Полный текст (1 189 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حَدِيثًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (وَهُوَ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ) مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ (مَعَ طُولِ الْأَمَلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَعَ قِصَرِهِ لَا يُتَصَوَّرُ حُبُّ الدُّنْيَا (وَعِلَاجُ طُولِ الْأَمَلِ كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَغَوَائِلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ) بَيَانُهُمَا (وَأَمَّا حُبُّ الدُّنْيَا فَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَرَامِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَلَالِ فَلَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ جِدًّا) ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ وَمَعْدِنُ كُلِّ فِتْنَةٍ لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِهِ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ. .
(وَفِيهِ) أَيْ فِي بَيَانِ حُبِّ الدُّنْيَا (مَقَالَتَانِ الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي ذَمِّهِ وَغَوَائِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]- الْآيَةَ) ﴿وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] يَعْنِي أَنَّهَا أُمُورٌ خَيَالِيَّةٌ قَلِيلَةُ النَّفْعِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ أَتْعَابٌ كَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَمَلْعَبَةِ الصِّبْيَانِ فِي عَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَلَهْوٌ يَلْهُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَمَّا يُهِمُّهُمْ وَزِينَةٌ كَالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ الْبَهِيَّةِ وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ وَتَفَاخُرٌ بِالْأَنْسَابِ وَتَكَاثُرٌ بِالْعَدَدِ فَإِنْ قِيلَ الدُّنْيَا رُبَّمَا تَكُونُ خَيْرًا كَكَوْنِ الْأَمْوَالِ مَصْرُوفَةً إلَى رِضَاهُ وَطَاعَاتِهِ وَكَوْنِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْأَعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ قُلْنَا مُثِّلَ هَذَا بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْكَلَامِ إذَا خَلَا عَنْ الْعَوَارِضِ وَطَبْعُهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» مَطْرُودَةٌ وَمَبْغُوضَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ مَتْرُوكَةٌ مُبْعَدَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْ النُّفُوسَ بِزَهْرَتِهَا، وَلَذَّتِهَا وَإِمَالَتِهَا عَنْ الْعُبُودِيَّةِ إلَى الْهَوَى حَتَّى سَلَكَتْ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى «مَلْعُونٌ مَا فِيهَا» مِنْ الشَّهَوَاتِ كَحُبِّ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ «إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ» أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مُذَكِّرٍ لِلَّهِ تَعَالَى «وَمَا وَالَاهُ» أَيْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُوَالَاةُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ يَعْنِي مَلْعُونٌ مَا فِي الدُّنْيَا إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِي الدُّنْيَا وَمَا سِوَاهُ مَلْعُونٌ «، وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا» فَإِنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، وَفِي عَطْفِ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي مَا وَالَاهُ عَلَى طَرِيقِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَفْخِيمِ شَأْنِهِمَا، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ سِوَاهُمَا هَمَجٌ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُنَا جَامِعُوا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَرَأْسُ كُلِّ الْعِبَادَةِ وَالْحَدِيثُ مِنْ كُنُوزِ الْحِكَمِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ لِدَلَالَتِهِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى جَمِيعِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَبِالْمَفْهُومِ عَلَى رَذَائِلِهَا الْقَبِيحَةِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ؛ لِأَنَّ مَا خُلِقَ فِيهَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ حَقَارَتِهِ أَمَدًا قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ
стр. 632
حَقِيرَةٌ، وَأَنَّهَا أَطْيَبُ حَلَالٍ فِي الدُّنْيَا لِحِفْظِهَا زَوْجَهَا مِنْ الْحَرَامِ، وَإِعَانَتِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؛ وَلِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلذَّرَارِيِّ الَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صَالِحَةً كَانَتْ شَرَّ مَتَاعٍ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» ، وَأَيْضًا «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ » ، وَأَيْضًا فِيهِ «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ» ، وَأَيْضًا «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى» قَدْ أَعْلَمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الدُّنْيَا مَبْغُوضَةٌ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا مَا فِيهِ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ أَوْ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ يَنْدَفِعُ بِهَا مَفْسَدَةُ الزِّنَا، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ جِمَاعُ الْمَنَافِعِ، وَالذِّكْرُ جِمَاعُ الْعِبَادَةِ وَمَنْشُورُ الْوِلَايَةِ وَالْكُلُّ يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى قَالُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَعَنَهَا، وَأَبْغَضَهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ فِيهَا وَمَنْ أَحَبَّ مَا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبْغَضَهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْغَنِيِّ شَاكِرًا وَمِنْ جُمْلَةِ شُكْرِهِ جَعْلُ الدُّنْيَا وَسِيلَةً لِلْآخِرَةِ بِنَحْوِ الصَّدَقَةِ وَالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لَهُمْ قَالَ فِي شَرْحِ الْحِكَمِ، وَقِيلَ «أَوْحَى اللَّهُ إلَى الدُّنْيَا أَنْ تَضَيَّقِي وَتَشَدَّدِي عَلَى أَوْلِيَائِي وَتَرَفَّهِي وَتَوَسَّعِي عَلَى أَعْدَائِي حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِك عَنِّي فَلَا يَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِي» ، وَقَدْ سَمِعْت حَدِيثَ «يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي، وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك» .
وَأَنْشَدَ أَبُو الثَّعَالِي شِعْرًا
تَنَحَّ عَنْ الدُّنْيَا فَلَا تَخْطُبَنَّهَا ... وَلَا يَخْطُبَنَّ قِتَالَهُ مَنْ يُنَاكِحُ
فَلَيْسَ يَفِي مَرْجُوُّهَا بِمَخُوفِهَا ... وَمَكْرُوهُهَا إمَّا تَأَمَّلْتَ رَاجِحُ
(وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ)
هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى ... وَدَارُ الْفَنَاءِ وَدَارُ الْعِبَرْ
وَلَوْ نُلْتَهَا بِحَذَافِيرِهَا ... لَمِتَّ وَلَمْ تَكُ تَقْضِي الْوَطَرْ
أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْبَقَاءِ ... وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ
إذَا مَا كَبِرْتَ وَبَانَ الشَّبَابُ ... فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ
دَارُ الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ الْمَنَامِ ... وَسُرُورُهَا كَظِلِّ الْغَمَامِ
وَأَحْدَاثُهَا كَصَوَائِبِ السِّهَامِ ... وَشَهَوَاتُهَا كَمَشُوبِ خَلْطِ السِّمَامِ
وَفِتْنَتُهَا كَأَمْوَاجِ الْطَوَامِّ
(ت عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» مَثَلٌ لِزِيَادَةِ الْقِلَّةِ وَغَايَةِ الْحَقَارَةِ «مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» أَيْ لَا يُمَتِّعُهُ أَدْنَى تَمَتُّعٍ هَذَا أَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَدْنَى عَلَامَاتِ الْفَقِيرِ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِوَاحِدٍ فَأَنْفَقَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ خَطَرَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهَا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ مَاهِيَّةُ الْفَقِيرِ، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ عِنْدِي أَهْوَنُ مِنْ عِرْقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ، وَقَدْ قِيلَ
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى مَا يَسُوءُهُ ... فَلَا يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخَافُ لَهُ فَقْدًا
(دُنْيَا) ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا» ، وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ فَإِنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ «إلَّا نُقِصَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» لَفْظَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ «، وَإِنْ كَانَ» ذَلِكَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ «عَلَيْهِ» أَيْ عَلَى اللَّهِ «كَرِيمًا» مُكْرَمًا مَحْبُوبًا لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ صَرْفِ مَا أَصَابَهُ إلَى رِضَاهُ تَعَالَى بَلْ يَتَلَذَّذُ بِمُبَاحَاتِهِ، وَقِيلَ
هِيَ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ الْقَلِيلِ ... وَعَاشِقُهَا أَذَلُّ مِنْ الذَّلِيلِ
تَصُمُّ بِسِحْرِهَا قَوْمًا وَتُعْمِي ... فَهُمْ مُتَحَيِّرُونَ بِلَا دَلِيلِ
(حَدّ) أَحْمَدُ (ز) الْبَزَّارُ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (حك) الْحَاكِمُ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
стр. 633
- ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ» ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَحَبَّةِ تَقْتَضِي اسْتِحْصَالَ شَهَوَاتِهَا وَالتَّوَجُّهَ إلَى مُيُولَاتِهَا فَلَا يَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحِسَابِ حَلَالِهَا، وَعَذَابِ حَرَامِهَا وَشَاهَدَ بِنُورِ إيمَانِهِ جَمَالَ الْآخِرَةِ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ فِي دُنْيَاهُ بِتَحَمُّلِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبِ الشَّهَوَاتِ فَصَبَرَ قَلِيلًا وَتَنَعَّمَ طَوِيلًا؛ وَلِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ شَغَلَتْهُ عَنْ تَفْرِيغِ قَلْبِهِ لِحُبِّ رَبِّهِ؛ وَلِسَانِهِ لِذِكْرِهِ فَتَضُرُّ بِآخِرَتِهِ، وَلَا بُدَّ كَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ الْآخِرَةِ تَضُرُّ بِالدُّنْيَا.
وَلَا بُدَّ كَمَا قَالَ (وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ) بِتَحَمُّلِ مَا يَنْفَعُهُ فِيهَا (أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ) أَيْ هُمَا كَكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ فَإِذَا رَجَحَتْ إحْدَاهُمَا خَفَّتْ الْأُخْرَى وَكَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمُحَالٌ أَنْ يَظْفَرَ سَالِكُ طَرِيقِ الشَّرْقِ بِمَا يُوجَدُ فِي الْغَرْبِ وَكَالضَّرَّتَيْنِ إذَا رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا سَخِطَتْ الْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَكَادُ يَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. «فَآثِرْ» أَنْتَ «مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» وَمَنْ أَحَبَّهَا صَيَّرَهَا غَايَتَهُ وَتَوَسَّلَ إلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ وَسَائِلَ إلَيْهِ، وَإِلَى الْآخِرَةِ فَعَكَسَ الْأَمْرَ، وَقَلَّتْ الْحِكْمَةُ فَانْتَكَسَ قَلْبُهُ، وَعَكَسَ قَضِيَّتَهُ إلَى وَرَائِهِ، وَهَذَا سِرٌّ مَنْكُوسٍ، وَقَلْبٌ مَعْكُوسٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إذَا قَرَبْت مِنْ إحْدَاهُمَا بَعُدْت مِنْ الْأُخْرَى، وَفِي الْحَدِيثِ «فَكُونُوا أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا» ، وَعَنْ فُضَيْلٍ ﵀ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ يَفْنَى وَالْآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ يَبْقَى لَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْتَارَ خَزَفًا يَبْقَى فَكَيْفَ نَخْتَارُ خَزَفًا يَفْنَى عَلَى ذَهَبٍ يَبْقَى.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي عَلَى الْمَاءِ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَبْتَلَّ قَدَمَاهُ فَكُلُّ مَا أَلْهَاك عَنْ مَوْلَاك فَهُوَ دُنْيَاك» .
وَقَالَ ﵊ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ» ، وَقَالَ ﵊ «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّك اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّك النَّاسُ» .
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنْ الذُّنُوبِ» لِإِفْضَائِهَا إلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَا يَسْتَقِيمُ حُبُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ الْمَاءُ وَالنَّارُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ» ، وَعَنْ الْإِحْيَاءِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﵊ أَتَتْ إبْلِيسَ جُنُودُهُ فَقَالُوا قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ وَأُخْرِجَتْ أُمَّةٌ قَالَ أَيُحِبُّونَ الدُّنْيَا قَالُوا نَعَمْ قَالَ لَئِنْ كَانُوا يُحِبُّونَهَا مَا أُبَالِي أَنْ لَا يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ، وَأَنَا أَغْدُو عَلَيْهِمْ، وَأَرُوحُ بِثَلَاثٍ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِمْسَاكِهِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ تَبَعٌ لِذَلِكَ» .
(حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ» لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مِنْ الدَّارِ الْإِقَامَةَ
стр. 634
مَعَ عَيْشٍ أَبَدِيٍّ وَالدُّنْيَا بِخِلَافِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ أَنْ تُسَمَّى دَارًا فَمَنْ دَارُهُ الدُّنْيَا فَلَا دَارَ لَهُ قَالَ عِيسَى مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْمَوْجِ دَارًا تِلْكُمْ الدَّارُ فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ زِيدَ هُنَا قَوْلُهُ «وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ» ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْمَالِ الْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ فَمَنْ أَتْلَفَهُ فِي شَهَوَاتِهِ فَحَقِيقٌ بِأَنْ يُقَالَ لَا مَالَ لَهُ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ «، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» لِغَفْلَتِهِ عَمَّا يُهِمُّهُ فِي الْآخِرَةِ وَيُرَادُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِلُ إنَّمَا يَجْمَعُ لِلْآخِرَةِ وَيَتَزَوَّدُ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى قَالَ فِي الْحِكَمِ لَا بُدَّ لِبِنَاءِ هَذَا الْوُجُودِ أَنْ تَنْهَدِمَ دَعَائِمُهُ، وَأَنْ تُسْلَبَ كَرَائِمُهُ فَالْعَاقِلُ مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ يَبْقَى أَفْرَحَ مِنْهُ بِمَا هُوَ يَفْنَى، وَأَنْشَدَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا
أَيَا فُرْقَةَ الْأَحْبَابِ لَا بُدَّ لِي مِنْك ... وَيَا دَارَ دُنْيَا إنَّنِي رَاحِلٌ عَنْك
وَيَا قِصَرَ الْأَيَّامِ مَا لِي وَلِلْمُنَى ... وَيَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ مَا لِي وَلِلضَّحِكِ
وَمَا لِي لَا أَبْكِي لِنَفْسِي بِعَبْرَةٍ ... إذَا كُنْت لَا أَبْكِي لِنَفْسِي فَمَنْ أَبْكِي
أَلَا أَيُّ حَيٍّ لَيْسَ بِالْمَوْتِ مُوقِنًا ... وَأَيُّ يَقِينٍ مِنْهُ أَشْبَهُ بِالشَّكِّ
وَعَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ بِهَا تَرْكُهَا أَبَرُّ، وَقَالَ ﵊ «إذَا طَلَبْتُمْ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ، وَإِذَا طَلَبْتُمْ مِنْ الْآخِرَةِ تَيَسَّرَ لَكُمْ» بَيْتٌ فَارِسِيٌّ
بد نيادل نه بندد هركه مرداست ... كه دُنْيَا سرتسر اندوه ودردست
بكورستان نظركن تأبيني ... كه دُنْيَا همنشينان راجه كردست
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) مُرْسَلًا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» بِشَهَادَةِ التَّجْرِبَةِ فَإِنَّ حُبَّهَا يَدْعُو إلَى كُلِّ خَطِيئَةٍ سِيَّمَا مَا يَتَوَقَّفُ تَحْصِيلُهُ عَلَيْهَا فَيُسْكِرُ عَاشِقَهَا حُبُّهَا عَنْ عِلْمِهِ بِتِلْكَ الْخَطِيئَةِ وَقُبْحِهَا، وَعَنْ كَرَاهَتِهَا وَاجْتِنَابِهَا وَحُبُّهَا يُوقِعُ فِي الشُّبُهَاتِ ثُمَّ فِي الْمَكْرُوهِ ثُمَّ فِي الْحَرَامِ بَلْ كَفَّرَ جَمِيعُ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ رُسُلَهُمْ لِحُبِّ الدُّنْيَا فَأَصْلُ كُلِّ خَطِيئَةٍ فِي الْعَالَمِ هُوَ حُبُّ الدُّنْيَا فَشَرُّ إبْلِيسَ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ الَّتِي هِيَ شَرٌّ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الدُّنْيَا خَمْرُ الشَّيْطَانِ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يُفِقْ مِنْ سَكْرَتِهَا إلَّا فِي عَسْكَرِ الْمَوْتَى خَاسِرًا نَادِمًا، وَفِي الْإِحْيَاءِ «مَرَّ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَبْكِي وَرَجَعَ، وَهُوَ يَبْكِي، وَقَالَ يَا رَبِّ عَبْدُك يَبْكِي مِنْ مَخَافَتِك فَقَالَ تَعَالَى يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَوْ نَزَلَ دِمَاغُهُ عَلَى دُمُوعِهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَمْ أَغْفِرْ لَهُ، وَهُوَ يُحِبُّ الدُّنْيَا» .
(تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضٌ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ الْعِلْمُ إلَّا عَنْ أَقَلِّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ أَنْوَرُ قَلْبًا فَكَيْفَ يُؤْخَذُ عِلْمٌ عَمَّنْ جَمَعَ رَأْسَ خَطِيئَاتِ الْوُجُودِ وَكَيْفَ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ دُخُولِ حَضْرَةِ اللَّهِ وَحَضْرَةِ الرَّسُولِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِأَخْلَاقِ صَاحِبِ الْكَلَامِ لَا يُمْكِنُهُ دُخُولُ حَضْرَتِهِ، وَعَنْ نَصْرَانِيٍّ يَقُولُ لِفَقِيهٍ كَيْفَ يَزْعُمُ عُلَمَاؤُكُمْ وِرَاثَةَ
стр. 635
نَبِيِّهِمْ، وَهُمْ يَرْغَبُونَ فِيمَا زَهِدَ رُهْبَانُنَا قَالَ كَيْفَ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ فِي إقَامَةِ شِعَارِ دِينِهِمْ مِنْ تَدْرِيسٍ وَخَطَابَةٍ، وَإِمَامَةٍ عَرَضَ الدُّنْيَا وَرُهْبَانُنَا جَمِيعًا يَقُومُونَ بِأَمْرِ دِينِنَا مَجَّانًا فَانْظُرْ قُوَّةَ يَقِينِ أَصْحَابِنَا وَضَعْفَ يَقِينِ أَصْحَابِكُمْ فَلَوْ صَدَّقُوا رَبَّهُمْ أَنَّ مَا عِنْدَهُ خَيْرٌ، وَأَبْقَى لَزَهِدُوا فِي الدُّنْيَا كَنَبِيِّهِمْ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحِكَمِ عَنْ وَهْبٍ صَحِبَ رَجُلٌ بَعْضَ الرُّهْبَانِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِلِاسْتِفَادَةِ فَوَجَدَهُ مَشْغُولًا عَنْهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ الْتَفَتَ فِي السَّابِعِ فَقَالَ يَا هَذَا عَلِمْت مَا تُرِيدُ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَالتَّوْفِيقُ نَجَاحُ كُلِّ بَرٍّ قَالَ وَكَيْفَ أَعْرِفُ ذَلِكَ؟ .
قَالَ جَدِّي مِنْ الْحُكَمَاءِ شَبَّهَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةٍ شَبَّهَهَا بِالْمَاءِ الْمَالِحِ يَغُرُّ، وَلَا يَرْوِي وَيَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ وَبِظِلِّ الْغَمَامِ يَغُرُّ وَيَخْذُلُ وَبِالْبَرْقِ الْخُلَّبِ يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ وَبِسَحَابِ الصَّيْفِ يَغُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَبِزَهْرِ الرَّبِيعِ يَغُرُّ بِنَضْرَتِهِ ثُمَّ يَصْفَرُّ فَتَرَاهُ هَشِيمًا وَبِأَحْلَامِ النَّائِمِ يَرَى السُّرُورَ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْحَسْرَةَ وَبِالْعَسَلِ الْمَشُوبِ بِالسُّمِّ الزُّعَافِ يَضُرُّ وَيَقْتُلُ فَتَدَبَّرْت السَّبْعَةَ سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ زِدْت حَرْفًا وَاحِدًا فَشَبَّهْتهَا بِالْغُولِ الَّتِي تُهْلِكُ مَنْ أَجَابَهَا وَتَتْرُكُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا ثُمَّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إلَّا مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ شِبْهُ الرِّيحِ، وَقَالُوا مَرَاسِيلُهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ عِنْدَهُمْ.
وَفِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بَلْ مِنْ كَلَامِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا أَوْ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ﵊ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَوْ مِنْ كَلَامِ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَعَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ حَسَنٌ، وَأَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ أَقُولُ الْقَائِلُ بِوَضْعِهِ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْنَادِهِ وَالْأَسَانِيدُ مُخْتَلِفَةٌ وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إذَا صَحَّ إسْنَادُهُ؛ وَلِذَا عَنْ ابْنِ الْمَدَائِنِيِّ مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ إذَا رَوَاهَا الثِّقَاتُ صِحَاحٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي مَرَاسِيلِهِ ضَعِيفٌ فَالِاعْتِمَادُ عَلَى عِمَادِ الْإِسْنَادِ.
(هق دُنْيَا مُوسَى بْنُ يَسَارٍ ﵁) ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ فَمُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ دَاوُد بْنُ الْخَيْرِ ضَعِيفٌ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ، وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الذَّهَبِيِّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْ مَوْضُوعٌ (أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا» هُوَ «أَبْغَضُ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا» ، وَإِنَّمَا أَسْكَنَ فِيهَا عِبَادَهُ - ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧]- وَمَا نَظَرَ إلَيْهَا أَيْ نَظَرَ رِضًا «، وَأَنَّهُ مُنْذُ خَلَقَهَا» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا» بُغْضًا لَهَا؛ لِأَنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ مَنْ آذَى أَوْلِيَاءَهُ وَشَغَلَ أَحْبَابَهُ وَصَرَفَ وُجُوهَ عِبَادِهِ عَنْهُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّيْرِ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالدُّنْيَا مَبْغُوضَةٌ لِأَوْلِيَائِهِ شَاغِلَةٌ لَهُمْ عَنْهُ فَصَارَتْ بَغِيضَةً لَهُ لِخِدَاعِهَا وَغُرُورِهَا فَهِيَ فِتْنَةٌ وَمِحْنَةٌ حَتَّى لِكِبَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَوَاصِّ الْأَصْفِيَاءِ لَكِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُمْ وَيُظْفِرُهُمْ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي طَلَبُ الدُّنْيَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا تَنَاوُلَ الْمُضْطَرِّ مِنْ الْمَيْتَةِ إذْ هِيَ سُمٌّ قَاتِلٌ فَالْعَاقِلُ يَطْلُبُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُصَانُ الْوَجْهُ بِهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهَا لِكَوْنِهَا بَغِيضَةَ اللَّهِ، وَعَلَى تَوَقٍّ مِنْ سُمِّهَا وَحَذَرٍ مِنْ غَدْرِهَا وَغُرُورِهَا، وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ يُؤْتَى بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ عَجُوزٍ شَمْطَاءَ أَيْ مُصْفَرَّةِ اللَّوْنِ زَرْقَاءَ أَنْيَابُهَا بَادِيَةٌ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إلَّا كَرِهَهَا فَتَظْهَرُ عَلَى الْخَلَائِقِ فَيُقَالُ لَهُمْ أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فَيُقَالُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَفَاخَرْتُمْ بِهَا وَتَقَاتَلْتُمْ عَلَيْهَا وَتَقَاطَعْتُمْ الْأَرْحَامَ لَهَا وَتَحَاسَدْتُمْ وَتَبَاغَضْتُمْ وَاغْتَرَرْتُمْ ثُمَّ تُقْذَفُ فِي جَهَنَّمَ فَتُنَادِي أَيْ رَبِّ أَيْنَ أَتْبَاعِي، وَأَشْيَاعِي فَيَقُولُ اللَّهُ أَلْحِقُوا بِهَا أَتْبَاعَهَا، وَأَشْيَاعَهَا اللَّهُمَّ احْفَظْنَا. انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّنْيَا عَدُوَّةٌ لِلَّهِ وَلِأَوْلِيَائِهِ وَلِأَعْدَائِهِ أَمَّا عَدَاوَتُهَا لَهُ تَعَالَى فَلِأَنَّهَا مِنْ قُطَّاعِ طَرِيقِ عِبَادِهِ تَعَالَى إذْ لَا سَعَادَةَ إلَّا لِمَنْ قَدِمَ إلَيْهِ تَعَالَى، وَلَا قُدُومَ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا، وَأَمَّا لِأَوْلِيَائِهِ فَلِأَنَّهَا تَتَزَيَّنُ إلَيْهِمْ فَتَخْطَفُ قُلُوبَهُمْ وَتَسْلُبُ نُفُوسَهُمْ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا بِرِيَاضَاتٍ، وَأَتْعَابٍ شَدِيدَةٍ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ قَالَ بَعْضٌ: تُرِكَتْ الدُّنْيَا لِقِلَّةِ غَنَائِهَا وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَخِسَّةِ
стр. 636
شُرَكَائِهَا، وَأَمَّا لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فَلِأَنَّهَا تَتَزَيَّنُ فِي قُلُوبِهِمْ بِالْمَكْرِ وَالْحِيَلِ حَتَّى إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُمْ أَحَبُّوهَا تَتْرُكُهُمْ وَتَنْضَمُّ إلَى غَيْرِهِمْ كَالْقَحْبَةِ تَتَحَوَّلُ مِنْ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ لِيُعَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا بِنَارِ الْحَسْرَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِنَارِ النَّدَامَةِ بَلْ بِنَارِ الْقِيَامَةِ.
(هق دُنْيَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (أَنَّهُ قَالَ الدُّنْيَا حَلَالُهَا) كَالْإِرْثِ وَكَسْبِ الْحَلَالِ (حِسَابٌ) مُفْضٍ إلَى حِسَابٍ مِنْ أَيْنَ حَصَلَ، وَفِيمَ أُنْفِقَ، وَهَلْ أَدَّى حُقُوقَهُ (وَحَرَامُهَا النَّارُ) سَبَبٌ إلَى النَّارِ لَكِنَّهَا مُغَطَّاةٌ بِحِجَابِ الدُّنْيَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] فَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ زَالَ حِجَابُ الدُّنْيَا فَظَهَرَتْ النَّارُ كَمَا قَالَ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ إنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وَقَدْ غَرِقَ فِيهَا نَاسٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُك تَقْوَى اللَّهِ وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ لَعَلَّك تَنْجُو وَمَا أَرَاك نَاجِيًا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الدُّنْيَا حَانُوتُ الشَّيْطَانِ فَلَا تَسْرِقْ مِنْ حَانُوتِهِ فَيَجِيءُ فِي طَلَبِك فَيَأْخُذُك.
(طب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ» لِنَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ وَأَضْيَافِهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ الْمُتَعَارَفِ لِأَمْثَالِهِ «كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَهُوَ لَيْسَ بِحَامِلٍ، وَهُوَ تَكْلِيفُ تَعْجِيزٍ وَتَعْذِيبٍ قِيلَ عَنْ الشِّرْعَةِ وَالسُّنَّةِ فِي مِقْدَارِ الْبِنَاءِ هُوَ فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا كُلُّ ذِرَاعٍ سِتُّ قَبَضَاتٍ مَعَ أُصْبُعٍ قَائِمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَوْضَاعِ الْجَوَانِبِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ السَّاكِنِ، وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ جَاءَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحَدِيثِ «مَنْ بَنَى» إلَخْ، وَفِي الْأَثَرِ مَنْ رَفَعَ بِنَاءَهُ فَوْقَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ نَادَى مُنَادٍ إلَى أَيْنَ يَا أَفْسَقِ الْفَاسِقِينَ. انْتَهَى. وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الْغَزَالِيِّ مِنْ أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ حُبُّ التَّزَيُّنِ فِي الْبِنَاءِ وَالثِّيَابِ وَالْآثَارِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا رَأَى ذَلِكَ غَالِبًا عَلَى قَلْبِ إنْسَانٍ فَلَا زَالَ يَدْعُوهُ إلَى عِمَارَةِ الدَّارِ وَتَزْيِينِ سُقُوفِهَا وَحِيطَانِهَا وَتَوْسِعَةِ أَبْنِيَتِهَا وَيَدْعُوهُ إلَى التَّزْيِينِ بِالْأَثْوَابِ الْفَاخِرَةِ وَالدَّوَابِّ فَلَا يَزَالُ يُدْرِجُهُ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ إلَى أَجَلِهِ فَيَمُوتُ، وَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، ثُمَّ عَنْ الذَّهَبِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ، وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ فِيهِ لِينٌ وَانْقِطَاعٌ
(طط عَنْ ابْن بَشِيرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ هَوَانًا» أَيْ ذُلًّا وَحَقَارَةً، وَفِي رِوَايَةٍ سُوءًا بَدَلَ هَوَانًا «أَنْفَقَ مَالَهُ» أَنْفَدَهُ «فِي الْبُنْيَانِ» نَحْوُ أَجْرِ الصُّنَّاعِ، وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ وَالْمَاءِ وَالطِّينِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ أَوْ أَدَّى لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ فَلَا يَعْمُرُهَا إلَّا الْأَشْرَارُ قِيلَ مِثْلُ هَذَا كُلِّهِ إنْ بِالْحَلَالِ، وَإِنْ بِالْحَرَامِ فَأَشَدُّ وِزْرًا كَمَا فِي حَدِيثِ «اتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِقِلَّةِ الْبَرَكَةِ وَشُؤْمِ الْبَيْتِ أَوْ أَسَاسُ خَرَابِ الْبِنَاءِ نَفْسِهِ بِأَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ الْخَرَابُ فِي أَمَدٍ قَرِيبٍ، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ أَمْثَالُهُ عَلَى كَوْنِ الْبِنَاءِ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لِأَجْلِ الْكِبَرِ دُونَ الْأَجْرِ أَوْ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ لِئَلَّا يَتَوَسَّلَ النَّاسُ إلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ﵊ «مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ كَانَ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ أَقُولُ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْإِطْلَاقُ الشَّامِلُ لِلْحَلَالِ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ مُطْلَقُ الْبِنَاءِ لَا الْمَالُ الْحَرَامُ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ مَالَهُ إذْ الْأَصْلُ كَوْنُهُ مِنْ الْحَلَالِ بَلْ الْحَرَامُ لَيْسَ مَالًا لَهُ لَكِنَّ ارْتِفَاعَ الْبِنَاءِ لِدَفْعِ ثِقَلِ الْهَوَاءِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْحَاجَةِ.
وَأَمَّا لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكْبِيرِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ الدُّنْيَا دَارُ خَرَابٍ، وَأَخْرَبُ مِنْهَا قَلْبُ مَنْ يَعْمُرُهَا وَالْجَنَّةُ دَارُ عُمْرَانٍ، وَأَعْمَرُ مِنْهَا قَلْبُ مَنْ يَطْلُبُهَا، وَقِيلَ أَيْنَ قَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ، وَهَرَامِسَةُ الدُّهُورِ، وَأَيْنَ شَدَّادٌ، وَعَادٌ، وَأَيْنَ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ - فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ - وَتَفَكَّرُوا
стр. 637
يَوْمَ التَّنَادِّ لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ. (فَآفَاتُهَا) أَيْ آفَاتُ الدُّنْيَا، وَفِي نُسْخَةٍ فَأَفَادَ أَيْ النَّبِيُّ ﵊ (كَوْنَهَا عَدُوَّةَ اللَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهَا أَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَيْهِ (وَ) كَوْنَهَا (جِيفَةً وَمَلْعُونَةً) أَيْ مَطْرُودَةً عَنْ مَوَاقِعِ الرِّضَا (وَصَادَّةً) أَيْ مَانِعَةً مُلْهِيَةً (عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُفْضِيَةً إلَى الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي وَحَطِّ الدَّرَجَاتِ وَشِدَّةِ الْحِسَابِ) ؛ لِأَنَّهُ بِقَدْرِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ قِلَّةً وَكَثْرَةً (بَلْ) مُفْضِيَةٌ إلَى (الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَ) آفَاتُهَا (قِلَّةُ غَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ نَفْعِهَا (وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ (وَسُرْعَةُ فَنَائِهَا وَخِسَّةُ شُرَكَائِهَا) إذْ الْمُشْرِكُ وَالْفَاسِقُ شُرَكَاءُ فِيهَا، وَقِيلَ كَالْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْآفَاتِ.
(الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي ثَمَرَاتِهِ) أَيْ حُبِّ الدُّنْيَا (وَذَمِّهَا) أَيْ الثَّمَرَاتِ (وَضِدِّهَا) ، وَهُوَ الزُّهْدُ فِيهَا، وَفِي نُسْخَةٍ وَضِدُّهُ أَيْ ضِدُّ حُبِّ الدُّنْيَا (وَمَدْحِهِ) أَيْ مَدْحِ الضِّدِّ (وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ (مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فِي ثَمَرَاتِهِ. اعْلَمْ أَنَّ حُبَّ الْمَالِ وَالدُّنْيَا يُورِثُ الْحِرْصَ الْمَذْمُومَ، وَهُوَ الثَّلَاثُونَ) مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ (وَهُوَ) أَيْ الْحِرْصُ (يُورِثُ التَّشَمُّرَ وَاسْتِغْرَاقَ الْأَوْقَاتِ) بِالْعَمَلِ (لِلصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا (أَوْ) يُورِثُ (الطَّمَعَ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ) لِلْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ أَوْ الْكَسْلَانِ مَعَ الْحِرْصِ (وَهَذَا) أَيْ الطَّمَعُ (شَرٌّ مِنْ الْأَوَّلِ) قِيلَ أَيْ مِنْ التَّشَمُّرِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ (وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ) أَيْ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ (وَضِدِّهِ) ، وَهُوَ التَّفْوِيضُ فِي مَبْحَثِ الرِّيَاءِ (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ» أَيْ مُعْظَمَ هِمَّتِهِ، وَقَصْدِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي نَظَرِهِ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا بَلْ وُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ سِيَّانِ عِنْدَهُ «جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ» فَيَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ، وَلَا يَحْرِصُ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ فَلَا يَتْعَبُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْ غِنَى الْقَلْبِ كَوْنُهُ مَلِيًّا وَمِكْثَارًا فِي جَمْعِ ذُخْرِ الْآخِرَةِ الَّذِي كَانَ سَبَبُهُ الْقَلْبَ.
وَفِي بَعْضِ الْمَوَانِعِ هَذِهِ الرُّبَاعِيَّةُ مَكْتُوبَةٌ عَلَى سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
دَعْ الْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا ... وَطُولَ الْعَيْشِ لَا تَطْمَعْ
وَلَا تَجْمَعْ مِنْ الْمَالِ ... فَلَا تَدْرِي لِمَنْ تَجْمَعْ
فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ ... وَسُوءُ الظَّنِّ لَا يَنْفَعْ
فَقِيرٌ كُلُّ ذِي حِرْصٍ ... غَنِيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ
(وَجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) مَا تَفَرَّقَ مِنْ أُمُورِهِ وَيُوصِلُهُ إلَى مَقْصُودِهِ بِأَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
стр. 638
«، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا، وَهِيَ رَاغِمَةٌ» ذَلِيلَةٌ مُكْرَهَةٌ يُعْنَى تَنْقَادُ إلَيْهِ الدُّنْيَا مَقْهُورَةً مُحَقَّرَةً كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي، وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك» «وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ» بِأَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي نَصْبِ عَيْنِهِ وَمَطْمَحِ نَظَرِهِ بِأَنْ يَصْرِفَ حَاصِلَ وَقْتِهِ إلَى تَحْصِيلِهَا وَتَكُونَ عَامَّةَ فِكْرِهِ وَتَأَمُّلِهِ حَتَّى تَكُونَ الشَّرْعِيَّاتُ فِي نَظَرِهِ كَالْعَادِيَاتِ الْغَيْرِ الْمُهِمَّةِ «جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» كَأَنَّهُ كَشَيْءٍ غَيْرِ مُنْفَكٍّ عَنْهُ بَلْ كَشَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ «، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ» أَيْ مَا اجْتَمَعَ بِأَنْ يَجْعَلَ أُمُورَهُ صَعْبَةً كَأَنْ يَجْعَلَ قَضَايَاهُ مَعْكُوسَةً وَآمَالَهُ مَقْلُوبَةً «، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» فَلَا يُفِيدُ جَدُّهُ وَسَعْيُهُ فِي إتْيَانِ الزِّيَادَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قِيلَ يَعْنِي جَعَلَ الْفَقْرَ لَا يَزُولُ، وَلَا يَبْرَحُ عَنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِ، وَلَوْ أُوتِيَ مِنْ الْمَالِ مَهْمَا أُوتِيَ فَلَا يَزَالُ خَائِفًا مِنْ الْفَقْرِ.
وَعَنْ حَاتِمٍ الْأَصَمِّ رِزْقُك مِثْلُ ظِلِّك إنْ طَلَبْته تَبَاعَدَ، وَإِنْ تَرَكْته تَتَابَعَ (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَلَا يُسَمَّى إلَّا فَقِيرًا وَمَا يُصْبِحُ إلَّا فَقِيرًا» أَيْ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ إلَّا حَالَ كَوْنِهِ فَقِيرًا لِعَدَمِ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ (ز) الْبَزَّارُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يُنَادِي مُنَادٍ دَعُوا» أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ «الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا» أَيْ اُتْرُكُوهَا لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ حَظَّهُ مَقْصُورًا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ نَصِيبًا فِي الْآخِرَةِ فَلَا تَتَشَارَكُوا مَعَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَتَشَارَكُونَ مَعَكُمْ فِي آخِرَتِكُمْ (ثَلَاثًا) قَالَهُ ثَلَاثًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ تَمْكِينًا فِي الْخَاطِرِ أَيُّهَا مَا لِعَدَمِ زَوَالِهِ مِنْ الْخَاطِرِ إذْ الْمَقَامُ مَقَامُ زِيَادَةِ الِاعْتِنَاءِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ كُلٌّ لِمَعْنًى تَأَمَّلْ. (مَنْ أَخَذَ الدُّنْيَا) أَيْ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا فِي نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ) لِنَفْسِهِ وَمَنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَئُونَتَهُ (أَخَذَ حَتْفَهُ) أَيْ سَبَبَ مَوْتِهِ، وَهَلَاكِهِ فِي الْآخِرَةِ (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِيهِ هَلَاكُهُ إذْ هِيَ السُّمُّ الْقَاتِلُ فَطَلَبُهَا شَيْنٌ، وَقِلَّتُهَا زَيْنٌ فَإِنْ طَلَبَهَا لِيَطْلُبَ بِهَا الْبِرَّ، وَفِعْلَ الصَّنَائِعِ وَاكْتِسَابَ الْمَعْرُوفِ كَانَ عَلَى خَطَرٍ وَغُرُورٍ وَتَرْكُهُ لَهَا أَبْلَغُ فِي الْبِرِّ ثُمَّ عَنْ الْمُنْذِرِيِّ وَالْهَيْثَمِيِّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ.
(خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ» أَيْ يَكْبُرُ سِنُّهُ «وَيَشُبُّ مِنْهُ» مِنْ الشَّبَابِ «اثْنَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ» ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى مِنْهُ خَصْلَتَانِ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْعُمُرِ وَطُولُ الْأَمَلِ» فَالْحِرْصُ فَقْرُهُ، وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا وَالْأَمَلُ تَعَبُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَذْهَبْ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ جُبِلَ عَلَى الشَّهَوَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا تُنَالُ هُنَا بِالْمَالِ وَالْعُمُرِ وَالنَّفْسُ مَعْدِنُ الشَّهَوَاتِ، وَأَمَانِيُّهَا لَا تَنْقَطِعُ فَهِيَ أَبَدًا فَقِيرَةٌ لِتَرَاكُمِ الشَّهَوَاتِ عَلَيْهَا قَدْ بَرِحَ بِهَا خَوْفُ الْفَوْتِ وَضَيَّقَ عَلَيْهَا فَهِيَ مَفْتُونَةٌ بِذَلِكَ وَحَصَلَتْ فِتْنَتُهَا إلَى الْقَلْبِ فَأَصَمَّتْهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَعْمَتْهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَوَاتِ ظُلُمَاتٌ ذَاتُ رِيَاحٍ خَفَّاقَةٍ وَالرِّيحُ إذَا وَقَعَتْ فِي الْأُذُنِ أَصَمَّتْ وَالظُّلْمَةُ إذَا حَلَّتْ بِالْعَيْنِ أَعْمَتْ فَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الشَّهْوَةُ إلَى الْقَلْبِ حَجَبَتْ النُّورَ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا قَذَفَ فِي قَلْبِهِ النُّورَ فَتَمَزَّقَ الْحِجَابُ.
(خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ» يَعْنِي إذَا خَلَا عَنْ الْعَوَارِضِ وَطُبِعَ جِنْسُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَالْأَنْبِيَاءُ وَخَوَاصُّ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَكُونُونَ نَقْضًا لِذَا
стр. 639
«وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ ذَهَبٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ» لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إلَيْهِ ثَانِيًا» ثُمَّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ «لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا» ، وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ «، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ نَفْسَ بَدَلَ جَوْفَ، وَفِي أُخْرَى، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ، وَفِي أُخْرَى، وَلَا يَمْلَأُ عَيْنَ، وَفِي أُخْرَى، وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ، وَفِي أُخْرَى، وَلَا يَعْلَى بَطْنَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ عُضْوًا بِعَيْنِهِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّفَنُّنُ ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ كَمَا فِي الْفَيْضِ (إلَّا التُّرَابَ) لَا يَزَالُ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ وَيُمْلَأَ جَوْفُهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ «وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» فَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ حِرْصِهِ كَمَا عَنْ سَائِرِهِ أَوْ تَابَ بِمَعْنَى وُفِّقَ يَعْنِي جُبِلَ الْآدَمِيُّ عَلَى حُبِّ الْحِرْصِ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، وَعَصَمَهُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الْجِبِلَّةِ عَنْهُ، وَفِي ذِكْرِ ابْنِ آدَمَ دُونَ الْإِنْسَانِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَمِنْ طَبْعِهِ الْقَبْضُ وَالْيُبْسُ، وَإِزَالَتُهُ مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يُمْطِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَمَامِ تَوْفِيقِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : ذَهَبَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَوْ كَانَ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا ذَلِكَ لَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ مِنْهُ بِخِلَافِ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ أَيْ لَوْ كَانَ لِبَنِي آدَمَ الَّذِينَ نَظَرُوا إلَى ظَاهِرِ الدُّنْيَا دُونَ بَاطِنِهَا وَادِيَانِ مِنْ ذَلِكَ لَابْتَغَوْا ثَالِثًا، وَهَكَذَا بِخِلَافِ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِبَصَرِهِمْ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَعَرَفُوا مَا يُقَرِّبُهُمْ إلَى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُبْعِدُهُمْ عَنْهَا، وَأَطَالَ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّبَيْرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَبُرَيْدَةُ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ مُتَوَاتِرٌ
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ بَعْدَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجِبِلَّةُ لِلْآدَمِيِّ مُضِلَّةً وَغَرِيزَةً مُهْلِكَةً أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ عَلَى الْقَنَاعَةِ فَقَالَ ﵊ «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ بِهِ» ، وَقَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ غَنِيٍّ، وَلَا فَقِيرٍ إلَّا وَتَمَنَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَدْنَى قُوتٍ فِي الدُّنْيَا» ، وَفِي عِظَتِهِ ﵊ لِأَعْرَابِيٍّ «اجْمَعْ الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» ، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وَالْيَأْسَ غِنًى.
(الْمَقَامُ الثَّانِي فِي ضِدِّ حُبِّ الدُّنْيَا وَضِدِّ الْحِرْصِ) . وَهُوَ الْقَنَاعَةُ (وَمَدْحُهُمَا ضِدُّ الْأَوَّلِ) حُبِّ الدُّنْيَا (الزُّهْدُ أَعْنِي) بِهِ (كَرَاهَةَ الدُّنْيَا وَبُرُودَتَهَا عَلَى الْقَلْبِ وَضِدُّ الثَّانِي) ، وَهُوَ الْحِرْصُ (الْقَنَاعَةُ، وَهُوَ) أَيْ الْقَنَاعَةُ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ (الِاكْتِفَاءُ بِالْيَسِيرِ مِنْ الدُّنْيَا) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَثِيرَةِ (بِلَا طَلَبِ الزِّيَادَةِ) فَعِنْدَهَا يَدُومُ عِزُّهُ وَيَسْلَمُ دِينُهُ؛ وَلِذَا يَقُولُونَ عَزَّ مَنْ قَنَعَ ذَلَّ مَنْ طَمِعَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ إنْ قَنَعَ وَالْحُرُّ عَبْدٌ إنْ قَنَعَ أَيْ طَمِعَ (طب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا» أَيْ تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِيهَا «يُرِيحُ الْقَلْبَ» مِنْ آفَاتِ التَّعَلُّقِ بِهَا «وَالْجَسَدَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ وَالْبَدَنَ؛ لِأَنَّهُ يُفْرِغُهُ لِعِمَارَةِ وَقْتِهِ وَجَمْعِ قَلْبِهِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَقَطْعِ مَوَادِّ طَمَعِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْسَدِ الْأَشْيَاءِ لِلْقَلْبِ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ وَاسِعٍ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيك أَنْ تَكُونَ مَلِكًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ كَيْفَ قَالَ الزُّهْدَ فَالْزَمْ؛ وَلِلْحَدِيثِ تَتِمَّةٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِيهَا تُتْعِبُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ سِيَّمَا لَهُ مَدْخَلِيَّةٌ لِلِاسْتِشْهَادِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَالنَّفْسُ تَسْلَى وَتُعَوَّدُ مَا عَوَّدْتَهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
стр. 640
فَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبَتْهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
وَقَالَ
وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى ... فَإِنْ تُوَقِّتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتْ
، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالزُّهْدِ فَإِنَّ الزُّهْدَ عَلَى الزَّاهِدِ أَحْسَنُ مِنْ الْحُلِيِّ عَلَى النَّاهِدِ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ طَاوُسٍ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُطِيلُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ بَدَلَ قَوْلِهِ تُتْعِبُ الْقَلْبَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَالدُّنْيَا عَذَابٌ حَاضِرٌ يُؤَدِّي إلَى عَذَابٍ مُنْتَظَرٍ فَمَنْ زَهِدَ فِيهَا اسْتَرَاحَتْ نَفْسُهُ وَصَارَ عَيْشُهُ أَطْيَبَ مِنْ عَيْشِ الْمُلُوكِ فَإِنَّ الزَّاهِدَ فِيهَا مَلِكٌ حَاضِرٌ إذْ الْعَبْدُ إذَا مَلَكَ شَهْوَتَهُ وَغَضَبَهُ فَهُوَ الْمَلِكُ عَلَى الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمِلْكِ حُرٌّ وَالْمَلِكُ الْمُنْقَادُ لِشَهْوَتِهِ وَغَضَبِهِ عَبْدُهُمَا فَهُوَ مَمْلُوكٌ فِي صُورَةِ مَالِكٍ يَقُودُهُ زِمَامُ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ كَمَا يُقَادُ الْبَعِيرُ وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ
أَرَى الزُّهَّادَ فِي رَوْحٍ وَرَاحَهْ ... وَمِنْ نَصَبِ الْمَتَاعِبِ فِي اسْتِرَاحَهْ
إذَا أَبْصَرْتَهُمْ أَبْصَرْتَ قَوْمًا ... هُمُو أَهْلُ الْمَكَارِمِ وَالسَّمَاحَهْ
وَفِي رِوَايَةِ الْقُضَاعِيِّ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو الرَّغْبَةُ فِيهَا تُكْثِرُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ وَالْبَطَالَةُ تُقْسِي الْقَلْبَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَأَمَّا الْعَارِفُ فَلَا قِيمَةَ لِلزُّهْدِ عِنْدَهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَا قُسِمَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَخَلُّفُهُ وَمَا لَا فَلَا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ فَاسْتَرَاحَ وَالدُّنْيَا كُلُّهَا لَا تَزِنُ عِنْدَهُمْ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ قِيلَ:
تَجَرَّدَ عَنْ مَقَامِ الزُّهْدِ قَلْبِي ... فَأَنْتَ الْحَقُّ وَحْدَك فِي شُهُودِي
وَأَزْهَدُ فِي سِوَاك وَلَيْسَ شَيْءٌ ... أَرَاهُ سِوَاك يَا سِرَّ الْوُجُودِ
وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَقَرَ كُلَّ مَا فِي الدُّنْيَا مِمَّا لَمْ يُؤْمَرْ بِتَعْظِيمِهِ فَرَآهُ لِشِدَّةِ حَقَارَتِهِ عَدَمًا وَمِنْهُمْ مَنْ تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَأَى الْوُجُودَ كُلَّهُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَزْهَدْ فِي شَيْءٍ بَلْ اسْتَعْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ فِيمَا خُلِقَ لَهُ، وَهُوَ الْكَامِلُ وَتَمَامُهُ فِيهِ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ) أَشَدُّهُمْ زُهْدًا (قَالَ «مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبِلَى» مَصْدَرُ بَلَى يَبْلَى إذَا صَارَ خَلَقًا مُفْتَنًا أَيْ لَمْ يَنْسَ كَوْنَ الْقَبْرِ مَكَانَهُ وَكَوْنَهُ فِيهِ عِظَامًا بَالِيَةً
«وَتَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَآثَرَ مَا يَبْقَى» ، وَهُوَ الْآخِرَةُ «عَلَى مَا يَفْنَى» ، وَهُوَ الدُّنْيَا «، وَلَمْ يَعُدَّ» أَيْ لَمْ يَحْسِبْ «غَدًا مِنْ أَيَّامِهِ» كِنَايَةً عَنْ قِصَرِ الْأَمَلِ مِنْ أَيَّامِهِ «، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى» لِقُوَّةِ خَوْفٍ مِنْ مَوْلَاهُ، وَقُوَّةِ رَغْبَتِهِ فِي تَشْيِيدِ أُخْرَاهُ.
(خ م عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ الْغِنَى مِنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَاحِدُ الْعُرُوضِ أَيْ الْأَمْوَالِ «، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْ الْغِنَى النَّافِعُ أَوْ الْعَظِيمُ هُوَ غِنَى النَّفْسِ فَمَنْ اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ تَرَكَ الْمَطَامِعَ (م عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَدْ أَفْلَحَ» فَازَ وَظَفِرَ بِمُرَادِهِ «مَنْ أَسْلَمَ» فَنَجَا مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَوْ فَوَّضَ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلَيْهِ تَعَالَى قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَأَسْلَمَ أَمْرَهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَوَّضَ «وَرُزِقَ كَفَافًا» أَيْ مَا يَكْفِ عَنْ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ الضَّرُورَاتِ وَالْفَاقَاتِ
стр. 641
وَلَا يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ التَّرَفُّهَاتِ (وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ جَعَلَهُ قَانِعًا بِمَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَلَمْ يَطْلُبْ الزِّيَادَةَ لِمَعْرِفَةِ أَنَّ رِزْقَهُ مَقْسُومٌ لَنْ يَعْدُوَ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀
عَزِيزُ النَّفْسِ مَنْ لَزِمَ الْقَنَاعَهْ ... وَلَمْ يَكْشِفْ لِمَخْلُوقٍ قِنَاعَهْ
أَنَالَتْهُ الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ ... وَهَلْ عِزٌّ أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَهْ
فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالٍ ... وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ
(م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُوتَ» هُوَ قَدْرُ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ.
وَقِيلَ الْكِفَايَةُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ «آلِ مُحَمَّدٍ» لَعَلَّك عَرَفْت مَعْنَى الْآلِ فِيمَا قَبْلُ «كَفَافًا» قَدْرَ كِفَايَةٍ بِلَا زِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ أَوْ مَا يَقُوتُهُمْ وَيَكْفِيهِمْ بِحَيْثُ لَا يُشَوِّشُهُمْ الْجَهْدُ، وَلَا تُرْهِقُهُمْ، وَلَا تُذِلُّهُمْ الْمَسْأَلَةُ وَالْحَاجَةُ، وَلَا يَكُونُ فُضُولًا مُوجِبًا لِلسَّرَفِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا وَالرُّكُونِ إلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى زُهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى تَقَلُّلِهِ مِنْهَا، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إنَّ الْكَفَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقْرِ وَالْغِنَى كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُفْهِمِ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ عِنْدَ تَكَلُّمِ النَّاسِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ كِفَايَتَهُ ثُمَّ يُصَانَ فِيهَا وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْجَامِعِ «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنَعَ بِهِ» قَالَ فِي الْفَيْضِ سَلَكَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرِيقَ الِاقْتِصَادِ الْمَحْمُودِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُلْهِي، وَقِلَّتَهُ تُنْسِي فَمَا قَلَّ مِنْهُ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَفِي دُعَاءِ الْمُصْطَفَى بِهِ إرْشَادٌ لِأُمَّتِهِ كُلَّ الْإِرْشَادِ إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكَفَافِ بِكَثِيرٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْعَبَ الْعَاقِلُ فِي طَلَبِهَا لِكَوْنِهَا لَا خَيْرَ فِيهَا، وَحُكْمُ الْكَفَافِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَادُ الرِّيَاضَةَ حَتَّى أَنَّهُ يَأْكُلُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَكَفَافُهُ، وَقُوَّتُهُ تِلْكَ الْمَرَّةُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَكَفَافُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ فَتَرَ وَمِنْهُمْ كَثِيرُ الْعِيَالِ فَكَفَافُهُ مَا يَسُدُّ عِيَالَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ عِيَالُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ فَقَدْرُ الْكِفَايَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَمِقْدَارُهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَكِنَّ الْمَحْمُودَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْقِوَامُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَقَوْلُهُ «إنِّي أَسْأَلُك غِنَايَ وَغِنَى مَوْلَايَ» الْمُرَادُ غِنًى يَدْفَعُ الْفَاقَةَ فَقَطْ فَلَا يُخَالِفُهُ مَا هُنَا، وَقَوْلُهُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِك عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي» لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْكَفَافِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَوْلُهُ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَتَوَفَّنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» (ت عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَيْسَتْ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَا إضَاعَةِ الْمَالِ» بِبَذْلِهِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي «، وَلَكِنَّ الزُّهْدَ أَنْ تَكُونَ» أَيُّهَا الْعَاقِلُ «بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ» فِي خَزَائِنِ وَعْدِهِ وَقِسْمَتِهِ «أَوْثَقَ مِنْك بِمَا فِي يَدِك» ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِك يَنْقُصُ بِالْإِنْفَاقِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ فَوُثُوقُك بِمَا عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ وُثُوقِك بِمَا فِي يَدِك، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا عِنْدَ كَيْنُونَةِ مَجِيءِ الدُّنْيَا وَذَهَابِهَا عِنْدَك سِيَّيْنِ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْبِسْطَامِيَّ قَالَ مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ سِوَى شَابٍّ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ يَا أَبَا يَزِيدَ مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ قُلْت إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإِذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا فَقَالَ هَكَذَا كِلَابُ بَلْخٍ قُلْت فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ قَالَ إذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، وَإِذَا وَجَدْنَا آثَرْنَا قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ، وَقِيلَ مَنْ صَدَقَ فِي زُهْدِهِ أَتَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً؛ وَلِهَذَا قِيلَ لَوْ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَةٌ مِنْ السَّمَاءِ لَمَا وَقَعَتْ إلَّا عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا يُرِيدُهَا، وَفِيهَا أَيْضًا مَنْ تَكَلَّمَ فِي الزُّهْدِ وَوَعَظَ النَّاسَ ثُمَّ رَغِبَ فِي أَمْوَالِهِمْ رَفَعَ اللَّهُ حُبَّ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ.
وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ الزَّاهِدُ يَذْهَبُ كِيسُهُ قَبْلَ نَفْسِهِ وَالْمُتَزَهِّدُ يَذْهَبُ نَفْسُهُ قَبْلَ كِيسِهِ قِيلَ جَعَلَ اللَّهُ الشَّرَّ
стр. 642
كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مِفْتَاحَهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَجَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلَ مِفْتَاحَهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا «، وَأَنْ تَكُونَ» لِكَمَالِ إيمَانِك «فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إذَا أُصِبْت بِهَا» بُنِيَ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْأَدَبَ فِي مِثْلِهِ عَدَمُ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْهُ تَعَالَى «أَرْغَبَ مِنْك فِيهَا لَوْ أَنَّهَا بَقِيَتْ لَك» أَيْ كَوْنُ رَغْبَتِك فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ أَشَدَّ مِنْ رَغْبَتِك فِي مَحَلِّ الْمُصِيبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَقَاءِ، وَعَلَامَتُهُ عَدَمُ الرِّضَا بِمَحَلِّهَا مَعَ فَقْدِ الثَّوَابِ
(وَلْنَذْكُرْ مَا وَرَدَ فِي مَدْحِ الْفَقْرِ فَإِنَّ سَمَاعَهُ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الزُّهْدِ) وَالْفَقِيرُ فِي اللُّغَةِ مَنْ لَهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَعِنْدَ بَعْضٍ بِالْعَكْسِ، وَعِنْدَ الصُّوفِيَّةِ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَغْنِي إلَّا بِهِ، وَلَا يَسْتَرِيحُ إلَّا بِالْحُضُورِ مَعَهُ، وَعَلَامَتُهُ عَدَمُ الْأَسْبَابِ.
(ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ» بِأَيَّامِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧] وَنِصْفِ يَوْمٍ مَجْرُورٌ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ يَعْنِي خَمْسَمِائَةِ عَامٍ هُوَ نِصْفُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «أَرْبَعِينَ عَامًا» لِصَبْرِهِمْ عَلَى بَلْوَى الْفَقْرِ، وَلَا يَجْعَلُونَ فَقْرَهُمْ مَانِعًا لِطَاعَةِ رَبِّهِمْ بَلْ يَجْعَلُونَ الْغِنَى مَانِعًا فَلَا يَخْتَارُونَهُ مَعَ سُهُولَةِ سَبِيلِهِ، وَقِيلَ؛ لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ عَلَيْهِمْ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَطُولُ حِسَابُهُمْ فَتَسْبِقُ الْفُقَرَاءِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْفُقَرَاءِ فُقَرَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ حُبُّ اللَّهِ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْمَيْلِ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ ثُمَّ لَعَلَّ الْمُرَادَ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ مَعَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَعُمَّ إلَى الْفَقِيرِ الْغَيْرِ الصَّابِرِ مَعَ الْغَنِيِّ الْغَيْرِ الشَّاكِرِ، وَأَمَّا الصَّابِرُ مَعَ الْغَيْرِ الشَّاكِرِ فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ قُبُورِهِمْ لَهُمْ نُجُبٌ يَرْكَبُونَهَا لَهَا أَجْنِحَةٌ خُضْرٌ فَتَطِيرُ بِهِمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْتُوا عَلَى حِيطَانِ الْجَنَّةِ فَإِذَا رَأَتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَنْ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُونَ مَا نَدْرِي لَعَلَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْتِيهِمْ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُونَ مَنْ أَنْتُمْ وَمِنْ أَيِّ الْأُمَمِ أَنْتُمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ
стр. 643
فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ هَلْ حُوسِبْتُمْ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُولَانِ هَلْ وُزِنْتُمْ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُولُونَ هَلْ قَرَأْتُمْ كُتُبَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ ارْجِعُوا فَكُلُّ ذَلِكَ وَرَاءَكُمْ فَيَقُولُونَ هَلْ أَعْطَيْتُمُونَا شَيْئًا فَنُحَاسَبُ عَلَيْهِ» ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «مَا مَلَكْنَا فَنَعْدِلُ أَوْ نَجُورُ، وَلَكِنْ عَبَدْنَا رَبَّنَا حَتَّى دَعَانَا فَأَجَبْنَاهُ فَيُنَادِي مُنَادٍ صَدَقَ عِبَادِي» - ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]-.
وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا نُقِلَ عَنْ الْفَيْضِ عَنْ الْعَسْكَرِيّ عَنْ مُضَرَ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ» قَالَ الْمُرَادُ بِالْأَغْنِيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مِثْلَ عُثْمَانَ وَالزُّبَيْرِ وَابْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالَ مُضَرُ فَذَكَرْته لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ لَا يُسْأَلُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هَذَا إنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ. انْتَهَى.
كَأَنَّ ظَاهِرَهُ تَعْرِيضٌ عَلَى حَضْرَةِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا مَعْرِفَتُهُ أَحْكَامَ الْأَشْخَاصِ الدِّينِيَّةِ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مُتَبَادَرُ إطْلَاقِ ظَاهِرِهِ فَيُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ إذْ هُوَ يَسْتَلْزِمُ تَحْقِيرَ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَعَالِمِهَا، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ النُّصُوصِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مَعْرِفَتُهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ النُّصُوصَ، وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَمَعْرِفَةُ مَعَانِي أَلْفَاظِ النُّصُوصِ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ وَالْمُعَارِضِ وَالنَّسْخِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْوَاقِفُونَ عَلَى حَقِيقَةِ مُرَادِ الشَّارِعِ لَا غَيْرُهُمْ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ، وَقَدْ قَرَّرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ حَدِيثَ الْفَقِيهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ، وَأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ مِنْ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ إنَّمَا هِيَ عَنْ أَحْوَالِهِمَا الْحِسِّيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَعَنُّتٌ وَمُكَابَرَةٌ بَحْتٌ كَيْفَ، وَهُوَ أُسْتَاذُ عَامَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بَلْ كُلُّ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُ مِنْ عِيَالِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَلَوْ سُلِّمَ خَطَؤُهُ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ لَا يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ التَّشْنِيعِ بَلْ التَّأَدُّبُ لَازِمٌ فِي تَعْبِيرِ زَلَّاتِ الْكِبَارِ وَالِاعْتِذَارِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الْخَطَأِ مِنْ الرَّاوِي لَعَلَّهُ لَمْ يَضْبِطْهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْجَهْلِ إلَى مَنْ أُجْمِعَ عَلَى عُلُوِّهِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْكَذِبِ إلَى الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّبْكِيتِ وَالْإِلْزَامِ، وَإِلَّا فَقَوْلُ الْإِمَامِ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّ لَفْظَ الْأَغْنِيَاءِ فِي نَفْسِهِ مُتَبَادَرٌ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لَكِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ مَا هُوَ مِثْلُ عُثْمَانَ وَيُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِفُقَرَاءِ أُمَّتِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﵊ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْفَرِيقَانِ عَامَّانِ لِمَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ بِنِسْبَةِ كُلٍّ إلَى أَمْثَالِهِ فَالْفَقِيرُ الْمُمَاثِلُ لِلْغَنِيِّ فِي جَمِيعِ طَاعَاتِهِ سَابِقٌ عَلَى هَذَا الْغَنِيِّ لِفَقْرِهِ.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ» فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ.
، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» لَعَلَّ الْمُعْتَرِضَ مَقْصُورٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَاجْتَرَأَ عَلَى مَا أَجْتَرَأَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْفُقَرَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَصَرُوا احْتِيَاجَهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الدُّنْيَا، وَأَمْتِعَتِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فَمِثْلُ عُثْمَانَ لَا يَضُرُّ وَيُقَرِّبُهُ مَا يُقَالُ إنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ مَحَبَّةٌ لِلدُّنْيَا فَمِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْغَنِيَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَحَبَّةٌ لَهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لَفْظُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ الْوَاقِعَةِ فِي حَقِّ مِثْلِ عُثْمَانَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفَقْرُ شَيْنٌ عِنْدَ النَّاسِ وَزَيْنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ إلَى اللَّهِ بِبَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ لَا يَشْهَدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَالًا، وَلَا غِنًى، وَلَا مَالًا؛ وَلِلْفَقِيرِ مَعَ الرِّضَا فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَقَالَ عِنْدَ حَدِيثِ «الْفَقْرُ أَزْيَنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ الْعِذَارِ الْحَسَنِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» وَالْفَقْرُ عِنْدَ أَهْلِ التَّصَوُّفِ هُوَ الزُّهْدُ وَالْعِبَادَةُ، وَإِنْ ذَا مَالٍ وَغَيْرُهُ فَقِيرٌ، وَإِنْ فَقِيرًا.
وَقَالَ أَيْضًا عِنْدَ حَدِيثِ «الْفَقْرُ أَمَانَةٌ فَمَنْ كَتَمَهُ كَانَ عِبَادَةً» الْحَدِيثَ. الْفَقْرُ عِنْدَ الْمُتَصَوِّفَةِ الِانْقِطَاعُ إلَى اللَّهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الْفَقِيرِ إذَا كَانَ مَا ذُكِرَ كَانَ مَعْنَى الْغِنَى مُقَابِلَهُ عَلَى طَرِيقِ بَيَانِ الضَّرُورَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الزَّاهِدُونَ الْمُنْقَطِعُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالدُّنْيَا فَلَا غُبَارَ فِيهِ فَلَعَلَّ الْمُعْتَرِضَ حَمَلَهُ عَلَى هَذَا إذْ قِيلَ إنَّهُ أَيْ عَبْدَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ
стр. 644
(خ م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ» إمَّا فِي الْمِعْرَاجِ أَوْ بِالْكَشْفِ أَوْ فِي الْمَنَامِ أَوْ بِالْإِلْهَامِ «فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ» إمَّا مَالًا كَمَا هُوَ عِنْدَ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ زُهْدًا وَانْقِطَاعًا إلَى اللَّهِ كَمَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ كَفَى ذَا الْمَالِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْهِيرِ، وَلَوْلَا التَّدْنِيسُ بِهِ لَمْ تُطَهِّرْهُ الزَّكَاةُ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لِعَدَمِ تَدَنُّسِهِمْ إذْ هُمْ خُزَّانُ اللَّهِ وَأُمَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ وَلِلنَّاسِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ غَنِيٍّ شَاكِرٍ، وَفَقِيرٍ صَابِرٍ مَعَارِكُ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَتْقَاهُمَا فَإِنْ اسْتَوَيَا اسْتَوَيَا - ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]- كَذَا فِي الْفَيْضِ أَقُولُ، وَقَدْ سَمِعْت أَيْضًا فَضْلَ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ عَنْ بَحْرِ الْكَلَامِ، وَفَضْلَ الْكَفَافِ مِنْهُمَا عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ قِيلَ الْغَنِيُّ أَفْضَلُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي ضَعْفِ الْفَقْرِ مَعَ مَزِيَّةِ الْغَنِيِّ بِالْخَيْرَاتِ، وَقِيلَ الْفَقْرُ أَفْضَلُ فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ هُوَ مَحَبَّةُ الدُّنْيَا وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْفَقْرَ أَبْعَدُ عَلَى الْخَطَرِ، وَقَالُوا مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ «وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» لِعَدَمِ صَبْرِهِنَّ عَلَى الشِّدَّةِ، وَعَدَمِ شُكْرِهِنَّ فِي الرَّخَاءِ وَكُفْرَانِهِنَّ النِّعْمَةَ وَكَثْرَتِهِنَّ اللَّعْنَ وَغَلَبَةِ الْهَوَى فِيهِنَّ وَمَيْلِهِنَّ إلَى زُخْرُفِ الدُّنْيَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ مَفَاخِرِ الْآخِرَةِ أَغْلَبُ لِضَعْفِ عَقْلِهِنَّ وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهِنَّ، وَعُورِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِنَّ فِي النَّارِ أَمَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ فَالنِّسَاءُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ زَوْجَتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَسَبْعِينَ مِنْ الْحَوَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَعُورِضَ بِخَبَرِ «رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وَأُجِيبَ أَنَّ كَثْرَتَهُنَّ فِي النَّارِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَكَثْرَتَهُنَّ فِي الْجَنَّةِ مِنْ نِسَاءِ الْآخِرَةِ، وَفِيهِ أَيْضًا حَثٌّ عَلَى التَّقَلُّلِ مِنْ الدُّنْيَا وَتَحْرِيضُ النِّسَاءِ عَلَى التَّقْوَى وَالْمُحَافَظَةِ فِي الدِّينِ عَلَى السَّبَبِ الْأَقْوَى، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ الْآنَ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأَغْنِيَاءُ بَدَلُ النِّسَاءِ، وَفِي أُخْرَى بِهِمَا مَعًا.
(مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ» أَيْ الْمُتَكَلِّفَ فِي الْعِفَّةِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ، وَعَنْ إذْلَالِ نَفْسِهِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَالسَّعْيِ فِي خِدْمَةِ أَهْلِهَا (أَبَا الْعِيَالِ) ثِقَةٌ بِضَمَانِ مَوْلَاهُ لَعَلَّ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ أَوْ لِلتَّلَهِّي وَالِادِّخَارِ، وَإِلَّا جَاءَ فِي الْأَثَرِ «مَنْ جَاعَ فَلَمْ يَسْأَلْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» ، وَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى وَالْخَضِرُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧]- وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَدَّادِيُّ شَيْخُ الْجُنَيْدِ يَسْأَلُ مِنْ بَابٍ أَوْ مِنْ بَابَيْنِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَكَانَ لَهُ مَقَامٌ فِي الزُّهْدِ وَالتَّوَكُّلِ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ آدَمَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا بِجَامِعِ الْبَصْرَةِ مُدَّةً وَكَانَ يُفْطِرُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَيْلَةً، وَلَيْلَةُ إفْطَارِهِ يَطْلُبُ مِنْ الْأَبْوَابِ وَالثَّوْرِيُّ يَسْأَلُ فِي بَوَادِي الْحِجَازِ إلَى صَنْعَاءَ قَالَ كُنْت أَذْكُرُ لَهُمْ حَدِيثًا فِي الضِّيَافَةِ فَيُخْرِجُونَ إلَيَّ طَعَامًا فَأَتَنَاوَلُ مِنْهُ حَاجَتِي، وَأَتْرُكُ مَا بَقِيَ قَالَ بِشْرٌ الْحَافِي مَا سَأَلْت قَطُّ أَحَدًا إلَّا السَّرَقُسْطِيَّ؛ لِأَنَّهُ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا وَيَفْرَحُ بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ وَيَتَبَرَّمُ بِبَقَائِهِ عِنْدَهُ، كُلُّهُ مِنْ شَرْحِ الْحِكَمِ.
وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ مَكَثَ أَبُو حَفْصٍ الْحَدَّادُ عِشْرِينَ سَنَةً يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ بِدِينَارٍ وَيُنْفِقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَيَصُومُ وَيَخْرُجُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَبْوَابِ (طب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُتْ فَقِيرًا» دُمْ عَلَى الْفَقْرِ لِتَمُوتَ عَلَيْهِ
стр. 645
وَعَنْ إِسْحَاقَ الْهَرَوِيِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ الشَّرَفَ كُلَّ شَرَفٍ فَلْيَخْتَرْ سَبْعًا عَلَى سَبْعٍ فَإِنَّ الصَّالِحِينَ اخْتَارُوهَا حَتَّى بَلَغُوا سَنَامَ الْخَيْرَاتِ يَخْتَارُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَالْجُوعَ عَلَى الشِّبَعِ وَالدُّونَ عَلَى الْمُرْتَفِعِ وَالذُّلَّ عَلَى الْعِزِّ وَالتَّوَاضُعَ عَلَى الْكِبْرِ وَالْحُزْنَ عَلَى الْفَرَحِ وَالْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ؛ وَلِذَا كَانَ السَّلَفُ يَفِرُّونَ إلَى الْفَقْرِ وَالْبَلْوَى كَمَا فَرَرْنَا مِنْهُمَا وَكَمَا حُكِيَ عَنْ خَيْرِ النُّسَّاجِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت بَعْضَ الْمَسَاجِدِ فَإِذَا فِيهِ فَقِيرٌ فَلَمَّا رَآنِي تَعَلَّقَ بِي، وَقَالَ أَيُّهَا الشَّيْخُ تَعَطَّفْ عَلَيَّ فَإِنَّ مِحْنَتِي عَظِيمَةٌ فَقُلْت وَمَا هِيَ قَالَ فَقَدْت الْبَلَاءَ، وَقُرِنْت بِالْعَافِيَةِ فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ قَدْ فُتِحَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْفَقِيرَ الصَّادِقَ لَيَحْتَرِزُ مِنْ الْغِنَى حَذَرَ أَنْ يَدْخُلَهُ فَيُفْسِدَ عَلَيْهِ فَقْرَهُ كَمَا أَنَّ الْغَنِيَّ يَحْتَرِزُ مِنْ الْفَقْرِ حَذَرَ أَنْ يَدْخُلَهُ فَيُفْسِدَ عَلَيْهِ غِنَاهُ.
ثُمَّ إنَّمَا أَوْصَى بِدَوَامِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ طَهَارَةِ السِّرِّ وَصَفَاءِ الْقَلْبِ بِالْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِنَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِهِمَا شَهْوَةٌ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْفَاقَاتِ لِتَبَايُنِهَا لِنَحْوِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، وَقِيلَ إنَّ بِنْتَ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ عَرِيَتْ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَطْلُبُ مَنْ يَكْسُوهَا فَقَالَ لَا دَعْهَا حَتَّى يَرَى اللَّهُ صَبْرِي عَلَيْهَا قَالَ فَكَانَ إذَا كَانَ لَيَالِي الشِّتَاءِ جَمَعَ عِيَالَهُ وَرَمَى بِكِسَائِهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَفْقَرْتنِي، وَأَفْقَرْت عِيَالِي، وَأَعْرَيْتنِي، وَأَعْرَيْت عِيَالِي وَجَوَّعْتنِي وَجَوَّعْت عِيَالِي بِأَيِّ وَسِيلَةٍ تَوَسَّلْت إلَيْك، وَإِنَّمَا تَفْعَلُ هَذَا بِأَوْلِيَائِك، وَأَحِبَّائِك فَهَلْ أَنَا مِنْهُمْ حَتَّى أَفْرَحَ وَمِثْلُهُ عَنْ الْفُضَيْلِ أَنَّهُ بَكَى فِي لَيْلَةٍ فَقَالَ إلَهِي أَفْقَرْتنِي، وَأَقْعَدْتنِي، وَأَقْعَدْت عِيَالِي فِي بَيْتٍ لَيْسَ بِهِ مِصْبَاحٌ، وَقَدِيمًا تَفْعَلُ هَذَا بِأَوْلِيَائِك، وَأَهْلِ طَاعَتِك إلَهِي فَبِأَيِّ عَمَلٍ اسْتَحْقَقْت هَذَا حَتَّى أَدُومَ عَلَيْهِ.
«، وَلَا تَمُتْ غَنِيًّا» قِيلَ لَا تُخَالِطْ الْغَنِيَّ، وَلَا تُلَابِسْهُ أَبَدًا فَتَمُوتَ عَلَيْهِ. (طصس) الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «لَمْ يَكُنْ يُنْخَلْ» عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ «لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدَّقِيقُ» نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَكَانَ دَقِيقُهُ الشَّعِيرَ «، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قَمِيصٌ وَاحِدٌ» إعْرَاضًا عَنْ زَهَرَاتِ الدُّنْيَا لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى أَكْثَرَ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي شِفَاءِ عِيَاضٍ رُوِيَ «أَنَّ جَبْرَائِيلَ ﵊ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ وَيَقُولُ أَيُحِبُّ حَبِيبِي أَنْ أَجْعَلَ هَذِهِ الْجِبَالَ ذَهَبًا وَتَكُونَ مَعَك حَيْثُمَا كُنْتَ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ يَا جَبْرَائِيلُ إنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَبِهَا يَغْتَرُّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ إنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَشْبَعَ يَوْمًا، وَأَجُوعَ يَوْمًا فَإِذَا جُعْت تَضَرَّعْت، وَإِذَا شَبِعْت شَكَرْت فَقَالَ جَبْرَائِيلُ ثَبَّتَك اللَّهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ» .
وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا مَلَكْت قَمِيصَيْنِ، وَعَنْ بَعْضٍ رَأَيْت كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَامَتْ فَيُقَالُ أَدْخِلُوا مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ الْجَنَّةَ فَنَظَرْت أَيُّهُمَا يَتَقَدَّمُ فَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ فَسَأَلْت عَنْ سَبَبِهِ فَقِيلَ إنَّهُ كَانَ لَهُ قَمِيصٌ وَاحِدٌ؛ وَلِمَالِكٍ قَمِيصَانِ، وَعَنْ الْعَوَارِفِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَقَدْ رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ يُصَلُّونَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ أَحَدُهُمْ قَبَضَ بِيَدَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَقِيَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَإِذَا نَامُوا يُلْصِقُونَ جُنُوبَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ بِلَا حَائِلٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِشْكَاةِ، وَعَنْ جَامِعِ الشُّرُوحِ
стр. 646
مِنْ شُرُوحِ الشِّرْعَةِ أَنَّهُ اُتُّفِقَ «لَهُ ﵊ ثَوْبَانِ، وَهَبَ أَحَدَهُمَا لِفَقِيرٍ حَذَرًا مِنْ الْإِسْرَافِ أَوْ سُوءِ الْحِسَابِ» ، وَعَنْ الْحَرِيرِيِّ أَنَّهُ رَأَى فِي جَامِعِ بَغْدَادَ رَجُلًا لَا يَلْبَسُ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ دَائِمًا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَامِ أَنِّي دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ فُقَرَائِنَا عَلَى مَائِدَةٍ، وَأَرَدْت أَنْ أَجْلِسَ مَعَهُمْ فَمَنَعَنِي الْمَلَائِكَةُ، وَقَالُوا هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَك قَمِيصَانِ فَانْتَبَهْت وَنَذَرْت بِلُبْسِ ثَوْبٍ وَاحِدِ إلَى أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى كَمَا رُوِيَ عَنْ الْعَوَارِفِ.
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ إلَّا عَارِيَّةً وَالْبِسْطَامِيُّ كَانَ قَمِيصُهُ يَوْمَ مَوْتِهِ عَارِيَّةً فَرَدُّوهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَعَنْ الْبَعْضِ لَا يَلْبَسُ إلَّا مُسْتَأْجَرًا، وَلَا يَلْبَسُ عَلَى مِلْكٍ.
وَفِي الْمِشْكَاةِ لَقَدْ تَفَضَّلْتَ عَلَيْنَا بِأَنْ لَبِسْتَ أَلْوَانًا مِنْ الْمَلْبَسِ وَأَنَّنِي كَالسَّيْفِ فِي عُرْيِهِ، وَأَنْتَ مِثْلُ الْبَصَلِ الْمُكْتَسِي.
وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ لَهُ ﵊ ثَوْبًا آخَرَ يَلْبَسُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْوُفُودِ، وَقَدْ قَالَ التتارخانية «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَرُبَّمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمًا، وَعَلَيْهِ رِدَاءُ خَزٍّ فَقَالَ ﵊ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى آثَارَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ يَرْتَدِي بِرِدَاءٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَيَقُولُ لِتَلَامِذَتِهِ إذَا رَجَعْتُمْ إلَى أَوْطَانِكُمْ فَالْبَسُوا الثِّيَابَ النَّفِيسَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْخَسِيسَةَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إلَيْكُمْ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ فَهُوَ مَعَ زَهَادَتِهِ وَوَرَعِهِ كَانَ يُوصِيهِمْ بِذَلِكَ.
وَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ يَلْبَسُ النَّفِيسَةَ وَيَقُولُ لِي نِسَاءٌ وَجِوَارِي فَأَتَزَيَّنُ كَيْ لَا يَنْظُرْنَ إلَى غَيْرِي، وَعَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ سِنْجَابًا وَكَانَ عَلَى الضَّحَّاكِ قَلَنْسُوَةُ سَمُّورٍ فَبِمَا ذُكِرَ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مِثْلِ لُبْسِهِ قَمِيصًا وَاحِدًا فَقَطْ وَبَيْنَ لُبْسِهِ نَحْوَ رِدَاءٍ ذِي قِيمَةٍ كَثِيرَةٍ إذْ الْقَمِيصُ الْوَاحِدُ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِ عُرُوضِ الْخَارِجِ وَكَوْنُ الرِّدَاءِ عِنْدَ عُرُوضِ دَاعٍ مِنْ الْخَارِجِ كَبَيَانِ أَصْلِ جَوَازِهِ لِأُمَّتِهِ وَتَزَيُّنِهِ لِنِسْوَانِهِ، وَإِلْقَاءِ مَهَابَةِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَعَدَمِ نَظَرِ الْخَلْقِ إلَيْهِ بِنَظَرِ الْحَقَارَةِ وَالْهَوَانِ وَتَحْدِيثِ النِّعْمَةِ.
ثُمَّ فِي التتارخانية أَيْضًا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا رُقْعَةٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ ثِيَابًا نَفِيسَةً وَاتَّخَذَ أَلْوَانًا مِنْ الْأَطْعِمَةِ لَاقْتَدَى بِهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ فَيَظْلِمُونَ لَعَلَّ تَفْصِيلَهُ مَا فِي نَحْوِ كِتَابِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمًا تَشَاوَرُوا، وَقَالُوا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا دِيَارَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَطَرَفَيْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَوُفُودُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ يَأْتُونَ عُمَرَ فَيَرَوْنَ جُبَّتَهُ الَّتِي لَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً فَلْنَسْأَلْهُ حَتَّى يُغَيِّرَ بِثَوْبٍ لَيِّنٍ يُهَابُ فِيهِ مَنْظَرُهُ وَيُغْدَى عَلَيْهِ بِجَفْنَةٍ مِنْ الطَّعَامِ يَأْكُلُهُ مَعَ بَعْضِ الْكِبَارِ فَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا إلَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ لَسْت بِفَاعِلٍ ذَلِكَ فَأَشَارَ إلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلُوا عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ فَأَجَابَتَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَضَى إلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُرِدْ الدُّنْيَا، وَلَمْ تُرِدْهُ وَكَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ فُتِحَ عَلَى يَدَيْك كُنُوزُ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ وَحُمِلَ إلَيْك أَمْوَالُهُمْ وَكَذَا طَرَفَا الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَرُسُلُ الْعَجَمِ وَوُفُودُ الْعَرَبِ يَرِدُونَ إلَيْك، وَعَلَيْك هَذِهِ الْجُبَّةُ فَلَوْ غَيَّرْتهَا بِلَيِّنٍ لَحَصَلَ مَهَابَةُ الْإِسْلَامِ وَيُغْدَى بِجَفْنَةِ الطَّعَامِ فَتَأْكُلُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَبَكَى عُمَرُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ تَعْلَمِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبِعَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةً أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَشَاءٍ وَغَدَاءٍ حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتَا لَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ هَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ ﵊ قُرِّبَ إلَيْهِ طَعَامٌ عَلَى مَائِدَةٍ فِي ارْتِفَاعِ شِبْرٍ أَمَا كَانَ يَأْمُرُ بِالطَّعَامِ فَيُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَأْمُرُ بِالْمَائِدَةِ فَتُرْفَعُ قَالَتَا نَعَمْ أَنْتُمَا زَوْجَتَاهُ ﵊ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَتَيْتُمَانِي تُرَغِّبَانِنِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ ﵊ لَبِسَ جُبَّةً مِنْ الصُّوفِ فَرُبَّمَا حَكَّ جِلْدَهُ مِنْ خُشُونَتِهَا
стр. 647
قَالَتَا نَعَمْ فَهَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَرْقُدُ عَلَى عَبَاءَةٍ عَلَى طَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ لَهُ مِسْحٌ فِي بَيْتِك يَا عَائِشَةُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ بِسَاطًا وَبِالنَّهَارِ فِرَاشًا فَنَدْخُلُ عَلَيْهِ فَنَرَى أَثَرَ الْحَصِيرِ عَلَى جَنْبِهِ أَلَا يَا حَفْصَةُ أَنْتِ حَدَّثْتنِي أَنَّك ثَنَيْت الْمِسْحَ لَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَوَجَدَ لِينَهُ فَرَقَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا بِأَذَانِ بِلَالٍ يَا حَفْصَةُ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَغْفُورًا لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَمْسَى جَائِعًا وَرَقَدَ سَاجِدًا، وَلَمْ يَزَلْ رَاكِعًا سَاجِدًا وَبَاكِيًا وَمُتَضَرِّعًا فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا أَكَلَ عُمَرُ طَيِّبًا، وَلَا لَبِسَ لَيِّنًا، وَلَهُ أُسْوَةٌ بِصَاحِبَيْهِ، وَلَا جَمَعَ بَيْنَ إدْمَيْنِ إلَّا الْمِلْحَ وَالزَّيْتَ، وَلَا أَكَلَ لَحْمًا إلَّا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً حَتَّى يَنْقَضِيَ مَا انْقَضَى مِنْ الْقَوْلِ قَالَتَا فَخَرَجْنَا فَخَبَّرْنَا بِذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ » .
(طب عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ «مَا كَانَ يَبْقَى عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ قَلِيلٌ، وَلَا كَثِيرٌ» وَكَلِمَةُ كَانَ لِلِاسْتِمْرَارِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيثَارِ الْفَقْرِ بِوَجْهَيْنِ قِلَّةُ الطَّعَامِ، وَإِيثَارُ الشَّعِيرِ.
وَفِي الشِّرْعَةِ فَمِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ أَكْلُ خُبْزِ الشَّعِيرِ فَذَلِكَ أَكْثَرُ طَعَامِهِمْ «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَشْبَعُ مِنْهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ» فَلَا يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ إلَّا مِنْهُ أَوْ يَخْلِطُ بُرًّا بِالشَّعِيرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إلَى الْأَجَلِ وَالْمُعَارَضَةُ أَيْ بَيْعُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ» . (ط عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ، وَقَدْ رَقَّعَ) فِي ثَوْبِهِ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تُجْعَلُ مَكَانَ الْقَطْعِ مِنْ الثَّوْبِ (ثَلَاثَ لِبَدٍ) أَيْ صَارَ مُلْبَدًا مُلْصَقًا كَاللِّبَدِ (بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ) ، وَهَذَا مِنْ زُهْدِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ سَمِعْت قَرِيبًا أَنَّ خَزَائِنَ مُلُوكِ الدُّنْيَا كَقَيْصَرَ وَكِسْرَى فِي يَدِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِلْغَيْرِ بِمَا هُوَ اللَّائِقُ لِلْإِنْسَانِ أَوْ لِمَنْ هُوَ خَلِيفَةٌ بَعْدَهُ إذْ فُرَصُ الدُّنْيَا غَالِيَةٌ فِي مَقَامِهِمْ فَيَرَوْنَهُ أَوْ يَسْمَعُونَهُ فَيَقْتَدُونَ بِهِ فَلَا يَظْلِمُونَ الرَّعَايَا، وَلَا يَطْمَعُونَ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ لِتَحْصِيلِ الْمَلَابِسِ النَّفِيسَةِ وَكَذَا الْمَآكِلَ اللَّطِيفَةَ وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت عُمَرَ، وَعَلَيْهِ مُرَقَّعَةٌ فِيهَا سَبْعَ عَشْرَةَ رُقْعَةً فَانْصَرَفَ إلَى بَيْتِي بَاكِيًا ثُمَّ عُدْت فِي طَرِيقِي فَإِذَا عُمَرُ، وَعَلَى عَاتِقِهِ قِرْبَةُ مَاءٍ، وَهُوَ يَتَخَلَّلُ النَّاسَ فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَا تَتَكَلَّمْ، وَأَقُولُ لَك فَسِرْت مَعَهُ حَتَّى صَبَّهَا فِي بَيْتِ عَجُوزٍ، وَعُدْنَا إلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِي إنَّهُ حَضَرَنِي بَعْدَ مُضِيِّك رَسُولُ الرُّومِ وَرَسُولُ الْفُرْسِ فَقَالُوا لِلَّهِ دَرُّك يَا عُمَرُ قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عِلْمِك، وَفَضْلِك، وَعَدْلِك فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِي تَدَاخَلَنِي مَا تَدَاخَلَ الْبَشَرَ فَقُمْت فَعَلْت بِنَفْسِي مَا فَعَلْت، وَفِي الِاحْتِسَابِ رَسُولُ مَلِكِ الرُّومِ جَاءَ بِهَدَايَا فَلَمْ يَجِدْ عُمَرُ فِي بَيْتِهِ وَبَيْتُهُ صَغِيرٌ مُسَوَّدٌ لِطُولِ الزَّمَانِ، وَقِيلَ إنَّهُ فِي السُّوقِ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ فَطَلَبَهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ تَحْتَ ظِلِّ حَائِطٍ مُتَوَسِّدٌ بِالدِّرَّةِ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ عَدَلْت فَأَمِنْت وَأُمَرَاؤُنَا ظَلَمُوا فَاحْتَاجُوا إلَى الْحُصُونِ وَالْجُيُوشِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ أَنَّ زَوْجَةَ عُمَرَ اسْتَقْرَضَتْ دِينَارًا وَاشْتَرَتْ بِهِ عِطْرًا فِي قَوَارِيرَ، وَأَرْسَلَتْهُ هَدِيَّةً إلَى زَوْجَةِ مَلِكِ الرُّومِ، وَأَرْسَلَتْ الزَّوْجَةُ إلَى زَوْجَةِ عُمَرَ جَوَاهِرَ فَلَمَّا أَخْبَرَتْ عُمَرَ أَخَذَهَا فَبَاعَهَا وَدَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ دِينَارًا وَجَعَلَ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَكَذَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا اشْتَرَى قَمِيصًا فِي خِلَافَتِهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَكَانَ
стр. 648
كُمُّهُ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ خَلْوَقَتِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا لِأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ لِمَ لَا تَلْبَسُ جَيِّدًا قَالَ أَنَا الْيَوْمَ عَبْدٌ أَلْبَسُ لِبَاسَ الْعَبْدِ وَغَدًا إذَا أَعْتَقَنِي مَوْلَايَ يُلْبِسُنِي جَدِيدًا جَيِّدًا (ت عَنْ أَبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُوعَ) لِيَدْعُوَ لَنَا بِدَفْعِ الْجُوعِ وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ (وَرَفَعْنَا ثِيَابَنَا عَنْ حَجَرٍ حُجِرَ إلَى بُطُونِنَا» مِنْ قَبِيلِ التَّوْزِيعِ أَيْ رَفَعَ كُلٌّ مِنَّا ثَوْبَهُ عَنْ حَجَرٍ مُلْصَقٍ وَمُنْضَمٍّ إلَى بَطْنِهِ «فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حَجَرَيْنِ» عَادَةُ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ إذَا اشْتَدَّ جُوعُهُمْ أَنْ يَرْبِطُوا عَلَى بَطْنِهِمْ حَجَرًا كَيْ لَا يَسْتَرْخِيَ فَتَشُقَّ عَلَيْهِمْ الْحَرَكَةُ فَبِالشَّدِّ تَسْهُلُ الْحَرَكَةُ وَمَنْ جُوعُهُ أَشَدُّ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ ﵊ جَاءَ إلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ فَشَكَتْ مِنْ الْجُوعِ فَقَالَتْ عَقَدْت عَلَى بَطْنِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ كُلٌّ لِجُوعِ يَوْمٍ فَكَشَفَ ﵊ عَنْ بَطْنِهِ الشَّرِيفِ فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَحْجَارٍ» . وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ «أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَاءَ فِي لَيْلٍ إلَى مَنْزِلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ لَيْسَ غَيْرُ الْجُوعِ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَقَالَ ﵊ أَنَا مِثْلُكُمْ فِي الِابْتِلَاءِ بِالْجُوعِ فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَقَدَ أَحْجَارًا فَقَالَ مُنْذُ أَيَّامٍ لَمْ آكُلْ شَيْئًا» .، وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ وَجَبْرَائِيلُ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا جَبْرَائِيلُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى لِآلِ مُحَمَّدٍ سَفٌّ مِنْ دَقِيقٍ، وَلَا كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَزَّةً فِي السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ فَقَالَ ﵊ أَمَرَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ قَالَ لَا، وَلَكِنْ أَمَرَ إسْرَافِيلَ فَنَزَلَ إلَيْك حِينَ سَمِعَ كَلَامَك فَأَتَاهُ إسْرَافِيلُ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ مَا ذَكَرْت فَبَعَثَنِي إلَيْك بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْك أَنْ أُسَيِّرَ مَعَك جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا وَيَاقُوتًا وَذَهَبًا، وَفِضَّةً فَإِذَا أَرَدْت فَعَلْت فَإِنْ شِئْت نَبِيًّا مَلِكًا، وَإِنْ شِئْت نَبِيًّا عَبْدًا فَأَوْمَأَ إلَيْهِ جَبْرَائِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ فَقَالَ بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا ثَلَاثًا» .
(خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا) لِلطَّبْخِ (إنَّمَا هُوَ) طَعَامُنَا بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ (التَّمْرُ وَالْمَاءُ إلَّا أَنْ نُؤْتَى) مِنْ قِبَلِ الْجِيرَانِ (بِاللُّحَيْمِ) تَصْغِيرُ اللَّحْمِ لِلتَّقْلِيلِ (وَفِي رِوَايَةٍ «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ ثَلَاثًا حَتَّى مَضَى سَبِيلَهُ» أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَفِي أُخْرَى «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»
стр. 649
وَعَنْ الْعَوَارِفِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الصُّفَّةِ «جِئْنَا جَمَاعَةً إلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْرَقَ بُطُونَنَا التَّمْرُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ أَحْرَقَ بُطُونَنَا التَّمْرُ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ أَنَّهُ مُنْذُ شَهْرَيْنِ لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ دُخَانٌ لِلْخَبْزِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ» (ز) الْبَزَّارُ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا» صَعْبَةً شَدِيدَةً «، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا كُلُّ مُخِفٍّ» أَيْ خَفِيفُ الْحِمْلِ مِنْ الذُّنُوبِ أَوْ مِنْ الدُّنْيَا وَالْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقَبَةِ مَنَازِلُ الْآخِرَةِ، وَأَهْوَالُهَا وَشَدَائِدُهَا.
وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْهُ ﵊ «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ وَمِفْتَاحُ الْجَنَّةِ حُبُّ الْمَسَاكِينِ، وَالْفُقَرَاءُ الصُّبُرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَقِيلَ إنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ أَدْهَمَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَبَى، وَقَالَ تُرِيدُ أَنْ تَمْحُوَا اسْمِي مِنْ دِيوَانِ الْفُقَرَاءِ لَا أَفْعَلُ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ الْقَصَّارِ الْفَقْرُ لِبَاسٌ يُورِثُ الرِّضَا إذَا تَحَقَّقَ الْعَبْدُ فِيهِ وَسُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ عَنْ مِسْحٍ وَقَلَنْسُوَةٍ عَلَى طَرِيقِ اللَّطِيفَةِ بِكَمْ اشْتَرَيْت قَالَ اشْتَرَيْته بِالدُّنْيَا فَطُلِبَ بِالْآخِرَةِ فَلَمْ أَبِعْهُ، وَعَنْ حَمْدُونَ الْقَصَّارِ إذَا اجْتَمَعَ إبْلِيسُ وَجُنُودُهُ لَمْ يَفْرَحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا وَرَجُلٌ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ وَرَجُلٌ فِي قَلْبِهِ خَوْفُ الْفَقْرِ، وَعَنْ الْجُنَيْدِ يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ إنَّكُمْ تُكْرَمُونَ بِاَللَّهِ وَتُعْرَفُونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا خَلَوْتُمْ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ لَأَنْ أَقَعَ مِنْ فَوْقِ قَصْرٍ فَأَتَحَطَّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْغِنَى؛ لِأَنِّي سَمِعْت مِنْهُ ﵊ «إيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ الْمَوْتَى» يَعْنِي الْأَغْنِيَاءَ، وَعَنْ ابْنِ أَدْهَمَ طَلَبْنَا الْفَقْرَ فَاسْتَقْبَلَنَا الْغِنَى وَطَلَبَ النَّاسُ الْغِنَى فَاسْتَقْبَلَهُمْ الْفَقْرُ، وَعَنْ ابْنِ الْكَرِيمِيِّ أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّادِقَ لَيَحْتَرِزُ مِنْ الْغِنَى لِئَلَّا يُفْسِدَ فَقْرَهُ كَالْغَنِيِّ الْمُحْتَرِزِ مِنْ الْفَقْرِ لِئَلَّا يُفْسِدَ غِنَاهُ.
وَعَنْ سَهْلٍ: خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ فَقِيرٌ يُظْهِرُ الْغِنَى وَجَائِعٌ يُظْهِرُ الشِّبَعَ وَمَحْزُونٌ يُظْهِرُ الْفَرَحَ وَرَجُلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ عَدَاوَةٌ فَيُظْهِرُ الْمَحَبَّةَ وَرَجُلٌ يَصُومُ بِالنَّهَارِ وَيَقُومُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُظْهِرُ ضَعْفًا، وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ أَحْسَنُ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى مَوْلَاهُ دَوَامُ الْفَقْرِ إلَيْهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَمُلَازَمَةُ السُّنَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَطَلَبُ الْقُوتِ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ. وَقِيلَ مَنْ طَلَبَ الْفَقْرَ لِشَرَفِ الْفَقْرِ مَاتَ فَقِيرًا وَمَنْ طَلَبَ الْفَقْرَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَاتَ غَنِيًّا، وَقِيلَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ إنْ أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ رِضَايَ عَنْك فَانْظُرْ كَيْفَ رِضَا الْفُقَرَاءِ عَنْك، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَاتِبِ كَانَ عِنْدَنَا بِمَكَّةَ فَتًى عَلَيْهِ أَطْمَارٌ رَثَّةٌ وَكَانَ لَا يُدَاخِلُنَا، وَلَا يُجَالِسُنَا فَوَقَعَتْ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِي فَفُتِحَ لِي بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ فَوَضَعْتهَا عَلَى سَجَّادَتِهِ فَنَظَرَ إلَيَّ شَزْرًا ثُمَّ قَالَ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْجَلْسَةَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْقِنَاعِ وَالْفَرَاغِ بِسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ غَيْرَ الضِّيَاعِ وَالْمُسْتَغِلَّاتِ تُرِيدُ أَنْ تَخْدَعَنِي عَنْهَا بِهَذِهِ، وَقَامَ يَرُدُّهَا، وَقَعَدْت أَلْتَقِطُ فَمَا رَأَيْت كَعِزِّهِ حَيْثُ مَرَّ وَكَذُلِّي حَيْثُ كُنْت أَلْتَقِطُهَا.
وَقَالَ بُنَانٌ الْمِصْرِيُّ يَقُولُ كُنْت بِمَكَّةَ قَاعِدًا وَشَابٌّ بَيْنَ يَدَيَّ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ وَحَمَلَ إلَيْهِ كِيسًا فِيهِ دَرَاهِمُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي
стр. 650
فِيهِ فَقَالَ فَرِّقْهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَفَرَّقَهُ فَلَمَّا كَانَ الْعِشَاءُ رَأَيْته فِي الْوَادِي يَطْلُبُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَقُلْت لَوْ تَرَكْت لِنَفْسِك مِمَّا كَانَ مَعَك شَيْئًا فَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنِّي أَعِيشُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ انْتَهَى كَلَامُ الْقُشَيْرِيَّةِ.
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْإِسْرَاف]
(وَأَمَّا الْإِسْرَافُ) الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ (فَفِيهِ خَمْسَةُ مَبَاحِثَ.) (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ) : (فِي ذَمِّهِ وَغَوَائِلِهِ) الثَّانِي فِي سَبَبِ مَذْمُومِيَّتِهِ.
الثَّالِثُ فِي أَصْنَافِهِ.
الرَّابِعُ فِي وُقُوعِهِ فِي الصَّدَقَةِ.
الْخَامِسُ فِي عِلَاجِهِ. (اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْرَافَ حَرَامٌ قَطْعِيٌّ) لِثُبُوتِهِ بِقَطْعِيٍّ (وَمَرَضٌ قَلْبِيٌّ وَخُلُقٌ رَدِيءٌ) دَنِيءٌ (وَلَا تَظُنِّنَّ أَنَّهُ أَدْنَى كَثِيرًا) فِي الْقُبْحِ (مِنْ الْبُخْلِ) وَذَلِكَ الظَّنُّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (بِسَبَبِ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّهِ بِخِلَافِ الْإِسْرَافِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِ أَكْثَرِ الطِّبَاعِ مَائِلَةً إلَى الْإِمْسَاكِ) عَنْ الْإِنْفَاقِ (فَاحْتَاجَ) الْإِمْسَاكُ لِذَلِكَ (إلَى كَثْرَةِ الرَّوَادِعِ) الزَّوَاجِرِ حَتَّى تَنْفِرَ مِنْهُ وَتَشْتَاقَ إلَى الْإِنْفَاقِ (كَمَا أَنَّ الْبَوْلَ فِي حُرْمَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ أَشَدُّ مِنْ الْخَمْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ تَرْتَفِعُ بِالِاسْتِخْلَالِ وَانْقِلَابِهِ خَلًّا بِخِلَافِ الْبَوْلِ (مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ) فِي الشَّرْعِ (مَا وَرَدَ فِي الْخَمْرِ، وَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ حَدٌّ) ؛ لِأَنَّ تَشَهِّيَ الطَّبْعِ وَمَيْلَهُ إلَى الْخَمْرِ اقْتَضَى كَثْرَةَ التَّأْكِيدِ وَالتَّكْرِيرِ فِي زَجْرِهِ إلَى أَنْ يُشْرَعَ الْحَدُّ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فَلِكَوْنِ الطَّبْعِ فِي نَفْسِهِ نَافِرًا وَمُتَوَحِّشًا مِنْهُ لَمْ يَقْتَضِ مِثْلَ الْخَمْرِ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَهُ فِي الْحُرْمَةِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ الرَّادِعُ الطَّبْعِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّادِعِ الشَّرْعِيِّ (وَحَسْبُك) أَيْ كَافِيك (فِي الْإِسْرَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] حَيْثُ عَلَّلَ الْإِسْرَافَ بِعَدَمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا شَيْءَ أَقْبَحُ مِمَّا يَمْنَعُ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ الْإِسْرَافُ مُوجِبُ نَفْيِ مَحَبَّتِهِ تَعَالَى وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] بِصَرْفِ مَالِك فِيمَا لَا يَنْبَغِي فَفِي تَأْكِيدِهِ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّهْيِ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أَيْ أَمْثَالَهُمْ فِي الشَّرَارَةِ وَالْخَبَاثَةِ أَوْ أَحِبَّاءَ الشَّيَاطِينِ وَاتِّبَاعَهُمْ.
(وَأَخُو الشَّيْطَانِ شَيْطَانٌ) فَإِنَّ الْأُخُوَّةَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَانْظُرْ مَا فِي رُتْبَةِ الْأُخُوَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَلَا شَيْءَ أَخْبَثُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى الْتِزَامًا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ مُطَابَقَةً الْكُفْرُ قُلْنَا الْمُرَادُ نَفْيُ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ لَا أَصْلِهَا وَالْمُرَادُ الْأُخُوَّةُ فِي ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ الْقَوِيَّةِ مُطْلَقًا لَا فِي الْكُفْرِ بَلْ أَنَّ بِاعْتِقَادِ حِلِّهِ يَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ فِي أَصْلِ مَعْنَى الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ بَعْدِ الْخَيْرِ أَوْ الْبَاطِلِ.
(وَلَا اسْمَ أَقْبَحُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَا ذَمَّ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا) أَيْ الْأُخُوَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ فَقَطْ أَوْ مَعَ عَدَمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إيتَاءِ الْمُسْرِفِينَ أَمْوَالَهُمْ مُعَبِّرًا عَنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ أَقْبَحِ الْأَسْمَاءِ
стр. 651
فَقَالَ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وَالْمَالُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلسُّفَهَاءِ لَكِنْ لِكَوْنِهِ فِي تَصَرُّفِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْحُكَّامِ نُسِبَ إلَيْهِمْ مَجَازًا، وَقِيلَ نَهْيٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْمِدَ إلَى مَا خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمَالِ فَيُعْطِي امْرَأَتَهُ، وَأَوْلَادَهُ ثُمَّ يَنْطُرُ إلَى أَيْدِيهِمْ ثُمَّ سَمَّاهُمْ سُفَهَاءَ اسْتِخْفَافًا بِعَقْلِهِمْ وَاسْتِهْجَانًا لِجَهْلِهِمْ لِجَعْلِهِمْ قُوَّامًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَهُ الْقَاضِي (وَذَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] وَ) ذَمَّ (قَوْمَ لُوطٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ الْمُرَادُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا الْمَعْنَى الْمَطْلُوبَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» بِإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ (وَيَكْفِي الْعَاقِلَ) فِي كَمَالِ قُبْحِهِ وَالِانْزِجَارِ عَنْهُ (مَا خَرَّجَهُ ت عَنْ أَبِي بَرْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ» عَنْ مَوْقِفِهِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلَا يَذْهَبُ لِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ «حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ» فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَالْقِيَاسُ كَوْنُ الْأَلِفِ مَحْذُوفَةً، وَلَكِنَّ الرَّاوِيَةَ وُجِدَتْ هَكَذَا، وَأَبْقَاهَا الْمُحَدِّثُونَ عَلَى حَالِهَا.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» «، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ» مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَامٍ «، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ «، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» أَيْ أَفْنَاهُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَوْ فِي مَعْصِيَتِهِ، وَفِي رِضَا رَبِّهِ أَوْ هَوَى نَفْسِهِ لَا بُدَّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ مِنْ تَأَمُّلٍ ثُمَّ لَعَلَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، وَإِلَّا فَنَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» يُعَارِضُهُ فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ لِكُلِّ سَالِكٍ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ لِيَخِفَّ حِسَابُهُ وَيَسْهُلَ جَوَابُهُ فَإِنَّ كُلَّ آنٍ مِنْ آنَاءِ الْعُمُرِ جَوْهَرٌ لَا قِيمَةَ لَهُ لِكَوْنِهِ أَصْلَ مَالِ بِضَاعَةِ النِّعَمِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ فَلَوْ ضَاعَ دَقِيقَةٌ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا، وَلَوْ جَمَعَ الْمُلُوكُ عَسَاكِرَهُمْ وَبَذَلُوا خَزَائِنَهُمْ وَصَرَفُوا وُسْعَهُمْ، وَأَنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ وَظِيفَةً فَلَوْ تُرِكَ وَظِيفَةُ هَذَا لَا يُوجَدُ وَقْتٌ خَالٍ حَتَّى يُقْضَى فِيهِ فَالِاهْتِمَامُ بِهِ لَيْسَ كَالِاهْتِمَامِ بِأَشْرَفِ مَتَاعِ الدُّنْيَا كَالدَّنَانِيرِ فَالْعَاقِلُ لَا يُخْرِجُ دَقِيقَةً مِنْ عُمُرِهِ بِلَا طَاعَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا فَكُلُّ حَرَكَةٍ ظَهَرَتْ مِنْك بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَهِيَ عَلَيْك لَا لَك فَأَدْوَمُ النَّاسِ عَلَى الذِّكْرِ أَوْفَرُهُمْ حَظًّا، وَأَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً، وَأَشْرَفُهُمْ مَنْزِلَةً ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ الذِّكْرِ مُطْلَقُ مَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَيِّ طَاعَةٍ وَحَسَنَةٍ.
(وَمِنْ الدَّلَائِلِ) الدَّالَّةِ (عَلَى مَذْمُومِيَّتِهِ) أَيْ الْإِسْرَافِ (جِدًّا حُرْمَةُ الرِّبَا الَّذِي هُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ) لَا يَخْفَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْإِسْرَافِ فِي النُّصُوصِ أَظْهَرُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَأَكْثَرُ فِي التَّكَرُّرِ، وَقَدْ قَالُوا لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ ثُبُوتِ الْأَكْبَرِ لِلْأَوْسَطِ وَكَذَا ثُبُوتُ الْأَوْسَطِ
стр. 652
لِلْأَصْغَرِ أَظْهَرُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَكْبَرِ لِلْأَصْغَرِ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مَثَلًا كَالتَّعْرِيفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُعَرَّفِ (إذْ عِلَّتُهَا) أَيْ عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا (فِي الْحَقِيقَةِ) ؛ لِأَنَّهَا فِي الظَّاهِرِ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (صِيَانَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ الضَّيَاعِ فِي الْمُبَايَعَاتِ لَكِنَّ الضَّيَاعَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِوَضَيْنِ) الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ (صُورَةً وَمَعْنًى مَعَ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا) يَشْكُلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعِلَّةُ تِلْكَ الصِّيَانَةَ يَتَحَقَّقُ مُطْلَقًا فَلَوْ قُيِّدَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ لَفُهِمَ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تَعَبُّدِيٌّ.
وَ (الْأَوَّلُ) أَيْ اتِّحَادُ الصُّورَةِ (بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالثَّانِي) أَيْ الِاتِّحَادُ مَعْنًى (بِاتِّحَادِ الْقَدْرِ أَعْنِي الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا كَحَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ (فَقِيلَ الْعِلَّةُ الْجِنْسُ وَالْقَدْرُ تَيْسِيرًا) لِلنَّاسِ فِي الْفَهْمِ.
(فَغَوَائِلُ الْإِسْرَافِ) عَشَرٌ (مُشَارَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَفِرْعَوْنُ، وَقَوْمُ لُوطٍ، وَعَدَمُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ) كَمَا فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ (وَغَضَبُهُ عَلَيْهِ) قَبْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩] أَيْ إنْ لَمْ تَتْرُكُوا الزِّيَادَةَ، وَلَمْ تُقِرُّوا بِتَحْرِيمِ الرِّبَا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] إذْ الْحَرْبُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْبُغْضِ أَقُولُ فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ فَغَوَائِلُ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُجْعَلَ كَعَطْفِ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ، وَعَدَمُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَازِمًا مِنْهُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ (وَتَسْمِيَتُهُ إيَّاهُ سَفِيهًا) قِيلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] (وَاسْتِحْقَاقُ الْعَذَابِ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ يُوجِبُ ذَلِكَ (فِي الْآخِرَةِ، وَ) اسْتِحْقَاقُ (الذِّلَّةِ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَالِاحْتِيَاجُ) إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ ذَهَابِ مَالِهِ (وَالنَّدَامَةُ فِي الدُّنْيَا) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَسَارَةِ.
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي الْعِلَّةُ الْخَفِيَّةُ وَالسَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي ذَمِّ الْإِسْرَاف]
(الْمَبْحَثُ الثَّانِي) . (فِي السِّرِّ) الْعِلَّةُ الْخَفِيَّةُ (وَالسَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي مَذْمُومِيَّتِهِ هُوَ أَنَّ الْمَالَ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ) بِالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَحَاوِيجِ كَمَا فِي حَدِيثِ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَالِيَّةَ نَوْعٌ مُسْتَقِلٌّ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ (إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ الْمَعَاشُ وَالْمَعَادُ وَبِهِ صَلَاحُ الدَّارَيْنِ وَسَعَادَةُ الْحَيَاتَيْنِ) فِي الدُّنْيَا بِإِغْنَائِهِ الْخَلْقَ وَالْآخِرَةِ بِقُرْبِهِ مِنْ الْحَقِّ إذْ السُّؤَالُ إذْلَالُ النَّفْسِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَذَلِكَ فِي الذِّلَّةِ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ (وَبِهِ) أَيْ بِالْمَالِ (يَحُجُّ) ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ (وَبِهِ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ) الَّذِي هُوَ سَنَامُ الدِّينِ وَيُعِزُّ بِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيُبْقِي شَرِيعَةَ اللَّهِ تَعَالَى الْوُثْقَى (وَبِهِ قِوَامُ الْبَدَنِ، وَقِيَامُهُ الَّذِي هُوَ مَطِيَّةُ الْفَضَائِلِ وَآلَةُ الطَّاعَاتِ) وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الْعِبَادَةِ فَعِبَادَةٌ (إذْ بِهِ يَحْصُلُ الْغِذَاءُ وَاللِّبَاسُ وَالْمَسْكَنُ)
стр. 653
وَالْمَنْكَحُ وَضَرُورَاتُ الْمَعِيشَةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْحَاجَاتِ إذَا لَمْ تَتَيَسَّرْ كَانَ الْقَلْبُ مُنْصَرِفًا إلَى تَدْبِيرِهَا فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلدِّينِ (وَبِهِ يُصَانُ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ) ، وَقَدْ عَرَفْت آنِفًا (وَبِهِ يُنَالُ دَرَجَاتُ الْمُتَصَدِّقِينَ) بَلْ يَلْحَقُ بِهِمْ الَّذِينَ لَهُمْ قُرْبَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ تَعَالَى (وَبِهِ يُوصَلُ الرَّحِمُ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْفَضَائِلِ (وَبِهِ يُدْفَعُ حَاجَاتُ الْفُقَرَاءِ) الْمُحْتَاجِينَ؛ وَلِقَضَاءِ حَاجَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَوَائِدُ جَمَّةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ (وَيَقْضِي دُيُونَهُمْ) فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ عَوْنِ الْبِرِّ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ (وَيُذْهِبُ هُمُومَهُمْ) الَّتِي تُهَيِّئُ لِلْوُصُولِ (وَغُمُومَهُمْ) الَّتِي قَدْ وَقَعَتْ وَمَنْ سَرَّ مُؤْمِنًا فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ تَعَالَى (وَيُسَلِّي قُلُوبَهُمْ) مِنْ مُضَايَقَةِ الْفَقْرِ، وَأَفْكَارِ الدَّيْنِ وَمِنْ خَوْفِ نَفَقَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ (وَبِهِ يَحْصُلُ نَفْعُ النَّاسِ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ) الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ بَيْتٍ لِلَّهِ، وَإِعَانَةٌ لِلْخَلْقِ عَلَى أَفْضَلِ طَاعَاتِهِمْ، وَأَقْرَبِ قُرُبَاتِهِمْ وَقَدْ جَاءَ «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» (وَالْمَدَارِسِ) ، وَإِنْ كَانَتْ بِدْعَةً لَكِنْ قَدْ عَرَفْت سَابِقًا مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ بَلْ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ لِإِعَانَتِهَا عَلَى أَفْضَلِهَا وَهُوَ الْعِلْمُ مُطْلَقًا (وَالرِّبَاطَاتِ) لِسُكْنَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى، وَإِجْرَاءِ الصَّدَقَاتِ عَلَيْهِمْ (وَالْقَنَاطِرِ) عَلَى الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ (وَسَدِّ الثُّغُورِ) أَيْ مَوَاضِعِ الْمَخَافَةِ مِنْ هُجُومِ الْأَعْدَاءِ قِيلَ وَدَارِ الْمَرْضَى وَنَصْبِ الْجِبَابِ فِي الطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَافِ الْمُرْصَدَةِ لِلْخَيْرَاتِ، وَهِيَ مِنْ الْخَيْرَاتِ الْمُؤَبَّدَةِ الدَّرَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ الْمُسْتَجْلِبَةِ لِبَرَكَةِ أَدْعِيَةِ الصَّالِحِينَ إلَى أَوْقَاتٍ مُتَمَادِيَةٍ وَنَاهِيك بِهِ خَيْرًا فَهَذِهِ جُمْلَةُ فَوَائِدِ الْمَالِ فِي الدِّينِ سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ مِنْ الْخَلَاصِ مِنْ حَقَارَةِ الْفَقْرِ وَالْوُصُولِ إلَى الْعِزِّ وَالْمَجْدِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَكَثْرَةِ الْإِخْوَانِ وَالْأَعْوَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْوَقَارِ وَالْكَرَامَةِ فِي الْقُلُوبِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْمَالُ مِنْ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَذِهِ أَوْصَافٌ مَادِحَةٌ لِلْمَالِ كَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْقُرْآنِ خَيْرًا، وَقَدْ عَلِمْت آفَاتِ الْمَالِ وَغَوَائِلَهُ قُلْت قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِبَيَانِ آفَاتِ الْمَالِ، وَفَوَائِدِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْمَالَ مِثْلُ حَيَّةٍ فِيهَا سُمٌّ وَتِرْيَاقٌ فَمَنْ عَرَفَ فَوَائِدَهَا وَغَوَائِلَهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ شَرِّهَا وَيَسْتَدِرَّ مِنْ خَيْرِهَا أَمَّا الْفَوَائِدُ فَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ أَحَدٍ؛ وَلِهَذَا يَتَهَالَكُونَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الدِّينِيَّةُ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ الْأَوَّلُ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ إمَّا فِي الْعِبَادَاتِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ أَوْ فِي الِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ كَالْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَنْكَحِ وَضَرُورَاتِ الْمَعِيشَةِ، وَإِنَّمَا حُظُوظُ الدُّنْيَا مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مِنْ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ.
الثَّانِي: مَا يَصْرِفُهُ إلَى النَّاسِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا الصَّدَقَةُ وَثَانِيهَا الْمُرُوءَةُ كَالضِّيَافَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِعَانَةِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الدِّينِيَّةِ إذْ بِهِ يَكْتَسِبُ الْإِخْوَانَ وَالْأَصْدِقَاءَ، وَصِفَةُ السَّخَاءِ وَالْجُودِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْفُتُوَّةِ فَفِيهَا مَثُوبَاتٌ أَيْضًا وَثَالِثُهَا وِقَايَةُ الْعِرْضِ كَدَفْعِ هَجْوِ الشَّاعِرِ أَوْ سَبِّ السُّفَهَاءِ، وَقَطْعِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَفَائِدَتُهَا دِينِيَّةٌ وَأُخْرَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي وِقَايَةِ الْعِرْضِ مَنْعَ الْمُغْتَابِ وَدَفْعَ آفَةِ الِانْتِقَامِ وَرَابِعُهَا الِاسْتِخْدَامُ إذْ الْإِنْسَانُ لَوْ تَوَلَّى جَمِيعَ مَصَالِحِهِ لَضَاعَتْ أَوْقَاتُهُ كَشِرَاءِ الطَّعَامِ وَطَبْخِهِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ حَتَّى نَسْخِ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَالٍ يَدْفَعُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْحَوَائِجِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ الْخَيْرُ لِلْعَامَّةِ كَبِنَاءِ نَحْوِ الْمَسَاجِدِ، وَهِيَ مِنْ الْخَيْرَاتِ الْمُؤَبَّدَةِ هَذِهِ هِيَ الدِّينِيَّةُ مَعَ مَا فِي الْمَالِ مِنْ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ مِنْ الْخَلَاصِ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ وَحَقَارَةِ الْفَقْرِ وَالْوُصُولِ إلَى الْعِزِّ وَالْمَجْدِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَكَثْرَةِ الْإِخْوَانِ وَالْأَعْوَانِ وَالْكَرَامَةِ وَالْوَقَارِ، وَأَمَّا الْآفَاتُ فَإِمَّا دِينِيَّةٌ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَشْعَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ انْبَعَثَتْ دَاعِيَةُ الْمَعَاصِي فَإِنْ اقْتَحَمَ ذَلِكَ هَلَكَ، وَإِنْ صَبَرَ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ.
الثَّانِي أَنَّهُ يَجُرُّ إلَى التَّنَعُّمِ فِي الْمُبَاحَاتِ ثُمَّ يَأْلَفُهُ ثُمَّ يَجُرُّ الْبَعْضَ إلَى الْبَعْضِ حَتَّى لَا يَكْفِيَهُ الْحَلَالُ فَيَقْتَحِمَ الشُّبُهَاتِ فَيَدْعُوَ إلَى الرِّبَا فَضْلًا عَنْ الشُّبُهَاتِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالْكَذِبِ وَالنِّفَاقِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ تُؤْذِي.
الثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَحَدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يُلْهِيهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ خُسْرَانٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ
стр. 654
وَأَمَّا آفَاتُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَالْخَوْفُ وَالْحُزْنُ وَالْهَمُّ وَالتَّعَبُ فِي دَفْعِ الْحُسَّادِ وَتَجَشُّمِ الْمَصَاعِبِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَكَسْبِهَا فَإِذَنْ تِرْيَاقُ الْمَالِ أَخْذُ الْقُوتِ مِنْهُ وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى الْخَيْرَاتِ وَمَا عَدَاهُ سَمُومٌ وَآفَاتٌ. انْتَهَى.
فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ كَوْنَ الْمَالِ خَيْرًا مِنْ جِهَةٍ وَآفَةً مِنْ جِهَةٍ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ يَتَّصِفُ بِالضِّدَّيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ (وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْكَسْبَ لِأَجْلِ التَّصَدُّقِ) فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ الثَّانِي (أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ) لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ وَنَفْعَ ذَلِكَ قَاصِرٌ (وَبِهِ) أَيْ بِالْكَسْبِ لِذَلِكَ (يُحَصِّلُ أَفْضَلَ الْمَنَازِلِ) فِي الْجَنَّةِ (ت عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا، وَعِلْمًا» نُقِلَ الْحَدِيثُ عَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ، وَهُوَ «ثَلَاثٌ أُقْسِمَ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةٌ صَبَرَ عَلَيْهَا إلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ مَسْأَلَةً إلَّا فَتَحَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ إنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى» إلَخْ (فَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْعَبْدُ (يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ) بِأَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ وَيُؤَدِّيَ حُقُوقَ مَالِهِ (وَيَصِلَ فِيهِ) أَيْ الْمَالِ (رَحِمَهُ) وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا (وَيَعْمَلَ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا) يُجَازَ بِهِ (بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ) الرَّفِيعَةِ فِي الْجَنَّةِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ وَجَوَّزَهُ لِفَضْلِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَآخِرُ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا تَخَبَّطَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَمْ يَتَّقِ فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ مِنْهُ رَحِمَهُ وَلَا يَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» ثُمَّ إنَّ قَطْعَ الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ قَدْ مَنَعَ بَعْضٌ مُطْلَقًا وَجَوَّزَ بَعْضٌ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ارْتِبَاطُ الْمَذْكُورِ لِلْمَتْرُوكِ نَعَمْ وَإِلَّا لَا، لَعَلَّ هُوَ الْمُخْتَارُ فَافْهَمْ. وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ ظَاهِرٌ إذْ لَا أَفْضَلَ مِنْ الْعَمَلِ الْمُؤَدِّي إلَى الْمَقَامِ الرَّفِيعِ.
(خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ» يَعْنِي لَا تَكُونُ الْغِبْطَةُ مَمْدُوحَةً إلَّا فِي حَقِّ رَجُلَيْنِ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْحَسَدُ الْمُحَرَّمُ بَلْ بِمَعْنَى الْغِبْطَةِ، وَهُوَ تَمَنِّي مِثْلِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ الزَّوَالِ عَنْهُ قِيلَ لَا بَأْسَ فِيهِ، وَقِيلَ مَرْضِيٌّ إذَا كَانَ الْمُتَمَنَّى مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَطَلَبِ الْمَالِ لِلْإِنْفَاقِ فِي الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ لِلْعَمَلِ وَالْإِرْشَادِ، وَعَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْبَطَ إلَّا عَلَى هَذَيْنِ «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ» أَيْ الْعِلْمَ النَّافِعَ وَدَوَامَ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ، وَقِيلَ أَيْ الْعِلْمُ الْمَصْحُوبُ بِنَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَنُورِ السَّرِيرَةِ «فَهُوَ يَقْضِي بِهِ» بِمُقْتَضَاهُ «وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ» بِفَتَحَاتٍ كَغَلَبَةٍ بِمَعْنَى إهْلَاكِهِ «فِي» طَرِيقِ «الْحَقِّ» فَمَا يَكُونُ مَحْسُودًا شَرْعًا لَا يَكُونُ إلَّا مَمْدُوحًا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ - ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]
стр. 655
خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ قَالَ الْقِرَانُ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ (وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» وَصَلَاحُهُ بِصَرْفِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ كَمَا فُصِّلَ قَرِيبًا وَبَعِيدًا.
«وَدَعَا) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِأَنَسِ) بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَكَانَ فِي آخِرِ دُعَائِهِ» الطَّوِيلِ كَمَا قِيلَ «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» فَلَوْلَا فَضْلُ الْمَالِ لَمَا دَعَا بِهِ وَالْحَدِيثُ قِيلَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَقِيلَ فِي مُسْلِمٍ فَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَعْزِ بِهِ إلَيْهِمَا أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَعَادَتِهِ فِي سَائِرِهِ لَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ وَكَانَ أَنَسٌ يَخْدُمُ لَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَعَاشَ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ ﵊ دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْعُمُرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَطِلْ حَيَاتَهُ وَوُلِدَ مِنْ صُلْبِهِ مِائَةٌ وَسِتَّةُ أَوْلَادٍ كَذَا فِي الْوَسِيلَةِ، وَلَمْ يَعْزِهِ إلَى كِتَابٍ لَكِنْ قَالَ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ فَإِمَّا ضَعِيفٌ أَوْ رِوَايَةٌ أُخْرَى قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَنَسٍ لِعِلْمِهِ ﵊ بِنُورِ الْمُعْجِزَةِ أَمْنَهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. أَقُولُ الْأَصْلُ هُوَ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَأَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يُرْتَكَبُ إلَّا بِضَرُورَةٍ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْبُسْتَانِ اُخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَوْ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ فَقِيلَ بِالْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] ، وَإِلَّا لَمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ بِقَوْلِهِ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، وَقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَحْسَنَ الْغِنَى مَعَ التُّقَى» ؛ وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا أَكْرَمَكُمْ كَرَمُكُمْ وَشَرَّفَكُمْ غِنَاكُمْ، وَعَنْ بَعْضٍ
الْفَقْرُ فِي أَوْطَانِنَا غُرْبَةٌ ... وَالْمَالُ فِي الْغُرْبَةِ أَوْطَانُ
، وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ الْغَنِيُّ التَّقِيُّ يُضَاعَفُ لَهُ الْأَجْرُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَجْمَعُ الْمَالَ لِيَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ مِنْ حِلِّهِ وَيُخْرِجَ مِنْهُ حَقَّهُ وَيَصُونَ بِهِ عِرْضَهُ، وَقِيلَ بِالثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] لِحَمْلِ الْمَالِ عَلَى الطُّغْيَانِ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] فَدَلَّ أَنَّ الْفُقَرَاءَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْفَقْرُ وَالْجِهَادُ حِرْفَتِي وَمَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي» لِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» .
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ كَرِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، وَعَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْفَقْرُ مَشَقَّةُ الدُّنْيَا مَيْسَرَةُ الْآخِرَةِ؛ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا» الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ الْفَقْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغِنَى، وَلَكِنْ لَا عَيْبَ فِي الْغِنَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَغْنِيَاءُ كَثِيرًا فِي زَمَانِهِ ﵊ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا الْعَيْبُ عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ فِعْلِهِ خِلَافَ مَا أُمِرَ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي زَمَانِهِمْ، وَأَمَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَالْفَقْرُ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِ غَالِبِ أَمْوَالِهِمْ الْحَرَامَ أَوْ الشُّبْهَةَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
أَقُولُ قَدْ سَمِعْت مِرَارًا فَارْجِعْ لَكِنَّ قَوْلَهُ لِكَوْنِ غَالِبِ أَمْوَالِهِمْ إلَخْ خَارِجٌ عَنْ نَظَرِ الْمَقَامِ وَدَعْوَى عُمُومِ الْأَشْخَاصِ مُكَابَرَةٌ وَسُوءُ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِينَ وَبِالْجُمْلَةِ إنْ أُرِيدَ عُمُومُ الْأَفْرَادِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وَأَنَّ النَّاقِصَ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ وَدَعْوَى ظَنِّيَّةِ الْمَطْلُوبِ، وَأَنَّ الْفَرْدَ مُلْحَقٌ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ فِي الْعُرْفِ وَالشَّرْعِ وَاللُّغَةِ
стр. 656
وَإِنْ لَزِمَ الْخَصْمُ لَكِنْ لَا يُفِيدُ فِي مَقَامِ التَّحْقِيقِ فَتَأَمَّلْ.
«وَقَالَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِكَعْبٍ أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِك فَهُوَ خَيْرٌ لَك» مِنْ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ لِمَعَاشِك وَلِخَلَاصِك مِنْ نَحْوِ ذُلِّ السُّؤَالِ (حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) لَمَّا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ، وَإِنَّ مِنْ قَبُولِ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ (وَكُلُّ هَذِهِ) الْأَحَادِيثِ (فِي) الْأَحَادِيثِ (الصِّحَاحِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَالَ خَيْرًا) فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ (وَامْتَنَّ عَلَى حَبِيبِهِ بِهِ حَيْثُ قَالَ ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ) الْمَذْكُورَةِ فِي تَفْسِيرِهِ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالُوا إنَّهُ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ (وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْمَالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ سِلَاحٌ) يُدْفَعُ بِهِ شَرُّ الْأَعْدَاءِ وَيُعَانُ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ فَإِنَّ بِالْمَالِ يُنْتَصَرُ عَلَى الْعَدُوِّ وَيُنْصَرُ دِينُ اللَّهِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إذْلَالِ أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَقَمْعِ شَوْكَتِهِمْ وَبِهِ يُوقَعُ الْهَيْبَةُ (عَرْضُهُ) مَنْ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ.
(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَطْلُبُ الْمَالَ) حَتَّى (يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ وَيَصُونَ) بِهِ ذُلَّ الْفَاقَةِ وَشَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ كَمَا قِيلَ الْعِلْمُ وَالْمَالُ يَسْتُرَانِ كُلَّ عَيْبٍ وَالْفَقْرُ وَالْجَهْلُ يَكْشِفَانِ كُلَّ عَيْبٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀
أَلَمْ تَرَيَا أَنِّي مُقِيمٌ بِبَلْدَةٍ ... مَرَاتِبُ أَهْلِ الْفَضْلِ فِيهَا مَجَاهِلُ
فَكَامِلُهُمْ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ نَاقِصٌ ... وَنَاقِصُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْمَالِ كَامِلُ
(فَإِنْ مَاتَ تَرَكَهُ مِيرَاثًا لِمَنْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَافِظُ الصِّدِّيقُ الْحَنْبَلِيُّ مِنْ نُقَّادِ الْمُحَدِّثِينَ (مَتَى صَحَّ الْقَصْدُ) وَالنِّيَّةُ (فَجَمْعُ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) قِيلَ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ فَمَا لَمْ يَصِحَّ الْقَصْدُ لَا يَكُونُ الْغَنِيُّ شَاكِرًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفَتَاوَى هَلْ التَّقَاعُدُ لِلْعِبَادَةِ وَالتَّفَرُّغُ لَهَا أَفْضَلُ أَوْ الِاكْتِسَابُ بِنِيَّةِ التَّصَدُّقِ (وَمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْمَالِ وَالدُّنْيَا) الْمَذْكُورُ بَعْضُهُ مِنْ الْآيَاتِ وَالسُّنَنِ وَكَلَامِ السَّلَفِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ هُوَ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ فَمَا وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِكَلَامِ السَّلَفِ؟ . قُلْنَا كَلَامُ السَّلَفِ إنَّمَا لَا يَصْلُحُ احْتِجَاجًا إذَا كَانَ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي تَأْيِيدِ نَصٍّ فَلَا عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْتِهَاءً لِأَخْذِهِ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً أَوْ عِنْدَ كَوْنِ الْمَطْلُوبِ ظَنِّيًّا قَدْ يُحْتَجُّ بِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْخَطَابِيَّةِ الْمَقْبُولَةِ كَمَا مَرَّ (رَاجِعٌ إلَى صِفَتِهِ الضَّارَّةِ، وَهِيَ) أَيْ الصِّفَةُ الضَّارَّةُ (الْإِطْغَاءُ) أَيْ جَعْلُ صَاحِبِهِ طَاغِيًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] (وَالْإِنْسَاءُ) مِنْ النِّسْيَانِ لِغَلَبَةِ الْحُبِّ (وَالْإِلْهَاءُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 657
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] (وَعَنْ الْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ) الضَّارَّةُ (غَالِبَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَالِ (قَلَّمَا يَنْفَكُّ صَاحِبُهُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الضَّارَّةِ (فَلِذَلِكَ كَثُرَ الذَّمُّ) لِلْمَالِ وَالدُّنْيَا (فَلِلْمَالِ جِهَتَانِ مُتَضَادَّتَانِ خَيْرٌ وَشَرٌّ فَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ حَقَّانِ فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً فَإِسْرَافُهُ اسْتِحْقَارٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِهَانَةٌ لَهَا، وَإِضَاعَةٌ وَكُفْرَانٌ بِهَا وَتَرْكٌ لِشُكْرِهَا فَيَسْتَوْجِبُ الْمَقْتَ وَالْبُغْضَ وَالْعِتَابَ وَالْعَذَابَ مِنْ مُعْطِيهَا) ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ) يَسْتَوْجِبُ (سَلْبَهَا) أَيْ سَلْبَ النِّعْمَةِ (وَإِزَالَتَهَا عَنْ مَحَلِّهَا) ، وَهُوَ الْعَبْدُ (لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ قَدْرَهَا، وَ) عَدَمِ (رِعَايَتِهِ حَقِّهَا كَمَا أَنَّ شُكْرَهَا وَحِفْظَهَا عَمَّا ذُكِرَ) مِنْ الْبُخْلِ وَالْإِسْرَافِ أَوْ مِنْ الِاسْتِحْقَارِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ (يَسْتَوْجِبُ ثَبَاتَهَا وَزِيَادَتَهَا) عَلَى الشَّاكِرِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] قِيلَ هُنَا وَالْخِطَابُ، وَإِنْ كَانَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَحْرَى بِحَوْزِ الْكَمَالَاتِ مِنْهُمْ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْأَوْلَى فِي مِثْلِهِ أَنْ يُبْتَنَى عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهَا الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ.
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ لِلْإِسْرَافِ فِي أَصْنَافِ الْإِسْرَافِ]
(الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ) لِلْإِسْرَافِ (فِي أَصْنَافِ الْإِسْرَافِ) لَمَّا أَثْبَتَ مَذْمُومِيَّةَ الْإِسْرَافِ وَحُرْمَتَهُ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَحَصَلَ لِلسَّالِكِ نَفْرَةٌ مِنْهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَصْنَافَهُ لِيُمْكِنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. (اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْرَافَ إهْلَاكُ الْمَالِ وَإِضَاعَتُهُ، وَإِنْفَاقُهُ) قِيلَ الْأَوْلَى، وَإِنْفَاذُهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَحَلَّ الْقَافِ لِمَا أَنَّ الْإِنْفَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْخَيْرِ. انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَافْهَمْ (مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ مُعْتَدٍّ بِهَا) قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَصْدُرُ عَنْ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ إلَّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ بِفَائِدَةٍ مَا، وَلَكِنَّ تِلْكَ الْفَائِدَةَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهَا يُقَالُ لَهُ فِي الْمَالِ إسْرَافٌ، وَفِي غَيْرِهِ عَبَثٌ (دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ مُبَاحَةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ إنْفَاقِهِ بِفَائِدَةٍ مُعْتَدَّةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ غَيْرِ مُبَاحَةٍ فِي الشَّرْعِ كَإِنْفَاقِهِ فِي الثِّيَابِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَوَانِي الْمُحَرَّمَةِ (فَمِنْهُ) مِنْ الْإِسْرَافِ (ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ) يَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ (كَإِلْقَاءِ الْمَالِ فِي الْبَحْرِ وَالْبِئْرِ وَالنَّارِ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمُتْلِفَاتِ كَصَبِّ الدِّبْسِ وَالزَّيْتِ عَلَى الْأَرْضِ (مِمَّا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ وَخَرْقِهِ وَكَسْرِهِ، وَقَطْعِهِ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ)
стр. 658
قِيلَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ مَا ذُكِرَ انْتِفَاعٌ مَا بِهِ لَمْ يَكُنْ إسْرَافًا لِحُصُولِ النَّفْعِ مَعَ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ (وَكَعَدِمِ اجْتِنَاءِ الثِّمَارِ) أَيْ أَخْذِهَا مِنْ الشَّجَرِ وَجَمْعِهَا (وَالزُّرُوعِ) مِنْ الْأَرْضِ (حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْسُدَ، وَعَدَمِ إيوَاءِ الْمَوَاشِي) أَيْ ضَمِّهَا جَمْعُ مَاشِيَةٍ هِيَ نَحْوُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (وَالْأَرِقَّاءِ) جَمْعُ رَقِيقٍ (دَارًا) تُحَصِّنُهَا (أَوْ نَحْوَهَا) مِمَّا يُصَانُ فِيهِ عَادَةً مِنْ التَّلَفِ (فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ فِيهِ) مِنْ الْهَلَاكِ (وَعَدَمِ الْإِطْعَامِ وَالْإِلْبَاسِ حَتَّى يَهْلِكَ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَوْ الْجُوعِ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ (مَا فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ يَحْتَاجُ إلَى تَنْبِيهٍ وَتَذْكِيرٍ) لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ (كَعَدَمِ تَعَهُّدِهِ) تَفْتِيشِ أَحْوَالِهِ (بَعْدَ جَمْعِهِ وَحِفْظِهِ) فِي مَكَان (حَتَّى يَتَعَفَّنَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوُصُولِ رُطُوبَةٍ) أَرْضِيَّةٍ (أَوْ بَلَلٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِتَلَفِهِ كَمَنْ جَمَعَ بَصَلَهُ وَزَرْعَهُ وَبِطِّيخَهُ، وَعَدَسَهُ وَشَعِيرَهُ وَحِنْطَتَهُ وَغَيْرَهَا وَأَصَابَهَا بَلَلُ مَاءٍ وَنَحْوُهُ فَهَلَكَتْ وَضِيعَتْ (أَوْ) حَتَّى (يَأْكُلَهُ السُّوسُ) هُوَ دُودُ الْحَبِّ وَالْفَوَاكِهِ (أَوْ الْفَأْرَةُ) عَنْ الْمِصْبَاحِ يُهْمَزُ، وَلَا يُهْمَزُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (أَوْ النَّمْلُ أَوْ نَحْوُهَا) مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَالْحَشَرَاتِ (وَأَكْثَرُ وُقُوعِ هَذَا فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَرَقِ وَالْجُبُنِ) بِضَمَّتَيْنِ مُشَدَّدُ النُّونِ أَوْ مُخَفَّفُهُ (وَنَحْوِهَا) مِمَّا يَتَعَفَّنُ كَالدُّهْنِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجُ (وَفِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ كَالْبِطِّيخِ وَالْبَصَلِ، وَقَدْ يَقَعُ فِي الْيَابِسَةِ كَالتِّينِ وَالزَّبِيبِ وَالْمِشْمِشِ) وَالْعُنَّابِ وَالتُّوتِ.
(وَقَدْ يَكُونُ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَسَادِ (فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهَا) كَالْمَاشِّ وَالْأَرُزِّ (وَقَدْ يَكُونُ) الْفَسَادُ (فِي الثِّيَابِ وَالْكُتُبِ وَكَصَبِّ مَا فَضَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَكَغَسْلِ الْقِطْعَةِ وَالْمِلْعَقَةِ وَالْيَدِ قَبْلَ اللَّعْقِ أَوْ الْمَسْحِ) بِالْيَدِ أَوْ الْخُبْزِ (فَالْأَكْلُ) عَقِيبَهُ يَعْنِي أَنَّ غَسْلَ الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَ وُجُودِ اللَّعْقِ، وَقَبْلَ وُجُودِ الْمَسْحِ بِالْيَدِ أَوْ الْخُبْزِ بَعْدَهُ سَوَاءٌ لَمْ يُوجَدْ الْمَسْحُ أَوْ وُجِدَ، وَلَمْ يُوجَدْ الْأَكْلُ بَعْدَهُ يَكُونُ مِنْ الْإِسْرَافِ وَمَنْ قَالَ الظَّاهِرُ فِي الْأَكْلِ بَدَلٌ فَالْأَكْلُ لَمْ يُصَبَّ لِعَدَمِ انْحِصَارِهِ فِي صُورَةِ الْأَكْلِ كَمَا فِي نَقْلِ الْعَسَلِ مِنْ ظَرْفٍ إلَى ظَرْفٍ بِيَدِهِ مَثَلًا فَإِنَّ غَسْلَ يَدِهِ قَبْلَ اللَّعْقِ مِنْ الْإِسْرَافِ كَذَا قِيلَ. وَأَقُولُ كَعَدَمِ إصَابَةِ مَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَالظَّاهِرُ فِي الْأَكْلِ أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ إسْرَافٌ فِي الْأَكْلِ أَيْ فِي الْمَأْكُولِ، وَلَوْ لَبَنًا كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ. انْتَهَى.
ثُمَّ أَقُولُ بَلْ لَا حَاصِلَ لِقَوْلِهِ فِي الْأَكْلِ إذْ الْإِسْرَافُ إنَّمَا يَنْدَفِعُ بِالْأَكْلِ بَعْدَ اللَّعْقِ وَالْمَسْحِ لَا بِمُجَرَّدِ اللَّعْقِ وَالْمَسْحِ وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ
стр. 659
(وَعَدَمِ الْتِقَاطِ مَا سَقَطَ مِنْ كِسْرَاتِ الْخُبْزِ وَغَيْرِهِ) كِبْرًا وَكَسَلًا كَحَبَّاتِ الْأُرْزِ وَالْعَدَسِ السَّاقِطِ، وَفِي الْبُسْتَانِ عَنْهُ ﵊ «مَنْ أَكَلَ مَا سَقَطَ مِنْ الْمَائِدَةِ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ مِنْ الرِّزْقِ وَوُقِيَ الْحُمْقَ عَنْهُ، وَعَنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ» (مِنْ أَيْدِي الصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ) مِنْ الشُّيُوخِ وَالْمُغَفَّلِينَ (عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى سُفْرَةٍ) . قِيلَ الْإِثْمُ فِي عَدَمِ الْتِقَاطِ مَا سَقَطَ مِنْ أَيْدِي الصِّبْيَانِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَفِي غَيْرِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَذَا الْإِثْمُ عَلَى الْأَضْيَافِ فِي طَعَامِ الضِّيَافَةِ لَا عَلَى صَاحِبِهَا. أَقُولُ لَيْسَ الْإِثْمُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فَقَطْ بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَهُمْ وَيَقْدِرُ عَلَى الِالْتِقَاطِ هَذَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِيمَا فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ بَذْلِ الْمَالِ، وَقَدْ عَرَفْت سَابِقًا بِبَذْلِ الْمَالِ أَوْ بِإِهْلَاكِ الْمَالِ وَجَعْلِ الْبَذْلِ أَيْ الصَّرْفِ أَعَمَّ إلَى جِنْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَدَمِيَّاتِ بِجَعْلِ الْبَذْلِ بِمَا يَكُونُ ابْتِدَاءً أَوْ الْتِزَامًا لَا يَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ سِيَّمَا مِثْلَ مَا سَقَطَ مِنْ يَدِ الصِّبْيَانِ خُصُوصًا بِلَا إسْقَاطٍ وَبَعْدَ هَذَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفًا بِالْأَخْفَى وَمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ لَهُ تَقْرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَسَيُعْلَمُ (م عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ» أَيْ الْقَصْعَةِ الصَّغِيرَةِ وَجَمْعُهَا صِحَافٌ، وَعَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ قَصْعَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ، وَعَنْ الْكِسَائِيّ أَعْظَمُ الْقِصَاعِ الْجَفْنَةُ ثُمَّ الْقَصْعَةُ تَلِيهَا تُشْبِعُ الْعَشَرَةَ ثُمَّ الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الرَّجُلَ.
وَفِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الَّذِينَ يَلْعَقُونَ أَصَابِعَهُمْ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «الْقَصْعَةُ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ يَلْعَقُهَا» ، وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ «إذَا طَعِمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَمُصَّهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ طَعَامٍ يُبَارَكُ لَهُ» ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ كَمَا قِيلَ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِسْرَافِ إذْ الْإِسْرَافُ حَرَامٌ، وَتَرْكُ النَّدْبِ لَيْسَ بِحَرَامٍ فَلَا تَقْرِيبَ فَانْتَظِرْ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ» صِفَةُ شَيْءٍ أَيْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ شَأْنِ أَحَدِكُمْ وَحَالِهِ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ حَالٍ وَشَأْنٍ يَصْدُرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَالشَّيْطَانُ حَاضِرٌ «حَتَّى يَحْضُرَهُ» أَيْ الشَّيْطَانُ كُلَّ أَحَدٍ «عِنْدَ طَعَامِهِ» لِيَأْكُلَ مِنْ سَقَطَاتِ لُقْمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ فَظَهَرَ ضَعْفُ مَا يُقَالُ لِيَشْغَلَهُ عَنْ ذِكْرِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ «فَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ» قِيلَ بِضَمِّ اللَّامِ «فَلْيَأْخُذْهَا» ، وَإِلَّا فَيَأْخُذُهَا الشَّيْطَانُ وَيَأْكُلُهَا «فَلْيُمِطْ» أَيْ لِيُزِلْ بَعْدَ الْأَخْذِ «مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى» مِنْ تُرَابٍ وَسِخٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ يُمْكِنُ إزَالَتُهُ «، وَلْيَأْكُلْهَا» فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ النَّجَسَ فَلَا يَأْكُلُهَا بَلْ يَدَعُهَا، وَقِيلَ يُطْعِمُهَا كَلْبًا أَوْ هِرَّةً لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ أَكَلَ كِسْرَاتِ الْخُبْزِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى إلَّا فَضْلَ إطْعَامِ نَحْوِ الشَّاةِ، وَلَا يُلْقَ فِي النَّهْرِ أَوْ الطَّرِيقِ إلَّا لِأَجْلِ النَّمْلِ كَمَا فَعَلَهُ السَّلَفُ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّقْرِيبِ بَلْ لَا بُدَّ فِي جَوَازِ إطْعَامِ النَّجَسِ وَالْمُحَرَّمِ إلَى الْحَيَوَانِ مِنْ حُجَّةٍ وَبَيَانٍ فَإِنَّ تَبَادَرَ قَوْلُهُ يُطْعِمُهَا الْحَمْلَ إلَيْهَا لِأَجْلِ الْأَكْلِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي دَجَاجَةٍ نَجِسَتْ لَا طَرِيقَ لِأَكْلِهَا إلَّا أَنْ تُحْمَلَ الْهِرَّةُ إلَيْهَا فَتَأْكُلَهَا نَعَمْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة الْمَاءُ وَالدُّهْنُ إذَا، وَقَعَتْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي غَيْرِ الْبَدَنِ كَسَقْيِ الدَّوَابِّ وَبَلِّ الطِّينِ وَالِاسْتِصْبَاحِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا «فَلَا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ» يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ إشَارَةِ النَّصِّ أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا يَأْكُلُهَا الشَّيْطَانُ فَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَكْلِ كَمَا أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلنِّعْمَةِ وَتَحْقِيرُهَا وَاقْتِدَاءٌ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَقِيلَ هُنَا يَعْنِي أَنَّ تَرْكَ اللُّقْمَةِ إسْرَافٌ، وَهُوَ حَرَامٌ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ نَاشِئٌ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَمَسَّ فِي مَقْصُودِ الْمَقَامِ لَكِنَّ دَلَالَةَ الْعِبَارَةِ عَلَى الْإِسْرَافِ الْمُحَرَّمِ لَا تَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَوْنِ التَّرْكِ لِأَكْلِ نَحْوِ حَيَوَانٍ فَافْهَمْ. نَعَمْ فِي الْخُلَاصَةِ وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ يَتْرُكَ لُقْمَةً مِنْ يَدِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ «فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّعْقَ لَا يَكُونُ فِي وَسَطِ الْأَكْلِ بَلْ فِي خِتَامِهِ قَالُوا
стр. 660
لِأَنَّ اللَّعْقَ فِي أَثْنَائِهِ خِلَافُ الْأَدَبِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: أَيْضًا وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا بِالْمِنْدِيلِ وَمِنْ السُّنَّةِ لَعْقُ الْقَصْعَةِ قِيلَ يَبْدَأُ فِي اللَّعْقِ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالسَّبَّابَةِ ثُمَّ بِالْإِبْهَامِ. (م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ» عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُشَارِ إلَيْهِ آنِفًا وَتَرْكُهُ فِعْلُ الْأَعَاجِمُ وَالْجَبَابِرَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ وَالْأَمْرُ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ وَحَمَلَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ هُوَ فَرْضٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّخْيِيرِ إمَّا لَعْقُهَا أَوْ إلْعَاقُهَا فَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّدْبَ وَالْإِرْشَادَ يُبْعِدُ حُسْنَ الِاسْتِشْهَادِ بَلْ حُسْنُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الْفَرْضِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى لَيْسَ بِمَذْهَبٍ نَعَمْ جَمْعُ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ هُوَ الْعَزِيمَةُ وَالْأَحْوَطُ لَكِنْ لَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ وَسُنَّةٌ جَمِيلَةٌ لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ الشَّرَهِ فِي الطَّعَامِ وَبِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ وَالثَّلَاثُ فِيمَا يُمْكِنُ، وَإِلَّا فَيَسْتَعِينُ بِمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْقَ الْأَصَابِعِ اسْتِقْذَارًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَابَ قَوْمٌ أَفْسَدَ عُقُولَهُمْ التَّرَفُّهُ لَعْقَ الْأَصَابِعِ وَاسْتَقْبَحُوهُ كَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي لُعِقَ جُزْءٌ مِنْ الْمَأْكُولِ، وَإِذَا لَمْ يُسْتَقْذَرْ الْكُلُّ فَلَا يُسْتَقْذَرُ الْبَعْضُ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ قَالَ كَمَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحِسَ أَصَابِعَهُ فَقَالَ السَّامِعُ " أَيْنَ بِي ادبست " يَكْفُرُ (فَفِي اللَّعْقِ) كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ (وَأَخْذِ السَّاقِطِ) كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
(فَوَائِدُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِسْرَافِ) ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا قَطْعًا (وَرَفْعُ الْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ) فَهُمَا أَيْضًا كَمَا تَرَى فَلْيُتَأَمَّلْ (وَاحْتِمَالُ وُصُولِ الْبَرَكَةِ) إلَيْهِ كَمَا فِي حَدِيث إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ (وَالِاقْتِدَاءُ بِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ بَلْ عَادَتُهُ (وَالِامْتِثَالُ لِأَمْرِهِ) كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (وَرَبْطُ الْعَتِيدِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ الْحَاضِرِ عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ قَدْرَهَا (وَجَلْبُ الْمَزِيدِ) فِيمَا يُسْتَقْبَلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ الْخَفِيِّ (عَدَمُ الْتِقَاطِ مَا سَقَطَ مِنْ الْأُرْزِ وَالْحِمَّصِ وَنَحْوِهِمَا لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْغَسْلِ) أَيْ غَسْلِ نَحْوِ الْأُرْزِ لِتَنْحِيَةِ نَحْوِ الْحَصَى وَالتُّرَابِ (حَتَّى يُرْمَى) عَلَى الْأَرْضِ (وَيُكْنَسَ) عَلَى الْقَمَائِمِ (فَإِنْ أَطْعَمَ كِسْرَاتِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ الدَّجَاجَةَ) كَمَا اجْتَمَعَ مِنْ الْأُرْزِ وَنَحْوِهِ كَمَا قِيلَ. أَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بَلْ يَحْمِلُ الدَّجَاجَةَ إلَى تِلْكَ الْحُبُوبِ الْمُتَفَرِّقَةِ (أَوْ الشَّاةَ أَوْ الْبَقَرَةَ أَوْ النَّمْلَ أَوْ الطَّيْرَ لَا يَكُونُ إسْرَافًا) لِعَدَمِ إضَاعَتِهِ بَلْ فِيهِ أَجْرٌ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ «فِي كُلِّ» أَيْ إرْوَاءٍ «ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ» تَأْنِيثُ أَحَرَّ «أَجْرٌ» عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِحَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَنُبِّهَ بِالسَّقْيِ عَلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ مِنْ الْإِطْعَامِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْحَيَوَانِ
стр. 661
مِمَّا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَتَعْظُمُ بِهِ الْأُجُورُ، وَلَا يُنَاقِضُهُ الْأَمْرُ بِقَتْلِ بَعْضِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أُمِرْنَا بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ كَذَا فِي الْقَبْضِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ﵎ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَكُنْ رَحِيمًا لِنَفْسِك؛ وَلِغَيْرِك، وَلَا تَسْتَبِدَّ بِخَيْرِك فَارْحَمْ الْجَاهِلَ بِعِلْمِك وَالذَّلِيلَ بِجَاهِك وَالْفَقِيرَ بِمَالِك وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ بِشَفَقَتِك وَرَأْفَتِك وَالْعُصَاةَ بِدَعْوَتِك وَالْبَهَائِمَ بِعَطْفِك وَدَفْعِ غَضَبِك فَأَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَرْحَمُهُمْ لِخَلْقِهِ فَكُلُّ مَا تَفْعَلُهُ مِنْ خَيْرٍ دَقَّ أَوْ جَلَّ فَصَادِرٌ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ
بَادِرْ إلَى الْخَيْرِ يَا ذَا اللُّبِّ مُغْتَنِمَا ... وَلَا تَكُنْ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ مُحْتَشِمَا
وَاشْكُرْ لِمَوْلَاك مَا أَوْلَاك مِنْ نِعَمٍ ... فَالشُّكْرُ يَسْتَوْجِبُ الْأَفْضَالَ وَالْكَرَمَا
وَارْحَمْ بِقَلْبِك خَلْقَ اللَّهِ وَارْعَهُمُوا ... فَإِنَّمَا يَرْحَمُ الرَّحْمَنُ مَنْ رَحِمَا
وَلَعَلَّك قَدْ سَمِعْت مَغْفُورِيَّةَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَرْحَمَتِهِ نَمْلَةً، وَعُمَرَ بِمَرْحَمَتِهِ عُصْفُورًا، وَأَبِي حَنِيفَةَ بِمَرْحَمَتِهِ ذُبَابًا (وَمِنْهُ عَدَمُ تَحَفُّظِ الْعِمَامَةِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّعْلِ عَمَّا يُبْلِيهِ) مِنْ الْبِلَى أَيْ مَا يُسْرِعُ بِهِ الْبِلَى (أَوْ يُحْرِقُهُ) مِنْ إلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ النَّدِيَّةِ قِيلَ مِنْهُ نَشْرُ ثِيَابِ الْكَتَّانِ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ فَإِنَّهُ يُبْلِيهَا (وَكَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الصَّابُونِ فِي الْغَسْلِ) زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (وَالدُّهْنِ وَالشَّمْعِ) ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ الْعَسَلِ يَلْحَقُ بِهِ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّحْمِ (فِي السِّرَاجِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْقَلِيلِ، وَكَذَا اسْتِعْمَالُ الْحَطَبِ وَرَاءَ الْحَاجَةِ (وَمِنْهُ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ بِالنُّقْصَانِ) عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ إجَارَةِ الْمِثْلِ (وَالشِّرَاءُ وَالِاسْتِئْجَارُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ) فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ) قِيلَ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ مِنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَاتِ لَعَلَّ لِكَوْنِهَا مِنْ قَبِيلِ الصَّدَقَةِ الْخَفِيَّةِ (وَنَحْوَهَا) نَحْوُ صِيَانَةِ الْعِرْضِ وَكَفِّ اللِّسَانِ وَخَوْفِ لُحُوقِ ضَرَرٍ (وَإِنْ كَانَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (بِطَرِيقِ الْغَبْنِ فَقَدْ وَرَدَ) فِي الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (الْمَغْبُونُ لَا مَحْمُودَ) عِنْدَ النَّاسِ (وَلَا مَأْجُورَ) عِنْدَ اللَّهِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَقَامَ التَّالِي فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إسْرَافًا وَحَرَامًا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَمْدُوحٍ، وَلَا مَأْجُورٍ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَحْتَسِبْ بِمَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ فَيُؤْجَرْ، وَلَمْ يَتَحَمَّدْ إلَى بَائِعِهِ فَيُحْمَدْ لَكِنْ اسْتَرْسَلَ فِي وَقْتِ الْمُبَايَعَةِ وَاسْتَغْبَنَ فَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ الْبَائِعِ مَوْقِعَ الْمَعْرُوفِ فَيُحْمَدْ بَلْ رَجَعَ لِنَفْسِهِ فَقَالَ خَدَعْته فَذَهَبَ الْحَمْدُ، وَلَمْ يَحْتَسِبْ فَذَهَبَ الْأَجْرُ.
(وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ فِي الْكَفَنِ كَمًّا) بِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فِيهِ وَالْخَمْسَةُ فِيهَا وَيَكُونُ الْإِزَارُ وَاللِّفَافَةُ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ لَا أَزْيَدَ مِنْهُ وَيَكُونُ الْقَمِيصُ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْقَدَمِ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقِيلَ إلَى السَّاقِ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالتَّتَبُّعِ كَذَا قِيلَ (أَوْ كَيْفًا) بِأَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا يَلْبَسُهُ فِي حَيَاتِهِ فِي الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ فِي الرِّقَّةِ وَالْحُسْنِ وَالْقِيمَةِ
стр. 662
وَلِمَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ زِيَارَةِ أَبَوَيْهَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لِمَا يُلْبَسُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ فَإِنْ وَصَّى بِالزِّيَادَةِ فَمُشَارِكٌ لِلْوَلِيِّ فِي الْإِثْمِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْوَلِيِّ (وَ) الزِّيَادَةُ (فِي الْوُضُوءِ) كَمًّا وَكَيْفًا وَكَذَا الْغُسْلُ.
(حَدّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَعْدِ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ يَتَوَضَّأُ» مَعَ الْإِسْرَافِ «فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ أَوَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ» ، وَهُوَ طَاعَةٌ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ أَتَقُولُ هَكَذَا، وَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْحَلَبِيِّ «قَالَ نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» لَعَلَّ هَذَا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ فَسَعْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ كِبَارِ أَعْيَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَدَمُ عِرْفَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا الَّذِي تَعُمُّ فِيهِ الْبَلْوَى بَعِيدٌ مِنْ مِثْلِهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ صُدُورَ أَصْلِ السَّرَفِ مِنْهُ عَلَى السَّهْوِ وَالذُّهُولِ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْتَبَةِ سَرَفٍ وَالسُّؤَالُ إمَّا لِتَعْلِيمِ الْغَيْرِ أَوْ لِزِيَادَةِ تَمْكِينِ الْخَاطِرِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ لَيْسَ كَمَعْرِفَتِهِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَبِالسُّؤَالِ يُسْتَحْصَلُ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ ثُمَّ إنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ إنْ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْكَافِي لَكِنَّ قَوْلَهُ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ هُنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْحُدُودِ الْمَحْدُودَةِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إنَّمَا تَكُونُ سَرَفًا إذَا لَمْ تَكُنْ بِنِيَّةِ طُولِ الْغُرَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمَصَابِيحِ مَنْ «اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» نَعَمْ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فَاحِشَةً فِعْلُهَا سَرَفٌ أَيْضًا لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْإِسْرَافَ حَرَامٌ.
أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحُرْمَةِ فِي الْإِسْرَافِ إمَّا تَغْلِيبٌ أَوْ عُمُومُ مَجَازٍ أَوْ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ حُكْمِ أَكْثَرِ أَفْرَادِهِ أَوْ أَعْظَمِهِ، وَإِلَّا فَالْإِسْرَافُ كَمَا تَرَى يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ الْكَرَاهَةِ بَلْ فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى، فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَكْثَرُ الشُّبَهِ الْمُشَارَةِ إلَيْهَا فِيمَا مَرَّ ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الزِّيَادَةِ مَكْرُوهَةً إنْ كَانَ الْمَاءُ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَاءً مُبَاحًا، وَإِلَّا فَإِنْ وَقْفًا فَحَرَامٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ (وَمِنْهُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ) بِأَنْ لَا يَصِيرَ لَهُ مَيْلٌ إلَى الطَّعَامِ لَا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ، وَقِيلَ فَوْقَ الشِّبَعِ أَكْلُ طَعَامٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ مَعِدَتَهُ وَكَذَا فِي الشُّرْبِ، وَهَذَا حَرَامٌ قَطْعِيٌّ يَكْفُرُ مَنْ يَتَمَنَّى حِلَّهُ فَإِنَّهُ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ كَالزِّنَى وَاللُّوَاطَةِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ لِحِلِّهِ فِي بَعْضِ الْأَدْيَانِ، وَفِي أَوَائِلِ هَذَا الدِّينِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ فِي الْجَمِيعِ كَخِلَافِهِ لِحِكْمَتِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ إضَاعَةُ الْمَالِ وَإِسْرَافٌ، وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ كَالْجُوعِ كَمَا قَالَ ﵊ «الْبِطْنَةُ أَصْلُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ أَصْلُ الدَّوَاءِ» فَأَكْثَرُ الْأَمْرَاضِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالْمَرَضُ يَمْنَعُ الْعِبَادَاتِ وَيُشَوِّشُ الْقَلْبَ وَيَمْنَعُ الذِّكْرَ وَالْفِكْرَ وَيَمْنَعُ الْعَيْشَ وَيُحْوِجُ إلَى الدَّوَاءِ وَالطَّبِيبِ.
وَنُقِلَ عَنْ جَامِعِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَ كِسْرَى أَرْبَعَةٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ عِرَاقِيٌّ رُومِيٌّ هِنْدِيٌّ سُودَانِيٌّ فَقَالَ لَهُمْ مَا الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ مَعَهُ فَأَشَارَ الْكُلُّ غَيْرَ السُّودَانِيِّ إلَى دَوَاءٍ وَسَكَتَ هُوَ، وَهُوَ أَحْذَقُهُمْ فَقَالَ هُوَ أَنْ لَا تَأْكُلَ إلَّا بَعْدَ الْجُوعِ، وَأَنْ تَرْفَعَ يَدَك قَبْلَ الشِّبَعِ فَصَدَّقَهُ كُلُّهُمْ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الطِّبَّ كُلَّهُ كَمَا قِيلَ كرجه خدا كفت كُلُوا وَاشْرَبُوا ليك عقبش كفت وَلَا تُسْرِفُوا. وَفِي الْحَدِيثِ «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» .
وَرُوِيَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قِيلَ لَهُ أَلَا نَتَّخِذُ لَك الْجَوَارِشَ قَالَ وَمَا الْجَوَارِشُ قَالُوا هَاضُومٌ يَهْضِمُ الطَّعَامَ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوَيَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فَوْقَ الشِّبَعِ. وَعَنْ الِاخْتِيَارِ «تَجَشَّأَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ نَحِّ عَنَّا جُشَاءَك أَمَا عَلِمْت أَنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ
стр. 663
شِبَعًا» (إلَّا لِأَجْلِ الضَّيْفِ حَتَّى لَا يَخْجَلَ) وَكَذَا لِتَطْيِيبِ قَلْبِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ (أَوْ لِصَوْمِ الْغَدِ) إنْ عَلِمَ الضَّعْفَ، وَإِلَّا فَإِقْلَالُ السَّحُورِ لِلصَّائِمِ مَطْلُوبٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ فَيَضْعُفُ مَا يُقَالُ هُنَا سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ بِعَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الشِّبَعِ أَوْ لَا قِيلَ فِي الْخَيْرِ لَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَى مَا يَأْكُلُهُ مَعَ إخْوَانِهِ وَكَذَا عَلَى أَكْلِهِ السَّحُورَ وَمَا أَفْطَرَ عَلَيْهِ.
عَنْ الْمُبْتَغَى مَنْ نَزَلَ ضَيْفًا عَلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يُضِفْهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْهَرَ بِالشِّكَايَةِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] يَعْنِي مُنِعَ مِنْهُ حَقُّهُ فِي الْقِرَى (وَمِنْهُ الْأَكْلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ) أَيْ فِي بَيَاضِ نَهَارِهِ فَقَطْ كَمَا سَيُعْلَمُ لَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا فِي الشِّرْعَةِ، وَلَا يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْإِفْطَارَ وَالسَّحُورَ لِلصَّائِمِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ بَلْ اسْتِحْبَابِيٌّ. (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ أَكَلْت فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ» مُنْكِرًا «يَا عَائِشَةُ أَمَا تُحِبِّينَ أَنْ لَا يَكُونَ لَك شُغْلٌ إلَّا جَوْفُكِ» الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ أَيْ لَا يَنْبَغِي لَك أَنْ لَا تُحِبِّي شَيْئًا غَيْرَ جَوْفِك (الْأَكْلُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ الْإِسْرَافِ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَأَنَّ ظَاهِرَ الصِّيغَةِ الْعُمُومُ كَاقْتِضَاءِ قَاعِدَةِ أُصُولِنَا لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِعَائِشَةَ لِعِرْفَانِهِ ﵊ كَوْنَ أَكْلِهَا بِعَدَمِ الْجُوعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْمَأْلُوفَاتِ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ لُزُومِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَعَلَّ لِمِثْلِ هَذَا يُبَادِرُ الْمُصَنِّفُ التَّأْوِيلَ (وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) اقْتِبَاسٌ فِي مَقَامِ تَعْلِيلٍ.
(وَمِنْهُ أَكْلُ كُلِّ مَا اُشْتُهِيَ مج) ابْنُ مَاجَهْ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ» ؛ لِأَنَّهُ إلْهَاءٌ عَمَّا يُهِمُّ وَإِتْعَابٌ لِلنَّفْسِ لِتَحْصِيلِهِ لِمُجَرَّدِ حَظِّهَا وَاشْتِغَالٌ بِالدُّنْيَا عَنْ الْآخِرَةِ قِيلَ: وَلَمْ يُرِدْ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ كُلِّ مَا اشْتَهَيْتَ فَإِنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَخَيَّرُ الْمَاءَ مِنْ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ وَيَطْلُبُ شُرْبَ الْعَذْبِ الزُّلَالِ مِنْهُ مَعَ كَمَالِ زُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِلْمُنَاوِيِّ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ) حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَنَسٍ (الْأَكْلَ فَوْقَ الشِّبَعِ أَوْ قَبْلَ الْهَضْمِ وَ) قَبْلَ (الْجُوعِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ إمَّا لِمَجْمُوعِ الْحَدِيثَيْنِ أَوْ الْبَعْضِ لِلْبَعْضِ أَوْ الْمَجْمُوعِ لِلْبَعْضِ وَالْبَعْضِ لِلْبَعْضِ وَالْكُلُّ مَنْظُورٌ فِيهِ إذْ إرَادَةُ فَوْقَ الشِّبَعِ مِنْ الْمَرَّتَيْنِ بَعِيدٌ وَكَذَا قَبْلِيَّةُ الْهَضْمِ وَالْأَعَمُّ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَجُوعُ وَيَزُولُ شِبَعُهُ وَكَذَا يَهْضِمُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ دَاعِيَ التَّشَهِّي هُوَ الْجُوعُ فَلَعَلَّ التَّأْوِيلَ الْأَوْلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا فَحِينَئِذٍ لَا تَقْرِيبَ عَلَى أَنَّهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَا نُنْكِرُ تَغَيُّرَ الْأَحْكَامِ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ فَافْهَمْ فَإِنَّ قَوْلَهُ (إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْأَكْلَ مَرَّتَيْنِ فِي بَيَاضِ النَّهَارِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَيَّامِ الْقَصِيرَةِ خُصُوصًا لِمَنْ لَا يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ بِالْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ عَنْ جُوعٍ صَادِقٍ) لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ بَلْ يَشْعُرُ بِعَدَمِ التَّقْرِيبِ بِوَجْهٍ آخَرَ إذْ الْمَطْلُوبُ الْمُطْلَقُ وَمَا أَشْعَرَ بِهِ التَّعْلِيلُ التَّقْيِيدُ بِأَقْصَرَ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمَطْلُوبُ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ (وَإِنْ أَكَلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الشِّبَعِ) غَالِبًا فَيَكُونُ إسْرَافًا لَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ مُطْلَقُ التَّشَهِّي فَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّقَيُّدِ بِقَوْلِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّ فِي
стр. 664
ظَاهِرِهِ نَوْعَ مُخَالَفَةٍ لِمَا يَذْكُرُهُ هُنَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ الدَّافِعِ لِتِلْكَ الْمُخَالَفَةِ (وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ) مِنْ الْحَدِيثَيْنِ (التَّشْبِيهُ) بِالْإِسْرَافِ يَعْنِي بِمَنْزِلَةِ الْإِسْرَافِ لَا نَفْسِهِ فِي كَوْنِهِ حَظْرًا مُطْلَقًا (لَا التَّحْرِيمُ) إذْ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ تَنْزِيهًا فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً مُصَرَّحَةً وَوَجْهُ الشَّبَهِ مُطْلَقُ الْحَظْرِيَّةِ وَغَرَضُهُ التَّأَكُّدُ فِي الْإِنْكَارِ وَالْمُبَالَغَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ وَمِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْرَافِ لَا مِنْ بَابِ الْإِسْرَافِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَشْمَلُ مَا لَا يَكُونُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ مِنْ مُلْحَقِهِ وَتَابِعِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي كَمَا نَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَحْمَدُ الْإِيَادِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغُفْرَانِهِ عَنْ الْبَعْضِ.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ الْخَفِيِّ (الْإِكْثَارُ فِي الْبَجَّاتِ) أَيْ فِي أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ (إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِكْثَارِ لَكِنْ بِشَرْطِ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ (بِأَنْ يَمَلَّ مِنْ بَجَّةٍ) أَيْ مِنْ نَوْعٍ (فَيَسْتَكْثِرَ) الْبَجَّاتِ (حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ) مِنْهَا (شَيْئًا) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّقْلِيلِ أَوْ التَّحْقِيرِ (فَيَجْتَمِعَ) مِنْ الْبَجَّاتِ (قَدْرُ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ قَصَدَ) بِتَكْثِيرِهَا (أَنْ يَدْعُوَ الْأَضْيَافَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا إلَى آخِرِ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِإِكْثَارِ الْبَجَّاتِ عَنْ السُّيُوطِيّ هُنَا الْبَأْسُ الْحَرْبُ ثُمَّ كَثُرَ فِي الْخَوْفِ أَيْ لَا خَوْفَ، وَعَنْ الْغَيْرِ هِيَ كَلِمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُتَرَدَّدُ فِي أَمْرِهِ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلَهَا لَكِنَّ الْأَكْثَرَ فِيمَا تَرَكَهُ أَوْلَى (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) فِي خَامِسٍ الْكَرَاهِيَةُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي قُبَيْلِهِ أَيْضًا وَمِنْ الْإِسْرَافِ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ إلَّا لِأَجْلِ الضَّيْفِ أَوْ يُرِيدُ صَوْمَ الْغَدِ وَإِذَا أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ لِيَسْتَقِيَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَأْكُلُ أَلْوَانًا مِنْ الطَّعَامِ وَيُكْثِرُ ثُمَّ يَتَقَيَّأُ وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ. انْتَهَى.
فِي التتارخانية عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَلَا يَخْفَى حِينَئِذٍ مَا فِي الْحَصْرِ مِنْ الْخَفَاءِ (وَغَيْرِهِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمِنْ الْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ الْإِكْثَارُ فِي الْبَجَّاتِ وَالْأَلْوَانِ إلَخْ ثُمَّ لَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ هُنَا خُلَاصَةَ مَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ فِي أَمْرِ الضِّيَافَةِ هِيَ سُنَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ خَرَجَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ يَلْتَمِسُ مَنْ يَتَغَدَّى مَعَهُ؛ وَلِصِدْقِ نِيَّتِهِ فِيهَا دَامَتْ ضِيَافَتُهُ فِي مَشْهَدِهِ.
«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْإِسْلَامُ فَقَالَ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَبَذْلُ السَّلَامِ» ، وَفِيهَا خَمْسَةُ آدَابٌ أَحَدُهَا الدَّعْوَةُ فَيَدْعُو الْأَتْقِيَاءَ دُونَ الْفُسَّاقِ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ» وَيَقْصِدُ الْفُقَرَاءَ وَلَا يَخُصُّ الْأَغْنِيَاءَ وَفِي الْحَدِيثِ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ تُدْعَى إلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ وَيُذَادُ عَنْهُ الْفُقَرَاءُ» وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْمِلَ أَقَارِبَهُ فَإِنَّهُ قَطْعُ رَحِمٍ، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ الْمُبَاهَاةَ وَالتَّفَاخُرَ بَلْ اسْتِمَالَةَ قُلُوبِ الْإِخْوَانِ وَالتَّسَنُّنَ بِسُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إطْعَامِ الطَّعَامِ، وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْعُو مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَشُقُّ الْإِجَابَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَضَرَ تَأَذَّى بِالْحَاضِرِينَ فَيَدْعُو مَنْ يُحِبُّ دَعْوَتَهُ. وَثَانِيهَا الْإِجَابَةُ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ دُعِيتُ إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» ، وَلَهَا آدَابٌ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يُمَيِّزَ الْغَنِيَّ بِالْإِجَابَةِ عَنْ الْفَقِيرِ إلَّا إذَا عَلِمَ فِي دَعْوَتِهِ فَخْرًا وَتَكَلُّفًا فَيَتَعَلَّلُ وَلَا يُجِيبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَمْتَنِعَ عَنْ الْإِجَابَةِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ يُجِيبُ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ.
الثَّالِثُ أَنْ يَحْضُرَ، وَلَوْ صَائِمًا تَطَوُّعًا، وَلْيَنْوِ إدْخَالَ السُّرُورِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْ الدَّاعِي تَكَلُّفًا فَيَتَعَلَّلُ، وَإِذَا لَمْ يُفْطِرْ فَضِيَافَتُهُ الطِّيبُ وَالْكَلَامُ الطَّيِّبُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْإِجَابَةِ أَنَّ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةً أَوْ الْمَوْضِعِ أَوْ الْبِسَاطِ أَوْ فِي الْمَقَامِ مُنْكَرًا مِنْ فُرُشِ دِيبَاجٍ أَوْ إنَاءِ فِضَّةٍ أَوْ تَصْوِيرِ حَيَوَانٍ أَوْ سَمَاعِ الْمَلَاهِي أَوْ الْهَزْلِ أَوْ اللَّعِبِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ وَكَذَا إذَا كَانَ الدَّاعِي ظَالِمًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ شِرِّيرًا أَوْ مُتَكَلِّفًا طَلَبًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ
стр. 665
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْإِجَابَةِ قَضَاءَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ بَلْ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَيَنْوِي التَّحَرُّزَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى» أَوْ يَنْوِي إكْرَامَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكْرَمَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فَإِنَّمَا يُكْرِمُ اللَّهَ تَعَالَى» وَيَنْوِي إدْخَالَ السُّرُورِ فِي قَلْبِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَرَّ مُؤْمِنًا فَقَدْ سَرَّهُ اللَّهُ» وَيَنْوِي أَيْضًا سُنَّةَ الزِّيَادَةِ. وَثَالِثُهَا آدَابُ الْحُضُورِ فَيَدْخُلُ بِلَا تَصَدُّرٍ بَلْ يَتَوَاضَعُ وَلَا يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ الِانْتِظَارَ، وَلَا يُفَاجِئُ قَبْلَ اسْتِعْدَادِهِمْ وَلَا يَزْحَمُ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَكَانِ بَلْ يَجْلِسُ حَيْثُ يَأْمُرُ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ خُرُوجِ الطَّعَامِ، وَإِذَا بَاتَ الضَّيْفُ فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُعَرِّفْهُ الْقِبْلَةَ وَمَوْضِعَ الطَّهَارَةِ وَالْوُضُوءِ وَيَغْسِلْ رَبُّ الْبَيْتِ أَوَّلًا يَدَهُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ يَتَأَخَّرُ، وَإِذَا رَأَى فِي الْبَيْتِ مُنْكَرًا غَيَّرَ بِيَدِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ وَانْصَرَفَ كَفُرُشِ الدِّيبَاجِ وَأَوَانِي الْفِضَّة.
وَرَابِعُهَا إحْضَارُ الطَّعَامِ، وَلَهُ آدَابٌ خَمْسَةٌ. الْأَوَّلُ التَّعْجِيلُ.
الثَّانِي تَرْتِيبُ الْأَطْعِمَةِ فَتَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ أَوَّلًا شَرْعًا وَطِبًّا ثُمَّ اللَّحْمُ وَالثَّرِيدُ؛ لِأَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ فَإِنْ جَمَعَ إلَيْهِ حَلَاوَةً فَقَدْ جَمَعَ الطَّيِّبَاتِ وَتَمَامُهَا بِشُرْبِ الْمَاءِ الْبَارِدِ وَزِينَةُ الْمَائِدَةِ الْبُقُولُ لِخُضْرَتِهَا وَتُسْتَحَبُّ.
الثَّالِثُ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْ الْأَلْوَانِ أَلْطَفَهَا حَتَّى يَسْتَكْفِئَ مِنْهَا مَنْ يُرِيدُ، وَعَادَةُ الْمُتَرَفِّهِينَ تَقْدِيمُ الْغَلِيظِ لِيُكْثِرَ مِنْ اللَّطِيفِ بَعْدَهُ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ وَمِنْ سُنَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا الْأَلْوَانَ جُمْلَةً دَفْعَةً لِيَأْكُلَ كُلٌّ مِمَّا يَشْتَهِي.
الرَّابِعُ أَنْ لَا يُبَادِرَ إلَى رَفْعِ الْأَلْوَانِ بَلْ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ حَتَّى يَرْفَعُوا الْأَيْدِيَ، وَأَيْضًا لَا يَرْفَعُ يَدَهُ قَبْلَ الضِّيفَانِ بَلْ يَكُونُ آخِرَهُمْ أَكْلًا.
الْخَامِسُ أَنْ يُقَدِّمَ قَدْرَ الْكِفَايَةِ إذْ النَّقْصُ مِنْهُ نَقْصٌ فِي الْمُرُوءَةِ وَالزِّيَادَةُ تَضْيِيعٌ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِأَكْلِهِمْ الْجَمِيعَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ لَيْسَ فِي الطَّعَامِ سَرَفٌ.
وَخَامِسُهَا الِانْصِرَافُ، وَلَهُ آدَابٌ ثَلَاثَةٌ. الْأَوَّلُ مِنْ سُنَّةِ الْمُضِيفِ أَنْ يُشَيِّعَ إلَى بَابِ الدَّارِ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَطَيِّبُ الْكَلَامِ. وَالثَّانِي مِنْ التَّوَاضُعِ أَنْ يَنْصَرِفَ الضَّيْفُ طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَى فِي حَقِّهِ تَقْصِيرٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَإِذْنِهِ وَيُرَاعِي قَلْبَهُ فِي قَدْرِ الْإِقَامَةِ، وَإِذَا نَزَلَ ضَيْفًا فَلَا يُقِيمُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا إذَا أَلَحَّ رَبُّ الْمَنْزِلِ عَنْ خُلُوصِ قَلْبٍ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْمَلَ كَلَامُهُ) أَيْ الْخُلَاصَةِ (هَذَا عَلَى حَصْرِ الْحَاجَةِ فِي هَذَيْنِ) مِنْ الْمَلَالِ وَالضِّيَافَةِ (بَلْ يَعُمُّ إرَادَةَ التَّلَذُّذِ وَالتَّنَعُّمِ مِنْ غَيْرِ ضَيَاعٍ وَنِيَّةٍ فَاسِدَةٍ) مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ وَالتَّكَبُّرِ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنْ النَّبَاتِ وَالْحُبُوبِ وَالْمَعَادِنِ كَالْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ ﴿قُلْ هِيَ﴾ [الأعراف: ٣٢] أَيْ الطَّيِّبَاتُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا الْكَافِرُ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] الْآيَةَ) - ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]- أَيْ لَا تُبَالِغُوا فِي التَّضْيِيقِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي تَحْرِيمِ الْمُبَاحَاتِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]- لَا يَرْضَى عَنْ تَجَاوُزِ الْحَدِّ نَزَلَتْ فِي جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - هَمُّوا بِاعْتِزَالِ نَحْوِ النِّسَاءِ وَتَرْكِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ (وَقَدْ صَرَّحُوا) أَيْ الْفُقَهَاءُ (بِجَوَازِ التَّفَكُّهِ بِأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِالْآيَتَيْنِ وَرَوَوْهُ) أَيْ الصَّحَابَةُ التَّفَكُّهَ (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لَعَلَّ الْأَوْلَى
стр. 666
إرْجَاعُ الضَّمِيرِ الثَّانِي إلَى مَا أُرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ لَكِنْ لَمْ نَظْفَرْ فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ الْفِقْهِيَّةِ عَلَى عَيْنِ هَذَا التَّصْرِيحِ وَحُمِلَ هَذَا التَّصْرِيحُ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ الْفَوَاكِهِ وَالْبَجَّاتِ) بَعِيدٌ مِنْ تَبَادُرِ اللَّفْظِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ دَلِيلٌ آخَرُ ظَاهِرُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ إذْ عَدَمُ الْفَرْقِ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ عِنْدَ التَّسَاوِي لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ فَلَا يَرِدُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَالنَّصُّ مَوْجُودٌ عَلَى دَعْوَى الْمُصَنِّفِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَمْثَالِهِ سِيَّمَا عَلَى عَادَةِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ دَلِيلَ الْمُقَلِّدِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّصُوصِ إنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ فِي زَمَانِنَا وَالْأَصَحُّ عَدَمُ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ سِيَّمَا قَدْ اُحْتُجَّ هُنَا أَوَّلًا بِصَرِيحِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فَالِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ.
(خ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ لَعَلَّ الْحَقَّ فِي الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ بَلْ لِتَأْيِيدِهِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ فَكَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَخَذَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَوْ أَنْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَيْسَ كُلَّ الْحُكْمِ فَإِنَّ بَعْضَ النُّصُوصِ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى يَفْهَمُهُ كُلُّ عَالِمٍ عَامِّيٍّ، وَأَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُوَافِقٌ لِقِيَاسِ الْفُقَهَاءِ فَيُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ يَنْفَعُك فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. «كُلْ مَا شِئْتَ» مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ «وَالْبَسْ مَا شِئْتَ» فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ نَحْوِ الْمَكْرُوهِ وَمَا فِيهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ الْمُحَرَّمِ «مَا أَخْطَأَك سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ» أَيْ مُدَّةُ خَطَأِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ عَنْك.
حَاصِلُهُ أَنَّ أَكْلَ كُلِّ مَأْكُولٍ، وَلُبْسَ كُلِّ مَلْبُوسٍ جَائِزٌ لَك مَا لَمْ يَصِلْ إلَى رُتْبَةِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالسَّرَفُ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا عَرَفْت أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الشِّبَعِ مَثَلًا، وَفِي اللِّبَاسِ كَأَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَا لِلنَّدَبِ كَمَا لَا يَكُونَانِ لِلْوُجُوبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يُنَافِي مَمْدُوحِيَّةَ قِلَّتِهِمَا خُصُوصًا قِلَّةَ الْأَكْلِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى طِبٌّ قَالَ نَعَمْ جُمِعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]- يَعْنِي أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَنْشَأُ الْأَمْرَاضِ، وَقِيلَ مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ كَانَ أَصَحَّ جِسْمًا، وَأَجْوَدَ حِفْظًا، وَأَذْكَى فَهْمًا وَأَقَلَّ نَوْمًا، وَأَخَفَّ بَدَنًا وَزِيدَ فِي الْبُسْتَانِ، وَفِي كَثْرَةِ الْأَكْلِ مَضَارُّ كَثِيرَةٌ مِنْهَا التُّخَمَةُ وَتَوَلُّدُ الْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ وَفِي الْحَدَائِقِ الْجُوعُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْمُجَاهَدَةِ وَبِسَبَبِهِ تَنْفَجِرُ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ، وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ مِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ وَمِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيّ الْجُوعُ نُورٌ وَالشِّبَعُ نَارٌ، وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الرَّازِيّ الْجُوعُ لِلْمُرِيدِينَ رِيَاضَةٌ؛ وَلِلتَّائِبِينَ تَجْرِبَةٌ؛ وَلِلزَّاهِدِينَ سِيَاسَةٌ.
(وَمِنْهُ أَكْلُ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ أَوْ) أَكْلُ (وَسَطِهِ مَعَ تَرْكِ جَوَانِبِهِ إنْ لَمْ يَأْكُلْهَا أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ يَخَالُ يَأْكُلُهَا غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُ وَضْعُ الْخُبْزِ عَلَى الْمَائِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ كَذَا فِي الِاخْتِيَار وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا) أَيْ كَلَامُ الِاخْتِيَارِ (أَيْضًا) كَكَلَامِ الْخُلَاصَةِ
стр. 667
(عَلَى أَنْ يَضِيعَ مَا فَضَلَ مِنْ الْكِسْرَاتِ، وَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ أَوْ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَالشُّهْرَةَ، وَإِلَّا فَلَا إسْرَافَ) فِيهِ وَكَذَا لَا حَظْرَ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ الرِّيَاءَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودُ الْمَقَامِ فَافْهَمْ (وَأَمَّا أَكْلُ النَّفَائِسِ) جَمْعُ نَفِيسَةٍ، وَهِيَ مَا يُرْغَبُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَاةِ وَيَجِيءُ بِمَعْنَى الْخَطِيرِ (مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَلُبْسِ اللِّبَاسِ الْفَاخِرِ وَالرَّقِيقِ) ، وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا أَنَّ قِيمَةَ رِدَائِهِ ﵊ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَقِيمَةَ رِدَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ (وَبِنَاءُ الْأَبْنِيَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ الشَّارِعُ تَحْرِيمًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ إذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْكِبْرَ وَالْفَخْرَ) عَنْ الْقُنْيَةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إذَا لَمْ يَتَكَبَّرْ وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. انْتَهَى.
فِي الْخُلَاصَةِ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ إذَا كَانَ لَا يَتَكَبَّرُ، وَلَا يُضَيِّعُ الْفَرَائِضَ، وَلَا يَمْنَعُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التتارخانية يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْسُطَ فِي بَيْتِهِ مَا شَاءَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْمُنَقَّشَةِ، وَلَهُ سَتْرُ الْجُدْرَانِ بِالْإِزَارِ مِنْ اللِّبْدِ وَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ بَسْطُ مَا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ يَتَّخِذَ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ الْمُصَلُّونَ. وَفِي الْبُسْتَانِ الْبِسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُزْرِيك بِهِ السُّفَهَاءُ وَلَا يَعِيبُ الْفُقَهَاءُ، وَعَنْ عُمَرَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَوَسِّعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَأَمَّا الْأَبْنِيَةُ فَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ، وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى بِنَاءً أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ وَبَالًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَكَذَا قَوْلُهُ «مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى عُنُقِهِ» وَكَذَا قَوْلُهُ «مَنْ بَنَى فَوْقَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إلَى أَيْنَ تُرِيدُ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَكَذَا مَا رُوِيَ «الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إلَّا شَيْئًا جَعَلَهُ فِي التُّرَابِ وَالْبِنَاءِ» كَمَا نُقِلَ عَنْ شِهَابِ الْأَخْبَارِ
وَكَذَا قَوْلُهُ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا جَعَلَ مَالَهُ فِي الطَّبِيخَيْنِ» أَيْ الْآجُرِّ وَالْخَشَبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْكِفَايَةِ وَنَحْوِهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ الْمُشَارِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ الشَّارِعُ وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِمَاكٍ أَنَّهُ قَالَ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ حِينَ بَنَى دَارًا رَفِيعًا رَفَعْت الطِّينَ وَوَضَعْت الدِّينَ إنْ كَانَ هُوَ مِنْ مَالِك فَأَنْتَ مِنْ الْمُسْرِفِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ غَيْرِك فَأَنْتَ مِنْ الظَّالِمِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَفِي رِوَايَةٍ، وَأَنْتَ خَائِنٌ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ فَاللَّائِقُ بِمَنْ بَنَى أَنْ يَنْوِيَ بِبِنَائِهِ عِبَادَتَهُ تَعَالَى فِيهِ وَحِفْظَهُ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَا يُنْفِقُ مَالًا كَثِيرًا فِي الْبِنَاءِ إذْ لَا خَيْرَ فِيمَا يُنْفَقُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ خُصَّ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ بِنَحْوِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ وَمَوَاضِعِ التَّعَبُّدِ يُؤْجَرُ الْبَانِي اتِّفَاقًا، وَعَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ: مِنْ أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ حُبُّ التَّزَيُّنِ فِي نَحْوِ الْبِنَاءِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ كَانَ شَبِيهًا بِهِ) صُورَةً (وَ) إنْ كَانَ (يُعَدُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ (مَجَازًا وَمَكْرُوهًا تَنْزِيهًا) يُشِيرُ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَيَجُوزُ جَمْعُ الْكَرَاهَةِ مَعَ عَدَمِ السَّرَفِ لَكِنْ قَدْ عُدَّ مِنْ السَّرَفِ بَعْضُ الْمَكْرُوهَاتِ فَافْهَمْ (إذْ اللَّائِقُ بِطَالِبِ الْآخِرَةِ أَنْ يَقْنَعَ) بِمُجَرَّدِ الْكَفَافِ كَمًّا وَكَيْفًا (وَيَتَصَدَّقَ) بِمَا يَزِيدُ عَلَى دَفْعِ ضَرُورَتِهِ (لِأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) .
(وَمِنْ الْإِسْرَافِ كُلُّ مَا صُرِفَ إلَى الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي) كَمَا صُرِفَ إلَى الْخَمْرِ
стр. 668
وَآلَاتِ الْمَعَازِفِ وَصَاحِبِ اللَّهْوِ وَالتَّغَنِّي وَالنَّائِحَةِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ لِيُزَخْرِفَ لَهُ بَيْتًا بِالتَّمَاثِيلِ وَمِنْ الْمُشْكِلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا فِي الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَلَا بَأْسَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارًا مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَسْكُنَهَا، وَإِنْ شَرِبَ فِيهَا الْخَمْرَ أَوْ عَبَدَ فِيهَا الصَّلِيبَ أَوْ أَدْخَلَ الْخَنَازِيرَ فَذَاكَ بَذْلٌ لَا يَلْحَقُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ قَالَ كَمَنْ بَاعَ غُلَامًا مِمَّنْ يَقْصِدُ بِهِ الْفَاحِشَةَ أَوْ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ مِمَّنْ يَأْتِيهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتِيِّ أَوْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا ثُمَّ قَالَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَنْحِتَ لَهُ طُنْبُورًا أَوْ يَرْبِطَا فَفَعَلَ طَابَ لَهُ الْأَجْرُ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ وَزَادَ فِي التتارخانية قَوْلَهُ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا رَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ وَهُوَ كَانَ مُطْرِبًا مُغَنِّيًا إنْ بِغَيْرِ شَرْطٍ يُبَاحُ لَهُ، وَإِنْ بِشَرْطٍ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ تَصَدَّقَ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا اسْتَأْجَرَ لِضَرْبِ الطَّبْلِ إنْ لِلَّهْوِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لِلْغُزَاةِ وَالْقَافِلَةِ يَجُوزُ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَائِحَةٍ أَوْ صَاحِبِ طَبْلٍ أَوْ مِزْمَارٍ اكْتَسَبَ مَالًا إنْ بِشَرْطِ مَالٍ بِإِزَاءِ النِّيَاحَةِ أَوْ الْغِنَاءِ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْإِنَابَةِ الْأَخْذُ إذَا كَانَ بِمُقَابَلَةِ الْمَعْصِيَةِ كَانَ مَعْصِيَةً وَالسَّبِيلُ فِي الْمَعَاصِي رَدُّهَا وَيُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِيَصِلَ إلَيْهِ. مَالُ الْمُغَنِّيَةِ إنْ قُضِيَ بِهِ دَيْنٌ لَمْ يَسَعْ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهَا بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْأَخْذِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ رَجُلٌ مَاتَ وَكَسْبُهُ خَبِيثٌ الْأَوْلَى تَوَرُّعُ الْوَرَثَةِ فَإِنْ عَلِمُوا أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَالْمِيرَاثُ حَلَالٌ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّصَدُّقُ ثُمَّ قَالَ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَكَذَا مَا هُوَ ظُلْمٌ فَالتَّوَرُّعُ أَوْلَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِيَّةِ خُصَمَاءِ أَبِيهِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَمَا جَمَعَ السَّائِلُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ خَبِيثٌ، وَأَمَّا الَّذِي تَأْخُذُهُ النَّائِحَةُ وَالْقَوَّالُ وَالْمُغَنِّي فَالْأَمْرُ فِيهِ أَيْسَرُ لِأَنَّ فِيهِ إعْطَاءً بِرِضًا وَمِنْ غَيْرِ عَقْدٍ.
стр. 669
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ]
(الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) (فِي أَنَّ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ) فَيَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ كَمَا عَرَفْت (رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ) أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، وَعَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ يُقَالُ مَاتَ، وَهُوَ سَاجِدٌ (أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ) جَبَلٌ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَيُقَالُ لَهُ جَبَلُ الْأَمِينِ (ذَهَبًا لِرَجُلٍ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَعَدَمِ تَنَافِي مَاهِيَّةِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ شُمُولِ مَاهِيَّةِ الْإِسْرَافِ (، وَلَوْ أَنْفَقَ) أَيْ أَعْطَى فَلِلْمُشَاكَلَةِ أَوْ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (دِرْهَمًا) وَاحِدًا (أَوْ مُدًّا) رُبْعَ صَاعٍ (فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُسْرِفًا) فَمَا أُنْفِقَ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَثُرَ فَلَيْسَ بِسَرَفٍ، وَفِي مَعْصِيَتِهِ فَسَرَفٌ، وَإِنْ قَلَّ لَكِنْ لَعَلَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ ضَرُورَتِهِ كَاضْطِرَارِ قُوتِهِ الْيَوْمِيِّ مَثَلًا إذْ لَا يَجُوزُ تَصَدُّقُ نَحْوِ هَذَا الْقَدْرِ حِينَئِذٍ (وَفِي هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ فِي حَقِّ عَدَمِ كَوْنِ الْإِنْفَاقِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَرَفًا وَلَوْ كَثُرَ، وَرُدَّ (قَوْلُ حَاتِمٍ) الطَّائِيِّ قِيلَ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالسَّخَاءِ وَالْجُودِ (حِينَ قِيلَ لَهُ لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ فَقَالَ لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ) لَعَلَّ حَاتِمًا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَرِيَاضَتِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ حَاتِمًا كَافِرٌ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ كَلَامٌ عَقْلِيٌّ مُطَابِقٌ لِلنَّقْلِ فَيُطَابِقُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ فِي مَضْمُونِهِ (فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ظَاهِرِهِ) أَيْ ظَاهِرِ كَلَامِ مُجَاهِدٍ وَحَاتِمٍ مَثَلًا (أَنْ لَا سَرَفَ فِي الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ضَرُورَةُ احْتِيَاجٍ أَوْ لَا
(وَهَذَا) الظَّنُّ (فَاسِدٌ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَظْهَرُ مِمَّا نُورِدُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ قَوْلِنَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْقَاضِي وَ) الْإِمَامُ الْفَخْرُ (الرَّازِيّ) صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ (وَغَيْرُهُمْ) لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُنْصِفْ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ بَلْ لَمْ يُصِبْ فِي الِاحْتِجَاجِ قَالَ فِي مِعْيَارِ السَّعَادَةِ فَاَلَّذِينَ أَخْطَئُوا فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ بَاطِلَةً، وَعَمَدُوا إلَى الْقُرْآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى رَأْيِهِمْ وَأُصُولِ مَذْهَبِهِمْ مِثْلُ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ وَالْجُبَّائِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ يَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ حَتَّى قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَشَّافَ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ وَمُصَنِّفَهُ إمَامٌ فِي فَنِّهِ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ مُتَجَاهِرٌ بِبِدْعَتِهِ يَضَعُ مِنْ قَدْرِ النُّبُوَّةِ كَثِيرًا وَيُسِيءُ أَدَبَهُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ كَشْطُ مَا فِي كِتَابِ الْكَشَّافِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّ الْأَعَاجِمَ يَدْرُسُونَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَجِبُ مَنْعُ مَنْ لَا يَرْسَخُ فِي الشَّرِيعَةِ وَالسُّنَّةِ قَدَمُهُ عَنْهَا، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ السُّيُوطِيّ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا الرَّازِيّ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ جَمَعَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا التَّفْسِيرَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ شَافِعِيُّونَ، وَلَا خَيْرَ فِي الِاحْتِجَاجِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إذْ لَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إنَّ الِاحْتِجَاجَ رَاجِعٌ إلَى جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ اُعْتُرِفَ أَنَّهُ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ أَيْ الْعَرَبِيَّةِ فَافْهَمْ.
(إدْخَالُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٣] (لِلْكَفِّ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) فَفِي الْإِنْفَاقِ أَيْ الصَّدَقَةِ سَرَفٌ
стр. 670
(بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ (أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْإِنْفَاقِ صَرْفُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هِدَايَتِهِ تَعَالَى وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَلَاحُ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ نَافِلَةٌ، وَهَذَا الْإِنْفَاقُ زَكَاةُ فَرْضٍ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] أَيْ الْوَاجِبَ فِيهِ (يَوْمَ حَصَادِهِ) يُرِيدُ بِهِ مَا كَانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا الزَّكَاةَ الْمُقَدَّرَةَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ الزَّكَاةَ، وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يُؤَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِدْرَاكِ لَا بِالتَّنْقِيَةِ.
﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]- قَالَ السَّابِقُونَ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ (أَيْ، وَلَا تُسْرِفُوا فِي الصَّدَقَةِ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدَقَةِ سَرَفٌ لَمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَصَوَّرًا (لِمَا رُوِيَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ﵁) الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَرَمَ» أَيْ قَطَعَ «خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ» أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهَا وَجَمَعَهُ «ثُمَّ قَسَمَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» عَلَى الْفُقَرَاءِ «وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَهْلِهِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] أَيْ لَا تُعْطُوا كُلَّهُ» .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) (﵀ «قَالَ جَدَّ» أَيْ قَطَعَ «مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَخْلَةً فَلَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ» بِالتَّمْرِ «حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ» لِأَهْلِهِ «فَنَزَلَ ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] » ، وَقَالَ السُّدِّيَّ ﵀ أَيْ، وَلَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ) بِالْكُلِّيَّةِ إلَى الْفُقَرَاءِ (فَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ) أَيْ فَتَصِيرُوا مُحْتَاجِينَ بِالْإِسْرَافِ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] .
وَقَالَ جَابِرٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «جَاءَ غُلَامٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك كَذَا وَكَذَا» كِنَايَةً عَنْ تَعْدَادِ الشَّيْءِ، وَعِدَّتِهِ، وَتَعَدُّدُ الْأَمْرِ كِنَايَةٌ عَمَّا يُرَادُ بِهِ «فَقَالَ ﵊ مَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ) فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيك الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْك فَجَاءَ، وَ (قَالَ فَتَقُولُ لَك) أُمِّي (اُكْسُنِي قَمِيصَك) فَدَخَلَ ﵊ بَيْتَهُ (فَخَلَعَ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْتِ عُرْيَانًا» ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَذَّنَ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ وَانْتَظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﵊ يَخْرُجُ» أَيْ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَمْ يَخْرُجْ «وَاشْتَغَلَتْ الْقُلُوبُ» وَتَرَدَّدَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ «فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فَإِذَا هُوَ عَارٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿فَتَقْعُدَ﴾ [الإسراء: ٢٩] فِي بَيْتِك ﴿مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] مَكْشُوفًا مِنْ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَ (كَذَا ذَكَرَهُ السَّابِقُونَ) مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمَذْكُورِينَ
следующие страницы →