Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مِحُمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ اَلْعَبْدُ الْضَّعِيفُ، الرَّاجِي رَحْمَةَ رَبِّهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْحَافِظِ عَبْدُ الرَّحِيمِ جَعَلَ اللَّهُ مَآلَهُمَا النَّعِيمَ الْمُقِيمَ: إِنِّي قَدْ فَرَغْتُ بِعَوْنِهِ تَعَالَى مِنْ تَحْرِيرِ الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي كُنْتُ أَرَدْتُ إِيْرَادَهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِي لِجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْآنَ قَدْ حَانَ الشُّرُوعُ فِي تَحْرِيرِ الشَّرْحِ، وَفَّقَنِي اللَّهُ تَعَالَى لِإِتْمَامِهِ، وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَسَمَّيْتُهُ " تُحْفَةَ الْأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيِعُ الْعَلِيمُ، وَانْفَعْ بِهِ كُلَّ مَنْ يَرُومُهُ مِنَ الطَّالِبِ الْمُبْتَدِي وَالرَّاغِبِ الْمُنْتَهِي، وَاجْعَلْهُ لَنَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ بَعْدَ الْمَمَاتِ.
اعْلَمْ زَادَكَ اللَّهُ عِلْمًا نَافِعًا أَنِّي رَأَيْتُ أَنَّ أَكْثَرَ شُرَّاحِ كُتُبِ الْحَدِيثِ قَدْ بَدَءُوا شُرُوحَهُمْ بِذِكْرِ أَسَانِيدِهِمْ إِلَى مُصَنِّفِيهَا، وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الْأَسَانِيدَ أَنْسَابُ الْكُتُبِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَبْدَأَ شَرْحِي بِذِكْرِ إِسْنَادِي إِلَى الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَقُولُ: إِنِّي قَرَأْتُ جَامِعَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن، الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةَ سِتٍ بَعْدَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فِي دِهْلِي، فَأَجَازَنِي بِهِ، وَبِجَمِيعِ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا، وَكَتَبَ لِيَ الْإِجَازَةَ بِخَطِّهِ الشَّرِيفِ، وَهَذِهِ صُورُتُهَا.
الْحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ، طَالِبُ الْحُسْنَيَيْنِ، مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن، عَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ: إِنَّ الْمَوْلَوِيَّ الذَّكِيَّ أَبَا الْعلى مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَافِظِ الْحَاجِّ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْأَعْظَمِ كدهي الْمُبَارَكْفُورِيَّ، قَدْ قَرَأَ عَلَيَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحَ مُسْلِمٍ وَجَامِعَ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنَ أَبِي دَاوُدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ بِتَمَامِهِ وَكَمَالِهِ، وَأَوَاخِرَ النَّسَائِيِّ، وَأَوَائِلَ ابْنِ مَاجَهْ، وَمِشْكَاةَ الْمَصَابِيحِ، وَبُلُوغَ الْمَرَامِ، وَتَفْسِيرَ الْجَلَالَيْنِ، وَتَفْسِيرَ الْبَيْضَاوِيِّ، وَأَوَائِلَ الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرَ شَرْحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ، وَسَمِعَ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِإِقْرَاءِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمُوَطَّأِ وَسُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَالْمُنْتَقَى، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ، وَتَدْرِيسِهَا، لِأَنَّهُ أَهْلُهَا بِالشُّرُوطِ
стр. 2
الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَإِنِّي حَصَّلْتُ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْمُكَرَّمِ الْأَوْرَعِ الْبَارِعِ فِي الْآفَاقِ مُحَمَّد إِسْحَاق الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ مُسْنِدِ الْوَقْتِ الشَّاهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْقَرْمِ الْمُعَظَّمِ بَقِيَّةِ السَّلَفِ وَحُجَّةِ الْخَلَفِ الشَّاهِ وَلِيِّ اللَّهِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَاقِي السَّنَدِ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ.
وَأُوصِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَإِشَاعَةِ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ بِلَا خَوْفِ لَوْمَةِ لَائِمٍ حُرِّرَ سَنَةَ ١٣٠٦ الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ.
قُلْتُ: بَاقِي السَّنَدِ هَكَذَا: قَالَ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ: قَرَأْتُ طَرَفًا مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى أَبِي الطَّاهِرِ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيَّ الْمَدَنِيَّ، وَأَجَازَ لِسَائِرِهِ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنِ الْمِزَاحِيِّ، يَعْنِي السُّلْطَانَ بْنَ أَحْمَدَ، عَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ السُّبْكِيِّ، عَنِ النَّجْمِ الْغَيْطِيِّ، عَنِ الزَّيْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْعِزِّ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرَاغِيِّ، عَنِ الْفَخْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ طَبْرَزْدَ الْبَغْدَادِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْكَرُوخِيِّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَامِرٍ مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرَّاحِيِّ الْمَرْوَزِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ بْنِ مُوسَى التِّرْمِذِيُّ.
قُلْتُ: وَإِنِّي قَرَأْتُ أَطْرَافًا مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ وَغَيْرِهَا عَلَى شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الْيَمَانِيِّ، فَأَجَازَنِي لِسَائِرِ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، بَلْ لِجَمِيعِ مَا حَوَاهُ إِتْحَافُ الْأَكَابِرِ فِي إِسْنَادِ الدَّفَاتِرِ مِنَ الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَتَبَ لِيَ الْإِجَازَةَ وَهَذِهِ صُورَتُهَا:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَاتَرَ عَلَيْنَا فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ، الْمَوْصُولُ إِلَيْنَا بِرُّهُ وَامْتِنَانُهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ صَحَّ سَنَدُ كَمَالَاتِهُ، وَتَسَلْسَلَ إِلَيْنَا مَرْفُوعُ مَا وَصَلَ مِنْ هِبَاتِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَنَاصِرِيهِ وَأَحْزَابِهِ.
وَبَعْدُ: فَإِنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي بَلْدَةِ آرَهْ بِالْمَوْلَوِيِّ مُحَمَّد عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُتَوَطِّنِ مُبَارَكْبُورَ مِنْ تَوَابِعِ أَعْظَمِ كَده، وَقَرَأَ عَلَيَّ أَطْرَافًا مِنَ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ، وَمِنْ مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَمِنْ مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمِنَ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ، وَمِنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ، وَمِنْ سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَطَلَبَ مِنِّي الْإِجَازَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَوَصْلِ سَنَدِهِ بِسَنَدِ مُؤَلِّفِيهَا الْأَجِلَّاءِ الْقَادَةِ، فَأَسْعَفْتُهُ بِمَطْلُوبِهِ، تَحْقِيقًا لِظَنِّهِ وَمَرْغُوبِهِ، وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَلَا مِمَّنْ يَخُوضُ فِي هَذِهِ الْمَسَالِكِ، وَلَكِنْ تَشَبُّهًا بِالْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ السَّابِقِينَ الْكِرَامِ.
стр. 3
وَإِذَا أَجَزْتُ مَعَ الْقُصُورِ فَإِنَّنِي ... أَرْجُو التَّشَبُّهَ بِالَّذِينَ أَجَازُوا
لِلسَّالِكِينَ إِلَى الْحَقِيقَةِ مَنْهَجًا ... سَبَقُوا إِلَى غُرَفِ الْجِنَانِ فَفَازُوا
فَأَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ: إِنِّي قَدْ أَجَزْتُ الْمَوْلَوِيَّ مُحَمَّد عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي هَذِهِ الْكُتُبَ الْمَذْكُورَةَ بِأَسَانِيدِهَا الْمُتَّصِلَةِ إِلَى مُؤَلِّفِيهَا، الْمَذْكُورَةِ فِي ثَبَتِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبَّانِيِّ، الْقَاضِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ، الْمُسَمَّى " بِإِتْحَافِ الْأَكَابِرِ فِي إِسْنَادِ الدَّفَاتِرِ " مَعَ بَيَانِ كُلِّ إِسْنَادٍ إِلَى مُؤَلِّفِهِ، بَلْ أَجَزْتُهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا حَوَاهُ إِتْحَافُ الْأَكَابِرِ مِنَ الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ وَغَيْرِهَا، أَجَازَنِي بِرِوَايَةِ جَمِيعِ مَا فِيهِ شَيْخَايَ: الشَّرِيفُ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحُسْنِيُّ الْحَازِمِيُّ، وَشَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ ابْنُ الْإِمَامِ الْمُؤَلِّفِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مُؤَلِّفِهِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبَّانِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُوصِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَمُتَابَعَةِ السُّنَنِ، وَأَنْ لَا يَنْسَانِي مِنْ صَالِحِ دَعَوَاتِهِ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ، وَمَشَايِخِي وَوَالِدَيَّ وَأَوْلَادِي، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ لِمَا يَرْضَاهُ، وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِ بِطَرِيقِ النَّجَاةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. مُؤَرِّخُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ أَحَدِ شُهُورِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلِ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ وَالتَّحِيَّةِ. أَمْلَاهُ الْمُجِيزُ بِلِسَانِهِ، الْحَقِيرُ الْفَقِيرُ إِلَى إِحْسَانِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ الْبَارِي، حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الْيَمَانِيِّ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
قُلْتُ: ثَبَتُ شَيْخِ شُيُوخِ مَشَايِخِنَا الْقَاضِي الشَّوْكَانِيِّ الْمُسَمَّى بِإِتْحَافِ الْأَكَابِرِ عِنْدِي مَوْجُودٌ نَقَلْتُهُ مِنْ نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، مَنْقُولَةٍ مِنْ خَطِّ تِلْمِيذِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُجَازُ مِنْهُ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُحَمَّدِيُّ، وَالْآنَ قَدْ طُبِعَ هَذَا الثَّبَتُ الْمُبَارَكُ، وَشَاعَ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ مُصَنِّفُ هَذَا الثَّبَتِ أَسَانِيدَ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ فِي فَصْلِ السِّينِ، فَقَالَ: سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ أَرْوِيهَا بِالسَّمَاعِ لَجَمِيعُهَا مِنْ لَفْظِ شَيْخِنَا السَّيِّدِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْقَادِرِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ، إِلَى الشِّمَاخِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّرَجِيِّ الْيَمَنِيِّ، عْنَ زَاهِرِ بْنِ رُسْتُمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍّ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنِ الْمُؤَلِّفِ.
وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ إِلَى مُحَمَّدٍ الْبَابِلِيِّ، عَنِ النُّورِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزِّيَادِيِّ، عَنِ الرَّمْلِيِّ، بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا إِلَى ابْنِ طَبْرَزْدَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْكَرُوخِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْمُؤَلِّفِ.
وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ الْمَغْرِبِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرَاغِيِّ،
стр. 4
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُكْرِمٍ الطَّبَرِيِّ، عَنْ جَدِّهِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَنِ الزَّيْنِ الْمَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْحَجَّارِ، عَنْ أَبِي النَّجَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اللَّتِّيِّ، عَنْ أَبِي الْوَقْتِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ عِيسَى السَّجْزِيِّ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجَرَّاحِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيِّ، عَنِ الْمُؤَلِّفِ.
وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا السَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ السَّابِقِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى الدَّيْبَعِ، عَنِ السَّخَاوِيِّ، عَنِ ابْنِ حَجَرٍ، عَنِ الْبُرْهَانِ التَّنُّوخِيِّ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ مَحْمُودِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيِّ عَنِ الْمُؤَلِّفِ.
وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا السَّيِّد عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ، وَشَيْخِنَا الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَغْرِبِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَرْحُومِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الذِّمَارِيِّ، عَنِ الشِّهَابِ الْقَلْيُوبِيِّ، عَنِ النُّورِ الزِّيَادِيِّ، عَنِ الشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الشَّمْسِ الْقَايَاتِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزَّيْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيِّ، عَنْ عُمَرَ الْعِرَاقِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ طَبْرَزْدَ بِإِسْنَادِهِ السَّابِقِ إِلَى الْمُؤَلِّفِ.
وَأَرْوِيهَا عَنْ شَيْخِنَا يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلَاءِ الدِّينِ الْمزْجَاجِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عْنَ جَدِّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِلَى ابْنِ طَبْرَزْدَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا إِلَى الْمُؤَلِّفِ. انْتَهَى مَا فِي إِتْحَافِ الْأَكَابِرِ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي خُطْبَةِ هَذَا الثَّبَتِ: قَدِ اقْتَصَرْتُ فِي الْغَالِبِ عَلَى ذِكْرِ إِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَأَحَلْتُ فِي أَسَانِيدِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ. انْتَهَى. فَعَلَيْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى إِتْحَافِ الْأَكَابِرِ لِتَقِفَ عَلَى مَا أَحَالَ عَلَيْهِ فِي أَسَانِيدِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ، وَأَنَا أَذْكُرُ هَاهُنَا إِسْنَادَهُ الْمُتَقَدِّمَ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ إِلَى الشِّمَاخِيِّ. قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: تَفْسِيرُ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: أَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِي السَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ شَيْخِهِ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَحْيَى الْأَهْدَلِ، عْنِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَهْدَلِ، عَنِ السَّيِّدِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الْأَهْدَلَ، عَنِ السَّيِّدِ الْعَلَّامَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَطَّاحِ الْأَهْدَلِ، عْنَ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَطَّاحِ الْأَهْدَلِ، عَنِ السَّيِّدِ طَاهِرِ بْنِ حُسَيْنٍ الْأَهْدَلِ، عَنِ الْحَافِظِ الْدَيْبَعِ، عَنْ زَيْنِ الدِّينِ الشَّرْجِيِّ، عَنْ نَفِيسِ الدِّينِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الشِّمَاخِيِّ إلخ.
وَهَاأَنَا أَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ، مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَدُودِ، وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَهُوَ حَسْبِى وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ، مُحَمَّدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْحَافِظِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمُبَارَكْفُورِيِّ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنِّي قَرَأْتُ هَذَا الْكِتَابَ الْمُبَارَكَ - أْعَنِي جَامِعَ التِّرْمِذِيِّ - مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، عَلَى شَيْخِنَا الْعَلَّامَةَ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ نَذِيرٍ حُسَيْنٍ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَجَازَنِي بِهِ وَقَالَ: إِنِّي حَصَّلْتُ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْمُكَرَّمِ الْأَوْرَعِ الْبَارِعِ فِي الْآفَاقِ، مُحَمَّدٍ إِسْحَاقَ، الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنِ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ مُسْنِدِ الْوَقْتِ الشَّاهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ، وَهُوَ حَصَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالسَّمَاعَةَ وَالْإِجَازَةَ عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ الْقَرْمِ الْمُعَظَّمِ بَقِيَّةِ السَّلَفِ حُجَّةِ الْخَلَفِ الشَّاهِ وَلِيِّ اللَّهِ بْنِ الشَّاهِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ، وَقَالَ الشَّاهُ وَلِيُّ اللَّهِ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الطَّاهِرِ الْمَدَنِيِّ طَرَفًا مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَأَجَازَ لِسَائِرِهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِزَاحِيِّ، عَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ السُّبْكِيِّ عَنِ النَّجْمِ الْغَيْطِيِّ، عَنِ الزَّيْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْعِزِّ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفُرَاتِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرَاغِيِّ، عَنِ الْفَخْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ طَبْرَزْدَ الْبَغْدَادِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ إلخ. .
стр. 6
قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) افْتُتِحَ الْكِتَابُ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَاقْتِفَاءً بِكُتُبِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَمَلًا بِحَدِيثِهِ فِي بَدَاءَةِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ كَالْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، وَكَأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ، مَعَ وُرُودِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَقَوْلُهُ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِي كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» وَأَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَمَّا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: مِنْ أَنَّ الْحَديِثَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ، سَلَّمْنَا صَلَاحِيَتَهُمَا لِلْحُجَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعًا، فَلَعَلَّهُ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ نُطْقًا عِنْدَ وَضْعِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ اقْتِصَارًا عَلَى الْبَسْمَلَةِ، لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ذِكْرُ اللَّهِ، وَقَدْ حَصَلَ بِهَا، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. قُلْتُ: قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لَفْظُ " ذِكْرِ اللَّهِ " فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ» فَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فِي أَوَّلِ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا لَفْظُهُ: وَأَمَّا الْحَمْدُ وَالْبَسْمَلَةُ فَجَائِزَانِ، يَعْنِي بِهِمَا مَا هُوَ الْأَعَمَّ مِنْهُمَا وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، إِمَّا بِصِيغَةِ الْحَمْدِ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ ذِكْرِ اللَّهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْحَمْدُ وَالذِّكْرُ وَالْبَسْمَلَةُ سَوَاءٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يَعْنِي خُصُوصَ الْحَمْدِ وَخُصُوصَ الْبَسْمَلَةِ، وَحِينَئِذٍ فَرِوَايَةُ الذِّكْرِ أَعَمُّ، فَيُقَضى لَهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ إِذَا قُيِّدَ بِقَيْدَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُرْجَعُ إِلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ خُصُوصَ الْحَمْدِ وَالبَسْمَلَةِ مُتَنَافِيَانِ، لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِوَاحِدٍ، وَلَوْ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ لَمَا وَقَعَ بِالْبَسْمَلَةِ وَعَكْسُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الذِّكْرَ، فَتَكُونُ رِوَايَتُهُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ (و) أَنَّ غَالِبَ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرُ مُفْتَتَحَةٌ بِالْحَمْدِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْتَ: لَكِنَّ رِوَايَةَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ، قُلْتُ: صَحِيحٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ إِنَّ الْمَقْصُودَ بِحَمْدِ اللَّهِ خُصُوصُ لَفْظِ الْحَمْدِ، وَلِمَ لَا يَكُونُ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمَّ مِنْ لَفْظِ الْحَمْدِ وَالْبَسْمَلَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُشَرِّعِ الشَّارِعُ افْتِتَاحَهَا بِالْحَمْدِ بِخُصُوصِهِ. انْتَهَى كَلَامُ التَّاجِ السُّبْكِيِّ. ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَأْيِيدِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَطَرِيقُ التَّأَسِّي بِهِ
стр. 7
الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا وُقُوعُ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ وَكُتُبِهِ فِي الْقَضَايَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ حَمْدَلَةٍ وَغَيْرِهَا، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلٍ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيِّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: اعْتَذَرُوا عَنِ الْبُخَارِيِّ - أَيْ عَنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ - بِأَعْذَارٍ هِيَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقَبُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ سَبْعَةَ أَعْذَارٍ، وَاعْتَرَضَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: وَالْأَحْسَنُ فِيهِ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ بَعْضِ أَسَاتِذَتِي الْكِبَارِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ كَمَا هُوَ دَأَبُ الْمُصَنِّفِينَ فِي مُسَوَّدَتِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ مُصَنَّفَاتِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْمُبَيِّضِينَ فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ، قُلْتُ: هَذَا الِاعْتِذَارُ أَيْضًا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقَبُولِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ، بَلْ هُوَ أَبْعَدُ الْأَعْذَارِ كُلِّهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّهُ ذَكَرَ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ فِي مُسَوَّدَتِهِ إلخ ادِّعَاءٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ دَأَبُ الْمُصَنِّفِينَ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ، وَأَهْلِ عَصْرِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَأَبُهُمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصَانِيفِهِمْ ذِكْرُ الْحَمْدِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، بَلْ كَانَ دَأَبُهُمْ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّسْمِيَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ مُصَنَّفَاتِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَقِيَّةَ مُصَنَّفَاتِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، فَإِنَّ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ الْأَدَبُ الْمُفْرَدُ وَكِتَابُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَالرَّدُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَكِتَابُ الضُّعَفَاءِ وَالتَّارِيخُ الصَّغِيرِ وَجُزْءُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَجُزْءُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ابْتِدَاءِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْحَمْدَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، بَلِ اقْتَصَرَ فِي كُلٍّ مِنْهَا عَلَى التَّسْمِيَةِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْخُطْبَةُ فِيهَا حَمْدٌ وَشَهَادَةٌ فَحَذَفَهَا بَعْضُ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ الْكِتَابَ، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا مَا رَأَى تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ وَأَهْلِ عَصْرِهِ، كَمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ وَأَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ وَأَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصْنِيفِهِ خُطْبَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُمْ مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ، أَفَيُقَالُ فِي كُلِّ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ حَذَفُوا ذَلِكَ؟ كَلَّا بَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَدُوا لَفْظًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ يَتَلَفَّظُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَتَبَ الْحَدِيثَ، وَلَا يَكْتُبُهَا، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْرَاعٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْخُطَبِ دُونَ الْكُتُبِ، وَلِهَذَا مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ مِنْهُمْ بِخُطْبَةٍ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ كَمَا صَنَعَ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ.
تَنْبِيهٌ آخَرٌ: قَدِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِيثِ الْحَمْدِ الْمَذْكُورِ، فَبَعْضُهُمْ ضَعَّفُوهُ كَالْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، وَبَعْضُهُمْ حَسَّنُوهُ كَالْحَافِظِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَبَعْضُهُمْ صَحَّحُوهُ كَابْنِ حِبَّانَ. قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ
стр. 8
الْقَارِي: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو عَوَانَةَ، وَقَدْ تَابَعَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قُرَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. انْتَهَى. قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ مَا وَقَعَ إِسْنَادُهُ وَمَتْنُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، ثُمَّ فِي دَفْعِهِ، وَقَاَلَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا لَفْظُهُ: هَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ مُسْنَدًا غَيْرُ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهَا مُسْنَدَةٌ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مَرَاتِبُ. انْتَهَى كَلَامُ السُّبْكِيُّ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَقَدْ قَضَى ابْنُ الصَّلَاحِ بَأَنَّ الْحَدِيثَ حَسَنٌ دُونَ الصَّحِيحِ وَفَوْقَ الضَّعِيفِ مُحَتَجًّا بِأَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ سِوَى قُرَّةَ، قَالَ: فَإِنَّهُ مِمَّنِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ عَنِ الْبُخَارِيِّ بِالتَّخْرِيجِ لَهُ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: اخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا، فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَنْعُ ذَلِكَ - يَعْنِي كِتَابَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِهِ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: هُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ: وَالْأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الشِّعْرَ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، فَيُصَانُ إِيْرَادُ الْبَسْمَلَةِ فِي الْهَجَوِيَّاتِ وَمَدَائِحِ الظَّلَمَةِ وَنَحْوِهَا. انْتَهَى.
قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ (أَبُو الْفَتْحِ) قَائِلُهُ عُمَرُ بْنُ طَبْرَزْدَ الْبَغْدَادِيُّ تِلْمِيذُ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ الْمَلِكِ. (عَبْدِ اللَّةِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ) بِالْجَرِّ هُوَ اسْمُ أَبِي الْقَاسِمِ (الْهَرَوِيِّ) بِالْهَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى الْهَرَاةِ مَدِينَةٍ مَشْهُورَةٍ بِخُرَاسَانَ كَذَا فِي الْمُغْنِي لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّد طَاهِر صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبِحَارِ.
(الْكُرُوخِيِّ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى كَرُوخٍ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ، كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَرُوخٍ كَصَبُورٍ قَرْيَةٌ بِهَرَاةَ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُقَدِّمَتِهِ: قَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا تَنْسِبُ إِلَى قَبَائِلِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَسْكَنُ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ حَدَثَ فِيمَا بَيْنَهُمْ الِانْتِسَابُ إِلَى الْأَوْطَانِ وَأَضَاعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنْسَابَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ غَيْرُ الِانْتِسَابِ إِلَى الْأَوْطَانِ، قَالَ: وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّاقِلَةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَأَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالِانْتِسَابِ فَلْيَبْدَأْ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ بِالثَّانِي الْمُنَتْقَلِ إِلَيْهِ. وَحَسَنٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الثَّانِي كَلِمَةَ " ثُمَّ "، فَيُقَالُ فِي النَّاقِلَةِ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ مَثَلًا " فُلَانٌ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ " وَمَنْ كَانَ مِنْ
стр. 9
أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى بَلْدَةٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَنْسِبَ إِلَى الْقَرْيَةِ أَوْ إِلَى الْبَلْدَةِ أَيْضًا وَإِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي تِلْكَ الْبَلْدَةُ مِنْهَا أَيْضًا. انْتَهَى.
(وَأَنَا أَسْمَعُ) جُمْلَةً حَالِيَّةً، أَيْ قَالَ عُمَرُ بْنُ طَبْرَزْدَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ، وَالْحَالُ أَنِّي كُنْتُ سَامِعًا.
(قَالَ أَنَا الْقَاضِي) أَيْ قَالَ الْكَرُوخِيُّ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي، فَقَوْلُهُ " أَنَا " رَمْزُ إِلَى أَخْبَرَنَا، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّمْزِ فِي حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَاسْتَمَرَّ الِاصْطِلَاحُ عَلَيْهِ مِنْ قَدِيمِ الْأَعْصَارِ إِلَى زَمَانِنَا وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى، فَيَكْتُبُونَ مِنْ حَدَّثَنَا " ثَنَا " وَهِيَ الثَّاءُ وَالنُّونُ وَالْأَلِفُ، وَرُبَّمَا حُذِفَ الثَّاءُ، وَيَكْتُبُونَ مِنْ أَخْبَرَنَا " أَنَا " وَلَا تَحْسُنُ زِيَادَةُ الْبَاءِ قَبْلَ نَا. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ مِنْ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ ﵀ الْفَرْقُ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأْخَبَرَنَا: أَنَّ حَدَّثَنَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ إِلَّا لِمَا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ خَاصَّةً، وَأَخْبَرَنَا لِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ، وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَشْرِقِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهُمْ أَحَدٌ، وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: وَتَخْصِيصُ التَّحْدِيثُ بِمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. انْتَهَى. قُلْتُ: وَكَذَا الْإِخْبَارُ مَخْصُوصٌ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَفِي ادِّعَاءِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا تَكَلُّفٌ شَدِيدٌ، لَكِنْ لَمَّا تَقَرَّرَ فِي الِاصْطِلَاحِ صَارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَتَقَدَّمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الِاصْطَلَاحَ إِنَّمَا شَاعَ عِنْدَ الْمَشَارِقَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَأَمَّا غَالِبُ الْمَغَارِبَةِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الِاصْطِلَاحِ، بَلِ الْإِخْبَارُ وَالتَّحْدِيثُ عِنْدَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. قُلْتُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا تَفْصِيلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ قَالَ: حَدَّثَنِي، وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ جَمَعَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا، وَكَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَخْبَرَنِي وَبَيْنَ أَخْبَرَنَا.
(الْأَزْدِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَزْدِ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، قَبِيلَةٌ (قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ) أَيْ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي حَالَ كَوْنِهِ يُقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ قَارِئًا عَلَيْهِ غَيْرِي وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَوْلُهُ قِرَاءَةً مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ اسْمِ الْفَاعِلِ، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَّةِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَدْرِيبِ الرَّاوِي: قَوْلُ الرَّاوِي أَخْبَرَنَا سَمَاعًا أَوْ قِرَاءَةً هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ " أَتَيْتُهُ سَعْيًا " وَكَلَّمْتُهُ مُشَافَهَةً، وَلِلنُّحَاةِ فِيهِ مَذَاهِبٌ: أَحَدُهَا وَهُوَ رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا مَصْادِرُ وَقَعَتْ مَوْقِعَ فَاعِلَ حَالًا، كَمَا وَقَعَ الْمَصْدَرُ مَوْقِعَهُ نَعْتًا، فِي " زَيْدٌ عَدْلٌ " وَأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا سُمِعَ وَلَا يُقَاسُ، فَعَلَى هَذَا اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرِّوَايَةِ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ نُطْقِ الْعَرَبِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِي
стр. 10
وَهُوَ لِلْمُبَرِّدِ: لَيْسَتْ أَحْوَالًا بَلْ مَفْعُولَاتٍ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِنْ لَفْظِهَا، وَذَلِكَ الْمُضْمَرُ هُوَ الْحَالُ، وَأَنَّهُ يُقَاسُ فِي كُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الصِّيْغَةُ الْمَذْكُورَةُ، بَلْ كَلَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَذْكِرَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَخْبَرَنَا سَمَاعًا مَسْمُوعٌ، وَأَخْبَرَنَا قِرَاءَةً لَمْ يَسْمَعْ، وَأَنَّهُ يُقَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا، الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلزَّجَّاجِ، قَالَ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ فَلَا يُضْمَرُ لَكِنَّهُ مَقِيسٌ، الرَّابِعُ: وَهُوَ لِلسِّيرَافِيِّ، قَالَ: هُوَ مِنْ بَابِ " جَلَسْتُ قُعُودًا " مَنْصُوبٌ بِالظَّاهِرِ، مَصْدَرًا مْعَنَوِيًّا، انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ.
(التِّرْيَاقِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى التِّرْيَاقِ: بِالْكَسْرِ قَرْيَةٍ بِهَرَاةَ (الْغَوْرَجِيُّ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَبِرَاءٍ وَجِيمٍ مَنْسُوبٌ كَذَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ أَحَدُ مَشَايِخِ الْكَرُوخِيِّ فِي التِّرْمِذِيِّ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْغَوْرِ: الْغَوْرَةُ بِالضَّمِّ قَرْيَةٌ عِنْدَ بَابِ هَرَاةَ وَهُوَ غَوْرَجِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. انْتَهَى.
(قَالُوا) أَيْ الْأَزْدِيُّ وَالتِّرْيَاقِيُّ وَالْغَوْرَجِيُّ، وَهُمْ شُيُوخُ الْكَرُوخِيُّ.
(الْجَرَّاحِيُّ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِمَفْتُوحَةٍ وَشَدَّةِ رَاءٍ وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مِنْهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ. انْتَهَى.
(الْمَرْوَزِيُّ) مْنَسُوبٌ إِلَى مَرْوٍ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: بَلَدٌ بِفَارِسَ، وَالنِّسْبَةُ مَرْوِيُّ وَمَرَوِيٌّ وَمَرْوَزِيٌّ. انْتَهَى. وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: الْمَرْوَزِيُّ نِسْبَةً إِلَى مَرْوٍ بِزِيَادَةِ زَايٍ مَدِينَةٍ بِخُرَاسَانَ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْمَرْوِيُّ بِسُكُونِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ، وَأَمَّا النِّسْبَةُ إِلَى مَرْوٍ الْمَعْرُوفَةِ بِخُرَاسَانَ فَقَدِ الْتَزَمُوا فِيهَا بِزِيَادَةِ الزَّايِ، كَأَنَّهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ. انْتَهَى.
(الْمَرْزُبَانِيُّ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَضَمِّ زَايٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَبِنُونٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى مَرْزَبَانَ: جَدِّ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ. انْتَهَى. وَقُلْتُ فِيهِ أَنَّ الْمَرْزُبَانِيَّ وَقَعَ نَعْتًا لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ لَا لِمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَرْزَبَةُ كَمَرْحَلَةٍ رِئَاسَةُ الْفُرْسِ، وَهُوَ مَرْزُبَانُهُمْ بِضَمِّ الزَّايِ ج مَرَازِبَةٍ.
(أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ)، هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فِي الْهِنْدِ بِزِيَادَةِ لَفْظٍ (فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ) بَعْدَ لَفْظِ الْمَرْوَزِيِّ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ هَكَذَا: أَنَا الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ
стр. 11
الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، بِحَذْفِ لَفْظٍ فَأَقَرَّ بِهِ، وَوَقُوعِ لَفْظِ الشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ بَعْدَ لَفْظِ أَنَا، وَهَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي الْأَثْبَاتِ الصَّحِيحَةِ، كَثَبَتِ الْكُرْدِيِّ وَالْكُزْبَرِيِّ وَالشَّنَوَانِيِّ وَالشَّاهِ وَلِيِّ اللَّهِ، وَهَذَا مِمَّا أَفَادَنِي شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ السَّعْدِيُّ الْيَمَانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ عَتِيقَةٍ هَكَذَا: قَالَ أَنْبَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ قَالَ أَنْبَأَ أَبُو عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ، بِحَذْفِ لَفْظٍ فَأَقَرَّ بِهِ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَكْتَبَةِ خَدَا بخش خَانَ الْعَظيِمْ أَبَادِي.
تَنْبِيهٌ: الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ وَالْأَثْبَاتِ الصَّحِيحَةِ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ وَكَذَا الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي النُّسْخَةِ الْقَلَمِيَّةِ الْعَتِيقَةِ مَعْنَاهَا وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ جُمْلَةَ " فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ " فِيهَا غَلَطٌ لَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهَا.
قُلْتُ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا لَيْسَتْ عِنْدِي بِغَلَطٍ بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ مَعْنَاهَا مُسْتَقِيمٌ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْمَعْنَى، أَنَّ الْقَاضِي الزَّاهِدَ أَبَا عَامِرٍ وَالشَّيْخَ أَبَا نَصْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَالشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَخَذُوا هَذَا الْكِتَابَ عَنْهُ بِالْعَرْضِ عَلَيْهِ، بِأَنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ وَالْبَاقُونَ كَانُوا يَسْمَعُونَ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ كَانَ مُصْغِيًا فَاهِمًا غَيْرَ مُنْكِرٍ، وَكَانَ قِرَاءَةُ الْقَارِئِ عَلَيْهِ هَكَذَا: قُلْتُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَحْبُوبِيُّ الْمَرْوَزِيُّ إلخ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ. أَيْ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ يَعْنِي فَأَقَرَّ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ فَصَحَّ سَمَاعُهُمْ مِنْهُ وَجَازَ لَهُمُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ. وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ يَقْرَأُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى شَيْخِهِ وَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ: قِيلَ لَهُ قُلْتَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إلخ.
وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا بَعْضَ عِبَارَاتِ تَدْرِيبِ الرَّاوِي وَغَيْرِهِ لِيَتَّضِحَ لَكَ مَا قُلْنَا فِي تَصْحِيحِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ: الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ، وَيُسَمِّيهَا أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ عَرْضًا، سَوَاءٌ قَرَأْتَ عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، وَالْأَحْوَطُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا أَنْ يَقُولَ قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ إِنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ عِبَارَاتُ السَّمَاعِ مُقَيَّدَةٌ بِالْقِرَاءَةِ: كَحَدَّثَنَا بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَوْ أَخْبَرَنَا بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِيهِ: وَإِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا أَخْبَرَكَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوَهُ كَقُلْتَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَالشَّيْخُ مُصْغٍ إِلَيْهِ فَاهِمٌ لَهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ وَلَا مُقِرٍّ لَفْظًا صَحَّ السَّمَاعُ وَجَازَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُ الشَّيْخِ بِالْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ نَعَمْ، عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِ الْفُنُونِ وَشَرَطَ بَعْضُ
стр. 12
أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرِيِّينَ نُطْقَهُ بِهِ. انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيُّ مُلَخَّصًا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ: جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ وَنَحْوِهِ فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فِي الْخَطِّ، وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِهَا، وَإِذَا كَانَ فِي الْكِتَابِ: قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ أَخْبَرَكَ فُلَانٌ فَلْيَقُلِ الْقَارِئُ: قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَلْيَقُلْ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ قِيلَ لَهُ قُلْتَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ. انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيُّ.
فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَعَرَفْتَ مَدْلُولَهَا يَتَّضِحُ لَكَ مَا قُلْنَا فِي تَصْحِيحِ جُمْلَةٍ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ: الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ هُوَ الْمَحْبُوبِيُّ كَمَا فِي ثَبَتِ ابْنِ عَابِدِينَ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ يَعْنِي فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ لَيْسَتْ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا فِي الْكِتَابِ فَمُرَادُهَا أَنَّ الشَّيْخَ الْمَحْبُوبِيَّ نَسَخَ الْكِتَابَ، وَكَانَ عِلْمُ مَنْ قَبْلَهُ بِالصُدُورِ، فَإِذَا صَارَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ فَاحْتَاجَ تَلَامِذَةُ الشَّيْخِ الْمَحْبُوبِيِّ إِلَى أَنْ يُقِرَّ الْمَحْبُوبِيُّ بِكِتَابِهِ وَصِحَّتِهِ، فَلِذَا قَالَ تِلْمِيذُ الْمَحْبُوبِيُّ أَقَرَّ الشَّيْخُ الْمَحْبُوبِيُّ بِهَذَا الْكِتَابِ لِتَوْثِيقِ الْكِتَابِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قُلْتُ: هَذَا التَّوْجِيهُ بَاطِلٌ جِدًّا، فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ مَنْ قَبْلِ الشَّيْخِ الْمَحْبُوبِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَانَ فِي الصُّدُورِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ، وَهَذَا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَقَدْ عَرَفْتَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ تَدْوِينَ الْأَحَادِيثِ وَجَمْعِهَا فِي الْكِتَابِ قَدْ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِ التَّابِعِينَ، قَالَ الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ: إِنَّ آثَارَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِهِ وَعَصْرِ أَصْحَابِهِ وَتَبَعِهِمْ مُدَوَّنَةً فِي الْجَوَامِعِ. إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينُ الْآثَارِ وَتَبْوِيبُ الْأَخْبَارِ لَمَّا انْتَشَرَ الْعُلَمَاءُ بِالْأَمْصَارِ وَكَثُرَ الِابْتِدَاعُ اهـ.
وَتَنْبِيهٌ آخَرٌ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ: إِنَّ قَوْلَهُ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ الَّذِي تِلْمِيذُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ الْقَاضِي الزَّاهِدَ أَبَا عَامِرٍ أَوِ الشَّيْخَ أَبَا نَصْرٍ أَوِ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الَّذِينَ هُمْ تَلَامِذَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَدْ سَأَلَ أُسْتَاذَ أُسْتَاذِهِ - أَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ - عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ تِلْمِيذَكَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْجَبَّارِ بِهَذَا الْكِتَابِ فَأَقَرَّ بِهِ، أَيْ بِالْإِخْبَارِ بِهَذَا الْكِتَابِ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَجَابَ بِإِقْرَارِ الْإِخْبَارِ، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ سَأَلَهُ أَحَدُ تَلَامِذَتِهِ وَهُمْ الْقَاضِي الزَّاهِدُ أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو نَصْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرَكَ شَيْخُكَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بِأَخْذِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، فَعَلى كِلَا الْوَجْهَيْنِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْإِخْبَارِ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي يُفْهَمُ
стр. 13
ضِمْنًا، وَفَاعِلُ قَوْلِهِ أَقَرَّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ الْأَمِينِ إِمَّا أَبُو الْعَبَّاسِ وَإِمَّا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قُلْتُ: هَذَا التَّوْجِيهُ أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ مِنْ هَذَا التَّوْجِيهِ نَظَرًا، أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِينَ قَدْ لَقِيَ أُسْتَاذَ أُسْتَاذِهِ أَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ، وَهَذَا ادِّعَاءٌ مَحْضٌ، فَلَا بُدَّ لِهَذَا الْبَعْضُ أَنْ يَثْبُتَ أَوَّلًا لِقَاءَهُ مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُتَوَجَّهُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَفِيهِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ لَمَّا حَدَّثَ تَلَامِذَتَهُ الْمَذْكُورِينَ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ فَبَعْدَ سَمَاعِهِمْ هَذَا اللَّفْظَ مِنْهُ لَا مَعْنَى لِسُؤَالِ أَحَدِ تَلَامِذَتِه عَنْ أَنَّكَ أَخْبَرَكَ شَيْخُكَ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَتَفَكَّرَ.
تَنْبِيهٌ آخَرٌ: قَالَ صَاحِبُ (الطِّيبُ الشَّذِيِّ) فِي تَوْجِيهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ الثِّقَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، فَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْجَرَّاحِيُّ فَالْمَعْنَى أَنَّ تَلَامِذَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ لَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ عَلَى أُسْتَاذِهِمْ أَبِي الْعَبَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ هَذَا كُنْتُ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قُلْتُ: هَذَا التَّوْجِيهُ أَيْضًا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّ تَلَامِذَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ إِمَّا كَانُوا قَرَءُوا الْكِتَابَ عَلَى أُسْتَاذِهِمْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَكَانَ هُوَ سَاكِتًا مُصْغِيًا لِقِرَاءَتِهِمْ أَوْ كَانَ هُوَ الْقَارِئُ وَهُمْ كَانُوا سَاكِتِينَ مُصْغِينَ لِقِرَاءَتِهِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ هَكَذَا كُنْتُ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ لَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَ فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الثِّقَةِ الْأَمِينِ هُوَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَقَائِلُ قَوْلِهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ الْجَبَّارِ، فَاْلمَعْنَى أَنَّ تَلَامِذَةُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالُوا لَهُ: أَخْبَرَكَ أَبُو الْعَبَّاسِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَخْبَرَنِي أُسْتَاذِي أَبُو الْعَبَّاسِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَقَرَّ بِهِ الشَّيْخُ الثِّقَةُ الْأَمِينُ. انْتَهَى.
قُلْتُ: قَدْ أَخَذَ هَذَا صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِبَعْضِهِمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ تَخَبَّطَ فِي قَوْلِهِ، وَقَائِلُ قَوْلِهِ أَقَرَّ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ الْجَبَّارِ.
стр. 14
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنُ سَوْرَةَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْوَاوِ (التِّرْمِذِيُّ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طُرُقِ جَيْحُونَ: نَهْرُ بَلْخَ، (الْحَافِظُ) تَقَدَّمَ حَدُّ الْحَافِظِ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَتَقَدَّمَ فِيهَا أَيْضًا تَرْجَمَةُ أَبِي عِيَسى التِّرْمِذِيُّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُنْيَتِهِ.
стр. 15
١ - أبواب الطهارة
قَوْلُهُ (أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ)
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْوَابُ جَمْعُ بَابٍ وَهُوَ حَقِيقَةٌ لِمَا كَانَ حِسِّيًّا يُدْخَلُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَجَازٌ لِعِنْوَانِ جُمْلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَنَاسِبَةِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ مَقَاصِدَهُمْ بِعِنْوَانِ الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ فَالْكِتَابُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً شَمِلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ فَكُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بِالْبَابِ وَالْأَشْخَاصُ الْمُنْدَرِجَةُ تَحْتَ النَّوْعِ تُسَمَّى بِالْفُصُولِ وَقَالَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ فِي فُرُوقِ اللُّغَاتِ
الْكِتَابُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي الْجِنْسِ مُخْتَلِفَةٍ فِي النَّوْعِ وَالْفَصْلُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي النَّوْعِ مُخْتَلِفَةٍ فِي الصِّنْفِ وَالْفَصْلُ هُوَ الْجَامِعُ لِمَسَائِلَ مُتَّحِدَةٍ فِي الصِّنْفِ مُخْتَلِفَةٍ فِي الشَّخْصِ
انْتَهَى
وَهَكَذَا جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ بِعِنْوَانِ الْكِتَابِ وَالْبَابِ
لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ يَذْكُرُ مَكَانَ الْكِتَابِ لَفْظَ الْأَبْوَابِ
وَلَفْظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ وَأَبْوَابُ الصَّلَاةِ وَأَبْوَابُ الزَّكَاةِ وَهَكَذَا ثُمَّ يَزِيدُ بَعْدَ الْأَبْوَابِ مَثَلًا يَقُولُ أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبْوَابُ الصَّلَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَوَجُّهِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَا لفظه فائدة ذكره أي ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهَا مَرْفُوعَاتٌ لَا مَوْقُوفَاتٌ ذَلِكَ لِأَنَّ قَبْلَ زَمَانِ التِّرْمِذِيِّ وَطَبَقَتِهِ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ الأحاديث والآثار كما يفصح عنه مؤطا مَالِكٍ وَمَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ جَاءَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَقْرَانُهُمَا فَمَيَّزُوا الْأَحَادِيثَ الْمَرْفُوعَةَ عَنْ الْآثَارِ انْتَهَى وَالْمُرَادُ
стр. 16
مِنْ الطَّهَارَةِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَأَصْلُهَا النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ وَالطَّهَارَةُ لَمَّا كَانَتْ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ اِفْتَتَحَ الْمُؤَلِّفُونَ بِهَا مُؤَلَّفَاتِهِمْ
قَوْلُهُ ((بَابُ مَا جَاءَ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ)
) بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا
[١] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ (بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقَفِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو رَجَاءٍ الْبَغْلَانِيُّ مُحَدِّثُ خُرَاسَانَ وُلِدَ سَنَةَ ١٤٩ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَسَمِعَ مِنْ مالك والليث وبن لهيعة وشريك وطبقتهم وعنه الجماعة سوى بن مَاجَهْ وَكَانَ ثِقَةً عَالِمًا صَاحِبَ حَدِيثٍ وَرِحْلَاتٍ وكان غنيا متمولا قال بن مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مَاتَ سَنَةَ ٢٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً
كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ (أَبُو عَوَانَةَ) اِسْمُهُ الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ الْوَاسِطِيُّ الْبَزَّازُ أحد الأعلام روى عن قتادة وبن الْمُنْكَدِرِ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ قُتَيْبَةُ وَمُسَدَّدٌ وَخَلَائِقُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ سَنَةَ ١٧٦ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فائدة قَالَ النَّوَوِيُّ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ وَنَحْوِهِ فِيمَا بَيْنَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فِي الخط وينبغي للقارىء أن يلفظ بها انتهى
قلت فينبغي للقارىء أَنْ يَقْرَأَ هَذَا السَّنَدَ هَكَذَا قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ بِذِكْرِ لَفْظِ قَالَ قَبْلَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَقَبْلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ
(عَنْ سِمَاكِ) بِكَسْرِ السِّينِ المهملة وتخفيف الميم (بن حَرْبِ) بْنِ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ الْبَكْرِيُّ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ وَرِوَايَتُهُ
عَنْ عِكْرِمَةَ خَاصَّةٌ مُضْطَرِبَةٌ وَقَدْ تَغَيَّرَ بِآخِرِهِ فَكَانَ رُبَّمَا يُلَقِّنُ كَذَا في التقريب وقال في الخلاصة أحدالأعلام التَّابِعِينَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ثُمَّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ وَمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ وَإِسْرَائِيلُ وزائدة وأبو عوانة وخلق قال بن الْمَدِينِيِّ لَهُ نَحْوُ مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَقَالَ أَحْمَدُ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو وثقه أبو حاتم وبن معين في رواية بن أبي خيثمة وبن أَبِي مَرْيَمَ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ
قُلْتُ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَطْ مَاتَ سنة ١٢٣ ثلاث وعشرين ومائة انتهى اِعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ أَوْ أَكْثَرُ كَتَبُوا عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ ح وَهِيَ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُفْرَدَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ لِتَحَوُّلِهِ مِنْ إِسْنَادٍ إلى إسناد وأنه يقول القاريء إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا ح وَيَسْتَمِرُّ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا وَقِيلَ إِنَّهَا مِنْ حَالَ الشَّيْءُ يَحُولُ إِذَا حَجَزَ لِكَوْنِهَا حَالَتْ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ وأنه لا
стр. 17
يَلْفِظُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ وَلَيْسَتْ مِنْ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا رَمْزٌ إِلَى قَوْلِهِ الْحَدِيثَ وَإَنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا وَصَلُوا إِلَيْهَا الْحَدِيثَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (قَالَ ونا هَنَّادٌ) أَيْ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ وهو بن السَّرِيِّ بْنِ مُصْعَبٍ الْحَافِظُ الْقُدْوَةُ الزَّاهِدُ شَيْخُ الْكُوفَةِ أَبُو السَّرِيِّ التَّمِيمِيُّ الدَّارِمِيُّ رَوَى عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامٌ وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَطَبَقَتُهُمْ وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى الْبُخَارِيِّ وَخَلْقٍ سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَمَّنْ يَكْتُبُ بِالْكُوفَةِ قَالَ عَلَيْكُمْ بِهَنَّادٍ قَالَ قُتَيْبَةُ ما رأيت وكيعا يعظم أحدا تعظيمه هناد ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْ الْأَهْلِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٤٣ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً وَمَا تَزَوَّجَ قَطُّ وَلَا تَسَرَّى وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ الْكُوفَةِ وَلَهُ مُصَنَّفٌ كَبِيرٌ فِي الزُّهْدِ
كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظ
تَنْبِيهٌ قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ رُبَّمَا تَجِدُ فِي كُتُبِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُمْ يَبْدَءُونَ السَّنَدَ مِنْ الْأَوَّلِ أَيْ الْأَعْلَى بِالْعَنْعَنَةِ ثُمَّ فِي الْأَسْفَلِ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ فَاحْتَاجَ الْمُحَدِّثُونَ إِلَى التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ
انْتَهَى
قُلْتُ قَوْلُهُ التَّدْلِيسُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى غَفْلَتِهِ عَنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ فَقَدْ كَانَ التَّدْلِيسُ فِي السَّلَفِ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعُهُمْ مُدَلِّسِينَ وَهَذَا أَمْرٌ جلي عند من طالع كتب أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْكُتُبَ الْمُؤَلَّفَةَ فِي الْمُدَلِّسِينَ وَمِنْ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْصُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ مَعْرُوفِينَ بِهِ قَتَادَةُ وَأَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ وَحَمِيد الطَّوِيلُ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وحبيب بن أبي ثابت الكوفي وبن جُرَيْجٍ الْمَكِّيُّ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مَهْرَانَ الْأَعْمَشُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ الْقِبْطِيُّ الْكُوفِيُّ وَعَطِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ العوفي وغيرهم فهؤلاء كلهم من التابعين موصفون بِالتَّدْلِيسِ
فَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ التَّدْلِيسُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَحَدَثَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ بَاطِلٌ بِلَا مِرْيَةٍ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ قَالَ الْفَاضِلُ اللَّكْنَوِيُّ فِي ظَفْرِ الْأَمَانِي ص ٢١٣ قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي التَّبْيِينِ التَّدْلِيسُ بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ يَقِلُّ جِدًّا قَالَ الْحَاكِمُ لَا أَعْرِفُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ يُذْكَرُ بِهِ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيَّ انْتَهَى
تنبيه آخر وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ قَالَ شُعْبَةُ إِنَّ التَّدْلِيسَ حَرَامٌ وَالْمُدَلِّسَ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا السَّنَدُ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَنْعَنَةِ انْتَهَى
قُلْتُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّنَدَ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ بَلْ قَالُوا إِنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوعٌ لَهُمْ صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ رَوَيْنَا عَنْ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ فَإِذَا قَالَ ثَنَا وَسَمِعْتُ حَفِظْته وَإِذَا
стр. 18
قَالَ حَدَّثَ فُلَانٌ تَرَكْته وَقَالَ رَوَيْنَا عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ كَفَيْتُكُمْ تَدْلِيسَ ثَلَاثَةٍ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَقَتَادَةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ تَعْرِيفِ أَهْلِ التَّقْدِيسِ بِمَرَاتِبِ الْمَوْصُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيِّدَةٌ فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ دَلَّتْ عَلَى السَّمَاعِ وَلَوْ كَانَتْ مُعَنْعَنَةً انْتَهَى
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّنَدَ الَّذِي فِيهِ شُعْبَةُ بَرِيءٌ مِنْ التَّدْلِيسِ فَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَحَدٌ
فَتَفَكَّرْ (نا وكيع) هو بن الْجَرَّاحِ بْنُ مَلِيحٍ الرَّوَّاسِيُّ الْكُوفِيُّ مُحَدِّثُ الْعِرَاقِ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ سَمِعَ هِشَامَ بن عروة والأعمش وبن عون وبن جريح وسفيان وخلائق وعنه بن المبارك مع تقدمه وأحمد وبن الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى وَإِسْحَاقُ وَزُهَيْرٌ وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ وَكَانَ أَبُوهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ وَكِيعًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَامْتَنَعَ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا رَأَيْتُ أَوْعَى لِلْعِلْمِ وَلَا أَحْفَظَ مِنْ وَكِيعٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٩٧ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ حَافِظٌ
تنبيه قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا انْتَهَى
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ حَنَفِيًّا يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُقَلِّدُهُ
قُلْتُ الْقَوْلُ بِأَنَّ وَكِيعًا كَانَ حَنَفِيًّا يُقَلِّدُ أَبَا حَنِيفَةَ بَاطِلٌ جِدًّا أَلَا تَرَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ فِي جَامِعِهِ هَذَا فِي بَابِ إِشْعَارِ الْبُدْنِ سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ (يَعْنِي حديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَلَّدَ النَّعْلَيْنِ وَأَشْعَرَ الْهَدْيَ) فَقَالَ لَا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي الْإِشْعَارِ فَإِنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ وَقَوْلَهُمْ بِدْعَةٌ وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ قَالَ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْإِشْعَارُ مُثْلَةٌ
قَالَ فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا انْتَهَى فَقَوْلُ وَكِيعٍ هَذَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يُنَادِي بِأَعْلَى نِدَاءٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَا لِغَيْرِهِ بَلْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلسُّنَّةِ مُنْكِرًا أَشَدَّ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَعَلَى مَنْ يُذْكَرُ عِنْدَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَذْكُرُ هُوَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ ﷺ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ وَكِيعًا كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إِفْتَاؤُهُ فِي بَعْضِهَا تَقْلِيدًا لِأَبِي حنفية بَلْ كَانَ اِجْتِهَادًا مِنْهُ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ فَظُنَّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ وَكِيعٍ الْمَذْكُورُ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا وَكِيعٌ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ شُرْبُ نَبِيذِ الْكُوفِيِّينَ قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَرْجَمَتِهِ مَا فِيهِ إِلَّا شُرْبُهُ لِنَبِيذِ الْكُوفِيِّينَ وَمُلَازَمَتُهُ لَهُ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ انتهى
стр. 19
(عن إسرائيل هو بْنُ) يُونُسَ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ أَحْمَدُ ثَبْتٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ إِسْحَاقَ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ أَرْسَلَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ مَاتَ سَنَةَ ٣٠١ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ (عن بن عُمَرَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وُلِدَ بَعْدَ المبعث بيسير واستصغر يوم أحد وهو بن أربع عشرة سنةوهو أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْعَبَادِلَةِ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اِتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ مَاتَ سَنَةَ ٣٧ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِي آخِرِهَا أَوْ أَوَّلِ الَّتِي تَلِيَهَا
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ يُقَالُ الطُّهُورُ وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ وَيُقَالُ الطَّهُورُ وَالْوَضُوءُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ هكذا نقله بن الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَذَهَبَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا
انْتَهَى
وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ هُنَا مَا يُرَادِفُ الصِّحَّةَ وَهُوَ الْإِجْزَاءُ وَحَقِيقَةُ الْقَبُولِ ثَمَرَةُ وُقُوعِ الطَّاعَةِ مُجْزِئَةً رَافِعَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِشُرُوطِهَا مَظِنَّةَ الْإِجْزَاءِ الَّذِي الْقَبُولُ ثَمَرَتُهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ مَجَازًا وَأَمَّا الْقَبُولُ الْمَنْفِيُّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ
فَهُوَ الْحَقِيقِيُّ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَمَلُ وَيَتَخَلَّفُ الْقَبُولُ لِمَانِعٍ وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ لَأَنْ تُقْبَلَ لِي صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ من جميع الدنيا قاله بن عُمَرَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِنَّمَا يتقبل الله من المتقين كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعَتْ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ وَقَالَ صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ سَمَّاهَا صَلَاةً وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا وفيها تكبير وتسليم وكان بن عُمَرَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا إِلَّا طَاهِرًا انْتَهَى
قال الحافظ ونقل بن عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اِشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا يَعْنِي لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
стр. 20
قُلْتُ وَالْحَقُّ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ
فائدة قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ السلف إلى أنه يجزيء لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا يَعْنِي فَوَاتَ صلاة الجنازة لو تشاغل بالوضوء وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَسَالِمٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَفِيهِ حديث مرفوع عن بن عباس رواه بن عَدِيٍّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ انْتَهَى (وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَالْغُلُولُ الْخِيَانَةُ وَأَصْلُهُ السَّرِقَةُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وقال القاضي أبو بكر بن العربي الغلول الخيانة خفيفة فَالصَّدَقَةُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طُهُورٍ فِي ذَلِكَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (قَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ إِلَّا بِطُهُورٍ) أَيْ مَكَانٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَمَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ بِهَذَا إِظْهَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ وَحَدِيثِ هناد فيقال قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَقَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إِلَّا بِطُهُورٍ
قَوْلُهُ (هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شيء في هذا الباب وأحسن) والحديث وأخرجه الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا طُهُورَ لَهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عند أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ الْحَدِيثُ وأما حديث أنس فأخرجه بن مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَفِي الْبَابِ عَنْ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ
وَقَدْ أَوْضَحْتُ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَوَائِلِ التِّرْمِذِيِّ انْتَهَى
قُلْتُ وَفِي الْبَابِ
أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَبِي سَبْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَرَبَاحِ بْنِ حُوَيْطِبٍ عَنْ جَدَّتِهِ وَسَعْدِ بْنِ عِمَارَةَ ذَكَرَ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ فِي بَابِ فَرْضِ الْوُضُوءِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
стр. 21
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ يعني حديث بن عُمَرَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرْنَا لَفْظَهُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْه
الثَّانِي قَدْ جَرَتْ عَادَةُ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا الْجَامِعِ أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْأَبْوَابِ وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ بَلْ يُرِيدُ أَحَادِيثَ أُخَرَ يَصِحُّ أَنْ تُكْتَبَ فِي الْبَابِ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَهُوَ عَمَلٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سُمِّيَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ حَدِيثًا آخَرَ يَصِحُّ إِيرَادُهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَتَذَكَّرْ
قَوْلُهُ (وَأَبُو الْمَلِيحِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ (بْنُ أُسَامَةَ اِسْمُهُ عَامِرٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ بْنُ عُمَيْرٍ أَوْ عَامِرِ بْنِ حُنَيْفِ بْنِ نَاجِيَةَ الْهُذَلِيُّ اِسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ زَيْدٌ وَقِيلَ زِيَادٌ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ
(بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ)
بِضَمِّ الطَّاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ الطُّهُورُ بِالضَّمِّ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ وَيُقَالُ بِالْفَتْحِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْفِعْل
[٢] قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْمِيُّ الْمَدِينِيُّ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ الثَّبَتُ أَبُو مُوسَى قَاضِي نَيْسَابُورَ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَعَبْدَ السَّلَامِ بْنَ حَرْبٍ وَمَعْنَ بْنَ عِيسَى وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ صَاحِبَ سُنَّةٍ ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ حَدَّثَ عَنْهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِجُوسِيَّةَ بُلَيْدَةٍ مِنْ أَعْمَالِ حِمْصَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ
فَائِدَةٌ قَالَ الْحَافِظُ الذهبي في الميزان إذا قال الترمذي بن الأنصاري فيعني به إسحاق بن موسى الأنصاري
انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ لَكِنْ يقول الترمذي
الأنصاري لا بن الْأَنْصَارِيِّ كَمَا قَالَ فِي بَابِ مَاءِ الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ قَالَ
стр. 22
حَدَّثَنَا مَعْنٌ إِلَخْ
وَكَمَا قَالَ فِي بَابِ التَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ح قَالَ ونا الْأَنْصَارِيُّ نَا مَعْنٌ إِلَخْ ثُمَّ قَالَ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ فَمَرَّ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ إِلَخْ فَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِذَا قَالَ فِي شُيُوخِهِ الْأَنْصَارِيَّ فَيَعْنِي بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْأَنْصَارِيَّ لَا غَيْرُ فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ
تَنْبِيهٌ قَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الطِّيبِ الشَّذِيِّ عَمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إذا يقول الأنصاري فيعني به إسحاق بن موسى الأنصاري فَلِذَلِكَ قَدْ وَقَعَ فِي مَغْلَطَةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَاءِ الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ مَا لَفْظُهُ قَوْلُهُ الْأَنْصَارِيَّ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَصْرِيحِ الْحَافِظِ فِي التَّلْخِيصِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قُلْتُ الْعَجَبَ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْغَفْلَةِ الشَّدِيدَةِ كَيْفَ جَوَّزَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ فَبَيْنَ التِّرْمِذِيِّ وَبَيْنَهُ مَفَاوِزُ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطَايَا فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ كَلَّا ثُمَّ كَلَّا ثُمَّ الْعَجَبَ عَلَى الْعَجَبِ أَنَّهُ قَالَ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَصْرِيحِ الْحَافِظِ فِي التَّلْخِيصِ وَلَمْ يُصَرِّحْ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَلَا يَظْهَرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ البتة وَقَدْ وَقَعَ هُوَ فِي هَذَا فِي مَغْلَطَةٍ أُخْرَى وَالْأَصْلُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ
(نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى) أَبُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ الْقَزَّازُ الْأَشْجَعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَخَذَ عن بن أَبِي ذِئْبٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ وَمَالِكٍ وَطَبَقَتِهِمْ روى عنه بن أَبِي خَيْثَمَةَ وَهَارُونُ الْجَمَّالُ وَخَلْقٌ قَالَ أَبُو حاتم هو أحب إلى من بن وَهْبٍ وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ١٩٨ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ (نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَأْسُ الْمُتْقِنِينَ وَكَبِيرُ الْمُثْبِتِينَ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ (عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) المدني صدوق تغير حفظه بآخره روى لهالبخاري مَقْرُونًا وَتَعْلِيقًا مِنْ السَّادِسَةِ مَاتَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قُلْتُ قَالَ الذَّهَبِيُّ في الميزان وقال غيره أي غير بن مَعِينٍ إِنَّمَا أَخَذَ عَنْهُ مَالِكٌ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَقَالَ الْحَاكِمُ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ الْكَثِيرَ وَأَكْثَرُهَا فِي الشَّوَاهِدِ انْتَهَى (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ أَبِي صَالِحٍ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ذَكْوَانُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ الزَّيَّاتُ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ مِنْ الثَّالِثَةِ مَاتَ سَنَةَ ١٠١ إِحْدَى وَمِائَةٍ
تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ
стр. 23
لَهُ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ بِفَنِّ الْحَدِيثِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ وَقَعَ صاحب الطيب الشذى ها هنا فِي مَغْلَطَةٍ عَظِيمَةٍ فَظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هَذَا هُوَ أَبُو صَالِحٍ الَّذِي اسمه ميناء حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ مَوْلَى ضُبَاعَةَ لين الحديث من الثالثة واسمه ميناء بِكَسْرِ الْمِيمِ انْتَهَى
وَالْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَيْفَ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَغْلَطَةِ مَعَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السمان واسمه ذكوان
ثم قد حَكَمَ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَكَيْفَ ظَنَّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ وَالِدَ سُهَيْلٍ هو أبو صالح الذي اسمه ميناء وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ
قَوْلُهُ (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ) هَذَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَكَذَا قَوْلُهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ قَطْرِ الْمَاءِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) عُطِفَ عَلَى تَوَضَّأَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ أَوْ الْمُرَادُ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ (خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ) جَوَابُ إِذَا (كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى الْخَطِيئَةِ يَعْنِي إِلَى سَبَبِهَا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مُبَالَغَةً (بِعَيْنَيْهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ تَأْكِيدٌ (مَعَ الْمَاءِ) أَيْ مَعَ اِنْفِصَالِهِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوَ هَذَا) قِيلَ أَوْ لِشَكِّ الرَّاوِي وَقِيلَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَالْقَطْرُ إِجْرَاءُ الْمَاءِ وَإِنْزَالُ قَطْرِهِ كَذَا فِي المرقاة قلت أو ها هنا لِلشَّكِّ لَا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا قَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا ليست بأجسام فتخرج حقيقة وقال بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ قَوْلُهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا يَعْنِي غُفِرَتْ لِأَنَّ الْخَطَايَا هِيَ أَفْعَالٌ وَأَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَكَيْفَ تُوصَفُ بِدُخُولٍ أَوْ بِخُرُوجٍ ولكن الباريء لَمَّا أَوْقَفَ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ فِي الْعُضْوِ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْخُرُوجِ انْتَهَى قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ بن الْعَرَبِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ بَلْ الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَطَايَا تُورِثُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ سَوَادًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَالطَّهَارَةُ تُزِيلُهُ وَشَاهِدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ المصنف والنسائي وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يكسبون وأخرج أحمد وبن خزيمة عن بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ الْجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وإنما خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ قَالَ السُّيُوطِيُّ فَإِذَا أَثَّرَتْ الْخَطَايَا فِي الْحَجَرِ فَفِي جَسَدِ فَاعِلِهَا أَوْلَى فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ أَثَرُ خَطِيئَتِهِ أَوْ السَّوَادُ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إن الخطيئة
стр. 24
نَفْسَهَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ عَلَى أَنَّهَا جِسْمٌ لَا عَرَضٌ بِنَاءً عَلَى إِثْبَاتِ عَالَمِ الْمِثَالِ وَأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ عَرَضٌ لَهُ صُورَةٌ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ وَلِهَذَا صَحَّ عَرْضُ الْأَعْرَاضِ عَلَى آدَمَ ﵇ ثُمَّ الملائكة وقيل لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء وَإِلَّا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ عَرْضُ الْأَعْرَاضِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صُورَةٌ تُشَخَّصُ بِهَا قَالَ وَقَدْ حَقَّقْتُ ذَلِكَ فِي تَأْلِيفٍ مُسْتَقِلٍّ وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي حَاشِيَتِي الَّتِي عَلَّقْتهَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي الْخَطَايَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في سننه عن بن عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقِهِ فَكُلَّمَا رَكَعَ وَسَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمُ يُصَلِّي وَخَطَايَاهُ مَرْفُوعَةٌ عَلَى رَأْسِهِ كُلَّمَا سَجَدَ تَحَاتَّتْ عَنْهُ انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ
قُلْتُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَمَّا إِثْبَاتُ عَالَمِ الْمِثَالِ فَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ فَتَفَكَّرْ
قَوْلُهُ (بَطَشَتْهَا) أَيْ أَخَذَتْهَا (حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا من الذنوب) قال بن الملك أي حتى يفرغ المتوضيء مِنْ وُضُوئِهِ طَاهِرًا مِنْ الذُّنُوبِ أَيْ الَّتِي اِكْتَسَبَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ من الصغائر وقيل حتى يخرج المتوضىء إِلَى الصَّلَاةِ طَاهِرًا مِنْ الذُّنُوبِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ وَهَكَذَا بَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا يُفِيدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ الْحَدِيثَ وَرِوَايَاتٌ غَيْرُه انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ السِّنْدِيُّ فَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ مَرْفُوعًا إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ وَإِذَا اِسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ فَإِذَا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قِيلَ ذَكَرَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَا يُخَصُّ بِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَمَا يُزِيلُهَا عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَلِمَ خُصَّتْ الْعَيْنُ بِالذِّكْرِ أُجِيبُ بِأَنَّ الْعَيْنَ طَلِيعَةُ الْقَلْبِ وَرَائِدُهُ فَإِذَا ذُكِرَتْ أَغْنَتْ عَنْ سَائِرِهَا انتهى
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ مُعْتَرِضًا عَلَى الطِّيبِيِّ كَوْنُ الْعَيْنِ طَلِيعَةً كَمَا ذَكَرَهُ لَا يُنْتِجُ الْجَوَابَ عَنْ تَخْصِيصِ خَطِيئَتِهَا بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ
стр. 25
بَلْ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لَهُ طَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَهَارَةِ الْوَجْهِ فَكَانَتْ مُتَكَفِّلَةً بِإِخْرَاجِ خَطَايَاهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَهَارَةٌ إِلَّا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فَخُصَّتْ خَطِيئَتُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ غسله دون غيرها مما ذكر
ذكره القارىء فِي الْمِرْقَاةِ ص ٦٤ ج ٢ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كما قال بن حَجَر يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَالنَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةُ قال بن الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ الْخَطَايَا الْمَحْكُومُ بِمَغْفِرَتِهَا هِيَ الصَّغَائِرُ دُونَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مَقْرُونَةً بِالْوُضُوءِ لَا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ فَانْفِرَادُ الْوُضُوءِ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ ذَلِكَ أَحْرَى قَالَ وَهَذَا التَّكْفِيرُ إِنَّمَا هُوَ لِلذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّمَا يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بِالْمُقَاصَّةِ مَعَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ حَدُّ الْحَسَنِ وَالصَّحِيحِ مُفَصَّلًا قَوْلُهُ
(وَأَبُو صَالِحٍ وَالِدُ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) بِشَدَّةِ الْمِيمِ أَيْ بَائِعُ السَّمْنِ وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ إِلَى الْكُوفَةِ (وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ) الْمَدَنِيُّ مَوْلَى جُوَيْرِيَةَ الْغَطَفَانِيَّةِ شَهِدَ الدَّارَ وَحِصَارَ عُثْمَانَ وَسَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَعِدَّةً من الصحابة وعند ابْنُهُ سُهَيْلٌ وَالْأَعْمَشُ وَطَائِفَةٌ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فَقَالَ ثِقَةٌ مِنْ أَجَلِّ النَّاسِ وَأَوْثَقِهِمْ قَالَ الْأَعْمَشُ سَمِعْتُ مِنْ أَبِي صَالِحٍ أَلْفَ حَدِيثٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ
قَوْلُهُ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ اِخْتَلَفُوا فِي اِسْمِهِ فَقَالُوا عَبْدَ شَمْسٍ وَقَالُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل وهذا الأصح) قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ حَافِظُ الصَّحَابَةِ اُخْتُلِفَ فِي اِسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ قِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ وَقِيلَ بن غُنْمٍ إِلَى أَنْ ذَكَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ثُمَّ قَالَ هَذَا الَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهَا أَرْجَحُ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ أَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ النَّسَّابِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ انْتَهَى وَفِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ
أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدَنَا فِي اِسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ فَهُوَ كَمَنْ لَا اِسْمَ لَهُ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 26
ثُمَّ لَزِمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ رَاضِيًا بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ من ثمانمائة رجل فمنهم بن عباس وبن عَمْرٍو وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ قِيلَ سَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ ما رواه بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَحْمِلُ يَوْمًا هِرَّةً فِي كُمِّي فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا هَذِهِ فَقُلْتُ هِرَّةٌ فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ
انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ وَذَكَرَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ قَالَ كَنَّانِي أَبِي بِأَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنِّي كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا فَوَجَدْتُ أَوْلَادَ هِرَّةٍ وَحْشِيَّةٍ فَلَمَّا أَبْصَرَهُنَّ وَسَمِعَ أَصْوَاتَهُنَّ أَخْبَرْته فَقَالَ أَنْتَ أَبُو هِرٍّ وَكَانَ اِسْمِي عَبْدَ شَمْسٍ
انْتَهَى
قُلْتُ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَ كُنِّيتَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَمَا تَفْرَقُ مِنِّي قُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَهَابُكَ قَالَ كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي وَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعِي فَلَعِبْتُ بِهَا فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
فَائِدَةٌ اُخْتُلِفَ فِي صَرْفِ أَبِي هريرة ومنعه قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ
جَرُّ هُرَيْرَةَ هُوَ الْأَصْلُ وَصَوَّبَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ وَاخْتَارَ آخَرُونَ مَنْعَ صَرْفِهِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ انْتَهَى قُلْتُ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الصَّرْفِ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَالرَّاجِحُ هُوَ مَنْعُهُ مِنْ الصَّرْفِ وَكَانَ هُوَ الْجَارِيَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ شُيُوخِنَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى وَيُؤَيِّدُ مَنْعَ صَرْفِهِ منع صرف بن دَايَةَ عَلَمًا لِلْغُرَابِ قَالَ قَيْسُ بْنُ مُلَوَّحٍ المجنون
أقول وقد صاح بن دَايَةَ غَدْوَةً بِبُعْدِ النَّوَى لَا أَخْطَأَتْكَ الشَّبَائِكُ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى بِأَنْوَارِ التَّنْزِيلِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أنزل فيه القرآن رَمَضَانُ مَصْدَرُ رَمَضَ إِذَا اِحْتَرَقَ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ الشَّهْرُ وَجُعِلَ عَلَمًا وَمُنِعَ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والألف والنون كما منع داية في بن دَايَةَ عَلَمًا لِلْغُرَابِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ انْتَهَى
فَائِدَةٌ قَدْ تَفَوَّهَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا وَقَوْلُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ صَرَّحَ أَجِلَّةُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ ﵁ كَانَ فَقِيهًا قَالَ صَاحِبُ السِّعَايَةِ شَرْحِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ مَا لَفْظُهُ كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ فَقِيهٍ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ كما صرح به بن الهمام في تحرير الأصول وبن حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي نُورِ الْأَنْوَارِ أَنَّ أَبَا هريرة كان فقيها صرح به بن الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ
стр. 27
كَيْفَ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ وَكَانَ يُفْتِي بِزَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَكَانَ يُعَارِضُ أَجِلَّةَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ فَرَدَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَفْتَى بِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ الْحَمْلِ كَذَا قِيلَ
انْتَهَى
قُلْتُ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ الْيَمَانِيُّ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى
مَعَ الْجَلَالَةِ والعبادة والتواضع
انتهى وقال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ ثُمَّ قَامَ بِالْفَتْوَى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرْكُ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةُ الْإِيمَانِ وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ وَجُنْدُ الرَّحْمَنِ أُولَئِكَ أَصْحَابُهُ ﷺ وَكَانُوا بَيْنَ مُكْثِرٍ مِنْهَا وَمُقِلٍّ وَمُتَوَسِّطٍ وَكَانَ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُمْ سَبْعَةً عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالْمُتَوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الْفُتْيَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ
إِلَخْ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فَقِيهًا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى
فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَيْضًا إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا وَالنَّخَعِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ
قُلْتُ قَدْ نُقِمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لِقَوْلِهِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ وَكَانَ لَا يُحْكِمُ الْعَرَبِيَّةَ رُبَّمَا لَحَنَ وَنَقَمُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهًا
انْتَهَى
عِبْرَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ فِي بَحْثِ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ المروي عن أبي هريرة وبن عُمَرَ ﵄ قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وبن عُمَرَ وَلَمْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَا صَالِحَيْنِ فَرِوَايَتُهُمَا إِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَوَاعِظِ لَا فِي الْأَحْكَامِ وَهَذِهِ جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ وَاسْتِهْزَاءٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ ذَهَابِ حَمَلَتِهِ وَفَقْدِ نَصَرَتِهِ وَمَنْ أفقه من أبي هريرة وبن عُمَرَ وَمَنْ أَحْفَظُ مِنْهُمَا خُصُوصًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ بَسَطَ رِدَاءَهُ وَجَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ فَمَا نَسِيَ شَيْئًا أَبَدًا وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمُعَافَاةَ مِنْ مَذْهَبٍ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالطَّعْنِ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَقَدْ كُنْتُ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ فَأَخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَدْ جَرَى ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا بَعْضُهُمْ يَوْمًا وَذَكَرَ هَذَا الطعن في أبي هريرة فسقط مِنْ السَّقْفِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَتْ فِي سَمْتِ الْمُتَكَلِّمِ بِالطَّعْنِ وَنَفَرَ النَّاسُ وَارْتَفَعُوا وَأَخَذَتْ الْحَيَّةُ تَحْتَ السَّوَارِي فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ فَارْعَوى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مِنْ التَّرَسُّلِ فِي هَذَا الْقَدْحِ
انْتَهَى
стр. 28
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَثَوْبَانَ وَالصُّنَابِحِيِّ وعمر وبن عَبَسَةَ وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ
وَأَمَّا حَدِيثُ ثوبان فأخرجه مالك وأحمد وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ والنسائي وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا عِلَّةَ لَهُ وَالصُّنَابِحِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحَاتَّ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى الْمَذْكُورِينَ ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ
قَوْلُهُ (وَالصُّنَابِحِيُّ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَلَمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ هَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أن رسول الله ﷺ قَالَ إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتْ خطاياه من فيه الحديث
قال الحافظ بن عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى عَطَاءٍ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْمُحَلَّى وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَهَمَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا فِي إِسْعَافِ الْمُبْطَأِ (وَالصُّنَابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا الْمُرَادِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ
مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ انْتَهَى (رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَتَى هَاجَرْتُ قَالَ خَرَجْنَا مِنْ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ لَهُ الْخَبَرَ الْخَبَرَ
стр. 29
فَقَالَ دَفَنَّا النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ خَمْسٍ قُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا قَالَ أَخْبَرَنِي بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ (وَالصُّنَابِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ الصُّنَابِحِيُّ أَيْضًا) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ الصُّنَابِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ نُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ بن الْأَعْسَرِ الْأَحْمَسِيُّ صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَنْ قَالَ فِيهِ الصُّنَابِحِيَّ فَقَدْ وَهَمَ
انْتَهَى (وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ كَاثَرْتُهُ أَيْ غَلَبْته وَكُنْتُ أَكْثَرَ مِنْهُ يَعْنِي إِنِّي أُبَاهِي بِأَكْثَرِيَّةِ أُمَّتِي عَلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَلَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي بِصِيغَةِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ مِنْ الِاقْتِتَالِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَإِنْ قُلْتَ ما وجه تترتب قَوْلِهِ لَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي عَلَى الْمُكَاثَرَةِ قُلْتُ وَجْهُهُ أَنَّ الِاقْتِتَالَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ النَّسْلِ إِذْ لَا تَنَاسُلَ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَيُؤَدِّي إِلَى قِلَّةِ الْأُمَّةِ فَيُنَافِي الْمَطْلُوبَ فَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَإِنْ قُلْتَ الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَلَا وَجْهَ لِقَطْعِ النَّسْلِ بِسَبَبِ الِاقْتِتَالِ قُلْتُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الِاقْتِتَالِ مُفْضٍ بِقَطْعِ النَّسْلِ فَالنَّسْلُ بِاعْتِبَارِ فِعْلِهِمْ الِاخْتِيَارِيِّ أَوْ يُقَالُ يَكُونُ لَهُمْ أَجَلَانِ أَجَلٌ عَلَى تَقْدِيرِ الِاقْتِتَالِ وَأَجَلٌ بِدُونِهِ وَيَكُونُ الثَّانِي أَطْوَلَ مِنْ الْأَوَّلِ وَبِالِاقْتِتَالِ يَقْصُرُ الْأَجَلُ فَتَقِلُّ الْأُمَّةُ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَجَلٌ وَاحِدٌ انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ
وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص ١٥٣ ج ٤ بِأَلْفَاظٍ
تَنْبِيهٌ اِعْلَمْ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ الْمَذْكُورِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ الَّذِي رَوَى فِي فَضْلِ الطُّهُورِ صَحَابِيٌّ وَالثَّانِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ هَذَا غَيْرُ الصُّنَابِحِيِّ الَّذِي اِسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِمَا بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اِخْتِلَافٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُودِهِ فَقِيلَ صَحَابِيٌّ مَدَنِيٌّ وَقِيلَ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عسيلة وقال بن أَبِي حَاتِمٍ فِي مَرَاسِيلِهِ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ هُمْ ثَلَاثَةٌ فَاَلَّذِي يَرْوِي عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ وَلَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ انْتَهَى وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي إِسْعَافِ الْمُبْطَأِ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَقَالَ البخاري وهم مالك في قوله عبد الله الصُّنَابِحِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ يَرْوِي عَنْهُ الْمَدَنِيُّونَ يُشْبِهُ أَنْ تكون له صحبة
انتهى
قَوْلُهُ بَابٌ مَا جَاءَ أَنَّ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ
стр. 30
[٣] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَقُتَيْبَةُ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُمَا (وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو أَحْمَدَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْأَثَرِ حَدَّثَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى السِّينَانِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَأَبِي عَوَانَةَ وَوَكِيعٍ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَعْرَفُ بِالْحَدِيثِ صَاحِبُ سُنَّةٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ ثِقَةٌ كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٣٩ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ (قَالُوا نَا وَكِيعٌ) تَقَدَّمَ (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ إِمَامٌ حُجَّةٌ مِنْ رؤوس الطَّبَقَةِ السَّابِعَةِ وَكَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ مَاتَ سَنَةَ ١٦١ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ٧٧ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ وَهُمْ أَيْ الْمُدَلِّسُونَ عَلَى مَرَاتِبَ الْأُولَى مَنْ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ إِلَّا نَادِرًا كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ الثَّانِيَةُ مَنْ اِحْتَمَلَ الْأَئِمَّةُ تَدْلِيسَهُ وَأَخْرَجُوا لَهُ فِي الصَّحِيحِ لِإِمَامَتِهِ وَقِلَّةِ تَدْلِيسِهِ فِي جَنْبِ مَا رَوَى كَالثَّوْرِيِّ أَوْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ انْتَهَى
(وثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) لَقَبُهُ بُنْدَارٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ النُّونِ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ بُنْدَارٌ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ النَّسَّاجُ كَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ الْبَصْرَةِ مُتْقِنًا مُجَوِّدًا لَمْ يَرْحَلْ بِرًّا بِأُمِّهِ ثُمَّ اِرْتَحَلَ بَعْدَهَا سَمِعَ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَغُنْدُرًا وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَطَبَقَتَهُمْ حَدَّثَ عَنْه الْجَمَاعَةُ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ وَقَالَ الْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ كثير الحديث حائك قال بن خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ لَهُ حَدَّثَنَا إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْأَخْبَارِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ
لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ ضَعَّفَهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٥٢ اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ انْتَهَى وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ
قَالَ النَّسَائِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِبُنْدَارٍ انْتَهَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ (نا عبد الرحمن) بن مَهْدِيِّ بْنِ حَسَّانٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ اللُّؤْلُؤِيُّ الْحَافِظُ الْعِلْمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ وَشُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وخلق وعنه بن المبارك وبن وهب أكبر منه وأحمد وبن معين قال بن المديني أعلم الناس بالحديث بن مَهْدِيٍّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ إِمَامٌ ثِقَةٌ أَثْبَتُ مِنْ الْقَطَّانِ وَأَتْقَنُ مِنْ وَكِيعٍ وَقَالَ أَحْمَدُ إذا حدث بن مَهْدِيٍّ عَنْ رَجُلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ وَقَالَ الْقَوَارِيرِيُّ أملى علينا بن مهدي عشرين ألفا من حفظه قال بن سَعْدٍ مَاتَ سَنَةَ ٨٩١ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ بِالْبَصْرَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَكَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ) بفتح العين بن أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أبيه وخاله محمد بن الحنفية وعنه بن عَجْلَانَ وَالسُّفْيَانَانِ وَسَيَجِيءُ كَلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ (عن محمد بن الْحَنَفِيَّةِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 31
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةُ نُسِبَ إِلَيْهَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ بَنُوهُ إِبْرَاهِيمُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَخَلْقٌ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ عَنْ عَلِيٍّ أَكْثَرَ وَلَا أَصَحَّ مِمَّا أَسْنَدَ مُحَمَّدُ بن الْحَنَفِيَّةِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ عَالِمٌ مِنْ الثَّانِيَةِ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ
قَوْلُهُ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الطهور مفتاحا مجاز لِأَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَالْحَدَثُ كَالْقُفْلِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إِذَا تَوَضَّأَ اِنْحَلَّ الْغَلْقُ وَهَذِهِ اِسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا النُّبُوَّةُ وَكَذَلِكَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُغْلَقَةٌ يَفْتَحُهَا الطَّاعَاتُ وَرُكْنُ الطَّاعَاتِ الصلاة قاله بن الْعَرَبِيِّ
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ قَالَ الْمُظْهِرِيُّ سَمَّى الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا بِهِ النِّيَّةَ انْتَهَى
قال القارىء وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَشَرْطٌ عِنْدَنَا ثُمَّ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي قَوْلِهِ تعالى وربك فكبر هُوَ التَّعْظِيمُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ خُصُوصِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا أَفَادَهُ التَّعْظِيمُ وَالثَّابِتُ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُكْرَهَ لِمَنْ يُحْسِنُهُ تَرْكُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ التعديل كذا في الكافي قال بن الْهُمَامِ وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَهُ ظَاهِرًا وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِتَرْكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى هَذَا انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ
قال بن الْعَرَبِيِّ قَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خِلَافًا لِسَعِيدٍ وَالزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إِنَّ الْإِحْرَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ
وَقَوْلُهُ التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اِخْتِصَاصَ إِحْرَامِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ وذكر اسم ربه فصلى فَخَصَّ التَّكْبِيرَ بِالسُّنَّةِ مِنْ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ اِتَّصَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ فَكَانَ يُكَبِّرُ ﷺ وَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يجوز بكل لفظ فيه تعظيم الله تعالى لِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ ضَعِيفٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْكَبِيرُ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ زِيَادَةٌ لَمْ تُخِلَّ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَعْنَى وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ التَّكْبِيرُ قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ إِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْفِعْلُ فَفَسَّرَ الْمُطْلَقَ فِي الْقَوْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّعْلِيلُ وَبِهَذَا يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى الرَّسْمِ الْوَارِدِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعْنَى قَالَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا قَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اِخْتِصَاصَ التَّكْبِيرِ بِالصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّذِي هُوَ بَابٌ شَأْنُهُ التَّعْرِيفُ كَالْإِضَافَةِ وَحَقِيقَةُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ
стр. 32
إِيجَابُ الْحُكْمِ لِمَا ذُكِرَ وَنَفْيُهُ عَمَّا لَمْ يُذْكَرْ وَسَلْبُهُ عَنْهُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْحَصْرُ قَالَ وَقَوْلُهُ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ مِثْلُهُ فِي حَصْرِ الْخُرُوجِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى التَّسْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ يُضَادُّ كَالْحَدَثِ وَنَحْوِهِ حَمْلًا عَلَى السَّلَامِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْحَصْرِ انتهى كلام بن العربي ملخصا
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ رَدُّ الْمُحْكَمِ الصَّرِيحِ مِنْ تَعْيِينِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ في الصلاة بقوله إذا أقيمت الصلاة فكبر وَقَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَقَوْلُهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر وهي نصوص فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ فَرُدَّتْ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ تعالى وذكر اسم ربه فصلى انْتَهَى
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ التَّحْلِيلُ جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ حلال وَسُمِّيَ التَّسْلِيمُ بِهِ لِتَحْلِيلِ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُصَلِّي لِخُرُوجِهِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ وَاجِبٌ قال بن الْمَلَكِ إِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ سَبَبِ كَوْنِ الصَّلَاةِ مُحَرَّمَةً مَا لَيْسَ مِنْهَا التَّكْبِيرُ وَمُحَلَّلَةً التَّسْلِيمُ أَيْ إِنَّهَا صَارَتْ بِهِمَا كَذَلِكَ فَهُمَا مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ إِلَى الْفَاعِلِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الحافظ بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ تَحْرِيمٌ لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّي مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَيْ الْإِحْرَامُ بِالصَّلَاةِ وَقَالَ قَوْلُهُ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ أَيْ صَارَ الْمُصَلِّي بِالتَّسْلِيمِ يَحِلُّ لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا كَمَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَإِحْرَامُهَا التَّكْبِيرُ وَإِحْلَالُهَا التَّسْلِيمُ
قَوْلُهُ (هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ) هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وبن السكن من حديث عبد اللهبن محمد بن عقيلة عن بن الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْبَزَّارُ
لَا يُعْلَمُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ أبو نعيم تفرد به بن عقيل عن بن الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ وَهُوَ أَصْلَحُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
انْتَهَى (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ هُوَ صَدُوقٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ
стр. 33
أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) قَالَ أَبُو حاتم وغيره لين الحديث وقال بن خزيمة لا يحتج به وقال بن حِبَّانَ رَدِيءُ الْحِفْظِ يَجِيءُ بِالْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ سُنَنِهِ فَوَجَبَتْ مُجَانَبَةُ أَخْبَارِهِ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ لَيْسَ بِالْمَتِينِ عِنْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ يُخْتَلَفُ عَنْهُ فِي الْأَسَانِيدِ وَقَالَ الْفَسَوِيُّ فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ وَهُوَ صَدُوقٌ كَذَا فِي الْمِيزَانِ (وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) يَعْنِي الْبُخَارِيَّ (يَقُولُ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ) هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْجَارِحِينَ وَالْمُعَدِّلِينَ حَدِيثُهُ فِي مَرْتَبَةِ الْحَسَنِ انْتَهَى فَالرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ حَسَنٌ يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى كُلُّهَا يَشْهَدُ لَهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ وَأَبُو يحيى القتات ضعيف وقال بن عدي أحاديثه عندي حسان وقال بن الْعَرَبِيِّ حَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَا قَالَ وَقَدْ عَكَسَ ذَلِكَ الْعَقِيلِيُّ وَهُوَ أَقْعَدُ مِنْهُ بِهَذَا الْفَنِّ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو سُفْيَانَ طَرِيفٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ هَذَا كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
قُلْتُ قَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا وَقَالَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بن أبي طالب أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ انْتَهَى وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيد وبن عباس وغيرهما ذكر أحاديثهم الحافظ بن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ وَالْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الراية
(بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ)
بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ أَيْ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ سُمِّيَ بِهِ لِخَلَائِهِ فِي
стр. 34
غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْكَنِيفُ وَالْحَشُّ وَالْمِرْفَقُ وَالْمِرْحَاضُ أَيْضًا وَأَصْلُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَالُهُ حَتَّى تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
[٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادٌ قَالَا نَا وَكِيعٌ) تَقَدَّمَ تَرَاجِمُ هَؤُلَاءِ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الْحَجَّاجِ بْنِ الْوَرْدِ الْعَتْكِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بِسِطَامٍ الْوَاسِطِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ مُتْقِنٌ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ بِالْعِرَاقِ عَنْ الرِّجَالِ وَذَبَّ عَنْ السُّنَّةِ وَكَانَ عَابِدًا كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَانَ شُعْبَةُ أُمَّةً وَحْدَهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ يَعْنِي فِي الرِّجَالِ وَبَصَرهُ بِالْحَدِيثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْلَا شُعْبَةُ لَمَا عُرِفَ الْحَدِيثُ بِالْعِرَاقِ وُلِدَ شُعْبَةُ سَنَةَ ٢٨ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمَاتَ سَنَةَ ٠٦١ سِتِّينَ وَمِائَةٍ
كَذَا فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ (عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) الْبُنَانِيِّ بُنَانَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَشَهْرٍ وَعَنْهُ شعبة والحمادان وثقه أحمد قال بن قَانِعٍ مَاتَ سَنَةَ ٠٣١ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ أَنَسِ بن مالك) بن النَّضْرِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ مَاتَ سَنَةَ ٢٩ ٠٣٩ اِثْنَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ
قَوْلُهُ (إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أَيْ مَوْضِعَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ
وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَبْيِينَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ لَا بعده قال الحافظ في الفتح الكلام ها هنا فِي مَقَامَيْنِ
الْأَوَّلُ هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الذِّكْرُ بِالْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي السُّنَنِ أَوْ يَشْمَلُ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا فِي جَانِبِ الْبَيْتِ الْأَصَحُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ
الْمَقَامُ الثَّانِي مَتَى يَقُولُ ذَلِكَ
فَمَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصّلُ أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ مَثَلًا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالُوا فِي مَنْ نَسِيَ يَسْتَعِيذُ
بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى
стр. 35
تَفْصِيلٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قُلْتُ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ المنصور هوما ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ (قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بك) أي ألوذ والتجيء قال بن الْأَثِيرِ عُذْتُ بِهِ عَوْذًا وَمَعَاذًا أَيْ لَجَأْتُ إليه والمعاذ المصدر والمكان الزمان (قَالَ شُعْبَةُ وَقَدْ قَالَ) أَيْ عَبْدُ الْعَزِيزِ (مَرَّةً أُخْرَى أَعُوذُ بِاللَّهِ) أَيْ مَكَانَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ يَعْنِي قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مَرَّةً اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى أَعُوذُ بِاللَّهِ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ القارىء وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَهْبٍ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَعُوذُ بِكَ أَسْتَعِيذُ بِكَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ انْتَهَى قُلْتُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَاذَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ ثَبَتَ زِيَادَةُ بِسْمِ اللَّهِ مَعَ التَّعَوُّذِ فَرَوَى الْعُمَرِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ بِلَفْظِ إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاءَ فَقُولُوا بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ أَوْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ أَوْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ الْأَوَّلُ بِالْإِسْكَانِ مَعَ الْإِفْرَادِ وَالثَّانِي بِالتَّحْرِيكِ مَعَ الْجَمْعِ أَيْ مِنْ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ وَمِنْ الشَّيْءِ الْمَذْمُومِ أَوْ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قُلْتُ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَعَامَّةِ الرِّوَايَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ قَالَ الْحَافِظُ تَحْتَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْخُبُثُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِسْكَانُ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَكُتْبٍ وَكُتُبٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ الْبَاءَ هُنَا سَاكِنَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ تَرْكَ التَّخْفِيفِ أَوْلَى لِئَلَّا يُشَبَّهُ بِالْمَصْدَرِ
وَالْخُبُثِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ يريد ذكر أن الشياطين وإناثهم قاله الخطابي وبن حبان وغيرهما
ووقع في نسخة بن عَسَاكِرَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيْ الْبُخَارِيُّ وَيُقَالُ الْخُبْثُ أَيْ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ فَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً عَنْ الْمُحَرَّكَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَإِنْ كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال بن الْأَعْرَابِيِّ الْمَكْرُوهُ قَالَ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ
وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْخَبَائِثِ الْمَعَاصِي أَوْ مُطْلَقُ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الترمذي وغيره إلى آخر ما نقلت عباراته آنِفًا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وجابر وبن مسعود) أما حديث علي فأخرجه الترمذي
стр. 36
وبن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَأَخْرَجَهُ أبو داود وبن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ قَالَ الْعَيْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْغَائِطَ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اِضْطِرَابٌ) يَعْنِي رَوَى بَعْضُ رُوَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ (رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ إِلَخْ) هَذَا بَيَانُ الِاضْطِرَابِ وَالدَّسْتُوَائِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى دَسْتُوَاءَ بِفَتْحِ الدَّالِ كُورَةٍ مِنْ الْأَهْوَازِ أَوْ قَرْيَةٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي وَتَوْضِيحُ الِاضْطِرَابِ عَلَى مَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ لِلْعَلَّامَةِ أَبِي الطَّيِّبِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَنَّ هِشَامًا وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ وَشُعْبَةَ وَمَعْمَرًا كُلَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ قَتَادَةَ عَلَى اِخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ
فَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَبَيْنَ قَتَادَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَاسِطَةُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَلَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ
وَرَوَى شُعْبَةُ وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ثُمَّ اِخْتَلَفَ فَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ فَالِاضْطِرَابُ فِي مَوْضِعَيْنِ
الْأَوَّلُ فِي شَيْخِ قَتَادَةَ فَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ أَنَّ قَتَادَةَ يَرْوِيهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ
وَالثَّانِي فِي شَيْخِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ فَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّضْرَ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ
انْتَهَى مَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (قَالَ أَبُو عِيسَى سَأَلْتُ مُحَمَّدًا) يَعْنِي
стр. 37
الْبُخَارِيَّ (عَنْ هَذَا) أَيْ عَنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ (فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الطَّيِّبِ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ سَمِعَ مِنْ الْقَاسِمِ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ
وَأَخْطَأَ مَنْ أَرْجَعَ الضَّمِيرَ مِنْ مُحَشِّي التِّرْمِذِيِّ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ إِرْجَاعُ ضَمِيرِ عَنْهُمَا إِلَى الْقَاسِمِ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ الْحَقُّ وَأَمَّا إِرْجَاعُهُ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ فخطأ قال العلامة العيني في عمدة القارىء شَرْحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اِضْطِرَابٌ وَأَشَارَ إِلَى اِخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ وَسَأَلَ التِّرْمِذِيُّ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلخ قَالَ السُّيُوطِيُّ قَوْلُهُ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ إِلَخْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ هكذا رواه معمر عن قتادة وبن عُلَيَّةَ وَأَبُو الْجُمَاهِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَجَمَاعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ أَبُو عِيسَى قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ أَيُّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَكُمْ أَصَحُّ فَقَالَ لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَلَمْ يَقْضِ فِي هَذَا بِشَيْءٍ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقِيلَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ وَهْمٌ انْتَهَى فَثَبَتَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ إِرْجَاعَ ضَمِيرٍ عَنْهُمَا إِلَى الْقَاسِمِ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ
تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ وَالنَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ لَعَلَّ قَتَادَةَ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ لَفْظَ عَنْ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ فَتَأَمَّلْ
فَإِنْ قُلْتَ لَا يَنْدَفِعُ الِاضْطِرَابُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا
قُلْتُ نَعَمْ
إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ قَتَادَةَ رَوَى عَنْهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَرَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ
стр. 38
غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ فَوَهْمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[٦] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي عَوَانَةَ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مَاتَ سَنَةَ ٥٤٢ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ وقال بن خراش تكلم الناس فيه فلم يصدق بن خِرَاشٍ فِي قَوْلِهِ هَذَا فَالرَّجُلُ حُجَّةٌ انْتَهَى (نا حماد بن زيد) بن دِرْهَمٍ الْأَزْدِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَزْرَقُ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ مَوْلَى جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَأَحَدُ الْأَعْلَامِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ وَثَابِتٍ وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ وبن واسع وأيوب وخلق كثير وعنه الثوري وبن مهدي وبن المديني وخلائق قال بن مَهْدِيٍّ مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ وَلَا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَا أَفْقَهَ بِالْبَصْرَةِ مِنْهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٧٩١ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ عَنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ
قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُمَّ) مَعْنَاهُ يَا الله (إني أعوذ بك) قال بن الْعَرَبِيِّ يَعْنِي أَلْجَأُ وَأَلُوذُ وَالْعَوْذُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَالْعِيَاذُ وَالْمَعَاذُ وَالْمَلْجَأُ مَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ تَقِيَّةً عَنْ مَحْذُورٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومًا مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى مِنْ الْمُوَكَّلِ بِهِ بِشَرْطِ اِسْتِعَاذَتِهِ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ اللَّعِينُ يَعْرِضُ لَهُ عَرَضَ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَدَفَعَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَعَرَضَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَشَدَّ وَثَاقَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَكَانَ يَخُصُّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِوَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا إِنَّهُ خَلَاءٌ وَلِلشَّيْطَانِ بِعَادَةِ اللَّهِ قُدْرَةُ تَسَلُّطٍ فِي الخلاء ليس لَهُ فِي الْمَلَاءِ قَالَ ﷺ الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ
الثَّانِي إِنَّهُ مَوْضِعٌ قَذِرٌ يُنَزَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ عن الجريان فيه على اللسان فيغتنم الشَّيْطَانُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ يَطْرُدُهُ فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِيَعْقِدَهَا عِصْمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يَخْرُجَ وَلِيُعَلِّمَ أُمَّتَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ كَانَ ﷺ يستعيذ إظهار لِلْعُبُودِيَّةِ وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ انْتَهَى (مِنْ الْخُبُثِ) بضم الخاء المعجمة والموحدة جميع خَبِيثٍ أَيْ ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ (وَالْخَبَائِثِ) جَمْعُ خَبِيثَةٍ أَيْ إِنَاثُ الشَّيَاطِينِ
стр. 39
قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشخان
قَوْلُهُ بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ
[٧] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فِي الْهِنْدِ وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ رَجُلًا اِسْمَهُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ شُيُوخِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي النُّسْخَةِ الْمِصْرِيَّةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَخْ وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ رَجُلًا اِسْمُهُ حُمَيْدٌ وَهُوَ مِنْ تَلَامِذَةِ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَمِنْ شُيُوخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ لفظ حميد ها هنا زَائِدٌ فِي كِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ هَكَذَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَ فِي الدر الغالي شرح إرشاد المتجلي بعد ما ذَكَرَ رِوَايَةَ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ غُفْرَانَكَ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَعَنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْرَدَ رِوَايَةَ عَائِشَةِ هَذِهِ بِهَذَا الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ وَقَالَ فِي اِبْتِدَاءِ السَّنَدِ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَظَهَرَ مِنْ هَذَا وَمِنْ النُّسْخَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَعْنِي الْبُخَارِيَّ دُونَ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ (نَا مَالِكُ بن إسماعيل) بن دِرْهَمٍ النَّهْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو غَسَّانَ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ رَوَى عَنْ إِسْرَائِيلَ وَأَسْبَاطِ بْنِ النَّصْرِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالْبَاقُونَ بِوَاسِطَةٍ قال بن مَعِينٍ لَيْسَ بِالْكُوفَةِ أَتْقَنَ مِنْهُ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ثِقَةٌ صَحِيحُ الْحَدِيثِ مِنْ الْعَابِدِينَ مَاتَ سَنَةَ ٩١٢ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ صَحِيحُ الْكِتَابِ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ انْتَهَى
(عَنْ إسرائيل) بن يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ قَالَ أَحْمَدُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ وُلِدَ سَنَةَ ٠٠١ مِائَةٍ وَمَاتَ سَنَةَ ٢٦١ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
стр. 40
(عن يوسف بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْكُوفِيِّ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق وثقة بن حيان كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ مَقْبُولٌ (عَنْ أبيه) أي أبي بردة بن أبي موس الْأَشْعَرِيِّ قِيلَ اِسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ الْحَارِثُ ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ أَبُو بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الْفَقِيهُ قَاضِي الْكُوفَةِ اِسْمُهُ الْحَارِثُ أَوْ عَامِرٌ عَنْ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَحُذَيْفَةَ وَطَائِفَةٍ وَعَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَيُوسُفُ وَسَعِيدٌ وَبِلَالٌ وَخَلْقٌ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٠١ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ
قَوْلُهُ (إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَكَ) إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ أَوْ أَطْلُبُ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ اغْفِرُ غُفْرَانَكَ وَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْقِيبِهِ ﷺ الْخُرُوجَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اِسْتَغْفَرَ مِنْ الْحَالَةِ الَّتِي اِقْتَضَتْ هِجْرَانَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي سَائِرِ حَالَاتِهَ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ
وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَشَرِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ الْوَفَاءِ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيغِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَرْتِيبِ الْغِذَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُنَاسِبِ لِمَصْلَحَةِ الْبَدَنِ إِلَى أَوَانِ الْخُرُوجِ فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ اِعْتِرَافًا بِالْقُصُورِ عَنْ بُلُوغِ حَقِّ تِلْكَ النِّعَمِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ الْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي رَوَاهُ بن ماجه قال القاضي أبو بكر بن الْعَرَبِيِّ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ تَرْكِهِ ذِكْرَ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا تَرَكَهُ بِأَمْرِ رَبِّهِ فَكَيْفَ يَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ عن فعل كان يأمر اللَّهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّرْكَ وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إِلَى الْخَلَاءِ انْتَهَى
فَإِنْ قِيلَ قَدْ غُفِرَ لَهُ ﷺ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَمَا مَعْنَى سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ يُقَالُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّهِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ وَكَانَ يَسْأَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ بِشَرْطِ اِسْتِغْفَارِهِ وَرُفِعَ إِلَى شَرَفِ الْمَنْزِلَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْكُلُّ لَهُ حَاصِلٌ بفضل الله تعالى قاله بن الْعَرَبِيِّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ) قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ هَذَا الْحَدِيثُ
следующие страницы →