← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21660

فيض القدير

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (10 128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٦١ - (ابنوا مساجدكم) أيها المسلمون (جما) أي مجممة بلا شرف ولا يستقيم جعل المعنى غير مرتفعة نظرا إلى أن المشرف يطلق أيضا على المطول لأنه إن أريد بالطول الامتداد في الجهات الأربع فلا يقول به عاقل لأنه يرجع إلى السعة وتوسيع المسجد مطلوب لا ينهى عنه وإن أريد الارتفاع فهو مأذون فيه بنص الخبر الآتي " ارفع البنيان إلى السماء وسل الله السعة " وأما ما قارنه قصد مباهاة فلا فرق في منعه بين طويل وقصير (وابنوا مدائنكم) بالهمز وتركه قال الكرماني والهمز أفصح جمع مدينة من مدن أقام وهي المصر الجامع وقيل مفعلة من مدنت أي ملكت قال الجوهري سألت أبا علي الفسوى عن همز مدائن فقال من جعله فعيلة همز ومن جعله مفعلة لم يهمز (مشرفة) كمعظمة أي اجعلوها لمساكنها شرافات أو اجعلوا لسورها ذلك أو اجعلوها مرتفعة ارتفاعا حسنا مقتصدا محكما تحصينا لها من العدو وذلك لأن الزينة إنما تليق بالمدن دون المساجد التي هي بيوت الله (ش عن ابن عباس) رمز لحسنه

стр. 72

٦٢ - (ابنوا المساجد) التي هي بيوت الله قال الراغب: المسجد الموضع المعد للصلاة. وقال غيره: لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق منه اسم المكان فقيل مسجد ولم يقل مركع ثم إن العرف خصه بالمكان المهيأ للصلوات الخمس فخرج نحو مصلي العيد ومدرسة ورباط فلا يعطى حكمه لاعدادها لغير ذلك (وأخرجوا القمامة منها) بضم القاف الكناسة. قال الزمخشري تقول بيت مقموم وقممته بالمقمة أي المكنسة وينادى بمكة على المكانس المقام (فمن بنى لله تعالى) أي لأجله ابتغاء لوجهه (بيتا) مكانا يصلى فيه وتقييد البعض بالجماعة غير معتبر (بنى الله له بيتا في الجنة) سعته كسعة المسجد عشر مرات فأكثر كما يفيده التنكير الدال على التعظيم: ﴿من جاء بالحسنة ⦗٨٥⦘ فله عشر أمثالها﴾ وإسناد البناء إليه سبحانه مجاز. قال الحافظ العراقي: ولا بد لحصول هذا الثواب من اسم البناء فلا يكفي جعل الأرض مسجدا بدونه ولا نحو تحويطه بطين أو تراب ولا يتوقف حصوله على بنائه بنفسه بل أمره كاف والأوجه عدم دخول الباني لغيره بأجرة وقضية إناطة الحكم بالبناء عدم حصوله لمن اشترى بناء ووقفه مسجدا والظاهر خلافه اعتبارا بالمعنى انتهى. وتبعه تلميذه ابن حجر. قال الراغب: والبناء اسم لما يبنى. وقال الزمخشري: مصدر سمى به المبني بيتا أو قبة أو خباء ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا والبيت مأوى الإنسان بالليل ثم قيل من غير اعتبار الليل فيه وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص ويقع على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر وبه شبه بيت الشعر ويعبر عن مكان الشيء بأنه بيته. ولما قال المصطفى ذلك قالوا: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: " نعم " هكذا هو ثابت في رواية من عزى المؤلف له الحديث ثم لما ذكر جزاء البناء عقبه بذكر جزاء إخراج القمامة على طريق اللف والنشر فقال (وإخراج القمامة) أي الزبالة (منها مهور الحور العين) أي نساء الجنة النجل العيون السود الحدق سمين به لأنهن يشبهن الظباء يعني له بكل مرة من كنسها حوراء في الجنة فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وهل يدخل الكناس بأجرة أو بمعلوم قياس ما تكرر فيما قبله عدم دخوله والظاهر أنه يشترط لحصول ذلك قصد الامتثال. " والحور " جمع حوراء قال الزمخشري الحور البياض " والعين " جمع عيناء وهي النجلاء العين في حسن وسعة وفيه ندب بناء المساجد. قال النووي: ويدخل فيه من عمره إذا استهدم فيتأكد بناءه وعمارته وإصلاح ما تشعب منه ويسن بناؤه في الدور والمراد بها كما قال ابن دقيق العيد القبائل. وفيه ندب كنسه وتنظيفه وتحريم تقذيره حتى بطاهر لأنه استهانة به <فائدة> أخرج أبو الشيخ [ابن حبان] من مسند عبيدة بن مرزوق كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها المصطفى فمر على قبرها فقال: ما هذا؟ قالوا أم محجن. قال: التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: نعم فصف الناس فصلى عليها ثم قال: أي العمل وجدت أفضل؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ فقال: ما أنتم بأسمع منها. ثم ذكر أنها أجابته: قم المسجد (طب) وكذا ابن النجار (والضياء) المقدسي (في) كتاب الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أبي قرصافة) بكسر القاف وفاء مخففة الكناني واسمه جندرة بن خيشنة نزل عسقلان روت عنه ابنته. رمز المؤلف لصحته. وإن تعجب فعجب رمزه مع حكم الحافظ المنذري بضعفه وإعلال زين الحفاظ العراقي في شرح الترمذي له بأن في إسناده جهالة وقول الحافظ الهيتمي وغيره في إسناده لكن المؤلف اغتر بتصحيح الضياء

стр. 73

٦٣ - (أبن) بفتح فكسر أمر من الإبانة أي أبعد (القدح) بالتحريك الإناء الذي تشرب منه (عن فيك) عند الشرب ندبا ولا تشرب كشرب البعير فإنه يتنفس عند الشرب فيه (ثم تنفس) فإنه أحفظ للحرمة وأبعد عن تغير الماء وأصون عن سقوط الريق فيه وأنفى عن التشبه بالبهائم في كرعها فالتشبه بها مكروه شرعا وطبا لكن هنا شيء ينبغي التفطن له وهو أن الأمر بالإبانة إنما هو فيمن لم يرو من نفس واحد بغير عب ذكره في المطلب والمفهم (هـ سموية) بفتح المهملة وشد الميم مضمومة ومثناة تحت مفتوحة وهو أبو بشر العبدي الفقيه الأصبهاني. قال ابن أبي حاتم ثقة مأمون وأبو نعيم من الحفاظ الفقهاء (في فوائده) الحديثية (هب) كلاهما (عن أبي سعيد) الخدري. رمز المؤلف لحسنه وفيه أمران: الأول أنه يوهم أنه لا يوجد مخرجا في أحد دواوين الإسلام الستة وإلا لما عدل لعزوه لسمويه لما مر عنه ولقول مغلطاي كغيره لا يجوز لحديثي أن يعدل عن الستة ويعزو حديثا لغيرها مع وجوده في شيء منها إلا إن كان فيه زيادة أو نحو ذلك مع أن هذا الحديث رواه مالك في الموطأ والترمذي في الأشربة عن أبي سعيد المذكور وصححه ولفظهما: " نهى عن ⦗٨٦⦘ النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرقها قال: فإني لا أروى في نفس واحد؟ قال: أبن القدح عن فيك ثم تنفس " انتهى. ورواه أيضا كذلك البيهقي في الشعب. الثاني أن رمزه لحسنه يوهم أنه غير صحيح وهو غير صحيح بل صحيح كيف هو من أحاديث الموطأ الذي ليس بعد الصحيحين أصح منه. وقال الترمذي: حسن صحيح وأقره عليه النووي وغيره من الحفاظ

стр. 74

٦٤ - (ابن آدم) منادى محذوف الأداة والابن من البناء لأنه مبني من أبيه ولذلك ينسب المصنوع لصانعه فيقال ابن حرب وبنت فكر وآدم أبو البشر قال القاضي والمراد من ابن آدم آدم وأولاده فكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والبشر وصدر به تنبيها للمنادى ليقبل بكليته على ما يلقى إليه (أطع ربك) مالكك الذي رباك بأنواع نعمه وصنوف كرمه ففي ذكره دون غيره تقريع للمكلف وتذكير بآلاء الله عليه (تسمى) أي تستحق أن تسمى (عاقلا) كامل العقل (ولا تعصه فتسمى جاهلا) لأن ارتكاب المعاصي مما يدعو إليه السفه والجهل لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل ومن ركب متن العصيان هو الجاهل السفيه عند أهل الإيمان. العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر رث الهيئة. والجاهل من عصاه وإن كان جميل المنظر شريف المنزلة حسن الزي فصوحا نطوقا. روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال: قال لي رسول الله ﵌: يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك قربا. قلت: من لي بالعقل؟ قال: اجتنب مساخط الله وأد فرائضه تكن عاقلا. ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلا ومن ربك قربا وغلبة وعزا " قال الحكيم: وإنما سمي العقل عقلا لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب نوره العقل وبصره في تلك الظلمة وأبصر صار عقالا للجهل. قال الغزالي فالقردة والخنازير أعظم عند الله ممن عصاه. فلا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين. وقال الزمخشري: من تضرر من مشقة صرف ساعة للطاعة فوقع بسبب ذلك التضرر في مشقة الأبد كان من أجهل الجاهلين فإن العاقل من قاده عقله إلى طاعة مولاه ولم يتابع نفسه وهواه: ما تبلغ الأعداء من جاهل. . . ما يبلغ الجاهل من نفسه وقال ابن القيم: مخالفة الرب تفسد العقل فإن للعقل نورا والمعصية تطفئه وإذا طفئ نوره ضعف ونقص. ولهذا قال حكيم: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله إذ لو حضره عقله حجزه عن العصيان وهو في قبضة الرب وتحت قهره وهو مطلع عليه وفي داره وعلى بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه وواعظ الإيمان بالموت والنار ينهاه فهل يقدم على الاستخفاف بذلك والاستهانة به ذو عقل؟ وأخذ أقضى القضاة الماوردي من الخبر أن من صرف فضل عقله إلى المكر والدهاء والشر كزياد وأضرابه من دهاة العرب أن الداهية منهم لا يسمى عاقلا لأن الخير والدين من موجبات العقل وإنما هذا يسمى صاحب رواية ومكر ومن ثم لما عزله عمر قيل له أعن موجدة أو جناية؟ قال: لا عن واحدة منهما إنما خفت أن أحمل الناس على فضل عقله. أرأيت أن الشجاع إذا زاد على حد الشجاعة نسب إلى التهور؟ والسخي إذا زاد على حد السخاء نسب إلى التبذير؟ والعقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم وقيل قوة يتميز بها الحسن عن القبيح وقيل العلم بالمدركات الضرورية وقيل غيرها ومحله القلب أو الدماغ (حل) من حديث علي بن زياد المتوتى عن عبد العزيز بن أبي رجاء عن سهل عن أبيه (عن أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري. ثم قال: غريب انتهى. وعبد العزيز قال في الميزان عن الدارقطني متروك له مصنف موضوع. ثم ساق له منه هذا قال عقبة في الميزان: هذا باطل وقد اقتصر المؤلف على الرمز لتضعيفه وكان الأولى حذفه

стр. 75

٦٥ - (ابن آدم عندك ما يكفيك) أي يسد حاجتك (وأنت تطلب) أي تحاول أخذ (ما يطغيك) أي يحملك على الظلم ومجاوزة الحدود الشرعية: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ فإذا كان عندك ما يكفيك حالا فاشكر نعمة ربك ولا تطلب ⦗٨٧⦘ زيادة تطغيك (ابن آدم لا بقليل تقنع) أي ترضى لفقر نفسك إلى الزيادة. " والقناعة " الرضا بما قسم وتطلق على الاكتفاء بقدر الضرورة وهو معنى قولهم القناعة الرضا باليسير. ولعل المراد هنا بقوله: " تقنع " لا بقيد القلة وإلا لكفى أن يقول لا تقنع ونكتة قصر القناعة على الرضا والنص على لفظ القلة معه رعاية الطباق بين القلة والكثرة المذكورة بقوله (ولا من كثير تشبع) وهو من أنواع البديع المستحسنة والباء في " بقليل " للمصاحبة ومن في " من كثير " بمعنى الباء ثم لما نعى عليه حاله وذم إليه خصاله حثه على الزهادة وبين له أن الكفاف مع الصحة والأمن محصل للغرض وزيادة فقال: (ابن آدم إذا أصبحت) أي دخلت في الصباح (معافى) أي سالما من الأسقام والآثام ومن قصره على الأول فقد قصر. والعافية السلامة ودفع البلاء والمكروه (في جسدك) بدنك. قال الراغب: والجسد كالجسم لكنه أخص فلا يقال الجسد لغير الإنسان أو الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء (آمنا) بالمد وكسر الميم (في شربك) بكسر فسكون نفسك أو بفتح فسكون مذهبك ومسلكك أو بفتحتين بيتك (عندك قوت يومك) ما يقوم بكفايتك في يومك وليلتك وخص اليوم لأنه يستتبعها أو لأن الليل غير محل للاقتيات. قال في الصحاح: القوت ما يقوم به البدن وفي المفردات ما يمسك الرمق (فعلى الدنيا العفا) بفتح المهملة والفاء كسماء الهلاك والدروس وذهاب الأثر. قال الزمخشري: ومنه قولهم عليه العفاء إذا دعا عليه لعفو أثره. والمعنى إذا كنت كذلك فقد جمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا فدع عنك ما عداه واشتغل بما يقربك إلى الله. قال الغزالي: مهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنه وبال عليهم ولا يشكرون نعمة الله فيها. ومر سليمان ﵇ على بلبل بشجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه. فقال: أتدرون ما يقول. قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاخية فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا. وقال صالح بن جناح لابنه: إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك ومالك وبدنك وعيالك فأكثر الشكر لله. فكم من مسلوب دينه ومنزوع ملكه ومهتوك ستره ذلك اليوم وأنت في عافية ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد وانكفوا بالورع عن الكد وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد وميز القريب من البعيد والشقي من السعيد والسادة من العبيد وهذا هو المهيع الذي قبض بسطة وجوه القلوب فلم يبق للعاقل حظ فيما زاد على كسرة تكسر شهوته وسترة تواري عورته وما زاد متجر إن أنفقه ربحه وإن ادخره خسره. وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى. وقد أفاد مطلع الحديث أن الصحة نعمة عظيم وقعها جزيل نفعها بل هي أجل النعم على الإطلاق وفي إشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له أن لا يغفل عن وعظ الناس إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترققه وأعمال تصدقه وإخلاص يحققه لترتفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكتسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصداء عن مرائي النفوس ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم وبلاغة تناسبه وبداعة ربطه وبراعة تلاحمه: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (عد هب) وكذا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار (عن ابن عمر) بن الخطاب ونقله عن ابن عدي وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه والأمر بخلافه. بل قال أبو بكر الداهري أحد رجاله كذاب متروك. وقال الذهبي: متهم بالوضع وهكذا هو في مسند البيهقي وذكر نحوه الحافظ ابن حجر فكان ينبغي حذفه

стр. 76

٦٦ - (ابن أخت القوم منهم) لأنه ينسب إلى بعضهم وهي أمه فهو متصل بأقربائه في كل ما يجب أن يتصل به ⦗٨٨⦘ كنصرة ومشورة ومودة وإفشاء سر ومعونة وبر وشفقة وإكرام ونحو ذلك. قال الطيبي: فمن اتصالية. ومن هذا التقرير تبين أنه لا حجة فيه لمن قال بتوريث ذوي الأرحام. قال ابن أبي جمرة: وحكمة ذكر ذلك إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلا عن أولاد الأخوات حتى قال قائلهم: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا. . . بنوهن أبناء الرجال الأباعد فقصد بالحديث التحريض على الألفة بين الأقارب. قال بعض الأعاظم: ومما يدل على أن الحديث ليس على عمومه أنه لو كان عاما جاز أن ينسب إلى خاله مثلا وكان معارضا للحديث الصحيح: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " إلى غير ذلك من الأحاديث المصححة المصرحة بالوعيد الشديد على ذلك فعلم أنه خاص وأن المراد به أنه منهم في الصلة والمعونة والمدافعة عنه. والابن من البناء لأنه مبنى أبيه كما مر. والأخت تأنيث الأخ وجعل التاء فيها كالعوض من المحذوف منه وهو الواو إذ أصله أخو (حم ق ت ن عن أنس) بن مالك (د) وكذا أحمد والطبراني (عن أبي موسى) الأشعري (طب) وكذا الضياء في المختارة (عن جبير) بضم الجيم مصغرا (ابن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين وبكسر الميم وكسر المهملة الثانية حكاه الكرماني وهو ابن عدي ابن نوفل القرشي من سادات قريش وأعاظمها. أسلم يوم حنين أو يوم الفتح وحسن إسلامه وكان حليما وقورا سيدا سندا (وعن ابن عباس) ترجمان القرآن (وعن أبي مالك) كعب بن عاصم أو عبيد أو عمرو أو الحارث (الأشعري) صحابي مشهور يعد في الشاميين ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم وزاد بيان السبب وهو أن النبي ﷺ قال لعمر: " اجمع لي من هنا من قريش فجمعهم ثم قال: أتخرج إليهم أم يدخلون؟ قال: أخرج فخرج فقال: يا معشر قريش هل فيكم من غيركم قالوا: لا إلا ابن أختنا فذكره. ثم قال: يا معشر قريش إن أولى الناس بي المتقون فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي " قال أبو البقاء: في من وجهان أحدهما زائدة والتقدير هل فيكم غيركم. الثاني صفة لموصوف محذوف أي أحد من غيركم كقوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ أي قوم مردوا على كل فالكلام تام وقولهم في الجواب إلا ابن أختنا يجوز رفعه على البدل ونصبه على الاستثناء

стр. 77

٦٧ - (ابن السبيل) أي المسافر والسبيل الطريق. قال في الكشاف: يذكران ويؤنثان سمي به للزومه له (أول شارب) من الشرب. قال الراغب: هو تناول كل مائع أو غيره قال مخرجه الطبراني وتبعه المؤلف (يعني) هو مقدم على المقيم من شربه (من) ماء بئر (زمزم) أي عند الازدحام لمقاساة المشاق وضعفه بالاغتراب واحتياجه إلى إبراد حر فراق الأحباب وظاهر قوله " من زمزم " أن هذه الأولية من خصائصها ولا كذلك ففي خبر البيهقي " ابن السبيل أحق بالماء والظل من الباني عليه " قال ابن الأثير: أراد أن ابن السبيل إذا مر بركية عليها قوم مقيمون فهو أحق بالماء منهم لأنه مجتاز وهم مقيمون. وأخرج البيهقي عن الحسن أن رجلا أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشا فأغرمهم عمر ديته (طس عن أبي هريرة) قال الهيتمي: رجاله ثقات وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير وحقه الرمز لصحته

стр. 78

٦٨ - (أبو بكر) عبد الله أمير الشاكرين أفضل من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء وفاقا من أهل السنة وإلزاما للشيعة بما في الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه خير الناس. أسلم وأبوه وابنه وحفدته ولم يسجد لصنم قط ولا شرب خمرا ⦗٨٩⦘ وحديث أنه شربها قبل تحريمها وقعد ينوح على قتلى بدر فنزلت آية التحريم باطل ولهذا كانت عائشة تدعو على من ينسبه إليه: تحيا بالسلامة أم بكر. . . فهل لي بعد قومي من سلام وتقول: والله ما قاله. ومن ثم قال الأشعري: لم يزل بعين الرضا وإنما ذكره بكنيته لأن اشتهاره بها أكثر (وعمر) الفاروق ذو المقام الثابت المأنوق الذي أعز الله به دعوة الصادق المصدوق وفرق به بين الفصل والهزل وأظهر نواميس الفضل والعدل وأيد بما قواه به من لوامع الطول المديد شواهق التوحيد فظهرت الدعوة ورسخت الكلمة بما منحه الله من الصولة حتى شيدت الدولة (سيدا كهول أهل الجنة) يعني الكهول عند الموت لأنه ليس في الجنة كهل إذ هو من ناهز الأربعين وخطه الشيب وأهل الجنة في سن ثلاث وثلاثين فاعتبر ما كانا عليه عند فراق الدنيا ودخول الآخرة كذا قرره القرطبي وغيره وهو غير قويم إذ لو اعتبر ما كانا عليه عند الموت لما قال كهول بل شيوخ لأنهما ماتا شيخين لا كهلين فالأولى ما صار إليه بعضهم من أن المراد بالكهل هنا الحليم الرئيس العاقل المعتمد عليه يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات على أن ما صار إليه أولئك من أن الكهل من ناهز الأربعين غير متفق عليه ففي النهاية الكهل من زاد عن ثلاثين إلى أربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى خمسين وفي الصحاح من جاوز الثلاثين وخطه الشيب نعم ذكر الحراني أن الكهولة من نيف وأربعين إلى نيف وستين وعليه يصح اعتبار ما كانا عليه قبل الموت (من الأولين والآخرين) أي الناس أجمعين. وهذا إطناب أتي به لقصد التعميم ودخول الكافة تحت حيطته إلا ما أخرجه بقوله (إلا) وفي رواية لكثيرين ما خلا (النبيين والمرسلين) زاد في رواية " يا علي لا يخبرهما " أي قبلي ليكون إخباري لهما أسر لهما لا أن ذلك لخوف الفتنة عليهما فقد أخبرهما بما هو أعظم ولم يفتتنا (حم ق) في المناقب (هـ عن علي) قال الصدر المناوي سنده سند البخاري (هـ عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح المهملة وسكون المثناة تحت وبالفاء السوائي بضم المهملة وخفة الواو وبالمد واسمه وهب بن عبد الله أو وهب بن وهب بن سواء بن عامر بن صعصعة ويقال له وهب الخير كان علي يحبه وولاه بيت المال (ع والضياء) المقدسي (في المختارة عن أنس) بن مالك (طس) وكذا الحاكم في تاريخه (عن جابر) بن عبد الله. قال الهيتمي رواه عن شيخه المقدام بن داود وقد ضعفه النسائي وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن أبي سعيد) الخدري. قال الهيتمي: فيه علي بن عابس وهو ضعيف. فرمز المؤلف لصحته ينزل على الطريق الأول أو مراده المتن

стр. 79

٦٩ - (أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس) أي هما مني في العزة كذلك أو هما من المسلمين بمنزلة السمع والبصر من البدن أو منزلتهما في الدين بمنزلتهما في البدن ويرجح الأخير بل تعينه رواية أبي نعيم: " أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس " قال القاضي: وإنما وصفهما بذلك لشدة حرصهما على استماع الحق واتباعهما وشدة حرصهما على النظر في الآيات في الأنفس والآفاق والتأمل فيها والاعتبار بها انتهى. وذلك منه إشارة إلى وجه حكمة تخصيص السمع والبصر دون غيرهما من الحواس والجوارح وقد عمل أبو بكر في الردة ما لم يلحقه فيه أحد ولم يكن بعده ردة مثلها إلى الآن فبعلمه رد الله الإسلام إلى الأمة فيا لها من فعلة توازي عمل الأمة. ومن ثم وزن بهم فرجحهم أما علمت أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ثم لم يجد مهلة حتى يمهد الإسلام ويجلى غريبه ويوضع المعالم ويمصر الأمصار ففعل ذلك عمر حتى ضرب الناس بعطن وأوسع منهل الدين وذلك ليس لأحد إلى مثله من سبيل. وعثمان وإن كان أحيى الأمة وعلي وإن كان أقضى الصحابة والأقضى كما قال السمهودي وغيره أعلم لكنهما وجدا الأمر مفروغا منه فلم يبق إلا التمسك به فبذلك اتضح قول الخبر هما مني بمنزلة السمع والبصر. " والبصر " إدراك العين ويطلق على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع (ع) وكذا الحاكم في تاريخه (عن ⦗٩٠⦘ المطلب) بفتح الطاء المشددة (ابن عبد المطلب بن حنطب) بفتح المهملة وسكون النون وطاء مهملة مفتوحة المخزومي روى عن أبيه وأبي هريرة. وعنه ابناه. قال أبو زرعة: ثقة. وفي التقريب: صدوق كثير التدليس (عن أبيه) عبد الله قال الذهبي: قيل له صحبة ونفاها الترمذي. وقال في التقريب: مختلف في صحبته وله حديث مختلف في إسناده وهو هذا (عن جده) حنطب بن الحارث بن عبيد المخزومي أسلم يوم الفتح (قال) الحافظ أبو عمرو (بن عبد البر) النمري في الاستيعاب: (وماله) حديث (غيره) . قال في الإصابة: واختلف في إسناده اختلافا كثيرا انتهى. وفي أسد الغابة حنطب هذا له حديث واحد إسناده ضعيف وهو هذا (حل) وكذا ابن النجار (عن ابن عباس) وفيه الوليد بن الفضل عن عبد الله بن إدريس. قال الذهبي في الضعفاء: مجهول واه (خط عن جابر) ابن عبد الله لكن بلفظ " أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس " ورواه الطبراني أيضا قال الهيتمي ورجاله ثقات انتهى. فكان ينبغي للمؤلف عزوه إليه

стр. 80

٧٠ - (أبو بكر خير الناس) لفظ رواية من عزاه له المؤلف: " أبو بكر خير الناس بعدي " وهكذا حكاه عنهم في الكبير فسقط من قلم المؤلف لفظ بعدي وفي رواية: " خير أهل الأرض " (إلا أن يكون) أي يوجد (نبي) فلا يكون خير الناس يعني هو أفضل الناس إلا نبي والمراد الجنس. ويكون هنا تامة ونبي مرفوع بها وجواب أن محذوف كما تقرر وهذه البعدية رتبية ويمكن جعلها زمانية والاستثناء لإخراج عيسى وكذا الخضر إن قلنا بما عليه الجمهور أنه نبي (طب عد) وكذا الديلمي والخطيب عن عكرمة بن عمار بن إياس بن سلمة (عن سلمة) بفتح المهملة واللام بن عمرو (بن الأكوع) بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو ومهملة واسم الأكوع سنان أحد من بايع تحت الشجرة كان راميا مجيدا يسبق الفرس. ثم قال مخرجه ابن عدي: هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة. وقال الهيتمي بعد عزوه للطبراني: فيه إسماعيل بن زياد الأبلي ضعيف انتهى. وفي الميزان: تفرد به إسماعيل هذا فإن لم يكن هو وضعه فالآفة ممن دونه

стр. 81

٧١ - (أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار) أي الكهف الذي بجبل ثور حين الهجرة كما قال الله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ قالوا: من أنكر صحبة الصديق كفر لإنكاره النص الجلي. وفيه وما قبله جواز التكني بأبي فلان وإن لم يكن اسم ابنه إذ لم يكن لأبي بكر ابن اسمه بكر ولا يشترط للجواز كونه ذا ولد فقد كنيت عائشة بأم عبد الله ولم تلد وكنى المصطفى ﷺ الصغير فقال يا أبا عمير ما فعل النغير. قال النووي في تهذيبه: ويستحب أن يكنى أهل الفضل من العلماء وغيرهم والتكنية نوع تفخيم للمكنى وإكرام له ومن ثم اختلف في حل كنية الكافر على أقوال ثالثها يجوز للذمي لا الحربي. قال: ويحرم تكنية الإنسان بما يكرهه سواء كان صفة له أو لأحد أصوله أو غير ذلك إلا إن تعين للتعريف وهل الأفضل الاسم أو الكنية قولان في المطامح عن مالك. قال الراغب: والصاحب الملازم إنسانا أو غيره زلا فرق بين كون مصاحبته بالبدن وهو الأصل أو بالعناية والهمة ولا يقال عرفا إلا لمن كثرت ملازمته <تنبيه> قضية تصرف المؤلف أن سياق الحديث هكذا فحسب والأمر بخلافه بل سقط من قلمه بعضه ولفظه عند مخرجه الذي عزاه إليه: " أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا ذلك كله فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " ثم قال: (سدوا كل خوخة) باب صغير (في المسجد) النبوي صيانة له عن التطرق. وقال الزمخشري: الخوخة مخترق بيتين ينصب عليهما باب. وقال مرة ⦗٩١⦘ أخرى: الباب الصغير على الباب الكبير. وقال ابن حجر: الخوخة طاقة في الجدار تفتح للضوء ولا يشترط علوها وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى محل مطلوب وهو المقصود هنا ولهذا أطلق عليها باب في بعض الروايات (غير) وفي رواية البخاري " إلا " (خوخة أبي بكر) فلا تسد تكريما له وإظهارا لتميزه بين الملأ. ثم هذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أهل المنازل الملاصقة للمسجد قد جعلوا لبيوتهم مخترقا يمرون فيه إلى المسجد أو كوة ينظرون منها إليه فأمر بسدها وترك خوخة أبي بكر إعظاما له ثم رمز للناس في ضمن ذلك إلى شأن الخلافة وإن أريد بها المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب القالة دون التطرق إليها والتطلع نحوها. قال بعضهم: والمجاز أقوى إذ لم يصح أن أبا بكر كان منزله بلصق المسجد بل بعوالي المدينة فالقصد بالأمر بالسد سد طرق منازعته في الخلافة على طريق الاستعارة. وتعقبه المحب الطبري بأنه كان له أيضا دار بلصق المسجد كما رواه عمر بن شيبة في تاريخ المدينة ثم إن ما ذكر عورض بما في عدة أخبار. قال ابن حجر في موضع بأسانيد قوية وفي آخر برجال ثقات من الأمر بسد كل باب في المسجد إلا باب علي وفي بعضها للطبراني: " قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها " ولأحمد والنسائي والحاكم: " سدوا هذه الأبواب إلا باب علي فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله ﷺ : إني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته " قال ابن حجر: ورجال الكل ثقات وللطبراني عن ابن سمرة " أمرنا رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي فربما مر فيه وهو جنب: وللنسائي من طريق العلاء بن عرار قلت لابن عمر أخبرني عن علي وعثمان فذكر الحديث وفيه: " وأما علي فلا تسأل عنه أحدا وانظر إلى منزلته من رسول الله ﷺ سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه " قال ابن حجر: ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء. وقد وثقه ابن معين وغيره قال: فهذه أحاديث كل طريق منها صالح للاحتجاج فضلا عن مجموعها. وقد أورد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات بتوهمه معارضتها لحديث أبي بكر مع أنه قد جمع منهم البزار والكلاباذي والطحاوي بأن سد الأبواب وقع مرتين ففي الأولى استثنى باب علي لأن بابه كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته غيره فلما أمروا بسدها سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول للمسجد منها فأمروا بعد بسدها غير خوخة أبي بكر (عم) وكذا الديلمي وابن مردويه (عن ابن عباس) . قال في الفتح: رجاله ثقات

стр. 82

٧٢ - (أبو بكر مني وأنا منه) أي هو متصل بي وأنا متصل به فهو كبعضي في المحبة والشفقة والطريقة أو هو عندي بمكان جليل أو هو بمكان مني في المودة وأنا منه بمكان فيها (وأبو بكر أخي) أي هو في القرب مني واللصوق بي كالأخ من النسب وزاد قوله (في الدنيا والآخرة) إشارة إلى كمال الارتباط وعدم الافتراق إلى الأبد وأصل الأخ المشارك في الولادة والرضاع ويستعار لكل مشارك لغيره في فضيلة أو دين أو صنعة أو معاملة أو مودة أو غير ذلك من المناسبات ذكره الراغب. " والدنيا " تأنيث الأدنى " والآخرة " تأنيث الآخر غلبتا على الدارين فجريا مجرى الأسماء (فر عن عائشة) رمز لضعفه وليس يكفي منه ذلك بل كان ينبغي حذفه إذ فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة. قال الذهبي في الضعفاء: كذبوه. وفي الميزان عن أبي حاتم: كان يكذب وعن الدارقطني: يضع الحديث. ثم رأيت المؤلف نفسه تعقبه بذلك في الأصل فقال فيه عبد الرحمن بن جبلة كذبوه

стр. 83

٧٣ - (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان) بن عفان (في الجنة) أمير المؤمنين وأمه بنت عمة النبي ﷺ وهو أصغر من النبي بست سنين. قال ابن سيرين: كثر المال في زمنه حتى يبعث جارية بوزنها وفرس بمئة ألف ونحلة بألف درهم ذبح صبرا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وله نيف وثمانون سنة وفضائله كثيرة (وعلي) بن أبي طالب (في الجنة ⦗٩٢⦘ وطلحة) بن عبد الله التيمي (في الجنة) قتل يوم الجمل ومناقبه ستجيء (والزبير) بن العوام حواري رسول الله وابن عمته (في الجنة) كيف لا وهو أول من سل سيفا في سبيل الله قبل بوم الجمل (وعبد الرحمن بن عوف) ابن عبد عوف بن عبد الحارث (في الجنة) بدري ذو هجرتين صلى النبي ﷺ خلفه في غزوة تبوك. قال الزهري: تصدق بأربعين ألف دينار وحمل على خمس مئة فرس في سبيل الله وكان عامة ماله من المتجر ومرض عثمان فعهد له بالخلافة فمات قبله عن خمس وسبعين سنة ونسبه ومن بعده إلى الأب دون من قبله لأن لأولئك من كمال الشهرة ومزيد الرفعة ما يزيد على غيرهم ولهذا كان أفضل العشرة الأربعة ثم طلحة والزبير ثم بقية العشرة (وسعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب بن عيد مناف بن زهرة (في الجنة) كيف لا وهو فارس الإسلام أسلم سابع سبعة مات سنة خمس وسبعين (وسعيد بن زيد في الجنة) هو العدوي من السابقين الأولين أسلم هو وزوجته فاطمة بنت الخطاب قبل عمر مات سنة إحدى وخمسين (وأبو عبيدة) عامر بن عبد الله (بن الجراح في الجنة) وهو أمين هذه الأمة قتل أباه كافرا غضبا لله ولرسوله وقد سلك المصطفى ﷺ مسلك الإطناب حيث لم يقتصر على ذكر الجنة آخرا " قصدا " للكشف بعد الكشف والإيضاح غب الإيضاح ردا على الفرق الزائغة الطاغية الطاعنة في بعضهم. وكما يجب علي التبليغ في مكان الإجمال والإيجاز أن يحمل ويوجز فكذا الواجب في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع يرمون بالخطب الطوال وتارة. . . وحي الملاحظ خفية الرقباء قال بعض المحققين: والتبشير بالجنة لا يلزم منه الأمن من البعد عن كمال القرب وإنما اللازم الأمن من النار على أن الوعد لا يمنع الدهشة والحيرة والخوف عند الصدمة الأولى ومن ثم كانوا باكين خاشعين خائفين من سوء العاقبة سائلين العافية لاحتمالات باقية. فإن قلت: ينافي هذا الحديث ما في مسلم في الفضائل عن سعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحي يمشي أنه في الجنة إلا لعبد الله بن سلام؟ قلت: لا منافاة لاحتمال أن حديثنا مما لم يسمعه سعد وسمعه غيره. قال ابن جرير: وفيه جواز الشهادة بالجنة لغير نبي وفساد قول من أنكر جوازها لأحد بعد النبي وما ورد في آثار من النهي عنه إنما هو في غير من شهد الله ورسوله له بها. قال: وقد ورد نص من النبي ﵌ بالبشارة والشهادة بالجنة لغير العشرة أيضا كالحسنين وأمهما وجدتهما وجمع من الصحب أكثر من أن يحصوا انتهى. فتبين أنه لا تدافع بين هذا وبين تبشير العشرة لأن العدد لا ينفي الزائد ولأن العشرة خصوا بأنهم بشروا بها دفعة واحدة وغيرهم وقع مفرقا وقد شهد الله لأهل بيعة الرضوان بأنه رضي عنهم وهو بشارة بالجنة (حم والضياء) المقدسي في المختارة وأبو نعيم وابن أبي شيبة وغيرهم (عن سعيد بن زيد) بن عمرو بن نفيل (ت) وكذا أحمد ولعله أغفله سهوا وأبو نعيم في المعرفة كلهم من حديث عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه (عن) جده (عبد الرحمن بن عوف) الزهري وعبد الرحمن هذا تابعي ثقة إمام وأبوه حميد أحد سادات التابعين ومشاهيرهم خرج لهما الجماعة. قال ابن حجر: يكفي من مناقبه هذا الحديث الحسن وحده فكيف مع كثرتها؟ ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده ٧٤ - (أبو سفيان) بتثليث السين واسمه المغيرة (بن الحارث) ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة وأكبر ولد عبد المطلب كان يألف النبي ﷺ قبل البعثة فلما بعث عاداه وهجاه وصار من أشد الناس عليه ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه (سيد فتيان أهل ⦗٩٣⦘ الجنة) أي شبابها الأسخياء الكرماء وهذا عام مخصوص بغير الحسنين ونحوهما لأدلة أخرى توفي بالمدينة سنة عشرين وحفر قبره قبل موته بثلاث سنين بنفسه (ابن سعد) في طبقاته (ك) في المناقب (عن عروة) بضم أوله ابن الزبير ابن العوام تابعي كبير فقيه مجمع على جلالته وإمامته وهو أحد الفقهاء السبعة صام الدهر ومات وهو صائم سنة ثلاث أو أربع وتسعين (مرسلا) رواه ابن سعد باللفظ المذكور بلفظ: " سيد فتيان أهل الجنة " فلعل عروة سمعه مرتين ورواه الحاكم والطبراني موصولا بلفظ: " أبو سفيان بن الحارث خير أهل الجنة " قال الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي

стр. 84

٧٥ - (أتاكم) جاءكم أيها الصحابة وفي رواية لمسلم " جاء " (أهل اليمن) أي طائفة منهم وهو وفد الأشعريين ثم وفد حمير قدموا عليه بتبوك واليمن اسم لما عن يمين القبلة من بلاد الغور (هم أضعف قلوبا) أعطفها وأشفقها وفي رواية للشافعي: " ألين قلوبا " جمع قلب وهو القوة المدركة أو العقل أو العضو يعني اللحم الصنوبري النابت بالجنب الأيسر بناء على مذهب المتكلمين من أنه محل العلم والقوة المدركة قائمة به لا بالدماغ (وأرق أفئدة) ألينها وأسرعها قبولا للحق واستجابة للداعي لأنهم أجابوا إلى الإسلام بدون محاربة للين قلوبهم بخلاف أهل المشرق فهو وصف لهم بسلامة الفطرة إذ القلب القاسي لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ولا يقبل الآيات إلا من لان قلبه فهو إلى نظر ما في الغيوب أقرب فهما في تفتيق خلال الحجب عن معرفة المراد " والفؤاد " وسط القلب أو غشاؤه أو عينه وصفه بوصفين إشارة إلى أن بناء الإيمان على الشفقة والرأفة على الخلق فمن كان في هذه الصفة أصفى قلبا كان للحكمة أهلا والمراد باللين خفض الجناح والاحتمال وترك الترفع إذ لا يظهر هذا الجلال إلا فيمن لان قلبه وقد قال ﷺ " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " فنتج أن أهل اليمن أكمل الناس إيمانا وأن الحكمة من أوصاف من كمل إيمانه. قال بعض العارفين: وهذا مدح رفيع اختص به أهل اليمن وإنما يلين القلب لرطوبة الرحمة لأن المعرفة لا ينالها عبد إلا برحمة الله فإذا لان القلب برطوبة الرحمة ورق الفؤاد بحرارة النور ضعف القلب وذبلت النفس فمن لان قلبه أجاب داعي الإيمان بنور الرحمة الذي ناله ومن لم ينله قسا قلبه وعسر انقياده كغصن شجرة يابسة إذا مددته تكسر انتهى. وهذه صفة خواصهم دون عوامهم الذين أجابوا الأسود العنسي وطليحة الأسدي لما ادعيا النبوة على أن أراد به في خصوص هذه الرواية قوما بأعيانهم فأشار إلى من جاء منهم إلى بلدهم كما ذكره ابن حجر. قال: وأبعد الحكيم الترمذي حيث زعم أن المراد به واحد هو أويس القرني. ولما وصفهم بالعطف والشفقة والرقة المقتضية لكمال الإيمان أشار إلى أن ثمرة ذلك الفهم والحكمة بقوله (الفقه) أي الفهم في الدين أو أعم. قال الراغب: " الفقه " التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ (يمان) أي يمني فالألف فيه عوض عن ياء النسبة (والحكمة) قال القاضي: هي اشتغال النفس الإنسانية باقتباس النظريات وكسب الملكة التامة والمداومة على الأفعال الفاضلة بقدر الطاقة البشرية ولما لم يشمل تعريفه حكمة الله. قال بعض المحققين: الحكمة العلم بالأشياء كما هي والعمل بها كما ينبغي. قال ابن حجر أخذا من كلام النووي: والمراد بها هنا العلم المشتمل على المعرفة بالله. وقال في موضع آخر: أصح ما قيل فيها أنها وضع الشيء في محله (يمانية) بتخفيف الياء وتشدد كما قيل في الاقتضاب وحكاه المبرد وغيره لغة نادرة فلما كانت قلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة وكانت الخلتان منتهى هممهم نسب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم ومساقط رؤسهم كنسبة الشيء إلى مقره ومن اتصف بشيء نسب إليه إشعارا بكماله فيه وإن شاركه غيره في ذلك الكمال. وقال ابن حجر: يحتمل أن المراد أن الإيمان يتأخر باليمن بعد فقده من جميع الأرض ⦗٩٤⦘ حتى تقبض الريح الطيبة أرواح المؤمنين وزعم أن المراد هنا الأنصار لأنهم يمانية أصالة فنسب الإيمان والحكمة إليهم رد بأن المخاطب بقوله: " أتاكم الصحب " كما تقرر وجمهورهم أهل الحرمين وما حولهما فعلم أن المبشر بهم غير المخاطبين (ق ت عن أبي هريرة) وروياه عنه أيضا من وجه آخر بلفظ: " هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم "

стр. 85

٧٦ - (أتاني جبريل) كفعيل بالكسر وفيه نحو عشرين وجها وهو سرياني معناه عبد الرحمن أو عبد العزيز كما صح عن الحبر وإيل اسم الله عند الأكثر. قال البيهقي: واسمه وإن كان أعجميا لكنه موافق لمعناه العربي إذ الجبر إصلاح ما وهي وهو موكل بالوحي المصلح لما وهي من الدين (بالحمى) باؤه للتعدية وهي حرارة بين الجلد واللحم والعظم أنواعها متكثرة (والطاعون) بثرة مع لهب واسوداد من مادة سمية من وخز الجن. قال الزمخشري: هو من الطعن لأنهم يسمون الطواعين رماح الجن (فأمسكت) حبست (الحمى بالمدينة) النبوية لكونها لا تقتل غالبا بل قد تنفع كما بينه ابن القيم. وهذا كان أولا ثم لما رأى ما أصاب أصحابه حين هاجروا إليها من حماها من البلاء والسقم دعى الله فنقلها إلى الجحفة حتى صارت لا يمر بها طائر إلا حم وسقط كما يجيء لكن بقيت منها البقية للتكفير كما يدل له خبر ابن ذبالة مرفوعا فإنه يؤذن كما قال السمهودي ببقاء شيء منها بها كما هو الآن فالذي نقل سلطانا أو أعيد الخفيف منها للتكفير (وأرسلت الطاعون إلا الشأم) كالرأس همزا وتخفيفا وأنكر ابن الأثير المد يذكر ويؤنث إقليم معروف عن شمال القبلة يشتمل على بلاد قاعدتها دمشق سميت به لأن بأرضها شامات ملونة أو لكونها عن شمال القبلة وزعم أنها سميت بسام بن نوح لكونه أول من اختطها رده ابن جماعة بتصريح جمع بأنه لم يدخلها والله قادر على تصوير المعاني المعقولة بهيئة الأجسام المشخصة وخص الشام بإرساله لأنه كان بها في قصة الجبابرة مع موسى ولأنها أخصب الأرض والخصب مظنة الآشر والنظر فجعل بها ليزجرهم عن المنهيات ويقودهم للمأمورات وهذا لم يزل به سلطانها ومن ثم قالوا لا طواعين كطواعين الشام (فالطاعون شهادة) أخروية (لأمتي) أمة الإجابة (ورحمة لهم) أي مغفرة لذنوبهم ورفع لدرجاتهم بشروط تأتي (ورجز) وفي رواية " رجس " أي عذاب نشأ عن غضب. قال الزمخشري: من ارتجز اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب (على الكافرين) وفي رواية " الكافر " والمراد به الجنس ولكون هذا كالتتمة والرديف لما قبله لم يراع تمام المقابلة بقوله " ونقمة لهم " قال ابن حجر: هذا يدل على أنه اختارها على الطاعون وأقرها بالمدينة ثم دعا الله فنقلها بالجحفة كما في الصحيحين وبقي منها بقية ولا يعارضه الدعاء برفع الوباء عنها لندرة وقوعه فيها بخلاف الطاعون لم ينقل قط أنه دخلها انتهى. وخص الجحفة بنقلها إليها لأنها كانت مساجد اليهود واستشكل نقل الحمى إليها مع جعلها ميقاتا للحج وأجيب بأنه لما علم من قواعد الشرع أنه لا يأمر بما فيه ضرر وجب حمل ذلك على أنها انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها (حم وابن سعد) في الطبقات والطبراني والحاكم في الكنى والبغوي والماوردي وأبو نعيم وابن عساكر (عن أبي عسيب) بمهملتين كعظيم ويقال عصيب بصاد مهملة مولى المصطفى له صحبة وسماع ورواية واسمه أحمد. قال الهيتمي: رجال أحمد ثقات ولذلك رمز المؤلف لصحته

стр. 86

٧٧ - (أتاني جبريل) لم يقل قال لي جبريل إيذانا بأنه أمر يهتم به بحيث أتاه تلك المرة خصوص ذلك القول اهتماما بشأنه فلم يكن ذكره له بطريق العرض في أثناء حديث فاوضه فيه وفي رواية للبخاري: " عرض لي في جانب ⦗٩٥⦘ الحرة (فقال: بشر أمتك) أمة الإجابة بقرينة ذكره البشارة ولو قال قل لأمتك لصلح لإرادة العموم (أنه) أي الشأن (من مات لا يشرك بالله شيئا) أي غير مشرك به شيئا فهو نصب على الحال من ضمير مات واقتصر على نفي الشرك لظهوره في ذلك الزمن والمراد مصدقا لما جاء به الشرع من كل ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي وتفصيلا في التفصيلي وجواب الشرط (دخل الجنة) أي عاقبة أمره دخولها وإن مات مصرا على الكبائر ودخل النار (قلت يا جبريل) ناداه ليقبل على استماع سؤاله فيجيبه ويتلذذ بذكر اسم الجبيب (وإن سرق وإن زنى) أي أيدخل الجنة وإن سرق وإن زنى؟ ففيه استفهام مقدر ووجه الاستفهام ما تقرر عنده قبل ذلك من الآيات الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار فلما سمع أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة أستفهم عن ذلك بقوله " وإن " إلى آخره (قال نعم) يدخلها وإن فعل ذلك وإنما بشره جبريل بذلك بأمر تلقاه عن ربه فكأنه تعالى قال له بشر محمدا أن من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن وقع منه ذلك ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث. باب كلام الرب مع جبريل ثم أورده (قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم) كرر الاستفهام استثباتا واشتياقا واستعظاما لشأن الدخول مع مباشرة الكبائر أو تعجبا منه واقتصر من الكبائر على ذينك لأن الحق إما لله أو للعباد فأشار بالزنا إلى الأول وبالسرقة إلى الثاني وبين أن دخول الجنة لا يتوقف على تجنبهما. قال السكي: وآثر ذكر السرقة على القتل مع كونه أقبح لكثرة وقوعها وقلة وقوع القتل فآثر ما يكثر وقوعه لشدة الحاجة للسؤال عنه على ما يندر. قال: والأحاديث الدالة على دخول من مات غير مشرك الجنة يبلغ القدر المشترك منها مبلغ التواتر وهي قاصمة لظهور المعتزلة الزاعمين خلود أرباب الكبائر في النار ثم أكد جبريل ما ذكره تتميما للمبالغة بقوله: (وإن شرب الخمر) فإن شربها لا يمنعه من دخولها ونص عليه إشارة إلى نحوسة هذه الكبيرة وفظاعتها لأنها تؤدي إلى خلل العقل الذي شرف به الإنسان على غيره من الحيوان وبوقوع الخلل فيه يزول التوقي الحاجز عن ارتكاب بقية الكبائر فأعظم به من مفسدة ومع ذلك يدخل شاربه الجنة وفيه إشعار بأن مجيء جبريل وإخباره بذلك كان بعد تحريمها (حم ت) وقال صحيح (ن جب عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة أو يزيد بن عبد الله أو زيد بن جنادة أو جندب بن عبد الله أو جندب بن يشكر أو غير ذلك والأصح الأول من أكابر الصحابة وأفاضلهم وقدمائهم

стр. 87

٧٨ - (أتاني جبريل) وفي رواية عرض لي الظهر (فبشرني) أخبرني بما يسرني بأن قال لي (من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا) أي وشهد بأنك رسوله ولم يذكره اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر لما مر (دخل الجنة) وإن لم يتب ولم يعف عنه (فقلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق) وارتكب كل كبيرة واقتحم كل فجور فلا بد من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار الدالة على أنه لا يبقى في النار موحد فالكبائر لا تسلب الإيمان ولا تحبط الطاعة إذ لو كانت محبطة موازنة أو غيرها لزم أن لا تبقى لبعض الزناة أو السراق طاعة والقائل بالاحباط يحيل دخول الجنة وبما تقرر آنفا علم أن جواب أن محذوف لدلالة الواو عليه لأنها ترد الكلام على أوله ولو سقطت الواو لكان الزنا والسرقة شرطا في دخول الجنة فالمعنى وإن زنى وإن سرق لم يمنعه ذلك من دخولها ثم إن في اختلاف هذا الحديث وما قبله زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا مع اتحاد الصحابي إما لأنه سمعه من المصطفى مرتين كذلك ⦗٩٦⦘ أو حكاه بلفظه مرة وبمعناه أخرى وسكت عن الخمر في إحدى الروايتين سهوا أو لعروض شاغل (تتمة) سئل شيخ الطائفة الجنيد: هل يسرق العارف؟ قال: لا قيل: فهل يزني؟ فأطرق مليا ثم قال: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ . <تنبيه> قال بعض المحققين: قد تتخذ البطلة أمثال هذه الأخبار ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل ظنا أن ترك الشرك كاف وهذا يستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود وأن الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية لا أثر له فتفضي إلى الانخلاع من الدين وانفكاك قيد الشريعة والخروج عن الضبط والولوج في الخبط وترك الناس سدى هملا وذلك مفض إلى خراب الدنيا والآخرة مع أن قوله في بعض طرق الحديث " أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا " يتضمن اشترط العمل فيجب ضم بعض الأحاديث إلى بعض فإنها كالحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها انتهى. وهذه قعقعة لا حاجة إليها مع ما قررناه أنفا أن كل من مات مؤمنا دخل الجنة فإن كان تائبا أو سليما من المعاصي دخلها وحرم على النار وإلا فيقطع بدخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه كما قال النووي أنه مذهب أهل السنة قال الطيبي: وهو قانون عظيم في الدين وعليه مبني قواعد الجماعة أن الحسن والقبح شرعيان وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (ق عن أبي ذر) قال: واللفظ للبخاري. سببه " كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرة بالمدينة فاستقبلنا أحدا فقال: يا أبا ذر ما يسرني أن عندي مثل هذا ذهبا يمضي علي ثلاث وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله وخلفه ثم قال: مكانك لا تبرح حتى آتيك ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عرض له فأردت أن أتبعه فذكرت قوله لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني فقلت: سمعت صوتا تخوفت منه قال: وهل سمعته قلت: نعم قال: ذاك جبريل أتاني " فذكره

стр. 88

٧٩ - (أتاني جبريل) في حجة الوداع (فقال يا محمد كن عجاجا) رافعا صوتك بالتلبية (ثجاجا) بالتشديد فيهما سيالا لدماء الهدي بأن تنحرها أو المراد الأمر بالحج نفسه أي حج الحج الذي فيه العج الثج وأراد بهما الاستيعاب فابتدأ بالإحرام الذي هو الإهلال وختم بالتحلل الذي هو إهراق دماء الهدي فاقتصر بالمبدأ والمنتهى عن جميع الأعمال. والمعنى كن حاجا حجا تستوعب فيه جميع أعماله من أركان وشروط وآداب. أفاده بعض الأعاظم (حم والضياء) المقدسي وكذا الطبراني وابن لال والديلمي (عن السائب بن خلاد) ابن سويد الخزرجي الكعبي المدني له صحبة ولي إمارة اليمن لمعاوية. قال الهيتمي: فيه ابن اسحاق ثقة لكنه مدلس

стр. 89

٨٠ - (أتاني جبريل فقال يا محمد) صرح باسمه تلذذا بذكره وتيمنا وإشعارا بكونه محمودا في الملأ الأعلى (كن عجاجا بالتلبية) أي رافعا صوتك بقول لبيك اللهم لبيك أي إجابة بعد إجابة ولزوما لطاعتك بعد لزوم فالتثنية للتأكيد لا تثنية حقيقية وأصل التلبية إجابة النداء. وهي من آداب الخطاب تدل على تعظيم الداعي في إجابته (ثجاجا بنحر البدن) المهداة أو المجعولة أضحية " والعج " بفتح المهملة وشد الجيم رفع الصوت بالدعاء أو غيره " والثج " بفتح المثلثة وشد الجيم إراقة دم الذبيحة " والبدنة " من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة للذكر والأنثى. وفيه كالذي قبله ندب رفع الصوت بالتلبية في النسك للرجل لكن بحيث لا يتأذى ولا يؤذي وإلا كره لخبر: " اربعوا (١) على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " ويكثر منها مادام محرما وتتأكد لتغاير الأحوال كصعود وهبوط واجتماع وافتراق وبعد كل صلاة ولو نفلا وإقبال ليل أو نهار وتقتصر المرأة والخنثى على إسماع نفسها فإن جهرت كره ولا يزيد على تلبية المصطفى وهي: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " فإن زاد لم ⦗٩٧⦘ يكره عند الشافعي (القاضي عبد الجبار) بن أحمد الهمداني. قال الرافعي: ولي قضاء قزوين وغيرها واعتنى به الصاحب ابن عباد وسأله تقليدا أطنب فيه كعادته وكان شافعيا في الفروع معتزليا في الأصول وأملى عدة أحاديث وصنف كثيرا في التفسير والكلام. قال الخليل: كنيت عنه وكان ثقة في حديثه لكنه داع إلى البدعة لا تحل الرواية عنه. وقال التوحيدي: خبيث المعتقد قليل اليقين انتهى. وبه ضعف الحديث (في أماليه) الحديثية (عن ابن عمر) بن الخطاب وكذا رواه عنه الإمام الرافعي في تاريخ قزوين بإسناده ولو عزاه المؤلف إليه لكان أولى

стр. 90

٨١ - (أتاني جبريل فأمرني) عن الله تعالى بدليل الرواية الآتية أمر ندب (أن آمر أصحابي ومن معي) عطفه على أصحابه دفعا لتوهم أن مراده بهم من صحبه وعرف به لطول ملازمته وخدمته دون من رافقه واتبعه وقتا ما فجمع بينهما ليفيد أن مراده بهم من صحبه ولو في وقت حتى من لم يره إلا مرة فالعطف لزيادة الاهتمام بشأن تعليمهم إذ من قرب عهده بالإسلام أو بالهجرة أحق بتأكيد الوصية والتعريف بالسنة والإعلام بالأحكام وأما الخواص فمظنة الإطلاع على خفايا الشريعة ودقائقها واحتمال إرادة المعية في الدين ساقط وفي رواية لمالك والشافعي أو من معي بأو بدل الواو شك من الراوي وتجوز ابن الأثير كون الشك من النبي ﷺ لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه ركيك متعسف (أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) إظهارا لشعائر الإسلام وتعليما للجاهل ما هو مندوب في ذلك المقام. قال ابن العربي: وذلك أنهم كانوا يوقرون المصطفى ويمتثلون ما أمروا به من خفض الصوت في التكبير والتسبيح في السفر فاستثنى لهم التلبية من ذلك فصاروا يرفعون أصواتهم بها جدا روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما في الفتح كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم وأخرج أيضا بإسناد صحيح عن بكر المزني كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين قالوا: ومعنى التلبية كما في حديث ابن عباس وغيره إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج فأجابوه وهم في الأصلاب والأرحام ومن لم يجبه لم يحج وفيه مشروعية التلبية تنبيها على إكرام الله لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه وقوله بالتلبية هي رواية النسائي وفي رواية الترمذي وابن ماجه بدله بالإهلال ولأبي داود بالتلبية أو بالإهلال يريد أحدهما (حم ٤ حب ك) وصححه (هق) وكذا مالك والشافعي والضياء في الحج (عن السائب بن خلاد) بن سويد الخزرجي قيل بدري واعترض قال الترمذي: حسن صحيح قال ابن العربي: هذا مع أنه رواه موسى بن عقبة عن المطلب فربك أعلم فلذلك لم يدخله البخاري في صحيحه وأدخل حديث أبي قلابة عن أنس وقال ابن حجر: رجاله ثقات لكن اختلف على التابعي صحابيه

стр. 91

٨٢ - (أتاني جبريل فقال لي: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك) ندبا (أن) أي بأن (يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج) أي من أعلامه وعلاماته وأعماله الواحدة شعيرة أو شعارة بالكسر والمشاعر مواضع النسك وقال الزمخشري أعلام الحج وأعماله وكما أنها من شعار الحج هي من شعار العمرة واقتصر عليه لأنه قاله عند إحرامه بحجة الوداع وأخذ أبو حنيفة بظاهر هذا الخبر وما قبله أن الحج لا ينعقد بدون تلبية وسوق هدي وقياسا على الصلاة ورد الشافعية الأول بأن الأمر للندب وإلا لزم الصوت والثاني بأنه قياس مع وجود الفارق إذ القصد من الصلاة الذكر (حم هـ حب ك) وكذا أبو يعلى وابن خزيمة والطبراني والبيهقي والضياء (عن زيد بن خالد) الجهني

стр. 92

⦗٩٨⦘ ٨٣ - (أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك) المحسن إلي وإليك بجليل التربية المزكي لي ولك بجميل التزكية وفي الإضافة تشريف أي تشريف وكما تفيد إضافة العبد إليه سبحانه تشريفه فكذا إضافته إليه تعالى تفيده بل ذلك أقوى إفادة (يقول لك) أطنب بزيادة لك لينبه على كمال العناية ومزيد الوجاهة عنده والرعاية. وفي المعالم أن النبي ﷺ سأل جبريل عن معنى ورفعنا لك ذكرك فقال: قال الله لا أذكر إلا ذكرت معي فكأنه بعد السؤال جاء وقال إن ربي وربك إلى آخره (تدري) مستفهم عنه حذفت همزته تخفيفا لكثرة وقوعها في الاستفهام أي أتدري (كيف رفعت ذكرك) أي على أي حال وكيفية رفعته إذ كيف اسم مبهم يستفهم به عن الحال والرفع من الرفعة وهي الشرف وارتفاع القدر والذكر إجراء اللفظ المعرب عن الشيء على لسان المتكلم وهو بكسر الذال وهذا الكلام بعد السؤال عنها من قبيل الانبساط مع المحبوب ولأجل زيادة التوجه والانتظار قال: (قلت) في رواية فقلت: (الله أعلم) أي من كل عالم وفيه رد على من كره أن يقال: والله أعلم مطلقا أو عقب ختم نحو الدرس ولا إبهام فيه خلافا لزاعمه بل هو في غاية التفويض المطلوب وحسبك في الرد عليه قوله سبحانه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم ولا يعارضه ما في البخاري أن عمر سأل الصحب عن سورة النصر فقالوا الله أعلم فغضب وقال قولوا نعلم أو لا نعلم لأنه فيمن جعل الجواب له ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه وهو يعلم (قال لا أذكر) مجهول المتكلم (إلا ذكرت) مجهول المخاطب (معي) أي كثيرا أو عادة أو في مواطن معروفة كالخطب والتشهد والتأذين فلا يصح شيء منها من أحد حتى يشهد أنه رسوله شهادة تيقن وأي رفع أعظم من ذلك؟ وبتأمله يعرف اندفاع الاستيعاب بأن الشهادة الثانية قد لا تذكر فتدبر (ع حب) وابن عساكر والرهاوي في الأربعين (والضياء) المقدسي (في) كتاب (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أبي سعيد) الخدري ورواه عنه الطبراني باللفظ المذكور قال الهيتمي: وإسناده حسن

стр. 93

٨٤ - (أتاني جبريل) قال في الربيع ويقال له طاوس الملائكة وكان هذا الإتيان في المدينة كما ذكره ابن الأثير (في خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين لباس أخضر وروي بسكون الضاد ممدودا ذكره الهروي كالقاضي (تعلق) بمثناة فوقية فمهملة فلام مشددة فقاف مفتوحات (به) أي الخضر (الدر) بضم المهملة اللؤلؤ العظام أي جاءني في لباس أخضر تعلق به اللؤلؤ العظام بأن تمثل له بتلك الهيئة الحسنة وذلك المنظر البهيج البهي فكان يأتيه على هيئات كثيرة ورآه مرتين بصورته الأصلية بست مئة جناح كل جناح يسد ما بين الخافقين وكان يأتيه بصورة دحية وتمثل بمكة بصورة فحل من الإبل فاتحا فاه ليلتقم أبا جهل. واختلف في هذه التطورات فقيل إن الله يفني الزائد من خلقه وقيل مجرد تخلييل للرائي وقيل بالتداخل وقال الراغب: والخضرة أحد الألوان بين البياض والسواد إلى السواد أقرب فلهذا سمي الأسود أخضر وعكسه وقيل سواد العراق للموضع الذي تكثر فيه الخضرة فإن قلت: هل لتمثله له في لباس أخضر دون غيره من الألوان من حكمة؟ قلت: أجل وهي الإشارة إلى أنه كثير الخير والبركة وأن بينه وبينه مودة متأكدة وصداقة ثابتة وهي في كل وقت متجددة وإن ذلك العام خصب وربيع ألا ترى إلى قول الزمخشري من المجاز فلان أخضر كثير الخير والأمر بيننا أخضر جديد لم يخلق والمودة بيننا خضراء؟ انتهى (قط في) كتاب (الإفراد) وكذا أبو الشيخ [ابن حبان] في العظمة (عن ابن مسعود) وضعفه

стр. 94

⦗٩٩⦘ ٨٥ - (أتاني جبريل فقال إذا توضأت) من الوضاءة وهي الحسن والنضارة والوضوء بالضم الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به وهل المراد أنه اسم للماء مطلقا أو للمعد للوضوء أو لما استعمل في أعضائه؟ خلاف (فخلل) ندبا مؤكدا (لحيتك) من التخليل وهو تفريق الشعر ونحوه وأصله إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه فيندب تخليل لحية الذكر الكثة والأفضل كونه بأصابع يمناه ومن أسفل ونبه بذكر اللحية على ندب تخليل كل شعر يجب غسل ظاهره فقط لكن يستثنى المحرم فلا يخلل إلا إن أمن انتتاف شيء من شعره يقينا ويأتي إن شاء الله تعالى في عدة أحاديث ندب تخليل أصابع اليدين والرجلين أيضا ويظهر أن تخليل اللحية آكد لاختصاره عليها هنا (ش) وكذا ابن عدي وغيره (عن أنس) رمز لحسنه وهو زلل فقد قال ابن حجر بعد عزوه لابن أبي شيبة وابن ماجه وابن عدي في إسناده ضعف شديد هذه عبارته وقال ابن الهمام وهو معلول لكن يقويه بعض قوة ما رواه ابن منيع والديلمي عن أنس أيضا أتاني جبريل فأمرني أن أخلل لحيتي عند الطهور وفيه الهيثم بن حماد عن الرقاشي قال النسائي وغيره وهما متروكان قال الكمال وللتخلل طرق منكرة عن أكثر من عشرة من الصحابة وبها يتقوى

стр. 95

٨٦ - (أتاني جبريل بقدر) أي بطعام في قدر ويأتي في خبر أنه هريسة وهي لحم وقمح يطبخان معا كما في الوشاح وزاد في رواية ذكرها في الأصل كغيره يقال لها الكفيت بالتصغير والقدر بكسر فسكون إناء يطبخ فيه وهي مؤنثة وتصغيرها قدير بلا هاء على غير قياس (فأكلت) أي فقال كل فأكلت (منها) أي مما فيها وكان من طعام الجنة لما رواه أبو نعيم في الطب بإسناد رواه عن معاذ قيل يا رسول الله هل أتيت من طعام الجنة بشيء قال نعم أتاني جبريل بهريسة فأكلتها فزادت قوتي قوة أربعين رجلا في النكاح (فأعطيت قوة) أي قدرة (أربعين) فهي صدقة الاقتدار على الشيء والقوة من أعلى صفات الكمال قال تعالى في صفة جبريل ﴿ذي قوة﴾ . (رجلا) في بعض الروايات حذف المميز وهذه الرواية تفسره وفي رواية زيادة من أهل الجنة والرجل الذكر من بني آدم وقد يقال للجن أيضا بخلاف الملك فقد قال ابن حجر كبعض المتقدمين الملائكة ليسوا ذكورا ولا إناثا فلا يقال لهم رجال وأما الجن فيتوالدون فلا يمتنع أن يقال لهم رجال (في الجماع) زاد أبو نعيم عن مجاهد وكل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مئة وصححه الترمذي وقال غريب وأربعون في مئة بأربعة آلاف (فإن قلت) هل للتمدح بكثرة الجماع للنبي ﷺ من فائدة دينية أو عقلية لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ قلت: نعم بل هي معجزة من معجزاته السنية إذ قد تواتر تواترا معنويا أنه كان قليل الأكل إذ الرحم يجذب قوة الرجل ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء فكثرة الجماع لا تجامع قلة الغذاء عقلا ولا طبا ولا عرفا إلا أن يقع على وجه خرق العادة فكان من قبيل الجمع بين الضدين وذلك من أعظم المعجزات فتدبر ثم رأيت بعضهم قال كان النبي ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء وكان له في الأكل القناعة ليجمع الله له الفضلين في الأمور الاعتيادية كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية ليكون كاملا في الدارين حائزا للفخرين (فإن قلت) إذا كان الجماع مما يمتدح بكثرته فكان القياس أن لا يقتصر منهن على تسع وقد كان لسليمان ألف حليلة وما من فضيلة أوتيها نبي إلا وقد أوتي جامع الرسل مثلها أو أعلى؟ قلت: قلة عدد النسوة مع كثرة الجماع أظهر في المعجزة لأن كثرته في قليلهن أقوى من الكثير في الكثير بشهادة الوجدان قيل: وفيه أن له الزيادة على تسع لأنه لما أعطي قوة ما ذكر من العدد فله التزوج بقدر ما أعطي من القوة وليس في محله إذ العدد القليل منهن يكفي العدد الكثير من الرجال ثم إنه لم يبين هذا المأكول الذي في القدر وبينه في خبر الدارقطني عن جابر وابن عباس ⦗١٠٠⦘ مرفوعا: أطعمني جبريل الهريسة أشد بها على ظهري وأتقوى بها على الصلاة انتهى قال الذهبي: وهو واه. وقال بعضهم: ضعيف جدا بل ألف الحافظ ابن ناصر الدين فيه جزءا ذكر فيه أنه موضوع سماه رفع الدسيسة عن أخبار الهريسة <تنبيه> أخذ بعضهم من هذا الحديث أنه يندب للرجل تناول ما يقوي شهوته للوقاع كالأدوية المقوية للمعدة لتعظم شهوتها للطعام وكالأدوية المثيرة للشهوة ورده الغزالي بأن المصطفى إنما فعل ذلك لأنه كان عنده منهن العدد الكثير ويحرم على غيره نكاحهن إن طلقهن فكان طلبه القوة لهذا المعنى لا للتلذذ والتنعم وبأنه لا يشتغل قلبه عن ربه بشيء فلا تقاس الملائكة بالحدادين قال وما مثال من يفعل ما يعظم شهوته إلا كمن بلي بسباع ضارية وبهائم عادية فينام عنه أحيانا فيحتال لإثارتها وتهييجها ثم يشتغل بعلاجها وإصلاحها فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يراد التخلص منها والتداوي لدفعها عند كمل المؤمنين وأساطين المتقين ووجوه العارفين (ابن سعد) في طبقاته (عن صفوان بن سليم) الزهري التابعي (مرسلا) هو الإمام القدوة ممن يستشفى بذكره قيل لم يضع جنبه الأرض منذ أربعين سنة ومناقبه سائرة والحديث وصله أبو نعيم والديلمي من حديث صفوان عن عطاء عن أبي هريرة يرفعه ورواه الخطيب وابن السني في الطب عن حذيفة مرفوعا ثم إن فيه سفيان بن وكيع قال الذهبي عن أبي زرعة متهم بالكذب وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ونازعه المؤلف بما حاصله أن له شواهد

стр. 96

٨٧ - (أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي) وذلك عند انصرافه من غار حراء كما في الدلائل وغيرها (فعلمني الوضوء) بالضم استعمال الماء في الأعضاء الأربعة بالنية عند الشافعية وكذا بدونها عند الحنفية (والصلاة) الأذكار المعروفة والأفعال المشهورة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم وأصلها الدعاء قال الله تعالى ﴿وصل عليهم﴾ أي ادع لهم وفيما نقله الشرع إليه باشتمال على الدعاء قال في الوفاء لم يذكر كيفية الصلاة في هذا الحديث وقد ذكر في حديث البراء أنها ركعتان وهذه الصلاة كانت نفلا لأن الخمس لم تفرض إلا ليلة الإسراء وقيل بل فرضت الصلاة قبله ركعتين قبل غروب الشمس وركعتين قبل طلوعها ثم فرضت الخمس ليلة الإسراء وهو مروي عن عائشة وغيرها وقيل بل المراد بالصلاة هنا التهجد فإنه فرض عليه ثم نسخ قال السهيلي: فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة لأن آية الوضوء كانت قبل فرض الصلاة يعني الصلوات ليلة الإسراء قال: ويقويه قوله في خبر فيه لين أن جبريل علمه إياه حين نزول الوحي عليه في غار حراء وقال: ويؤيده ما في أخبار صحاح أن من قبلنا كانوا يتوضؤن للصلاة كما في قصة سارة والراهب (فلما فرغ الوضوء) أي أتمه (أخذ غرفة من الماء) قال ابن حجر في المختصر: وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف (فنضح) وفي رواية فرش (بها فرجه) يعني رش بالماء الإزار الذي يلي محل الفرح من الآدمي لأن جبريل ليس له فرج إذ الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث كما مر فيندب رش الفرج عقب الوضوء لدفع الوسوسة وفي رواية ذكرها ابن سيد الناس وجهه بدل فرجه وفي رواية الفرج والنضح الرش والفرج أصله فرجة بين شيئين ثم كنى به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح فيه (حم قط ك) وكذا الحارث بن أبي أسامة (عن أسامة) بضم الهمزة (ابن زيد) حب رسول الله ﷺ وابن حبه (عن أبيه زيد) بن حارثة الكلبي مولى الرسول من السابقين الأولين استشهد يوم مؤتة سنة ثمان رمز المؤلف لصحته وليس كما ظن فقد أورده ابن الجوزي في العلل عن أسامة عن أبيه من طريقين في أحدهما ابن لهيعة والأخرى رشدين وقال ضعيفان قال والحديث باطل وقال مخرجه الدارقطني فيه ابن لهيعة ضعفوه وتابعه رشدين وهو ضعيف لكن يقويه كما قال بعض الحفاظ أورده من طريق ابن ماجه بمعناه وروى نحوه عن البراء وابن عباس أما الصحة فلا فلا

стр. 97

⦗١٠١⦘ ٨٨ - (أتاني جبريل في ثلاث) أي ثلاث ليال (بقين) هي لغة عدي بن رباب فجعلوا كل يوم ليلة إذ التاريخ بالليالي فإن أول الشهر ليلته قالوا: وليس في العربية محل غلب فيه المؤنث على المذكر إلا في التاريخ (من ذي القعدة) بفتح القاف وتكسر سمي به لأن العرب قعدت فيه عن القتال تعظيما له قال ابن حجر: وفيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو أنه ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقي (فقال دخلت العمرة) أي أعمالها (في) أعمال (الحج) لمن قرن فكيفية أعمال الحج عنها أو دخلت في وقته وأشهره بمعنى أنه يجوز فعلها فيها وأهل الجاهلية كانوا يرون أن فعلها فيها من أفجر الفجور فأبطله الشرع هذا هو الظاهر المتبادر من فحوى الخبر وتأوله المالكية كالحنفية على معنى سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج كما سقط عاشوراء برمضان أي أن الحج أغنى عما دونه فلا يجب وعرض بأن ذلك وإن كان محتملا لكنه محتمل أيضا لأن يكون إشارة إلى القرآن وإلى جواز إيقاعها في أشهر الحج وأنه لا يقبل النسخ ويرشحه ختمه بالتأييد الآتي فحيث تطرق الاحتمال سقط الاستدلال وبقيت أدلة أخرى تدل للوجوب كآية ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ويستمر هذا (إلى يوم القيامة) أول خراب الدنيا وانقراض المؤمنين بالريح الطيبة أي ليس هذا الحكم مختصا بهذا العام بل عام في جميع الأعوام ويلوح من فحواه أن يوم القيامة من الدنيا بمعنى أنه خاتمها ولا يعارضه خبر أشفع يوم القيامة لأن صدره من الدنيا وآخره من الآخرة كما صرح به ما رواه المزني في التهذيب أن الحجاج سأل عكرمة عن يوم القيامة أمن الدنيا أم من الآخرة فقال صدره من الدنيا وآخره من الآخرة (طب عن ابن عباس) رمز المؤلف لحسنه (قلت) كما قال بعضهم (هذا) أي قوله ثلاث إلى آخره (أصل) يستدل به (في) مشروعية (التاريخ) وهو تعريف الوقت من حيث هو وقت والإرخ بكسر الهمزة الوقت يقال أرخت الكتاب يوم كذا وقته به وأرخه وورخه بمعنى ذكره في الصحاح وقيل هو قلب التأخير وقيل معرب لا عربي وقال الصولي: تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهي إليه ومنه قيل فلان تاريخ قومه أي إليه ينتهي شرفهم وعرف عرفا بأنه توقيت الفعل بالزمان ليعرف ما بين قدر ابتدائه وأي غاية فرضت له وقيل هو عبارة عن يوم ينسب إليه ما يأتي بعده وقيل عبارة عن مدة معلومة تعد من أول زمن مفروض لتعرف الأوقات المحددة فلا غنى عن التاريخ في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية ثم إن ما ذكره من أن هذا أصله مراده به من أصوله وإلا فقد وقع الاستدلال بالتاريخ في النص القرآني ﴿قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾ وتفردت العرب بأنها تؤرخ بالسنة القمرية لا الشمسية فلذلك تقدم الليالي لأن الهلال إنما يظهر ليلا قال ابن الجوزي: ولما كثر بنو آدم أرخوا بهبوطه فكان التاريخ إلى الطوفان ثم إلى نار الخليل ثم إلى زمن يوسف ثم إلى خروج موسى من مصر ببني إسرائيل ثم إلى زمن داود ثم سليمان ثم عيسى وقيل أرخت اليهود بخراب بيت المقدس والنصارى برفع المسيح وأما تاريخ الإسلام فروى الحاكم في الإكليل عن الزهري معضلا أن المصطفى ﷺ لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول وروى أيضا الحاكم وغيره أن عمر جمع الناس في خلافته سنة سبع عشرة فقال بعضهم أرخ بالبعث وقال بعضهم بالهجرة فقال الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فاتفقوا عليه ولم يؤرخوا بالبعث لأن في وقته خلافا ولا من وفاته لما في تذكره من التألم لفراقه ولا من وقت قدومه المدينة وإنما جعلوه من أول المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه إذ البيعة كانت في ذي الحجة وهي مقدمة لها وأول هلال هل بعدها المحرم ولأنه منصرف الناس من حجهم فناسب جعله مبتدأ وفوائد التاريخ لا تحصى منها أنه وقع في زمن الخطيب البغدادي أن يهوديا أظهر كتابا فيه أن المصطفى ﷺ أسقط الجزية عن أهل خيبر وفيه شهادة جمع منهم على ذلك فوقع التنازع فيه فعرض على الخطيب فتأمله ثم قال: هذا زور ⦗١٠٢⦘ لأن فيه شهادة معاوية وإنما أسلم عام الفتح وفتح خيبر سنة سبع وشهادة سعد بن معاذ وكان مات عقب قريظة ففرح الناس بذلك

стр. 98

٨٩ - (أتاني جبريل فقال) لي (يا محمد) خاطبه به دون رسول الله أو النبي ﷺ لأنه المناسب لمقام الوعظ والتذكير والإيذان بفراق الأحباب والخروج من الدنيا ودخول الآخرة والحساب والجزاء وبدأ بذكر الموت لأنه أفظع ما يلقاه الإنسان وأبشعه فقال (عش ما شئت فإنك ميت) بالتشديد والتخفيف أي آيل إلى الموت عن قرب فهو مجاز باعتبار ما يكون في المستقبل قريبا قطعا (وأحبب) بفتح الهمزة وكسر الموحدة الأولى (من شئت) من الخلق (فإنك مفارقه) بموت أو غيره وما من أحد في الدنيا إلا وهو ضعيف وما بيده عارية فالضيف مرتحل والعارية مردودة قال الغزالي للقصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايله بالموت فإنه إذا علم أن من أحب شيئا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شغل قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أياما قلائل فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة وعند الصباح يحمد القوم السرى فلا بد لكل إنسان من مجاهدة فراق ما يحبه وما فيه فرحه من أسباب الدنيا وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو بقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الإتباع في التدريس والإفادة يترك أولا ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلا بذكر الله والفكر فيه ويكف عن شهواته ووساوسه حتى يقمع مادتها ويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت. قيل صاح طوطي بحضرة سليمان فقال تدرون ما يقول قالوا الله ورسوله أعلم قال يقول كل حي ميت وكل جديد بال. وقال النسر يقول في صياحه يا ابن آدم اعمل ما شئت آخرك الموت (واعمل ما شئت) من خير (فإنك مجزي به) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي وشد المثناة تحت أي مقضى عليك بما يقتضيه عملك وبضم الميم وفتح الزاي منونا أي مكافأ عليه. ولما ذكر الموت والمجازاة وخوف بما علم منه أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره أردفه ببيان أعظم نافع من تلك الأهوال فقال (واعلم) بصيغة الأمر إفادة لغير ما علم للدلالة على أنه تعلم وعلم لأن العلم لا يتم حتى يصل إلى الغير فيجمع فضل العلم والتعليم ذكره الحراني (أن شرف المؤمن) رفعته قال الزمخشري من المجاز لفلان شرف وهو علو المنزلة (قيامه بالليل) أي علاه ورفعته إحياء الليل بدوام التهجد فيه والذكر والتلاوة وهذا بيان لشيء من العمل المشار إليه بقوله اعمل ما شئت ولما كان الشرف والعز أخوين استطرد ذكر ما يحصل به العز فقال (وعزه) قوته وعظمته وغلبته على غيره (استغناؤه) اكتفاؤه بما قسم له (عن الناس) أي عما في أيديهم ولهذا قال حاتم لأحمد وقد سأله: ما السلامة من الدنيا وأهلها؟ قال: أن تغفر لهم جهلهم وتمنع جهلك عنهم وتبذل لهم ما في يدك وتكون مما في أيديهم آيسا قال الغزالي: ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان ففي القناعة العز والحرية ولذلك قيل استغن عمن شئت فأنت نظيره واحتج إلى من شئت فأنت أسيره وأحسن إلى من شئت فأنت أميره وقال بعضهم: الفقر لباس الأحرار والغنى بالله لباس الأبرار والقيام انتصاب القامة ولما كانت هيئة الانتصاب أكمل هيآت من له القامة وأحسنها استعير ذلك للمحافظة على استعمال الإنسان نفسه في الصلاة ليلا فمعنى قيام الليل المحافظة على الصلاة فيه وعدم تعطيله باستغراقه بالنوم أو اللهو قال الزمخشري: قام على الأمر دام وثبت. وقد تضمن الحديث التنبيه على قصر الأمل والتذكير بالموت واغتنام العبادة وعدم الاغترار بالاجتماع والحث على التهجد وبيان جلالة علم جبريل وغير ذلك قال الغزالي: جمعت هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأمل فيها طول العمر إذ لو وقف على معانيها وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية والتلذذ بشهواتها وقد أوتي المصطفى ﷺ جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة (الشيرازي في) ⦗١٠٣⦘ كتاب معرفة (الألقاب) والكنى عن إسماعيل عن زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد (ك) في الرقاق من طريق عيسى بن صبح عن زافر (هب) من طريق محمد بن حميد عن عيسى بن صبح عن زافر عن ابن عيينة عن أبي حازم (عن سهل بن سعد) بن مالك الخزرجي الساعدي قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي في التلخيص مع أن زافر أورده هو وغيره في الضعفاء ولهذا جزم الحافظ العراقي في المغني بضعف الحديث قال: وجعله بعضهم من كلام سهل ومراد القضاعي (هب) من طريق أبي داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير (عن جابر) ابن عبد الله (حل) عن محمد بن عمر عن محمد بن الحسن وعلي بن الوليد قالا: حدثنا علي بن حفص بن عمر عن الحسن ابن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين عن الحسن (عن علي) أمير المؤمنين وزاد في هذه الرواية فقال ﷺ لقد أوجز لي جبريل في الخطبة قال ابن حجر في أماليه أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن صبح عن زافر وصححه والبيهقي من طريق ابن حميد عن زافر قال: أعني ابن حجر تفرد به بهذا الإسناد زافر وماله طريق غيره وهو صدوق كثير الوهم والراوي عنه فيه مقال لكن توبع قال: وقد اختلف فيه نظر حافظين فسلكا طريقين متناقضين فصححه الحاكم ووهاه ابن الجوزي والصواب أنه لا يحكم عليه بصحة ولا وضع ولو توبع زافر لكان حسنا لكن جزم العراقي في الرد على الصنعاني والمنذري في ترغيبه بحسنه

стр. 99

٩٠ - (أتاني آت) أي ملك أو هو النفث وهو ما يلقيه الله إلى نبيه إلهاما كشفيا بمشاهدة عين اليقين (من عند ربي) أي برسالة بأمره وأطنب بزيادة العندية إيذانا بتأكد القضية (فخيرني) في الآتي عن الله وعبر بالرب المشعر بالتربية والإحسان والامتنان وتبليغ الشيء إلى كماله لأنه أنسب بالمقام (بين أن يدخل) بضم أوله يعني الله (نصف أمتي) أمة الإجابة (الجنة وبين الشفاعة) أي شفاعتي فيهم يوم القيامة (فاخترت الشفاعة) لعمومها إذ بها يدخلها ولو بعد دخول النار كل من مات مؤمنا كما قال (وهي) أي والحال أنها كائنة أو حاصلة ويحتمل جعل الواو للقسم أي والله هي حاصلة (لمن مات) من هذه الأمة ولو مع إصراره على جميع الكبائر لكنه (لا يشرك بالله شيئا) أي ويشهد أني رسوله ولم يذكره اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر لعلمهم بأنه لابد من الإتيان بهما لصحة الإسلام فالمراد أنه يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به وهذا متضمن لكرامة المصطفى على ربه وأفضاله على أمته ووفور شفقة النبي ﷺ عليهم قال الحراني: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزيد وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده وقال القاضي: الشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فردا فجعله الشفيع شفعا بضم نفسه إليه والشيء على ما قال سيبويه يقع على كل ما أخبر عنه وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص ويجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال وقول الأشاعرة المعدوم ليس بشيء معناه ليس يتميز في الأعيان. ثم إنه ليس لك أن تقول هذا يناقضه ما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك ولكن وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله والمراد بالقائل لا إله إلا الله من مات معتقدا لها فهو الذي مات لا يشرك بالله شيئا فإذا لم يكن ذلك النبي ﷺ فكيف قال: إن هؤلاء تنالهم شفاعة لأنا نقول قد قيد المصطفى ﷺ من تناله شفاعته مع كونه مات غير مشرك بكونه من أمته والذي جاء فيه أنه ليس إليه غير مقيد بها فحصل التوفيق بأن الذين تنالهم شفاعته هم موحدو أمته والذي استأثر الله به موحدو غيرها كما حرره المحقق أبو زرعة (حم عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) قال: غزونا مع النبي ﷺ فعرس بنا فانتهيت ليلا لمناخه فلم أجده ⦗١٠٤⦘ فطلبته بارزا فإذا رجل من أصحابي يطلب ما أطلب فطلع علينا فقلنا: أنت بأرض حرب فلو إذ بدت لك حاجة فقلت لبعض صحبك فقام معك فقال: سمعت هزيزا كهزيز الرحى وحنينا كحنين النحل وأتاني آت إلى آخره فكان ينبغي للمؤلف ذكره بتمامه في حرف السين قال الهيتمي: رجال أحمد ثقات (ت حب عن) أبي حماد (عوف) بفتح فسكون (ابن مالك) بن عوف الغطفاني (الأشجعي) نسبة إلى أشجع قبيلة مشهورة صحابي كانت معه راية أشجع يوم الفتح نزل حمص وبقي إلى أول خلافة عبد الملك

стр. 100

٩١ - (أتاني آت من عند ربي فقال من صلى عليك من أمتك) الإضافة للتشريف قال الحراني: الصلاة الإقبال بالكلية على أمر فيكون من الأعلى عطفا شاملا ومن الأدنى وفاء بانحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي (صلاة) أي طلب لك من الله دوام التشريف ومزيد التعظيم ونكرها ليفيد حصولها بأي لفظ كان لكن الأفضل ما في الصحيح قولوا اللهم صل على محمد وقال من صلى دون من ترحم إيذانا بأنه لا يدعى له بالرحمة كما في الاستذكار وإن كانت بمعنى الصلاة عند كثيرين لأنه خص بلفظها تعظيما فلا ينبغي إطلاقها عليه إلا تبعا للصلاة أو السلام كما في التشهد (كتب الله) قدر أو أوجب أو في اللوح أو في جبينه أو في صحيفته وعلى ما عدا الأولين فإضافة الكتابة للذات المتعالية للتشريف إذ الكاتب الملائكة (له بها عشر حسنات) أي ثوابها مضاعفا إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة لأن الصلاة ليست حسنة واحدة بل حسنات إذ بها تجديد الإيمان بالله أولا ثم بالرسالة ثم بتعظيمه ثم العناية بطلب الكرامة له ثم بتجديد الإيمان باليوم الآخر ثم بذكر الله ثم بتعظيمه بنسبتهم إليه ثم بإظهار المودة ثم بالابتهال والتضرع في الدعاء ثم بالاعتراف بأن الأمر كله لله وأن النبي ﷺ مع جلالة قدره مفتقر إلى رحمة ربه فهذه عشر حسنات قال الراغب: والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمة ينالها الإنسان في نفسه وبدنه ومتعلقاته سميت به لحسنها والسيئة تضادها وهما من الألفاظ المشتركة كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة قال الحراني: والعشرة بعدها الآحاد في أوله وقال القاضي: أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد (ومحا) أزال يقال محوته محوا ومحيته محيا أزلته وذلك بأن يمحوها من صحف الحفظة وأفكارهم (عنه عشر سيئات) جمع سيئة أي قبيحة سميت به لسوئها لصاحبها والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ ذكره القاضي (ورفع له) في الجنة (عشر درجات) رتبا عالية فيها والدرجات الطبقات من المراتب قال الزمخشري: من المجاز لفلان درجة رفيعة (ورد عليه مثلها) أي رحمة وضاعف أجره نقله النووي عن عياض ثم قال: وقد تكون الصلاة على وجهها وظاهرها كلاما تسمعه الملائكة تشريفا وقال ابن القيم: ليست الصلاة مرادفة للرحمة لعطفها عليها ولأن صلاته خاصة بخواصه ورحمته وسعت كل شيء نعم الرحمة من لوازمها فمن فسرها بها فقد فسرها ببعض لوازمها وما ذكر في هذا الخبر يدل عليه إذ صلاة العبد على النبي ﷺ ليست هي رحمة من العبد لتكون صلاة الله عليه من جنسها بل ثناء عليه والجزاء من جنس العمل فمن أثنى على رسوله جازاه بمثل عمله بأن يثني عليه فصح ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له فيا لها من بشارة ما أسناها. وظاهره حصول الثواب الموعود وإن لم تقترن الصلاة بسلامة فيشكل على نقل النووي كراهة الإفراد وحصوله مع قرب المصلى عليه وبعده وأنه لا مزية للصلاة عند قبره عليها من بعد لكن ذهب بعضهم إلى أنها عند قبره أفضل (حم) وابن أبي شيبة (عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري قال: دخلت على النبي ﷺ وأسارير وجهه تبرق فقلت: ما رأيتك بأطيب نفسا ولا أظهر بشرا من يومك قال: ومالي لا تطيب نفسي ويظهر بشري ثم ذكره رمز المصنف لصحته

стр. 101

⦗١٠٥⦘ ٩٢ - (أتاني ملك برسالة) أي بشيء مرسل به (من الله) وفي رواية من ربي يقال حملته رسالة إذا أرسلته للمرسل إليه بكلام وراسله في كذا وبينهما مكاتبات ومراسلات وتراسلوا وأرسلته برسالة وأرسلت إليه أن افعل كذا ذكره الزمخشري والمراد هنا الوحي ولعله مما لم يؤمر بتبليغه وقد جاءه بالوحي جبريل وغيره لكن جبريل أكثر (ثم رفع رجله) بكسر فسكون العضو المخصوص بأكثر الحيوانات ويفهم منه أنه أتاه في صورة إنسان والرفع الاعتلاء ذكره الراغب (فوضعها فوق السماء) وفي رواية السماء الدنيا (والأخرى في الأرض) قال الراغب: الأرض الحرم المقابل للسماء ويعبر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلاه (لم يرفعها) تأكيد وتحقيق لما قبله ودفع لتوهم إرادة التجوز لبعده عن الأفهام واستعظامه بين الأنام والقصد بذلك بيان عظم خطوته المستلزم لعظم جثته وأن مسافة خطوته كما بين السماء والأرض والملائكة عند عامة المتكلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة وعند الحكماء جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة وهو قسمان قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الشغل بغيره وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القدر لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما مر وقد جاء في عظم الملائكة ما هو فوق ذلك فقد ورد: إن لله ملكا يملأ ثلث الكون وملكا يملأ ثلثيه وملكا يملأ الكون كله لا يقال إذا كان يملأ الكون كله فأين يكون الآخران لأنا نقول الأنوار لا تتزاحم ألا ترى أنه لو وضع سراج في بيت ملأه نورا فلو أتينا بعده بألف سراج وسع البيت أنوارها ذكره العارف ابن عطاء الله عن شيخه المرسي وقد قصر نظر من عزاه لجامع هذا الجامع <تنبيه> ما ذكره من أن سياق الحديث هكذا هو ما في نسخ الكتاب لكن لفظ الكبير أتاني ملك لم ينزل إلى الأرض قبلها قط برسالة من ربي فوضع رجله فوق السماء الدنيا ورجله الأخرى ثابتة في الأرض لم يرفعها انتهى بنصه والمخرج والصحابي متحد (طس) وكذا أبو الشيخ [ابن حبان] في العظمة (عن أبي هريرة) رمز المصنف لضعفه وهو تقصير بل حقه الرمز لحسنه فإنه وإن كان فيه صدقة بن عبد الله الدمشقي وضعفه جمع لكن وثقه ابن معين ودحيم وغيرهما وهو أرفع من كثير من أحاديث رمز لحسنها

стр. 102

٩٣ - (أتاني ملك فسلم علي) فيه أن السلام متعارف بين الملائكة (نزل من السماء) من النزول وهو الإهواء من علو إلى أسفل (لم ينزل قبلها) صريح في أنه غير جبريل ولا يعارضه رواية المستدرك أتاني جبريل لإمكان تعدد المجيء للبشارة فمرة جبريل وأخرى غيره (فبشرني أن) أي بأن (الحسن والحسين) لم يسم بهما أحد قبلهما ففي طبقات ابن سعد عن عمران بن سليمان أنهما اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية لكن في الكشاف ما يخالفه (سيدا شباب أهل الجنة) أي من مات شابا في سبيل الله من أهل الجنة ولم يرد سن الشباب حقيقة لموتهما وقد اكتهلا وهذا مخصوص بغير عيسى ويحيى لاستثنائهما في حديث الحاكم بقوله إلا ابني الخالة وقيل أراد أن لهما السؤدد على أهل الجنة وعليه فيخص بغير الأنبياء والخلفاء الأربعة (وأن فاطمة) أمهما (سيدة نساء أهل الجنة) قال المصنف فيه دلالة على فضلها على مريم سيما إن قلنا بالأصح أنها غير نبية وكانت فاطمة من فضلاء الصحابة وبلغاء الشعراء وكانت أحب أولاده إليه وإذا قدمت عليه قام إليها وقبلها في فمها زاد أبو داود بسند ضعيف ويمص لسانها. وفضائلها وفضائل ابنيها جمة ومحبة النبي ﷺ لهم وثناؤه عليهم ونشره لغرر مآثرهم ⦗١٠٦⦘ وباهر مناقبهم ومفاخرهم من الشهرة بالمحل الأرفع وقد بسط ذلك خلق في عدة مؤلفات مفردة (ابن عساكر) في تاريخه (عن حذيفة) بضم المهملة مصغرا (ابن اليمان) بفتح التحتية والميم واسم اليمان حسل بكسر الحاء المهملة الأولى وسكون الثانية ويقال حسيل بن جابر العبسي بموحدة تحتية ثم الأشهلي حليفهم صاحب السر منعه وأباه شهود بدر استخلاف المشركين لهم ورواه عنه أيضا النسائي خلافا لما أوهمه صنيع المؤلف من أنه لم يخرجه أحد من السنة ورواه بمعناه الحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي

стр. 103

٩٤ - (اتبعوا) بتقديم المثناة الفوقية أمر بالإتباع (العلماء) العاملين يعني اهتدوا بهديهم واقتدوا بقولهم وفعلهم وما ذكر من أن الرواية اتبعوا بعين مهملة هو ما وقفت عليه في أصول قديمة من الفردوس مصححة بخط الحافظ ابن حجر ورأيت في نسخ من هذا الكتاب ابتغوا بالغين المعجمة وهو تصحيف من النساخ (فإنهم سرج الدنيا) بضمنين جمع سراج أي يستضاء بهم من ظلمات الجهل كما ينجلي ظلام الليل بالسراج المنير. يهتدي به فيه فمن اقتدى بهم اهتدى بنورهم قال الزمخشري من المجاز سرج الله وجهه حسنه وبهجه ووجه مسرج والشمس سراج النهار والهدى سراج المؤمنين ومحمد رسول الله ﷺ السراج الوهاج انتهى. وشبه العالم بالسراج لأنه تقتبس منه الأنوار بسهولة وتبقى فروعه بعده وكذا العالم ولأن البيت إذا كان فيه سراج لم يتجاسر اللص على دخوله مخافة أن يفتضح وكذا العلماء إذا كانوا بين الناس اهتدوا بهم إلى طلب الحق والسنة وإزاحة ظلم الجهل والبدعة ولأنه إذا كان في البيت سراج موضوع في كوة مسدودة بزجاجة أضاء داخل البيت وخارجه وكذا سراج العلم يضيء في القلب وخارج القلب حتى يرق نوره على الأذنين والعينين واللسان فتظهر فنون الطاعات من هذه الأعضاء ولأن البيت الذي فيه سراج صاحبه مستأنس مسرور فإذا طفئ استوحش فكذا العلماء ما داموا في الناس فهم مستأنسون مسرورون فإذا ماتوا صار الناس في غم وحزن (فإن قلت) ما الحكمة في التشبيه بخصوص السراج وما المناسبة التامة بينهما (قلت) المصباح تضره الرياح والعلم يضره الوسواس والشبهات والسراج لا يبقى بغير دهن والعلم لا يبقى بغير توفيق ولا بد للسراج من حافظ يتعهده ولا بد لمصباح العلم من متعهد وهو فضل الله وهدايته ولأن السراج يحتاج إلى سبعة أشياء زناد وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن فالعبد إذا طلب إيقاد سراج العلم لا بد له من قدح زناد الفكر قال الله تعالى ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وحجر التضرع قال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا﴾ وإحراق النفس بمنعها من شهواتها قال تعالى ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ وكبريت الإنابة قال الله ﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ ومسرجة الصبر ﴿إن الله مع الصابرين﴾ وفتيلة الشكر قال تعالى ﴿اشكروا لله﴾ ودهن الرضا بالقضاء المشار إليه بقوله ﴿واصبر لحكم ربك﴾ (فإن قلت) لم لم يشبههم بالقمرين والنجوم مع أنها أرفع وأنور في المشارق والمغارب (قلت) آثره عليها لأنها يحجبها الغمام ونور العلم لا يحجبه سبع سماوات والشمس تغيب ليلا والقمر يختفي نهارا والعلم لا يغيب ليلا ولا نهارا بل هو هو وهو في الليل آكد ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا﴾ والقمران يفنيان والعلم لا يفنى والقمران ينكسفان والعلم لا ينكسف والقمران تارة يضران وتارة ينفعان والعلم ينفع ولا يضر بشرطه والقمران في السماء زينة لأهل الأرض والعلم في الأرض زينة لأهل السماء وهما في الفوق ويضيآن ما تحت والعلم في قلب المؤمن وهو في التحت ويضيء ما فوقه وتحته وبهما بنكشف وجود الخالق وبالعلم ينكشف وجود الخالق وضوؤهما يقع على الولي والعدو والعلم ليس إلا للولي وشعاع الكواكب إلى أسفل وشعاع العلم يصعد إلى العلو والكواكب تطلع من خزانة الفلك والعلم يطلع من خزانة الملك والكواكب علامة والعلم كرامة والكواكب موضع نظر المخلوقين والعلم موضع نظر رب العالمين " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " الكواكب نفعها في الدنيا والعلم نفعه في الدنيا والآخرة والشمس تسود الأشياء والعلم يبيضها والشمس تحرق ⦗١٠٧⦘ والعلم ينجي من الحرق والقمر يبلي الثياب والعلم يجدد المعارف لأولي الألباب (ومصابيح الآخرة) جمع مصباح وهو السراج فمغايرة التعبير مع اتحاد المعنى للتفنن وقد يدعى أن المصباح أعظم فإن من السرج ما يضعف ضوؤه إذا قل سليطه ودقت فتيلته ومن كلامهم ثلاثة تضني: رسول بطئ وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر لها من يجيء وهذا على طريق المجاز قال الزمخشري: من المجاز رأيت المصابيح تزهو في وجهه وإنما كانوا كالمصابيح في الآخرة لأن الناس يحتاجون إلى العلماء في الموقف للشفاعة بل وبعد الدخول كما يجيء في خبر فينتفع بهم فيها كما ينتفع بالمصابيح ولذا يقال: إن ذات العالم تكسى نورا يضيء كالمصباح حقيقة. ألا ترى أن هذه الأمة تدعى غرا محجلين من آثار الوضوء فالعالم يتميز على آحاد المؤمنين بأن تصير جثته كلها مضيئة وأشار بالترغيب في اتباع العلماء إلى الترهيب من مصادقة الجهلاء وفيه دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أفخر النعم وأجزل القسم وأن من أوتيه فقد أوتي خيرا كثيرا إن صحبه عمل وإلا فقد ضل سعي صاحبه وبطل (فر عن أنس) بن مالك وفيه القاسم بن إبراهيم الملطي قال الذهبي قال الدارقطني كذاب وأقره ابن حجر وجزم المؤلف في زيادات الموضوعات بوضعه فإيراده له هنا إخلال بشرطه

стр. 104

٩٥ - (أتتكم المنية) جاءكم الموت قال في الصحاح: المنية الموت من منى له أي قدر لأنها مقدرة وفي المفردات الأجل المقدر للحيوان (راتبة) أي حال كونها ثابتة مستقرة (لازمة) أي لا تفارق أي ثابتة في الأزل وإذا وقعت لا تنفك. ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ (إما) بكسر فتشديد مركبة من إن وما (بشقاوة) أي مصاحبة لسوء عاقبة (وإما بسعادة) ضد الشقاوة أي كأنكم بالموت وقد حضرتم والميت لا محالة صائر إما إلى النار وإما إلى الجنة فالزموا العمل الصالح وذلك أن الإنسان إذا بلغ حد التكليف تعلقت به الأحكام وجرت عليه الأقلام وحكم له بالكفر أو الإسلام وأخذ في التأهب لمنازل السعداء أو الأشقياء فتطوى له مراحل الأيام بجد واجتهاد واهتمام إلى الدار التي كتب من أهلها فإذا أتته المنية أشرف منها على المسكن الذي أعد له قبل إيجاده إما وإما فهناك يضع عصى السفر عن عاتقه وتستقر قواه وتصير دار العدل مأواه أو دار السعادة مثواه وبهذا التقرير انكشف لك أن الحديث من جوامع الكلم (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذكر الموت) أي فيما جاء به (هب عن زيد) بن عطية (السلمي) الخثعمي (مرسلا) قال: كان النبي ﷺ إذا آنس من أصحابه غفلة أو غرة نادى فيهم بصوت رفيع أتتكم المنية إلى آخره. وقد رمز المصنف لضعفه وهو كما قال إلا أن في مرسل آخر ما يقويه ويرقيه إلى درجة أحسن وهو ما رواه البيهقي عن الوضين بن عطاء كان رسول الله ﷺ إذا أحس من الناس بغفلة عن الموت جاء فأخذ بعضادتي الباب وهتف ثلاثا وقال: يا أيها الناس يا أهل الإسلام أتتكم المنية راتبة لازمة جاء الموت بما جاء به جاء بالروح والراحة والكرة المباركة لأولياء الرحمن من أهل دار الخلود الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها لها ألا إن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت سابق ومسبوق انتهى

стр. 105

٩٦ - (اتجروا) بكسر الهمزة والجيم أمر من التجارة وهي تقليب المال للربح. قال الزمخشري: التجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح (في أموال اليتامى) قال الطيبي: أصله اتجروا بها نحو كتبت بالقلم لأنه عدة للتجارة ومستقرها كقوله تعالى ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ أي أوقع لي الصلاح فيهم وفائدة جعل المال مقرا للتجارة أن لا ينفق من أصله بل يخرج الصدقة من الربح وإليه ينظر قوله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ إلى قوله ﴿وارزقوهم فيها﴾ (لا تأكلها) أي لئلا تأكلها (الزكاة) أي تفنيها لأن الأكل سبب للفناء أو استعارة حيث جعل الصدقة مشابهة للطاعم ⦗١٠٨⦘ ونسب إليها ما هو من لوازم المشبه به وهو الأكل مبالغة في كمال الافناء. قال الزمخشري: من المجاز أكلت النار الحطب وائتكلت النار اشتد التهابها كأنما يأكل بعضها بعضا وأخذ بقضية هذا الحديث المؤكد لعموم الأخبار الصحيحة الصريحة في إيجاب الزكاة مطلقا بقول خمسة من الصحابة الشافعي كمالك وأحمد فأوجبوها في مالهم وخالف أبو حنيفة والقياس على فطرة بدنه الموافق عليها حجة عليه وأما فرق بعض أصحابه بأن الفطرة فيها معنى المؤنة ففيه تعسف وفيه أن على الولي استنماء المال المولى عليه قدر الزكاة والنفقة والمؤن إن أمكنه لا المبالغة فيه (طس عن أنس) بن مالك قال الهيتمي: أخبرني شيخي يعني الزين العراقي أن سنده صحيح انتهى وإليه أشار في الأصل بقوله وصحح وأما هنا فرمز لحسنه وهو فيه متابع للحافظ ابن حجر فإنه انتصر لمن اقتصر على تحسينه فقط وقال: إن الصحيح خبر البيهقي عن ابن المسيب عن عمر موقوفا مثله وقال: أعني البيهقي سنده صحيح

стр. 106

٩٧ - (أتحب) استفهام فيه معنى الشرط أي إن أحببت أيها الرجل الذي شكى إلينا قسوة قلبه (أن يلين قلبك) يترطب ويتسهل قال الزمخشري: من المجاز رجل لين الجانب ولان لقومه وألان لهم جناحه ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وهو لين الأعطاف وطئ الأكتاف (وتدرك حاجتك) أي تظفر بمطلوبك فقال الرجل بلى يا رسول الله قال (ارحم اليتيم) أي الذي مات أبوه فانفرد عنه واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة للمنفردة في صفائها والرملة اليتيمة ذكره في الكشاف وذلك بأن تعطف عليه وتحنو حنوا يقتضي التفضل عليه والإحسان إليه كناية عن مزيد الشفقة والتلطف به. ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما كما تقول فلان طويل النجاد وتريد طول قامته مع طول علاقة سيفه قال (وامسح رأسه) تلطفا وإيناسا أي بالدهن إصلاحا لشعره أو باليد لما جاء في حديث آخر يشعر بإرادة مسح رأسه مع ذلك باليد وهو ما رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة مرفوعا من مسح على رأس اليتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة وإسناده كما قال ابن حجر ضعيف وإطلاق الأخبار شامل لأيتام الكفار ولم أر من خصها بالمسلم وفي حديث سيأتي عن الحبر أن اليتيم يمسح رأسه من أعلاه إلى مقدمه وغيره بعكسه قال زين الحافظ العراقي: وورد في حديث ابن أبي أوفى أنه يقال عند مسح رأسه جبر الله يتمك وجعلك خلفا من أبيك (وأطعمه من طعامك) أي مما تملكه من الطعام أو لا تؤثر نفسك عليه بنفيس الطعام وتطعمه دونه بل أطعمه مما تأكل منه (يلين قلبك) بالرفع على الاستئناف وبالجزم جوابا للأمر (وتدرك حاجتك) أي فإنك إن أحسنت إليه وفعلت ما ذكر يحصل لك لين القلب وتظفر بالبغية وفيه حث على الإحسان إلى اليتيم ومعاملته بمزيد الرعاية والتعظيم وإكرامه لله تعالى خالصا قال الطيبي وهو عام في كل يتيم سواء كان عنده أو لا فيكرمه وهو كافله أما إذا كان عنده فيلزمه أن يربيه تربية أبيه ولا يقتصر على الشفقة عليه والتلطف به ويؤدبه أحسن تأديب ويعلمه أحسن تعليم ويراعي غبطته في ماله وتزويجه وفيه أن مسح رأسه سبب مخلص من قسوة القلب المبعدة عن الرب فإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي كما ورد في عدة أخبار قال الزين العراقي لكن قيده في حديث أبي أمامة المار بأن لا يمسحه إلا لله قال ولا شك في تقييد إطلاق المسح به لأنه قد يقع مسحه لريبة كأمرد جميل يريد مؤانسته بذلك لريبة كشهوة وإن لم يكن مسح الشعر مفضيا إلى الشهوة فربما دعى إلى ذلك انتهى وفيه أن من ابتلي بداء من الأخلاق الذميمة يكون تداركه بما يضاده من الدواء فالتكبر يداوى بالتواضع والبخل بالسماحة وقسوة القلب بالتعطف والرقة قال في الكشاف وحق هذا الاسم أعني اليتيم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه غلب أن يسموه به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا عن كافل وقائم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم زال عنهم وكانت قريش تقول ⦗١٠٩⦘ لرسول الله ﷺ يتيم آل أبي طالب على القياس أو حكاية حال كان عليها صغيرا توصيفا له وأما خبر " لا يتم بعد احتلام " فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار انتهى (طب عن أبي الدرداء) قال: أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه فذكره قال المنذري رواه الطبراني من رواية بقية وفيه راو لم يسم وبقية مدلس وروى أحمد بسند قال الهيتمي تبعا لشيخه الزين العراقي صحيح أن رجلا شكى إلى المصطفى قسوة قلبه فقال له امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين

стр. 107

٩٨ - (اتخذ الله إبراهيم خليلا) اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من تردد الرسل بالرحمة بينه وبينه وإجابة الدعوة وإظهار الخوارق عليه وعلى آله والنصر على أعدائه وغير ذلك من المزايا والمواهب والخليل المخالل وهو الذي يخاللك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك من الخل الطريق في الرمل أو يسد خللك كما تسد خلله أو يدخلك خلال منزله ذكره الزمخشري وقال القاضي سمي خليلا من الخلة بالفتح الخصلة فإنه وافقه في خصاله أو من الخلة بالفتح أيضا الحاجة لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه أو من الخلة بالضم وهي التخلل فإن الحب تخلل شغاف قلبه بحيث لم يدع به خلالا إلا ملأه لما خالله من أسرار الهيبة ومكنون الغيوب والمعرفة لاصطفائه عن أن يطرقه نظر لغيره قال الراغب: الخلة تنسب إلى العبد لا إليه تعالى فيقال إبراهيم خليل الله ولا يقال الله خليله وهو وإن كان من الأسماء المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر وارتفاعه ارتفاعه لكن ليس المراد بقولهم إبراهيم خليل الله مجرد الصداقة بل الفقر إليه وخص إبراهيم وإن شاركه كل موجود في افتقاره إليه لأنه لما استغنى عن المقتنيات من أعراض الدنيا واعتمد على الله حقا وصار بحيث إنه لما قال له جبريل ألك حاجة قال أما إليك فلا فصبر على إلقائه في النار وعرض ابنه للذبح لاستغنائه عما سواه فخص بهذا الاسم (وموسى) بن عمران (نجيا) خصه بالنجوى أي الخطاب والنجي المناجي الواحد وهو الذي يخاطب الإنسان ويحدثه سرا وهو من قوله تعالى ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ والتناجي التساور (واتخذني حبيبا) فعيل بمعنى مفعول وقضية السياق أنه أعلى درجة من الأوصاف المثبتة لغيره ممن ذكر من الأنبياء (ثم قال وعزتي) قوتي وغلبتي (وجلالي) عظمتي والجلالة عظم القدر والجلال بغير هاء التناهي في ذلك وخص بالله فلا يطلق على غيره كما سيجيء (لأوثرن) بلام القسم وضم الهمزة وشد النون لأفضلن (حبيبي على خليلي) إبراهيم (ونجيي) أي مناجي موسى نبه به على أنه أفضل الرسل وأكملهم وجامع لما تفرق فيهم فالحبيب خليل ومكلم ومشرف وقيل من قاس الحبيب بالخليل فقد أبعد لأن الحبيب من جهة القلب يقال حببته أي أصبت حبه قلبه كما يقال كبدته ورأسته وفأدته أي أصبت كبده ورأسه وفؤاده والخليل من الخلة وهي الحاجة كما مر وقد آثره أيضا بالنظر روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بإسناد حسن جعل الله الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والنظر لمحمد ﷺ قال الراغب يستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضيل والاستئثار للتفرد بالشيء دون غيره والأكثر على أن درجة المحبة أرفع وقيل عكسه لأن النبي ﷺ نفى ثبوت الخلة لغير ربه وأثبت المحبة لفاطمة وابنيها وغيرهم وقيل هما سواء (هب) في كتاب البعث والحكم والديلمي وابن عساكر (عن أبي هريرة) وضعفه مخرجه البيهقي وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال تفرد به مسلمة الخشني وهو متروك والحمل فيه عليه ونوزع بأن مجرد الضعف أو الترك لا يوجب الحكم بالوضع

стр. 108

٩٩ - (اتخذوا) خذوا أخذ معتن بالشيء مجتهد فيه والأمر للندب المؤكد (السراويلات) التي ليست بواسعة ولا طويلة جمع ⦗١١٠⦘ سراويل أعجمي عرب جاء بلفظ الجمع وهو مفرد يذكر ويؤنث والسراوين بنون والشراويل بشين معجمة لغة (فإنها من أستر ثيابكم) أي أكثرها سترا ومن مزيدة لسترها للعورة التي يسيء صاحبها كشفها وفيه ندب لبس السراويل لكن إذا لم تكن واسعة ولا طويلة فإنها مكروهة كما جاء في خبر آخر وفي تفسير ابن وكيع أن إبراهيم أول من تسرول قال الداراني: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أوحى إليه أن وار عورتك من الأرض فكان لا يتخذ من كل شيء إلا واحدا سوى السراويل فيتخذ اثنين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتي عليه حال إلا وعورته مستورة به وروى أبو يعلى أن عثمان لما حوصر أعتق عشرين رقبة ثم دعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في الجاهلية ولا في الإسلام ثم قال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام وأبا بكر وعمر وقالوا: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بالمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه فدل هذا على أنه أبلغ ما تستر به العورة لأنه لم يلبسه إلا عند تحققه أنه مقتول فآثره لأنه أبلغ في صون عورته عن أن يطلع عليها أحد عند قتله (وحصنوا) استروا (بها نساءكم) أي صونوا بها عورات نسائكم يقال حصن نفسه وماله ومدينة حصينة وتحصن اتخذ الحصن مسكنا ثم يتجوز به في كل تحرز ومنه درع حصين لكونه حصنا للبدن (إذا خرجن) من بيوتهن لما فيها من الأمن من انكشاف العورة بنحو سقوط أو ريح فهو كحصن مانع وكالخروج وجود أجنبي مع المرأة بالبيت ذكره جمع. قالوا: ولم يثبت أن نبيا لبسها لكن روى أحمد والأربعة أنه اشتراها وقول ابن القيم الظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها وهم فقد يكون اشتراها لبعض نسائه وقول ابن حجر في شرائه لغيره بعد غير مرضى إذ لا استبعاد في شرائه لعياله وما رواه أبو يعلى وغيره أنه أخبر عن نفسه بأنه لبسه فسيجيء أنه موضوع فلا يتجه القول بندب لبس السراويل حينئذ لأنه حكم شرعي لا يثبت إلا بحديث صحيح أو حسن ومن وهم أن في خبر لا يلبس المحرم السراويل دليل لسن لبسه للرجل فقد وهم إذ لا يلزم من نهي المحرم عن لبسه لكونه مخيطا ندب لبسه لغيره (عق عد والبيهقي في) كتاب (الأدب) كلهم (عن علي) أمير المؤمنين قال: كنت عند النبي ﷺ بالبقيع في يوم دجن أي غيم ومطر فمرت امرأة على حمار فسقطت فأعرض عنها فقالوا: إنها متسرولة فذكره في حديث طويل ثم أعله مخرجاه العقيلي وابن عدي بمحمد بن زكريا العجلي فقال العقيلي: لا يعرف إلا به ولا يتابع إلا عليه وقال أبو حاتم: حديثه منكر وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه لكن تعقبه ابن حجر بأن البزار والمحاملي والدارقطني رووه من طريق آخر قال: فهو ضعيف لا موضوع وذكر نحوه المؤلف في مختصر الموضوعات

стр. 109

١٠٠ - (اتخذوا) إرشادا (السودان) جمع أسود وهو اسم جنس (فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة) أي من أشرافهم وكبرائهم ولا ينافي الأمر بمطلق الاتخاذ هنا خبر من اتخذ من الخدم غير ما ينكح ثم بغين كان عليه مثل لثامهن لأن ما هنا في الذكور وما في الخبر في الإناث اللاتي يطؤهن فقط أو أن هذا فيه معنى الشرط أي إن كنت متخذا ولا بد فاتخذ السودان (لقمان) بن باعوراء (الحكيم) عبد حبشي لداود ﵇ أو لرجل من بني إسرائيل أعطاه الله الحكمة لا النبوة عند الجمهور وكان نجارا وقيل خياطا وقيل ابن أخت أيوب النبي غليه الصلاة والسلام وقيل ابن خالته وقيل كان قاضيا وكان عظيم الشفتين مشقق القدمين فقيل له: ما أقبح وجهك قال: تعيب النقش أو النقاش روى ابن الجوزي عن إبراهيم بن أدهم أن قبر لقمان بين مسجد الرملة ومحل سوقها الآن وفيها قبور سبعين نيبا أخرجهم بنو إسرائيل فماتوا كلهم في يوم جوعا (و) الثاني (النجاشي) بفتح النون وتكسر من النجش وهو الإنارة واسمه أصحمة كأربعة بمهملات وقيل بخاء معجمة حكاه الإسماعيلي وقيل مكحول قال في الكشاف: ومعناه بالعربية عطية (و) ⦗١١١⦘ الثالث (بلال) ككتاب الحبشي وما قيل من أنه ولقمان نوبيان لم يثبت (المؤذن) للنبي من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله تعالى. فإن قلت: هذا يعارضه خبر إياكم والزنج وخبر اجتنبوا هذا السواد فإنه خلق مشوه وخبر إنما الأسود لبطنه وفرجه. قلت: كلا لأن الأسود ينقسم إلى زنجي وحبشي فالمرهوب منه الزنجي والمرغوب فيه الحبشي وهؤلاء من الحبشان ثم رأيت راوي الخبر وهو الطبراني قال: أراد الحبش هذا لفظه وروى الديلمي بسند ضعيف عن ابن عمر مرفوعا من أدخل بيته حبشيا أو حبشية أدخل الله بيته بركة وقد صنف المؤلف كتابا في فضل الحبشان سماه رفع شأن الحبشان استوعب فيه الأحاديث الواردة في ذلك قال: وروى البيهقي عن الشافعي ما نقص من أثمان السودان إلا لضعف عقولهم ولولا ذلك لكان لونا من الألوان ومن الناس من يفضله على غيره قال ابن الجوزي: والسواد لون أصلي لكنا روينا أن بني نوح اقتسموا الأرض فنزل بنو سام سرة الأرة فكانت فيهم الأدمة والبياض وبنو يافث الشمال والصبا فكانت فيهم الحمرة والشقرة وبنو حام مجرى الجنوب والدبور فتغيرت ألوانهم وما روي أن نوحا انكشفت عورته فلم يغطها حام فدعا عليه فاسود لم يثبت (حب في) كتاب (الضعفاء) والمتروكين (طب عن ابن عباس) قال الهيتمي بعد عزوه الطبراني فيه أبين بن سفيان وهو ضعيف وقال غيره فيه أيضا أحمد بن عبد الرحمن الحراني أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو عروبة ليس بمؤتمن على دينه عن أبين بن سفيان المقدسي قال في اللسان عن الدارقطني ضعيف له مناكير وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأقره عليه المؤلف في الكبير لكن نازعه في مختصر الموضوعات على عادته وبالجملة فإن سلم عدم وضعه فهو شديد الضعف جدا

стр. 110

١٠١ - (اتخذوا) ندبا (الديك) بكسر الدال ذكر الدجاج وجمعه ديوك وديكه كعنب وعنبة وله أسماء وكنى كثيرة مستوفاة في حياة الحيوان (الأبيض) أي اقتنوه في بيوتكم فإن له خواص كثيرة ذكر منها ابن البيطار في مفرداته جملة ومن خواصه طرد الشيطان والسحر كما قال (فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان) فيعال من شطن بعد لبعده عن الحق أو فعلان من شاط بطل أو احترق غضبا (ولا ساحر) يسحر بمعنى أنه لا يؤثر في أهلها سحر ساحر (ولا الدويرات) بالتصغير جمع دار (حولها) أي المحلات حول تلك الدار والدار اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة ذكره القاضي. وقال الراغب: الدار المنزلة اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط قال التوربشتي: الدار لغة العامر المسكون والعامر المنزول من الاستدارة لأنهم كانوا يخطون بطرف رمحهم قدر ما يريدون إحياءه مسكنا وقال الحراني: أصلها ما أرادته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظا لما حوته من أموالها (طس عن أنس) بن مالك قال الهيتمي: فيه محمد بن محصن العكاشي كذاب انتهى
следующие страницы →