← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21660

فيض القدير

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (10 128 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٩٧ - (أتحب) استفهام فيه معنى الشرط أي إن أحببت أيها الرجل الذي شكى إلينا قسوة قلبه (أن يلين قلبك) يترطب ويتسهل قال الزمخشري: من المجاز رجل لين الجانب ولان لقومه وألان لهم جناحه ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وهو لين الأعطاف وطئ الأكتاف (وتدرك حاجتك) أي تظفر بمطلوبك فقال الرجل بلى يا رسول الله قال (ارحم اليتيم) أي الذي مات أبوه فانفرد عنه واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة للمنفردة في صفائها والرملة اليتيمة ذكره في الكشاف وذلك بأن تعطف عليه وتحنو حنوا يقتضي التفضل عليه والإحسان إليه كناية عن مزيد الشفقة والتلطف به. ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما كما تقول فلان طويل النجاد وتريد طول قامته مع طول علاقة سيفه قال (وامسح رأسه) تلطفا وإيناسا أي بالدهن إصلاحا لشعره أو باليد لما جاء في حديث آخر يشعر بإرادة مسح رأسه مع ذلك باليد وهو ما رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة مرفوعا من مسح على رأس اليتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة وإسناده كما قال ابن حجر ضعيف وإطلاق الأخبار شامل لأيتام الكفار ولم أر من خصها بالمسلم وفي حديث سيأتي عن الحبر أن اليتيم يمسح رأسه من أعلاه إلى مقدمه وغيره بعكسه قال زين الحافظ العراقي: وورد في حديث ابن أبي أوفى أنه يقال عند مسح رأسه جبر الله يتمك وجعلك خلفا من أبيك (وأطعمه من طعامك) أي مما تملكه من الطعام أو لا تؤثر نفسك عليه بنفيس الطعام وتطعمه دونه بل أطعمه مما تأكل منه (يلين قلبك) بالرفع على الاستئناف وبالجزم جوابا للأمر (وتدرك حاجتك) أي فإنك إن أحسنت إليه وفعلت ما ذكر يحصل لك لين القلب وتظفر بالبغية وفيه حث على الإحسان إلى اليتيم ومعاملته بمزيد الرعاية والتعظيم وإكرامه لله تعالى خالصا قال الطيبي وهو عام في كل يتيم سواء كان عنده أو لا فيكرمه وهو كافله أما إذا كان عنده فيلزمه أن يربيه تربية أبيه ولا يقتصر على الشفقة عليه والتلطف به ويؤدبه أحسن تأديب ويعلمه أحسن تعليم ويراعي غبطته في ماله وتزويجه وفيه أن مسح رأسه سبب مخلص من قسوة القلب المبعدة عن الرب فإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي كما ورد في عدة أخبار قال الزين العراقي لكن قيده في حديث أبي أمامة المار بأن لا يمسحه إلا لله قال ولا شك في تقييد إطلاق المسح به لأنه قد يقع مسحه لريبة كأمرد جميل يريد مؤانسته بذلك لريبة كشهوة وإن لم يكن مسح الشعر مفضيا إلى الشهوة فربما دعى إلى ذلك انتهى وفيه أن من ابتلي بداء من الأخلاق الذميمة يكون تداركه بما يضاده من الدواء فالتكبر يداوى بالتواضع والبخل بالسماحة وقسوة القلب بالتعطف والرقة قال في الكشاف وحق هذا الاسم أعني اليتيم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه غلب أن يسموه به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا عن كافل وقائم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم زال عنهم وكانت قريش تقول ⦗١٠٩⦘ لرسول الله ﷺ يتيم آل أبي طالب على القياس أو حكاية حال كان عليها صغيرا توصيفا له وأما خبر " لا يتم بعد احتلام " فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار انتهى (طب عن أبي الدرداء) قال: أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه فذكره قال المنذري رواه الطبراني من رواية بقية وفيه راو لم يسم وبقية مدلس وروى أحمد بسند قال الهيتمي تبعا لشيخه الزين العراقي صحيح أن رجلا شكى إلى المصطفى قسوة قلبه فقال له امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين

стр. 107

٩٨ - (اتخذ الله إبراهيم خليلا) اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من تردد الرسل بالرحمة بينه وبينه وإجابة الدعوة وإظهار الخوارق عليه وعلى آله والنصر على أعدائه وغير ذلك من المزايا والمواهب والخليل المخالل وهو الذي يخاللك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك من الخل الطريق في الرمل أو يسد خللك كما تسد خلله أو يدخلك خلال منزله ذكره الزمخشري وقال القاضي سمي خليلا من الخلة بالفتح الخصلة فإنه وافقه في خصاله أو من الخلة بالفتح أيضا الحاجة لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه أو من الخلة بالضم وهي التخلل فإن الحب تخلل شغاف قلبه بحيث لم يدع به خلالا إلا ملأه لما خالله من أسرار الهيبة ومكنون الغيوب والمعرفة لاصطفائه عن أن يطرقه نظر لغيره قال الراغب: الخلة تنسب إلى العبد لا إليه تعالى فيقال إبراهيم خليل الله ولا يقال الله خليله وهو وإن كان من الأسماء المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر وارتفاعه ارتفاعه لكن ليس المراد بقولهم إبراهيم خليل الله مجرد الصداقة بل الفقر إليه وخص إبراهيم وإن شاركه كل موجود في افتقاره إليه لأنه لما استغنى عن المقتنيات من أعراض الدنيا واعتمد على الله حقا وصار بحيث إنه لما قال له جبريل ألك حاجة قال أما إليك فلا فصبر على إلقائه في النار وعرض ابنه للذبح لاستغنائه عما سواه فخص بهذا الاسم (وموسى) بن عمران (نجيا) خصه بالنجوى أي الخطاب والنجي المناجي الواحد وهو الذي يخاطب الإنسان ويحدثه سرا وهو من قوله تعالى ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ والتناجي التساور (واتخذني حبيبا) فعيل بمعنى مفعول وقضية السياق أنه أعلى درجة من الأوصاف المثبتة لغيره ممن ذكر من الأنبياء (ثم قال وعزتي) قوتي وغلبتي (وجلالي) عظمتي والجلالة عظم القدر والجلال بغير هاء التناهي في ذلك وخص بالله فلا يطلق على غيره كما سيجيء (لأوثرن) بلام القسم وضم الهمزة وشد النون لأفضلن (حبيبي على خليلي) إبراهيم (ونجيي) أي مناجي موسى نبه به على أنه أفضل الرسل وأكملهم وجامع لما تفرق فيهم فالحبيب خليل ومكلم ومشرف وقيل من قاس الحبيب بالخليل فقد أبعد لأن الحبيب من جهة القلب يقال حببته أي أصبت حبه قلبه كما يقال كبدته ورأسته وفأدته أي أصبت كبده ورأسه وفؤاده والخليل من الخلة وهي الحاجة كما مر وقد آثره أيضا بالنظر روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بإسناد حسن جعل الله الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والنظر لمحمد ﷺ قال الراغب يستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضيل والاستئثار للتفرد بالشيء دون غيره والأكثر على أن درجة المحبة أرفع وقيل عكسه لأن النبي ﷺ نفى ثبوت الخلة لغير ربه وأثبت المحبة لفاطمة وابنيها وغيرهم وقيل هما سواء (هب) في كتاب البعث والحكم والديلمي وابن عساكر (عن أبي هريرة) وضعفه مخرجه البيهقي وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال تفرد به مسلمة الخشني وهو متروك والحمل فيه عليه ونوزع بأن مجرد الضعف أو الترك لا يوجب الحكم بالوضع

стр. 108

٩٩ - (اتخذوا) خذوا أخذ معتن بالشيء مجتهد فيه والأمر للندب المؤكد (السراويلات) التي ليست بواسعة ولا طويلة جمع ⦗١١٠⦘ سراويل أعجمي عرب جاء بلفظ الجمع وهو مفرد يذكر ويؤنث والسراوين بنون والشراويل بشين معجمة لغة (فإنها من أستر ثيابكم) أي أكثرها سترا ومن مزيدة لسترها للعورة التي يسيء صاحبها كشفها وفيه ندب لبس السراويل لكن إذا لم تكن واسعة ولا طويلة فإنها مكروهة كما جاء في خبر آخر وفي تفسير ابن وكيع أن إبراهيم أول من تسرول قال الداراني: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أوحى إليه أن وار عورتك من الأرض فكان لا يتخذ من كل شيء إلا واحدا سوى السراويل فيتخذ اثنين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتي عليه حال إلا وعورته مستورة به وروى أبو يعلى أن عثمان لما حوصر أعتق عشرين رقبة ثم دعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في الجاهلية ولا في الإسلام ثم قال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام وأبا بكر وعمر وقالوا: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بالمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه فدل هذا على أنه أبلغ ما تستر به العورة لأنه لم يلبسه إلا عند تحققه أنه مقتول فآثره لأنه أبلغ في صون عورته عن أن يطلع عليها أحد عند قتله (وحصنوا) استروا (بها نساءكم) أي صونوا بها عورات نسائكم يقال حصن نفسه وماله ومدينة حصينة وتحصن اتخذ الحصن مسكنا ثم يتجوز به في كل تحرز ومنه درع حصين لكونه حصنا للبدن (إذا خرجن) من بيوتهن لما فيها من الأمن من انكشاف العورة بنحو سقوط أو ريح فهو كحصن مانع وكالخروج وجود أجنبي مع المرأة بالبيت ذكره جمع. قالوا: ولم يثبت أن نبيا لبسها لكن روى أحمد والأربعة أنه اشتراها وقول ابن القيم الظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها وهم فقد يكون اشتراها لبعض نسائه وقول ابن حجر في شرائه لغيره بعد غير مرضى إذ لا استبعاد في شرائه لعياله وما رواه أبو يعلى وغيره أنه أخبر عن نفسه بأنه لبسه فسيجيء أنه موضوع فلا يتجه القول بندب لبس السراويل حينئذ لأنه حكم شرعي لا يثبت إلا بحديث صحيح أو حسن ومن وهم أن في خبر لا يلبس المحرم السراويل دليل لسن لبسه للرجل فقد وهم إذ لا يلزم من نهي المحرم عن لبسه لكونه مخيطا ندب لبسه لغيره (عق عد والبيهقي في) كتاب (الأدب) كلهم (عن علي) أمير المؤمنين قال: كنت عند النبي ﷺ بالبقيع في يوم دجن أي غيم ومطر فمرت امرأة على حمار فسقطت فأعرض عنها فقالوا: إنها متسرولة فذكره في حديث طويل ثم أعله مخرجاه العقيلي وابن عدي بمحمد بن زكريا العجلي فقال العقيلي: لا يعرف إلا به ولا يتابع إلا عليه وقال أبو حاتم: حديثه منكر وقال ابن عدي: حدث بالبواطيل ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه لكن تعقبه ابن حجر بأن البزار والمحاملي والدارقطني رووه من طريق آخر قال: فهو ضعيف لا موضوع وذكر نحوه المؤلف في مختصر الموضوعات

стр. 109

١٠٠ - (اتخذوا) إرشادا (السودان) جمع أسود وهو اسم جنس (فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة) أي من أشرافهم وكبرائهم ولا ينافي الأمر بمطلق الاتخاذ هنا خبر من اتخذ من الخدم غير ما ينكح ثم بغين كان عليه مثل لثامهن لأن ما هنا في الذكور وما في الخبر في الإناث اللاتي يطؤهن فقط أو أن هذا فيه معنى الشرط أي إن كنت متخذا ولا بد فاتخذ السودان (لقمان) بن باعوراء (الحكيم) عبد حبشي لداود ﵇ أو لرجل من بني إسرائيل أعطاه الله الحكمة لا النبوة عند الجمهور وكان نجارا وقيل خياطا وقيل ابن أخت أيوب النبي غليه الصلاة والسلام وقيل ابن خالته وقيل كان قاضيا وكان عظيم الشفتين مشقق القدمين فقيل له: ما أقبح وجهك قال: تعيب النقش أو النقاش روى ابن الجوزي عن إبراهيم بن أدهم أن قبر لقمان بين مسجد الرملة ومحل سوقها الآن وفيها قبور سبعين نيبا أخرجهم بنو إسرائيل فماتوا كلهم في يوم جوعا (و) الثاني (النجاشي) بفتح النون وتكسر من النجش وهو الإنارة واسمه أصحمة كأربعة بمهملات وقيل بخاء معجمة حكاه الإسماعيلي وقيل مكحول قال في الكشاف: ومعناه بالعربية عطية (و) ⦗١١١⦘ الثالث (بلال) ككتاب الحبشي وما قيل من أنه ولقمان نوبيان لم يثبت (المؤذن) للنبي من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله تعالى. فإن قلت: هذا يعارضه خبر إياكم والزنج وخبر اجتنبوا هذا السواد فإنه خلق مشوه وخبر إنما الأسود لبطنه وفرجه. قلت: كلا لأن الأسود ينقسم إلى زنجي وحبشي فالمرهوب منه الزنجي والمرغوب فيه الحبشي وهؤلاء من الحبشان ثم رأيت راوي الخبر وهو الطبراني قال: أراد الحبش هذا لفظه وروى الديلمي بسند ضعيف عن ابن عمر مرفوعا من أدخل بيته حبشيا أو حبشية أدخل الله بيته بركة وقد صنف المؤلف كتابا في فضل الحبشان سماه رفع شأن الحبشان استوعب فيه الأحاديث الواردة في ذلك قال: وروى البيهقي عن الشافعي ما نقص من أثمان السودان إلا لضعف عقولهم ولولا ذلك لكان لونا من الألوان ومن الناس من يفضله على غيره قال ابن الجوزي: والسواد لون أصلي لكنا روينا أن بني نوح اقتسموا الأرض فنزل بنو سام سرة الأرة فكانت فيهم الأدمة والبياض وبنو يافث الشمال والصبا فكانت فيهم الحمرة والشقرة وبنو حام مجرى الجنوب والدبور فتغيرت ألوانهم وما روي أن نوحا انكشفت عورته فلم يغطها حام فدعا عليه فاسود لم يثبت (حب في) كتاب (الضعفاء) والمتروكين (طب عن ابن عباس) قال الهيتمي بعد عزوه الطبراني فيه أبين بن سفيان وهو ضعيف وقال غيره فيه أيضا أحمد بن عبد الرحمن الحراني أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو عروبة ليس بمؤتمن على دينه عن أبين بن سفيان المقدسي قال في اللسان عن الدارقطني ضعيف له مناكير وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأقره عليه المؤلف في الكبير لكن نازعه في مختصر الموضوعات على عادته وبالجملة فإن سلم عدم وضعه فهو شديد الضعف جدا

стр. 110

١٠١ - (اتخذوا) ندبا (الديك) بكسر الدال ذكر الدجاج وجمعه ديوك وديكه كعنب وعنبة وله أسماء وكنى كثيرة مستوفاة في حياة الحيوان (الأبيض) أي اقتنوه في بيوتكم فإن له خواص كثيرة ذكر منها ابن البيطار في مفرداته جملة ومن خواصه طرد الشيطان والسحر كما قال (فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان) فيعال من شطن بعد لبعده عن الحق أو فعلان من شاط بطل أو احترق غضبا (ولا ساحر) يسحر بمعنى أنه لا يؤثر في أهلها سحر ساحر (ولا الدويرات) بالتصغير جمع دار (حولها) أي المحلات حول تلك الدار والدار اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة ذكره القاضي. وقال الراغب: الدار المنزلة اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط قال التوربشتي: الدار لغة العامر المسكون والعامر المنزول من الاستدارة لأنهم كانوا يخطون بطرف رمحهم قدر ما يريدون إحياءه مسكنا وقال الحراني: أصلها ما أرادته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظا لما حوته من أموالها (طس عن أنس) بن مالك قال الهيتمي: فيه محمد بن محصن العكاشي كذاب انتهى

стр. 111

١٠٢ - (اتخذوا) ندبا وارشادا (هذه الحمام) كسحاب ما عب وهدر أي شرب الماء بلا مص وصوت يقع على الذكر والأنثى ودخول الهاء لإفادة الوحدة لا للتأنيث قال ابن العماد: ويقع على الذي يألف البيوت واليمام والقماري وساق حر والفاختة والقطا والورشان والعصفور والفتح والحجل والدراج (المقاصيص) جمع مقصوصة أي مقطوعة ريش الأجنحة لئلا تطير. يقال: قصصت الشعر أي قطعته وقصصته بالتثقيل مبالغة (في بيوتكم) بضم الباء وتكسر أي أماكن سكنكم (فإنها تلهي) من لها يلهو لعب (الجن عن) عبثهم بنحو (صبيانكم) وأذاهم قيل وللأحمر في ذلك مزيد خصوصية ⦗١١٢⦘ ولعل وجهه أن الجن تحب من الألوان الحمرة كما ورد في خبر فإذا كان الحمام باللون المحبوب لهم كانوا أكثر إقبالا على اللهو به والإشتغال به عن العبث بالأطفال قال في القاموس: ومجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والجمود والثبات ومن فوائد اتخاذ الحمام أنه يطرد الوحشة فقد أخرج الخطيب في التاريخ عن ابن عباس قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ الوحشة فقال: اتخذ زوج حمام يؤنسك في الليل لكن فيه محمد بن زياد كذاب وأخرج ابن السني عن معاذ أن عليا شكا إلى النبي ﷺ الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام ويذكر الله تعالى عند هديره وأشار المصطفى ﷺ بقوله المقاصيص إلى عدم اتخاذ غيرها فإنه يجر إلى اللعب به بالتطير أو المسابقة وذلك مكروه بل ترد الشهادة بإدامته وفيه جواز حبس الطير في القفص مع القيام بمؤنته قال في شرح المقاصد: والجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية انتهى. والظاهر أن المراد هنا كل منهما كما يدل عليه السياق (الشيرازي) أبو بكر أحمد بن عبدان الملقب بالباز الأبيض منسوب إلى شيراز بكسر المعجمة فمثناة تحتية وآخره زاي: قصبة بلاد فارس ودار الملك خرج منها جماعة من أهل التصوف والفقه والحديث منهم هذا الحافظ (في) كتاب (الألقاب) أي ألقاب الرواة (خط) في ترجمة محمد بن زياد اليشكري (فر عن ابن عباس) قضبته أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتا عليه والأمر بخلافه فإنه عقبه بنقله عن أحمد وابن معين وغيرهما أن محمد بن زياد كان كذابا يضع الحديث انتهى. وقال ابن حجر: فيه محمد بن زياد اليشكري كذبوه وفي الميزان كذاب وضاع ثم أورد له هذا الخبر يروي الموضوعات عن الأثبات ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه وتبعه المؤلف في مختصر الموضوعات ساكتا عليه وحكاه عنه في الكبير وأقره فكان ينبغي حذفه من هذا الكتاب وفاء بشرطه وممن جزم بوضعه ابن عراق والهندي وغيرهما وما في الأدب المفرد للبخاري عن الحسن سمعت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام فلا دلالة فيه على وضع هذا الحديث ولا عدمه كما وهم

стр. 112

١٠٣ - (اتخذوا) ندبا وإرشادا (الغنم) محركة الشاء لا واحد لها من لفظها الواحدة شاه اسم مؤنث للجنس يقع على الذكر والأنثى (فإنها بركة) أي خير ونماء لسرعة نتاجها وكثرته لأنها تنتج في العام مرتين وتولد الواحد والاثنين ويؤكل منها ما شاء الله ويمتلئ منها وجه الأرض والسباع تلد ستا وسبعا ولا يرى منها إلا الواحد في الأطراف ومن ثم ورد ما من نبي إلا ورعى الغنم زاد البخاري قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها لأهل مكة على قراريط أي كل شاة بدينار وقيل موضع بقرب مكة وقد كان التفاخر بالغنم بين أهل اللسان معروفا من قديم الزمان حسبما يشهد بذلك قصائد فحول قدماء الشعراء كامرئ القيس <تنبيه> في فتاوى المؤلف عن مقتضى المذاهب الأربعة أن من عير برعي الغنم فقال: كان النبي ﷺ يرعاها قبل النبوة أنه يعزر <فائدة> حكى في الوحيد أنه ورد في بعض الآثار أن الخليل ﷺ كان له أربعة آلاف كلب في غنمه في عنق كل كلب طوق من الذهب الأحمر زنته ألف مثقال فقيل له في ذلك فقال: إنما فعلت ذلك لأن الدنيا جيفة وطلابها كلاب فدفعتها لطلابها (طب خط عن أم هانئ) بنون مكسورة وهمزة فاختة أو هند بنت أبي طالب أخت علي لها صحبة ورواية أسلمت يوم الفتح وهرب زوجها هبيرة بن عمرو المخزومي إلى نجران ورواه الإمام الرافعي عن عائشة باللفظ المزبور (ورواه هـ) عنها أيضا ووافقه ابن جرير والطبراني والبيهقي (بلفظ اتخذي) يا أم هانئ (غنما فإن فيها بركة) رمز المصنف لحسنه وهو كما قال أو أعلى فإن رواة ابن ماجه ثقات ورواه أحمد قال الهيتمي: بعد ما عزاه لأحمد وفيه موسى بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة لم أعرفه

стр. 113

⦗١١٣⦘ ١٠٤ - (اتخذوا عند الفقراء) جمع فقير فعيل بمعنى فاعل يقال فقر يفقر إذا قل ماله وغلب استعماله في الصوفية وأهل السلوك (أيادي) أي اصنعوا معهم معروفا واليد كما تطلق على الجارحة تطلق على النعمة والإحسان والقوة والسلطان قال الزمخشري: من المجاز لفلان عندي يد وأيديت عنده ويديت أنعمت (فإن لهم دولة) انقلابا من الشدة إلى الرخاء ومن العسر إلى اليسر فلو عرف الغني ما للفقير عند الله لاتخذه صاحبا وترك الأغنياء جانيا قال أبو عثمان المغربي: من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب. قال في الكشاف: والدولة بالفتح والضم ما يدول للإنسان أي يدور من الجد يقال دالت له الدولة وأديل لفلان وقيل الدولة بالضم ما يتداول وبالفتح بمعنى التداول وفي الأساس دالت به الدولة ودالت الأيام بكذا وأدال الله بني فلان من عدوهم جعل الكرة لهم عليهم (يوم القيامة) نصب على الظرفية وقد تأدب السلف في هذا بأدب المصطفى تأدبا حسنا حتى حكي عن سفيان الثوري أن الفقراء في مجلسه كانوا أمراء قال اليافعي: وكان بعض الفقراء الواجدين يغني ويبكي ويقول في غنائه: قال لنا حبيبنا اليوم لهم وغدا لنا. وظاهر صنيع المصنف أن هذا الحديث هو بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته عند مخرجه فإذا كان يوم القيامة نادى مناد سيروا إلى الفقراء فاعتذروا إليهم كما يعتذر أحدكم إلى أخيه في الدنيا انتهى بنصه <فائدة> رأى بعض العارفين عليا كرم الله وجهه في النوم فقال له: ما أحسن الأعمال قال: عطف الأغنياء على الفقراء وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى (حل عن الحسين بن علي) أمير المؤمنين قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف جدا انتهى ورمز المصنف لضعفه لكن ظاهر كلام الحافظ ابن حجر أنه موضوع فإنه قال: لا أصل له وتبعه تلميذه السخاوي فقال بعد ما ساقه وساق أخبارا متعددة من هذا الباب وكل هذا باطل كما بينته في بعض الأجوبة وسيق إلى ذلك الذهبي وابن تيمية وغيرهما قالوا: ومن المقطوع بوضعه حديث اتخذوا مع الفقراء أيادي قبل أن تجيء دولتهم ذكره المؤلف وغيره عنه

стр. 114

١٠٥ - (اتخذه من ورق) بفتح الواو وتثليث الراء فضة قال في الكشاف: الورق فضة مضروبة أو غير مضروبة (ولا تتمه) بضم فكسر تكمله من أتم الشيء أكمله قال الراغب: وتمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه ويقال ذلك للمعدود والممسوح (مثقالا) بكسر فسكون معروف وهو درهم وثلاثة أسباع درهم فإن بلغ مثقالا كره كراهة تنزيه فإن زاد عليه ففي تحريمه وجهان والأصح أنه إن لم يعد إسرافا عرفا جاز وإلا فلا وفي رواية لأبي داود ولا تتمه مثقالا ولا قيمة مثقال. قال الحافظ الزين العراقي: ومعنى هذه الزيادة أنه ريما وصل الخاتم بالنفاسة في صنعته إلى أن يكون قيمته مثقالا فهو داخل في النهي أيضا وقوله (يعني الخاتم) تفسير من الراوي لما أشير إليه بضمير اتخذه ولبس الخاتم سنة قال ابن العربي: الخاتم عادة في الأمم ماضية وسنة في الإسلام قائمة وفي المواهب القسطلانية وشرح الشمائل للهيتمي وغيرهما عن جدي الشرف المناوي رحمه الله تعالى تحصل السنة بلبسه مطلقا ولو مستعار أو مستأجرا لكن الأفضل لبسه بالملك واستدامته انتهى (٣) وكذا ابن حبان وصححه (عن بريدة) بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة ابن الحصيب بضم المهملة وفتح المهملة الثانية فتحتية فموحدة ابن عبد الله الأسلمي قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من صفر فقال: مالي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فقال: مالي أرى عليك حلية أهل الجنة قال: يا رسول الله فمن أي شيء أتخذه قال: اتخذه من ورق إلى آخره قال الترمذي: حديث غريب قال ابن حجر: وفيه عبد الرحمن ابن مسلم أبو طيبة قال أبو حاتم لا يحتج به وقال ابن حبان: يخطئ ومع ذلك صححه فدل على قبوله له وأقل درجاته الحسن انتهى. ⦗١١٤⦘ ولذلك رمز المؤلف لحسنه لكن ضعفه النووي في المجموع وشرح مسلم وتبعه جمع من الفقهاء

стр. 115

١٠٦ - (أتدرون) أتعلمون أو أتعرفون قال الراغب: الدراية المعرفة المدركة بضرب من ضروب الحيل وهو تقديم المقدمة واجالة الخاطر واستعمال الروية ولا يجوز أن يوصف بذلك البارئ لأن معنى الحيل لا يصح عليه ولم يرد به سمع فيتبع وقول الشاعر: لا هم لا أدري وأنت تدري. . . من تعجرف أجلاف الأعراب (ما العضه) بفتح المهملة وسكون المعجمة وضم الهاء البهتان الذي يحير قال في الصحاح: العضه الرمي بالبهتان وقال في القاموس: عضه كمنع كذب وجاء بالإفك والبهتان وفلانا أبهته وقال فيه ما لم يكن وسخر ونم انتهى. وعنون بالاستفهام تنبيها على فخامة ما يلقيه من الكلام وإشارة إلى أنه يتعين معرفته ويقبح الجهل به ولما قال ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال (نقل الحديث) أي ما يتحدث به (من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم) أي لأجل أن يفسد الناقلون المفهومون من نقل بين المنقول إليهم والمنقول عنهم وعبر بالجمع إشارة لاعتياده واطراده بينهم والمراد التحذير من نقل كلام قوم لآخرين لإلقاء العداوة والبغضاء بينهم وهذا هو النميمة التي هي كما قال جمع: نقل الحديث على وجه الإفساد وهو من الكبائر وقال الغزالي: حد النميمة كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث سواء كان بقول أو كتابة أو رمز أو إيماء سواء كان عيبا أو نقصا على المنقول عنه أو لا بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه (تتمة) تبع رجل حكيما سبع مئة فرسخ لأجل سبع كلمات قال: أخبرني عن السماء وما أثقل منها وعن الأرض وما أوسع منها وعن الحجر وما أقسى منه وعن النار وما أحر منها وعن الزمهرير وما أبرد منه وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما أذل منه فقال: البهتان على البريء أثقل من السماء والحق أوسع من الأرض والقلب القانع أغنى من البحر والحرص والحسد أحر من النار والحاجة إلى الغير إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر والنمام إذا بان للناس أمره أذل من اليتيم (خد هق) كلاهما معا من حديث سنان بن سعد (عن أنس) بن مالك رمز المؤلف لحسنه وليس كما قال فقد أعله الذهبي في المذهب متعقبا على البيهقي فقال: فيه سنان بن سعد وهو ضعيف

стр. 116

١٠٧ - (أترعوا) بفتح الهمزة وسكون المثناة فوق وكسر الراء: املؤا إرشادا. قال الزمخشري وغيره: أترع الكأس ملأها وجفان مترعات وسد الترعة وهو منفتح الماء ومن المجاز فتح ترعة الدار بابها وحجبني التراع البواب يقولون جاءه القراع فرده التراع (الطسوس) بضم الطاء وسينين مهملتين جمع طس وهو لغة في الطست (وخالفوا المجوس) بفتح الميم فإنهم لا يفعلون ذلك وهم عبدة النار القائلون بأن العالم نور وظلمة. ومعنى الحديث اجمعوا الماء الذي تغسلون به أيديكم في إناء واحد حتى يمتلئ فإن ذلك مستحب ولا تريقوه قبل امتلائه كما تفعله المجوس. وقد جرى على ندب ذلك الغزالي في مختصر الإحياء فقال: يستحب أن يجمع ماء الكل في طست واحد ما أمكن لهذا الحديث وهذا بناء على أن المراد من الحديث غسل الأيدي من الطعام عقب الأكل وحمله بعضهم على الوضوء الشرعي فقال: يسن جمع ماء الوضوء في طست حتى يمتلئ ويطف ولا يبادر باهراقه قبل الامتلاء مخالفة للمجوس ولكل من الحملين وجه أما كون ذلك من سنن الأكل فلأن فيه صون الماء عن التزلق الذي قد يقع فيه بعض الحاضرين فيؤذيه وأما كونه من سنن الوضوء فلأن فيه التحرز عن الرشاش الذي قد يصيب ثوبه بعد إصابته الأرض فيؤدي إلى الوسواس المضر ويوافق ذلك أنه يسن عندنا للمتوضئ أن يتوقى الرشاش المؤدي إلى الوسواس وينضم إلى ذلك مخالفة المجوس. الحديث وإن كان ضعيفا لكن يعمل به في الفضائل وهذا منها وفي الشعب أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله ⦗١١٥⦘ بواسط بلغني أن الرجل يتوضأ في طست ثم يأمر بها فتهراق وهذا من زي العجم فتوضؤا فيها فإذا امتلأت فاهريقوها (هب خط فر عن ابن عمر) بن الخطاب وضعفه البيهقي وقال: في إسناده من يجهل وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح وأكثر رواته ضعفاء ومجاهيل لكنه ورد بمعناه في خبر جيد رواه القضاعي في مسند الشهاب عن أبي هريرة بلفظ اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم وقال الحافظ العراقي: إسناده لا بأس به. وروى البيهقي عن أبي هريرة مرفوعا لا ترفعوا الطسوس حتى تطف اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم

стр. 117

١٠٨ - (أترعون) بفتح همزة الاستفهام والمثناة فوق وكسر الراء أي أتتحرجون وتكفون وتتورعون (عن ذكر) بكسر فسكون (الفاجر) المتظاهر بنحو تخنث وزنا ولواط وشرب خمر وجور غير مبال بما ارتكبه من ذلك وتمتنعون (أن تذكروه) أي تجروا جرائمه على ألسنتكم بين الناس (فاذكروه) بما فيه ولهذا قال الحسن: ثلاثة لا غيبة لهم صاحب هوى والفاسق المعلن والإمام الجائر. وقال الغزالي: وهؤلاء يجمعهم أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون وكيف يكرهونه وهم يقصدون إظهاره (يعرفه الناس) أي ليعرفوا حاله فيحذروه فليس ذكره حينئذ منهيا عنه بل مأمور به للمصلحة ومن ذلك قول الحسن في الحجاج أخرج البنا بنانا قصيرة قلما عرفت فيها اللعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول: يا أبا سعيد يا أبا سعيد وقال: لما مات اللهم أنت أمته فاقطع سنته فإنه أتانا خيفش أعيمش يخطر في مشيه لا يصعد المنبر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وصحبه مئة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة هيهات دون ذلك السيف. والغيبة تباح في نحو أربعين موضعا ذكرها ابن العماد وغيره والكلام في غير نحو راو وشاهد وأمين صدقة وناظر وقف ويتيم أما هم فيجب جرحهم إجماعا على من علم فيهم قادحا وإن لم يتجاهروا بالفجور ولا أبرزوا الخيانة إلى حين الظهور <تنبيه> هذا الحديث وما بعده شامل للفاجر الميت ولا ينافيه النهي عن سب الأموات في الخبر الآتي لأن السب غير الذكر بالشر وبفرض عدم المغايرة فالجائز سب الأشرار والمنهي سب الأخيار ذكره الكرماني وغيره (خط في) كتاب (رواه مالك) بن أنس (عن أبي هريرة) وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث الجارود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا ثم قال: هذا يعد من أفراد الجارود وليس بشيء وقضية تصرف المصنف أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتا عليه والأمر بخلافه بل قال: تفرد به الجارود وهو كما قال البخاري منكر الحديث وكان أبو أسامة يرميه بالكذب هذا كلام الخطيب فنسبته لمخرجه واقتطاعه من كلامه ما عقبه به من بيان حاله غير مرضي وقد قال في الميزان إنه موضوع ونقله عنه في الكبير وأقره عليه لكن نقل الزركشي عن الهروي في كتاب ذم الكلام أنه حسن باعتبار شواهده التي منها ما ذكره المؤلف بقوله:

стр. 118

١٠٩ - (أترعون عن ذكر الفاجر) أي الذي يفجر الحدود أي يخرقها ويتعداها معلنا غير مبال ولا مستتر فالإسلام كحظيرة حظرها الله على أهله فمن ثلم تلك الحظيرة بالخروج منها متخطيا ما وراءها فقد فجرها وذا يكون من المؤمن والكافر لكن الحديث إنما ورد في المؤمن فيكون غيره أولى بدليل ما ذكر في سبب الحديث أنه لما حث على ستر المسلم وتوعد على هتكه تورعوا عن ذكره لحرمة التوحيد فبين لهم أن الستر إنما هو لأهل الستر فمن لزمه هذا الاسم لغلبة الفجور عليه وقلة مبالاته فلا حرمة له فلا يكتم أمره بل قد يجب ذكره ويكون الكف عنه خيانة. ألا ترى إلى قوله (متى) بفتح الميم مخففا (يعرفه الناس) أي وقت يعرفه الناس إن لم تعرفوهم به (اذكروا الفاجر) الفاسق (بما فيه) من الفجور وهتك ستر الديانة فذكره بذلك من النصيحة الواجبة لئلا يغتر به مسلم فيقتدي به في فعلته أو يضله ببدعته أو يسترسل له فيؤذيه بخدعته وبين قوله بما فيه أنه ⦗١١٦⦘ لا يجوز ذكره بغير ما فيه ولا بما لا يعلن به قال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فذكرت الحجاج أي بما لم يتظاهر به فقال: إن الله ينتقم للحجاج كما ينتقم منه وإنك إذا لقيت الله غدا كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج وأشار بقوله (يحذره) أي لكي يحذره (الناس) إلى أن مشروعية ذكره بذلك مشروطة بقصد الاحتساب وإرادة النصيحة دفعا للاغترار ونحوه مما ذكر فمن ذكر واحدا من هذا الصنف تشفيا لغيظه أو انتقاما لنفسه أو احتقارا أو ازدراء ونحو ذلك من الحظوظ النفسانية فهو آثم كما ذكره الغزالي ثم السبكي فيما نقله عنه ولده قال: كنت جالسا بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت له: اخسأ كلب بن كلب فزجرني والدي فقلت له: أليس هو كلب ابن كلب قال: شرط الجواز عدم قصد التحقير فقلت هذه فائدة وأخذ الغزالي من هذا الخبر وما قبله أن من استشير في خاطب فله أن يصرح بذكر مساويه إذا علم أن مجرد قوله لا يصلح لك لا يفيد قال الراغب: والحذر احتراز عن مخيف (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذم الغيبة) أي ذكر الناس بما يكرهون (والحكيم) محمد بن علي الترمذي المؤذن الصوفي الشافعي صاحب التصانيف (في) كتابه (نوادر الأصول) سمع الكثير من الحديث بالعراق ونحوه وحدث عن قتيبة بن سعيد وغيره وهو من القرن الثالث من طبقة البخاري قال السلمي: نفوه من ترمذ وشهدوا عليه بالكفر بسبب تفضيله الولاية على النبوة وإنما مراده ولاية النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال ابن عطاء الله: كان العارفان الشاذلي والمرسي يعظمانه جدا ولكلامه عندهما الحظوة التامة ويقولان هو أحد الأوتاد الأربعة وقال ابن أبي جمرة في كتاب الختان وابن القيم في كتاب اللمحة في الرد على ابن طلحة أنه لم يكن من أهل الحديث ورواته ولا علم له بطرقه وصناعته وإنما فيه الكلام على إشارات الصوفية حتى خرج عن قاعدة الفقهاء واستحق الطعن عليه وطعن عليه أئمة الفقهاء والصوفية وقالوا أدخل في الشريعة ما فارق به الجماعة وملأ كتبه الفظيعة بالأحاديث الموضوعة وحشاها بأخبار لا مروية ولا مسموعة إلى آخر ما قال من الهذيان والبهتان كما لا يخفى على أهل الشأن. كيف وقد قال الحافظ ابن النجار في تاريخه كان إماما من أئمة المسلمين له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الحديث لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم وفي شيوخه كثرة ثم أطال في بيانه وقال السلمي في الطبقات له اللسان العالي والكتب المشهورة وقال القشيري في الرسالة: هو من كبار الشيوخ وأطال في الثناء عليه وقال الحافظ أبو نعيم في الحلية: له التصانيف الكثيرة في الحديث وهو مستقيم الطريقة تابع للأثر يرد على المرجئة وغيرهم وله حكم عليه الشأن منها قوله كفى بالمرء عيبا أن يسره ما يضره وقوله وقد سئل عن الخلق فقال: ضعف ظاهر ودعوى عويضة وقال الكلاباذي في التعرف هو من أئمة الصوفية إلى غير ذلك من الكلام في شأن هذا الإمام وإنما أطلت فيه دفعا لذلك الافتراء فلا تكن من أهل المراء (والحاكم) أبو عبد الله (في) كتاب (الكنى) والألقاب وقال هذا غير صحيح ولا معتمد (والشيرازي) أبو بكر (في) كتاب (الألقاب) وهو أجل كتاب ألف في هذا الباب قبل ظهور تأليف الحافظ ابن حجر (عد طب هق) وقال أعني البيهقي ليس بشيء (خط) في ترجمة محمد بن القاسم المؤدب من حديث الجارود (عن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء ثم زاي معجمة (ابن حكيم عن أبيه عن جده) قال الجارود لقيت بهز بن حكيم في الطواف فذكره لي فيه قال الحكيم والخطيب تفرد به الجارود عنه وقال في المهذب كأصله الجارود واه وقد سرقه منه جمع ورووه عن بهز ولم يصح فيه شيء وقال أحمد: حديثه منكر وقال ابن عدي: لا أصل له قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف وقال الدارقطني في علله: هو من وضع الجارود ثم سرقه منه جمع وفي الميزان عن أسامة وأبي حاتم أن الجارود كذاب وأن أبا بكر بن الجارود كان إذا مر بقبر جده قال: يا أبت لو لم تحدث بحديث بهز لزرتك وقد نقل المؤلف في الكبير عن الحكيم أن الجارود تفرد به وأن أبا حاتم وأبا أسامة كذباه وأقر ذلك

стр. 119

⦗١١٧⦘ ١١٠ - (اتركوا) من الترك قال الراغب: وهو رفض الشيء قصدا واختيارا أو قهرا واضطرارا (الترك) بضم فسكون جيل من الناس والجمع أتراك الواحد تركي كرومي وأروام قاله في القاموس. والمصباح ولا يعارضه قول ابن الأثير: الترك جمع تركي لأن الجمع قد يجمع وهو وإن كان مفردا في الأصل اسم الأب فالأب مسماه جمع كثير فالمصباح والقاموس نظرا إلى أنه اسم مفرد في الأصل وابن الأثير نظر إلى مدلوله الآن قال الزمخشري: تقول العرب تراك تراك صحبة الأتراك وفيه جناس الاشتقاق (ما تركوكم) أي لا تتعرضوا لهم مدة تركهم لكم وخصوا لشدة بأسهم وبرد بلادهم ففي غزوهم مشقة فإن لم يتركونا بأن دخلوا دارنا فقتالهم فرض عين وفيه من أنواع البديع جناس الاشتقاق (فإن أول من يسلب أمتي) أي أمة النسب وهو العرب لا أمة الدعوة (ملكهم) أي أول من ينتزع منهم بلادهم التي ملكوها (وما خولهم الله) فيه أي أعطاهم من النعم والسلب بالسكون الأخذ والاستلاب الاختلاس. السلب بالتحريك المسلوب والتخول الإعطاء والتعهد وأراد بالأمة بعضها إذ المسلوب البعض كما تقرر فهو عام أريد به الخصوص. (بنو قنطوراء) بفتح القاف وسكون النون وبالمد على ما في المغرب الجواليقي لكن في البارع بالقصر جارية إبراهيم الخليل وقيل امرأته من الكنعانيين تزوجها بعد موت سارة وأم إسماعيل. ومن نسلها الترك والديلم والغز وقيل هم بنو عم يأجوج ومأجوج لما بني السد كانوا غائبين فتركوا لم يدخلوا معهم فسموا الترك قال القرطبي: ومع ذلك خرج من الترك أمم لا يحصيها إلا الله تعالى وقال ابن دحية: خرج سنة سبع عشرة وست مئة جيش منهم وهم التتر عظم منهم الخطب والخطر وعم الضرر وقضى لهم من قتل الأنفس المؤمنة الوطر فقتلوا من رواء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ومحوا آثار ملك بني ساسان وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن ويرى أن الخالق المصور هو النيران وملكهم يعرف بجنكزخان ومن أمثالهم اترك الترك إن أحبوك أكلوك وإن أبغضوك قتلوك وقال ابن حجر: قد ظهر مصداق الخبر وروى أبو يعلى عن معاوية بن خديج قال: كنت عند معاوية فأتاه كتاب عامله أنه وقع بالترك فهزمهم فغضب ثم كتب إليه لا تقاتلهم حتى يأتيك أمري فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الترك تجلي العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح فأنا أكره قتالهم لذلك وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودا إلى أن فتح شيئا فشيئا وكثر السبي منهم وتنافس فيهم الملوك لما فيهم من الشدة والبأس حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم ثم غلب الأتراك على الملك فقتلوا ابنه المتوكل ثم أولاده واحدا بعد واحد إلى أن استولى على الملك الأتراك طائفة بعد طائفة إلى آل سلجوق فخرج عليهم في المئة الخامسة الغز فخربوا البلاد وقتلوا العباد ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتار فكان خروج جنكزخان بعد الست مئة فاسعرت بهم الدنيا نارا سيما المشرق حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم ثم كان خراب بغداد وقتل المعتصم آخر الخلفاء بأيديهم سنة ست وخمسين وست مئة ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم التمرلنك فطرق الديار الشامية وخرب دمشق حتى صارت خاوية على عروشها ودخل الروم والهند وما بين ذلك وطالت مدته حتى أخذه الله وتفرق بنوه في البلاد وظهر بجميع ذلك مصداق الحديث (طب) وكذا في الأوسط والصغير (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (بن مسعود) قال الهيتمي: فيه مروان بن سالم متروك وذكره في موضع آخر وقال: فيه عثمان بن يحيى الفرقسابي لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح انتهى. وقال السمهودي: المقال إنما هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن ورجالهما موثوقون انتهى. وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو الكبير غير جيد وكيفما كان لم يصب ابن الجوزي حيث حكم بوضعه وقد جمع الضياء فيه جزءا

стр. 120

⦗١١٨⦘ ١١١ - (اتركوا) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء (الحبشة) بالتحريك جيل من السودان معروف والواحد حبشي والحبش بضم فسكون اسم جنس ولهذا صغر على حبيش قال ابن حجر: ويقال إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل (ما تركوكم) أي مدة دوام تركهم لكم لما يخاف من شرهم كما يشير إليه قوله (فإنه لا يستخرج) أي لا يستنبط والاستخراج الاستنباط وهو ما أظهر بعد خفاء (كنز الكعبة) أي المال المدفون فيها حين يهدمها حجرا حجرا ويلقي حجارتها في البحر كما جاء في خبر آخر والكعبة اسم للبيت الحرام سمي به لتكعبه وهو تربيعه وكل بناء مربع مرتفع كعبة وقيل لاستدارتها وعلوها وقيل لكونها على صورة الكعب (إلا ذو السويقتين من الحبشة) تثنية سويقة مصغرا قال الطيبي: وسر التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظمة يهتك حرمتها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك أو أنه وصف له أي رجل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جدا والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق لكن هذا يتميز بمزيد من ذلك ولا يعارضه قوله تعالى ﴿حرما آمنا﴾ لأن معناه آمنا إلى قرب يوم القيامة فإن هذا التخريب يكون في زمن عيسى ﵊ على ما ذكره بعضهم فيأتي إليه الصريخ فيبعث إليه. وقال الحليمي: بل بعد موته وبعد رفع القرآن ورجحه بعض الأعيان وجمع بحمل الأول على أنه يهدم بعضه في زمن عيسى فيبعث إليه فيهرب ثم بعد موته ورفع القرآن يعود ويكمل هدمه إشارة إلى رفع معالم الدين من أصلها (د ك) في الفتن وكذا البيهقي (عن ابن عمرو) بن العاص رمز المصنف لصحته اغترارا بتصحيح الحاكم وهو وهم فقد أعله الحافظ عبد الحق بأن فيه زهير بن محمد شيخ أبي داود كان سيء الحفظ لا يحتج بحديثه

стр. 121

١١٢ - (اتركوا الدنيا لأهلها) أي صيروها من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ولا تذهب النفس إليه لخسته والمراد بالدنيا الدنانير والدراهم أو المطعم والمشرب والملبس ومتعلقات ذلك أي التوسع في ذلك والتهافت على أخذ ما فوق الكفاية وأما تفسيره بحب الجياة فلا يلائم السوق كما لا يخفى على أهل الذوق قال الفاكهي: ودنيا كل إنسان بحسب حاله فكلام الشيخ بين طلبته والأمير بين جنده دنيا بالنسبة لهم إلا أن يقصدوا به أمرا أخرويا وذا لا يكاد يكون إلا من موفق لاح له من علم الآخرة لائح فاشتاق لمولاه وغلب شيطانه وهواه وذكر الغزالي أن عيسى ابن مريم ﵊ مر برجل نائم ملتف بعباءة فقال: يا نائم قم فاذكر الله تعالى قال: ما تريد مني وقد تركت الدنيا لأهلها فقال: نم إذا يا حبيبي نم (فإنه) أي الشأن (من أخذ منها) مقدارا (فوق ما) أي القدر الذي (يكفيه) أي زائدا على الذي يحتاجه لنفسه والممونة من نحو مأكل ومشرب وملبس ومسكن وخادم ومركب وآنية تليق به وبهم (أخذ من حتفه) أي أخذ في أسباب هلاكه والحتف الهلاك قال الزمخشري: قالوا المرء يسعى ويطوف وعاقبته الحتوف قيل هو مصدر بمعنى الحتف وهو القضاء وفي الصحاح الحتف الموت يقال مات حتف أنفه إذا مات بغير قتل ولا ضرب وفي النهاية هو أن يموت على فراشه كأن سقط فمات والحتف الهلاك وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه (وهو لا يشعر) أي والحال أنه لا يدري ولا يحس بذلك ولا يتوقعه لتمادي غفلته. والشعور الإحساس ومشاعر الإنسان حواسه ومنه الشعار وما شعرت به ما فطنت له وما علمته وليت شعري ما كان منه وما يشعركم وما يدريكم ذكره الزمخشري فهلاك هذا الدين وسلوك سبيل الناجين الزهد فيها والإعراض عنها والاقتصار على الكفاف قال الغزالي: وإنما كانت الزيادة على قدر الكفاية مهلكة لأن ذلك يدعو إلى المعاصي فإنها تمكن منها ⦗١١٩⦘ ومن العصمة أن لا يقدر ولأنه يدعو إلى التنعم بالمباحات وهو أقل الدرجات فينبت على التنعيم جسده ولا يمكنه للصبر عنه وذلك لا يمكن استدامته إلا بالاستعانة بالخلق والالتجاء إلى الظلمة وهو يدعو إلى النفاق والكذب والرياء والعداوة والبغضاء ولأنه ينهى عن ذكر الله تعالى الذي هو أساس السعادة الأخروية انتهى. ولهذا كان محط نظر السلف الصالح التجرد المطلق عن علائقها أما الأخذ منها بقدر الكفاية لمن ذكر فلا ضير فيه بل قد يجب بل له أخذ ما زاد على كفايته بقصد صرف الفاضل في وجوه البر إن وثق من نفسه بالوفاء بذلك القصد فمثال المال كحية فيها ترياق نافع وسم ناقع فإن أصابها من يعرف وجه التحرز عن سمها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت عليه نعمة وإن أصابها من لم يعرف ذلك فهي عليه نقمة وهي كبحر تحته صنوف الجواهر فمن كان عارفا بالسباحة وطرق الغوص والتحرز عن مهلكات البحر فقد ظفر بنعمة وإن غاصه جاهل بذلك تورط في المهالك هذا غاية البيان وليس قربة وراء عمان (فر عن أنس) رمز المصنف لضعفه وذلك لأن فيه من لا يعرف لكن فيه شواهد تصيره حسنا لغيره

стр. 122

١١٣ - (اتق) بكسر الهمزة وشد المثناة فوق (الله) أمر من التقوى فعلى من الوقاية ما يتقى به مما يخاف فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه وهي هنا الحذر (فيما تعلم) أي تحذره وخفه في العمل أو في ترك العمل بالذي تعلمه وحذف المفعول للتعميم وذلك بأن تجتنب المنهي وتفعل المأمور وخاطب العالم لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي لا من جانب الأمر ولا من جانب النهي والمراد أصالة العلم العيني الذي لا رخصة للمكلف في تركه وما عداه من كمال التقوى قال ابن القيم وللمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلا الله فمنها حرمان العلم فإن العلم نور يقذف في القلب والمعصية تطفئه وكتب رجل إلى أخيه أنك أوتيت علما فلا تطفئن نوره بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم وأوحى الله تعالى إلى داود ﵊ يا داود أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي وقال بشر: التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل تنعم في الدنيا فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم (تخ ت) وكذا الطبراني من حديث أنس بن أشوع (عن زيد بن سلمة) بن يزيد بن مشجعة (الجعفي) بضم الجيم وسكون المهملة نسبة إلى جعفي بن سعد العشيرة قبيلة كبيرة قال قلت يا رسول الله سمعت منك حديثا كثيرا فإني أخاف أن ينسيني آخره أوله فمرني بكلمة جامعة فذكره قال الترمذي في العلل سألت عنه محمدا يعني البخاري فقال سعيد بن أشوع لم يسمع من يزيد فهو عندي مرسل وقال المؤلف في الكبير منقطع

стр. 123

١١٤ - (اتق الله) خفه واحذره (في عسرك) بضم فسكون وبضمتين وبالتحريك كما في القاموس: الضيق والصعوبة والشدة (ويسرك) بالضم وبضمتين وبالفتح وبفتحتين الغنى والسهولة يعني إذا كنت في ضيق وشدة وفقر فخف الله أن تفعل ما نهى عنه أو تهمل ما أمر به وإن كنت في سرور وغنى فاحذره أن تطغى وتقتحم ما لا يرضاه فإن نعمته إذا زالت عن إنسان قلما تعود إليه وقدم العسر على اليسر لأن اليسر يعقبه كما دل عليه قوله تعالى ﴿إن مع العسر يسرا﴾ أو اهتماما بشأن التقوى فيه. قال بعض العارفين: من علامات التحقق بالتقوى أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يحتسب وإذا أتاه من حيث يحتسب ما تحقق بالتقوى ولا اعتمد على الله فإن معنى التقوى أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها والإنسان أبصر بنفسه وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق وبما تسكن إليه نفسه ولا تقل إن الله أمرني بالسعي على العيال وأوجب مؤنتهم فلا بد من الكد في السبب الذي جرت العادة أن يرزقه فيه فإنا ما قلنا لك لا تعمل فيها بل نهيناك عن الاعتماد عليها والسكون عندها فإن وجدت القلب يسكن إليها فاتهم إيمانك وإن وجدت قلبك ساكنا مع الله تعالى واستوى عندك وجود السبب المعين وفقده فأنت الذي لم تشرك بالله شيئا فإن أتى ⦗١٢٠⦘ رزقك من حيث لا تحتسب فذلك بشرى أنك من المتقين (قال العارفون يثبتونها ولا يشهدونها ويعطونها حقها ولا يعبدونها وما سوى العارفين يعاملونها بالعكس يعبدونها ولا يعطونها حقها بل يعصونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها ويشهدونها ولا يثبتونها. قاله شيخنا المحيوي في فتوحاته أه.) <تنبيه> قال ابن عربي: طريق الوصول إلى علم القوم التقوى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم﴾ أي طالعناهم على العلوم المتعلقة بالعلويات والسفليات وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت وقال الله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ والرزق روحاني وجسماني وقال ﴿اتقوا الله ويعلمكم الله﴾ أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية (أبو قرة) بضم القاف وشد الراء (الزبيدي في سننه) بفتح الزاء نسبة إلى زبيد البلد المعروف المشهور باليمن واسمه موسى بن طارق (عن طليب) بالتصغير (بن عرفة) له وفادة ولم يرو عنه إلا ابنه كليب وهما مجهولان ذكره الذهبي كابن الأثير وبه يعرف ما في رمز المؤلف لحسنه

стр. 124

١١٥ - (اتق الله) بامتثال أمره وتجنب نهيه (حيثما كنت) أي وحدك أو في جمع فإن كانوا أهل بغي أو فجور فعليك بخويصة نفسك أو المراد في أي زمان ومكان كنت فيه رآك الناس أم لا فإن الله مطلع عليك واتقوا الله إن الله كان عليكم رقيبا والخطاب لكل من يتوجه إليه الأمر فيعم كل مأمور وأفراد الضمير باعتبار كل فرد وما زائدة بشهادة رواية حذفها وهذا من جوامع الكلم فإن التقوى وإن قل لفظها كلمة جامعة فحقه تقدس أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر بقدر الإمكان ومن ثم شملت خير الدارين إذ هي تجنب كل منهي عنه وفعل كل مأمور به فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين أثنى عليهم في كتابه المبين ثم نبه على تدارك ما عساه يفرط من تقصيره في بعض الأوامر والتورط في بعض النواهي فقال (واتبع) بفتح الهمزة وسكون المثناة فوق وكسر الموحدة ألحق (السيئة) الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة كما اقتضاه ظاهر الخبر والحسنة بالنسبة إليها التوبة منها فلا ملجئ لقصره على الصغيرة كما ظن وأيا ما كان فالحسنات تؤثر في السيئات بالتخفيف منها يعني ألحق (الحسنة) إياها صلاة أو صدقة أو استغفارا أو تسبيحا أو غيرها (تمحها) أي السيئة المثبتة في صحيفة الكاتبين وذلك لأن المرض يعالج بضده كالبياض يزال بالسواد وعكسه ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ يعني فلا يعجزك إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة كصلاة قال ابن عربي: والحسنة تمحو السيئة سواء كانت قبلها أو بعدها وكونها بعدها أولى إذ الأفعال تصدر عن القلوب وتتأثر بها فإذا فعل سيئة فقد تمكن في القلب اختيارها فإذا أتبعها حسنة نشأت عن اختيار في القلب فتمحو ذلك وظاهر قوله تمحها أنها تزال حقيقة من الصحيفة وقيل عبر يه عن ترك المؤاخذة ثم إن ذا يخص من عمومه السيئة المتعلقة بآدمي فلا يمحها إلا الاستحلال مع بيان جهة الظلامة إن أمكن ولم يترتب عليه مفسدة وإلا فالمرجو كفاية الاستغفار والدعاء (وخالق الناس بخلق) بضمتين (حسن) بالتحريك أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة من نحو طلاقة وجه وحلم وشفقة وخفض جانب وعدم ظن السوء بهم وتودد إلى كل كبير وصغير وتلطف في سياستهم مع تباين طباعهم يقال فلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلف وجمع هذا بعضهم في قوله: وأن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك فتجتمع القلوب وتتفق الكلمة وتنتظم الأحوال وذلك جماع الخير وملاك الأمر والخلق بالضم الطبع والسجية وعرفا ملكة نفسانية تحمل على فعل الجميل وتجنب القبيح كذا ذكره البعض هنا وليس بصواب فإنه تفسير لمطلق الخلق بالخلق الحسن وهو فاسد وقد تكفل حجة الإسلام بتعريفه على طرف التمام فقال: الخلق هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة وسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا وحسن ⦗١٢١⦘ الخلق وإن كان جليا لكن في الحديث رمز إلى إمكان اكتسابه وإلا لما صح الأمر به كما سيجيء إيضاحه والأمر به عام خص بمستحقه فخرج الكفرة والظلمة فأغلظ عليهم ثم هذا الحديث من القواعد المهمة لإبانته لخير الدارين وتضمنه لما يلزم المكلف من رعاية حق الحق والخلق. وقال بعضهم: وهو جامع لجميع أحكام الشريعة إذ لا يخرج عنه شيء وقال آخر فصل فيه تفصيلا بديعا فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام كل منها جامع في بابه ومترتب على ما قبله <تنبيه> قال الراغب: الفرق بين الخلق والتخلق أن التخلق معه استثقال واكتساب ويحتاج إلى بعث وتنشيط من خارج والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج (حم ت) في الزهد (ك) في الإيمان وقال على شرطهما وأيده وأقره الذهبي واعترض (هب) وكذا الضياء في المختارة والدارمي (عن أبي ذر) الغفاري وقال الترمذي حسن صحيح (ابن عساكر) في تاريخه (عن أنس) بن مالك بسند ضعيف ورواه عنه أيضا الطبراني وغيره فالإسناد الأول صحيح والثاني حسن والثالث ضعيف وأكثر المصنف من مخرجيه إشارة إلى رد الطعن فيه

стр. 125

١١٦ - (اتق الله) قال القيصري: قد أكثر الناس القول في التقوى وحقيقتها تنزيه القلب عن الأدناس وطهارة البدن من الآثام وإن شئت قلت: الحذر من موافقة المخالفات. وقال الحرني: عبر هنا وفيما سبق بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور (ولا تحقرن) بفتح المثناة فوق وكسر القاف وفتح الراء وشد النون أي لا تستصغرن يقال حقره واحتقره واستصغره قال الزمخشري: تقول أي العرب هو حقير فقير هو حاقر ناقر وفي المثل من حقر حرم وفلان خطير غير حقير (من المعروف) أي ما عرفه الشرع والعقل بالحسن (شيئا) أي كثيرا كان أو حقيرا (ولو) قال الطيبي: هذا شرط يعقب به الكلام تتميما ومبالغة وقال أبو حيان: هذه الواو لعطف حال على حال محذوفة بتضمنها السابق تقديره لا تحقرن من المعروف شيئا على كل حال كائنا ما كان ولو (أن تفرغ) بضم الفوقية وكسر الراء تصب يقال أفرغت الشيء صببته إذا كان يسيل (من دلوك) إنائك الذي تستسقي به من البئر (في إناء) أي وعاء (المستسقي) طالب السقيا يعني ولو أن تعطي مريد الماء ما حزته أنت في إنائك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف وتقدم الأحوج فالأحوج والدلو معروف ويستعار للتوصل إلى الشيء بأي سبب كان قال: وليس الرزق في طلب حثيث. . . ولكن ألق دلوك في الدلاء (وأن تلقى) أي ولو أن تلقى (أخاك) أي تراه وتجتمع به وفي رواية لأبي داود بدله وإن تكلم أخاك قال الطيبي: مصدر وعامله محذوف تقديره كلم أخاك تكليما فلما حذف الفعل أضيف المصدر إلى الفاعل وأراد بالأخ المسلم وإن لم يكن ابن أحد أبويه وقيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أن دينه كما تقول للرجل قل لصاحبك كذا لمن بينه وبينه أدنى ملابسة وذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام ذكره الزمخشري وأصله للراغب حيث قال: هو المشارك لآخر في الولادة من الطرفين أو أحدهما أو الرضاع ويستعار في كل مشارك لغيره في قبيلة أو دين أو صنعة أو معاملة أو مودة أو غيرها من المناسبات ﴿ولا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم﴾ أي لمشاركيهم في الكفر وقوله ﴿يا أخت هارون﴾ يعني في الصلاح لا النسبة وقولهم أخا تميم وقولهم أخا عاد وسماه أخا تنبيها على إشفاقه عليهم شفقة الأخ على أخيه (ووجهك) أي والحال أن وجهك (إليه منبسط) أي منطلق بالسرور والانشراح قال حبيب بن ثابت: من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو مقبل عليه بوجهه. ونظم هذا الحديث كنظم الجمان وروض الجنان وفيه كما قال الغزالي رد على كل عالم أو عابد عبس وجهه وقطب جبينه كأنه ⦗١٢٢⦘ مستقذر للناس أو غضبان عليهم أو منزه عنهم ولا يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ولا في الخد حتى يصعر ولا في الظهر حتى ينحني ولا في الرقبة حتى تطأطأ ولا في الذيل حتى يضم إنما الورع في القلب أما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله ولو كان الله يرضى بذلك ما قال لنبيه ﷺ ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ (وإياك (إياك فعل أمر بمعنى باعد نفسك ما يكره وباعد إسبال الإزار فهو عطف على المحذوف من إياك: أي إياك ما يكره وإسبال الإزار. أه) وإسبال) بالنصب (الإزار) أي إرخاءه إلى أسفل الكعبين (الكعبين) (هما العظمان الناتئان فوق القدم من جانبها بين مفصل الساق والقدم وذلك لإبعاد الإزار عن المستقذر ولمخالفة المتكبرين وللتشبه بالصالحين. أه) أي احذر ذلك يقال أسبل الإزار أرسله ذكره الزمخشري (فإن إسبال الإزار من المخيلة) كعظيمة الكبر والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تتراءى للإنسان من نفسه ذكره الراغب. وقال الزمخشري: تقول إياك والمخيلة وخايله فاخره وتخايلوا تفاخروا (ولا يحبها الله) أي لا يرضاها ويعذب عليها إن لم يعف وكالإزار سائر ما يلبس فيحرم على الرجل إنزال نحو إزاره عن الكعبين بقصد الخيلاء ويكره بدونه أما المرأة فتسبله قدر ما يستر قدميها (وإن امرؤ) أي إنسان (شتمك) أي سبك (وعيرك) بالتشديد قال فيك ما يعيبك (بأمر) أي بشيء (ليس هو فيك) أي لست متصفا به (فلا تعيره) أنت (بأمر هو فيه) لأن التنزه عن ذلك من مكارم الأخلاق ومن ذم الناس ولو بحق ذموه ولو بباطل ومن ثم قال بعضهم: ومن دعى الناس إلى ذمه. . . ذموه بالحق وبالباطل (ودعه) أي اتركه (يكون وباله) أي سوء عاقبته وشؤم وزره (عليه) قال الزمخشري: الوبال سوء العاقبة (وأجره) أي ثوابه (لك) قال الراغب: الأجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان أو أخرويا والأجرة في الثواب الدنيوي ولا يقال الأجر إلا في النفع دون الضر والجزاء يقال في النافع والضار انتهى والإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة والمقاولة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة والحقيقة وأسلم للعرض والورع ذكره الكشاف ولما كان التعبير يهيج الغضب ويحمل على المقابلة بالسب عقبه بقوله (ولا تسبن) بفتح الفوقية وشد الموحدة ونون التوكيد أي لا تشتمن (أحدا) وإن كان مهينا والشتم توصيف الشيء بما هو إزراء أو نقص فيه ذكره القاضي وفيه تحذير من الاحتقار لا سيما للمسلم المعصوم لأن الله تعالى أحسن تقويم خلقه وخلق ما في السماء والأرض لأجله ومشاركة غيره له فيه إنما هي بطريق التبع وفيه كراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم ومناقلتهم وأن السكوت عن السفيه من المطالب الشرعية قال في الكشاف: ومن أذل نفسه لم يجد مشافها وفيه تنبيه عظيم على كظم الغيظ والحلم على أهل الجهل والترفع عمن أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ولهذا قال البيهقي عن ذي النون: العز الذي لا ذل فيه سكوتك عن السفيه وفيه أنشد الأصمعي: وما شيء أحب إلى لئيم. . . إذا شتم الكريم من الجواب متاركة اللئيم بلا جواب. . . أشد على اللئيم من السباب ومن ثم قال الأعمش جواب الأحمق السكوت والتغافل يطفئ شرا كثيرا ورضا المتجني غاية لا تدرك والاستعطاف عون للظفر ومن غضب على من لا يقدر عليه طال حزنه وقال حكيم ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من أحمق وبر من فاجر وشريف من دنيء وفيه أنه لا ينبغي للعبد أن يحقر شيئا من المعروف في الإحسان إلى الناس بل إلى خلق الله ولا يحتقر ما يتصدق به وإن قل وندب لقاء الأخ المؤمن بالبشر وطلاقة الوجه وأنه يقوم مقام فعل المعروف إذا لم يمكنه فعل المعروف معه وغير ذلك (الطيالسي) وأبو داود (عن جابر بن سليم) ويقال سليم بن جابر قال البخاري: والأول أصح (الهجيمي) من بني هجيم بن عمرو بن تميم سكن البصرة وروى عنه ابن سيرين وغيره قال ⦗١٢٣⦘ قلت يا رسول الله إنا قوم من أهل البادية فعلمنا شيئا ينفعنا الله به فذكره وقضية المؤلف تدل على أن الحديث لم يخرجه أحد أشهر من الطيالسي وأنه تفرد به والأمر بخلافه فقد خرجه بمخالفة في الترتيب عن جابر المذكور أئمة أجلاء مشاهير منهم أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي والباوردي وابن حبان والطبراني وأبو نعيم والبيهقي والضياء في المختارة وغيرهم بلفظ اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولا تسبن أحدا وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة انتهى. وفي بعض طرقه رأيت رجلا والناس يصدرون عن رأيه فقلت: من هذا قالوا: رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله فقال: عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك فقلت: السلام عليك أنت رسول الله قال: نعم فقلت: يا رسول الله علمني مما علمك الله فذكره قال النووي في رياضه رواه أبو داود والترمذي بالإسناد الصحيح ورمز المصنف لصحته

стр. 126

١١٧ - (اتق الله) أي احذره (يا أبا الوليد) كنية عبادة بن الصامت قال ذلك له لما بعثه على الصدقة وفيه تكنية الصاحب والأمير ووعظه (لا تأتي) قال الزمخشري: لا مزيدة أو أصله لئلا تأتي فحذف اللام (وفيه حذف تقديره ما تستحقه فتأتي) (يوم القيامة) يوم الجزاء الأعظم (ببعير) معروف يقع على الذكر والأنثى كالإنسان في وقوعه عليهما وجمعه أبعره وأباعير وبعران (تحمله) في رواية على رقبتك قال الزمخشري: وهو ظرف وقع حالا من الضمير في تأتي تقديره مستعليا رقبتك بعيرة وقال الراغب: الحمل معنى واحد اعتبر في أشياء كثيرة فسوى بين لفظه في فعل وفرق بين كثير منها في مصادر فقيل في الأثقال المحمولة في الظاهر على الشيء حمل وفي الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والثمرة في الشجر تشبيها بحمل المرأة ويقال حملت الثقيل والرسالة والوزن حملا (له رغاء) بضم الراء وبالمعجمة والمد أي تصويت والرغاء صوت الإبل تقول رغا البعير رغاء ورغوة واحدة فالغالب في الأصوات فعال كبكاء وقد يجيء على فعيل كصهيل وعلى فعلة كحمحمة (أو بقرة لها خوار) بخاء معجمة مضمومة وواو خفيفة أي تصويت والخوار صوت البقر قال الراغب: مختص بالبقر وقد يستعار للبعير والبقر واحدة بقرة ويقال في جمعه باقر كحامل وبقير كحكيم ويقال للذكر ثور كجمل وناقة ورجل وامرأة انتهى (أو شاة لها ثواج) بمثلثة مضمومة وفتح الهمزة فألف فجيم صياح الغنم فقال عبادة: يا رسول الله إن ذلك كذلك فقال: أي والذي نفسي بيده إلا من رحم الله قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين أبدا أي لا إلى الحكم على اثنين ولا أتأمر على أحد (أو لا أكون عاملا لحاكمين أو لا يكون فعلي مخالفا لاعتقادي أه) وهذا دليل على كراهة الأمارة في ذلك العصر الذي كان فيه مثل عبادة ونحوه من صالحي الأنصار وأشراف المهاجرين الكبار فإذا كان هذا حال هؤلاء الذين ارتضاهم المصطفى للولاية وخصهم بها فما الظن بالولاة بعد ذلك الطراز الأول والمتنافسين في الولايات الباذلين الأموال في تحصيل الأعمال السلطانية <تنبيه> قال حجة الإسلام هذا الحمل حقيقي قيأتي به حاملا له معذبا بحمله وثقله يعدل الجبل العظيم مرعوبا بصوته وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد والملائكة تنادي هذا ما أغله فلان بن فلانة رغبة فيه وشحا (أي أن الشخص يحشر يوم القيامة وهو حامل على عتقه ما أخذه بغير حق. قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ وفي الصحيحين وغيرهما ما هو صريح في ذلك أه) وذهب بعضهم إلى أن الحمل عبارة عن وزر ذلك وشهرة الأمر أي يأتي يوم القيامة وقد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار إلى آخره ورده القرطبي بأنه عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه وقد أخبر المصطفى بالحقيقة فهو أولى إذ لا مانع وعورض بوجود المانع وهو أنه إذا غل ألف دينار مثلا فهي أخف من البعير وهو بالنسبة إليها حقير فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل وعكسه وأجيب بأن المراد بالعقوبة بذلك فضيحته على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثقل والخفة قال ⦗١٢٤⦘ ابن المنير أظن أن الحكام أخذوا تجريس السارق ونحوه من هذا الحديث ونحوه (تتمة) أجمعوا على أن الغال يجب عليه إعادة ما غل قبل القسمة وكذا بعدها عند الشافعي رحمه الله تعالى فيحفظه الإمام كالمال الضائع وقول مالك يدفع الإمام خمسه ويتصدق بالباقي فيه أنه لم يملكه فكيف يتصدق بمال غيره (طب) وكذا ابن عساكر (عن عبادة) بضم العين المهملة وفتح الموحدة (ابن الصامت) الخزرجي من بني عمرو بن عوف بدري نقيب فاضل عالم جليل ممن جمع القرآن وولاه عمر قضاء فلسطين رمز المصنف لحسنه وهو تقصير إذ هو أعلى فقد قال الحافظ الهيتمي رجاله رجال الصحيح ورواه الشافعي والبيهقي عن طاوس مرسلا

стр. 127

١١٨ - (اتق المحارم) أي احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك (تكن أعبد الناس) أي من أعبدهم لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد وقال الذهبي هنا والله تكسب العبرات فيريد أن يكون يسيرا بكل واجب فيقوم به وعارفا بكل محرم فيجتنبه (وارض) أي اقنع (بما قسم الله لك) أي أعطاك وجعله حظك من الرزق (تكن أغنى الناس) فإن من قنع استغنى ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس والقناعة غنى وعز بالله وضدها فقر وذل للغير ومن لم يقنع لم يشبع أبدا ففي القناعة العز والغنى والحرية وفي فقدها الذل والتعبد للغير تعس عبد الدنيا تعس عبد الدينار فيتعين على كل عاقل أن يعلم أن الرزق بالقسم والحظ لا بالعلم والعقل ولا فائدة للجد حكمة بالغة دل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته قال الحكماء: ولو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم ونظمه أبو تمام فقال: ينال الفتى من عيشه وهو جاهل. . . ويكدى الفتى في دهره وهو عالم ولو كانت الأقسام تجري على الحجا. . . هلكن إذن من جهلن البهائم ومن كلامهم كم رأيت أعرج في المعالي عرج (وأحسن إلى جارك) بالقول والفعل والجار المجاور لك وما قرب من منزلك عرفا (تكن مؤمنا) أي كامل الإيمان فإذا لم تقدر على الإحسان إليه فكف عن أذاه وإن كان مؤذيا لك فيلزمك الصبر حتى يجعل الله لك فرجا قال الراغب: والإحسان يقال للإنعام على الغير وللإحسان في فعله وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا وعليه قول علي كرم الله وجهه " الناس أبناء ما يحسنون أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة والإحسان أعم من الإنعام والعدل إذ العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له (وأحب) أي ارض (للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مسلما) كامل الإسلام بأن تحب لهم حصول ما تحبه لنفسك من جهة لا يزاحمونك فيها فإن انتفت المحبة لنحو حقد أو غل أو حسد انتفى عنه كمال الإيمان وغاير في ما بين لفظي الإيمان والإسلام تفننا إذ المراد بهما هنا واحد قال السدي لي ثلاثون سنة في الاستغفار عن قولي الحمد لله وذلك أنه وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال نجا حانوتك فقلت الحمد لله فمذ قلتها فأنا نادم حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين (ولا تكثر الضحك) بفتح وكسر وهو كيفية يحصل منها انبساط في القلب مما يعجب الإنسان من السرور ويظهر ذلك في الوجه والإكثار منه مضر بالقلب منهي عنه شرعا وهو من فعل السفهاء والأراذل مورث للأمراض النفسانية ولذا قال (فإن كثرة الضحك تميت القلب) أي تصيره مغمورا في الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها شيئا من مكروه وحياته وإشراقه مادة كل خير وموته وظلمته مادة كل شر وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره وتصور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه ولهذا قال لقمان ⦗١٢٥⦘ لابنه يا بني لا تكثر الضحك من غير عجب ولا تمشي من غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما أخرت وقال موسى للخضر: أوصني فقال: كن بساما ولا تكن غضابا وكن نفاعا ولا تكن ضرارا وانزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير الخطائين بخطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران وفي صحف موسى عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما لمصلحته (حم ت) في الزهد (هب) وأبو نعيم في الحلية كلهم من حديث الحسن (عن أبي هريرة) قال: قال رسول الله ﷺ : من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن قلت: أنا فأخذ بيدي فعد خمسا فقال: اتق المحارم وإلى آخره قال الترمذي غريب منقطع انتهى. قال المنذري: وبقية إسناده فيه ضعف انتهى. وفيه جعفر بن سليمان الضبعي شيعي زاهد أورده الذهبي في الضعفاء وضعفه القطان ووثقه جمع وقال في الكاشف ثقة فيه شيء وفيه أيضا أبو طارق السعدي قال الذهبي مجهول

стр. 128

١١٩ - (اتق) يا علي هكذا هو ثابت في رواية مخرجه الخطيب فكان الأولى للمؤلف عدم حذفه (دعوة) بفتح الدال المرة من الدعاء أي تجنب دعاء (المظلوم) أي من ظلمته بأي وجه كان من نحو استيلاء على ما يستحقه أو إيذاء له بأن ترد إليه حقه أو تمكنه من استيفائه فإنك إن ظلمته ودعا عليك استجيب له وإن كان عاصيا مجاهرا فإنه إذا دعى عليك (فإنما يسأل الله حقه) أي الشيء الواجب له على خصمه (وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق) أي صاحب حق (حقه) لأنه الحاكم العادل نعم ورد أن الله يرضي خصوم بعض عباده بما شاء وفي خبر رواه ابن لال والديلمي وغيرهما أن في صحف إبراهيم أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها لبعض لكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وقال ابن عبد العزيز: إن الله يأخذ للمظلوم حقه من الظالم فإياك أن تظلم من ينتصر عليك إلا بالله تعالى فإنه تعالى إذا علم إلتجاء عبده إليه بصدق واضطرار انتصر له ولا بد ﴿أمن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه﴾ وقال عبد الله بن سلام: لما خلق الله الملائكة رفعت رؤوسها إلى السماء فقالت: يا ربنا مع من أنت قال: مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه قال الراغب: والحق يقال على أوجه ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (خط) في ترجمة صالح بن حسان (عن علي) أمير المؤمنين ورواه عنه أيضا أبو نعيم ومن طريقه وعنه أورده الخطيب فعزو المصنف للفرع وإهماله الأصل غير صواب ثم قضية صنيعه أن مخرجه الخطيب خرجه وأقره والأمر بخلافه فإنه أورده في ترجمة صالح بن حسان هذا كما تقرر وذكر أن ابن معين قال إنه ليس بشيء وأن البخاري ذكر أنه منكر الحديث والنسائي قال متروك وأبو حاتم ضعيف فإهماله لذلك واقتصاره على عزوه لمخرجه من سوء التصرف ثم إن فيه أيضا منصور بن أبي الأسود أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال: صدوق من أعيان الشيعة انتهى وبه عرف اتجاه رمز المؤلف لضعفه

стр. 129

١٢٠ - (اتقوا الله) المستجمع لصفات العظمة وصيغة جمع المذكر في هذا ونحوه مما مر ويجيء واردة على منهج التغليب لعدم تناولها حقيقة الإناث عند غير الحنابلة (في هذه البهائم) أي في شأن ركوب ما يركب منها وأكل ما يؤكل منها ونحو ذلك وهي جمع بهيمة سميت به لاستبهامها عن الكلام أو لأنها مبهمة عن التمييز أو لانبهام أمرها علينا لا لانبهام الأمور عليها كما قيل فإن لها إدراكا في الجملة قال في الكشاف: البهيمة مبهمة في كل ذات أربع وفي البر والبحر في القاموس هي كل ⦗١٢٦⦘ ذات أربع ولو في الماء أو كل حي لا يميز وقال الراغب: البهيمة ما لا نطق له لما في صورته من الاستبهام لكن خص في التعارف بما عد السباع لكن إنما أراد المصطفى بهذا الحديث الإبل فقط بدليل قوله وكلوها وبدليل السبب الآتي فإنها لا تطيق أن تفصح عن حالها وتتضرع إلى صاحبها من جوعها وعطشها وإضرارها ذكره القاضي (المعجمة) بضم الميم وفتح الجيم وقيل بكسر ما أي التي لا تقدر على النطق فتشكو ما أصابها من جوع وعطش. وأصل الأعجم كما قال الرافعي الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها عجميا كان أو عربيا سمى به لعجمة لسانه والتباس كلامه والقصد التحريض على الرفق بها والتحذير من التقصير في حقها (فاركبوها) رشادا حال كونها (صالحة) للركوب عليها يعني تعهدوها بالعلف لتتهيأ لما تريدونه منها فإن أردتم ركوبها وهي صالحة للركوب قوية على المشي بالراكب فاركبوها وإلا فلا تحملوها ما لا تطيقه وكالركوب التحميل عليها (وكلوها صالحة) أي وإن أردتم أن تنحروها وتأكلوها فكلوها حال كونها سمينة صالحة للأكل وخص الركوب والأكل لأنهما من أعظم المقاصد ذكره كله القاضي لكن ليس لمن وجب عليه هدي أو منذور الأكل منه قال القاضي: وفيه وجوب علف الدواب وأن الحاكم يجبر المالك عليه وهو مذهب الشافعي والجمهور انتهى. فيلزم المالك كفاية دابته المحترمة وإن تعطلت لمرض أو زمانة أكلا وشربا فإن امتنع الزم به من ماله أو ببيعها أو إجارتها أو ذبح المأكولة للأكل فإن أبى فعل القاضي من ذلك ما يراه <تنبيه> ذكر بعض أكابر الصوفية أنه ينبغي شفقة الراكب على الدابة فيخفف بدنه عليها بكثرة ذكر الله على ظهرها فإنه مجرب للخفة عليها إذ الروح تشتاق إلى حضرة ربها في جهة العلو بحسب غلبة الوهم فتريد الصعود بجسمها إلى تلك الحضرة فلا يصير على الدابة من البدن إلا مجرد المماسة كما جربناه وذكر بعضهم أن الشيخ عبد العزيز الديريني كان إذا ركب دابة لا يحمل صوتا قط ويردها بكمه ويقول هيهات عبد العزيز أن يقدر على ضربة بكم قميص (حم د) في الجهاد (وابن خزيمة) في صحيحه (حب) كلهم (عن سهل) ضد الصعب (ابن) الربيع ابن عمرو بن عدي المعروف بابن (الحنظلية) صحابي غير صغير أوسي والحنظلية أمه وبها اشتهر شهد أحدا وكان متعبدا متوحدا زاهدا قال: مر النبي ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فذكره وفي رواية عنه مر ببعير مناخ على باب أول النهار ثم مر به آخر النهار وهو على حاله فقال: أين صاحب هذا فابتغى فلم يوجد فقال: اتقوا الله إلى آخره قال الهيتمي: رجال أحمد رجال الصحيح وقال في الرياض بعد عزوه لأبي داود إسناده صحيح انتهى ومن ثم رمز المصنف لصحته

стр. 130

١٢١ - (اتقوا الله) علق الاتقاء بالاسم العلم دون غيره من بقية أسمائه وصفاته لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بإدخال المهابة بسلطان الأسماء الجلالية (واعدلوا) ندبا (في) وفي رواية بين (أولادكم) أي سووا بينهم في العطية وغيرها لئلا يفضي التفضيل إلى العقوق والتحاسد وذلك بأن يسوي بين ذكورهم وإناثهم وقيل كالإرث فعدم العدل بينهم مكروه تنزيها عند الشافعي لما ذكر وتصح الهبة وقال أحمد إن خص أحدكم لا لمعنى فيه يبيح التفضيل حرم ولزمه التسوية إما برد ما فضل أو إتمام نصيب الباقي ويرده خبر مسلم أشهد على هذا غيري إذ لو كان حراما لم يأذن له في استشهاد غيره وامتناعه من الشهادة تورع ولا يعارضه رواية إني لا أشهد على جور لأن المكروه جور إذ الجور الميل عن الاعتدال والعدل ملكة يقتدر بها على تجنب ما لا يليق فعله إذ هو وضع الشيء بمحله اللائق به في نفس الأمر وإذا طلب العدل بين الأولاد فبين غيرهم أولى فهو مطلوب حتى في الأمور الدينية فقد نقل ابن جماعة عن بعض مشايخه أنه كان يقسم ساعات النهار بين طلبنه بالرمل فإذا غاب أحدهم عن وقته يقول له مشى رملك ولا يقرئك ذلك اليوم (ق) البخاري في الهبة ومسلم في الفرائض (عن النعمان بن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبالتحتية وهو ابن سعد الخزرجي أبي عبد الله الأمير ولي حمص ليزيد وقتل في آخر سنة أربع وستين قال: أتى بي أبي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال: أكل ولدك نحلته مثل ⦗١٢٧⦘ هذا قال: لا قال: فارجعه وفي رواية فقال: أفعلت هذا بولدك كلهم قال: لا قال: اتقوا الله واعدلوا إلى آخره قال النعمان: فرجع بي فرد تلك الصدقة وفي رواية قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يا بشير ألك ولد سوى هذا قال: نعم قال: أكلهم وهبت له مثل هذا قال: لا قال: فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور وفي رواية أشهد على هذا غيري ثم قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء قال: نعم قال: فلا إذن أخرجه الشيخان

стр. 131

١٢٢ - (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم) بفتح الياء التحتية والموحدة أي يحسنوا طاعتكم يقال بررت والذي أبره برا وبرورا أحسن طاعته ورفقت به وتحريت محابه وتوقيت مكارهه وذلك لأنه كما للآباء على الأبناء حق فللأبناء على الآباء حق وكما قال ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ وقال ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ فوصية الله للآباء بأبنائهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم وفيه ندب التسوية بين الأولاد في النحل وغيرها من أنواع البر حتى في القبلة ولو فعل خلاف ذلك لم يحرم فقد فضل أبو بكر عائشة بجذاذ عشرين وسقا دون جميع أولاده وعمر عاصما بشيء أعطاه وعبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم قال البيضاوي وقرر ذلك ولم ينكر عليهم فيكون ذلك إجماعا (طب عنه) أي عن النعمان المذكور

стр. 132

١٢٣ - (اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) أي الحالة التي وقع بها الاجتماع قال الحراني: والإصلاح تلافي خلل الشيء وفي المصباح الصلح التوفيق أصلحت بين القوم وفقت بينهم وقال الراغب: الصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال والصلح مختص بإزالة النفار بين الناس (فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين) وفي رواية المسلمين أي أصلحوا فإن الله يحب الصلح ولذلك يصلح بين المؤمنين (يوم القيامة) أي يوفق بينهم بأن يلهم المظلوم العفو عن ظالمه ويعوضه عن ذلك بأحسن الجزاء وروى ابن مردويه عن أنس مرفوعا إذا كان يوم القيامة نادى مناديا أهل التوحيد إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب (ع ك) في الأهوال (عن أنس) وقال صحيح ورده الذهبي بأن فيه عباد بن شيبة الحبطي ضعفوه وشيخه سعيد بن أنس لا يعرف فأنى له الصحة

стр. 133

١٢٤ - (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) من كل آدمي وحيوان محترم وغيرهما لأن ما عام في ذوي العلم وغيرهم أن اتقوا الله بحسن الملكة والقيام بما يحتاجونه وخافوا ما يترتب على إهمالهم والتفريط في حقهم من العذاب ولا تكلفوهم على الدوام ما لا يطيقونه على الدوام فإنه حرام وعلموهم ما لا بد منه من طهر وصلاة وكل واجب ومندوب وأدبوهم على ترك المأمورات وفعل المنهي وإضافة الملك إلى اليمين كإضافته إلى السيد والأملاك تضاف إلى الأيدي لتصرف الملاك فيها باليد وإنما أضافها إلى اليمين دون اليد لأنه أبلغ وأنفذ إذ اليمين أبلغ في القوة والتصرف ولينبه على شرف اليمين (خذ عن علي) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر كلام النبي ﷺ الصلاة الصلاة اتقوا الله فذكره والمراد أن ذلك من آخر ما تكلم به رمز المؤلف لصحته

стр. 134

١٢٥ - (اتقوا الله في الصلاة) التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها بشروطها وعدم ارتكاب منهياتها فإنها أول ما يحاسب عليه العبد وعلم الإيمان وعماد الدين وعموده ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكان اهتمام الناس بمن يمون من أعظم دعائم الدين كما يشير إليه خبر كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمون أو يعول اتبعها به ⦗١٢٨⦘ إشارة إلى أن القيام بذلك واجب على المالك وجوب الصلاة التي لا عذر فيها ما دام مناط التكليف فقال (و) في (ما ملكت أيمانكم) من كل آدمي وحيوان محترم وغير ذلك لأن ما عام في ذوي العلم وغيرهم قال التوربشتي: أراد المماليك ونحوهم وقرنه بالصلاة إيذانا بأن القيام بقدر حاجتهم من نفقة وكسوة واجب على من ملكهم وجوب الصلاة التي لا يسعه تركها وشمل البهائم المملكة وقال الطيبي: الحديث من جوامع الكلم عبر بالصلاة عن كل مأمور ومنهي إذ هي تنهى عن الفحشاء والمنكر وبما ملكت أيمانكم عن كل ما يتصرف فيه ملكا وقهرا ولذلك خص باليمين فنبه بالصلاة على تعظيم أمر الله تعالى وبما ملكت أيمانكم على الشفقة على خلقه. وقال المظهري: أراد الزكاة وإخراجها من المال الذي تملكه الأيدي كأنه علم بما يكون من أمر الردة وإنكارهم وجوبها بعده فقطع حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة ويؤيده أن القرآن والحديث إذا ذكر فيهما الصلاة فالغالب ذكر الزكاة بعدها (خط عن أم سلمة) بفتح المهملة واللام هند أم المؤمنين بنت أمية بن المغيرة المخزومية وأبوها يعرف بزاد الراكب من أشراف قريش رمز المؤلف لضعفه

стр. 135

١٢٦ - (اتقوا الله في الضعيفين) أي اجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية بالمواظبة على إيفاء حق الضعيفين أي اللذين لا حول لهما ولا قوة أو الضعيفين عن التكبر وعن أذى الناس بمال أو جاه أو قوة بدن قالوا: من هما يا رسول الله قال: (المملوك والمرأة) بأن تعاملوهما برفق وشفقة ولا تكلفوهما ما لا يطيقانه ولا تقصروا في حقهما الواجب والمندوب ووصفهما بالضعف استعطافا وزيادة في التحذير والتنفير فإن الإنسان كلما كان أضعف كانت عناية الله به أتم وانتقامه من ظالمه أشد ووجه ضعف المملوك كونه تحت قهر مالكه والمرأة امتهانها بالوطء ولزوم المنزل والقيام بحق الزوج والخطاب للولي والزوج أو عام ويدخلان دخولا أوليا قال الحراني: والضعف وهن القوى حسا أو معنى (ابن عساكر) في تاريخه (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب رمز المصنف لضعفه

стр. 136

١٢٧ - (اتقوا الله في الصلاة) أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية بالمواظبة عليها رجاء لرضا ربكم وخوفا من نقض العهد الذي عهده إليكم نبيكم بقوله " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة " الحديث (اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة) كرره تأكيدا واهتماما لأنها علم الإيمان وعماد الدين وطهرة القلوب من أدناس الذنوب واستفتاح باب الغيوب محل المناجاة معدن المصافاة تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها مشارق الأنوار وتجمع من القرب ما تفرق في غيرها كطهر وستر وقراءة وذكر ويمتنع فيها ما يمتنع في غيرها وتزيد بأمور أخرى (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) فعاملوهم بالرعاية وتجاوزوا عما يصدر منهم من الجناية وفي الكشاف عن علي كرم الله وجهه أنه صاح بغلام له كرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال: لم لم تجب قال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك فأعتقه وقال: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) كرره مرتين فقط إيماء إلى أن رعاية حق الحق آكد من رعاية حق الخلق (اتقوا الله في الضعيفين) قيل من هما يا رسول الله قال (المرأة الأرملة) أي المحتاجة المسكينة التي لا منفق لها سميت أرملة لما لها من الأرمال وهو الفقر وذهاب الزاد وأصل أرمل نزل بين جبال ورمال قال الزمخشري: ومن المجاز أرمل افتقر وفني زاده وهو من الرمل ومنه الأرملة والأرامل وفي العين لا يقال شيخ أرمل إلا أن يشاء شاعر في تلميح كلامه كقوله: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها. . . فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر ⦗١٢٩⦘ وأرملت المرأة ورملت من زوجها ولا يكون إلا مع الحاجة وعام أرمل وسنة رملى جدباء وكلام مرمل مريف كالطعام المرمل إلى هنا كلامه وقول الشافعي ﵀ هي من بانت بفسخ أو طلاق أو وفاة اصطلاح فقهي وتقييده بالأرملة ليس لإخراج غيرها بدليل إطلاقها فيما قبله بل لأن رعاية حقها آكد (والصبي اليتيم) أي الصغير الذي لا أب له شرعا ذكرا أو أنثى حث على الوصية بهؤلاء لأن ما تضمره النفس من التكبر تظهره فيهم لكونهم تحت قهرها فترى الإنسان يعمل الفكرة في وجوه العظمة عليهم ويتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به من مخالفته (هب عن أنس) قال: كنا عند رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة فقال لنا: اتقوا الله إلى آخره فجعل يرددها ويقول الصلاة وهو يغرغر حتى فاضت نفسه انتهى. وقد رمز المصنف لحسنه لكن فيه بشر بن منصور الخياط أورده الذهبي في المتروكين وقال هو مجهول قبل المائتين

стр. 137

١٢٨ - (اتقوا الله) خافوا عقابه واصبروا عن المعاصي وعلى الطاعات (وصلوا) بالتشديد (خمسكم) أي صلواتكم الخمس المعلوم فرضيتها من الدين بالضرورة أضافها إليهم لأنها لم تجتمع لغيرهم وورد أن الصبح لآدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس ولا يناقضه قول جبريل لما صلى به الخمس في أوقاتها مرتين هذا وقت الأنبياء قبلك لاحتمال أنه وقتهم إجمالا وإن اختص كل منهم بوقت (وصوموا شهركم) رمضان والإضافة للاختصاص على ما جرى عليه جمع لكن تعقب بحديث مرفوع خرجه ابن أبي حاتم صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم واحتج الأولون بأن المصطفى كان يصوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ولو كان مشروعا قبلنا لصامه ولم يصم عاشوراء أولا والصوم إذلال النفس لله بإمساكها عما تتشوف إليه نهارا على وجه مخصوص وفرض بالمدينة قال الحراني: وحكمة فرضه فيها أنهم لما أمنوا من عداوة الأمثال والأغيار عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسيط في الشهوات وذلك لا يليق بمؤمن يؤثر الدين على الدنيا (وأدوا) أعطوا (زكاة أموالكم) قال الحراني: الزكاة كسر أنفة الغنى بما يؤخذ في حق أصنافها إظهارا لكون المشتغلين بالدين آثر عند الله من الأغنياء وليتميز الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين ولم يشهد الله بالنفاق جهرا على أحد أعظم من شهادته على مانع الزكاة وقدم الصلاة إتباعا للفظ التنزيل ولعموم وجوبها على كل مكلف ولأن حسنها في نفسها بلا واسطة بخلاف غيرها وصرح بالمضاف في قوله زكاة أموالكم وأضمر في قوله خمسكم أي صلواتكم وأبهم في قوله شهركم أي رمضان للدلالة على أن الإنفاق من المال أشق وأصعب على النفس أي أنفقوا مما تحبونه ومما هو شقيق أنفسكم وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معاشهم ذكره الطيبي ولما كان السخط والرضا من أعمال القلوب زاد في رواية قوله (طيبة) بالتشديد أي منبسطة منشرحة (بها أنفسكم) يقال طابت نفسه تطيب انبسطت وانشرحت قال الزمخشري: ومن المجاز طاب لي كذا إذا حل وطاب القتال والأنفس تذكر في مقام الشح غالبا كقوله تعالى ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ وفيه إشارة إلى أنها تطيب المال ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وأنه لا تجب عليهم الزكاة لأنها طهرة وهم مبرؤون من الدنس لعصمتهم ولأنهم لا يشاهدون لهم ملكا مع الله ولم يذكر الحج في الرواية لأنه إن لم يكن له فرض فظاهر وإلا فكان المخاطبون يعرفونه وغالب أهل الحجاز يحجون كل عام وقد ذكره في رواية أخرى (وأطيعوا ذا أمركم) أي من ولي أموركم في غير إثم قال الطيبي: وعدل عن قوله أميركم ليكون أبلغ وأشمل كما في قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال في القواطع الطاعة من الطوع والانقياد ومعناها تلقي الأمر بالقبول (تدخلوا) بالجزم جواب الأمر (جنة ربكم) الذي رباكم في نعمه وصانكم من بأسه ونقمه ويربي لكم الصدقات ⦗١٣٠⦘ عنده حتى يصير الحقير عظيما كما في خبر إن الله يقبل الصدقات فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه وهذا هو سر التعبير هنا بالرب دون غيره والمراد بالإدخال مزيد رفع الدرجات والتجاوز عن السيئات وإلا فمجرد الإيمان كاف لمطلق دخولها وقد أشار بهذا الخبر إلى أمهات الأعمال البدنية والمالية من الأفعال والتروك فالصلاة مشار بها إلى التجلي بكل خير والتخلي عن كل شر ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ والصوم المطلوب منه سكون النفس الأمارة بالسوء وكسر شهوتها عن الفضول بالجوارح لخمود حركة لذاتها وعنه يصفو القلب ويحصل العطف على الفقراء فإنه لما ذاق الجوع أحيانا ذكر به من هذا حاله في كلها أو جلها فتسارع إليه الرقة فيبادر بالإحسان فينال من الجزاء ما أعد له في الجنان والزكاة طهرة للنفس عن دنس البخل والمخالفة وللمال بإخراج الحق لمستحقه والإنفاق خلافه والبخل عزل عن خلافة الله تعالى فمتى جاد الإنسان بالعطية عن طيب قلب ورضا نفس تمت خلافته وعظم فيه سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وإن بخل واستغنى تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من الأعلى فبحق كانت الزكاة من أمهات الأعمال فافهم هذا المقال <تنبيه> سئل جدنا شيخ الإسلام يحيى المناوي عن وجه تأخير الزكاة عن الصلاة في الذكر مع أن كلا فرض يكفر جاحده فأجاب بأن ذلك لمعان منها أن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء ومنها أنها لا تجب في العام إلا مرة واحدة ومنها أنها تؤخذ جبرا (ت) وقال حسن صحيح (حب ك) وكذا البيهقي (عن أبي أمامة) بضم الهمزة وخفة الميم واسمه صدى بضم المهملة الأولى وفتح الثانية مصغرا ابن عجلان ضد المتأني الباهلي بالموحدة وكسر اللام السهمي آخر الصحابة موتا بالشام وهو مشهور ورواه الخلعي في فوائده وقال حجوا بيت ربكم وأدوا زكاتكم طيبة بها نفوسكم

стр. 138

١٢٩ - (اتقوا الله) في تجنب المحارم والقيام بالواجب (وصلوا) بكسر الصاد وضم اللام مخففة من الصلة وهي العطية (أرحامكم) فإن قطيعتها مما يجب أن يتقي جمع رحم عام في كل رحم محرما وارثا وضدهما على الأصح والمراد الإحسان إليهم قولا وفعلا وكف الأذى عنهم وقد تضافرت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وكفاك شاهدا على تأكد حقها والتحذير من قطعها قرنه سبحانه إياها باسمه في قوله تعالى ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ قال في الكشاف: قد آذن إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان كما قال ﴿ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ وفيه أنه يحرم قطع الرحم بل هو من الكبائر (ابن عساكر) في تاريخه (عن ابن مسعود) بسند ضعيف ورواه الطبراني باللفظ المزبور عن جابر وزاد فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم ورواه ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة وزاد فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة وبذلك يصير حسنا

стр. 139

١٣٠ - (اتقوا الله) خافوه واجتنبوا التطلع إلى ولاية المناصب (فإن أخونكم) أي أكثركم خيانة (عندنا) معشر المسلمين أو النون للتعظيم ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (من طلب العمل) أي الولاية وليس من أهلها لأن طلبه لها وهو كذلك أوضح دليل على خيانته وإن كان أهلا فالأولى أن لا يطلبها ما لم يتعين عليه وإلا وجب قال الراغب: والخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال باعتبار العهد والأمانة والنفاق يقال باعتبار الدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ونقيض الخيانة الأمانة قال الزمخشري: ومن المجاز خانه سيفه أي نبا عن الضربة وخانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي وخان الدلو الرشاء إذا انقطع وتخون فلان حقي تنقصه كأنه خانه شيئا فشيئا (طب عن أبي موسى) الأشعري ورمز المصنف لحسنه

стр. 140

١٣١ - (اتقوا البول) أي احذروا من التقصير في التنزه عنه أو توقوا منه بعد ملابسته وبالتحرز عن مفسدة تتعلق به كانتقاص الطهر لأن التهاون به تهاون بالصلاة التي هي أفضل الأعمال فلذا كان أول ما يسئل عنه كما قال فإنه أول ⦗١٣١⦘ ما يحاسب به العبد) أي المكلف (في القبر) أي أول ما يحاسب فيه على ترك التنزه منه فإما أن يعاتب ولا يعاقب وإما أن يناقش فيعذب ولا ينافيه أن أول ما يحاسب به العبد الصلاة يوم القيامة لأنه يحاسب على أول مقدماتها في أول مقدمات الآخرة ثم يحاسب يوم القيامة على جميع الشروط والأركان كذا جمع به بعضهم ولكن نازع فيه المؤلف بأن ظاهر الأحاديث الواردة في سؤال الملكين في القبر أنه لا يسئل فيه عن شيء من التكاليف غير الاعتقاد فقط ويجاب بأن الملكين منكرا ونكيرا لا يسألان إلا عن الاعتقاد وأما وظيفة المحاسبة فلغيرهما وقد أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه لآيات وأخبار متواترة المعنى وفيه أن ترك التنزه من البول كبيرة لاستلزامه بطلان الصلاة وحرمة التضمخ به بلا حاجة ووجوب الاستبراء أي إن ظن عود شيء لولاه وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة سنة ولا ينافي كونه كبيرة قوله في قصة القبرين إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير لأن المعنى لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو التحرز عنه فإنه سهل على من يريد التوقي عنه فليس بكبير عليهم تركه وإن كان كبيرا عند الله ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ وفيه أن كل بول نجس ويدخل تحت عمومه بول ما يؤكل لأن الاسم المفرد للعموم فهو حجة على مالك وأن قليله وكثيره سواء فلا يخفف في شيء منه وعليه الشافعي وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة عفوا قياسا على العفو عن المخرجين (طب) وكذا الحكيم (عن أبي أمامة) الباهلي رمز المصنف لحسنه وهو أعلى من ذلك فقد قال المنذري: إسناده لا بأس به وقال الحافظ الهيتمي: رجاله موثقون

стр. 141

١٣٢ - (اتقوا الحجر) بالتحريك قال الحراني: هو ما تحجر أي اشتد تضام أجزائه من الماء والتراب وقال الراغب: هو الجوهر الصلب وجمعه أحجار وحجارة (الحرام) الذي لا يحل لكم أخذه واستعماله والحرام الممنوع منه وقال في المحصول والحرام يسمى معصية وذنبا ومحظورا ومزجورا عنه وممنوعا منه ومتوعدا عليه أي من جهة الشرع (في البنيان) بأن تصونوه عنه وجوبا ونبه بالحجر على غيره من جميع آلات البناء كجص وآجر وخشب وغيرها مما ينبى به وفي رواية بدون ذكر الحجر وهو أعم أي احذروا انفاق المال الحرام في البناء (فإنه) أي فإن إدخال الحجر الحرام وما في معناه في البنيان (أساس الخراب) أي قاعدته وأصله قال الراغب: الأساس القاعدة التي بينى عليها قال الزمخشري: ومن المجاز فلان أساس أمره الكذب ومن لم يؤسس ملكه بالعدل فقد هدمه انتهى والمراد خراب الدين أو الدنيا بقلة البركة وشؤم البيت المبنى به أو أساس خراب البناء نفسه بأن يسرع إليه الخراب في زمن قريب ولو لم يبن به لم يخرب سريعا بل يطول بقاؤه لينتفع بغلته من بعد بنائه قال الزمخشري مكتوب في الإنجيل الحجر الواحد في الحائط من الحرام عربون بالخراب وقال وهب بن منبه: وجدت في بعض كتب الأنبياء من استغنى بأموال الفقراء جعلت عاقبته الفقر وأي دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب. وورد في غير ما أثر أن البناء إذا كان من حرام لم يطل تمتع صاحبه به بل في خبر رواه الحاكم من حديث أمير المؤمنين المرتضى: إن لله بقاعا تسمى المنتقمات فإذا كسب الرجل المال من حرام سلط الله عليه الماء والطين ثم لا يمتعه به أه. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالبنيان كل أمر أسسه وبناه من دينه ودنياه إذا كان إمداده وإنفاقه من حرام ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار﴾ انتهى وهذا وإن كان لمجيئه مجال في رواية إسقاط لفظ الحجر لا مجال له على رواية إثباته إلا بتكليف يصان عن مثله كلام المصطفى العذب الزلال (هب) من حديث معاوية بن يحيى عن الأوزاعي عن حسان بن عطية (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب قال ابن الجوزي: حديث لا يصح ومعاوية ضعيف وحسان لم يسمع من ابن عمر انتهى. لكن له طرق وشواهد وممن رواه الخطيب والبيهقي والديلمي وابن عساكر والقضاعي في الشهاب وقال شارحه غريب جدا

стр. 142

⦗١٣٢⦘ ١٣٣ - (اتقوا الحديث عني) أي لا تحدثوا عني (إلا بما علمتم) أي تعلمونه بمعنى تتيقنون صحة نسبته إلي وقال الطيبي: يجوز أن يراد بالحديث الاسم فالمضاف محذوف أي احذروا رواية الحديث عني أو أن يكون فعيلا بمعنى مفعول وعني متعلق به والاستثناء منقطع والمعنى احذروا من الحديث عني لكن لا تحذروا مما تعلمونه انتهى والحديث عرفا ما روي من قول المصطفى قيل أو الصحابي أو التابعي أو فعلهم أو تقريرهم وقد يخص بما يرفع إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير كذا في التلويح وغيره وأهله النقلة له المعتنون بما يتعلق به (فمن كذب علي متعمدا) حال من الضمير المستتر في كذب الراجع إلى من (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ له محلا فيها لينزل فيه فهو أمر بمعنى الخبر قال الرافعي: أو دعاء أي بوأه الله ذلك فليتبوأ اتخاذ المنزل والمقعد محل القعود وجاء به بلفظ الأمر جوابا للشرط ليكون أبلغ في وجوب الفعل وألزم له وقال الطيبي: الأمر بالتبوؤ تهكم وتغليظ إذ لو قال كان مقعده في النار لم يكن كذلك والكذب عليه ﷺ من الكبائر الموبقة والعظائم المهلكة لإضراره بالدين وإفساده أصل الإيمان والكاذبون عليه كثيرون وقد اختلف طرق كذبهم كما هو مبين في مبسوطات أصول كتب الحديث قال بعضهم: وعموم الخبر يشمل الكذب في غير الدين ومن خصه به فعليه الدليل (ومن قال في القرآن برأيه) أي من شرع في التفسير من غير أن يكون له خبرة بلغة العرب ووجوه استعمالاتها في نحو حقيقة ومجاز ومجمل ومفصل وعام وخاص وغير ذلك من علوم القرآن ومتعلقات التفسير وقوانين التأويل (فليتبوأ مقعده من النار) المعدة في الآخرة لأنه وإن طابق المراد بالآية فقد ارتكب أمرا فظيعا واقتحم هولا شنيعا حيث أقدم على كلام رب العالمين بغير العالمين بغير إذن الشارع ومن تكلم فيه بغير إذنه فقد أخطأ وإن أصاب قال الغزالي: ومن الطامات صرف ألفاظ الشارع عن ظاهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام كدأب الباطنية فإن الصرف عن مقتضى طواهرها من غير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع وبغير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام (حم ت) في التفسير (عن ابن عباس) رمز المصنف لحسنه اغترارا بالترمذي قال ابن القطان: وينبغي أن يضعف إذ فيه سفيان بن وكيع قال أبو زرعة: متهم بالكذب لكن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح. قال أعني ابن القطان فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول انتهى وبه يعرف أن المصنف لم يصب في ضربه صفحا عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده وممن جرى على سنن ابن القطان في تضعيف رواية الترمذي الصدر المناوي فقال فيه شيخ الترمذي سفيان بن وكيع ضعيف وأقول فيه عند أحمد عبد الأعلى الثعلبي أورده الذهبي في الضعفاء وقال ضعفه أحمد وأبو زرعة

стр. 143

١٣٤ - (اتقوا الدنيا) أي احذروا الاغترار بما فيها فإنها في وشك الزوال ومظنة الترحال فلا تقربوا الأسباب المؤدية للانهماك فيها أو الزيادة على الحاجة فإنها عرض زائل وحال حائل وقال بعضهم: أقبلت الدنيا وكم قتلت. . . كم سترت الدنيا وكم فضحت فالسعيد من إذا مدت إليه باعها باعها. . . والشقي من إذا مدت إليه باعها أطاعها والدنيا عند أهل الطريق عبارة عما شغل عن الله (واتقوا النساء) أي احذروا الافتتان بهن وصونوا أنفسكم عن التطلع إليهن والتقرب منهن بالحرام (فإن إبليس) من أبلس تحير أو من البلس محركا من لا خير فيه أو عنده إبلاس وشر والمبلس الساكت حزنا كذا قرره وأبطله الكشاف بأنه لو كان إفعيلا من الإبلاس كما زعموا لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا فمنع صرفه دليل العجمة قال ابن العماد: ولإبليس اثنان وثلاثون اسما ومن أولاده ثلاثة عشر لكل منهم اسم يخصه (طلاع) بفتح الطاء وشد اللام صيغة مبالغة من قولهم رجل طلاع الثنايا مجرب للأمور ركاب لها ⦗١٣٣⦘ يعلوها ويقهرها ويهجم عليها بشدة وغلبة قال الزمخشري: ومن المجاز طلع علينا فلان هجم (رصاد) بالتشديد أي رقاب وثاب كما يرصد القطاع القافلة فيثبون عليها. قال الراغب: والرصد الاستعداد والترقب وقال الزمخشري: رصدته رقبته وفلان يخاف رصدا من قدامه وطلبا من ورائه أي عدوا يرصده ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ ومن المجاز أنا لك بالرصد والمرصاد أي لا تفوتني وفي التنزيل ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ أي مراقبك لا تخفى عليه أعمالك ولا تفوته فالشيطان لما رأى الإنسان خلق عجولا راغبا في العجالة توسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه فوعده بالغرور واستغواه وكره إليه المصير للآخرة وزين له الحاضرة ونصب له فخوخا كالبحار الزاخرة (وما) نافية (هو بشيء) الباء زائدة والتنكير للتعميم لأنه في سياق النفي (من) بيانية (فخوخه) جمع فخ بفتح الفاء وشد الخاء المعجمة آلة الصيد قال الزمخشري: من المجاز وثب فلان من فخ إبليس إذا تاب (بأوثق) أحكم (لصيده) أي لمصيده (في الأتقياء) خصهم لما لهم من الشهرة على قهر الشيطان ورد كيده (من النساء) بيان للأوثق أي ما يثق في صيده الأتقياء بشيء من آلات الصيد وثوقه بالنساء أما كونهن من فخوخه فلأنه جعلهن مصيدة يزينهن في قلوب الرجال ويغريهم بهن فيورطهم في الزنا كصائد ينصب شبكته ليصطاد بها ويغري الصيد عليها ليقع في حبائلها قال أبو حمزة الخراساني: النظر رسول البلايا وسهام المنايا وقال بعض الحكماء: من غلب هواه عقله افتضح ومن غض طرفه استراح وقال بعضهم: لا شيء أشد من ترك الشهوة تحريك الساكن أيسر من تسكين المتحرك وقال ابن الحاج: قال صاحب الأنوار احذروا الاغترار بالنساء وإن كن نساكا عبادا فإنهن يركن إلى كل بلية ولا يستوحشن من كل فتنة. وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء لأن حبس النفس ممكن لأهل الكمال إلا عنهن لأنهن من ذوات الرجال وشقائقهم ولسن غيرا حتى يمكن التباعد عنه والتحرز عنه ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ وما عداهن فاتباع هوى النفس فيه آية تكذيب وعد الرحمن وعلامة الاسترسال مع الشيطان وتصديقه فيما يزينه من البهتان وإذا نرى الكامل الحازم منقادا مسترسل الزمام لتلك الناقصات عقلا ودينا مقهورا تحت حكمهن قال: إن العيون التي في طرفها حور. . . قتلننا ثم لا يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به. . . وهن أضعف خلق الله أركانا وقال الرشيد الخليفة: ملك الثلاث من الإناث عناني. . . وحللن من قلبي أعز مكاني ما لي تطاوعني البرية كلها. . . وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى. . . وبه غلبن أعز من سلطاني فعلى من ابتلي بالميل إليهن مصارعة الشيطان فإذا غلب باعث شهوة الوقاع المحرم بحيث لا يملك معها فرجه أو ملكه ولم يملك طرفه أو ملكه ولم يملك قلبه أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة من الأطعمة فيقللها كما وكيفما ويحسم محرك الغضب وهو النظر ففي خبر أحمد " النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس " وهذا السهم يسدده إبليس نحو القلب ولا طريق إلى رده إلا الغض والانحراف عن جهة المرمى فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصورة فإذا لم تقف في طريقها أخطأك السهم وإن نصبت قلبك غرضا أصابك وأن تسلي النفس بالمباح المعوض عن الحرام فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح والكلب الضاري لإضعاف قوتهما والثاني كتغييب الشعير عن الدابة وأن تتفكر في مفاسد قضاء هذا الوطر فإنه لو لم يكن جنة ولا نار ففي مفاسده الدنيوية ما يصد عن إجابة ذلك الداعي لكن عين الهوى عمياء (فر عن معاذ) بن جبل وفيه هشام بن عمار قال أبو حاتم صدوق تغير فكان يتلقن كما يلقن وقال أبو داود حدث بأكثر من أربع مئة حديث لا أصل لها وفيه سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية وهو الحمصي قال الذهبي في الضعفاء متهم بالوضع

стр. 144

⦗١٣٤⦘ ١٣٥ - (اتقوا الظلم) الذي هو مجاوزة الحد والتعدي على الخلق وقال الراغب: هو لغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به بنقص أو زيادة أو عدول عن وقته أو مكانه ويقال لمجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة انتهى وذلك لأن الشرائع تطابقت على قبحه واتفقت جميع الملل على رعاية حفظ الأنفس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال والظلم يقع في هذه أو في بعضها وأعلاه الشرك ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ ويدخل فيه ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب المعاصي إذ العصاة ظلام أنفسهم وأقبح أنواع ظلم من ليس له ناصر إلا الله قال ابن العزيز: إياك إياك أن تظلم من لا ينتصر عليك إلا بالله فإنه تعالى إذا علم إلتجاء عبد إليه بصدق واضطرار انتصر له فورا ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ (فإن الظلم) في الدنيا (ظلمات) على أصحابه بمعى أنه يورث ظلمة في القلب فإذا أظلم القلب تاه وتحير وتجبر فذهبت الهداية والبصيرة فخرب القلب فصار صاحبه في ظلمة (يوم القيامة) فالظلمة معنوية لما كان الظلم مفضيا بصاحبه إلى الضلال الذي هو ضد الهدى كان جديرا بالتشبيه بالظلمة كما في ضده من تشبيه الهداية بالنور وقيل حسية فيكون ظلمه ظلمات عليه فلا يهتدي في القيامة بسببه وغيره من المؤمنين يسعى نوره بين يديه قال الحراني: والظلمة ما يطمس الباديات حسا أو معنى. وقال الزمخشري: هي عدم النور وانطماسه بالكلية وقيل عرض ينافي النور من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية وجمعها دلالة على إرادة الجنس اختلاف أنوار الظلم الذي هو سبب لأنواع الشدائد في القيامة من الوقوف في العرصات والحساب والمرور على الصراط وأنواع العقاب في النار (حم طب) عن ابن عمر قال الهيتمي: فيه عطاء ابن السائب وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح (هب عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب أورده البيهقي من طريقين وفي أحدهما مالك بن يحيى اليشكري ساقه الذهبي في الضعفاء وقال جرحه ابن حبان وفي الآخرى عمرو بن مرزوق أورده الذهبي في ذيل الضعفاء وقال غيره ثقة وقال الدارقطني كثير الوهم وبما تقرر يعرف ما في رمز المؤلف لصحته من المجازفة

стр. 145

١٣٦ - (اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئا. وفي خبر لابن مسعود " يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم يقذفون فيها (واتقوا الشح) الذي هو بخل مع حرص أو منع الواجب أو البخل بما في يد الغير أو غير ذلك وقال الزمخشري: بالضم والكسر أي والضم أفصح اللوم وأن تكون نفسه كزيزة حريصة والبخل أعم فقد يكون بخل ولا شح ثمة ولا ينعكس قال الطيبي: فالبخل مطلق المنع والشح المنع مع ظلم وعطف الشح الذي هو نوع من أنواع الظلم اشعارا بأن الشح أعظم أنواعه لأنه من نتائج حب الدنيا ولذاتها ومن ثم وجهه بقوله (فإن الشح) بتثليث الشين (أهلك من كان قبلكم) من الأمم (وحملهم على أن سفكوا دماءهم) أي اسالوها بالقوة الغضبية بخلا بالمال وحرصا على الاستئثار به (واستحلوا محارمهم) أي استباحوا نساءهم أو ما حرم الله من أموالهم وغيرها وهذا على سبيل الاستئناف فإن استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم وعطفه على سفك الدماء عطف عام على خاص عكس الأول والسفك كما قال الحراني سكب بسطوة وقال القاضي السفك والكسب والسبك والسفح والشن أنواع من الصب فالسفك يقال في الدم والسكب في الدمع والسبك ⦗١٣٥⦘ في الجواهر المذابة والسفح في الصب من أعلى والشن في الصب من فم القربة انتهى وإنما كان الشح سبب ما ذكر لأن في بذل المال والمواساة تحابيا وتواصلا وفي الإمساك تهاجر وتقاطع وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك الدماء واستباحة المحارم. ومن السياق عرف أن مقصود الحديث بالذات ذكر الشح وذكر الظلم توطئة وتمهيدا لذكره وأبرزه في هذا التركيب إيذانا بشدة قبح الشح وأنه يفضي بصاحبه إلى أفظع المفاسد حيث جعله حاملا على سفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة وأخبث العواقب الوخيمة ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هو المفلحون﴾ قال بعض العارفين: الشح مسابقة قدر الله ومن سابق قدر الله سبق ومغالبة لله ومن غالب الحق غلب وذلك لأن الحريص يريد أن ينال ما لم يقدر له فعقوبته في الدنيا الحرمان وفي الآخرة الخسران (حم خد عن جابر) بن عبد الله ولم يخرجه البخاري في الصحيح قال الديلمي: وفي الباب جندب وغيره
следующие страницы →