← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21660

فيض القدير

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (10 128 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٧٢ - (أحل) بالبناء لما لم يسم فاعله بضبط المؤلف والفاعل هو الله (الذهب والحرير) أي الخالص أو الزائد وزنا (لإناث أمتي) لبسا وتحلية وغير ذلك من وجوه الاستعمال (وحرم) بالبناء للمفعول أيضا (على ذكورها) المكلفين غير المعذورين أن يستعملوهما لأن في ذلك خنوثة لا تليق بشهامة الرجال وألحق بالرجال الخناثى والمراد من الذهب هنا لبسه أما استعماله في أكل أو شرب فلا فرق في تحريمه بين الذكر والأنثى والفضة كالذهب (حم ن) في الزينة (عن أبي موسى) الأشعري وظاهر صنع المؤلف أن النسائي تفرد به من بين الستة والأمر بخلافه بل رواه الترمذي أيضا وقال حسن صحيح وصححه البغوي وغيره

стр. 282

⦗٢٠٠⦘ ٢٧٣ - (أحلت لنا) أي لا لغيرنا من الأمم (ميتتان) تثنية ميتة وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن زوال القوة وفناء الحرارة ذكره الحراني وعرفها الفقهاء بأنها ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية (ودمان) تثنية دم بتخفيف ميمه وشدها أي تناولهما في حالة الاختيار (فأما الميتتان فالحوت) يعني حيوان البحر الذي يحل أكله ولو لم يسم سمكا وكان على غير صورته بالكلية ولو طافيا ورفع لابن الرفعة هنا أنه ساق الحديث وأبدل الحوت بالسمك فاعترضه الذهبي بأنه لم يرد وإنما الوارد الحوت ومراده بعدم الورود عدم الثبوت وإلا فقد ورد لفظ السمك في رواية منكرة ذكرها ابن مردويه في تفسيره (والجراد) من الجرد لأنه يجرد الأرض ففي الجمهرة لابن دريد سمي جرادا لأنه يجرد الأرض أي يأكل ما فيها وفي التنزيل ﴿كأنهم جراد منتشر﴾ الآية وذكر نحوه الزمخشري فتحل ميتته هبه مات باصطياد أم بقطع رأسه أم بحتف أنفه على ثبوت ضرره من بين جراد البلاد (وأما الدمان فالكبد) بفتح فكسر أفصح (والطحال) ككتاب قال العراقي وهذا لا يقتضي اختصاص الحل بالميتتين المذكورتين أو الدمين لأنه مفهوم لقب وهذا سماه السكي مفهوم العدد وهو غير حجة اتفاقا وفرق بينه وبين مفهوم المعدود عند القائل بحجيته بأن العدد يشبه الصفة والمعدود لا يذكر معه أمر زائد فيفهم منه انتفاء المحكم عما عداه (هـ) من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر (ك هق) من رواية ابن أبي أويس عن الثلاثة المذكورة (عن ابن عمر) بن الخطاب ثم حكى البيهقي عن أحمد وابن المديني أنهما وثقا عبد الله بن زيد قال لكن الصحيح من هذا الحديث هو الأول قال الحافظ العراقي يريد به رواية ابن وهب عن سلمة بن نمير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفا أحلت لنا إلى آخره قال البيهقي بعد تخريجه هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند انتهى ومن ثم قال النووي هو وإن كان الصحيح وقفه في حكم المرفوع إذ لا يقال من قبل الرأي

стр. 283

٢٧٤ - (احلفوا) ندبا إذا كان الداعي للحلف مصلحة (بالله) أي باسم من أسمائه أو صفة من صفاته لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشد به المواثيق (وبروا) بفتح الموحدة (واصدقوا) في حلفكم (فإن الله) أكد بأن ووضع الظاهر موضع المضمر تفخيما ودفعا لتوهم المنع (يحب أن يحلف به) أي يرضاه إذا كان غرض الحالف طاعة كفعل جهاد أو وعظ أو زجر عن إثم أو حث على خير وقد حكى الله تعالى عن يعقوب ﵊ أنه طلب من بنيه الحلف حين التمسوا إرسال أخيهم معهم فهو إذن منه في ذلك ولا يأذن إلا فيما هو محبوب مطلوب ولا يناقضه ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ فإن معناه لا تكثروا منها أو يحمل الحديث على ما إذا كانت في طاعة أو دعت إليها حاجة والآية على خلافه وبذلك علم أنه لا تدافع قال النووي يستحب الحلف ولو بغير تحليف لمصلحة كتوكيد مبهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه وقد كثرت الأخبار الصحاح في حلف المصطقى ﷺ في هذا النوع لهذا الغرض وخرج بالحلف بالله الحلف بغيره فهو مذموم كما جاء مصرحا به في أخبار أخر قال في الكشاف وقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية تنسب إليها الجاهلية الأولى وذلك أن الواحد لو أقسم بأسماء الله تعالى كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه حتى يقسم برأس سلطانه وذلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءه حلف لحالف انتهى وأقول قد استحدث الناس في هذا الباب الآن في إسلامهم جاهلية وهو أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها لم يقبل منه حتى يقول وسر الشيخ فلان وذلك عندهم جهد اليمين (حل) من حديث معروف بن محمد بن زياد عن الفضل بن عياش الجرجاني عن عفان بن يسار عن مسعر عن وبرة (عن ابن عمر) ثم قال تفرد به عفان عن مسعر وهو ضعيف قال البخاري ⦗٢٠١⦘ لا يصح حديثه ومعروف قال الذهبي فيه طعن

стр. 284

٢٧٥ - (احلقوه) بكسر اللام (كله) أي شعر الرأس أي أزيلوه بحلق أو غيره كقص أو نورة وخص الحلق لغلبته وسلامته من الأذى وغيره قد يؤذي. قال الحراني: والحلق إزالة ما يتأتى الزوال فيه بالقطع من الآلة الماضية في عمله والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه (أو اتركوه) وفي رواية أو ذروه (كله) فإن الحلق لبعض الرأس وترك بعضه مثله ويسمى القزع فهو مكروه مطلقا تنزيها إلا لعذر سواء كان لرجل أو امرأة ذكره النووي وسواء كان في القفا أو الناصية أو الوسيط خلافا لبعضهم وأكده بقوله كله دفعا لتوهم التجوز بإرادة الأكثر وذلك لما فيه من التشويه وتقبيح الصورة والتعليل بذلك كما قال القرطبي أشبه منه بأنه زي أهل الدعارة والفساد وبأنه زي اليهود وفهم من إطلاقه عموم النهي كما لو ترك منه مواضع متفرقة أو حلق الأكثر وترك محلا واحدا وهذا من كمال محبة المصطفى ﷺ للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه فنهاه عن حلق بعض وترك بعض لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا ونظيره المشي في نعل واحدة وقوله احلقوه كله يدل على جواز الحلق وهو مذهب الجمهور وذهب بعض المالكية إلى تخصيصه بحالة الضرورة محتجا بورود النهي عنه إلا في الحج لكونه من فعل المجوس والصواب الحل بلا كراهة ولا خلاف الأولى وأما قول أي شامة الأولى تركه لما فيه من التشويه ومخالفة طريق المصطفى ﷺ إذ لم ينقل عنه أنه كان يحلقه بل إذا قصد به التقرب في غير نسك أثم لأنه شرع في الدين ما لم يأذن به الله ففي حيز المنع بلا ريب كيف وقد حلق المصطفى ﷺ رؤوس أبناء جعفر بن أبي طالب وفي أبي داود أنه أتى النبي ﷺ رجل ثائر الرأس فقال مه أحسن إلى شعرك أو احلقه فانظر كيف سوى بين ترجيله وحلقه وخيره بينهما؟ وأعدل حديث في هذا المقام قول حجة الاسلام لا بأس بحلقه لمريد التنظيف ولا بأس بتركه لمن يدهن ويترجل يعني من قدر على دهنه وترجيله فبقاؤه له أولى ومن عسر عليه كضعيف وفقير منقطع علم من بقائه أنه يتلبد ويجمع الوسخ والقمل فالتنظيف منه بحلقه أولى والكلام كله في الذكر أما الأنثى فحلقها له مكروه حيث لا ضرر بل إن كانت مفترشة ولم يأذن الحليل حرم بل عده في المطامح من الكبائر وشاع على الألسنة أن المرأة إذا حلقت رأسها بلا إذن زوجها سقط صداقها وذلك صرخة من الشيطان لم يقل به أحد (د) في الترجيل (ن) في الزينة (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب قال رأى النبي ﷺ صبيا حلق بعض رأسه وترك بعضه فذكره وقضية صنيع المؤلف أنه لم يخرج في أحد الصحيحين وإلا لما عدل عنه وهو غريب فقد خرجه مسلم تلو حديث النهي عن القزع بالسند الذي ذكره وأخرجه به أبو داود لكنه لم يذكر لفظه بل قال ولذلك فلم يتفطن له المؤلف ومن ثم عزاه الحميدي كأبي مسعود الدمشقي إلى مسلم وتبعهما المزي في الأطراف قال في المجموع وحديث أبي داود صحيح على شرط الشيخين

стр. 285

٢٧٦ - (احملوا) بكسر الهمزة والميم أيها الأولياء (النساء على أهوائهن) أي زوجوهن بمن يرتضينه ويرغبن فيه إذا كان كفأ وكذا إذا كان غير كفء ورضيت المرأة به فإذا التمست بالغة عاقلة التزويج من كفء لزم الولي إجابتها فإن امتنع فعاضل فيزوجها السلطان (عد) من حديث محمد بن الحارث عن ابن السلماني عن أبيه (عن ابن عمر) بن الخطاب قال في الميزان محمد بن الحارث عن ابن السلماني أحاديثه منكرة متروك الحديث ثم أورد له أخبار هذا منها

стр. 286

٢٧٧ - (أخاف على أمتي) زاد في رواية بعدي فالإضافة للتشريف (ثلاثا) أي خصالا ثلاثا. قال الزمخشري: والخوف غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه والحزن غم يلحقه لفوت نافع أو حصول ضار (زلة عالم) أي سقطته يعني عمله بما يخالف ⦗٢٠٢⦘ علمه ولو مرة واحدة فإنه عظيم المفسدة لأن الناس مرتقبون لأفعاله ليقتدوا به ومن تناول شيئا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم قاتل سخروا منه واتهموه وزاد حرصهم على ما نهاهم عنه فيقولون لولا أنه أعظم الأشياء وألذها لما استأثر به وأفرد الزلة لندرة وقوعها منه (وجدال منافق بالقرآن) أي مناظرته به ومقابلته الحجة بالحجة لطلب المغالبة بالباطل وربما أول منه شيئا ووجهه بما يؤول إلى الوقوع في محذور ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ وربما غلب بزخرفته وتوجيهه العقائد الزائغة على بعض العقول القاصرة فأضلها (والتكذيب بالقدر) بالتحريك أي أن الله يقدر على عبده الخير والشر كما زعمه المعتزلة حيث أسندوا أفعال العباد إلى قدرتهم فزعموا أن أفعال العباد خيرها وشرها مسندة إلى قدرة العبد واختياره وعاكستهم الجبرية فأثبتوا التقدير لله تعالى ونفوا قدرة العبد بالكلية وكلا الفريقين من التفريط والإفراط على شفا جرف هار والصراط المستقيم والقصد القويم مذهب أهل السنة أنه لا جبر ولا تفويض إذ لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر ولا يبطل الكسب الذي هو السبب قال الطيبي: وقدم زلة العالم لأنها تسبب في الخصلتين الأخيرتين فلا يحصلان إلا من زلته ولا منافاة بين قوله هنا ثلاثا وفيما يأتي ستا وفي الخبر الآتي على الأثر ضلالة الأهواء إلى آخره لأنا إن قلنا إن مفهوم العدد غير حجة وهو ما عليه المحققون فلا إشكال وإلا فكذلك لأنه أعلم أولا بالقليل ثم بالكثير أو لأن ذلك يقع لطائفة وهذا لأخرى (طب عن أبي الدرداء) قال الهيتمي فيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف

стр. 287

٢٧٨ - (أخاف على أمتي من بعدي) بين به أن ذلك لا يقع في حياته فإن وجوده بين أظهرهم أمان لهم من ذلك (ثلاثا) من الخصال (ضلالة الأهواء) أي إضلال أهوية نفوسهم لهم وقد يراد بها خصوص البدع والتعصب للمذاهب الباطلة والضلال ضد الرشاد وفي الصحاح أضله أهلكه والأهواء مفرده هوى مقصور وهو عرض نفساني ناشئ عن شهوة نفس في غير أمر الله كذا ذكره بعضهم وأوجز القاضي فقال: رأي يتبع الشهوة. وقال الراغب: والضلال أن يقصد لاعتقاد الحق أو فعل الجميل أو قول الصدق فيظن بتقصيره وسوء تصرفه فيما كان باطلا أنه حق فاعتقده أو فيما هو قبيح أنه جميل وليس بجميل ففعله أو فيما كان كذبا أنه صدق فقاله والجهل عام في كل ذلك (واتباع الشهوات) جمع شهوة قال الحراني: وهي نزوع النفس إلى محبوب لا تتمالك عنه وقال في الكشاف طلب النفس اللذة (في البطون والفروج) بأن يصير الواحد كالبهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه لا يخطر بباله حقا ولا باطلا ولا يفكر في عاقبة أمره عاجلا ولا آجلا وأنشد بعضهم: تجنب الشهوات واح. . . ذر أن تكون لها قتيلا فلرب شهوة ساعة. . . قد أورثت حزنا طويلا وخصهما لأنهما مرجع جميع الشهوات. قال الراغب: وإنما خاف على أمته الشهوات لأنها أقدم القوى وجودا في الإنسان وأشدها به تثبيتا وأكثرها تمكنا فإنها تولد معه وتوجد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه بل وفي النبات الذي هو جنس جنسه ثم توجد فيه قوة الحمية ثم آخرا وجد فيه قوة الفكر والنطق من التمييز ولا يصير الإنسان متميزا عن جملة البهائم متخلصا من أسر الهوى إلا بأمانة الشهوة البهيمية أو بقهرها وقمعها إن لم تمكن إماتتها فهي التي تضره وتغره وتصرفه عن طرق الآخرة ومتى قمعها أو أماتها صار حرا نقيا فتقل حاجاته ويصير غنيا عما في يد غيره سخيا بما في يده محسنا في معاملته لكن هنا شيء يجب التنبيه به وهو أن الشهوة إنما تذم إن أفرطت وأهملها صاحبها حتى ملكت القوى أما إذا أديت فهي المبلغة للسعادة حتى لو لم تكن لما أمكن الوصول إلى الآخرة وذلك لأنه لا وصول إليها إلا بالعبادة ولا سبيل إليها إلا بالحياة ولا سبيل إليها إلا بحفظ البدن ولا يمكن إلا بإعادة ما تحلل منه ولا يمكن إلا بتناول الغذاء ولا يمكن إلا بالقوة الشهوية فالأمر محتاج إليها ومقتضى الحكمة إيجادها وتزيينها ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ لكن هي كعدو تخشى مضرته من وجه ونفعه من وجه ومع عداوته لا يستغنى عنه فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن إليه قال: ⦗٢٠٣⦘ ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى. . . عدوا له ما من صداقته بد (والغفلة بعد المعرفة) أي إهمال الطاعة بعد معرفة وجوبها أو ندبها هذا في حق العوام أما في حق الخواص فالالتفات إلى غير الله حتى بمجرد الدعوى أو العجب أو الركون إلى ما ظهر من مبادئ اللطف وذلك هو المنكر الخفي الذي لا يقدر على التحرز منه إلا ذو القدم الراسخ. قال الغزالي: وإنما كانت الغفلة من أعظم المصائب لأن كل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها لصلاحيتها لأن توصل إلى سعادة الأبد وتبعد من شقاوة الأبد فإذا ضيعته في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا وإن صرفته للمعصية هلكت هلاكا فاحشا. قال الحراني: والغفلة فقد الشعور بما حقه أن يشعر به وأراد بأهل الأهواء البدع كما تقرر وبدأ بها إشارة إلى أنها أخوف الثلاثة وأضرها إذ هي مع كونها داعية لأصحابها إلى النار موقعة للعداوة مؤدية إلى التقاطع و'نما حدث التباين والفرق بسبب ذلك حتى أدى إلى أن بعض تلك الفرق سب الشيخين ولعنهما وتعصب كل فريق فضلوا وأضلوا وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقيل لما نزل قوله تعالى ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ صاح إبليس ودعا بالويل والثبور فجاءته جنوده وقالوا: ما بال سيدنا قال: نزلت آية لا يضر بعدها آدميا ذنب فقالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ففرح بذلك وقال الغزالي: قال الحسن بلغنا أن إبليس قال سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها وهي الأهواء قال الغزالي رحمه الله تعالى وصدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون. وقال الجنيد: لو أقبل عارف على الله تعالى ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال الغزالي: قد نظر الحكماء فردوا مصائب العالم ومحنه إلى خمس المرض في الغربة والفقر في الشيب والموت في الشباب والعمى بعد البصر والغفلة بعد المعرفة قال وأحسن منه قول القائل: لكل شيء إذا فارقته عوض. . . وليس لله إن فارقت من عوض <تنبيه> قال في المناهج: الغفلة داء عظيم ينشأ عنه مضار دينية ودنيوية وعرفت في اصطلاح الصوفية بأنها غشاوة وصدأ يعلو مرآة القلب يمنعه من التيقظ لما يقرب من حضرة الرب ومداواته أن يعلم أنه غير مغفول عنه ويلحظ قوله تعالى ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ ويعلم أنه يحاسب على الخطرة والهم أي المقتونة بالتصميم فمن تحقق بهذا وراعى أوقاته وزان أحواله زالت عنه الغفلة (الحكيم) أبو جعفر محمد الترمذي (والبغوي) أبو القاسم (وابن منده) عبد الله (وابن نافع) عبد الباقي (وابن شاهين) عمر بن أحمد له زهاء ثلاث مئة مؤلف (وأبو نعيم) الحافظ أحمد المشهور (الخمسة في كتاب الصحابة عن أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وآخره مهملة مولى رسول الله ﷺ وهو الذي قال له المصطفى ﷺ وقد رآه ينفخ إذا سجد ترب وجهك ذكره ابن الأثير وغيره وأفلح في الصحابة متعدد وهذا هو المراد لكن لو ميزه لكان أولى قال في الأصل وسنده ضعيف

стр. 288

٢٧٩ - (أخاف على أمتي من بعدي) في رواية بعدي بإسقاط من (ثلاثا: حيف الأئمة) أي جور الإمام الأعظم ونوابه قال الراغب: الحيف الميل في الحكم والجنوح إلى أحد الجانبين (وإيمانا بالنجوم) أي تصديقا باعتقاد أن لها تأثيرا في العالم ونكره ليفيد الشيوع فيدل على التحذير من التصديق بأي شيء كان من ذلك جزئيا أو كليا مما كان من أحد فسمى علم النجوم وهو علم التأثير لا التسيير فإنه غير ضار (وتكذيبا بالقدر) أي إسناد أفعال العباد إلى قدرهم قال ⦗٢٠٤⦘ الغزالي العلم لا يذم لعينه وإنما يذم في حق العباد لأسباب ككونه مضرا بصاحبه أو غيره غالبا كعلم النجوم فإنه غير مذموم لذاته إذ هو قسمان حسابي وقد نطق القرآن العزيز بأن علم تسيير الكواكب محبوب ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ وأحكامي وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب وذلك يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض وهو معرفة مجاري سنة الله تعالى في خلقه لكن ذمه الشرع لإضراره بأكثر الخلق حسما للباب فإنه إذا ألقى إليهم أن هذه الآثار تحدث عند قران الكواكب أو تناظرها أو صعودها أو هبوطها أو غير ذلك وقع في نفوسهم أنها هي المؤثرة وأنها آلهة لكونها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب فيبقى القلب ملتفتا إليها ويرى الخير والشر منها وينمحي ذكر الله من قلبه إذ الضعيف يقصر نظره على الوسائط والعالم الراسخ مطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وأن أفعالها وتأثيرها بأقداره وبمشيئته لا بقدرها فلا يتزلزل ولا يضطرب بحال وإن شاهد منها عجائب الأحوال (ابن عساكر) في تاريخ الشام (عن أبي محجن الثقفي) عمرو بن حبيب أو عبد الله كان فارسا جوادا شاعرا بطلا لكنه منهمك في الشرب لا يصده خوف حد ولا لوم جلده عمر رضي الله تعالى عنه مرارا سبعا أو ثمانيا ونفاه. قال الحافظ العراقي: إسناده ضعيف ولم يرمز المؤلف ﵀ له بشيء ووهم من زعم أنه رمز لحسنه لكنه أشار بتعدد طرقه إلى تقويته

стр. 289

٢٨٠ - (أخاف على أمتي بعدي) وفي نسخ من بعدي ولا وجود لها في نسخة المؤلف التي بخطه (خصلتين) تثنية خصلة وهي كما في الصحاح بالفتح الخلة وفي الأساس الخصلة المرة من الخصل وهي الغلبة في الفضائل يقال فضلهم خصلة وخصالا وأصل الخصل القطع قال ومن المجاز فيه خصلة حسنة وخصال وخصالات كرام (تكذيبا بالقدر وتصديقا بالنجوم) فإنهم إذا صدقوا بتأثيراتها مع قصور نظرهم على الأسباب القريبة السافلة والانقطاع عن الترقي إلى مسبب الأسباب هلكوا بلا ارتياب فمعرفة الأسباب من حيث كونها معرفة غير مذمومة لكنها تجر إلى الإضرار بأكثر الخلق والوسيلة إلى الشر فلما نظر المصطفى ﷺ إلى ما يتولد منه من الشر خاف على أمته منه وفيه كمال شفقته عليهم ونظره بالرحمة إليهم. قال منجم لعلي كرم الله وجهه لما قصد النهروان: لا تسر في موضع كذا وسر في موضع كذا فقال: ما كان محمد يعلم ما ادعيت اللهم لا طير إلا طيرك وما كان لعمر منجم وقد فتح بلاد كسرى وقيصر (ع عد خط في) كتاب (النجوم عن أنس) بن مالك وهو حسن لغيره انتهى (أخاف على أمتي الاستسقاء بالأنواء) أي طلب السقيا أي المطر بها جمع نوء وهو نجم مال للغروب أو سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر مقابله من المشرق (وحيف السلطان) أي من له سلاطة وقهر (وتكذيبا بالقدر) وأنشد بعضهم: إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر. . . فكن على حذر قد ينفع الحذر واصبر على القدر المحتوم وارض به. . . وإن أتاك بما لا تشتهي القدر فما صفا لامرئ عيش يسر به. . . إلا سيتبع يوما صفوه الكدر (رواه) الإمام محمد (بن جرير) الطبري المجتهد المطلق (عن جابر) بن عبد الله وهذا ساقط من كثير من النسخ مع وجوده بخطه

стр. 290

٢٨١ - (أخبرني جبريل أن حسينا) ابن فاطمة (يقتل بشاطئ الفرات) بضم الفاء أي بجانب نهر الكوفة العظيم المشهور وهو يخرج من آخر حدود الروم ثم يمر بأطراف الشام ثم بأرض الطف وهي من بلاد كربلاء فلا تدافع بينه وبين خبر الطبراني بأرض الطف وخبره بكربلاء وهذا من أعلام النبوة ومعجزاتها وذلك أنه ⦗٢٠٥⦘ لما مات معاوية أتته كتب أهل العراق إلى المدينة أنهم بايعوه بعد موته فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فبايعوه وأرسل إليه فتوجه إليهم فخذلوه وقتلوه بها يوم الجمعة عاشر محرم سنة إحدى وستين وكسفت الشمس عند قتله كسفة أبدت الكواكب نصف النهار كما رواه البيهقي وسمعت الجن تنوح عليه ورأى ابن عباس النبي ﷺ في النوم ذلك اليوم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم فسأله عنه فقال هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم وطيف برأسه الشريف في البلدان إلى أن انتهت إلى عسقلان فدفنها أميرها بها فلما غلب الفرنج على عسقلان استفداها منهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمال جزيل وبنى عليها المشهد بالقاهرة كما أشار إليه القاضي الفاضل في قصيدة مدح بها الصالح ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره لكن نازع فيه بعضهم بأن الحافظ أبا العلاء الهمداني ذكر أن يزيد بن معاوية أرسلها إلى المدينة فكفنها عامله بها عمرو بن سعيد بن العاص ودفنها بالبقيع عند قبر أمه قال وهذا أصح ما قيل وقال الزبير بن بكار حمل الرأس إلى المدينة فدفن بها وقال القرطبي والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء بهذا السبب والإمامية يقولون الرأس أعيد إلى الحبشة ودفن بكربلاء بعد أرعين يوما من القتل قال القرطبي وماذكر من أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فباطل لم يصح ولا يثبت وأخرج ابن خالويه عن الأعمش عن منهال بن عمرو الأسدي قال والله أنا رأيت رأس الحسين حين حمل وأنا بدمشق وبين يديه رجل يقرأ سورة الكهف حتى إذا بلغ قوله ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من أياتنا عجبا﴾ فأنطق الله الرأس بلسان ذرب فقال أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي قال ابن عساكر إسناده مجهول وتفصيل قصة قتله تمزق الأكباد وتذيب الأجساد فلعنة الله على من قتله أو رضي أو أمر وبعدا له كما بعدت عاد وقد أفرد قصة قتله خلائق بالتأليف قال أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد أجاز العلماء الورعون لعنه وفي فتاوى حافظ الدين الكردي الحنفي لعن يزيد يجوز لكن ينبغي أن لا يفعل وكذا الحجاج قال ابن الكمال وحكى عن الإمام قوام الدين الصفاري ولا بأس بلعن يزيد ولا يجوز لعن معاوية عامل الفاروق لكنه أخطأ في اجتهاده فيتجاوز الله تعالى عنه ونكف اللسان عنه تعظيما لمتبوعه وصاحبه وسئل ابن الجوزي عن يزيد ومعاوية فقال قال رسول الله ﷺ من دخل دار أبي سفيان فهو أمن وعلمنا أن أباه دخلها فصار آمنا والابن لم يدخلها ثم قال المولى ابن الكمال والحق أن لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعته وشره على ما عرف بتفاصيله جائز وإلا فلعن المعين ولو فاسقا لا يجوز بخلاف الجنس وذلك هو محمل قول العلامة التفتازاني لا أشك في إسلامه بل في إيمانه فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه قيل لابن الجوزي وهو على كرسي الوعظ كيف يقال يزيد قتل الحسين وهو بدمشق والحسين بالعراق فقال: سهم أصاب وراميه بذي سلم. . . من بالعراق لقد أبعدت مرماكا وقد غلب على ابن العربي الغض من أهل البيت حتى قال قتله بسيف جده وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفا وسبعين ألفا قال الحاكم صحيح الإسناد وقال الذهبي وعلى شرط مسلم وقال ابن حجر ورد من طريق واه عن علي مرفوعا قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا (ابن سعد) في طبقاته من حديث المدائني عن يحيى بن زكريا عن رجل عن الشعبي (عن علي) بن أبي طالب أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال دخلت على النبي ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان قال فذكره وروى نحوه أحمد في المسند فعزوه إليه كان أولى ولعله لم يستحضره ويحيى بن زكريا أورده في الضعفاء وقال ضعفه الدارقطني وغيره انتهى لكن المؤلف ﵀ رمز لحسنه ولعله لاعتضاده ففي معجم الطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه وفيه عن أم سلمة وزينب بنت جحش وأبي أمامة ومعاذ وأبي الطفيل وغيرهم ممن يطول ذكرهم نحوه فرمز المؤلف ﵀ لحسنه لذلك لكنه لم يصب حيث اقتصر على ابن سعد مع جموم رواته وتكثر طرقه

стр. 291

⦗٢٠٦⦘ ٢٨٢ - (أخبروني) يا أصحابي (بشجرة شبه) بكسر فسكون وبفتحتين وفي رواية مثل كذلك وهما بمعنى كما في الصحاح (الرجل المسلم) هذا هو المشبه به والنخلة مشبهة وكان القياس تشبيه المسلم بها ليكون وجه الشبه فيها أظهر لكن قلب التشبيه إيذانا بأن المسلم أتم منها في الثبات وكثرة النفع على حد قوله: وكأن النجوم بين دجاها. . . سنن لاح بينهن ابتداع ثم بين وجه الشبه بقوله (لا يتحات) أي لا يتساقط (ورقها) وكذا المسلم لا تسقط له دعوة (ولا) ينقطع ثمرها فإنها من حين يخرج طلعها يؤكل منه إلى أن يصير تمرا يابسا يدخر فكذا المسلم لا ينقطع خيره حيا ولا ميتا (ولا) يبطل نفعها (ولا) يعدم فيؤها بل ظلها دائم ينتفع به هكذا كرر النفي ثلاثا على طريق الاكتفاء ووقع في مسلم ذكر النفي مرة واحدة فظن الراوي عنه تعلقه بما بعده فاستشكله وقال: لعل لا زائدة ولعله وتؤتي إلى آخره وليس كما ظن بل معمول النفي محذوف اكتفاء كما قدر وقرر ثم ابتدأ كلاما على طريق التفسير لما قبله (تؤتي أكلها كل حين) بإذن ربها فإنها تؤكل من حين تطلع إلى أن تيبس ثم ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في العلف والليف في الحبال والجذع في البناء والخوص في نحو آنية وزنبيل وغير ذلك وكذا المؤمن ثابت بإيمانه متحل بإيقانه جميل الخلال والصفات كثير الصلاة والصلات جزيل الإحسان والصدقات وما يصدر عنه من العلوم والخيور قوت للأرواح وينتفع بكل صادر عنه حيا وميتا قال ابن عمر راوي الخبر فوقع الناس في شجرة البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة وأردت أن أقولها فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: (هي النخلة) وفيه أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة في السؤال وأن الملغز ينبغي أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للغز بابا يدخل منه بل كلما قربه كان أعذب في نفس سامعه وامتحان العالم أذهان طلبته بما يدق مع بيانه إن لم يفهموه ولا ينافيه النهي عن الأغلوطات المفسرة بصعاب المسائل لحمله على ما لا نفع فيه أو ما خرج على طريق تعنت المسؤول أو تعجيزه والتحريض على الفهم في العلم وبركة النخلة وما تثمر. ثم إن ما تقرر من وجه الشبه هو الأنسب مما أورد في هذا المقام قال ابن حجر: ومن زعم أن موقع التشبيه توافق التشبيه من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت أو أنها لا تحمل حتى تلقح أو أنها إذا غرقت ماتت أو أن لطلعها رائحة كمني الآدمي أو أنها تعشق فكلها أوجه ضعيفة إذ كل ذلك مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم وأضعف منه زعم أنها خلقت من فضلة طينة آدم فإنه حديث لم يثبت وفيه رمز إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم منه كونه نظيره من كل وجه فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجماد ولا يعادله. قال ابن رشيق كغيره والمشابهة الاتحاد في الكيف كاتفاق لونين أو حرارتين مثلا والتشبيه وصف الشيء بما قاربه وشاكله من جهة أو جهات لا من جميع جهاته إذ لو ناسبه كليا لكان هو إياه (خ عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما

стр. 292

٢٨٣ - (أخبر) بضم الهمزة والموحدة أمر بمعنى الخبر (تقله) بفتح فسكون فضم أو كسر من القلى البغض الشديد قال في الكشاف: كأنه بغض يقلى الفؤاد والكبد انتهى والهاء للسكت وهذا لفظ رواية أبي يعلى ولفظ رواية ابن عدي وغيره وجدت الناس أخبر تقله أي وجدت أكثرهم كذلك أي علمتهم مقولا فيهم هذا القول ما منهم من أحد إلا وهو مسخوط الفعل عند الخبرة فإذا خبرته أبغضته كذا قرره بعض الأعاظم وظاهر اقتصاره على جعل الهاء للسكت أنها ليست إلا له لكن ذكر فيه في الكشف أنها إما للسكت أو ضمير حيث قال قيل مقول في شأنهم فهو ثاني ⦗٢٠٧⦘ المفعولين والضمير العائد إلى الأول محذوف والهاء للسكت أو هو الضمير نظرا إلى لفظ الناس وقيل وجدت بمعنى عرفت والناس مفعول أخبر مقدما أي عرفت هذه القصة وتحققتها وجدانا وأيا ما كان فالقصد أن من جرب الناس عرف خبث سرائر أكثرهم وندرة إنصافهم وفرط استئثارهم وفي العيان ما يغني عن البرهان وفي هذا اللفظ من البلاغة ما هو غني عن البيان وقد قيل اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد قال الغزالي واحذر خصوصا مخالطة متفقهة هذا الزمان سيما المشتغلين بالخلاف والجدال فإنهم يتربصون بك لحسدهم ريب المنون ويقطعون عليك بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون يحصون عليك عثراتك في عشرتهم وفي عشيرتهم ويجبهونك بها في عصبتهم ومناظرتهم لا يقيلون لك عثرة ولا يغفرون لك زلة ولا يسترون لك عورة يحاسبونك على النقير والقطمير ويحسدونك على القليل والكثير ويحرضون عليك الإخوان بالتهمة والبهتان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب هذا ما قضت به المشاهدة في أكثرهم إلا من رحم الله فصحبتهم خسران ومعاشرتهم خذلان هذا حكم من يظهر لك الصداقة فكيف بمن يجاهرك بالعداوة؟ إلى هنا كلام حجة الإسلام الغزالي ﵀ فإذا كان هذا زمانه فما بالك بهذا الزمان؟ ومن نظم أبي الحسين الطائي ﵀: نظرت وما كل امرئ ينظر الهدى. . . إذا اشتبهت أعلامه ومذاهبه فأيقنت أن الخير والشر فتنة. . . وخيرهما ما كان خيرا عواقبه أرى الخير كل الخير أن يهجر الفتى. . . أخاه وأن ينأى عن الناس جانبه يعيش بخير كل من عاش واحدا. . . ويخشى عليه الشر ممن يصاحبه وقضية صنيع المؤلف أن هذا هو الحديث بتمامه ولا كذلك بل يقينه: وثق بالناس رويدا انتهى وممن ساقه هكذا هو في جامعه الكبير انتهى (ع طب عد حل عن أبي الدرداء) قال الزركشي: سنده ضعيف وقال الهيتمي: فيه أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح. وقال السخاوي ﵀: طرقه كلها ضعيفة لكن شاهده في الصحيحين الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة انتهى كلامه إلى هنا

стр. 293

٢٨٤ - (اختتن) بهمزة وصل مكسورة (إبراهيم) الخليل أي قطع فلقة ذكر نفسه والختان اسم لفعل الخاتن وقيل مصدر ويسمى به محل الختن أيضا ومنه خبر إذا التقى الختانان (وهو ابن ثمانين سنة) وفي رواية وهو اين عشرين ومئة سنة وجمع جمع بأنه عاش مائتي سنة ثمانين غير مختون وعشرين ومئة مختون ورده ابن القيم بأنه قال: اختتن وهو ابن مئة وعشرين سنة ولم يقل اختتن لمئة وعشرين قال: وأما خبر اختتن وهو ابن عشرين ومئة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة فحديث معلول لا يعارض ما في الصحيحين ولا يصح تأويله بما ذكره القائل لأنه قال: ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة وبأن الذي يحتمله على بعد قوله اختتن لمئة وعشرين أن يكون المراد بقيت من عمره لا مضت والمعروف من مثل هذا الاستعمال إنما هو إذا كان الباقي أقل من الماضي فإن المشهور من استعمال العرب في خلت ومضت أنه من أول الشهر إلى نصفه يقال خلت وخلون ومن نصفه إلى آخره يقال بقيت وبقين فقوله لمئة وعشرين بقيت من عمره كقوله لثنتين وعشرين ليلة بقيت من الشهر وهو لا يسوغ انتهى وجمع ابن حجر بأن المراد بقوله وهو ابن ثمانين أي من وقت فراق قومه وهاجر من العراق إلى الشام وهو ابن مئة وعشرين أي من مولده وأن بعض الرواة رأى مئة وعشرين فظنها إلا عشرين أو عكسه (بالقدوم) بفتح القاف والتخفيف آلة النجار يعني الفأس كما في رواية ابن عساكر وروي بالتشديد أيضا عن الأصيلي وغيره وأنكره بعضهم وقيل ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه وهو بالوجهين أيضا قرية بالشام أو جبل بالحجاز بقرب المدينة أو قرية بكلب أو موضع بعمان أو ثنية في جبل ببلاد سدوس أو حصن باليمن والأكثر على أنه بالتخفيف وإرادة الآلة ورجحه البيهقي والقرطبي وقال الزركشي وابن ⦗٢٠٨⦘ حجر أنه الأصح بدليل رواية أبي يعلى أنه عجل قبل أن يعلم الآلة فاشتد عليه انتهى وذكر ابن القيم وأبو نعيم والديلمي ونحوه وقال: قد يتفق الأمران فيكون أختتن بالآلة وفي الموضع قال: وممن اختتن أيضا المسيح قال القرطبي: وأول من اختتن إبراهيم ﵊ ثم لم يزل ذلك سنة عامة معمولا بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين لدينه وهذا حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى ﵊ غير أن طوائف من النصارى تأولوا ما في التوراة بأن المقصود زوال قلفة القلب لا جلدة الذكر فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان وليس هو أول جهالتهم فكم لهم منها وكم وكم ويكفيك أنهم زادوا على أنبيائهم في الفهم وغلطوا فيما عملوا عليه وقضوا به من الحكم (حم ق عن أبي هريرة) وفي الباب غيره أيضا

стр. 294

٢٨٥ - (اختضبوا) بكسر الهمزة أي غيروا ألوان شعوركم ندبا (بالحناء) بكسر الحاء المهملة وشد النون والمد (فإنه طيب الريح) أي زكي الرائحة والطيب ضد الخبيث (يسكن الروع) بفتح الراء أي الفزع بخاصية فيه علمها الشارع وزعم أن رؤية الشيب مفزعة والخضاب يستره يرده أن الأمر بالخضاب يعم الأشيب وغيره هذا هو الظاهر في تقرير معنى الحديث فإن قلت: إن ريح الحناء مستكره عند أكثر الناس بشهادة الوجدان ومن ثم جاء في خبر مسلم الآتي في الشمائل أنه كان يكرهه فبين الحديثين تدافع قلت: أما نفرة الطبع السليم من ريحه فضلا عن استلذاذه فإنكاره مكابرة غير أن لك أن تقول الطيب يجيء بمعنى الفاضل ففي القاموس وغيره الطيب الأفضل من كل شيء فلا مانع من أن الشارع ﷺ اطلع على أن ريحه ينفع ويزكي بعض الحواس أو الأعضاء الباطنة فلا ينافي ذلك كراهته له لأن الطبع يكره الدواء النافع فتدبره فإنه نافع ثم رأيت شيخنا الشعراوي رحمه الله تعالى نقل عن بعضهم أن الضمير يعود إلى تمر الحناء بدليل تذكيره قال: فلا ينافي أنه كان يكره ريحه انتهى وإنما يستقيم أن لو كان نور الحناء يخضب أحمر وإلا فهو ساقط (ع والحاكم في الكنى عن أنس) بن مالك وفيه الحسن بن دعامة عن عمر بن شريك قال الذهبي في الضعفاء مجهولان

стр. 295

٢٨٦ - (اختضبوا بالحناء) ندبا (فإنه يزيد في شبابكم وجمالكم) أي يزيد في الصورة قبولا للناظر وإلا فالخضاب ليس في الوجه (ونكاحكم) لأنه يشد الأعضاء والأعصاب وفيه قبض وترطيب ولونه ناري محبوب مهيج مقو للمحبة وفي ريحه عطرية مع قبض [فإن قلت] كيف يزيد في الشباب مع أن سنه محدود محسوب [قلت] المراد زيادته في هيئة الشبيبة بأن يصير الكهل مثلا كهيئة الشاب إذا داوم عليه لما يكسوه من النضارة والإشراق والقوة وخضب المرأة يديها ورجليها مندوب ومما ورد في الترغيب في الخضاب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد الفهري من حديث عمار بن سبط يرفعه اختضبوا فإن الله وملائكته وأنبياءه ورسله وكلما ذر أو برأ حتى الحيتان في بحارها والطير في أوكارها يصلون على صاحب الخضاب حتى يتصل خضابه (البزار) أحمد بن عمر بن عبد الخالق صاحب المسند من رواية ثمامة عن أنس بن مالك قال العراقي في شرح الترمذي وإسناده ضعيف (وأبو نعيم في) كتاب (الطب) النبوي وفيه عبد الرحمن بن الحارث الغنوي قال في الميزان: لا يعتمد عليه وفي اللسان فيه بعض تساهل وفيه يحيى بن ميمون التمار وهو ضعيف متروك (وأبو نعيم في المعرفة) أي في كتاب معرفة الصحابة (عن) درهم بن زباد بن درهم عن أبيه عن جده (درهم) ودرهم وأبوه لم يدخلا التهذيب ولا رجال المسند ولا ثقات ابن حبان وجده درهم ذكره الذهبي في تجريده وذكر له هذا الحديث وتقدمه ابن خزيمة في الصحابة

стр. 296

⦗٢٠٩⦘ ٢٨٧ - (اختضبوا وافرقوا) بهمزة وصل وبضم الراء وقاف أي اجعلوا شعر رؤوسكم فرقتين عن يمين ويسار (وخالفوا اليهود) فإنهم لا يخضبون أي غالبا ولا يفرقون بل يسدلون بضم الدال ففي الخضاب مخالفة أهل الكتاب وتنظيف الشعر وتقويته وتليينه وتحسينه وشد الأعضاء وجلاء البصر وتطييب الريح وزيادة الجمال واتباع السنة وغير ذلك. وقوله وخالفوا اليهود يحتمل أن المراد خالفوهم في جميع أحوالهم التي منها عدم الفرق فيشمل الامتناع من مساكنة الحائض والسبت وغير ذلك وبه جزم القرطبي فقال: كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر حين قدومه المدينة ليتألفهم ليدخلوا في الدين فلما غلبت عليهم الشقوة ولم ينجع معهم أمر بمخالفتهم في أمور كثيرة حتى قالوا ما يريد الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فاستقر آخرا على مخالفتهم في كل ما لم يؤمر فيه بحكم. واعلم أن المشركين كانوا يفرقون رؤوسهم أي يجعلون شعرها نصفين نصفا من جانب اليمين على الصدر ونصفا من جانب اليسار عليه وكان أهل الكتاب يسدلون أي يرسلون شعر رؤوسهم حول الصدر وكان المصطفى ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء لتمسكهم ببقايا من شرائع الرسل فلما فتحت مكة واستقر الأمر خالفهم ففرق وأمر بالفرق فدل على أنه أفضل لرجوعه إليه آخرا فعلا وأمرا لكنه غير واجب بدليل أن بعض الصحب سدل بعد فلو كان الفرق واجبا لم يسدلوا وزعم نسخ السدل يحتاج لبيان الناسخ وتأخيره عن المنسوخ على أن رجوعه إلى الفرق يحتمل كونه باجتهاده لكونه أنظف وأبعد على الإسراف في غسله وعن مشابهة النساء (عد عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه الحارث بن عمران الجعفري قال في الميزان قال ابن حبان وضاع على الثقات وقال مخرجه ابن عدي الضعف على رواته بين

стр. 297

٢٨٨ - (اختلاف) افتعال من الخلف وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور ذكره الحراني (أمتي) أي مجتهدي أمتي في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها فالكلام في الاجتهاد في الأحكام كما في تفسير القاضي قال: فالنهي مخصوص بالتفرق في الأصول لا الفروع انتهى. قال السبكي: ولا شك أن الاختلاف في الأصول ضلال وسبب كل فساد كما أشار إليه القرآن وأما ما ذهب إليه جمع من أن المراد الاختلاف في الحرف والصنائع فرده السبكي بأنه كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف الناس رحمة إذ لا خصوص للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الحرف والصنائع فلا بد من خصوصية قال: وما ذكره إمام الحرمين في النهاية كالحليمي من أن المراد اختلافهم في المناصب والدرجات والمراتب فلا ينساق الذهن من لفظ الاختلاف إليه (رحمة) للناس كذا هو ثابت في رواية من عزى المصنف الحديث إليه فسقطت اللفظة منه سهوا أي اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب كشرائع متعددة بعث النبي ﷺ بكلها تضيق بهم الأمور من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم ولم يكلفوا ما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة السهلة فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له وقد وعد بوقوع ذلك فوقع وهو من معجزاته ﷺ أما الاجتهاد في العقائد فضلال ووبال كما تقرر والحق ما عليه أهل السنة والجماعة فقط فالحديث إنما هو في الاختلاف في الأحكام ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي عموما فيكفي في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت ما في حال ما على وجه ما. وأخرج البيهقي في المدخل عن القاسم بن محمد أو عمر بن عبد العزيز لا يسرني أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ويدل لذلك ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فبأيهم اقتديتم اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة قال السمهودي: واختلاف الصحابة في فتيا اختلاف الأمة وما روي من أن مالكا لما أراده الرشيد على الذهاب معه إلى العراق وأن يحمل الناس ⦗٢١٠⦘ على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن. فقال مالك: أما حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم افترقوا بعد موته ﷺ في الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم وقد قال ﷺ اختلاف أمتي رحمة كالصريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام كما نقله ابن الصلاح عن مالك من أنه قال في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ مخطئ ومصيب فعليك الاجتهاد قال وليس كما قال ناس فيه توسعة على الأمة بالاجتهاد إنما هو بالنسبة إلى المجتهد لقوله فعليك بالاجتهاد فالمجتهد مكلف بما أداه إليه اجتهاده فلا توسعة عليه في اختلافهم وإنما التوسعة على المقلد فقول الحديث اختلاف أمتي رحمة للناس أي لمقلديهم ومساق قول مالك مخطئ ومصيب إلخ إنما هو الرد على من قال من كان أهلا للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم وفي العقائد لابن قدامة الحنبلي أن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم حجة انتهى [فإن قلت] هذا كله لا يجامع نهى الله تعالى عن الاختلاف بقوله تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ وقوله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ الآية [قلت] هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض وقد قام بأعباء الرد عليه جمع جم منهم ابن العربي وغيره بما منه أنه إنما ذم كثرة الاختلاف على الرسل كفاحا كما دل عليه خبر إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم وأما هذه الأمة فمعاذ الله تعالى أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين لأنه أوعد الذين اختلفوا بعذاب عظيم والمعترض موافق على أن اختلاف هذه الأمة في الفروع مغفور لمن أخطأ منهم فتعين أن الآية فيمن اختلف على الأنبياء فلا تعارض بينها وبين الحديث وفيه رد على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض وقد عمت به البلوى وعظم به الخطب قال الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كبير في الفروع وبعض الأصول وللقليل منهم غلطات وزلقات ومفردات منكرة وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابا ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة وكلما خالفوا فيه لقياس أو تأويل قال وإذا رأيت فقيها خالف حديثا أو رد حديثا أو حرف معناه فلا تبادر لتغليطه فقد قال علي كرم الله وجهه لمن فال له أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل يا هذا إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم الباري ﷻ وأنه ليس كمثله شيء وأن ما شرعه رسوله حق وأن كتابهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق وإفادة العالم الاذكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الأضعف فإن داخلها زهو من الأكمل وانكسار من الأصغر فذاك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله فما الظن بالنفوس الشريرة المنطفية انتهى ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه وسائر الأئمة على هدى ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه والصحيح وفاقا للجمهور أن المصيب في الفروع واحد ولله تعالى فيما حكم عليه أمارة وأن المجتهد كلف بإصابته وأن مخطئه لا يأثم بل يؤجر فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فأجر نعم إن قصر المجتهد أثم اتفاقا وعلى غير المجتهد أن يقلد مذهبا معينا وقضية جعل الحديث الاختلاف رحمة جواز الانتقال من مذهب لآخر والصحيح عند الشافعية جوازه لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين كما قاله إمام الحرمين من كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والافتاء لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم لانقراض اتباعهم وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم انتهى نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء المقلدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده لكن بشرط أن لا يتتبع الرخصة بأن يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة التكليف من عتقه وإلا لم يجز خلافا لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبعها وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبعها على وجه لا يصل ⦗٢١١⦘ إلى الانحلال المذكور وقول ابن الحاجب كالآمدي من عمل في مسألة بقول إمام ليس له العمل فيها بقول غيره اتفاقا إن أراد به اتفاق الأصوليين فلا يقضي على اتفاق الفقهاء والكلام فيه وإلا فهو مردود ومفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأول ما يستلزم تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة فعلم أنه إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها لا مثلها كأن أفتى ببيونة زوجته بنحو تعليق فنكح أختها ثم أفتى بأن لا بينونة ليس له الرجوع للأولى بغير إبانتها وكان أخذ بشفعة جوار تقييدا للحنفي ثم استحقت عليه فيمتنع تقليده الشافعي في تركها لأن كلا من الإمامين لا يقول به فلو اشترى بعده عقارا وقلد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدم من تقليده في ذلك فله الامتناع في تسليم العقار الثاني وإن قال الآمدي وابن الحاجب ومن على قدمها كالمحلى بالمنع في هذا وعمومه في جميع صور ما وقع العمل به أولا فهو ممنوع وزعم الاتفاق عليه باطل وحكى الزركشي أن القاضي أبا الطيب أقيمت صلاة الجمعة فهم بالتكبير فذرق عليه طير فقال أنا حنبلي فأحرم ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة وممن جرى على ذلك السبكي فقال: المنتقل من مذهب لآخر له أحوال: الأول أن يعتقد رحجان مذهب الغير فيجوز عمله به اتباعا للراحج في ظنه الثاني أن يعتقد رجحان شيء فيجوز الثالث أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته فيجوز الرابع أن يقصد مجرد الترخص فيمتنع لأنه متبع لهواه لا للدين الخامس أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرخص ديدنه فيمتنع لما ذكر ولزيادة فحشه السادس أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع فيمتنع السابع أن يعمل بتقليد الأول كحنفي يدعي شفعة جوار فيأخذها بمذهب الحنفي فتستحق عليه فيريد تقليد الإمام الشافعي فيمتنع لخطئه في الأولى أو الثانية وهو شخص واحد مكلف قال: وكلام الآمدي وابن حجاب منزل عليه وسئل البلقيني عن التقليد في المسألة السريحية فقال: أنا لا أفتي بصحة الدور لكن إذا قلد من قال بعدم وقوع الطلاق كفى ولا يؤاخذه الله لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها أي مع التقليد وهو ذهاب منه إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه قال بعضهم: ومحل ما مر من منع تتبع الرخص إذا لم يقصد به مصلحة دينية وإلا فلا منع كبيع مال الغائب فإن السبكي أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي فيه لاحتياج الناس غالبا في نحو مأكول ومشروب إليه والأمر إذا ضاق اتسع وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم اللبس فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه كما أفتى به الأبشيطي وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقا قال في فتح القدير: المنتقل من مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم عليه التعزير وبدونهما أولى ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها وعمل بها وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به على الإجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل وعد به أو تعليق له كأنه التزم العمل بقوله فيما يقع له فإذا أراد بهذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد بإلزامه نفسه بذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاجه بقوله تعالى ﴿فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ والمسؤول عنه إنما يتحقق عند وقوع الحادثة قال والغالب أن مثل هذه الالتزامات لكف الناس عن تتبع الرخص إلا أن أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه ولا يدري ما يمنع هذا من النقل والعقل انتهى وذهب بعض المالكية إلى جواز الانتقال بشروط ففي التنقيح للقرافي عن الزناتي التقليد يجوز بثلاثة شروط: أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بلا صداق ولا ولي ولا شهود فإنه لم يقل به أحد وأن يعتقد في مقلده الفضل وأن لا يتتبع الرخص والمذاهب وعن غيره يجوز فيا لا ينقض فيه قضاء القاضي وهو ما خالف الإجماع أو القواعد الكلية أو القياس الجلي ونقل عن الحنابلة ما يدل للجواز وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره منهم عبد العزيز بن عمران كان مالكيا فلما قدم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مصر تفقه عليه وأبو ثور من مذهب الحنفي إلى مذهب الشافعي وابن عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعي ثم عاد وأبو جعفر بن نصر من الحنبلي إلى الشافعي والطحاوي من الشافعي إلى الحنفي والإمام السمعاني من الحنفي إلى الشافعي والخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعي وابن فارس صاحب المجمل من الشافعي ⦗٢١٢⦘ للمالكي وابن الدهان من الحنبلي للحنفي ثم تحول شافعيا وابن دقيق العيد من المالكي للشافعي وأبو حيان من الظاهري للشافعي ذكره الأسنوي وغيره. وإنما أطلنا وخرجنا عن جادة الكتاب لشدة الحاجة لذلك وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعين إتقانها <تنبيه> قال بعض علماء الروم: المهدي يرفع الخلاف ويجعل الأحكام مختلفة في مسألة واحدة حكما واحدا هو ما في علم الله وتصير المذاهب مذهبا واحدا لشهوده الأمر على ما هو عليه في علم الله لارتفاع الحجاب عن عين جسمه وقلبه كما كان في زمن النبي ﷺ انتهى فإن أراد بالمهدي عيسى ﵊ فظاهر أو الخليفة الفاطمي الذي يأتي آخر الزمان وقد ملئت الأرض ظلما وجورا فممنوع والله أعلم (نصر المقدسي في الحجة) أي في كتاب الحجة له كذا عزاه له الزركشي في الأحاديث المشتهرة ولم يذكر سنده ولا صحابيه وتبعه المؤلف عليه (والبيهقي في الرسالة الأشعرية) معلقا (بغير سند) لكنه لم يجزم به كما فعل المؤلف بل قال روى (وأورده الحليمي) الحسين بن الحسن الإمام أبو عبد الله أحد أئمة الدهر وشيخ الشافعية بما وراء النهر في كتاب الشهادات من تعليقه (والقاضي حسين) أحد أركان مذهب الشافعي ورفعائه (وإمام الحرمين) الأسد بن الأسد والسبكي وولده التاج (وغيرهم) قال السبكي وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا) وأسنده في المدخل وكذا الديلمي في مسند الفردوس كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ اختلاف أصحابي رحمة واختلاف الصحابة في حكم اختلاف الأمة كما مر لكن هذا الحديث قال الحافظ العراقي سنده ضعيف وقال ولده المحقق أبو زرعة رواه أيضا آدم بن أبي إياس في كتاب العلم بلفظ اختلاف أصحابي لأمتي رحمة وهو مرسل ضعيف وفي طبقات ابن سعد عن القاسم بن محمد نحوه

стр. 298

٢٨٩ - (أخذ الأمير) يعني الإمام ونوابه (الهدية) وهي لغة ما أتحف به وعرفا تمليك ما يبعث غالبا بلا عوض كما مر (سحت) بضم فسكون وبضمتين أي حرام يسحت البركة أي يذهبها قال الزمخشري: اشتقاقه من السحت وهو الإهلاك والاستئصال ومنه السحت لما لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة وفي خبر أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور ثم جاءه يتحاكم مع آخر فقال يا أمير المؤمنين اقض لي قضاء فصلا كما فصل الفخذ من البعي. فقال عمر: الله أكبر اكتبوا إلى جميع الآفاق هدايا العمال سحت (وقبول القاضي الرشوة) بتثليث الراء ما يعطاه ليحق باطلا أو يبطل حقا من رشا الفرخ إذا مد عنقه لأمه لتزقه (كفر) إن استحل وإلا فهو زجر وتهويل على حد خبر: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وبالجملة فإعطاء الرشوة وأخذها من الكبائر وإنما كان القاضي أفظع حالا من الأمير لأن الأمير أخذ لا لشيء يصنعه بل للميل ونحوه والقاضي أخذ لتغيير حكم الله قال النووي: ومن خصائص المصطفى ﷺ أن له قبول الهدية بخلاف غيره من الحكام فإن قلت: ما سر تعبيره في الأمير بالأخذ وفي القاضي بالقبول وهلا عكس أو عبر فيهما بالأخذ أو القبول معا؟ قلت: لعل حكمته الإشارة إلى لحوق الوعيد للقاضي بمجرد القبول بلفظ أو إشارة أو كتابة أو أخذ عياله لها فغلظ فيه أكثر من الأمير (حم في) كتاب (الزهد الكبير عن علي) أمير المؤمنين رمز المولف لحسنه

стр. 299

٢٩٠ - (أخذنا فألك) بالهمز وتركه أي كلامك الحسن أيها المتكلم (من فيك) وإن لم تقصد خطابنا قال الزمخشري: الفأل أن تسمع الكلمة الطيبة فتتيمن بها وتقول دون الغيب أقفال لا يفتحها الزجر والفأل وفي القاموس ضد الطيرة كأن يسمع مريض يا سالم أو طالب ضالة يا واجد ويستعمل في الخير والشر وهذا قاله لما خرج في عسكر فسمع قائلا يقول يا حسن أو لما خرج لغزو خيبر فسمع عليا يقول يا خضرة فقال أخذنا فألك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة فما سل فيها سيف ولا مانع من التعدد (د عن أبي هريرة) الدوسي (ابن السني وأبو نعيم معا في) كتاب (الطب) ⦗٢١٣⦘ النبوي (عن كثير) بمثلثة ضد القليل (ابن عبد الله عن أبيه عن جده) عمرو بن عوف قال خرج المصطفى ﷺ لغزاة فسمع عليا يقول يا خضرة فذكره ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عنه أيضا قال الهيتمي: وكثير ضعيف جدا وبقية رجاله ثقات وفي التقريب كأصله وأبوه مقبول (فر) وكذا أبو الشيخ [ابن حبان] (عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال سمع النبي ﷺ كلمة فأعجبته فقاله ورواه العسكري في الأمثال والخلعي في فوائده عن سمرة رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده وإلا فقد سمع القول في كثير على أن فيه أيضا من لا يخلو عن مقال

стр. 300

٢٩١ - (أخر) بالبناء للمفعول (الكلام في القدر) محركا أي في نفيه (أي في نفي كون الأشياء كلها بتقدير الله (لشرار أمتي) وفي رواية لشرار هذه الأمة وأول من تكلم فيه معبد الجهني وأبو الأسود الدؤلي أو سيبويه أو رجل آخر عند احتراق الكعبة فقال قائل هذا من قضاء الله تعالى فقال آخر ما هو من قضائه (في آخر الزمان) أي زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فزمنهم هو الزمان لكونه خير الأزمان وهذه من معجزاته ﷺ لأنه إخبار عن غيب وقع قال الطيبي: مذهب الجبرية إثبات القدرة لله ونفيها عن العبد أصلا ومذهب المعتزلة بخلافه وكلاهما في الإفراط والتفريط على شفا جرف هار والطريق المستقيم القصد انتهى والزمان مدة قابلة للقسمة تطلق على قليل الوقت وكثيره (طس ك) في التفسير (عن أبي هريرة) قال الحاكم على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بأن فيه عنبسة بن مهران ثقة لكن لم يرويا له وأورده في الميزان في ترجمة عنبسة وقال قال أبو حاتم منكر الحديث

стр. 301

٢٩٢ - (أخروا) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (الأحمال) إلى وسط ظهر الدابة ولا تبالغوا في التأخير بل اجعلوها متوسطة بحيث يسهل حملها على الدابة لئلا تتأذى بالحمل (فإن الأيدي) أي أيدي الدواب المحمول عليها (مغلقة) بضم الميم وسكون المعجمة أي مثقلة بالحمل كأنها ممنوعة من إحسان السير لما عليها من الثقل كأنه شبه بالباب إذا أغلق فإنه يمنع من الدخول والخروج أو من قولهم استغلق عليه الكلام إذا ارتج عليه (والأرجل موثقة) بضم فسكون أي كأنها مشدودة بوثاق من أوثقه شده بوثاق والوثاق ما يشد به من نحو قيد وحبل فينبغي جعل الحمل في وسط ظهر الدابة فإنه إن قدم عليها أضر بيديها وإن أخر أضر برجليها وإنما أمر بالتأخير فقط لأنه رأى بعيرا قد قدم عليه حمله فأمر بالتأخير وأشار إلى مقابله بقوله والأرجل موثقة لئلا يبالغ في التأخير فيضر وفيه الرفق بالدابة وحفظ المال وتعليم الإخوان ما فيه الخير لهم ولدوابهم وتدبر العواقب والنظر لخلق الله بالشفقة ويحرم إدامة تحميل الدابة ما لا تطيقه دائما وضربها عبثا (د في مراسيله عن) محمد بن مسلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي (الزهري) بضم الزاي المدني أحد الأعلام وعالم الحرمين والشام تابعي جليل سمع من أكثر من عشرين صحابيا قيل لمكحول: من أعلم من رأيت قال: ابن شهاب قيل: ثم من قال: ابن شهاب قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب مرسلا (ووصله البزار) في مسنده (ع طب عنه) أي الزهري (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء أشهر من كسرها المخزومي أحد الأعلام والفقهاء الكمل روى عن عمر وعثمان وسعد وعنه الزهري وخلق (عن أبي هريرة نحوه) رمز المؤلف لحسنه ولعله بالنظر إلى تعدد طرقه وإلا ففيه قيس بن الربيع الأزدي ضعفه كثيرون ورواه الترمذي في العلل مرسلا بلفظ إذا حملتم فأخروا فإن الرجل موثقة واليد مغلقة وقال: سألت محمدا يعني البخاري عنه فلم يعرفه وقال فيه قيس بن الربيع لا أكتب حديثه ولا أروي عنه

стр. 302

⦗٢١٤⦘ ٢٩٣ - (أخرجوا) بفتح فسكون فكسر إرشادا من الإخراج. قال الحراني: وهو إظهار من حجاب (منديل) بكسر أوله ويفتح (الغمر) أي الخرقة المعدة لمسح أيديكم من وضر اللحم والدسم. قال ابن الأنباري: والمنديل مذكر ولا يجوز تأنيثه لعدم العلامة في التصغير والجمع فلا يوصف بمؤنث فلا يقال منديل حسنة والغمر بفتح الغين المعجمة والميم زهومة اللحم وما تعلق باليد منه (من بيوتكم) يعني من الأماكن التي تبيتون فيها (فإنه مبيت) بفتح فكسر مصدر بات أي حيث يبيت ليلا (الخبيث) الشيطان والمراد الجنس (ومجلسه) لأنه يحب الدنس ويأوي إليه وقد يغفل المرء عن المأثور الذي يطرده فأمر بإبعاده بكل ممكن والخبيث في الأصل ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أو معقولا ذكره الراغب (فر عن جابر) بن عبد الله وفيه عمير بن مرداس قال في اللسان يغرب وسعيد بن خيثم أورده الذهبي في الضعفاء وقال الأزدي منكر الحديث وقال ابن عدي ما يرويه غير محفوظ وحرام بن عثمان قال ابن حبان غال في التشيع يقلب الأسانيد وقال ابن حجر متروك

стр. 303

٢٩٤ - (أخسر الناس صفقة) أي من أشد المؤمنين خسرانا للثواب وأعظمهم حسرة يوم المآب والخسران انتقاص رأس المال ثم استعمل في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه وأكثر استعماله في النفيس منها كصحة وسلامة وعقل وإيمان وثواب وهو المراد هنا ذكره الراغب. قال الزمخشري: ومن المجاز خسرت تجارته وربحت ومن لم يطع الله فهو خاسر قال الزمخشري: والصفقة في الأصل ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة ومن المجاز له وجه صفيق (رجل) وصف طردي والمراد مكلف (أخلق) من قولهم حجر أخلق أي أملس لا شيء عليه والأخلق الفقير وأخلق الثوب لبسه حتى بلي والمراد هنا أتعب (يديه) وأفقرهما بالكد والجهد وعبر بهما لأن المزاولة بهما غالبا (في) لو (آماله) جمع أمل وهو الرجاء وأكثر استعماله في مستبعد الحصول (ولم تساعده) أي لم تعاونه (الأيام) أي الأوقات (على) بلوغ (أمنيته) أي حصول مطلوبه من المال والمناصب والجاه ونحوها بل عاكسته وغذته فهو لا يزال يتشبث بالطمع الفارغ والرجاء الكاذب ويتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته قال بعض العارفين: أماني النفس حديثها بما ليس عندها ولها حلاوة إذا استصحبها عبد لا يفلح أبدا وأهل الدنيا فريقان فريق يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه وكثير منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة فصاروا أخسر الناس صفقة وأما المؤمن المتقي فقد حاز مراده وهو غني القلب المؤدي لغنى الآخرة فما يبالي أوتي حظا من الدنيا أو لا فإن أوتي منها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده فهو أربح الناس صفقة واشتقاق الأمنية من مني إذا قدر لأن التمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه (فخرج من الدنيا) بالموت (بغير زاد) يوصله إلى المعاد وينفعه يوم يقوم الأشهاد ويفصل بين العباد لأن خير الزاد إلى الآخرة إتقاء القبائح وهذا قد تلطخ بأقذارها القبيحة الخبيثة الروائح فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل وهجره للعمل حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة وغلب عليه زين القسوة ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني فلم يزل مغمورا مقهورا مغموما إلى أن فرق ملك الموت بينه وبين آماله وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته فهي تجاذبه إلى الدنيا ومخاليب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة التي لا يريدها (وقدم على الله تعالى بغير حجة) أي معذرة يعتذرها وبرهان يتمسك به على تفريطه بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث خسيس وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خلق لأجلها ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ قال الغزالي ومن كان هذا حاله فهو كالأنعام بل هو ⦗٢١٥⦘ أضل إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد الشهوات وهذا قد خلق له وعطله فهو الناقص عقلا المدبر يقينا وقيل في المعنى: ولم أر في عيوب الناس عيبا. . . كنقص القادرين على التمام وفي الحديث إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وتنبيه على إيثار التلذذ والتنعم مما يؤدي إلى طول الأمل وتعطل العمل وهذا هجيرا (قوله هجيرا: قال في النهاية: الهجير والهجيرا: الدأب والعادة والديدن: أه) أكثر الناس ليست من أخلاق المؤمنين ومن ثم قيل التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين ذكره كله الزمخشري (ابن النجار) محب الدين (في تاريخه) تاريخ بغداد (عن عامر بن ربيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن كعب بن مالك العنزي بفتح المهملة وسكون النون وبزاي حليف أل الخطاب من المهاجرين الأولين شهد بدرا وما بعدها (وهو مما بيض له الديلمي) لعدم وقوفه له على سند

стр. 304

٢٩٥ - (أخشى ما خشيت على أمتي) أي أخوف ما خفت عليهم. قال الزمخشري: الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علمه بما يخشى منه ولهذا خص العلماء بها فقال ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (كبر البطن) يعني الانهماك في الأكل والشرب والذي يحصل منه كبرها ومن كانت همته ما يدخله بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه إذ لا فرق بين إدخال الطعام إلى البطن وبين إخراجه فهما ضروريان في الجبلة فكما لا يكون قضاء الحاجة من همتك التي تشغل بها قلبك فلا ينبغي كون تناول الطعام من همتك التي تشغل بها قلبك فمن زاد على ثلث بطنه وصرف همته وبهمته لتحصيل لذيذ الأطعمة ولم يقنع بما يتفق فهو من المخوف عليهم قال الغزالي والخوف رعدة تحصل في القلب عن ظن مكروه يناله والخشية نحوه لكن الخشية تقتضي ضربا من الاستعظام والمهابة (ومداومة النوم) المفوت للحقوق المطلوبة شرعا الجالب لغضب الرب وقسوة القلب قال الغزالي قال عبد الله بن الحسن كنت معجبا بجارية رومية لي ففقدتها من محلها في الليل فطلبتها فإذا هي ساجدة تقول بحبك لي إلا ما غفرت لي فقلت لها لا تقولي بحبك لي وقولي بحبي لك قالت لا يا مولاي بحبه لي أخرجني من الكفر إلى الاسلام وبحبه لي أيقظني وكثير من خلقه نيام (والكسل) بالتحريك التقاعس عن النهوض إلى معاظم الأمور وكفايات الخطوب وتحمل المشاق والمتاعب في المجاهدة في الله ولله والفتور عن القيام بالطاعات الفرضية والنفلية الذي من ثمراته قسوة القلب وظلمة اللب ففي الحديث للديلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ثلاث خصال تورث قسوة القلب حب الطعام وحب النوم وحب الراحة ومن ثم تشمر لذلك السلف حق التشمير وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة وجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فظهرت السيما في وجوههم وترامى أمرهم إلى خدمة ربهم فخفف عنهم. قال الراغب: ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة فحب الهوينا يكسب النصب وقد قيل إن أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب وقيل إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على الحق وما أحسن ما قيل: علو الكعب بالهمم العوالي. . . ومن رام العلى من غير كد. . . أضاع العمر في طلب المحال <تنبيه> قال بعض العارفين السهر نتيجة الجوع فلذا ذكره عقبه والسهر سهر عين وسهر قلب فسهر القلب انتباهه من نومات الغفلة طلبا للمشاهدة وسهر العين رغبة في إلقاء الهمة في القلب لطلب المسامرة إذ العين إذا نامت بطل عمل القلب فإذا كان القلب غير نائم منع نوم العين فغايته مشاهدة سهره المتقدم فقط وأما أن يلحظ غير ذلك فلا ففائدة السهر استمرار عمل القلب وارتقاء المنازل العلية (وضعيف اليقين) أي استيلاء الغفلة على القلب المانعة من ولوج النور فيه وإيمان العبد على قدر يقينه ومن ثم كان الأنبياء أوفر حظا في اليقين ومطالعتهم أمور الآخرة بقربهم أكثر (قط في) كتاب (الأفراد) بفتح الهمزة وكذا الديلمي (عن جابر) بن عبد الله وفيه محمد بن ⦗٢١٦⦘ القاسم الأزدي قال الذهبي كذبه أحمد والدارقطني

стр. 305

٢٩٦ - (اخضبوا) بكسر الهمزة اصبغوا ندبا (لحاكم) بكسر اللام أفصح جمع لحية أي بغير سواد (فإن الملائكة) الحفظة أو ملائكة الأرض أو أعم (تستبشر) تسر (بخضاب المؤمن) لما فيه من اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب أما الخضاب بالسواد في غير الجهاد فحرام على الرجل (عد عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف لكن له شواهد

стр. 306

٢٩٧ - (اخفضي) بكسر الهمزة خطابا لأم عطية التي كانت تخفض الجواري بالمدينة أي تختنهن (ولا تنهكي) بفتح المثناة فوق وسكون النون وكسر الهاء لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع بل أبقي ذلك الموضع. قال الزمخشري: وأصل النهك المبالغة في العمل (فإنه أنضر) بفتح الهمزة والمعجمة (للوجه) أي أكثر لمائه ودمه وأبهج لبريقه ولمعته (وأحظى عند الزوج) ومن في معناه من كل واطئ كسيد الأمة يعني أحسن لجماعها عنده وأحب إليه وأشهى له لأن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فكرهت الجماع فقلت حظوتها عند حليلها كما أنها إذا تركتها بحالها فلم تأخذ منها شيئا بقيت غلمتها فقد لا تكتفي بجماع زوجها فتقع في الزنا فأخذ بعضها تعديل للشهوة والخلقة قال حجة الاسلام انظر إلى جزالة هذا اللفظ في الكناية وإلى إشراق نور النبوة من مصالح الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى مصالح الدنيا حتى انكشفت له وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره وتطاير من غب عاقبته شرره وتولد منه أعظم القبائح وأشد الفضائح فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجمع لهم ببعثته مصالح الدارين؟ وفيه أنه لا استحياء من قول مثل ذلك للأجنبية فقد كان المصطفى ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها ومع ذلك قاله تعليما للأمة ومن استحيا من فعل فعله أو قول قاله فهو جاهل كثيف الطبع ولعله يقع في عدة كبائر ولا يستحي من الله ولا من الخلق (طب ك عن الضحاك) بالتشديد (ابن قيس بفتح القاف وسكون المثناة تحت الفهري قال كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تختن الجواري فقال لها رسول الله ﷺ ذلك والفهري قال الذهبي يقال له صحبة قتل يوم راهط انتهى وما ذكر من أن الضحاك هذا هو الفهري هو ما ذكره الحاكم وأبو نعيم حيث أورد الحديث في ترجمته ويخالفه ما رواه البيهقي وغيره عن الفضل العلائي قال سألت ابن معين عن هذا فقال الضحاك هذا ليس بالفهري قال ابن حجر: وهذا الحديث رواه أبو داود في السنن وأعله بمحمد بن حسان فقال مجهول ضعيف وتبعه ابن عدي في تجهيله وخالفهم عبد الغني فقال هو محمد بن سعيد المصلوب وحاله معروف وكيفما كان سنده ضعيف جدا وممن جزم بضعفه الحافظ العراقي وقال ابن حجر في موضع آخر له طريقان كلاهما ضعيف وقال ابن المنذر ليس في الختان خبر يعول عليه ولا سنة تتبع

стр. 307

٢٩٨ - (أخلص) بفتح فسكون فكسر (دينك) بكسر الدال إيمانك عما يفسده من شهوات النفس أو طاعتك بتجنب دواعي الرياء ونحوه بأن تعبده امتثالا لأمره وقياما بحق ربوبيته لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره ولا للسلامة من المصائب الدنيوية (يكفك) بالجزم جواب الأمر وفي نسخ يكفيك بياء بعد الفاء ولا أصل لها في خطه (القليل من العمل) لأن الروح إذا خلصت من شهوات النفس وأسرها ونطقت الجوارح وقامت بالعبادة من غير أن تنازعه النفس ولا القلب ولا الروح فكان ذلك صدقا فيقبل العمل وشتان بين قليل مقبول وكثير مردود وفي التوراة: ماأريد به وجهي فقليله كثير وما أريد غير وجهي فكثيره قليل قال بعض العارفين لا تتسع في إكثار الطاعة بل ⦗٢١٧⦘ في إخلاصها وقال الغزالي: أقل طاعة سلمت من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص بكون لها عند الله تعالى من القيمة ما لا نهاية له وأكثر طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة لها إلا أن يتداركها الله تعالى بلطفه كما قال علي كرم الله وجهه: لا يقل عمل البتة وكيف يقل عمل مقبول؟ وسئل النخعي عن عمل كذا ما ثوابه فقال إذا قبل لا يحصى ثوابه ولهذا إنما وقع بصر أهل البصائر من العباد في شأن الإخلاص واهتموا به ولم يعتنوا بكثرة الأعمال وقالوا الشأن في الصفوة لا في الكثرة وجوهرة واحدة خير من ألف خرزة وأما من قل عمله وكل في هذا الباب نظره جهل المعاني وأغفل ما في القلوب من العيوب واشتغل بإتعاب النفس في الركوع والسجود والإمساك عن الطعام والشراب فغره العدد والكثرة ولم ينظر إلى ما فيها من المنح والصفوة وما يغني عدد الجوز ولا لب فيه وما ينفع رفع السقوف ولم تحكم مبانيها وما يعقل هذه الحقائق إلا العالمون إلى هنا كلام الغزالي وقال ابن الكمال: الإخلاص لغة ترك الرياء في الطاعة واصطلاحا تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدر لصفائه وكل شيء تصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمي خالصا. قال الإمام الرازي: والتحقيق فيه أن كل شيء يتصور أن يشوبه وخلص لله سمي خالصا وسمى الفعل المصفى خالصا إخلاصا ولا شك أن كل من أتى بفعل اختياري فلا بد فيه من غرض فمهما كان الغرض واحدا سمي الفعل إخلاصا فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو غير مخلص أو محض التقرب لله فهو مخلص لكن جرت العادة بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب من جميع الشوائب فالباعث على الفعل إما أن يكون روحانيا فقط وهو الإخلاص أو شيطانيا فقط وهو الرياء أو مركبا وهو ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكونا سواء أو الروحاني أقوى أو الشيطاني أقوى فإذا كان الباعث روحانيا فقط ولا يتصور إلا في محبة الله تعالى مستغرق القلب به بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه مقر حتى لا يأكل ولا يشرب إلا لضرورة الجبلة فهذا عمله خالص وإذا كان نفسانيا فقط ولا يتصور إلا من محب النفس والدنيا مستغرق الهم بهما بحيث لم يبق لحب الله تعالى في قلبه مقر فتكتسب أفعاله تلك الصفة فلم يسلم له شيء من عبادته وإذا استوى الباعثان يتعارضان ويتناقضان فيصير العمل لا له ولا عليه وأما من غلب أحد الطرفين عليه فيحبط منه ما يساوي الآخر وتبقى الزيادة موجبة أثرها اللائق بها وتحقيقه أن الأعمال لها تأثيرات في القلب فإن خلا المؤثر عن المعارض خلا الأثر عن الضعف وإن اقترن بالمعارض فتساويا تساقطا وإن كان أحدهما أغلب فلا بد أن يحصل في الزائد بقدر الناقص فيحصل التساوي بينهما أو يحصل التساقط ويبقى الزائد خاليا عن المعارض فيؤثر أثرا ما فكما لا يخلو مثقال ذرة من طعام أو دواء في البدن لا يضيع مثقال ذرة من خير أو شر عن أثر التقريب من الله تعالى والتبعيد عنه (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب فضل (الإخلاص) في العمل وكذا الديلمي (ك) في النذر (عن معاذ) ابن جبل قال لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قلت أوصني فذكره قال الحاكم صحيح ورده الذهبي وقال العراقي رواه الديلمي من حديث معاذ وإسناده منقطع

стр. 308

٢٩٩ - (أخلصوا أعمالكم لله) فإن الإخلاص هو كمال الدين وأعم ذلك البراءة من الشرك بأن لا تتخذ مع الله إلها آخر لأن الشرك في الإلهية لا تصح معه المعاملة بالعبادة وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الخفي بأن لا يرى لله تعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة فإن الشرك في أسمائه تعالى لا يصح معه قبول كما قال (فإن الله لا يقبل) من الأعمال (إلا ما) أي عملا (خلص له) من جميع الأغيار فالإخلاص شرط لقبول كل طاعة ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله لا من العبد وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله لا من العبد المجاهد قال الله تعالى ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ وكذا سائر الأعمال. وأساس ذلك طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينتها بشيء سواه فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير الله ردت جميع عبادتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكان عبد الرياء والمراء وما المرء إلا عبد ربه تعس عبد الدينار ⦗٢١٨⦘ والدرهم والخميصة وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ قال الإمام الغزالي: سبيل النجاة أن تخلص عملك وتجرد إرادتك لله والقلوب والنواصي بيده فهو يميل إليك القلوب ويجمع لك النفوس ويشحن من حبك الصدور فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك وإن لم تفعل وقصدت رضا المخلوق دونه صرف عنك القلوب ونفر منك النفوس وأسخط عليك الخلق فتكون من الخاسرين (قط عن الضحاك بن قيس) بن خالد الفهري الأمير المشهور ولم يرمز له بشيء

стр. 309

٣٠٠ - (أخلصوا عبادة الله تعالى) بين به أن المراد بالعمل في الخبر قبله العبادة من واجب ومندوب (وأقيموا خمسكم) التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إقامتها إلا المحافظة على جميع حدودها ومن ذلك عدم الاصغاء إلى وسواس الشيطان وخشوع الجوارح والهدوء في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة وفيه إشارة إلى أن جمع الخمس على هذه الهيئة من خصوصياتنا وورد أن الصبح لآدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس ولا يعارضه قول جبريل عقب صلاته بالمصطفى ﷺ الخمس صبيحة الإسراء وهذا وقتك ووقت الأنبياء من قلبك لأن المراد أنه وقتهم إجمالا وإن اختص كل منهم بوقت ولما ذكر ما يزكي البدن ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال (وأدوا زكاة أموالكم) المفروضة وفي الاقتصار فيها على الأداء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا مع الإخلاص فيطابق المقطع المطلع (طيبة) بنصبه على الحال (بها أنفسكم) وفي رواية قلوبكم بأن تدفعوها إلى مستحقيها بسماح وسخاء نفس ومن كمال ذلك أن يتناول المستحق بنفسه كان المصطفى ﷺ يتناول السائل بنفسه ولا يكله لغيره (وصوموا شهركم) رمضان بأركانه وشروطه وآدابه ومنها السحور مؤخرا والفطر معجلا وصوم الأعضاء كلها عن العدوان وترك السواك بعد الزوال والأخذ فيه بشهوات العيال والإضافة للتخصيص على ما مر بما فيه (وحجوا بيتكم) أضافه إليهم لأن أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بنياه ومن مطلوباته زيادة اليقين واستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد رب العباد لا على حاصل ما بيد العبد وتزويد التقوى والرفق على الرفيق وبالظهر وتسكين الأخلاق والارفاق في الهدى وهو الثج والاعلان بالتلبية وهو العج وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعاره على معلوم السنة لا على معهود العادة (تدخلوا) بجزمه جواب الأمر (جنة ربكم) أي المحسن إليكم بالهداية إلى الإخلاص وبيان طريق النجاة والخلاص وخص الرب تذكيرا بأنه المربي والمصلح والموفق والهادي والمنعم أولا وآخرا وجعل الدخول بالأعمال لما جرت به العادة الإلهية من الدخول بها فلشدة ملازمتها كانت كأنها سبب الدخول وإلا فالدخول بالرحمة وهذا الحديث موافق لقوله تعالى ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ <فائدة> قال ابن عطاء الله لون الله تعالى لنا الطاعات من صلاة وصوم وحج وغيرها لئلا تسأم نفوسنا تكرما وفضلا لأن النفس لو كلفت بحالة واحدة في زمن واحد ملت ونفرت وبعدت من الانقياد للطاعة فرحمها الله بالتنويع وحجر علينا الصلاة في أوقات ليكون همنا إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم (طب عن أبي الدرداء) قال الهيتمي فيه يزيد بن فرقد ولم يسمع من أبي الدرداء

стр. 310

٣٠١ - (اخلعوا) بكسر الهمزة واللام أي انزعوا (نعالكم) وإن كانت طاهرة يقال خلع نعله إذا نزعه وفي القاموس الخلع كالمنع النزع إلا أنه فيه مهانة (عند الطعام) أي عند إرادة أكله (فإنها) أي هذه الخصلة التي هي النزع (سنة) أي طريقة وسيرة (جميلة) أي حسنة مرضية لما فيه من راحة القدم وحسن الهيئة والأدب مع الجليس ⦗٢١٩⦘ وغير ذلك والأمر للإرشاد بدليل خبر الديلمي عن ابن عمر مرفوعا أيها الناس إنما خلعت نعلي لأنه أروح لقدمي فمن شاء فليخلعها ومن شاء فليصل فيهما. والنعل كما في المصباح وغيره الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة ولما كانت السنة تطلق على السيرة جميلة كانت أو ذميمة بين أنها جميلة هنا أي حسنة مرضية محبوبة وبذلك علم أن المراد بالسنة هنا المعنى اللغوي وإلا لما احتاج لوصفها بما ذكر وخرج بحالة الأكل حالة الشرب فلا يطلب فيها نزع النعل كما هو ظاهر ومثل النغل القبقاب ونحوه لا الخف فيما يظهر (ك) في المناقب (عن أبي عبس) بفتح المهملة وسكون الموحدة كفلس (ابن جبر) بفتح وسكون الموحدة ابن زيد الأنصاري وقد مر وظاهر صنيع المؤلف أن الصحابي الذي رواه عنه الحاكم هو أبو عبس والأمر بخلافه بل الحاكم إنما رواه عن أنس فقال عن يحيى بن العلاء عن موسى بن محمد التيمي عن أبيه عن أنس قال دعا أبو عبس رسول الله ﷺ لطعام صنعه له فقال رسول الله ﷺ اخلعوا إلى آخره ورواه من طريق آخر بلفظ آخر وتعقبه الذهبي على الحاكم وأن فيه يحيى وشيخه متروكان وإسناده مظلم انتهى لكنه اكتسب بعض قوة بوروده من طريق أخرى ضعيفة

стр. 311

٣٠٢ - (اخلفوني) بضم الهمزة واللام أي كونوا خلفائي (في أهل بيتي) علي وفاطمة وابنتهما وذريتهما فاحفظوا حقي فيهم وأحسنوا الخلافة عليهم بإعظامهم واحترامهم ونصحهم والإحسان إليهم وتوقيرهم والتجاوز عن مسيئهم ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ قال المجد اللغوي وما احتج به من رمي عوامهم بالابتداع وترك الاتباع لا ينجع فإنه إذا ثبت هذا في معين لم يخرج عن حكم الذرية فالقبيح عمله لا ذاته وقد منع بعض العمال على الصدقات بعض الأشراف لكونه رافضيا فرأى تلك الليلة أن القيامة قد قامت ومنعته فاطمة من الجواز على الصراط فشكاها لأبيها فقالت منع والدي رزقه قاعتل بأنه يسب الشيخين فالتفتت فاطمة إليهما وقالت أتؤاخذان ولدي قالا: لا فانتبه مذعورا في حكاية طويلة ولما جرى للإمام أحمد بن حنبل من الخليفة العباسي ما جرى ندم وقال اجعلني في حل فقال ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله ﷺ لقرابتك منه (وحكى) المقريزي عن بعض العلماء أنه كان يغض من بعض أشراف المدينة لتظاهرهم بالبدع فرأى المصطفى ﷺ في النوم فعاتبه فقال يا رسول الله حاش لله ما أكرههم إنما كرهت تعصبهم على أهل السنة فقال مسألة فقهية أليس الولد العاق يلحق بالنسب قال نعم قال هذا ولد عاق قال السيد السمهودي وحكى لي شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة يحيى المناوي أن شيخه الشريف الطباطبي كان بخلوته بجامع عمرو بمصر فتسلط عليه تركي يسمى قرقماس الشعباني وأخرجه منها فقال له رجل رأيتك الليلة بين يدي الرسول ﷺ وهو ينشدك هذين البيتين: يا بني الزهراء والنور الذي. . . ظن موسى أنه نار قبس لا أوالي الدهر من عاداكم. . . إنه آخر سطر في عبس إشارة إلى قوله تعالى ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ ثم أخذ المصطفى ﷺ عذبة سوط بيده فعقدها ثلاث عقد. قال شيخ الاسلام: فكان من تقدير الله تعالى أن ضربت رأس قرقماس فلم تقطع إلا بثلاث ضربات فكان ذلك السوط من قبيل قوله تعالى ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾ (طس عن ابن عمر) بن الخطاب وقال إن ذلك آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ قال الهيتمي فيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف

стр. 312

٣٠٣ - (أخنع) بفتح الهمزة والنون بينهما معجمة ساكنة وفي رواية أخنى أي أفحش (الأسماء) أي أقتلها لصاحبه ⦗٢٢٠⦘ وأهلكها له يعني أدخلها في النخوع وهو الذل والضعة والهوان ذكره الزمخشري (عند الله يوم القيامة) قيد به مع كونه في الدنيا كذلك إشعارا بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العذاب (رجل) أي اسم رجل قال الطيبي: لا بد من هذا التأويل ليطابق الخبر ويمكن أن يراد بالاسم المسمى مجازا أي أخنع الرجال رجل كقوله ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفيه مبالغة لأنه إذا قدس اسمه عما لا يليق بذاته فذاته بالتقديس أولى وإذا كان الاسم محكوما عليه بالصغار والهوان فكيف المسمى به انتهى وما بحثه تقدمه إليه القرطبي فقال المراد بالاسم المسمى بدليل رواية أغيظ رجل وأخبثه ووقع في هذه الرواية وأغيظه معطوفا على أخبثه فجاء مكررا فزعم بعضهم أنه وهم وأن الصواب وأغنطه بالنون والطاء المهملة أي أشد والغنطة شدة الكذب ورده القرطبي أن تطريق الوهم إلى الحفاظ وهم لا ينبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه ويمكن حمله على إفادة تكرار عقوبة من تسمى به تغليظا كما قال الله تعالى ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ أي بعقوبة بعد عقوبة (تسمى) أي سمى نفسه أو سماه غيره فأقروه ورضي به (ملك) بكسر اللام (الأملاك) أو ما في معناه نحو شاه شاهان أو شاهان شاه والعجم تقدم المضاف إليه على المضاف وألحق به ملك شاه قيل وإذا امتنع التسمي بما ذكر فباسم من له هذا الوصف كالله والجبار والرحمن أولى وقيد فيما مر بالعندية إيذانا بشدة غضبه ومزيد عقابه لمن سمى بشيء من ذلك أو تسمى به والتزمه فلم يغيره وقال القرطبي وحاصل الحديث أن من تسمى بهذا الاسم انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق لما ثبت في الفطرة أنه (لا مالك) لجميع الخلائق (إلا الله) فلا يصدق هذا الاسم بالحقيقة إلا عليه فعوقب على ذلك من الاذلال والاسترذال بما لم يعاقب به مخلوق والمالك من له الملك والملك أمدح والمالك أخص وكلاهما واجب لله تعالى انتهى وقال الطيبي قوله لا مالك إلى آخره استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية فنفى جنس الملاك بالكلية لأن المالك الحقيقي ليس إلا هو ومالكية الغير مستردة إلى مالك الملوك فمن تسمى بذلك نازع الله في رداء كبريائه واستنكف أن يكون عبده لأن وصف المالكية مختص بالله لا يتجاوز والمملوكية بالعبد لا تتجاوزه فمن تعدى طوره فله في الدنيا الخزي والعار وفي الآخرة الإلقاء في النار انتهى ومن العجائب التي لا تخطر بالبال ما نقله ابن بريدة عن بعض شيوخه أن أبا العتاهية كان له ابنتان سمى إحداهما الله والأخرى الرحمن وهذا من أعظم القبائح وأشد الجرائم والفضائح وقيل إنه تاب وألحق بعض المتأخرين بملك الأملاك حاكم الحكام وقد شدد الزمخشري النكير عليه فقال في تفسير قوله تعالى ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ رب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمننا قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر انتهى واعترضه ابن المنير بأن خبر أقضاكم علي يؤخذ منه جواز أن يقال لأعدل القضاة وأعلمهم في زمنه قاضي القضاة ورد عليه وشنع العلم العراقي منتصرا للزمخشري ومن النوادر أن العز بن جماعة رأى أباه في النوم فسأله عن حاله فقال ما كان علي أضر من هذا الاسم فنهى الموقعين أن يكتبوا له في الاسجال قاضي القضاة بل قاضي المسلمين ومنع الماوردي من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك مع أن الماوردي كان يقال له أقضى القضاة ولعل الفرق الوقوف مع الخبر وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة وقال ابن أبي جمرة يلحق بملك الأملاك قاضي القضاة وإن اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان خلافه وفيه مشروعية الأدب في كل شيء قال ابن القيم وتحرم التسمية بسيد الناس وسيدة الكل كما تحرم بسيد ولد آدم فإن ذا ليس لأحد إلا للرسول ﵊ فلا يحل إطلاقه على غيره قال ولا تجوز التسمية بأسماء الله الحسنى كالأحد والصمد ولا تسمية الملوك بالظاهر والقاهر والقادر وظاهر الوعيد يقتضي التحريم الشديد هبه قصد أنه ملك على ملوك الأرض أو بعضها لكن القاضي أبا الطيب من أكابر الشافعية يجوزه بالقصد المذكور وخالفه الماوردي كما مر ويأتي (ق د ت عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وفي الباب غيره أيضا انتهى

стр. 313

⦗٢٢١⦘ ٣٠٤ - (إخوانكم) جمع أخ وهو الناشئ مع أخيه من منشأ واحد على السواء بل بوجه ما قال الحراني (خولكم) بفتح المعجمة والواو وضم اللام أي خدمكم جمع خائل أي خادم سمي به لأنه يتخول الأمور أي يصلحها ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان والتخويل التمليك وأخبر عن الأخوة بالخول مع أن القصد عكسه اهتماما بشأن الإخوان أو الحصر الخول في الإخوان أي ليسوا إلا لإخوانكم أي من جهة تفرع الكل عن أصل واحد وهو آدم ﵊ ومن قال في الدين لم يصب إذ يلزم قصر طلب المواساة في الأرقاء على المسلمين مع عمومها وحينئذ ففي الكلام معنى التشبيه أو إخوانكم مبتدأ و (جعلهم الله) خبره فعليه إخوانكم مستعار لطي المشبه وجوز جمع نصب إخوانكم بفعل مقدر أي احفظوا إخوانكم وخولكم نعت له قال أبو البقاء وهو أجود من الرفع في تخصيص الإخوان بالذكر إشعارا بعلة المواساة وأن ذلك مندوب لأنه وارد على منهج التلطف والتعطف ومعاملتهم بالشفقة والمناصحة والمسامحة وغير ذلك من ضروب الإحسان مما يعود الطبع إليه من مناصحة الإخوان والخلان وهو غير واجب (قنية) بكسر القاف وتضم أي ملكا (تحت أيديكم) يعني قدرتكم فاليد الحسية كناية عن اليد الحكيمة (فمن كان أخوه تحت يده) أي فمن كان مملوكه في قبضته وتحت حكمه وسلطانه وفي رواية للبخاري يديه بلفظ التثنية (فليطعمه) بضم المثناة التحتية فيه وفيما بعده أي وجوبا والأفضل كونه (من طعامه) الذي يأكله هو (وليلبسه) مما يليق (من لباسه) قال الرافعي لا مناقضة بينه وبين الخبر الآتي للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف لأن ما هنا في حق العرب الذين طعامهم وطعام عبيدهم وكسوتهم متقاربة وذلك في حق المترفهين في الطعام واللباس فليس عليهم لمماليكهم إلا المتعارف لهم بالبلد سواء كان من جنس نفقة السيد أو فوقه أو دونه انتهى وخرج بما ذكر نحو عفاف القن فلا يؤمر به سيده والواجب الكفاية (ولا يكلفه) من التكليف وهو تحميل الشخص شيئا معه كلفة وقيل هو الأمر بما يشق أي لا يكلفه من العمل (ما يغلبه) أي ما لا يطيقه في بعض الأحيان (فليعنه) عليه بنفسه أو بغيره فيحرم على السيد أن يكلف قنه على الدوام ما لا يطيقه على الدوام وله تكليفه عملا شاقا في بعض الأحيان لكن عليه إعانته أي مساعدته ومثل القن نحو خادم وأجير ودابة ولم يصب في التعبير من قال كابن جماعة تدخل في الخول الرقيق والخادم الحر وكذا الدواب انتهى وما ذاك إلا لأن لفظ الخول في الحديث لا يشمل الدابة لوصفه بالأخوة فالشمول ممنوع وليس إلا القياس وفيه الأمر بالعطف على المملوك والشفقة عليه والتذكير بالنعمة والقيام بشكرها والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك (حم ق د ت هـ عن أبي ذر) قال ابن حجر وفيه قصة أي وذلك لأن المعرور بن سويد رأى أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها فسأله عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا فعيره بأمه فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك فقال له النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية أي خلق من أخلاقهم ثم ذكره

стр. 314

٣٠٥ - (أخوف) أي من أخوف (ما أخاف على أمتي) وفي رواية أحمد على هذه الأمة (كل منافق عليم اللسان) أي عالم للعلم منطلق اللسان به لكنه جاهل القلب فاسد العقيدة يغر الناس بشقشقة لسانه فيقع بسبب تباعه خلق كثير في الزلل وقد كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلا على أشرف أحواله خوفا أن يقتدي به فيها أو بسوء ظنه به فيها فلا ينتفع. قال الحراني: والخوف حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها قال صاحب الهداية: فساد كبير عالم متهتك. . . وأكبر منه جاهل يتنسك هما فتنة للعالمين عظيمة. . . لمن بهما في دينه يتمسك ⦗٢٢٢⦘ وسبب تحديث عمر بذلك أن الأحنف سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوها فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ثم دعاه فقال تدري لم حبستك عني قال لا قال إن رسول الله ﷺ حدثنا فذكره ثم قال خشيت أن تكون منافقا عليم اللسان وأن رسول الله ﷺ حذرنا منه وأرجو أن تكون مؤمنا فانحدر إلى مصرك (عد عن عمر) بن الخطاب ﵁ بإسناد ضعيف ورواه أيضا الطبراني في الكبير بل والإمام أحمد قال السيد السمهودي رواته محتج بهم في الصحيح انتهى فعدل المصنف عن الحديث الصحيح إلى الرواية الضعيفة واقتصر عليها

стр. 315

٣٠٦ - (أخوف ما أخاف على أمتي) اتباع (الهوى) بالقصر وهو ميل النفس وانحرافها نحو المذموم شرعا على ما مر (وطول الأمل) بالتحريك رجاء ما تحبه النفس كما مر وذلك لأنه إذا أنس بالدنيا ولذتها ثقل عليه فراقها وأقلع عن التفكير في الموت الذي هو سبب مفارقتها فيمني نفسه أبدا بما يوافق مرادها وهو البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء بما يحتاجه من مال وخدم ودار وغيرها فيعكف قلبه على هذا الفكر فيلهو عن الموت ولا يحذر فوته فإن خطر بباله سوف وقال الأيام بين يديك فإلى أن تكبر تتوب فإذا كبر قال حتى أشيخ فإذا شاخ قال حتى أفرغ من بناء داري وعمارة ضيعتي وقهر عدوي الذي يشمت بي فلا يزال كذلك لا يفرغ من شغل إلا علق بتمام آخر إلى أن تخطفه منيته في وقت لا يحتسبه فمن ثم خافه المصطفى ﷺ عليهم قال الحراني: أكبر الهم والاهتمام إنما هو من طول الأمل فلأجله يتكلف الأعمال والأشغال ويجمع ويدخر الأمول ﴿الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده؟ كلا﴾ ونبه بقوله وطول الأمل على أن المذموم الاسترسال فيه وعدم الاستعداد للآخرة أما أصله فلا ذم فيه إذ لولاه لم يتهن أحد بعيش ولولاه لم يصنف العلماء (عد عن جابر) قال الحافظ العراقي سنده ضعيف ورواه عنه أيضا الحاكم باللفظ المزبور وزاد أما الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة ورواه أبو نعيم عن علي وزاد ألا وإن الدنيا ترجلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترجلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل

стр. 316

٣٠٧ - (أخوك البكري) بكسر الموحدة أي الذي ولده أبواك أولا وهذا على المبالغة في التحذير أي أخوك شقيقك خفه واحذر منه (ولا تأمنه) فضلا عن الأجنبي فالتحذير منه أبلغ فأخوك مبتدأ والبكري نعته والخبر يخاف منه مقدرا وفيه إثبات الحذر واستعمال سوء الظن فيمن لم يتحقق فيه حسن السيرة. قال الديلمي: وهذه كلمة جاهلية تمثل بها رسول الله ﷺ وقال العسكري: هذا من الحكم والامثال (طس) من طريق زيد بن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه (عن عمر) بن الخطاب قال أسلم: خرجت في سفر فلما رجعت قال لي عمر: من صحبت قلت: رجلا من بكر بن وائل فقال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره قال الهيتمي: أسلم وأبوه ضعيفان (د عن) عبد الله (بن عمر وابن الغفواء) عن أبيه والفغواء بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة وواو مخففة مع المد ويقال ابن أبي الفغواء قال: دعاني رسول الله ﷺ وقد أراد أن يبعثني إلى أبي سفيان بمال يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح فقال: التمس صاحبا فجاءني عمرو بن أميه الضمري فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا قال: قلت: أجل قال: فأنا لك صاحب قال: فجئت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت له: قد وجدت صاحبا قال: من؟ فقلت: عمرو بن أمية الضمري فقال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل أخوك البكري ولا تأمنه ⦗٢٢٣⦘ فخرجت حتى إذا كنا بالأبواء قال: أريد حاجة إلى قومي بودان فتلبث لي قلت راشدا فلما ولى ذكرت ما قال رسول الله ﷺ فشددت على بعيري ثم خرجت حتى إذا كنت بالاصافير إذا هو يعارضني في رهط قال: فأوضعت بعيري فسبقته فلما رآني قد فته انصرفوا وجاءني فقال: كان لي إلى قومي حاجة قال: قلت: أجل فمضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان انتهى وعبد الله قال ابن حبان مستور وقال الذهبي: تابعي مجهول وساقه في الضعفاء وقال في غيرها لا يعرف قال وعمر له صحبة ورواية وفي التقريب عمرو بن الفغواء الخزاعي صحابي في إسناد حديثه اختلاف انتهى يشير إلى هذا الحديث ورواه العسكري رحمه الله تعالى في الأمثال من حديث مسور مرفوعا هذا وقد رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده

стр. 317

٣٠٨ - (أد) وجوبا من الأداء. قال الراغب: وهو دفع ما يحق دفعه وتأديته (الأمانة) هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه وقصر جمع لها على حق الحق وآخرين على حق الخلق قصور قال القرطبي: والأمانة تشمل أعدادا كثيرة لكن أمهاتها الوديعة واللقطة والرهن والعارية. قال القاضي: وحفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الإيمان نقصت الأمانة في الناس وإذا زاد زادت (إلى من ائتمنك) عليها وهذا لا مفهوم له بل غالبي والخيانة التفريط في الأمانة. قال الحراني: والائتمان طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفظه حتى يعاد إلى المؤتمن ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضايق الأمانة وربما تأولت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله (ولا تخن من خانك) أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقه إذ لا تعدي فيه أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنا بل قابله بالأحسن الذي هو العفو وادفع بالتي هي أحسن وهذا كما قاله الطيبي أحسن قال ابن العربي: وهذه مسألة متكررة على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال الأول لا تخن من خانك مطلقا الثاني خن من خانك قاله الشافعي الثالث إن كان مما ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه وإن كان ليس في يدك فخذ حقك منه قاله مالك الرابع إن كان من جنس حقك فخذه وإلا فلا قاله أبو حنيفة. قال: والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه أو غير جنسه إذا عدلت لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اضطررت (تخ د ت) في البيوع وقال ت حسن غريب (ك عن أبي هريرة) قال ابن الجوزي: فيه شريك قال يحيى ما زال مختلطا عن قيس قال أحمد كثير الخطأ (قط ك والضياء) المقدسي (عن أنس) قال الدارقطني: فيه أيوب بن سويد ضعفه أحمد وجمع (طب عن أبي أمامة) قال الهيتمي: وفيه يحيى بن عثمان المصري قال ابن أبي حاتم: يتكلمون فيه ورواه الطبراني أيضا في الصغير والكبير باللفظ المزبور عن أنس. قال الهيتمي: رجاله ثقات ورواه ابن عساكر من طريق مكحول قال رجل لأبي أمامة: الرجل أستودعه الوديعة أو يكون لي عليه شيء فيجحدني ثم يستودعني أو يكون له علي شيء أفأجحده. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره قال ابن عساكر وغيره ومكحول لم يسمع من أبي أمامة وقال السخاوي: في أسانيده مقال لكن بطرقه يتقوى (د عن رجل من الصحابة) ولا يضر إبهامه لأن الصحابة كلهم عدول (قط عن أبي بن كعب) بدري سيد سند من فضلاء الصحابة روى عنه أنس وغيره وفي موته أقوال قال ابن الجوزي فيه محمد بن ميمون قال ابن حبان منكر الحديث جدا لا يحل الاحتجاج به وقال في المنار: فيه ثلاثة ولوا القضاء ساء حفظهم وقال أحمد حديث باطل وقال ابن حجر رواه (د ت ك) عن أبي هريرة تفرد به طلق بن غنام عن شريك واستشهد له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفيه أيوب بن سويد فيه خلف ورواه أبو داود بسند فيه مجهول وقد صحبه ابن السكن ورواه البيهقي عن أبي أمامة بسند ضعيف وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه

стр. 318

⦗٢٢٤⦘ ٣٠٩ - (أد ما افترض الله) أي أوجب (عليك) ومنه السنة يقول فرض رسول الله ﷺ كذا أي سنه (تكن من أعبد الناس) أي المقبول عبادتهم يعني إذا أديت العبادة على أكمل الأحوال من ركن وشرط وسنة خالصة سالمة من الخلل تكن من أعبد الناس ممن لم يفعلها كذلك والعبادة تتفاوت رتبها في الكمال (واجتنب ما حرم الله عليك) أي لا تقربه فضلا عن أن نفعله فإن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها (تكن من أورع الناس) أي من أعظمهم كفا عن المحرمات وأكثر الشبهات قال النووي: والورع اجتناب الشبهات خوفا من الله تعالى وقال ابن القيم: ترك ما يخاف ضرره في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع فيها (وارض) اقنع (بما قسمه الله) قدره (لك) قال الله تعالى ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ (تكن من أغنى الناس) فإن من قنع بما قسمه الله له صار غني القلب زاهدا فيما في يد غيره والقناعة كنز لا يفنى قال أكتم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله علم أن من تمام السعادة وحسن التوفيق الرضا بالقضاء والقناعة بالقسم قال الحكماء: من قنع كان غنيا وإن كان فقيرا ومن تجاوز ما له من القناعة فهو فقير وإن كان غنيا وقال بعضهم: الرضا بالكفاف يؤدي إلى العفاف ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور وقالوا: ما كان لك من الدنيا أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ومن قطع رجاءه مما فات استراح بدنه والراحة كلها في الرضا بالمقسوم والاقتصار على حال الوقت والإعراض عما كان ويكون لأن ذلك كدر في الوقت وشغل بما لا يعني ولا يغني والهم كله في الأسف على الأمور الماضية والاهتمام بالأمور الآتية من الدنيا وعماد ذلك أن العبد يقبل ما أعطاه سيده في الوقت ولا يهتم بما بعد الوقت لا من أين ولا كيف ولا ماذا يعطيه لأنه ليس مما يعنيه (تتمة) قال الغزالي: للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط فالجائز يقال له حكم الشرع والأفضل والأحوط يقال له حكم الورع فافهم وبه يخرج الجواب عن قول من قال الورع موضوع على التشديد والشرع موضوع على اليسر والسماحة (عد عن ابن مسعود) قال ابن الجوزي قال الدارقطني رفعه وهم والصواب وقفه

стр. 319

٣١٠ - (أدبني ربي) أي علمني رياضة النفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة وفي شرح النوابغ هو ما يؤدي بالناس إلى المحامد أي يدعوهم (فأحسن تأديبي) بإفضاله علي بالعلوم الكسبية والوهبية بما لم يقع نظيره لأحد من البشر. قال بعضهم: أدبه بآداب العبودية وهذبه بمكارم أخلاق الربوبية ولما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديته مرآة للعالم كقوله صلوا كما رأيتموني أصلي وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته وللصديقين في السير إليه ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ وقال القرطبي: حفظه الله من صغره وتولى تأديبه بنفسه ولم يكله في شيء من ذلك لغيره ولم يزل الله يفعل به حتى كره إليه أحوال الجاهلية وحماه منها فلم يجر عليه شيء منها كل ذلك لطف به وعطف عليه وجمع للمحاسن لديه انتهى. وفي هذا من تعظيم شأن الأدب ما لا يخفى ومن ثم قالوا: الأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت وقالوا: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب لأن من ساء أدبه ضاع نسبه ومن ضل عقله ضل أصله وقالوا: زك قلبك بالأدب كما تزكي النار بالحطب وحسن الأدب يستر قبيح النسب. وقال في العوارف: بالأدب يفهم العلم وبالعلم يصلح العمل وبالعمل تنال الحكمة ولما ورد أبو حفص النيسابوري العراق جاءه الجنيد فرأى أصحابه وقوفا على رأسه يأتمرون بأمره فقال: أدبت أصحابك آداب الملوك. قال: لا ⦗٢٢٥⦘ ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن. وقال العارف ابن سلام: مددت رجلي تجاه الكعبة فجاءتني امرأة من العارفات فقالت: إنك من أهل العلم لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محى اسمك من ديوان القرب. وقال السقطي: مددت رجلي ليلة في المحراب فنوديت ما هكذا تجالس الملوك فقلت: وعزتك لا مددتها أبدا فلم يمدها ليلا ولا نهارا. قال في العوارف: وكل الآداب متلقيات عن المصطفى ﷺ فإنه مجمعها ظاهرا وباطنا وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه فأذن فجلس متربعا فامتنع من إقرائه وقال: أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه وحكى عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده فلم يعجبه منهم أحد لحدة فهمه حتى إذا جاء شيخ الإسلام يحيى المناوي فجلس بين يديه وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم فشرع في القراءة فتأمل الشيخ فوجد أصبعا من أصابع رجله مكشوفا فانتهره وقال له بحال أنت قليل الأدب لا يجئ منك في الطلب غط أصبعك واستعمل الأدب فحم لوقته وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف بالناس ولزم دروسه حتى صار رأسا عظيما في العلم. وقال بعضهم: قد أدب الله تعالى روح نبيه ﷺ ورباها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه الظاهر باللطف والهبة فتكامل له الإنس باللطف والأدب بالهيبة واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج باتصالها كمالات أخرى من القوة إلى الفعل وينال كل من الروح والبدن بواسطة الأخرى من الكمال ما يليق بالحال ويصير قدوة لأهل الكمال والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق وقيل الوقوف مع المستحسنات وقيل تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه وقيل: غير ذلك. قال الحراني: والربوبية إقامة المربوب لما خلق وأريد له فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده فرب المؤمن ربه وباه للإيمان ورب الكافر ربه ورباه للكفران ورب محمد ﷺ ربه ورباه للحمد ورب العالمين رب كل عالم لما خلق له ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ فالربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه من عرف نفسه فقد عرف ربه (ابن السمعاني) الإمام أبو سعد (في) كتاب (أدب الإملاء) أي إملاء الحديث من جهة صفوان بن مفلس الحنطي عن محمد بن عبد الله عن سفيان الثوري عن الأعمش (عن ابن مسعود) قال قال رسول الله ﷺ إن الله أدبني فأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ هذا سياق رواية السمعاني بحروفه فتصرف فيه المؤلف كما ترى. قال الزركشي: حديث أدبني ربي فأحسن تأديبي معناه صحيح لكنه لم يأت من طريق صحيح وذكره ابن الجوزي في الواهيات عن علي في ذيل حديث وضعفه وأسنده سبطه في مرآة الزمان وأخرجه بطرق كلها تدور على السدي عن ابن عمارة الجواني عن علي وفيه فقال يا رسول الله إنك تكلم الوفود بكلام أو لسان لا نفهم أكثره فقال إن الله أدبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعد فقال له عمر يا رسول الله كلنا من العرب فما بالك أفصحنا فقال: أتاني جبريل بلغة إسماعيل وغيرها من اللغات فعلمني إياها وصححه أبو الفضل بن ناصر قال المؤلف وأخرج العسكري عن علي قال قدم بنو فهد بن زبد على المصطفى ﷺ فقالوا: أتيناك من غور تهامة وذكر خطيبهم وما أجابهم المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: فقلت يا نبي الله نحن بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثره فقال: أدبني ربي إلى آخره وأخرج ابن عساكر أن أبا بكر قال: يا رسول الله طفت في العرب وسمعت كلام فصائحهم فما سمعت أفصح منك فمن أدبك قال: أدبني ربي ونشأت في بني سعد قال: وإسناده ضعيف وقال السخاوي: ضعيف وإن اقتصر شيخنا يعني ابن حجر على الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه. وقال ابن تيمية: لا يعرف له سند ثابت

стр. 320

٣١١ - (أدبوا) خطابا للآباء والأجداد ويلحق بهم كل كافل ليتيم (أولادكم) أي دربوهم لينشأوا ويستمروا (على) ملازمة خصال (ثلاث) وخصها لأنها أهم ما يجب تعليمه للطفل (خصال) قالوا: وما هي. قال: (حب نبيكم) المحبة ⦗٢٢٦⦘ الإيمانية الطيبة لأنها غير اختيارية وهذا واجب لأن محبته تبعث على امتثال ما جاء به قال السمعاني: يجب على الآباء تعليم أولادهم أن النبي ﷺ بعث بمكة إلى كافة الثقلين ودفن في المدينة وأنه واجب الطاعة والمحبة. وقال ابن القيم: يجب أن يكون أول ما يقرع سمعهم معرفة الله تعالى وتوحيده وأنه يسمع كلامهم وأنه معهم حيث ما كانوا وكذلك كان بنو إسرائيل يفعلون ولهذا كان أحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن بحيث إذا عقل الطفل ووعى علم أنه عبد الله ثم يعرفه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبوجوب محبته (وحب أهل بيته) علي وفاطمة وبنيهما أو مؤمنو بني هاشم والمطلب (وقراءة القرآن) أي تلاوته ومدارسته وحفظه (فإن حملة القرآن) أي حفظته عن ظهر قلب المداومين لتلاوته العاملين بأحكامه يكونون (في ظل الله) أي في ظل عرشه كما صرح به في رواية أخرى (يوم لا ظل إلا ظله) أي يوم القيامة إذا دنت الشمس من الرؤوس واشتد عليهم حرها وقد يراد به ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها كما قال الله تعالى ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾ وقيل: المراد بالظل الكرامة والكنف والأمن من المكاره في ذلك الموقف (مع أنبيائه وأصفيائه) أي يكونون في حزبه الذين اختارهم من خلقه وارتضاهم لجواره وقربه ومعنى كونه معهم أنه يكون رفيقا لهم هناك لاتصافه بصفتهم من حمل كتابه وفيه وجوب تأديب الأولاد وأنه حق لازم وكما أن للأب على ابنه حقا فللابن على أبيه كذلك بل وصية الله تعالى للآباء أبنائهم سابقة في التنزيل على وصية الأولاد بآبائهم فمن أهمل تعليم ولده وليدا ما ينفعه فقد أساء إليه وأكثر عقوق الأولاد آخرا بسبب الاهمال أولا ومن ثم قال بعضهم لأبيه: أضعتني وليدا فأضعتك شيخا (أبو نصر) عبد الكريم بن محمد (الشيرازي) نسبة إلى شيراز بلدة (في فوائده) الحديثية (فر وابن النجار) في تاريخه (عن علي) لم يرمز له بشيء وهو ضعيف لأن فيه شيء وصالح بن أبي الأسود له مناكير وجعفر ابن الصادق قال في الكشاف عن القطان في النفس منه شيء انتهى
следующие страницы →