Полный текст (4 874 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
قَوْلُهُ (الشُّؤْمُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ فَتَصِيرُ وَاوًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْوَاوُ فِي الشُّؤْمِ هَمْزَةٌ وَلَكِنَّهَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ وَاوًا وَغَلَبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يُنْطَقْ بِهَا مهموزة ولذلك أثبتناها ها هنا وَالشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ يُقَالُ تَشَاءَمْتَ بِالشَّيْءِ وَتَيَمَّنْتَ بِهِ (فِي ثَلَاثَةٍ) أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الدَّارَ قَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوِ الْهَلَاكِ وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوِ الْفَرَسِ أَوِ الْخَادِمِ قَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَاهُ قَدْ يَحْصُلُ الشُّؤْمُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ إِنْ يَكُنِ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَثِيرُونَ هُوَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الطِّيَرَةِ أَيِ الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ أَوْ خَادِمٌ فَلْيُفَارِقِ الْجَمِيعَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَطَلَاقُ الْمَرْأَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ شُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِلرِّيَبِ وَشُؤْمُ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهَا وَقِيلَ حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا وَشُؤْمُ الْخَادِمِ سُوءُ خُلُقِهِ وَقِلَّةُ تَعَهُّدِهِ لِمَا فوض إليه
وقيل المراد بالشؤم ها هنا عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ بِحَدِيثِ لَا طيرة على هذا فأجاب بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ مِنْ حَدِيثِ لَا طِيَرَةَ أَيْ لَا طِيَرَةَ إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَصَحُّ) أَيْ رِوَايَةُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِ ذِكْرِ حَمْزَةَ أَصَحُّ من رواية بن أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ بِذِكْرِ حَمْزَةَ مَعَ سَالِمٍ (لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الحديث إلا عن سالم عن بن
стр. 3782
عُمَرَ) يَعْنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ عن بن عُمَرَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عن بن الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ لَمْ يَرْوِ الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ انْتَهَى وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ إِنَّمَا تَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ
قَالَ الْحَافِظُ لَكِنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا وَمَالِكٌ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَكَذَا رواه بن أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ نَفْسِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَهُوَ يَقْتَضِي رُجُوعَ سُفْيَانَ عَمَّا سَبَقَ مِنَ الْحَصْرِ وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَجَعَلَ رِوَايَةَ بن أَبِي عُمَرَ هَذِهِ مَرْجُوحَةً وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا أيضا يونس من رواية بن وَهْبٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبُو أُوَيْسٍ عِنْدَ أحمد ويحيى بن سعيد وبن أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ثَلَاثَتِهِمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ
أخرجه النسائي وكذا أخرجه بن خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ عَنْ يُونُسَ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مَعْمَرٍ مُقْتَصِرًا عَلَى حَمْزَةَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ مَعْمَرٍ فاقتصر على سالم
فالظاهر أن الزهري يجمعها تَارَةً وَيُفْرِدُ أَحَدَهُمَا أُخْرَى
وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ عَنْ سَالِمٍ أَوْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَاهُمَا وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَلَفْظُهُ الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَرُوهَا ذَمِيمَةً وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي المرأة والدابة والسكن رواه الشيخان عن بن عُمَرَ وَكَذَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ فُرِضَ وُجُودُ الشُّؤْمِ يَكُونُ في هذه
стр. 3783
الثَّلَاثَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ نَفْيُ صِحَّةِ الشُّؤْمِ وَوُجُودُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ فَلَا يُنَافِيهِ حِينَئِذٍ عُمُومُ نَفْيِ الطِّيَرَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قوله ﷺ الشؤم في ثَلَاثَةٍ إِلَخْ
قُلْتُ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ إِلَخْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أنفسكم إلا في كتاب الاية حكاه بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ورد في حديث بن عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ نَفْيُ التَّطَيُّرِ ثُمَّ إِثْبَاتُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَلَفْظُهُ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ
وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ
وَمِنْهَا مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّطَيُّرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ سَيْرَهُ فَلْيُفَارِقْهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشُّؤْمِ فِي قَوْلِهِ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ بَلِ الْمُرَادُ مِنْ شُؤْمِ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِوَارِهَا وَمِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ وَأَنْ تَحْمِلَ لِسَانَهَا عَلَيْك وَمِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهِ وَقِيلَ حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ ما أخرجه أحمد وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا مِنْ سعادة بن آدَمَ ثَلَاثَةٌ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصالح ومن شقاوة بن آدَمَ ثَلَاثَةٌ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السوء
وفي رواية بن حِبَّانَ الْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ الْمَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوؤُكَ وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْك
وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا فَإِنْ ضَرَبْتَهَا أَتْعَبَتْكَ وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تَلْحَقْ أَصْحَابَك وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ الْمَرَافِقِ
قَوْلُهُ (لَا شُؤْمَ) أَيْ فِي شَيْءٍ (وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ) أَيْ قَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالْيُمْنُ ضِدُّ الشُّؤْمِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرًا الْكِنَانِيُّ الْكَلْبِيُّ الشَّامِيُّ الْقَاضِي بِحِمْصٍ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمِ) بْنِ مُعَاوِيَةَ النُّمَيْرِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
стр. 3784
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَقِيلَ عَنْ عَمِّهِ وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصٍ (عَنْ عَمِّهِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) النُّمَيْرِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ لَهُ حَدِيثٌ وَقِيلَ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عَمِّهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ مِنَ الثَّانِيَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ مُخْتَلَفٌ في صحبته وروى عنه بن أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ عَنْهُ وَقِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَمِّهِ مَعْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ يَحْيَى
وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ عن سليمان عن يحيى عن بن معاوية حكيم عن أبيه انتهى
٣ - (باب لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ ثَالِثٍ)
قَوْلُهُ (عَنْ شقيق) يعني بن سلمة (عن عبد الله) أي بن مَسْعُودٍ ﵁
قَوْلُهُ (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً) أَيْ فِي الْمُصَاحَبَةِ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا (فلا ينتجي) مِنَ الِانْتِجَاءِ وَهُوَ التَّنَاجِي (اثْنَانِ) أَيْ لَا يَتَكَلَّمَا بِالسِّرِّ يُقَالُ انْتَجَى الْقَوْمُ وَتَنَاجَوْا أَيْ سَارَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (دُونَ صَاحِبِهِمَا) أَيِ الثَّالِثِ (فلا يتناجى اثْنَانِ) أَيْ لَا يَتَكَلَّمَا بِالسِّرِّ (دُونَ الثَّالِثِ) أَيْ مُجَاوِزَيْنِ عَنْهُ غَيْرَ مُشَارِكَيْنِ لَهُ
لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِشَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ (يَحْزُنُهُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الزَّايِ وَيَجُوزُ ضَمُّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرُ الزَّايِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ حَزَنَهُ الْأَمْرُ حُزْنًا بِالضَّمِّ وَأَحْزَنَهُ جَعَلَهُ حَزِينًا انْتَهَى
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ يَحْزُنُهُ لِلثَّالِثِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِثٍ وَكَذَا ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ وَهُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاةُ دُونَ واحد منهم إلا أن يأذن
ومذهب بن عُمَرَ ﵁ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَفِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمُنَاجَاةُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ
стр. 3785
الْخَوْفِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّهُ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَأَمِنَ النَّاسُ سَقَطَ النَّهْيُ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُحْزِنُوهُمْ أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى
قُلْتُ دَعْوَى نَسْخِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَوْ تَخْصِيصِهَا بِالسَّفَرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَفِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والشيخان وأبو داود وبن ماجه
قوله (وفي الباب عن بن عمر وأبي هريرة وبن عباس) أما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ أبي هريرة وحديث بن عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا
٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْعِدَةِ)
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ جِيمٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا فَاءٌ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْيَضَ) أَيْ مَائِلًا إِلَى الْحُمْرَةِ (قَدْ شَابَ) أَيْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْبٌ (وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ) أَيْ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى
فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْحَسَنُ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إلى الرأس والحسين أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ (وَأَمَرَ لَنَا) أَيْ لَهُ وَلِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي سِوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكَانَ أَمَرَ لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ جَائِزَةِ الْوَفْدِ (قَلُوصًا) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ نَاقَةٍ شَابَّةٍ (فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا) أَيْ فَشَرَعْنَا في
стр. 3786
الذَّهَابِ إِلَى الْمَأْمُورِ لِنَقْبِضَ الْعَطَاءَ الْمَذْكُورَ (فَأَتَانَا مَوْتُهُ) أَيْ خَبَرُ مَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ نَقْبِضَهَا (فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ خَطِيبًا أَوْ قام بأمر الخلافة (فليجىء) أَيْ فَلْيَأْتِ إِلَيْنَا فَإِنَّ وَفَاءَهُ عَلَيْنَا وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَا وَعَدَمَ ذِكْرِ الدَّيْنِ هُنَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهَا بِالْأَوْلَى وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اقْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا وَكَلَامُهُ فِي الْعِدَةِ (فَقُمْتَ إِلَيْهِ) أَيْ مُتَوَجِّهًا (فَأَخْبَرْته) أَيْ بِمَا سَبَقَ (فَأَمَرَ لَنَا بِهَا) أَيْ بِالْقَلُوصِ الْمَوْعُودَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي وَانْفَرَدَ التِّرْمِذِيُّ بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ وَإِعْطَائِهِ إِيَّاهُمْ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ
قَالَ مَيْرَكُ وَلِذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْمِشْكَاةِ فِي آخِرِ مَجْمُوعِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (وَلَمْ يَزِيدُوا) أَيْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَلَمْ يَذْكُرُوا قَوْلَهُ وَأَمَرَنَا إِلَخْ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ والمد
стр. 3787
٩٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)
قَوْلُهُ (جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ) أَيْ فِي الْفِدَاءِ (غَيْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) يَعْنِي أَنَّ رسول الله ﷺ لم يَقُلْ لِأَحَدٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِلَّا لِسَعْدٍ
قوله (عن بن جدعان) هو علي زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ
قَوْلُهُ (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ أَبِي وَأُمِّي مُفَدًّى لَك وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَفْدِي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهُ لَهُ (ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ وَالْجَمْعُ الْحَزَاوِرَةُ
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ هَذَا أَصْلُ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا لِلشَّابِّ لِأَنَّ سَعْدًا جَاوَزَ الْبُلُوغَ يَوْمئِذٍ انْتَهَى
قُلْتَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ لِأَنَّ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ بن سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَدْ يَجِيءُ الْحَزَوَّرُ بِمَعْنَى الرَّجُلِ الْقَوِيِّ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحَزَوَّرُ كَعَمَلَّسٍ الْغُلَامُ الْقَوِيُّ وَالرَّجُلُ الْقَوِيُّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ الزُّبَيْرِ وَجَابِرٍ) أَمَّا حَدِيثُ الزُّبَيْرِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقْتَ فَلَمَّا رَجَعْتَ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي
فَإِنْ قُلْتَ قَوْلُ عَلِيٍّ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ وَأُمَّهُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يُخَالِفُ حَدِيثَ الزُّبَيْرِ هَذَا فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا
стр. 3788
قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا مَا لَفْظُهُ فِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَلِيًّا رضِيَ الله تعالى عَنْهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ بِقَيْدِ يَوْمِ أُحُدٍ انْتَهَى
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَخْ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ) أَيْ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وَحَدِيثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ
٦ - بَاب مَا جَاءَ فِي يَا بُنَيَّ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ) اسْمُهُ الْجَعْدُ بْنُ دِينَارٍ الْيَشْكُرِيُّ الصَّيْرَفِيُّ الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْحُلَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ من الرابعة
قوله (قال له يابني) بفتح الياء المشددة وكسرها وقرىء بِهِمَا فِي السَّبْعِ الْأَكْثَرُونَ بِالْكَسْرِ وَبَعْضُهُمْ بِإِسْكَانِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِ ابْنِهِ مِمَّنْ هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْهُ يَا ابْنِي وَيَا بُنَيَّ مُصَغَّرًا وَيَا وَلَدِي وَمَعْنَاهُ تَلَطُّفٌ وَأَنَّكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ وَلَدِي فِي الشَّفَقَةِ وَكَذَا يُقَالُ لَهُ
стр. 3789
وَلِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ سِنِّ الْمُتَكَلِّمِ يَا أَخِي لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَإِذَا قَصَدَ التَّلَطُّفَ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) أَمَّا حديث المغيرة وهو بن شُعْبَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ اسْمِ الْمَوْلُودِ)
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَخْ) كُنْيَتُهُ أَبُو الْفَضْلِ الْبَغْدَادِيُّ قَاضِي أَصْبَهَانَ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عشرة (أخبرنا شريك) هو بن عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) هُوَ صَاحِبُ الْمَغَازِي
قَوْلُهُ (أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ السَّابِعِ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ ثَبَتَ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْأَضَاحِيِّ (وَوَضْعِ الْأَذَى عَنْهُ) عَطْفٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الْأَذَى عَنْهُ إِمَاطَتُهُ وَإِزَالَتُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى أَيْ أَزِيلُوا وَزْنًا وَمَعْنًى قَالَ وَقَعَ عِنْدَ
стр. 3790
أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عروبة وبن عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَذَى حَلْقَ الرَّأْسِ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ لَمْ أَجِدْ مَنْ يُخْبِرُنِي عَنْ تَفْسِيرِ الْأَذَى انْتَهَى وَقَدْ جَزَمَ الْأَصْمَعِيُّ بِأَنَّهُ حَلْقُ الرَّأْسِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ كَذَلِكَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وأمر أن يماط عن رؤوسهما الْأَذَى وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي حَلْقِ الرأس فقد وقع في حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ
وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ
فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى حَمْلُ الْأَذَى عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَيُمَاطُ عَنْهُ أَقْذَارُهُ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ انْتَهَى
(وَالْعَقِّ) أَيِ الذَّبْحِ بِشَاةٍ أَوْ شَاتَيْنِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي وَقَدْ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ يُدَلِّسُ وَرَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِالْعَنْعَنَةِ لَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ وَلِذَلِكَ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْأَسْمَاءِ)
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) بْنِ الْمَأْمُونِ الْهَاشِمِيُّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا مُعَمَّرُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ (بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ) النَّخَعِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ أخطأ الأزدي في تبينه وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ الزِّنْجِيِّ) الْمَكِّيِّ الْعَابِدِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ) بْنِ خُثَيْمٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا
قَوْلُهُ (أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) فِيهِ التَّسْمِيَةُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وتفضيلهما
стр. 3791
عَلَى سَائِرِ مَا يُسَمَّى بِهِ
وَقَدْ بَيَّنَ الحافظ بن الْقَيِّمِ وَجْهَ التَّفْضِيلِ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْمَعَادِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ يُلْتَحَقُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَا كَانَ مِثْلَهُمَا كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إِلَى الرَّبِّ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فَحَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ
وَقَالَ غَيْرُهُ الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْمَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إِضَافَةُ عَبْدٍ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّهُ لما قام عبد الله يدعوه وقال في آية أخرى وعباد الرحمن وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادعوا الرحمن وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ رَفْعُهُ إِذَا سَمَّيْتُمْ فَعَبِّدُوا
وَمِنْ حَدِيثِ بن مَسْعُودٍ رَفْعُهُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا تُعَبِّدُونَهُ
وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو داود وبن ماجه
٩ - (باب ما جاء مَا يُكْرَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ
قَوْلُهُ (لَأَنْهَيَنَّ أَنْ يُسَمَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (رَافِعٌ وبركة ويسار) وفي رواية بن مَاجَهْ لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْهَيَنَّ أَنْ يُسَمَّى رَبَاحٌ وَنَجِيحٌ وَأَفْلَحُ وَنَافِعٌ وَيَسَارٌ وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ تَأْتِي فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْآتِي قَوْلُهُ (هذا حديث غريب) وأخرجه بن مَاجَهْ (وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ النَّاسِ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ليس فيه عمر) أخرجه مسلم من طريق بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ
стр. 3792
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفْلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْته سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ
فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ ذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا قُلْتُ وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى نَهْيَ تَحْرِيمٍ ثُمَّ سَكَتَ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَإِيقَاعِ الْحَرَجِ لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ النَّاسِ مَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الْقُبْحِ وَالْحُسْنِ فَالنَّهْيُ الْمَنْفِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْمُثْبَتِ عَلَى التَّنْزِيهِ
قَوْلُهُ (لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ) أَيْ صَبِيَّكَ أَوْ عَبْدَكَ (رَبَاحَ) كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ رَبَاحَ وَيَسَارَ وَنَجِيحَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ رَبَاحًا وَيَسَارًا وَنَجِيحًا بِالْأَلِفِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَرَبَاحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنَ الرِّبْحِ ضِدُّ الْخَسَارَةِ (وَلَا أَفْلَحَ) مِنَ الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ (وَلَا يَسَارَ) مِنَ الْيُسْرِ ضِدُّ الْعُسْرِ (وَلَا نَجِيحَ) مِنَ النَّجْحِ وَهُوَ الظَّفَرُ (أَثَمَّ) أَيْ أَهُنَاكَ (هُوَ) أَيِ الْمُسَمَّى بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ (فَيُقَالُ لَا) أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ رَبَاحٌ أَوْ أَفْلَحُ أَوْ يَسَارٌ أَوْ نَجِيحٌ فَلَا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذَا فِي التَّفَاؤُلِ أَوْ فَيُكْرَهُ لِشَنَاعَةِ الْجَوَابِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ التَّفَاؤُلَ بِحُسْنِ أَلْفَاظِهَا أَوْ مَعَانِيهَا وَرُبَّمَا يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ مَا قَصَدُوهُ إِلَى الضِّدِّ إِذَا سَأَلُوا فَقَالُوا أَثَمَّ يَسَارٌ أَوْ نَجِيحٌ فَقِيلَ لَا تَتَطَيَّرُوا بِنَفْيِهِ وَاضْمُرُوا الْيَأْسَ مِنَ الْيُسْرِ وَغَيْرِهِ فَنَهَاهُمْ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يَجْلِبُ سُوءَ الظَّنِّ وَالْإِيَاسَ مِنَ الْخَيْرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 3793
قَوْلُهُ (أَخْنَعُ اسْمٍ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الْخُنُوعِ وَهُوَ الذُّلُّ وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ أَخْنَعُ أَذَلُّ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ سَأَلْتَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَعْنِي إِسْحَاقَ اللُّغَوِيَّ عَنْ أَخْنَعُ فَقَالَ أَوْضَعُ
قَالَ عِيَاضٌ مَعْنَاهُ أَشَدُّ الْأَسْمَاءِ صَغَارًا وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْخَانِعُ الذَّلِيلُ وَخَنَعَ الرَّجُلُ ذل
قال بن بَطَّالٍ وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ أَذَلَّ الْأَسْمَاءِ كَانَ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَشَدَّ ذُلًّا
وَقَدْ فَسَّرَ الْخَلِيلُ أَخْنَعَ بِأَفْجَرَ فَقَالَ الْخَنْعُ الْفُجُورُ يُقَالُ أَخْنَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ إِذَا دَعَاهَا لِلْفُجُورِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ بِأَقْبَحَ وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى اللَّازِمِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَخْنَى الْأَسْمَاءِ وَهُوَ مِنَ الْخَنَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَقْصُورٌ وَهُوَ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ أَيْ أَهْلَكَهُ
وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ أَخْبَثُ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَبِلَفْظِ أَغْيَظُ وَهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ (تُسَمَّى) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنَ التَّسَمِّي أَيْ سَمَّى نَفْسَهُ أَوْ سمي بذلك فرضى به واستمر عليه (ملك الْأَمْلَاكِ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ مَلِكٍ وَالْأَمْلَاكُ جَمْعُ مِلْكٍ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ وَجَمْعُ مَلِيكٍ (قَالَ سُفْيَانُ شاهان شاه) وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظية العجمية وأنكر ذلك آخرون وهو غفلة منهم عَنْ مُرَادِهِ وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ شاهان شاه كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّسْمِيَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَنَبَّهَ سُفْيَانُ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَمِّهِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَلِكِ الْأَمْلَاكِ بَلْ كُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ مُرَادٌ بِالذَّمِّ
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ شاه شاهان وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْعَجَمِ تَقْدِيمُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ فَإِذَا أَرَادُوا قَاضِي الْقُضَاةِ بِلِسَانِهِمْ قَالُوا موبذان موبذ فموبذ هُوَ الْقَاضِي وموبذان جَمْعُهُ فَكَذَا شاه هُوَ الْمَلِكُ وشاهان هُوَ الْمُلُوكُ
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ لِوُرُودِ الْوَعْدِ الشَّدِيدِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ خَالِقِ الْخَلْقِ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَسُلْطَانُ السَّلَاطِينِ وَأَمِيرُ الْأُمَرَاءِ وَقِيلَ يَلْتَحِقُ بِهِ أَيْضًا مَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْجَبَّارِ وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ تَسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَوْ حَاكِمَ الْحُكَّامِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَذَكَرَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ فَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 3794
١٠٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ)
قَوْلُهُ (وَأَبُو بَكْرٍ بُنْدَارٌ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَبُنْدَارٌ لَقَبُهُ (عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ
قَوْلُهُ (غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ أَنْتِ جَمِيلَةُ) قِيلَ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالْعَاصِ وَالْعَاصِيَةِ ذَهَابًا إِلَى مَعْنَى الْإِبَاءِ عَنْ قَبُولِ النَّقَائِصِ وَالرِّضَاءِ بِالضَّيْمِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نُهُوا عَنْهُ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا مُطِيعَةَ مَعَ أَنَّهَا ضِدُّ الْعَاصِيَةِ مَخَافَةَ التَّزْكِيَةِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا غَيَّرَهُ لِأَنَّ شِعَارَ الْمُؤْمِنَ الطَّاعَةُ وَالْعِصْيَانُ ضِدُّهَا انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ أَوِ الْمَكْرُوهِ إِلَى حَسَنٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَحَادِيثُ بِتَغْيِيرِهِ ﷺ أَسْمَاءَ جَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الْعِلَّةَ فِي النَّوْعَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهِيَ التَّزْكِيَةُ أَوْ خَوْفَ التَّطَيُّرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبو داود وبن مَاجَهْ (وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ) أَيْ رَوَاهُ مُتَّصِلًا (وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا) أَيْ مُنْقَطِعًا لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَافِعٌ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ إِلَخْ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام فأخرجه بن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَاقِي الصَّحَابَةِ فَلْيُنْظَرْ من أخرجها
стр. 3795
قَوْلُهُ (كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ) أَيْ يُبَدِّلُهُ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ وَالْحَدِيثُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَرَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ بِالْعَنْعَنَةِ
قَالَ بن سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً وَكَانَ يُدَلِّسُ تَدْلِيسًا شَدِيدًا يَقُولُ سَمِعْتَ وَحَدَّثَنَا ثُمَّ يَسْكُتُ فَيَقُولُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْأَعْمَشُ وَقَالَ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا
٠١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النَّوْفَلِيُّ ثِقَةٌ عَارِفٌ بِالنَّسَبِ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ صَحَابِيٌّ عَارِفٌ بِالْأَنْسَابِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ
قَوْلُهُ (إِنَّ لِيَ أَسْمَاءً) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ لِيَ خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ
قَالَ الْحَافِظُ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لِيَ خَمْسَةً أَخْتَصُّ بِهَا لَمْ يُسَمَّ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي أَوْ مُعَظَّمَةٌ أَوْ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَصْرَ فِيهَا
قَالَ عِيَاضٌ حَمَى اللَّهُ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ أَنْ يُسَمَّى بِهَا أحد قبله وإنما تسمى بَعْضُ الْعَرَبِ مُحَمَّدًا قُرْبَ مِيلَادِهِ لَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْكُهَّانِ وَالْأَحْبَارِ أَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يُسَمَّى مُحَمَّدًا فَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا هُمْ فَسَمَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ قَالَ وَهُمْ سِتَّةٌ لاسابع لَهُمْ
قَالَ الْحَافِظُ قَدْ جَمَعْتَ أَسْمَاءَ مَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ فَبَلَغُوا نَحْوَ الْعِشْرِينَ لَكِنْ مَعَ تَكْرَارٍ فِي بَعْضِهِمْ وَوَهْمٍ فِي بَعْضٍ
فَيَتَلَخَّصُ مِنْهُمْ خَمْسَةُ عَشْرَ نَفْسًا انْتَهَى
(أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ رَجُلٌ مُحَمَّدٌ وَمَحْمُودٌ إِذَا كَثُرَتْ خِصَالُهُ المحمودة
قال بن فَارِسَ وَغَيْرُهُ وَبِهِ سُمِّيَ نَبِيُّنَا ﷺ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ أَيْ أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ أَنْ
стр. 3796
سَمُّوهُ بِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ جَمِيلِ صِفَاتِهِ وَقَالَ الْحَافِظُ إِنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ وَأَشْهَرُهُمَا مُحَمَّدٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ وَأَمَّا أَحْمَدُ فَذُكِرَ فِيهِ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ عِيسَى ﵇ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَمِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ لِلْمُبَالَغَةِ وَأَمَّا أَحْمَدُ فَمِنْ بَابِ التَّفْضِيلِ وَقِيلَ سُمِّيَ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ صِفَةٍ وَهِيَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَمَعْنَاهُ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ
وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ بِمَحَامِدَ لَمْ يُفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ وَقِيلَ الْأَنْبِيَاءُ حَمَّادُونَ وَهُوَ أَحْمَدُهُمْ أَيْ أَكْثَرُهُمْ حَمْدًا أَوْ أَعْظَمُهُمْ فِي صِفَةِ الْحَمْدِ
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ صِفَةِ الْحَمْدِ أَيْضًا وَهُوَ بِمَعْنَى مَحْمُودٍ وَفِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُحَمَّدُ الَّذِي حُمِدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَالْمُمَدَّحِ
قَالَ الْأَعْشَى إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ وَجِيَفُهَا إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ أَيِ الَّذِي حُمِدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَوِ الَّذِي تَكَامَلَتْ فِيهِ الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ (وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ مَحْوُ الْكُفْرِ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَسَائِرِ بِلَادِ الْعَرَبِ وَمَا زُوِيَ لَهُ ﷺ مِنَ الْأَرْضِ وَوُعِدَ أَنْ يَبْلُغَهُ مُلْكُ أُمَّتِهِ
قَالُوا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحْوُ الْعَامُّ بِمَعْنَى الظُّهُورِ بِالْحُجَّةِ وَالْغَلَبَةِ كَمَا قال تعالى ليظهره على الدين كله وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ تَفْسِيرُ الْمَاحِي بِأَنَّهُ الَّذِي مُحِيَتْ بِهِ سَيِّئَاتُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِمَحْوِ الْكُفْرِ هَذَا وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لهم ما قد سلف وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (وَأَنَا الْحَاشِرُ) أَيْ ذُو الْحَشْرِ (الَّذِي يُحْشَرُ) أَيْ يُجْمَعُ (عَلَى قَدَمِي) قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطُوهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَتَشْدِيدِهَا عَلَى التَّثْنِيَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالظَّاهِرُ عَلَى قَدَمَيْهِ اعْتِبَارًا لِلْمَوْصُولِ إِلَّا أَنَّهُ اعْتُبِرَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ لِلَفْظَةِ أَنَا
وفي شرح السنة أي يحشر أول النَّاسُ لِقَوْلِهِ أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَلَى قَدَمِي أَيْ عَلَى أَثَرِي أَيْ أَنَّهُ يُحْشَرُ قَبْلَ النَّاسِ
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي انْتَهَى
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حَشْرِ النَّاسِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُحْشَرُوا مَا لَمْ يُحْشَرْ (وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا الْعَاقِبُ فَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ أَيْ جَاءَ عقبهم
قال بن الْأَعْرَابِيِّ الْعَاقِبُ وَالْعُقُوبُ الَّذِي يَخْلُفُ فِي الْخَيْرِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وغيره
стр. 3797
١٠٢ - (باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسْمِ النَّبِيِّ)
ﷺ وَكُنْيَتِهِ اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا الْعَلَمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَهُوَ اللَّقَبُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَإِمَّا أَنْ يصدر بأب أو أم أو بن كأبي بكر وأم كلثوم وبن عَبَّاسٍ وَهُوَ الْكُنْيَةُ أَوْ لَا وَهُوَ الِاسْمُ فَاسْمُ النَّبِيِّ ﷺ مُحَمَّدٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَقَبُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا كُنِّيَ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي التَّسَمِّي بِاسْمِهِ ﷺ وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ وَجَمَعَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ
أَحَدُهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِأَحَدٍ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ أَحْمَدَ أَمْ لَمْ يَكُنْ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ يَعْنِي الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ
الثَّانِي أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مَنْسُوخٌ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ نُسِخَ قَالُوا فَيُبَاحُ التَّكَنِّي الْيَوْمَ بِأَبِي الْقَاسِمِ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ أَوْ غَيْرُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ
قَالَ الْقَاضِي وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالُوا وَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ جَمَاعَةً تَكَنَّوْا بِأَبِي الْقَاسِمِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ مَعَ كَثْرَةِ فَاعِلِ ذَلِكَ وعدم الإنكار
الثالث مذهب بن جَرِيرٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ وَالْأَدَبِ لَا لِلتَّحْرِيمِ
الرَّابِعُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ وَلَا بَأْسَ بِالْكُنْيَةِ وَحْدَهَا لِمَنْ لَا يُسَمَّى بِوَاحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ جَابِرٍ
الْخَامِسُ أَنَّهُ يَنْهَى عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُطْلَقًا وَيَنْهَى عَنِ التَّسْمِيَةِ بِالْقَاسِمِ لِئَلَّا يُكَنَّى أَبُوهُ بِأَبِي الْقَاسِمِ وَقَدْ غَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ اسْمَ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَكَانَ سَمَّاهُ أَوَّلًا الْقَاسِمَ وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ أَيْضًا
السَّادِسُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِمُحَمَّدٍ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لَهُ كُنْيَةٌ أَمْ لَا وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ
стр. 3798
النَّبِيِّ ﷺ تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ لَا تُسَمُّوا أَحَدًا بِاسْمِ نَبِيٍّ وَأَمَرَ جَمَاعَةً بِالْمَدِينَةِ بِتَغْيِيرِ أَسْمَاءِ أَبْنَائِهِمْ مُحَمَّدٍ حَتَّى ذَكَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَسَمَّاهُمْ بِهِ فَتَرَكَهُمْ
قَالَ الْقَاضِي وَالْأَشْبَهُ أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا إِعْظَامٌ لِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِئَلَّا يُنْتَهَكَ الِاسْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ تُسَمُّونَهُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ
وَقِيلَ سَبَبُ نَهْيِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ فَدَعَاهُ عُمَرُ فَقَالَ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبُّ بِكَ واللَّهِ لَا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا بَقِيتَ وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرحمن انتهى كلام النووي
وقال القارىء مُتَعَقِّبًا عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ مَا لَفْظُهُ دَعْوَى النَّسْخِ مَمْنُوعَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ انْتَهَى
قُلْتُ وَدَعْوَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ
قَالَ الْعَيْنِيُّ نَقْلًا عَنِ الْخَطَّابِيِّ قَدْ يَحْدُثُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَيَزُولُ ذَلِكَ السَّبَبُ وَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ كَالْعَرَايَا وَالِاغْتِسَالِ لِلْجُمْعَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ) أَيْ بَيْنَ اسْمِهِ ﷺ وَكُنْيَتِهِ (وَيُسَمِّي) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ عَطْفٌ عَلَى يَجْمَعَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ المفرد وأبو يعلى
قوله إذا سميتم بِي فَلَا تَكَنَّوْا بِي بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنَ التَّكَنِّي وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يُكَنَّى بِكُنْيَتِي وَمَنِ اكْتَنَى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وصححه بن حبان
стр. 3799
قَوْلُهُ (وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَكُنْيَتِهِ) وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورَيْنِ (وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ) أَيْ جَمَعَ بَيْنَ اسْمِهِ ﷺ وَكُنْيَتِهِ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ كَانَ فِي زَمَنِ أصحاب رسول الله ﷺ جَمَاعَةٌ كَانُوا مُتَسَمِّينَ بِمُحَمَّدٍ مُكْتَنِينَ بِأَبِي الْقَاسِمِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَسَمَّى بِمُحَمَّدٍ وَتَكَنَّى بِأَبِي الْقَاسِمِ مِنْ أَبْنَاءِ وُجُوهِ الصَّحَابَةِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ ذَكَرَهُمِ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي بَابِ مَنْ رَخَّصَ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّسَمِّي بِمُحَمَّدٍ وَالتَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ
قَوْلُهُ (فَقَالَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ (لَمْ أَعْنِكَ) مِنْ عَنَى يَعْنِي أَيْ لَمْ أَقْصِدْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (لَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا
قَوْلُهُ (وفي الحديث كَرَاهِيَةِ أَنْ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِأَحَدٍ أَصْلًا سَوَاءٌ كان اسمه محمدا أو أحمدا أَمْ لَمْ يَكُنْ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَيْ حَدِيثِ أنس المذكور
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُنْذِرُ) بْنُ يَعْلَى الثَّوْرِيُّ بِالْمُثَلَّثَةِ أَبُو يَعْلَى الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (إِنْ وُلِدَ لِي) أَيْ وَلَدٌ (بَعْدَكَ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِكَ (قَالَ نَعَمْ) فيه أن
стр. 3800
النَّهْيَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ لِرَفْعِ الِالْتِبَاسِ وبه قال مالك قاله القارىء
قُلْتُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَلَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَكَانَتْ رُخْصَةً لِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ كَانَ خَاصًّا لَهُ فَالْأَحْوَطُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِأَحَدٍ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ أَحْمَدَ أَمْ لَمْ يَكُنْ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ في الباب
وصوب هذا القول بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ حَيْثُ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّسَمِّيَ بِاسْمِهِ جَائِزٌ وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدُّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ غَرِيبٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ وَالتِّرْمِذِيُّ فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ إِنَّهَا رُخْصَةٌ لَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْقَاءِ الْمَنْعِ لِمَنْ سِوَاهُ انْتَهَى
قُلْتُ أَرَادَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَلَدْتَ غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْحَجَبِيُّ
ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ الْحَجَبِيَّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ مَجْهُولٌ انتهى
وأما قول بن الْقَيِّمِ بِأَنَّ فِي صِحَّةِ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَظَرٌ فَلَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ لِأَنَّ رِجَالَهُ كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ وَسَنَدُهُ مُتَّصِلٌ
٠٣ - (بَاب مَا جَاءَ إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخُزَاعِيُّ الْكُوفِيُّ أَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ صَدُوقٌ لَهُ أَفْرَادٌ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ ثِقَةٌ مِنَ السابعة (عن عاصم) هو بن بهدلة (عن زر) هو بن حبيش (عن عبد الله) أي بن مسعود
стр. 3801
قَوْلُهُ (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أَيْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ وَقِيلَ أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ فَالْمَعْنَى أَنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا وَإِنَّ مِنَ القول عيالا فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحِجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ
وَإِنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيُكَلَّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمُ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيْلًا فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ عَلَى من لا يريده وقال بن التِّينِ مَفْهُومُهُ أَنَّ بَعْضَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وأخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبُرَيْدَةَ وَكَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) أَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بن كعب فأخرجه البخاري وأبو داود وبن ماجه وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه
وَأَمَّا حديث بريدة فأخرجه أبو داود وبن أَبِي شَيْبَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
قَوْلُهُ (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ حِكْمَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وآتيناه الحكم صبيا أي الحكمة كذا قال القارىء
وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ هذا
стр. 3802
الْحَدِيثِ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ حِكْمَةٍ أَيْ حِكْمَةً وَكَلَامًا نَافِعًا فِي الْمَوَاعِظِ وَذَمِّ الدُّنْيَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْ غُرُورِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أبو داود وبن مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ
٠٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ)
قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَنْشَدَ الشِّعْرَ قَرَأَهُ وَأَنْشَدَ بِهِمْ هَجَاهُمْ
قَوْلُهُ (يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ يَأْمُرُ بوضعه وحسان هو بن ثَابِتٍ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى أَنَّ أَشْعَرَ أَهْلِ الْمَدَرِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ (يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا) أَيْ قِيَامًا
فَفِي الْمُفَصَّلِ قَدْ يَرِدُ الْمَصْدَرُ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوُ قُمْتَ قَائِمًا (يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِأَجْلِهِ وَعَنْ قِبَلِهِ (أَوْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (يُنَافِحُ) بِنُونٍ ثُمَّ فَاءٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ يُدَافِعُ عَنْهُ ﷺ وَيُخَاصِمُ الْمُشْرِكِينَ وَيَهْجُوهُمْ مُجَازَاةً لَهُمْ (يُؤَيَّدُ حَسَّانٌ بِرُوحِ الْقُدُسِ) بِضَمِّ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ أَيْ بِجِبْرِيلَ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ فَهُوَ كَالْمَبْدَأِ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مَبْدَأُ حَيَاةِ الْجَسَدِ
وَالْقُدُسُ صِفَةٌ لِلرُّوحِ وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ عَنِ الْعُيُوبِ وَقِيلَ الْقُدُسُ بِمَعْنَى الْمُقَدَّسِ وَهُوَ اللَّهُ فَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ ثُمَّ تَأْيِيدُهُ إِمْدَادُهُ لَهُ بِالْجَوَابِ وَإِلْهَامُهُ لِمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ (مَا يُفَاخِرُ أَوْ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ مَا دَامَ مُشْتَغِلًا بِتَأْيِيدِ دِينِ اللَّهِ وَتَقْوِيَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3803
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءِ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ وَعَزْوِهِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ مَا لَفْظُهُ وَذَكَرَ الْمُزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ تَعْلِيقًا نَحْوَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ فِيهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) هُوَ الْكَوْسَجُ (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ الضُّبَعِيُّ
قَوْلُهُ (خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ) أَيْ يَا بَنِي الْكُفَّارِ (عَنْ سَبِيلِهِ) أَيْ عَنْ سَبِيلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ) بِتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ بَلْ هِيَ لُغَةٌ قُرِئَ بِهَا فِي الْمَشْهُورِ قَالَهُ الْحَافِظُ (عَلَى تَنْزِيلِهِ) أَيْ عَلَى حُكْمِ تَنْزِيلِهِ (ضَرْبًا) مَفْعُولٌ مطلق لنضربكم (يزيل) من الازالة والجملة صفة لضربا (الْهَامَ) جَمْعُ هَامَةٍ وَهِيَ أَعْلَى الرَّأْسِ وَهِيَ النَّاصِيَةُ وَالْمَفْرِقُ (عَنْ مَقِيلِهِ) أَيْ مَوْضِعِهِ نَقْلًا عَنْ مَوْضِعِ الْقَائِلَةِ لِلْإِنْسَانِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) مِنَ الْإِذْهَالِ عَطْفٌ عَلَى يُزِيلُ أَيْ يُنْسِي ذَلِكَ الضَّرْبُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ (فَلَهِيَ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَشْعَارُهُ (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أَيْ فِي الْكُفَّارِ (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) أَيْ أَشْعَارُهُ تُؤَثِّرُ فِيهِمْ تَأْثِيرًا أَسْرَعَ مِنْ تَأْثِيرِ النَّبْلِ
стр. 3804
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ هَذَا) ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا (وَرُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ)
قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ هُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ وَغَلَطٌ مَرْدُودٌ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ التِّرْمِذِيُّ فِي ذَلِكَ مَعَ وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ وَمَعَ أَنَّ فِي قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ اخْتِصَامُ جَعْفَرٍ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ وَجَعْفَرٌ قُتِلَ هُوَ وَزَيْدٌ وبن رَوَاحَةَ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ وَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَعْنِي التِّرْمِذِيَّ مِثْلُ هَذَا ثُمَّ وَجَدْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِي عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ اتَّجَهَ اعْتِرَاضُهُ لَكِنَّ الْمَوْجُودَ بِخَطِّ الْكَرُوخِيِّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى
قُلْتُ قَوْلُ الْحَافِظِ وَمَعَ أَنَّ فِي قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ اخْتِصَامُ جَعْفَرٍ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمُّ فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ دُونَكَ ابْنَةُ عَمِّكَ حَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ قَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَخَذْتهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَجَعْفَرٌ قُتِلَ هُوَ وَزَيْدٌ وبن رَوَاحَةَ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ فَأَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا وجعفرا وبن رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فأصيب ثم أخذ بن رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
стр. 3805
قَوْلُهُ (يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ) أَيْ يَنْشُدُ بِهِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَمَثَّلَ أَنْشَدَ بَيْتًا ثُمَّ آخَرَ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ تَمَثَّلَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَتَمَثَّلَ هَذَا الْبَيْتَ بِمَعْنَى (بِشِعْرِ بن رَوَاحَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الشَّاعِرُ أَحَدُ السَّابِقِينَ شَهِدَ بَدْرًا وَاسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ وَكَانَ ثَالِثَ الْأُمَرَاءِ بِهَا (وَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَزَوَّدِ) مِنَ التَّزْوِيدِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الزَّادِ يُقَالُ أَزَادَهُ وَزَوَّدَهُ أَيْ أَعْطَاهُ الزَّادَ وَهُوَ طَعَامٌ يُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ أَيْ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْهُ وَهَذَا مِصْرَاعٌ ثَانٍ مِنْ بَيْتِ بن رواحة والمصرع الْأَوَّلُ مِنْهُ سَتُبْدِي لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا وَقَوْلُهُ سَتُبْدِي مِنَ الْإِبْدَاء يَقُولُ سَتُظْهِرُ لَكَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتَ غَافِلًا عَنْهُ وَيَنْقُلُ إِلَيْكَ الْأَخْبَارَ مَنْ لَمْ تُعْطِهِ الزَّادَ
قَوْلُهُ (وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَرَابَ الْخَبَرَ تَمَثَّلَ فِيهِ بِبَيْتِ طَرَفَةَ وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
قال الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْهَا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى
تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ نِسْبَةَ عَائِشَةَ ﵂ الشعر المذكور إلى بن رَوَاحَةَ نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَلْ هُوَ لِطَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ الْبَكْرِيِّ فِي مُعَلَّقَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدْ نَسَبَتْهُ عَائِشَةُ إِلَى طَرَفَةَ أَيْضًا كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ
قَوْلُهُ (أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ) أَيْ أَحْسَنُهَا وَأَجْوَدُهَا وَفِي رِوَايَةٍ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ وَالْمُرَادُ بِالشَّاعِرِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جِنْسُ الشَّاعِرِ وَفِي رِوَايَةٍ أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الشُّعَرَاءُ
стр. 3806
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ ها هنا القطعة من الكلام (قوله لبيد) هو بن رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ الْعَامِرِيُّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ وَفَدَ قَوْمُهُ بَنُو جَعْفَرِ بْنُ كِلَابٍ وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً
ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ
وَمِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا وَقَالَ يَكْفِينِي الْقُرْآنُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ) أَيْ فَانٍ مُضْمَحِلٌّ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ أَصْدَقَ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَصْدَقِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى كل من عليها فان وَتَمَامُ كَلَامِ لَبِيدٍ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ نَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌ وَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ يُنْشِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﷺ
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ مَا نَفَعَ أَحَدًا صَنَمُهُ مِثْلُ مَا نَفَعَنِي قَالُوا كَيْفَ هَذَا قَالَ صَنَعْته مِنَ الْحَيْسِ فَجَاءَ الْقَحْطُ فَكُنْتَ آكُلُهُ يَوْمًا فَيَوْمًا
وَقَالَ آخَرُ رَأَيْتَ ثَعْلَبَيْنِ جَاءَا وَصَعِدَا فَوْقَ رَأْسِ صَنَمٍ لِي وَبَالَا عَلَيْهِ فَقُلْتَ أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ فَجِئْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَسْلَمْتَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ
стр. 3807
١٠٥ - (باب ما جاء لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا)
خير من أن يمتلىء شعرا قوله (لأن يمتلىء) مِنَ الِامْتِلَاءِ (جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ مِدَّةٌ لَا يُخَالِطُهَا دَمٌ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ (خَيْرٌ له من أن يمتلىء) أَيْ جَوْفُهُ (شِعْرًا) ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شِعْرٍ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ هِيهِ فَأَنْشَدْته بَيْتًا فَقَالَ هِيهِ ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ هِيهِ حَتَّى أَنْشَدْته مائة بيت
رواه مسلم
قال بن بَطَّالٍ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ خَيْرٌ له من أن يمتلىء شِعْرًا يَعْنِي الشِّعْرَ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ
وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ كَانَ شَطْرَ بَيْتٍ لَكَانَ كُفْرًا فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْهَ الْحَدِيثِ عَلَى امْتِلَاءِ الْقَلْبِ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رُخِّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ وَلَكِنْ وَجْهُهُ عِنْدِي أَنْ يمتلىء قَلْبُهُ مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ الْغَالِبَ عَلَيْهِ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفُهُ مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ يَعْنِي مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَكَرَهُمَا الْحَافِظُ وَضَعَّفَهُمَا
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِامْتِلَاءِ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ
وَقَدْ تَرْجَمَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صحيحه على هذا الحديث من رواية بن عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرَ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ
стр. 3808
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّمْلِيُّ) النَّهْشَلِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا عَمِّي يَحْيَى بن عيسى) التميمي النهشلي الفاخوري بالفاء والخاء الْمُعْجَمَةِ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّمْلَةِ صَدُوقٌ يُخْطِي وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ مِنَ التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (يَرِيهِ) بِفَتْحِ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أُخْرَى صِفَةُ قَيْحٍ أَيْ يُفْسِدُهُ مِنَ الْوَرْيِ وَهُوَ دَاءٌ يُفْسِدُ الْجَوْفَ وَمَعْنَاهُ قَيْحًا يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَيُفْسِدُهُ وَقِيلَ أَيْ يَصِلُ إِلَى الرِّئَةِ وَيُفْسِدُهَا
وَرُدَّ بِأَنَّ المشهور في الرئة الهمز (أن يمتلىء) أي جوفه قال بن أَبِي حَمْزَةَ قَوْلُهُ جَوْفُ أَحَدِكُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَوْفَهُ كُلَّهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَلْبَ خَاصَّةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ أَهْلَ الطِّبِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْحَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْقَلْبِ مِمَّا فِي الْجَوْفِ مِنَ الْكَبِدِ وَالرِّئَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ لَأَنْ يمتلىء جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ وَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِلثَّانِي لِأَنَّ مُقَابِلَهُ وَهُوَ الشِّعْرُ مَحَلُّهُ القلب لأنه ينشأ عن الفكر
وأشار بن أَبِي جَمْرَةَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنَ الشِّعْرِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُهُ أَوْ يَتَعَانَى حِفْظَهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظاهر
قوله (وفي الباب عن سعد وبن عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) أَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ حَدِيثًا آخَرَ لَهُ غَيْرَ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ وَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وبن ماجه
стр. 3809
١٠٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ)
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيلٍ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ (عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ) بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَاصِمُ بْنُ سُفْيَانَ صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الباء وكسر الغين وكذا هُوَ مَضْبُوطٌ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِالْقَلَمِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَبْغَضُوهُ مَقَتُوهُ وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ إبغاض دشمن داشتن (الْبَلِيغَ) أَيِ الْمُبَالِغَ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ (مِنَ الرِّجَالِ) أَيْ مِمَّا بَيْنَهُمْ وَخُصُّوا لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِمْ (الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ) أَيْ يَأْكُلُ بِلِسَانِهِ أَوْ يُدِيرُ لِسَانَهُ حَوْلَ أَسْنَانِهِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ بَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ (كما يتخلل الْبَقَرَةُ) أَيْ بِلِسَانِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يَتَشَدَّقُ فِي الْكَلَامِ بِلِسَانِهِ وَيَلُفُّهُ كَمَا تَلُفُّ الْبَقَرَةُ الْكَلَأَ بِلِسَانِهَا لَفًّا انْتَهَى
وَخَصَّ الْبَقَرَةَ لِأَنَّ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ تَأْخُذُ النَّبَاتَ بِأَسْنَانِهَا وَهِيَ تَجْمَعُ بِلِسَانِهَا
وَأَمَّا مَنْ بَلَاغَتُهُ خِلْقِيَّةٌ فَغَيْرُ مَبْغُوضٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سعد) أي بن أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ مَرْفُوعًا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كما تأكل البقرة بألسنتها
стр. 3810
١٠٧ - باب قوله (عن كثير بن شنطير) بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ نُونٍ وَكَسْرِ ظَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَبِرَاءٍ الْمَازِنِيِّ هُوَ أَبُو قُرَّةَ البصري صدوق يخطىء مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (خَمِّرُوا الْآنِيَةَ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ غَطُّوهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا (وَأَوْكُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْكَافِ مِنَ الْإِيكَاءِ (الْأَسْقِيَةَ) جَمْعُ السِّقَاءَ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ شُدُّوا وَارْبُطُوا رَأْسَ السِّقَاءِ بِالْوِكَاءِ وهو ما يشد به الْقِرْبَةِ وَزَادَ مُسْلِمٌ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ (وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ) أَيْ أَغْلِقُوهَا زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ (وَأَطْفِئُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ فَاءٍ فَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ (الْمَصَابِيحَ) جَمْعُ الْمِصْبَاحِ أَيِ السِّرَاجِ (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) تَصْغِيرُ الْفَاسِقَةِ وَالْمُرَادُ الْفَأْرَةُ لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ وَإِفْسَادُهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأبو داود والنسائي وبن ماجه
٠٨ - باب (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ
قَوْلُهُ (إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَمَانَ كَثْرَةِ الْعَلَفِ وَالنَّبَاتِ (فَأَعْطُوا
стр. 3811
الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ) أَيْ مِنْ نَبَاتِهَا يَعْنِي دَعُوهَا سَاعَةً فَسَاعَةً تَرْعَى إِذْ حَقُّهَا من الأرض (فَبَادِرُوا بِهَا بِنِقْيِهَا) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ أَيْ أَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ مَا دامت قوية النقي وهو المخ
قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ بَادِرُوا وَعَلَيْهِ الْأُصُولُ مِنَ النُّسَخِ الْمَضْبُوطَةِ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ يَحْتَمِلُ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثَ أَنْ يكون منصوبا مفعولا به وبها حَالٌ مِنْهُ أَيْ بَادِرُوا نِقْيَهَا إِلَى الْمَقْصِدِ مُلْتَبِسًا بِهَا أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ مُلْتَبِسِينَ بِهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً أَيْ بادروا بسبب سَيْرِهَا نِقْيَهَا وَأَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ أَيْ بَادِرُوا نِقْيَهَا مُسْتَعِينِينَ بِسَيْرِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا فاعلا للظرف وهو حال أيي بَادِرُوا إِلَى الْمَقْصِدِ مُلْتَبِسًا بِهَا نِقْيُهَا أَوْ مُبْتَدَأٌ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ كَقَوْلِهِمْ فُوهُ إِلَى فِي وَأَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ وَالْمَعْنَى سَارِعُوا بِنِقْيِهَا إِلَى الْمَقْصِدِ بَاقِيَةَ النِّقْيِ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ (وَإِذَا عرستم) بتشديد الراء أي نزلتم بالليل
قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَعْرَسَ الْقَوْمُ نَزَلُوا فِي آخِرِ اللَّيْلِ لِلِاسْتِرَاحَةِ كَعَرَّسُوا (فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ) أَيْ دَوَابِّ الْمُسَافِرِينَ أَوْ دَوَابِّ الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا (وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ) وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ جَمْعُ هَامَةٍ كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا أَدَبٌ مِنْ آدَابِ السَّيْرِ وَالنُّزُولِ أَرْشَدَ إِلَيْهِ ﷺ لِأَنَّ الْحَشَرَاتِ وَدَوَابَّ الْأَرْضِ مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ وَالسِّبَاعِ تَمْشِي فِي اللَّيْلِ عَلَى الطُّرُقِ لِسُهُولَتِهَا وَلِأَنَّهَا تَلْتَقِطُ مِنْهَا مَا يَسْقُطُ مِنْ مَأْكُولٍ وَنَحْوِهِ وما يجد فِيهَا مِنْ رِمَّةٍ وَنَحْوِهَا فَإِذَا عَرَّسَ الْإِنْسَانُ على الطَّرِيقِ رُبَّمَا مَرَّ بِهِ مِنْهَا مَا يُؤْذِيهِ فينبغي أن يتباعد عن الطريق انتهى
وقوله (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو داود والنسائي
وقوله وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَجَابِرٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 3812
١٠٩ - باب قَوْلُهُ (أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ) أَيْ لَيْلًا أَوْ مطلقا (ليس بمحجوز عَلَيْهِ) أَيْ لَيْسَ حَوْلَهُ جِدَارٌ مَانِعٌ مِنَ الْوُقُوعِ عَنِ السَّطْحِ
قَوْلُهُ (وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ الْأَيْلِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ الْأُمَوِيُّ مولاهم (يضعف) بصبغة الْمَجْهُولِ مِنَ التَّضْعِيفِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ ذَكَرَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (يَتَخَوَّلُنَا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَتَعَاهَدُنَا (بِالْمَوْعِظَةِ) أَيِ النُّصْحِ وَالتَّذْكِيرِ (الْأَيَّامِ) صِفَةٌ لِلْمَوْعِظَةِ أَيْ بِالْمَوْعِظَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْأَيَّامِ (مَخَافَةَ السَّآمَةِ) كَلَامٌ إِضَافِيٌّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ لِأَجْلِ مَخَافَةِ السَّآمَةِ وَالسَّآمَةُ مِثْلُ الْمَلَالَةِ لَفْظًا ومعنى وصلة السآمة محذوفة لأنه يقال سأمت مِنَ الشَّيْءِ
وَالتَّقْدِيرُ مَخَافَةَ السَّآمَةِ مِنَ الْمَوْعِظَةِ (عَلَيْنَا) إِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالسَّآمَةِ عَلَى تَضْمِينِ السَّآمَةِ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ أَيْ مَخَافَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْنَا إِذِ الْمَقْصُودُ بَيَانُ رِفْقِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأُمَّةِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ بِنَشَاطٍ وَحِرْصٍ لَا عَنْ ضَجَرٍ وَمَلَلٍ وَإِمَّا يُجْعَلُ صِفَةً وَالتَّقْدِيرُ مَخَافَةَ السَّآمَةِ الطَّارِئَةِ عَلَيْنَا وَإِمَّا يُجْعَلُ حَالًا وَالتَّقْدِيرُ مَخَافَةَ السَّآمَةِ حَالَ كَوْنِهَا طَارِئَةً عَلَيْنَا وَإِمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْذُوفِ وَالتَّقْدِيرُ مَخَافَةَ السَّآمَةِ شَفَقَةً عَلَيْنَا فَافْهَمْ
وَفِي الْحَدِيثِ الِاقْتِصَادُ فِي الْمَوْعِظَةِ لِئَلَّا تَمَلَّهَا الْقُلُوبُ فَيَفُوتَ مَقْصُودُهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
стр. 3813
١١٠ - باب قَوْلُهُ (مَا دِيمَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنْ دَامَ يَدُومُ أَيِ الْعَمَلُ الَّذِي دُووِمَ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَلَّ) أَيْ وَلَوْ قَلَّ الْعَمَلُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مَعَ تَرْكِ الْمُرَاعَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) هُوَ بن سُلَيْمَانَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
стр. 3814
٤٣ - (أَبْوَابُ الْأَمْثَالِ)
جَمْعُ الْمَثَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِي حُكْمِهِ وَتَقْرِيبُ الْمَعْقُولِ مِنَ الْمَحْسُوسِ أَوْ أَحَدِ الْمَحْسُوسَيْنِ مِنَ الْآخَرِ وَاعْتِبَارُ أحدهما بالاخر قاله بن الْقَيِّمِ فِي الْإِعْلَامِ
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَكْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ الْأَمْثَالَ وَفَشَتْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْمِثْلُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى النَّظِيرِ يُقَالُ مِثْلٌ وَمَثَلٌ وَمَثِيلٌ كَشِبْهٍ وَشَبَهٍ وَشَبِيهٍ ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ الْمُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ وَلَا يُضْرَبُ إِلَّا مَا فِيهِ غَرَابَةٌ وَلِذَلِكَ حُوفِظَ عَلَيْهِ مِنَ التَّغَيُّرِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حَالٍ أَوْ قِصَّةٍ أَوْ صِفَةٍ لَهَا شَأْنٌ وَفِيهَا غَرَابَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مَثَلُ الجنة التي وعد المتقون وقوله تعالى ولله المثل الأعلى انتهى
(باب ما جاء في مثل الله لعباده)
قوله (عن بجير بْنِ سَعِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّحُولِيِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) الْكُلَاعِيِّ الْحِمْصِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ عَابِدٌ يُرْسِلُ كَثِيرًا مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنِ النَّوَّاسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (بْنِ سِمْعَانَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سَكَنَ الشَّامَ
قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا) أَيْ بَيَّنَ مَثَلًا (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا لَا عَلَى إِهْدَامِ
стр. 3815
الْمُبْدَلِ كَمَا فِي قَوْلِك زَيْدٌ رَأَيْتَ غُلَامَهُ رَجُلًا صَالِحًا (عَلَى كَنَفَيِ الصِّرَاطِ) أَيْ عَلَى جَانِبَيْهَا وَالْكَنَفُ مُحَرَّكَةً الْجَانِبُ (زُورَانِ) بِضَمِّ الزَّايِ تثنية زور أي جداران
وفي حديث بن مَسْعُودٍ عِنْدَ رَزِينٍ سُورَانِ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَثْنِيَةُ سُورٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّينَ قَدْ أُبْدِلَتْ بِالزَّايِ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَسَدِيِّ الْأَزْدِيُّ (لَهُمَا) أي للزورين وفي حديث بن مَسْعُودٍ فِيهِمَا (عَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ) جَمْعُ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ (وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ)
وَفِي حديث بن مَسْعُودٍ وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا (وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ الدَّاعِي الْأَوَّلِ (واللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم) وفي حديث بن مَسْعُودٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ (وَالْأَبْوَابُ الَّتِي عَلَى كَنَفَيِ الصِّرَاطِ حُدُودُ اللَّهِ) أَيْ مَحَارِمُهُ (وَالَّذِي يَدْعُو مِنْ فَوْقِهِ واعظ ربه) وفي حديث بن مَسْعُودٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرْخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ هُوَ لَمَّةُ الْمَلَكِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَاللَّمَّةُ الْأُخْرَى هِيَ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ (سَمِعْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (يَقُولُ سَمِعْتُ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيِّ بْنِ الصَّلْتِ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمْ أبو يحيى نزيل بغداد وهو آخر يُوسُفَ ثِقَةٌ جَلِيلٌ يَحْفَظُ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي عدي بزيادة أبي بين بن وَعَدِيٍّ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شُيُوخِ الدَّارِمِيِّ وَلَا فِي أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ مَنْ يُسَمَّى بِزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي عَدِيٍّ (يَقُولُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ حَفْصِ بْنِ حُذَيْفَةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ لَهُ تَصَانِيفُ مِنَ الثَّامِنَةِ (خُذُوا عَنْ بَقِيَّةَ مَا حَدَّثَكُمْ عَنِ الثِّقَاتِ) وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ
стр. 3816
وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَةِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ هَذَا إِنَّهُ صَدُوقٌ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ انْتَهَى فَعَنْعَنَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنِ الثِّقَاتِ وَرُوِيَ هَذَا الحديث عن بجير بن سعد بِالْعَنْعَنَةِ (وَلَا تَأْخُذُوا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا حَدَّثَكُمْ عَنِ الثِّقَاتِ وَلَا غَيْرِ الثِّقَاتِ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ خِلَافُ قَوْلِ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
مِنْ أَبْوَابِ الْوَصَايَا
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) بْنُ سَعْدٍ (عَنْ خَالِدِ بْنِ يزيد) الجمحي المصري
قوله (كأن جبرائيل) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نائم
وفي حديث بن مَسْعُودٍ الْآتِي إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُهُ
وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ عَلَى مَنْ بَاشَرَ الْكَلَامَ مِنْهُمِ ابْتِدَاءً وَجَوَابًا (اضْرِبْ) أَيْ بَيِّنْ (لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا أَيْ تَمْثِيلًا وَتَصْوِيرًا لِلْمَعْنَى الْمَعْقُولِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ (فَقَالَ اسْمَعْ) خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ (سَمِعَتْ أُذُنُكَ) جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ (وَاعْقِلْ) أَيِ افْهَمْ وَفِي حَدِيثِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ قَالَ الْمُظْهِرُ مَعْنَاهُ لَا تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُصْغِ بِأُذُنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُجْرِ شَيْئًا فِي قَلْبِكَ أَيْ كُنْ حَاضِرًا حُضُورًا تَامًّا لِتَفْهَمَ هَذَا الْمَثَلَ (إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ) أَيْ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ (كَمَثَلِ مَلِكٍ) أَيْ كَصِفَةِ مَلِكٍ بِكَسْرِ اللَّامِ (اتَّخَذَ دَارًا) أَيْ بَنَاهَا (ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الدَّارُ الْمَحَلُّ يَجْمَعُ الْبِنَاءَ وَالْعَرْصَةَ كَالدَّائِرَةِ انْتَهَى وَالْبَيْتُ قِطْعَةٌ مِنَ الدَّارِ (ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَائِدَةُ الطَّعَامُ وَالْخِوَانُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ كَالْمَيْدَةِ فِيهِمَا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةَ
وَالْمَأْدُبَةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَتُفْتَحُ طَعَامٌ عَامٌّ يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ لِوَلِيمَةٍ (ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَاعِيًا (إِلَى طَعَامِهِ) أَيْ إِلَى طَعَامِ الْمَلِكِ (فَمِنْهُمْ مَنْ
стр. 3817
أَجَابَ الرَّسُولَ) أَيْ قَبِلَ دُعَاءَهُ (وَمِنْهُمْ مَنْ تركه) أي لم يجبه
وفي حديث بن مَسْعُودٍ الْآتِي وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ أَوْ قَالَ عَذَّبَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ) أَيْ مُنْقَطِعٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ وَقَدِ اعْتُضِدَ هَذَا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني بنحو فإنه سِيَاقَهُ وَسَنَدَهُ جَيِّدٌ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن مَسْعُودٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِإِسْنَادٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونَ) التَّمِيمِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ وَيُقَالُ أَبُو العوام بياع الأنماط صدوق يخطىء مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (خَرَجَ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ) أَيْ مَسِيلِ وَادِيهَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبَطِحُ كَكَتِفٍ وَالْبَطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ وَالْأَبْطَحُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى (ثُمَّ خَطَّ عَلَيْهِ) أَيْ خَطَّ حَوْلَهُ (خَطًّا) أَيْ خَطًّا مُسْتَدِيرًا مُحِيطًا بِهِ (لَا تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ) أَيْ لَا تُفَارِقَنَّ الْخَطَّ الَّذِي خُطَّ لَكَ (فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيْكَ) أَيْ سَيَصِلُ إِلَيْكَ (كَأَنَّهُمِ الزُّطُّ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزُّطُّ بِالضَّمِّ جَبَلٌ مِنَ الْهِنْدِ مُعَرَّبُ جت
стр. 3818
بِالْفَتْحِ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي فَتْحَ مُعَرَّبِهِ أَيْضًا وَالْوَاحِدَةُ زُطِّيٌّ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الزُّطُّ هُمْ جِنْسٌ مِنَ السُّودَانِ وَالْهُنُودِ (أَشْعَارَهُمْ وَأَجْسَامَهُمْ) يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ كَأَنَّهُمِ الزُّطُّ فِي أَشْعَارِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَشْعَارُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ مِثْلُ الزُّطِّ (لا أرى عورة ولا أرى قشرة) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ غِشَاءُ الشَّيْءِ خِلْقَةً أَوْ عَرَضًا وَكُلُّ مَلْبُوسٍ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَيْ لَا أَرَى مِنْهُمْ عَوْرَةً مُنْكَشِفَةً وَلَا أَرَى عَلَيْهِمْ ثِيَابًا (ثُمَّ يَصْدُرُونَ) أَيْ يَرْجِعُونَ (لَكِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَنِي) أَيْ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخر الليل ما جاؤا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَنِي (فَقَالَ لَقَدْ أُرَانِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ) أَيْ لَمْ أَنَمْ (فَتَوَسَّدَ فَخِذِي) أَيْ جَعَلَ فَخِذِي وِسَادَةً (إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ) إِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ (إن عينيه تنامان والقلب يَقْظَانُ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةٍ مِنْهُ
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ يَقْظَانٌ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةٍ لَكِنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ يَعْنِي فَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُ (مَثَلُ سَيِّدٍ) أَيْ مَثَلُهُ مَثَلُ سَيِّدٍ
стр. 3819
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد وبن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ (وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ) بِلَامٍ ثَقِيلَةٍ وَالْمِيمُ مُثَلَّثَةٌ (وسليمان التيمي هو بن طِرْخَانَ إِلَخْ) لَيْسَ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ذِكْرٌ فِي هذا الباب أصلا فإيراد الترمذي ترجمته ها هنا لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ فَتَأَمَّلْ
(بَاب مَا جاء في مثل النبي والأنبياء)
ﷺ وعليهم أجمعين وسلم قَبْلَهُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) الْبَاهِلِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ الْعَوْفِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْوَاوُ بَعْدَهَا فَاءٌ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا سَلِيمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (بْنُ حَيَّانَ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَدِّ النُّونِ مَوْلَى الْبَخْتَرِيِّ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ الْحِجَازِيِّ مَكِّيٌّ أَوْ مَدَنِيٌّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا) قِيلَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَاحِدٌ وَالْمُشَبَّهُ جَمَاعَةٌ فَكَيْفَ صَحَّ التَّشْبِيهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَنْبِيَاءَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ مَا أَرَادَ مِنَ التَّشْبِيهِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ الْكُلِّ وَكَذَلِكَ الدَّارُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ الْبُنْيَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ الْمُشَبَّهِ وَيُشَبَّهُ بِمِثْلِهِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْأَنْبِيَاءَ وَمَا بُعِثُوا بِهِ مِنْ إِرْشَادِ النَّاسِ بِبَيْتٍ أُسِّسَتْ قَوَاعِدُهُ وَرُفِعَ بُنْيَانُهُ وَبَقِيَ مِنْهُ مَوْضِعٌ بِهِ يَتِمُّ صَلَاحُ ذلك البيت
وزعم بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ اللَّبِنَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ فِي رَأْسِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهَا لَوْلَا وَضْعُهَا لَانْقَضَّتْ
стр. 3820
تِلْكَ الدَّارُ قَالَ وَبِهَذَا يَتِمُّ الْمُرَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى
وَهَذَا إِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَهُوَ حَسَنٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ
نَعَمْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنْ تَكُونَ اللَّبِنَةُ فِي مَكَانٍ يَظْهَرُ عَدَمُ الْكَمَالِ فِي الدَّارِ بِفَقْدِهَا وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مُكَمِّلَةٌ مُحَسِّنَةٌ وَإِلَّا لَاسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِدُونِهَا كَانَ نَاقِصًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ شَرِيعَةَ كُلِّ نَبِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَامِلَةٌ فَالْمُرَادُ هُنَا النَّظَرُ إِلَى الْأَكْمَلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مَعَ مَا مَضَى مِنَ الشَّرَائِعِ الْكَامِلَةِ (لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ وَبِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أيضا هي القطعة من الطين تعجن وتجعل وَتُعَدُّ لِلْبِنَاءِ وَيُقَالُ لَهَا مَا لَمْ تُحْرَقْ لَبِنَةٌ فَإِذَا أُحْرِقَتْ فَهِيَ آجُرَّةٌ وَقَوْلُهُ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ يُوهِمُ النَّقْصَ لَكَانَ بِنَاءُ الدَّارِ كَامِلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَوْلَا تَحْضِيضِيَّةً وَفِعْلُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَوْلَا أَكْمَلَ وَضْعَ اللَّبِنَةِ
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ألا وضعت ها هنا لَبِنَةً فَيَتِمُّ بُنْيَانُكَ وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ وَفَضْلُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَأَنَّ اللَّهَ خَتَمَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ وَأَكْمَلَ بِهِ شَرَائِعَ الدِّينِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بْنِ كَعْبٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
(بَاب مَا جاء مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ)
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْمِنْقَرِيُّ (أَخْبَرَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) هُوَ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) هُوَ الطَّائِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ) بْنِ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطُورٍ الْحَبَشِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي الْمُغْنِي
الْحَبَشِيُّ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُعْجَمَةٍ
следующие страницы →