Полный текст (4 464 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْعِبَادَةِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا، (أَوْ شَكَّ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ) (اسْتَأْنَفَ) الْعِبَادَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ أَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ، فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ، (لَا) شَكَّ فِي النِّيَّةِ (بَعْدَ فَرَاغٍ) مِنْ عِبَادَةٍ عَمَلًا بِالْيَقِينِ، (إلَّا إنْ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ فَيَسْتَأْنِفُ الْعِبَادَةَ لِخُلُوِّهَا مِنْهَا، (وَكَذَا) لَوْ طَرَأَ (شَكٌّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ) فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، (أَوْ) فِي (مَسْحِ رَأْسٍ) قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوءٍ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَا شَكَّ فِيهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الشَّكُّ (وَسْوَاسًا فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ.
(وَالنِّيَّةُ هُنَا) - أَيْ فِي الطَّهَارَةِ - (قَصْدُ رَفْعِ حَدَثٍ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، (وَلَا يَضُرُّ) مَعَ قَصْدِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ (تَشْرِيكُ) نِيَّةِ تَبَرُّدٍ (أَوْ) قَصْدُ (اسْتِبَاحَةِ مَاءٍ) أَيْ: فِعْلٌ (يَجِبُ لَهُ طَهَارَةٌ) كَصَلَاةٍ، (أَوْ تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ كَقِرَاءَةٍ.
(وَتَتَعَيَّنُ) نِيَّةُ (الِاسْتِبَاحَةِ لِدَائِمِ حَدَثٍ) ، كَمُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ قُرُوحٌ سَيَّالَةٌ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمُ الِاسْتِبَاحَةِ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ - (وَإِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ) بِطُرُوءِ حَدَثٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّلَسُ بَوْلًا وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ - فَيَنْوِي الِاسْتِبَاحَةَ، لَا رَفْعَ الْحَدَثِ، لِمُنَافَاةِ الْخَارِجِ لَهُ صُورَةً، (وَلِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَيْسَتْ رَافِعَةً) لِلْحَدَثِ الدَّائِمِ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ، لِأَنَّ الدَّائِمَ إنَّمَا لَمْ يُنْتَقَضْ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَجْدِ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا، أَيْ: الطَّارِئَ دُونَ الدَّائِمِ.
(خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ. انْتَهَى. فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا دَائِمًا كَانَ أَوْ طَارِئًا، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ. (وَفِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ
стр. 107
دَائِم (إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ) ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ، (بَلْ لَوْ نَوَى) دَائِمُ الْحَدَثِ بِطَهَارَتِهِ (الِاسْتِبَاحَةَ لِصَلَاةٍ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ (لَمْ يَسْتَبِحْ سِوَى نَفْلٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَافِعَةً، فَهِيَ كَالتَّيَمُّمِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ بِنِيَّةِ مَا تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ، (كَقِرَاءَةِ) قُرْآنٍ (وَذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى (وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ، (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) ، كَغَيْبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَفِعْلِ نُسُكِ حَجٍّ) نَصًّا (غَيْرِ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) يَرْتَفِعُ حَدَثُ مَنْ تَوَضَّأَ (لِحَمْلِ مَيِّتٍ، لِخَبَرِ «وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَ) ك (جُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) ، وَقِيلَ: (وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ) وَفِي " الْمُغْنِي ": (وَأَكْلٍ) ، وَفِي
стр. 108
النِّهَايَةِ " (وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَتَجْدِيدٍ) إنْ سُنَّ لَهُ التَّجْدِيدُ، (بِأَنْ) كَانَ (صَلَّى) بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَأَحْدَثَ (وَنَوَاهُ) - أَيْ: التَّجْدِيدَ - (نَاسِيًا الْحَدَثَ) ، لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ لَهُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةُ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَةٍ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) نَوَى بِوُضُوئِهِ التَّجْدِيدَ حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا) لِحَدَثِهِ فَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ (لِاسْتِحْبَابِهِ) أَيْ التَّجْدِيدِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي هَذَا الِاتِّجَاهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا نَوَى التَّجْدِيدَ عَالِمًا حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، لِتَلَاعُبِهِ.
(وَلَا) يُسَنُّ تَجْدِيدُ (غُسْلٍ وَ) لَا (تَيَمُّمٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَلَا رَفْعٍ) لِلْحَدَثِ (إنْ نَوَى طَهَارَةً) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا وَأَطْلَقَ) ، بِأَنْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، إذْ لَا تَمْيِيزَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَغَيْرَهُ.
(أَوْ) نَوَى (جُنُبٌ الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ: (دُونَ الْوُضُوءِ) ، فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ (أَوْ) نَوَى جُنُبٌ الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ بِمَسْجِدٍ) فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَكْبَرُ وَلَا الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، خِلَافًا لِابْنِ قُنْدُسٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَنَابَةِ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ،
стр. 109
(أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِشُرْبِ) مَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، لِأَنَّ الشُّرْبَ لَمْ يُشْرَعْ لَهُ غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ، (أَوْ) نَوَاهُ (لِزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (غَيْرِ) زِيَارَةِ قَبْرِهِ ( ﷺ ) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، أَوْ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ قُبُورِهِمْ إذْ لَوْ عُلِمَتْ ضَرَائِحُهُمْ تَعْيِينًا لَوَجَبَ عَلَيْنَا احْتِرَامُهَا، كَاحْتِرَامِ ضَرِيحِهِ ﷺ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إنْ كَانَ نَاسِيًا، لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ خُصُوصًا. وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ، فَقَاسُوهَا عَلَيْهِ، (أَوْ) نَوَى غُسْلًا (وَاجِبًا) فِي مَحَلٍّ مَسْنُونٍ (أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ) - أَيْ: الْمَسْنُونِ - بِالْأَوْلَى (فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِعْلُهُ) - أَيْ: فِعْلُ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ - (بَعْدَ) فَرَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الَّذِي نَوَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ) إجْمَاعًا (فَإِنْ نَوَاهُمَا) - أَيْ: الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ - (حَصَلَا) ، أَيْ: حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا لَيْسَ لَهُ فِيهِمَا، إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
стр. 110
(وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِل لِلْوَاجِبِ غُسْلًا وَلِلْمَسْنُونِ) غُسْلًا (آخَرَ) لِأَنَّهُ، أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ.
(وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَحْدَاثٌ) ، أَيْ: مُوجِبَاتٌ لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، (وَلَوْ) وُجِدَتْ (مُتَفَرِّقَةً تُوجِبُ غُسْلًا أَوْ) تُوجِبُ (وُضُوءًا وَنَوَى) بِغُسْلِهِ أَوْ وُضُوئِهِ (أَحَدَهَا) أَيْ: الْأَحْدَاثِ (لَا) إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ (عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ) - أَيْ: غَيْرُ الْمَنْوِيِّ - بِذَلِكَ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ (ارْتَفَعَ سَائِرُهَا) ، أَيْ: ارْتَفَعَتْ كُلُّهَا، لِأَنَّهَا تَتَدَاخَلُ، فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيِّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا، كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ مِنْهَا عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) - أَيْ: ذَلِكَ الْحَدَثِ - وَفِي نُسْخَةٍ: (وَإِنْ أَحْدَثَ بِنَوْمٍ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ غَلَطًا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) ، لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ، (أَوْ) نَوَى بِطَهَارَتِهِ تَخْصِيصَ اسْتِبَاحَةِ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا) كَالظُّهْرِ مَثَلًا عَلَى أَنْ (لَا يَسْتَبِيحَ غَيْرَهَا) ارْتَفَعَ حَدَثُهُ و (لَغَا تَخْصِيصُهُ) فَيُصَلِّي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ مَا شَاءَ مِنْ فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ.
[فَصْلٌ صِفَةُ الْوُضُوء]
(فَصْلٌ) (وَصِفَةُ وُضُوءٍ أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ نَحْوِ صَلَاةٍ، أَوْ الْوُضُوءَ لَهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) ، أَيْ: يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، (وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا) ، وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ، (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - إنْ شَاءَ - بِسِتِّ غَرَفَاتِ أَوْ ثَلَاثِ) غَرَفَاتٍ (وَ) كَوْنُهُمَا (بِغَرْفَةٍ) وَاحِدَةٍ (أَفْضَلُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدٍ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 111
وَيَشْهَدُ لِلثَّلَاثِ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَيْضًا " أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَشْهَدُ لِلسِّتِّ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ سِتٍّ.
تَتِمَّةٌ: يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَرْضَيْنِ، إذْ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ، وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَهُ ﷺ ذَكَرُوا أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا، لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى. (ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَحَدُّهُ طُولًا: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا) ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ، بَالِغًا الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. (إلَى النَّازِلِ مِنْ اللَّحْيَيْنِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَهُمَا: عَظْمَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ قَدْ أَكْتَنَفَاهُ. (وَالذَّقَنُ) : مَجْمَعُ اللِّحْيَةِ طُولًا، فَيَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ (مَعَ مُسْتَرْسِلِ) شَعْرِ (اللِّحْيَةِ) : بِكَسْرِ اللَّام طُولًا، وَمَا خَرَجَ مِنْهُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ عَرْضًا، لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ، بِخِلَافِ مَا نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّس، وَحَدُّ الْوَجْهِ (عَرْضًا: مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ) ، أَيْ: مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ فَهُمَا لَيْسَا مِنْهُ، وَأَمَّا إضَافَتُهُمَا إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ -
стр. 112
«سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَلِلْمُجَاوَرَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ (فَدَخَلَ) فِيهِ (عِذَارٌ وَهُوَ: شَعْرٌ نَابِتٌ عَلَى عَظْمٍ نَاتِئٍ يُحَاذِي صِمَاخَ) - بِكَسْرِ الصَّادِ - (الْأُذُنَيْنِ) ، أَيْ: خَرْقَهُمَا. (وَ) دَخَلَ فِيهِ أَيْضًا (عَارِضٌ، وَهُوَ مَا تَحْتَهُ) - أَيْ: الْعَذَارِ - (إلَى ذَقَنٍ) وَهُوَ: مَا نَبَتَ عَلَى الْخَدِّ وَاللَّحْيَيْنِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا جَاوَزَتْهُ الْأُذُنُ عَارِضٌ، و (لَا) يَدْخُلُ فِيهِ (صُدْغٌ) : بِضَمِّ الصَّادِ، (وَهُوَ: مَا فَوْقَ الْعِذَارِ، يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْهُ قَلِيلًا) بَلْ هُوَ مِنْ الرَّأْسِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ.
(وَلَا) يَدْخُلُ (تَحْذِيفٌ، وَهُوَ) : الشَّعْرُ (الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزَعَةِ) - بِفَتْحِ الزَّايِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ - (وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ) لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ أَشْبَهَ الصُّدْغَ.
(وَلَا) يَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ أَيْضًا (النَّزْعَتَانِ وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ) - أَيْ: جَانِبَيْ مُقَدِّمِهِ - لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا الْمُوَاجَهَةُ، (بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ فَيُمْسَحُ مَعَهُ) ، لِأَنَّ الرَّأْسَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَالْإِضَافَةُ إلَى الْوَجْهِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
لِلْمُجَاوَرَةِ. وَيُسْتَحَبُّ تَعَاهُدُ الْمَفْصِلِ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ نَصًّا. (وَلَا يُجْزِئُ غَسْلُ ظَاهِرِ شَعْرٍ) فِي الْوَجْهِ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ تَحْصُلُ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَاَلَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا، وَوَجَبَ غَسْلُ الشَّعْرِ مَعَهَا، لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَيَتْبَعُهَا، (إلَّا أَنْ) يَكُونَ
стр. 113
الشَّعْرُ كَثِيفًا (لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) ، فَيُجْزِئُهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ دُونَ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ.
(وَيُسَنُّ تَخْلِيلُهُ) - أَيْ: الشَّعْرِ الْكَثِيفِ. - (إذَنْ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي السُّنَنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ كَثِيفًا وَبَعْضُهُ خَفِيفًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. و (لَا) يُسَنُّ (غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ) فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ، (بَلْ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ فِعْلُهُ وَلَا الْأَمْرُ بِهِ. (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُهُ (مِنْ نَجَاسَةٍ وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ) فَيُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ، قِيلَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ عَيْنَيْهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) احْتِمَالٌ (وَدَمْعُهُ) - أَيْ: مُتَنَجِّسِ الْعَيْنِ - (طَاهِرٌ) ، لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. هَذَا الِاتِّحَادُ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِهِمْ، إذْ الْقَاعِدَةُ: أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْجُوزَ عَنْ إزَالَتِهَا إنَّمَا يُعْفَى عَنْهَا مَا دَامَتْ فِي مَحَلِّهَا كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ. وَيُسْتَحَبُّ تَكْثِيرُ مَاءِ الْوَجْهِ لِأَنَّ فِيهِ غُضُونًا - جَمْعُ: غَضْنٍ، وَهُوَ: التَّثَنِّي - وَدَوَاخِلُ وَخَوَارِجُ، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «وَكَانَ يَتَعَاهَدُ الْمَاقَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَهُمَا تَثْنِيَةُ: الْمَاقِ: مَجْرَى الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ. (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ يَغْسِلُ (يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ) ثَلَاثًا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) مَعَ (أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) مَعَ (يَدٍ أَصْلُهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ
стр. 114
أَشْبَهَ الثُّؤْلُولَ. (أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، بِأَنْ تَدَلَّى لَهُ ذِرَاعَانِ بِيَدَيْنِ مِنْ الْعَضُدِ، (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الزَّائِدَةُ مِنْهُمَا، فَيَغْسِلُهُمَا لِيَخْرُجَ مِنْ الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَجَهِلَهَا. (وَ) مَعَ (أَظْفَارٍ) وَلَوْ طَالَتْ، لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِيَدِهِ خِلْقَةً فَدَخَلَتْ فِي مُسَمَّى الْيَدِ. (وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ) ، كَدَاخِلِ أَنْفِهِ (وَلَوْ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ) ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ ﷺ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
(وَأَلْحَقَ بِهِ) - أَيْ: بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ - (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ) وُصُولَ الْمَاءِ (كَدَمٍ وَعَجِينٍ فِي أَيِّ عُضْوٍ كَانَ) مِنْ الْبَدَنِ، وَاخْتَارَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفْرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الشُّقُوقُ الَّتِي فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ. (وَمَنْ خُلِقَ بِلَا مِرْفَقٍ غَسَلَ إلَى قَدْرِهِ فِي غَالِبِ النَّاسِ) وُجُوبًا بِلَا نِزَاعٍ. (وَيَجِبُ غَسْلُ مَا) - أَيْ: جِلْدٍ - (الْتَحَمَ) بَعْدَ أَنْ كُشِطَ (مِنْ عَضُدٍ بِذِرَاعٍ) مُتَعَلِّقٌ ب " الْتَحَمَ " - لِأَنَّهُ صَارَ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ (لَا عَكْسِهِ) ، بِأَنْ كُشِطَ جِلْدٌ مِنْ الذِّرَاعِ فَارْتَفَعَ حَتَّى تَدَلَّى مِنْ الْعَضُدِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَإِنْ طَالَ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَلَوْ تَقَلَّصَتْ جِلْدَةٌ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِالْآخَرِ؛ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَالْمُتَجَافِي مِنْهُ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ مِنْ بَاطِنِهَا، وَغَسَلَ مَا تَحْتَهُ، لِأَنَّهَا كَالنَّاتِئَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ أَصْلُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَتَمَيَّزَتْ؛ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً، (ثُمَّ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ) مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ إلَى قَفَاهُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ ﷺ مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ
стр. 115
وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ. وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، أَيْ: إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْصَقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، أَيْ: الْمَسْحَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ شَيْءٌ يُلْصَقُ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ. وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً: فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ وَابْنَ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاءِ تُبَعِّضُ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ: فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يُرْوَى. وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
(وَ) لَا يَجِبُ مَسْحُ (مُسْتَرْسِلٍ) أَيْ: نَازِلٍ عَنْ الرَّأْسِ (مِنْ شَعْرٍ) ، لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّس (وَلَا يُجْزِئُ) مَسْحُهُ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ (وَلَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمُسْتَرْسِلَ (وَعَقَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - (وَلَوْ مَسَحَ الْبَشَرَةَ) فَقَطْ (مِنْ تَحْتِهِ) - أَيْ: تَحْتَ شَعْرِ الرَّأْسِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) حَتَّى يَمْسَحَ ظَاهِرَ الشَّعْرِ أَيْضًا، (ك) مَا لَا يُجْزِئُ (غَسْلُ بَاطِنِ لِحْيَةٍ) عَنْ ظَاهِرِهَا. (وَمَعَ فَقْدِ شَعْرٍ) بِرَأْسٍ (تُمْسَحُ بَشَرَةٌ) ، لِأَنَّهَا ظَاهِرُ الرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. (وَمَعَ فَقَدْ بَعْضِ) شَعْرِ رَأْسٍ (يُمْسَحَانِ) ، أَيْ: يُمْسَحُ الْبَاقِي مِنْ الشَّعْرِ وَتَمْسَحُ الْبَشَرَةُ الْخَالِيَةُ مِنْهُ. (إنْ نَزَلَ) شَعْرٌ (عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ فَرْضٍ فَمَسَحَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ مَا تَحْتَهُ) - أَيْ: تَحْتَ النَّازِلِ (مَحْلُوقًا) كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ فَوْقَ بَعْضٍ (وَلَا يُعْفَى عَنْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ)
стр. 116
شَعْرِ الرَّأْسِ (بِلَا مَسْحٍ، وَلَوْ) كَانَ التَّرْكُ (لِلْمَشَقَّةِ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ. وَإِنْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِمَا يَسْتُرُهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْوُضُوءِ إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ، أَوْ غَسَلَ عُضْوًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا، أَوْ جِلْدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ. وَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ، أَوْ قَطَعَ جُزْءًا أَوْ جِلْدَةً مِنْ عُضْوٍ، غَسَلَ أَوْ مَسَحَ مَا ظَهَرَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لَهُ دُونَ الذَّاهِبِ. (وَهُوَ) - أَيْ: الرَّأْسُ - (مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ) ، أَيْ: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا (إلَى مَا يُسَمَّى قَفًا) بِالْقَصْرِ، وَهُوَ: مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ، (وَالْبَيَاضُ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - فَيَجِبُ مَسْحُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (يُمِرُّ نَدْبًا يَدَيْهِ مِنْ مُقَدِّمِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (إلَى قَفَاهُ) حَالَ كَوْنِهِ (وَاضِعًا طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَ) وَاضِعًا (إبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا) إلَى مُقَدِّمِهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَرُدُّهُمَا، (وَلَوْ خَافَ نَشْرَ شَعْرِهِ) بِذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ (بِمَاءٍ وَاحِدٍ) ، فَلَا يَأْخُذُ لِلرَّدِّ مَاءً آخَرَ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ) يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا لِأُذُنَيْهِ، و (يُدْخِلُ سَبَّابَتَهُ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا) ، لِمَا فِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ» قَالَ فِي " الشَّرْحِ: " (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِغَضَارِيفَ) ، لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، فَالْأُذُنُ أَوْلَى، (وَيُجْزِئُ) الْمَسْحُ
стр. 117
لِلرَّأْسِ وَالْأُذُنِ (كَيْفَ مَسَحَ، وَ) يُجْزِئُ الْمَسْحُ أَيْضًا (بِحَائِلٍ) ، كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَلَا يُجْزِئُ وَضْعُ يَدِهِ أَوْ نَحْوِ خِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ بَلَّ خِرْقَةً عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ. (وَ) يُجْزِئُ (غَسْلُهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ (بِكَرَاهَةٍ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ إنْ أَمَرَّ يَدَهُ) عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِعَدَمِ الْمَسْحِ، (وَكَذَا إنْ أَصَابَهُ) - أَيْ: الرَّأْسَ - (مَاءٌ) مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ، فَأَمَرَّ يَدَهُ لِوُجُودِ الْمَسْحِ بِمَاءٍ طَهُورٍ، وَالْأُذُنَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَرَأْسٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَأُذُنٍ، وَلَا مَسْحُ عُنُقٍ.
(ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ) مَرَّةً (وُجُوبًا) ، وَالْمُسْتَحَبُّ غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا، (وَهُمَا: الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي) أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ (جَانِبَيْ رِجْلِهِ) أَيْ: قَدَمِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَعْبُ هُوَ الَّذِي فِي أَصْلِ الْقَدَمِ مُنْتَهَى السَّاقِ، بِمَنْزِلَةِ كِعَابِ الْقَنَا. وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] حُجَّةٌ لِذَلِكَ، أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ. وَلَوْ أَرَادَ جَمِيعَ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] . وَيَصُبُّ الْمَاءَ بِيُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى كِلْتَا رِجْلَيْهِ، وَيَغْسِلُهُمَا بِالْيُسْرَى نَدْبًا، (وَالْأَقْطَعُ مِنْ مَفْصِلِ مِرْفَقٍ) الْمَفْصِلُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ، وَالْمِرْفَقُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَكَسْرُ الْفَاءِ. (وَ) مِنْ مَفْصِلِ (كَعْبٍ يَغْسِلُ وُجُوبًا مَا بَقِيَ مِنْ طَرَفِ عَضُدٍ وَ) طَرَفِ (سَاقٍ) ، لِأَنَّهُ بَاقِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَ) الْأَقْطَعُ (مِنْ دُونِهِمَا) ، أَيْ: دُونَ مَفْصِلِ مِرْفَقٍ وَكَعْبٍ، يَغْسِلُ مَا بَقِيَ
стр. 118
مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) الْأَقْطَعُ (مِنْ فَوْقِهِمَا) ، أَيْ: مَفْصِلِ مِرْفَقٍ وَكَعْبٍ. (سُنَّ) لَهُ (أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ قَطْعٍ بِمَاءٍ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ. (وَكَذَا) ، أَيْ: كَالْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ (تَيَمُّمٌ) ، فَالْأَقْطَعُ مِنْ مَفْصِلِ كَفٍّ يَمْسَحُ مَحَلَّ قَطْعٍ بِالتُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ مَسَحَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ، وَمِنْ فَوْقِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ مَسْحُ مَحَلِّ قَطْعٍ بِتُرَابٍ. وَإِنْ وَجَدَ أَقْطَعُ وَنَحْوُهُ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ وَقَدَرَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَوَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا إعَادَةَ، وَاسْتِنْجَاءٌ مِثْلُهُ، وَإِنْ تُبُرِّعَ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ
[فَصْلٌ مَا يَقُولهُ مَنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ]
(فَصْلٌ) (وَسُنَّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ رَفْعُ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ (وَقَوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ " «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) " رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ " فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) .
لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ؛ طُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلَى
стр. 119
يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا. وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحْيِي مِنْ عَمَلِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ، كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ. قَالَ: وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ، وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ، وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي، بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا، فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ. وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ، وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ.
(وَكُرِهَ كَلَامٌ حَالَةَ وُضُوءٍ) ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: " وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. (وَالْمُرَادُ) بِالْكَرَاهَةِ هُنَا: (تَرْكُ الْأَوْلَى) ، وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ. (وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ) : أَطْلَقَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، (يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، وَفِي الرِّعَايَةِ " وَرَدُّهُ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": مَعَ أَنَّهُ ذِكْرٌ. (وَفِي " الْفُرُوعِ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ سَلَامٌ وَلَا رَدٌّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلَ لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: أُمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» .
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ
стр. 120
وَالْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا عَنْهُ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ ﷺ . انْتَهَى) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْت حَدِيثَ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي " الْمُحَرَّرِ " إذْ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذَا قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَفِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (وَقِيلَ: بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) .
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ " وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
(وَيُبَاحُ لِمُتَطَهِّرٍ تَنْشِيفٌ) لِحَدِيثِ سَلْمَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ ". وَتَرْكُهُ لَهُ ﷺ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ لَمَّا أَتَتْهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ " لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ مَعَ أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا.
(وَ) يُبَاحُ لَهُ (مُعِينٌ) ، لِحَدِيثِ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَتَرْكُهُمَا) - أَيْ: التَّنْشِيفِ وَالْمُعَيَّنُ - (أَفْضَلُ) ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الْعِبَادَةِ. (وَكُرِهَ نَفْضُ مَاءٍ) يَدَيْهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ. (وَقَدْ يَجِبُ مُعِينٌ) لِمُتَوَضِّئٍ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ فِي حَقِّ نَحْوِ أَقْطَعَ) وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ عَاجِزٍ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ)
стр. 121
صَلَاةٍ (إلَّا مِنْ يُيَمِّمُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِمَا بِنَفْسِهِ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ تَنْشِيفٍ لِمُتَيَمِّمٍ) عَنْ جَبِيرَةٍ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ التَّنْشِيفُ، (لِضِيقِ وَقْتِ) صَلَاةٍ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَقْتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ كَوْنُ مُعِينٍ عَنْ يَسَارِهِ) - أَيْ: الْمُتَوَضِّئِ - لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ، (كَإِنَاءِ وُضُوءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ) فَيَجْعَلُهُ عَنْ يَسَارِهِ لِيَصُبَّ مِنْهُ بِهِ عَلَى يَمِينِهِ. (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِنَاءُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ بَلْ كَانَ وَاسِعًا، فَيَجْعَلُهُ (عَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا.
(وَمَنْ) (وُضِّئَ أَوْ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ) - بِبِنَاءِ الثَّلَاثِ لِلْمَفْعُولِ - (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمَفْعُولِ بِهِ، (مُطْلَقًا) أَيْ: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَنَوَاهُ) (؛ صَحَّ) وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ، مُسْلِمًا كَانَ الْفَاعِلُ أَوْ كَافِرًا، لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَلِوُجُودِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، و (لَا) يَصِحُّ وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ (إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ) - أَيْ: مُوَضِّئٌ - أَوْ غَاسِلٌ أَوْ مُيَمِّمٌ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ قِنَّهُ فَيَصِحُّ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ صَابٌّ لِلْمَاءِ. وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي الصِّحَّةَ إذَا أُكْرِهَ الصَّابُّ، لِأَنَّ الصَّبَّ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ، فَيُشْبِهُ الِاغْتِرَافَ بِإِنَاءٍ مُحَرَّمٍ. (أَوْ) أُكْرِهَ (مَفْعُولٌ) - أَيْ: مُتَوَضِّئٌ - عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، كَغُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَفَعَلَ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ (لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ) فَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، (لَا) إنْ فَعَلَ ذَلِكَ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهِ التَّقَرُّبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَصِحُّ لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
стр. 122
[تَتِمَّةٌ الْوُضُوءُ هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ]
تَتِمَّةٌ: اُخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ: هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ " فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا، وَإِنَّمَا الْمَخْصُوصُ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِضَعْفِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ، لَا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ: " لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَذَا الرَّاعِي " وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ ﷺ لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ، أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتْ اللَّهَ .
[بَابٌ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ]
(بَابٌ) (مَسْحُ الْخُفَّيْنِ) (وَمَا فِي مَعْنَاهَا) كَالْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ، وَكَذَا عِمَامَةٌ وَخِمَارٌ (فِي وُضُوءٍ لَا فِي غُسْلٍ وَلَوْ) كَانَ الْغُسْلُ (مَنْدُوبًا رُخْصَةٌ) ، وَهِيَ لُغَةً: السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَالْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ هُوَ: فِعْلُهُ ﷺ وَفِعْلُ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَضِدُّهَا الْعَزِيمَةُ، وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَالرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ. وَالْمَسْحُ (أَفْضَلُ مِنْ غَسْلٍ) لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ. وَعَنْهُ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ
стр. 123
بِرُخَصِهِ» وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ.
وَالْمَسْحُ (يَرْفَعُ الْحَدَثَ) ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ أَشْبَهَ الْغُسْلَ، (ولَا يُسَنُّ أَنْ يَلْبَسَ) خُفًّا وَنَحْوَهُ (لِيَمْسَحَ) عَلَيْهِ (كَالسَّفَرِ لِيَتَرَخَّصَ) " وَكَانَ ﷺ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُهُمَا إذَا كَانَتَا فِي الْخُفِّ " (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ) - أَيْ: الْمَسْحِ عَلَى نَحْوِ الْخُفِّ - (لِلَابِسٍ) لَمْ يَفْضُلْ (مَعَهُ) إلَّا مَاءٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ، (مَا يَكْفِي لِمَسْحٍ فَقَطْ) ، فَيَسْتَعْمِلُهُ وَيَمْسَحُ وُجُوبًا، وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ خَلْعُهُ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إتْمَامِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ.
(وَاحْتُمِلَ) وُجُوبُهُ عَلَى (تَارِكِهِ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ أَوْ شَكًّا فِي جَوَازِهِ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَرَدْعًا لَهُ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مِنْ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ وَالْخَيَالِ الْكَاسِدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكُرِهَ لُبْسٌ) لِمَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ (لِمُدَافِعٍ نَحْوَ الْأَخْبَثَيْنِ) كَالرِّيحِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ اللُّبْسُ الَّذِي يُرَادُ لِلصَّلَاةِ. وَرَدَّهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ النُّعَاسِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ اللُّبْسِ وَالصَّلَاةِ أَنَّ الصَّلَاةَ يُطْلَبُ فِيهَا الْخُشُوعُ، وَاشْتِغَالُ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِهِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ.
(وَيَصِحُّ مَسْحٌ عَلَى خُفٍّ) فِي رِجْلَيْهِ، قَالَ الْحَسَنُ: «حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى - مِنْهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ،
стр. 124
قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ، لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَبِيُّ: كَانَ إسْلَامُ جَرِيرٍ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِيَسِيرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَاحْتِمَالُ تَحَمُّلِهِ حَالَ كُفْرِهِ وَإِنْ جَازَ بَعِيدٌ جِدًّا.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ (عَلَى جُرْمُوقٍ وَهُوَ: خُفٌّ قَصِيرٌ) ، وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْمُوقُ، لِحَدِيثِ بِلَالٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْخِمَارُ هُنَا: الْعِمَامَةُ، لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الرَّأْسَ، وَلِأَبِي دَاوُد «كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ» وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ بِلَالٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «امْسَحُوا عَلَى النَّصِيفِ وَالْمُوقِ» قَالَ فِي الصِّحَاحِ ": النَّصِيفُ: الْخِمَارُ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا (عَلَى جَوْرَبٍ صَفِيقٍ) - أَيْ: رَقِيقٍ - (مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، كَقُطْنٍ وَوَبَرِ نَعْلٍ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مَنْعُولَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، إذْ لَا يُقَالُ: عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِيٌّ وَعَمَّارٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ وَالْبَرَاءُ وَبِلَالٌ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ. انْتَهَى وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ، إذْ هُوَ مَلْبُوسٌ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخُفَّ، (حَتَّى لِزَمِنٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ لِعَاهَةٍ، (وَذِي سَلَسٍ) ، فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى هَذِهِ الْحَوَائِلِ كَالسَّلِيمِ.
(وَ) يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى نَحْوِ خُفٍّ (بِرِجْلٍ قُطِعَتْ
стр. 125
أُخْرَاهَا مِنْ فَوْقِ فَرْضِهَا) بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا لَبِسَ مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ؛ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، (وَلَا) يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ (تَحْتِهِ) أَيْ: تَحْتَ مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَغَسَلَهُ) ، أَيْ: غَسَلَ الْبَاقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَأَرَادَ مَسْحَ خُفِّ الْأُخْرَى) فَلَا يَكْفِيهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ وَالسَّالِمَةِ، وَمَسَحَهُمَا مَعًا جَازَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَلَا) يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى نَحْوِ الْخُفَّيْنِ لِمُحْرِمٍ ذَكَرٍ (لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ) إنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، كَالْمَرْأَةِ تَلْبَسُ الْعِمَامَةَ لِحَاجَةٍ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الْمَمْسُوحِ إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي، وَهُمَا لَا يُبَاحَانِ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا بَلْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
، (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ (عَلَى عِمَامَةٍ) لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ، وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عُمَرَ " مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالتَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (جَبَائِرَ) جَمْعُ جَبِيرَةٍ نَحْوُ أَخْشَابٍ تُرْبَطُ عَلَى نَحْوِ كَسْرٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضُدَ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (خُمُرِ نِسَاءٍ مُدَارَةً تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ " كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِقَوْلِهِ
стр. 126
- ﷺ : «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ، أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، بِخِلَافِ الْوِقَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَتُشْبِهَ طَاقِيَّةَ الرَّجُلِ.
(وَلَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (قَلَانِسَ) ، جَمْعُ: قَلَنْسُوَةٍ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ السِّينِ، أَوْ قُلْنُسِيَةٌ: بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ: مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ، وَمِثْلُهَا الدِّينَاتُ: قَلَانِسُ كِبَارٌ كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا.
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، فَأَشْبَهَتْ الكلنة.
(وَ) لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (لَفَائِفَ) جَمْعُ لِفَافَةٍ: مَا تُلَفُّ مِنْ خِرَقٍ وَنَحْوِهَا عَلَى الرِّجْلِ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَشُرِطَ فِي مَمْسُوحٍ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ بِمَاءٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يُصْرَفُ إلَى الْكَامِلِ، وَأَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلَتْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَلَوْ مَسَحَ فِيهَا عَلَى حَائِلٍ) ، بِأَنْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا مَسَحَ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ، ثُمَّ لَبِسَ نَحْوَ خُفٍّ، فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ رَافِعَةٌ لِلْحَدَثِ كَاَلَّتِي لَمْ يُمْسَحْ فِيهَا عَلَى حَائِلٍ، (أَوْ تَيَمَّمَ) فِي طَهَارَةٍ بِمَاءٍ (لِجُرْحٍ) فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ لَبِسَ نَحْوَ خُفٍّ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِتَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ بِمَاءٍ فِي الْجُمْلَةِ، (أَوْ كَانَ حَدَثُهُ) - أَيْ: لَابِسُ نَحْوِ خُفٍّ - (دَائِمًا) كَمُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ،
стр. 127
وَتَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَامِلَةٌ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّ الْمَعْذُورَ أَوْلَى بِالرُّخَصِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ كَغَيْرِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ نَزَعَهَا، وَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى خَلَعَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى، لِتَكْمُلَ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ تَطَهَّرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِهِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْقَدَمُ إلَى مَوْضِعِهَا، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ.
وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا، أَوْ قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا فِيهِ أَوْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ رَفْعَ حَدَثِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا وَأَدْخَلَهُمَا فِيهِ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ، (فَتُرْفَعُ عِمَامَةٌ بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ تُعَادُ) ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الْمَسْحِ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِهَا، (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى مَغْصُوبٍ وَ) لَا (حَرِيرٍ لِذَكَرٍ، وَ) لَا (نَقْدٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ خَافَ بِنَزْعِهِ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ مِنْ بَرْدٍ، لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسَافِرُ الرُّخَصَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا حَرِيرٌ لِرَجُلٍ وَمُذَهَّبٌ وَنَحْوُهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ: (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) - أَيْ: الْمَمْسُوحِ - (وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ، فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى جِلْدِ نَحْوِ مَيْتَةٍ) مِمَّا فَوْقَ الْهِرِّ خِلْقَةً، وَلَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ، وَلَوْ دُبِغَ وَذُكِّيَ حَيَوَانُهُ لِنَجَاسَتِهِ، (وَيَتَيَمَّمُ) مَنْ لَبِسَ سَاتِرًا نَجِسًا (مَعَ ضَرُورَةٍ بِنَزْعِهِ لِمَسْتُورٍ مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ) بِالنَّجَسِ مِنْ
стр. 128
رِجْلَيْنِ، أَوْ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ طَاهِرَ الْعَيْنِ وَتَنَجَّسَ بَاطِنُهُ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِ مَسَّ مُصْحَفٍ، وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِغَسْلِهِ، أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ) - أَيْ: بِالنَّجِسِ - لِحَمْلِهِ النَّجَاسَةَ فِيهَا. (وَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى طَاهِرِ عَيْنٍ مُتَنَجِّسٍ، وَيَسْتَبِيحُ) بِهِ (مَسَّ مُصْحَفٍ وَنَحْوَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ (إنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ نَجَاسَةٍ) .
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: (أَنْ لَا يَصِفَ) نَحْوُ خُفٍّ (الْبَشَرَةَ) دَاخِلَهُ (لِصَفَائِهِ) كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ (أَوْ خِفَّتِهِ) ، فَإِنْ وَصَفَ الْبَشَرَةَ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَ النَّعْلَ.
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ: (سَتْرُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ خَرْقٌ أَوْ غَيْرُهُ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَلَوْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَرَزِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَلَوْ) كَانَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ (بِمُخَرَّقٍ أَوْ بِمُفَتَّقٍ، وَيَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ) إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ كَوْنُهُ صَحِيحًا، (أَوْ) كَانَ مَحَلُّ الْفَرْضِ (يَبْدُو بَعْضُهُ) مِنْ السَّاتِرِ (لَوْلَا شَدُّهُ) أَيْ: رَبْطُهُ (أَوْ شَرْجُهُ) ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ، كَالزُّرْبُولِ لَهُ سَاقٌ وَعُرًى يَدْخُلُ بَعْضُهَا فَيَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرَجِ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ بِلُبْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَبِيرًا كَانَ الْخَرْقُ أَوْ صَغِيرًا مِنْ مَحَلِّ الْخَرَزِ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ: (ثُبُوتُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَعْلَيْنِ، وَيُمْسَحُ) عَلَيْهِ (إلَى خَلْعِهِمَا) مَا دَامَتْ الْمُدَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَيُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرُ الْوَاجِبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
стр. 129
ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبُ. .
(وَ) الشَّرْطُ السَّابِعُ: (إمْكَانُ مَشْيٍ عُرْفًا بِمَمْسُوحٍ) لَا كَوْنُهُ يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّامِنُ: (أَنْ لَا يَكُونَ) الْخُفُّ (وَاسِعًا) بِحَيْثُ (يُرَى مِنْهُ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، أَشْبَهَ الْمُخَرَّقَ الَّذِي لَا تَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ، (وَلَا) يُشْتَرَطُ (كَوْنُهُ مُعْتَادًا فَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى جِلْدِ وَلِبَدٍ وَخَشَبَةٍ وَنَحْوِ حَدِيدٍ) كَنُحَاسٍ (وَزُجَاجٍ) لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ حَيْثُ أَمْكَنَ الْمَشْيُ فِيهِ.
(وَ) شُرِطَ (فِي) مَسْحِ (عِمَامَةٍ) ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: (كَوْنُهَا مُحَنَّكَةً) ، أَيْ: مَدَارٌ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ، أَوْ كُورَانٌ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَا، لِأَنَّ هَذِهِ عِمَامَةُ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَكْثَرُ سِتْرًا، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، (أَوْ) كَوْنُهَا (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) ، بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَهِيَ: طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى مَجَازًا، وَأَصْلُهَا النَّاصِيَةُ، أَوْ مَنْبَتُهَا مِنْ الرَّأْسِ، وَشَعْرٌ فِي أَعْلَى نَاصِيَةِ الْفَرَسِ (إذْ غَيْرُهُمَا) أَيْ: غَيْرُ الْمُحَنَّكَةِ، وَذَاتُ الذُّؤَابَةِ (مَكْرُوهٌ) ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِي نَزْعِهَا كالكلنة وَلِأَنَّهَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
(وَ) الثَّانِي: كَوْنُهَا (عَلَى ذَكَرٍ لَا عَلَى أُنْثَى، وَلَوْ) كَانَ لُبْسُ الْأُنْثَى لَهَا (لِضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ عَادَةٍ (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) عَلَى (خُنْثَى) مُشْكِلٍ (احْتِيَاطًا، فَلَا يَمْسَحُ) الْخُنْثَى (عِمَامَةً لَبِسَهَا) ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ أُنْثَى (وَلَا) يَمْسَحُ (خِمَارًا) تَخَمَّرَ بِهِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَكَرًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 130
(وَ) الثَّالِثُ: (أَنْ تَسْتُرَ) الْعِمَامَةُ (غَيْرَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) ، كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَجَوَانِبِ الرَّأْسِ فَيُعْفَى عَنْهُ، بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ، لِأَنَّ هَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، (وَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ) - أَيْ: مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ - (مَعَهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ، لِأَنَّهَا نَابِتٌ عَنْ الرَّأْسِ فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا. (بَلْ يُسَنُّ) مَسْحُ مَا الْعَادَةُ كَشْفُهُ نَصًّا «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ شَرْطٌ رَابِعٌ، وَهِيَ: أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى عِمَامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ حَرِيرٍ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُفِّ، وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ دَوَائِرِهَا، لِأَنَّهَا أَحَدُ الْمَمْسُوحَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهَا كَالْخُفِّ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
(وَإِنْ لَبِسَ لَابِسُ خُفٍّ عَلَيْهِ) خُفًّا (آخَرَ لَا بَعْدَ حَدَثٍ وَلَوْ مَعَ خَرْقِ أَحَدِهِمَا) ، صَحَّ مَسْحُهُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ مُطْلَقًا، وَعَلَى التَّحْتَانِيِّ إنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَ (لَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ مَعَ خَرْقِ (كِلَيْهِمَا) - أَيْ: الْخُفَّيْنِ - وَلَوْ سِتْرًا، وَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ (صَحَّ مَسْحٌ عَلَى أَيُّهُمَا شَاءَ) ، وَإِذَا أَرَادَ مَسْحَ التَّحْتَانِيِّ (فَيُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ، وَيَمْسَحُ الْأَسْفَلَ) .
(وَإِنْ نَزَعَ) لَابِسُ خُفَّيْنِ خُفًّا (مَمْسُوحًا لَزِمَ نَزْعُ الْآخَرِ) وَإِعَادَةُ الْوُضُوءِ، (وَ) إنْ لَبِسَ الْخُفَّ الْآخَرَ (بَعْدَ حَدَثٍ) فَإِنَّهُ (يَتَعَيَّنُ) عَلَيْهِ (مَسْحُ الْأَسْفَلِ) ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
(وَلَا يَضُرُّ) (قَشْطُ ظِهَارَةِ) - بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ ضِدُّ الْبِطَانَةِ - (خُفٍّ مَسَحَ) عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، لِبَقَاءِ سَتْرِ الْمَحَلِّ، وَكَالْمُتَوَضِّئِ إذَا حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ.
(وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا صَحِيحًا لَا مُخَرَّقًا عَلَى
стр. 131
لِفَافَةٍ جَازَ مَسْحُهُ) ، فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُخَرَّقًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَتَرَتْ اللِّفَافَةُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ (وَجُرْمُوقًا فِي) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى جَازَ مَسْحُهُمَا) ، أَيْ: الْخُفِّ وَالْجُرْمُوقِ.
(وَ) إنْ لَبِسَ (عِمَامَةً فَوْقَ أُخْرَى قَبْلَ حَدَثٍ مَسَحَ الْعُلْيَا الَّتِي بِصِفَةِ السُّفْلَى) ، أَيْ: بِأَنْ كَانَتْ مُبَاحَةً سَاتِرَةً لِمَحَلِّ الْفَرْضِ مُحَنَّكَةً، أَوْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، وَإِلَّا تَكُنْ الْعُلْيَا بِصِفَةِ السُّفْلَى، كَمَا لَوْ تَرَكَ فَوْقَهَا مِنْدِيلًا فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِمَامَةٍ.
[فَصْلٌ مُدَّةُ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
فَصْلٌ (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ مُطْلَقًا) مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، (وَعَاصٍ بِسَفَرِهِ) كَآبِقٍ (يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ إلَى مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْلِ وَقْتِ ابْتِدَاءِ الْحَدَثِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَأَوَّلُهُ) - أَيْ: أَوَّلُ ابْتِدَاءِ الْمَسْحِ - (دُخُولُ وَقْتٍ لِكُلٍّ دَائِمٍ حَدَثٍ) تَطَهَّرَ قَبْلَهُ، إذْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ فَيَبْتَدِئُ الْمُدَّةَ مِنْ حِينَئِذٍ، (أَوْ) مِنْ حِينِ (نُقِضَ بِ) طُرُوءِ نَاقِضٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ فَعَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذَا الِاتِّجَاهِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ دَائِمِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) يَمْسَحُ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
стр. 132
بِلَيَالِيِهِنَّ مَنْ بِسَفَرِ قَصْرٍ لَمْ يَعْصِ بِهِ) - أَيْ: بِالسَّفَرِ - بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَلَوْ عَصَى فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (أَوْ) - أَيْ: وَيَمْسَحُ ثَلَاثَةً بِلَيَالِيِهِنَّ مَنْ (سَافَرَ) سَفَرَ قَصْرٍ مُبَاحًا (بَعْدَ حَدَثٍ) وَ (قَبْلَ مَسْحٍ وَيَتَّجِهُ: وَفَارَقَ الْبِنَاءَ) وَأَمَّا لَوْ مَسَحَ فِي أَثْنَاءِ الْبِنَاءِ الْمَنْسُوبِ لِلْبَلْدَةِ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا، فَلَا يَتَجَاوَزُ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَخْلَعُ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ) مِنْ ابْتِدَاءِ حَدَثٍ، (وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ لِفَرَاغِهَا وَمَا لَمْ يُحْدِثْ، فَلَا تُحْسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ أَقَامَ عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ، وَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَخَافَ النَّزْعَ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ تَضَرُّرِ رَفِيقِهِ بِسَفَرٍ بِانْتِظَارِهِ أَوْ اشْتَغَلَ بِنَزْعِ نَحْوِ خُفٍّ تَيَمَّمَ، فَإِنْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ. (وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ) ؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ. (وَيَتَّجِهُ) أَنْ تَكُونَ إقَامَتُهُ (إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ) ، كَكَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ يَنْوِي بِإِقَامَتِهِ هَذَا الْقَدْرَ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ فَيُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ إنْ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِ شَيْءٌ وَإِلَّا خَلَعَ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ) مَسَحَ (مُقِيمًا) أَقَلَّ مِنْ مُدَّتِهِ (ثُمَّ سَافَرَ) ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ، (أَوْ شَكَّ) مَاسِحٌ سَافَرَ (فِي ابْتِدَائِهِ) - أَيْ: الْمَسْحِ - بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَمَسَحَ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا؟ (لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، (فَيَخْلَعُ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (فِي الْحَالِ مُسَافِرٌ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ أَقَامَ) لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِ، (وَلَوْ صَلَّى) مُسَافِرٌ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، (فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - بَطَلَتْ، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ، (وَكَذَا لَوْ
стр. 133
كَانَ فِي سَفِينَةٍ) ، وَتَلَبَّسَ فِي صَلَاةٍ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، (فَدَخَلَ) مَحَلَّ الْإِقَامَةِ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ - بَطَلَتْ فِي الْأَشْهَرِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَ) إنْ تَوَضَّأَ (شَاكٌّ فِي بَقَاءِ مُدَّةِ) الْمَسْحِ، (فَلَا يَمْسَحُ) مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا مَا دَامَ الشَّكُّ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ، (فَإِنْ مَسَحَ) مَعَ الشَّكِّ (فَبَانَ بَقَاؤُهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ؛ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ (وَلَا) يُصَلِّي بِهِ (قَبْلَ تَبَيُّنِ) بَقَاءِ الْمُدَّةِ، (فَإِنْ فَعَلَ) إذَنْ (أَعَادَ) ، وَإِنْ لَمْ يُتَبَيَّنْ بَقَاؤُهَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ.
(وَيَجِبُ مَسْحُ دَوَائِرِ أَكْثَرِ الْعِمَامَةِ) ، لِأَنَّهَا أَحَدُ الْمَمْسُوحَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهِ كَالْخُفِّ، وَ (لَا) يَلْزَمُ مَسْحُ (وَسَطِهَا) ، بَلْ وَلَا يَكْفِي، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَسْفَلَ الْخُفِّ، (وَ) يَجِبُ مَسْحُ (أَكْثَرِ أَعْلَى نَحْوِ خُفٍّ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَسُنَّ) مَسْحُهُ (بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ مُفَرَّجَةً مِنْ أَصَابِعِهِ) - أَيْ: أَصَابِعِ قَدَمِهِ - إلَى سَاقِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعًا، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» (وَفِي " التَّلْخِيصِ ") وَ " التَّرْغِيبِ " (يُسَنُّ تَقْدِيمُ يُمْنَى عَلَى يُسْرَى) ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ " الْبُلْغَةِ " وَقَالَ: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ. (وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ) أَيْ: الْخُفِّ - إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يُسَنُّ) مَسْحُهُمَا مَعَ أَعْلَى الْخُفِّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَحُكْمُ مَسْحِهِ) - أَيْ: الْخُفِّ - (بِأُصْبُعٍ أَوْ) أَكْثَرَ أَوْ (بِحَائِلٍ) ، كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ، (وَحُكْمُ غَسْلِهِ كَرَأْسٍ) فِي
стр. 134
وُضُوءٍ، وَلَوْ مَسَحَ مِنْ سَاقٍ الْخُفِّ لِأَصَابِعِهِ أَجْزَأَ، (وَكُرِهَ غَسْلُ) الْخُفِّ لِعُدُولِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ إفْسَادِهِ، (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (تَكْرَارُ مَسْحِ) الْخُفِّ: بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، اسْمُ مَصْدَرٍ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى غَسْلِهِ.
[فَصْلٌ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَةٍ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ فِي الْمَسْح عَلَى الْعَمَائِم وَالْجَبَائِر]
(فَصْلٌ) (وَمَتَى ظَهَرَ) بَعْدَ حَدَثٍ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ مِنْ عِمَامَةٍ مَمْسُوحَةٍ (بَعْضُ رَأْسٍ، وَفَحُشَ) - أَيْ: كَثُرَ - (أَوْ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَةٍ، وَلَوْ) كَانَ الْمُنْتَقَضُ مِنْهَا (كَوْرًا وَاحِدًا) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، أَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ. (أَوْ ظَهَرَ بَعْضُ قَدَمٍ) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، (أَوْ خَرَجَ) الْقَدَمُ (إلَى سَاقٍ) نَحْوِ (خُفٍّ) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، (لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا) - أَيْ: الْقَدَمِ - (فِيهِ) - أَيْ: الْخُفِّ - (إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ خُرُوجِهَا إلَى سَاقِهِ، (أَوْ انْقَطَعَ دَمِ نَحْوِ مُسْتَحَاضَةٍ) ، كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، اُسْتُؤْنِفَتْ الطَّهَارَةُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا إنَّمَا صَحَّتْ لِلْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصْلِ، كَمَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ وَعُوفِيَ مِنْهُ (أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ، وَلَوْ) كَانَ انْقِضَاؤُهَا، أَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (فِي نَحْوِ صَلَاةٍ) ، كَطَوَافٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (وَاسْتَأْنَفَ طَهَارَةً) أُخْرَى إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ مُؤَقَّتُهُ فَبَطَلَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، (وَلَوْ لَمْ تَفُتْ مُوَالَاةٌ) ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَعَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي النَّقْضِ، فَإِذَا خَلَعَ عَادَ الْحَدَثُ إلَى الْعُضْوِ الَّذِي مُسِحَ الْحَائِلُ عَنْهُ فَيَسْرِي إلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ فَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: إنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
(وَيَمْسَحُ جَمِيعَ جَبِيرَةٍ) لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ بِشَدِّهَا (إلَى حَلِّهَا)
стр. 135
أَوْ بُرْءِ مَا تَحْتَهَا (وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا) أَيْ: الْجَبِيرَةِ - (عَزِيمَةٌ فَتُمْسَحُ بِسَفَرِ مَعْصِيَةٍ، وَفِي نَحْوِ حَدَثٍ أَكْبَرَ) ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ، (إذَا وُضِعَتْ عَلَى طَهَارَةٍ، وَلَمْ تَتَجَاوَزْ الْمَحَلَّ) بِشَدِّهَا (إلَّا بِمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ) مِنْ الصَّحِيحِ، (لِأَنَّهَا إنَّمَا تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ) لِيَسْتَوْعِبَ الشَّدُّ جَمِيعَهَا.
(وَ) لَوْ وُضِعَتْ (عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَخِيفَ) مِنْ (نَزْعِهَا، كَفَاهُ تَيَمُّمٌ) عَنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (فَلَوْ عَمَّتْ) الْجَبِيرَةُ (مَحَلَّهُ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (مُسِحَتْ بِمَاءٍ) وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ، (وَ) لَوْ وُضِعَتْ (عَلَى طَهَارَةٍ وَجَاوَزَتْ الْمَحَلَّ وَخِيفَ نَزْعُهَا تَيَمَّمَ لِزَائِدٍ) عَلَى مَحَلِّ الْحَاجَةِ، (وَمُسِحَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (غَيْرُهُ) ، وَهُوَ مَا جَاوَزَ مَحَلَّ الْحَاجَةِ، (وَغُسْلٌ صَحِيحٌ) ، فَيَجْتَمِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْغُسْلُ وَالْمَسْحُ وَالتَّيَمُّمُ، (وَدَوَاءٌ) لُصِقَ عَلَى جُرْحٍ أَوْ وُضِعَ (وَلَوْ قَارًا) جُعِلَ (فِي شَقِّ) رِجْلٍ وَنَحْوِهَا كَمِرَارٍ أَلْقَمَهَا أُصْبُعَهُ الْمُتَأَلِّمَةَ (وَخِيفَ) ضَرَرٌ (بِقَلْعِهِ كَجَبِيرَةٍ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا.
(وَحُكْمُ زَوَالِهَا) أَيْ: الْجَبِيرَةِ - (كَ) حُكْمِ خَلْعِ (خُفٍّ) ، وَكَذَا بُرْدُهَا، لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا، (وَلَوْ) كَانَ زَوَالُهَا (قَبْلَ بُرْءِ جُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ إلَّا فِي) الطَّهَارَةِ (الْكُبْرَى، فَيُجْزِئُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ مُوَالَاةٍ) فِيهَا، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَك أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ بَلْ عَلَى رَفْعِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَعَدَمِ تَبَعُّضِهِ، وَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) إلَّا إذَا زَالَتْ الْجَبِيرَةُ أَوْ بَرِئَتْ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا (فِي) طَهَارَةٍ (صُغْرَى مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ) ، فَيُجْزِئُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ لِبَقَاءِ الْمُوَالَاةِ بِحَالِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَحْرُمُ الْجَبْرُ بِجَبِيرَةٍ نَجِسَةٍ كَجِلْدِ
стр. 136
الْمَيْتَةِ وَالْخَرِقَةِ النَّجِسَةِ وَالْخُفِّ النَّجِسِ، وَكَذَا الْحَرِيرُ لِذَكَرٍ وَبِمَغْصُوبٍ وَالْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِيهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
[بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]
(نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ) جَمْعُ: نَاقِضَةٍ بِمَعْنَى نَاقِضٍ، إنْ قِيلَ لَا يُجْمَعُ فَاعِلٌ عَلَى فَوَاعِلَ وَصْفًا مُطْلَقًا، وَشَذَّ فَوَارِسُ وَهَوَالِكُ وَنَوَاكِسُ فِي فَارِسٍ وَهَالِكٍ وَنَاكِسٍ، خَصَّهُ ابْنُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ بِمَا إذَا كَانَ وَصْفًا لِعَاقِلٍ، وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْهُ، يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إذَا أَفْسَدْتَهُ، وَالنَّقْضُ حَقِيقَةً فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي مَجَازٌ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ، وَنَقْضِ الْعِلَّةِ، وَعَلَاقَتُهَا الْإِبْطَالُ. (وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (ثَمَانِيَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ:
(أَحَدُهَا: الْخَارِجُ مِنْ سَبِيلٍ إلَى مَا) هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، (يَلْحَقُهُ حُكْمُ تَطْهِيرٍ) مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» . الْحَدِيثَ، «وَقَوْلُهُ فِي الْمَذْيِ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَقَوْلُهُ «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَقَوْلُهُ: يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ مُخْرِجٌ لِبَاطِنِ فَرْجِ الْأُنْثَى إنْ قُلْنَا: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُهُ لِلْمَشَقَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ الْخَارِجُ (بِظُهُورِ مَقْعَدَةٍ عُلِمَ بَلَلُهَا) نَصًّا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بَلَلُهَا فَلَا نَقْضَ، أَوْ كَانَ طَرَفَ مُصْرَانٍ أَوْ رَأْسَ دُودَةٍ، نُقِضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (أَوْ) كَانَ الْخَارِجُ (نَادِرًا كَرِيحٍ مِنْ قُبُلٍ) ، وَحَصَى مِنْ دُبُرٍ، فَيُنْقَضُ كَالْمُعْتَادِ، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالرِّيحُ مِنْ الدُّبُرِ، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ
стр. 137
يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: أَسَانِيدُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، فَأَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ، فَأَشْبَهَ الْمُعْتَادَ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَشْمَلُ الرِّيحَ مِنْ الْقُبُلِ وَالْحَصَاةَ تَخْرُجُ مِنْ دُبُرٍ نَجِسَةٍ، (أَوْ) كَانَ (طَاهِرًا كَمَنِيٍّ) وَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ فَيُنْقَضُ، (أَوْ) كَانَ (مُقَطَّرًا) - بِفَتْحِ الطَّاءِ مُشَدَّدَةً - بِأَنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا، ثُمَّ خَرَجَ فَيُنْقَضُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بَلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ، وَيَنْجَسُ لِنَجَاسَةِ مَا لَاقَاهُ، قَطَعَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". (أَوْ) كَانَ (مُحْتَشًّا) ، بِأَنْ احْتَشَى قُطْنًا أَوْ نَحْوَهُ فِي دُبُرِهِ أَوْ فِي قُبُلِهِ (وَابْتَلَّ) ، ثُمَّ خَرَجَ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ سَوَاءٌ كَانَ طَرَفُهُ خَارِجًا أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يَبْتَلْ لَا يُنْقَضُ.
قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ "، وَابْنُ عُبَيْدَانَ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يُنْقَضْ انْتَهَى. وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُحْتَشَى فِي دُبُرِهِ يَنْقُضُ إذَا خَرَجَ مُطْلَقًا (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: فَلَوْ احْتَمَلَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ قُطْنًا أَوْ مِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ نَقَضَ.
وَمَا قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، وَصَوَّبَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ "، وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " يُسَاعِدُهُ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ) أَنْزَلَ بِوَطْئِهِ دُونَ فَرْجٍ (مَنِيًّا) ، ثُمَّ (دَبَّ) الْمَنِيُّ إلَى الْفَرْجِ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ، (أَوْ اسْتَدْخَلَ) الْمَنِيَّ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ فِي فَرْجٍ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ لَا يَخْلُو
стр. 138
عَنْ بَلَّةٍ تَصْحَبُهُ مِنْ الْفَرْجِ، وَالْحُقْنَةُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ، أَوْ أَدْخَلَ الْحَاقِنُ أَوْ الْمُحْتَقِنُ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ فِي دُبُرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ نَقَضَ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ.
وَ (لَا) يَنْقُضُ (خَارِجٌ) إنْ كَانَ (دَائِمًا، كَدَمِ اسْتِحَاضَةٍ) وَسَلَسِ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ لِلضَّرُورَةِ، (وَلَا) يَنْقُضُ (يَسِيرُ نَجَسٍ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ) - أَيْ: قُبُلَيْ - (خُنْثَى مُشْكِلٍ غَيْرَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) لِلشَّكِّ فِي النَّاقِضِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا أَوْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا أَوْ خَرَجَ النَّجَسُ أَوْ الطَّاهِرُ مِنْهُمَا مَعًا نَقَضَ، (وَلَا إنْ صَبَّ دُهْنًا فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا أَوْ) خَرَجَ (مِنْ فَمِهِ) ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ طَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، أَشْبَهَ الْبُصَاقَ.
(وَمَتَى انْسَدَّ الْمَخْرَجُ) الْمُعْتَادُ وَلَوْ خِلْقَةً، (وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، وَلَوْ) كَانَ الْمُنْفَتِحُ (أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ) - أَيْ: الْمُنْفَتِحِ - (حُكْمُ) الْمَخْرَجِ (الْمُعْتَادِ؛ فَلَا نَقْضَ بِرِيحٍ مِنْهُ، وَلَا بِمَسِّهِ) ، وَلَا بِخُرُوجٍ يَسِيرٍ نَجَسٍ غَيْرَ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، (وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ اسْتِجْمَارٌ، وَلَا غَسْلٌ بِإِيلَاجٍ فِيهِ) بِلَا إنْزَالٍ، (وَأَحْكَامُ الْمَخْرَجِ الْمُنْسَدِّ بَاقِيَةٌ) لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (وَفِي " النِّهَايَةِ " إلَّا أَنْ يَكُونَ سُدَّ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمَسْدُودِ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ خُنْثَى انْتَهَى) كَلَامُ " النِّهَايَةِ ".
(وَيَتَّجِهُ: وَهُوَ) - أَيْ: كَلَامُ " النِّهَايَةِ " - (حَسَنٌ إنْ كَانَ الْمُنْفَتِحُ أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ) مَعَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ أَحْكَامُ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَمَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ مَرْجُوحٌ.
(الثَّانِي) مِنْ النَّوَاقِضِ: (خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَاقِي الْبَدَنِ) غَيْرَ
стр. 139
السَّبِيلَيْنِ: (فَبَوْلٌ وَغَائِطٌ يَنْقُضُ مُطْلَقًا) ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، (وَغَيْرُهُمَا) - أَيْ: غَيْرُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ - (كَدَمٍ وَقَيْحٍ وَقَيْءٍ، وَلَوْ) خَرَجَ الْقَيْءُ (بِحَالِهِ) بِأَنْ شَرِبَ نَحْوَ مَاءٍ وَقَذَفَهُ بِصِفَتِهِ، لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ لَا بِاسْتِحَالَتِهِ، (لَمْ يَنْقُضُ إلَّا مَا فَحَشَ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ) ، رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْخَلَّالُ: الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْفَاحِشَ: مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ حَرَجٌ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا. وَبِالنَّقْضِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، لِحَدِيثِ مَعْدَانُ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ: أَنَا سَكَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
(وَلَوْ) كَانَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ بَاقِي الْبَدَنِ (بِقُطْنَةٍ) أَوْ خِرْقَةٍ، (أَوْ) كَانَ (بِمَصِّ نَحْوِ عَلَقٍ) كَقُرَادٍ، إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمُعَالَجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ.
وَ (لَا) يَنْقُضُ مَا خَرَجَ بِمَصٍّ (نَحْوِ بَعُوضٍ) كَذُبَابٍ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ لِقِلَّتِهِ، وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَفِي " حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ ": الْبَعُوضُ: صِغَارُ الْبَقِّ. (وَلَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ مَعِدَةٍ وَصَدْرٌ وَرَأْسٌ لِطَهَارَتِهِ) كَالْبُصَاقِ وَالنُّخَامَةِ، لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنْ الْبَدَنِ، (وَلَا) يَنْقُضُ أَيْضًا (جُشَاءُ نَصًّا) ، وَهُوَ: الْقَلَسُ - بِالتَّحْرِيكِ، وَقِيلَ: بِسُكُونِ اللَّامِ -: مَا خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ، وَلَيْسَ بِقَيْءٍ، لَكِنَّهُ حُكْمُهُ فِي النَّجَاسَةِ، فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ. .
(الثَّالِثُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (زَوَالُ عَقْلٍ) بِجُنُونٍ أَوْ بِرْسَامٍ كَثِيرًا كَانَ
стр. 140
أَوْ قَلِيلًا، وَهُوَ غَرِيزَةٌ كَالنُّورِ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ فَيَعْلَمُ وُجُوبَ الْوَاجِبَاتِ، وَجَوَازَ الْجَائِزَاتِ، وَاسْتِحَالَةَ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَيَتَلَمَّحُ بِهِ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ النُّورُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ. (أَوْ تَغْطِيَتُهُ) - أَيْ: الْعَقْلِ - (بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ) ، أَوْ دَوَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ (حَتَّى بِنَوْمٍ) ، وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةُ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ يَرْفَعُهُ «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اُسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَالسَّهُ: حَلْقَةُ الدُّبُرِ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَالَ: حَدِيثُ عَلِيٍّ أَثْبَتُ وَأَقْوَى.
وَفِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ كَالْجُنُونِ وَالسُّكْرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: (وَلَوْ تَلَجَّمَ) عَلَى الْمَخْرَجِ (فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ) إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ، (إلَّا نَوْمَ النَّبِيِّ ﷺ مُطْلَقًا) ، أَيْ: كَثِيرًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا، لِأَنَّ نَوْمَهُ كَانَ يَقَعُ عَلَى عَيْنَيْهِ دُونَ قَلْبِهِ كَمَا صَحَّ عَنْهُ، وَقِيَاسُهُ كُلُّ نَبِيٍّ، (وَ) إلَّا (نَوْمًا يَسِيرًا عُرْفًا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جَالِسٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ مِنْ مُنْتَظِرِي الصَّلَاةِ فَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ، (وَ) إلَّا يَسِيرًا عُرْفًا مِنْ قَائِمٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قِصَّةِ تَهَجُّدِهِ ﷺ فَجَعَلْتُ إذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْجَالِسَ فِي التَّحَفُّظِ، وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ لِكَوْنِهِ لَوْ اشْتَغَلَ فِي النَّوْمِ سَقَطَ، (فَلَا اعْتِبَارَ بِالرُّؤْيَا) .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ":
стр. 141
وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ يَسِيرٌ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ كَثِيرٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا بُدَّ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَهِمَهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ، فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ فَيَسِيرٌ. قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ، أَوْ الْقَائِمُ عَنْ قِيَامِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَثِيرًا، (فَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ نَوْمٍ لَمْ يَنْقُضْ، لِتَيَقُّنِهِ) الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي نَقْضِهَا.
(وَيَنْقُضُ نَوْمٌ يَسِيرٌ مِنْ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ) ، كَمُضْطَجِعٍ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْجَالِسِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ بِخِلَافِ الْجَالِسِ، (وَ) يَنْقُضُ الْيَسِيرُ أَيْضًا مِنْ (مُسْتَنِدٍ، وَمُتَّكِئٍ وَمُحْتَبِي كَمُضْطَجِعٍ) بِجَامِعِ الِاعْتِمَادِ.
(الرَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (مَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ) دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا (مُتَّصِلٍ) : صِفَةٌ لِفَرْجٍ، فَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ مُنْفَصِلٍ، لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ بِقَطْعِهِ، (أَصْلِيٍّ) : صِفَةٌ أَيْضًا، فَلَا يَنْقُضُ مَسُّ زَائِدٍ، وَلَا أَحَدُ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ (بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ الْمَمْسُوسُ (دُبُرًا، أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ فَرْجُهُ (مَيِّتًا) لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ، (أَوْ) كَانَ الْفَرْجُ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَحُرْمَتِهِ، لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ
стр. 142
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ " وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ. وَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ - ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ " قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُؤَسِّسُ فِي الْمَسْجِدِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ. (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُلْفَةً) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَحَرُّكُ - جِلْدَةِ الذَّكَرِ، لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الذَّكَرِ وَحُرْمَتِهِ مَا اتَّصَلَتْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ أَصْلِيٌّ فَيَنْقُضُ مَسُّهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ زَائِدٌ، (أَوْ) كَانَ مَسُّ غَيْرِ خُنْثَى مِنْ خُنْثَى (لِشَهْوَةٍ مَا لِلَّامِسِ مَثَلُهُ) بِأَنْ مَسَّ ذَكَرٌ ذَكَرَ خُنْثَى لِشَهْوَةٍ، أَوْ أُنْثَى قُبُلَهُ الَّذِي يُشْبِهُ فَرْجَهَا لِشَهْوَةٍ، فَيُنْقَضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ، لِتَحَقُّقِ النَّقْضِ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا نَقْضَ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ مَسَّ خُنْثَى قُبُلَيْ خُنْثَى آخَرَ أَوْ قُبُلَيْ نَفْسِهِ؛ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِتَيَقُّنِ النَّقْضِ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا فَلَا. وَمَسُّ دُبُرِهِ كَدُبُرِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَصْلِيٌّ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ خُنْثَى، وَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ، وَلَمَسَ الْآخَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ أَوْ فَائِتَةً لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا دُونَ الْوُضُوءِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (أَوْ) كَانَ الْمَسُّ مِمَّنْ (لَمْ يُتَعَمَّدْ) فَيُنْقَضُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ:
стр. 143
(بِيَدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَسِّ، وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعَ (إلَى كُوعٍ) ؛ فَلَا نَقْضَ إذَا مَسَّهُ بِغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ» وَلِأَنَّ غَيْرَ الْيَدِ لَيْسَ بِآلَةِ اللَّمْسِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْيَدُ (زَائِدَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَهْرِهَا وَحَرْفِهَا، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا أَشْبَهَ بَطْنَهَا، (خَلَا ظُفْرٍ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ. (وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ مَحَلِّ فَرْجٍ بَائِنٍ) أَيْ: مَحَلِّ ذَكَرٍ مَقْطُوعٍ مِنْ مَحَلِّ أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ كَسَائِرِ الْبَدَنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرًا، وَكَذَا مَسُّ الْبَائِنِ لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ. (وَلَا) نَقْضَ (بِ) مَسِّ (الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ) مَسِّ (مَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ) ، لِعَدَمِ إطْلَاقِ الْفَرْجِ عَلَى ذَلِكَ (أَوْ) أَيْ: وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ (فَرْجِ بَهِيمَةٍ، أَوْ شُفْرَيْ أُنْثَى، وَهُمَا) : إسْكَتَاهَا، أَيْ: (حَافَّتَا فَرْجِهَا) ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْفَرْجِ (بَلْ) يَحْصُلُ النَّقْضُ (بِ) مَسِّ (مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ وَحَيْضٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ
وَالْفَرْجُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَيْهِ وَكَالذَّكَرِ.
(وَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ) بِعُضْوٍ (غَيْرَ يَدٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (إلَّا بِمَسِّ) رَجُلٍ (ذَكَرَهُ فَرْجَهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ (أَوْ) بِمَسِّ (دُبُرِهِمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ، (أَوْ) بِمَسِّهَا (هِيَ) ، أَيْ الْمَرْأَةِ (بِهِمَا) - أَيْ: بِقُبُلِهَا أَوْ دُبُرِهَا - (ذَكَرَهُ) أَيْ: الرَّجُلِ فَيُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِمَسِّ ذَكَرٍ بِذَكَرٍ، وَلَا دُبُرٍ بِدُبُرٍ، وَلَا قُبُلِ امْرَأَةٍ بِقُبُلِ أُخْرَى، أَوْ دُبُرِهَا.
(الْخَامِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (لَمْسُ ذَكَرٍ لِأُنْثَى) بِشَهْوَةٍ بِلَا حَائِلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَخَصَّ بِمَا إذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا «قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 144
- ﷺ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَنَصْبُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي. وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَمْزَهُ رِجْلَيْهَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلِأَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي يَدْعُو إلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ حَالُ الشَّهْوَةِ. (أَوْ) لَمْسُ (أُنْثَى لِذَكَرٍ) بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا (بِشَهْوَةٍ) ، لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجِمَاعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ، يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ. (بِلَا حَائِلٍ) لِأَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ لَمْ يَلْمِسْ بَشَرَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابَهَا بِشَهْوَةٍ، وَالشَّهْوَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ لَمْسِ شَيْءٍ، (وَلَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (بِ) عُضْوٍ (زَائِدٍ لِزَائِدٍ) كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ أَوْ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ كَالْأَصْلِيِّ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِعُضْوٍ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ أَوْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (لِمَيِّتٍ) لِلْعُمُومِ، وَكَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِوَطْءِ الْمَيِّتِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِ (هَرِمٍ) أَوْ (مَحْرَمٍ) ، لِمَا سَبَقَ.
وَ (لَا) يَنْقُضُ لَمْسٌ مُطْلَقًا (لِشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ، وَلَا اللَّمْسُ بِذَلِكَ) ، أَيْ: السِّنِّ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ، لِأَنَّهَا تَنْفَصِلُ فِي حَالِ السَّلَامَةِ أَشْبَهَ لَمْسَ الدَّمْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَنَحْوُهُ أَوْقَعَ بِهَا، (وَلَا) يَنْقُضُ لَمْسُ (مَنْ) لَهَا أَوْ لَهُ (دُونَ سَبْعٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، (وَلَا) لَمْسُ (الرَّجُلِ الْأَمْرَدِ) وَهُوَ: الشَّابُّ طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، وَلَوْ لِشَهْوَةٍ (أَوْ) لَمْسُ (امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ) وَلَوْ لِشَهْوَةٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، (وَلَا إنْ وُجِدَ مَمْسُوسُ فَرْجٍ أَوْ مَلْمُوسُ بَدَنٍ بِشَهْوَةٍ) يَعْنِي: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ
стр. 145
مَمْسُوسِ فَرْجِهِ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، وَلَا وُضُوءُ مَمْسُوسِ بَدَنِهِ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، بَلْ يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِالْمَاسِّ وَاللَّامِسِ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُمَا (وَيَتَّجِهُ نَقْضُ) وُضُوءِ (كُلٍّ) مَنْ مُتَلَامِسَيْنِ (لَوْ تَلَامَسَا مَعًا) لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا نَقْضَ) أَيْضًا (بِانْتِشَارٍ عَنْ فِكْرٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ) ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، (وَ) لَا (بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ) لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ، (وَلَا) مَسِّ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، (وَلَا بِلَمْسِهِ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (رَجُلًا) فَقَطْ (أَوْ امْرَأَةً) فَقَطْ وَلَوْ لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (فَلَوْ لَمَسَ) الْخُنْثَى (كُلًّا مِنْهُمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (بِشَهْوَةٍ، أَوْ لَمَسَاهُ) - أَيْ: لَمَسَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْخُنْثَى - (لَهَا) - أَيْ: لِلشَّهْوَةِ - (انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (فِي الْأُولَى) - أَيْ: فِي لَمْسِهِ لَهَا بِشَهْوَةٍ - (وَ) انْتَقَضَ (وُضُوءُ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (لَا بِعَيْنِهِ فِي الثَّانِيَةِ) ، وَهِيَ لَمْسُهُمَا لِلْخُنْثَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهَا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ لَمَسَهَا رَجُلٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
(السَّادِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (غُسْلُ مَيِّتٍ) صَغِيرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، (أَوْ) غُسْلُ (بَعْضِهِ) الْمُتَّصِلِ بِهِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ، فَلَوْ غَسَلَ يَدَ مَيِّتٍ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَا إنْ غَسَلَ يَدَ سَارِقٍ، لِأَنَّهَا بَعْضُ حَيٍّ،
следующие страницы →