَغُرُّ بِنَضْرَتِهِ ثُمَّ يَصْفَرُّ فَتَرَاهُ هَشِيمًا وَبِأَحْلَامِ النَّائِمِ يَرَى السُّرُورَ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْحَسْرَةَ وَبِالْعَسَلِ الْمَشُوبِ بِالسُّمِّ الزُّعَافِ يَضُرُّ وَيَقْتُلُ فَتَدَبَّرْت السَّبْعَةَ سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ زِدْت حَرْفًا وَاحِدًا فَشَبَّهْتهَا بِالْغُولِ الَّتِي تُهْلِكُ مَنْ أَجَابَهَا وَتَتْرُكُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا ثُمَّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إلَّا مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ شِبْهُ الرِّيحِ، وَقَالُوا مَرَاسِيلُهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ عِنْدَهُمْ.
وَفِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بَلْ مِنْ كَلَامِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا أَوْ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ﵊ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَوْ مِنْ كَلَامِ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَعَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ حَسَنٌ، وَأَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ أَقُولُ الْقَائِلُ بِوَضْعِهِ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْنَادِهِ وَالْأَسَانِيدُ مُخْتَلِفَةٌ وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إذَا صَحَّ إسْنَادُهُ؛ وَلِذَا عَنْ ابْنِ الْمَدَائِنِيِّ مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ إذَا رَوَاهَا الثِّقَاتُ صِحَاحٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي مَرَاسِيلِهِ ضَعِيفٌ فَالِاعْتِمَادُ عَلَى عِمَادِ الْإِسْنَادِ.
(هق دُنْيَا مُوسَى بْنُ يَسَارٍ ﵁) ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ فَمُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ دَاوُد بْنُ الْخَيْرِ ضَعِيفٌ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ، وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الذَّهَبِيِّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْ مَوْضُوعٌ (أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا» هُوَ «أَبْغَضُ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا» ، وَإِنَّمَا أَسْكَنَ فِيهَا عِبَادَهُ - ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧]- وَمَا نَظَرَ إلَيْهَا أَيْ نَظَرَ رِضًا «، وَأَنَّهُ مُنْذُ خَلَقَهَا» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا» بُغْضًا لَهَا؛ لِأَنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ مَنْ آذَى أَوْلِيَاءَهُ وَشَغَلَ أَحْبَابَهُ وَصَرَفَ وُجُوهَ عِبَادِهِ عَنْهُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّيْرِ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالدُّنْيَا مَبْغُوضَةٌ لِأَوْلِيَائِهِ شَاغِلَةٌ لَهُمْ عَنْهُ فَصَارَتْ بَغِيضَةً لَهُ لِخِدَاعِهَا وَغُرُورِهَا فَهِيَ فِتْنَةٌ وَمِحْنَةٌ حَتَّى لِكِبَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَوَاصِّ الْأَصْفِيَاءِ لَكِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُمْ وَيُظْفِرُهُمْ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي طَلَبُ الدُّنْيَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا تَنَاوُلَ الْمُضْطَرِّ مِنْ الْمَيْتَةِ إذْ هِيَ سُمٌّ قَاتِلٌ فَالْعَاقِلُ يَطْلُبُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُصَانُ الْوَجْهُ بِهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهَا لِكَوْنِهَا بَغِيضَةَ اللَّهِ، وَعَلَى تَوَقٍّ مِنْ سُمِّهَا وَحَذَرٍ مِنْ غَدْرِهَا وَغُرُورِهَا، وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ يُؤْتَى بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ عَجُوزٍ شَمْطَاءَ أَيْ مُصْفَرَّةِ اللَّوْنِ زَرْقَاءَ أَنْيَابُهَا بَادِيَةٌ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إلَّا كَرِهَهَا فَتَظْهَرُ عَلَى الْخَلَائِقِ فَيُقَالُ لَهُمْ أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فَيُقَالُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَفَاخَرْتُمْ بِهَا وَتَقَاتَلْتُمْ عَلَيْهَا وَتَقَاطَعْتُمْ الْأَرْحَامَ لَهَا وَتَحَاسَدْتُمْ وَتَبَاغَضْتُمْ وَاغْتَرَرْتُمْ ثُمَّ تُقْذَفُ فِي جَهَنَّمَ فَتُنَادِي أَيْ رَبِّ أَيْنَ أَتْبَاعِي، وَأَشْيَاعِي فَيَقُولُ اللَّهُ أَلْحِقُوا بِهَا أَتْبَاعَهَا، وَأَشْيَاعَهَا اللَّهُمَّ احْفَظْنَا. انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّنْيَا عَدُوَّةٌ لِلَّهِ وَلِأَوْلِيَائِهِ وَلِأَعْدَائِهِ أَمَّا عَدَاوَتُهَا لَهُ تَعَالَى فَلِأَنَّهَا مِنْ قُطَّاعِ طَرِيقِ عِبَادِهِ تَعَالَى إذْ لَا سَعَادَةَ إلَّا لِمَنْ قَدِمَ إلَيْهِ تَعَالَى، وَلَا قُدُومَ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا، وَأَمَّا لِأَوْلِيَائِهِ فَلِأَنَّهَا تَتَزَيَّنُ إلَيْهِمْ فَتَخْطَفُ قُلُوبَهُمْ وَتَسْلُبُ نُفُوسَهُمْ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا بِرِيَاضَاتٍ، وَأَتْعَابٍ شَدِيدَةٍ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ قَالَ بَعْضٌ: تُرِكَتْ الدُّنْيَا لِقِلَّةِ غَنَائِهَا وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَخِسَّةِ
следующие страницы →