← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

فَارِسِيَّةٌ وَكَانَ مَكْحُولٌ أَعْجَمِيًّا وَيُقَالُ كَانَ اسْمُ أبيه سهراب وقال بن سَعْدٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ مَكْحُولٌ مِنْ أَهْلِ كَابِلَ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ٣ - باب [٢٥٠٣] قَوْلُهُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ) بْنِ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيِّ الْوَادِعِيِّ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ كتبته أَبُو الْوَازِعِ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ) اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ صُهَيْبٍ وَيُقَالُ بن صُهَيْبَةَ وَيُقَالُ غَيْرُ ذَلِكَ الْأَرْحَبِيُّ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا) أَيْ فَعَلْتُ مِثْلَ فِعْلِهِ يُقَالُ حَكَاهُ وَحَاكَاهُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَبِيحِ الْمُحَاكَاةُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا) قَالَ الطِّيبِيُّ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَارِدَةٌ عَنِ التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ أَيْ مَا أُحِبُّ أَنْ أُحَاكِيَ أَحَدًا وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا قال القارىء وَفِيهِ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ عَلَى فَتْحِ أَنَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ أَنِّي وَالْمَعْنَى أَنِّي مَا أُحِبُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُحَاكَاةِ وَحُصُولِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِسَبَبِ الْمُحَاكَاةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ مَذْمُومٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَمِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يمشي متعارجا أو مطأطىء رأسه أو غير ذلك من الهيات قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الّقَطَّانُ (وَعَبْدُ الرحمن) هو بن مهدي

стр. 3432

[٢٥٠٢] قَوْلُهُ (وَقَالَتْ بِيَدِهَا) أَيْ أَشَارَتْ بِهَا (تَعْنِي قَصِيرَةً) أَيْ تُرِيدُ عَائِشَةُ كَوْنَهَا قَصِيرَةً وَفِي الْمِشْكَاةِ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا تَعْنِي قَصِيرَةً (لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ) أَيْ أَعْمَالَكِ (لَوْ مُزِجَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَوْ خُلِطَ (بِهَا أَيْ) على تقدير تجميدها وكونها مائعة (المزج) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا وَالْمَعْنَى تَغَيَّرَ وَصَارَ مَغْلُوبًا وَفِي الْمِشْكَاةِ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بها البحر لمزجته قال القارىء أَيْ غَلَبَتْهُ وَغَيَّرَتْهُ قَالَ الْقَاضِي الْمَزْجُ الْخَلْطُ والتعبير بِضَمِّ غَيْرِهِ إِلَيْهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْغِيبَةَ لَوْ كَانَتْ مِمَّا يُمْزَجُ بِالْبَحْرِ لَغَيَّرَتْهُ عَنْ حَالِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وَغَزَارَتِهِ فَكَيْفَ بِأَعْمَالٍ نَزِرَةٍ خلطت بها ٤ - باب قَوْلُهُ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (يُخَالِطُ النَّاسَ) أَيْ يُسَاكِنُهُمْ وَيُقِيمُ فِيهِمْ (وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) أَيْ عَلَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مِنَ الْأَذَى وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْخُلْطَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْعُزْلَةِ (كَانَ شُعْبَةُ يَرَى) أَيْ يَعْتَقِدُ (أنه بن عُمَرَ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَمْرُ كَمَا رأى شعبة فروى بن ماجه بإسناد حسن عن بن عُمَرَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ كَذَا فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ قَالَ الْحَافِظُ بعد ذكر

стр. 3433

هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ قَالَ فِي السُّبُلِ فِي الحديث أفضلية من يخالط الناس مخالطة بأمرهم فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ [٢٥٠٨] ٤٥ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَغْدَادِيُّ) الْبَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ الْحَادِيَةِ عَشْرَةِ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (هُوَ مَنْ وُلْدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِ وَالْمِسْوَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ (عَنْ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ) بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ الثَّقَفِيِّ (الْأَخْنَسِيِّ) حِجَازِيٌّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيِ اتَّقُوا مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ كَمَا فَسَّرَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَيِ التَّسَبُّبَ فِي الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاجَرَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ أَوْ فَسَادٌ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْفَعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الْمَذْكُورَةُ (الْحَالِقَةُ) أَيْ تَحْلِقُ الدِّينَ [٢٥٠٩] قَوْلُهُ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ) قَالَ الْأَشْرَفُ

стр. 3434

الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ النَّوَافِلُ دُونَ الْفَرَائِضِ قَالَ القارىء وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ إِذْ قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ فِي فَسَادٍ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَفْكُ الدِّمَاءِ وَنَهْبُ الْأَمْوَالِ وَهَتْكُ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ فَرَائِضِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ مَعَ إِمْكَانِ قَضَائِهَا عَلَى فَرْضِ تَرْكِهَا فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِ العباد فإذا كان كذلك فيصبح أَنْ يُقَالَ هَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْعَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِكَوْنِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَفْضَلَ كَالْبَشَرِ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَكِ وَالرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ (قَالَ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أَحْوَالِ بَيْنِكُمْ يَعْنِي مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَاتِّفَاقٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَهِيَ مُضْمَرَاتُهَا وَلَمَّا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُلَابِسَةً لِلْبَيْنِ قِيلَ لَهَا ذَاتُ الْبَيْنِ كَقَوْلِهِمْ اسْقِنِي ذَا إِنَاءَكَ يُرِيدُونَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحَالِقَةُ الْخَصْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَحْلِقَ أَيْ تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ وَقِيلَ هِيَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالتَّظَالُمُ قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَاجْتِنَابٌ عَنِ الْإِفْسَادِ فِيهَا لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ سَبَبٌ لِلِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُلْمَةٌ فِي الدِّينِ فَمَنْ تَعَاطَى إِصْلَاحَهَا وَرَفَعَ فَسَادَهَا نَالَ دَرَجَةً فَوْقَ مَا يَنَالُهُ الصَّائِمُ الْقَائِمُ الْمُشْتَغِلُ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْحَالِقَةُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَمْرُ الدِّينِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ فِي بَابِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ قَوْلُهُ (أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامِّ) بْنَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ الْأَسَدِيَّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قُتِلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ وقعة الجمل

стр. 3435

[٢٥١٠] قَوْلُهُ (دَبَّ إِلَيْكُمْ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ سَرَى وَمَشَى بِخُفْيَةٍ (الْحَسَدُ) أَيْ فِي الْبَاطِنِ (وَالْبَغْضَاءُ) أَيِ الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ وَرَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِلدَّاءِ أَوْ بَدَلٌ وَسُمِّيَا دَاءً لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ (وَهِيَ) أَيِ الْبَغْضَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ مَبْنًى وَمَعْنًى أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ (وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسَى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ وَضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَغْضَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ وَلِأَنَّ الْبَغْضَاءَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي ثُلْمَةِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ نَتِيجَةَ الْحَسَدِ (لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِحَذْفِ النُّونِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ النَّهْيَ قَدْ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ كعكسه المشهور عند أهل العلم قاله القارىء (وَلَا تُؤْمِنُوا) أَيْ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف أحدى التائين الْفَوْقِيَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ) مِنَ التَّثْبِيتِ (ذَلِكَ) أَيِ التَّحَابُبَ (أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) أَيْ أَعْلِنُوهُ وَعُمُّوا بِهِ مَنْ عَرَفْتُمُوهُ وَغَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الضَّغَائِنَ وَيُورِثُ التَّحَابُبَ وَالْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما ٦ - باب [٢٥١١] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ (عَنْ عُيَيْنَةَ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُصَغَّرًا (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ جَوْشَنَ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ الْغَطَفَانِيِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٍ صَدُوقٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَوْشَنَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ من الثالثة

стр. 3436

قَوْلُهُ (مَا مِنْ ذَنْبٍ) مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَجْدَرُ) أَيْ أَحْرَى (أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ) صِلَةُ أَجْدَرُ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ أَيْ بِتَعْجِيلِهِ سُبْحَانَهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِمُرْتَكِبِ الذَّنْبِ (الْعُقُوبَةَ) مَفْعُولُ يُعَجِّلَ (مَعَ مَا يَدَّخِرُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَعَ مَا يُؤَجِّلُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الذَّنْبِ (مِنَ الْبَغْيِ) أَيْ مِنْ بَغْيِ الْبَاغِي وَهُوَ الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبرى ومن تَفْضِيلِيَّةٌ (وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) أَيْ وَمِنْ قَطْعِ صِلَةِ ذوي الأرحام قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ٧ - [٢٥١٢] قَوْلُهُ (عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ الْيَمَانِيِّ الْأَبْنَاوِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَبُو يَحْيَى نَزِيلُ مَكَّةَ ضَعِيفٌ اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ وَكَانَ عَابِدًا مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ) أَيْ خَصْلَةُ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِ دِينِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) أَيْ إِلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ عِلْمًا وَعِبَادَةً وَقَنَاعَةً وَرِيَاضَةً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (وَمَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ) أَيْ وَخَصْلَةُ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ (إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ) أَيْ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْهُ وَأَقَلُّ مِنْهُ مَالًا وَجَاهًا (كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا) أَيْ لِلْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ (صَابِرًا) أَيْ لِلْخَصْلَةِ السَّابِقَةِ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ ذَوِي الْعُقُولِ وَلَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ قَدْ يُعْتَبَرُ وَقَدْ لَا يُعْتَبَرُ وَمَعَ اعْتِبَارِهِ الْمَنْطُوقُ أَقْوَى أَيْضًا صَرَّحَ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا حَيْثُ قَالَ (وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ) أَيْ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَنْتَجَهُ الْغُرُورُ وَالْعُجْبُ

стр. 3437

وَالْخُيَلَاءُ (وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَأَوْرَثَهُ الْحِرْصَ وَالْأَمَلَ وَالرِّيَاءَ (فَأَسِفَ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ حَزِنَ (عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ بِحُصُولِ فَقْدِهِ وقد قال تعالى لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا اتاكم (لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا) لِعَدَمِ صُدُورِ وَاحِدٍ مِنْهُ بَلْ قَامَ بِضِدَّيْهِمَا مِنَ الْكُفْرَانِ وَالْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِاللِّسَانِ وَالْجَنَانِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حِزَامٍ) بِزَايٍ التِّرْمِذِيُّ أَبُو عِمْرَانَ نَزِيلُ بَلْخَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ) السُّلَمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَرْوَزِيُّ أَصْلُهُ مِنْ تِرْمِذَ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ قوله (هذا حديث غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ [٢٥١٣] قَوْلُهُ (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ) أَيْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا (وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ) فِيهَا (فَإِنَّهُ) أَيْ فَالنَّظَرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ لَا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقُ (أَجْدَرُ) أَيْ أَحْرَى (أَنْ لَا تَزْدَرُوا) أَيْ بِأَنْ لَا تَحْتَقِرُوا وَالِازْدِرَاءُ الِاحْتِقَارُ فَكَانَ أَصْلُهُ الِازْتِرَاءَ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ بِالدَّالِ (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فَإِنَّ الْمَرْءَ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا اسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ فَكَانَ سَبَبًا لِمَقْتِهِ وَإِذَا نَظَرَ لِلدُّونِ شَكَرَ النِّعْمَةَ وَتَوَاضَعَ وَحَمِدَ فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى تَجَمُّلِ أَهْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَمِصْدَاقُهُ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما منعتا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه

стр. 3438

(باب [٢٥١٤] قَوْلُهُ (عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ)) قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بإمكان الْيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي إِلَّا هَذَا وَالثَّانِي وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي أُسَيْدٍ بَطْنٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ (وَكَانَ مِنْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ كَاتِبٍ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُتَّابٌ يَكْتُبُونَ لَهُ الْوَحْيَ وغيره قال بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ تَسْمِيَةُ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ لَهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيُّ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ﵃ وَكَانَ الْمُدَاوِمُ لَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ لَهُ زَيْدٌ وَمُعَاوِيَةُ وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ رَجُلٌ فَافْتُتِنَ وَتَنَصَّرَ انْتَهَى (يُذَكِّرُنَا) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَعِظُنَا (بِالنَّارِ) أَيْ بِعَذَابِهَا تَارَةً (وَالْجَنَّةِ) أَيْ بِنَعِيمِهَا أُخْرَى تَرْهِيبًا وَتَرْغِيبًا أَوْ يُذَكِّرُنَا اللَّهَ بِذِكْرِهِمَا أَوْ بِقُرْبِهِمَا (كَأَنَا رَأْيَ عَيْنٍ) قَالَ الْقَاضِي ضَبَطْنَاهُ رَأْيُ عَيْنٍ بِالرَّفْعِ أَيْ كَأَنَا بِحَالِ مَنْ يَرَاهُمَا بِعَيْنِهِ قَالَ وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ نَرَاهُمَا رَأْيَ عَيْنٍ (عَافَسْنَا الأزواج) بالفاء والسين المهملة قال الهراوي وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ حَاوَلْنَا ذَلِكَ وَمَارَسْنَاهُ وَاشْتَغَلْنَا بِهِ أَيْ عَالَجْنَا مَعَايِشَنَا وَحُظُوظَنَا (وَالضَّيْعَةَ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ مَعَاشُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ (قَالَ نَافَقَ حَنْظَلَةُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ حَيْثُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَوْفُ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم

стр. 3439

وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ وَالْفِكْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ فَإِذَا خَرَجَ اشْتَغَلَ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَمَعَاشِ الدُّنْيَا وَأَصْلُ النِّفَاقِ إِظْهَارُ مَا يَكْتُمُ خِلَافَهُ مِنَ الشَّرِّ فَخَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقًا فَأَعْلَمَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ بِنِفَاقٍ وَأَنَّهُمْ لَا يُكَلَّفُونَ الدَّوَامَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ سَاعَةً سَاعَةً أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا (وَنَسِينَا كَثِيرًا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أي كثير مِمَّا ذَكَّرْتَنَا بِهِ أَوْ نِسْيَانًا كَثِيرًا كَأَنَّا مَا سَمِعْنَا مِنْكَ شَيْئًا قَطُّ وَهَذَا أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ رَأْيَ عَيْنٍ (لَوْ تَدُومُونَ) أَيْ فِي حَالِ غَيْبَتِكُمْ مِنِّي (عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي) أَيْ مِنْ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ قِيلَ أَيْ عَلَانِيَةً وَإِلَّا فَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ يُصَافِحُونَ أَهْلَ الذكر حاصل وقال بن حَجَرٍ أَيْ عِيَانًا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ (فِي مَجَالِسِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ الدَّوَامُ (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا يَعْنِي لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ فَفِي سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢٥١٥] قَوْلُهُ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أَيْ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) أَيِ الْمُسْلِمِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أَيْ مِثْلَ جَمِيعِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنَ الصَّعْبِ الْمُمْتَنِعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَالْقِيَامُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ

стр. 3440

لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا بِحَيْثُ لَا تُنْقِصُ النِّعْمَةُ عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ وَإِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْبِ الدَّغِلِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ [٢٥١٦] قَوْلُهُ (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (عَنْ حَنَشٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ الله ويقال بن علي بن عمرو السبتي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَبُو رِشْدِينَ الصَّنْعَانِيُّ نَزِيلُ إِفْرِيقِيَّةَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يوما) أي رديفه (يا غلام) قال القارىء بِالرَّفْعِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُتَعَدِّدَةِ يعني من المشكاة والظاهر كسر الْمِيمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ يَا غُلَامِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهِمَا ثُمَّ بَعْدَ حَذْفِهَا تَخْفِيفًا اكْتُفِيَ بِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا (احْفَظِ اللَّهَ) أَيْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (يَحْفَظْكَ) أَيْ يَحْفَظْكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَفِي الْعُقْبَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ وَالدَّرَكَاتِ (احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ رَاعِ حَقَّ اللَّهِ وَتَحَرَّ رِضَاهُ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ أَيْ مُقَابِلَكَ وَحِذَاءَكَ وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ كَمَا فِي تُقَاةٌ وَتُخَمَةٌ أَيِ احْفَظْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَحْفَظَكَ اللَّهُ مِنْ مَكَارِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (إِذَا سَأَلْتَ) أَيْ أَرَدْتَ السُّؤَالَ (فَاسْأَلِ اللَّهَ) أَيْ وَحْدَهُ لأن غيره قَادِرٍ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ (وَإِذَا اسْتَعَنْتَ) أَيْ أَرَدْتَ الِاسْتِعَانَةَ فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَاسْتَعِنْ بالله

стр. 3441

فَإِنَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ (رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) أَيْ كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كُتِبَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ وَلَا يُكْتَبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ فَعَبَّرَ عَنْ سَبْقِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِرَفْعِ الْقَلَمِ وَجَفَافِ الصَّحِيفَةِ تَشْبِيهًا بِفَرَاغِ الْكَاتِبِ فِي الشَّاهِدِ مِنْ كِتَابَتِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ [٢٥١٧] ٤٩ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا المغيرة بن أبي قرة السَّدُوسِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَسْتُورٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قال في تهذيب التهذيب وثقة بن حِبَّانَ قَوْلُهُ (أَعْقِلُهَا) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَحَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَقَلَ الْبَعِيرَ شَدَّ وَظِيفَهُ إِلَى ذِرَاعِهِ كَعَقَلَهُ وَاعْتَقَلَهُ انْتَهَى (وَأَتَوَكَّلُ) أَيْ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْعَقْلِ (أَوْ أُطْلِقُهَا) أي أرسها (وَأَتَوَكَّلُ) أَيْ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ (قَالَ اعْقِلْهَا) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ شُدَّ رُكْبَةَ نَاقَتِكَ مَعَ ذِرَاعَيْهَا بِحَبْلٍ (وَتَوَكَّلْ) أَيِ اعْتَمِدْ عَلَى اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَقْلَهَا لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ قوله (قال يحيى) هو بن سَعِيدٍ الّقَطَّانُ (وَهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) لَعَلَّ كَوْنَهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُ لِأَجْلِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي قرة قال بن الْقَطَّانِ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ كَاتِبَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلِّبِ وَفَتَحَ مَعَهُ جُرْجَانَ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ الضَّمْرِيِّ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ [٢٥١٨] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ

стр. 3442

قَوْلُهُ (دَعْ) أَيِ اتْرُكْ (مَا يَرِيبُكَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَالرَّيْبُ الشَّكُّ وَقِيلَ هُوَ الشَّكُّ مَعَ التُّهْمَةِ (إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيِ اتْرُكْ مَا اعْتَرَضَ لَكَ مِنَ الشَّكِّ فِيهِ مُنْقَلِبًا عَنْهُ إِلَى مالا شَكَّ فِيهِ يُقَالُ دَعْ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ اسْتَبْدِلْهُ بِهِ انْتَهَى وَالْمَعْنَى اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أولا أو سنة أو بدعة واعدل إلى مالا تَشُكُّ فِيهِ مِنْهُمَا وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ الصِّرْفِ وَيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ) بكسر همزة وسكون طاء وبعد ألف ونون مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ فَنُونٌ مَفْتُوحَةٌ وَفِي الْمِشْكَاةِ طُمَأْنِينَةٌ أَيْ إِنَّ الصِّدْقَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَيَسْكُنُ (وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَحَقِيقَتُهَا قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا فَإِنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمَّا يَقْلَقُ لَهُ النَّفْسُ وَكَوْنَهُ صَحِيحًا صَادِقًا مِمَّا تَطْمَئِنُّ لَهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) رَوَى أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ مَعَ الْقِصَّةِ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ قَالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَذْكُرُ أَنِّي أَخَذْتُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَلْقَيْتُهَا فِي فَمِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلُعَابِهَا فَأَلْقَاهَا فِي التَّمْرِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا عَلَيْكَ أَكْلُ هَذِهِ التَّمْرَةِ قَالَ إِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ وَكَانَ يَقُولُ دَعْ ما يريبك إلى مالا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ قَالَ وَكَانَ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ الْحَدِيثَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد والنسائي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ (وَأَبُو الْحَوْرَاءِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَمْدُودًا (وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ) الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ [٢٥١٩] قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُبَيْهٍ) بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا مَجْهُولٌ مِنَ السابعة

стр. 3443

قَوْلُهُ (بِعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ) أَيْ فِي الْعِبَادَةِ (بِرِعَةٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ بِوَرَعٍ (لَا يُعْدَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِالرِّعَةِ) فِي الْمِصْبَاحِ وَرَعَ عَنِ الْمَحَارِمِ يَرِعُ بِكِسْرَتَيْنِ وَرَعًا بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ كَثِيرُ الْوَرَعِ أَيْ لَا يُعْدَلُ بِكَثْرَةِ الْوَرَعِ خَصْلَةٌ غَيْرُهَا مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ بَلِ الْوَرَعُ أَعْظَمُ فَضْلًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُبَيْهٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ [٢٥٢٠] قَوْلُهُ (وَأَبُو زُرْعَةَ) اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيُّ إِمَامٌ حَافِظٌ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ) هو بن عُقْبَةَ (عَنْ هِلَالِ بْنِ مِقْلَاصٍ الصَّيْرَفِيِّ) وَيُقَالُ هلال بن أبي حميد أو بن حميد أو بن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ مَوْلَاهُمُ الْوَزَّانُ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بِشْرٍ صَاحِبُ أَبِي وَائِلٍ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ حَلَالًا (وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ) أَيْ فِي مُوَافَقَةِ سُنَّةٍ نَكَّرَهَا لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُفْتَقَرُ إِلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ) أَيْ دَوَاهِيَهُ وَالْمُرَادُ الشُّرُورُ كَالظُّلْمِ وَالْغِشِّ وَالْإِيذَاءِ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ اسْتَحَقَّ دُخُولَهَا بِغَيْرِ عَذَابٍ أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالسُّنَّةِ وَمَاتَ مُسْلِمًا يَدْخُلُهَا وَإِنْ عُذِّبَ (إِنَّ هَذَا) أَيِ الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ الْمَذْكُورُ (الْيَوْمَ) ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِخَبَرِ إِنَّ (لَكَثِيرٌ) أَيْ فَمَا حَالُ الِاسْتِقْبَالِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَسَيَكُونُ) أَيْ هُمْ كَثِيرُونَ الْيَوْمَ وَسَيُوجَدُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) جَمْعُ قَرْنٍ وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنِ هُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ

стр. 3444

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ قَوْلُهُ (حدثناعباس بن محمد) هو الدوري [٢٥٢١] قوله (حدثنا العباس الدوري) هو بن مُحَمَّدٍ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) الْمَكِّيُّ أَبُو عَبْدِ الرحمن المقرئ (مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ) لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ (وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ إِلَخْ) وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ فَتَكَلَّمَ لِلَّهِ وَسَكَتَ لِلَّهِ وَأَكَلَ لِلَّهِ وَشَرِبَ لِلَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العالمين (فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ) أَيْ أَكْمَلَ إِيمَانَهُ قَوْلُهُ (هذا حديث منكر) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى قُلْتُ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُنْكَرًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَفِي سَنَدِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ

стр. 3445

٣٦ - كتاب صفة الجنة (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شَجَرِ الْجَنَّةِ) [٢٥٢٤] قوله (عن فراس) بكسر أوله وبمهملة بن يَحْيَى الْهَمْدَانِيِّ الْخَارِقِيِّ أَبِي يَحْيَى الْكُوفِيِّ الْمُكَتِّبِ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (فِي الجنة شجرة) قال بن الْجَوْزِيِّ يُقَالُ إِنَّهَا طُوبَى قَالَ الْحَافِظُ وَشَاهِدُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ عند أحمد والطبراني وبن حِبَّانَ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّمَا نُكِّرَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ جِنْسِهَا بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ) أَيُّ رَاكِبٍ فُرِضَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ (فِي ظِلِّهَا) أَيْ فِي نَعِيمِهَا وَرَاحَتِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَنَا فِي ظِلِّكَ أَيْ فِي نَاحِيَتِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْمُحْوِجُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الظِّلَّ فِي عُرْفِ أَهْلِ الدُّنْيَا مَا بَقِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَأَذَاهَا وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَمْسٌ وَلَا أَذًى (مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا) أَيْ لَا يَنْتَهِي إِلَى آخِرِ مَا يَمِيلُ مِنْ أَغْصَانِهَا (قَالَ وَذَلِكَ الظِّلُّ الْمَمْدُودُ) وَفِي حديث أبي هريرة عند البخاري واقرأوا إِنْ شِئْتُمْ (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هذا

стр. 3446

أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادُ الْمُضْمِرُ السَّرِيعُ مِائَةَ عَامٍ ما يقطعها [٢٥٢٣] قوله (عن سعيد بن أبي سعد) الْمَقْبُرِيِّ قَوْلُهُ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِظِلِّهَا كَنَفُهَا وَذُرَاهَا وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَغْصَانَهَا انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا طُوبَى قَالَ شَجَرَةٌ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا كَذَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان وبن ماجه [٢٥٢٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ القزاز) التميمي الكوفي صدوق يخطيء مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيِّ الْقَزَّازِ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ) وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً جُذُوعُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفُرُوعُهَا مِنْ زَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ فَتَهُبُّ الرِّيَاحُ فَتَصْطَفِقُ فَمَا سَمِعَ السَّامِعُونَ بصوت شيء قط ألذ منه وروى بن أبي الدنيا عن بن عَبَّاسٍ ﵁ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ نَخْلُ الْجَنَّةِ جُذُوعُهَا مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ وَكَرَبُهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ وَسَعَفُهَا كِسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ منها مقطعاتهم

стр. 3447

وَحُلَلُهُمْ وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ وَالدِّلَاءِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ لَيْسَ فِيهَا عَجَمٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّرْغِيبِ وَقَالَ الْكَرَبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالرَّاءِ بَعْدَهُمَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ هُوَ أُصُولُ السعف الغلاظ العراض انتهى وروى بن أبي حاتم وبن أبي الدنيا في صفة الجنة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهَا فَيَخْرُجُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمُ اللَّهْوَ فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا فَيُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حسن) وأخرجه بن أبي الدنيا وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا) [٢٥٢٦] قَوْلُهُ (عَنْ زِيَادٍ الطَّائِيِّ) مَجْهُولٌ أَرْسَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ (وَزَهِدْنَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ زَهِدَ فِيهِ كَمَنَعَ وَسَمِعَ وَكَرُمَ زُهْدًا وَزَهَادَةً أَوْ هِيَ فِي الدُّنْيَا الزُّهْدُ فِي الدِّينِ ضِدُّ رَغِبَ انْتَهَى (فَأَنِسْنَا أَهَالِيَنَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْأُنْسُ بِالضَّمِّ وَبِالتَّحْرِيكِ وَالْأَنَسَةُ مُحَرَّكَةً ضِدُّ الْوَحْشَةِ وَقَدْ أَنِسَ بِهِ مُثَلَّثَةَ النُّونِ انْتَهَى وَالْمَعْنَى خَالَطْنَاهُمْ وَعَالَجْنَا أُمُورَهُمْ وَاشْتَغَلْنَا بِمَصَالِحِهِمْ (أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا) أَيْ لَمْ نَجِدْهَا عَلَى مَا كَانَتْ عِنْدَكَ (لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمُ الملائكة في

стр. 3448

بُيُوتِكُمْ) كَذَا فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ بِزِيَادَةِ لَفْظِ كُنْتُمْ بَيْنَ مِنْ عِنْدِي وَعَلَى حَالِكُمْ وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهُ فَتَفَكَّرْ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيِّ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طَرِيقِكُمْ (وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) مِنْ جِنْسِكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ (كَيْ يُذْنِبُوا) أَيْ فَيَسْتَغْفِرُوا (فَيَغْفِرَ لَهُمْ) لِاقْتِضَاءِ صِفَةِ الْغَفَّارِ وَالْغَفُورِ ذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غَشَيَانِ الذُّنُوبِ بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيئِينَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذلك غير واحد أَسْمَائِهِ الْغَفَّارُ الْحَلِيمُ التَّوَّابُ الْعَفُوُّ وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّيَ عَنْهُ وَيُحَذِّرُهُ مِنْ مُدَانَاتِهِ وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ قَالَ مِنَ الْمَاءِ) قيل أي من النطقة وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ اقْتِبَاسًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وجعلنا من الماء كل شيء حي أَيْ وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ حَيَوَانٍ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَاَللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ أَعْظَمُ مَوَارِدِهِ أَوْ لِفَرْطِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ وَانْتِفَاعِهِ بِعَيْنِهِ (قُلْتُ الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا) أَيْ هَلْ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ شَعْرٍ (قَالَ لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أَيْ بِنَاؤُهَا مُرَصَّعٌ مِنْهُمَا (وَمِلَاطُهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ فِي النِّهَايَةِ الْمِلَاطُ الطِّينُ الَّذِي يجعل بين ساقني الْبِنَاءِ يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ يُخْلَطُ (الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ) أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ (وَحَصْبَاؤُهَا) أَيْ حَصْبَاؤُهَا الصغار التي في الأنهار قاله القارىء وَقَالَ صَاحِبُ أَشِعَّةِ

стр. 3449

اللُّمَعَاتِ أَيْ حَصْبَاؤُهَا الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا قُلْتُ الظَّاهِرُ هُوَ الْعُمُومُ (اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ) أَيْ مِثْلُهَا فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ (وَتُرْبَتُهَا) أَيْ مَكَانَ تُرَابِهَا (الزَّعْفَرَانُ) أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ وَلَمَّا كَانَ السَّوَادُ يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ النَّارِ (مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ) بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا فِي الْقَامُوسِ الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا وَبَئِسَ كَسَمِعَ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ (يَخْلُدُ) أَيْ يَدُومُ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (لَا يَمُوتُ) أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (وَلَا تَبْلَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ) وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يُخَرِّفُونَ وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ (ثَلَاثٌ) أَيْ ثَلَاثُ نُفُوسٍ فِي الْمِشْكَاةِ وَالْجَامِعِ الصغير ثلاثة بناء التَّأْنِيثِ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ أَوْ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ (الْإِمَامُ الْعَادِلُ) أَيْ مِنْهُمْ أَوْ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ (وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ) لِأَنَّهُ بَعْدَ عِبَادَةٍ حَالَ تضرع ومسكنة (ودعوة المظلومية) كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ وَالْمَظْلُومُ وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَظْلُومِيَّةُ لَيْسَتْ بِذَاتِهَا مَطْلُوبَةً عَدَلَ عنه قاله القارىء وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ دَعْوَةُ الْإِمَامِ وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَيَكُونُ بَدَلًا مِنْ دَعْوَتِهِمْ وَقَوْلُهُ يَرْفَعُهَا حَالٌ كَذَا قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَيْ يَرْفَعُهَا خَبَرًا لِقَوْلِهِ وَدَعْوَةُ المظلوم وقطع هذا القسيم عن خويه لِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَلَوْ فَاجِرًا أَوْ كَافِرًا وَيَنْصُرُ هَذَا الْوَجْهَ عَطْفُ قَوْلِهِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَلَى قَوْلِهِ وَيُفْتَحُ فَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ ضَمِيرَ يَرْفَعُهَا لِلدَّعْوَةِ حِينَئِذٍ لَا لِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الأول قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وإنما بولغ في حقها لأنه لما ألحقته نار الظلم واحترقت أحشاءه خَرَجَ مِنْهُ الدُّعَاءُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِانْكِسَارِ وَحَصَلَ لَهُ حالة الاضطرار فيقل دعاءه كَمَا قَالَ تَعَالَى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دعاه ويكشف السوء (يَرْفَعُهَا) أَيِ اللَّهُ (فَوْقَ الْغَمَامِ) أَيْ تُجَاوِزُ الْغَمَامَ أَيِ السَّحَابَ (وَيَفْتَحُ) أَيِ اللَّهُ لَهَا أَيْ لِدَعْوَتِهِ (لَأَنْصُرَنَّكَ) بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ أَيُّهَا المظلوم ويكسرها أَيْ أَيَّتُهَا الدَّعْوَةُ (وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) الْحِينُ يُسْتَعْمَلُ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ وَلِسِتَّةِ

стр. 3450

أَشْهُرٍ وَلِأَرْبَعِينَ سَنَةً وَالْمَعْنَى لَا أُضَيِّعُ حَقَّكَ وَلَا أَرُدُّ دُعَاءَكَ وَلَوْ مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ لِأَنِّي حَلِيمٌ لَا أُعَجِّلُ عُقُوبَةَ الْعِبَادِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الظُّلْمِ وَالذُّنُوبِ إِلَى إِرْضَاءِ الْخُصُومِ وَالتَّوْبَةِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُمْهِلُ الظَّالِمَ وَلَا يُهْمِلُهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَلِكَ الْقَوِيَّ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ) لِأَنَّ فِي سنده زياد الطَّائِيَّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَمَعَ هَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ فَالْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ إِلَى قَوْلِهِ لَزَارَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا إِلَى قَوْلِهِ فَيَغْفِرُ لَهُمْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالثَّالِثُ مِنْ قَوْلِهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ إِلَى قَوْلِهِ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَزَّارُ والطبراني في الأوسط وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالرَّابِعُ مِنْ قَوْلِهِ ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ إِلَخْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي الدَّعَوَاتِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ كِتَابِ التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ أحمد والبزار والطبراني وبن حِبَّانَ (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ غُرَفِ الْجَنَّةِ) [٢٥٢٧] قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ كَصُرَدٍ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِالضَّمِّ وَهِيَ الْعُلِّيَّةُ وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ بالأخانة

стр. 3451

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي بَابِ قَوْلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ قَوْلُهُ (مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ (وَهُوَ كُوفِيٌّ) وَاسِطِيٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ قَوْلِ الْمَعْرُوفِ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُرَشِيُّ مَدَنِيٌّ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا) وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَهُوَ أصلح من الواسطي وقال بن سَعْدٍ هُوَ أَثْبَتُ مِنَ الْوَاسِطِيِّ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ وَثَّقَهُ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالْعِمَامَةِ [٢٥٢٨] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ هَذَا هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ اسْمُهُ عَمْرٌو أَوْ عَامِرٌ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حَضَّارٍ كُنْيَتُهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ أَقَرَّهُ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَهُوَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ بِصَفِّينَ قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ جَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) أَيْ مِنَ الْقُصُورِ وَالْأَثَاثِ كَالسُّرُرِ وَكَقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ قِيلَ قَوْلُهُ مِنْ فِضَّةٍ خَبَرُ آنِيَتُهُمَا وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ جَنَّتَيْنِ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ صِفَةُ قَوْلِهِ جنتين وخبر انيهما مَحْذُوفٌ أَيْ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى قَوْلُهُ (وَجَنَّتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ جَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ لَا مِنْ ذَهَبٍ وَجَنَّتَيْنِ بِالْعَكْسِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ صِفَةِ بِنَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنَّ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ أَنَّ الْأَوَّلَ صِفَةُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ آنِيَةٍ وَغَيْرِهَا وَالثَّانِي صِفَةُ حَوَائِطِ الْجَنَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ أَحَاطَ حَائِطَ الْجَنَّةِ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ

стр. 3452

الْكِبْرِيَاءِ) قَالَ عِيَاضٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الِاسْتِعَارَةَ كَثِيرًا وَهُوَ أَرْفَعُ أَدَوَاتِ بَدِيعِ فَصَاحَتِهَا وَإِيجَازِهَا ومنه قوله تعالى (جناح الذل) فَمُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ تَاهَ فَمَنْ أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَفْضَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى التَّجْسِيمِ وَمَنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهَا إِمَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَقَلَتَهَا وَإِمَّا أَنْ يأولها أَنْ يُقَالَ اسْتَعَارَ لِعَظِيمِ سُلْطَانِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ وَهَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ الْمَانِعِ إِدْرَاكَ أَبْصَارِ الْبَشَرِ مَعَ ضَعْفِهَا لِذَلِكَ رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ فَإِذَا شَاءَ تَقْوِيَةَ أَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ كَشَفَ عَنْهُمْ حِجَابَ هَيْبَتِهِ وَمَوَانِعَ عَظَمَتِهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا حَاصِلُهُ إِنَّ رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ مَانِعٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ فَكَانَ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ فَإِنَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِرَفْعِهِ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الْفَوْزُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أن المؤمنين إذا تبوأوا مقاعدهم من الجنة لولاما عِنْدَهُمْ مِنْ هَيْبَةِ ذِي الْجَلَالِ لِمَا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّؤْيَةِ حَائِلٌ فَإِذَا أَرَادَ إِكْرَامَهُمْ حَفَّهُمْ بِرَأْفَتِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَقْوِيَتِهِمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ قَالَ الْحَافِظُ ثُمَّ وَجَدْتُ فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِلَّذِينَ أحسنوا الحسنى وزيادة مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْحِجَابُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْشِفُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِكْرَامًا لَهُمْ وَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُ اللَّهُ تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ قَالَ فَيَكْشِفُ لَهُمُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إليهم منه ثم تلاهذه الاية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهِ بِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الرِّدَاءُ اسْتِعَارَةٌ كَنَّى بِهَا عَنِ الْعَظَمَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي وَلَيْسَ الْمُرَادُ الثِّيَابَ الْمَحْسُوسَةَ لَكِنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَنَّ الرِّدَاءَ وَالْإِزَارَ لَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ مِنَ الْعَرَبِ عَبَّرَ عَنِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ بِهِمَا وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ مُقْتَضَى عِزَّةِ اللَّهِ وَاسْتِغْنَائِهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ لَكِنَّ رَحْمَتَهُ المؤمنين اقْتَضَتْ أَنْ يُرِيَهُمْ وَجْهَهُ كَمَالًا لِلنِّعْمَةِ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ فَعَلَ مِنْهُمْ خِلَافَ مُقْتَضَى الْكِبْرِيَاءِ فَكَأَنَّهُ رَفَعَ عَنْهُمْ حِجَابًا كَانَ يَمْنَعُهُمْ انْتَهَى (عَلَى وَجْهِهِ) حَالٌ مِنْ رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْمِ وَقَالَ عِيَاضٌ مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى النَّاظِرِينَ أَيْ وَهُمْ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لَا إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا تَحْوِيهِ الْأَمْكِنَةُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ مِثْلُ كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ

стр. 3453

قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً) أَيْ عَظِيمَةً (مجوفة) أي واسعة الجوف (عرضها) وفي رِوَايَةٍ طُولُهَا وَيَتَحَصَّلُ بِالرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ طُولَهَا وَعَرْضَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتُّونَ مِيلًا (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ) أَيْ مِنَ الزَّوَايَا الْأَرْبَعِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْخَيْمَةِ (أَهْلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ (لَا يَرَوْنَ) أَيْ ذَلِكَ الْأَهْلُ وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ (الْآخَرِينَ) أَيِ الْجَمْعَ الْآخَرِينَ مِنَ الْأَهْلِ الْكَائِنِينَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أَيْ يَدُورُ عَلَى جَمِيعِهِمْ (الْمُؤْمِنُ) قِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى يُجَامِعُ الْمُؤْمِنُ الْأَهْلَ وَأَنَّ الطَّوَافَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَامَعَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ) [٢٥٢٩] قَوْلُهُ (فِي الْجَنَّةِ مائة درجة) قال بن الملك المراد بالمائة ها هنا الكثرة وبالدرجة المرقاة قال القارىء الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَاتِ الْمَرَاتِبُ الْعَالِيَةُ قَالَ تعالى لهم درجات عند ربهم أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابُ دَرَكَاتٍ مُتَسَافِلَةٍ لِقَدْرِ مَرَاتِبِهِمْ فِي شِدَّةِ الْكُفْرِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسفل من النار (مِائَةَ عَامٍ) أَيْ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ قَالَ المناوي وفي

стр. 3454

رِوَايَةٍ خَمْسَمِائَةٍ وَفِي أُخْرَى أَكْثَرُ وَأَقَلُّ وَلَا تَعَارُضَ لِاخْتِلَافِ السَّيْرِ فِي السُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ وَالْبَيْنُ ذُكِرَ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ انْتَهَى [٢٥٣٠] قَوْلُهُ (لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا) الظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَهُ لَا أَدْرِي هُوَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَفَاعِلُ ذَكَرَ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (إِلَّا كَانَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِزِيَادَةِ إِلَّا قَبْلَ كَانَ وَلَا يَسْتَقِيمُ معناها ها هنا فَهِيَ زَائِدَةٌ وَقَدْ تَكُونُ هِيَ زَائِدَةً كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ حَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً عَلَى الْخَسْفِ أَوْ تَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظُ إِلَّا (حَقًّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ (أَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ) حَتَّى يَفْرَحُوا بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ (ذَرِ النَّاسَ) أَيْ اُتْرُكْهُمْ بِلَا بِشَارَةٍ (يَعْمَلُونَ) أَيْ يَجْتَهِدُونَ فِي زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ وَلَا يَتَّكِلُونَ عَلَى هَذَا الْإِجْمَالِ (فَإِنَّ في الجنة مائة درجة) قال القارىء يمكن أن يراه بِهِ الْكَثْرَةُ لِمَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عن عائشة ﵂ مَرْفُوعًا عَدَدُ دَرَجِ الْجَنَّةِ عَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا فَيَكُونُ بَيَانَ أَقَلِّ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ السَّعَةِ وَأَصْنَافِ النِّعْمَةِ (وَالْفِرْدَوْسُ) قَالَ الْحَافِظُ الْفِرْدَوْسُ هُوَ الْبُسْتَانُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي فِيهِ الْعِنَبُ وَقِيلَ هُوَ بِالرُّومِيَّةِ وَقِيلَ بِالْقِبْطِيَّةِ وَقِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفِرْدَوْسُ الْأَوْدِيَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ وَالْبُسْتَانُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَكُونُ فِي الْبَسَاتِينِ يَكُونُ فيه الكروم وقد يؤنث عربية أورومية نُقِلَتْ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ انْتَهَى (أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا) أَيْ أَعْدَلُهَا وَأَفْضَلُهَا وَأَوْسَعُهَا وَخَيْرُهَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ قَالَ الطِّيبِيُّ النُّكْتَةُ فِي

стр. 3455

الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَوْسَطِ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْحِسِّيَّ وَبِالْآخَرِ الْمَعْنَوِيَّ فَإِنَّ وَسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُهُ وَخِيَارُهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يَتَسَارَعُ إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة وقال بن حِبَّانَ الْمُرَادُ بِالْأَوْسَطِ السِّعَةُ وَبِالْأَعْلَى الْفَوْقِيَّةُ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنَ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تشقق وَتُجْرَى (أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) أَيْ أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ) أَيِ الْجَنَّةَ (فَاسْأَلُوهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَسَلُوهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ أَيْ فَاطْلُبُوا مِنْهُ (الْفِرْدَوْسَ) لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُهُ (هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ رَوَاهُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَرَجَّحَ رِوَايَةَ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرِوَايَةِ هِلَالٍ مَعَ أَنَّ بَيْنَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَمُعَاذٍ انْقِطَاعًا انْتَهَى [٢٥٣١] قَوْلُهُ (وَالْفِرْدَوْسُ) أَيِ الْجَنَّةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْفِرْدَوْسِ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون إِلَى قَوْلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يرثون الفردوس (أَعْلَاهَا) أَيْ أَعْلَى سَائِرِ الْجِنَانِ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ) بالرفع صفة

стр. 3456

لِأَنْهَارٍ وَهِيَ أَنْهَارُ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ المذكورة في القرآن وفيها أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى (وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ) يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فَوْقَ جَمِيعِ الْجِنَانِ وَلِذَا قَالَ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَتَعْظِيمًا لِلْهِمَّةِ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَسَلُوهُ بِالتَّخْفِيفِ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ هَذَا أخرجه أحمد وبن أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَاكِمُ [٢٥٣٢] قَوْلُهُ (لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ جَمِيعَ الْخَلْقِ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا (لَوَسِعَتْهُمْ) أَيْ لَكَفَتْهُمْ لِسَعَتِهَا الْمُفْرِطَةِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غريب) وأخرجه بن حبان من وجه آخر وصححه قاله القارىء (باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة) [٢٥٣٣] ق وله (أَخْبَرَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ والمد واسم أبيه معد يكرب الْكِنْدِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ كُوفِيٌّ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ

стр. 3457

قَوْلُهُ (لَيُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مُخُّهَا) بِالضَّمِّ نِقْيُ الْعَظْمِ وَالدِّمَاغِ (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ) أَيْ صَفَاءً (وَالْمَرْجَانُ) أَيِ اللُّؤْلُؤُ بَيَاضًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَرْجَانُ صِغَارُ اللُّؤْلُؤِ (ثُمَّ اسْتَصْفَيْتُهُ) الْمُرَادُ بِاسْتِصْفَاءِ الْيَاقُوتِ هُنَا جَعْلُهُ صَافِيًا وَنَقِيًّا مِنَ الْكُدُورَةِ وَنَحْوِهَا مما يكدره وحديث بن مسعود هذا أخرجه أيضا بن أبي الدنيا وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ [٢٥٣٥] قَوْلُهُ (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ وجوههم على مثل ضوءالقمر لَيْلَةَ الْبَدْرِ (وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ) وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالصُّلَحَاءُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الضِّيَاءِ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ وَلَا تُطْلَقُ غَالِبًا إِلَّا عَلَى ثَوْبَيْنِ (يَرَى) أَيْ يُبْصِرُ (مُخَّ سَاقِهَا) أَيْ مُخَّ عِظَامِ سَاقِ كُلِّ زَوْجَةٍ (مِنْ وَرَائِهَا) أَيْ مِنْ فَوْقِ حُلَلِهَا السَّبْعِينَ لِكَمَالِ لَطَافَةِ أَعْضَائِهَا

стр. 3458

وثيابها قال القارىء وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ من له اثنتان وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ بِأَنْ يُقَالَ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَوْصُوفَتَانِ بِأَنْ يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَائِهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْحُورِ العين الغير البالغة إلى هذه الغلية كذا قيل والأظهر أنه تكون لكل زَوْجَتَانِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجنة من له اثنتان وَسَبْعُونَ زَوْجَةً فِي الْجُمْلَةِ يَعْنِي ثِنْتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ أَيْ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي صِفَةِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَفِي سَنَدِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ مَقَالٌ وَلِأَبِي يَعْلَى فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ مَرْفُوعٍ فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ وَزَوْجَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَالَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَقَلَّ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أن تكون التثنية تطيرا لِقَوْلِهِ جَنَّتَانِ وَعَيْنَانِ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوِ الْمُرَادُ تَثْنِيَةُ التَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ نَحْو لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا قُلْتُ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ الْحَدِيثَ وفيه ولكل وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَفِيهِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ أَيْ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَقَلَّ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَوْلُهُ (عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ الشَّدِيدُ

стр. 3459

الْإِنَارَةِ كَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى الدُّرِّ تَشْبِيهًا بِهِ لصفاته وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ الْعَظِيمُ الْمِقْدَارِ وَقِيلَ هُوَ أَحَدُ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ السَّيَّارَةِ انْتَهَى (يَبْدُو) أَيْ يَظْهَرُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جِمَاعِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٣٦] قَوْلُهُ (يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ أَيْ قُوَّةَ جِمَاعِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النِّسَاءِ فَكَذَا وَكَذَا كِنَايَةٌ عَنْ عَدَدِ النِّسَاءِ كَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ مَثَلًا فَافْهَمْ انْتَهَى وَقِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ مَرَّاتِ الْجِمَاعِ كَعِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ مِائَةً وَنَحْوِهَا (أو يطيق ذَلِكَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ يُعْطَى تِلْكَ الْقُوَّةَ وَيَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجِمَاعِ (يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ) أَيْ مِائَةِ رَجُلٍ وَالْمَعْنَى فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ يُطِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ قَالَ نَعَمْ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ قَالَ فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ

стр. 3460

تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ أَذًى قال تَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يُفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيُضْمِرُ بَطْنَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ قال ورواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَهُمَا قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٣٧] قَوْلُهُ (تَلِجُ الْجَنَّةَ) مِنَ الْوُلُوجِ أَيْ تَدْخُلُ (صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي فِي الْإِضَاءَةِ (لَا يَبْصُقُونَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبُصَاقُ كَغُرَابٍ وَالْبِسَاقُ وَالْبُزَاقُ مَاءُ الْفَمِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَمَا دَامَ فِيهِ فَهُوَ رِيقٌ وَبَصَقَ بَزَقَ انْتَهَى (وَلَا يَمْتَخِطُونَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ أَيْ لَيْسَ فِي أَنْفِهِمْ مِنَ الْمِيَاهِ الزَّائِدَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ لِيَحْتَاجُوا إِلَى إِخْرَاجِهَا وَلِأَنَّ الْجَنَّةَ مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ لِلطَّيِّبِينَ فَلَا يُلَائِمُهَا الْأَدْنَاسُ وَالْأَنْجَاسُ قَالَ بن الْجَوْزِيِّ لَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ وَالِاعْتِدَالِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَةٌ تُسْتَقْذَرُ بَلْ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الْأَغْذِيَةِ أَطْيَبُ رِيحٍ وَأَحْسَنُهُ (آنِيَتُهُمْ فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ آنِيَتُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ قَالَ الْحَافِظُ وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ ذكر أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّنْفَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ لِبَعْضِهِمْ وَالْآخَرُ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ

стр. 3461

وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَمَنْ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ صَحْفَتَانِ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ الْحَدِيثَ انْتَهَى وَالْأَمْشَاطُ جَمْعُ مُشْطٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْأَفْصَحُ ضَمُّهَا آلَةٌ يُمْتَشَطُ بِهَا (وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الْأَلُوَّةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ وَمُجْمَرٍ فَالْمِجْمَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ النَّارُ لِلْبَخُورِ وَالْمُجْمَرُ بِالضَّمِّ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ وَأُعِدَّ لَهُ الْجَمْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ إِنَّ بَخُورَهُمْ بِالْأَلُوَّةِ وَهُوَ الْعُودُ انْتَهَى وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الْأَلُوَّةُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَا يُوقَدُ بِهِ مَبَاخِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَحَكَى بن التِّينِ كَسْرَ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةٌ وَقِيلَ زَائِدَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ رَائِحَةَ الْعُودِ إِنَّمَا تَفُوحُ بِوَضْعِهِ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةُ لَا نَارَ فِيهَا وَيُجْلَبُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِلَ بِغَيْرِ نَارٍ بَلْ بِقَوْلِهِ كُنْ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَعِلَ بِنَارٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا إِحْرَاقَ أَوْ يَفُوحَ بِغَيْرِ اشْتِعَالٍ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ يُقَالُ أَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْمُشْطِ وَهُمْ مُرْدٌ وَشُعُورُهُمْ لَا تَتَّسِخُ وَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْبَخُورِ وَرِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ قَالَ وَيُجَابُ بِأَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكِسْوَةٍ وَطِيبٍ لَيْسَ عَنْ أَلَمِ جُوعٍ أَوْ ظَمَأٍ أَوْ عُرْيٍ أَوْ نَتْنٍ وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّاتٌ مُتَتَالِيَةٌ وَنِعَمٌ مُتَوَالِيَةٌ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنَعَّمُونَ بِنَوْعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَنَعُّمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ نَعِيمَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَرَشْحُهُمْ) أي عرفهم (الْمِسْكُ) أَيْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَالْمَعْنَى رَائِحَةُ عَرَقِهِمْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَلِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ قَالَ الطِّيبِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لِلتَّكْرِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فارجع البصر كرتين لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَنَّ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ صِفَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (مِنَ الْحُسْنِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا مِنْ تَوَهُّمِ الْبَشَرَةِ وَنُعُومَةُ الْأَعْضَاءِ (لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تباغض) قال تعالى ونزعنا مَا يُتَصَوَّرُ فِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَالْحُسْنُ

стр. 3462

هُوَ الصَّفَاءُ وَرِقَّةُ الْبَشَرَةِ وَنُعُومَةُ الْأَعْضَاءِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قَالَ تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سرر متقابلين (قُلُوبُهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ وَاحِدٍ) أَيْ فِي الِاتِّفَاقِ وَالْمَحَبَّةِ (يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قَالَ الْحَافِظُ أَيْ قَدْرَهُمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا التَّسْبِيحُ لَيْسَ عَنْ تَكْلِيفٍ وَإِلْزَامٍ وَقَدْ فَسَّرَهُ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ تَنَفُّسَ الْإِنْسَانِ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَجُعِلَ تَنَفُّسُهُمْ تَسْبِيحًا وَسَبَبُهُ أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَامْتَلَأَتْ بِحُبِّهِ وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ وَقَدْ وَقَعَ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ سِتَارَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِيهِ ثُمَّ تُطْوَى فَإِذَا نُشِرَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْبُكُورِ وَإِذَا طُوِيَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْعَشِيِّ انْتَهَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ يُرَادُ بِهِمَا الدَّيْمُومَةُ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً لَا يَقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ بَلِ الدَّيْمُومَةَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ [٢٥٣٨] قَوْلُهُ (عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَوْلُهُ (لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ يَحْمِلُهُ (ظُفُرٌ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي قَالَ الطِّيبِيُّ مَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا يُقِلُّهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَيْ قَدْرُ مَا يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهِ ظُفُرٌ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا (مِمَّا فِي الْجَنَّةِ) أَيْ مِنْ نَعِيمِهَا (بَدَا) أَيْ ظَهَرَ فِي الدُّنْيَا لِلنَّاظِرِينَ (لَتَزَخْرَفَتْ) أَيْ تَزَيَّنَتْ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَسَبَبِهِ (مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قَالَ الْقَاضِي الْخَوَافِقُ جَمْعُ خَافِقَةٍ وَهِيَ الْجَانِبُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْجَوَانِبُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا الرِّيَاحُ مِنَ الْخَفَقَانِ وَيُقَالُ الْخَافِقَانِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ قَالَ الطِّيبِيُّ وَتَأْنِيثُ الْفِعْلِ لِأَنَّ مَا بَيْنَ بِمَعْنَى الْأَمَاكِنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَضَاءَتْ مَا حوله فِي وَجْهٍ (اطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَشْرَفَ على

стр. 3463

الأصل الجوانب التي أَهْلِ الدُّنْيَا (فَبَدَا) أَيْ ظَهَرَ (أَسَاوِرُهُ) جَمْعُ أَسْوِرَةٍ جَمْعِ سِوَارٍ وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَسَاوِرِهِ فَفِي التَّرْغِيبِ فَبَدَا سِوَارُهُ (لَطَمَسَ) أَيْ مَحَا ضَوْءُ أَسَاوِرِهِ (ضَوْءَ الشَّمْسِ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ قَوْلُهُ (هذا حديث غريب) وأخرجه بن أَبِي الدُّنْيَا قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) هُوَ الْغَافِقِيُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ الْكُوفَةِ صَدُوقٌ لَكِنْ مَقَتَهُ النَّاسُ لِكَوْنِهِ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ مِنَ الثَّانِيَةِ قَتَلَهُ الْمُخْتَارُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ أَوْ بَعْدَهَا وَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَدْ جزم بن مَعِينٍ بِأَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا المرسل (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٣٩] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَنْبَرَ كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ الدَّسْتُوَائِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَقَدْ رُمِيَ بِالْقَدَرِ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ (عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَامِرُ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْأَحْوَلُ البصري صدوق يخطىء مِنَ السَّادِسَةِ وَهُوَ عَامِرٌ الْأَحْوَلُ الَّذِي يَرْوِي عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ وَالصَّحَابِيِّ انْتَهَى

стр. 3464

قَوْلُهُ (أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ) بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ جَمْعِ أَجْرَدَ وَهُوَ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى جَسَدِهِ وَضِدُّهُ الْأَشْعَرُ (مُرْدٌ) جَمْعُ أَمْرَدَ وَهُوَ غُلَامٌ لَا شَعْرَ عَلَى ذَقَنِهِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْحُسْنُ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ (كَحْلَى) بِفَتْحِ الْكَافِ فَعْلَى بِمَعْنَى فَعِيلٍ أَيْ مَكْحُولٌ وَهُوَ عَيْنٌ فِي أَجْفَانِهَا سَوَادٌ خِلْقَةً كَذَا قِيلَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَحَلُ بِفَتْحَتَيْنِ سَوَادٌ فِي أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً وَالرَّجُلُ أَكْحَلُ وَكَحِيلٌ وَكَحْلَى جَمْعُ كَحِيلٍ (لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) بَلْ كل منهم في سن بن ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ دَائِمًا (وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ) أَيْ لَا يَلْحَقُهَا الْبِلَى أَوْ لَا يَزَالُ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْجُدُدُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ [٢٥٤٠] قَوْلُهُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (ارْتِفَاعُهَا) أَيِ ارْتِفَاعُ فُرُشِ الْجَنَّةِ وَقِيلَ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ الَّتِي فُرِشَتْ لِلْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ فِيهَا وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَكَمَا بَيْنَ السماء والأرض (مسيرة خمسمائة عام) بدل من ما قَبْلَهُ أَوْ بَيَانٌ لَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ ارْتِفَاعَ الْفُرُشِ الْمَفْرُوشَةِ فِي الْجَنَّةِ مِثْلُ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَيْ مَسَافَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ وَلَفْظُهُ ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ أَيِ ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَفْرُوشَةِ فِي الْجَنَّةِ مِثْلُ مَسِيرَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَفْرُوشَةِ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَمَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا وَاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّفْسِيرِ وَاحِدٌ (هَذَا حديث غريب) وأخرجه أحمد والنسائي وبن أبي الدنيا قال المنذري ورواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ بن وَهْبٍ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ انْتَهَى (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ٢١٠ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُرُشَ فِي

стр. 3465

الدَّرَجَاتِ وَبَيْنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) هَذَا الْمَعْنَى مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَيِ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ الَّتِي فُرِشَتِ الْفُرُشُ الْمَرْفُوعَةُ فِيهَا وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ الْمَرْفُوعَةِ فِي الدَّرَجَاتِ وَمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِنَ الدَّرَجَاتِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هَذَا الْقَوْلُ أَوْثَقُ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ انْتَهَى (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ ثِمَارِ الجنة) [٢٥٤١] قوله (عن يحيى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بْنِ الْعَوَّامِ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ كَانَ قَاضِيَ مَكَّةَ زَمَنَ أَبِيهِ وَخَلِيفَتَهُ إِذَا حَجَّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى) قِيلَ هِيَ شَجَرَةُ نَبْقٍ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ثَمَرُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ وَوَقَعَ ذِكْرُ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَقَعَ بَيَانُ سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فِي حديث بن مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَإِلَيْهَا يُنْتَهَى مَا يَعْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ سُمِّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ عِلْمَ الْمَلَائِكَةِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا وَلَمْ يُجَاوِزْهَا أَحَدٌ إِلَّا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (يَسِيرُ الرَّاكِبُ) أَيِ الْمُجِدُّ (فِي ظِلِّ الْفَنَنِ) مُحَرَّكَةً أَيِ الْغُصْنُ وَجَمْعُهُ الْأَفْنَانُ وَمِنْهُ قوله تعالى ذواتا أفنان وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلنَّوْعِ وَجَمْعُهُ فُنُونٌ كَذَا حَقَّقَهُ الرَّاغِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ السِّدْرَةِ أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةُ رَاكِبٍ أَوْ لِلشَّكِّ شَكَّ يَحْيَى أي بن عَبَّادٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ فِيهَا أَيْ فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْمَعْنَى فِيمَا بَيْنَ أَغْصَانِهَا أَوْ عَلَيْهَا بِمَعْنَى فَوْقَهَا مِمَّا يَغْشَاهَا (فَرَاشُ الذَّهَبِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرَاشَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَطِيرُ وَتَتَهَافَتُ فِي السِّرَاجِ قِيلَ هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى ومنه أخذ بن مسعود

стр. 3466

(شك يحيى) أي بن عباد المذكور في السند حَيْثُ فَسَّرَ مَا يَغْشَى بِقَوْلِهِ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَذِكْرُ الْفَرَاشِ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الشَّجَرِ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهَا الْجَرَادُ وَشِبْهُهُ وَجَعَلَهَا مِنَ الذَّهَبِ لِصَفَاءِ لَوْنِهَا وَإِضَاءَتِهَا فِي نَفْسِهَا انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذَّهَبِ حَقِيقَةً وَيُخْلَقُ فِيهِ الطَّيَرَانُ وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ انْتَهَى (كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقُلَّةِ أَيْ قِلَالُ هَجَرَ فِي الْكِبَرِ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ طَيْرِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٢] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ الْحَارِثِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَكَنَهَا مُدَّةً ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ) بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شهاب الزهري المدني بن أَخِي الزُّهْرِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَخُو الزُّهْرِيِّ الْإِمَامُ ثِقَةٌ من الثالثة مات قبل أخيه قوله (ذلك نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ غَفَا إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ فَقَرَأَ

стр. 3467

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ (يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ) هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ تُرَابُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ الْحَدِيثَ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ أَوْ فِي أَطْرَافِهِ (طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ جَمْعُ جَزُورٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ (إِنَّ هَذِهِ) أَيِ الطَّيْرَ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لَنَاعِمَةٌ) أَيْ سِمَانٌ مُتْرَفَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (أَكَلَتُهَا) ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَاللَّامِ وَبِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ فَعَلَى الْأَوَّلِ جَمْعُ آكِلٍ اسْمُ فَاعِلٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعِ طَالِبٍ وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْكُلُهَا وَعَلَى الثَّانِي مُؤَنَّثُ أَكْلٍ وَصِيغَةُ الْوَاحِدِ الْمُؤَنَّثِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَفْظُهُ إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ نَاعِمَةٌ فَقَالَ أَكْلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا قَالَهَا ثَلَاثًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خَيْلِ الْجَنَّةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخَيْلُ جَمَاعَةُ الْأَفْرَاسِ لَا وَاحِدَ لَهُ أَوْ وَاحِدُهُ خَائِلٌ لِأَنَّهُ يَخْتَالُ انْتَهَى [٢٥٤٣] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ) بْنِ عَاصِمِ بْنِ صُهَيْبٍ الْوَاسِطِيُّ أَوِ الْحَسَنُ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ الْمَرْوَزِيِّ قَاضِيهَا ثِقَةٌ مِنَ الثالثة

стр. 3468

قَوْلُهُ (إِنِ اللَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ ثُمَّ كُسِرَ لِلِالْتِقَاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ اللَّهُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ (أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) وَلَا يَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ (فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ أَيْ فَلَا تَشَاءُ الْحَمْلَ فِي الْجَنَّةِ (عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ تَطِيرُ) بِصِيغَةِ الْمُؤَنَّثِ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى فَرَسٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَرَسُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (حَيْثُ شِئْتَ) أَيْ طَيَرَانَهُ بِكَ (إِلَّا فَعَلْتَ) لَا يُوجَدُ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثَ نَقْلًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ مَعَ هَذَا اللفظ قال القارىء فِي شَرْحِ قَوْلِهِ إِلَّا فَعَلْتَ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ المذكر المعلوم والمعنى إن تشاء تَفْعَلْهُ وفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُمِلْتَ عَلَيْهَا وَرَكِبْتَ وَفِي أُخْرَى بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ فَالضَّمِيرُ لِلْفَرَسِ أَيْ حَمَلَتْكَ قَالَ الْقَاضِي ﵀ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ إن أدخلك الجنة الله فلا تشاء أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَرَسٍ كَذَلِكَ إِلَّا حُمِلْتَ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ إِلَّا وَتَجِدُهُ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ شَاءَتْ حتى لو اشتهيت أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَوَجَدَتْهُ وتمكنته مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَرْكَبٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا تَرْضَى بِهِ فَتَطْلُبَ فَرَسًا مِنْ جِنْسِ مَا تَجِدُهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَصِفَةً وَالْمَعْنَى فَيَكُونُ لَكَ مِنَ الْمَرَاكِبِ مَا يُغْنِيكَ عَنِ الْفَرَسِ الْمَعْهُودِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَرَاكِبِ الْجَنَّةِ وَمَرَاكِبِ الدُّنْيَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ عَلَى التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلَ فَرَسَ الْجَنَّةِ فِي جَوْهَرِهِ بِمَا هُوَ عِنْدَنَا أَثْبَتُ الْجَوَاهِرِ وَأَدُومُهَا وُجُودًا وَأَنْصَعُهَا لَوْنًا وَأَصْفَاهَا جَوْهَرًا وَفِي شِدَّةِ حَرَكَتِهِ وَسُرْعَةِ انْتِقَالِهِ بِالطَّيْرِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ جَنَاحَانِ قَالَ الطِّيبِيُّ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ التُّورْبَشْتِيُّ وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ إِلَّا حُمِلْتَ يَقْتَضِي أَنْ يُرْوَى قَوْلُهُ إِلَّا فُعِلْتَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ أَيْ لَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا مُسْعَفًا وَإِذَا تُرِكَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ كَانَ التَّقْدِيرُ فَلَا تَكُونُ بِمَطْلُوبِكَ إِلَّا فَائِزًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ عَنِ الْفَرَسِ الْمُتَعَارَفِ فِي الدُّنْيَا فَأَجَابَهُ ﷺ بِمَا فِي الْجَنَّةِ أَيِ اتْرُكْ مَا طَلَبْتُهُ فَإِنَّكَ

стр. 3469

مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِهَذَا الْمَرْكَبِ الْمَوْصُوفِ انْتَهَى (قَالَ) أَيْ بُرَيْدَةُ (فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ مِثْلَ مَقُولِهِ لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ بَلْ أَجَابَهُ مُخْتَصَرًا فَقَالَ إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) أَيْ وَجَدْتَ عَيْنَكَ لَذِيذَةً قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَذَّهُ وَبِهِ لِذَاذًا وَلَذَاذَةً وَجَدَهُ لَذِيذًا انْتَهَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قَوْلُهُ (هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ) أَيْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مُتَّصِلًا وَهَذَا لِأَنَّ سُفْيَانَ أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنَ الْمَسْعُودِيِّ [٢٥٤٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ السَّرَّاجُ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ) الرِّقَاشِيِّ أَبِي يَحْيَى الْبَصْرِيِّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِي سَوْرَةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ الأنصاري بن أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (إِنْ أُدْخِلْتَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفَتْحِ التَّاءِ (الْجَنَّةَ) أَيْ إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا (أُتِيتَ) أَيْ جئت (بفرس من ياقوتة) قال القارىء قِيلَ أَرَادَ الْجِنْسَ الْمَعْهُودَ مَخْلُوقًا مِنْ أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ وَقِيلَ إِنَّ هُنَاكَ مَرْكَبًا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ يُغْنِيكَ عَنِ الْمَعْهُودِ كَمَا مَرَّ وَالْأَخِيرُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (لَهُ جَنَاحَانِ) يَطِيرُ بِهِمَا كَالطَّائِرِ (فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُرْكِبْتَهُ وَالْمَرْكَبُ الْمَلَائِكَةُ (ثُمَّ طَارَ) أَيْ ذَلِكَ الْفَرَسُ (بِكَ حَيْثُ شِئْتَ) وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا

стр. 3470

مِنْ شَيْءٍ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا تَجِدُهُ فِيهَا حَتَّى لَوِ اشْتَهَى أَنْ يَرْكَبَ فَرَسًا وَجَدَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ وَاصِلَ بْنَ السَّائِبِ وَأَبَا سَوْرَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ كَمَا عَرَفْتَ ٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي سِنِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [٢٥٤٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (أَخْبَرَنَا عمران بن الْعَوَامَّ) الّقَطَّانُ الْبَصْرِيُّ قَوْلُهُ (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ) أَيْ خِلْقَةً (أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً) أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هريرة عند أحمد وبن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ بِالْجَزْمِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَلَى مَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَخْرَجَ أَيْضًا الرِّوَايَةَ الْمُرْسَلَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا
следующие страницы →