← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

شَيْءَ فِيهَا وَهِيَ هُنَا اسْمُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ (أَحْرَمَ) أَيْ كَرَّرَ إِحْرَامَهُ أَوْ أَظْهَرَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ أحرم ابتدأ فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ وَسَتَقِفُ عَلَيْهِ عن قريب قوله (وفي الباب عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (وَأَنَسٍ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِيهِ فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفَرْعِ أَهَلَّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَإِذَا أَخَذَ طَرِيقَ أُحُدٍ أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ (الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا إلخ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيها) وفي رواية لمسلم كان بن عُمَرَ إِذَا قِيلَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْبَيْدَاءِ قَالَ الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْبَيْدَاءُ هِيَ الشّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ وَهِيَ بِقُرْبِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَسُمِّيَتْ بَيْدَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ وَلَا أَثَرٌ وَكُلُّ مَفَازَةٍ تُسَمَّى بيداء وأما ها هنا فَالْمُرَادُ بِالْبَيْدَاءِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَوْلُهُ تَكْذِبُونَ فِيهَا أَيْ تَقُولُونَ إِنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنْهَا وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَحْرَمَ قَبْلَهَا مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ وَكَانَتْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ وسماهم بن عُمَرَ كَاذِبِينَ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ وَالْكَذِبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ أَمْ غَلِطَ فِيهِ وَسَهَا وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمْدِيَّةُ وَعِنْدَنَا أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ اسْمًا لَا لِكَوْنِهِ يُسَمَّى

стр. 1507

كذبا فقول بن عُمَرَ جَاءَ عَلَى قَاعِدَتِنَا انْتَهَى قَوْلُهُ (وَاَللَّهِ ما أهل) أي ما رفع صَوْتُهُ بِالتَّلْبِيَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ اعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ إِهْلَالِهِ ﷺ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِهْلَالِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَوْجَبَ فَقَالَ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرواية بتمامها فبين بن عَبَّاسٍ الْوَجْهَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ وَأَنَّ إِهْلَالَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي ابْتَدَأَ الْحَجَّ وَدَخَلَ فِيهِ كَانَ فِي مُصَلَّاهُ فَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ الْمُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْبَيْدَاءِ قال البكري البيداء هذه فوق علي ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعِدَ مِنَ الْوَادِي وَفِي أَوَّلِ الْبَيْدَاءِ بِئْرُ مَاءٍ كَذَا فِي عُمْدَةِ القارىء (باب ما جاء متى أحرم النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَحْرَمَ [٨١٩] قَوْلُهُ (عَنْ خُصَيْفٍ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ المهملة مصغرا بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ أَبُو عَوْنٍ صَدُوقٌ سَيِّءُ الْحِفْظِ خَلَطَ بِآخِرِهِ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ مِنَ الْخَامِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ

стр. 1508

قَوْلُهُ (أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ عُقَيْبَهَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إلخ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ فِي الْإِمَامِ وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحِهِمَا وَخُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمُ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ فِيهِ خُصَيْفٌ وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به رَاحِلَتُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُحْرِمُ عُقَيْبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ رُكُوبِ دَابَّتِهِ وَقَبْلَ قِيَامِهِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيِّ وَفِيهِ حَدِيثٌ مِنْ رواية بن عَبَّاسٍ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ انْتَهَى قُلْتُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ قَوْلُهُ وَلَوْ لَبَّى بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ جَازَ وَلَكِنِ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا كَذَا قَالَ وَالْأَحَادِيثُ فِي أَنَّهُ لَبَّى بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الذي احتج به ففي الصحيحين عن بن عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ حِينَ استوت به راحلته وفي لفظه لِمُسْلِمٍ كَانَ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ وَفِي لَفْظٍ لَمْ أَرَهُ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ إِنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ استوت به راحلته ولمسلم عن بن عَبَّاسٍ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ وَرَدَ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالَ لَوْ ثَبَتَ لَرَجَحَ ابتداء الاهلال عقيب الصلاة إلا أنه مِنْ رِوَايَةِ خُصَيْفٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ انْتَهَى ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الْحَجِّ) [٨٢٠] اعْلَمْ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ أَمَّا الْإِفْرَادُ فَهُوَ الْإِهْلَالُ

стр. 1509

بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي أَشْهُرِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ وَالِاعْتِمَارُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ وَأَمَّا التَّمَتُّعُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ التَّحَلُّلُ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيُطْلَقُ التَّمَتُّعُ فِي عرف السلف على القران أيضا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ وَمِنَ التَّمَتُّعِ أَيْضًا الْقِرَانُ لِأَنَّهُ تَمَتُّعٌ بِسُقُوطِ سَفَرِ النُّسُكِ الْآخَرِ مِنْ بَلَدِهِ وَمِنَ التَّمَتُّعِ فَسْحُ الْحَجِّ أَيْضًا إِلَى الْعُمْرَةِ انْتَهَى وَأَمَّا الْقِرَانُ فَصُورَتُهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ أَوِ الْإِهْلَالُ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْحَجُّ أَوْ عَكْسُهُ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (أَفْرَدَ الْحَجَّ) أَيْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وبن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عن بن عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والنسائي وبن ماجه قوله (وروى عن بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ إلخ) لِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي حَجِّهِ ﷺ هَلْ كَانَ قِرَانًا أَوْ تَمَتُّعًا أَوْ إِفْرَادًا وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ حَجَّ إِفْرَادًا كَمَا عَرَفْتَ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَجَّ قِرَانًا وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَجَّ تَمَتُّعًا كَمَا سَتَعْرِفُ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَنْظَارُ وَاضْطَرَبَتِ الْأَقْوَالُ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كَالْخَطَّابِيِّ فَقَالَ إِنْ كَانَ أَضَافَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا أَمَرَ بِهِ اتِّسَاعًا ثُمَّ رَجَحَ أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَزَادَ فَقَالَ وَأَمَّا إِحْرَامُهُ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ فَصَحَّ أَنَّهُ لم

стр. 1510

يَتَحَلَّلْ وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي وَقِيلَ قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ قَالَ الْحَافِظُ هَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا بن المنذر وبينه بن حَزْمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيَانًا شَافِيًا وَمَهَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْإِفْرَادَ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَكُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ التَّمَتُّعَ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ وَكُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْقِرَانَ أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَجَمَعَ شيخ الاسلام بن تَيْمِيَةَ جَمْعًا حَسَنًا فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ إِنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ ﷺ حَجَّ تَمَتُّعًا وَكُلُّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ قَدْ رَوَى أَنَّهُ ﷺ حَجَّ تَمَتُّعًا وَقِرَانًا فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الْقِرَانِ وَأَنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ ثُمَّ فَرَغَ مِنْهَا وَأَتَى بِالْعُمْرَةِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ صَارَ إِلَى التَّعَارُضِ فَرَجَّحَ نَوْعًا وَأَجَابَ عَنِ الْأَحَادِيثِ القاضية بما يخالفه وهي جرابات طويلة أكثرها متعسفة وأورد كُلٌّ مِنْهُمْ لِمَا اخْتَارَهُ مُرَجِّحَاتٍ أَقْوَاهَا وَأَوْلَاهَا مُرَجِّحَاتُ الْقِرَانِ لَا يُقَاوِمُهَا شَيْءٌ مِنْ مُرَجِّحَاتِ غَيْرِهِ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ مُرَجِّحَاتٍ كَثِيرَةً وَلَكِنَّهَا مُرَجِّحَاتٌ بِاعْتِبَارِ أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ﷺ حج قرانا وهو يحث آخَرُ كَذَا فِي النَّيْلِ [٨٢٥] قَوْلُهُ (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ أَفْرَدْتَ الْحَجَّ فَحَسَنٌ وَإِنْ قَرَنْتَ فَحَسَنٌ وَإِنْ تَمَتَّعْتُ فَحَسَنٌ) الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الثَّوْرِيِّ هَذَا أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ لَا فَضِيلَةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَةَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ وَهُوَ مُقْتَضَى تصرف بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ وَقَالَ أَحَبُّ إِلَيْنَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ ﷺ تَمَنَّاهُ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ

стр. 1511

واستمر عليه وقال بن قُدَامَةَ يَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِدُ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا فَهِيَ عُمْرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهَا عن حجة الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَيَلِيهِ الْقِرَانُ وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ هُوَ أَشَقُّ مِنَ التَّمَتُّعِ وَعُمْرَتُهُ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ وَعَنْ أَحْمَدَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي ١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الجمع والعمرة) [٨٢١] أي القران قَوْلُهُ (يَقُولُ لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ حَجَّهُ ﷺ كَانَ قِرَانًا وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّوِيلُ وَقَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وَغَيْرُهُمْ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وبن مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ (وَعِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ أيضا عن بن عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ

стр. 1512

١٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ) [٨٢٣] قَوْلُهُ (إِنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ مَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ﵁ (وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بْنِ خَالِدِ بْنِ وَهْبٍ الْفِهْرِيُّ أَبُو أُنَيْسٍ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ شَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ وَدَعَا إِلَى الْبَيْعَةِ وَعَسْكَرَ بِظَاهِرِهَا فَالْتَقَاهُ مَرْوَانُ بِمَرْجِ رَاهِطٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ فَقُتِلَ قِيلَ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسِتِّ سِنِينَ قَوْلُهُ (لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ) أَيِ التَّمَتُّعَ (إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَأَمْرُهُ بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْإِحْرَامِ إِلَى فَرَاغِ الْحَجِّ وَمَنْعَ التَّحَلُّلِ وَالتَّمَتُّعُ يُحَلِّلُ (فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ) قَالَ الْبَاجِيُّ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ رَأَى الْإِفْرَادَ أَفْضَلَ مِنْهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ تَحْرِيمًا قَالَ عِيَاضٌ إِنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَسْخِ وَلِهَذَا كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِ إِنَّ الْفَسْخَ خَاصٌّ بِتِلْكَ السَّنَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا إِنَّمَا نَهَوْا عَنِ الْمُتْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هِيَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجِّ فِي عَامِهِ وَهُوَ عَلَى التَّنْزِيهِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِفْرَادِ ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّمَتُّعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَبَقِيَ الخلاف في الافضل كذا في المحلي شرح الْمُوَطَّأِ (قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ الْمُتْعَةَ اللُّغَوِيَّةَ وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَحُكْمُ الْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ وَاحِدٌ قاله القارىء (وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) قَالَ أَيِ الْمُتْعَةُ اللُّغَوِيَّةُ أَوِ الشَّرْعِيَّةُ إِذْ تَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ تَمَتَّعُوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقِرَانَ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ وَالتَّمَتُّعَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ

стр. 1513

[٨٢٤] (أَمْرُ أَبِي) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَأَمْرُ أَبِي بِذِكْرِ الْهَمْزَةِ (يُتَّبَعُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ [٨٢٢] قَوْلُهُ (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ إلخ) يُعَارِضُهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُ عُمَرَ ﵁ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ إِنَّ نَهْيَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ وَنَهْيُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فَأَوَّلِيَّتُهُ بِاعْتِبَارِ التَّحْرِيمِ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْهَيَانِ عَنْهَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ انْتَهَى وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِهِمَا وَنَهْيِهِمَا بِأَنَّ الْفِعْلَ كَانَ مُتَأَخِّرًا لَمَّا عَلِمَا جواز ذلك ويحتمل أن يكون لبيان الجواز كَذَا فِي شَرْحِ أَبِي الطَّيِّبِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنْهَا فَقَالَ عُثْمَانُ كَلِمَةً فَقَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُثْمَانُ أَجَلْ وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ (وَجَابِرٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَسَعْدٍ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُوشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ يَعْنِي معاوية انتهى (وأسماء ابنة أبي بكر وبن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عائشة أخرجه الشيخان قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا

стр. 1514

قَوْلُهُ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أَيِ الْهَدْيَ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْدَمَ الْهَدْيَ أَوْ يَعْدَمَ ثَمَنَهُ حِينَئِذٍ أَوْ يَجِدَ ثَمَنَهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَهَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنْ يَمْتَنِعُ صَاحِبُهُ مِنْ بَيْعِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ إلا بغلائه فينقل إِلَى الصَّوْمِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَمَّا قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنِ اسْتَحَبَّ صِيَامَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَالَ يُحْرِمُ يَوْمَ السَّابِعِ لِيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ وَإِلَّا فَيُحْرِمُ يَوْمَ السَّادِسِ لِيُفْطِرَ بِعَرَفَةَ (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا رَجَعْتُمْ الرُّجُوعُ إلى الأمصار وبذلك فسر بن عَبَّاسٍ ﵁ كَمَا فِي صَحِيحِ البخاري ووقع في حديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ مَعْنَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ وَعَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِالْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَمَعْنَى الرُّجُوعِ التَّوَجُّهُ مِنْ مَكَّةَ فَيَصُومُهَا فِي الطَّرِيقِ إن شاء وبه قال إسحاق بن راهويه قاله الحافظ (منهم بن عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ رُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ مَوْقُوفًا إِنَّ أَخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى أَيِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَأَخَذَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْتَهَى (وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ أهل الكوفة) وهو قول الحنفية وحجتهم نبيشة

стр. 1515

الْهُذَلِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِنَّهَا الْأَيَّامُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِهِنَّ وَأَمَرَ بِفِطْرِهِنَّ أَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن المنذر وصححه بن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ سَالِمٍ عن بن عُمَرَ قَالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أن يصمن إلا لمن يَجِدِ الْهَدْيَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالطَّحَاوِيِّ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَالَ إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَلَامٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقَ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الطُّرُقُ الْمُصَرِّحَةُ بِالرَّفْعِ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا هَلْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ عَلَى أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا إِنْ أَضَافَهُ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُضِفْهُ وَيَلْتَحِقُ بِهِ رَخَّصَ لَنَا فِي كَذَا وَعَزَمَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَفْعَلَ كَذَا كُلٌّ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَغَايَةُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ رَوَى بِالْمَعْنَى لَكِنْ قَالَ الطحاوي إن قول بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ لَمْ يُرَخَّصْ أَخَذَاهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَجِّ يَعُمُّ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَهُ فَيَدْخُلُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ بَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُمَا عَمَّا فَهِمَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَقَدْ ثَبَتَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَعَارَضَ عُمُومُ الْآيَةِ الْمُشْعِرُ بِالْإِذْنِ وَعُمُومُ الْحَدِيثِ الْمُشْعِرُ بِالنَّهْيِ وَفِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمُتَوَاتِرِ بِعُمُومِ الْآحَادِ نَظَرٌ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا فَكَيْفَ وَفِي كَوْنِهِ مَرْفُوعًا نَظَرٌ فَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي

стр. 1516

١٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّلْبِيَةِ) [٨٢٥] قَوْلُهُ (لَبَّيْكَ) هِيَ مَصْدَرُ لَبَّى أَيْ قَالَ لَبَّيْكَ وَلَا يكون عامله إلا مضمرا أي ألبيت يَا رَبِّ بِخِدْمَتِكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ مَنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ أَيْ أَقَمْتُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ وَقِيلَ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَالْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ كَقَوْلِهِ تعالى فارجع البصر كرتين أَيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ وَحَذَفَ الزَّوَائِدَ لِلتَّخْفِيفِ وحذف النون للإضافة قاله القارىء وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَعَنِ الْفَرَّاءِ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ لَبًّا لَك فَثَنَّى عَلَى التَّأْكِيدِ أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةٌ لَازِمَةٌ وَقِيلَ مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ وَقِيلَ قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ وَهُوَ الْقُرْبُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ وَلِهَذَا مَنْ دعا فقال لبيك فقد استجاب وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ انْتَهَى وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بن حميد وبن جرير وبن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن بن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ بن عَبَّاسٍ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مسنده وبن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ قَالَ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمِ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ وَمِنْ طَرِيقِ بن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ وَفِيهِ فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُخْتَصَرًا (إِنَّ

стр. 1517

الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ ثَعْلَبٌ لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ فَتَحَ قَالَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ بِهَذَا السَّبَبِ (وَالْمُلْكَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْحَمْدِ وَلِذَا يُسْتَحَبُّ الْوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ الْمُلْكَ وَيُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ (لَا شَرِيكَ لَك) أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ وَإِيصَالِ النِّعْمَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ مَرْفُوعًا وَخَبَرُهُ لَا شَرِيكَ لَكَ أَيْ فِيهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْمُلْكُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَتَقْدِيرُهُ وَالْمُلْكُ كَذَلِكَ [٨٢٦] قَوْلُهُ (أَهَلَّ فَانْطَلَقَ يُهِلُّ يَقُولُ لَبَّيْكَ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ أَيْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ فَانْطَلَقَ يُهِلُّ أَيْ فَشَرَعَ يُهِلُّ أَيْ ذَهَبَ حَالَ كَوْنِهِ يُهِلُّ وَقَوْلُهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بَيَانٌ لِيُهِلَّ انْتَهَى وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ (قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ الْقَائِلُ هُوَ نَافِعٌ (فِي أَثَرِ تَلْبِيَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي عَقِبِهَا وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ خَرَجَ فِي إِثْرِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَهُ (وَسَعْدَيْكَ) قَالَ الْقَاضِي إِعْرَابُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَمَا فِي لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهُ مُسَاعَدَةٌ لِطَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ (وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك) أَيِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ تعالى ومن فضله (والرغبى إِلَيْك) قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَنَظِيرُهُ العلياء والعليا ومعناه ها هنا الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ (وَالْعَمَلُ) عطف على الرغبي قَالَ الطِّيبِيُّ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ مِنَّتُهُ إِلَيْكَ إِذْ هو المقصود منه انتهى قال القارىء وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْعَمَلَ لَكَ أَيْ لِوَجْهِكَ وَرِضَاكَ أَوِ الْعَمَلُ بِكَ أَيْ بِأَمْرِكَ وَتَوْفِيقِكَ أَوِ الْمَعْنَى أَمْرُ الْعَمَلِ رَاجِعٌ إِلَيْكَ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ انْتَهَى قُلْتُ الْأَظْهَرُ عِنْدِي هُوَ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن مَسْعُودٍ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (وَجَابِرٍ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن ماجه (وعائشة) أخرجه البخاري (وبن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ أحمد وبن ماجه والنسائي

стр. 1518

قوله (حديث بن عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو داود والنسائي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إلخ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ بن عمر وبن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ كما في حديث معد يكرب ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ فَقَالَ إِنَّهُ لذو المعارج وماه هَكَذَا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ وَبِهِ نَأْخُذُ انْتَهَى قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تعالى ما أحب وهو قول محمدا أَوْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ الْمَسْنُونَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا إِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ هَذَا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا أَمَّا فِي خِلَالِهَا فَلَا انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ ﷺ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أشهب وحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أحد قولي الشافعي وقال الشيخ أبو الحامد حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَغَلِطُوا بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذلك أن بن عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً انْتَهَى

стр. 1519

١٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّلْبِيَةِ وَالنَّحْرِ) [٨٢٧] قوله (أخبرنا بن أَبِي فُدَيْكٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ مُصَغَّرًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ صَدُوقٌ مِنْ صِغَارِ الثَّامِنَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ (أَيُّ الْحَجِّ) أَيُّ أَعْمَالِهِ أَوْ خِصَالِهِ بَعْدَ أَرْكَانِهِ (أَفْضَلُ) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا قَوْلُهُ (الْعَجُّ وَالثَّجُّ) بِتَشْدِيدِهِمَا وَالْأَوَّلُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالثَّانِي سَيَلَانُ دِمَاءِ الْهَدْيِ وَقِيلَ دِمَاءُ الْأَضَاحِيِّ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ نَفْسِ الْحَجِّ وَيَكُونَ الْمُرَادُ مَا فِيهِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ وَقِيلَ عَلَى هَذَا يُرَادُ بِهِمَا الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلَهُ الَّذِي هُوَ الْإِحْرَامُ وَآخِرَهُ الَّذِي هُوَ التَّحَلُّلُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ اقْتِصَارًا بِالْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ أَيِ الَّذِي اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ وَالْمَنْدُوبَاتِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ الْعَجِّ وَالثَّجِّ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا [٨٢٨] قَوْلُهُ (عَنْ عُمَارَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً (بْنُ غَزِيَّةَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثقيلة بن الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ الْمَدَنِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ قَوْلُهُ (إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ) كَلِمَةُ مَنْ بِالْفَتْحِ مَوْصُولَةٌ (مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ) مِنْ بَيَانُ مَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا نَسَبَ التَّلْبِيَةَ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَبَّرَ عَنْهَا بِمَا يُعَبِّرُ عَنْ أُولِي الْعَقْلِ انْتَهَى والمدر هو الطين المستحجر (حتى ينقضي الأرض) أي تنتهي (من ها هنا وههنا) إِشَارَةً إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْغَايَةُ مَحْذُوفَةٌ أَيْ إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ

стр. 1520

[٨٢٨] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (بْنُ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ الْكُوفِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِالْحَذَّاءِ صَدُوقٌ نَحْوِيٌّ رُبَّمَا أَخْطَأَ مِنَ الثَّامِنَةِ قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عمر) أخرجه بن مَاجَهْ وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وذكر فيه بن مَاجَهِ التَّفْسِيرَ عَنْ وَكِيعٍ بِلَفْظِ الْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالثَّجُّ إِرَاقَةُ الدَّمِ (وَجَابِرٍ) أَخَرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَرِوَايَةُ مَتْرُوكٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ كَذَا فِي النَّيْلِ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ بن مسعود ﵁ رواه بن المقرئ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى قَوْلُهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ قَوْلُهُ (وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عبد الرحم ن بْنِ يَرْبُوعٍ) فَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ مُنْقَطِعٌ (وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عبد الرحم ن بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ) وأما هَذَا الْحَدِيثُ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاسِطَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الطَّحَّانُ ضِرَارُ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ الرَّاءِ (بْنُ صُرَدَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ وَخَطَأٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ وَكَانَ عَارِفًا بِالْفَرَائِضِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (وَأَخْطَأَ فِيهِ ضِرَارٌ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ وَاسِطَةَ سَعِيدٍ بَيْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ (قَالَ

стр. 1521

وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ) أَيْ قَالَ أَبُو عِيسَى وسمعت محمد الْبُخَارِيَّ ﵀ (ذَكَرْتُ لَهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَذَكَرْتُ لَهُ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ ذكرت له حديث ضرار (ورأيته) أي محمد الْبُخَارِيَّ (يُضَعِّفُ ضِرَارَ بْنَ صُرَدَ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ ضِرَارِ بْنِ صُرَدَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مَتْرُوكٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ كَذَّابَانِ بِالْكُوفَةِ هَذَا وأبو نعيم النخعي بن عَدِيٍّ قَوْلُهُ (وَالثَّجُّ هُوَ نَحْرُ الْبُدْنِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ الْبَدَنَةِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ الْبَدَنَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَةِ وبعض الفقهاء الواحدة من الابل والبقرة وَالْغَنَمِ وَخَصَّهَا جَمَاعَةٌ بِالْإِبِلِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ تَبْكِيرِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ) [٨٢٩] قَوْلُهُ (فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي) أَمْرُ نَدْبٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَوُجُوبٍ عند الظاهرية (وبالإهلال أَوْ بِالتَّلْبِيَةِ) الْمُرَادُ بِالْإِهْلَالِ التَّلْبِيَةُ عَلَى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَكَلِمَةُ أَوْ لِلشَّكِّ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ الجمهور وروى

стр. 1522

الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرحون بهما جميعا وروى بن أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عبد الله المزني قال كنت مع بن عُمَرَ فَلَبَّى حَتَّى أَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ كَذَا فِي فَتْحِ الباري قال بن الْهُمَامِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ سُنَّةٌ فَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِغْ فيه فيجهد نفسه كيلا يَتَضَرَّرَ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِنَا لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِشِدَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِشِدَّةٍ إِذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِجْهَادِ إِذْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ جَهُورِيَّ الصَّوْتِ عَالِيَهُ طَبْعًا فَيَحْصُلُ الرَّفْعُ الْعَالِي مَعَ عَدَمِ تَعَبِهِ بِهِ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَأَمَرَنِي أَنْ امر أصحابي لاسيما وَأَفْعَالُ الْحَجِّ وَأَقْوَالُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ وَاجِبٍ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيت وَقَوْلُهُ ﷺ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ انْتَهَى وَقَالَ فِيهِ وَخَرَجَ بِقَوْلُهُ أَصْحَابِي النِّسَاءُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَجْهَرُ بِهَا بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى إِسْمَاعِ نَفْسِهَا انْتَهَى قَوْلُهُ (حَدِيثُ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ عنه وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحُوهُ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) أخرجه بن مَاجَهْ بِلَفْظِ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شعار الحج (وأبي هريرة) أخرجه الحاكم (وبن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ

стр. 1523

١٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الِاغْتِسَالِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ) [٨٣٠] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ لَا أَعْرِفُهُ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ مَجْهُولُ الْحَالِ قَوْلُهُ (تَجَرَّدَ) أَيْ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إِزَارًا وَرِدَاءً قَالَهُ القارىء (لِإِهْلَالِهِ) أَيْ لِإِحْرَامِهِ (وَاغْتَسَلَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ وَقَالَ النَّاصِرُ إِنَّهُ وَاجِبٌ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ مُحْتَمَلٌ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَلَعَلَّ الضَّعْفَ لِأَنَّ فِي رِجَالِ إِسْنَادِهِ عبد الله بن يعقوب المدني قال بن الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ جَوَابًا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَ الْحَدِيثِ لَعَلَّهُ إِنَّمَا حَسَّنَهُ لِأَنَّهُ عَرَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَعْقُوبَ الَّذِي فِي إِسْنَادِهِ أَيْ عُرِفَ حَالُهُ قَالَ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ ٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ لِأَهْلِ الْآفَاقِ) [٨٣١] قَوْلُهُ (مِنْ أَيْنَ نُهِلُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُمْ كانوا يرفعون

стр. 1524

أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ اتِّسَاعًا (فَقَالَ يُهِلُّ) أَيْ يُحْرِمُ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أَيْ مَدِينَتِهِ ﵊ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرًا مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَتَا مِيلٍ غَيْرَ ميلين قاله بن حَزْمٍ وَقَالَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ قَالَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَبِهَا مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ خَرَابٌ وَبِهَا بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ عَلِيٍّ (وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتَّةٌ وَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِهَا وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَلِأَهْلِ الشام ومصر الجحفة والمقام الذي يحرم الْمِصْرِيُّونَ الْآنَ رَابِغٌ بِوَزْنِ فَاعِلٍ بِرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ كَذَا فِي فتح الباري وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ كَانَ اسْمُ الْجُحْفَةِ مَهْيَعَةَ فَأَجْحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ جُحْفَةً يُقَالُ أَجْحَفَ بِهِ إِذَا ذَهَبَ بِهِ وَسَيْلٌ جِحَافٌ إِذَا جَرَفَ الْأَرْضَ وَذَهَبَ بِهِ وَالْآنَ مَشْهُورٌ بِرَابِغٍ انْتَهَى (وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ أَيْضًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ عَلَى نَحْوِ مرحلتين من مكة قالوا أو هو أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ (وَأَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مِيمٌ مَكَانٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْيَاءُ تَسْهِيلٌ لَهَا تَنْبِيهٌ قَالَ الْحَافِظُ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ ذُو الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُعَظَّمَ أُجُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ رِفْقًا بِأَهْلِ الْآفَاقِ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ أَيْ مِمَّنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أخرجه إسحاق بن رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَفِي سَنَدِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ

стр. 1525

[٨٣٢] قَوْلُهُ (وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ) وَهُوَ مَوْضِعٌ بِحِذَاءِ ذَاتِ الْعِرْقِ مِمَّا وَرَاءَهُ وَقِيلَ دَاخِلٌ فِي حَدِّ ذَاتِ الْعِرْقِ وَأَصْلُهُ كُلُّ مَسِيلٍ شَقَّهُ السَّيْلُ فَوَسَّعَهُ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَشْرِقِ مَنْ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ مِنْ شَرْقِيِّ مَكَّةَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الشَّرْقِ وَهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمَعْنَى حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَيَّنَ لِإِحْرَامِ أَهْلِ المشرق العقيق قوله (هذا حديث حسن) قال الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنِ الْمَهْلِ فَقَالَ سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى الْجُحْفَةُ وَمَهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ الْحَدِيثَ فَيَثْبُتُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَيَثْبُتُ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ الْعَقِيقُ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا إِنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ وَالْعَقِيقَ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ وَالْآخَرُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَمِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّةَ فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا قَالُوا يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا انْتَهَى فَإِنْ قُلْتَ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ بن عُمَرَ ﵁ قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عن طريقتنا وإنا إن أردنا قرن شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ انْتَهَى وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شراح البخاري وهما سرتا

стр. 1526

العراق فحديث بن عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَارَتْ مِيقَاتَهُمْ بِتَوْقِيتِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ قُلْتُ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ فَاجْتَهَدَ فِيهِ فَأَصَابَ وَوَافَقَ السُّنَّةَ فَإِنْ قلت قال بن خُزَيْمَةَ رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بن الْمُنْذِرِ لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ ﵁ قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْحَدِيثُ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَدْ أخرجه أحمد في رواية بن لهيعة وبن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ فَلَمْ يشكا في رفعه ٨ - (باب ما جاء في ما لا يجوز للمحرم لبسه بضم) اللام [٨٣٣] قَوْلُهُ (مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ) مِنْ لَبِسَ بكسر الباء بفتحها لُبْسًا بِضَمِّ اللَّامِ لَا مِنْ لَبَسَ بِفَتْحِ الْبَاءِ يَلْبِسُ بِكَسْرِهَا لَبْسًا بِالْفَتْحِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْخَلْطِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بالباطل فِي الْحُرْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ فِي الْإِحْرَامِ (لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ) قَالَ الطِّيبِيُّ بما يَحْرُمُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جَمْعٌ أَوْ جَمْعُ الْجَمْعِ (وَلَا الْبَرَانِسَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ الْبُرْنُسِ بِضَمِّهِمَا قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ هُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ مِنْ دُرَّاعَةٍ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ مِمْطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِرْسِ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْقُطْنُ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ إِنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ انْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ (وَلَا الْعَمَائِمَ) جَمْعُ الْعِمَامَةِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَلَا الْخِفَافَ) بِكَسْرِ الْخَاءِ جَمْعُ الْخُفِّ (فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين قال الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْمُرَادُ كَشْفُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ

стр. 1527

والقدم ويؤيده ما روى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ إِذَا اضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إِلَى الْخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهُورَهُمَا وَتَرَكَ فِيهِمَا قَدْرَ مَا يَسْتَمْسِكُ رِجْلَاهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَعْبُ هُنَا هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقِيلَ إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَنَّ السَّبَبَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ فَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَنَقَلَهُ هِشَامُ إِلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ قَالَ وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّ الْكَعْبَ عَظْمٌ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ عَظْمِ السَّاقِ حَيْثُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ قَالَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ من غير قطع لإطلاق حديث بن عَبَّاسٍ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهَا هُنَا انْتَهَى (مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) لِمَا فِيهِ مِنَ الطِّيبِ (وَلَا الْوَرْسُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ (وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ) أَيِ الْمُحْرِمَةُ أَيْ لَا تَسْتُرْ وَجْهَهَا بِالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ (وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ) القفاز يضم الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ شَيْءٌ تَلْبَسُهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ فِي أَيْدِيهِنَّ يُغَطِّي الْأَصَابِعَ وَالْكَفَّ وَالسَّاعِدَ مِنَ الْبَرْدِ وَيَكُونُ فِيهِ قُطْنٌ مَحْشُوٌّ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ يَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ يَزِرُّ عَلَى السَّاعِدِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) قَالَ عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطِّي الرَّأْسَ بِهِ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرجل انتهى وقال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسَ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا تَشْتَرِكُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَنْعِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ انتهى

стр. 1528

١٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ) إِذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ وَالنَّعْلَيْنِ [٨٣٤] قَوْلُهُ (وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى إِجَازَتِهِ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وحديث بن عُمَرَ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَجَابِرٌ ﵁ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ) قَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَاسْتَدَلَّ بِإِطْلَاقِ حديث بن عباس وجابر وقد عرفت أن حديث بن عُمَرَ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ الْقَطْعَ فَسَادٌ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرَاوِيلِ وأجيب بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ

стр. 1529

قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَدَلُّوا بحديث بن عُمَرَ ﵁ وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ انْتَهَى ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُحْرِمُ عليه قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ) [٨٣٥] قَوْلُهُ (فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ اخْلَعْ جُبَّتَكَ فَخَلَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمُحْرِمِ يَنْزِعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَخِيطِ مِنْ قَمِيصٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَمْزِيقُهُ وَلَا شَقُّهُ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا لرأسه أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ وَكَذَا عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ [٨٣٦] قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ) أَيْ رواية بن أَبِي عُمَرَ بِزِيَادَةِ صَفْوَانَ بَيْنَ عَطَاءٍ وَيَعْلَى أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ قَوْلُهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى أَنَّ يَعْلَى قَالَ

стр. 1530

لِعُمَرَ أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ انْتَهَى (وَهَكَذَا رَوَى قَتَادَةُ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) أَيْ بِعَدَمِ ذِكْرِ صَفْوَانَ بَيْنَ عَطَاءٍ وَيَعْلَى وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ١ - (بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ) [٨٣٧] قَوْلُهُ (خَمْسٌ) بِالتَّنْوِينِ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ (فَوَاسِقُ) صِفَتُهُ جَمْعُ فَاسِقَةٍ وَفِسْقُهُنَّ خُبْثُهُنَّ وَكَثْرَةُ الضَّرَرِ مِنْهُنَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْفُسُوقِ الْخُرُوجُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْجَوْرُ وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فَوَاسِقَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِخُبْثِهِنَّ وَقِيلَ لِخُرُوجِهِنَّ عَنِ الْحُرْمَةِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَيْ لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ بِحَالٍ انْتَهَى قَالَ الطِّيبِيُّ وَرُوِيَ بِلَا تَنْوِينٍ مُضَافًا إِلَى فَوَاسِقَ قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ (يُقْتَلْنَ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ خَمْسٌ (فِي الْحَرَمِ) أَيْ فِي أَرْضِهِ (الْفَأْرَةُ) بِالْهَمْزَةِ وَتُبْدَلُ أَلِفًا أَيِ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيَّةُ (وَالْعَقْرَبُ) وَفِي مَعْنَاهَا الْحَيَّةُ بَلْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَالْغُرَابُ) أَيِ الْأَبْقَعُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ بَيَاضٌ (وَالْحُدَيَّا) تَصْغِيرُ حِدَأَةٍ عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ يَاءِ التَّصْغِيرِ يَاءً وَأُدْغِمَتْ يَاءُ التَّصْغِيرِ فِيهِ فَصَارَ حُدَيَّةً ثُمَّ حُذِفَتِ التَّاءُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْأَلِفُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ أَيْضًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ هُوَ كُلُّ سَبُعٍ يَعْقِرُ أَيْ يَجْرَحُ وَيَقْتُلُ وَيَفْتَرِسُ كَالْأَسَدِ والنمر والذئب

стр. 1531

سَمَّاهَا كَلْبًا لِاشْتِرَاكِهَا فِي السَّبُعِيَّةِ انْتَهَى قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن مسعود وبن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وبن عباس) أما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عن نافع عن بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِنَحْوِهِ زَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ وَالْحَيَّةُ وَزَادَ فِيهِ قَالَ وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشيخان [٨٣٨] قوله (عن بن أَبِي نُعْمٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيُّ أَبُو الْحَكَمِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ) أَيِ الظَّالِمَ الَّذِي يَفْتَرِسُ النَّاسَ وَيَعْقِرُ فَكُلُّ مَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ نَعْتًا لَهُ مِنْ أَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ وَنَحْوِهَا فَحُكْمُهُ هَذَا الْحُكْمُ وَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهَا فِدْيَةٌ (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ إلخ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفُوَيْسِقَةُ وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ

стр. 1532

وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغِرْبَانِ انْتَهَى وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ وَالْغُرَابُ الْمَنْهِيُّ عَنْ قَتْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُحْمَلُ عَلَى الَّذِي لَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيُحْمَلُ الْمَأْمُورُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْأَبْقَعِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ انْتَهَى كلامه وأخرج النسائي وبن مَاجَهْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْكَلْبُ العقور انتهى ما في التخريج ٢ - (باب الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ) أَيْ هَلْ يُمْنَعُ مِنْهَا أَوْ تُبَاحُ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمُرَادُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَحْجُومُ لَا الْحَاجِمُ [٨٣٩] قَوْلُهُ (احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي رَأْسِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ) قَالَ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي (وعبد الله بن بُحَيْنَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَجَابِرٍ) لِيُنْظَرْ مَنْ أخرجه قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَوْلُهُ (وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ إلخ) قَالَ النَّوَوِيُّ إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِمُ الْحِجَامَةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَطْعَ شَعْرٍ فَهِيَ حَرَامٌ لِقَطْعِ الشَّعْرِ وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ جَازَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وعن الحسن فيها الفدية وإن لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا وَإِنْ كَانَ

стр. 1533

لِضَرُورَةٍ جَازَ قَطْعُ الشَّعْرِ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ وَخَصَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ الْفِدْيَةَ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحديث على جواز الفصد ربط الْجُرْحِ وَالدُّمَّلِ وَقَطْعِ الْعِرْقِ وَقَلْعِ الضِّرْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّدَاوِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ارْتِكَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنْ تَنَاوُلِ الطِّيبِ وَقَطْعِ الشَّعْرِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْفَتْحِ ٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ تَزْوِيجِ الْمُحْرِمِ) [٨٤٠] قَوْلُهُ (عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا الْعَبْدَرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ من صغار الثالثة قوله (أراد بن معمر أن ينكح ابنه) بن مَعْمَرٍ هُوَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَاسْمُ ابْنِهِ طَلْحَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (فَبَعَثَنِي) أَيْ أَرْسَلَنِي (إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ الْأُمَوِيِّ أَبِي سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (وَهُوَ) أَيْ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ (أَمِيرُ الْمَوْسِمِ) أَيْ أَمِيرُ الْحُجَّاجِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ الْمَوْسِمُ هُوَ وَقْتٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحَاجُّ كُلَّ سَنَةٍ وَهُوَ مَفْعِلٌ اسْمٌ لِلزَّمَانِ لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لَهُمْ وَسَمَهَ يَسِمُهُ وَسْمًا أَثَّرَ فِيهِ بِكَيٍّ انتهى (إن أخاك) يعني بن مَعْمَرٍ (فَأَحَبَّ أَنْ يُشْهِدَكَ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَأَحَبَّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ (لَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا أَظُنُّ (إِلَّا أَعْرَابِيًّا جَافِيًا) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ وَالْأَعْرَابِيُّ هُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ انْتَهَى وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ مَنْ بَدَا جَفَا أَيْ مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ غَلُظَ طَبْعُهُ لِقِلَّةِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَالْجَفَا غِلَظُ الطَّبْعِ انْتَهَى (الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِحُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ لَا يَتَزَوَّجُ لِنَفْسِهِ امْرَأَةً (وَلَا يُنْكِحُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ لَا يُزَوِّجُ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِوَلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ (أَوْ كَمَا قَالَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (ثُمَّ حَدَّثَ) أَيْ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ (عَنْ عُثْمَانَ مِثْلَهُ يَرْفَعُهُ) وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ

стр. 1534

قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ (وَمَيْمُونَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ الْأَصَمِّ قَالَ حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قَالَ كَانَتْ خالتي وخالة بن عَبَّاسٍ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والنسائي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُحْرِمُ إلخ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَجَابُوا عن حديث ميمونة يعني الذي رواه بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْوَاقِعَةِ كَيْفَ كَانَتْ وَلَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ وَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ انْتَهَى [٨٤١] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) هُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ وَقِيلَ أَسْلَمُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى الصَّحِيحِ قَوْلُهُ (تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ) بِنْتَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَرِفَ سَنَةَ سَبْعٍ (وَبَنَى بِهَا) أَيْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الزِّفَافِ (وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ) أَيِ الْوَاسِطَةَ

стр. 1535

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَوْلُهُ (وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ صَاحِبُ مُنْتَقَى الْأَخْبَارِ رِوَايَةُ صَاحِبِ الْقِصَّةِ وَالسَّفِيرِ فِيهَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَخْبَرُ وَأَعْرَفُ بِهَا انْتَهَى ٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ) فِي ذَلِكَ [٨٤٢] قَوْلُهُ (تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) وَلِلْبُخَارِيِّ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ قَوْلُهُ (وفي الباب عن عائشة) أخرجه بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهَا قَالَتْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ميمونة وهو محرم

стр. 1536

قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو داود والنسائي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ) وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أكثر الصحابة ولم يروه كذلك إلا بن عَبَّاسٍ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَثَانِيًا بأن حديث بن عَبَّاسٍ فِعْلٌ وَحَدِيثَ عُثْمَانَ ﵁ قَوْلٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَثَالِثًا بِالْمُعَارَضَةِ بِرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ وَكَذَلِكَ بِرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ السَّفِيرُ وَهُمَا أَخْبَرُ وَأَعْرَفُ بِهَا أَمَّا رِوَايَةُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ كَمَا عَرَفْتُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ قُلْتُ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طَوِيلٌ وَالرَّاجِحُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَإِنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ ﵁ فِيهِ بيان قانون كلي للأمة وأما حديث بن عَبَّاسٍ ﵄ فَفِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ مُتَطَرِّفَةٌ هَذَا مَا عِنْدِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [٨٤٤] قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَاخْتَلَفُوا فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ ميمونة الخ

стр. 1537

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ذَكَرَ مُسْلِمٌ الِاخْتِلَافَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ وَهُوَ حَلَالٌ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَاعْتَمَدُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ يَصِحُّ نِكَاحُهُ لِحَدِيثِ قِصَّةِ مَيْمُونَةَ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِأَجْوِبَةٍ أَصَحُّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا حَلَالًا هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ولم يروا أنه تزوجها محرما إلا بن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ وَأَبُو رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْقَضِيَّةِ لِتَعَلُّقِهِمْ به بخلاف بن عباس ولأنهم أضبط من بن عباس وأكثر الجواب الثاني تأويل حديث بن عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي الْحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ وَيُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي الْحَرَمِ مُحْرِمٌ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا وَهِيَ لُغَةٌ شَائِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ومنه البيت المشهور قتلوا بن عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا أَيْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ وَالصَّحِيحُ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَالرَّابِعُ جَوَابُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مِمَّا خُصَّ بِهِ دُونَ الْأُمَّةِ وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَرَامٌ فِي حَقِّهِ كَغَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنَ الْخَصَائِصِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَوْلُهُ (ثُمَّ بَنَى بِهَا) أَيْ دَخَلَ بِهَا قَالَ في النهاية الابتناء والبناء الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَنَى عَلَيْهَا قُبَّةً لِيَدْخُلَ بِهَا فِيهَا فَيُقَالُ بَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ (بِسَرِفَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ مَكَّةَ بِعَشْرِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ أَقَلَّ وَقِيلَ أَكْثَرَ (وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ) سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ الْحَافِظُ [٨٤٥] قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ) كُوفِيٌّ نزل الرقة وهو بن أُخْتِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (وَدَفَنَّاهَا فِي الظُّلَّةِ) بِضَمِّ الظَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ كُلُّ مَا أَظَلَّ مِنَ الشَّمْسِ (الَّتِي بَنَى بِهَا) أَيْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَيْمُونَةَ (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الظلة

стр. 1538

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ ٥ - (بَاب مَا جاء في أكل الصيد) [٨٤٦] قَوْلُهُ (عَنِ الْمُطَّلِبِ) هُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيِّ صَدُوقٌ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ وَالْإِرْسَالِ مِنَ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ (صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) بِضَمَّتَيْنِ أَيْ مُحْرِمُونَ (مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) بِأَنْفُسِكُمْ مُبَاشَرَةً (أَوْ يُصَدْ لَكُمْ) أَيْ لِأَجْلِكُمْ قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى حُرْمَةِ لَحْمِ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُهْدَى إِلَيْكُمِ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِكُمْ فَلَا يَحْرُمُ لَحْمُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ دَلَالَتِهِ انْتَهَى قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا وَمِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الجمهور ما رواه أحمد وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَفِيهِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ (وَطَلْحَةَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ) فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَنْ يَصِيدَهُ المحرم أو

стр. 1539

يَصِيدَهُ غَيْرُهُ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَصِيدُهُ المحرم ولا يصاد له بل بصيده الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ وَيُطْعِمُهُ الْمُحْرِمَ وَمُقَيِّدٌ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ قَوْلُهُ (وَالْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ يشبه أن يكون أدركه ذكره المنذري

стр. 1540

يَصِيدَهُ غَيْرُهُ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَصِيدُهُ المحرم ولا يصاد له بل بصيده الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ وَيُطْعِمُهُ الْمُحْرِمَ وَمُقَيِّدٌ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ قَوْلُهُ (وَالْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ يشبه أن يكون أدركه ذكره المنذري

стр. 1541

(بَاب مَا جَاءَ فِي الِاغْتِسَالِ لِدُخُولِ مَكَّةَ) [٨٥٢] قَوْلُهُ (بِفَخٍّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَوَقَعَ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِالْجِيمِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فَخٌّ مَوْضِعٌ عِنْدَ مَكَّةَ وَقِيلَ وَادٍ دُفِنَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَالصَّحِيحُ ما روى نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ إلخ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضمير في أنه يرجع إلى بن عُمَرَ ﵁ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ بن عُمَرَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ انْتَهَى وَرَوَى مسلم عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا وَيَذْكُرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ

стр. 1542

قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مكة) قال الحافظ في الفتح قال بن الْمُنْذِرِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِنْدَهُمْ فِدْيَةٌ وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ يُجْزِئُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَفِي الْمُوَطَّأِ أن بن عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَامٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ غُسْلَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَانَ لِجَسَدِهِ دُونَ رَأْسِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إن عجز عن الغسل تيمم وقال بن التِّينِ لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ لِلطَّوَافِ وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ انْتَهَى قَوْلُهُ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ إلخ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْعُمَرِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَامَةَ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ بَنُو زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ وَرَوَى عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ يَقُولُ بَنُو زَيْدٍ ضَعِيفٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعَّفَهُ عَلِيٌّ جِدًّا وَقَالَ النَّسَائِيُّ ضَعِيفٌ وَقَالَ أَحْمَدُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ وَالْآخَرَانِ ضَعِيفَانِ ٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دخول النبي) إلخ [٨٥٣] قَوْلُهُ (دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا) قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ الْمُرَادُ بِأَعْلَاهَا ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ عَلَمُ الْمَكَانِ أَوِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنْهَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْمُعَلَّاةِ وَتُسَمَّى بِالْحَجُونِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ وَالثَّنِيَّةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَبِأَسْفَلِهَا ثَنِيَّةُ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ والقصر

стр. 1543

وَالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِبَابِ الشَّبِيكَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵁ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ دُخُولُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَالْخُرُوجُ مِنَ السُّفْلَى سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الثَّنِيَّةُ عَلَى طريق مكة كالمدني أولا كَالْيَمَنِيِّ قِيلَ إِنَّمَا فَعَلَ ﷺ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي الطَّرِيقِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا لِلْفَأْلِ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إِلَى أَكْمَلَ مِنْهُ كَمَا فَعَلَ فِي الْعِيدِ وَلِيَشْهَدَ الطَّرِيقَانِ وَلِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُهُمَا انْتَهَى قُلْتُ قَدْ بُيِّنَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ خَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ طَرِيقَيْهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مُفَصَّلًا قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن عُمَرَ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ نَهَارًا [٨٥٤] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْعُمَرِيُّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدَّةِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ قَدَّمَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى مَالِكٍ فِي نَافِعٍ مِنَ الْخَامِسَةِ عَابِدٌ قَوْلُهُ (دَخَلَ مَكَّةَ نهارا) وروى البخاري في صحيحه عن بن عُمَرَ قَالَ بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مكة وكان بن عُمَرَ يَفْعَلُهُ قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الدُّخُولِ نَهَارًا قَالَ وَأَمَّا الدُّخُولُ لَيْلًا فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ ﷺ إِلَّا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَإِنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضَى أَمْرَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ رَجَعَ لَيْلًا فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ دُخُولُ مَكَّةَ لَيْلًا وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ نَهَارًا

стр. 1544

وَيَخْرُجُوا مِنْهَا لَيْلًا وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ إِنْ شِئْتُمْ فَادْخُلُوا لَيْلًا إِنَّكُمْ لَسْتُمْ كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ كَانَ إِمَامًا فَأَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٩ - (بَاب مَا جاء في كراهية رفع اليد عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ) [٨٥٥] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي قَزْعَةَ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ وَفَتْحِهَا وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كُنْيَتُهُ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي (عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ) هُوَ مُهَاجِرُ بْنُ عِكْرِمَةَ بن عبد الرحم ن الخرساني وثقه بن حِبَّانَ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ (أَفَكُنَّا نَفْعَلُهُ) الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّهُ يُسَنُّ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ أَوْ وَصَلَ لِمَحَلٍّ يَرَى مِنْهُ الْبَيْتَ إِنْ لَمْ يَرَهُ لِعَمًى أَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَنْ يَقِفَ وَيَدْعُوَ رَافِعًا يديه انتهى كلام القارىء قلت روى الشافعي في مسنده عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما وَمَهَابَةً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَبِرًّا قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ لَيْسَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ شَيْءٌ فَلَا أَكْرَهُهُ وَلَا أَسْتَحِبُّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى الْحَدِيثِ لِانْقِطَاعِهِ انْتَهَى فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ وَأَمَّا حَدِيثُ بن جُرَيْجٍ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ هُوَ مُعْضَلٌ فيما بين بن جُرَيْجٍ وَالنَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى وَفِي إِسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ وَفِيهِ مَقَالٌ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَقَالَ لَيْسَ فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ إلا بدليل

стр. 1545

وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ فَقَدْ رُوِيَتْ فيه أخبار واثار منها ما أخرجه بن الْمُفْلِسِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ في السنن عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ انْتَهَى قَوْلُهُ (رَفْعُ الْيَدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي قَزْعَةَ) وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ سفيان الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ضَعَّفُوا حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مُهَاجِرَ بْنَ عِكْرِمَةَ الْمَكِّيَّ وَهُوَ مَجْهُولٌ عندهم لكن قد عرفت أن بن حِبَّانَ وَثَّقَهُ وَقَالَ الْحَافِظُ إِنَّهُ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ (وَاسْمُ أَبِي قَزْعَةَ سُوَيْدُ بْنُ حُجْرٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا الْبَاهِلِيُّ أبو قزعة البصري ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ كَيْفَ الطَّوَافُ) [٨٥٦] قَوْلُهُ (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أَيِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَيْ وَضَعَ يَدَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَالِاسْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ بِالْمُحَيَّا لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالسَّلَامِ وَقِيلَ مِنَ السِّلَامِ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ يُقَالَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ إِذَا لَمَسَهُ وَتَنَاوَلَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ نَفْسِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَقِيلَ عَلَى يَمِينِ الْحَجَرِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ (فَرَمَلَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ رَمَلَ يَرْمُلُ رَمَلًا وَرَمَلَانًا إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ مَنْكِبَيْهِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ
следующие страницы →