Полный текст (4 464 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ يَسِيرٌ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ كَثِيرٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا بُدَّ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَهِمَهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ، فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ فَيَسِيرٌ. قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ، أَوْ الْقَائِمُ عَنْ قِيَامِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَثِيرًا، (فَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ نَوْمٍ لَمْ يَنْقُضْ، لِتَيَقُّنِهِ) الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي نَقْضِهَا.
(وَيَنْقُضُ نَوْمٌ يَسِيرٌ مِنْ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ) ، كَمُضْطَجِعٍ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْجَالِسِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ بِخِلَافِ الْجَالِسِ، (وَ) يَنْقُضُ الْيَسِيرُ أَيْضًا مِنْ (مُسْتَنِدٍ، وَمُتَّكِئٍ وَمُحْتَبِي كَمُضْطَجِعٍ) بِجَامِعِ الِاعْتِمَادِ.
(الرَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (مَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ) دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا (مُتَّصِلٍ) : صِفَةٌ لِفَرْجٍ، فَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ مُنْفَصِلٍ، لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ بِقَطْعِهِ، (أَصْلِيٍّ) : صِفَةٌ أَيْضًا، فَلَا يَنْقُضُ مَسُّ زَائِدٍ، وَلَا أَحَدُ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ (بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ الْمَمْسُوسُ (دُبُرًا، أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ فَرْجُهُ (مَيِّتًا) لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ، (أَوْ) كَانَ الْفَرْجُ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَحُرْمَتِهِ، لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ
стр. 142
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ " وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ. وَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ - ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ " قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُؤَسِّسُ فِي الْمَسْجِدِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ. (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُلْفَةً) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَحَرُّكُ - جِلْدَةِ الذَّكَرِ، لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الذَّكَرِ وَحُرْمَتِهِ مَا اتَّصَلَتْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ أَصْلِيٌّ فَيَنْقُضُ مَسُّهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ زَائِدٌ، (أَوْ) كَانَ مَسُّ غَيْرِ خُنْثَى مِنْ خُنْثَى (لِشَهْوَةٍ مَا لِلَّامِسِ مَثَلُهُ) بِأَنْ مَسَّ ذَكَرٌ ذَكَرَ خُنْثَى لِشَهْوَةٍ، أَوْ أُنْثَى قُبُلَهُ الَّذِي يُشْبِهُ فَرْجَهَا لِشَهْوَةٍ، فَيُنْقَضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ، لِتَحَقُّقِ النَّقْضِ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا نَقْضَ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ مَسَّ خُنْثَى قُبُلَيْ خُنْثَى آخَرَ أَوْ قُبُلَيْ نَفْسِهِ؛ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِتَيَقُّنِ النَّقْضِ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا فَلَا. وَمَسُّ دُبُرِهِ كَدُبُرِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَصْلِيٌّ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ خُنْثَى، وَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ، وَلَمَسَ الْآخَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ أَوْ فَائِتَةً لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا دُونَ الْوُضُوءِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (أَوْ) كَانَ الْمَسُّ مِمَّنْ (لَمْ يُتَعَمَّدْ) فَيُنْقَضُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ:
стр. 143
(بِيَدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَسِّ، وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعَ (إلَى كُوعٍ) ؛ فَلَا نَقْضَ إذَا مَسَّهُ بِغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ» وَلِأَنَّ غَيْرَ الْيَدِ لَيْسَ بِآلَةِ اللَّمْسِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْيَدُ (زَائِدَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَهْرِهَا وَحَرْفِهَا، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا أَشْبَهَ بَطْنَهَا، (خَلَا ظُفْرٍ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ. (وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ مَحَلِّ فَرْجٍ بَائِنٍ) أَيْ: مَحَلِّ ذَكَرٍ مَقْطُوعٍ مِنْ مَحَلِّ أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ كَسَائِرِ الْبَدَنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرًا، وَكَذَا مَسُّ الْبَائِنِ لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ. (وَلَا) نَقْضَ (بِ) مَسِّ (الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ) مَسِّ (مَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ) ، لِعَدَمِ إطْلَاقِ الْفَرْجِ عَلَى ذَلِكَ (أَوْ) أَيْ: وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ (فَرْجِ بَهِيمَةٍ، أَوْ شُفْرَيْ أُنْثَى، وَهُمَا) : إسْكَتَاهَا، أَيْ: (حَافَّتَا فَرْجِهَا) ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْفَرْجِ (بَلْ) يَحْصُلُ النَّقْضُ (بِ) مَسِّ (مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ وَحَيْضٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ
وَالْفَرْجُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَيْهِ وَكَالذَّكَرِ.
(وَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ) بِعُضْوٍ (غَيْرَ يَدٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (إلَّا بِمَسِّ) رَجُلٍ (ذَكَرَهُ فَرْجَهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ (أَوْ) بِمَسِّ (دُبُرِهِمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ، (أَوْ) بِمَسِّهَا (هِيَ) ، أَيْ الْمَرْأَةِ (بِهِمَا) - أَيْ: بِقُبُلِهَا أَوْ دُبُرِهَا - (ذَكَرَهُ) أَيْ: الرَّجُلِ فَيُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِمَسِّ ذَكَرٍ بِذَكَرٍ، وَلَا دُبُرٍ بِدُبُرٍ، وَلَا قُبُلِ امْرَأَةٍ بِقُبُلِ أُخْرَى، أَوْ دُبُرِهَا.
(الْخَامِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (لَمْسُ ذَكَرٍ لِأُنْثَى) بِشَهْوَةٍ بِلَا حَائِلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَخَصَّ بِمَا إذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا «قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 144
- ﷺ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَنَصْبُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي. وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَمْزَهُ رِجْلَيْهَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلِأَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي يَدْعُو إلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ حَالُ الشَّهْوَةِ. (أَوْ) لَمْسُ (أُنْثَى لِذَكَرٍ) بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا (بِشَهْوَةٍ) ، لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجِمَاعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ، يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ. (بِلَا حَائِلٍ) لِأَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ لَمْ يَلْمِسْ بَشَرَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابَهَا بِشَهْوَةٍ، وَالشَّهْوَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ لَمْسِ شَيْءٍ، (وَلَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (بِ) عُضْوٍ (زَائِدٍ لِزَائِدٍ) كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ أَوْ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ كَالْأَصْلِيِّ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِعُضْوٍ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ أَوْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (لِمَيِّتٍ) لِلْعُمُومِ، وَكَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِوَطْءِ الْمَيِّتِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِ (هَرِمٍ) أَوْ (مَحْرَمٍ) ، لِمَا سَبَقَ.
وَ (لَا) يَنْقُضُ لَمْسٌ مُطْلَقًا (لِشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ، وَلَا اللَّمْسُ بِذَلِكَ) ، أَيْ: السِّنِّ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ، لِأَنَّهَا تَنْفَصِلُ فِي حَالِ السَّلَامَةِ أَشْبَهَ لَمْسَ الدَّمْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَنَحْوُهُ أَوْقَعَ بِهَا، (وَلَا) يَنْقُضُ لَمْسُ (مَنْ) لَهَا أَوْ لَهُ (دُونَ سَبْعٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، (وَلَا) لَمْسُ (الرَّجُلِ الْأَمْرَدِ) وَهُوَ: الشَّابُّ طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، وَلَوْ لِشَهْوَةٍ (أَوْ) لَمْسُ (امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ) وَلَوْ لِشَهْوَةٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، (وَلَا إنْ وُجِدَ مَمْسُوسُ فَرْجٍ أَوْ مَلْمُوسُ بَدَنٍ بِشَهْوَةٍ) يَعْنِي: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ
стр. 145
مَمْسُوسِ فَرْجِهِ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، وَلَا وُضُوءُ مَمْسُوسِ بَدَنِهِ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، بَلْ يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِالْمَاسِّ وَاللَّامِسِ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُمَا (وَيَتَّجِهُ نَقْضُ) وُضُوءِ (كُلٍّ) مَنْ مُتَلَامِسَيْنِ (لَوْ تَلَامَسَا مَعًا) لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا نَقْضَ) أَيْضًا (بِانْتِشَارٍ عَنْ فِكْرٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ) ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، (وَ) لَا (بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ) لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ، (وَلَا) مَسِّ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، (وَلَا بِلَمْسِهِ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (رَجُلًا) فَقَطْ (أَوْ امْرَأَةً) فَقَطْ وَلَوْ لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (فَلَوْ لَمَسَ) الْخُنْثَى (كُلًّا مِنْهُمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (بِشَهْوَةٍ، أَوْ لَمَسَاهُ) - أَيْ: لَمَسَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْخُنْثَى - (لَهَا) - أَيْ: لِلشَّهْوَةِ - (انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (فِي الْأُولَى) - أَيْ: فِي لَمْسِهِ لَهَا بِشَهْوَةٍ - (وَ) انْتَقَضَ (وُضُوءُ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (لَا بِعَيْنِهِ فِي الثَّانِيَةِ) ، وَهِيَ لَمْسُهُمَا لِلْخُنْثَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهَا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ لَمَسَهَا رَجُلٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
(السَّادِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (غُسْلُ مَيِّتٍ) صَغِيرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، (أَوْ) غُسْلُ (بَعْضِهِ) الْمُتَّصِلِ بِهِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ، فَلَوْ غَسَلَ يَدَ مَيِّتٍ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَا إنْ غَسَلَ يَدَ سَارِقٍ، لِأَنَّهَا بَعْضُ حَيٍّ،
стр. 146
(وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (كَافِرًا) مَعَ تَحْرِيمِ غُسْلِهِ، (أَوْ) كَانَ (فِي قَمِيصٍ) فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ غَاسِلِهِ، (لَا بِتَيَمُّمِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - لِعُذْرٍ اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ (وَغَاسِلُهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ -: (مَنْ يُقَلِّبُهُ وَيُبَاشِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ) وَنَحْوَهُ. .
(السَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (أَكْلُ لَحْمِ إبِلٍ) عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ، (وَلَوْ) كَانَ (نِيئًا) ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَدَعْوَى النَّسْخِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَرْدُودَةٌ، وَقَدْ أَطَالَ فِيهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
وَإِبِلٌ بِكِسْرَتَيْنِ، وَتُسْكَنُ الْبَاءُ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَاحِدٌ يَقَعُ عَلَى الْجَمْعِ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَلَا اسْمِ جَمْعٍ، وَجَمْعُهُ: آبَالٌ. (تَعَبُّدًا) ، أَيْ: لَا عَنْ حَدَثٍ - فَلَا يُعَلَّلُ وَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَقَفَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ قَالَهُ الدَّنَوْشَرِيُّ.
(فَلَا نَقْضَ بِ) تَنَاوُلِ (بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا) - أَيْ: الْإِبِلِ - (كَسَنَامٍ وَكَبِدٍ) وَقَلْبٍ (وَكِرْشٍ) وَطِحَالٍ وَمُصْرَانٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، (وَلَا) نَقْضَ (بِشُرْبِ لَبَنٍ وَ) شُرْبِ (مَرَقِ لَحْمٍ) لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي اللَّحْمِ.
(الثَّامِنُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (الرِّدَّةُ) عَنْ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَقَوْلِهِ ﷺ : «الطَّهُورُ شَطْرُ
стр. 147
الْإِيمَانِ» وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْإِيمَانَ.
(وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا) أَوْجَبَ وُضُوءًا (إلَّا الْمَوْتَ) فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ بَلْ يُسَنُّ لَهُ.
(فِيمَا مَرَّ) مِنْ الْمَسَائِلِ (نَوَاقِضُ مُشْتَرَكَةٌ) بَيْنَ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ، (وَ) أَمَّا النَّوَاقِضُ (الْمُخْتَصَّةُ: كَزَوَالِ عُذْرٍ نَحْوِ مُسْتَحَاضَةٍ، وَخُرُوجِ وَقْتِ تَيَمُّمٍ، وَبُطْلَانِ مَسْحٍ) عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (بِفَرَاغِ مُدَّةٍ أَوْ خَلْعِ مَمْسُوحٍ، وَبُرْءِ جَبِيرَةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى مَاءٍ بَعْدَ عَدَمِهَا) - أَيْ: الْقُدْرَةِ - (وَوُجُودُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (لِعَادِمِهِ وَغَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ ذَلِكَ - (فَمَذْكُورٌ فِي أَبْوَابِهِ) فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْحِ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّيَمُّمِ يَأْتِي فِي بَابِهِ. .
(وَلَا نَقْضَ بِكَلَامٍ) مُحَرَّمٍ: كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَنَحْوِهَا بَلْ يُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، (وَ) لَا بِأَكْلِ (طَعَامٍ) مُحَرَّمٍ، (وَ) لَا بِأَكْلِ (لَحْمٍ مُحَرَّمٍ بَلْ يُسَنُّ) الْوُضُوءُ لِذَلِكَ، (وَلَا) نَقْضَ (بِإِزَالَةِ نَحْوِ شَعْرٍ) كَسِنٍّ (وَظُفْرٍ) ، خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوْ مَسْحَهُ أَصْلٌ لَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ.
(وَلَا) نَقْضَ (بِقَهْقَهَةٍ) وَلَوْ (فِي صَلَاةٍ) ، وَهِيَ: أَنْ يَضْحَكَ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ ضَحِكِهِ حَرْفَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَلَا) نَقْضَ (بِ) أَكْلِ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
(وَلَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءٌ لِذَلِكَ) ، أَيْ: لِإِزَالَةِ نَحْوِ الشَّعْرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
стр. 148
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ]
(فَصْلٌ) فِي مَسَائِلَ مِنْ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ (وَمَنْ شَكَّ) - أَيْ: تَرَدَّدَ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": الشَّكُّ: خِلَافُ الْيَقِينِ - (فِي طَهَارَةٍ) بَعْدَ يَقِينِ حَدَثٍ (أَوْ) شَكَّ فِي (حَدَثٍ) بَعْدَ يَقِينِ طَهَارَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ شَكُّهُ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأُولَى، وَالْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إلَى الْيَقِينِ (وَلَوْ عَارَضَهُ ظَنٌّ) ، لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ، وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ كَمَا فِي " الْقَامُوسِ " قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّوْضَةِ: الْيَقِينُ مَا أَذْعَنَتْ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فِي تَسْمِيَتِهِ مَا هُنَا يَقِينًا بَعْدَ وُرُودِ الشَّكِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ، نَعَمْ كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ الْآنَ شَكًّا، فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ السَّابِقَةُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى صِفَتِهِ اللَّاحِقَةِ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ السَّابِقِ لِمَا قَارَنَهُ مِنْ الْيَقِينِ، وَتَقْدِيمًا لَهُ عَلَى الْوَصْفِ اللَّاحِقِ لِنُزُولِهِ عَنْ دَرَجَتِهِ.
(وَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) - أَيْ: الْحَدَثَ وَالطَّهَارَةَ - بِالْمَعْنَى الْوَصْفِيِّ لَا الْفِعْلِيِّ، لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا سَيَأْتِي، أَيْ: تَيَقَّنَ كَوْنَهُ اتَّصَفَ بِالْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ بَعْدَ الشُّرُوقِ مَثَلًا، (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا) بِأَنْ
стр. 149
لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، (فَإِنْ جَهِلَ قَبْلَهُمَا) ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ مُتَطَهِّرًا قَبْلَ الشُّرُوقِ، (تَطَهَّرَ) وُجُوبًا إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، لِتَيَقُّنِهِ الْحَدَثَ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، لِأَنَّ وُجُودَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى مَشْكُوكٌ فِيهِ أَكَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ هُنَا، (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَجْهَلْ قَبْلَهُمَا بَلْ عَلِمَهَا (فَهُوَ عَلَى ضِدِّهَا) : فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَمُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَمُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ زَوَالَ تِلْكَ الْحَالِ إلَى ضِدِّهَا، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، لِأَنَّ مَا يُغَيِّرُهُ مَشْكُوكٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، (وَإِنْ عَلِمَهَا) - أَيْ: قَبْلَهُمَا (لَكِنْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا) - أَيْ: الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ - حَالَ كَوْنِ فِعْلِ الطَّهَارَةِ (رَفْعًا لِلْحَدَثِ، وَ) حَالَ كَوْنِ فِعْلِ الْحَدَثِ (نَقْضًا لِطَهَارَةٍ) ، فَهُوَ عَلَى مِثْلِهَا: فَإِنْ كَانَ قَبْلُ مُتَطَهِّرًا فَمُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ لِتَيَقُّنِ كَوْنِ طَهَارَتِهِ عَنْ حَدَثٍ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلُ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى طَهَارَةٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي طَهَارَةً، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَهُمَا تَطَهَّرَ لِمَا سَبَقَ، (أَوْ عَيَّنَ) لِفِعْلِ طَهَارَةٍ وَحَدَثٍ (وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا فَهُوَ عَلَى مِثْلِهَا) ، أَيْ: مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهَا، لِسُقُوطِ هَذَا الْيَقِينِ لِلتَّعَارُضِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَهُمَا تَطَهَّرَ، (فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا، وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (وَ) جَهِلَ أَيْضًا (أَسْبَقَهُمَا) ، فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا إنْ عَلِمَهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمُتَطَهِّرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ صَرِيحَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ
стр. 150
الصُّورَةِ مُوَافَقَةً لَهُ فِيمَا بَعْدَهَا، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَجَوَابُ قَوْلِهِ: فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا وَأَسْبَقَهُمَا فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا، فَلْيَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ. وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً وَفِعْلَ حَدَثٍ فَقَطْ، أَيْ: دُونَ كَوْنِهَا عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا، فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا وَفِعْلَ طَهَارَةٍ فَقَطْ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا، فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَيَقَّنَهُ كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّارِئُ، (أَوْ) أَيْ: وَإِنْ (تَيَقَّنَ أَنْ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا) وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا، (فَمُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا) مُحْدِثًا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ مُتَطَهِّرًا، لِتَيَقُّنِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهِ بَعْدَهَا، (وَعَكْسُ هَذِهِ) الصُّورَةِ: بِأَنَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (بِعَكْسِهَا) ، فَيَكُونُ مُحْدِثًا مُطْلَقًا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْدِثًا أَوْ مُتَطَهِّرًا، لِتَيَقُّنِهِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ، وَشَكِّهِ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الشَّكُّ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مُطْلَقًا.
(وَلَا وُضُوءَ عَلَى سَامِعَيْ صَوْتِ) رِيحٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، (أَوْ شَامَّيْ رِيحٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ مِنْهُ فَهُوَ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (وَلَا) وُضُوءَ (إنْ مَسَّ وَاحِدٌ ذَكَرَ خُنْثَى وَ) مَسَّ (آخَرُ فَرْجَهُ) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَسَّ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْفَرْجَيْنِ، (وَإِنْ أَمَّ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: أَحَدُ اثْنَيْنِ وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ - (الْآخَرَ، أَوْ صَافَّهُ وَحْدَهُ؛ أَعَادَا) صَلَاتَهُمَا، لِتَيَقُّنِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُحْدِثٌ، فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا إعَادَةَ لِانْتِفَاءِ الْفَذِّيَّةِ، وَإِنْ أَمَّهُ مَعَ آخَرَ أَعَادَ الْمُؤْتَمُّ مِنْهُمَا صَلَاتَهُ، (وَلَا) يُعِيدَا صَلَاتَهُمَا (إنْ تَوَضَّأَ) ، أَيْ: إنْ تَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْهُمَا، لِزَوَالِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا لِأَجْلِهِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ (أَحَدُهُمَا) ، وَأَمَّ الْآخَرَ أَوْ ائْتَمَّ بِهِ صَحَّ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ،
стр. 151
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَحْدَثَ مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَوَضَّأْ، (أَوْ صَافَّهُ) ، أَيْ: صَافَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (مَعَ) مَأْمُومٍ (ثَالِثٍ) فَلَا يُعِيدُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ صَلَاتَهُ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِ مَا يُبْطِلُهَا (وَيَتَّجِهُ لَوْ أَمَّهُ) - أَيْ: أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ - (مَعَ) مُتَطَهِّرٍ (ثَالِثٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يُعِدْ إمَامٌ) صَلَاتَهُ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِهِ حَدَثَ نَفْسِهِ، (وَأَعَادَ صَاحِبُهُ) صَلَاتَهُ لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ، وَهُوَ إمَّا حَدَثُهُ، أَوْ حَدَثُ إمَامِهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ إنْ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ خَلْفَهُ، وَوَقَفَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ مَا يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الْأَكْبَر وَالْأَصْغَر]
(فَصْلٌ) (يَحْرُمُ بِحَدَثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ (حَيْثُ لَا عُذْرَ) مَنَعَهُ مِنْ الطَّهَارَةِ (صَلَاةٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ. وَسَوَاءٌ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَلَا كُفْرَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي.
(وَ) يَحْرُمُ بِهِ أَيْضًا (طَوَافٌ وَلَوْ نَفْلًا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَ) يَحْرُمُ بِهِ أَيْضًا (مَسُّ مُصْحَفٍ) (وَبَعْضِهِ وَلَوْ لِصَغِيرٍ)
стр. 152
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَفِيهِ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلًا، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. (حَتَّى جِلْدَهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (الْمُتَّصِلَ) بِهِ، (وَ) حَتَّى (حَوَاشِيَهُ) ، وَمَا فِيهِ مِنْ وَرِقٍ أَبْيَضَ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُ اسْمُ الْمُصْحَفِ، وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ (بِيَدٍ وَغَيْرِهَا) كَصَدْرٍ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ (حَتَّى بِظُفْرٍ وَشَعْرٍ) وَسِنٍّ قَبْلَ انْفِصَالِهَا عَنْ مَحَالِّهَا تَعْظِيمًا لَهُ، وَاحْتِرَامًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِحَائِلٍ كَكِيسٍ وَكُمٍّ) ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ لِلْحَائِلِ لَا لَهُ، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (تَصَفُّحُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (بِهِ) - أَيْ: الْحَائِلِ - (وَبِعُودٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (حَمْلُ) مُصْحَفٍ (بِعِلَاقَةٍ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَجْرَامِ وَفَتْحِهَا فِي الْمَعَانِي - لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْمَسِّ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ، (وَلَا) يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (مَسُّ تَفْسِيرٍ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَا كُتُبِ فِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَرَسَائِلَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ قُرْآنٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصْحَفًا، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَسُّ (مَنْسُوخٍ تِلَاوَةً) ، وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ كَ: " الشَّيْخِ
стр. 153
وَالشَّيْخَةِ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا " (وَ) لَا يَحْرُمُ مَسُّ (نَحْوِ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ) وَزَبُورٍ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ وُجِدَتْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، (وَ) لَا مَسُّ (مَأْثُورٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى) كَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ، (وَ) لَا مَسُّ (رُقَى وَتَعَاوِيذَ فِيهَا قُرْآنٌ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وِفَاقًا. وَلَا يَحْرُمُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِّمَ بِقُرْآنٍ أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ قَالَ فِي النَّظْمِ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ. (وَ) لَا بَأْسَ بِمَسِّ (لَوْحٍ فِيهِ قُرْآنٌ لِصَغِيرٍ) ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّ الْمَحَلِّ الْخَالِي مِنْ الْكِتَابَةِ لِلْمَشَقَّةِ، (وَلَا) يَجُوزُ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ مَسِّ (الْمَحَلِّ الْمَكْتُوبِ) فِيهِ الْقُرْآنُ مِنْهُ - أَيْ: مِنْ اللَّوْحِ - بِلَا طَهَارَةٍ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَسِّ الْخَالِي، وَمَا حَرُمَ بِلَا وُضُوءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ حَرُمَ بِلَا غُسْلٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا الْعَكْسِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَحْرُمُ بِلَا غُسْلٍ فَقَطْ. (وَيَحْرُمُ مَسُّ مُصْحَفٍ بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ) ، لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَدَثِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا ذِكْرُ اللَّهِ بِنَجِسٍ، وَ (لَا) يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِعُضْوٍ طَاهِرٍ) إذَا (تَنَجَّسَ غَيْرُهُ) مِنْ الْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يَتَعَدَّى وُجُوبُ غُسْلِهَا غَيْرَ مَحَلِّهَا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلِمُحْدِثٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا نَسْخُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَسًّا (وَ) لَهُ (أَخْذُ أُجْرَتِهِ) - أَيْ: النَّسْخِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، (وَيَأْتِي) فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ (إنْ مَلَكَهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفَ - بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ.
(وَحَرُمَ سَفَرٌ بِهِ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (لِدَارِ حَرْبٍ) «لِنَهْيِهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَاسْتِهَانَتِهِ، (وَ) حَرُمَ (كَتْبُهُ) - أَيْ:
стр. 154
الْقُرْآنِ - (مَعَ ذِكْرِ) اللَّهِ (بِ) شَيْءٍ (نَجِسٍ) ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ، (وَإِنْ قَصَدَ إهَانَتَهُ) - أَيْ: الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ بِذَلِكَ أَيْ: بِكَتْبِهِ بِالنَّجَسِ - (فَالْوَاجِبُ) عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ (قَتْلُهُ، كَمَا) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (" فِي الْفُنُونِ ") وَيَجِبُ غَسْلُ الْكِتَابَةِ وَتَحْرِيقُهَا لِلصِّيَانَةِ.
(وَ) حَرُمَ (تَوَسُّدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَوَزْنٌ بِهِ، وَاتِّكَاءٌ عَلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ.
(وَ) حَرُمَ (كَتْبُهُ) - أَيْ: الْقُرْآنِ (بِحَيْثُ يُهَانُ) ، كَعَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ يُدَاسُ أَوْ يُجْلَسُ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: قَتْلُهُ) ، أَيْ: قَتْلُ كَاتِبِ الْقُرْآنِ عَلَى مَحَلٍّ مُبْتَذَلٍ (إنْ قَصَدَ امْتِهَانَهُ بِذَلِكَ) الْكَتْبِ، قِيَاسًا عَلَى كَتْبِهِ بِالنَّجَسِ أَوْ عَلَيْهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافِهِ بِالْقُرْآنِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَمِثْلُهُ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ) فَيَجِبُ احْتِرَامُهَا وَصَوْنُهَا عَنْ الِامْتِهَانِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ قُرْآنٌ (كُرِهَ) تَوَسُّدُهَا، وَالْوَزْنُ بِهَا وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا، وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَرِقَةً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ. (وَرَمَى رَجُلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَغَضِبَ وَقَالَ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ؟ ،) انْتَهَى. فَكَيْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ فِيهِ.
(وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ قُرْآنٍ فِي سُتُورٍ وَفِيمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلِهِ) ، وَ (لَا) تُكْرَهُ (كِتَابَةُ غَيْرِهِ مِنْ ذِكْرٍ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ فِيمَا لَمْ يُدَسْ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُدَاسُ، (كُرِهَ شَدِيدًا، وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ) - أَيْ: الذِّكْرِ - فَالْقُرْآنُ أَوْلَى.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ) عَلَى الْمَوَاضِعِ الْخَالِيَةِ مِنْ الذِّكْرِ، وَأَمَّا
стр. 155
وَطْؤُهُ مَا فِيهِ ذِكْرٌ فَيَحْرُمُ. (وَكُرِهَ) شَدِيدًا (وَيَتَّجِهُ بِلَا قَصْدِ إهَانَةٍ) أَمَّا مَعَ قَصْدِهَا فَيَحْرُمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (مَدُّ) : نَائِبُ فَاعِلِ كُرِهَ (رِجْلٍ لِمُصْحَفٍ وَاسْتِدْبَارُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - وَكَذَا كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ تَعْظِيمًا لَهَا (وَ) كُرِهَ (تَخَطِّيهِ وَرَمْيُهُ) بِالْأَرْضِ (بِلَا) وَضْعٍ وَلَا (حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ (بَلْ هُوَ بِمَسْأَلَةِ التَّوَسُّدِ أَشْبَهُ) ، وَإِلَيْهَا أَقْرَبُ.
(وَ) تُكْرَهُ (تَحْلِيَتُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) نَصًّا، لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، (وَتَحْرُمُ فِي كُتُبِ عِلْمٍ) أَنْ تُحَلَّى، (وَ) قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ: يَحْرُمُ (كَتْبُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) ، لِأَنَّهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ، (وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، وَيُزَكَّى) مَا اجْتَمَعَ مِنْهُ (إنْ بَلَغَ نِصَابًا) ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَجَعْلُهُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَلَوْ لِلْقِرَاءَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) فَلَا يُرْتَكَبُ.
، (وَيُبَاحُ تَطْيِيبُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - أَوْ بَعْضِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْآمِدِيُّ " لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ طَيَّبَ الْكَعْبَةَ» وَهِيَ دُونَهُ، وَ «أَمَرَ بِتَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ» ، فَالْمُصْحَفُ أَوْلَى. (وَ) يُبَاحُ (تَقْبِيلُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ": رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ " أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي " وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ فِيهِ. (وَ) فِي (جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِفْعَةٌ وَإِكْرَامٌ، لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْقُرْبُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ عَنْ الْحَجَرِ: " لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ " وَ " لَمَّا قَبَّلَ مُعَاوِيَةَ "
стр. 156
الْأَرْكَانَ كُلَّهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّمَا هِيَ السُّنَّةُ " وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ (أَوْ) أَيْ: وَيُبَاحُ جَعْلُهُ عَلَى (كُرْسِيٍّ) تَعْظِيمًا لَهُ، (وَ) يُبَاحُ (الْقِيَامُ لَهُ) .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ، وَفِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ الْجَوَازُ وَذَلِكَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَنَتَّكِئَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَأَخَذْتُ مِنْ هَذَا حُسْنُ الْأَدَبِ فِيمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ عِنْدَ ذِكْرِ إمَامِ الْعَصْرِ مِنْ النُّهُوضِ لِسَمَاعِ تَوْقِيعَاتِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا أَوْلَى، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْهَوَانِ بِالشَّخْصِ، اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ.
(وَ) يُبَاحُ (نَقْطُهُ) أَيْ الْمُصْحَفِ (وَشَكْلُهُ) ، بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ صِيَانَةً مِنْ اللَّحْنِ فِيهِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ النَّقْطَ، فَلِلْخَوْفِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِيهِ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُحْدَثًا، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ، كَنَظَائِرِهِ، مِثْلُ تَصْنِيفِ الْعِلْمِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ". (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُمَا) - أَيْ: النَّقْطُ وَالشَّكْلُ - (مَعَ تَحَقُّقِ لَحْنٍ) ، كَفِي زَمَانِنَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) تُبَاحُ (كِتَابَةُ أَعْشَارٍ) فِي الْمُصْحَفِ (وَأَسْمَاءِ سُوَرٍ وَعَدَدِ آيَاتٍ وَأَحْزَابٍ) ، لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ (وَتَحْرُمُ
стр. 157
مُخَالَفَةُ خَطِّ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ (﵁ فِي) رَسْمِ (وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) . كَرَبْطِ تَاءٍ وَمَدِّهَا (نَصًّا) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ بَعْدِي» . . . الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ - مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ - تَوْقِيفٌ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ كَذَا) ، كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " قَوْلُهُ ﷺ : سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ الْكَهْفِ " وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُحْصَى، وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ". وَفِي السُّورَةِ لُغَتَانِ: الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ، وَالتَّرْكُ أَفْصَحُ، (وَ) أَنْ يَقُولَ: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا) ، لِوُرُودِهِ فِي الْأَخْبَارِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَاسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِيهِ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ (فَعَلَهُ) أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ (ابْنُ بَطَّةَ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - (وَلَمْ يَرَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَا (غَيْرُهُ) مِنْ أَئِمَّتِنَا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الطَّرَسُوسِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ.
. (وَلَوْ بَلِيَ مُصْحَفٌ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ) ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ، فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدٍ فَدَفَنَهُ، (وَمَا تَنَجَّسَ أَوْ كُتِبَ) مِنْ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ كِتَابٍ فِيهِ ذَلِكَ (بِنَجَسٍ يَلْزَمُ غَسْلُهُ أَوْ حَرْقُهُ،) (فَإِنَّ الصَّحَابَةَ) ﵃ (حَرَّقُوهُ لَمَّا جَمَعُوهُ) .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ (لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ) . انْتَهَى. (وَكَانَ طَاوُسٌ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ صِيَانَةً) لَهَا عَنْ الِامْتِهَانِ، (وَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَّجِهُ: الْمُرَادُ) بِغَسْلِ الْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ بِالْمَاءِ وَحَرْقِهِمَا بِالنَّارِ (إذَا كَانَا) - أَيْ: الْمَاءُ وَالنَّارُ - (طَاهِرَيْنِ) أَمَّا إذَا كَانَا نَجِسَيْنِ فَلَا يَجُوزُ غَسْلٌ وَلَا تَحْرِيقٌ بِهِمَا صَوْنًا لَهُمَا عَنْ النَّجَاسَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَعْدِلُ إلَى دَفْنِهِمَا فِي مَوْضِعٍ لَا تَطَؤُهُ
стр. 158
الْأَرْجُلُ، لِأَنَّ عُثْمَانَ دَفَنَ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ.
هَذَا إذَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ بِطَاهِرٍ، أَمَّا إذَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ بِنَجَسٍ فَغَسْلُهُمَا أَوْ حَرْقُهُمَا بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ طَاهِرَيْنِ أَوْلَى مِنْ دَفْنِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُبَاحُ كِتَابَةُ آيَتَيْنِ فَأَقَلَّ إلَى كُفَّارٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْمُشْرِكِينَ. (وَفِي النِّهَايَةِ) جَوَازُ كِتَابَةِ ذَلِكَ (لِحَاجَةِ تَبْلِيغٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَيَأْتِي أَدَبُ الْقِرَاءَةِ) قَبْلَ الْفَصْلِ الْآخَرِ مِنْ بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَتَضْمِينُهَا) - أَيْ: الْقِرَاءَةِ - فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِيهِ قُبَيْلَ بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ، كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ آيَاتٌ إلَى الْكُفَّارِ مُقْتَضِيَةٌ الدَّعْوَةَ، وَلَا يَجُوزُ فِي نَحْوِ كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ. وَكَتَضْمِينِهِ الشَّعْرَ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا تَضْمِينُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ: فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ التَّحْرِيمُ، كَمَا يَحْرُمُ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا عَنْ الْكَلَامِ. .
[بَابُ الْغُسْلِ]
(بَابُ الْغُسْلِ) بِالضَّمِّ: الِاغْتِسَالُ، وَالْمَاءُ يُغْتَسَلُ بِهِ، وبِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ غَسَلَ. وَبِالْكَسْرِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ. وَشَرْعًا: (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ) ، أَيْ بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ. (وَلَوْ لَمْ يَتَقَاطَرْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، كَ: بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ) وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ
стр. 159
جَنْبٌ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ: جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «وَنَحْنُ جُنُبَانِ» سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ نَهْيٌ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحَلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ.
(وَمُوجِبُهُ) ، أَيْ: الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (سَبْعَةُ) أَشْيَاءَ، أَيُّهَا وُجِدَ كَانَ سَبَبًا لِوُجُودِهِ:
(أَحَدُهَا) : (انْتِقَالُ مَنِيٍّ) فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إحْسَاسِ انْتِقَالِهِ (عَنْ صُلْبِ رَجُلٍ وَتَرَائِبِ امْرَأَةٍ) ، وَالتَّرَائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ، هِيَ مَحَلُّ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) (كَمَا لَوْ حَبَسَهُ) ، لِأَنَّ الْغُسْلَ يُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ بِانْتِقَالِهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، (وَلَا يُعَادُ غُسْلٌ لَهُ) - أَيْ: الِانْتِقَالِ - (بِخُرُوجِهِ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الْغُسْلِ - (بِلَا لَذَّةٍ) ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالِانْتِقَالِ، وَقَدْ اغْتَسَلَ لَهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ ثَانٍ، كَبَقِيَّةِ مَنِيٍّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ، بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ (وَيَثْبُتُ بِانْتِقَالِهِ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (حُكْمُ بُلُوغٍ مِنْ وُجُوبِ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةِ وَنَحْوِهَا (وَ) يَثْبُتُ بِهِ لُزُومُ (حَدٍّ وَقَبُولُ شَهَادَةٍ) وَثُبُوتُ وِلَايَةٍ فِي إيجَابِ عَقْدِ نِكَاحٍ، وَلُزُومُ (فِطْرٍ) مِنْ صَوْمٍ (بِسَبَبِ نَحْوِ لَمْسٍ) ، كَتَقْبِيلٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ بِشَهْوَةٍ، (وَوُجُوبُ فِدْيَةٍ) فِي الْحَجِّ، (وَكَذَا) - أَيْ: كَانْتِقَالِ مَنِيٍّ - (انْتِقَالُ حَيْضٍ) .
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَيَثْبُتُ بِانْتِقَالِهِ مَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ، فَإِذَا أَحَسَّتْ بِانْتِقَالِ حَيْضِهَا قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ؛ أَفْطَرَتْ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ إلَّا بَعْدَهُ (وَيَتَّجِهُ لُزُومُ) مَنْ أَحَسَّتْ بِانْتِقَالِ مَنِيٍّ وَلَمْ يَخْرُجْ (نَحْوَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ رِيحًا تَحَرَّكَ فَظَنَّتْهُ انْتِقَالًا، فَلَا تَدَعُ لِذَلِكَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا (حَتَّى يَخْرُجَ) مَا أَحَسَّتْ
стр. 160
بِهِ، (فَلَوْ تَبَيَّنَ بَعْدَ) ذَلِكَ نَحْوُ رِيحٍ فَتَمْضِي فِي عِبَادَتِهَا، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ (حَيْضًا أُعِيدَ) وَاجِبُ عِبَادَةٍ فَعَلَتْهُ (غَيْرَ صَلَاةٍ) فَلَا، تُعِيدُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(الثَّانِي: خُرُوجُهُ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (مِنْ مَخْرَجِهِ) الْمُعْتَادِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَنِيُّ (دَمًا) أَيْ: أَحْمَرَ كَالدَّمِ، لِلْعُمُومَاتِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَضَعَّفَهُ بِكَثْرَتِهِ جُبِرَ بِالْغُسْلِ، (بِشَرْطِ) وُجُودِ (لَذَّةٍ) عِنْدَ خُرُوجِهِ (فِي حَقِّ نَحْوِ غَيْرِ نَائِمٍ) ، كَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ اللَّذَّةِ أَنْ يَكُونَ دَفْقًا، فَلِهَذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنْ ذِكْرِ الدَّفْقِ بِاللَّذَّةِ، (فَلَوْ) خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ بِأَنْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ، أَوْ خَرَجَ مِنْ يَقْظَانَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ، أَوْ (جَامَعَ وَأَكْسَلَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَنْزَلَ بِلَا لَذَّةٍ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ) ، لِأَنَّهَا جَنَابَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ غُسْلَيْنِ، وَالْمَنِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَجِسٌ لِخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ، وَمَعْنَى أَكْسَلَ: ضَعُفَ عَنْ الْجِمَاعِ.
(وَإِنْ أَفَاقَ نَحْوُ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (بَلَغَ أَوْ اُحْتُمِلَ) بُلُوغُهُ، كَابْنِ عَشْرٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ، (فَوَجَدَ بَلَلًا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ فِرَاشِهِ الَّذِي لَمْ يَنَمْ عَلَيْهِ أَوْ) كَانَ (فِيهِ غَيْرُهُ) .
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْأَزَجِيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ، لِاحْتِمَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ، (فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ) وُجُوبًا، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، قَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ غُسْلِ مَا أَصَابَهُ، لِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ.
(وَيُعْرَفُ) الْمَنِيُّ (بِرِيحٍ) كَرِيحِ (عَجِينٍ وَ) رِيحِ (طَلْعِ نَخْلٍ) حَالَ كَوْنِهِ (رَطْبًا، أَوْ رِيحِ بَيَاضِ بِيضٍ) حَالَ كَوْنِهِ (جَافًّا وَفَسَّرَتْهُ) أَيْ: مَنِيَّ الرَّجُلِ - (عَائِشَةُ) الصِّدِّيقَةُ
стр. 161
- ﵂ (بِأَنَّهُ أَبْيَضُ ثَخِينٌ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ) ، وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ: فَهُوَ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، (وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنِيٍّ طُهِّرَ مَا أَصَابَهُ فَقَطْ) مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، لِأَنَّهُ نَجَسٌ، (وَإِنْ اشْتَبَهَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَلَلُ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَمَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ؟ (وَتَقَدَّمَ نَوْمَهُ سَبَبٌ مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ فَكَذَلِكَ) - أَيْ: طَهَّرَ مَا أَصَابَهُ - لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَذْيًا بِقِيَامِ سَبَبِهِ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي نَوْمِهِ حُلْمًا فَإِنَّا نُوجِبُ الْغُسْلَ لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَنِيًّا بِقِيَامِ سَبَبِهِ، (وَإِلَّا يَتَقَدَّمْ نَوْمَهُ سَبَبٌ) ، وَوَجَدَ بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ فِرَاشِهِ (اغْتَسَلَ) وُجُوبًا (وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا مُتَوَالِيًا وَطَهَّرَ مَا أَصَابَهُ أَيْضًا) ظَاهِرُهُ: وُجُوبًا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": احْتِيَاطًا، ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا، لِأَنَّهُ فِي الْمِثَالِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَلَا سَبَبَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يُرَجَّحُ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ.
(وَمَحَلُّ ذَلِكَ) - أَيْ: مَا تَقَدَّمَ - فِيمَا إذَا وَجَدَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ بَلَلًا: (فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَلِمُ) ، لِأَنَّهُ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَلِأَنَّ الْحُلُمَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْهُ، (وَمَنِيُّهُ وَغَيْرُهُ) مِنْ فَضَلَاتِهِ ﷺ (طَاهِرٌ) فَلَا يَلْزَمُهُ تَطْهِيرُ مَا أَصَابَهُ مِنْهَا، (وَإِنْ تَحَقَّقَ) وُجُودُ (مَنِيٍّ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِرَاشٍ نَامَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ) ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْمَنِيَّ، (أَوْ) نَامَ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الْفِرَاشِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاحْتِلَامِ، (فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا) ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (إلَّا إنْ أَمَّهُ أَوْ صَافَّهُ) وَحْدَهُ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ. فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ. (وَلَا غُسْلَ) عَلَى مَنْ جُومِعَتْ فَاغْتَسَلَتْ (بِخُرُوجِ مَنِيِّهِ) - أَيْ: مَنِيِّ الْمُجَامِعِ لَهَا - (مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، كَخُرُوجِ بَقِيَّةِ مَنِيٍّ اغْتَسَلَ لَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
стр. 162
(الثَّالِثُ) : الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، أَيْ تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، لَا إنْ تَمَاسًّا بِلَا إيلَاجٍ، فَلِذَا قَالَ: (تَغْيِيبُ كُلِّ حَشَفَةِ) الذَّكَرِ وَيُقَالُ لَهَا: الْكَمَرَةُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ حَرَارَةً، (أَصْلِيَّةً) ، فَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ زَائِدَةٌ، أَوْ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ. (مُتَّصِلَةً) فَلَا عِبْرَةَ بِتَغْيِيبِ الْمُنْفَصِلَةِ، (أَوْ) تَغْيِيبِ (قَدْرِهَا) - أَيْ: الْحَشَفَةِ - (مِنْ مَقْطُوعِهَا بِلَا حَائِلٍ) ، لِانْتِقَاءِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَعَ الْحَائِلِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُلَاقِي لِلْخِتَانِ، (فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَغْيِيبِ. فَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فِي قُبُلٍ زَائِدٍ، أَوْ قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا: فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ: " وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ الْأَصْلِيُّ (دُبُرًا) ، لِأَنَّهُ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ، أَوْ كَانَ الْفَرْجُ الْأَصْلِيُّ (لِمَيِّتٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ سَمَكَةٍ) .
قَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ " لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ. (وَلَوْ) كَانَ ذُو الْحَشَفَةِ (نَائِمًا أَوْ مَجْنُونًا) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، بِأَنْ أَدْخَلَتْهَا فِي فَرْجِهَا، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا، لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ، (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا، أَوْ) أَوْلَجَ وَ (لَمْ يُنْزِلْ، أَوْ) لَمْ (يَبْلُغْ) نَصًّا، فَاعِلًا كَانَ أَوْ مَفْعُولًا، (لَكِنْ لَا غُسْلَ إلَّا عَلَى) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَهُوَ (ابْنُ عَشْرٍ) أَوْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا (وَ) هِيَ (بِنْتُ تِسْعٍ) .
قَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا وَطِئَ، وَالصَّغِيرَةُ إذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، (فَلَوْ وَطِئَ ابْنُ عَشْرٍ بِنْتَ ثَمَانٍ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ وَطِئَ ابْنُ ثَمَانٍ
стр. 163
أَوْ تِسْعٍ بِنْتَ تِسْعٍ؛ (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) : فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى، وَعَلَيْهَا فِي الثَّانِيَةِ (وَلَا يَلْزَمُ) الْغُسْلُ (غَيْرَ بَالِغٍ إلَّا إنْ أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ وَوُضُوءٍ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ.
(أَوْ غُسْلٍ فَقَطْ) كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ (لِلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) إذَا أَرَادَهُ، بَلْ يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ كَالْمُكَلَّفِ وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ: إلْزَامُهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأْثِيمَ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ، أَوْ لِإِبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (وَاسْتِدْخَالِ ذَكَرِ أَحَدٍ مِنْ ذَكَرِ) نَائِمٍ وَنَحْوِ مَجْنُونٍ وَغَيْرِ بَالِغٍ وَمَيِّتٍ وَبَهِيمَةٍ (كَإِتْيَانِهِ) ، فَيَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ أَوْ صَغِيرٍ وَلَوْ طِفْلًا - أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَيِّتٍ وَنَحْوِهِمْ الْغُسْلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» ، (وَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ حَشَفَةٍ) بِلَا إنْزَالٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا بِإِيلَاجِ (حَشَفَةِ خُنْثَى) فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (وَلَا بِتَغْيِيبِ) ذَكَرٍ أَصْلِيٍّ (فِي فَرْجِهِ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (إلَّا إنْ غَيَّبَ) الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ. (وَغُيِّبَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: غُيِّبَ ذَكَرٌ (فِيهِ) - أَيْ: فِي فَرْجِ الْخُنْثَى - فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا. (وَامْرَأَةٍ وَطِئَهَا) خُنْثَى بِذَكَرِهِ، (وَرَجُلٍ وَطِئَهُ) - أَيْ: وَطِئَ الرَّجُلُ ذَلِكَ الْخُنْثَى فِي قُبُلِهِ فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ: فَيَجِبُ (عَلَى أَحَدِهِمَا الْغُسْلُ لَا بِعَيْنِهِ) ، لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ، أَوْ يَكُونَ أُنْثَى فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ،
стр. 164
أَوْ يُصَافّهُ وَحْدَهُ اغْتَسَلَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ كَلَامَ الْمَتْنِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِقُصُورِهِ.
[تَتِمَّةٌ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَوْ وَاضِحُ الْأُنُوثِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَلَمْ يُنْزِلْ]
(تَتِمَّةٌ) : لَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَوْ وَاضِحُ الْأُنُوثِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَلَمْ يُنْزِلْ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِيَقِينٍ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْمُشْكِلَيْنِ الْآخَرَ بِذَكَرِهِ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ، لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الذَّكَرَيْنِ، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا، فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ دُبُرَ الْخُنْثَى أَصْلِيٌّ قَطْعًا، وَقَدْ وُجِدَ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ الرَّجُلِ فِيهِ.
(وَلَا) يَجِبُ غُسْلٌ عَلَى امْرَأَةٍ (بِتَغْيِيبِ) ذَكَرٍ (مَقْطُوعٍ فِي فَرْجِهَا وَلَا بِإِيلَاجِ) ذَكَرٍ أَصْلِيٍّ (بِحَائِلٍ) ، لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا غُسْلَ بِوَطْءٍ (دُونَ فَرْجٍ) بِلَا إنْزَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا بِتَمَاسِّ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ لِمَا سَبَقَ، (وَلَا) غُسْلَ (بِسِحَاقٍ) ، وَهُوَ: إتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ بِلَا إنْزَالٍ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُعَادُ غُسْلُ مَيِّتَةٍ وُطِئَتْ) وُجُوبًا (دُونَ مَيِّتٍ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُودِ الْإِيلَاجِ مِنْ حَيٍّ، بِخِلَافِ الْمَوْلُوجِ فِيهِ فَتَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
(وَفِي " الْمُبْدِعِ ") : (لَوْ غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ) فِي فَرْجِهَا (حَشَفَةَ بَهِيمَةٍ اغْتَسَلَتْ) وُجُوبًا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اسْتِدْخَالَ ذَكَرِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ كَإِتْيَانِهِ.
(وَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ: (لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي) ، كَالرَّجُلِ: (فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ) .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِيِّ. (وَقِيلَ) أَيْ: قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": (لَا) غُسْلَ عَلَيْهَا، (لِعَدَمِ إيلَاجٍ وَاحْتِلَامٍ) وَإِنَّمَا هُوَ غَشَيَانٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إيلَاجُهُ عَنْ مُلَامَسَةٍ بِبَدَنِهِ، (ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَفِيهِ) نَظَرٌ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ
стр. 165
تَعْرِفُ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا كَالرَّجُلِ، فَكَيْف يُجَامِعُهَا وَلَا إيلَاجَ، خُصُوصًا إذَا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ الرَّجُلِ، فَلَا رَيْبَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ: لِي جِنِّيَّةٌ أُجَامِعُهَا كَالْمَرْأَةِ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ.
(وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ) أَنَّهُ (يَثْبُتُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ كَالْكُلِّ) ، أَيْ: كَمَا يَثْبُتُ بِتَغْيِيبِ كُلِّ الذَّكَرِ (أَرْبَعُمِائَةِ حُكْمٍ إلَّا ثَمَانِيَةَ) أَحْكَامٍ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ " (مِنْ) ذَلِكَ (نَحْوُ تَحْرِيمِ طَوَافٍ) كَمَسِّ مُصْحَفٍ (وَصَلَاةٍ، وَإِفْسَادُ نَحْوِ طَهَارَةٍ وَحَجٍّ) وَوُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَفَسَادُ عُمْرَةٍ، وَوُجُوبُ الْبَدَنَةِ فِيهَا وَقَضَاؤُهُمَا (وَوُجُوبُ نَحْوِ غُسْلٍ وَحَدٍّ وَكَفَّارَةٍ، وَحُصُولُ نَحْوِ رَجْعَةٍ، وَبِرٍّ) مِنْ حَلِفٍ أَنْ يَطَأَ (وَمُصَاهَرَةٌ، وَزَوَالُ: نَحْوِ عُنَّةٍ) ، وَوُجُوبُ عِدَّةٍ، وَاسْتِقْرَارُ مُسَمًّى، وَوُجُوبُ مَهْرِ مِثْلٍ، وَثُبُوتُ إحْصَانٍ، وَجَرَيَانُ لِعَانٍ، وَفِدْيَةُ مُولٍ، وَتَحْلِيلٌ لِزَوْجٍ أَوَّلٍ، وَسُقُوطُ إجْبَارٍ فِي نِكَاحِ بِكْرٍ، وَتَحْرِيمُ رَبَائِبَ، وَتَحْرِيمُ إمَاءِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، وَتَحْرِيمُ إمَاءِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ أُخْتِهَا، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَخَالَتِهَا أَوْ أُخْتِهَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَفَسَادُ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ، وَصَيْرُورَةُ الْأَمَةِ فِرَاشًا، وَإِلْحَاقُ وَلَدٍ بِسَيِّدٍ إذَا أَقَرَّ بِهِ، وَسُقُوطُ وِلَايَةِ أَبٍ فِي ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى تَبْلُغَ، وَوُجُوبُ كَفَّارَةٍ بِوَطْءِ حَائِضٍ، وَتَحْرِيمُ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَةِ مَنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا يَأْتِي يَظْفَرُ بِأَكْثَرِهَا.
(الرَّابِعُ: إسْلَامُ كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) أَوْ مُمَيِّزًا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعُمَرِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ
стр. 166
وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالُوا: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتْ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لَلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ فِي الْحُكْمِ. (أَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (لَمْ يُوجَدْ) مِنْهُ (فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ) - أَيْ: الْغُسْلَ - مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ، (أَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) وَأَسْلَمَ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُوجِبٌ؛ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. (غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ كِتَابِيَّتَيْنِ إذَا اغْتَسَلَتَا لِحِلِّ وَطْءِ زَوْجٍ مُسْلِمٍ، أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَتَا) : فَلَا يَلْزَمُهُمَا إعَادَةُ الْغُسْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِصِحَّتِهِ مِنْهُمَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلْعُذْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ لِجَنَابَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ، (كَذَا قِيلَ) وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إعَادَةِ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْحُكْمَ (فِي مُمَيِّزٍ) وَطِئَ ثُمَّ أَسْلَمَ إذَا كَانَ فِي سِنٍّ (يَطَأُ وَيُوطَأُ مِثْلُهُ) ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَبِنْتُ تِسْعٍ إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ سِنُّهُ دُونَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَفِيهِ بَحْثٌ، إذْ عِبَارَاتُهُمْ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا،
стр. 167
وَتَقَدَّمَ. (وَوَقْتُ لُزُومِ غُسْلٍ كَمَا مَرَّ) أَيْ: إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ، أَوْ مَاتَ شَهِيدًا، أَمَّا إذَا أَرَادَ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ: فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَقَطْ.
(وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُ إسْلَامٍ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
، (وَلَوْ اسْتَشَارَ) كَافِرٌ (مُسْلِمًا) فِي الْإِسْلَامِ، (فَأَشَارَ بِعَدَمِ إسْلَامِهِ) حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَلَمْ يُكَفَّرْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّخُولِ فِي الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِاسْتِدَامَتِهِ عَلَيْهِ (وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ) حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُكَفَّرْ، خِلَافًا لِصَاحِبِ " التَّتِمَّةِ " مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
(الْخَامِسُ: خُرُوجُ دَمِ حَيْضٍ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: وَإِذَا ذَهَبْت فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: إذَا اغْتَسَلْنَ. فَمَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْخُرُوجِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ. (وَيَصِحُّ نَدْبًا غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ زَمَنَ حَيْضٍ) تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ (وَيَزُولُ حُكْمُهَا) - أَيْ: الْجَنَابَةِ - لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَاقٍ، وَبَقَاؤُهُ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْأَكْبَرِ، أَفَادَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
(السَّادِسُ: خُرُوجُ دَمِ نِفَاسٍ) وَانْقِطَاعُهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ لَهُ
стр. 168
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا، (فَلَا غُسْلَ بِوِلَادَةٍ بِلَا دَمٍ) ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، (فَيَصِحُّ صَوْمُ) مَنْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ، (وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا) قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجِبُ الْغُسْلُ (بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ) - قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِلَا نِزَاعٍ - (أَوْ) بِإِلْقَاءِ (مُضْغَةٍ بِلَا تَخْطِيطٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وِلَادَةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِإِلْقَاءِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ، وَلَوْ خَفِيًّا. (وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ، وَمَعَ دَمٍ يُغْسَلُ) وُجُوبًا كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ.
(السَّابِعُ: الْمَوْتُ) «لِقَوْلِهِ ﷺ : اغْسِلْنَهَا» وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، (تَعَبُّدًا) لَا عَنْ حَدَثٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، وَلَا عَنْ نَجَسٍ، وَإِلَّا لَمَا طَهُرَ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ (غَيْرَ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا) ، فَلَا يُغْسَلَانِ، وَيَأْتِي فِي مَحِلِّهِ.
(وَيَتَّجِهُ زِيَادَةُ) مُوجِبٍ ثَامِنٍ (وَهُوَ) - أَيْ: الْمُوجِبُ لِإِعَادَةِ الْغُسْلِ: (خُرُوجُ نَجَاسَةٍ بَعْدَ غُسْلِ مَيِّتٍ قَبْلَ سَبْعٍ وَ) قَبْلَ (وَضْعٍ بِكَفَنٍ) وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قِرَاءَةُ آيَةٍ فَأَكْثَرَ]
(فَصْلٌ) (يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ) مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (قِرَاءَةُ آيَةٍ) فَأَكْثَرَ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجِزُهُ - عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَاهُ. (وَلَوْ بِقَصْدِ ذِكْرٍ) سَدًّا لِلْبَابِ، وَ (لَا) يَحْرُمُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ قِرَاءَةِ (بَعْضِهَا) - أَيْ: بَعْضِ آيَةٍ - لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ، (وَلَوْ كَرَّرَ) قِرَاءَةَ الْبَعْضِ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ) نَحْوُ الْجُنُبِ (عَلَى قِرَاءَةٍ) تَحْرُمُ، بِأَنْ يُكَرِّرَ الْإِبْعَاضَ تَحَيُّلًا عَلَى قِرَاءَةِ آيَةٍ فَأَكْثَرَ،
стр. 169
فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ.
قَالَ الْمُنَقِّحُ: (مَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ طَوِيلَةً) ، كَآيَةِ الدَّيْنِ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ بَعْضِهَا. (وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ: مَنْعُ) نَحْوِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَةِ (بَعْضٍ) مِنْ قُرْآنٍ (كَثِيرٍ عُرْفًا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَهُ) - أَيْ: لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ - (تَهَجِّيهِ) - أَيْ: الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ، فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظْمِهِ وَإِعْجَازِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَلَهُ التَّفْكِيرُ فِيهِ، (وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إنْ لَمْ تَبِنْ حُرُوفٌ) ، وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ أَوْ آيَاتٍ سَكَتَ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (كَقِرَاءَةٍ لَا تُجْزِئُ فِي صَلَاةٍ لِإِسْرَارِهَا) ، نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ ظَاهِرِ " نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ " قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ تَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ.
(وَلَهُ) تِلَاوَةُ (ذِكْرٍ) لَمْ يُوَافِقْ قُرْآنًا، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» وَيَأْتِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ. (وَ) لَهُ (إزَالَةُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ) بِلَا كَرَاهَةٍ. (وَ) لَهُ (قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا) مِنْ الْأَذْكَارِ، (وَلَمْ يَقْصِدْهُ) - أَيْ: الْقُرْآنَ - كَالْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، (وَكَآيَةِ رُكُوبٍ) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] وَمِثْلُهَا آيَةُ نُزُولٍ ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] (وَ) كَآيَةِ (اسْتِرْجَاعٍ)
стр. 170
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ، لَا آيَةٌ.
(وَ) قِرَاءَةُ (آيَةٍ فِي ضِمْنِ نَحْوِ شِعْرٍ) كَقَوْلِهِ:
خَاضَ الْعَوَاذِلُ فِي حَدِيثِ مَدَامِعِي ... لَمَّا رَأَوْا كَالسَّيْلِ سُرْعَةَ سَيْرِهِ
فَحَبَسْتُهُ لِأَصُونَ سِرَّ هَوَاكُمْ ... حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
وَكَذَا لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَأَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى قِرَاءَةٍ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَيُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَلَوْ رُجِيَ إسْلَامُهُ) قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَأَوْلَى.
(وَلِجُنُبٍ) وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا أَوْ لَا، مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ، دُخُولُ مَسْجِدٍ لِمُرُورٍ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ، وَهُوَ: الطَّرِيقُ. وَعَنْ جَابِرٍ " كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا " رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَسَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا، وَمِنْ الْحَاجَةِ كَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا. وَ (لَا) يَجُوزُ لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (لُبْثٌ بِهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَعَ قَطْعِهِ) - أَيْ: الدَّمِ - (بِلَا عُذْرٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (إلَّا بِوُضُوءٍ) ، فَإِنْ تَوَضَّئُوا؛ جَازَ لَهُمْ اللُّبْثُ فِيهِ وَلَوْ انْتَقَضَ بَعْدُ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ " رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ، إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ " إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ، فَيَزُولُ بَعْضُ مَا مَنَعَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ، (وَاحْتِيجَ لِلُّبْثِ) فِي الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِحَبْسٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ وَنَحْوِهِ: (جَازَ) لَهُ
стр. 171
اللُّبْثُ (بِلَا تَيَمُّمٍ) نَصًّا، وَاحْتُجَّ «بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ» (وَ) لُبْثُهُ (بِهِ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (أَوْلَى) ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ ابْنِ قُنْدُسٍ. (وَيَتَيَمَّمُ) جُنُبٌ وَنَحْوُهُ (لِلُّبْثِ لِغُسْلٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى: " وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ - أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ - لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا تَيَمُّمٍ (وَلِذِي سَلَسٍ وَمُسْتَحَاضَةٍ لُبْثٌ بِهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) . لِحَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَإِلَّا) يَأْمَنْ ذُو السَّلَسِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَلْوِيثَهُ (حَرُمَ) عَلَيْهِمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، لِتَقْذِيرِهِ.
(وَلَا يُكْرَهُ غُسْلٌ) فِي الْمَسْجِدِ (وَ) لَا (وُضُوءٌ بِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ بِهِمَا) ، أَيْ: بِمَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ (وَيَتَّجِهُ وَإِلَّا) - بِأَنْ آذَى الْمَسْجِدَ بِهِمَا - (حَرُمَ كَاسْتِنْجَاءٍ) بِهِ، إذْ الْمَسْجِدُ يَجِبُ احْتِرَامُهُ وَصَوْنُهُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِيهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَيَتَّجِهُ) أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ (فِي فَسَاقٌ وُضِعَتْ) - أَيْ: بُنِيَتْ - (مَعَ مَسْجِدٍ) إمَّا بِوَضْعِ الْوَاقِفِ لَهَا، أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، (لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ) ، فَيَجُوزُ الْبَوْلُ بِإِنَاءٍ فِي غُرْفَةٍ فَوْقَهَا، لَا فِي بَالُوعَتِهَا، لِجَرَيَانِهَا فِي قَرَارِ الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لُبْثُ نَحْوِ جُنُبٍ فِيهَا بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فَوْقَهَا وَلَا فِي هَوَائِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لِلصَّلَاةِ، (بِخِلَافِ حَادِثَةٍ) بَعْدَ بِنَائِهِ فِيهِ، فَيَجِبُ احْتِرَامُ بُقْعَتِهَا كَاحْتِرَامِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 172
(وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَائِهِمَا) أَيْ: الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِمَسْجِدٍ، (وَ) كَذَا إرَاقَةُ (مَاءٍ غُمِسَتْ فِيهِ يَدُ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ بِمَسْجِدٍ) صَوْنًا لَهُ عَمَّا يُقَذِّرُهُ. (وَ) كَذَلِكَ تُكْرَهُ إرَاقَةُ مَائِهِمَا (بِمَا) أَيْ: مَحَلٍّ (يُدَاسُ كَطَرِيقٍ) تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ (وَيَتَّجِهُ) : كَرَاهَةُ إرَاقَةِ مَائِهِمَا بِمَا ذُكِرَ، (وَبِكُلِّ مَحَلٍّ قَذِرٍ) كَمَزْبَلَةِ وَحْشٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ، فَيُصَانُ عَنْ الْقَاذُورَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (يَجُوزُ عَمَلٌ) - أَيْ: اتِّخَاذُ - (مَكَانٍ) وَلَوْ كَانَ الْمُتَّخِذُ غَيْرَ الْوَاقِفِ (فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (لِلْوُضُوءِ) فِيهِ (لِمَصْلَحَةٍ) تَرْغِيبًا لِلْمُصَلِّينَ، وَتَكْثِيرًا لِلْجَمَاعَةِ (بِلَا مَحْذُورٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِي اتِّخَاذِهِ مَحْذُورٌ، كَتَقْذِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ شَغْلِ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (مَيِّتٌ) لَتَقَذُّرِهِ.
(وَمُصَلَّى عِيدٍ لَا) مُصَلَّى (جَنَائِزِ مَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَلْيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَنَائِزِ فَلَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ اعْتِبَارِ مُصَلَّى الْعِيدِ مَسْجِدًا (إنْ وُقِفَ) لِذَلِكَ، (وَلَوْ) كَانَ وَقْفُهُ (بِقَرَائِنَ) كَأَنْ يَأْذَنَ مَالِكُهُ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلَا يَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ، وَيُجَنِّبُهُ مَا يُقَذِّرُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَحِينَئِذٍ (فَلَا يَجُوزُ لِنَحْوِ جُنُبٍ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (لُبْثٌ بِهِ) بِلَا عُذْرٍ أَوْ وُضُوءٍ.
стр. 173
(وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ اعْتِكَافٍ فِيهِ) - أَيْ مُصَلَّى الْعِيدِ - مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَمِمَّنْ تَلْزَمُهُ إنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ مِنْ مُعْتَكِفِينَ، لِثُبُوتِ حُكْمِ الْمَسْجِدِيَّةِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَجِبُ مَنْعُ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ مِنْ مَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ. (وَ) يَجِبُ مَنْعُ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) ، لِئَلَّا يُلَوِّثَهُ.
(وَكُرِهَ اتِّخَاذُهُ) - أَيْ الْمَسْجِدِ - (طَرِيقًا) نَصًّا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَ) كُرِهَ (تَمْكِينُ صَغِيرٍ مِنْهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - قَالَ فِي " الْآدَابِ " وَالْمُرَادُ، صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ، لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، (وَسُنَّ مَنْعُهُ) - أَيْ: الصَّغِيرِ - مِنْ الْمَسْجِدِ صِيَانَةً لَهُ.
(وَحَرُمَ تَكَسُّبٌ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ، (غَيْرَ كِتَابَةٍ، لِأَنَّهَا) - أَيْ: الْكِتَابَةَ - (نَوْعٌ مِنْ) تَحْصِيلِ (الْعِلْمِ) ، وَيَحْرُمُ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَلَا يَصِحَّانِ.
(وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (خَشْيَةَ) مَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ سِتَّةَ عَشَرَ غُسْلًا]
(فَصْلٌ) (وَالْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ سِتَّةَ عَشَرَ) غُسْلًا، (آكَدُهَا) : الْغُسْلُ (لِصَلَاةِ
стр. 174
جُمُعَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ، أَيْ: مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ.
وَيُعَضِّدُهُ مَجِيءُ عُثْمَانَ إلَيْهَا بِلَا غُسْلٍ (فِي يَوْمِهَا) - أَيْ: الْجُمُعَةِ - فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ، لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، (لِذَكَرٍ حَضَرَهَا) - أَيْ: الْجُمُعَةَ - (وَصَلَّى) ، لِخَبَرِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ» وَتَقَدَّمَ، (وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ كَالْعِيدِ وَالْمُسَافِرِ.
وَاغْتِسَالُهُ (عِنْدَ مُضِيٍّ) إلَيْهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ، (وَ) اغْتِسَالُهُ (عَنْ جِمَاعٍ أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ، وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، (وَلَا يَضُرُّ حَدَثٌ) أَصْغَرُ (بَعْدَ غُسْلٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُ الْغُسْلَ.
(ثُمَّ) يَلِيه الْغُسْلُ (لِغُسْلِ مَيِّتٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، (مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي ثَوْبٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
(ثُمَّ) يَلِيه بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ: الْغُسْلُ لِصَلَاةِ (عِيدٍ فِي يَوْمِهَا لِمَنْ) حَضَرَهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْأَضْحَى» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَمَحِلُّهُ: إنْ (صَلَّى) الْعِيدَ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ كَالْجُمُعَةِ، فَلَا يُشْرَعُ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(وَ) الرَّابِعُ: الْغُسْلُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ) .
(وَ) الْخَامِسُ: الْغُسْلُ: (لِ) صَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ) ، قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ بِجَامِعِ الِاجْتِمَاعِ.
(وَ) السَّادِسُ: الْغُسْلُ
стр. 175
(لِجُنُونٍ) .
(وَ) السَّابِعُ: الْغُسْلُ (لِإِغْمَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «اغْتَسَلَ لِلْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ وَلَمْ يَشْعُرْ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَبْلَغُ، فَإِنْ أَنْزَلَ؛ وَجَبَ الْغُسْلُ.
(وَ) الثَّامِنُ: الْغُسْلُ (لِاسْتِحَاضَةٍ) ، فَيُسَنُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَغْسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ «لِأَمْرِهِ ﷺ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمَّا اُسْتُحِيضَتْ» ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
(وَ) التَّاسِعُ: الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (حَتَّى لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَيُسَنُّ لَهُمَا الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ «؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نَفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
(وَ) الْعَاشِرُ: الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَكَّةَ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": حَتَّى لِحَائِضٍ، أَيْ: وَنُفَسَاءَ، قِيَاسًا عَلَى الْإِحْرَامِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِالْحَرَمِ، كَمَنْ بِمِنًى إذَا أَرَادَ مَكَّةَ سُنَّ لَهُ الْغُسْلُ لِدُخُولِهَا.
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِ) دُخُولِ (حَرَمِهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ.
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. .
(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِطَوَافِ زِيَارَةٍ) ، وَهُوَ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ.
(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِطَوَافِ وَدَاعٍ) .
(وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ) .
(وَ) السَّادِسَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِرَمْيِ جِمَارٍ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا الْغُسْلُ كَالْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَيَتَكَرَّرُ رَمْيُ الْجِمَارِ بِتَكَرُّرِهَا، فَيَكُونُ فِي يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَعَجِّلِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَغْسَالٍ، وَرُبَّمَا زِيدَ فِي قَوْلِهِمْ: غُسْلُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: يَوْمَ النَّحْرِ، فَيَكُونُ غُسْلُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا غُسْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ يَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ عَقِبَ دُخُولِهِ انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ زِيَادَةُ) سَابِعَ عَشَرَ،
стр. 176
وَهُوَ: غُسْلُ (مَنْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ، مُرَاعَاةً لِخِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْإِفَادَاتِ " وَاخْتَارَهُ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَتَيَمَّمُ) اسْتِحْبَابًا (لِلْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ (لِحَاجَةٍ) تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَتَعَذُّرِ الْمَاءِ لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا اسْتِحْبَابًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ وُضُوءٌ) مِنْ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ وَشَكٍّ وَغَضَبٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ غُسْلٌ لِحِجَامَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا - «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا مِنْهَا (وَ) لَا (لِبُلُوغٍ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ، (وَ) لَا (لِعَاشُورَاءَ) ، وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَوْضُوعٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ (لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ) كَلِوَلِيمَةٍ وَمَشُورَةٍ وَنَحْوِهَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَ) لَا (لِدُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ) ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
[فَصْلٌ صِفَةُ الْغُسْل وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا]
(فَصْلٌ) (وَصِفَةُ غُسْلٍ كَامِلٍ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا: (أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْجُمُعَةِ مَثَلًا، (وَيُسَمِّيَ) ، أَيْ: يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ بَعْدَ النِّيَّةِ، (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) خَارِجَ الْمَاءِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا
стр. 177
الْإِنَاءَ، وَيَصُبَّ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلَ (مَا لَوَّثَهُ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَذْيٍ، (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ، (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (وَيُرَوِّيَ) - بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ - (رَأْسَهُ) ، أَيْ: أُصُولَ شَعْرِهِ، (ثَلَاثًا) ، يَحْثِيَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، (ثُمَّ) يَغْسِلَ (بَقِيَّةَ جَسَدِهِ) بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ (ثَلَاثًا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلَ شَعْرَهُ بِيَدَيْهِ حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَتَيَامَنَ) - أَيْ: يَبْدَأَ بِمَيَامِنِهِ - اسْتِحْبَابًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحِلَابُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْمِحْلَبَةُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفَتْحِ اللَّامِ؛ إنَاءٌ يُحْلَبُ فِيهِ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَاءٌ يَسَعُ حَلْبَ نَاقَةٍ، (وَيُدَلِّكَهُ) - أَيْ: جَسَدَهُ اسْتِحْبَابًا لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِقَوْلِهِ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ «إنَّمَا يَكْفِيَكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَتَفَقَّدَ أُصُولَ شَعْرٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنٍ وَتَحْتَ حَلْقٍ وَإِبِطٍ، وَ) تَحْتَ (خَاتَمٍ، وَعُمْقَ سُرَّةٍ وَطَيَّ رُكْبَتِهِ) ، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ، وَهُوَ) : - أَيْ: الْإِسْبَاغُ - (تَعْمِيمُ عُضْوٍ بِمَاءٍ بِحَيْثُ يَجْرِي) الْمَاءُ (عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَسْحًا) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ
стр. 178
قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ، لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» (وَإِنْ أَخَّرَ غُسْلَهُمَا) - أَيْ: قَدَمَيْهِ - (فِي وُضُوءٍ لِآخِرِ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) ، لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ.
(وَكُرِهَ إعَادَةُ وُضُوءٍ بَعْدَ غُسْلٍ لِمُتَوَضِّئٍ قَبْلَهُ) - أَيْ: قَبْلَ الْغُسْلِ -؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ - بَلْ يَحْرُمُ -) الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ عَلَى مُتَيَقِّنٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ، وَلَهُ الصَّلَاةُ بِمَا تَيَقَّنَهُ، (وَلَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ) ثَانِيًا وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً) ، وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ إذَا كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى الْمَاءِ، أَوْ كَانَ بِكُلْفَةٍ كَمَاءِ حَمَّامٍ، (إلَّا أَنْ يُنْتَقَضَ) وُضُوءُهُ (بِنَحْوِ مَسِّ فَرْجٍ) كَخُرُوجِ رِيحٍ، (فَيَجِبُ) عَلَيْهِ إعَادَتُهُ ثَانِيًا إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُجْزِئُ) (عَصْرُ شَعْرِهِ مِنْ) مَاءِ (غَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ عَلَى لُمْعَةٍ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ) حِينَ إفَاضَتِهِ.
(وَصِفَةُ) غُسْلٍ (مُجْزِئٍ:) (أَنْ يَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ) كَمَا مَرَّ، (وَيُعِمَّ بِمَاءٍ جَمِيعَ بَدَنِهِ) سِوَى دَاخِلَ عَيْنٍ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ
стр. 179
(حَتَّى مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ عِنْدَ قُعُودٍ لِحَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، (وَ) حَتَّى (حَشَفَةَ أَقْلَفَ) - أَيْ: غَيْرَ مُخْتَتَنٍ - (مَفْتُوقٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، (وَ) حَتَّى (دَاخِلَ فَمٍ وَأَنْفٍ) وُجُوبًا، (وَ) حَتَّى (بَاطِنَ شَعْرٍ) خَفِيفٍ وَكَثِيفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ لَا مَشَقَّةَ فِي غَسْلِهِ، فَوَجَبَ كَبَاقِيهِ.
وَلَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ فَرْجٍ مِنْ جَنَابَةٍ، وَكَذَلِكَ حَشَفَةُ أَقْلَفَ غَيْرِ مَفْتُوقٍ.
(وَ) يَتَعَيَّنُ (غَسْلُ شَعْرٍ مُسْتَرْسِلٍ مَعَ نَقْضِهِ وُجُوبًا لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» ، وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَ (لَا) يَجِبُ نَقْضُهُ لِغُسْلٍ مِنْ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
(وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ أَكْبَرُ أَوْ أَصْغَرُ قَبْلَ زَوَالِ حُكْمِ خَبَثٍ) لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ كَطَاهِرٍ عَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ.
(وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي غُسْلٍ، لِفِعْلِهِ ﷺ وَلَا تَجِبُ كَالتَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، (فَإِنْ فَاتَتْ) الْمُوَالَاةُ بِأَنْ أَخَّرَ بَقِيَّةَ غَسْلِ بَدَنِهِ زَمَنًا يَجِفُّ فِيهِ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ) - أَيْ: الْغُسْلَ - نِيَّةً لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غَسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ. (وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يُجَدِّدُ (تَسْمِيَةً) لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ أَيْضًا وَلِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ مُقْتَرِنَةً مَعَ النِّيَّةِ، فَلَزِمَ تَجْدِيدُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا، فَمُقْتَضَى الِاتِّجَاهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّجْدِيدِ فِي كُلٍّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِمْرَارُ حُكْمِهِ إلَى آخِرِ الْعِبَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْغُسْلِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الْوُضُوءِ، لِتَنَاوُلِ حَدِيثِ التَّسْمِيَةِ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ فَقَطْ.
стр. 180
(وَلَا تَرْتِيبَ) فِي الْغُسْلِ، (فَلَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ لَمْ يَجِبْ فِيهَا تَرْتِيبٌ، وَ) لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثَيْنِ (إلَّا رِجْلَيْهِ) ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ (يَجِبُ) عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ (فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ) وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرَّأْسُ (دُونَهُمَا) ، أَيْ: دُونَ رِجْلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) ، لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ «أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
(كَ) مَا يُسَنُّ لِكَافِرٍ أَسْلَمَ (إزَالَةُ شَعْرِهِ الْمَعْهُودِ إزَالَتُهُ) كَشَعْرِ رَأْسِ ذَكَرٍ وَعَانَةٍ وَإِبِطٍ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا سِدْرٌ (فِي غُسْلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَأَخْذُ) مُغْتَسِلَةٍ مِنْ ذَلِكَ (غَيْرِ مُحْرِمَةٍ مِسْكًا تَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي نَحْوِ قُطْنَةٍ) كَخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُمْسِكُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ (بَعْدَ غُسْلِهَا) ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَسْمَاءُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ «ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتُطَهِّرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْفِرْصَةُ: بِكَسْرِ الْفَاءِ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) ، أَيَّ طِيبٍ كَانَ، (فَإِنْ لَمْ تَجِد) طِيبًا (فَطِينًا) تَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا وَلَوْ مُحْرِمَةً، (فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا.
следующие страницы →