Полный текст (10 128 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
١٣٢ - (اتقوا الحجر) بالتحريك قال الحراني: هو ما تحجر أي اشتد تضام أجزائه من الماء والتراب وقال الراغب: هو الجوهر الصلب وجمعه أحجار وحجارة (الحرام) الذي لا يحل لكم أخذه واستعماله والحرام الممنوع منه وقال في المحصول والحرام يسمى معصية وذنبا ومحظورا ومزجورا عنه وممنوعا منه ومتوعدا عليه أي من جهة الشرع (في البنيان) بأن تصونوه عنه وجوبا ونبه بالحجر على غيره من جميع آلات البناء كجص وآجر وخشب وغيرها مما ينبى به وفي رواية بدون ذكر الحجر وهو أعم أي احذروا انفاق المال الحرام في البناء (فإنه) أي فإن إدخال الحجر الحرام وما في معناه في البنيان (أساس الخراب) أي قاعدته وأصله قال الراغب: الأساس القاعدة التي بينى عليها قال الزمخشري: ومن المجاز فلان أساس أمره الكذب ومن لم يؤسس ملكه بالعدل فقد هدمه انتهى والمراد خراب الدين أو الدنيا بقلة البركة وشؤم البيت المبنى به أو أساس خراب البناء نفسه بأن يسرع إليه الخراب في زمن قريب ولو لم يبن به لم يخرب سريعا بل يطول بقاؤه لينتفع بغلته من بعد بنائه قال الزمخشري مكتوب في الإنجيل الحجر الواحد في الحائط من الحرام عربون بالخراب وقال وهب بن منبه: وجدت في بعض كتب الأنبياء من استغنى بأموال الفقراء جعلت عاقبته الفقر وأي دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب. وورد في غير ما أثر أن البناء إذا كان من حرام لم يطل تمتع صاحبه به بل في خبر رواه الحاكم من حديث أمير المؤمنين المرتضى: إن لله بقاعا تسمى المنتقمات فإذا كسب الرجل المال من حرام سلط الله عليه الماء والطين ثم لا يمتعه به أه. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالبنيان كل أمر أسسه وبناه من دينه ودنياه إذا كان إمداده وإنفاقه من حرام ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار﴾ انتهى وهذا وإن كان لمجيئه مجال في رواية إسقاط لفظ الحجر لا مجال له على رواية إثباته إلا بتكليف يصان عن مثله كلام المصطفى العذب الزلال
(هب) من حديث معاوية بن يحيى عن الأوزاعي عن حسان بن عطية (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب قال ابن الجوزي: حديث لا يصح ومعاوية ضعيف وحسان لم يسمع من ابن عمر انتهى. لكن له طرق وشواهد وممن رواه الخطيب والبيهقي والديلمي وابن عساكر والقضاعي في الشهاب وقال شارحه غريب جدا
стр. 142
⦗١٣٢⦘ ١٣٣ - (اتقوا الحديث عني) أي لا تحدثوا عني (إلا بما علمتم) أي تعلمونه بمعنى تتيقنون صحة نسبته إلي وقال الطيبي: يجوز أن يراد بالحديث الاسم فالمضاف محذوف أي احذروا رواية الحديث عني أو أن يكون فعيلا بمعنى مفعول وعني متعلق به والاستثناء منقطع والمعنى احذروا من الحديث عني لكن لا تحذروا مما تعلمونه انتهى والحديث عرفا ما روي من قول المصطفى قيل أو الصحابي أو التابعي أو فعلهم أو تقريرهم وقد يخص بما يرفع إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير كذا في التلويح وغيره وأهله النقلة له المعتنون بما يتعلق به (فمن كذب علي متعمدا) حال من الضمير المستتر في كذب الراجع إلى من (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ له محلا فيها لينزل فيه فهو أمر بمعنى الخبر قال الرافعي: أو دعاء أي بوأه الله ذلك فليتبوأ اتخاذ المنزل والمقعد محل القعود وجاء به بلفظ الأمر جوابا للشرط ليكون أبلغ في وجوب الفعل وألزم له وقال الطيبي: الأمر بالتبوؤ تهكم وتغليظ إذ لو قال كان مقعده في النار لم يكن كذلك والكذب عليه ﷺ من الكبائر الموبقة والعظائم المهلكة لإضراره بالدين وإفساده أصل الإيمان والكاذبون عليه كثيرون وقد اختلف طرق كذبهم كما هو مبين في مبسوطات أصول كتب الحديث قال بعضهم: وعموم الخبر يشمل الكذب في غير الدين ومن خصه به فعليه الدليل (ومن قال في القرآن برأيه) أي من شرع في التفسير من غير أن يكون له خبرة بلغة العرب ووجوه استعمالاتها في نحو حقيقة ومجاز ومجمل ومفصل وعام وخاص وغير ذلك من علوم القرآن ومتعلقات التفسير وقوانين التأويل (فليتبوأ مقعده من النار) المعدة في الآخرة لأنه وإن طابق المراد بالآية فقد ارتكب أمرا فظيعا واقتحم هولا شنيعا حيث أقدم على كلام رب العالمين بغير العالمين بغير إذن الشارع ومن تكلم فيه بغير إذنه فقد أخطأ وإن أصاب قال الغزالي: ومن الطامات صرف ألفاظ الشارع عن ظاهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام كدأب الباطنية فإن الصرف عن مقتضى طواهرها من غير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع وبغير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام
(حم ت) في التفسير (عن ابن عباس) رمز المصنف لحسنه اغترارا بالترمذي قال ابن القطان: وينبغي أن يضعف إذ فيه سفيان بن وكيع قال أبو زرعة: متهم بالكذب لكن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح. قال أعني ابن القطان فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول انتهى وبه يعرف أن المصنف لم يصب في ضربه صفحا عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده وممن جرى على سنن ابن القطان في تضعيف رواية الترمذي الصدر المناوي فقال فيه شيخ الترمذي سفيان بن وكيع ضعيف وأقول فيه عند أحمد عبد الأعلى الثعلبي أورده الذهبي في الضعفاء وقال ضعفه أحمد وأبو زرعة
стр. 143
١٣٤ - (اتقوا الدنيا) أي احذروا الاغترار بما فيها فإنها في وشك الزوال ومظنة الترحال فلا تقربوا الأسباب المؤدية للانهماك فيها أو الزيادة على الحاجة فإنها عرض زائل وحال حائل وقال بعضهم:
أقبلت الدنيا وكم قتلت. . . كم سترت الدنيا وكم فضحت
فالسعيد من إذا مدت إليه باعها باعها. . . والشقي من إذا مدت إليه باعها أطاعها
والدنيا عند أهل الطريق عبارة عما شغل عن الله (واتقوا النساء) أي احذروا الافتتان بهن وصونوا أنفسكم عن التطلع إليهن والتقرب منهن بالحرام (فإن إبليس) من أبلس تحير أو من البلس محركا من لا خير فيه أو عنده إبلاس وشر والمبلس الساكت حزنا كذا قرره وأبطله الكشاف بأنه لو كان إفعيلا من الإبلاس كما زعموا لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا فمنع صرفه دليل العجمة قال ابن العماد: ولإبليس اثنان وثلاثون اسما ومن أولاده ثلاثة عشر لكل منهم اسم يخصه (طلاع) بفتح الطاء وشد اللام صيغة مبالغة من قولهم رجل طلاع الثنايا مجرب للأمور ركاب لها ⦗١٣٣⦘ يعلوها ويقهرها ويهجم عليها بشدة وغلبة قال الزمخشري: ومن المجاز طلع علينا فلان هجم (رصاد) بالتشديد أي رقاب وثاب كما يرصد القطاع القافلة فيثبون عليها. قال الراغب: والرصد الاستعداد والترقب وقال الزمخشري: رصدته رقبته وفلان يخاف رصدا من قدامه وطلبا من ورائه أي عدوا يرصده ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ ومن المجاز أنا لك بالرصد والمرصاد أي لا تفوتني وفي التنزيل ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ أي مراقبك لا تخفى عليه أعمالك ولا تفوته فالشيطان لما رأى الإنسان خلق عجولا راغبا في العجالة توسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه فوعده بالغرور واستغواه وكره إليه المصير للآخرة وزين له الحاضرة ونصب له فخوخا كالبحار الزاخرة (وما) نافية (هو بشيء) الباء زائدة والتنكير للتعميم لأنه في سياق النفي (من) بيانية (فخوخه) جمع فخ بفتح الفاء وشد الخاء المعجمة آلة الصيد قال الزمخشري: من المجاز وثب فلان من فخ إبليس إذا تاب (بأوثق) أحكم (لصيده) أي لمصيده (في الأتقياء) خصهم لما لهم من الشهرة على قهر الشيطان ورد كيده (من النساء) بيان للأوثق أي ما يثق في صيده الأتقياء بشيء من آلات الصيد وثوقه بالنساء أما كونهن من فخوخه فلأنه جعلهن مصيدة يزينهن في قلوب الرجال ويغريهم بهن فيورطهم في الزنا كصائد ينصب شبكته ليصطاد بها ويغري الصيد عليها ليقع في حبائلها قال أبو حمزة الخراساني: النظر رسول البلايا وسهام المنايا وقال بعض الحكماء: من غلب هواه عقله افتضح ومن غض طرفه استراح وقال بعضهم: لا شيء أشد من ترك الشهوة تحريك الساكن أيسر من تسكين المتحرك وقال ابن الحاج: قال صاحب الأنوار احذروا الاغترار بالنساء وإن كن نساكا عبادا فإنهن يركن إلى كل بلية ولا يستوحشن من كل فتنة. وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء لأن حبس النفس ممكن لأهل الكمال إلا عنهن لأنهن من ذوات الرجال وشقائقهم ولسن غيرا حتى يمكن التباعد عنه والتحرز عنه ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ وما عداهن فاتباع هوى النفس فيه آية تكذيب وعد الرحمن وعلامة الاسترسال مع الشيطان وتصديقه فيما يزينه من البهتان وإذا نرى الكامل الحازم منقادا مسترسل الزمام لتلك الناقصات عقلا ودينا مقهورا تحت حكمهن قال:
إن العيون التي في طرفها حور. . . قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به. . . وهن أضعف خلق الله أركانا
وقال الرشيد الخليفة:
ملك الثلاث من الإناث عناني. . . وحللن من قلبي أعز مكاني
ما لي تطاوعني البرية كلها. . . وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى. . . وبه غلبن أعز من سلطاني
فعلى من ابتلي بالميل إليهن مصارعة الشيطان فإذا غلب باعث شهوة الوقاع المحرم بحيث لا يملك معها فرجه أو ملكه ولم يملك طرفه أو ملكه ولم يملك قلبه أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة من الأطعمة فيقللها كما وكيفما ويحسم محرك الغضب وهو النظر ففي خبر أحمد " النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس " وهذا السهم يسدده إبليس نحو القلب ولا طريق إلى رده إلا الغض والانحراف عن جهة المرمى فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصورة فإذا لم تقف في طريقها أخطأك السهم وإن نصبت قلبك غرضا أصابك وأن تسلي النفس بالمباح المعوض عن الحرام فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح والكلب الضاري لإضعاف قوتهما والثاني كتغييب الشعير عن الدابة وأن تتفكر في مفاسد قضاء هذا الوطر فإنه لو لم يكن جنة ولا نار ففي مفاسده الدنيوية ما يصد عن إجابة ذلك الداعي لكن عين الهوى عمياء
(فر عن معاذ) بن جبل وفيه هشام بن عمار قال أبو حاتم صدوق تغير فكان يتلقن كما يلقن وقال أبو داود حدث بأكثر من أربع مئة حديث لا أصل لها وفيه سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية وهو الحمصي قال الذهبي في الضعفاء متهم بالوضع
стр. 144
⦗١٣٤⦘ ١٣٥ - (اتقوا الظلم) الذي هو مجاوزة الحد والتعدي على الخلق وقال الراغب: هو لغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به بنقص أو زيادة أو عدول عن وقته أو مكانه ويقال لمجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة انتهى وذلك لأن الشرائع تطابقت على قبحه واتفقت جميع الملل على رعاية حفظ الأنفس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال والظلم يقع في هذه أو في بعضها وأعلاه الشرك ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ويدخل فيه ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب المعاصي إذ العصاة ظلام أنفسهم وأقبح أنواع ظلم من ليس له ناصر إلا الله قال ابن العزيز: إياك إياك أن تظلم من لا ينتصر عليك إلا بالله فإنه تعالى إذا علم إلتجاء عبد إليه بصدق واضطرار انتصر له فورا ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ (فإن الظلم) في الدنيا (ظلمات) على أصحابه بمعى أنه يورث ظلمة في القلب فإذا أظلم القلب تاه وتحير وتجبر فذهبت الهداية والبصيرة فخرب القلب فصار صاحبه في ظلمة (يوم القيامة) فالظلمة معنوية لما كان الظلم مفضيا بصاحبه إلى الضلال الذي هو ضد الهدى كان جديرا بالتشبيه بالظلمة كما في ضده من تشبيه الهداية بالنور وقيل حسية فيكون ظلمه ظلمات عليه فلا يهتدي في القيامة بسببه وغيره من المؤمنين يسعى نوره بين يديه قال الحراني: والظلمة ما يطمس الباديات حسا أو معنى. وقال الزمخشري: هي عدم النور وانطماسه بالكلية وقيل عرض ينافي النور من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية وجمعها دلالة على إرادة الجنس اختلاف أنوار الظلم الذي هو سبب لأنواع الشدائد في القيامة من الوقوف في العرصات والحساب والمرور على الصراط وأنواع العقاب في النار
(حم طب) عن ابن عمر قال الهيتمي: فيه عطاء ابن السائب وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح (هب عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب أورده البيهقي من طريقين وفي أحدهما مالك بن يحيى اليشكري ساقه الذهبي في الضعفاء وقال جرحه ابن حبان وفي الآخرى عمرو بن مرزوق أورده الذهبي في ذيل الضعفاء وقال غيره ثقة وقال الدارقطني كثير الوهم وبما تقرر يعرف ما في رمز المؤلف لصحته من المجازفة
стр. 145
١٣٦ - (اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئا. وفي خبر لابن مسعود " يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم يقذفون فيها (واتقوا الشح) الذي هو بخل مع حرص أو منع الواجب أو البخل بما في يد الغير أو غير ذلك وقال الزمخشري: بالضم والكسر أي والضم أفصح اللوم وأن تكون نفسه كزيزة حريصة والبخل أعم فقد يكون بخل ولا شح ثمة ولا ينعكس قال الطيبي: فالبخل مطلق المنع والشح المنع مع ظلم وعطف الشح الذي هو نوع من أنواع الظلم اشعارا بأن الشح أعظم أنواعه لأنه من نتائج حب الدنيا ولذاتها ومن ثم وجهه بقوله (فإن الشح) بتثليث الشين (أهلك من كان قبلكم) من الأمم (وحملهم على أن سفكوا دماءهم) أي اسالوها بالقوة الغضبية بخلا بالمال وحرصا على الاستئثار به (واستحلوا محارمهم) أي استباحوا نساءهم أو ما حرم الله من أموالهم وغيرها وهذا على سبيل الاستئناف فإن استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم وعطفه على سفك الدماء عطف عام على خاص عكس الأول والسفك كما قال الحراني سكب بسطوة وقال القاضي السفك والكسب والسبك والسفح والشن أنواع من الصب فالسفك يقال في الدم والسكب في الدمع والسبك ⦗١٣٥⦘ في الجواهر المذابة والسفح في الصب من أعلى والشن في الصب من فم القربة انتهى وإنما كان الشح سبب ما ذكر لأن في بذل المال والمواساة تحابيا وتواصلا وفي الإمساك تهاجر وتقاطع وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك الدماء واستباحة المحارم. ومن السياق عرف أن مقصود الحديث بالذات ذكر الشح وذكر الظلم توطئة وتمهيدا لذكره وأبرزه في هذا التركيب إيذانا بشدة قبح الشح وأنه يفضي بصاحبه إلى أفظع المفاسد حيث جعله حاملا على سفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة وأخبث العواقب الوخيمة ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هو المفلحون﴾ قال بعض العارفين: الشح مسابقة قدر الله ومن سابق قدر الله سبق ومغالبة لله ومن غالب الحق غلب وذلك لأن الحريص يريد أن ينال ما لم يقدر له فعقوبته في الدنيا الحرمان وفي الآخرة الخسران
(حم خد عن جابر) بن عبد الله ولم يخرجه البخاري في الصحيح قال الديلمي: وفي الباب جندب وغيره
стр. 146
١٣٧ - (اتقوا القدر) بالتحريك أي احذروا إنكاره فعليكم أن تعتقدوا أو ما قدر في الأزل لابد من وقوعه وما لم يقدر فوقوعه محال وأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره خالق كل شيء أو المراد احذروا الخوض فيه وقد ورد النهي عن الخوض فيه في غير ما حديث. قال ابن رجب: والخوض فيه يكون على وجوه منها ضرب القرآن بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي بأخرى ويقع التجادل ومنها الخوض فيه إثباتا ونفيا بالأقيسة العقلية كقول القدرية لو قدر ثم غلب ظلم وقول مخالفيهم إن الله جبر العباد على أفعالهم ومنها الخوض في سر القدر فإن العباد لا يطلعون على حقيقته انتهى ومن هذا التقدير عرف أن المنهي عنه الخوض والتوغل لا النظر في أصله فإنه مطلوب محبوب بل واجب على من قدر على تحقيقه. ألا ترى إلى قول المولى ابن الكمال النظر في أصل القدر مما يثاب عليه وأما الخوض في تفصيله وزيادة التوغل في أسراره فمنهي عنه انتهى قال الإمام أبو الليث إن استطعت أن لا تخاصم في مسألة القدر فافعل فإن الشارع نهى عن الخوض فيه فكما أن الخوض في ذلك البحر المتلاطم أمواجه والغوص في جوفه المظلم منهي عنه فكذلك الجدل فيه إذ لا يخلو عن الخلل فلذلك نهى عنه صاحب الشرع وفي حواشي الكشاف كتب عمر بن عبد العزيز لبعضهم بلغني أنك قدري فكتب إليه من أنكر القدر فقد فجر ومن ورك ذنبه على الله فقد كفر ولم يدر أن ما فاته حجة عليه لا له (فإنه شعبة من النصرانية) أي فرقة من فرق دين النصارى لأن المعتزلة الذين هم القدرية أنكروا إيجاد الباري فعل العبد فجعله بعضهم كالجبائية غير قادر على عينه والبعض كالبلخي وأتباعه غير قادر على مثله وجعلوا العبد قادرا على فعله فهو إثبات للشريك كقول النصارى فالإيمان والكفر عندهم من فعل العبد لا من فعل الرب وبذلك كفرهم قوم لكن المختار عدم تكفيرهم لتعارض الشبهة عليهم قال في القاموس: والنصرانية واحدة النصارى والنصرانية أيضا دينهم والشعبة بالضم الطائفة من الشيء وفي الصحاح شعب الشيء فرقه (ابن أبي عاصم) أحمد بن عمرو
(طب عد) كلهم (عن) عبد الله (بن عباس) قال الهيتمي: وفيه نزار بن حيان ضعيف انتهى وفي الميزان فيه لين وقال ابن حبان: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد لذلك ثم ساق له هذا الخبر اأه
стр. 147
١٣٨ - (اتقوا اللعانين) وفي رواية لمسلم وأبو داود اللاعنين قال النووي: وهما روايتان صحيحتان أي الأمرين الجالبين للعن أي الشتم والطرد الباعثين عليه من قبيل تسمية الحاصل فاعلا قالوا: وما اللعانان قال: (الذي يتخلى) فيه إضمار تقدير تخلي الذي يتخلى ولا يطابق الجواب السؤال بدون ذلك أي أحدهما تغوط الذي يتغوط (في طريق الناس) يعني طريق المسلمين المسلوك كما قيده بذلك في رواية الحاكم فخرج طريق الكفار الذي لا يسلكه غيرهم والطريق المهجور الذي ⦗١٣٦⦘ لا يسلك إلا نادرا لأن من فعلهما يلعن ويسب فلما كانا سببا للعن أسند الفعل إليهما وقيل لاعن بمعنى ملعون كقولهم سر كاتم بمعنى مكتوم فالمراد المسلوك لا المهجور والتعميم رأي مهجور (أو في) في رواية وفي (ظلهم) أي والثاني تغوط الذي يتغوط في ظلهم الذي اتخذوه مقيلا فإذا وجده أحد قال لعن الله من فعله فيكره ذلك تنزيها وقيل تحريما واختاره النووي لهذا الحديث وذلك لأنه إيذاء للناس بإبطال منفعتهم من ذلك بل قال الذهبي إنه كبيرة لكن الأصح عند الشافعي الكراهة التنزيهية وما ذكرته من تفسير التخلي التفرد بالتغوط هو ما مشى عليه النووي جازما لكن قال الولي العراقي: إنه مردود وإن البول كالغائط لأن التخلي التفرد لقضاء الحاجة غائطا أو بولا والمعنى يساعده إذ التنجيس والاستقذار موجود فيهما والظل لغة الستر ومنه أنا في ظل فلان وعرفا أمر وجودي خلق لنفع البدن تدل عليه الشمس لكن في الدنيا والآخرة بدليل ﴿وظل ممدود﴾ بلا شمس
(حم م د) في الطهارة (عن أبي هريرة) ولم يخرجه البخاري ورواه عنه ابن حبان بلفظ وفي أفنيتهم بدل أو في ظلهم
стр. 148
١٣٩ - (اتقوا الملاعن) موضع اللعن جمع ملعنة الفعلة التي ليعن عليها فاعلها وذلك لأن من فعلها شتم ولعن فلما كانت سببا لذلك أضيف الفعل إليها (الثلاث) وفي رواية الثلاثة والأول القياس لأنه عدد لمؤنث (البراز في الموارد) بكسر الباء على المختار كناية عن الغائط وبفتحها وهو الفضاء الواسع كذا في المجموع ويشهد له قول مختار الصحاح كأصله البراز بالكسر المبارزة في الحرب وهو أيضا كناية عن الغائط والبراز بالفتح الفضاء الواسع هذه عبارته وجزم بقضيته في القاموس حيث قال البراز ككتاب الغائط فقول الخطابي أكثر الرواة يكسرون أوله وهو غلط هو الغلط قال ابن حجر عقب حكاية ما ذكر عن الصحاح فعلى هذا من فتح أراد الفضاء وإن أطلقه على الخارج فهو من باب اطلاق اسم المحل على الحال ومن كسر أراد نفس الخارج انتهى وفي بعض حواشي المهذب أنه بالكسر لا بالفتح لأنه بالكسر كناية عن ثقل الغذاء قال وهو المراد بالحديث قال في تهذيب الأسماء واللغات وهذا هو الظاهر أو الصواب وأكثر الرواة عليه فتعين المصير إليه أنه قال والمعنى عليه ظاهر ولا يظهر معنى الفضاء الواسع إلا بتأويل وكلفة وقال الكمال ابن أبي شريف وجدت بخط النووي في قطعة كتبها على سنن أبي داود بعد أن نقل قول الخطابي أن الكسر علط ما نصه وليس الكسر غلطا بل هو صحيح أو أصح فقد ذكر الجوهري وغيره أنه بالكسر اسم للغائط الخارج من الإنسان انتهى وقال الولي العراقي في شرح أبي داود إذا ثبت أن البراز بالكسر ثقل الغذاء وأكثر الرواة على الكسر تعين المصير إليه ولا يظهر معنى الفتح إلا بتوسع وانتقال عن المدلول الأصلي إلى غيره انتهى وبتدبر ذلك يعرف أن البيضاوي لم يصب حيث قال هو هنا بفتحها فإن أصل المفتوح الفضاء الواسع قال والتركيب يدل على الظهور فكنوا به عن الغائط ثم اشتق منه تبرز إذا تغوط والمراد الأمكنة التي يوافيها الناس كالأندية انتهى وتبعه على ذلك الهروي في شرح المصابيح وزاد فقال: والبراز بكسرها تصحيف إذ هو المبارزة في الحرب والمراد بالموارد مناهل الماء أو الأمكنة التي يأتيها الناس كالأندية ورجح الأول بموافقته لقوله في الحديث الآتي أو في نقع ماء والحديث يفسر بعضه بعضا وإرادة طرق الماء بعيدة هنا (وقارعة الطريق) أعلاه أو جادته أو وسطه أو صدره أو ما برز منه فكلها متقاربة مشتقة من القرع أي الضرب فهي مقرعة بالقدم والحافر وذلك من تسمية المفعول بالفاعل (والظل) الذي يجتمع فيه الناس لمباح ومثله كل موضع اتخذوه لمصالحهم ومعايشهم المباحة واستدل به على أنه لا يجوز قضاء الحاجة في المواضع التي يردها الناس للاستسقاء منها لإيذاء الناس بتنجيسهم وتقذيرهم وبه صرح ابن قدامة الحنبلي وبعض المالكية والشافعية لكن اقتصر جمهورهم على عده من الآداب وحملوا الأحاديث على الكراهة
(د هـ ك هق) وكذا الطبراني (عن معاذ) بن جبل وظاهر صنيع المؤلف أن مخرجيه خرجوه ساكتين عليه والأمر بخلافه فقد جزم أبو داود نفسه بأنه منقطع وتبعه عبد الحق وابن القطان وغيرهما مبينين أن انقطاعه فيما بين أبي سعيد الحميري ومعاذ ولم يدركه ⦗١٣٧⦘ بل أبو سعيد هذا مجهول أيضا كما قاله الذهبي وغيره لكن قال النووي إنه حديث حسن قال الولي العراقي ولعله ارتقى درجة الحسن بوجود الشواهد قال مغلظاي هو كما قالوا لكن له شواهد عند أحمد انتهى وقد أحسن المؤلف حيث عقبه فقال:
стр. 149
١٤٠ - (اتقوا الملاعن الثلاث) قالوا: وما هي يا رسول الله قال: (أن يقعد أحدكم) لقضاء حاجته ويقضيها (في ظل) نكره للعموم فيعم ظل الحائط والشجر وغير ذلك (يستظل) بالبناء للمفعول أي يستظل الناس (فيه) للوقاية من حر الشمس وقيس به موضع الشمس في الشتاء (أو في طريق) أي مسلوك للمسلمين قال الولي العراقي: وهل ذكر قارعة الطريق في الحديث قبله تقييد لإطلاق الطريق هنا أو ذكر لبعض أفراده؟ فيه احتمال فعلى الأول يحمل المطلق على المقيد ويختص النهي يقارعة الطريق وعلى الثاني فالحكمة في تخصيص القارعة بالذكر فيما قبله أن حصول الأذى بالبول فيها أشد فالاهتمام بالنهي هنا أشد ويحتمل أن يراد بقارعة الطريق نفس الطريق كما يشير إليه كلام النهاية (أو في نقع ماء) بالإضافة أي ماء ناقع بنون مفتوحة ثم قاف ساكنة أي مجتمع ومستنقع الماء بالفتح مجتمعه قال الزمخشري: نقع الماء في بطن الوادي وانتقع ثبت واجتمع ومن المجاز انقع له الشر أثبته له وأدامه ومقصود الحديث النهي عن البول في الماء الراكد ونحوه فيكره فيه وكذا بقربه تنزيها <تنبيه> قال النووي في الأذكار: ظاهر هذه الأحاديث تدل على جواز لعن العاصي مع التعيين أي أنه لو لم يجز لعنه كانت اللعنة على لاعنه والمشهور حرمة لعن المعين وأجاب الزين العراقي بأنه قد يقال إن ذلك من خواص المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمقولة اللهم إني أتخذ عندك عهدا أيما مسلم سببته أو لعنته الحديث
(حم عن ابن عباس) رمز المؤلف لضعفه وهو كما قال فقد بين مغلطاي أن أحمد رواه من حديث ابن المبارك عن ابن لهيعة ثم قال: أعني مغلطاي هو مرسل لأنه أبهم الراوي فيه عن ابن عباس وابن لهيعة مختلف فيه لكن ذلك لا يقدح في إيراده شاهدا لما قبله لأن الشواهد لا يعتبر لها شرط الصحيح من كل وجه انتهى وقال المنذري ضعيف وقال ابن حجر فيه ضعف لأجل ابن لهيعة والراوي عن ابن عباس متهم انتهى وقال الهيتمي فيه ابن لهيعة ورجل لم يسم
стр. 150
١٤١ - (اتقوا) احذروا ندبا وإرشادا (المجذوم) أي مخالطة الذي به جذام وهو داء رديء يحدث من انتشار المرة السوداء بالبدن فيفسد مزاج الأعضاء وتشاكلها وربما تأكلت أو اسودت وسقطت والفعل منه جذم على بناء المفعول (كما يتقى) بضم الياء وشد المثناة فوق مفتوحة بضبط المؤلف أي مثل اتقاء (الأسد) أي اجتنبوا مخالطته كما تجتنبوا مخالطة الأسد الحيوان المفترس فإنه يعدي المعاشر كما جزم به الشافعي في الأم في موضع وحكاه عن الأطباء والمجربين في آخر ونقله غيره عن أفاضل الأطباء فقالوا: مقاربة المجذوم معدية برائحته وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان المجاورين والمخاطبين بل الوهم وحده من أكبر أسباب الإصابة والرائحة أشد أسباب العدوى لكن لا بد معها من كمال استعداد البدن ولا يناقضه خبر لا عدوى ولا طيرة لأنه نفي لاعتقاد الجاهلية نسبة الفعل لغير الله فوقوعه بفعله تقدس أو لأن الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى وأما المجذوم ومثله المسلول فلم يرد به هذا الخبر وما أشيهه إلا التحرز عن تعدي الرائحة فإنها تسقم من أطال اشتمامها باتفاق حذاق الأطباء وأكل المصطفى معه تارة وتارة لم يصافحه لبيان الجواز وصحة الأمر على سالك طريق الفرار وسالك طريق التوكل ففعل الأمرين ليأخذ من قويت ثقته بربه بطريق التوكل ومن ضعف بطريق التحفظ والحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر قد أباحت الحكم الربانية التحرز عنها قلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها وأما أهل الصدق واليقين فبالخيار وعلى ذلك ⦗١٣٨⦘ ينزل ما تعارض من الأخبار واحتج بها الشافعي كالجمهور على إثباته الخيار في فسخ النكاح به وعارضه المخالف بأن الخبر يوجب الفرار لا الخيار وأجيب بأن الأمر بالفرار من أعظم الأعذار فلا ثبوت في الخيار
(تخ عن أبي هريرة) رمز المؤلف لصحته
стр. 151
١٤٢ - (اتقوا) إرشادا (صاحب الجذام كما يتقى السبع) وفي رواية الأسد أي احذروا مخالطته وتجنبوا قربه وفروا منه كفراركم من الأسود الضارية والسباع العادية حتى أنه (إذا هبط واديا فاهبطوا غيره) مبالغة في التباعد عنه (فإن قلت) لم خص الأسد دون الحية ونحوها الأعظم ضررا (قلت) فيه مناسبة لطيفة وهي أنه يسمى داء الأسد ومما قيل في توجيه التسمية أن العلة كثيرا ما تعتريه وأنها تحمر وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد وفيه إشارة أيضا إلى أنه يفترس من يعديه ويدنو منه افتراس الأسد بقوته والحية إنما تقتل بسمها لا بعزمها (ابن سعد) في الطبقات (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب أول ولد للمهاجرين بالحبشة وكان آية في الكرم بحيث يضرب به المثل وله صحبة رمز المؤلف لضعفه لكن يشهد له ما قبله
стр. 152
١٤٣ - (اتقوا النار) أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية أي حجابا من الصدقة (ولو) كان الاتقاء بالتصدق (ب) شيء قليل جدا مثل (شق تمرة) بكسر المعجمة أي جانبها أو نصفها فإنه يفيد فقد يسد الرمق للطفل فلا يحتقر المتصدق ذلك فلو هنا للتقليل كما تقرر وهو معدود من معانيها كما في المغني عن اللخمي وغيره وقد ذكر التمرة دون غيرها كلقمة طعام لأن التمر غالب قوت أهل الحجاز والاتقاء من النار كناية عن محو الذنوب ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ " أتبع السيئة الحسنة تمحها " وبالجملة ففيه حث على التصدق ولو بما قل وهذا الحديث صدره محذوف ولفظ رواية الشيخين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة متفق عليه
(ق ن عن عدي بن حاتم) ابن عبد الله بن سعد الطائي الجواد ابن الجواد أسلم سنة سبع ونزل في سبسانة منعزلا (حم عن عائشة) الصديقية (البراز) في مسنده (طس والضياء) المقدسي في المختارة (عن أنس) بن مالك (البراز) في مسنده أيضا (عن النعمان بن بشير) بموحدة مفتوحة ومعجمة مكسورة الأنصاري (وعن أبي هريرة) الدوسي (طب عن ابن عباس) ابن عم المصطفى (وعن أبي أمامة) الباهلي واكثار المؤلف من مخرجيه مع وجوده في الصحيحين لا حاجة إليه لكنه حاول التنبيه بذلك على أنه متواتر وبه أفصح في الأحاديث المتواترة
стр. 153
١٤٤ - (اتقوا النار) أي احترزوا منها بالتقوى التي هي تجنب المخالفات لئلا يصيبكم ويواقعكم عذابها قال الحراني: وجهنم هي عدة الملك الديان لأهل العصيان بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا (ولو بشق تمرة) واحدة فإنه يسد الرمق (فإن لم تجدوا) ما تتصدقون به حتى التافه لفقده حسا أو شرعا (فبكلمة) أي فاتقوا النار بكلمة (طيبة) تطيب قلب السائل مما يتلطف به في القول والفعل فإن ذلك سبب للنجاة من النار وقيل الكلمة الطيبة ما يدل على هدي أو يرد عن ردي أو يصلح بين اثنين أو يفصل بين متنازعين أو يحل مشكلا أو يكشف غامضا أو يدفع تأثيرا أو يسكن غضبا واستدل الشافعية بهذا الخبر وما قبله على أنه لو قال لزيد عندي شيء وفسره بما لا يتمول كحبة بر وشق تمرة قبل (تتمة) قال ابن عربي وشيء ببعض شيوخنا بالمغرب عند السلطان في أمر فيه هلاكه فأمر بعقد مجلس وأن الناس إن أجمعوا على حل ⦗١٣٩⦘ قتله قتل فجمعوا فاجتمعوا فاحضرهم ليشهدوا في وجهه فيقتل فلم يستطع أحد منهم أن يشهد فسئل الشيخ بعد فقال: تذكرت النار فرأيتها أقوى من الناس غضبا وتذكرت نصف رغيف فرأيته أكثر من نصف تمرة فأسكتت غضبهم بالتصدق بنصف رغيف في طريقي فدفعت الأقل من النار بالأكثر من شق تمرة وفي رواية للخطيب بدل طيبة لينة وفيه حث على الصدقة بما قل وجل وأن لا يحتقر ما يتصدق به وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار
(حم ق عن عدي) بن حاتم قال ذكر رسول الله ﷺ النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثلاثا ثم ذكره
стр. 154
١٤٥ - (اتقوا الدنيا) أي احذروها فإنها أعدى أعدائكم تطالبكم بحظوظها لتصدكم عن طاعة ربكم بطلب شهواتها وتشغلكم عن خدمة مولاكم بخدمة ذاتها ونفسك لها عليك ظهير وهواك لاتباع مرضاتها مشير وأنت غير قليل التماسك عن شهواتها مسترسل معها سريع الانقياد للذاتها (فوالذي نفسي) بسكون الفاء (بيده) بقدرته وإرادته وتدبيره فهو كناية عن تمكنه تعالى منها تصرفا وتقلبا كيف يشاء إذ لا جارحة ولا استقرار وهو مؤذن بطلب اليمين في الأمر المهم وكان أكثر قسم المصطفى به لأنه أشرف الأقسام لأن نفسه الشريفة أنفس الخلق ثم زاده تأكيدا بأن واللام فقال (إنها) أي الدنيا (لأسحر) بلام التوكيد أي أعظم سحرا (من) سحر (هاروت وماروت) قال الحراني: هما ملكان جعلا حكمين في الأرض وقال القاضي كالزمخشري ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس وتمييزا بينه وبين المعجزة وقيل رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما ومنع صرفهما للعلمية والعجمة وقال الكازوني ملكان من أعبد الملائكة ركب الله فهما الشهوة بعد ما طعن الملائكة فينا ليظهر عذرنا فعصينا فخيرهما بين عذابي الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا فعذبهما إلى يوم القيامة ويمتحن بها عباده انتهى وإنما كانت أسحر منهما لأنهما ليسا من جنس الآدميين وكل شيء إنما يألف جنسه وينخدع له والآدمي خلق من الدنيا يألف لذاتها وينخدع لشهواتها فلذلك صارت أسحر منهما ولأنهما لا يعلمان السحر حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه فهما يعلمان السحر ويبينان فتنته والدنيا تعلم سحرها وتكتم فتنتها وشرها وتدعو إلى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها وهما يعلمان ما يفرق بين المرء وزوجه وهي تعلم ما يفرق بين المرء وربه فشتان بين سحرها وسحرهما كيف وهي تأخذ بالقلوب عن القيام بحق علام الغيوب وعن وعده المطلوب ووعيده المرهوب كيف وهي تسحر العقول وذلك لا يبلغه سحرهما المعقول كيف والسكران بسحرهما يفيق كما يفيق السكران بالرحيق والسكران بسحرها لا يفيق إلا في ظلمة اللحد المضيق المؤذن بعذاب الحريق فالسلامة منها تسليمها لأهلها والإعراض عن فضلها <تنبيه> مر ما يفيد أن السحر إتيان نفس شريرة بخارق عن مزاولة محرم ثم إن اقترن بكفر فكفر وإلا فكبيرة عند الإمام الشافعي وكفر عند غيره وتعلمه إن لم يكن لذب السحرة عند نشره حرام عند الأكثر وعلى ذلك يحمل كلام الإمام الرازي في تفسيره اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محذور ولأن العلم شريف ولعموم ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب قال: فهذا يقتضي كون العلم به واجبا وما يكون واجبا كيف يكون حراما أو قبيحا؟ انتهى
(الحكيم) الترمذي في النوادر (عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة ابن صفوان (المازني) نزيل حمص صحابي مشهور عاش أربعا وتسعين سنة وتوفي بحمص أيام سليمان ابن عبد الملك وضع النبي ﷺ يده على رأسه ودعا له صحب النبي ﷺ هو وأبوه وأمه وأخوه عطية وأخته الصماء وهو صحابي صغير آخر من مات من الصحابة بحمص روى البخاري عنه حديثا واحدا في صفة النبي ﷺ . أه. قال الزين العراقي: ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من رواية أبي الدرداء الرهاوي مرسلا وقصة هاروت وماروت المشهورة وردت من نحو عشرين طريقا بعضها حسن فزعم بطلانها غير ⦗١٤٠⦘ صواب كما بينه الحافظ ابن حجر وقال من وقف عليها يكاد يقطع بوقوع القصة
стр. 155
١٤٦ - (اتقوا بيتا يقال له الحمام) أي احذروا دخوله فلا تدخلوه ندبا للاغتسال فيه إلا لضرورة أو لحاجة وقال يقال له الحمام لأن العرب بالحجاز لم تكن تعرف الحمام ولم يدخله المصطفى. قال ابن القيم: ولا رآه بعينه وما وقع لبعضهم مما يوهم خلاف ذلك وهم قالوا: يا رسول الله إنه يذهب الوسخ ويذكر النار قال: إن كنتم لابد فاعلين (فمن دخله) منكم (فليستتر) أي فليستر عورته عمن يحرم نظره إليها وجوبا وعن غيره ندبا. قال الحكيم: هذا يفهم أنه إنما أمر بأن يتقى لنظر بعضهم إلى عورة بعض ولم يصرح عن جواب السائل بأنه يذكر النار لأن تذكيره لها غير مطرد في حق كل أحد إذ هو يخص العامة فإن الواحد منا إذا عاين بقعة حامية ذات بخار وماء حميم أخذه الغم ودارت رأسه حتى استروح إلى ما يبرد فؤاده وتروح بما يدخل من خلل الباب من الهواء واستنشق الماء البارد وتذكر بذلك دار العقاب فكان ذلك سببا لاستعادته من فنون العذاب وأما أهل اليقين فالآخرة نصب أعينهم فلا يحتاجون إلى الاتعاظ بحمام وغيره وأول من اتخذ له الحمام سليمان ﵊ وأول من اتخذها بالقاهرة العزيز بن المعز العبيدي كما في خطط المقريزي وتاريخ المسيحي وقد اختلف السلف والخلف في حكم دخول الحمام على أقوال كثيرة والأصح أنه مباح للرجال بشرط الستر والغض مكروه للنساء إلا لحاجة
(طب ك هب) وكذا الحكيم (عن ابن عباس) قال ك وهو على شرط مسلم وأقره الذهبي في التلخيص مع أن فيه عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبع أورده أعني الذهبي في الضعفاء وقال: قال البخاري لا يتابع على حديثه وقال أبو حاتم: صدوق ورواه عنه البزار قال عبد الحق وهو أصح حديث في هذا الباب وأما ما أخرجه أبو داود والترمذي فلا يصح منه شيء وقال في المطامح ليس في شأن الحمام ما يعول عليه إلا قول المصطفى ﷺ في صفة عيسى كأنما خرج من ديماس وقد ألف فيه بعضهم مؤلفا حافلا جمع فأوعى ولإختلاف أخباره اختلف الفقهاء في دخوله على أقوال متكثرة ومذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه الإباحة للرجال بشرط الستر والغض والكراهة للمرأة حيث لا عذر
стр. 156
١٤٧ - (اتقوا زلة العالم) أي سقطته وهفوته وفعلته الخطيئة جهرا إذ بزلته يزل عالم كثير لاقتدائهم به فهفوته يترتب عليها من المفاسد ما لا يحصى وقد يراقبه للأخذ عنه من لا يراه ويقتدي به من لا يعلمه فاحذروا متابعته عليها والاقتداء به فيها ولكن مع ذلك احملوه على أحسن المحامل وابتغوا له عذرا ما وجدتم لذلك سبيلا وعلم من ذلك أنه لا عذر لنا في قولنا إن أكلنا الحرام فالعالم الفلاني يأكله مثلا قال الغزالي: في هذا جهل وكيف يتعذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله تعالى لا يقتدى به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها فلا عذر لك في موافقته. والزلة في الأصل استرسال الرجل بغير قصد والمزلة المكان الزلق وقيل للذنب من غير قصد زلة تشبيها بزلة الرجل ذكره الراغب (وانتظروا فيئته) بفتح الفاء بضبط المصنف أي رجوعه وتوبته عما لابسه من الزلل تقول فاء إلى الله فيئة حسنة إذا تاب ورجع ذكره الزمخشري وغيره إنما قال ذلك لأن العلم يحمله على التوبة كما قال في الحديث الآخر ستنهاه صلاته وفي الحديث الآخر إن المؤمن خلق مفتنا توابا إذا ذكر تذكر قال الغزالي: احذر من الاغترار بعلماء السوء فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين إذ الشياطين بواسطتهم يتصدون إلى انتزاع الدين من قلوب المؤمنين ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ من أشر الخلق قال: اللهم غفرا حتى كرروا عليه فقال: هم علماء السوء وقال ابن عباس: ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ويتحملها الناس فيذهبون في الآفاق وفي منثور الحكم والمدخل زلة العالم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير وقيل لعيسى عليه الصلاة ⦗١٤١⦘ والسلام من أشد الناس فتنة قال زلة عالم وفي الإسرائيليات أن عالما كان يضل الناس ببدعته ثم تاب وعمل صالحا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له لو كان ذنبك فيما بيني وبينك لغفرته لك لكن كيف بمن أضللته من عبادي فأدخلتهم النار؟ فأمر العلماء خطر وعليهم وظيفتان ترك الذنب ثم إخفاؤه إن وقع وكما يتضاعف ثوابهم على الحسنات فيضاعف عقابهم على الذنوب والسيئات إذا اتبعوا والعالم إذا ترك الميل إلى الدنيا وقنع منها بالقليل ومن الطعام بالقوت ومن الكسوة بالخلق اقتدى به العامة فكان له مثل ثوابهم بنص خبر " من سن سنة حسنة " وإن مال إلى التوسع في الدنيا مالت طباع من دونه إلى التشبه به ولا يقدرون على ذلك إلا بخدمة الظلمة وجمع الحطام الحرام فيكون هو السبب في ذلك فحركات العلماء في طوري الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها إما بربح أو خسران (الحلواني) بالضم نسبة إلى حلوان بلد بآخر العراق وهو الحسن بن علي الحلواني الخلال شيخ مسلم
(عد هق) وكذا العسكري في الأمثال كلهم (عن كثير) المزني بمثلثة ضد قليل المزني قال في الكاشف واه وقال أبو داود كذاب وفي الميزان عن الشافعي وأبي داود ركن من أركان الكذب وضرب أحمد على حديثه وقال الدارقطني وغيره متروك. قال ابن حبان له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه وهو (ابن عبد الله) قال الذهبي صحابي وثق (ابن عمرو بن عوف) المزني الصحابي (عن أبيه) عبد الله (عن جده) عمرو المذكور ولم يقتصر المصنف على الصحابي فقط كما هو عادته ليبين أنه من رواية الرجل عن أبيه عم جده وذلك من أنواع علوم الحديث كما هو معروف وقد سكت عليه فلم يرمز له بضعف وغيره ومن قال إنه رمز لضعفه فقد وهم فقد وقفت على نسخته بخطه ولا رمز فيها إن سلم عدم وضعه فقد علمت القول في كثير وقال الزين العراقي رواه ابن عدي من حديث عمرو بن عوف هذا وضعفه انتهى فعزو المصنف الحديث لابن عدي وسكوته عما أعله به غير مرضي ولعله اكتفى بإفصاحه بكثير
стр. 157
١٤٨ - (اتقوا دعوة المظلوم) أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقا ثم بين وجه النهي بقوله (فإنها تحمل على الغمام) أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس وقيل الغمام شيء أبيض فوق السماء السابعة فإذا سقط لا تقوم به السماوات السبع بل يتشققن قال الله تعالى ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ وعلى هذا فالرفع والغمام حقيقة ولا مانع من تجسيم المعاني كما مر لكن الذي صار إليه القاضي الحمل على المجاز حيث قال استأنف لهذه الجملة لفخامة شأن دعاء المظلوم واختصاصه بمزيد قبوله ورفعه على الغمام وفتح أبواب السماء له مجاز عن إثارة الآثار العلوية وجمع الأسباب السماوية على انتصاره بالانتقام من الظالم وإنزال البأس عليه وقوله (يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك) بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك وفتح الكاف هو ما اقتصر عليه جمع فإن كان الرواية فهو متعين وإلا فلا مانع من الكسر أي لأستخلصن لصاحبك وتجسد المعاني وجعلها بحيث تعقل لا مانع منه (ولو بعد حين) أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد﴾ وقد جاء في بعض الآثار أنه كان بين قوله قد أجيبت دعوتكما وغرق فرعون أربعون عاما ووقوع العفو عن بعض أفراد الظلمة يكون مع تعويض المظلوم فهو ⦗١٤٢⦘ نصر أيضا وفيه تحذير شديد من الظلم وأن مراتعه وخيمة ومصائبه عظيمة قال:
نامت جفونك والمظلوم منتبه. . . يدعو عليك وعين الله لم تنم
والحين الزمان قل أو كثر والمراد هنا الزمان المطلق نحو ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾
(طب والضياء) في المختارة وابن أبي عاصم والخرائطي في مساوي الأخلاق عن خزيمة بن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه (عن) جده (خزيمة) بخاء وزاي معجمتين مصغر (ابن ثابت) بن فاكه الخطمي بفتح المعجمة المدني ذي الشهادتين من كبار الصحابة شهد أحدا وما بعدها وقتل مع علي بصفين قال الهيتمي: وفيه من لا أعرفه انتهى وأقول فيه سعد بن عبد الحميد أورده الذهبي في الضعفاء وقال فحش خطؤه قاله ابن حبان وضعفه غيره أيضا ولم يترك لكن قال المنذري لا بأس بإسناده في المتابعات
стр. 158
١٤٩ - (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء) بالمعنى المقرر فيما قبله (كأنها شرارة) كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار
(ك) من حديث عاصم بن كليب عن محارب وكذا الديلمي (عن ابن عمر) بن الخطاب ثم قال عاصم احتج به مسلم وأقره الذهبي في التلخيص لكن أورد عاصما هذا في الضعفاء وقال قال ابن المديني لا يحتج بما انفرد به وفيه أيضا عمرو بن مرزوق أورده في ذيل الضعفاء وقال ثقة قال فيه الدارقطني كثير الوهم وعطاء بن السائب أورده فيهم أيضا وقال قال أحمد من سمع منه قديما فهو صحيح انتهى وأما المؤلف فقد رمز لحسنه وقال ثقة
стр. 159
١٥٠ - (اتقوا دعوة المظلوم) أي تجنبوا الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم (وإن كان كافرا) معصوما فإن دعوته إن كان مظلوما مستجابة وفجوره على نفسه وفي حديث أحمد عن أبي هريرة مرفوعا دعوة المظلوم مستجابة ولو كان فاجرا ففجوره على نفسه وإسناده كما في الفتح حسن وروى ابن حبان والحاكم عن أبي ذر من حديث طويل أن في صحف إبراهيم أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو من كافر ولا ينافيه ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ لأن ذلك في دعائهم للنجاة من نار الآخرة فلا يدل على عدم اعتباره في الدنيا ثم علل الاتقاء بقوله (فإنه) أي الشأن قال القرطبي: الرواية الصحيحة فإنه بضمير المذكر على أن يكون ضمير الأمر والشأن ويحتمل عوده على مذكر الدعوة فإن مذكر الدعوة دعاء وفي رواية فإنها بالتأنيث وهو عائد على لفظ الدعوة (ليس دونه) وفي رواية دونها (حجاب) أي ليس بينها وبين القبول حجاب مانع والحجاب هنا ليس حسيا لاقتضائه نوعا من البعد واستقرار في مكان والله منزه عن ذلك وأقرب لكل شيء من نفسه فهو تمثيل لمن يقصد باب سلطان عادل جالس لرفع المظالم فإنه لا يحجب
(حم ع والضياء) المقدسي (عن أنس) بن مالك واتفق عليه الشيخان بدون الكافر
стр. 160
١٥١ - (اتقوا فراسة) بكسر الفاء ذكره جمع وهي الحذق في ركوب الخيل والمراد اطلاعه وظاهره أن الفتح لم يسمع هنا لكن في المصباح بعد ذكره الكسر قال إن الفتح لغة ثم قال ومنه اتقوا فراسة فاقتضى كلامه أنه بالفتح وجزم به بعض محققي العجم فقال بالفتح وأما بالكسر فالفروسية على الضمائر. فإن قيل ما معنى الأمر باتقاء فراسة ⦗١٤٣⦘ المؤمن؟ أجيب بأن المراد تجنبوا فعل المعاصي لئلا يطلع عليه فتفضحوا بين يديه. (المؤمن) الكامل الإيمان أي احذروا من إضمار شيء من الكبائر القلبية أو إصرار على معصية خفية أو تعد لحد من الحدود الشرعية فإنه بنور إيمانه الذي ميزه الله به عن عوام المؤمنين مطلع على ما في الضمائر شاهد لما في السرائر فتفضحوا عنده فيشهد عليكم به غدا وأهل العرفان هم شهداء الله في أرضه وربما ساءه ما رأى فغار على حق الحق فيمقتكم الله لمقت وليه وقد وجد من ذلك كثير والمتفرس النظار المتثبت في نظره حتى يعرف حقيقة سمة الشيء وفي رواية ذكرها ابن الأثير اتقوا قرابة المؤمن قال يعني فراسته وظنه الذي هو قريب من العلم والتحقيق بصدق حديثه وإصابته يقال ما هو بعالم ولا قراب عالم والفراسة الاطلاع على ما في الضمائر وقيل مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وقيل سواطع أنوار تلمع في القلب تدرك بها المعاني وقال الراغب: الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله وربما قيل هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله وقد نبه الله على صدقها بقوله تعالى ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ وقوله تعالى ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ ولفظها من قولهم فرس السبع الشاة وسمى الفرس به لأنه يفترس المسافات جريا فكانت الفراسة اختلاس العارف وذلك ضربان ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه وهو ضرب من الإلهام بل من الوحي وهو الذي يسمى صاحبه المحدث كما في خبر: إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر وقد تكون بإلهام حال اليقظة أو المنام والثاني يكون بصناعة متعلمة وهي معرفة ما في الألوان والأشكال وما بين الامزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية ومن عرف ذلك وكان ذا فهم ثابت قوي على الفراسة وقد ألف فيها تأليفات فمن تتبع الصحيح منها اطلع على صدق ما ضمنوه والمراد هنا هو الضرب الأول بقرينة قوله (فإنه ينظر بنور الله أي يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله تعالى وباستنارة القلب تصح الفراسة لأنه يصير بمنزلة المرآة التي تظهر فيها المعلومات كما هي والنظر بمنزلة النقش فيها قال بعضهم من غض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بالمراقبة وتعود أكل الحلال لم تخطئ فراسته قال ابن عطاء الله واطلاع بعض الأولياء على بعض الغيوب جائز وواقع لشهادته له بأنه إنما ينظر بنور الله لا بوجود نفسه انتهى ومن ثم شرطوا لحصول نورها ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ والحق يجزئ العبد على عمله من جنسه فمن غض بصره عن المحارم عوضه إطلاق نور بصيرته وقد قال علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة سينزل بكم أهل بيت رسول الله ﷺ فيستغيثون بكم فلم يغاثوا فكان منهم في شأن الحسين ما كان ورأى عمر ﵁ قوما من مذ حج فيهم الأشتر فصعد النظر فيه وصوب ثم قال قاتله الله إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا فكان منه ما كان ونظر رجل إلى امرأة ثم دخل على عثمان رضي الله تعالى عنه فقال يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزنا وحاكمت امرأة زوجها إلى بعضهم فأصابته مشغولا بالتقديس فانتظرته حتى فرغ فقال يا جاهلة بمقدار ما جنته على نفسها اعترفي بذنبك وأعلمي زوجك بجنايتك عليه فإن السكران الذي واقعك في ليلة كذا وزوجك قائم في الهيكل يدعو لك فقد أحبلك وستلدين بعد شهرين خلقا مشوها فكان. قال الغزالي وما حكى عن تفرس المشايخ وأخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم تخرج عن الحصر قال بل ما حكى عنهم من مشاهدة عذاب القبر والسؤال ومن سماع صوت الهاتف ومن فنون الكرامات خارج عن الحصر والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل (سئل) بعض العارفين عن الفراسة ما هي؟ فقال أرواح تتقلب في الملكوت فتشرف على معاني الغيوب فتنطق عن أسرار الحق نطق مشاهدة وعيان وقال أبو عثمان المغربي العارف تضئ له أنوار العلم فيبصر بها عجائب الغيب وقال الحريري لجلسائه: هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث في المملكة شيئا أعلمه قبل أن يبدو قالوا: لا. قال: ابكوا ⦗١٤٤⦘ على قلوب لم تجد من الله شيئا وقال البرقي: وقع اليوم في المملكة حدث لا آكل ولا أشرب حتى أعلم ما هو فورد الخبر بعد أيام أن القرمطي دخل مكة في ذلك اليوم وقتل بها المقتلة العظيمة وقال السهروردي لما ذكر كرامات الأولياء قد يعلمون بعض الحوادث قبل تكوينها
(تخ ت) واستغربه (عن أبي سعيد) الخدري وفيه مصعب بن سلام أورده الذهبي في الضعفاء وقال ابن حبان كثير الغلط فلا يحتج به (الحكيم) الترمذي (وسموية) بفتح السين وشد الميم المضمومة وهو الحافظ إسماعيل في فوائده (طب عد) كلهم (عن أبي أمامة) الباهلي وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث ليس بشيء (ابن جرير) في تفسيره وهو محمد الطبري المجتهد المطلق أحد أئمة الدنيا علما ودينا واجتهادا (عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه مؤمل بن سعيد الرحبي أورده الذهبي في المتروكين وقال: قال أبو حاتم: منكر الحديث وأسد بن وداعة أورده الذهبي في الضعفاء وقال: كان يسب عليا معاصر الدولة مروان الحمار. قال السخاوي بعد ما ساق هذه الطرق: وكلها ضعيفة وفي بعضها ما هو متماسك لا يليق مع وجوده الحكم على الحديث بالوضع انتهى ومراده رد ما لابن الجوزي حيث حكم بوضعه فلم يصب وحكم السخاوي على الكل بالضعف غير صواب فقد قال الهيتمي: إسناد الطبراني حسن وذكر المؤلف في الدرر أن الترمذي خرجه من حديث ابن عمر وثوبان وينطق بتوفيق الله وذكر في تعقيبات الموضوعات أن الحديث حسن صحيح
стр. 161
١٥٣ - (اتقوا محاش النساء) بفتح الميم وحاء مهملة وشين معجمة مشددة ويقال بمهملة وهما روايتان كما نبه عليه الشهاب الحجازي وغيره يعني إتيانهن في أدبارهن جمع محشة أو محشاة اسم لأسفل مواضع الطعام من الأمعاء كنى به عن الدبر كما كنى بالحشوش عن الغائط وفي المجيء به هكذا على منهج الرمز باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوه بالعظيمة والنهي للتحريم فيحرم إتيان الحليلة في دبرها كما سبق ولاحد لكنه ينهى فإن عاد عزر في الثالثة وما رواه الحاكم عن مالك في قوله الآن فعلته بأم ولدي وفعله نافع وابن عمر وفيه نزل ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ فتعقبوه بأنه كذب عليه لكن رده الحافظ ابن حجر في اللسان فقال أصله في سبب النزول مروي عن ابن عمرو عن نافع وعن مالك من طرق عدة صحيحة بعضها في البخاري (سموية) في فوائده
(عد) وكذا أبو نعيم والديلمي (عن جابر) بن عبد الله وفيه علي بن أبي علي الهاشمي اللهبي المدني قال في الميزان عن أبي حاتم والنسائي متروك وعن أحمد له مناكير ثم أورد منها هذا الخبر وفيه أيضا ابن أبي فديك
стр. 162
١٥٣ - (اتقوا هذه المذابح) جمع مذبح قال في الفردوس وغيره (يعني المحاريب) أي تجنبوا تحري صدور المجالس يعني التنافس فيها ووقع للمصنف أنه جعل هذا نهيا عن اتخاذ المحاريب في المساجد والوقوف فيها وقال: خفي على قوم كون المحراب بالمسجد بدعة وظنوا أنه كان في زمن النبي ﷺ ولم يكن في زمنه ولا في زمن أحد من خلفائه بل حدث في المئة الثانية مع ثبوت النهي عن اتخاذه ثم تعقب قول الزركشي المشهور أن اتخاذه جائز لا مكروه ولم يزل عمل الناس عليه بلا نكير بأنه لا نفل في المذهب فيه وقد ثبت النهي عنه انتهى أقول وهذا بناء منه على ما فهمه من لفظ الحديث أن مراده بالمحراب ليس إلا ما هو المتعارف في المسجد الآن ولا كذلك فإن الإمام الشهير المعروف أي بابن الأثير قد نص على أن المراد بالمحاريب في الحديث صدور المجالس قال ومنه حديث أنس كان يكره المحاريب أي لم يكن يحب أن يجلس في صدور المجالس ويرتفع على الناس انتهى. واقتفاه في ذلك جمع جازمين به ولم يحكوا خلافه منهم الحافظ الهيتمي وغيره وقال الحراني: المحراب صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة جهد وفي الكشاف في تفسير ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ ما نصه: قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد أي غرفة تصعد إليها بسلم وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدمها كأنها وضعت في أشرف موضع في بيت المقدس وقيل كانت ⦗١٤٥⦘ مساجدهم تسمى المحاريب انتهى وقال في تفسير ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ المحاريب المساكن والمجالس الشريفة سميت به لأنه يحامى عليها ويذب عنها وقيل المساجد انتهى وفي الأساس مررت بمذبح النصارى ومذابيحهم وهي محاريبهم ومواضع كتبهم ونحوها المناسك للمتعبدات وهي في الأصل المذابح انتهى وفي الفائق المحراب المكان الرفيع والمجلس الشريف لأنه يدافع عنه ويحارب دونه ومنه قيل محراب الأسد لمأواه وسمي القصر والغرفة المنيفة محرابا انتهى بنصه. وفي القاموس المذابح المحاريب والمقاصير. بيوت النصارى والمحراب الغرفة وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الإمام من المسجد والموضع ينفرد به الملك وقال الكمال ابن الهمام في الفتح بعد ما نقل كراهة صلاة الإمام في المحراب لما فيه من التشبه بأهل الكتاب والامتياز عن القوم ما نصه لا يخفى أن امتياز الإمام مفردا مطلوب في الشرع في حق المكان حتى كان التقدم واجبا عليه وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان ولا أثر لذلك فإنه بنى في المساجد المحاريب من لدن رسول الله ﷺ ولو لم تبن لكانت السنة أن يتقدم في محاذاة ذلك المكان لأنه يحاذي وسط الصف وهو المطلوب إذ قيامه في غير محاذاته مكروه وغايته اتفاق الملتين في بعض الأحكام ولا بدع فيه على أن أهل الكتاب إنما يخصون الإمام بالمكان المرتفع كما قيل فلا تشبه انتهى
(طب هق عن ابن عمرو) بن العاص رمز المصنف لحسنه قال الهيتمي: فيه عبد الرحمن بن مغرا وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن المديني في روايته عن الأعمش وليس هذا منها انتهى. وقال المصنف حديث ثابت وهو على رأي أبي زرعة ومتابعيه صحيح وعلى رأي ابن عدي حسن والحسن إذا ورد من طريق ثان ارتقى إلى الصحة انتهى وهو غير صواب فقد تعقبه الحافظ الذهبي في المذهب على البيهقي فقال قلت هذا خبر منكر تفرد به عبد الرحمن بن مغرا وليس بحجة انتهى وحينئذ فإثبات الحكم بصحته بفرض ما فهمه المؤلف منه لا يصار إليه
стр. 163
١٥٤ - (أتموا الركوع والسجود) أي ائتوا بهما تامين كاملين بشرائطهما وسننهما وآدابهما وأوفوا الطمأنينة فيهما حقها فتجب الطمأنينة فيهما في الفرض وكذا في النفل عند الشافعية وذلك بأن تستقر أعضاؤه في محلها قال الحراني: الإتمام التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد (فو) الله (الذي نفسي بيده) أراد بالنفس ذاته وجملته وباليد قدرة الله تعالى وتصرفه فيه إشارة إلى أن إرادته وتصرفه مغموران في إرادة الله وتصرفه وفيه جواز القسم بما ذكره ونحوه من كل ما يفهم منه ذات الله تعالى تأكيدا للأمر وتفخيما للشأن (إني لأراكم) بلام التوكيد وبفتح الهمزة (من وراء ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم) وفي رواية لمسلم إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم بزيادة ما وهذه رؤية إدراكية فلا تتوقف إلى آلتها ولا على شعاع ومقابلة خرقا للعادة ولا يلزم من فرضه محال وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها وقول الزاهدي كان له عينان بين كتفيه كسم الخياط يرى بهما ولا يحجبهما شيء لم يثبت ولما كانت هذه الرؤية الإدراكية خارجة عن القوانين العادية أكد بالقسم وبأن واللام دفعا للإنكار قال الحليمي: لا سبيل للملحدين إلى استنكار ذلك فإنهم يدعون لفيثاغورش أنه كان يسمع أصوات الأفلاك وصرير حركة الكواكب وألف الألحان عليها وهم عندنا كاذبون إلا أن يثبت أنه كان نبيا وزعم أن هذه رؤية قلبية أو بوحي رد بأنه تعطيل للفظ الشارع بلا ضرورة فحمله على ظاهره وأنه إبصار حقيقي خاص به خرقا للعادة معجزة له أولى قال ابن حجر: وظاهر الحديث أن ذلك خاص بحالة الصلاة ويحتمل العموم انتهى وكلام جمع متقدمين مصرح بالعموم. ألا ترى إلى قول المطامح وغيرها أنه كان يبصر من خلفه لأنه كان يرى من كل جهة من حيث كان نورا كله وهذا من عظيم معجزاته ولهذا كان لا ظل له لأن النور الذي أفيض عليه منع من حجب الظلمة وقد كان يدعو بسبعة عشر نورا فبهذا الأنوار أبصر من كل جهة ولذلك تجلت له الجنة في الجدار لفقد الحجب وزاد لفظ الظهر ولم يكتف بقوله وراء لأن وراء يراد به تارة خلف وتارة أمام فإذا قلت زيد ورائي صح أن يراد في المكان الذي أواريه أنا بالنسبة لمن خلفي فيكون أمامي أو يراد في المحل الذي ⦗١٤٦⦘ هو متوار عني فيكون خلفي وقال الحراني: وراء ما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث كونه لا يعلم وأما ما في المكان وقال القاضي: وراء في الأصل مصدر جعل ظرفا يضاف للفاعل ويراد به ما يتوارى وهو خلفه وللمفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه ولهذا عد من الأضداد
(حم ق ن عن أنس) بن مالك وفي الباب غيره أيضا وفيه وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وخصه أبو حنيفة بالفرض وعمم الشافعي رضي الله تعالى عنه
стр. 164
١٥٥ - (أتموا) أيها المصلون ندبا مؤكدا (الصفوف) بضم الصاد أكملوها الأول بالأول فلا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الأول ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله فإن وجد في صف أمامه فرجة اخترق الصف الذي يليه فما فوقه إليها لتقصيرهم بتركها (فإني أراكم خلف ظهري) قال في المطامح في أبي داود عن معاوية ما يدل على أن هذا كان في آخر عمره ولهذا قال عياض كان ذلك له بعد ليلة الإسراء كما كان موسى يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من عشرة فراسخ بعد ليلة الطور وزاد لفظ الظهر ولم يكتف بقوله خلفي لما مر قال الحافظ ابن حجر: وأما ما اشتهر من خبر لا أعلم ما وراء جداري فلا أصل له وبفرض وروده فالمراد به أنه لا يعلم الغيب إلا بإطلاعه تعالى
(م عن أنس) بن مالك متفق عليه بلفظ أقيموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري
стр. 165
١٥٦ - (أتموا) ندبا مؤكدا والصارف عن الوجوب أخبار أخر (الصف المقدم) أي أكملوا الصف الأول وهو الذي يلي الإمام وإن تخاله نحو منبر أو سارية أو جاء أصحابه متأخرين (ثم الذي يليه) وهكذا وقول ابن عبد البر المراد به من يسبق إلى الصلاة وإن تأخر غلطوه فيه (فما كان من نقص) في الصف (فليكن) أي فاجعلوه (في الصف المؤخر) فيكره الشروع في صف قبل إتمام ما قبله كما تقرر وهذا الفعل مفوت لفضيلة الجماعة الذي هو التضعيف لا لأصل بركة الجماعة فالتضعيف للجماعة غير بركة الجماعة وبركتها هي عود بركة الكامل منهم على الناقص ذكره المؤلف في بسط الكف في إتمام الصف قال في المجموع: اتفقوا على ندب سد الفرج في الصفوف وإتمام الأول فالأول ولا يشرع في صف حتى يتم ما قبله وهذا كله في صفوف الصف الواحد كما يأتي
(حم د ن) في الصلاة (حب وابن خزيمة) محمد النيسابوري المجتهد المطلق البحر العجاج المنعوت بإمام الأئمة (والضياء) المقدسي في المختارة وأبو يعلى والبيهقي (عن أنس) ابن مالك وسكت عليه أبو داود والمنذري قال النووي في رياضه بعد عزوه لأبي داود إسناده حسن ولم يرمز له المصنف بشيء
стр. 166
١٥٧ - (أتموا) هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى أسبغوا (الوضوء) أي عمموا به جميع الأعضاء وائتوا به على التمام بفرائضه وسننه من إطالة غرة وتحجيل وتثليث وتكرار غسل ومسح وقد روى أبو يعلى عن أبي هريرة جاء رجل إلى المصطفى ﷺ فقال: ما إسباغ الوضوء فسكت حتى حضرت الصلاة فدعا بماء فغسل يديه ثم استنثر (ويل) سوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء (للأعقاب من النار) أي شدة هلكة من نار الآخرة لأصحابها المهملين غسل بعضها في الوضوء ويحتمل أن يخص العقب نفسها بعذاب يعذب به صاحبه قال ابن دقيق العيد: وأل للعهد والمراد الأعقاب التي رآها تلوح لم يسمها الماء. والمراد الأعقاب التي صفتها أن لا تعمم بالمطهر ولا يجوز كون أل للعموم المطلق ومن بمعنى في كما في ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ أو بيانية كما في ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ قال الحراني: والويل جماع الشر كله وفي الكشاف الويل نقيض الوأل وهو النجاة اسم معنى كالهلاك إلا أنه لا يشتق منه ⦗١٤٧⦘ فعل وإنما يقال ويلا له فبنصب نصب المصدر ثم يرفع رفعه لإفادة معنى الثبات فيقال ويل له كقولك سلام عليك انتهى وفيه أن فرض الرجلين الغسل وأنه لا يجزئ فيهما المسح وبه قال جمهور السلف والخلف وقال الشيعة الواجب مسحهما وابن جرير والجبائي يخير بين المسح والغسل وبعض أهل الظاهر يجب الجمع بينهما وبه نوزع قول النووي أنه لم يثبت المسح عند أحد يعتد به في الإجماع. وممن روى عنه المسح كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره وعكرمة والحسن والشعبي بل وأنس وغيره من الصحابة وفيه أيضا وجوب تعميم الأعضاء بالطهر وأن ترك بعضها غير مجزئ وإنما خص الأعقاب لأنه ورد على سبب وهو أنه رأى قوما يصلون وأعقابهم تلوح وقيل إنما خصها لغلبة التساهل فيها والتهاون بها لأنها في أواخر الوضوء وأسافل البدن وفي محل لا يشاهد غالبا فكان الاهتمام بها أحق من غيرها وفيه الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الدميري: وفيه حجة لأهل السنة أن المعذب الجسد الدنيوي لأنه أثبت الوعيد لتلك الأعقاب المرئية وفيه دلالة للتعذيب على الصغائر لأن ترك بعض العضو غير مغسول ليس من الكبائر للاختلاف في فرض الرجلين إذ ابن جرير يقول بالتخيير بينه وبين المسح والمسح لا يستوعب العضو وما في مقام الاجتهاد لا يصل إلى رتبة الكبائر انتهى وهو في حيز المنع فإن كون الشيء كبيرة ليس مناطه أن يكون مجمعا عليه بل أن يكون فيه وعيد شديد أو حد أو يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين كما سيجيء وقد عدوا من الكبائر ما فيه خلاف حتى بين الأئمة الأربعة الذين لا يجوز الآن تقليد غيرهم. ألا ترى أن الشافعية جزموا بأن شرب النبيذ كبيرة؟ <تنبيه> قال القيصري الوضوء تطهير أطراف الجسد من كل ناحية وفي ذلك تطهير جميعه من الحدث الخارج عنه فإنه إذا قدرته بيديه ورجليه ورأسه كان كالدائرة المحيطة وفي تطهير خارج الدائرة من كل ناحية تطهير جميعها فلو ألقيت ضابطا في وسط بطن الإنسان بعد مد يديه ورجليه وعنقه ثم أردت الضابط وجدته دائرة ومن هذه الجوارح المحيطة تدخل الذنوب والمخالفات إلى البدن ففي تطهيرها إخراج المخالفات منه
(هـ عن خالد بن الوليد) القرشي المخزومي المشهور بالشجاعة والديانة والرآسة سماه المصطفى سيف الله وله آثار كثيرة في إعلاء كلمة الله وهو الذي افتتح دمشق وكان إسلامه قبل غزوة مؤتة بشهرين وكان النصر على يديه يومها (وشرحبيل بن حسنة) هي علم أمه واسم أبيه عبد الله بن المطاح الكندي وقيل التميمي حليف بني زهرة أحد أمراء أجناد الشام وولاه عمر دمشق حتى مات بها في الطاعون (ويزيد بن أبي سفيان) بن حرب الأمير (وعمرو بن العاص) كلهم سمعوه من رسول الله ﷺ قال مغلطاي حديث قال فيه الترمذي عن البخاري هو حسن انتهى ومن ثم رمز المصنف لحسنه وفي نسخ لصحته
стр. 167
١٥٨ - (أتيت) بضم الهمزة وكسر المثناة فوق والآتي جبريل كما سيذكره (بمقاليد) بحرف الجر أوله في خط المصنف وسقوطها في نسخ من تحريف النساخ (الدنيا) أي بمفاتيح خزائن الأرض كما في رواية الشيخين والحديث يفسر بعضه بعضا جمع مقلد أو مقلاد أو إقليد معرب إكليد وهو المفتاح وفي الكشاف لا واحد له من لفظه وفي رواية مسلم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي أي ألقيت أو صبت في يدي والمراد بالخزائن المعادن من زمرد وياقوت وذهب وفضة أو للبلاد التي فيها أو المماليك التي فتحت لأمته بعده (على فرس) محركة معروف الذكر والأنثى (أبلق) أي لونه مختلط ببياض وسواد ويحتمل أن يكون هو فرس جبريل الذي هو اسمه حيزوم الذي ما خالط موضع حافره مواتا إلا صار حيوانا وجائز أن يكون غيره وأخرج ابن عساكر عن وهب أنه قيل لسليمان إن خيلا بلقا لها أجنحة تطير بها وترد ماء كذا فقالت الشياطين نحن لها فصبوا في البين التي تردها الخمر فشربت فسكرت فربطوها وساسوها ⦗١٤٨⦘ حتى استأنست فجائز أن يكون هذا الفرس من ذلك النوع (جاءني بها جبريل) وفي رواية إسرافيل ولا تعارض لأن المجيء إذا كان متعددا فظاهر وإلا فالجائي به جبريل وصحبته إسرافيل خيره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار الأول وترك التصرف في خزائن الأرض فعوض التصرف في خزائن السماء برد الشمس بعد غروبها وشق القمر ورجم النجوم واختراق السماوات وحبس المطر وإرساله وإرسال الرياح وإمساكها وتظليل الغمام وغير ذلك من الخوارق (عليه) أي جبريل ويحتمل الفرس (قطيفة) أي مجلل بقطيفة عظيمة كساء مربع له خمل (من سندس) بالضم ديباج رقيق وهو معرب اتفاقا وحكمة كون الحامل فرسا الإشارة إلى أنه أوتي العز إذ الخيل عز كما جاء في عدة أخبار سيجئ بعضها وكونه أبلق ولم يكن لونا واحدا إشارة إلى استيلاء أمته على خزائن جميع ملوك الطوائف من أحمر وأسود وأبيض على اختلاف ألوانها وأشكالها وقد صرح الزمخشري بما محصوله أن الخزائن في هذا وما أشبهه من قبيل التمثيل والاستعارة ففي الكشاف في قوله ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ ذكر الخزائن تمثيل والمعنى وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور عليه فتكون المقاليد والفرس كذلك
(حم حب والضياء) المقدسي (عن جابر) بن عبد الله قال الهيتمي: رجال أحمد رجال الصحيح انتهى وفيه رد على ابن الجوزي حيث زعم أن الحديث لا يصح من جميع طرقه
стр. 168
١٥٩ - (أثبتكم على الصراط) المضروب على جسر جهنم من غير زلة قدم: أي على المرور عليه (أشدكم حبا لأهل بيتي) علي وفاطمة وابناهما وذريتهما أو نساؤه وأولاده المرادون بقوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ (ولأصحابي) من اجتمع به مؤمنا ومات على ذلك لأن محبتهم إنما تنشأ عن محبة متبوعهم ومن أحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحبه الله وأمنه عند المخاوف وتتفاوت درجات محبتهم بحسب تفاوت المعرفة والإيمان كما تتفاوت درجات الأغنياء بقلة المال وكثرته والمعارف بالأنوار ولا يمر المؤمنون على الصراط إلا بأنوار يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. قال حجة الإسلام: ومرورهم عليه على قدر نورهم فمنهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم كانقضاض الكواكب ومنهم كالفرس ودون ذلك ويحتمل أن يراد بالصراط دين الإسلام: أي أثبتكم وأكملكم فيه أشدكم حبا إلخ. فينتج من هذا أن محبة الآل والأصحاب دليل على كمال الإيمان والمعرفة والمراد حب لا يؤدي لمحذور أو منهي عنه شرعا
(عد فر) وكذا أبو نعيم (عن علي) أمير المؤمنين لم يرمز له بشيء وهو ضعيف وسببه أن فيه الحسين بن علان قال في اللسان عن أصله كابن الجوزي وضع حديثا عن أحمد بن حماد وقاسم بن بهرام ووهاه ابن حبان
стр. 169
١٦٠ - (اثردوا) بهمزة وصل مضمومة فمثلثة فراء مضمومة أمر ارشاد أي فتوا الخبز في المرق فإن فيه سهولة المساغ وتيسير التناول ومزيد اللذة ويقال الثريد أحد اللحمين (ولو بماء) مبالغة في تأكيد طلبه والمراد ولو مرقا يقرب من الماء قيل وأول من ثرد إبراهيم الخليل ﵊. قال الزمخشري: ثردت الخبز أثرده وهو أن تفته ثم تبله بمرق وتشرقه في وسط الصحيفة وتجعل له رقبة
(طس هب عن أنس) بن مالك زين الحافظ العراقي في إسناده عباد بن كثير ضعفه الجمهور وقال الهيتمي: فيه عباد بن كثير الرملي وثقه ابن معين وضعفه جمع وبقية رجاله ثقات ولم يرمز له المؤلف بشيء
стр. 170
١٦١ - (اثنان) مبتدأ صفة لموصوف محذوف ويجوز أن يخصص بالعطف فإن الفاء في قوله (فما فوقهما) للتعقيب ذكره الطيبي والمراد وما يزيد عليهما على التعاقب واحدا بعد واحد كقوله الأمثل فالأمثل (جماعة) قلا يختص فضلهما بما فوقهما وهذا قاله لما رأى ⦗١٤٩⦘ رجلا يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقام رجل فصلى معه فذكره فعلم منه أن أقل الجماعة اثنان إمام ومأموم فإذا صلى الشخص مع شخص آخر كزوجته أو خادمه أو ولده أو غيرهم حصلت له فضيلة الجماعة التي هي خمس وعشرون أو سبع وعشرون وهذا لا خلاف فيه عندنا وذهابه إلى المسجد لو فوتها على أهل بيتع مفضول وإقامتها لهم أفضل وقالت الحنفية: من جمع بأهله لا ينال ثواب الجماعة إلا إذا كان بعذر
(هـ عد) وكذا الدارقطني والبيهقي وضعفه (عن أبي موسى) الأشعري قال مغلطاي في شرح ابن ماجه قال ابن حزم هذا خبر ساقط وكأنه لضعف رواية الربيع بن بدر الملقب عليلة فإنه ذاهب الحديث متروكه ولا يكتب حديثه ولا يتابع عليه كما ذكره ابن معين وأبو حاتم وغيرهما وقال الحاكم يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات المقلوبات وعن الضعفاء الموضوعات انتهى
(حم طب عد عن أبي أمامة) الباهلي (قط) من رواية عثمان بن عبد الرحمن المدني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ابن سعيد بن العاص ثم قال الفريابي في مختصر الدارقطني عثمان هذا لعلة القاضي تركوه (ابن سعد) في الطبقات (والبغوي) في معجم الصحابة (والماوردي) أبو منصور في كتاب المعرفة (عن الحكم) بفتح الكاف مع المهملة (ابن عمير) بالتصغير الثمالي الأزدي قال في أسد الغابة صحابي رويت عنه أحاديث مناكير من حديث أهل الشام لا تصح وفي الإصابة قال ابن أبي حاتم عن أبيه روى عن النبي ﷺ أحاديث منكرة يرويها عيسى بن إبراهيم وهو ضعيف عن موسى بن أبي حبيب وهو ضعيف عن عمه الحكم ومنها هذا الحديث وقال الزيلعي: هذه كلها ضعيفة انتهى وفيه عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي قال في الميزان أيضا عن البخاري والنسائي منكر الحديث وعن أبي حاتم متروك ثم أورد له نحو عشرين حديثا بإسناد واحد من حديث الحكم هذا منها. وقال عبد الحق فيه عيسى بن إبراهيم بن طهمان منكر الحديث متروكه وقال ابن حجر في تخريج الرافعي رواه ابن ماجه والحاكم عن أبي موسى وفيه الربيع بن بدر ضعيف وأبوه مجهول والبيهقي عن أنس وهو أضعف من حديث أبي موسى والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه عثمان الرابعي متروك وابن عدي عن الحكم عن عمير وإسناده واه انتهى وقال في تخريج المختصر حديث غريب وقد جاء من رواية أبي موسى وأبي أمامة وأنس وعمرو بن العاص وأسانيدها كلها ضعيفة وقال في موضع آخر اتفقوا على تضعيفه وقال القسطلاني في شرح البخاري طرقه كلها ضعيفة
стр. 171
١٦٢ - (اثنان لا ينظر الله اليهما) نظر رحمة ولطف أو نفي النظر عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه يصرمه ويعرض عنه أو هو مريض بحرمانهم حال كون أكابر أهل الجنة في إكرام الله تعالى إياهم بالنظر إليه (يوم القيامة) نصب على الظرفية قالوا: يا رسول الله ومن هما قال: (قاطع الرحم) أي القرابة بنحو إساءة أو هجر بالفتح والإضافة (وجار السوء) بالفتح والإضافة أي الذي إن رأى حسنة كتمها أو سيئة أفشاها كما فسر به خبر أما قطع الرحم بقطع الإحسان فالأقرب كما قال المحقق أبو زرعة إنه ليس بكبيرة ولا صغيرة وإن ترك ذلك مع القدرة لكن الأقرب إلى ظاهر الخبر أنه صغيرة وسيجيء في عدة أحاديث عدة جماعة لا ينظر الله إليهم ولا تعارض لأنا إن قلنا إن مفهوم الخبر ليس بحجة فظاهر وإلا فنبه بهذين على من في معناهما وكان من عادة المصطفى ﷺ أن يخاطب كل إنسان بما يليق به ويلائم حاله فلعل المخاطب أو من حضره كان قاطعا للرحم أو مؤذيا لجاره فزجره بذلك
(فر عن أنس) بن مالك ولم يرمز له المصنف بشيء وفيه مهدي البصري قال في اللسان كأصله كذبه يحيى وقال ابن معين صاحب بدعة يضع الحديث وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه
стр. 172
١٦٣ - (اثنان خير من واحد) أي هما أولى بالاتباع وأبعد عن الابتداع (وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة) ⦗١٥٠⦘ وهكذا كلما زاد فهو خير (فعليكم بالجماعة) أي الزموا السواد الأعظم من أهل الإسلام (فإن الله لم يجمع أمتي) أمة الإجابة (إلا على هدى) أي حق وصواب ومن خصائصها أن إجماعهم حجة وأنهم لا يجتمعون على ضلال كما يصرح به وصفه سبحانه لهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأن مقتضى كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام للاستغراق أن لا يجتمعوا على باطل إذ لو اجتمعوا عليه كان أمرهم على خلاف ذلك ولذلك كان إجماعهم حجة
(حم) من حديث أبي عياش عن أبي البحتري عن عبيد بن سليمان عن أبيه (عن أبي ذر) رمز المصنف لصحته وليس كما زعم فقد أعله الحافظ الهيتمي بأن أبا البحتري هذا ضعيف انتهى وأقول ابن عياش أورده الذهبي في الضعفاء وقال مختلف فيه وليس بالقوي وقال في اللسان وأبو البحتري لا يكاد يعرف كذبه دحيم. قال في ذيل الضعفاء والمتروكين وأبو عبيدة تابعي لا يعرف
стр. 173
١٦٤ - (اثنان لا تجاوز) أي لا تتعدى (صلاتهما روؤسهما) أي لا ترفع إلى الله تعالى في رفع العمل الصالح بل أدنى شيء من الرفع أحدهما (عبد) يعني قن ولو أنثى (أبق) كفعل أي حرب ويجوز كونه بوزن فاعل أي هارب (من مواليه) أي مالكيه إن كانوا جماعة ومن مالكه إن كان واحدا فلا ترفع صلاته رفعا تاما (حتى يرجع) إن الطاعة إن هرب لغير عذر شرعي (و) الثاني (امرأة عصت زوجها) بنشوز أو غيره مما يجب عليها أن تطيعه فلا ترفع صلاتها كما ذكر (حتى ترجع) إلى طاعته فإباقه ونشوزها بلا عذر كبيرة قالوا: ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فالصلاة صحيحة لا يجب قضاؤها لكن ثوابها قليل أو لا ثواب فيها أما لو أبق لعذر كخوف قتل أو فعل فاحشة أو تكليفه على الدوام ما لا يطيقه أو عصت المرأة بمعصية كوطئه في دبرها أو حيضها فثواب صلاتهما بحاله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال في المهذب: هذا الحديث يفيد أن منع الحقوق في الأبدان كانت أو في الأموال يوجب سخط الله
(ك) في البر والصلة (عن ابن عمر) بن الخطاب وقال صحيح ورده الذهبي بأنه من حديث بكر بن بكار وهو ضعيف انتهى
стр. 174
١٦٥ - (اثنان) وفي رواية اثنتان (في) بعض (الناس) أي خصلتان من خصالهم (هما بهم كفر) يعني هم بهما كفر فهو من باب القلب أو الاتساع كما في شرح الأحكام والمراد أنهما من أعمال الكفار لا من خصال الأبرار أو المراد كفر النعمة أو سمي ذلك كفرا تغليظا وزجرا كما قرره القاضي وعلى الأول اقتصر ابن تيمية مع بسط وتوضيح فقال قوله هما بهم كفر أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من عمل الكفار كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وفرق بين الكفر المعروف باللام وبين كفر منكر في الاثبات وإحدى الخصلتين هي (الطعن في الأنساب) أي الوقوع في أعراض الناس بنحو القدح في نسب ثبت في ظاهر الشرع (و) الثانية (النياحة على الميت) ولو بغير بكاء ولا شق جيب خلافا لعياض وهي رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله وذلك لأن من طعن في نسب غيره فقد كفر نعمة سلامة نسبه من الطعن ومن ناح فقد كفر نعمة الله حيث لم يرض بقضائه وهو المحيي المميت وفيه أن هاتين كبيرتان وبه صرح الذهبي كابن القيم والوعيد شامل للمادح والمؤرخ ما خرج عن ذلك إلا ما وقع لأم عطية فإنها استثنت في المبايعة حين نهى المصطفى ﷺ النساء عن النياحة قالت: إلا آل ⦗١٥١⦘ فلان فإنهم أسعدوني في الجاهلية فقال: إلا آل فلان وللشارع أن يخص من العموم ما شاء
(حم عن أبي هريرة) ورواه عنه أبو نعيم والديلمي أيضا
стр. 175
١٦٦ - (اثنان يكرههما ابن آدم) غالبا قيل: وما هما قال: (يكره الموت) أي نزوله به (والموت) أي موته (خير له من الفتنة) أي الكفر والضلال أو الإثم أو الاختبار والامتحان ونحوهما وذلك لأنه مادام حيا لا يأمن الوقوع في ذلك ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ومن غير الغالب من أتحفه الله بلطف من عنده فحبب إليه الموت كما حببه لسحرة فرعون حين قال لأقطعن أيديكم فكشف لهم عما أعد لهم فقالوا لا ضير وكما لوى على علي كرم الله وجهه رعيته حتى شاقوه وقاتلوه مع كونه الإمام الحق حتى أخذ بلحيته قائلا: ما يحبس أشقاها أن يخضب هذه من هذه وأشار بيده إلى رأسه. قال الراغب: والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة انتهى وقد تكون الفتنة في الدين كالارتداد والمعاصي وإكراه الغير على المعاصي وإليه أشار المصطفى بقوله " إذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون (ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب) يعني السؤال عنه كما في خبر " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن أربع " وفيه عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه أي ولو حلالا وسمى المال مالا لأنه يميل القلوب عن الله تعالى قال الراغب: والحساب استعمال العدد
(ص حم) وكذا أبو نعيم والديلمي (عن محمود بن لبيد) الأنصاري قال في الكشاف: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورواياته مرسلة وفي أسد الغابة نحوه قال المنذري: رواه أحمد بإسنادين رواة أحدهما محتج بهم في الصحيح قال ومحمود له رواية ولم يصح له سماع وقال الهيتمي خرجه أحمد بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح انتهى ومن ثم رمز المصنف لصحته هنا وقال في الكبير صحيح انتهى لكن عرفت أنه مرسل
стр. 176
١٦٧ - (اثنتان) من الخصال (يعجلهما الله) أي يعجل عقوبتهما لفاعلهما (في الدنيا) إحداهما (البغي) أي مجاوزة الحد في الطغيان يعني التعدي بغير حق (و) الثانية (عقوق الوالدين) أي مخالفتهما أو إيذائهما أو أحدهما والمراد من له ولادة وإن علا من الجهتين وألحق بهما الزركشي الخالة والعمة واعترض وقيل العقوق ثكل من لم يثكل وقيل لحكيم كيف ابنك قال عذاب رعف به الدهر وبلاء لا يقاومه الصبر وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه قال تعالى ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ وفيه أن البغي والعقوق من الكبائر وخص هاتين الخصلتين من بين خصال الشر بذكر الععجيل فيهما لا لإخراج غيرهما فإنه قد يعجل أيضا بل لأن المخاطب بذلك كان لا يحترز من البغي ولا يبر والديه فخاطبه بما يناسب حاله زجرا له وكثيرا ما يخص بعض الأعمال بالحث عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها إما لمشقتها عليه وإما لتساهله في أمرها كما مر
(تخ طب عن) عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه (أبي بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ومهملة ابن الحارث بن كلدة بفتحات ابن عمرو الثقفي قيل له أبو بكرة لأنه تدلى للنبي ﷺ ببكرة من حصن الطائف فأسلم كان من فضلاء الصحابة ومشاهيرهم وقيل هو نفيع بن مسروح والحارث بن كلدة مولاه
стр. 177
١٦٨ - (أثيبوا) كافئوا (أخاكم) في الدين على صنيعه معكم معروفا بالضيافة ونحوها قالوا: يا رسول الله بأي شيء نثيبه قال (ادعوا له بالبركة) أي بالنمو والزيادة من الخير الإلهي (فإن الرجل) ذكر الرجل غالبي والمراد الإنسان ولو أنثى (إذا أكل طعامه وشرب شرابه ثم دعى له بالبركة) ببناء أكل وشرب ودعى لللمجهول أي أكل الأضياف من طعامه وشربوا ⦗١٥٢⦘ من شرابه ثم دعوا له بزيادة الخير ونموه ويمكن بناء المذكورات للفاعل أيضا (فذاك) أي مجرد الدعاء (ثوابه) أي مكافأته (منهم) أي من الأضياف يعني إن عجزوا عن مكافأته بضيافة أو غيرها أو لم يتيسر لهم ذلك لعذر منه أو منهم بدليل الخبر الآتي " من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم كافأتموه " أو المراد أن ذلك من ثوابه أو ثوابه المعجل ثم تكافئونه بالمقابل وفيه ندب الضيافة سيما للإخوان والأمر بالمعروف وتعليم العلم والسؤال عما لا يتضح معناه والدعاء لصاحب الطعام بالبركة وفعل الممكن من المجازاة والمبادرة بذلك. (تتمة) قال بعض العارفين النفوس الزكية تنبعث لمكافأة من أحسن إليها ومن أساء طبعا فتعطي كل ذي حق حقه قال الراغب: والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله فسمى الجزاء ثوابا تصورا أنه هو
(د هب عن جابر) بن عبد الله قال صنع أبو الهيتم طعاما ودعا المصطفى وصحبه فلما فرغوا ذكره وقد رمز المصنف لحسنه وفيه ما فيه إذ فيه فليح ابن سليمان المدني أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال قال ابن معين والنسائي غير قوي ولعله باعتبار شواهده
стр. 178
١٦٩ - (اجتمعوا) بهمزة وصل مكسورة خطاب لمن شكوا إليه أنهم يأكلون فلا يشبعون (على طعامكم) ندبا من الاجتماع ضد الافتراق (واذكروا) حال شروعكم في الأكل (اسم الله عليه) بأن تقولوا في أوله بسم الله والأكمل إكمال البسملة فإنكم إن فعلتم ذلك (يبارك) أي الله فهو مبني للفاعل ويجوز للمفعول (لكم فيه) فتشبعون فالاجتماع على الطعام وتكثير الأيدي عليه ولو من الأهل والخدم مع التسمية سبب للبركة التي هي سبب للشبع والخير والتسمية على الأكل سنة كفاية والأكمل أن يسمي كل واحد منهم فإن ترك التسمية أوله عمدا أو سهوا تداركها في أثناءه كما يأتي في خبر
(حم د هـ) في الأطعمة (حب ك) وكذا الطبراني والبيهقي في الجهاد كلهم (عن وحشي) بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة (ابن حرب) ضد الصلح الحبشي مولى جبير بن مطعم أو طعيمة بن عدي وهو قاتل حمزة عم النبي ﷺ ثم قتل مسيلمة الكذاب وقال قتلت خير الناس وشر الناس فهذه بهذه قال رجل: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال: فلعلكم تفترقون على طعامكم اجتمعوا إلى آخره لم يرمز المؤلف له بشيء ونقل بعضهم عنه أنه صححه وهو من رواية وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده كما قال الحاكم وغيره ووحشي هذا قال فيه المزني والذهبي فيه لين وقصارى أمر الحديث ما قاله الحافظ العراقي أن إسناده حسن وقال ابن حجر في صحته نظر فإن وحشي الأعلى هو قاتل حمزة وثبت أنه لما أسلم قال له المصطفى ﷺ غيب وجهك عني فيبعد سماعه منه بعد ذلك إلا أن يكون أرسل وقول ابن عساكر أن صحابي هذا الحديث غير قاتل حمزة يرده وورد التصريح بأنه قاتله في عدة طرق للطبراني وغيره وأقول مما يوهن تصحيحه أن الحاكم مع كونه مشهورا بالتساهل في التصحيح وعيب بذلك لما أورده لم يصححه بل في كلامه إشعار بضعفه فإنه عقبه بقوله أخرجناه شاهدا
стр. 179
١٧٠ - (اجتنب) بهمزة وصل مكسورة (الغضب) أي أسبابه أي لا تفعل ما يأمر به ويحمل عليه من قول أو فعل لأن نفس الغضب جبلي إذ هو غليان دم القلب لإرادة الانتقام وقد خلق من نار وغرس في الإنسان فمتى نوزع في غرض ثار الغضب فغلى دم القلب وسرى إلى العروق فإن قدر على الانتقام أحمر وجهه وإلا انقبض الدم واصفر اللون وانقلب الغضب حزنا ومحل قوة الغضب القلب فالناس فيه ما بين تفريط وإفراط واعتدال فالتفريط أن يفقد قوة الغضب وهو مذموم إذ لا حمية ولا غيرة لمن هو كذلك والافراط أن يخرج عن سياسة العقل ويقع في نقص الدين ولا ينظر في العواقب وهذا محل النهي وما بين ذلك هو الوسط المحمود قال البيضاوي ولعله لما رأى جميع المفاسد ⦗١٥٣⦘ التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته وغضبه وكانت شهوة السائل مكسورة نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره فإنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان أقوى أعدائه
(ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذم الغضب) أي فيما جاء فيه (وابن عساكر) في تاريخه عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف (عن رجل من الصحابة) أن رجلا قال: يا رسول الله حدثني بكلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فذكره وجهالته لا تصير الحديث مرسلا كما في تخريج الهداية لابن حجر وهذا الحديث بمعناه في البخاري إذ فيه من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني قال: لا تغضب
стр. 180
١٧١ - (اجتنبوا) أبعدوا وهو أبلغ من لا تفعلوا لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة ذكره الطيبي (السبع) أي الكبائر السبع ولا ينافيه عدها في أحاديث أكثر لأنه أخبر في كل مجلس بما أوحى إليه أو ألهم أو سنح له باعتبار أحوال السائل أو تفاوت الأوقات أو لزيادة فحشها وفظاظة قبحها أو لأن مفهوم العدد غير حجة أو لغير ذلك (الموبقات) بضم الميم وكسر الموحدة التحتية المهلكات جمع موبقة وهي الخصلة المهلكة أو المراد الكبيرة أجملها وسماها مهلكات ثم فصلها ليكون أوقع في النفس وليؤذن بأنها نفس المهلكات وقول التاج السبكي الموبقة أخص من الكبيرة وليس في حديث أبي هريرة أنها الكبائر تعقبه الحافظ ابن حجر بالرد قال ابن عباس وهي إلى السبعين أقرب وابن جبير إلى السبع مئة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها وللحافظ الذهبي جزء فيه نحو الأربع مئة ذكره الأذرعي (الشرك) بنصبه على البدل ورفعه وكذا ما بعده على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ومنها الشرك (بالله) أي جعل أحد شريكا لله والمراد الكفر به وخصه لغلبته حينئذ في الوجود فذكره تنبيها على غيره من صنوف الكفر (و) الثانية (السحر) قال الحراني: وهو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في ضمنها من سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله تعالى عليه وفي حاشية الكشاف للسعد هو مزاولة النفس الخبيثة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة قال التاج السبكي والسحر والكهانة والتنجيم والسيمياء من واد واحد (و) الثالثة (قتل النفس التي حرم الله) قتلها عمدا كان أو شبه عمد لا خطأ كما صرح به شريح الروياني والهروي وجمع شافعيون أي فإنه لا كبيرة ولا صغيرة لأنه غير معصية (إلا بالحق) أي بفعل موجب للقتل وأعظم الكبائر والشرك ثم القتل ظلما وما عدا ذلك يحتمل كونه في مرتبة واحدة لكونه سردها على الترتيب لأن الواو لا توجبه والأظهر أن هذا النهي وشبهه إنما ورد على أمر مخصوص فأجاب السائل على مقتضى حاله وصدور هذه الخصال منه أوهمه بها أو كان في المجلس من حاله ذلك فعرض به إما أنه مما أوحي إليه أو عرفه بما له معجزة (و) الرابعة (أكل مال اليتيم) يعني التعدي فيه وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع (و) الخامسة (أكل الربا) أي تناوله بأي وجه كان. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة ولهذا ذكره عقب ما هو علامة سوء خاتمتها وتردد ابن عبد السلام في تقييده بنصاب السرقة (و) السادسة (التولي) أي الإدبار من وجوه الكفار (يوم الزحف) أي وقت ازدحام الطائفتين إلا إن علم أنه إن ثبت قتل بغير نكاية في العدو فليس بكبيرة بل ولا صغيرة بل يباح بل يجب. قال ابن عبد السلام: وأشد منه ما لو دل الكفار على عورة المسلمين عالما بأنهم يستأصلونهم ويسبون حريمهم والزحف الجيش الدهم سمي به لكثرته وثقل حركته يرى كأنه يزحف زحفا أي يدب دبيبا (و) السابعة (قذف المحصنات) بفتح الصاد المحفوظات من الزنا وبكسرها الحافظات فروجهن منه والمراد رميهن بزنا أو لواط (المؤمنات) بالله تعالى احترازا عن قذف الكافرا ت فإنه من الصغائر قال الراغب: والقذف الرمي البعيد استعير للشتم والعيب والبهتان (الغافلات) عن الفواحش وما قذفهن به فهو كناية عن البريئات \ لأن الغافل بريء عما بهت به من الزنا والقذف ⦗١٥٤⦘ به كبيرة إلا لصغيرة لا تحتمل الوقاع ومملوكة وحرة متهتكة فصغيرة لأن الإيذاء في قذفهن دونه في كبيرة مستترة قاله الحليمي وتوقف الأذرعي ونظر الزركشي في المملوكات لخبر من قذف عبدة أقيم عليه الحد يوم القيامة وإلا في قذف المحصنة بخلوة بحيث لا يسمعه أحد إلا الله والحفظة فليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة قاله ابن عبد السلام لكن خالفه البلقيني تمسكا بظاهر ﴿الذين يرمون المحصنات﴾ والخبر المشروح قال الزركشي: ويظهر قول ابن عبد السلام في الصادق لا الكاذب لجرأته عليه تعالى وإلا فقذفه زوجته إذا علم زناها أو ظنه مؤكدا فليس بكبيرة بل ولا صغيرة وكذا جرح راو وشاهد بالزنا إن علم به بل يجب قال ابن عبد السلام وأشد منه ما لو أمسك محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله
(ق د ن عن أبي هريرة)
следующие страницы →