Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
(بَاب مَا جَاءَ فِي الِاغْتِسَالِ لِدُخُولِ مَكَّةَ)
[٨٥٢] قَوْلُهُ (بِفَخٍّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ
قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَوَقَعَ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِالْجِيمِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فَخٌّ مَوْضِعٌ عِنْدَ مَكَّةَ وَقِيلَ وَادٍ دُفِنَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَالصَّحِيحُ ما روى نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ إلخ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضمير في أنه يرجع إلى بن عُمَرَ ﵁ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ بن عُمَرَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ انْتَهَى
وَرَوَى مسلم عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا
وَيَذْكُرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ
стр. 1542
قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مكة) قال الحافظ في الفتح قال بن الْمُنْذِرِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِنْدَهُمْ فِدْيَةٌ
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ يُجْزِئُ مِنْهُ الْوُضُوءُ
وَفِي الْمُوَطَّأِ أن بن عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَامٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ غُسْلَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَانَ لِجَسَدِهِ دُونَ رَأْسِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إن عجز عن الغسل تيمم
وقال بن التِّينِ لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ لِلطَّوَافِ وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ إلخ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْعُمَرِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَامَةَ
قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ بَنُو زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ
وَرَوَى عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ يَقُولُ بَنُو زَيْدٍ ضَعِيفٌ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعَّفَهُ عَلِيٌّ جِدًّا
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ضَعِيفٌ
وَقَالَ أَحْمَدُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ وَالْآخَرَانِ ضَعِيفَانِ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دخول النبي)
إلخ [٨٥٣] قَوْلُهُ (دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا) قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ الْمُرَادُ بِأَعْلَاهَا ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ عَلَمُ الْمَكَانِ أَوِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنْهَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْمُعَلَّاةِ وَتُسَمَّى بِالْحَجُونِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ وَالثَّنِيَّةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَبِأَسْفَلِهَا ثَنِيَّةُ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ والقصر
стр. 1543
وَالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِبَابِ الشَّبِيكَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵁ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ دُخُولُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَالْخُرُوجُ مِنَ السُّفْلَى سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الثَّنِيَّةُ عَلَى طريق مكة كالمدني أولا كَالْيَمَنِيِّ قِيلَ إِنَّمَا فَعَلَ ﷺ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي الطَّرِيقِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا لِلْفَأْلِ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إِلَى أَكْمَلَ مِنْهُ كَمَا فَعَلَ فِي الْعِيدِ وَلِيَشْهَدَ الطَّرِيقَانِ وَلِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُهُمَا انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ بُيِّنَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ خَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ طَرِيقَيْهِ وُجُوهٌ أُخَرُ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مُفَصَّلًا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن عُمَرَ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ
مَكَّةَ نَهَارًا [٨٥٤] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْعُمَرِيُّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدَّةِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ قَدَّمَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى مَالِكٍ فِي نَافِعٍ مِنَ الْخَامِسَةِ عَابِدٌ
قَوْلُهُ (دَخَلَ مَكَّةَ نهارا) وروى البخاري في صحيحه عن بن عُمَرَ قَالَ بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مكة وكان بن عُمَرَ يَفْعَلُهُ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الدُّخُولِ نَهَارًا قَالَ وَأَمَّا الدُّخُولُ لَيْلًا فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ ﷺ إِلَّا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَإِنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضَى أَمْرَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ رَجَعَ لَيْلًا فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ
كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ دُخُولُ مَكَّةَ لَيْلًا وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ نَهَارًا
стр. 1544
وَيَخْرُجُوا مِنْهَا لَيْلًا وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ إِنْ شِئْتُمْ فَادْخُلُوا لَيْلًا إِنَّكُمْ لَسْتُمْ كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ كَانَ إِمَامًا فَأَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
٩ - (بَاب مَا جاء في كراهية رفع اليد عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ)
[٨٥٥] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي قَزْعَةَ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ وَفَتْحِهَا وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كُنْيَتُهُ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي (عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ) هُوَ مُهَاجِرُ بْنُ عِكْرِمَةَ بن عبد الرحم ن الخرساني وثقه بن حِبَّانَ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (أَفَكُنَّا نَفْعَلُهُ) الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّهُ يُسَنُّ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ أَوْ وَصَلَ لِمَحَلٍّ يَرَى مِنْهُ الْبَيْتَ إِنْ لَمْ يَرَهُ لِعَمًى أَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَنْ يَقِفَ وَيَدْعُوَ رَافِعًا يديه انتهى كلام القارىء
قلت روى الشافعي في مسنده عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما وَمَهَابَةً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَبِرًّا
قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ لَيْسَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ شَيْءٌ فَلَا أَكْرَهُهُ وَلَا أَسْتَحِبُّهُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى الْحَدِيثِ لِانْقِطَاعِهِ انْتَهَى
فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ
وَأَمَّا حَدِيثُ بن جُرَيْجٍ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ هُوَ مُعْضَلٌ فيما بين بن جُرَيْجٍ وَالنَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى وَفِي إِسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ وَفِيهِ مَقَالٌ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَقَالَ لَيْسَ فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ إلا بدليل
стр. 1545
وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ فَقَدْ رُوِيَتْ فيه أخبار واثار منها ما أخرجه بن الْمُفْلِسِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ في السنن عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (رَفْعُ الْيَدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي قَزْعَةَ) وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ سفيان الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ضَعَّفُوا حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مُهَاجِرَ بْنَ عِكْرِمَةَ الْمَكِّيَّ وَهُوَ مَجْهُولٌ عندهم لكن قد عرفت أن بن حِبَّانَ وَثَّقَهُ وَقَالَ الْحَافِظُ إِنَّهُ مَقْبُولٌ
قَوْلُهُ (وَاسْمُ أَبِي قَزْعَةَ سُوَيْدُ بْنُ حُجْرٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا الْبَاهِلِيُّ أبو قزعة البصري ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ كَيْفَ الطَّوَافُ)
[٨٥٦] قَوْلُهُ (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أَيِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَيْ وَضَعَ يَدَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَالِاسْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ بِالْمُحَيَّا لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالسَّلَامِ وَقِيلَ مِنَ السِّلَامِ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ يُقَالَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ إِذَا لَمَسَهُ وَتَنَاوَلَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ نَفْسِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَقِيلَ عَلَى يَمِينِ الْحَجَرِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ (فَرَمَلَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ رَمَلَ يَرْمُلُ رَمَلًا وَرَمَلَانًا إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ مَنْكِبَيْهِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ
стр. 1546
الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ (وَمَشَى) أَيْ عَلَى عَادَتِهِ (ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ) أَيْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (فَقَالَ) أَيْ فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَبِفَتْحِهَا (مُصَلًّى) أَيْ مَوْضِعَ صَلَاةِ الطَّوَافِ (وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْمَعْنَى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ (ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لِلطَّاعَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الْحَجِّ عِنْدَهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا
١ - (بَاب مَا جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر)
أَيْ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
[٨٥٧] قَوْلُهُ (رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا) فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الرَّمَلَ يُشْرَعُ فِي جَمِيعِ الْمَطَافِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ
وَأَمَّا حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ قَدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ
стр. 1547
الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلَاءِ أجلد من كذا وكذا
قال بن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ فَمَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جابر هذا
لأن حديث بن عَبَّاسٍ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا الْمُتَأَخِّرِ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
وَقِيلَ فِي وَجْهِ اسْتِمْرَارِ شَرْعِيَّةِ الرَّمَلِ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ تَذَكَّرَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَذَكَّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى إِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ
قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عمر) أخرجه مسلم
قوله (حديث جابر حسن صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا تَرَكَ الرَّمَلَ عَمْدًا فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عليه) قال النووي مذهب بن عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّمَلَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَخَالَفَهُ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَقَالُوا هُوَ سُنَّةٌ فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ مِنَ السَّبْعِ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً وَفَاتَهُ فَضِيلَةٌ وَيَصِحُّ طَوَافُهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ (وَإِذَا لَمْ يَرْمُلْ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَرْمُلْ فِيمَا بَقِيَ) قَالَ الْحَافِظُ لَا يُشْرَعُ تَدَارُكُ الرَّمَلِ فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعِ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا السَّكِينَةُ فَلَا تُغَيَّرُ وَيَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فَلَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ وَيَخْتَصُّ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ وَلَا دَمَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاخْتَلَفَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ رَمَلَ وَلَا مُشْرِكَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا أَنَّ تَارِكَهُ لَيْسَ تَارِكًا لِعَمَلٍ بَلْ لِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَكَانَ كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فَمَنْ لَبَّى خَافِضًا صَوْتَهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلتَّلْبِيَةِ بَلْ لِصِفَتِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى
стр. 1548
٣٢ - (باب ما جاء في استلام الحجر والركن الْيَمَانِي)
دُونَ مَا سِوَاهُمَا يَعْنِي دُونَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الْأَوَّلُ لَهُ فَضِيلَتَانِ كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَلِلثَّانِي الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْآخَرَيْنِ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ يُقَبِّلُ الْأَوَّلَ وَيَسْتَلِمُ الثَّانِي فَقَطْ وَلَا يُقَبَّلُ الْآخَرَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَقْبِيلَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي أَيْضًا انْتَهَى [٨٥٨] قَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْأَلِفَ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النَّسَبِ فَلَوْ شُدِّدَتْ لَكَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ وَجَوَّزَ سِيبَوَيْهِ التَّشْدِيدَ وَقَالَ إِنَّ الْأَلِفَ زَائِدَةٌ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا) زَادَ أَحْمَدُ من طريق مجاهد فقال بن عَبَّاسٍ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسوة حسنة) فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ روى بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ اسْتِلَامَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ مِنَ التَّابِعِينَ وَقَدْ يُشْعِرُ مَا فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ مِنْ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا فَذَكَرَ مِنْهَا وَرَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ فِي الِاسْتِلَامِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِصَاصُ الرُّكْنَيْنِ مُبَيَّنٌ بِالسُّنَّةِ وَمُسْتَنَدُ التَّعْمِيمِ الْقِيَاسُ
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا بِأَنَّا لَمْ نَدَعِ اسْتِلَامَهُمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ
وَكَيْفَ يَهْجُرُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِهِ وَلَكِنَّا نَتَّبِعُ السُّنَّةَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرًا لهما لكان ترك استلام مابين الْأَرْكَانِ هَجْرًا لَهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ انْتَهَى
قوله (وفي الباب عن عمر) لم أقف عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَرَوَى الشيخان
стр. 1549
عن بن عُمَرَ قَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانيين
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ فَقَطْ مِنْ وَجْهٍ آخر عن بن عَبَّاسٍ
٣ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ)
مُضْطَبِعًا [٨٥٩] قَوْلُهُ (طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا) قَالَ الطِّيبِيُّ الضَّبْعُ وَسَطُ الْعَضُدِ ويطلق على الابط الاضطباع أن يجعل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ الْإِبْطِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِي طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ جِهَتَيْ صَدْرِهِ وَظَهْرِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإِبْدَاءِ الضَّبْعَيْنِ قِيلَ إِنَّمَا فَعَلَهُ إظهارا للتشجيع كالرمل انتهى
قال القارىء الِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ سُنَّتَانِ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ وَالِاضْطِبَاعُ سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ بِخِلَافِ الرَّمَلِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي غَيْرِ الطَّوَافِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الِاضْطِبَاعِ مِنَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ يُكْرَهُ حَالَ الصَّلَاةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِبُرْدٍ أَخْضَرَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَهُوَ مُضْطَبِعٌ بِبُرْدٍ لَهُ حَضْرَمِيٍّ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سِوَى مَالِكٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن ماجه والدارمي أيضا
قوله (وعن بن يعلى) هو صفوان كذا سماه بن عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ
стр. 1550
كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ التَّمِيمِيُّ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ
٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ)
قَوْلُهُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ النَّخَعِيُّ
[٨٦٠] قَوْلُهُ (يُقَبِّلُ الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) زَادَ الْبُخَارِيُّ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ لَمْ أُقَبِّلْكَ) قَالَ الطَّبَرِيُّ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ بَعْضِ الْأَحْجَارِ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّ اسْتِلَامَهُ اتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا لِأَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْأَوْثَانِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا التَّسْلِيمُ لِلشَّارِعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَحُسْنُ الِاتِّبَاعِ فِيمَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ مَعَانِيهَا وَهُوَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَلَوْ لم يعلم الْحِكْمَةُ فِيهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَ الْحَجَرِ ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبلتك أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ كَذَا فِي شرح سراج أحمد السرهندي
وقال القارىء نقلا عن بن الهمام ومن غرائب المتون ما في بن أَبِي شَيْبَةَ فِي آخِرِ مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ رَجُلٌ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ إنه ﵊ وَقَفَ عِنْدَ الْحَجَرِ فَقَالَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَمَرَنِي ربي أن أقبلك ما قبلتك انتهى
(وبن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (يَسْتَحِبُّونَ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ) الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّقْبِيلِ أَنْ لَا يَرْفَعَ بِهِ صَوْتَهُ وَرَوَى
стр. 1551
الْفَاكِهِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِذَا قَبَّلْتَ الرُّكْنَ فَلَا تَرْفَعْ بِهَا صَوْتَكَ كَقُبْلَةِ النِّسَاءِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
٥ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ)
[٨٦٢] قَوْلُهُ (وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ أَمْرٌ مِنْ الِاتِّخَاذِ) وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ خَبَرٌ (مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمِهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ) الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَهُ الْحَافِظُ
قُلْتُ وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ (مُصَلًّى) أَيْ مَكَانَ صَلَاةٍ بِأَنْ تُصَلُّوا خَلْفَهُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَيْ قِبْلَةً قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْ مُدْعًى يُدْعَى عِنْدَهُ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ بَلْ عِنْدَهُ وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ جَازَ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ
وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ انْتَهَى
(ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا) أَيِ ابْتَدَأَ بِالصَّفَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَهُ بِذِكْرِهِ فِي كَلَامِهِ فَالتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لَهُ اعْتِبَارٌ فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ إِمَّا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ
стр. 1552
الْجَمْعِ فِي الْآيَةِ وَقَرَأَ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من شعائر الله) قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ شَعَائِرُ اللَّهِ أَعْلَامُ دِينِهِ وَأَصْلُهَا مِنَ الْإِشْعَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ مَعْلَمًا لِقُرْبَانٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبِيحَةٍ فَهُوَ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمَشَاعِرُ الْحَجِّ مَعَالِمُهُ الظَّاهِرَةُ لِلْحَوَاسِّ وَيُقَالُ شَعَائِرُ الْحَجِّ فَالْمَطَافُ وَالْمَوْقِفُ وَالْمَنْحَرُ كُلُّهَا شَعَائِرُ وَالْمُرَادُ بِالشَّعَائِرِ هُنَا الْمَنَاسِكُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا لِطَاعَتِهِ فَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِنْهَا حَيْثُ يَسْعَى بَيْنَهُمَا انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا فِي قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا لَمْ يُجْزِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ الِابْتِدَاءُ بِالصَّفَا شَرْطٌ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلخ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا فَالْجُمْهُورُ قَالُوا هُوَ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ وَعَنْ أبي حنيفة واجب بجبر بِالدَّمِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ فِي النَّاسِي لَا فِي الْعَامِدِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ وَبِهِ قَالَ أنس فيما نقله بن الْمُنْذِرِ وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ كَهَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِيمَا إِذَا تَرَكَ بَعْضَ السَّعْيِ كَمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
стр. 1553
٣٦ - (باب ما جاء في السعي بين الصفا وَالْمَرْوَةِ)
هُمَا جَبَلَانِ بِمَكَّةَ يَجِبُ الْمَشْيُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الطَّوَافِ فِي الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ مَعَ سُرْعَةِ الْمَشْيِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ الصَّفَا مَبْدَأُ السَّعْيِ وَهُوَ مَقْصُورٌ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ أَنْفٌ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَهُوَ الْآنَ إِحْدَى عَشْرَةَ دَرَجَةً أَمَّا الْمَرْوَةُ فَلَاطِيَةٌ جِدًّا أَيْ مُنْخَفِضَةٌ وهي أنف من جبل قعيقعان هي دَرَجَتَانِ وَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا كَانَ مُحَاذِيًا لِلرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ وَتَمْنَعُهُ الْعِمَارَةُ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَإِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا سَعَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَهُ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى الْمَرْوَةِ انْتَهَى
[٨٦٣] قَوْلُهُ (إِنَّمَا سَعَى بِالْبَيْتِ) أَيْ رَمَلَ (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَيْ سَعَى بَيْنَهُمَا يَعْنِي أَسْرَعَ الْمَشْيَ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَفِي الْمُوَطَّأِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ (لِيُرِيَ) مِنَ الْإِرَاءَةِ (الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ) وَجَلَادَتَهُ
وَلِلطَّبَرَانِيِّ عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ شَاءَ فَلْيَرْمُلْ وَمَنْ شَاءَ فَلَا يَرْمُلُ إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّمَلِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ
قوله (وفي الباب عن عائشة وبن عُمَرَ وَجَابِرٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فَفِي تَخْرِيجِ الزَّيْلَعِيِّ أَخْرَجَا عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بينهما
وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جابر فأخرج مسلم
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مطولا
стр. 1554
(وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْعَ وَمَشَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَأَوْهُ جَائِزًا) الْمُرَادُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ السَّعْيُ فِي بَطْنِ الْوَادِي الَّذِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ تَحْتَ قَوْلِهِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي مَا لَفْظُهُ وَفِي الْمُوَطَّأِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ السَّعْيِ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى يَصْعَدَ ثُمَّ يَمْشِيَ بَاقِيَ الْمَسَافَةِ إِلَى الْمَرْوَةِ عَلَى عَادَةِ مَشْيِهِ وَهَذَا السَّعْيُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ السَّبْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْمَشْيُ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا قَبْلَ الْوَادِي وَبَعْدَهُ وَلَوْ مَشَى فِي الْجَمِيعِ أَوْ سَعَى فِي الْجَمِيعِ أَجْزَأَهُ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ الشَّدِيدَ فِي مَوْضِعِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَلَهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى موافقة الشافعي انتهى
قلت وحديث بن عُمَرَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وموافقوه
[٨٦٤] قوله (أخبرنا بن فُضَيْلٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ عَارِفٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالنُّونِ السُّلَمِيُّ أَوِ الْأَسْلَمِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (يَمْشِي فِي الْمَسْعَى) أَيْ مَكَانَ السَّعْيِ وَهُوَ بَطْنُ الْوَادِي (وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) هَذَا اعْتِذَارٌ لِتَرْكِ الْسعي قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيَّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَقَدْ أَخَرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا
وَقَالَ أَيُّوبُ هُوَ ثِقَةٌ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
стр. 1555
٣٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الطَّوَافِ رَاكِبًا)
[٨٦٥] قَوْلُهُ (عَلَى رَاحِلَتِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ (فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الرُّكْنِ) أَيِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (أَشَارَ إِلَيْهِ) أَيْ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الطُّفَيْلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ) قَالَ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ لِأَنَّ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (وَأَبِي الطُّفَيْلِ) قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أَنَّهَا قَدِمَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ
أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ طَوَافَهُ ﷺ رَاكِبًا كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) يَعْنِي قَالَ بِكَرَاهَةِ الطَّوَافِ رَاكِبًا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ بِكَرَاهَةٍ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ الْمَشْيُ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي كَانَ طَوَافُهُ ﷺ رَاكِبًا لِلْعُذْرِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الطَّوَافِ رَاكِبًا بِغَيْرِ عُذْرٍ
وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ إِلَّا أَنَّ المشي أولى والركوب مكروه تنزيها والذي يترجع المنع لأن
стр. 1556
طَوَافَهُ ﷺ وَكَذَا أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُحَوَّطَ الْمَسْجِدُ فَإِذَا حوط المسجد امتنع داخله إذ لا يومن التَّلْوِيثُ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ التَّحْوِيطِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَحْرُمُ لِلتَّلْوِيثِ كَمَا فِي السَّعْيِ انْتَهَى
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطَّوَافِ)
[٨٦٦] قَوْلُهُ (عَنْ شَرِيكٌ) هُوَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الكوفي القاضي صدوق يخطىء كَثِيرًا تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَكَانَ عَادِلًا فَاضِلًا عَابِدًا شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الثَّامِنَةِ
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ السَّبِيعِيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّالِثَةِ اخْتَلَطَ بِآخِرَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً) حَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرَّةِ الشَّوْطُ وَرَدَّهُ وَقَالَ الْمُرَادُ خَمْسُونَ أُسْبُوعًا وَقَدْ وَرَدَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ قَالَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُوجَدَ فِي صَحِيفَةِ حَسَنَاتِهِ وَلَوْ فِي عُمْرِهِ كُلِّهِ
كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (خَرَجَ مِنْ ذنوبه كيوم ولدته أمه) قال بن الْعَرَبِيِّ الْمُرَادُ بِهِ الصَّغَائِرُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن أنس) لم أقف عليه (وبن عُمَرَ) بِلَفْظِ مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ لَا يَضَعُ قَدَمًا ولا يرفع أخرى إلاحط اللَّهُ بِهَا عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ كَذَا فِي شرح سراج أحمد
قلت ورواه بن مَاجَهْ أَيْضًا وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ ذَكَرهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِالْعَنْعَنَةِ وَمَعَ هَذَا فَقَدِ اخْتَلَطَ بِآخِرَةٍ وَأَيْضًا فِي إِسْنَادِهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي وَقَدْ عرفت حاله
стр. 1557
[٨٦٧] قَوْلُهُ (كَانُوا يَعُدُّونَ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَبِيهِ) وَقَالَ النَّسَائِيُّ عَقِبَ حَدِيثِهِ فِي السُّنَنِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (وَلَهُ أَخٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ لَا بَأْسَ بِهِ
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ)
لِمَنْ يَطُوفُ كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابِ
وَأَمَّا تَوْجِيهُ أَبِي الطَّيِّبِ نُسْخَةَ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ بِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَقَوْلَهُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِهَا فَصَارَ الْمَعْنَى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَغَيْرِهَا فَفِيهِ تَكَلُّفٌ
[٨٦٨] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ وَيُقَالُ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْأَلِفِ وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْهَاءِ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ) خَصَّهُمْ بِالْخِطَابِ دُونَ سَائِرِ قُرَيْشٍ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ وِلَايَةَ الأمر والخلافة ستؤل إِلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ رُؤَسَاءُ مَكَّةَ وَفِيهِمْ كَانَتِ السَّدَانَةُ وَالْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالسِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ (لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ) يَعْنِي بَيْتَ اللَّهِ (وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ ليل ونهار) قال القارىء أَيْ صَلَاةَ الطَّوَافِ أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ إِذْ سَبَقَ النَّهْيُ أَوِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ انْتَهَى
قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ صَلَاةَ الطَّوَافِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ
قَالَ الْمُظْهِرُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ بِمَكَّةَ لِشَرَفِهَا لِيَنَالَ النَّاسُ مِنْ فَضْلِهَا فِي جَمِيعِ
стр. 1558
الْأَوْقَاتِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْكَرَاهَةِ لِعُمُومِ العلة وشمولها
قال بن الْمَلَكِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ فِي الْأَوْقَاتِ الْغَيْرِ الْمَكْرُوهَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ النُّصُوصِ انْتَهَى
قُلْتُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ النُّصُوصِ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي هَذَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ بِمَكَّةَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ فِيهَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَقَوْلُهُ إِلَّا بِمَكَّةَ فَاسْتَثْنَاهُ مِنْ بَيْنِ الْبِقَاعِ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَخْصِيصِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مِنْ بَيْنِ الصَّلَاةِ قَالُوا إِذَا كَانَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ غَيْرَ مَحْظُورٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ أَنْ تُصَلَّى الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ فَقَدْ عُقِلَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مارواه أَحْمَدُ وَرَزِينٌ عَنْهُ بِلَفْظِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَهُوَ يُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْبَابِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عباس وأبي ذر) أما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِنْ وُلِّيتُمْ هَذَا الْأَمْرَ فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَرَزِينٌ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عنه وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ
قَوْلُهُ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ ﵀ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَفْظُهُ وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ يَعْنِي إِلَى الجواز
стр. 1559
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى
وَقَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مَا لَفْظُهُ وَلَعَلَّ الْمُنْصِفَ الْمُحِيطَ بِأَبْحَاثِ الطَّرَفَيْنِ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَعْنِي جَوَازَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ قَبْلَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ هُوَ الْأَرْجَحُ الْأَصَحُّ قَالَ وَعَلَيْهِ كَانَ عَمَلِي بِمَكَّةَ قَالَ وَلَمَّا طُفْتُ طَوَافَ الْوَدَاعِ حَضَرْتُ الْمَقَامَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ لِصَلَاةِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فَمَنَعَنِي الْمُطَوِّفُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقُلْتُ لَهُمُ الْأَرْجَحُ الْجَوَازُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ كَافٍ لَنَا فَقَالُوا لَمْ نَكُنْ مُطَّلِعِينَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدِ اسْتَفَدْنَا مِنْكَ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُهُ (وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ كحديث الباب وحديث بن عَبَّاسٍ وَأَبِي ذَرٍّ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إلخ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّ وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي طُوًى) بِضَمِّ الطَّاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مكة والمدينة (فصلى بعد ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ
وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِهَذَا نَأْخُذُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَبْيَضُّ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا انْتَهَى
٠ - (بَاب مَا جَاءَ مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ)
[٨٦٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ صَدُوقٌ عَابَهُ أَبُو خَيْثَمَةَ لِلْفَتْوَى بِالرَّأْيِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (قِرَاءَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى الْحَالِيَّةِ يَعْنِي حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ حَالَ كَوْنِهِ قَارِئًا عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَسْمَعُ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الْأَعْرَجِ يُعْرَفُ بِابْنِ ثَابِتٍ مَتْرُوكٌ احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَحَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ فَاشْتَدَّ خَلْطُهُ وَكَانَ عَارِفًا بِالْأَنْسَابِ مِنَ الثَّامِنَةِ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالصَّادِقِ صَدُوقٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ
стр. 1560
قَوْلُهُ (بِسُورَتَيِ الْإِخْلَاصِ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ هَذَا مِنْ باب التغليب حيث أطلق على سورة الكافرين سُورَةُ الْإِخْلَاصِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ سورة الكافرين عَلَى انْفِرَادِهَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّبَرِّي مِمَّنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ
[٨٧٠] قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ضَعِيفٌ) فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عِمْرَانَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
بَلْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون
قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ هُوَ شَكًّا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَةَ الْعِلْمِ تُنَافِي الشَّكَّ بَلْ جَزْمٌ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ فَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيم مصلى فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد الحديث
стр. 1561
٤١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا)
[٨٧١] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَيُقَالُ زَيْدُ بْنُ يُثَيْعٍ قَالَ الْحَافِظُ زَيْدُ بْنُ يُثَيْعٍ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُبَدَّلُ هَمْزَةً بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ زَيْدُ بْنُ يُثَيْغٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ مُصَغَّرًا وَقِيلَ أُثَيْغٌ بِهَمْزَةٍ وَقِيلَ أُثَيْلٌ قَالَهُ شُعْبَةُ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ مُخَضْرَمٌ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ فَقَطْ وَثَّقَهُ بن حِبَّانَ انْتَهَى
قَالَ فِي هَامِشِ الْخُلَاصَةِ قَوْلُهُ بِمُعْجَمَتَيْنِ يَعْنِي الْغَيْنَ وَالثَّاءَ وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ فِي ضَبْطِهَا بِالْمُثَلَّثَةِ
وَفِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَصْلِ الْيَاءِ مِنَ الْقَامُوسِ يُثَيْعٌ كَزُبَيْرٍ وَيُقَالُ أُثَيْعٌ وَالِدُ زَيْدٍ التَّابِعِيِّ انْتَهَى
فَفِي ضَبْطِهِ الْعَيْنُ بِالْإِعْجَامِ مَا لَا يَخْفَى انْتَهَى مَا فِي الْهَامِشِ
قَوْلُهُ (بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِأَيِّ شَيْءٍ أُرْسِلْتَ إِلَى مَكَّةَ في الحجة أَمَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَلَا يَطُوفُ بالبيت عريانا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَمَنْ طَافَ عُرْيَانًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فَإِنْ خَرَجَ لزمه دم وذكر بن إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا ابْتَدَعَتْ قَبْلَ الْفِيلِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ إِلَّا فِي ثِيَابِ أَحَدِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَافَ عُرْيَانًا فَإِنْ خَالَفَ وَطَافَ بِثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا فَرَغَ ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَفِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ قَالَ الْعَيْنِيُّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالنِّدَاءِ بِذَلِكَ حِينَ نَزَلَتْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بعد عامهم هذا وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ فَلَا يُمَكَّنُ مُشْرِكٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ لَا يُمَكَّنُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ الْإِقَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ
стр. 1562
جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ انْتَهَى (وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ وَمَنْ لَا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فَسِيحُوا فِي الأرض أربعة أشهر يختص بمن لم يمكن لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عهدا أَصْلًا وَأَمَّا مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ إلى مدته
فروى الطبري من طريق بن إِسْحَاقَ قَالَ هُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأُمْهِلَ إِلَى تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَصِنْفٌ كَانَتْ لَهُ مُدَّةٌ عَهْدِهِ بِغَيْرِ أَجَلٍ فَقُصِرَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ كَلَامًا نَافِعًا مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِيهِ أَلَا لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
[٨٧٢] قَوْلُهُ (وَقَالَا زَيْدُ بْنُ يُثَيْعٍ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا (فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أُثَيْلٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِاللَّامِ
٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ)
[٨٧٣] قوله (حدثنا بن أَبِي عُمَرَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ صَدُوقٌ
стр. 1563
صنف المسند وكان لازم بن عُيَيْنَةَ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِيهِ غَفْلَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ رَوَى عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ م ت ق وثقه بن حِبَّانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ موضوع عن بن عُيَيْنَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ مَاتَ سَنَةَ ٣٤٢ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ (وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ) كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ لَوْ رَآكَ لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ أَيْ لَسُرَّ بِذَلِكَ وَفَرِحَ وَحَقِيقَتُهُ أَبْرَدَ اللَّهُ دَمْعَةَ عَيْنَيْهِ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بَارِدَةٌ وَقِيلَ مَعْنَى أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بَلَغَكَ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى نَفْسُكَ وَتَسْكُنَ عَيْنُكَ فَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ انْتَهَى (فَقُلْتُ لَهُ) أَيِ اسْتَفْسَرْتُ وَجْهَ الْحُزْنِ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ إلخ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي غَيْرِ عَامِ الْفَتْحِ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِيهِ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَهُ فِي غَيْرِهِ وَقَدْ جَزَمَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلِ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ فِي حَجَّتِهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ
وَقَدْ أَجَابَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَ الْكَعْبَةِ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ دُخُولَهَا مُسْتَحَبٌّ وَيَدُلُّ عَلَى ذلك ما أخرج بن خزيمة والبيهقي من حديث بن عَبَّاسٍ مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي جَنَّةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَيَدُلُّ على استحبابه حديث بن عُمَرَ فِي الْبَابِ الْآتِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن ماجه أيضا
стр. 1564
٤٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ)
[٨٧٤] قوله (قال بن عَبَّاسٍ لَمْ يُصَلِّ وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ) وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم عن بن عَبَّاسٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ الْحَدِيثَ قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهُ وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ ذات الركوع والسجود ولهذا قال بن عُمَرَ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ أَغْلَقُوا الْبَابَ وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو ثُمَّ اشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَبِلَالٌ قَرِيبٌ مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ مَعَ خِفَّةِ الصَّلَاةِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَجَازَ لَهُ نَفْيُهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ وَأَمَّا بِلَالٌ فَحَقَّقَهَا فَأَخْبَرَ بِهَا انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُسَامَةَ بن زيد) أخرجه أحمد في مسنده وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عن بن عُمَرَ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ وَمَكَثْتُ مَعَهُ عُمْرًا لَمْ أَسْأَلْهُ كَمْ صَلَّى
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا صَحِيحٌ انْتَهَى
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمَامَةَ خِلَافَ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ (والفضل بن عباس) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَهَا وَقَعَ سَاجِدًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ (وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ (وَشَيْبَةَ بن عثمان) أخرجه بن عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزَّجَّاجِ قَالَ أَتَيْتُ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ فَقُلْتُ يَا أَبَا عُثْمَانَ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَلَمْ يُصَلِّ فَقَالَ كَذَبُوا وَأَبِي لَقَدْ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ثُمَّ أَلْصَقَ بِهِمَا بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ
كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ
стр. 1565
قَوْلُهُ (وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْكَعْبَةِ) كَذَا أَطْلَقَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ النَّافِلَةِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (وَكَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ فِي الْكَعْبَةِ) وَرُوِيَ عَنْهُ الْمَنْعُ وَكَذَا عَنْ أحمد لقوله تعالى فولوا وجوهكم شطره أَيْ قُبَالَتَهُ وَمَنْ فِيهِ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِهِ وَأَمَّا جَوَازُ النَّافِلَةِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُسَامَحُ فِي النَّافِلَةِ مَا لَا يُسَامَحُ فِي الْفَرِيضَةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ وَالتَّطَوُّعَ فِي الْكَعْبَةِ) وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَفِيهِ أَيْ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْلِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْفَرْضُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِقْبَالِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ بِلَالٍ وَإِذَا صَحَّتِ النَّافِلَةُ صَحَّتِ الْفَرِيضَةُ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَوْضِعِ سَوَاءٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ النُّزُولِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ السَّيْرِ فِي السفر انتهى
قال الحافظ وعن بن عَبَّاسٍ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ دَاخِلَهَا مُطْلَقًا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْبَارُ بَعْضِهَا وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى اسْتِقْبَالِ جَمِيعِهَا وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالطَّبَرِيُّ انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَسْرِ الكعبة)
أي هدمها
[٨٧٥] قوله (إن بن الزُّبَيْرِ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ (قَالَ لَهُ) أَيْ لِلْأَسْوَدِ (بِمَا كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْكَ) أَيْ تُسِرُّ إِلَيْكَ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْكَعْبَةِ (لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ) بِالْإِضَافَةِ وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ لَا يَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ في مثل هذا والصواب حديث وعهد كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ لَفْظَ الْقَوْمِ مُفْرَدٌ لَفْظًا وَجَمْعٌ مَعْنًى فَرُوعِيَ إِفْرَادُ اللَّفْظِ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ كَمَا رُوعِيَ اللَّفْظُ فِي إِرْجَاعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كِلْتَا الجنتين آتت حيث أفرد اتت للبخاري قال لي بن الزبير كانت عائشة
стр. 1566
انْتَهَى
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْحَدِيثُ ضِدُّ الْقَدِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْبُ عَهْدِهِمْ بِالْكُفْرِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ وَالدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنِ الدِّينُ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَوْ هَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَغَيَّرْتُهَا رُبَّمَا نَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى (وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ) أَيْ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا (فَلَمَّا ملك بن الزُّبَيْرِ هَدَمَهَا وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ) أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قِصَّةَ هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا مُطَوَّلًا
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ بُنِيَ الْبَيْتُ خَمْسَ مَرَّاتٍ بَنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ ﵊ ثُمَّ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَحَضَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْبِنَاءَ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَقِيلَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ وَفِيهِ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ رَفَعَ إِزَارَهُ ثُمَّ بَنَاهُ الزُّبَيْرُ ثُمَّ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَاسْتَمَرَّ إِلَى الْآنَ عَلَى بِنَاءِ الْحَجَّاجِ
وَقِيلَ بُنِيَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَا يُغَيَّرُ عَنْ هَذَا الْبِنَاءِ
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ سَأَلَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ هَدْمِهَا وَرَدِّهَا إلى بناء بن الزُّبَيْرِ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ فَقَالَ مَالِكٌ نَشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ لُعْبَةً لِلْمُلُوكِ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ إِلَّا نَقَضَهُ وَبَنَاهُ فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ لِأَمْنِ الْوُقُوعِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَمِنْهُ تَرْكُ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي أَنْكَرَ مِنْهُ وَأَنَّ الْإِمَامَ يَسُوسُ رَعِيَّتَهُ بِمَا فِيهِ إِصْلَاحُهُمْ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا مَا لم يكن محرما انتهى
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْحِجْرِ)
بكسر المهملة وسكون الجيم وهو معروف على صفة نصف الدائرة كَذَا فِي فَتْحِ
стр. 1567
الْبَارِي
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ الْعَقْلُ وَمَا حَوَاهُ الْحَطِيمُ الْمُدَارُ بِالْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جَانِبِ الشَّمَالِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ اسْمُ الْحَائِطِ الْمُسْتَدِيرِ إِلَى جَانِبِ الْكَعْبَةِ الْغَرْبِيِّ انْتَهَى قُلْتُ فِي قَوْلِهِ الغربي نظر كما لا يخفى
[٨٧٦] قَوْلُهُ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) كَذَا فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِزِيَادَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّهِ
قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحِجْرَ كُلَّهُ مِنَ الْبَيْتِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْجِدَارِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قال نعم وبذلك كان يفتي بن عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِيهِ عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت بن عَبَّاسٍ يَقُولُ لَوْ وُلِّيتُ مِنَ الْبَيْتِ مَا ولى بن الزُّبَيْرِ لَأَدْخَلْتُ الْحِجْرَ كُلَّهُ فِي الْبَيْتِ فَلَمْ يطاف بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيْتِ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ رِوَايَاتٍ أُخْرَى تَدُلُّ بِإِطْلَاقِهَا عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ كُلَّهُ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُطْلَقَةٌ وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ أَصَحُّ مِنْهَا مُقَيَّدَةٌ مِنْهَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قَزَعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْهَا فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ أَنْ يَبْنُوهُ بَعْدِي فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ وَزِدْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ
ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَاتٍ مُقَيَّدَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُطَلَّقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ
وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ وَأَجَادَ
قَوْلُهُ (وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوهُ) أَيْ قَصَّرُوهُ عَنْ تَمَامِ بِنَائِهِ لِقِلَّةِ النَّفَقَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا (وَعَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ هُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ بِلَالٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعَلْقَمَةُ هَذَا هُوَ مَوْلَى عَائِشَةَ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ احْتَجَّ بِهِ
стр. 1568
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأُمِّهِ حَكَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ اسْمَهَا مَرْجَانَةٌ انْتَهَى
٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ)
[٨٧٧] قَوْلُهُ (وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ صَارَتْ ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَمْسَحُونَ الْحَجَرَ سَبَبًا لِسَوَادِهِ وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِذْ لَا مَانِعَ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا
وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعْظِيمِ شَأْنِ الْحَجَرِ وَتَفْظِيعُ أَمْرِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَجَرَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ شَارَكَ جَوَاهِرَ الْجَنَّةِ فَكَأَنَّهُ نَزَلَ مِنْهَا وَأَنَّ خَطَايَا بَنِي آدَمَ تَكَادُ تُؤَثِّرُ فِي الْجَمَادِ فَتَجْعَلُ الْمُبْيَضَّ مِنْهُ أَسْوَدَ فَكَيْفَ بِقُلُوبِهِمْ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَفِّرٌ لِلْخَطَايَا مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ كَأَنَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمِنْ كَثْرَةِ تَحَمُّلِهِ أَوْزَارَ بَنِي آدَمَ صَارَ كَأَنَّهُ ذُو بَيَاضٍ شَدِيدٍ فَسَوَّدَتْهُ الْخَطَايَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ نُقَطٌ بِيضٌ ثم لا زال السواد يتراكم عَلَيْهَا حَتَّى عَمَّهَا
وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهَكَذَا حَتَّى يسود قلبه جيعه وَيَصِيرَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يكسبون وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّفَاءِ وَيَتَغَيَّرُ بِمُلَاقَاةِ مَا لَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ وَفِي الْجُمْلَةِ الصُّحْبَةُ لَهَا تَأْثِيرٌ بِإِجْمَاعِ العقلاء انتهى كلام القارىء
قال الحافظ بن الحجر وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أهل التوحيد وأجيب بما قال بن قُتَيْبَةَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ
فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ قَالَ وَرُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ فَإِنْ ثَبَتَ فَهَذَا هو الجواب
قال الحافظ بن حَجَرٍ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضعيف انتهى
стр. 1569
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَخْرَجَهُ أحمد وصححه بن حِبَّانَ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَاوَضَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَكَأَنَّمَا يُفَاوِضُ يَدَ الرَّحْمَنِ
وَفِي فَضَائِلِ مَكَّةَ للجندي من حديث بن جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عن بن عَبَّاسٍ إِنَّ هَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ هُوَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ
وَمِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ زِيَادَةٌ فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَالْمَعْنَى كَوْنُهُ يَمِينَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كُلُّ مَلِكٍ إِذَا قُدِمَ عَلَيْهِ قُبِّلَتْ يَمِينُهُ وَلَمَّا كَانَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمَانِ يُسَنُّ لَهُمَا تَقْبِيلُهُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ يَمِينِ الْمَلِكِ يَدُهُ وَلِلَّهِ الْمِثْلُ الْأَعْلَى وَلِذَلِكَ مَنْ صَافَحَهُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ يُعْطِي الْعَهْدَ بِالْمُصَافَحَةِ كَذَا فِي عمدة القارىء
واعلم أن لابن عباس حديث آخَرَ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ رواه في أواخر كتاب الحج مرفوع بِلَفْظِ وَاَللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عينان الخ
قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَهُوَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ وَجَرِيرٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ بن خُزَيْمَةَ فَيَقْوَى بِهَا وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءٍ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَحَمَّادٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ
وَفِي صَحِيحِ بن خزيمة أيضا عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ لِهَذَا الْحَجَرِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقٍّ وَصَحَّحَهُ أيضا بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
[٨٧٨] قَوْلُهُ (إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (يَاقُوتُتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ) الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ (طمس الله نورهما) أي أذهبه قال القارىء أَيْ بِمِسَاسِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمَا وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي طَمْسِهِمَا لِيَكُونَ الْإِيمَانُ غَيْبِيًّا لَا عَيْنِيًّا (وَلَوْ لم يطمس
стр. 1570
عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أَيْ لَأَنَارَتَاهُ
قَوْلُهُ (وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ (وَهُوَ حَدِيثٌ غريب) وأخرجه أيضا بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ صَبِيحٍ وَالْحَاكِمُ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مرفوعا أخرجه أحمد والترمذي وصححه بن حبان في إسناده رجى أَبُو يَحْيَى وَهُوَ ضَعِيفٌ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو موقوفا
وقال بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقْفُهُ أَشْبَهُ وَاَلَّذِي رَفَعَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ انْتَهَى
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى وَالْمُقَامِ بِهَا)
بِضَمِّ الْمِيمِ مِنَ الْإِقَامَةِ وَمِنًى مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ حَدُّهَا مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ بَطْنُ الْمَسِيلِ إِذَا هَبَطْتَ مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ سُمِّيَ بِهِ لِمَا يُمْنَى فِيهِ مِنَ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ وَهِيَ لَا تَنْصَرِفُ وَتُكْتَبُ بِالْيَاءِ إِنْ قُصِدَ بِهَا الْبُقْعَةُ ويصرف ويكتب بِالْأَلْفِ بِتَأْوِيلِ مَوْضِعٍ انْتَهَى
[٨٧٩] قَوْلُهُ (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى) أَيْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (ثُمَّ غَدَا) مِنَ الْغَدْوِ وَهُوَ الْمَشْيُ أَوَّلَ النَّهَارِ أَيْ سَارَ غَدْوَةً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ (إِلَى عَرَفَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْوُقُوفِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ آدَمَ عَرَفَ حَوَّاءَ هُنَاكَ وَقِيلَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ إِبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ هُنَاكَ
стр. 1571
قَوْلُهُ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ) إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ البصري المجاور المكي الفقيه ضعفه بن الْمُبَارَكِ
وَقَالَ أَحْمَدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ كَذَا فِي الخلاصة وحديث بن عباس هذا أخرجه بن مَاجَهْ أَيْضًا [٨٨٠] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِلَفْظِ قَالَ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِمِنًى ثُمَّ يَغْدُو إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ (وَأَنَسٍ ﵁ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ بِمِنًى الْحَدِيثَ
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ الْحَدِيثَ
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عن بن عمر أخرجه بن مَاجَهْ مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ مَوْقُوفًا
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا عَدَّ شُعْبَةُ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ صَحِيحَةٌ كَمَا عَرَفْتُ
стр. 1572
٤٨ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ)
[٨٨١] قَوْلُهُ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ) بِفَتْحِ هَاءٍ وَبِكَافٍ تُرِكَ صَرْفُهُ وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ مَصْرُوفٌ كَذَا فِي الْمُغْنِي ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ الْمَكِّيَّةِ لَا يُعْرَفُ حَالُهَا مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ذَكَرهَا الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي الْمَجْهُولَاتِ
قَوْلُهُ (أَلَا نَبْنِي لَكَ بِنَاءً) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ بَيْتًا (قَالَ لَا) أَيْ لَا تَبْنُوا لِي بِنَاءً بِمِنًى لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَحَدٍ إِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ الْعِبَادَةِ مِنَ الرَّمْيِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ وَنَحْوِهَا فَلَوْ أُجِيزَ الْبِنَاءُ فِيهِ لَكَثُرَتِ الْأَبْنِيَةُ وَتَضَيَّقَ الْمَكَانُ وَهَذَا مِثْلُ الشَّوَارِعِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْضُ الْحَرَمِ مَوْقُوفَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهَا أَحَدٌ (مِنًى) مُبْتَدَأٌ (مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ وَالْمُنَاخُ بِضَمِّ الْمِيمِ مَوْضِعُ إِنَاخَةِ الْإِبِلِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا
وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مُسَيْكَةَ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ كَمَا عَرَفْتَ
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنًى)
[٨٨٢] قَوْلُهُ (آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ بِمَدِّ هَمْزَةِ أَفْعَلَ مِنَ الْأَمْنِ ضِدُّ الْخَوْفِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ صَلَّى بِنَا وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَإِسْنَادُ الْأَمْنِ إِلَى الْأَوْقَاتِ مَجَازٌ انْتَهَى
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَأَمْثَالِهِ وَاضِحٌ أَيْ حِينَ كَانَ النَّاسُ أَكْثَرَ أَمْنًا وَعَدَدًا لَكِنْ تَطْبِيقُهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ خَفِيَ وَالْأَقْرَبُ
стр. 1573
أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَكَانَ تَامَّةٌ وَآمَنَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ وَمَوْصُوفُهُ مُقَدَّرٌ مِنْ جِنْسِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اسْمِ التَّفْضِيلِ وَأَكْثَرَهُ عَطْفٌ عَلَى آمَنَ وَضَمِيرُهُ لِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ آمَنَ وَالتَّقْدِيرُ زَمَانَ كَوْنِ هو آمن أَكْوَانِ النَّاسِ وَزَمَانَ كَوْنِ هُوَ أَكْثَرَ أَكْوَانِ النَّاسِ عَدَدًا وَنِسْبَةُ الْأَمْنِ وَالْكَثْرَةِ إِلَى الْكَوْنِ مَجَازِيَّةٌ فَإِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِلنَّاسِ حَقِيقَةً فَرَجَعَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْحَقِيقَةِ إِلَى زَمَانِ وَحِينِ كَانَ النَّاسُ فِيهِ آمَنَ وَأَكْثَرَ
وَعَلَى هَذَا فَنَصْبُ آمَنَ وَأَكْثَرَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إليه مقامه انتهى
قوله (عن بن مَسْعُودٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ لفظه فيما بعد (وبن عُمَرَ) قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا فكان بن عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَأَنَسٍ) قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قِيلَ لَهُ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا
أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الشيخان
قوله (وروي عن بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ إلخ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (إِلَّا مَنْ كَانَ بِمِنًى مُسَافِرًا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ بِمِنًى لَكِنْ مَنْ كَانَ بِمِنًى مُسَافِرًا فَهُوَ يَقْصُرهَا وَيَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ أَيْ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ نَازِلًا بِمِنًى مُسَافِرًا بِأَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ أَوْ رَجَعَ مِنَ السَّفَرِ وَنَزَلَ بِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ (وَهُوَ قول بن جُرَيْجٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى لَا يُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالْقَصْرُ بِمِنًى لَيْسَ لِأَجْلِ النُّسُكِ بَلْ لِلسَّفَرِ
стр. 1574
(وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وعبد الرحمن بن مهدي) وحجتهم أَنَّ الْقَصْرَ بِمِنًى لِلنُّسُكِ وَلَيْسَ لِأَجْلِ السَّفَرِ
قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْقَصْرُ بِمِنًى لَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَتِمُّوا وَلَيْسَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَصَرُوا لِلنُّسُكِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ بِمِنًى اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَدَّمَ بمكة قال الحافظ بن حَجَرٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ فَالْقِصَّةُ كَانَتْ فِي الْفَتْحِ وَقِصَّةُ مِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِمِنًى لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُسَافِرًا بِمِنًى فَصَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ وَلَعَلَّهُ لَوْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاتِهِ لَأَمَرَهُ بِالْإِتْمَامِ وَقَدْ يَتْرُكُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَانَ بَعْضِ الْمَأْمُورِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ السَّابِقِ خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الْعَامِّ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِهِمْ فَيَقْصُرُ فَإِذَا سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ أَتِمُّوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ انْتَهَى
٠ - (بَاب مَا جاء في الوقوف بعرفات والدعاء فيها)
[٨٨٣] قوله (أتانا بن مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ صَحَابِيٌّ ﵁ وَسَيَجِيءُ مَا فِي اسْمِهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ (مَكَانًا) أَيْ فِي مَكَانٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو) أَيْ يُبَاعِدُ ذَلِكَ الْمَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ يَعْنِي يَجْعَلُهُ بَعِيدًا بِوَصْفِهِ إِيَّاهُ بِالْبُعْدِ وَالْمُبَاعَدَةِ بِمَعْنَى التَّبْعِيدِ وَهَذَا قَوْلُ الرَّاوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ) جَمْعُ مَشْعَرٍ يُرِيدُ بِهَا مَوَاضِعَ النُّسُكِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَعَالِمُ الْعِبَادَاتِ
стр. 1575
(عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ) عِلَّةٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّثَبُّتِ عَلَى الْوُقُوفِ فِي مَوَاقِفِهِمْ الْقَدِيمَةِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَوْقِفَهُمْ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ وَرِثُوهُ مِنْهُ وَلَمْ يُخْطِئُوا فِي الْوُقُوفِ فِيهِ عَنْ سُنَّتِهِ فَإِنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ وَالْوَاقِفُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا آتٍ بِسُنَّتِهِ مُتَّبِعٌ لِطَرِيقَتِهِ وَإِنْ بَعُدَ مَوْقِفُهُ عَنْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ) أَخْرَجَهُ البيهقي وضعفه والترمذي كما سيذكر وبن خزيمة والمحاملي في الدعاء وبن أبي الدنيا في الأضاحي وبن النَّجَّارِ كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ (وَعَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا (وَالشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ) لِيَنْظُرْ مَنْ أخرج حديثه
قوله (حديث بن مربع حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي وبن ماجه
قوله (وبن مِرْبَعٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مِرْبَعٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ زَيْدُ بْنُ مِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ صَحَابِيٌّ أَكْثَرُ مَا يَجِيءُ مُبْهَمًا وَقِيلَ اسْمُهُ يَزِيدُ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ انْتَهَى
[٨٨٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ) بِمَفْتُوحَةٍ سُكُونٍ وَنُونٍ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ أُخْرَى نِسْبَةٌ إلى صنعاء اليمن وإلى صنعاء دمشق كذا في المغنى (الطفاوي) بضم مُهْمَلَةٍ وَخِفَّةُ فَاءٍ وَوَاوٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي
قَوْلُهُ (وَهمُ الْحُمْسُ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ فَمُهْمَلَةٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحُمْسُ الْأَمْكِنَةُ الصُّلْبَةُ جمع أحمس ولقب به قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَجَدِيلَةَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِتَحَمُّسِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ لِالْتِجَائِهِمْ بِالْحَمْسَاءِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْأَحْمَسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أو عمرة لا يأكلون لجما وَلَا يَضْرِبُونَ وَبَرَّا وَلَا شَعْرًا وَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ وَضَعُوا ثِيَابَهُمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
وَقِيلَ سموا حمسا بالكعبة لأنها حمسا حَجَرُهَا أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَأَنَّهُ مِنَ التَّحَمُّسِ وَهُوَ التَّشَدُّدُ انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا (يَقُولُونَ نَحْنُ قَطِينُ اللَّهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَطَنَ قُطُونًا أَقَامَ وَفُلَانًا خَدَمَهُ فَهُوَ قَاطِنٌ وَالْجَمْعُ قُطَّانٌ وَقَاطِنَةٌ وَقَطِينٌ انْتَهَى
وقطين
стр. 1576
اللَّهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ سُكَّانُ بَيْتِ الله ثم أفيضوا أَيِ ادْفَعُوا يَا قُرَيْشُ وَأَصْلُهُ أَفِيضُوا أَنْفُسَكُمْ فحذف المفعول من حيث أفاض الناس مِنْ عَرَفَةَ بِأَنْ تَقِفُوا بِهَا مَعَهُمْ
١ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ)
[٨٨٥] قَوْلُهُ (هَذِهِ عَرَفَةُ) هِيَ اسْمٌ لِبُقْعَةٍ مَعْرُوفَةٍ (وَعَرَفَةُ كلها موقف) أي إلا بطن عرفة (ثُمَّ أَفَاضَ) أَيْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) أَيْ جَعَلَهُ رَدِيفَهُ وَفِيهِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مُطِيقَةً وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ (عَلَى هَيْئَتِهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ ﷺ عَلَى هَيْئَتِهِ وَسَيْرِهِ الْمُعْتَادِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى حُمْنَتِهِ قَالَ السّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ أَيْ عَلَى عَادَتِهِ فِي السُّكُونِ وَالرِّفْقِ قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَيْئَتِهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْهَمْزَةِ مَكَانَ النُّونِ أَيْ عَلَى سَيْرِهِ الْمُعْتَادِ
انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى هِينَتِهِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِكَسْرِ الْهَاءِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهُوَ حَالٌ أَيْ حَالُ كَوْنِهِ عَلَى عَادَتِهِ فِي السُّكُونِ وَالرِّفْقِ انْتَهَى (وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ الْإِبِلُ (يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ بِزِيَادَةِ لَا قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْقَاطِ
стр. 1577
لَا أَصَحُّ
وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هُنَاكَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ مِنْ قَوْلِهِ شِمَالًا كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا مَعْنَاهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَشْيِهِمْ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ
وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِسْقَاطِ حَالَ كَوْنِهِ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ لَهُمْ أَلَخْ (عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ) بِالنَّصْبِ على الأعزاء قال السّيُوطِيُّ (ثُمَّ أَتَى جَمْعًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ عَلَمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ آدَمُ وَحَوَّاءُ لَمَّا أُهْبِطَا كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (أَتَى قزح) بفتح القاف وفتح الزاء وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ اسْمُ جَبَلٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَدْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ (إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أصحاب الفيل حسر فيه أي أعي وكل ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حسير فَقَرَعَ نَاقَتَهُ أَيْ ضَرَبَهَا بِمِقْرَعَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ السَّوْطُ (فَخَبَتْ) مِنَ الْخَبَبِ مُحَرَّكَةٌ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْعَدْوِ (حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِيَ) قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِسَعَةِ الْمَوْضِعِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَوْدِيَةَ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقِفًا لِلنَّصَارَى فَأَحَبَّ الْإِسْرَاعَ فِيهِ مُخَالَفَةً لَهُمْ وَقِيلَ لِأَنَّ رَجُلًا اصْطَادَ فِيهِ صَيْدًا فَنَزَلَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ فَكَانَ إِسْرَاعُهُ لِمَكَانِ الْعَذَابِ كَمَا أَسْرَعَ فِي دِيَارِ ثَمُودَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ) أَيْ صَرَفَ عُنُقَهُ مِنْ جانب الجارية إلى جانب آخَرَ (لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ عَلَيْهِ النَّاسُ لَنَزَعْتُ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ لَوْلَا خَوْفِي أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ فَيَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ بحيث
стр. 1578
يَغْلِبُونَكُمْ وَيَدْفَعُونَكُمْ عَنِ الِاسْتِقَاءِ لَاسْتَقَيْتُ مَعَكُمْ لِزِيَادَةِ فَضِيلَةِ هَذَا الِاسْتِقَاءِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْلَا يَغْلِبُكُمْ أَيْ قَصْدًا لِلِاتِّبَاعِ لَنَزَعْتُ أَيْ أَخْرَجْتُ الْمَاءَ وَسَقَيْتُهُ النَّاسَ كَمَا تَفْعَلُونَ أَنْتُمْ قَالَهُ حَثًّا لَهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي رَحْلِهِ إلخ) قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صحيحه وكان بن عُمَرَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي الْمَنَاسِكِ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَوْضِيُّ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْإِمَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي مَنْزِلِهِ
وَأَخْرَجَ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيِّ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ
وَأَخْرَجَهُ بن الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالُوا يَخْتَصُّ الْجَمْعُ بِمَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَاهُ وَالطَّحَاوِيُّ ومن أقوى الأدلة لهم صنيع بن عُمَرَ هَذَا
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ جَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَجْمَعُ وَحْدَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَمِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا خَالَفَ مَا رَوَى دَلَّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ بِأَنَّ مُخَالِفَهُ أَرْجَحُ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا ها هنا انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ هو بن حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) الْمَدَنِيُّ أَحَدِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الزَّيْدِيَّةُ خَرَجَ فِي خِلَافِهِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقُتِلَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ والخلاصة
стр. 1579
٥٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ)
[٨٨٦] قَوْلُهُ (أَوْضَعَ) وَضَعَ الْبَعِيرُ يَضَعُ وَضْعًا وَأَوْضَعَهُ رَاكِبُهُ إِيضَاعًا إِذَا حَمَلَهُ عَلَى سُرْعَةِ السَّيْرِ كذا في النهاية (في وادي محسر) تقد ضبط في الباب المتقدم
قال الأزرقي وهو خمس مائة ذِرَاعٍ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّمَا شُرِعَ الْإِسْرَاعُ فِيهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقِفُونَ فِيهِ وَيَذْكُرُونَ مَفَاخِرَ آبَائِهِمْ فَاسْتَحَبَّ الشَّارِعُ مُخَالِفَتَهُمْ (وَأَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ) أَيْ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ) وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَفِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ رسول الله ﷺ حين أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ وَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَيْفِيَّةُ السَّيْرِ فِي الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ الِاسْتِعْجَالِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ مِنَ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ وَمِنَ الْإِسْرَاعِ عِنْدَ عَدَمِ الزِّحَامِ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا مِثْلَ حَصَا الْخَذْفِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ قَالَ الْعُلَمَاءُ حَصَى الْخَذْفِ كَقَدْرِ حَبَّةِ الْبَاقِلَاءِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
стр. 1580
٥٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ)
[٨٨٧] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ) بْنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وبن عُمَرَ وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَأَبُو رَوْقٍ الهمداني ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (صَلَّى بِجَمْعٍ) أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ (فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِإِقَامَةٍ) اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَالَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ
[٨٨٨] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ وَزَادَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا فِي قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَفِيهِ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا
وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْعَيْنِيُّ فِي عمدة القارىء والطحاوي في شرح الاثار
قوله (حديث بن عمر رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَحَدِيثُ سُفْيَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) حديث بن عُمَرَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ
следующие страницы →