Полный текст (10 128 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٦٧ - (اثنتان) من الخصال (يعجلهما الله) أي يعجل عقوبتهما لفاعلهما (في الدنيا) إحداهما (البغي) أي مجاوزة الحد في الطغيان يعني التعدي بغير حق (و) الثانية (عقوق الوالدين) أي مخالفتهما أو إيذائهما أو أحدهما والمراد من له ولادة وإن علا من الجهتين وألحق بهما الزركشي الخالة والعمة واعترض وقيل العقوق ثكل من لم يثكل وقيل لحكيم كيف ابنك قال عذاب رعف به الدهر وبلاء لا يقاومه الصبر وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه قال تعالى ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ وفيه أن البغي والعقوق من الكبائر وخص هاتين الخصلتين من بين خصال الشر بذكر الععجيل فيهما لا لإخراج غيرهما فإنه قد يعجل أيضا بل لأن المخاطب بذلك كان لا يحترز من البغي ولا يبر والديه فخاطبه بما يناسب حاله زجرا له وكثيرا ما يخص بعض الأعمال بالحث عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها إما لمشقتها عليه وإما لتساهله في أمرها كما مر
(تخ طب عن) عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه (أبي بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ومهملة ابن الحارث بن كلدة بفتحات ابن عمرو الثقفي قيل له أبو بكرة لأنه تدلى للنبي ﷺ ببكرة من حصن الطائف فأسلم كان من فضلاء الصحابة ومشاهيرهم وقيل هو نفيع بن مسروح والحارث بن كلدة مولاه
стр. 177
١٦٨ - (أثيبوا) كافئوا (أخاكم) في الدين على صنيعه معكم معروفا بالضيافة ونحوها قالوا: يا رسول الله بأي شيء نثيبه قال (ادعوا له بالبركة) أي بالنمو والزيادة من الخير الإلهي (فإن الرجل) ذكر الرجل غالبي والمراد الإنسان ولو أنثى (إذا أكل طعامه وشرب شرابه ثم دعى له بالبركة) ببناء أكل وشرب ودعى لللمجهول أي أكل الأضياف من طعامه وشربوا ⦗١٥٢⦘ من شرابه ثم دعوا له بزيادة الخير ونموه ويمكن بناء المذكورات للفاعل أيضا (فذاك) أي مجرد الدعاء (ثوابه) أي مكافأته (منهم) أي من الأضياف يعني إن عجزوا عن مكافأته بضيافة أو غيرها أو لم يتيسر لهم ذلك لعذر منه أو منهم بدليل الخبر الآتي " من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم كافأتموه " أو المراد أن ذلك من ثوابه أو ثوابه المعجل ثم تكافئونه بالمقابل وفيه ندب الضيافة سيما للإخوان والأمر بالمعروف وتعليم العلم والسؤال عما لا يتضح معناه والدعاء لصاحب الطعام بالبركة وفعل الممكن من المجازاة والمبادرة بذلك. (تتمة) قال بعض العارفين النفوس الزكية تنبعث لمكافأة من أحسن إليها ومن أساء طبعا فتعطي كل ذي حق حقه قال الراغب: والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله فسمى الجزاء ثوابا تصورا أنه هو
(د هب عن جابر) بن عبد الله قال صنع أبو الهيتم طعاما ودعا المصطفى وصحبه فلما فرغوا ذكره وقد رمز المصنف لحسنه وفيه ما فيه إذ فيه فليح ابن سليمان المدني أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال قال ابن معين والنسائي غير قوي ولعله باعتبار شواهده
стр. 178
١٦٩ - (اجتمعوا) بهمزة وصل مكسورة خطاب لمن شكوا إليه أنهم يأكلون فلا يشبعون (على طعامكم) ندبا من الاجتماع ضد الافتراق (واذكروا) حال شروعكم في الأكل (اسم الله عليه) بأن تقولوا في أوله بسم الله والأكمل إكمال البسملة فإنكم إن فعلتم ذلك (يبارك) أي الله فهو مبني للفاعل ويجوز للمفعول (لكم فيه) فتشبعون فالاجتماع على الطعام وتكثير الأيدي عليه ولو من الأهل والخدم مع التسمية سبب للبركة التي هي سبب للشبع والخير والتسمية على الأكل سنة كفاية والأكمل أن يسمي كل واحد منهم فإن ترك التسمية أوله عمدا أو سهوا تداركها في أثناءه كما يأتي في خبر
(حم د هـ) في الأطعمة (حب ك) وكذا الطبراني والبيهقي في الجهاد كلهم (عن وحشي) بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة (ابن حرب) ضد الصلح الحبشي مولى جبير بن مطعم أو طعيمة بن عدي وهو قاتل حمزة عم النبي ﷺ ثم قتل مسيلمة الكذاب وقال قتلت خير الناس وشر الناس فهذه بهذه قال رجل: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال: فلعلكم تفترقون على طعامكم اجتمعوا إلى آخره لم يرمز المؤلف له بشيء ونقل بعضهم عنه أنه صححه وهو من رواية وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده كما قال الحاكم وغيره ووحشي هذا قال فيه المزني والذهبي فيه لين وقصارى أمر الحديث ما قاله الحافظ العراقي أن إسناده حسن وقال ابن حجر في صحته نظر فإن وحشي الأعلى هو قاتل حمزة وثبت أنه لما أسلم قال له المصطفى ﷺ غيب وجهك عني فيبعد سماعه منه بعد ذلك إلا أن يكون أرسل وقول ابن عساكر أن صحابي هذا الحديث غير قاتل حمزة يرده وورد التصريح بأنه قاتله في عدة طرق للطبراني وغيره وأقول مما يوهن تصحيحه أن الحاكم مع كونه مشهورا بالتساهل في التصحيح وعيب بذلك لما أورده لم يصححه بل في كلامه إشعار بضعفه فإنه عقبه بقوله أخرجناه شاهدا
стр. 179
١٧٠ - (اجتنب) بهمزة وصل مكسورة (الغضب) أي أسبابه أي لا تفعل ما يأمر به ويحمل عليه من قول أو فعل لأن نفس الغضب جبلي إذ هو غليان دم القلب لإرادة الانتقام وقد خلق من نار وغرس في الإنسان فمتى نوزع في غرض ثار الغضب فغلى دم القلب وسرى إلى العروق فإن قدر على الانتقام أحمر وجهه وإلا انقبض الدم واصفر اللون وانقلب الغضب حزنا ومحل قوة الغضب القلب فالناس فيه ما بين تفريط وإفراط واعتدال فالتفريط أن يفقد قوة الغضب وهو مذموم إذ لا حمية ولا غيرة لمن هو كذلك والافراط أن يخرج عن سياسة العقل ويقع في نقص الدين ولا ينظر في العواقب وهذا محل النهي وما بين ذلك هو الوسط المحمود قال البيضاوي ولعله لما رأى جميع المفاسد ⦗١٥٣⦘ التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته وغضبه وكانت شهوة السائل مكسورة نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره فإنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان أقوى أعدائه
(ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذم الغضب) أي فيما جاء فيه (وابن عساكر) في تاريخه عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف (عن رجل من الصحابة) أن رجلا قال: يا رسول الله حدثني بكلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فذكره وجهالته لا تصير الحديث مرسلا كما في تخريج الهداية لابن حجر وهذا الحديث بمعناه في البخاري إذ فيه من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني قال: لا تغضب
стр. 180
١٧١ - (اجتنبوا) أبعدوا وهو أبلغ من لا تفعلوا لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة ذكره الطيبي (السبع) أي الكبائر السبع ولا ينافيه عدها في أحاديث أكثر لأنه أخبر في كل مجلس بما أوحى إليه أو ألهم أو سنح له باعتبار أحوال السائل أو تفاوت الأوقات أو لزيادة فحشها وفظاظة قبحها أو لأن مفهوم العدد غير حجة أو لغير ذلك (الموبقات) بضم الميم وكسر الموحدة التحتية المهلكات جمع موبقة وهي الخصلة المهلكة أو المراد الكبيرة أجملها وسماها مهلكات ثم فصلها ليكون أوقع في النفس وليؤذن بأنها نفس المهلكات وقول التاج السبكي الموبقة أخص من الكبيرة وليس في حديث أبي هريرة أنها الكبائر تعقبه الحافظ ابن حجر بالرد قال ابن عباس وهي إلى السبعين أقرب وابن جبير إلى السبع مئة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها وللحافظ الذهبي جزء فيه نحو الأربع مئة ذكره الأذرعي (الشرك) بنصبه على البدل ورفعه وكذا ما بعده على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ومنها الشرك (بالله) أي جعل أحد شريكا لله والمراد الكفر به وخصه لغلبته حينئذ في الوجود فذكره تنبيها على غيره من صنوف الكفر (و) الثانية (السحر) قال الحراني: وهو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في ضمنها من سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله تعالى عليه وفي حاشية الكشاف للسعد هو مزاولة النفس الخبيثة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة قال التاج السبكي والسحر والكهانة والتنجيم والسيمياء من واد واحد (و) الثالثة (قتل النفس التي حرم الله) قتلها عمدا كان أو شبه عمد لا خطأ كما صرح به شريح الروياني والهروي وجمع شافعيون أي فإنه لا كبيرة ولا صغيرة لأنه غير معصية (إلا بالحق) أي بفعل موجب للقتل وأعظم الكبائر والشرك ثم القتل ظلما وما عدا ذلك يحتمل كونه في مرتبة واحدة لكونه سردها على الترتيب لأن الواو لا توجبه والأظهر أن هذا النهي وشبهه إنما ورد على أمر مخصوص فأجاب السائل على مقتضى حاله وصدور هذه الخصال منه أوهمه بها أو كان في المجلس من حاله ذلك فعرض به إما أنه مما أوحي إليه أو عرفه بما له معجزة (و) الرابعة (أكل مال اليتيم) يعني التعدي فيه وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع (و) الخامسة (أكل الربا) أي تناوله بأي وجه كان. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة ولهذا ذكره عقب ما هو علامة سوء خاتمتها وتردد ابن عبد السلام في تقييده بنصاب السرقة (و) السادسة (التولي) أي الإدبار من وجوه الكفار (يوم الزحف) أي وقت ازدحام الطائفتين إلا إن علم أنه إن ثبت قتل بغير نكاية في العدو فليس بكبيرة بل ولا صغيرة بل يباح بل يجب. قال ابن عبد السلام: وأشد منه ما لو دل الكفار على عورة المسلمين عالما بأنهم يستأصلونهم ويسبون حريمهم والزحف الجيش الدهم سمي به لكثرته وثقل حركته يرى كأنه يزحف زحفا أي يدب دبيبا (و) السابعة (قذف المحصنات) بفتح الصاد المحفوظات من الزنا وبكسرها الحافظات فروجهن منه والمراد رميهن بزنا أو لواط (المؤمنات) بالله تعالى احترازا عن قذف الكافرا ت فإنه من الصغائر قال الراغب: والقذف الرمي البعيد استعير للشتم والعيب والبهتان (الغافلات) عن الفواحش وما قذفهن به فهو كناية عن البريئات \ لأن الغافل بريء عما بهت به من الزنا والقذف ⦗١٥٤⦘ به كبيرة إلا لصغيرة لا تحتمل الوقاع ومملوكة وحرة متهتكة فصغيرة لأن الإيذاء في قذفهن دونه في كبيرة مستترة قاله الحليمي وتوقف الأذرعي ونظر الزركشي في المملوكات لخبر من قذف عبدة أقيم عليه الحد يوم القيامة وإلا في قذف المحصنة بخلوة بحيث لا يسمعه أحد إلا الله والحفظة فليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة قاله ابن عبد السلام لكن خالفه البلقيني تمسكا بظاهر ﴿الذين يرمون المحصنات﴾ والخبر المشروح قال الزركشي: ويظهر قول ابن عبد السلام في الصادق لا الكاذب لجرأته عليه تعالى وإلا فقذفه زوجته إذا علم زناها أو ظنه مؤكدا فليس بكبيرة بل ولا صغيرة وكذا جرح راو وشاهد بالزنا إن علم به بل يجب قال ابن عبد السلام وأشد منه ما لو أمسك محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله
(ق د ن عن أبي هريرة)
стр. 181
١٧٢ - (اجتنبوا الخمر) مصدر خمره إذا ستره سمي به عصير العنب إذا اشتد لأنه يخمر العقل ولها نحو أربع مئة اسم وتذكر وتؤنث والتأنيث أفصح وهو حرام مطلقا وكذا كل ما أسكر عند الأكثر وإن لم يسكر لقلته بل الشافعي وأحمد ومالك على وصفها بذلك فعندهم الخمر كل مسكر وخالف أبو حنيفة فالمعنى على رأى الجماعة اجتنبوا كل مسكر أي ما من شأنه الاسكار فشمل العصر والاعتصار والبيع والشراء والحمل والمس والنظر وغيرها (فإنها مفتاح كل شر) كان مغلقا من زوال العقل والوقوع في المنهيات واقتحام المستقبحات ونزول الأسقام وحلول الآلام وفي خبر الديلمي عن ابن عمر رفعه تزوج شيطان إلى شيطانة فخطب إبليس اللعين بينهما فقال: أوصيكم بالخمر والغناء وكل مسكر فإني لم أجمع جميع الشر إلا فيهما
(عد ك) في الأطعمة (هب) كلهم (عن ابن عباس) قال ك صحيح وأقره الذهبي لكن فيه محمد بن إسحاق خرج له مسلم وأورده الذهبي في الضعفاء وقال ثقة وكذبه الهيتمي ومالك والقطان وقال ابن معين: ثقة غير حجة وقال مرة أخرى: غير قوي ونعيم بن حماد من رجال الصحيح لكن قال الأزدي وابن عدي يضع وقال أبو داود عنده نحو عشرين حديثا لا أصل لها
стр. 182
١٧٣ - (اجتنبوا) وجوبا (الوجوه) جمع وجه والمراد الوجه من آدمي محترم أريد حده أو تأديبه أو بهيم كذلك قصد استقامته وتدريبه ثم بين وجه الاجتناب بقوله (لا تضربوها) فيحرم ذلك كما يحرم وشمه ووسمه وذلك لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان بل من كل حيوان فامتهانه بما يؤدي إلى تشويه من العصيان أو المراد بالوجه الوجهاء والعظماء فلا تضربوا من توجه عليه تعزير من رؤساء الناس وأكابرهم بل اقتصروا فيه على ما يليق به منن نحو توبيخ بالقول فهو من قبيل: أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم وهذا وإن كان وجيها ففي بعض الروايات ما يعين الأول أما غير المحترم كحربي ومرتد وسبع ضار وكلب عقور فلا والضرب أصله كما قال الراغب وقع شيء على شيء ولتنوع صنوف الضرب خولف بين تفاسيره كضرب الشيء بنحو عصا وضرب الدراهم اعتبارا بضرب المطرقة وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه والضرب في الأرض الذهاب فيها وهو ضربها بالأرجل وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء بظهر أثره في غيره
(عد عن أبي سعيد) الخدري ولم يرمز المؤلف له بشيء وهو ضعيف
стр. 183
١٧٤ - (اجتنبوا التكبر) بمثناة فوقية قبل الكاف بخط المؤلف فما في بعض النسخ من إسقاطها من تحريف النساخ وهو تعظيم المرء نفسه واحتقار غيره والأنفة مساواته وينشأ عنه الغضب لأن غيره إذا ساراه غضب والحقد لما أضمره المرء في نفسه من الترفع على من تكبر عليه والغش لأنه لا ينصح من تكبر عليه إذ قصده كون غيره معيبا منقوصا وآفات الكبر كثيرة وما من خلق ذميم إلا والكبر محتاج إليه مصاحب له وقلما ينفك عنه العلماء بل والعباد ⦗١٥٥⦘ والزهاد إذ يعجبون بكثرة أتباعهم وربما سار الواحد وأتباعه حوله ولو انفرد ساءه ذلك ولو لم يكن من الوعيد للمتكبر إلا نفي محبة الله له في النصوص القرآنية وخبر لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر لكفى (فإن العبد) الإنسان (لا يزال يتكبر حتى يقول الله تعالى) لملائكته (اكتبوا عبدي) وفي رواية عبدي هذا المعتدي طوره الذي نازع ربه رداءه وتعرض للمقت والهلاك (في) الإضافة للملك لا للتشريف (الجبارين) جمع جبار وهو المتكبر العاتي. وكفى بذلك إعلاما باستقباح الاستكبار كيف وهو يفضي بصاحبه إلى بئس القرار النار وقد أفلح من هدى إلى تجنبه وفاز بخيري الدنيا والآخرة وترك الكبر داع إلى السلامة من شر الناس فينتفي عنه بتركه ما يترتب عليه من أنواع الأذى وضروب المهالك. قال الشافعي: التواضع من أخلاق الكرام والتكبر من أخلاق اللئام وأرفع الناس قدرا من لا يرى قدره وأكبرهم فضلا من لا يرى فضله وقال القاضي أبو الطيب من تصدى قبل أوانه فقد تصدى لهوانه وفي الشعب: من رضي أن يكون ذنبا أبى الله إلا أن يجعله رأسا وقال الماوردي: الكبر يكسب المقت ويلهي عن التأله ويوغر صدور الإخوان
(أبو بكر) وأحمد بن علي بن أحمد (ابن لال) قال الكمال: ومعنى لال أخرس وهو أبو بكر الهمداني من أهل القرن الرابع فقيه شافعي تفقه على أبي إسحاق وغيره وله مؤلفات كثيرة في الحديث قالوا: والدعاء عند قبره مستجاب (في) كتابه (مكارم الأخلاق) أي فيما ورد في فضلها (وعبد الغني بن سعيد) الحافظ المشهور (في) كتاب (إيضاح الإشكال عد) كلهم (عن أبي أمامة) الباهلي وفيه عثمان بن أبي عاتكة ضعفه النسائي وغيره وهو علي ابن يزيد الالهاني قال في التقريب ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن صدوق لكنه يغرب كثيرا
стр. 184
١٧٥ - (اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة وهي كل قول أو فعل يستفحش أو يستقبح لكن المراد هنا الفاحشة يعني الزنا لأنه لما رجم ماعزا ذكره سميت قاذورة لأن حقها أن تتقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها أفاده الزمخشري (التي نهى الله عنها) أي حرمها (فمن ألم) بالتشديد أي نزل به والإلمام كما في الصحاح مقاربة المعصية من غير مواقعة وهذا المعنى له لطف هنا يدرك بالذوق (بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله) بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود (فإنه) أي الشأن (من يبد) بضم المثناة تحت وسكون الموحدة (لنا صفحته) أي ظهر لنا فعله الذي حقه الإخفاء والستر وصفحة كل شيء جانبه ووجهه وناحيته كنى به عن ثبوت موجب الحد عند الحاكم (نقم) نحن معشر الحكام (عليه كتاب الله) أي الحد الذي حده الله في كتابه والسنة من الكتاب فيجب على المكلف إذا ارتكب ما يوجب لله حدا الستر على نفسه والتوبة فإن أقر عند حاكم أقيم عليه الحد أو التعزير وعلم من الحديث أن من واقع شيئا من المعاصي ينبغي أن يستتر وحينئذ فيمتنع التجسس عليه لأدائه إلى هتك الستر قال الغزالي: وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه قال فلا يجوز استراق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار ولا الدخول عليه لرؤية المعصية إلا أن يظهر عليه ظهورا يعرفه من هو خارج الدار كصوت آلة اللهو والسكارى ولا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يستخبر جيرانه ليخبروه بما جرى في داره وقد أنشد في معناه:
لا تلتمس من مساوي الناس مستترا. . . فيكشف الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا. . . ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
(ك هق عن ابن عمر) بن الخطاب قال: قام المصطفى ﷺ بعد رجم الأسلمي فذكره قال ك على شرطهما وتعقبه الذهبي فقال غريب جدا لكنه في المهذب قال إسناده جيد وصححه ابن السكن وذكره الدارقطني في العلل ⦗١٥٦⦘ وصحح إرساله وقول ابن عبد البر لا نعلمه بوجه قال ابن حجر مراده من حديث مالك ولما ذكر إمام الحرمين في النهاية هذا الحديث قال صحيح متفق عليه فتعجب منه ابن الصلاح وقال أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث الذي يفتقر إليها كل عالم
стр. 185
١٧٦ - (اجتنبوا مجالس) أي مواضع جلوس (العشيرة) الرفقاء المتعاشرون. قال الزمخشري: تقول هو عشيرك أي معاشرك أيديكما وأمركما واحد وزوج المرأة عشيرها أي لا تجلسوا في مجالس الجماعة الذين يجلسون للتحدث بالأمور الدنيوية لما يقع فيها من اللغو واللهو وقد يجر لإضاعة صلاة أو وقيعة أما مقاعد الخير كذكر وتعلم علو وتعليمه وقراءة قرآن وأمر بمعروف ونهي عن منكر فيتأكد لزومها ثم إطلاقه المجالس شامل لما كان على الطريق وغيره ففيه أنه يكره الجلوس في الشارع للحديث ونحوه إلا أن يعطيه حقه كغض البصر ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف الأذى كترك الغيبة والنميمة وسوء الظن واحتقار المار وكون القاعد يهابه المارة ويتركون المرور لأجله ولا طريق سواه قال القرطبي في هذا الحديث إنكار للجلوس على الطرقات وزجر عنه لكن محله ما إذا لم يكن إليه حاجة كما قالوا في خبر مسلم ما لنا من ذلك بد لكن العلماء فهموا أن المنع ليس للتحريم بل إرشاد إلى المصالح
(ص عن أبان) بفتح الهمزة والموحدة منصرف لأنه فعال كغزال وقيل هو أفعل فلا ينصرف لوزن الفعل مع العلمية (ابن عثمان) بن عفان (مرسلا) هو تابعي جليل. قال الذهبي: كان فقيها مجتهدا وكان أميرا على المدينة في زمن ابن عم أبيه عبد الملك بن مروان وعدول المؤلف لرواية إرساله واقتصاره عليها يوهم أنه لم يقف عليه مسندا متصلا وهو عجيب فقد خرجه مسلم في صحيحه من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده أبي طلحة الأنصاري الصحابي الكبير الشهير لكن بلفظ: اجتنبوا مجالس الصعدات. وزاد بيان السبب فقال: " كنا قعودا بالأقنية نتحدث إذ جاء رسول الله ﷺ فقدم علينا فقال: ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات. فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس قعدنا لنتذاكر ونتحدث. قال: أما إذا فأدوا حقها: غض البصر ورد السلام وحسن الكلام " انتهى بنصه وإسحاق أحد الثقات الكبار تابعي جليل إمام خرج له الستة
стр. 186
١٧٧ - (اجتنبوا الكبائر) جمع كبيرة وقد اضطرب في تعريفها فقيل ما توعد عليه أي بنحو غضب أو لعن بخصوصه في الكتاب أو السنة واختاره في شرح اللب واعترض بعضهم أن هناك كبائر ليس فيها ذلك كظهار وأكل خنزير وإضرار في وصية وقيل ما يوجب الحد وأورد عليه الفرار من الزحف والعقوق وشهادة الزور والربا ونحوها مما لا حد فيه وهو كبيرة وأجيب بتأويله على إرادة ما عدا المنصوص وقيل كل جريمة تؤذن بقلة أكثر أن مرتكبها بالدين ورقة الديانة واختاره التاج السبكي عازيا لإمام الحرمين واعترض نعم هو أشمل التعاريف قال الزركشي: والتحقيق أن كل واحد من الأقوال اقتصر على بعض أنواعها وبالمجموع يحصل الضابط (وسددوا) اطلبوا بأعمالكم السداد أي الاستقامة ما استطعتم والقصد في الأمر والعدل فيه ولا تشددوا فيشدد الله عليكم ولهذا لما تكرر استكشاف بني إسرائيل عن صفة البقرة شدد الله عليهم ولو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم كما جاء في الخبر ومن ثم قالوا الاستقصاء شؤم وكتب بعض الخلفاء إلى عامله أن يقطع أشجار قوم ويهدم دورهم فكتب إليه بأيهما أبدأ فقال إن قلت لك بقطع الشجر قلت بأي نوع منها فعزله حالا (وأبشروا) بقطع الألف المفتوحة وسكون الموحدة وكسر المعجمة أي إذا تجنبتم الكبائر واستعملتم السداد في الظواهر والسرائر فأبشروا بما وعدكم ربكم به بقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم﴾ الآية
(ابن جرير) الإمام المجتهد المطلق في تفسيره (عن قتادة) بن دعامة بكسر المهملة (مرسلا) وهو أبو الخطاب الدوسي الأعمى البصري الحافظ أحد الأئمة الأعلام روى عن أنس ⦗١٥٧⦘ وغيره قال في الكشاف لم يكن في هذه الأمة أكمه ممسوح العينين سواه
стр. 187
١٧٨ - (اجتنبوا) وجوبا (دعوات) وفي رواية دعوة وهو بمعناه لأنه مفرد مضاف فيعم (المظلوم) فإنها (ما) أي ليس (بينها وبين الله) تعالى (حجاب) مجاز عن سرعة القبول كما مر ومن عرف هذا وعلم أن وراء الظالمين طالبا لا يرد بأسه ولم يقلع ويرجع فقد طبع على قلبه وحجب عن ربه. ثم هذا وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الدعاء على ثلاث مراتب إما أن يعجل له ما طلب أو يدخر له أفضل منه أو يدفع عنه من السوء مثله كما قيد ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ بقوله تعالى ﴿ويكشف السوء﴾ وبقوله ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾
(ع عن أبي سعيد) الخدري (وأبي هريرة) الدوسي (معا) رمز المؤلف لضعفه هكذا رأيته في مسودته بخطه
стр. 188
١٧٩ - (اجتنبوا كل) أي تناول كل (مسكر) يعني ما شأنه الاسكار فشمل قطرة منه وعبر بكل ليشمل بمنطوقه المسكر من ماء العنب وغيره كزبيب وحب وتمر والمائع وغيره كبنج وحشيش لكن المائع أصله حرام نجس وغيره حرام طاهر هذا ما عليه الشافعية كالجمهور وخالف الحنفية فقالوا يحرم المتخذ من ماء العنب وإن قل ولم يسكر إلا إذا طبخ على تفصيل فيه عندهم ولا يحرم المتخذ من غيره إلا القدر الذي يسكر انتهى وشمل إطلاق الحديث تناوله لتداو أو عطش وإن فقد غيره وبه قال الشافعي
(طب عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وشدة الفاء ابن عبد نهم بفتح النون وكسر الهاء المزني بضم الميم وفتح الزاي وبالنون من أصحاب الشجرة قال كنت أرفع أغصانها عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أول من دخل مكة وكبر وقت الفتح قال ابن حجر سنده لين ورواه عنه أيضا أحمد بلفظ اجتنبوا المسكر وسنده حسن وله طرق كثيرة جدا انتهى وبه يعرف ما في رمز المؤلف لضعفه
стр. 189
١٨٠ - (اجتنبوا ما) أي الشراب الذي (أسكر) شربه قال الحراني: ألحق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتحريم الخمر الذي سكرها مطبوع تحريم المسكر الذي سكره مصنوع فالمتخذ من غير العنب يحرم شرب قليله عند الجمهور كما يحرم شرب قليل الخمر المتخذ من العنب ويحرم كثيره اتفاقا وقد فهم الصحب من الأمر باجتناب المسكر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الأنواع ولم يستفصلوا والصحابة أعرف بالمراد ممن جاء بعدهم
(الحلواني) بضم المهملة الحسن بن علي الخلال (عن علي) أمير المؤمنين رمز المؤلف لضعفه وذلك لأن فيه علي بن زيد بن جدعان لينه الدارقطني وغيره قال ابن حجر وفي الباب عن نحو ثلاثين صحابيا وأكثر الأحاديث عنهم جياد ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله بحال بل يجب اجتنابه وقد قال ابن المبارك لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين إلا النخعي
стр. 190
١٨١ - (اجثوا) بضم الهمزة والمثلثة اجلسوا أو ابركوا معتمدين (على الركب) بين يدي الله تعالى عند إرادة الدعاء لأنه أبلغ في الأدب وأقرب إلى التواضع وهي جلسة العبد الذليل بين يدي الملك الجليل فهو نهي عن التربع حال الدعاء لما فيه من التمكن في الجلوس الذي هو شأن المتكبرين ولهذا قال في الخبر المار " أجلس كما يجلس العبد " والركب جمع ركبة وهي أول المنحدر عن الفخذ إلى أول أعلى الساق كما يشير إليه قول الصحاح الركبة معروفة والمعروف أنها ⦗١٥٨⦘ ما ذكروه به رد قول القاموس هي موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق وكثيرا ما يقع للقاموس الخروج عن اللغة لغيرها (ثم قولوا) ثم بمعنى الواو وهي الواردة في خبر الطبراني أي اجثوا على الركب عند دعائكم قائلين حالتئذ (يا رب) أعطنا (يا رب) أعطنا أي كرروا ذلك كثيرا فإن العبد إذا قال ذلك قال الله لبيك عبدي سل تعط هكذا رواه ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها موقوفا وخصه لما فيه من معنى التربية والإصلاح وهذا تعليم منه لأمته كيف يدعون ربهم وكيف يضرعون إليه وتكرير يا رب من باب الابتهال وإعلام بما يوجب حسن الإجابة والاثابة من احتمال المشاق في دين الله والصبر على صعوبة تكاليفه وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه بالعمل بالجهل والغباوة ذكره الزمخشري <تنبيه> قال ابن حجر: ذهب بعضهم إلى أن رب هو الاسم الأعظم وقد أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء وابن عباس بلفظ اسم الله الأكبر رب رب ووجهه بعضهم بأنه الكفيل بتربية ذرات الوجود والمدر عليها أنواع الجود ولم يخرج عن حضرة إحسان هذا الاسم مؤمن ولا كافر ولا بر ولا فاجر بل أدر الأرزاق وأسدى الإحسان وعامل باللطف والامتنان
(أبو عوانة) الحافظ يعقوب في صحيحه (والبغوي) إمام السنة وكذا الطبراني في الأوسط كلهم من حديث عامر بن خارجة بن سعد عن أبيه (عن) جده (سعد) بن أبي وقاص قال شكى قوم إلى المصطفى ﷺ قحط المطر فقال اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا رب ورفع السبابة إلى السماء ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم. قال في الميزان في ترجمة عامر هذا قال البخاري فيه نظر ثم ساق له هذا الخبر قال في اللسان وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال يروي عن جده حديثا منكرا في المطر لا يعجبني ذكره ثم أورد هذا الحديث بعينه وقال ابن حجر في غير اللسان في سنده اختلاف وعامر بن خارجة ضعفه الذهبي وغيره ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده
стр. 191
١٨٢ - (أجرؤكم) من الجرأة وهي الإقدام على الشيء (على قسم الجد) أي على الإفتاء أو الحكم بتعيين ما يستحقه من الإرث (أجرؤكم على النار) أي أقدمكم على الوقوع فيها يوم القيامة تسوقه الزبانية إليها لأن الجد يختلف ما يأخذه من فرض وتعصيب وثلث وسدس وتتفاوت مراتبه بحسب القرب والبعد وفي شأنه من الاضطراب ما يحير الألباب فمن تساهل وأقدم على القضاء أو الإفتاء بقدر ما يستحقه بغير تثبت وتحقق فقد عرض نفسه للنار ومن ثم نقل عن عمر أنه لما احتضر قال احفظوا عني لا أقول في الكلالة ولا في الجد شيئا ولا أستخلف وأخرج يزيد بن هارون عن ابن سيرين عن عبيدة قال: إني لأحفظ عن عمر في الجد مئة قضية كلها ينقض بعضها بعضا قال ابن الأثير: وفي حديث علي من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد أي يرمي بنفسه في معاظم عذابها
(ص عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية على الأشهر وتكسر (مرسلا) هو المخزومي أحد الأعلام رأس علماء التابعين وفردهم وأفضل فقهائهم حدث عن عمر وغيره وعنه الزهري وخلق رمز لصحته
стр. 192
١٨٣ - (اجرؤكم على الفتيا) بضم الفاء أي أقدمكم على إجابة السائل عن حكم شرعي من غير تثبت وتدبر والإفتاء بيان حكم المسألة. قال في الكشاف: الفتوى الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتي في السن (أجرؤكم على النار) أقدمكم على دخولها لأن المفتي مبين عن الله خكمه فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار ﴿الله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ قال الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيها وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله تعالى انتهى. وقال ابن النكدر: المفتي يدخل بين الله ⦗١٥٩⦘ وبين خلقه فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر. كان ابن عمر إذا سئل قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمر الناس فضعها في عنقه وقال: يريدون أن يجعلونا جسرا يمرون علينا على جهنم فمن سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها أو من كلف الفتوى بها وذلك طريقة السلف. وقال ابن مسعود: الذي يفتي عن كل ما يستفتى عنه مجنون. قال الماوردي: فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا له حد يقف عنده ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل وقال الحكماء: من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم فحسبك خجلا من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهل بعضه وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحي أن تقول لا أعلم فيما لا تعلم وقال ابن أبي ليلى: أدركت مئة وعشرين صحابيا وكانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول قال حجة الإسلام فانظر كيف انعكس الحال صار المرهوب منه مطلوبا والمطلوب مرهوبا؟ وبما تقرر علم أنه يحرم على المفتي التساهل وعليه التثبت في جوابه ولو ظاهرا فلا يطلق في محل التفصيل فهو خطأ وإذا سئل عن قائل ما يحتمل وجوها كثيرة فلا يطلق بل يقول إن أراد كذا فكذا وينبغي أن لا يفتي مع وجود شاغل لفكره كالقضاء
(الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي في سنده المشهور له بالترجيح المستحق لأن يسمى بالصحيح. قال الحافظ ابن حجر: مسند الدارمي ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير (عن عبد الله) بالتصغير (ابن أبي جعفر مرسلا) هو أبو بكر المصري الفقيه أحد الأعلام والأئمة الكبار
стр. 193
١٨٤ - (اجعل) بكسر فسكون يا بلال إذ الخطاب له كما جاء مصرحا به في رواية البيهقي وغيره (بين أذانك وإقامتك) للصلاة (نفسا) بفتح الفاء أي ساعة قال الزمخشري: تقول أنت في نفس من أمرك أي في سعة وتنفس الصبح وتنفس النهار طال (حتى) أي إلى أن (يقضي) أي يتم (المتوضئ) يعني المتطهر أي الشارع في الطهر (حاجته) ويأتي بالشروط والفروض والسنن (في مهل) بفتح أوليه بضبط المؤلف يعني بتؤدة وسكينة إذا اتسع الوقت (و) حتى (يفرغ الآكل) بالمد وكسر الكاف (من) أكل (طعامه في مهل) بأن يشبع فيندب للمؤذن أن يفصل عند اتساع الوقت بين الأذان والإقامة بقدر فعل المذكورات وقدر السنة والاجتماع وهذا الحديث وإن كان واهي الإسناد له شواهد منها حديث الترمذي عن جابر رفعه اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته ومنها حديث أبي هريرة وغيره قال في الفتح وكلها واهية وقد أشار البخاري إلى أن التقدير بذلك لا يثبت قال ابن بطال: لاحد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين
(عم) فيما زاد على المسند من غير أبيه من حديث أبي الجوزاء (عن أبي) بن كعب قال الهيتمي: وأبو الجوزاء لم يسمع من أبي (أبو الشيخ [ابن حبان] ) ابن حبان (في) كتاب (الأذان) والإقامة (عن سلمان) الفارسي هو عبد الله أبو عثمان الهندي مات بالمدائن وعمره قيل ثلاث مئة وخمسين سنة والأكثر على مائتين وخمسين سنة كما في الكاشف (وعن أبي هريرة) معا قال الترمذي في إسناده مجهول وقال الحاكم ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد انتهى قال الذهبي عمرو هذا قال الدارقطني متروك وقال ابن عبد الهادي اتهمه المديني وذكره النووي في الأحاديث الضعيفة وحصر الحاكم منعه الحافظ العراقي بأن فيه أيضا عبد المنعم الرياحي منكر الحديث كما قال البخاري وغيره انتهى وبذلك كله يعلم ما في تحسين المؤلف له إلا أن يريد أنه حسن لغيره
стр. 194
١٨٥ - (اجعلوا) من الجعل كما قال الحراني وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير (آخر صلاتكم بالليل) يعني ⦗١٦٠⦘ تهجدكم فيه (وترا) بالكسر والفتح وهو الفرد ما لم يشفع من العدد والمراد صلاة الوتر وذلك لأن أول صلاة الليل المغرب وهي وتر فناسب كون آخرها وترا والأمر للوجوب عند أبي حنيفة وللندب عند الشافعي بدليل ذكر صلاة الليل فإنها غير واجبة اتفاقا فكذا آخرها وخبر من لم يوتر فليس منا معناه غير عامل بسنتنا وفيه الأمر بجعل صلاة الوتر آخر الليل فتأخيره إلى آخره أفضل لمن وثق بانتباهه آخر الليل وتقديمه لغيره أفضل كما يصرح به خبر مسلم " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة " أي تشهدها ملائكة الرحمة وعلى التفصيل تحمل الأحاديث المطلقة كخبر أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر
(ق د) في الصلاة (عن ابن عمر) بن الخطاب وقضية صنيعه أنه لم يروه من الستة إلا هؤلاء الثلاثة والأمر بخلافه فإن النسائي رواه معهم
стр. 195
١٨٦ - (اجعلوا) ندبا (أئمتكم) أي الذين يؤمون بكم في الصلاة (خياركم) أي قدموا للإمامة أفضلكم بالصفات المبينة في كتب الفروع (فإنهم) أي الأئمة وفي لفظ فإنها (وفدكم) بفتح الواو وسكون الفاء أي متقدموكم المتوسطون (فيما بينكم وبين ربكم) وكلما علت درجة المتوسط كان أرجى للقبول وأقرب إلى إفاضة الرحمة وإدرار البر على المقتدين به والوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقى العظماء لقضاء المهمات ودفع الملمات وذلك أن الإمام خليفة المصطفى ﷺ إذ هو الواسطة الأفخم والقائد الأعظم والإمام المقدم يوم القيامة فكذا هو إمامهم في وفادتهم في الدنيا في صلاتهم فالإمامة بعده للأقرب فالأقرب منه منزلة والأمثل فالأمثل به مرتبة وأجل مراتب العباد وأعلى منازلهم المعرفة بالله والخلق فيها صنفان عارف في ذات الله وهو مقام الرسل والأنبياء وواصلي الأولياء وعارف بصفات الله وهو مقام خيار المؤمنين فهم أحق بالتقدم بالإمامة فيقدم ندبا في الإمامة العدل على الفاسق ثم الأفقه ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأسبق إسلاما ثم الأسن ثم النسيب ثم الأحسن ذكرا ثم الأنظف ثوبا ثم الأحسن صوتا ثم الأحسن صورة ذكره الشافعية
(قط هق) وضعفه كما في الكبير عنه كلاهما من حديث سعيد بن جبير (عن ابن عمر) بن الخطاب رمز المصنف لحسنه وليس كما قال فقد أعله الدارقطني بأن فيه عمرو بن يزيد قاضي المدائن وسلام بن سليمان بن سوار بن المنذر قال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه انتهى قال الذهبي في المهذب إسناده ضعيف وفي التنقيح سنده مظلم أه وسبقه لنحوه عبد الحق وابن القطان وغيرهما
стр. 196
١٨٧ - (اجعلوا من صلاتكم) أي بعضها قال الطيبي: من تبعيضية وهو مفعول أول ل اجعلوا والثاني (في بيوتكم) أي اجعلوا بعض صلاتكم التي هي النفل مؤداة في بيوتكم فقدم الثاني للاهتمام بشأن البيوت إذ من حقها أن يجعل لها نصيب من الطاعات انتهى وقيل من زائدة كأنه قال اجعلوا صلاتكم النفل في بيوتكم لتعود بركتها على البيت وأهله ولتنزل الرحمة فيها والملائكة ويكثر خيرها ويفر منها الشيطان فالنفل في البيت أفضل منه في المسجد ولو الحرام إلا ما سن جماعة وركعتا الطواف والإحرام وسنة الجمعة القبلية وقيل أراد بالصلاة الفرض ومعناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدى بكم من لا يخرج إلى المسجد من نحو امرأة ومريض والجمهور على الأول لقوله في حديث مسلم إذا قضى أحدكم الصلاة في المسجد فليجعل لبيته نصيبا من صلاته (ولا تتخذوها قبورا) أي كالبور مهجورة من الصلاة شبه البيوت التي لا يصلى فيها بالقبور التي لا يمكن الموتى التعبد فيها
(حم ق د) وكذا ابن ماجه كلهم في الصلاة (عن ابن عمر) ابن الخطاب (ع والروياتي) محمد بن هارون الحافظ وليس بالفقيه الشافعي (والضياء) المقدسي في المختارة كلهم (عن) أبي ⦗١٦١⦘ عبد الرحمن (زيد بن خالد) الجهني بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون صحابي مشهور وكان معه لواء جهينة يوم الفتح (ومحمد ابن نصر) الفقيه الكبير أحد رفعاء الشافعية وعظمائهم (في) كتاب (الصلاة) وهو مؤلف مستقل حافل (عن عائشة) الصديقة ﵂ ومع وجود الحديث في الصحيحين لا حاجة لعزوه لغيرهما اللهم إلا أن يكن قصده إثبات تواتره
стр. 197
١٨٨ - (اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا) أي وقاية (من الحلال) وهو واحد الستور قال الزمخشري: من المجاز رجل مستور وهتك الله ستره اطلع على مساويه وفلان لا يستتر من الله بستر أي لا يتقي الله فإن (من فعل ذلك) أي جعل بينه وبين الحرام سترا فقد (استبرأ) بالهمز وقد تخفف طلب البراءة (لعرضه) بصونه عما يشينه ويعيبه وفي المختار الاستبراء عبارة عن التبصر والتعرف احتياطا (ودينه) عن الذم الشرعي والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان كما قاله بعض الأعيان قال الزمخشري: تقول اعترض فلان عرضي إذا وقع فيه وتنقصه ومن زعم كالشهاب ابن حجر الهيتمي أن المراد هنا الحسب وما يعده الإنسان من مفاخره ومفاخر آبائه فكأنه نقله من لغة غير ناظر إلى ما يلائم السياق في هذا المحل بخصوصه ومقصود الحديث أن الحلال إذا خيف أن يتولد من فعله خور شرعي في نفسه أو أهله أو سلفه تعين تجنبه ليسلم من الذم والعيب والعذاب ويدخل في زمرة المتقين (ومن أرتع فيه) أي أكل ما شاء وتبسط في المطاعم والملابس كيفما أحب يقال رتعت الماشية أكلت ما شاءت قال الزمخشري: من المجاز رتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد وسعة (كان كالمرتع) بضم الميم وكسر التاء (إلى جنب الحمى) أي جانبه من إطلاق المصدر على المفعول أي المحمي وهو الذي لا يقربه أحد احتراما لمالكه. قال الراغب: وأصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعمال سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال. وقال الزمخشري: حميت المكان منعته أن يقرب فإذا امتنع وعز قلت أحميته أي صيرته حمى فلا يكون حمىإلا بعد الحماية ومن المجاز حميته أن يفعل كذا إذا منعته (يوشك) بضم المثناة تحت وكسر المعجمة مضارع أوشك بفتحها وهو من أفعال المقاربة وقد وضع لدنو الخبر مثل كاد وعسى في الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجيء وأوشك أن يجيء زيد على الأوجه الثلاثة معناه هنا يسرع أو يقرب (أن يقع) بفتح القاف فيه وفي ماضيه (فيه) أي تأكل ماشيته منه فيعاقب والوقوع في شيء السقوط فيه وكل سقوط شديد يعبر عنه به فكما أن الراعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد لاستلزام القرب الوقوع المترتب عليه العقاب فكذا حمى الله أي محارمه التي حظرها لا ينبغي قرب حماها ليسلم من ورطتها ومن ثم قال الله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ فنهى عن المقاربة حذرا من المواقعة إذ القرب من الشيء يورث داعية وميلا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى الشرع وقد حرمت أشياء كثيرة لا مفسدة فيها لكونها تجر إليها (وإن لكل ملك) من ملوك العرب (حمى) يحميه عن الناس فلا يقربه أحد خوفا من سطوته كان الواحد من أشرفهم إذا أراد أن يترك لقومه مرعى استعوى كلبا فما بلغه صوته من كل جهة حظره على غيره (وإن حمى الله في الأرض) في رواية في أرضه (محارمه) معاصيه كما في رواية أبي داود من دخل حماه بارتكاب شيء منها استحق العقوبة ومن قارب يوشك أن يقع فيه فالمحتاط لنفسه ولدينه لا يقاربه ولا يفعل ما يقربه منه وهذا السياق من المصطفى ﷺ إقامة برهان عظيم على تجنب الشبهات
(حم طب عن النعمان بن بشير) لم يرمز المصنف له بشيء وسها من زعم أنه رمز لحسنه. قال الهيتمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني المقدام بن داود وقد وثق على ضعف فيه
стр. 198
⦗١٦٢⦘ ١٨٩ - (اجعلوا بينكم وبين النار حجابا) أي سترا وحاجزا فتنكير الحجاب للتعظيم (ولو بشق تمرة) أي بشطر منها والحجاب جسم حائل بين شيئين وقد استعمل في المعاني فيقال العجز حجاب بين العبد وقصده والمعصية حجاب بينه وبين ربه وفيه حث على الصدقة وهي سنة كل يوم ولو بما قل كبعض تمرة أو الماء ويتأكد لمن يخص وقتا بالصدقة أن يتحرى الأوقات والأزمان الشريفة والأماكن الفاضلة ويتأكد أن يكون التصدق بطيب قلب وبشاشة وأن يكون من الحلال الصرف فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وذلك هو الذي يكون وقاية من النار
(طب عن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة (ابن عبيد) مصغرا شهد أحدا والحديبية وولي قضاء دمشق رمز المؤلف لحسنه وليس على ما ينبغي فقد أعله الهيتمي وغيره بابن لهيعة لكن يعضده ما رواه أحمد من حديث عائشة قال في الفتح بإسناد حسن يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة لأنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان وكان الجامع بينهما في ذلك حلاوتها
стр. 199
١٩٠ - (أجلوا) بالجيم وتشديد اللام (الله) المستوجب لجميع صفات الجلال والكمال أي عظموه باللسان والجنان والأركان أو اعتقدوا جلالته وعظمته وأظهروا صفاته الجلالية والجمالية والكمالية وتخلقوا بها بحسب الإمكان ومن قال معناه قولوا يا ذا الجلال فقد قصر حيث قصر وروي بحاء مهملة أي أسلموا هكذا في مسند أحمد عن ابن ثوبان يعني أخرجوا من حظر الشرك إلى حل الإسلام وسعته من قولهم حل الرجل إذا خرج من الحرم إلى الحل فإنكم إن فعلتم ذلك (يغفر لكم) ذنوبكم وحذف المفعول إيذانا بالعموم ومن إجلاله أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر كيف وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد الإجلال ومن أهل الكمال
(حم ع طب) وكذا في الأوسط والحاكم في الكنى وأبو نعيم (عن أبي الدرداء) قالالحافظ الهيتمي فيه أبو العذراء مجهول وبقية رجال أحمد وثقوا وزعم ابن الأثير أنه موقوف
стр. 200
١٩١ - (أجملوا) بهمزة قطع مفتوحة فجيم ساكنة فميم مكسورة (في طلب الدنيا) أي اطلبوا الرزق طلبا جميلا بأن ترفقوا أي تحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كد وتعب ولا تكالب وإشفاق. قال الزمخشري: أجمل في الطلب إذا لم يحرص والدنيا ما دنا من النفس من منافعها وملاذها وجاهها عاجلا فلم يحرم الطلب بالكلية لموضع الحاجة بل أمر بالإجمال فيه وهو كان جميلا في الشرع محمودا في العرف فيطلب من جهة حله ما أمكن. ومن إجماله اعتماد الجهة التي هيأها الله ويسرها له ويسره لها فيقنع بها ولا يتعداها ومنه أن لا يطلب بحرص وقلق وشره ووله حتى لا ينسى ذكر ربه ولا يتورط في شبهة فيدخل فيمن أثنى الله تعالى عليهم بقوله تعالى ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ الآية ثم بين وجه الأمر بذلك بقوله (فإن كلا) أي كل أحد من الخلق (ميسر) كمعظم أي مهيأ مصروف (لما كتب) قدر (له منها) يعني الرزق المقدر له سيأتيه ولا بد فإن الله تعالى قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه الأزلي وإن كان يقع ذلك بتبديل في اللوح أو الصحف بحسب تعليق بشرط وقال أجملوا وما قال اتركوا إشارة إلى أن الإنسان وإن علم أن رزقه المقدر له لا بد له منه لكن لا يترك السعي رأسا فإن من عوائد الله تعالى في خلقه تعلق الأحكام بالأسباب وترتيب الحوادث على العلل وهذه سنته في خلقه مطردة وحكمته في ملكه مستمرة وهو وإن كان قادرا على إيجاد الأشياء اختراعا وابتداعا لا بتقديم سبب وسبق علة بأن يشبع الإنسان بلا أكل ويرويه بغير شرب وينشئ الخلق بدون جماع لكنه أجرى حكمته بأن الشبع والري والولد يحصل عقب الطعم والشرب والجماع فلذا قال أجملوا إيذانا بأنه وإن كان هو الرزاق لكنه قدر حصوله بنحو سعي رفيق وحالة كسب من الطلب جميلة فجمع ⦗١٦٣⦘ هذا الخبر بالنظر إلى السبب والمسبب له وذلك هو الله والرزق والعبد والسعي وجمع بين المسبب والسبب لئلا يتكل من تلبس بأهل التوكل وليس منهما فيهلك بتأخر الرزق فربما أوقعه في الكفر ولئلا ينسب الرزق لسعيه فيقع في الشرك فقرن في الخطاب بين تعريف اعتلاق الأشياء بالمسبب اعتلاقا أصليا واعتلاقها بالسبب اعتلاقا شرعيا ليستكمل العبد حالة الصلاح مستمرة وتثبت له قضية الفلاح مستقرة وقد عرف مما سبق أن من اجتهد في طلب الدنيا وتهافت عليها شغل نفسه بما لا يجدي وأتعبها فيما لا يغني ولا يأتيه إلا المقدور فهو فقير وإن ملك الدنيا بأسرها فالواجب على المتأدب بآداب الله تعالى أن يكل أمره إلى الله تعالى ويسلم له ولا يتعدى طوره ولا يتجرأ على ربه ويترك التكلف فإنه ربما كان خذلانا ويترك التدبير فإنه قد يكون هوانا:
والمرء يرزق لا من حيث حيلته. . . ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
وقال بزرجمهر: وكل الله تعالى الحرمان بالعقل والرزق بالجهل ليعلم أنه لو كان الرزق بالحيل لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال لكسبه. التقى ملكان فتساءلا فقال أحدهما أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي وقال الآخر أمرت باهراق زيت اشتهاه فلان العابد
(هـ ك طب هق عن أبي حميد) عبد الرحمن بن المنذر (الساعدي) بكسر العين المهملة قال ك على شرطهما وأقره الذهبي لكن فيه هشام بن عمار أورده هنا أعني الذهبي في ذيل الضعفاء وقال أبو حاتم صدوق تغير فكان كلما لقن تلقن. وقال أبو داود حدث بأرجح من أربع مئة حديث لا أصل لها وإسماعيل ابن عياش أورده في الضعفاء وقال مختلف فيه وليس بقوي وعمارة بن غذية أورده في الذيل أيضا وقال ثقة ضعفه ابن حزم
стр. 201
١٩٢ - (أجوع الناس طالب علم وأشبعهم الذي لا يبتغيه) أي طالب العلم المتلذذ بفهمه لا يزال يطلب ما يزيد التذاذه فكلما طلب ازداد لذة فهو يطلب نهاية اللذة ولا نهاية لها فهو يشارك غيره في الجوع غير أن ذلك الغير له نهاية وهذا لا نهاية له فلذلك كان أجوع. قال الامام الرازي: واللذة إدراك الملائم والملائم للقوة الحساسة إدراك المحسوسات والقوة العقلية إدراك المعقولات التي هي العلوم والمعارف وإدراك القوى العاقلة أقوى من إدراك القوى الحساسة وكلما كان الإدراك أقوى والمدرك أشرف كانت اللذة الحاصلة بذلك الإدراك أشرف وأقوى وكانت النفوس الفاضلة عليها أحرص وإليها أشوق وأصل الجوع كما قال الحراني غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس حتى يترامى لأجله فيما لا يتأمل عاقبته فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الفرث وقيل الجوع فراغ الجسم عما به قوامه وقيل الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الطعام وكيفما كان فاستعماله في العلم مجاز. قال الزمخشري: ومن المجاز جاع وشاحها للحصان وفلان جائع القدر وإني لأجوع إلى أهلي وأعطش وأنك جائع إلى فلان وإنما كان أشبعهم الذي لا يبتغيه لغلبة الطبع البهيمي عليه واشتغاله باللذات الحسية التي تشاركه فيها البهائم وعدم إدراكه اللذات العقلية بالكلية
(أبو نعيم في كتاب العلم فر عن ابن عمر) بن الخطاب قال في الكبير وضعف وذلك لأن فيه الجارود عن الحسن بن الفضل وأورد الذهبي الحسن هذا في الضعفاء وقال مزقوا حديثه وفي الميزان حرقوا حديثه وفي اللسان قال ابن حزم مجهول وابن البيلماني ضعفه الدارقطني وغيره
стр. 202
١٩٣ - (أجيبوا هذه الدعوة) أي دعوة وليمة العرس إذ هي المعهودة عندهم فقوله هذه أي التي تعرفونها وتتبادر الأذهان إليها (إذا دعيتم لها) وتوفرت شروط الإجابة وهي نحو عشرين منها عموم الدعوة وكون الداعي حرا رشيدا مكلفا مسلما على الأصح وأن يخص باليوم الأول على المشهور وأن لا يسبق والأقدم السابق وأن لا يكون ثم من يتأذى بحضوره من منكر وعدو وغيرهما وأن لا يكون له عذر وضبطه الماوردي بما يرخص في ترك الجماعة أما الدعوة ⦗١٦٤⦘ لغير وليمة عرس فستجيء وقد نقل النووي كابن عبد البر الإجماع على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس عند توفر الشروط
(ق عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما وتتمته كما في البخاري وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغيره وهو صائم
стр. 203
١٩٤ - (أجيبوا الداعي) الذي يدعوكم إلى وليمة وجوبا إن كانت لعرس وتوفرت الشروط كما مر وندبا إن كانت لغيره مما يندب أن يولم له وهذا بناء على جواز استعمال اللفظ في الإيجاب والندب معا ولا مانع منه عند الشافعي وحمله غيره على عموم المجاز ذكره الكرماني. قال ابن حجر: ويحتمل أنه وإن كان عاما فالمراد به خاص وأما ندب إجابة غير العرس فمن دليل آخر (ولا تردوا) ندبا (الهدية) فإنها وصلة إلى التحابب نعم يحرم قبولها على القاضي كما في خبر آخر أي ممن له حكومة ولو متوقعة ولم تعهد منه قبل ولايته وهو في محل ولايته ويكره لكل أحد قبولها من الأراذل والأخلاط الذين الباعث لهم عليها طلب الاستكثار كما أشار إليه المصطفى ﷺ في عدة أخبار وهي لغة ما أتحف به وشرعا تمليك ما يحمل أي يبعث غالبا بلا عوض (ولا تضربوا المسلمين) في غير حد أو تأديب بل تلطفوا معهم بالقول والفعل وقد عاش المصطفى ﷺ ما عاش وما ضرب بيده خادما ولا عبدا ولا أمة فالعفو أقرب للتقوى فضرب المسلم حرام بل كبيرة والتعبير بالمسلم غالبي فمن له ذمة أو عهد معتبر يحرم ضربه تعديا
(حم خد طب هب عن ابن مسعود) عبد الله قال الحافظ الهيتمي رجال أحمد رجال الصحيح انتهى فكان حق المؤلف الرمز لصحته ولا يقتصر على تحسينه
стр. 204
١٩٥ - (أجيفوا) بفتح الهمزة وكسر الجيم ردوا وأغلقوا يقال جفأت الباب غلقته قاله الفراء ونوزع بأن أجيفوا لامه فاء وجفأت لامه همزة (أبوابكم) مع ذكر الله تعالى (وأكفؤا) قال عياض رويناه بقطع الألف المفتوحة وكسر الفاء رباعي وبوصلها وفتح الفاء وهما فصيحتان (آنيتكم) اقلبوها ولا تتركوها للعق الشيطان ولحس الهوام قال الزمخشري: كفأ الإناء قلبه على فمه واستكفأته طلبت منه أن يكفئ ما في إنائه (وأوكؤا) بكسر الكاف ثم همزة اربطوا (أسقيتكم) جمع سقاء ككساء ظرف الماء من جلد يعني شدوا فم القربة بنحو خيط واذكروا اسم الله تعالى (وأطفؤا) بهمزة وصل أمر من الإطفاء (سرجكم) أي اذهبوا نورها جمع سراج ككتاب يعني اطفؤا النار من بيوتكم عند النوم وهذا وإن كان مطلوبا في الأوقات كلها لكنه في الليل آكد لأن النهار عليه حافظ من العيون بخلاف الليل حتى فتيلة السراج (فإنهم) يعني الشياطين ولم يذكروا استهجانا لذكرهم ومبالغة في تحقيرهم وذمهم (لم يؤذن لهم) ببناء يؤذن للمفعول والفاعل الله (بالتسور) أي التسلق (عليكم) أي لم يجعل الله تعالى لهم قدرة على ذلك أي إذا ذكر اسم الله تعالى عند كل ما ذكر لخبر أبي داود واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا قال ابن العربي: وهذا من القدرة التي لا يؤمن بها إلا الموحد وهو أن الشيطان يتصرف في الأمور الغريبة ويتولج في المسام الضيقة فيعجز عن ذلك والأمر للإرشاد على ما قاله النووي وقال غيره للندب وقال ابن دقيق العبد والخبر يدل على منع دخول الشيطان الخارج لا الداخل قال واستنبط منه مشروعية غلق الفم عند التثاؤب لدخوله في الأبواب مجازا
(حم) وكذا أبو يعلى (عن أبي أمامة) الباهلي قال الهيتمي رجاله ثقات انتهى ورمز المؤلف لحسنه غير حسن بل حقه الرمز لصحته
стр. 205
١٩٦ - (أحب الأعمال إلى الله) أي أكثرها ثوابا عند الله تعالى (الصلاة لوقتها) اللام لاستقبال الوقت ⦗١٦٥⦘ أو بمعنى في لأن الوقت ظرف لها على وزان ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ أي فيه وفي رواية للبخاري على وقتها وعلى فيها بمعنى ما ذكر أو للاستعلاء على الوقت والتمكن من أداء الصلاة في أي جزء كان من أجزائه وفي رواية للحاكم في أول وقتها قال في المجموع وهي ضعيفة قال في الفتح لكن لها طرق أخرى وأخذ منه ابن بطال كغيره أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل لاشتراطه في كونها أحب إقامتها أوله وقول ابن دقيق العيد ليس في اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا بل القصد التحرز عن إخراجها عن وقتها منع بأن إخراجها محرم ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الندب واعترض (ثم بر الوالدين) أي الإحسان إليها وامتثال أمرهما الذي لا يخالف الشرع ومن برهما بر صديقهما ولو بعد موتهما والبر التوسع في الخير من البر وهو الفضاء الواسع والوالدين تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع زواله بظهور صورة منه بخلق صورة نوعه ذكره الحراني والمراد بهما هنا من له ولادة من الطرفين وإن علا يقدم الأقرب فالأقرب والأحوج فالأحوج وعقب الصلاة بالبر اقتداء بقوله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ الآية ولأن الصلاة أعظم الوصل بين العبد وربه وبر الوالدين أعظم الوصل بين العبد والخلق فأولى الأعظم للأعظم (ثم الجهاد في سبيل الله) أي قتال الكفار لإعلاء كلمة الجبار وإظهار شعر دينه والجمع بين هذا وأخبار إطعام الطعام خير أعمال الإسلام وأحب الأعمال إلى الله أدومها وغير ذلك أن المصطفى ﷺ كان يجيب كلا بما يوافقه ويصلحه أو بحسب الوقت أو الحال وقد تعارضت النصوص في تفضيل الصلاة على الصدقة والذي عليه الجمهور أن الصلاة أفضل لكن قد يعرض حال يقتضي مواساة مضطر فتكون الصدقة أفضل وقس عليه قال في المطامح وأخر الجهاد مع أن فيه بذل النفس لأن الصبر على أداء الصلاة أول وقتها وعلى ملازمة برهما أمر متكرر دائم بدوام الأنفاس ولا يصبر على مراقبة أمر الله تعالى فيه إلا الصديقون أو لأن فضل الجهاد يكاد يكون بديهيا إذ لا تنتظم العبادات والعادات إلا به فلما استقل بمنزلته وعرف بدرجته اهتم الشارع ببيان ما قد يخفى من شأن غيره تحقيقا لمراتب الأعمال والعبادات وترغيبا في الجد في الطاعات ثم معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب ومن غيره غليان دم القلب وثورانه عند هيجانه إلى لقاء محبوبه أو الميل الدائم بالقلب الهائم أو إيثار المحبوب على جميع المصحوب أو سكون بلا اضطراب واضطراب بلا سكون أو ثبات القلب على أحكام الغرام واستلذاذ العذل فيه إذا زاد <تنبيه> إن قيل ما الحكمة في تعبيره بالأعمال دون الأفعال؟ قلنا وجهه أن الفعل عام يقال لما كان بإجادة وغيرها وما كان بعلم وغيره وبقصد وغيره ومن الإنسان وغيره كالحيوان والجماد والعمل لا يقال إلا لما كان بإجادة وتعلم وبقصد من الآدمي كما ذكره الراغب وقال بعضهم: العمل مقلوب عن العلم فإن العلم فعل القلب والعمل فعل الجارحة وهو يبرز عن فعل القلب الذي هو العلم وينقلب منه
(حم ق د ن هـ) كلهم (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه ورواه عنه أيضا ابن حبان وغيره
стр. 206
١٩٧ - (أحب الأعمال إلى الله) أي عند الله فإلى بمعنى عند وقيل للتبيين لأن إلى المتعلقة بما يفهم حبا أو بغضا من فعل تعجب أو تفضيل معناها التبيين كما ذكره ابن مالك وابن هشام (أدومها) أي أكثرها ثوابا أكثرها تتابعا ومواظبة ولفظ رواية مسلم ما دووم عليه كذا هو في أكثر أصوله بواوين وفي بعضها بواو واحدة والصواب الأول. قال الكرماني: وأدوم أفعل تفضيل من الدوام وهو شمول جميع الأزمنة على التأبيد فإن قيل شمول جميع الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم؟ قلت: المراد بالدوام العرفي وهو قابل للكثرة أو القلة (وإن قل) ذلك العمل المداوم عليه جدا لأن النفس تألفه فيدوم بسببه الإقبال على الحق تقدس ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل ولأن المواظب ملازم للخدمة وليس من لازم الباب كمن جد ثم انقطع عن الأعتاب ولهذا قال بعض الأنجاب: " ولا تقطع ⦗١٦٦⦘ الخدمة وإن ظهر لك عدم القبول وكفى بك شرفا أن يقيمك في خدمته " ولا أن المداوم يدوم له الإمداد من حضرة رب العباد ولذلك شدد الصوفية النكير على ترك الأوراد وفيه فضيلة الدوام على العمل ورأفة المصطفى ﷺ بأمته حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس فيه أنشط وبه يحصل مقصود العمل وهو الحضور هذا عصارة ما قيل في توجيه الدوام في هذا المقام وأقول يحتمل أن يكون المراد بالدوام الترفق بالنفس وتدريبها في التعبد لئلا تضجر فيكون من قبيل إن لجسدك عليك حقا يقال استدمت الأمر ترفقت به وتمهلت واستدمت غريمي رفقت به
(ق عن عائشة) ﵂ ورواه أحمد بلفظ أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل والله أعلم
стр. 207
١٩٨ - (أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك) أي والحال أن لسانك (رطب من ذكر الله) يعني أن تلازم الذكر حتى يحضرك الموت وأنت ذاكر فإن للذكر فوائد جليلة وعوائد جزيلة وتأثيرا عجيبا في انشراح الصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضد ذلك. قال الطيبي: ورطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده ثم إن جريان اللسان حينئذ عبارة عن إدامة الذكر قبل ذلك فكأنه قيل أحب الأعمال إلى الله تعالى مداومة الذكر فهو من أسلوب قوله تعالى ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ انتهى وقال بعض الصوفية أراد بالرطب عدم الغفلة فإن القلب إذا غفل يبس اللسان. قال الزمخشري: ومن المجاز رطب لساني بذكرك وأصل الرطوبة كما قال ابن سينا كيفية تقتضي سهولة التفرق والإتصال والتشكل وضدها اليبوسة والبلة الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم والجفاف عدم البلة عما من شأنه أن يبتل انتهى وفي الحديث حث على الذكر حيث علق به حكم الأحبية وكل مؤمن يرغب في ذلك كمال الرغبة ليفوز بهذه المحبة فتتأكد مداومة ذكر الله تعالى في جميع الاحوال لكن يستثنى من الذكر القرآن حال الجنابة بقصده فإنه حرام ويستثنى من عمومه أيضا المجامع وقاضي الحاجة فيكره لهما الذكر اللساني أما القلبي فمستحب على كل حال
(حب وابن السني في عمل يوم وليلة طب هب عن معاذ) بن جبل قال: آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت إلى آخره قال الهيتمي بعد ماعزاه للطبراني: فيه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ضعفه جمع ووثقه أبو زرعة وبقية رجاله ثقات والمؤلف رمز لصحته تبعا لابن حبان
стр. 208
١٩٩ - (أحب الأعمال) التي يفعلها أحدكم مع غيره (إلى الله من) أي عمل إنسان (أطعم) محترما (مسكينا) أي مضطرا إلى الطعام (من جوع) قدمه على ما بعده لأنه سبب لحفظ حرمة الروح (أو دفع عنه مغرما) أي دينا بأداء أو ابراء أو إنظار إلى ميسرة والمراد ما استدانه فيما يحل أو ألزم به ولم يلزم به ولم يلزمه وعطف عليه عطف عام على خاص قوله (أو كشف عنه كربا) غما أو شدة أي أزاله عنه والكرب كما في الصحاح الغم الذي يأخذ بالنفس <فائدة> قال الفخر الرازي: جاءت امرأة إلى بعض أكابر الصوفية بزيت وقالت: أسرجه في المسجد فقال: أيما أحب إليك نور يصعد إلى السقف أو نور يصعد إلى العرش؟ قالت: بل إلى العرش قال: إذا صب في القنديل صعد نوره إلى السقف وإذا صب في طعام فقير جائع صعد النور إلى العرش ثم أطعمه الفقراء
(طب عن الحكم بن عمير) فيه سليمان بن سلمة الجنائز وهو ضعيف انتهى ولكن له شواهد
стр. 209
⦗١٦٧⦘ ٢٠٠ - (أحب الأعمال إلى الله بعد أداء الفرائض) أي بعد أداء الفرائض العينية من صلاة وزكاة وصوم وحج (إدخال السرور) أي الفرح (على المسلم) بأن تفعل ما يسره من تبشيره بحدوث نعمة أو اندفاع نقمة أو كشف غمة أو إغائة لهفة أو نحو ذلك من أنواع المسرة. قال الزمخشري: والسرور لذة القلب عند حصول نفع أو توقعه وأما الفرائض فليس شيء أحب إلى الله من أدائها مع أنها لا تنفعه ولا تضره وإنما أوجبها علينا لمصلحتنا ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى أنه يجب على الله رعاية مصالح عباده بل إن هذا عادة الحق وشرعته
(طب) وكذا في الأوسط (عن ابن عباس) لم يرمز المصنف له بشيء قال الهيتمي: فيه إسماعيل بن عمر البجلي وثقه ابن حبان وضعفه غيره انتهى وقال الحافظ العراقي سنده ضعيف
стр. 210
٢٠١ - (أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان) أي صيانته عن النطق بما نهى عنه من نحو كذب وغيبة ونميمة وغيرها واللسان إذا لم يحفظ أفسد القلب وبفساده يفسد البدن كله ولهذا قيل في صحف إبراهيم على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل نطقه إلا بما يعنيه. قال الراغب: والحفظ يقال تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم وتارة لضبط الشيء في النفس ويضاده النسيان وتارة لاستعمال تلك القوة ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد انتهى
(هب عن أبي جحيفة) بضم الجيم السوائي وهب بن عبد الله ويقال وهب بن وهب
стр. 211
٢٠٢ - (أحب الأعمال) وفي رواية أفضل الأعمال وفي أخرى أفضل الإيمان ولا تعارض لأن الحب من متعلقات القلب فناسب الإيمان وهو عمل قلبي فناسب التعبير عنه بالعمل (إلى الله الحب في الله والبغض في الله) أي لأجله وبسببه لا لغرض آخر كميل أو إحسان ففي بمعنى اللام المعبر به في رواية. وقال العيني: في أصلها للظرفية لكنها هنا للسببية أي سبب طاعة الله ومعصيته كما في حديث في النفس المؤمنة مئة من الإبل ومنه قوله تعالى ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ وإنما كان أحب الأعمال إلى الله لدلالته على كمال إيمان فاعله ففي خبر أبي داود عن أبي أمامة مرفوعا من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان فدل على أن من لم يحب لله ويبغض لله لم يستكمل الإيمان قال في الكشاف الحب في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان ومن لازم الحب في الله حب أنبيائه وأصفيائه ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعة أمرهم قال ابن معاذ: وعلامة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء قال القاضي: المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال فيه والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله وأن كلما يراه كمالا في نفسه أو غيره فهو من الله وإلى الله وبالله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته فلذا فسرت المحبة بإرادة الطاعة واستلزمت اتباع رسوله انتهى. وقال ابن عطاء الله: الحب في الله يوجب الحب من الله وهنا مراتب أربع الحب لله والحب في الله والحب بالله والحب من الله فالحب لله ابتداء والحب من الله انتهاء والحب في الله وبالله واسطة بينهما والحب لله أن تؤثره ولا تؤثر عليه سواه والحب في الله أن تحب فيه من ولاه والحب بالله أن تحب العبد ما أحبه وما أحبه منقطعا عن نفسه وهواه والحب من الله أن يأخذك من كل شيء فلا تحب إلا إياه وعلامة الحب لله دوام ذكره والحب في الله أن تحب من لم يحسن إليك بدنيا من أهل الطاعات والحب بالله أن يكون باعث الحظ بنور الله مقهورا والحب من الله أن يجذبك إليه فيجعل ما سواه عنك مستورا
(حم عن أبي ذر) قال ابن الجوزي حديث لا يصح ويزيد بن أبي زياد أحد رجاله قال ابن المبارك: ارم به وسوار العنبري قال فيه الثوري ليس بشيء انتهى وبه يعرف أن تحسين المصنف له ليس في محله
стр. 212
⦗١٦٨⦘ ٢٠٣ - (أحب أهلي إلي فاطمة) الزهراء سميت به لأن الله فطمها وولدها ومحبيهم عن النار كما في خبر ضعيف خلافا لمن وهم رواه النسائي والحافظ الدمشقي وغيرهما. قال في الفردوس: وهذا قاله حين سأله علي والعباس يا رسول الله أي أهلك أحب إليك؟ وحبه إياها كانت أحبية مطلقة وأما غيرها فعلى معنى من وحبه لها كان جبليا ودينيا لما لها من حموم المناقب والفضائل
(ت ك عن أسامة) بضم الهمزة مخففا (ابن زيد) الكلبي مولى النبي ﷺ وابن مولاه وحبه وابن حبه حسنه الترمذي وصححه الحاكم ورواه عنه أيضا الطيالسي والطبراني والديلمي وغيرهم
стр. 213
٢٠٤ - (أحب أهل بيتي إلي) قيل هم هنا علي وفاطمة وابناها أصحاب الكساء وقيل مؤمنو بني هاشم والمطلب (الحسن والحسين) ومن قال بدخول الزوجات فمراده كما قال النووي إنهن من أهل بيته الذين يعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وأما قرابته فهم من ينسب إلى جده الأقرب وهو عبد المطلب. قال الحراني: والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من البلد
(ت) وكذا أبو يعلى (عن أنس) وحسنه الترمذي وتبعه المصنف فرمز لحسنه وفيه يوسف بن إبراهيم التميمي أبو شيبة قال في الميزان قال ابن حبان يروى عن أنس أليس في حديثه لا تحل الرواية عنه وقال أبو حاتم ضعيف عنده عجائب وساق البخاري هذا في الضعفاء ثم قال يوسف أبو شيبة عنده عجائب
стр. 214
٢٠٥ - (أحب الناس إلي) من حلائلي الموجودين بالمدينة إذ ذاك (عائشة) على وزان خبر إن ابن الزبير أول مولود في الإسلام يعني بالمدينة والا فمحبة المصطفى ﷺ لخديجة أمر معروف شهدت به الأخبار الصحاح ذكره الزين العراقي وأصله قول الكشاف يقال في الرجل أعلم الناس وأفضلهم يراد من في وقته وإنما كانت عائشة أحب إليه من زوجاته الموجودات حالتئذ لاتصافها بالفضل وحسن الشكل قال القرطبي: فيه جواز ذكر الأحب من النساء والرجال وأنه لا يعاب على من فعله إذا كان المقول له من أهل الخير والدين ويقصد بذلك مقاصد الصالحين وليقتدى به في ذلك فيحب من أحب فإن المرء مع من أحب. وإنما بدأ بذكر محبته عائشة لأنها محبة جبلية ودينية وغيرها دينية لا جبلية فسبق الأصل على الطارئ فقيل له ومن الرجال؟ قال (ومن الرجال أبوها) لسابقته في الإسلام ونصحه لله تعالى ورسوله وللإسلام وأهله وبذل ماله ونفسه في رضاهما ولا يعارض ذلك خبر الترمذي أحب أهلي إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد ثم علي وخبر أحمد وأبو داود والنسائي قال ابن حجر صحيح عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي الحديث لما تقرر أن جهات المحبة مختلفة فكأنه قال كل من هؤلاء أحب إلي من جهة مخصوصة لمعنى قام به وفضيلة تخصه
(ق ت عن ابن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي الأمير المشهور أسلم سنة ثمان على الأصح وولاه المصطفى ﷺ عمان ثم ولاه عمر مصر ثم أقطعه معاوية وبها مات قال: سألت رسول الله ﷺ أي الناس أحب إليك قال: عائشة قلت: إني لست أعني النساء إني أعني الرجال قال: ومن الرجال أبوها (ت هـ) وكذا ابن حبان (عن أنس) بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ من أحب الناس إليك قال: عائشة قيل له: ليس عن أهلك نسألك فذكره وفي الباب عن عبد الله بن شقيق وغيره
стр. 215
٢٠٦ - (أحب الأسماء) وفي رواية لمسلم إن أحب أسمائكم ومنه يعلم أن المراد أسماء الآدميين (إلى الله) أي أحب ما يسمى ⦗١٦٩⦘ به العبد إليه (عبد الله وعبد الرحمن) لأنه لم يقع في القرآن عبد إلى اسم من أسمائه تعالى غيرهما ولأنهما أصول الأسماء الحسنى من حيث المعنى فكان كل منهما يشتمل على الكل ولأنهما لم يسم الله بهما أحد غيره وأما:. . . وأنت غيث الورى لا زلت رحمنا. . . فمن تعنت الكفرة وذكر المصنف أن اسم عبد الله أشرف من عبد الرحمن فإنه تعالى ذكر الأول في حق الأنبياء والثاني في حق المؤمنين وأن التسمي بعبد الرحمن في حق الأمة أولى انتهى. وما ذكره لا يصفو عن كدر فقد قال بعض العلماء الشافعية التسمي بعبد الله أفضل مطلقا لأن البداءة به هنا فتقديمه على غيره يؤذن بمزيد الاهتمام وذهب إلى ذلك صاحب المطامح من المالكية فجزم بأن عبد الله أفضل وعلله بأن اسم الله هو قطب الأسماء وهو العلم الذي يرجع إليه جميع الأسماء ولا يرجع هو إلى شيء فلا اشتراك في التسمية به البتة والرحمة قد يتصف بها الخلق فعبد الله أخص في النسبة من عبد الرحمن فالتسمي به أفضل وأحب إلى الله مطلقا وزعم بعضهم أن هذه أحبية مخصوصة لأنهم كانوا يسمون عبد الدار وعبد العزى فكأنه قيل لهم أحب الأسماء المضافة إلى العبودية هذان لا مطلقا لأن أحبها إليه محمد وأحمد إذ لا يختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل رد بأن المفضول قد يؤثر لحكمة وهي هنا الإيماء إلى حيازته مقام الحمد وموافقته للحميد من أسمائه تعالى على أن من أسمائه أيضا عبد الله كما في سورة الجن وإنما سمى ابنه إبراهيم لبيان جواز التسمي بأسماء الأنبياء وإحياء لاسم أبيه إبراهيم ومحبة فيه وطلبا لاستعمال اسمه وتكرره على لسانه وإعلانا لشرف الخليل وتذكيرا للأمة بمقامه الجليل ولذلك ذهب بعضهم إلى أن أفضل الأسماء بعد ذينك إبراهيم لكن قال ابن سبع أفضلها بعدهما محمد وأحمد ثم إبراهيم
(م د ت هـ عن ابن عمر) بن الخطاب وفي الباب أيضا عن أنس وغيره
следующие страницы →