← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

(شك يحيى) أي بن عباد المذكور في السند حَيْثُ فَسَّرَ مَا يَغْشَى بِقَوْلِهِ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَذِكْرُ الْفَرَاشِ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الشَّجَرِ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهَا الْجَرَادُ وَشِبْهُهُ وَجَعَلَهَا مِنَ الذَّهَبِ لِصَفَاءِ لَوْنِهَا وَإِضَاءَتِهَا فِي نَفْسِهَا انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذَّهَبِ حَقِيقَةً وَيُخْلَقُ فِيهِ الطَّيَرَانُ وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ انْتَهَى (كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقُلَّةِ أَيْ قِلَالُ هَجَرَ فِي الْكِبَرِ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ طَيْرِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٢] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ الْحَارِثِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَكَنَهَا مُدَّةً ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ) بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شهاب الزهري المدني بن أَخِي الزُّهْرِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَخُو الزُّهْرِيِّ الْإِمَامُ ثِقَةٌ من الثالثة مات قبل أخيه قوله (ذلك نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ غَفَا إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ فَقَرَأَ

стр. 3467

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ (يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ) هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ تُرَابُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ الْحَدِيثَ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ أَوْ فِي أَطْرَافِهِ (طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ جَمْعُ جَزُورٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ (إِنَّ هَذِهِ) أَيِ الطَّيْرَ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لَنَاعِمَةٌ) أَيْ سِمَانٌ مُتْرَفَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (أَكَلَتُهَا) ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَاللَّامِ وَبِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ فَعَلَى الْأَوَّلِ جَمْعُ آكِلٍ اسْمُ فَاعِلٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعِ طَالِبٍ وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْكُلُهَا وَعَلَى الثَّانِي مُؤَنَّثُ أَكْلٍ وَصِيغَةُ الْوَاحِدِ الْمُؤَنَّثِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَفْظُهُ إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ نَاعِمَةٌ فَقَالَ أَكْلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا قَالَهَا ثَلَاثًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الْجَنَّةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخَيْلُ جَمَاعَةُ الْأَفْرَاسِ لَا وَاحِدَ لَهُ أَوْ وَاحِدُهُ خَائِلٌ لِأَنَّهُ يَخْتَالُ انْتَهَى [٢٥٤٣] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ) بْنِ عَاصِمِ بْنِ صُهَيْبٍ الْوَاسِطِيُّ أَوِ الْحَسَنُ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ الْمَرْوَزِيِّ قَاضِيهَا ثِقَةٌ مِنَ الثالثة

стр. 3468

قَوْلُهُ (إِنِ اللَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ ثُمَّ كُسِرَ لِلِالْتِقَاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ اللَّهُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ (أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) وَلَا يَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ (فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ أَيْ فَلَا تَشَاءُ الْحَمْلَ فِي الْجَنَّةِ (عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ تَطِيرُ) بِصِيغَةِ الْمُؤَنَّثِ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى فَرَسٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَرَسُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (حَيْثُ شِئْتَ) أَيْ طَيَرَانَهُ بِكَ (إِلَّا فَعَلْتَ) لَا يُوجَدُ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثَ نَقْلًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ مَعَ هَذَا اللفظ قال القارىء فِي شَرْحِ قَوْلِهِ إِلَّا فَعَلْتَ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ المذكر المعلوم والمعنى إن تشاء تَفْعَلْهُ وفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُمِلْتَ عَلَيْهَا وَرَكِبْتَ وَفِي أُخْرَى بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ فَالضَّمِيرُ لِلْفَرَسِ أَيْ حَمَلَتْكَ قَالَ الْقَاضِي ﵀ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ إن أدخلك الجنة الله فلا تشاء أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَرَسٍ كَذَلِكَ إِلَّا حُمِلْتَ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ إِلَّا وَتَجِدُهُ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ شَاءَتْ حتى لو اشتهيت أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَوَجَدَتْهُ وتمكنته مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَرْكَبٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا تَرْضَى بِهِ فَتَطْلُبَ فَرَسًا مِنْ جِنْسِ مَا تَجِدُهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَصِفَةً وَالْمَعْنَى فَيَكُونُ لَكَ مِنَ الْمَرَاكِبِ مَا يُغْنِيكَ عَنِ الْفَرَسِ الْمَعْهُودِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَرَاكِبِ الْجَنَّةِ وَمَرَاكِبِ الدُّنْيَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ عَلَى التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلَ فَرَسَ الْجَنَّةِ فِي جَوْهَرِهِ بِمَا هُوَ عِنْدَنَا أَثْبَتُ الْجَوَاهِرِ وَأَدُومُهَا وُجُودًا وَأَنْصَعُهَا لَوْنًا وَأَصْفَاهَا جَوْهَرًا وَفِي شِدَّةِ حَرَكَتِهِ وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهِ بِالطَّيْرِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ جَنَاحَانِ قَالَ الطِّيبِيُّ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورْبَشْتِيُّ وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ إِلَّا حُمِلْتَ يَقْتَضِي أَنْ يُرْوَى قَوْلُهُ إِلَّا فُعِلْتَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ أَيْ لَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا مُسْعَفًا وَإِذَا تُرِكَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ كَانَ التَّقْدِيرُ فَلَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا فَائِزًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ عَنِ الْفَرَسِ الْمُتَعَارَفِ فِي الدُّنْيَا فَأَجَابَهُ ﷺ بِمَا فِي الْجَنَّةِ أَيِ اتْرُكْ مَا طَلَبْتُهُ فَإِنَّكَ

стр. 3469

مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِهَذَا الْمَرْكَبِ الْمَوْصُوفِ انْتَهَى (قَالَ) أَيْ بُرَيْدَةُ (فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ مِثْلَ مَقُولِهِ لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ بَلْ أَجَابَهُ مُخْتَصَرًا فَقَالَ إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) أَيْ وَجَدْتَ عَيْنَكَ لَذِيذَةً قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَذَّهُ وَبِهِ لِذَاذًا وَلَذَاذَةً وَجَدَهُ لَذِيذًا انْتَهَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قَوْلُهُ (هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ) أَيْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مُتَّصِلًا وَهَذَا لِأَنَّ سُفْيَانَ أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنَ الْمَسْعُودِيِّ [٢٥٤٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ السَّرَّاجُ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ) الرِّقَاشِيِّ أَبِي يَحْيَى الْبَصْرِيِّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِي سَوْرَةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ الأنصاري بن أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (إِنْ أُدْخِلْتَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفَتْحِ التَّاءِ (الْجَنَّةَ) أَيْ إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا (أُتِيتَ) أَيْ جئت (بفرس من ياقوتة) قال القارىء قِيلَ أَرَادَ الْجِنْسَ الْمَعْهُودَ مَخْلُوقًا مِنْ أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ وَقِيلَ إِنَّ هُنَاكَ مَرْكَبًا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ يُغْنِيكَ عَنِ الْمَعْهُودِ كَمَا مَرَّ وَالْأَخِيرُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (لَهُ جَنَاحَانِ) يَطِيرُ بِهِمَا كَالطَّائِرِ (فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُرْكِبْتَهُ وَالْمَرْكَبُ الْمَلَائِكَةُ (ثُمَّ طَارَ) أَيْ ذَلِكَ الْفَرَسُ (بِكَ حَيْثُ شِئْتَ) وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا

стр. 3470

مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا تَجِدُهُ فِيهَا حَتَّى لَوِ اشْتَهَى أَنْ يَرْكَبَ فَرَسًا وَجَدَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ وَاصِلَ بْنَ السَّائِبِ وَأَبَا سَوْرَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ كَمَا عَرَفْتَ ٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي سِنِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (أَخْبَرَنَا عمران بن الْعَوَامَّ) الّقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ قَوْلُهُ (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ) أَيْ خِلْقَةً (أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً) أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هريرة عند أحمد وبن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ بِالْجَزْمِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَلَى مَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَخْرَجَ أَيْضًا الرِّوَايَةَ الْمُرْسَلَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا

стр. 3471

١٣ - (باب ما جاء في كم صَفِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٦] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ) بْنِ يَحْيَى الطَّحَّانُ الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ) الْكُوفِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانُ الْأَكْبَرُ ثِقَةٌ ثَبَتٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ) أَيْ قَدْرُهَا أَوْ صُوِّرُوا صُفُوفًا (ثَمَانُونَ) أَيْ صَفًّا (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ كَائِنُونَ مِنْ هذه الأمة (وأربعون) أي صفا (عن سَائِرِ الْأُمَمِ) وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ تَكْثِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ ثُلُثَانِ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ ﷺ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ ﷺ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا فِي الْعَدَدِ لِلْأَرْبَعَيْنِ صَفًّا وَأَنْ يَكُونُوا كَمَا زَادَ عَلَى الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ كَرَامَةً لَهُ ﷺ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ ﵀ فِي اللُّمَعَاتِ لَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَاؤُهُ ﷺ ذَلِكَ ثُمَّ زِيدَ وَبُشِّرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا لِأَرْبَعَيْنِ صَفًّا فَبَعِيدٌ لِأَنَّ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ أَنْ يَكُونَ الصُّفُوفُ مُتَسَاوِيَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجه والدارمي وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ قال الحافظ وله شاهد من حديث بن مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ وَأَتَمُّ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ قُلْتُ وله شاهدان آخران من حديث بن عَبَّاسٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُمَا الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلُهُ (مُرْسَلًا) أَيْ هَذَا مُرْسَلٌ (وَمِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (وَأَبُو سِنَانٍ

стр. 3472

اسْمُهُ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ آنِفًا (وَأَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْبُرْجُمِيُّ أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ الْأَصْغَرُ الْكُوفِيٌّ نَزِيلُ الرَّيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ (وَهُوَ بَصْرِيٌّ) كَذَا قَالَ التِّرْمِذِيِّ وَفِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ كُوفِيٌّ فَتَأَمَّلْ (وَأَبُو سِنَانٍ الشَّامِيُّ إِلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو سِنَانِ الْقَسْمَلِيُّ الْفِلَسْطِينِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ السَّادِسَةِ [٢٥٤٧] قَوْلُهُ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُبَّةٍ) وَفِي رِوَايَةٍ أَسْنَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِمِنًى إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) قال بن التِّينِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِإِرَادَةِ تَقْرِيرِ الْبِشَارَةِ بِذَلِكَ وَذَكَرَهُ بِالتَّدْرِيجِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِسُرُورِهِمْ (قَالُوا نَعَمْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَكَبَّرْنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ الْحَافِظُ وَزَادَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أبي صالح عن بن عَبَّاسٍ فِي نَحْوِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الْكَلْبِيَّ رَوَاهُ ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ تُوَافِقُ رِوَايَةَ الْكَلْبِيِّ ثُمَّ قَالَ فَكَأَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَجَا رَحْمَةَ رَبِّهِ أَنْ تَكُونَ أُمَّتُهُ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَعْطَاهُ مَا ارْتَجَاهُ وَزَادَهُ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) انْتَهَى (إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ) وَفِي رِوَايَةٍ وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَنْتُمْ فِيمَا سِوَاكُمْ مِنَ الْأُمَمِ (مَا أَنْتُمْ فِي الشِّرْكِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ (إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أو كالشعرة

стр. 3473

السوداء في جلد الثور الأحمر) قال القارىء الظاهر أن أو للتخير في التعبير وتحتمل الشك انتهى قال بن التِّينِ أَطْلَقَ الشَّعْرَةَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْوَحْدَةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ثَوْرٌ لَيْسَ فِي جِلْدِهِ غَيْرُ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٨] قَوْلُهُ (عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بْنِ عُبَيْدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ فِيهِ لِينٌ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّجْوِيدِ وَهُوَ التَّحْسِينُ قِيلَ أَيِ الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ مِنْ جَوَّدْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ جَيِّدًا وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُجَوِّدُ فِي صَنْعَتِهِ يَفُوقُ فِيهَا وَأَجَادَ الشَّيْءَ وَجَوَّدَهُ أَحْسَنَ فِيمَا فَعَلَ وَجَوَّدَ فِي عَدْوِهِ عَدَا عدوا وجوادا وَفَرَسٌ جَوَادٌ مِنْ خَيْلٍ جِيَادٍ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمُجَوِّدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الرَّاكِبِ وَالْمَعْنَى الرَّاكِبُ الَّذِي يُجَوِّدُ رَكْضَ الْفَرَسِ وَأَنْ يَكُونَ مستافا إِلَيْهِ وَالْإِضَافَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ الْفَرَسُ الَّذِي يُجَوِّدُ فِي عَدْوِهِ (ثَلَاثًا) ظَرْفُ مَسِيرُهُ وَالْمَعْنَى ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ سِنِينَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ أَكْثَرَ ثُمَّ

стр. 3474

الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ لِئَلَّا يُخَالِفَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ أُوْحِيَ إِلَيْهِ بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْكَثِيرِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِهَا (ثُمَّ إِنَّهُمْ) أَيْ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أُمَّتِي عند دخولهم من أبوابها فالمراد بالنار جِنْسُهُ (لَيُضْغَطُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَيُعْصَرُونَ وَيُضَيَّقُونَ وَيَزْحَمُونَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَابِ (حَتَّى تَكَادُ) أَيْ تَقْرُبُ (مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ) أَيْ تَنْقَطِعُ مِنْ شِدَّةِ الزِّحَامِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ هَذَا مِنْ مَنَاكِيرِهِ ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) بْنِ نَصِيرٍ السُّلَمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْخَطِيبُ صَدُوقٌ مُقْرِئٌ كَبِرَ فَصَارَ يَتَلَقَّنُ فَحَدِيثُهُ الْقَدِيمُ أَصَحُّ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ وَغَيْرِهِ وَرَوَى عَنْهُ البخاري وأبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ) الدِّمَشْقِيُّ أَبُو سَعِيدٍ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِهِ صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ كَاتِبَ دِيوَانٍ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ حَدِيثٍ مِنَ التَّاسِعَةِ

стр. 3475

قَوْلُهُ (فَقَالَ سَعِيدٌ أَفِيهَا) أَيْ فِي الْجَنَّةِ (سُوقٌ) يَعْنِي وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَى التِّجَارَةِ (أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن) قال القارىء بِالْفَتْحِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيِ الخبر هو قوله إن أو التقدير قَائِلًا إِنَّ (أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا) أَيِ الْجَنَّةَ (نَزَلُوا فِيهَا) أَيْ فِي مَنَازِلِهَا وَدَرَجَاتِهَا (بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ) أَيْ بِقَدْرِ زِيَادَةِ طَاعَاتِهِمْ لَهُمْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (ثُمَّ يُؤْذَنُ) أَيْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ (فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَرَدَ الْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ يَوْمُ جُمُعَةٍ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا وَيَحْضُرُونَ رَبَّهُمْ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ كذا في اللمعات وقال القارىء أَيْ قَدْرَ إِتْيَانِهِ وَالْمُرَادُ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ انْتَهَى (فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ) أَيْ (وَيَبْرُزُ) مِنَ الْإِبْرَازِ وَيَظْهَرُ رَبُّهُمْ (وَيَتَبَدَّى لَهُمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ يَظْهَرُ وَيَتَجَلَّى رَبُّهُمْ لَهُمْ (فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ) أَيْ كَرَاسِيُّ مُرْتَفِعَةٌ (وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ) بِفَتْحِ زَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ (وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ) أَيْ بِحَسَبِ مَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ وَمَرَاتِبِ أَحْوَالِهِمْ (وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ) أَيْ أَدْوَنُهُمْ مَنْزِلَةً (وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ دُونٌ وَخَسِيسٌ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَهُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ أَدْنَاهُمُ الدَّنَاءَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَدْنَى فِي الْمَرْتَبَةِ (عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ كَثِيبٍ أَيْ تَلٍّ مِنَ الرَّمْلِ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ كَثَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ (وَالْكَافُورِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى (الْمِسْكِ مَا يُرَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الإرادة وَالضَّمِيرُ إِلَى الْجَالِسِينَ عَلَى الْكُثْبَانِ أَيْ لَا يَظُنُّونَ وَلَا يُتَوَهَّمُونَ (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ) أَيْ أَصْحَابَ الْمَنَابِرِ (بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا) حَتَّى يَحْزَنُوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ الْحَمْدُ لله الذي أذهب عنا الحزن بل إنهم وافقون في مقام الرضا ومتلذذون مجال التَّسْلِيمِ بِمَا جَرَى الْقَضَاءُ (هَلْ تَتَمَارَوْنَ

стр. 3476

تَفَاعُلٌ مِنَ الْمِرْيَةِ بِمَعْنَى الشَّكِّ أَيْ هَلْ تَشُكُّونَ (مِنْ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ أَيْ فِي رُؤْيَتِكُمُ الشَّمْسَ (وَالْقَمَرِ) أَيْ وَفِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ (لَيْلَةَ الْبَدْرِ) وَاحْتَرَزَ عَنِ الْهِلَالِ وَعَنِ الْقَمَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْبَدْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي نِهَايَةِ النُّورِ (قُلْنَا لَا) أَيْ لَا نَشُكُّ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً) قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ الْكَلِمَتَانِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ كَشْفُ الْحِجَابِ وَالْمُقَاوَلَةُ مَعَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا تُرْجُمَانٍ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ الْحَدِيثَ وَالْمَعْنَى خَاطَبَهُ اللَّهُ مُخَاطَبَةً وَحَاوَرَهُ مُحَاوَرَةً (يَا فُلَانَ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ (بْنَ فُلَانٍ) بنصب بن وَصَرْفِ فُلَانٍ وَهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ (أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ فَكَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الرَّجُلُ فِيهِ وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ مَعَاصِيهِ (فَيُذَكِّرُهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ فيعلمه الله (ببعض غدارته) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ غَدْرَةٍ بِالسُّكُونِ بِمَعْنَى الْغَدْرِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ وَالْمُرَادُ مَعَاصِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِتَرْكِهَا الَّذِي عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا (أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي) أَيْ أَدْخَلْتَنِي الْجَنَّةَ فَلَمْ تَغْفِرْ لِي مَا صَدَرَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ (فَيَقُولُ بَلَى) أَيْ غَفَرْتُ لَكَ فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بِفَتْحِ السِّينِ وَيُكْسَرُ (بَلَغْتَ) أَيْ وَصَلْتَ (مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ غَفَرْتُ لَكَ فَبَلَغْتَ بِسَعَةِ رَحْمَتِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ وَالتَّقْدِيمُ دَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ أَيْ بُلُوغُكَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ كَائِنٌ بسعة رحمتي لا بعملك (فبينما) وفي بعض النسخ فبينما وفي بعض النسخ فبينا (هُمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُحَاضَرَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ (غَشِيَتْهُمْ) أَيْ غَطَّتْهُمْ (فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا) أَيْ عظيما (قدحفت) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ أَحَاطَتْ مَا لَمْ

стр. 3477

تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ قَالَ الْمُظَهَّرُ مَا مَوْصُولَةٌ وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُقَدَّرِ الْعَائِدِ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا أَعْدَدْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ الْمُعَدُّ لَكُمْ وَقِيلَ أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيهَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَا مَوْصُوفَةٌ بَدَلًا مِنْ سُوقًا انْتَهَى وَفِي بعض النسخ فيه مالم تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْأُذُنِ أَيْ وما لم تسمعه بِمِثْلِهِ (وَلَمْ يَخْطُرْ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ وَمَا لَمْ يَمُرَّ مِثْلُهُ عَلَى الْقُلُوبِ (فَيُحْمَلُ إِلَيْنَا) أَيْ إِلَى قُصُورِنَا (وَلَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يشترى) الجملة حال من ما في اشْتَهَيْنَا وَهُوَ الْمَحْمُولُ وَالضَّمِيرُ فِي يُبَاعُ عَائِدٌ إِلَيْهِ (وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ) هُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَأَنَّثَهُ تَارَةً وَذَكَّرَهُ أُخْرَى وَالتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ (يَلْقَى) أَيْ يَرَى (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا حَقِيقَةً أَوْ مَوْقُوفًا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (فَيُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ فَيَجِيءُ وَيَتَوَجَّهُ (مَنْ هُوَ دُونَهُ) أَيْ فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ (فَيَرُوعُهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ (مايرى) أَيْ يُبْصِرُهُ (عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ) بَيَانُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْ فَيَكُونُ الرَّوْعُ مَجَازًا عَنِ الْكَرَاهَةِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي الْمَنْزِلَةِ فَالرَّوْعُ بِمَعْنَى الْإِعْجَابِ أَيْ يُعْجِبُهُ حُسْنُهُ فَيَدْخُلُ فِي رُوعِهِ مَا يَتَمَنَّى مِثْلُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ) أَيْ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ مِنَ الْحَدِيثِ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى مَنْ (حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ حَتَّى يُتَصَوَّرُ لَهُ (مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ) أَيْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَنَّ لِبَاسَهُ أَحْسَنُ مِنْ لِبَاسِ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ أَيْ سَبَبُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّخَيُّلِ (أَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (أَنْ يَحْزَنَ) بِفَتْحِ الزَّايِ يَغْتَمَّ (فِيهَا) أَيْ فِي الْجَنَّةِ فَحَزَنٌ هُنَا لَازِمٌ مِنْ حَزِنَ بِالْكَسْرِ لَا مِنْ بَابِ نَصَرَ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ (فَتَتَلَقَّانَا) مِنَ التَّلَقِّي أَيْ تَسْتَقْبِلُنَا (أَزْوَاجُنَا) أَيْ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَمِنَ الحور العين (ويحق لنا) قال القارىء بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِضَمِّ الْحَاءِ فَفِي الْمِصْبَاحِ حَقَّ الشَّيْءُ كَضَرَبَ وَنَصَرَ إِذَا ثَبَتَ وَفِي الْقَامُوسِ حَقَّ الشَّيْءُ وَجَبَ وَوَقَعَ بِلَا شَكٍّ وَحَقَّهُ أوجبه لازم

стр. 3478

وَمُتَعَدٍّ فَالْمَعْنَى يُوجِبُنَا وَيُلْزِمُنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ يَحِقُّ لَنَا ويليق بنا (أن تنقلب بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا) أَيْ مِنَ الِانْقِلَابِ بِمَعْنَى الِانْصِرَافِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هُوَ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبَقِيَّةُ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ ثِقَاتٌ وَقَدْ رواه بن أَبِي الدُّنْيَا عَنْ هِقْلِ بْنِ زِيَادٍ كَاتِبِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ نُبِّئْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ انْتَهَى [٢٥٥٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) أَبُو شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ روى عن علي وغيره وعنه بن أُخْتِهِ أَبُو شَيْبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ انْتَهَى قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا) أَيْ مُجْتَمَعًا (مَا فِيهَا) أَيْ لَيْسَ فِي تِلْكَ السُّوقِ (شِرًى) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيِ اشْتِرَاءٌ (وَلَا بَيْعٌ) وَالْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا تِجَارَةٌ (إِلَّا الصُّوَرَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيِ التَّمَاثِيلَ الْمُخْتَلِفَةَ (فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا) أَيْ تشكل بها قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِأَنْ يُجْعَلَ تَبْدِيلُ الْهَيْئَاتِ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أتى الله بقلب سليم يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ قِيلَ يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَرْضَ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا اشْتَهَى وَتَمَنَّى تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ صَوَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِشَكْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ بِقُدْرَتِهِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصُّورَةِ الزِّينَةُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ الشَّخْصُ بِهَا فِي تِلْكَ السُّوقِ وَيَتَلَبَّسُ بِهَا وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالتَّاجِ يُقَالُ لِفُلَانٍ صُورَةٌ حَسَنَةٌ أَيْ هَيْئَةٌ

стр. 3479

مَلِيحَةٌ يَعْنِي فَإِذَا رَغِبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أُعْطِيَهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا التَّزَيُّنَ بِهَا وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ التَّغَيُّرُ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الذَّاتِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا الْحَدِيثَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو شَيْبَةَ وهو ضعيف والحديث أخرجه أيضا بن أَبِي الدُّنْيَا ٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الرَّبِّ ﵎ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلى مفعوله قال بن بَطَّالٍ ذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ إِلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَمَنَعَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الْمَرْئِيِّ مُحْدَثًا وَحَالًّا فِي مَكَانٍ وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ (نَاظِرَةٌ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وُجُوهٌ يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة بِمُنْتَظِرَةٍ وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى ثُمَّ قَالَ وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ فَاسِدٌ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَالرُّؤْيَةَ فِي تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْئِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومِ فَإِذَا كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ لَا يُوجِبُ حُدُوثَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْئِيُّ قَالَ وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تعالى لا تدركه الأبصار وبقوله تعالى لموسى لن تراني وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْنَ دَلِيلَيِ الْآيَتَيْنِ وَبِأَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ لِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِحَقِيقَتِهِ وَعَنِ الثَّانِي الْمُرَادُ لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا جَمْعًا أَيْضًا وَلِأَنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إِحَالَتَهُ مَعَ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَلَى وَفْقِ الْآيَةِ وَقَدْ تَلَقَّاهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَتَّى حَدَثَ مَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَخَالَفَ السَّلَفَ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اشْتَرَطَ النُّفَاةُ في الرؤية شروطا عقلية تخبط بهم الْمَخْصُوصَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَاتِّصَالِ الْأَشِعَّةِ وَزَوَالِ الْمَوَانِعِ كَالْبُعْدِ والحجب في تخيط بهم وَتَحَكُّمٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سِوَى وُجُودِ الْمَرْئِيِّ وَأَنَّ الرُّؤْيَةَ إِدْرَاكٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلرَّائِي فَيَرَى الْمَرْئِيَّ وَتَقْتَرِنُ بِهَا أَحْوَالٌ يَجُوزُ تَبَدُّلُهَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تعالى

стр. 3480

قَوْلُهُ (كُنَّا جُلُوسًا) أَيْ جَالِسِينَ (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) أَيِ الْمَحْسُوسَ الْمُشَاهَدَ الْمَرْئِيَّ (لَا تُضَامُونَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الضَّيْمِ وَهُوَ الظُّلْمُ قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَيْ لَا يَنَالُكُمْ ضَيْمٌ وَظُلْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ فَيَرَاهُ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ وَرُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّضَامِّ بِمَعْنَى التَّزَاحُمِ وَبِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الْمُضَامَّةِ وَهِيَ الْمُزَاحَمَةُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَحَاصِلُ مَعْنَى الْكُلِّ لَا تَشُكُّونَ (فِي رُؤْيَتِهِ) أَيْ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ قَدْ يُخَيَّلُ إِلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ أَنَّ الْكَافَ فِي قوله كما ترون كما في التَّشْبِيهِ لِلْمَرْئِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ كَافُ التَّشْبِيهِ لِلرُّؤْيَةِ وَهُوَ فِعْلُ الرَّائِي وَمَعْنَاهُ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ رُؤْيَةً يَنْزَاحُ مَعَهَا الشَّكُّ كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَرْتَابُونَ وَلَا تَمْتَرُونَ (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ (فَافْعَلُوا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ أَوْ عَدَمِ الْمَغْلُوبِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي تَرْتِيبُ قَوْلِهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ عَلَى قَوْلِهِ سَتَرَوْنَ بِالْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوَاظِبَ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا خَلِيقٌ بِأَنْ يَرَى رَبَّهُ وَقَوْلُهُ لَا تُغْلَبُوا مَعْنَاهُ لَا تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ بِالِاشْتِغَالِ عَنْ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالْحَثِّ لِمَا فِي الصُّبْحِ مِنْ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ وَالنَّوْمِ وَفِي الْعَصْرِ مِنْ قِيَامِ الْأَسْوَاقِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمُعَامَلَاتِ فَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ فَتْرَةٌ فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعَ مَا لَهُمَا مِنْ قُوَّةِ الْمَانِعِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا تَلْحَقَهُ فِي غَيْرِهِمَا (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ جَرِيرٌ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَخْ) أَيْ وَصَلِّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَعَبَّرَ عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ وَهُوَ التَّسْبِيحُ الْمُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ فِي الِافْتِتَاحِ الْمَقْرُونِ بِحَمْدِ الرَّبِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنِ الشَّرِيكِ وَنَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِ النقصان والزوال قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجة

стр. 3481

[٢٥٥٢] قوله (للذين أحسنوا) أَيِ الَّذِينَ أَجَادُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِي الدُّنْيَا وَقَرَّبُوهَا بِالْإِخْلَاصِ الْحُسْنَى أَيِ الْمَثُوبَةُ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ وَزِيَادَةٌ أَيِ النَّظَرُ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَنَكَّرَهَا لِتُفِيدَ ضَرْبًا مِنَ التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهَا وَلَا يُكْتَنَهُ كُنْهُهَا (نَادَى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا) أَيْ بَقِيَ شَيْءٌ زَائِدٌ مِمَّا وَعَدَهُ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ النِّعَمِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ (وَيُنَجِّنَا) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَيُخَفَّفُ (مِنَ النَّارِ) أَيْ دُخُولِهَا وَخُلُودِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ تَقْرِيرٌ وَتَعْجِيبٌ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ وَكَرْمِهِ (قَالُوا بَلَى) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ قَالُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ قَالَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى مُنَادٍ (فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ) وَزَادَ مُسْلِمٌ فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِجَابِ حِجَابُ النُّورِ الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا إِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حِجَابَهُ خِلَافُ الْحُجُبِ الْمَعْهُودَةِ فَهُوَ محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلا له وَأَشِعَّةِ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْحِجَابُ الَّذِي تُدْهَشُ دُونَهُ الْعُقُولُ وَتُبْهَتُ الْأَبْصَارُ وَتَتَحَيَّرُ الْبَصَائِرُ فَلَوْ كَشَفَهُ فَتَجَلَّى لِمَا وَرَاءَهُ بِحَقَائِقِ الصِّفَاتِ وَعَظَمَةِ الذَّاتِ لَمْ يَبْقَ مَخْلُوقٌ إِلَّا احْتَرَقَ وَلَا مَنْظُورٌ إِلَّا اضْمَحَلَّ وَأَصْلُ الْحِجَابِ السِّتْرُ الْحَائِلُ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْعُ الْأَبْصَارِ مِنَ الرُّؤْيَةِ لَهُ بِمَا ذُكِرَ فَقَامَ ذَلِكَ الْمَنْعُ مَقَامَ السِّتْرِ الْحَائِلِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْحَالَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ فِي دَارِ الدُّنْيَا الْمُعَدَّةِ لِلْفِنَاءِ دُونَ دَارِ الْآخِرَةِ الْمُعَدَّةِ لِلْبَقَاءِ وَالْحِجَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْجُوبُونَ عَنْهُ وَحَدِيثُ صُهَيْبٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أيضا مسلم والنسائي وبن خزيمة وبن حِبَّانَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا أَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَرَفَعَهُ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الحديث

стр. 3482

هكذا رواه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عن ثابت عن بن أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَمْ يَرْوِهِ هَكَذَا مَرْفُوعًا عَنْ ثَابِتٍ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وحماد بن واقد عن ثابت عن بن أَبِي لَيْلَى مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا ذِكْرُ صُهَيْبٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِقَادِحِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُتَّصِلًا وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا وَبَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا حُكِمَ بِالْمُتَّصِلِ وَبِالْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُمَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ كُلِّ الطَّوَائِفِ انتهى كلام النووي [٢٥٥٣] ١٧ قوله (عن ثوير) بضم المثلثة مصغرا بن أَبِي فَاخِتَةَ سَعِيدِ بْنِ عِلَاقَةَ الْكُوفِيِّ ضَعِيفٌ رُمِيَ بِالرَّفْضِ مِنَ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ (لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَنَّةٍ أَيْ بَسَاتِينِهِ (وَزَوْجَاتِهِ) أَيْ نِسَائِهِ وَحُورِهِ (وَنَعِيمِهِ) أَيْ مَا يَتَنَعَّمُ بِهِ (وَخَدَمِهِ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ خَادِمٍ أَيْ مِنَ الْوِلْدَانِ (وَسُرُرِهِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَرِيرٍ (مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِ جِنَانِهِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ كَائِنَةً فِي مَسَافَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ مُلْكَهُ مِقْدَارُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ وَفِي التَّرْكِيبِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ إِذْ جَعَلَ الِاسْمَ وَهُوَ قَوْلُهُ لَمَنْ يَنْظُرُ خَبَرًا وَالْخَبَرُ وَهُوَ أَدْنَى مَنْزِلَةً اسْمًا اعْتِنَاءً بِشَأْنِ الْمُقَدَّمِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بَيَانُ ثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَسَعَتِهَا وَأَنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَكُونُ مُلْكُهُ كَذَا (وَأَكْرَمَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَدْنَى وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى مَجْمُوعِ اسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا أَيْ أَكْثَرُهُمْ كَرَامَةً عَلَى اللَّهِ وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً وَأَقْرَبُهُمْ رُتْبَةً عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ (غُدْوَةً) بِضَمِّ الْغَيْنِ (وَعَشِيَّةً) أَيْ صَبَاحًا وَمَسَاءً وَلِهَذَا وَصَّى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاتَيْ طَرَفَيِ النَّهَارِ كَمَا مَرَّ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) أَيْ نَاعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوهِ الذَّوَاتُ وَخُصَّتْ لِشَرَفِهَا وَلِظُهُورِ أَثَرِ النِّعْمَةِ عَلَيْهَا (إِلَى ربها ناظرة) قَالَ الطِّيبِيُّ قَدَّمَ صِلَةَ نَاظِرَةٌ إِمَّا لِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ وَهِيَ نَاضِرَةٌ بَاسِرَةٌ فَاقِرَةٌ وَإِمَّا لِأَنَّ النَّاظِرَ يُسْتَغْرَقُ عِنْدَ رَفْعِ الْحِجَابِ بِحَيْثُ لَا

стр. 3483

يلتفت إلى ما سواء وحديث بن عُمَرَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى والطبراني وبن أبي شيبة وعبد بن حميد وبن جرير وبن المنذر والدارقطني والحاكم وبن مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَرَوَاهُ عَبْدُ الملك) بن سعيد بن حبان (بن أبحر) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ السَّابِعَةِ (وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَثْبَتُ النَّاسِ كِتَابًا فِي الثَّوْرِيِّ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ [٢٥٥٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ) بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ صَدُوقٌ (حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ) الْحِمَّانِيُّ أَبُو بِشْرٍ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ التَّاسِعَةِ قَوْلُهُ (تُضَامُونَ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَمَعْنَاهُ فِي شَرْحِ أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوْلُهُ (وَهَكَذَا رَوَى يَحْيَى بن عيسى الرملي) التميمي النهشلي الفافوري الجوار الكوفي

стр. 3484

صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مِنَ التَّاسِعَةِ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَعْمَشِ (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَيْضًا) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يسار عن أبي سعيد مطولا ٨ - باب [٢٥٥٥] قَوْلُهُ (فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا) أَيْ يَا رَبَّنَا وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْحَجِّ (فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ) أَيْ عَنْ رَبِّكُمْ (فَيَقُولُونَ مَا لَنَا لَا نَرْضَى) الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مَانِعٌ لَنَا مِنْ أَنْ لَا نَرْضَى عَنْكَ (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (أَنَا أُعْطِيكُمْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَأَنَا أُعْطِيكُمْ وَفِي أُخْرَى لَهُ أَلَا أُعْطِيكُمْ (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ عَطَائِكُمْ هَذَا (وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ عَطَائِكَ هَذَا (أُحِلُّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُنْزِلُ (رِضْوَانِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُضَمُّ أَيْ دَوَامَ رِضْوَانِي فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَطَاءِ دَوَامُ الرِّضَا وَلِذَا قَالَ (فَلَا أَسْخَطُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا أَغْضَبُ قَالَ

стр. 3485

الطِّيبِيُّ الْحَدِيثُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عدن ورضوان من الله أكبر وَقَالَ الْحَافِظُ فِيهِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَرِضْوَانٌ من الله أكبر لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ وَكُلُّ من علم أن سيده راض عنه وكان أَقَرَّ لِعَيْنِهِ وَأَطْيَبَ لِقَلْبِهِ مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي حَصَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ ٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَرَائِي أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْغُرَفِ) [٢٥٥٦] قَوْلُهُ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيِّ) بْنِ أُسَامَةَ الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ وَيُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي الْغُرْفَةِ) كَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَالْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغَرْفَةِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْغُرْفَةُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهِيَ بَيْتٌ يُبْنَى فَوْقَ الدَّارِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْقُصُورُ الْعَالِيَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالْمَعْنَى إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ تَتَفَاوَتُ مَنَازِلُهُمْ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْفَضْلِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لِيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ كَالنُّجُومِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ (كَمَا يَتَرَاءَوْنَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (الْغَارِبَ فِي الْأُفُقِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ الْآفَاقِ أَيْ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ (فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشيخين لتفاضل ما بينهم قال القارىء عِلَّةٌ لِلتَّرَائِيِ وَالْمَعْنَى إِنَّمَا ذَلِكَ لِتَزَايُدِ مَرَاتِبِ مَا بَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ وَمَا بَيْنَ أَرْبَابِ أَهْلِ الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ انْتَهَى (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ) بِحَذْفِ حَرْفِ

стр. 3486

الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَهُمْ يَعْنِي أَهْلَ الْغُرَفِ النَّبِيُّونَ وَتِلْكَ الْغُرَفُ مَنَازِلُهُمْ (قَالَ بَلَى) أَيْ نَعَمْ (وَأَقْوَامٌ) أَيْ غَيْرُ النَّبِيِّينَ (آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) أَيْ حَقَّ تَصْدِيقِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَقْوَامٌ يُشِيرُ إِلَى نَاسٍ مَخْصُوصِينَ مَوْصُوفِينَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ وُصِفَ بِهَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَلَغَ تِلْكَ الْمَنَازِلَ صِفَةٌ أُخْرَى وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لَهُمْ ذَلِكَ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُهَا مَنْ لَهُ عَمَلٌ مَخْصُوصٌ وَمَنْ لَا عَمَلَ لَهُ كَأَنَّ بُلُوغَهَا إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ كَمَا فِي الْفَتْحِ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ) [٢٥٥٧] قَوْلُهُ (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) الصَّعِيدُ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ الْمُسْتَوِيَةُ (ثُمَّ يَطْلُعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ طَلَعَ فُلَانٌ عَلَيْنَا كَمَنَعَ وَنَصَرَ أَتَانَا كَاطَّلَعَ انْتَهَى (فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ) قال بن الْعَرَبِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ تَلْبِيسًا عَلَيْهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَيُحْضَرُونَ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حصب جهنم (نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ) وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي

стр. 3487

يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ منك قال بن الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا اسْتَعَاذُوا مِنْهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ اسْتِدْرَاجٌ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَمِنَ الْفَحْشَاءِ اتِّبَاعُ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صور أَيْ بِصُورَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا وَهِيَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ إِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ أَيْ إِذَا جَاءَنَا بِمَا عَهِدْنَاهُ مِنْهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ (ثُمَّ يَتَوَارَى) أَيْ يَسْتَتِرُ (وَهَلْ تُضَارُّونَ) قَالَ النَّوَوِيُّ رُوِيَ تُضَارُّونَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَالتَّاءُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ هَلْ تُضَارُّونَ غَيْرَكُمْ فِي حَالَةِ الرُّؤْيَةِ بِزَحْمَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ فِي الرُّؤْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِخَفَائِهِ كَمَا تَفْعَلُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ هَلْ يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْرٌ وَهُوَ الضَّرَرُ وَقَالَ الْحَافِظُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ مِنَ الضَّرَرِ وَأَصْلُهُ تُضَارَرُونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْ لَا تَضُرُّونِ أَحَدًا وَلَا يَضُرُّكُمْ بِمُنَازَعَةٍ وَلَا مُجَادَلَةٍ وَلَا مُضَايَقَةٍ وَجَاءَ تَخْفِيفُ الرَّاءِ مِنَ الضَّيْرِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الضُّرِّ أَيْ لَا يُخَالِفُ بَعْضٌ بَعْضًا فَيُكَذِّبُهُ وَيُنَازِعُهُ فَيَضِيرُهُ بِذَلِكَ يُقَالُ ضَارَهُ يَضِيرُهُ (ثُمَّ يَطْلُعُ فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ) أَيْ يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ عِلْمًا قَطْعِيًّا يَعْرِفُونَ بِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ (أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّبِعُونِي) وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ يَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَهَابِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ يَتَّبِعُونَ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ (وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ) وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ (فَيَمُرُّ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَمُرُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الصِّرَاطِ (مِثْلَ جِيَادِ الْخَيْلِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ فَرَسٌ جَوَادٌ بَيِّنُ الْجُودَةِ بِالضَّمِّ رَائِعٌ وَالْجَمْعُ جِيَادٌ وَقَدْ جَادَ فِي عَدْوِهِ جُودَةً انْتَهَى وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ (وَالرِّكَابِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَطْفٌ عَلَى الْخَيْلِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ وَلَا وَاحِدَ له من لفظه (وقولهم) أي قول المرسل وَالْأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصِّرَاطِ (سَلِّمْ سَلِّمْ) أَمْرُ مُخَاطَبٍ أَيْ يَقُولُ كُلُّ نَبِيٍّ اللَّهُمَّ سَلِّمْ أُمَّتِي مِنْ ضَرَرِ الصِّرَاطِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِهِ آمَنِينَ مِنْ مُخَافَاتِهِ وَتَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ أَوْ لِلْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا هُوَ مِنْ آدَابِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ

стр. 3488

قَالَ الْحَافِظُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَوَقَعَ فِي رواية العلا وَقَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصِّرَاطِ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَالضَّمِيرُ فِي الْأَوَّلِ لِلرُّسُلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْكَلَامِ شِعَارَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهِ بَلْ تَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ يَدْعُونَ للمؤمنين بالسلامة فسمى ذلك شعارا لهم فهذا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ حَلَّتِ الشَّفَاعَةُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ انْتَهَى (ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجٌ) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أَيْ مِنْ زِيَادَةٍ (حَتَّى إِذَا أُوعِبُوا فِيهَا) مِنَ الْإِيعَابِ وَهُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِي كُلِّ شَيْءٍ (وَضَعَ الرَّحْمَنُ قَدَمَهُ فِيهَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ رِجْلَهُ قال القارىء مَذْهَبُ السَّلَفِ التَّسْلِيمُ وَالتَّفْوِيضُ مَعَ التَّنْزِيهِ وَأَرْبَابُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْخَلَفِ يَقُولُونَ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَدَمَهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُومِ أَوْ قَوْمٍ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ مِنْ أَهْلِهَا وَتَقَدَّمَ فِي سَابِقِ حُكْمِهِ أنهم لاحقوها فتمتلىء مِنْهُمْ جَهَنَّمُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ ربهم أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي تَصْدِيقِهِمْ وَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْجَرَادِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْجَرَادِ لَكِنَّ اسْتِعَارَتَهُ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرُ بَعِيدٍ أَوْ أَخْطَأَ الرَّاوِي فِي نَقْلِهِ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى وَظَنَّ أَنَّ الرِّجْلَ سَدَّ مَسَدَّ الْقَدَمِ هَذَا وَقَدْ قِيلَ وَضْعُ الْقَدَمِ عَلَى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّدْعِ وَالْقَمْعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَأْتِيهَا أَمْرُ اللَّهِ فَيَكُفُّهَا مِنْ طَلَبِ الْمَزِيدِ وَقِيلَ أُرِيدَ بِهِ تَسْكِينُ فَوْرَتِهَا كَمَا يُقَالُ لِلْأَمْرِ يُرَادُ إِبْطَالُهُ وَضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمَيَّ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْقَدَمُ وَالرِّجْلُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّشْبِيهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ كَالْيَدِ وَالْأُصْبُعِ وَالْعَيْنِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ فَالْإِيمَانُ بِهَا فَرْضٌ وَالِامْتِنَاعُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا وَاجِبٌ فَالْمُهْتَدِي مَنْ سَلَكَ فِيهَا طَرِيقَ التَّسْلِيمِ وَالْخَائِضُ فِيهَا زَائِغٌ وَالْمُنْكِرُ مُعَطِّلٌ وَالْمُكَيِّفُ مُشَبِّهٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ انْتَهَى قال القارىء وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ وَلِطَرِيقِ إِمَامِنَا الْأَعْظَمِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أعلم انتهى

стр. 3489

قلت الأمر كما قال القارىء فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْلِيمَ وَالتَّفْوِيضَ هُوَ الْأَسْلَمُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ (وَأُزْوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي رِوَايَةٍ يُزْوَى أَيْ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَجْتَمِعُ وَتَلْتَقِي عَلَى مَنْ فِيهَا (قَالَتْ) أَيِ النَّارُ (قَطٍ قَطٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى قَطٍ حَسْبِي أَيْ يَكْفِينِي هَذَا وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً وَغَيْرَ مَنُونَةٍ انْتَهَى وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ (أُتِيَ بِالْمَوْتِ) أَيْ أُحْضِرَ بِهِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي (مُلَبِّبًا) فِي الْقَامُوسِ لَبَّبَهُ تَلْبِيبًا جَمَعَ ثِيَابَهُ عِنْدَ نَحْرِهِ فِي الْخُصُومَةِ ثُمَّ جَرَّهُ (فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ) أَيْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ (فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ) أَيْ يَرْجُونَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ فَيَخْرُجُوا مِنَ النار وفي رواية بن مَاجَهْ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ (يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ) أَيْ هَذَا الْحَالُ مُسْتَمِرٌّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ خَالِدٍ أَيْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ (لَا مَوْتَ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ لَا مَوْتَ فِي الْجَنَّةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وأخرجه بن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا قَوْلُهُ (كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْتِ هَكَذَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمُ الْفِدَاءُ بِهِ كَمَا فُدِيَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَبْشِ وَفِي الْأَمْلَحِ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لِأَنَّ الأملح ما فيه بياض وسواد وقال بن الْعَرَبِيِّ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ لِكَوْنِهِ

стр. 3490

يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَنْقَلِبُ جِسْمًا فَكَيْفَ يُذْبَحُ فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ وَدَفَعَتْهُ وَتَأَوَّلَتْهُ طَائِفَةٌ فَقَالُوا هَذَا تَمْثِيلٌ وَلَا ذَبْحَ هُنَاكَ حَقِيقَةً وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلِ الذَّبْحُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمَذْبُوحُ مُتَوَلِّي الْمَوْتِ وَكُلُّهُمْ يَعْرِفُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ وَقَالَ الْمَازَرِيُّ الْمَوْتُ عِنْدَنَا عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِمَعْنًى بَلْ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْحَيَاةِ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خَلَقَ الموت والحياة فَأَثْبَتَ الْمَوْتَ مَخْلُوقًا وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا وَلَا جِسْمًا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْجِسْمَ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُجْعَلُ مِثَالًا لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ الْمَوْتُ مَعْنًى وَالْمَعَانِي لَا تَنْقَلِبُ جَوْهَرًا وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ أَشْخَاصًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَكَذَا الْمَوْتُ يَخْلُقُ اللَّهُ كَبْشًا يُسَمِّيهِ الْمَوْتَ وَيُلْقِي فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ يَكُونُ ذَبْحُهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا مَانِعَ أَنْ يُنْشِئَ اللَّهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ أَجْسَادًا يَجْعَلُهَا مَادَّةً لَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَجِيئَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى قُلْتُ هَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ قَوْلُهُ (وَهَذَا أَمْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَارُوهُ وذهبوا إليه) وهو الحق والثواب وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ ﵃ أَجْمَعِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَبْوَابِ الزَّكَاةِ

стр. 3491

٢١ - (بَاب مَا جَاءَ حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) [٢٥٥٩] قَوْلُهُ (حُفَّتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْحِفَافِ وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِالشَّيْءِ حَتَّى لَا يُتَوَصَّلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَخَطِّيهِ أَيْ أُحِيطَتْ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حُجِبَتْ (بِالْمَكَارِهِ) أَيْ بِمَا أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمَكَارِهَ لِمَشَقَّتِهَا عَلَى الْعَامِلِ وَصُعُوبَتِهَا عَلَيْهِ (وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) أَيْ مَا يُسْتَلَذُّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مِمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ تَعَاطِيهِ إِمَّا بِالْأَصَالَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِ فِعْلِهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَفَصِيحِهِ وَجَوَامِعِهِ الَّتِي أُوتِيهَا ﷺ مِنَ التَّمْثِيلِ الْحَسَنِ وَمَعْنَاهُ لَا يوصل إلى الجنة إلا بار تكاب الْمَشَقَّاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْمَكْرُوهَاتِ وَلَا إِلَى النَّارِ إِلَّا بِتَعَاطِي الشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ هُمَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ وَهَتْكُ حِجَابِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ فَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَالصَّبْرُ عَلَى مَشَاقِّهَا وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَالْعَفْوُ وَالْحِلْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيءِ وَالصَّبْرُ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك وأما للشهوات الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجُرَّ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ أَوْ يُقَسِّي الْقَلْبَ أَوْ يَشْغَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 3492

[٢٥٦٠] قَوْلُهُ (انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أَيْ مَا هَيَّأْتُ فِيهَا لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ (قَالَ) أَيْ جِبْرَائِيلُ (فَوَعِزَّتِكَ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا) أَيْ طَمِعَ فِي دُخُولِهَا وَجَاهَدَ فِي حُصُولِهَا وَلَا يَهْتَمُّ إِلَّا بِشَأْنِهَا لِحُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا (فَحُفَّتْ) أَيْ أُحِيطَتْ (بِالْمَكَارِهِ) جَمْعُ كُرْهٍ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا صُوَرٌ حِسِّيَّةٌ فِي تِلْكَ الْمَبَانِي (فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أَيْ ثَانِيًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ حَوَالَيْهَا (لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ) أَيْ لِوُجُودِ الْمَكَارِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ (لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا) أَيْ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا فَزِعَ مِنْهَا وَاحْتَرَزَ فَلَا يَدْخُلُهَا (لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا وَمَعْنَاهَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْكِتَابِ فَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهَا إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ إِلَّا بِمَعْنَى بَلْ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود والنسائي وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ كَذَا فِي الْفَتْحِ

стр. 3493

٢٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي احْتِجَاجِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) [٢٥٦١] قَوْلُهُ (احْتَجَّتْ) أَيِ اخْتَصَمَتْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ وَلِمُسْلِمٍ تَحَاجَّتْ (يدخلني الضعفاء والمساكين) قيل معنى الضعيف ها هنا الخاضع لله تعالى بذل نَفْسِهِ لَهُ ضِدَّ الْمُتَجَبِّرِ وَالْمُتَكَبِّرِ وفي رواية للبخاري مالي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ الْحَافِظُ أَيِ الْمُحْتَقَرُونَ بَيْنَهُمُ السَّاقِطُونَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنَ النَّاسِ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ هُمْ عُظَمَاءُ رُفَعَاءُ الدَّرَجَاتِ لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لِعَظَمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالذِّلَّةِ فِي عِبَادِهِ فَوَصْفُهُمْ بِالضَّعْفِ وَالسَّقَطِ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ الْأَغْلَبُ (يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ للشيخين أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين قال القارىء هُمَا بِمَعْنًى جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ وَقِيلَ لِلتَّكَبُّرِ لِلتَّعَظُّمِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَالْمُتَجَبِّرُ الْمَمْنُوعُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ وَقِيلَ الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِأَمْرِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (أَنْتِ عَذَابِي) أَيْ سَبَبُ عُقُوبَتِي وَمُنْشَأُ سُخْطِي وَغَضَبِي (أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ شِئْتُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ أُعَذَّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ (وَقَالَ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي) أَيْ مَظْهَرُهَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ سَمَّى الْجَنَّةَ رَحْمَتَهُ لِأَنَّ بِهَا تَظْهَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ شِئْتُ) وَإِلَّا فَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ بِهَا مَوْصُوفًا لَيْسَتْ لِلَّهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ وَلَا اسْمٌ حَادِثٌ فَهُوَ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ﷻ وتقدست أسماؤه قال بن بَطَّالٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِصَامُ حَقِيقَةً بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمَا حَيَاةً وَفَهْمًا وَكَلَامًا وَاَللَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَوْضُ لَا يَتَكَلَّمُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ امْتِلَائِهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَنْطِقُ لَقَالَ ذَلِكَ وَكَذَا فِي

стр. 3494

قَوْلِ النَّارِ (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) قَالَ وَحَاصِلُ اخْتِصَامِهِمَا افْتِخَارُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى بِمَنْ يَسْكُنُهَا فَتَظُنُّ النَّارُ أَنَّهَا بِمَنْ أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَتَظُنُّ الْجَنَّةُ أَنَّهَا بِمَنْ أَسْكَنَهَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ فَأُجِيبَتَا بِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ مَنْ يَسْكُنُهُمَا وَفِي كِلَيْهِمَا شَائِبَةُ شِكَايَةٍ إِلَى رَبِّهِمَا إِذْ لَمْ تَذْكُرْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا مَا اخْتُصَّتْ بِهِ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالِاحْتِجَاجِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ فِيهِمَا دَائِمًا انْتَهَى قُلْتُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ٣ - (بَاب مَا جَاءَ مَا لِأَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ الْكَرَامَةِ) [٢٥٦٢] قَوْلُهُ (أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) أَيْ أَقَلُّهُمْ مَرْتَبَةً (الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ يُعْطَى هَذَا الْعَدَدَ أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْكَثْرَةِ (وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً) أَيْ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَمَا فِي رواية أي غير ماله مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا (وَتُنْصَبُ لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُضْرَبُ وَتُرْفَعُ لَهُ (قُبَّةٌ) بِضَمِّ الْقَافِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ بَيْتٌ صَغِيرٌ مُسْتَدِيرٌ (مِنْ لُؤْلُؤٍ) بِضَمِّ اللَّامَيْنِ (وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ) قَالَ الْقَاضِي يُرِيدُ أَنَّ الْقُبَّةَ مَعْمُولَةٌ مِنْهَا أَوْ مُكَلَّلَةٌ بِهَا (كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ) قَرْيَةٍ بِالشَّامِ (إِلَى صَنْعَاءَ) قَصَبَةٍ بِالْيَمَنِ تُشْبِهُ دِمَشْقَ فِي كَثْرَةِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ فُسْحَةَ الْقُبَّةِ وَسَعَتَهَا طُولًا وَعَرْضًا وَبُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا

стр. 3495

بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَإِذَا كَانَ هَذَا لِلْأَدْنَى فَمَا بَالُكَ لِلْأَعْلَى وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وبن حِبَّانَ وَالضِّيَاءُ قَوْلُهُ (وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيِ الْإِسْنَادِ السَّابِقِ قَوْلُهُ (مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يَعُودُونَ وَفِيهِ تَغْلِيبٌ لِأَنَّهُ لَا رَدَّ فِي الصَّغِيرِ أَوِ الْمَعْنَى يَصِيرُونَ (فِي الْجَنَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُرَدُّونَ (لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا) أَيْ زِيَادَةً مُؤَثِّرَةً فِي تَغْيِيرِ أَبْدَانِهِمْ وَأَعْضَائِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ وَإِلَّا فَزَمَانُهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَتَزَايَدُ أَبَدَ الْآبِدِينَ (وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ) أَيْ فِي الْعُمُرِ وَعَدَمِ الزِّيَادَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ مَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ البكاء صغارهم دعا ميص الْجَنَّةِ أَيْ دَاخِلُونَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ مَوْضِعٍ كَمَا فِي الدُّنْيَا قُلْتُ فِي الجنة ظرف ليردون وهو لا يشعر أنهم لم يكونوا دعا ميص قَبْلَ الرَّدِّ قَوْلُهُ (إِنَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى رؤوس أَهْلِ الْجَنَّةِ (التِّيجَانُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ تَاجٍ (إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِنَ التيجان (لتضيء) بالتأنيث قال القارىء وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُضَافَ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَالْمَعْنَى لَتُنَوِّرُ (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فَأَضَاءَ مُتَعَدٍّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا وَالتَّقْدِيرُ لَيُضِيءُ بِهِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ لَوْ ظَهَرَتْ عَلَى الدُّنْيَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْإِسْنَادِ الْوَاحِدِ غَرِيبٌ (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ) وَهُوَ ضَعِيفٌ

стр. 3496

[٢٥٦٣] قَوْلُهُ (كَانَ حَمْلُهُ) أَيْ حَمْلُ الْوَلَدِ (وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ) أَيْ كَمَالُ سِنِّهِ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ سَنَةً (كَمَا يَشْتَهِي) مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن حِبَّانَ وَالدَّارِمِيُّ قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) هُوَ الْإِمَامُ البخاري (قال إسحاق بن إبراهيم) هو بن رَاهْوَيْهِ (وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي) هَذَا هُوَ مَقُولُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللغظ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحَيْنِ تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ ٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَلَامِ الْحُورِ الْعِينِ) أَيْ فِي غِنَائِهِنَّ وَقَدْ عَقَدَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ فَصْلًا فِي غِنَاءِ الْحُورِ الْعِينِ وَأَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ الْبَابِ [٢٥٦٤] قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ مَوْضِعًا لِلِاجْتِمَاعِ أَوِ اجْتِمَاعًا

стр. 3497

(يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ) الْبَاءُ الزَّائِدَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ أَرَادَ بِالْأَصْوَاتِ النَّغَمَاتِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِأَنْغَامٍ (نَحْنُ الْخَالِدَاتُ) أَيِ الدَّائِمَاتُ (فَلَا نَبِيدُ) أَيْ لَا نَهْلِكُ وَلَا نَمُوتُ مِنْ بَادَ أَيْ هَلَكَ وَفَنِيَ (وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ) أَيِ الْمُتَنَعِّمَاتُ (فَلَا نَبْأَسُ) أَيْ لَا نَفْتَقِرُ وَلَا نَحْتَاجُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا وَبَئِسَ كَسَمِعَ بُؤْسًا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ (وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ) أَيْ عَنْ رَبِّنَا أَوْ عَنْ أَصْحَابِنَا (فَلَا نَسْخَطُ) فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ (طُوبَى) أَيِ الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ (لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ) أَيْ فِي الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَرًا طُولَ الْجَنَّةِ حَافَّتَاهُ الْعَذَارَى قِيَامٌ مُتَقَابِلَاتٌ يُغَنِّينَ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ يَسْمَعُهَا الْخَلَائِقُ حَتَّى مَا يَرَوْنَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَذَّةً مِثْلَهَا قُلْنَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا ذَاكَ الْغِنَاءُ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّقْدِيسُ وَثَنَاءٌ عَلَى الرَّبِّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وأَمَّا حديث أنس فأخرجه بن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ إِنَّ الْحُورَ فِي الْجَنَّةِ يُغَنِّينَ يَقُلْنَ نَحْنُ الْحُورُ الْحِسَانُ هُدِينَا لِأَزْوَاجٍ كَرَامٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَإِسْنَادُهُ مقارب قوله (هذا علي حديث غريب) وأخرجه البيهقي ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ) [٢٥٧١] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ وَهُوَ جَدُّ بَهْزٍ

стр. 3498

قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ الْعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ يُرِيدُ بِالْبَحْرِ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا وَبِالنَّهْرِ مِثْلَ نَهْرِ مَعْقِلٍ حَيْثُ تُشَقَّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثم منه تشقق جداول وقال القارىء قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هِيَ الْأَنْهَارُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَنْهَارًا لِجَرَيَانِهَا بِخِلَافِ بِحَارِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْقَرَارِ (ثُمَّ تُشَقَّقُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ ويحتمل أن يكون يصيغة الْمَجْهُولِ مِنَ التَّشْقِيقِ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ [٢٥٧٢] قَوْلُهُ (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ) بِأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالِكُ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ أَوْ مَجْلِسٍ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاحِ عَلَى مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ (قَالَتِ الْجَنَّةُ) بِبَيَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْقَالِ لِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِنْطَاقِ الْجَمَادَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ لُحُوقًا آخِرِيًّا (وَمَنِ اسْتَجَارَ) أَيِ اسْتَحْفَظَ (مِنَ النَّارِ) بِأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ (قَالَتِ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ) أَيِ احْفَظْهُ أَوْ أَنْقِذْهُ (مِنَ النَّارِ) أَيْ مِنْ دُخُولِهِ أَوْ خُلُودِهِ فِيهَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريدونوع مِنَ الِالْتِفَاتِ انْتَهَى وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أيضا النسائي وبن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ٦

стр. 3499

[٢٥٦٦] قَوْلُهُ (يَغْبِطُهُمُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ) أَيْ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّ لَهُمْ مِثْلَ مَا لَهُمْ وَالْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ في باب فضل المملوك صالح مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ [٢٥٦٧] قوله (عن منصور) هو بن المعتمر (عن ربعي) هو بن خراش الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ قَوْلُهُ (يَرْفَعُهُ) أَيْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ لَمْ يقل هذا الأوهم أن يكون الحديث موقوفا على بن مَسْعُودٍ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (قَالَ ثَلَاثَةٌ) وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (رَجُلٌ قام من الليل) أي للتهجد فيه (يتلوا كِتَابَ اللَّهِ) أَيِ الْقُرْآنَ فِي صَلَاتِهِ وَخَارِجَهَا (بِيَمِينِهِ) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الْأَدَبِ فِي الْعَطَاءِ بِأَنْ يَكُونَ بِالْيَمِينِ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَتَفَاؤُلًا بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ (يُخْفِيهَا) أَيْ يُخْفِي تِلْكَ الصَّدَقَةَ غَايَةَ الْإِخْفَاءِ خَوْفًا مِنَ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ مُبَالَغَةً فِي قَصْدِ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَاءِ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنَ الإرادة أَيْ أَظُنُّهُ (مِنْ شِمَالِهِ) أَيْ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ أُرِيدَ بِهِ كَمَالُ الْمُبَالَغَةِ (وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ) أَيْ فِي جَيْشٍ صَغِيرٍ (فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ) أَيْ وَقَاتَلَهُمْ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العليا

стр. 3500

٢٧

стр. 3501

كَنْزٍ فَقَالَ الْأَعْرَجُ جَبَلٍ وَتَسْمِيَتُهُ كَنْزًا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ وَتَسْمِيَتُهُ جَبَلًا لِلْإِشَارَةِ إلى كئرته وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قُتِلْتُ وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ [٢٥٦٨] قَوْلُهُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التهذيب فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَنْهُ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ قال ذكره بن حبان في الثقات وأخرج هو وبن خُزَيْمَةَ بِهِ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى قَوْلُهُ (فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ فَرَجُلٌ) أَيْ مُعْطِي رَجُلٍ (أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاَللَّهِ) أَيْ مُسْتَعْطِفًا بِاَللَّهِ قَائِلًا أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ أَعْطَوْنِي (وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ أَعْطُونِي بِحَقِّ قَرَابَةٍ (فَمَنَعُوهُ) أي الرجل العطاء (فتخلف رجل بأعيانهم) قال القارىء الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ بِأَشْخَاصِهِمْ وَتَقَدَّمَ وَقِيلَ أَيْ تَأَخَّرَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى جَانِبٍ حَتَّى لَا يَرَوْهُ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ أَشْخَاصِهِمْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ تَرَكَ الْقَوْمَ الْمَسْئُولَ عَنْهُمْ خَلْفَهُ فَتَقَدَّمَ فأعطاء سِرًّا وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَعْيَانِ الْأَشْخَاصُ أَيْ سَبَقَهُمْ بِهَذَا الْخَيْرِ فَجَعَلَهُمْ خَلْفَهُ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ عَنْ أَعْيَانِهِمْ وَهَذَا أَشْبَهُ مَعْنًى وَالْأَوَّلُ أَوْثَقُ سَنَدًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى خَلَا بِالسَّائِلِ فَأَعْطَاهُ سِرًّا (وَلَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ) تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى السِّرِّ (وَقَوْمٌ) أَيْ وَقَائِمُ قَوْمٍ (أَحَبَّ إِلَيْهِمْ) أَيْ أَلَذَّ وَأَطْيَبَ (مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ) أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 3502

يقابل ويساوي بالنوم (فوضعوا رؤوسهم) أَيْ فَنَامُوا (قَامَ رَجُلٌ) أَيْ مِنَ النَّوْمِ (يَتَمَلَّقُنِي) أَيْ يَتَوَاضَعُ لَدَيَّ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيَّ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمَلَقُ بِالتَّحْرِيكِ الزِّيَادَةُ فِي التَّوَدُّدِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ قِيلَ دَلَّ أَوَّلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ وَآخِرُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ تَعَالَى وَوُجِّهَ بِأَنَّ مَقَامَ الْمُنَاجَاةِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَسْرَارٍ وَمُنَاجَاةٍ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ فَحَكَى اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ فَحَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَا بِمَعْنَاهُ إِذْ لَا يُقَالُ يَتَمَلَّقُ اللَّهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الِالْتِفَاتِ فِي شَيْءٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَيَتْلُو آيَاتِي) أي يقرأ ألفاظها وَيَتْبَعُهَا بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهَا (فَهُزِمُوا) أَيْ أَصْحَابُهُ (فأقبل بصدره) أي خلا مَنْ وَلَّى دُبُرَهُ بِتَوْلِيَةِ ظَهْرِهِ (حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ) أَيْ حَتَّى يَفُوزَ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (الشَّيْخُ الزَّانِي) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْخِ الشَّيْبَةُ ضِدُّ الشَّابِّ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُحْصَنُ ضِدُّ الْبِكْرِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ) أَيِ الْمُتَكَبِّرُ (وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ) أَيْ كَثِيرُ الظُّلْمِ فِي الْمَطْلِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا خُصَّ الشَّيْخُ وَأَخَوَيْهِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ فِيهِمْ أَشَدُّ مَذَمَّةً وَأَكْثَرُ نُكْرَةً قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن حبان في صحيحه والحاكم

стр. 3503

٣٧ - كتاب صفة جهنم قَالَ النَّوَوِيُّ جَهَنَّمُ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ بِالتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا قال روبة يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ يُقَالُ جَهَنَّمُ الْوَجْهُ أَيْ غَلِيظُهُ فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا انتهى (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّارِ) [٢٥٧٣] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بِكَسْرِ المعجمة واخره مثلثة بن الطَّلْقِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ) الْأَسَدِيِّ الْكَاهِلِيِّ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يُؤْتَى بِهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فيه وجيء يومئذ بجهنم (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ الزِّمَامُ مَا يُجْعَلُ فِي

стр. 3504

أَنْفِ الْبَعِيرِ دَقِيقًا وَقِيلَ مَا يُشَدُّ بِهِ رؤوسها مِنْ حَبْلٍ وَسَيْرٍ انْتَهَى (يَجُرُّونَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَسْحَبُونَهَا قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ لَعَلَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا فِي الْمَوْقِفِ لِيَرَاهَا النَّاسُ تَرْهِيبًا لَهُمْ قَوْلُهُ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالثَّوْرِيُّ لَا يَرْفَعُهُ) حَدِيثُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَرْفُوعُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ رَفْعُهُ وَهْمٌ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَمَرْوَانُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ مَوْقُوفًا قَالَ وَحَفْصٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ إِمَامٌ فَزِيَادَةُ الرَّفْعِ مَقْبُولَةٌ كَمَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ والمحققين انتهى [٢٥٧٤] قوله (يخرج عُنُقٌ مِنَ النَّارِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعُنُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَأَمِيرٍ وَكَصُرَدٍ الْجِيدُ وَيُؤَنَّثُ وَالْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْعُنُقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالنُّونِ أَيْ طَائِفَةٌ وَجَانِبٌ مِنَ النَّارِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أي طائفة منها ومن بيانية قال القارىء وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظَرْفٌ لَهُ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُنُقِ الْجِيدُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِذْ لَا صَارِفَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَخْرُجُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ عَلَى هَيْئَةِ الرَّقَبَةِ الطَّوِيلَةِ انْتَهَى قُلْتُ الْأَمْرُ عندي كما قال القارىء وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (يَقُولُ) بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ يَنْطِقُ أَوْ حَالٌ (وَإِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ) أَيْ وَكَّلَنِي اللَّهُ بِأَنْ أُدْخِلَ هَؤُلَاءِ الثلاثة النار وأعذبهم بالفضيحة على رؤوس الْأَشْهَادِ (بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجَبَّارُ هُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي وَالْعَنِيدُ الْجَائِرُ عَنِ الْقَصْدِ الْبَاغِي الَّذِي يَرُدُّ الْحَقَّ مَعَ الْعِلْمِ به

стр. 3505

٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ قَعْرِ جَهَنَّمَ) [٢٥٧٥] قَوْلُهُ (عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضِ) بْنِ مَسْعُودٍ التَّمِيمِيِّ أَبِي عَلِيٍّ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَسَكَنَ مَكَّةَ ثِقَةٌ عَابِدٌ إِمَامٌ مِنَ الثَّامِنَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ أَبُو عِمَادٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ سَمِعْتُ الْفَضْلَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ أَبِيوَرَدَ وَسَرَخْسَ وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا إِذْ سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ فَرَجَعَ فَأَوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ فَإِذَا فِيهَا سَابِلَةٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرْتَحِلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى نُصْبِحَ فَإِنَّ فُضَيْلًا عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا قَالَ فَفَكَّرْتُ قُلْتُ أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ في المعاصي وقوم من المسلمين يخافونني ها هنا وَمَا أَرَى اللَّهَ سَاقَنِي إِلَيْهِمْ إِلَّا لِأَرْتَدِعَ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مجاورة البيت الحرام وقال بن سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً نَبِيلًا فَاضِلًا عَابِدًا وَرِعًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ انْتَهَى (قَالَ عُتْبَةُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ (بْنُ غَزْوَانَ) بِفَتْحِ المعجمة وسكون الزاي بن جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مُهَاجِرِيٌّ بَدْرِيٌّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَطَّ الْبَصْرَةَ قَوْلُهُ (إِنَّ الصَّخْرَةَ) بِسُكُونِ الْخَاءِ وَتُفْتَحُ الحجر العظيم الصلب كذا في القاموس فقوله (الْعَظِيمَةَ) دَلَّ بِهِ عَلَى شِدَّةِ عِظَمِهَا (لَتُلْقَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ) أَيْ جَانِبِهَا وَحَرْفِهَا (فَتَهْوِي) أَيْ تَسْقُطُ (مَا تُفْضِي) مِنَ الْإِفْضَاءِ أَيْ مَا تَصِلُ (إِلَى قَرَارِهَا) أَيْ إِلَى قَعْرِهَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَ عُمْقِهَا بِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَتَنَاهَى فَالسَّبْعِينَ لِلتَّكْثِيرِ (قَالَ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ) ضَمِيرُ قَالَ يَرْجِعُ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ (أَكْثِرُوا ذِكْرَ النَّارِ) أَيْ نَارِ جَهَنَّمَ (وَإِنَّ مَقَامِعَهَا حَدِيدٌ) الْمَقَامِعُ سِيَاطٌ مِنْ حديث رُءُوسُهَا مُعْوَجَّةٌ وَاحِدُهَا مِقْمَعَةٌ بِالْكَسْرِ
следующие страницы →