← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

٨٦ - باب وَمِنْ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَتُسَمَّى سُورَةَ الْبَيِّنَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ وَقِيلَ تِسْعُ آيَاتٍ [٣٣٥٢] قَوْلُهُ (يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا وَهَمْزُ بَعْدِهَا وَمَعْنَاهَا الْخَلِيفَةُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْبَرِيَّةُ الْخَلْقُ تَقُولُ بَرَاهُ اللَّهُ يَبْرُوهُ بَرْوًا أَيْ خَلَقَهُ وَيُجْمَعُ عَلَى الْبَرَايَا وَالْبَرِيَّاتِ مِنَ الْبَرَى التُّرَابُ هَذَا إِذَا لَمْ يُهْمَزْ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ الهمز أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أَيْ خَلَقَهُمْ ثُمَّ تُرِكَ فِيهَا الْهَمْزُ تَخْفِيفًا وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ مَهْمُوزَةً انْتَهَى (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاكَ أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمَوْصُوفُ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ هُوَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا قَالَ ﷺ هَذَا تَوَاضُعًا وَاحْتِرَامًا لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ لِخُلَّتِهِ وَأُبُوَّتِهِ وَإِلَّا فَنَبِيُّنَا ﷺ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ ﷺ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الِافْتِخَارَ وَلَا التَّطَاوُلَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ قَالَهُ بَيَانًا لِمَا أُمِرَ بِبَيَانِهِ وَتَبْلِيغِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ وَلَا فَخْرَ لِيَنْفِيَ مَا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَى بَعْضِ الْأَفْهَامِ السَّخِيفَةِ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيمُ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٧ - بَاب ومن سورة

стр. 4377

إذا زلزلت مَكِّيَّةٌ وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ وَقِيلَ تِسْعُ آيَاتٍ [٣٣٥٣] قَوْلُهُ (قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخبارها إِلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ قَبْلَ بَابِ الصُّورِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ ٨ - باب ومن سورة ألهاكم التكاثر مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ [٣٣٥٤] قَوْلُهُ (أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يقرأ ألهاكم التكاثر إِلَخْ) قَدْ سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَبْوَابِ الزُّهْدِ [٣٣٥٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا حَكَّامٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ (بْنُ سَلْمٍ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ الرَّازَيِّ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو) الْأَسَدِيِّ قَوْلُهُ (مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ ألهاكم التكاثر) أي

стр. 4378

هَذِهِ السُّورَةُ وَالْمُرَادُ بِالتَّكَاثُرِ التَّفَاخُرُ أَيْ أَشْغَلَتْكُمُ الْمُفَاخَرَةُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالْمُكَاثَرَةُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْعَدَدِ وَالْمَنَاقِبِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ رَبِّكُمْ وَمَا يُنْجِيكُمْ عَنْ سخطه حتى زرتم المقابر أَيْ حَتَّى مِتُّمْ وَدُفِنْتُمْ فِي الْمَقَابِرِ يُقَالُ لِمَنْ مَاتَ زَارَ قَبْرَهُ وَزَارَ رَمْسَهُ فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَلْهَاكُمْ حِرْصُكُمْ عَلَى تَكْثِيرِ أَمْوَالِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ حَتَّى أَتَاكُمُ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ على ذلك قال بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاكم التَّكَاثُرُ أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ إِذَا هُمْ زَارُوا الْقُبُورَ وَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ وَتَهَدُّدًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُ كلا سوف تعلمون يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ كَلَّا مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلُوا أَنْ يُلْهِيَكُمُ التَّكَاثُرُ وَقَوْلُهُ سوف تعلمون يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ إِذَا زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ أَيُّهَا الَّذِينَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ غِبَّ فِعْلِكُمْ وَاشْتِغَالِكُمْ بِالتَّكَاثُرِ فِي الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ربكم وقوله ثم كلا سوف تعلمون ثُمَّ مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلُوا أَنْ يُلْهِيَكُمُ التَّكَاثُرُ بِالْأَمْوَالِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ إِذَا زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ مَا تَلْقَوْنَ إِذَا أَنْتُمْ زُرْتُمُوهَا مِنْ مَكْرُوهِ اشْتِغَالِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ بِالتَّكَاثُرِ وَكَرَّرَ قَوْلَهُ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتِ التَّغْلِيظَ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ يَذْكُرُوا الْكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ انْتَهَى تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ إِحْدَاهَا هَذِهِ الْآيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ إِلَخْ وَأَصْرَحُهَا وَأَوْضَحُهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فرعون أشد العذاب قَالَ الْعَلَّامَةُ نِظَامُ الدِّينِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ص ٣٨ ج ٢٤ مَا لَفْظُهُ وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ تَعْذِيبَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يجيء في قوله ويوم تقوم الساعة انتهى وقال الحافظ بن كَثِيرٍ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وعشيا انْتَهَى وَقَالَ الرَّازِيُّ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا الْآيَةُ تَقْضِي عَرْضَ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ قَالَ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة

стр. 4379

أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الدُّنْيَا لِأَنَّ عَرْضَ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا مَا كَانَ حَاصِلًا فِي الدُّنْيَا فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ إِنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ ثَبَتَ فِي حق غيرهم لأنه لاقائل بِالْفَرْقِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ عَرْضِ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا عَرْضَ النَّصَائِحِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ أَهْلَ الدِّينِ إِذَا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ وَخَوَّفُوهُمْ بِعَذَابِ اللَّهِ فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النَّارَ ثُمَّ نَقُولُ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وَقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وعشيا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْصُلَ ذَلِكَ الْعَذَابُ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ الثَّانِي أَنَّ الْغُدْوَةَ وَالْعَشِيَّةَ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ فِي الدُّنْيَا أَمَّا فِي الْقَبْرِ فَلَا وُجُودَ لَهُمَا فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الدُّنْيَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتٌ تُذَكِّرُهُمْ أَمْرَ النَّارِ لَا أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ نَفْسُ النار فعل قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَلِمَاتُ الْمُذَكِّرَةُ لِأَمْرِ النَّارِ كَانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْعُدُولِ إِلَى الْمَجَازِ أَمَّا قَوْلُهُ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ هَذَا الْعَذَابِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قُلْنَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى فِي الْقَبْرِ بِإِيصَالِ الْعَذَابِ إِلَيْهِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ثُمَّ عِنْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ فَيَدُومُ عَذَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَيْضًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْغُدْوَةِ وَالْعَشِيَّةِ كِنَايَةً عَلَى الدَّوَامِ كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ غُدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ قُلْنَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غريب) وأخرجه بن جرير وبن أَبِي حَاتِمٍ [٣٣٥٦] قَوْلُهُ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم أَيْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (إِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ) أَيْ إِنَّمَا عِنْدَنَا نِعْمَتَانِ لَيْسَتَا مِمَّا نُسْأَلُ عَنْهُمَا لِدَنَاءَتِهِمَا وَهُمَا الْأَسْوَدَانِ (التَّمْرُ وَالْمَاءُ) بَيَانٌ لِ (الْأَسْوَدَانِ) أَمَّا التَّمْرُ فَأَسْوَدُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى تَمْرِ الْمَدِينَةِ فَأُضِيفَ الْمَاءُ إِلَيْهِ وَنُعِتَ بِنَعْتِهِ اتِّبَاعًا وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الشَّيْئَيْنِ يَصْطَحِبَانِ فَيُسَمَّيَانِ مَعًا بِاسْمِ الْأَشْهَرِ مِنْهَا كَالْقَمَرَيْنِ وَالْعُمَرَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ أَمَا بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ إِنَّهُ سَيَكُونُ هَذَا يحتمل وجهين

стр. 4380

أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ سَيَكُونُ وَالثَّانِي أَنَّ السُّؤَالَ سَيَكُونُ عَنِ الْأَسْوَدَيْنِ فَإِنَّهُمَا نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وبن ماجة وبن أبي حاتم [٣٣٥٧] قوله (حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو) بْنِ عَلْقَمَةَ (وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ) أَيْ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْتَأْصِلَنَا (وَسُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا) أَيْ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ وَالْعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ [٣٣٥٨] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ) بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَائِنِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ) بْنِ زَبْرٍ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الدِّمَشْقِيِّ الرَّبْعِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ الْأَشْعَرِيِّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَقَدْ تُبْدَلُ مِيمًا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ أَبُو زُرْعَةَ الطَّبَرَانِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مَا مَوْصُولَةٌ أَيْ أَوَّلُ شَيْءٍ يُحَاسَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ (يَعْنِي الْعَبْدُ) تَفْسِيرٌ لِنَائِبِ الْفَاعِلِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ خَبَرُ إِنَّ أَلَمْ نُصِحَّ مِنَ الْإِصْحَاحِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الصِّحَّةِ جِسْمَكَ أَيْ بَدَنَكَ وَصِحَّتُهُ أَعْظَمُ النِّعَمِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَنُرْوِيكَ كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالْيَاءِ وَالظَّاهِرُ حَذْفُهَا لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى نُصِحَّ وَكَذَلِكَ فِي الْمِشْكَاةِ وَهُوَ مِنَ التَّرْوِيَةِ أَوْ مِنَ الْإِرْوَاءِ مِنَ الرِّيِّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ عِنْدَ الْعَطَشِ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ أَيِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَائِكَ وَلَوْلَاهُ لَفَنِيتَ بَلِ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حديث غريب) وأخرجه بن حبان والحاكم

стр. 4381

٩ - باب ومن سورة الكوثر مكية قاله بن عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ وَقِيلَ إِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ قَالَهُ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَهِيَ ثَلَاثُ آيَاتٍ [٣٣٥٩] قَوْلُهُ (عَنْ أنس إنا أعطيناك الكوثر) أَيْ عَنْ أَنَسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تعالى إنا أعطيناك الكوثر وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فَوْعَلٍ مِنَ الْكَثْرَةِ سُمِّيَ بِهِ النَّهْرُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَآنِيَتِهِ وَعِظَمِ قَدْرِهِ وَخَيْرِهِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كَثِيرٍ فِي الْعَدَدِ أَوِ الْقَدْرِ وَالْخَطَرِ كَوْثَرًا حَافَتَيْهِ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ فِي جَانِبَيْهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ حَافَتَيِ الْوَادِي وَغَيْرِهِ جَانِبَاهُ وَالْجَمْعُ حَافَّاتٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَافَّتَاهُ بِالْأَلِفِ عَلَى أَنَّهُ مبتدأ وخيره قباب اللؤلو وَالْقِبَابُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى جَمْعُ قُبَّةٍ وَهُوَ بِنَاءٌ سَقْفُهُ مُسْتَدِيرٌ مُقَمَّرٌ قُلْتُ مَا هَذَا أَيْ مَا هَذَا النَّهْرُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَوْثَرِ فِي قوله تعالى إناأعطيناك الكوثر هُوَ هَذَا النَّهْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تعالى إنا أعطيناك الكوثر قَالَتْ نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ الْحَدِيثَ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ قَالَ أَبُو بِشْرٍ قُلْتُ لِسَعِيدٍ إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ سَعِيدٌ النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ قَالَ الْحَافِظُ هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَمَعَ به بين حديثي عائشة وبن عَبَّاسٍ وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أن قول بن عَبَّاسٍ إِنَّهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ لَا يُخَالِفُ قَوْلَ غَيْرِهِ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ النَّهْرَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ ولعل سعيدا أومأ إلى أن تأويل بن عَبَّاسٍ أَوْلَى لِعُمُومِهِ لَكِنْ ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّهْرِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ فلا معدل عنه انتهى قال الحافظ بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكَوْثَرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثم قال

стр. 4382

وَقَالَ آخَرُونَ عَنَى بِالْكَوْثَرِ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ حَوْضٌ أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ قَالَ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ اسْمُ النَّهْرِ الَّذِي أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ وَصَفَهُ اللَّهُ بِالْكَثْرَةِ لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ لِتَتَابُعِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ انْتَهَى قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قال الحافظ بن جرير والحافظ بن حجر رحمهما الله تعالى وقال الحافظ بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهَذَا الْخِطَابِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَانْحَرْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ حَضَّهُ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَعَلَى الْحِفْظِ عَلَيْهَا فِي أَوْقَاتِهَا بِقَوْلِهِ فَصَلِّ لربك وانحر ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَبِقَوْلِهِ وَانْحَرْ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إِلَى النَّحْرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَالدُّخُولِ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وقال آخرون عنى بقوله فصل لربك الْمَكْتُوبَةَ وَبِقَوْلِهِ وَانْحَرْ نَحْرَ الْبُدْنِ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَنَى بِذَلِكَ صَلِّ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَاةَ الْعِيدِ وَانْحَرْ نُسُكَكَ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ قِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ قَوْمًا كَانُوا يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيَنْحَرُونَ لِغَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَنَحْرَكَ لِلَّهِ إِذْ كَانَ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ يَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ حُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَصُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْحَرَ الْبُدْنَ وَيَنْصَرِفَ فَفَعَلَ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ فَصَلِّ وَادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ فَاجْعَلْ صَلَاتَكَ كُلَّهَا لِرَبِّكَ خَالِصًا دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ وَكَذَلِكَ نَحْرُكَ اجْعَلْهُ لَهُ دُونَ الْأَوْثَانِ شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ الَّذِي لَا كُفْءَ لَهُ وَخَصَّكَ بِهِ مِنْ إِعْطَائِهِ إِيَّاكَ الْكَوْثَرَ وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ عَطِيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْكَوْثَرِ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّهُ بِالصَّلَاةِ لَهُ وَالنَّحْرِ عَلَى الشُّكْرِ لَهُ عَلَى مَا أَعْلَمَهُ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ بِإِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْكَوْثَرَ فَلَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ وَبَعْضِ النَّحْرِ دُونَ بَعْضٍ وَجْهٌ إِذَا كَانَ حَثًّا عَلَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ الْكَوْثَرَ إِنْعَامًا مِنَّا عَلَيْكَ بِهِ وَتَكْرِمَةً مِنَّا لَكَ فَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ الْعِبَادَةَ وَأَفْرِدْ لَهُ صَلَاتَكَ وَنُسُكَكَ خِلَافًا لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ وَنَحَرَ لِلْأَوْثَانِ انْتَهَى قُلْتُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى

стр. 4383

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أول الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ) [٣٣٦٠] قَوْلُهُ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ أَيْ لَمَّا عُرِجَ بِهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ إِشَارَةً إلى قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ أَيْ ضَرَبَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فَأَهْوَى الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْ طِينِهِ مِسْكًا أَذْفَرَ ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى أَيْ قُرِّبَتْ وَكُشِفَتْ وَعُرِضَتْ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ [٣٣٦١] قَوْلُهُ حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ لِأَنَّ حَافَّتَيْهِ تَكُونَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَأَمَّا الْقِبَابُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِمَا وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ أَيْ جَرَيَانُ مَائِهِ عَلَيْهِمَا تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ أَيْ تُرَابُهُ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن أبي حاتم وبن جرير ٠ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ وَتُسَمَّى سُورَةَ النَّصْرِ أَيْضًا مدينة وهي ثلاث آيات [٣٣٦٢] قوله (حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بْنِ الْجَارُودِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ

стр. 4384

إياس قوله (كان عمر) أي بن الْخَطَّابِ (يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ وَفِي رِوَايَتِهِ فِي عَلَامَاتِ النبوة كان عمر بن الخطاب يدنى بن عَبَّاسٍ (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْمُبَشَّرَةِ (وَلَنَا بَنُونَ مِثْلُهُ) أَيْ مثل بن عَبَّاسٍ فِي السِّنِّ لَا فِي الْفَضْلِ وَالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ وَكَانَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ (فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الاية) أي فسأل عمر بن عَبَّاسٍ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ (إِذَا جَاءَ نصر الله) أَيْ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى أعدائه (إِنَّمَا هُوَ أَجَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ) أَيْ يَجِيءُ النَّصْرُ وَالْفَتْحُ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي الدِّينِ عَلَامَةُ وَفَاةِ النبي ﷺ أخير اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (إِلَّا مَا تَعْلَمُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ قوله (أتسأله ولنا بن مِثْلُهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ

стр. 4385

٩١ - باب ومن سورة تبت يدا وَتُسَمَّى سُورَةَ أَبِي لَهَبٍ أَيْضًا مَكِّيَّةٌ وَهِيَ خَمْسُ آيَاتٍ [٣٣٦٣] قَوْلُهُ (صَعِدَ) مِنَ التَّصْعِيدِ أَيْ رَقِيَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ صَعِدَ فِي السُّلَّمِ كَسَمِعَ صُعُودًا وَصَعِدَ فِي الْجَبَلِ وَعَلَيْهِ تَصْعِيدًا رَقِيَ وَلَمْ يُسْمَعْ صَعِدَ فِيهِ يَا صَبَاحَاهُ هَذِهِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُسْتَغِيثُ وَأَصْلُهَا إِذَا صَاحُوا لِلْغَارَةِ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مَا كَانُوا يُغِيرُونَ بِالصَّبَاحِ وَيُسَمُّونَ يَوْمَ الْغَارَةِ يَوْمَ الصَّبَاحِ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ يَا صَبَاحَاهُ يَقُولُ قَدْ غَشِينَا الْعَدُوَّ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ أَيْ قَبْلَ نُزُولِ عَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِقَابٍ أَلِيمٍ وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي يَنْزِلْ عَلَيْكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ بَيْنَ يَدَيْ ظرف لغد نَذِيرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى قُدَّامَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَكُونُ قُدَّامَ أَحَدٍ يَكُونُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ الْمُسَامِتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَفِيهِ تَمْثِيلٌ مَثَّلَ إِنْذَارَهُ لِقَوْمٍ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى النَّازِلِ عَلَى الْقَوْمِ بِنَذِيرِ قَوْمٍ يَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْعَدُوِّ فَيُنْذِرُهُمْ أَرَأَيْتُمْ أَيْ أَخْبِرُونِي مُمَسِّيكُمْ أَوْ مُصَبِّحُكُمْ كِلَاهُمَا بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بَابِ تَفْعِيلٍ أَيْ مُغِيرُكُمْ فِي الْمَسَاءِ أَوِ الصَّبَاحِ (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) هُوَ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَأُمُّهُ خُزَاعِيَّةٌ وَكُنِيَ أَبَا لَهَبٍ إِمَّا لِابْنِهِ لَهَبٍ وَإِمَّا لِشِدَّةِ حُمْرَةِ وَجْنَتِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَا لَهَبٍ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَهَّبُ مِنْ حُسْنِهِ انْتَهَى وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ أَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ وَلِكَوْنِهِ بِهَا أَشْهَرَ وَلِأَنَّ فِي اسْمِهِ إِضَافَةً إِلَى الصَّنَمِ وَمَاتَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يَحْضُرْهَا بَلْ أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا جَرَى لِقُرَيْشٍ مَاتَ عَنْهَا (أَلِهَذَا) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ (تَبًّا لَكَ) أَيْ خُسْرَانًا وَهَلَاكًا وَنَصَبَهُ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ قَالَهُ الْقَاضِي فَهُوَ إِمَّا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالْمَعْنَى تَبَّ تَبًّا أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ أَلْزَمَكَ اللَّهُ هَلَاكًا وَخُسْرَانًا وَأَلْزَمَ تَبًّا تَبَّتْ أَيْ خسرت يدا أبي لهب أَيْ جُمْلَتُهُ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْيَدَيْنِ مَجَازًا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ تُزَاوَلُ بِهِمَا وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ دُعَاءٌ

стр. 4386

وَتَبَّ أَيْ خَسِرَ هُوَ وَهَذِهِ خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَقَدْ هَلَكَ وَلَمَّا خَوَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَذَابِ فَقَالَ إِنْ كان ما يقول بن أَخِي حَقًّا أَفْتَدِي مِنْهُ بِمَالِي وَوَلَدِي نَزَلَ ما أغنى عنه ماله ما للنفي وما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية أي ومكسو به أَوْ وَكَسْبُهُ أَيْ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَالَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ ماله التالد والطارف وعن بن عَبَّاسٍ ﵄ مَا كَسَبَ وَلَدُهُ سيصلى أي سيدخل نارا ذات لهب أَيْ ذَاتَ تَوَقُّدٍ وَتَلَهُّبٍ وَامْرَأَتُهُ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ يَصْلَى سَوَّغَهُ الْفَصْلُ بِالْمَفْعُولِ وَصِفَتُهُ وَهِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ عَمَّةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ حَمَّالَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ عَطْفِ وَامْرَأَتُهُ عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَصْلَى فَيَكُونُ رَفْعُ حَمَّالَةَ عَلَى النَّعْتِ لِامْرَأَتِهِ وَالْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُضِيِّ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ حَمَّالَةٌ وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلَى الذَّمِّ أَيْ أَعْنِي حَمَّالَةَ الْحَطَبِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ امْرَأَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ حَمَّالَةَ الحطب فَقِيلَ كَانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ وَالْحَسَكَ وَالْعِضَاهَ بِاللَّيْلِ فَتَطْرَحُهُ فِي طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لِتُؤْذِيَهُمْ بِذَلِكَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَقِيلَ كَانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَتَنْقُلُ الْحَدِيثَ وَتُلْقِي الْعَدَاوَةَ بَيْنَ النَّاسِ وَتُوقِدُ نَارَهَا كَمَا تُوقِدُ النَّارُ الْحَطَبَ يُقَالُ فُلَانٌ يَحْطِبُ عَلَى فلان إذا نم به في جيدها أي عنقها حبل من مسد أَيْ لِيفٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِينِ فِي حَمَّالَةِ الْحَطَبِ الَّذِي هُوَ نَعْتٌ لِامْرَأَتِهِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ وَامْرَأَتُهُ قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) قَالَ الْوَاحِدِيُّ الْمَسَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَتْلُ يُقَالُ مَسَدَ الْحَبْلَ يَمْسُدُهُ مَسْدًا إِذَا أَجَادَ قتله وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ إِذَا كَانَ مَجْدُولَ الْخَلْقِ وَالْمَسَدُ مَا مُسِدَ أَيْ فُتِلَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَيُقَالُ لِمَا فُتِلَ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ وَمِنَ اللِّيفِ وَالْخُوصِ مَسَدٌ وَلِمَا فُتِلَ مِنَ الْحَدِيدِ أَيْضًا مَسَدٌ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أَحَدُهَا فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِمَّا مُسِدَ مِنَ الْحِبَالِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ تِلْكَ الْحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وَتَرْبِطُهَا فِي جِيدِهَا كَمَا يَفْعَلُ الْحَطَّابُونَ وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ خَسَاسَتِهَا تَشْبِيهًا لَهَا بِالْحَطَّابَاتِ إِيذَاءً لَهَا وَلِزَوْجِهَا وَثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ حَالَهَا يَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا حِينَ كَانَتْ تَحْمِلُ الْحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ فَلَا تَزَالُ عَلَى ظَهْرِهَا حُزْمَةٌ مِنْ حَطَبِ النَّارِ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وَفِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ سَلَاسِلِ النَّارِ فَإِنْ قِيلَ الْحَبْلُ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْمَسَدِ كَيْفَ يَبْقَى أَبَدًا فِي النَّارِ قُلْنَا كَمَا يَبْقَى الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ وَالْعَظْمُ أَبَدًا فِي النَّارِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْمَسَدُ يَكُونُ مِنَ الْحَدِيدِ وَظَنُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَسَدَ لَا يَكُونُ مِنَ الْحَدِيدِ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَسَدَ هُوَ الْمَفْتُولُ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْحَدِيدِ أَوْ مِنْ غيره قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنسائي ٢ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ

стр. 4387

الْإِخْلَاصِ مَكِّيَّةٌ وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ أَرْبَعُ أَوْ خَمْسُ آيَاتٍ [٣٣٦٤] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ) اسْمُهُ عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى قَوْلُهُ (انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ أَيْ صِفْهُ لَنَا يُقَالُ نَسَبَ الرَّجُلَ إِذَا وَصَفَهُ وَذَكَرَ نَسَبَهُ (وَالصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يلد ولم يولد) قال الحافظ بن كَثِيرٍ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ كَأَنَّهُ جَعَلَ مَا بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَمْ يلد ولم يولد وَهُوَ تَفْسِيرٌ جَيِّدٌ وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ صَرِيحٌ فِيهِ انْتَهَى وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ باب قوله الله الصمد وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ انْتَهَى قَالَ الْعَيْنِيُّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ مَعْنَى الصَّمَدِ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّرَفُ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ رُؤَسَاءَهُمُ الْأَشْرَافَ بِالصَّمَدِ وعن بن عَبَّاسٍ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ أَنْوَاعُ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَقِيلَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ تَقُولُ الْعَرَبُ صَمَدْتُ فُلَانًا أَصْمُدُهُ صَمْدًا بِسُكُونِ الْمِيمِ إِذَا قَصَدْتُهُ وَالْمَصْمُودُ صَمَدَ وَيُقَالُ بَيْتٌ مَصْمُودٌ وَمُصْمَدٌ إِذَا قَصَدَهُ النَّاسُ في حوائجهم انتهى وقال الخازن قال بن عَبَّاسٍ الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَنَّ الصَّمَدَ الشَّيْءُ الْمُصْمَدُ الصُّلْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ وَلَا رَخَاوَةٌ وَمِنْهُ يُقَالُ لِسَدَّادِ الْقَارُورَةِ الصِّمَادُ فَإِنْ فُسِّرَ الصَّمَدُ بِهَذَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَيَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْجِسْمِيَّةِ وَقِيلَ وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ بِأَجْوَفَ مَعْنَاهُ هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ صِفَةُ كَمَالٍ وَالْقَصْدُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ الصمد التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ مَنْ أَثْبَتُوا له الإلهية وإليه الإشارة بقوله تعالى ما المسيح بن مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي أَفْرَادِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ الصَّمَدُ هُوَ السَّيِّدُ الذي انتهى سؤدده وهي رواية عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أَوْصَافِ السُّؤْدُدِ وَقِيلَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي جَمِيعِ الْحَوَائِجِ الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ فِي الرَّغَائِبِ الْمُسْتَعَانُ بِهِ عِنْدَ

стр. 4388

الْمَصَائِبِ وَتَفْرِيجِ الْكُرَبِ وَقِيلَ هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتِلْكَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَنَاهِي فِي السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ وَالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكَمَالِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ وَقِيلَ الصَّمَدُ الدَّائِمُ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَقِيلَ الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ الْآفَاتُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَوْقَاتُ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ وَقِيلَ الصَّمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَوَالٌ وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْتِقَالٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الصَّمَدِ عَلَى كُلِّ مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَعَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوُجُودِ صَمَدٌ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى الْعَظِيمِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى انْفَرَدَ بِهِ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلْيَا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ انْتَهَى مَا فِي الْخَازِنِ مُخْتَصَرًا (لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ الخ) هذا دليل لقوله لم يولد (وَلَا عِدْلٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ أَيْ مِثْلٌ [٣٣٦٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنِ الرَّبِيعِ) بْنِ أَنَسٍ قَوْلُهُ (ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ) أَيْ آلِهَةَ الْمُشْرِكِينَ قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ) أَيْ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى مُرْسَلًا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ مُتَّصِلًا لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى ثِقَةٌ وَأَبَا سَعْدٍ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وبن جرير وبن أَبِي حَاتِمٍ (وَأَبُو سَعْدٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ) بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ وَقَعَتْ بَعْدَ هَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ اسْمُهُ عِيسَى وَأَبُو الْعَالِيَةِ اسْمُهُ رَفِيعٌ وَكَانَ عَبْدًا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ صَابِئَةٌ انْتَهَتْ وَوَقَعَ في بعض النسخ امرأة سايبية

стр. 4389

(وَمِنْ سُورَتَيِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ سُورَةِ الْفَلَقِ وَسُورَةِ النَّاسِ وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ وَقِيلَ مَكِّيَّتَانِ وَالْأُولَى خَمْسُ آيَاتٍ وَالثَّانِيَةُ سِتُّ آيَاتٍ [٣٣٦٦] قَوْلُهُ (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْقُرَشِيِّ العامري خال بن أَبِي ذِئْبٍ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا أَيْ هَذَا الْقَمَرِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْغَسَقُ مُحَرَّكَةً ظُلْمَةُ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَغَسَقَ اللَّيْلُ غَسَقًا اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ وَالْغَاسِقُ الْقَمَرُ أَوِ اللَّيْلُ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَقَالَ فِيهِ وَقَبَ الظَّلَامُ دَخَلَ وَالشَّمْسُ وَقْبًا وَوُقُوبًا غَابَتْ وَالْقَمَرُ دَخَلَ فِي الْخُسُوفِ وَمِنْهُ غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ انْتَهَى قَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنْ كُسُوفِهِ لِأَنَّهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِ بَلِيَّةٍ وَنُزُولِ نَازِلَةٍ كَمَا قَالَ ﵊ وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَلِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي الْحَدِيثِ كَوَضْعِ الْيَدِ فِي التَّعْيِينِ وَتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخبر المعروف يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْقَمَرُ لَا غَيْرُ انْتَهَى وَقَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مَا لَفْظُهُ فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهِ الْقَمَرُ إِذَا خَسَفَ وَاسْوَدَّ وَمَعْنَى وَقَبَ دَخَلَ فِي الْخُسُوفِ أَوْ أَخَذَ فِي الْغَيْبُوبَةِ وَقِيلَ سُمِّيَ بِهِ لأنه إذا خسف اسود وذهب ضوؤه وَقِيلَ إِذَا وَقَبَ دَخَلَ فِي الْمَحَاقِ وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتِمُّ السِّحْرُ الْمُورِثُ لِلتَّمْرِيضِ وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السورة وقال بن عَبَّاسٍ الْغَاسِقُ اللَّيْلُ إِذَا وَقَبَ أَيْ أَقْبَلَ بِظُلْمَتِهِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَقِيلَ سُمِّيَ اللَّيْلُ غَاسِقًا لِأَنَّهُ أَبْرَدُ مِنَ النَّهَارِ وَالْغَسَقُ الْبَرْدُ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ اللَّيْلِ لِأَنَّ فِيهَا تَنْتَشِرُ الْآفَاتُ وَيَقِلُّ الْغَوْثُ وَفِيهِ يَتِمُّ السِّحْرُ وَقِيلَ الْغَاسِقُ الثُّرَيَّا إِذَا سَقَطَتْ وَغَابَتْ وَقِيلَ إِنَّ الْأَسْقَامَ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِهَا فَلِهَذَا أُمِرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ الثُّرَيَّا عِنْدَ سُقُوطِهَا انتهى وقال بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ وَهُوَ الَّذِي يُظْلِمُ يُقَالُ قَدْ غَسَقَ اللَّيْلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا إِذَا أَظْلَمَ إِذَا وَقَبَ يَعْنِي إِذَا دَخَلَ فِي

стр. 4390

ظَلَامِهِ وَاللَّيْلُ إِذَا دَخَلَ فِي ظَلَامِهِ غَاسِقٌ وَالنَّجْمُ إِذَا أَفَلَ غَاسِقٌ وَالْقَمَرُ غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ وَلَمْ يُخَصِّصْ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ عَمَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ فَكُلُّ غَاسِقٍ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ إِذَا وَقَبَ انْتَهَى قَوْلُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ احمد والنسائي والحاكم وصححه وبن جَرِيرٍ [٣٣٦٧] قَوْلُهُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ آيَاتٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ إِلَخْ قَدْ سَبَقَ هَذَا الحديث مع شرحه في فضائل القرآن ٤ - باب [٣٣٦٨] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) فِي التَّقْرِيبِ الْحَارِثُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الدَّوْسِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمَدَنِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ عَطَسَ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ أَيْ بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ أَوْ بِتَيْسِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ (إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ إِلَى الْحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْبَدَلِ يَعْنِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ مُشِيرًا بِهِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ (جُلُوسٍ) بِالْجَرِّ صِفَةُ مَلَأٍ أَيْ جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ قَالُوا وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ هَذَا اخْتِصَارٌ وَالتَّقْدِيرُ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَذَهَبَ آدَمُ

стр. 4391

إِلَيْهِمْ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ أَيِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ إِنَّ هَذِهِ أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ فِيهِ تَغْلِيبٌ أَيْ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِمْ فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ (وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ) الجملة حال والضمير لله قال القارىء مَذْهَبُ السَّلَفِ مِنْ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ مَعَ التَّفْوِيضِ أَسْلَمُ انْتَهَى قُلْتُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ (اخْتَرْ أَيَّهُمَا) أَيْ مِنَ الْيَدَيْنِ وَفِي الْمِشْكَاةِ أَيَّتَهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ) مِنْ كَلَامِ آدَمَ أَوْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ (مُبَارَكَةٌ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (ثُمَّ بَسَطَهَا) أَيْ فَتَحَ الرَّبُّ يَمِينَهُ (فَإِذَا فِيهَا) أَيْ مَوْجُودٌ (آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي رَأَى آدَمُ مِثَالَهُ وَمِثَالَ بَنِيهِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ (هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ) الظَّاهِرُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْيَمِينِ اخْتِصَاصُهُمْ بِالصَّالِحِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْمُقَرَّبِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَخْ (فَإِذَا فِيهِمْ رجل أضوؤهم) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّهِمْ ضِيَاءً لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِمْ بِحَسَبِ نُورِ إِيمَانِهِمْ (أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مَنْ هَذَا) قَالَ الطِّيبِيُّ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ مَا عَرَفَ مَا رَآهُ ثُمَّ لَمَّا قِيلَ لَهُ هُمْ ذُرِّيَّتُكَ فَعَرَفَهُمْ فَقَالَ مَنْ هَذَا (وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ مَفْعُولُ كَتَبْتُ وَمُؤَدَّى الْمَكْتُوبِ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ عُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَنَصَبَ أَرْبَعِينَ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى تَأْوِيلِ كَتَبْتُ لَهُ أَنْ يُعَمَّرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (قَالَ يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمُرِهِ) أَيْ مِنْ عِنْدِكَ وَفَضْلِكَ (ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَتَبْتُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ قَالَ الطِّيبِيُّ ذَاكَ الَّذِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَعْرِفَتَانِ فَيُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ لَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نُقْصَانَ (قَالَ) يَعْنِي آدَمَ (أَيْ رَبِّ) أَيْ يَا رَبِّ (فَإِنِّي) أَيْ إِذَا أَبَيْتَ مِنْ عِنْدِكَ فَإِنِّي (قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عمري) أي من جملة مدة عمري وسنيه (سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخَبَرِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِدْعَاءُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَذَا الْجُعْلِ وَقَوْلُهُ قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً هُنَا يُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِلَفْظِ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ هُنَاكَ (قال أنت وذاك) قال القارىء يَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ وَيَحْتَمِلُ الْإِجَابَةَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ كُلُّ

стр. 4392

رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ أَيْ أَنْتَ مَعَ مَطْلُوبِكَ مَقْرُونَانِ (ثُمَّ أُسْكِنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِسْكَانِ (ثُمَّ أُهْبِطَ) أَيْ أُنْزِلَ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ (يَعُدُّ لِنَفْسِهِ) أَيْ يُقَدِّرُ لَهُ وَيُرَاعِي أَوْقَاتَ أَجَلِهِ سَنَةً فَسَنَةً (فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ) أَيِ امْتِحَانًا بَعْدَ تَمَامِ تِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً (قَدْ عَجِلْتَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيِ اسْتَعْجَلْتَ وَجِئْتَ قَبْلَ أَوَانِهِ (فَجَحَدَ) أَيْ أَنْكَرَ آدَمُ (فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ سِرِّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ) لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ طِينَةِ أَبِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ آدَمَ نَسِيَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَجَحَدَ فَيَكُونُ اعْتِذَارًا لَهُ إذا يَبْعُدُ مِنْهُ ﵇ أَنْ يُنْكِرَ مَعَ التَّذَكُّرِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أُمِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُمِرَ النَّاسُ أَوِ الْغَائِبُ (بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ) أَيْ بِكِتَابَةِ الْقَضَايَا والشهود فيها ٥ - باب [٣٣٦٩] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبِ) بْنِ يَزِيدَ الشَّيْبَانِيُّ أَبُو عِيسَى الْوَاسِطِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَاضِلٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ) الْهَاشِمِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ أَيْ أَرْضَ الْكَعْبَةِ وَدُحِيَتْ وَبُسِطَتْ مِنْ جَوَانِبِهَا وَبَقِيَتْ كَلَوْحَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ جَعَلَتْ تَمِيدُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ شَرَعَتْ تَمِيلُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ شَدِيدَةً وَلَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَا يَنْتَفِعُ الْإِنْسُ بِهَا فَخَلَقَ الْجِبَالَ قِيلَ أَوَّلُهَا أَبُو قُبَيْسٍ فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا أَيْ أَمَرَ وَأَشَارَ بِكَوْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ أَيِ الْجِبَالُ عَلَيْهَا أَوْ فَثَبَتَتِ الْأَرْضُ فِي مَكَانِهَا أَوْ مَا مَادَتْ وَلَا مَالَتْ عَنْ حَالِهَا وَمَحَلِّهَا قَالَ الطِّيبِيُّ قَدْ مَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْقَوْلَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ وَقَرِينَةُ اخْتِصَاصِهِ اقْتِضَاءُ الْمَقَامِ فَالتَّقْدِيرُ أَلْقَى بِالْجِبَالِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَأَلْقَى فِي الأرض رواسي أن تميد بكم فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وَإِيثَارُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِلْقَاءِ

стр. 4393

وَالْإِرْسَالِ لِبَيَانِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ يَتَأَتَّى مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَقِيلَ ضَمَّنَ الْقَوْلَ مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ أَمَرَ الْجِبَالَ قَائِلًا ارْسِي عَلَيْهَا وَقِيلَ أَيْ ضَرَبَ بِالْجِبَالِ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ أَيْ مَخْلُوقَاتِكَ قَالَ نَعَمْ الْحَدِيدُ فَإِنَّهُ يُكْسَرُ بِهِ الْحَجَرُ وَيُقْلَعُ بِهِ الْجِبَالُ النَّارُ فَإِنَّهَا تُلِينُ الْحَدِيدَ وَتُذِيبُهُ قَالَ نَعَمْ الْمَاءُ لِأَنَّهُ يُطْفِئُ النَّارَ قَالَ نَعَمْ الرِّيحُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تُفَرِّقُ الْمَاءَ وَتَنْشَقُهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنَّ الرِّيحَ تَسُوقُ السَّحَابَ الْحَامِلَ لِلْمَاءِ نعم بن آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ إِلَخْ أَيِ التَّصَدُّقُ مِنْ بَنِي آدَمَ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ وَمِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ وَقَهْرَ الطَّبِيعَةِ وَالشَّيْطَانِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ لِأَنَّ صَدَقَتَهُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ فِي الصُّعُوبَةِ وَالشِّدَّةِ وَإِذَا فُرِضَ نُزُولُ عَذَابِ اللَّهِ بِالرِّيحِ عَلَى أَحَدٍ وَتَصَدَّقَ فِي السِّرِّ عَلَى أَحَدٍ تَدْفَعُ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ فَكَانَ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ قَالَهُ فِي اللُّمَعَاتِ وَقَالَ الطيبي فإن من جبلة بن آدَمَ الْقَبْضُ وَالْبُخْلُ الَّذِي هُوَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَرْضِ وَمِنْ جِبِلَّتِهِ الِاسْتِعْلَاءُ وَطَلَبُ انْتِشَارِ الصِّيتِ وَهُمَا مِنْ طَبِيعَتَيِ النَّارِ وَالرِّيحِ فَإِذَا رَاغَمَ بِالْإِعْطَاءِ جِبِلَّتَهُ الْأَرْضِيَّةَ وَبِالْإِخْفَاءِ جِبِلَّتَهُ النَّارِيَّةَ وَالرِّيحِيَّةَ كَانَ أَشَدَّ مِنَ الْكُلِّ انْتَهَى اعْلَمْ أَنَّ إِيرَادَ التِّرْمِذِيِّ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فِي آخِرِ التَّفْسِيرِ كَإِيرَادِهِ أَحَادِيثَ شَتَّى فِي آخِرِ أَبْوَابِ الدَّعَوَاتِ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ بقوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم أَيْ وَصَّيْنَاهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ (مِنْ قَبْلُ) أَيْ قَبْلَ أَكْلِهِ مِنْهَا فَنَسِيَ أي عهدنا ولم نجد له عزما حَزْمًا وَصَبْرًا عَمَّا نَهَيْنَاهُ عَنْهُ قَالَ الطِّيبِيُّ تَحْتَ قَوْلِهِ وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قبل فنسي ولم نجد له عزما وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْبَابِ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أن تميد بكم

стр. 4394

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٥ - كتاب الدعوات عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ الدَّعْوَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْأَدْنَى بِالْقَوْلِ مِنَ الْأَعْلَى شَيْئًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِكَانَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتَاوَى فِي الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الزُّهَّادِ وَأَهْلِ الْمَعَارِفِ إِلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ اسْتِسْلَامًا وَقَالَ جَمَاعَةٌ إِنْ دَعَا لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسَنٌ وَإِنْ خَصَّ نَفْسَهُ فَلَا وَقِيلَ إِنْ وَجَدَ بَاعِثًا للدعاء استجب وَإِلَّا فَلَا وَدَلِيلُ الْفُقَهَاءِ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ انْتَهَى (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لَمْ يَقَعِ الْبَسْمَلَةُ هُنَا في بعض النسخ (باب ما جاء في فضل الدعاء) [٣٣٧٠] قَوْلُهُ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) الْبَصْرِيِّ هُوَ أَخُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ وَاسْمُ أَبِيهِ يَسَارٌ قَوْلُهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَيْ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْعِبَادَاتِ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم أَكْرَمَ بِالنَّصْبِ خَبَرُ لَيْسَ أَيْ أَفْضَلَ عَلَى اللَّهِ أَيْ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ الْفَقْرِ وَالْعَجْزِ وَالتَّذَلُّلِ وَالِاعْتِرَافِ بِقُوَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ) وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد

стр. 4395

وبن ماجة وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ (وَعِمْرَانُ القطان هو بن دَاوِرَ وَيُكَنَى أَبَا الْعَوَّامِ) لَمْ تَقَعْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَاب مِنْهُ [٣٣٧١] قَوْلُهُ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) قَالَ فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ فِي نُسْخَةِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَأَمْثَالُهُ عَبْدُ اللَّهِ مُكَبَّرًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ مُصَغَّرًا وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ التَّقْرِيبِ بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَإِمْعَانِ النَّظَرِ انْتَهَى قُلْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مُكَبَّرًا لَيْسَ مِنْ رِجَالِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بَلْ هُوَ مِنْ رِجَالِ أَبِي دَاوُدَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مُصَغَّرًا مِنْ رِجَالِ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ النُّسَخَ الَّتِي فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَكَوْنُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبْدَ اللَّهِ بِالتَّكْبِيرِ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ هَذَا مِصْرِيٌّ يُكَنَى أَبَا بَكْرٍ ثِقَةٌ وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ إِنَّهُ لَيَّنَهُ وَكَانَ فَقِيهًا عَابِدًا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ مِثْلُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ الْمُخُّ بِالضَّمِّ نِقْيُ الْعَظْمِ وَالدِّمَاغِ وَشَحْمَةُ الْعَيْنِ وَخَالِصُ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الدُّعَاءَ لُبُّ الْعِبَادَةِ وَخَالِصُهَا لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِمَّا سِوَاهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ ولا عبادة فوقهما قال بن الْعَرَبِيِّ وَبِالْمُخِّ تَكُونُ الْقُوَّةُ لِلْأَعْضَاءِ فَكَذَا الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ بِهِ تَتَقَوَّى عِبَادَةُ الْعَابِدِينَ فَإِنَّهُ رُوحُ الْعِبَادَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي أَيْ عَنْ دُعَائِي قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حديث بن لَهِيعَةَ) وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ كَمَا

стр. 4396

صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَمَعَ ضَعْفِهِ فَهُوَ مُدَلِّسٌ يُدَلِّسُ عَنِ الضُّعَفَاءِ [٣٣٧٢] قَوْلُهُ (عَنْ ذَرٍّ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْهِبِيِّ (عَنْ يُسَيِّعَ) الْكِنْدِيِّ قَوْلُهُ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ قَالَ مَيْرَكُ أَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَالْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ لِيَدُلَّ عَلَى الْحَصْرِ فِي أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ الدُّعَاءِ مُبَالَغَةً وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدُّعَاءَ مُعَظَّمُ الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ ﷺ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ مُعَظَّمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ سَوَاءٌ اسْتُجِيبَ أَوْ لَمْ يُسْتَجَبْ لِأَنَّهُ إِظْهَارُ الْعَبْدِ الْعَجْزَ وَالِاحْتِيَاجَ مِنْ نَفْسِهِ وَالِاعْتِرَافَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِجَابَتِهِ كَرِيمٌ لَا بُخْلَ لَهُ وَلَا فَقْرَ وَلَا احْتِيَاجَ لَهُ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَدَّخِرَ لِنَفْسِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ الْعِبَادَةُ بَلْ مُخُّهَا انْتَهَى ثُمَّ قَرَأَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قِيلَ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ عِبَادَةٌ وَقَالَ الْقَاضِي اسْتُشْهِدَ بِالْآيَةِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ وَالْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَيَكُونُ أَتَمَّ الْعِبَادَاتِ وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ مُخُّ الْعِبَادَةِ أَيْ خَالِصُهَا إِنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي أي من دعائي كذا فسره الحافظ بن كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أَيْ صَاغِرِينَ ذَلِيلِينَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ عِبَادَتِي فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ وَعَلَى هَذَا الْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصِدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ من الترك لكثرة الأدر الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ انْتَهَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةِ لَهُ وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ يستكبرون عن عبادتي حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارَ وَالْهَوَانَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 4397

وبن ماجة وبن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وبن أَبِي شَيْبَةَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ بَاب مِنْهُ [٣٣٧٣] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) الْفَارِسِيِّ الْمَدَنِيِّ الْخَوَّاطِ اسْمُهُ صُبَيْحٌ وَقِيلَ حُمَيْدٌ رَوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ وَعَنْهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُهُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَاصِمٍ وَسَمَّاهُ حُمَيْدًا قال مضر بن محمد عن بن معين ثقة وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) الْخُوزِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ زَايٍ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ إِنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَرْكَ السُّؤَالِ تَكَبُّرٌ وَاسْتِغْنَاءٌ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ وَنِعْمَ ما قيل الله بغضب إن تركت سؤاله وترى بن آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ مِنْ فَضْلِهِ فَمَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يُبْغِضْهُ وَالْمَبْغُوضُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى وكيع) هو بن الْجَرَّاحِ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ هذا الحديث) ورواه بن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الْمَدَنِيُّ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ) اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلُ (عَنْ حُمَيْدٍ أَبِي الْمَلِيحِ) بِضَمِّ الْحَاءِ مُصَغَّرًا كَمَا سَمَّاهُ حُمَيْدًا وَقِيلَ اسْمُهُ صُبَيْحٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ في الأدب المفرد وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَزَّارُ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا فِي الْفَتْحِ

стр. 4398

(بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ) أَيْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا الْإِتْيَانُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي قَوْلِهَا وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا مِثْلِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَهِيَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا يَلْتَحِقُ بِهَا مِنَ الْحَوْقَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَسْبَلَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالدُّعَاءُ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُطْلَقُ ذِكْرُ اللَّهِ أَيْضًا وَيُرَادُ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا أَوْجَبَهُ أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ وَالتَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الذِّكْرُ يَقَعُ تَارَةً بِاللِّسَانِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ النَّاطِقُ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُهُ لِمَعْنَاهُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَلَّا يُقْصَدَ بِهِ غَيْرُ مَعْنَاهُ ولمن انْضَافَ إِلَى النُّطْقِ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ أَكْمَلُ فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ اسْتِحْضَارُ مَعْنَى الذِّكْرِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ ازْدَادَ كَمَالًا فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ مَهْمَا فُرِضَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ازْدَادَ كَمَالًا فَإِنْ صَحَّحَ التَّوْبَةَ وَأَخْلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَبْلَغُ الْكَمَالِ كَذَا فِي الْفَتْحِ [٣٣٧٥] قَوْلُهُ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ) بْنِ حُضَيْرٍ الحضرمي (عن عمرو بن قيس) الكندي السكوئي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْمَازِنِيِّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ قَوْلُهُ (إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ) قَالَ الطِّيبِيُّ الشَّرِيعَةُ مَوْرِدُ الْإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي وَالْمُرَادُ مَا شَرَعَ اللَّهُ وَأَظْهَرَهُ لِعِبَادِهِ من الفرائض والسنن انتهى قال القارىء الظاهر أن المراد بها هنا النوافل لقوله (قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُفْتَحُ أَيْ غَلَبَتْ عَلَيَّ بِالْكَثْرَةِ حَتَّى عَجَزْتُ عَنْهَا لِضَعْفِي (فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ التَّنْكِيرُ فِي بِشَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ الْمُتَضَمِّنِ لِمَعْنَى التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَرِضْوَانٌ من الله أكبر وَمَعْنَاهُ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مُسْتَجْلِبٍ لِثَوَابٍ كَثِيرٍ قال القارىء وإلا ظهر أَنَّ التَّنْوِينَ لِمُجَرَّدِ التَّنْكِيرِ انْتَهَى قُلْتُ بَلِ الْأَظْهَرُ هُوَ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ فَتَأَمَّلْ (أَتَشَبَّثُ بِهِ) أَيْ أَتَعَلَّقُ بِهِ وَأَسْتَمْسِكُ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَتْرُكُ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ رَأْسًا بَلْ طَلَبَ مَا يَتَشَبَّثُ بِهِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ عَنْ سَائِرِ مَا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ لَا يَزَالُ أَيْ هُوَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ (لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أَيْ طَرِيًّا مُشْتَغِلًا قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْهُ وَهُوَ

стр. 4399

كِنَايَةٌ عَنِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الذِّكْرِ قَوْلُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (بَاب مِنْهُ [٣٣٧٦] قَوْلُهُ (أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً)) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً قَالَ الذَّاكِرُونَ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْوَاوِ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهِمَا الذَّاكِرِينَ بِالْيَاءِ وَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ قَالَ اللَّهُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات إِلَى قَوْلِهِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مغفرة وأجرا عظيما قِيلَ الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُدَاوِمُونَ عَلَى ذِكْرِهِ وَفِكْرِهِ وَالْقَائِمُونَ بِالطَّاعَةِ الْمُوَاظِبُونَ عَلَى شُكْرِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ (وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيِ الذَّاكِرُونَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَمِنَ الْغَازِي أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَوَابِهِ لَوْ ضَرَبَ أَيِ الْغَازِي بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ هَذَا مِنْ قَبِيلِ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي حَيْثُ جَعَلَ الْمَفْعُولَ بِهِ مَفْعُولًا فِيهِ مُبَالَغَةً أَنْ يُوجَدَ فِيهِمُ الضَّرْبُ وَيَجْعَلَهُمْ مَكَانًا لِلضَّرْبِ بِالسَّيْفِ لِأَنَّ جَعْلَهُمْ مَكَانًا لِلضَّرْبِ أَبْلَغُ مِنْ جَعْلِهِمْ مَضْرُوبِينَ بِهِ فَقَطْ وَالْمُشْرِكِينَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ فَإِنَّهُمْ ضِدُّ الْمُوَحِّدِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ أَيْ سَيْفُهُ وَيَخْتَضِبَ أَيْ هُوَ أَوْ سَيْفُهُ دَمًا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّهَادَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْغَازِي دَرَجَةً تَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ أَيْ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عَظِيمَةٍ وَتَحْتَمِلُ الْجِنْسَ أَيْ بِدَرَجَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مُخْتَصَرًا قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ دَرَجَةً قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ

стр. 4400

(باب) منه [٣٣٧٧] قوله (عن زياد) هو بن زِيَادٍ مَيْسَرَةُ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ السُّكُونِيُّ حِمْصِيٌّ مَشْهُورٌ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ قَوْلُهُ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ أَيْ أَلَا أُخْبِرُكُمْ وَأَزْكَاهَا أَيْ أَنْمَاهَا وَأَنْقَاهَا وَالزَّكَاءُ النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ عِنْدَ مَلِيكِكُمْ الْمَلِيكُ بِمَعْنَى الْمَالِكُ لِلْمُبَالَغَةِ وَقَالَ في القاموس الملك ككتف وأمير وصاحب والملك وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ الْفِضَّةُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ وَخَيْرٍ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَذْلِ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى وَقِيلَ عَطْفٌ عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَيْرُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا وَهَذَا خَيْرٌ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ أَوْ عَطْفٌ مُغَايِرٌ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْأَعْمَالُ اللِّسَانِيَّةُ فَيَكُونُ ضِدَّ هَذَا لِأَنَّ بَذْلَ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْفِعْلِيَّةِ قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ بَلْ قَدْ يَأْجُرُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلِيلِ الْأَعْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْجُرُ عَلَى كَثِيرِهَا فَإِذَا الثَّوَابُ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتَبِ فِي الشَّرَفِ انْتَهَى وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مالك في الموطإ وأحمد في المسند وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وبن شَاهِينَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الذِّكْرِ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا فِي الْمُوَطَّأِ وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَوْلُهُ (مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ الْأُولَى صِلَةُ أَنْجَى وَالثَّانِيَةُ تَفْضِيلِيَّةٌ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ فَفِي الْمُوَطَّأِ مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرحمن معاذ بن جبل ما عمل بن آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ

стр. 4401

اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وبن عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ مُعَاذٍ هَذَا مَرْفُوعًا (وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ) كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمِكِّيٍّ عِنْدَ أحمد والمغيرة بن عبد الرحمن عند بن مَاجَهْ ٧ (بَاب مَا جَاءَ فِي الْقَوْمِ يَجْلِسُونَ فيذكرون الله مَا لَهُمْ) مِنْ الْفَضْلِ [٣٣٧٨] قَوْلُهُ (عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْأَغَرُّ أَبُو مُسْلِمٍ الْمَدِينِيُّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَهُوَ غَيْرُ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ الَّذِي يُكَنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ قَلَبَهُ الطَّبَرَانِيُّ فَقَالَ اسْمُهُ مُسْلِمٌ وَيُكَنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ظَاهِرٌ فِي أنه سمعه منهما قال بن التِّينِ أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ التَّأْكِيدَ لِلرِّوَايَةِ انْتَهَى قَوْلُهُ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَيْ أَحَاطَتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ فِي الطَّرِيقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ أَيْ غَطَّتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ أَيِ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ لِقَوْلِهِ تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب وَمِنْهُ قَوْلهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ الْحَدِيثَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ قِيلَ المراد بالسكينة ها هنا الرَّحْمَةُ وَهُوَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِعَطْفِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ وَقِيلَ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ وَهُوَ أَحْسَنُ قَالَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِفَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا ومذهب الجمهور وقال في مَالِكٌ يُكْرَهُ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَيَلْتَحِقُ بِالْمَسْجِدِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَدْرَسَةٍ ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى ويدل عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُهُ جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ وَيَكُونُ التَّقْيِيدُ فِي

стр. 4402

هَذَا الْحَدِيثِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ يُعْمَلُ بِهِ انْتَهَى قُلْتُ أَرَادَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ حَدِيثَ الْبَابِ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ أَيْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ مُبَاهَاةً وَافْتِخَارًا بِهِمْ بِالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ عَلَيْهِمْ وَبِوَعْدِ الْجَزَاءِ الْجَزِيلِ لَهُمْ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ومسلم وبن مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبو يعلى الموصلي وبن حبان وبن أبي شيبة وبن شَاهِينَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الذِّكْرِ [٣٣٧٩] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بْنِ مِهْرَانَ الْأُمَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (خَرَجَ مُعَاوِيَةُ) بْنُ أَبِي سُفْيَانَ (إِلَى الْمَسْجِدِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ (فَقَالَ مَا يُجْلِسُكُمْ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَا أَجْلَسَكُمْ وَالْمَعْنَى مَا السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَى جُلُوسِكُمْ (قَالَ آللَّهِ) بِالْمَدِّ وَالْجَرِّ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ قِيلَ الصَّوَابُ بِالْجَرِّ لِقَوْلِ الْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ فِي حَاشِيَتِهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَقَعَتْ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ الْقَسَمِ وَيَجِبُ الْجَرُّ مَعَهَا انْتَهَى وَكَذَا صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْمِشْكَاةِ وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِالنَّصْبِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ قِيلَ اللَّهَ بِالنَّصْبِ أَيْ أَتُقْسِمُونَ بِاللَّهِ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَأَوْصَلَ الْفِعْلَ ثُمَّ حَذَفَ الْفِعْلَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (قَالَ) أَيْ مُعَاوِيَةُ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (تُهْمَةً لَكُمْ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ التُّهْمَةُ وَقَدْ تُفْتَحُ الْهَاءُ فُعْلَةٌ مِنَ الْوَهْمِ وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ تَهَمْتُهُ ظَنَنْتُ فِيهِ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ أَيْ مَا أَسْتَحْلِفُكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ بِالْكَذِبِ لَكِنِّي أَرَدْتُ الْمُتَابَعَةَ وَالْمُشَابَهَةَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مَعَ الصَّحَابَةِ وَقَدَّمَ بَيَانَ قُرْبِهِ مِنْهُ ﵊ وَقِلَّةَ نُقْلَتِهِ مِنْ أَحَادِيثِهِ دَفْعًا لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَا يَنْقُلُهُ فَقَالَ (وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي) أَيْ بِمَرْتَبَةِ قُرْبِي (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِهِ مَحْرَمًا لِأُمِّ حَبِيبَةَ أُخْتِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِكَوْنِهِ مِنْ أَجِلَّاءِ كَتَبَةِ الْوَحْيِ (أَقَلَّ) خَبَرُ كَانَ (حَدِيثًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مِنِّي) أَيْ لِاحْتِيَاطِي فِي الْحَدِيثِ وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى مَنْزِلَتِهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ

стр. 4403

(ومن) فعل ماضي مِنَ الْمَنِّ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ أَنْعَمَ (عَلَيْنَا) أَيْ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَقُولِ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله (بِهِ) أَيْ بِالْإِسْلَامِ (فَقَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِخْلَاصَ (قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ لِتُهْمَةٍ لَكُمْ) لِأَنَّهُ خِلَافُ حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ فَالتَّحْلِيفُ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ لَا التُّهْمَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِ التَّحْلِيفِ فَإِنَّ مَنْ لَا يُتَّهَمُ لَا يَحْلِفُ انْتَهَى (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنَّهُ إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ قِيلَ مَعْنَى الْمُبَاهَاةِ بِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي هَؤُلَاءِ كَيْفَ سَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ نُفُوسَهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ وَأَهْوِيَتَهُمْ وَالشَّيْطَانَ وَجُنُودَهُ وَمَعَ ذَلِكَ قَوِيَتْ هِمَّتُهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذِهِ الدَّوَاعِي الْقَوِيَّةِ إِلَى الْبَطَالَةِ وَتَرْكِ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ فَاسْتَحَقُّوا أَنْ يُمْدَحُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ لِأَنَّكُمْ لَا تَجِدُونَ لِلْعِبَادَةِ مَشَقَّةً بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْكُمْ كَالتَّنَفُّسِ مِنْهُمْ فَفِيهَا غَايَةُ الرَّاحَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ لِلنَّفْسِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ (وَأَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عِيسَى) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ رَبِّهِ وَقِيلَ عَمْرٌو ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (بَاب مَا جَاءَ فِي الْقَوْمِ يَجْلِسُونَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ) [٣٣٨٠] قَوْلُهُ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِلَّا كَانَ أَيْ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ

стр. 4404

تِرَةً بِكَسْرِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ تَبِعَةً وَمُعَاتَبَةً أَوْ نُقْصَانًا وَحَسْرَةً مِنْ وَتَرَهُ حَقَّهُ نَقَصَهُ وَهُوَ سَبَبُ الْحَسْرَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَنْ يتركم أعمالكم وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ مِثْلُ عِدَةٍ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ أَيْ بِذُنُوبِهِمُ السَّابِقَةِ وَتَقْصِيرَاتِهِمُ اللَّاحِقَةِ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ أَيْ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ حَتْمًا بَلْ يَغْفِرُ لَهُمْ جَزْمًا وَوَقَعَ فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تِرَةً يَعْنِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ التِّرَةُ هُوَ النَّارُ كَذَا فِي نُسْخَةٍ انْتَهَى مَا فِي هَامِشِهَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ بِهَذَا اللفظ بن أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ مُسْتَجَابَةٌ) لَكِنَّ الْإِجَابَةَ تَتَنَوَّعُ فَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي أَوَاخِرِ الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا الْحَدِيثَ [٣٣٨١] قَوْلُهُ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ أَيْ إِنْ جَرَى فِي الْأَزَلِ تَقْدِيرُ إِعْطَائِهِ مَا سَأَلَ أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ أَيْ دَفَعَ عَنْهُ مِنَ الْبَلَاءِ عِوَضًا مِمَّا مُنِعَ قَدْرَ مَسْئُولِهِ إِنْ لَمْ يَجْرِ التَّقْدِيرُ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَيْ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ اعْلَمْ أَنَّ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ شُرُوطًا مِنْهَا الْإِخْلَاصُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَادْعُوَا اللَّهَ مخلصين له الدين وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا

стр. 4405

وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ طَيِّبَ الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي بَابِ مَنْ يَسْتَعْجِلُ فِي دُعَائِهِ والحديث سكت عنه الترمذي وفي إسناده بن لَهِيعَةَ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ آنِفًا وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيثَ شَتَّى [٣٣٨٢] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْثِيُّ) أَبُو سَلَمَةَ مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي الدُّعَاءِ قَوْلُهُ مَنْ سَرَّهُ أَيْ أَعْجَبَهُ وَفَرِحَ قَلْبُهُ وَجَعَلَهُ مَسْرُورًا أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ جَمْعُ الشَّدِيدَةِ وَهِيَ الْحَادِثَةُ الشَّاقَّةُ وَالْكُرَبِ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ الْكُرْبَةِ وَهِيَ الْغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ وَالْعَافِيَةِ لِأَنَّ مِنْ شِيمَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يُرَيِّشَ السَّهْمَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَيَلْتَجِئَ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ الِاضْطِرَارِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَقَرَّهُ الذِّهَبِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ [٣٣٨٣] قوله أفضل الذكر لا إله إلا الله لِأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالتَّوْحِيدُ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ وَهِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَلِأَنَّهَا أَجْمَعُ لِلْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ وَأَنْفَى لِلْغَيْرِ وَأَشَدُّ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَتَصْفِيَةً لِلْبَاطِنِ وَتَنْقِيَةً لِلْخَاطِرِ مِنْ خُبْثِ النَّفْسِ وَأَطْرَدُ لِلشَّيْطَانِ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لأن الدُّعَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ الْحَاجَةَ وَالْحَمْدُ يَشْمَلُهُمَا فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ يَحْمَدُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ وَالْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ طَلَبُ الْمَزِيدِ وَهُوَ رَأْسُ الشُّكْرِ قَالَ تَعَالَى لئن شكرتم لأزيدنكم وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ بَابِ التَّلْمِيحِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المستقيم وَأَيُّ دُعَاءٍ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ

стр. 4406

وَأَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَشَرْحِ الجامع الصغير للمنادى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن ماجة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ [٣٣٨٤] قَوْلُهُ (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ) بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ الْكُوفِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْفَأْفَأِ أَصْلُهُ مَدَنِيٌّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ وَالنَّصْبِ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ (يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أَيْ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ مُتَطَهِّرًا وَمُحْدِثًا وَجُنُبًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَمَاشِيًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الذِّكْرُ فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَفِي حَالَةِ الْجِمَاعِ فيكون الحديث مخصوصا بما سوى هذا الْأَحْوَالِ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ التَّيَمُّمِ يُكْرَهُ لِلْقَاعِدِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذْكَارِ فَلَا يُسَبِّحُ وَلَا يُهَلِّلُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَلَا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَطَسَ وَلَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَكَذَلِكَ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ فِي حَالِ الْجِمَاعِ وَإِذَا عَطَسَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ الذِّكْرِ فِي حَالِ الْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيَةٍ لَا تَحْرِيمٍ فَلَا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ الْكَلَامُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ كَمَا إِذَا رأى ضريرا يكاد أَنْ يَقَعَ فِي بِيرٍ أَوْ رَأَى حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَقْصِدُ إِنْسَانًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ الْكَرَاهَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ هو مذهبنا ومذهب الأكثرين وحكاه بن المنذر عن بن عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعِكْرِمَةَ ﵃ وحكى عن ابراهيم النخعي وبن سيرين أنهما قالا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ومسلم وأبو داود وبن مَاجَهْ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (وَالْبَهِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُقَالُ اسْمُ أَبِيهِ يَسَارٌ صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ الثَّالِثَةِ

стр. 4407

١٠ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الدَّاعِيَ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ) [٣٣٨٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ) قَالَ الحافظ صوابه بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الْوَشَّاءُ (حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ قَطَنٍ الْقُطَعِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ مَاتَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ (عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ) هُوَ حمزة بن حبيب القارىء أَبُو عُمَارَةَ الْكُوفِيُّ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ زَاهِدٌ رُبَّمَا وَهَمَ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَنْجَوَيْهِ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ بِالْقِرَاءَاتِ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ فَضْلًا وَعِبَادَةً وَوَرَعًا وَنُسُكًا وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ مِنَ الْكُوفَةِ قَوْلُهُ (فَدَعَا لَهُ) أَيْ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ (بَدَأَ بِنَفْسِهِ) جَزَاءً إِذَا ذَكَرَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِ قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ وَلَفْظُهُ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بدأ بنفسه قال وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقِيلَ أَنَّهُ ﷺ دعا لغير نبي قلم يَبْدَأْ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بروح القداس يريد حسان بن ثابت وحديث بن عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ مَعَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ لَمْ يَطَّرِدْ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ دَعَا لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَبْدَأْ بِنَفْسِهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ قُلْتُ فَظَهَرَ أَنَّ بُدَاءَتَهُ ﷺ بِنَفْسِهِ عِنْدَ ذِكْرِ أَحَدٍ وَالدُّعَاءِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ اللَّازِمَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ

стр. 4408

١١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الدعاء) [٣٣٨٦] قوله (حدثنا حَمَّادُ بْنُ عِيسَى الْجُهَنِيُّ) لَقَبُهُ غَرِيقُ الْجُحْفَةِ فَإِنَّهُ غَرَقَ بِالْجُحْفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ ضَعِيفٌ وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو حَاتِمٍ والدَّارَقُطْنِيُّ وَلَمْ يَتْرُكْهُ قَوْلُهُ (لَمْ يَحُطَّهُمَا) أَيْ لَمْ يَضَعْهُمَا (حَتَّى يمسح بهما وجهه) قال بن الْمَلَكِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ فَكَأَنَّ كَفَّيْهِ قَدْ مُلِئَتَا مِنَ الْبَرَكَاتِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَقَالَ فِي السُّبُلِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الدُّعَاءِ وَقِيلَ وَكَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَا يَرُدُّهُمَا صِفْرًا فَكَأَنَّ الرَّحْمَةَ أَصَابَتْهُمَا فَنَاسَبَ إِفَاضَةَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ وَأَحَقُّهَا بِالتَّكْرِيمِ انْتَهَى وَقَدْ وَرَدَ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الدُّعَاءِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ كَمَا عَرَفْتَ فِي بَابِ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ لَا أَصْلُ الرَّفْعِ قَالَ الْحَافِظُ مَا حَاصِلُهُ إِنَّ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يُخَالِفُ غَيْرَهُ إِمَّا بِالْمُبَالَغَةِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْيَدَانِ حَذْوَ الْوَجْهِ مَثَلًا وَفِي الدُّعَاءِ إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يُرَى بياض إبطيه بل يجمع بأن تكون رِوَايَةُ الْبَيَاضِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَبْلَغَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ وَإِمَّا أَنَّ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَلِيَانِ الْأَرْضَ وَفِي الدُّعَاءِ يَلِيَانِ السَّمَاءَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَبِتَقْدِيرِ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ فَجَانِبُ الْإِثْبَاتِ أَرْجَحُ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِلَخْ) وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ عِيسَى وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي بلوغ المرام وله شواهد منها حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَمَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حديث حسن انتهى

стр. 4409

١٢ - (باب ما جاء في من يَسْتَعْجِلُ فِي دُعَائِهِ) [٣٣٨٧] قَوْلُهُ يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ أَيْ بَعْدَ شُرُوطِ الْإِجَابَةِ مَا لَمْ يُعَجِّلْ مَا ظَرْفُ يُسْتَجَابُ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ أَيْ مُدَّةِ كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَعْجِلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي هَذَا بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْعَجَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (وَأَبُو عُبَيْدٍ اسْمُهُ سَعْدُ) بْنُ عُبَيْدٍ الزُّهْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَقِيلَ لَهُ إِدْرَاكٌ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ ما لم يستعجل قال يا بني اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى أَيْضًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَرُوَاتُهُمَا مُحْتَجٌّ بهم في الصحيح إلا أبا هلال الراسي انْتَهَى ٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى) [٣٣٨٨] قَوْلُهُ (عَنْ أَبَانٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ يُصْرَفُ لِأَنَّهُ فَعَالٌ وَيُمْنَعُ لِأَنَّهُ أَفْعَلُ وَالصَّحِيحُ

стр. 4410

الْأَشْهَرُ الصَّرْفُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ أَيْ فِي أَوَائِلِهِمَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ الصُّبْحُ الْفَجْرُ أَوْ أَوَّلُ النَّهَارِ وَهُوَ الصَّبِيحَةُ وَالصَّبَاحُ وَالْإِصْبَاحُ وَالْمُصْبِحُ وَالْمَسَاءُ ضِدُّ الصَّبَاحِ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ أَسْتَعِينُ أَوْ أَتَحَفَّظُ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ أَيْ مَعَ ذِكْرِهِ بِاعْتِقَادٍ حَسَنٍ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ وَلَا فِي السَّمَاءِ أَيْ مِنَ الْبَلَاءِ النَّازِلِ مِنْهَا وَهُوَ السَّمِيعُ أَيْ بِأَقْوَالِنَا الْعَلِيمُ أَيْ بِأَحْوَالِنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ظَرْفُ يَقُولُ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ بِالنَّصْبِ جَوَابُ مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ الطِّيبِيُّ وَبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ هُنَا كَهِيَ فِي قَوْلِهِ لَا يَمُوتُ لِمُؤْمِنٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَيْ لَا يَجْتَمِعُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْمَضَرَّةِ كَمَا لَا يَجْتَمِعُ مَسُّ النَّارِ مَعَ مَوْتِ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْوَلَدِ بِشَرْطِهِ (وَكَانَ أَبَانٌ) بِالْوَجْهَيْنِ (قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فالج) أي نوع منه وهو يفتح اللَّامِ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيِ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ (فَجَعَلَ الرَّجُلُ) أَيِ الْمُسْتَمِعُ (يَنْظُرُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى أَبَانٍ تَعَجُّبًا (مَا تَنْظُرُ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ إِلَيَّ قال الطيبي ما هي استفهامية وصلتها محذوفة وتنظر إلى حال أي مالك تَنْظُرُ إِلَيَّ (أَمَا) لِلتَّنْبِيهِ وَقِيلَ بِمَعْنَى حَقًّا (وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ) أَيْ مَا قَدَّرَ اللَّهُ لِي أَنْ أَقُولَهُ (يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ مُقَدَّرَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْقَوْلِ وَلَيْسَ بِغَرَضٍ لَهُ كَمَا فِي قَعَدْتُ عَنِ الْحَرْبِ حِينًا وَقِيلَ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَاقِبَةِ كَمَا فِي قوله لدوا للموت وأبنوا للخراب ذكره القارىء وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مالك تَنْظُرُ إِلَيَّ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن ماجة وبن حبان والحاكم وبن أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي رِوَايَتِهِ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ [٣٣٨٩] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) السُّكُونِيُّ (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ) الْعَبْسِيِّ مَوْلَاهُمْ

стр. 4411

الْبَقَّالِ الْكُوفِيِّ الْأَعْوَرِ ضَعِيفٌ مُدَلِّسٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ أَيْ بِقَضَائِهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ أَيْ بِأَحْكَامِهِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ أَيْ بِمُتَابَعَتِهِ نَبِيًّا وَالْمَنْصُوبَاتُ تَمْيِيزَاتٌ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَالَاتٍ مُؤَكَّدَاتٍ وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ هُوَ خَبَرُ كَانَ أَنْ يُرْضِيَهُ مِنَ الْإِرْضَاءِ أَيْ يُعْطِيَهُ ثَوَابًا جَزِيلًا حَتَّى يَرْضَى وَهُوَ اسْمُ كَانَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ [٣٣٩٠] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا جَرِيرُ) بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) النَّخَعِيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ) النَّخَعِيِّ ثِقَةٌ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّسَائِيَّ ضَعَّفَهُ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ قَوْلُهُ أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ أَيْ دَخَلْنَا فِي الْمَسَاءِ وَدَخَلَ فِيهِ الْمُلْكُ كَائِنًا لِلَّهِ وَمُخْتَصًّا بِهِ أَوِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ أَيْ أَمْسَيْنَا وَقَدْ صَارَ بِمَعْنَى كَانَ وَدَامَ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلَى أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ أَيْ صِرْنَا نَحْنُ وَجَمِيعُ الْمُلْكِ وجميع الحمد لله انتهى قال القارىء أَيْ عَرَفْنَا فِيهِ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَأَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُسْتَقِلَّةً وَالتَّقْدِيرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ وَحْدَهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَيْ مُنْفَرِدًا بِالْأُلُوهِيَّةِ أُرَاهُ قَالَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَيْ أَظُنُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُوَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ إِلَخْ وَقَائِلُ أُرَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ الْحَسَنُ فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْدُ أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ إِلَخْ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَزَادَنِي فِيهِ زُبَيْدٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ خَيْرَ مَا يَنْشَأُ فِيهَا وَخَيْرَ مَا يَسْكُنُ فِيهَا قَالَ تَعَالَى وَلَهُ ما سكن في الليل وقال بن حَجَرٍ أَيْ مَا أَرَدْتَ وُقُوعَهُ فِيهَا لِخَوَاصِّ خَلْقِكَ مِنَ الْكَمَالَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَخَيْرَ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا فِيهَا أَوِ الْمُرَادُ خَيْرُ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي قَارَنَ وُجُودُهَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَخَيْرُ كُلِّ مَوْجُودٍ الْآنَ

стр. 4412

وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا أَيْ مِنَ اللَّيَالِي أَوْ مُطْلَقًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ التَّثَاقُلِ فِي الطَّاعَةِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ الْكَسَلُ التَّثَاقُلُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي التَّثَاقُلُ عَنْهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِعَدَمِ انْبِعَاثِ النَّفْسِ لِلْخَيْرِ مَعَ ظُهُورِ الِاسْتِطَاعَةِ وَسُوءِ الْكِبْرِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي رُوِّينَاهُ الْكِبْرَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا فَالْإِسْكَانُ بِمَعْنَى التَّعَاظُمِ عَلَى النَّاسِ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الْهَرَمِ والخوف والرد إلى أر ذل الْعُمُرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قَالَ الْقَاضِي وهذا أظهر وأشهر بما قَبْلَهُ قَالَ وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَبِالْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَصَوَّبَ الْفَتْحَ وَتُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ وَسُوءِ الْعُمُرِ انْتَهَى وَإِذَا أَصْبَحَ أَيْ دَخَلَ ﷺ فِي الصَّبَاحِ قَالَ ذَلِكَ أَيْ مَا يَقُولُ فِي الْمَسَاءِ أَيْضًا أَيْ لَكِنْ يَقُولُ بَدَلَ أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَيُبْدِلُ الْيَوْمَ بِاللَّيْلَةِ فَيَقُولُ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ وَيُذَكِّرُ الضَّمَائِرَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ (هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن أَبِي شَيْبَةَ [٣٣٩١] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ) بْنِ نَجِيحٍ السَّعْدِيُّ قَوْلُهُ إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا الْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ أَصْبَحْنَا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ أَصْبَحْنَا مُلْتَبِسِينَ بِحِفْظِكَ أَوْ مَغْمُورِينَ بِنِعْمَتِكَ أَوْ مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِكَ أَوْ مُسْتَعِينِينَ بِاسْمِكَ أَوْ مَشْمُولِينَ بِتَوْفِيَتِكَ أَوْ مُتَحَرِّكِينَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ أَوْ مُتَقَلِّبِينَ بِإِرَادَتِكَ وقدرتك وبك نحي وَبِكَ نَمُوتُ أَيْ أَنْتَ تُحْيِينَا وَأَنْتَ تُمِيتُنَا يَعْنِي يَسْتَمِرُّ حَالُنَا عَلَى هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَإِلَيْكَ لَا إِلَى غَيْرِكَ الْمَصِيرُ أَيِ الْمَرْجِعُ بِالْبَعْثِ وَإِذَا أَمْسَى عَطْفٌ عَلَى إِذَا أَصْبَحَ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا بِتَقْدِيمِ أَمْسَيْنَا وَإِلَيْكَ النُّشُورُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ بقال نُشِرَ الْمَيِّتُ يُنْشَرُ نُشُورًا إِذَا عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ نَشَرَهُ اللَّهُ أَيْ أَحْيَاهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو عَوَانَةَ

стр. 4413

١٤ - بَاب مِنْهُ [٣٣٩٢] قَوْلُهُ (عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ) الْعَامِرِيِّ الطَّائِفِيِّ (سَمِعْتُ عَمْرَو بْنِ عَاصِمِ) بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيَّ الْحِجَازِيَّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَيْ مَا غَابَ مِنَ الْعِبَادِ وَظَهَرَ لَهُمْ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ مُخْتَرِعَهُمَا وَمُوجِدَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ رب كل شيء مليكه فعيل بمعنى فاعل للمبالغة كالتقدير بِمَعْنَى الْقَادِرِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي أَيْ مِنْ ظُهُورِ السَّيِّئَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي جُبِلَتِ النَّفْسُ عَلَيْهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ أَيْ وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَإِضْلَالِهِ وَشِرْكِهِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَيُرْوَى بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مَصَائِدِهِ وَحَبَائِلِهِ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِهَا النَّاسُ وَالْإِضَافَةُ عَلَى الْأَوَّلِ إِضَافَةُ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَوِيَّةٌ وَالْعَطْفُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ قُلْهُ أَيْ قُلْ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وبن حبان والحاكم وبن أَبِي شَيْبَةَ ٥ - بَاب مِنْهُ [٣٣٩٣] قَوْلُهُ (عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ) الْأَسْلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ السَّيِّدِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرَّئِيسُ الَّذِي يُقْصَدُ فِي

стр. 4414

الْحَوَائِجِ وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ خَلَقْتَنِي اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلتَّرْبِيَةِ وَأَنَا عَبْدُكَ أَيْ مَخْلُوقُكَ وَمَمْلُوكُكَ وَهُوَ حَالٌ كَقَوْلِهِ (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) أَيْ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِ الْمِيثَاقِ وَأَنَا مُوقِنٌ بِوَعْدِكَ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالتَّلَاقِ مَا اسْتَطَعْتُ أَيْ بِقَدْرِ طَاقَتِي وَقِيلَ أَيْ أَنَا عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ وَوَعَدْتُكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ والإخلاص من طَاعَتِكَ أَوْ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَاهَدْتَ إلَيَّ مَنْ أَمْرِكَ وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُتَنَجِّزٌ وَعْدَكَ فِي الْمَثُوبَةِ وَالْأَجْرِ عَلَيْهِ وَاشْتِرَاطِ الِاسْتِطَاعَةِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ كُنْهِ الْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَيْ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَلَكِنْ أَجْتَهِدُ بِقَدْرِ طَاقَتِي وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ أَيْ أَعْتَرِفُ بِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ باء بحقه أي أقربه وَأَصْلُهُ الْبَوَاءُ وَمَعْنَاهُ اللُّزُومُ وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلًا إِذَا أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ وَأَعْتَرِفُ بِذُنُوبِي قَالَ الطِّيبِيُّ اعْتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ النِّعَمِ ثُمَّ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِأَدَاءِ شُكْرِهَا ثُمَّ بَالَغَ فَعَدَّهُ ذَنْبًا مُبَالَغَةً فِي هَضْمِ النَّفْسِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَبُوءُ لَكَ بذنبي اعتراف بِوُقُوعِ الذَّنْبِ مُطْلَقًا لِيَصِحَّ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ لَا أَنَّهُ عَدَّ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ ذَنْبًا لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَيْ مَا عَدَا الشِّرْكَ لَا يَقُولُهَا أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ إِلَخْ الْمُرَادُ مِنَ الْقَدَرِ الْمَوْتُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ قِيلَ الْمُؤْمِنُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَدْخُلُهَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ دُخُولِ النَّارِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُوقِنَ بِحَقِيقَتِهَا الْمُؤْمِنَ بِمَضْمُونِهَا لَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهُ بِبَرَكَةِ هَذَا الِاسْتِغْفَارِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن أبي هريرة وبن عمر وبن مسعود وبن أَبْزَى وَبُرَيْدَةَ) أَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود والنسائي وبن ماجة وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْبَاقِينَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 4415

١٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ) [٣٣٩٤] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ) السَّبِيعِيِّ قَوْلُهُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ أَيْ إِذَا أَتَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ لِلنَّوْمِ أَصَبْتَ خَيْرًا أَيْ خَيْرًا كَثِيرًا أَوْ خَيْرًا فِي الدَّارَيْنِ أَسْلَمْتُ أَيْ أَخْلَصْتُ نَفْسِي أَيْ ذَاتِي إِلَيْكَ أَيْ مَائِلَةً إِلَى حُكْمِكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي أَيْ وِجْهَتِي وَتَوَجُّهِي وَقَصْدَ قَلْبِي وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي أَحَادِيثَ شَتَّى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا [٣٣٩٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائي اليمامي (عن يحيى بن إسحاق بن أَخِي رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) قَالَ الْحَافِظُ يَحْيَى بن إسحاق ويقال بن أبي
следующие страницы →