← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الصَّيْفِ لِيَرْبَحَ فِي الشِّتَاءِ؛ فَيَبْقَى حَقُّهُ فِي رِبْحِهِ) . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ قَصَدَ رَبُّ الْمَالِ الْحِيلَةَ لِيَخْتَصَّ بِالرِّبْحِ؛ بِأَنْ كَانَ الْعَامِلُ اشْتَرَى خَزًّا فِي الصَّيْفِ لِيَرْبَحَ فِي الشِّتَاءِ، أَوْ يَرْجُو دُخُولَ مَوْسِمٍ أَوْ قَفْلٍ؛ فَإِنَّ حَقَّهُ يَبْقَى فِي الرِّبْحِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا أَظُنُّ الْأَصْحَابَ يُخَالِفُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْأَزَجِيُّ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحِيَلَ لَا أَثَرَ لَهَا. انْتَهَى. (وَإِنْ لَمْ يَرْضَ) رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ فَسْخِ مُضَارَبَةٍ بِأَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ طَلَبَ الْبَيْعَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ فَسْخِ مُضَارَبَةٍ؛ (فَعَلَى عَامِلٍ بَيْعُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ (وَقَبْضُ ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ الْمَالِ نَاضًّا كَمَا أَخَذَهُ. (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْمَالِ (رِبْحٌ) ، فَإِنْ نَضَّ الْعَامِلُ رَأْسَ الْمَالِ جَمِيعَهُ، وَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَنِضَّ لَهُ الْبَاقِيَ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ أَنْ يَنِضَّ الْبَاقِيَ. وَلَوْ كَانَ صِحَاحًا فَنَضَّ قُرَاضَةً، أَوْ مُكَسَّرَةً؛ لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّهُ إلَى الصِّحَاحِ بِطَلَبِ رَبِّهَا، فَيَبِيعُهَا بِصِحَاحٍ أَوْ بِعَرَضٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِهِ؛ كَمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ بَعْدَ فَسْخِ الْمُضَارَبَةِ (تَقَاضِيهِ) - أَيْ: مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (لَوْ كَانَ دَيْنًا) مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِاقْتِضَاءِ الْمُضَارَبَةِ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى صِفَةٍ، وَالدُّيُونُ لَا تَجْرِي مَجْرَى النَّاضِّ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَنِضَّهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي التَّقَاضِي عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَوُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ تَقَاضِيهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَقَاضِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ. (وَإِنْ قَضَى عَامِلٌ بِرَأْسِ الْمَالِ دَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّجَرَ بِوَجْهِهِ) ؛ أَيْ: اشْتَرَى بِذِمَّتِهِ بِجَاهِهِ، وَبَاعَ، وَحَصَلَ رِبْحٌ، (وَأَعْطَى رَبَّهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الْمَالِ الَّذِي قَضَى بِهِ دَيْنَهُ، (حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ) مِنْ تِجَارَتِهِ بِوَجْهِهِ (مُتَبَرِّعًا بِهَا) لِرَبِّ الْمَالِ؛

стр. 2102

(جَازَ) نَصًّا، نَقَلَ صَالِحٌ؛ أَمَّا الرِّبْحُ فَأَرْجُو إذَا كَانَ هَذَا مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ لَوْ امْتَنَعَ) الْعَامِلُ مِنْ دَفْعِهِ لِرَبِّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ؛ (لَمْ يُجْبَرْ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ بِجَاهِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّبَرُّعُ بِهِ لِغَيْرِهِ. (وَأَنَّهُمْ) - أَيْ: الْأَصْحَابَ - (صَحَّحُوا قَضَاءَ دَيْنِهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (بِمَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: ذَلِكَ الْغَيْرِ، مَعَ حُرْمَةِ الْقَضَاءِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِتَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِرَبِّ الْمَالِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ، إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا، فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ. وَحَيْثُ صَحَّ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطَاءُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ رِبْحِ مَا اتَّجَرَ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَائِدَةٌ لَوْ قَارَضَ الْمَرِيضُ وَسَمَّى لِلْعَامِلِ فَوْقَ تَسْمِيَةِ الْمِثْلِ وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ] ِ؛ فَلِلْعَامِلِ أَخْذُ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الرِّبْحِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ بِعَمَلِهِ مِنْ الرِّبْحِ الْحَادِثِ، وَيَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُضَارِبِ دُونَ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَابَى الْأَجِيرَ فِي الْأَجْرِ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ مَا حَابَاهُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ سَاقَى الْمَرِيضُ، أَوْ زَارَعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ حُسِبَ الزَّائِدُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ. (وَإِنْ مَاتَ عَامِلٌ) فِي مُضَارَبَةٍ، (أَوْ) مَاتَ (مُودِع) - بِفَتْحِ الدَّالِ - (أَوْ) مَاتَ (وَصِيٌّ) عَلَى صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، (وَجُهِلَ بَقَاءُ مَا بِيَدِهِمْ) مِنْ مُضَارَبَةٍ الْوَدِيعَةٍ وَمَالِ مُوَلِّيهِ؛ فَهُوَ (دَيْنٌ) لِصَاحِبِهِ (فِي التَّرِكَةِ) أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَيِّتِ، وَاخْتِلَاطُهُ بِجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، وَلَا سَبِيلَ

стр. 2103

إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ؛ فَكَانَ دَيْنًا، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ مَالِكِ الْمَالِ، وَلَا إلَى إعْطَائِهِ عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَيْنِ مَالِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَكَأَنَّهُ غَاصِبٌ؛ فَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَقِيَاسُهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَعَامِلُهُ، إذَا قَبَضَ لِلْوَقْفِ شَيْئًا وَمَاتَ، وَجُهِلَ بَقَاؤُهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةُ النَّاظِرِ وَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِاللُّزُومِ. (وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ) مَالَ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَامِلِهِ (تَقْرِيرَ وَارِثِ عَامِلٍ) مَكَانَهُ؛ (فَ) تَقْرِيرُهُ (مُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ) لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى نَقْدٍ مَضْرُوبٍ، (فَلَا تَصِحُّ بِعَرْضٍ) ، وَلَا صَنْجَةٍ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ. (وَلَا يَبِيعُ وَارِثُهُ) - أَيْ وَارِثُ الْعَامِلِ (عَرْضًا) لِلْمُضَارَبَةِ (بِلَا إذْنِ مَالِكٍ) لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِاجْتِهَادِ مُوَرِّثِهِ، - (وَلَا) يَبِيعُ (هُوَ) - أَيْ الْمَالِكُ (بِلَا إذْنِ وَارِثِ) الْعَامِلِ؛ لِوُجُودِ حَقِّهِ فِي الرِّبْحِ، (لِبُطْلَانِهَا) - أَيْ الْمُضَارَبَةِ - (بِمَوْتِ) الْعَامِلِ (فَإِنْ تَشَاحَّا) ؛ أَيْ: رَبُّ الْمَالِ وَوَارِثُ الْعَامِلِ، بِأَنْ أَبَى كُلٌّ الْإِذْنَ لِلْآخَرِ فِي بَيْعِهِ؛ (بَاعَهُ حَاكِمٌ، وَيُقَسِّمُ الرِّبْحَ) عَلَى مَا شُرِطَ. (وَوَارِثُ مَالِكٍ) لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ (أَوْ وَلِيُّهُ) - أَيْ: الْمَالِكِ (لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ) جُنُونًا مُطْبِقًا أَوْ تُوَسْوَسَ بِحَيْثُ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ، أَوْ حُجِرَ - عَلَيْهِ لِسَفَهٍ؛ (كَهُوَ) ؛ أَيْ: كَالْمَالِكِ لَوْ انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ وَهُوَ حَيٌّ، وَتَقَدَّمَ؛ (فَيَتَقَرَّرُ مَا لِمُضَارِبٍ مِنْ رِبْحٍ مُقَدَّمًا بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، فَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا الذِّمَّةِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ؛ كَالْجِنَايَةِ (وَلَا يَشْتَرِي) عَامِلٌ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ. (بِلَا إذْنِ) وَرَثَةٍ، وَيَكُونُ وَكِيلًا عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ. (وَهُوَ) - أَيْ الْعَامِلُ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ (فِي) مَا يَلْزَمُهُ مِنْ (بَيْعِ) عَرْضٍ (وَاقْتِضَاءِ

стр. 2104

دَيْنٍ) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (كَفَسْخٍ) لِلْمُضَارَبَةِ، (وَالْمَالِكُ حَيٌّ) ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. (وَإِنْ أَرَادَ) الْوَارِثُ الْجَائِزُ التَّصَرُّفَ، أَوْ وَلِيُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، إتْمَامَ الْمُضَارَبَةَ، وَالْمَالُ نَاضٌّ جَازَ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ الْمُوَرِّثُ وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ رَأْسَ الْمَالِ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةٌ لَهُ مُشَاعٌ، وَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ هُوَ الْعَامِلُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ. وَإِنْ أَرَادَ وَارِثُ رَبِّ الْمَالِ (الْمُضَارَبَةَ، وَالْمَالُ عَرْضٌ) ؛ فَمُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ؛ (لَمْ تَصِحَّ) عَلَى الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَوَازِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ؛ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بَعْدَ انْفِسَاخِ الْقِرَاضِ، ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ. [فَصْلٌ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ] فَصْلٌ (وَالْعَامِلُ أَمِينٌ) فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا كَالْوَكِيلِ، وَفَارَقَ الْمُسْتَعِيرَ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ (يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ) ، إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ وَلَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. وَيُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ (رِبْحٍ وَعَدَمِهِ) - أَيْ: الرِّبْحِ - (وَ) فِي (هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ) ، إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَإِنْ ادَّعَى الْهَلَاكَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ؛ كُلِّفَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِهِ، ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ تَلِفَ بِهِ. (وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ (فِيمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهَا) - أَيْ: الْمُضَارَبَةِ - (وَلَوْ فِي) شَرِكَةِ (عَنَانٍ، وَ) شَرِكَةِ (وُجُوهٍ) ، وَكَذَا فِي مُفَاوَضَةٍ، وَفِي شَرِكَةِ أَبْدَانٍ، إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَبَّلَ الْعَمَلَ لِنَفْسِهِ دُونَ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالِاخْتِلَافُ هُنَا فِي نِيَّةِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ وَوَلِيَّ الْيَتِيمِ وَنَحْوَهُ. (وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ (مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ)

стр. 2105

أَوْ جِنَايَةٍ (أَوْ تَفْرِيطٍ) ، أَوْ مُخَالَفَتِهِ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ يَدْفَعُ إلَى رَبِّ الْمَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، ثُمَّ طَلَبَ رَأْسَ مَالِهِ، فَقَالَ الْمُضَارِبُ: كُلُّ مَا دَفَعْت إلَيْكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ أَكُنْ أَرْبَحُ شَيْئًا؛ فَقَوْلُ الْمُضَارِبِ فِي ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَإِذَا شَرَطَ الْعَامِلُ النَّفَقَةَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ أَوْ رَجَعَ إلَى رَبِّهِ، كَالْوَصِيِّ ادَّعَى النَّفَقَةَ عَلَى الْيَتِيمِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَامِلٍ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الْبَيْعِ نَسَاءً أَوْ عَنْ الشِّرَاءِ بِكَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ. وَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ شَيْئًا، وَقَالَ الْمَالِكُ: كُنْتُ نَهَيْتُكَ عَنْهُ، فَأَنْكَرَ الْعَامِلُ النَّهْيَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. (وَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ - (طَلَبُ نَحْوِ غَاصِبٍ) ، كَمُنْتَهِبٍ وَمُخْتَلِسٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، (وَمُخَاصَمَةٌ) - أَيْ: الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ - (فَإِنْ تَرَكَهُ) ؛ أَيْ: تَرَكَ الْعَامِلُ الطَّلَبَ بِهِ وَالْخُصُومَةَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ (ضَمِنَ) مَا فَاتَ بِتَرْكِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّعَهُ وَفَرَّطَ فِيهِ. هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّهُ) - أَيْ الْمَالِ - (حَاضِرًا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ") . وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حَاضِرًا، وَعَلِمَ الْحَالَ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ طَلَبُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إذَنْ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ وَكِيلِهِ. انْتَهَى كَلَامُ " الْمُغْنِي ". (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْمُضَارِبِ فِي الطَّلَبِ وَتَرْكِهِ، (كُلُّ أَمِينٍ) ، كَوَكِيلٍ وَوَدِيعٍ وَوَصِيٍّ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْمُخَاصَمَةَ مَعَ تَمَكُّنِهِ؛ يَضْمَنُ مَا فَاتَ بِتَرْكِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ أَقَرَّ) عَامِلٌ (بِرِبْحٍ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفًا أَوْ) ادَّعَى (خَسَارَةً) ، بِأَنْ قَالَ: تَلِفَ الرِّبْحُ، أَوْ قَالَ: حَصَلَتْ خَسَارَةٌ بَعْدَ الرِّبْحِ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ. لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْوَكِيلِ الْمُتَبَرِّعِ. وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ ادَّعَى (غَلَطًا أَوْ كَذِبًا أَوْ

стр. 2106

نِسْيَانًا، أَوْ) ادَّعَى (اقْتِرَاضًا تَمَّمَ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ، بَعْدَ إقْرَارِهِ) - أَيْ الْعَامِلِ بِهِ -؛ أَيْ: بِرَأْسِ الْمَالِ؛ كَمَا لَوْ أَعْطَى إنْسَانٌ إنْسَانًا أَلْفًا مُضَارَبَةً، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ (لِرَبِّهِ) : رَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ بِيَدِي وَهَا هُوَ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: قَدْ فَسَخْت الْمُضَارَبَةَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ، فَقَالَ الْعَامِلُ: إنَّ الْمَالَ كَانَ قَدْ خَسِرَ مِائَةً، وَخَشِيتُ أَنَّكَ إنْ وَجَدْتَهُ نَاقِصًا أَخَذْتُهُ مِنِّي، فَاقْتَرَضْت مِنْ فُلَانٍ مِائَةً تَمَّمْت بِهَا رَأْسَ الْمَالِ لِأَعْرِضَهُ عَلَيْك؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْعَامِلِ لَا يُقْبَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارِهِ بِحَقٍّ. قَالَ فِي الْمُغْنِي ": (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقْرِضِ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مَلَكَهُ بِالْقَرْضِ، ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى رَبِّ الْمَالِ. وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ عَلَى الْعَامِلِ لَا غَيْرُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ": تَحْرِيرُ الْجَوَابِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ نَقْصًا؛ يَضْمَنُهُ الْمُضَارِبُ؛ بِأَنْ تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمَالِكِ بِحَالٍ، لَا لِلْمُقْرِضِ وَلَا لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ اقْتَرَضَ شَيْئًا فَمَلَكَهُ بِالْقَرْضِ، ثُمَّ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ النَّقْصُ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي الْبَاطِنِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُقْرِضِ عَلَى الْمَالِكِ لِمَا سَبَقَ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ إنْ عَلِمَ بَاطِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ الْمَالِكِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ. انْتَهَى. (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي عَدَمِ) رَدِّهِ؛ أَيْ: مَالَ الْمُضَارَبَةِ؛ إنْ ادَّعَى عَامِلٌ رَدَّهُ إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْعٍ لَهُ فِيهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ، كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُنْكِرٌ، فَقُدِّمَ قَوْلُهُ. (وَ) يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي (صِفَةِ خُرُوجِهِ) - أَيْ الْمَالِ - (عَنْ يَدِهِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قِرَاضٍ) ، فَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَعْطَيْتُكَ أَلْفًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ رِبْحِهِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ قَرْضًا لَيْسَ لَك شَيْءٌ مِنْ رِبْحِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَفَا؛ قُسِّمَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ خَسِرَ الْمَالَ أَوْ تَلِفَ،

стр. 2107

فَقَالَ رَبُّهُ: كَانَ قَرْضًا، وَقَالَ الْعَامِلُ: كَانَ قِرَاضًا أَوْ بِضَاعَةً؛ فَقَوْلُ رَبِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ. (فَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ عَامِلٍ) لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ. وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: كَانَ بِضَاعَةً، وَقَالَ الْعَامِلُ: كَانَ قَرْضًا، حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ، (وَلَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ لِلْإِقْنَاعِ - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَا وَقُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ (فِي قَدْرِ مَا شَرَطَ لِعَامِلٍ) ، فَإِذَا قَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْت لِي النِّصْفَ، وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ الثُّلُثَ مَثَلًا، فَقَوْلُ مَالِكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَسِنْدِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ السُّدُسَ الزَّائِدَ، وَاشْتِرَاطَهُ لَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. (وَيَتَّجِهُ) فِي رِوَايَةٍ (وَتُقَدَّمُ حُجَّةُ) - أَيْ دَعْوَى - (عَامِلٍ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي " بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى: إذَا ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا وَافَقَ أَجْرَ الْمِثْلِ. انْتَهَى. (وَإِنْ قَالَ رَبُّ مَالٍ: كَانَ بِضَاعَةً) فَرِبْحُهُ لِي، (وَقَالَ عَامِلٌ) : كَانَ

стр. 2108

(نَقْدًا) فَرِبْحُهُ لَنَا، وَلَا بَيِّنَةَ؛ (فَقَوْلُهُ) - أَيْ الْعَامِلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ تَكُونَ فِي النَّقْدِ. (وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: (أَخَذْته بِضَاعَةً مُضَارَبَةً) فَرِبْحُهُ لِي، (فَقَالَ عَامِلٌ) : بَلْ أَخَذْته (قَرْضًا) فَرِبْحُهُ لِي؛ (حَلَفَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ لِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، (وَ) كَانَ (لِلْعَامِلِ أَجْرُ عَمَلِهِ) فَقَطْ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ مَالِهِ تَابِعٌ لَهُ. (وَإِنْ دَفَعَ) شَخْصٌ (لِرَجُلَيْنِ) أَوْ غَيْرِهِمَا (مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ) لَهُ وَالنِّصْفُ لَهُمَا، فَنَضَّ الْمَالُ وَ (صَارَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَقَالَ رَبُّهُ) - أَيْ الْمَالِ - (رَأْسُهُ أَلْفَانِ، وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ الْعَامِلَيْنِ - (وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ) هُوَ (أَلْفٌ، فَقَوْلُهُ) - أَيْ الْمُنْكِرِ - (بِيَمِينِهِ) ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ أَلْفٌ (وَالرِّبْحُ أَلْفَانِ؛ فَلَهُ) - أَيْ الْمُنْكِرِ الْحَالِفِ - مِنْ الْأَلْفَيْنِ (خَمْسُمِائَةٍ، يَبْقَى أَلْفَانِ) وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْهَا، (لِرَبِّ الْمَالِ) أَلْفَانِ يَأْخُذُهَا لِأَنَّ الْآخَرَ يُصَدِّقُهُ، (وَ) يَبْقَى (خَمْسُمِائَةٍ) هِيَ (رِبْحٌ، لِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثَاهُ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثُهُ) - أَيْ الرِّبْحِ - لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ نِصْفُهُ، وَنَصِيبَ هَذَا الْعَامِلِ رُبْعُهُ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بَاقِي الرِّبْحِ عَلَى ثَلَاثَةٍ. وَمَا أَخَذَهُ الْحَالِفُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ كَالتَّالِفِ مِنْهُمَا، وَالتَّالِفُ يُحْسَبُ فِي الْمُضَارَبَةِ مِنْ الرِّبْحِ. (فُرُوعٌ: يَصِحُّ تَشْبِيهًا) بِشَرِكَةِ (الْمُضَارَبَةِ دَفْعُ عَبْدٍ أَوْ) دَفْعُ (دَابَّةٍ) ، أَوْ آنِيَةٍ كَقِرْبَةٍ وَقِدْرٍ، وَآلَةٍ لِحِرَاثٍ، أَوْ نَوْرَجٍ، أَوْ مِنْجَلٍ (لِمَنْ يَعْمَلُ بِهِ) - أَيْ بِالْمَدْفُوعِ - (بِجُزْءٍ مِنْ أُجْرَتِهِ) . نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَكْسِبَ عَلَيْهِ، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ أَوْ رُبْعُهُ؛ فَجَائِزٌ؛ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ يُعْطِي فَرَسَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا كَانَ عَلَى النِّصْفِ وَالرُّبْعِ فَهُوَ جَائِزٌ (كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَنَسْجِ غَزْلٍ، وَحَصَادِ زَرْعٍ، وَنَفْضِ زَيْتُونٍ، وَطَحْنِ حَبٍّ، وَرَضَاعِ

стр. 2109

قِنٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَاسْتِيفَاءِ مَالٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَنَجْرِ خَشَبٍ، بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا؛ فَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا؛ كَالشَّجَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَخْرِيجَهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِالْعُرُوضِ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي التِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفَ فِي رَقَبَةِ الْمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ لِيُفَصِّلَهُ قُمْصَانًا لَيَبِيعَهَا، وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا بِحَقِّ عَمَلِهِ جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. وَإِنْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ يَنْسِجُهُ ثَوْبًا بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ رُبْعِهِ؛ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، (فَإِنَّ جَعَلَ لَهُ مَعَهُ) - أَيْ الْجُزْءِ (دِرْهَمًا وَنَحْوَهُ) كَدِينَارٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ) نَصًّا، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ وَدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ، وَالثُّلُثُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ نَرَاهُ جَائِزًا. (وَلَا بَأْسَ بِحَصْدِ زَرْعٍ، وَصَرْمِ نَخْلٍ بِسُدُسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ) أَوْ نِصْفِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ» (قَالَ) (الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَنْهُ فِي الْحَصَادِ (هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَاطَعَةِ) . وَلَا يُعَارِضُ مَا سَبَقَ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَعَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» ؛ لِحَمْلِهِ عَلَى قَفِيزٍ مِنْ الْمَطْحُونِ، فَلَا يُدْرَى الْبَاقِي بَعْدَهُ كَمْ هُوَ، فَتَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةً. أَشَارَ إلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي ". (وَيَصِحُّ بَيْعُ وَإِيجَارُ مَتَاعٍ، وَغَزْوٌ بِدَابَّةٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ) - أَيْ الْمَتَاعِ - (أَوْ سَهْمِهَا) - أَيْ الدَّابَّةِ - كَالْهَجِينِ أَوْ سَهْمَيْهَا كَالْعَرَبِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ أَعْطَى فَرَسَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَمَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ مَالِكٌ: (أَجِّرْ عَبْدِي) ، أَوْ بِعْهُ، (أَوْ) أَجِّرْ (دَابَّتِي) ؛ أَوْ بِعْهَا، (وَالْأُجْرَةُ) أَوْ الثَّمَنُ (بَيْنَنَا) ؛ لَا يَصِحُّ، وَالثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ لِلْمَالِكِ، وَأَمَّا الْعَاقِدُ (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) . (وَ) لَوْ قَالَ لِصَيَّادٍ: (صِدْ بِشَبَكَتِي وَالصَّيْدُ بَيْنَنَا) ، فَفَعَلَ؛ (فَالصَّيْدُ)

стр. 2110

كُلُّهُ (لِصَائِدٍ، وَلِرَبِّهَا) - أَيْ الشَّبَكَةِ - (أَجْرُ مِثْلِهَا) عَلَى الصَّائِدِ (وَيَصِحُّ دَفْعُ دَابَّةٍ أَوْ نَحْلٍ) أَوْ دَجَاجٍ أَوْ حَمَامٍ، قَالَهُ فِي " الْفَائِقِ " (أَوْ قِنٍّ) أَوْ أَمَةٍ (لِمَنْ يَقُومُ بِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً) ، كَسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ؛ أَيْ: مِنْ الْمَدْفُوعِ، (وَالنَّمَاءُ) الْحَاصِلُ مِنْ الدَّابَّةِ أَوْ النَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا (مِلْكٌ لَهُمَا) ؛ أَيْ: الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ. وَ (لَا) يَجُوزُ دَفْعُ دَابَّةٍ أَوْ نَحْلٍ وَنَحْوِهِمَا لِمَنْ يَقُومُ بِهِمَا مُدَّةً، وَلَوْ مَعْلُومَةً، (بِجُزْءٍ مِنْ نَمَاءٍ كَدَرٍّ وَنَسْلٍ وَصُوفٍ وَعَسَلٍ وَزَبَادٍ) وَمِسْكٍ؛ لِحُصُولِ نَمَائِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، (وَلِعَامِلٍ أَجْرُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. (وَعَنْهُ) - أَيْ الْإِمَامِ - (بَلَى) ؛ أَيْ: لَهُ دَفْعُ دَابَّتِهِ أَوْ نَحْلِهِ لِمَنْ يَقُومُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. [فَصْلٌ الثَّالِث شَرِكَة الْوُجُوه] فَصْلٌ وَالضَّرْبُ (الثَّالِثُ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَهِيَ) : أَنْ (يَشْتَرِكَا) بِلَا مَالٍ، (فِي رِبْحِ مَا يَشْتَرِيَانِ فِي ذِمَمِهِمَا بِجَاهِهِمَا) ؛ أَيْ: وُجُوهِهِمَا، وَثِقَةِ التُّجَّارِ بِهِمَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُعَامَلَانِ فِيهَا بِوَجْهِهِمَا، وَالْجَاهُ وَالْوَجْهُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: فُلَانٌ وَجِيهٌ، إذَا كَانَ ذَا جَاهٍ. وَهِيَ جَائِزَةٌ؛ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مُضِرَّةٍ، وَلِأَنَّ مَعْنَاهَا وَكَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْكَفَالَةِ بِالثَّمَنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ (عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ) ؛ كَأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ رِبْحُ مَا يَشْتَرِيَانِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّتِهَا (ذِكْرُ جِنْسِ) مَا يَشْتَرِيَانِهِ، (وَلَا) ذِكْرُ (قَدْرٍ، وَلَا) ذِكْرُ (وَقْتٍ) ؛ أَيْ: مُدَّةِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ أَمَّا الْوَكَالَةُ الدَّاخِلَةُ فِي ضِمْنِ الشَّرِكَةِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ، بِدَلِيلِ الْمُضَارَبَةِ وَشَرِكَةِ الْعَنَانِ، فَإِنَّ فِي ضِمْنِهَا تَوْكِيلًا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا. (فَلَوْ قَالَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (لِصَاحِبِهِ: مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنَنَا) ، وَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: كَذَلِكَ؛

стр. 2111

(صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، عَلَى مَا شَرَطَا كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ وَغَيْرِهَا. (وَكُلٌّ) مِنْهُمَا (وَكِيلُ الْآخَرِ) فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، (وَكَفِيلُهُ بِالثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ. (وَرَأْسُ مَالٍ) كَمَا شَرَطَا، وَكَذَا مِلْكٌ فِيمَا يَشْتَرِيَانِهِ بِجَاهِهِمَا بَيْنَهُمَا كَمَا شَرَطَا عِنْدَ الْعَقْدِ، لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ، فَتَتَقَيَّدُ بِمَا وَقَعَ الْإِذْنُ وَالْقَبُولُ فِيهِ. (وَرِبْحٌ كَمَا شَرَطَا) مِنْ تَسَاوٍ وَتَفَاضُلٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَوْثَقَ عِنْدَ التُّجَّارِ، وَأَبْصَرَ بِالتِّجَارَةِ مِنْ الْآخَرِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ زِيَادَةً فِي الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةٍ أَوْ ثِقَةٍ، وَزِيَادَةِ إبْصَارِهِ بِالتِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ عَلَى عَمَلٍ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ رِبْحُهَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ. (وَالْوَضِيعَةُ) ؛ أَيْ: الْخُسْرَانُ بِتَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ بِنُقْصَانٍ عَمَّا اشْتَرَى بِهِ، (عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ) فِيمَا يَشْتَرِيَانِهِ، فَمَنْ لَهُ الثُّلُثَانِ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الْوَضِيعَةِ، وَمَنْ لَهُ الثُّلُثُ عَلَيْهِ ثُلُثُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لِتَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ بِنُقْصَانٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْوَضِيعَةَ نَقْصُ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمُلَّاكِهِ، فَيُوَزَّعُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ. (وَتَصَرُّفُهُمَا) ؛ أَيْ: شَرِيكَيْ الْوُجُوهِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَيَجِبُ، وَشُرُوطٌ وَإِقْرَارٌ وَخُصُومَةٌ، كَتَصَرُّفِ (شَرِيكَيْ عَنَانٍ) ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ. وَالضَّرْبُ (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ) ؛ أَيْ: شَرِكَةٌ بِالْأَبْدَانِ، فَحُذِفَتْ الْبَاءُ ثُمَّ أُضِيفَتْ؛ لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا أَبْدَانَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ لِتَحْصِيلِ الْمَكَاسِبِ. (وَهِيَ) ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا (أَنْ يَشْتَرِكَا) ؛ أَيْ: اثْنَانِ فَأَكْثَرَ (فِيمَا يَتَمَلَّكَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ مُبَاحٍ، كَاحْتِشَاشٍ وَاصْطِيَادٍ وَتَلَصُّصٍ عَلَى دَارِ حَرْبٍ وَسَلَبِ) مَنْ يَقْتُلَانِهِ بِدَارِ حَرْبٍ. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ

стр. 2112

يَشْتَرِكَ الْقَوْمُ بِأَبْدَانِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ مَالٌ؛ مِثْلُ الصَّيَّادِينَ وَالْبَقَّالِينَ وَالْحَمَّالِينَ. «وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ يَجِيئَا بِشَيْءٍ» وَفَسَّرَ أَحْمَدُ صِفَةَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يُصِيبَانِ مِنْ سَلَبِ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَيْف يَصِحُّ اخْتِصَاصُ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَغَنَائِمُهَا كَانَتْ لِمَنْ أَخَذَهَا قَبْلَ أَنْ يُشْرِكَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ جِهَتَيْ الْمُضَارَبَةِ، فَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ كَالْمَالِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ (لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (فَسْخُهَا) ؛ أَيْ: شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، مَتَى شَاءَ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَظْهَرْ فَضْلُهُ) - أَيْ كَسْبُهُ - زِيَادَةً (عَلَى صَاحِبِهِ) . فَإِنْ ظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَلَا فَسْخَ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا؛ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ بِمَنْ لَمْ يَفْسَخْ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِكَا (فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ كَنَسْجٍ) وَحِدَادَةٍ (وَقِصَارَةٍ وَخِيَاطَةٍ) وَنَحْوِهَا. (وَصَحَّ) قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ: (أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ) ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا، لِأَنَّ تَقَبُّلَ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ. وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُضَارِبِ. (وَيُطَالَبَانِ بِمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا) مِنْ عَمَلٍ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا.

стр. 2113

(وَيَتَّجِهُ بَعْدَ تَقَبُّلِ أَحَدِهِمَا) عَمَلًا مُبَاحًا، أَوْ اسْتِئْجَارًا عَلَيْهِ، [ (لَا فَسْخَ) لِلشَّرِيكِ (الْآخَرِ) ؛ لِإِذْنِهِ فِيهِ؛ كَشِرَاءِ شَرِيكِ الْعَنَانِ مَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ] . (وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الضَّمَانِ، فَكَأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ مَا يَلْزَمُهُ. (وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (طَلَبُ أُجْرَةٍ) لِعَمَلٍ تَقَبَّلَهُ هُوَ أَوْ صَاحِبُهُ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَبْرَأُ مِنْهَا الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْوَكِيلِ عَنْ الْآخَرِ. (وَتَلَفُهَا) أَيْ الْأُجْرَةِ (بِلَا تَفْرِيطٍ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) مِنْ ضَمَانِهِمَا تَضْيِيعٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنْ الْآخَرِ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ، وَمَا يَتْلَفُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأُجْرَةِ بِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا أَوْ تَفْرِيطِهِ أَوْ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ؛ كَمَنْعٍ أَوْ جُحُودٍ؛ فَالتَّلَفُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِانْفِرَادِهِ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ. (وَإِقْرَارُهُ) ؛ أَيْ: إقْرَارُ أَحَدِهِمَا (بِمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْأَعْيَانِ يُقْبَلُ (عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا فِيهَا. وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ (بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ وَلَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ) لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ أَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ إنْ كَانَ (غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالشَّرِكَةِ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. أَمَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالِاسْتِدَانَةِ لِلشَّرِكَةِ وَأَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَدَانَ لَهَا؛ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ أَصَالَةٌ عَنْ نَفْسِهِ وَوَكَالَةٌ عَنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ لَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ تَضَمَّنَ الْإِقْرَارَ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ،

стр. 2114

(وَالْحَاصِلُ) مِنْ مُبَاحٍ تَمَلَّكَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ مِنْ أُجْرَةِ عَمَلٍ تَقَبَّلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ (كَمَا شُرِطَ) عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، وَيَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعَمَلِ؛ فَجَازَ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِهِ. (وَمُوجَبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ فِي شَرِكَةٍ) بِأَنْوَاعِهَا، (وَفِي جِعَالَةٍ وَفِي إجَارَةٍ؛ التَّسَاوِي فِي عَمَلٍ وَأَجْرٍ) ؛ إذْ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَضْلَ عَلَى الْآخَرِ، (وَلِزَائِدِ عَمَلٍ) حَيْثُ (لَمْ يَتَبَرَّعْ بِزِيَادَةِ عَمَلِهِ طَلَبُهُ) - أَيْ شَرِيكِهِ - بِالزِّيَادَةِ؛ لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي. (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّتِهَا (اتِّفَاقُ صَنْعَةِ) الشَّرِيكَيْنِ، فَلَوْ اشْتَرَكَ حَدَّادٌ وَنَجَّارٌ، أَوْ خَيَّاطٌ وَقَصَّارٌ، فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ؛ صَحَّ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَسْبٍ مُبَاحٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَحْذَقَ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّتَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَاتُ. (وَلَا) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ (مَعْرِفَتُهَا) - أَيْ الصِّفَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَوْ اشْتَرَكَ شَخْصَانِ لَا يُحْسِنَانِ الْخِيَاطَةَ فِي تَقَبُّلِهَا، وَأَنْ يَدْفَعَا مَا تَقَبَّلَاهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ يُحْسِنُهَا، بِمَا يُوَافِقَانِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَمَا فَضَلَ بَيْنَهُمَا؛ صَحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّقَبُّلَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ (فَيَلْزَمُ غَيْرَ عَارِفٍ إقَامَةُ عَارِفٍ) لِلصَّنْعَةِ (مَقَامَهُ) فِي الْعَمَلِ، لِيَعْمَلَ مَا يَلْزَمُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ. (وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ - فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا (أَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ) مَعَ شَرِيكِهِ (لِعُذْرٍ أَوْ لَا) لِعُذْرٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا، (فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَاهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي عَمَلِ الْأَبْدَانِ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ وَلَا يَأْتِي الْآخَرُ بِشَيْءٍ قَالَ: نَعَمْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَدِيثِ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَعْنِي حَيْثُ اشْتَرَكُوا، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَأَخْفَقَ الْآخَرَانِ، وَلِأَنَّ

стр. 2115

الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا، وَبِضَمَانِهِمَا لَهُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ، فَتَكُونُ لَهُمَا، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا عَوْنًا لِصَاحِبِهِ فِي حِصَّتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُقَصِّرَ ثَوْبًا فَاسْتَعَانَ بِآخَرَ. (وَيَلْزَمُ مِنْ عُذْرٍ) بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ مَعَ شَرِيكِهِ (بِطَلَبِ شَرِيكِهِ) الصَّحِيحِ، (أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ) مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ، فَإِنْ طَلَبَ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَمَلُ أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ، تَوْفِيَةً لِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ. (وَيَصِحُّ) أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ (يُحَمِّلَا دَابَّةً لَهُمَا مَا يَتَقَبَّلَانِهِ) ، مِنْ حَمْلِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ (فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَالْأُجْرَةُ) بَيْنَهُمَا (كَمَا شَرَطَا) ؛ لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتَ الضَّمَانَ فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَاهُ عَلَى أَيِّ ظَهْرٍ كَانَ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ، كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ. (وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يَشْتَرِكَا فِي أُجْرَةِ عَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، أَوْ فِي أُجْرَةِ أَنْفُسِهِمَا إجَارَةٌ خَاصَّةً) ؛ كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَأْجِرُ: اسْتَأْجَرْتُ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، أَوْ اسْتَأْجَرْتُكُمَا لِحَمْلِ هَذَا الْمَتَاعِ إلَى مَحِلِّ كَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَمْلِ فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُكْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، أَوْ مَنْفَعَةَ الْمُؤَجَّرَ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمَأْجُورِ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إنْسَانٍ، فَلَمْ يَتَأَتَّ ضَمَانٌ؛ فَلَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَيْهِ، (وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أُجْرَةُ دَابَّتِهِ فِيمَا) إذَا أَجَّرَ عَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ، (وَ) أُجْرَةُ (نَفْسِهِ) فِيمَا إذَا أَجَّرَا نَفْسَهُمَا؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ. فَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ؛ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ طَامِعًا فِي عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. (وَتَصِحُّ شَرِكَةُ اثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ قِصَارَةٍ، وَلِآخَرَ بَيْتٌ، شَرِكَةَ) أَبْدَانٍ عَلَيْهِمَا، عَلَى أَنَّهُمَا (يَعْمَلَانِ) ؛ أَيْ: يُقَصِّرَانِ مَا يَتَقَبَّلَانِ عَمَلَهُ عَلَى عَمَلِهِمَا، وَالْعَمَلُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ، وَالْآلَةُ وَالْبَيْتُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ

стр. 2116

فِي الْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ، فَصَارَا كَالدَّابَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَحْمِلَانِ عَلَيْهِمَا مَا يَتَقَبَّلَانِ حَمْلَهُ فِي ذِمَّتَيْهِمَا. فَإِنْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ لِنَحْوِ جَهَالَةٍ؛ قُسِّمَ رِبْحُ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِمَا، أَوْ عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ الدَّارِ وَالْآلَةِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ قَدْ أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ، يَلْزَمُ تَوْزِيعُهُ عَلَيْهِمَا بِالْمُحَاصَّةِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِأَجْرٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا آلَةٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا بَيْتٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِالْآلَةِ أَوْ فِي الْبَيْتِ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا صَحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ (ثَلَاثَةٌ، لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ، وَلِآخَرَ رَاوِيَةٌ، وَثَالِثٌ يَعْمَلُ) بِالرَّاوِيَةِ عَلَى الدَّابَّةِ، عَلَى أَنْ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ. (أَوْ أَرْبَعَةٌ، لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ، وَلِآخَرَ رَحًى، وَلِثَالِثٍ دُكَّانٌ، وَرَابِعٌ يَعْمَلُ) الطَّحْنَ بِالدَّابَّةِ وَالرَّحَى فِي الدُّكَّانِ، وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَبَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشَارَكَةً وَلَا مُضَارَبَةً؛ لِكَوْنِهِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا عُرُوضًا، وَلِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهِمَا عَوْدَ رَأْسِ الْمَالِ تَسْلِيمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسْتَوْفَى رَأْسُ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجَارَةً؛ لِافْتِقَارِهَا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ. (وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مَا تَقَبَّلَهُ) مِنْ عَمَلٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَأْجَرُ لِحَمْلِ الْمَاءِ وَالطَّحْنِ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (أُجْرَةُ آلَةِ رُفْقَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَقِيَاسُ نَصِّهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - فِي دَابَّةٍ يَدْفَعُهَا شَخْصٌ إلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا؛ (صِحَّتُهَا) ؛ أَيْ: مَسْأَلَةِ اشْتَرَاكِ الثَّلَاثَةِ، وَمِثْلُهَا اشْتِرَاكُ الْأَرْبَعَةِ، (وَاخْتَارَهُ) ؛ أَيْ: الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، (جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، (وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ") ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالرِّعَايَةِ " قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ مَا ذُكِرَ) ، مِنْ الدَّابَّةِ وَالرَّحَى وَالدُّكَّانِ وَالْعَامِلِ (لِلطَّحْنِ) ؛ أَيْ: لِطَحْنِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَأَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، (صَفْقَةً)

стр. 2117

وَاحِدَةً؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ، (وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ (بِقَدْرِ قِيمَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ) ؛ أَيْ: تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَعْيَانِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ كَتَوْزِيعِ الْمَهْرِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَرْبَعًا مِنْ النِّسَاءِ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، وَيَأْتِي. (وَإِنَّ تَقَبَّلُوهُ) - أَيْ الطَّحْنَ الْأَرْبَعَةُ - وَهُمْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ، وَصَاحِبُ الرَّحَى، وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ، وَالْعَامِلُ، (فِي ذِمَمِهِمْ) ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ إنْسَانٌ: اسْتَأْجَرْتُكُمْ لِطَحْنِ هَذَا الْقَمْحِ بِمِائَةٍ؛ فَقَبِلُوا؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ، (وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَهُمْ (أَرْبَاعًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُؤَجَّرٌ لِطَحْنِ رُبْعِهِ بِرُبْعِ الْأُجْرَةِ، (وَيَرْجِعُ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى رُفْقَتِهِ) الثَّلَاثَةِ؛ (لِتَفَاوُتِ) قَدْرِ (الْعَمَلِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَجْرِ الْمِثْلِ) ، عَلَى وَاحِدٍ بِالرُّبْعِ، فَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّابَّةِ أَرْبَعِينَ، وَالرَّحَى ثَلَاثِينَ، وَالدُّكَّانِ عِشْرِينَ، وَعَمَلِ الْعَامِلِ عَشَرَةً، فَإِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يَرْجِعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أُجْرَتِهَا - وَهِيَ ثَلَاثُونَ؛ - مَعَ رُبْعِ أُجْرَتِهَا الَّذِي لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى وَاحِدٍ - وَهُوَ عَشَرَةٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ أَرْبَعُونَ؛ وَيَرْجِعُ رَبُّ الرَّحَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَنِصْفٍ، مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ - فَيَكْمُلُ ثَلَاثُونَ. وَيَرْجِعُ رَبُّ الدُّكَّانِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ خَمْسَةٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ عِشْرُونَ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ، مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ عَشَرَةٌ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ وَهِيَ الْقَدْرُ الَّذِي اُسْتُؤْجِرُوا بِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ بِالرُّبْعِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ لَزِمَهُ رُبْعُ الطَّحْنِ بِمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ عَلَى أَحَدٍ. وَلَوْ تَوَلَّى أَحَدُهُمَا الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ؛ كَانَتْ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا لَهُ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُفْقَتِهِ أُجْرَةُ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ. [فَرْعٌ شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ] (فَرْعٌ: لَا تَصِحُّ شَرِكَةُ دَلَّالَيْنِ) ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ وَكَالَةٍ، وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ؛ كَأَجِّرْ دَابَّتَكَ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا. وَهَذَا فِي الدَّلَالَةِ الَّتِي فِيهَا عَقْدٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ. قَالَ الشَّيْخُ

стр. 2118

تَقِيُّ الدِّينِ: فَأَمَّا مُجَرَّدُ النِّدَاءِ وَالْعَرْضِ؛ أَيْ: عَرْضِ الْمَتَاعِ لِلْبَيْعِ، وَإِحْضَارِ الزُّبُونِ؛ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ. وَقَالَ: وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْمَنْعُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، مِمَّا يَسُوعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ. انْتَهَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا وَحَرَجًا، وَالِاخْتِلَافُ رَحْمَةٌ. (وَيَتَّجِهُ وَلَا) تَصِحُّ شَرِكَةُ (فُقَرَاءَ فِي صَدَقَةٍ) ؛ لِفَقْدِ شَرْطِهَا، وَهُوَ الْوَكَالَةُ وَالضَّمَانُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (تَصِحُّ شَرِكَةُ شُهُودٍ) ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَالَ: لِلشَّاهِدِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ، إنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ. وَقَالَ: وَلِلْحَاكِمِ إكْرَاهُهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ اشْتَرَكُوا عَلَى مَا حَصَّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ، بِحَيْثُ إذَا كَتَبَ أَحَدُهُمْ وَشَهِدَ شَارَكَهُ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ؛ فَهِيَ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ، تَجُوزُ حَيْثُ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ، وَأَمَّا حَيْثُ لَا تَجُوزُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ كَشَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ. انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ لَا) تَصِحُّ شَرِكَةُ الشُّهُودِ، (لِأَنَّ الشَّرِكَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ) ، وَلَا وَكَالَةَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا عَلَى بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ، (وَالضَّمَانِ) ، وَلَا ضَمَانَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ بِذَلِكَ يَصِيرُ فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَقَدْ فُقِدَا) - أَيْ الْوَكَالَةُ وَالضَّمَانُ (هُنَا) - أَيْ فِي شَرِكَةِ الشُّهُودِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 2119

لَكِنْ لَوْ تَقَبَّلَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ، مِنْ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، كِتَابَةً كَحُجَجٍ أَوْ دَفَاتِرَ مَعْلُومَةٍ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ شَرِكَةِ النَّسْخِ، وَهِيَ شَرِكَةُ أَبْدَانٍ. (وَيَصِحُّ جَمْعٌ بَيْنَ شَرِكَةِ عَنَانٍ، وَأَبْدَانٍ، وَوُجُوهٍ، وَمُضَارَبَةٍ) ؛ لِصِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُفْرَدَةً، فَصَحَّتْ مَعَ غَيْرِهَا، (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْمُجَمَّعَةُ مِنْ شَرِكَةِ الْعَنَانِ وَالْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُضَارَبَةِ، تُسَمَّى (شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ) ، وَهَذَا هُوَ الضَّرْبُ الْخَامِسُ مِنْ أَضْرُبِ الشَّرِكَةِ، (وَهِيَ) فِي اللُّغَةِ: الِاشْتِرَاكُ فِي شَيْءٍ؛ وَفِي الشَّرْعِ (قِسْمَانِ) : أَحَدُهُمَا (صَحِيحٌ، وَهُوَ) نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ (تَفْوِيضُ كُلٍّ) مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (إلَى صَاحِبِهِ شِرَاءً أَوْ بَيْعًا فِي الذِّمَّةِ، وَمُضَارَبَةً، وَتَوْكِيلًا، وَمُسَافَرَةً بِالْمَالِ، وَارْتِهَانًا، وَضَمَانَ) ؛ أَيْ: تَقَبُّلَ (مَا يَرَى مِنْ الْأَعْمَالِ) ؛ كَخِيَاطَةٍ وَحِدَادَةٍ وَقِصَارَةٍ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ شَرِكَةِ الْعَنَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْأَبْدَانِ، وَجَمِيعُهَا مَنْصُوصٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا، إنْ لَمْ يُدْخِلَا) فِي ذَلِكَ (كَسْبًا نَادِرًا) ، أَوْ يُدْخِلَا فِيهَا (غَرَامَةً) ، فَتَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ أَضْرُبِ الشَّرِكَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. (وَقِسْمٌ فَاسِدٌ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَا) فِي الشَّرِكَةِ (كَسْبًا نَادِرًا؛ كَوِجْدَانِ لُقَطَةٍ، أَوْ دُكَّانٍ. أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَحْصُلُ مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَعَارِيَّةٍ) . (وَ) لَزِمَ (مَهْرٌ) بِوَطْءٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ

стр. 2120

الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ فِيهِ مَا لَا يَقْدِرُ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ. (وَلِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي هَذَا الْقِسْمِ (مَا يَسْتَفِيدُهُ، وَلَهُ رِبْحُ مَالِهِ، وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ) ، لَا يُشْرِكُ فِيهِ غَيْرَهُ؛ لِفَسَادِ الشَّرِكَةِ. (وَيَخْتَصُّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (بِضَمَانِ مَا غَصَبَهُ أَوْ جَنَاهُ أَوْ ضَمِنَهُ عَنْ الْغَيْرِ) ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. [بَابُ الْمُسَاقَاةِ] الْمُسَاقَاةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا بِالْحِجَازِ، وَكَانَتْ النَّخْلُ بِالْحِجَازِ تُسْقَى نَضْحًا - أَيْ مِنْ الْآبَارِ - فَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ وَهِيَ: (دَفْعُ أَرْضٍ وَشَجَرٍ مَغْرُوسٍ، مَعْلُومٍ) لِلْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ) لَهُمَا. فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ مِنْهُمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ، كَبَيْعِ مَا لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ بِالْوَصْفِ. (بَعْلًا) ، وَهُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، أَوْ (سَقْيًا) وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ، كَدِعَايَتِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ. (لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ) - أَيْ عَلَى الشَّجَرِ وَيَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ، مِنْ ثَمَرِهِ النَّامِي) بِعَمَلِهِ الْمُتَكَرِّرِ كُلَّ عَامٍ؛ كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالرُّمَّانِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالزَّيْتُونِ؛ فَلَا تَصِحُّ عَلَى مَا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ؛ كَالْقُطْنِ وَالْمَقَاثِي وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا لَا سَاقَ لَهُ. وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَرْطِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ

стр. 2121

أَكْرَى الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، فَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ إلَى يَوْمِكَ هَذَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ وَدَالٌّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الشَّجَرِ يَعْجِزُونَ عَنْ عِمَارَتِهِ وَسَقْيِهِ. وَلَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى الثَّمَرِ، فَفِي تَجْوِيزِ الْمُسَاقَاةِ تَجْوِيزٌ لِلْحَاجَتَيْنِ، وَتَحْصِيلُ الْفِئَتَيْنِ؛ كَالْمُضَارَبَةِ بِالْأَثْمَانِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» . فَمَحْمُولٌ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ مُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ؛ فَسَّرَهَا رَافِعٌ فِي حَدِيثِهِ. وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ «لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ» ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ ذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ: قَالَ «كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا تُسَمَّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ فَرُبَّمَا يُصَابُ ذَلِكَ، وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ وَرُبَّمَا تُصَابُ الْأَرْضُ، وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنَهَانَا» ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ ". وَرُوِيَ تَفْسِيرُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ أَيْضًا. قَالَ الْإِمَامُ: رَافِعٌ يُرْوَى عَنْهُ فِي هَذَا ضُرُوبٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُوهِنُ حَدِيثَهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إنَّ أَعْلَمَهُمْ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَخْبَرَنِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ : وَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى (شَجَرِهِ) - أَيْ شَجَرِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ - بِجُزْءٍ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ مِنْهُ وَمِنْ الثَّمَرِ، وَعَلَى مَا لَيْسَ لَهُ ثَمَرٌ، وَيَأْتِي، وَلَا إنْ جَعَلَ لِلْعَامِلِ كُلَّ الثَّمَرَةِ وَلَا جُزْءًا مُبْهَمًا كَسَهْمٍ وَنَصِيبٍ. وَلَا ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ فَأَكْثَرَ مُعَيَّنَةٍ، وَعُمُومُ قَوْلِ الْمَتْنِ: لَهُ ثَمَرٌ، شَمِلَ مَا لَوْ

стр. 2122

كَانَ الثَّمَرُ مَوْجُودًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُعْمَلُ عَلَيْهِ إذَا كَمُلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَعَلَى الْأَصَحِّ وَعَلَى ثَمَرٍ بَدَأَ وَلَمْ يَكْمُلْ بِجُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا جَازَتْ فِي الْمَعْدُومِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فَمَعَ قِلَّتِهِ أَوْلَى. (وَإِذَا سَاقَاهُ) ؛ أَيْ: سَاقَى الْمَالِكُ الْعَامِلَ (عَلَى وَدِيِّ نَخْلٍ) - أَيْ صِغَارِهِ - وَاحِدَتُهُ وَدِيَّةٌ، (وَصِغَارِ شَجَرٍ إلَى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا غَالِبًا؛ صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ وَنَصِيبُهُ يَقِلُّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا؛ كَمَا لَوْ جَعَلَ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ. [فَائِدَةٌ إذَا غَرَسَ لَهُ الشَّجَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي الْعَمَلِ] ِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَذَا الْعَمَلِ الْأَوَّلِ ثَمَرَةً تَظْهَرُ، ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ اسْتَحَقَّ مَا يَظْهَرُ كُلَّ عَامٍ وَإِلَّا فَلَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَجَرُهُ لَا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ إلَّا بَعْدَ سِنِينَ وَأَخَذَهُ مُسَاقَاةً؛ لَا يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ إلَّا ثَمَرَةَ أَوَّلِ عَامٍ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ غَرَرٌ أَوْ ضَرَرٌ فَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ بِخِلَافِ الْمُنَاصَبَةِ فَإِنَّهُ هُنَا يَسْتَحِقُّ ثَمَرَةَ كُلِّ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ إلَى أَنْ تَبِيدَ. (وَالْمُنَاصَبَةُ وَهِيَ الْمُغَارَسَةُ دَفْعُهُ) - أَيْ الشَّجَرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ - (بِلَا غَرْسٍ) أَيْ غَيْرَ مَغْرُوسٍ - (مَعَ أَرْضٍ، وَلَوْ) كَانَ دَفْعُ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ (مِنْ نَاظِرِ وَقْفٍ لِمَنْ يَغْرِسُهُ) فِيهَا، (وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ شَجَرِهِ) - أَيْ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ - فَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ بَيْعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ مِنْ الشَّجَرِ بِلَا حَاجَةٍ وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمَ بِلُزُومِهَا فِي مَحِلِّ النِّزَاعِ فَقَطْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِالْحَاجَةِ مَا يَجُوزُ مَعَهُ بَيْعُ الْوَقْفِ، وَيَأْتِي أَوْ مَا لَمْ يَصِرْ الشَّجَرُ شَالِيًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، إلَّا حَطَبًا، (وَتَدْخُلُ ثَمَرَةٌ) - أَيْ ثَمَرَةُ الشَّجَرِ - (تَبَعًا) لَهُ، (أَوْ) بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ (مِنْ ثَمَرَةٍ، أَوْ) بِجُزْءٍ (مِنْهُمَا) - أَيْ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ - اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَصَاحِبُ

стр. 2123

الْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اغْرِسْ فِي أَرْضِي هَذِهِ شَجَرًا أَوْ نَخْلًا، فَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ فَلَكَ بِعَمَلِكَ هَذَا، فَأَجَازَهُ، وَاحْتَجَّ فِي حَدِيثِ خَيْبَرَ، فَهَذَا نَصٌّ فِيمَا إذَا جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ النَّمَاءِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ نَصِّهِ وَبِجُزْءٍ مِنْهُ - أَيْ الشَّجَرِ - وَمِنْهُمَا كَالْمُزَارَعَةِ. انْتَهَى. وَاشْتِرَاطُ كَوْنِ الْغَرْسِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ مُعْتَبَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ دَفَعَ أَرْضًا وَشَجَرًا لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ؛ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَلَمْ نَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْأَصْلِ فَفَسَدَ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ بِلَا أَرْضٍ لِيَكُونَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، أَوْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَكَذَا) - أَيْ مِثْلُ دَفْعِ الشَّجَرِ مَعَ الْأَرْضِ - (دَفْعُ نَوَى نَحْوِ ثَمَرٍ) ؛ كَزَيْتُونٍ وَنَوَى (مِشْمِشٍ) مَعَ أَرْضٍ، وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَنْبُتَ وَيَصِيرَ نَصْبًا، ثُمَّ يَصِيرُ شَجَرًا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ الثَّمَرِ أَوْ مِنْهُمَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْمُزَارَعَةُ دَفْعُ أَرْضٍ وَحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُهُ) وَيَقُومُ عَلَيْهِ، (أَوْ دَفْعُ حَبٍّ مَزْرُوعٍ يُنَمَّى) بِالْعَمَلِ (لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ) الْمَدْفُوعُ لَهُ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْمُتَحَصِّلِ) ، وَتُسَمَّى مُخَابَرَةً مِنْ الْخَبَارِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ - وَهِيَ الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ وَمُوَاكَرَةً أَيْضًا، وَالْعَامِلُ فِيهَا خَبِيرٌ وَأَكَّارٌ وَمُوَاكِرٌ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ. فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَرْطِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقًا تَمْرًا وَعِشْرُونَ وَسْقًا شَعِيرًا» ، فَقَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخُيِّرَتْ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ

стр. 2124

لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ الْأَوْسُقَ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْوَسْقَ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ ". وَالْمَعْنَى دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى زَرْعِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، وَالْأَكْثَرُ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ لَهُمْ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، بَلْ الْحَاجَةُ هُنَا آكَدُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا، وَلِكَوْنِ الْأَرْضِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمَالِ. (وَلَا تَصِحُّ مُسَاقَاةٌ) عَلَى (مَا) - أَيْ: شَجَرٍ - (لَا ثَمَرَ لَهُ يُؤْكَلُ كَصَفْصَافٍ وَقَرَظٍ) - وَهُوَ وَرَقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ بِهِ - وَدُلْبٍ وَحَوَرٍ وَسَرْوٍ - (وَلَوْ) كَانَ لَهُ خَشَبٌ يُقْصَدُ أَوْ - (كَانَ لَهُ وَرَقٌ أَوْ زَهْرٌ يُقْصَدُ كَتُوتٍ وَوَرْدٍ) وَنَرْجِسِ وَيَاسَمِينٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) وَالشَّارِحِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا يُقْصَدُ وَرَقُهُ أَوْ زَهْرُهُ إجْرَاءً لِلْوَرَقِ وَالزَّهْرِ مَجْرَى الثَّمَرَةِ. (وَلَا) تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ مِنْ أُصُولِ الْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتِ مِنْ (نَحْوِ قُطْنٍ) يُؤْخَذُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا عَلَى الْمَقَاثِي مِنْ نَحْوِ بِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ (وَبَاذِنْجَانٍ) وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَجَرٍ. وَتَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ. (وَلَا) يَصِحُّ (كَوْنُ غَرْسٍ لِوَاحِدٍ وَالْأَرْضِ لِآخَرَ) ؛ لِاشْتِرَاكِ كَوْنِهِمَا مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، (فَإِنْ وَقَعَ) الْغَرْسُ مِنْ الْعَامِلِ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ، وَ (خُيِّرَ رَبُّهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ -، (بَيْنَ قَلْعِهِ) - أَيْ: تَكْلِيفِ رَبِّ الْغِرَاسِ قَلْعَهُ - (وَضَمَانِ نَقْصِهِ) لَهُ (أَوْ تَمَلُّكِهِ) بِقِيمَتِهِ لِغَارِسِهِ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ رَبُّهُ أَخْذَهُ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ فَلَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ الْقِيمَةَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَحْوِيلَهُ، (أَوْ تَرْكَهُ بِأُجْرَتِهِ) بِاتِّفَاقِهِمَا. (وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ مُسَاقَاةٍ وَمُنَاصَبَةٍ وَمُزَارَعَةٍ (كَوْنُ عَاقِدِ كُلٍّ) مِنْهَا

стр. 2125

(نَافِذَ التَّصَرُّفِ) بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا رَشِيدًا؛ لِأَنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ، فَاعْتُبِرَ لَهَا ذَلِكَ كَالْبَيْعِ. (وَتَصِحُّ) مُسَاقَاةٌ (بِلَفْظِهَا) كَسَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظُهَا الْمَوْضُوعُ لَهَا، (وَ) تَصِحُّ (بِلَفْظِ مُعَامَلَةٍ وَمُفَالَحَةٍ، وَ) بِلَفْظِ (اعْمَلْ بِبُسْتَانِي هَذَا) حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ عَلَى النِّصْفِ مَثَلًا (وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ الْعَقْدُ، فَإِذَا دَلَّ عَلَيْهِ أَيُّ لَفْظٍ كَانَ؛ صَحَّ كَالْبَيْعِ. وَ (تَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ (بِمُعَاطَاةٍ) ، وَقَبُولُهَا كَذَلِكَ يَصِحُّ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَبِالْمُعَاطَاةِ، وَالشُّرُوعُ مِنْ الْعَامِلِ فِي الْعَمَلِ قَبُولُهُ. (وَتَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ إجَارَةٍ (مَعَ مُزَارَعَةٍ) ؛ أَيْ: وَتَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ أَيْضًا (بِلَفْظِ إجَارَةٍ) كَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ بِثُلُثِهَا، أَوْ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَزْرَعَ هَذَا الْحَبَّ بِهَذِهِ الْأَرْضِ، وَتَعْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتِمَّ بِالرُّبْعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى. (وَتَصِحُّ إجَارَةُ أَرْضٍ) مَعْلُومَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ وَعَرُوضٍ مَعْلُومَةٍ، (وَبِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ) كَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ (مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ نَحْوِ بُرٍّ أَوْ) غَيْرِهِ (كَقُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ) ، وَهُوَ إجَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِنَقْدٍ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُ الْإِجَارَةِ، فَكَمَا تَصِحُّ بِالدَّرَاهِمِ تَصِحُّ بِالْخَارِجِ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إجَارَةُ أَرْضٍ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ (مِنْ نَحْوِ شَجَرٍ) ؛ لِطُولِ مُكْثِهِ فِي الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا احْتَاجَ رَبُّ الْأَرْضِ تَفْرِيغَهَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ الشَّجَرِ قَائِمًا نَامِيًا، بِخِلَافِ الْبُرِّ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّهُ يَزُولُ بِنَبْتِهِ، وَتَتَفَرَّغُ الْأَرْضُ لِمَالِكِهَا وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.

стр. 2126

(فَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ) الْأَرْضُ، أَوْ زُرِعَتْ فَلَمْ تَنْبُتْ، أَوْ نَبَتَتْ ثُمَّ تَلِفَ، وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ حَبٌّ، سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا مُزَارَعَةٌ أَوْ إجَارَةٌ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ (نُظِرَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (إلَى مُعَدَّلِ الْمُغَلِّ) - مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ - إلَى الْمُغَلِّ الْمُعَدَّلِ - (أَيْ: الْمُوَازِي لِمَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (لَوْ زُرِعَتْ - فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ فَسَدَتْ فَأَجْرُ الْمِثْلِ. (وَ) تَصِحُّ إجَارَةٌ أَرْضٍ (بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ مِنْ جِنْسِ الْخَارِجِ) مِنْهَا (أَوْ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ جِنْسِهِ - كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا سَنَةً لِزَرْعِ بُرٍّ بِقَفِيزِ بُرٍّ، وَلَمْ يَقُلْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهَا؛ كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ. (وَلَوْ عَمِلَا) - أَيْ: الشَّرِيكَانِ - (فِي شَجَرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَشَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي ثَمَرِهِ) بِأَنْ قَالَا: إنَّ لَكَ الثُّلُثَ، وَلِي الثُّلُثَانِ؛ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ مِمَّنْ شُرِطَ لَهُ الثُّلُثُ وَأُعْرَفَ بِهِ مِنْهُ، (بِخِلَافِ مُسَاقَاةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِنِصْفِهِ) - أَيْ: الثَّمَرِ - أَوْ ثُلُثِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ هُنَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ الْمَشْرُوطَ لَهُ النِّصْفُ يَسْتَحِقُّهُ بِمِلْكِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا، وَإِنْ شُرِطَ لَهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ؛ فَقَدْ جَعَلَ لِغَيْرِ الْعَامِلِ جُزْءًا مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ، وَيَعْمَلُهُ بِلَا عِوَضٍ؛ فَلَا يَصِحُّ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَامِلُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ كَانَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ؛ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَبِخِلَافِ مُسَاقَاةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ (بِكُلِّهِ) ؛ أَيْ: الثَّمَرِ؛ فَلَا يَصِحُّ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". (أَوْ لَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (أُجْرَتُهُ) - أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ - (فِي) شَرْطِ (كُلِّهِ) - أَيْ: الثَّمَرِ - لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْعِوَضُ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. (وَمَنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ) فِي أَرْضٍ شَائِعَةٍ بَيْنَهُمَا (فِي نَصِيبِهِ) مِنْهَا (بِفَضْلٍ) - أَيْ: جُزْءٍ زَائِدٍ - (عَنْ حِصَّتِهِ) مِنْ الْأَرْضِ بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ نِصْفَيْنِ، وَجَعَلَا لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا مِنْهَا الثُّلُثَيْنِ؛ (صَحَّ) وَالسُّدُسُ فِي

стр. 2127

مُقَابَلَةِ عَمَلِ الْعَامِلِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، كَأَنَّ شَرِيكَهُ قَالَ: زَارَعْتُكَ عَلَى نِصْفَيْنِ بِثُلُثِهِ؛ فَيَجُوزُ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ (كَمُسَاقَاةٍ) ؛ أَيْ: كَمَا يَصِحُّ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. (وَيَصِحُّ تَوْقِيتُ مُسَاقَاةٍ) ؛ كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهَا، (فَلَا أَثَرَ لَهُ) - أَيْ: التَّوْقِيتِ - (إذْ لَا يُشْتَرَطُ ضَرْبُ مُدَّةٍ يَحْصُلُ الْكَمَالُ) - أَيْ: كَمَالِ الثَّمَرَةِ - (فِيهَا) - أَيْ: الْمُدَّةِ - لَكِنْ لَوْ ضَرَبَ مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ؛ فَيَصِحُّ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إبْقَاؤُهُ وَفَسْخُهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّوْقِيتِ؛ كَالْمُضَارَبَةِ، (وَيَمْلِكُ عَامِلٌ حِصَّتَهُ) مِنْ الثَّمَرَةِ بِمُجَرَّدِ (الظُّهُورِ) ؛ كَالْمَالِكِ وَكَالْمُضَارِبِ. (وَلِكُلٍّ فَسْخُهَا) - أَيْ: الْمُسَاقَاةِ - (مَتَى شَاءَ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ، وَيَصِحُّ تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ إلَى جِذَاذٍ وَإِلَى إدْرَاكِ مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ، لَا إلَى مُدَّةٍ لَا تَحْتَمِلُهُ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا إذَنْ. [فَائِدَةٌ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَفَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّرْعِ] (فَائِدَةٌ) : لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَفَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّرْعِ، أَوْ قَبْلَ الْبَذْرِ وَبَعْدَ الْحَرْثِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ بَيْعِ الْعِمَارَةِ الَّتِي هِيَ الْإِثَارَةُ، وَيَكُونُ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ بِعِمَارَتِهِ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ زَارَعَ رَجُلًا عَلَى مُزَارَعَةِ بُسْتَانِهِ، ثُمَّ أَجَّرَهَا هَلْ تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ؟ فَقَالَ: إنْ زَارَعَهُ مُزَارَعَةً لَازِمَةً؛ لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً أُعْطِيَ الْفَلَاحُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ؛ أَيْ: وَبَطَلَتْ مُزَارَعَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، لَا لَازِمٌ، وَأَفْتَى أَيْضًا فِي رَجُلٍ زَرَعَ أَرْضًا، وَكَانَتْ بُورًا، وَحَرَثَهَا فَهَلْ لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْهَا فِلَاحَةٌ؟ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ فِلَاحَةٌ لَمْ يَنْتَفِعَ بِهَا، فَلَهُ قِيمَتُهَا عَلَى مَنْ انْتَفَعَ بِهَا، فَإِنْ الْمَالِكُ انْتَفَعَ بِهَا أَخَذَ عِوَضًا عَنْهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَضَمَانُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ عَنْ الْأَرْضِ وَحْدَهَا؛ فَضَمَانُ الْفِلَاحَةِ

стр. 2128

عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا. قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ ": وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَفْلُوحَةً، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا مَفْلُوحَةً كَمَا أَخَذَهَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ كَمَا شَرَطَ. قَالَ: وَيَتَخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَشَرْحِهِ: وَإِنْ خَرَّجَ الْأَكَّارِيُّ الزَّرْعَ بِاخْتِيَارِهِ، وَتَرَكَ الْعَمَلَ قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَمَلَ يَدَيْهِ مِنْ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا عَمِلَ؛ أَيْ: أَنْفَقَ فِي الْأَرْضِ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي. (وَمَتَى انْفَسَخَتْ) الْمُسَاقَاةُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتِهِ وَنَحْوِهِ - (وَقَدْ ظَهَرَ ثَمَرٌ) ؛ فِيمَا سَاقَاهُ عَلَيْهِ - (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ الظَّاهِرُ ثَمَرَةَ (شَجَرَةِ نَوْعٍ) وَاحِدٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَ) مَا ظَهَرَ (بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا) فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ؛ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَإِنْ اشْتَرَى نَصِيبَ الْعَامِلِ جَازَ، وَإِنْ اخْتَارَ بَيْعَ نَصِيبِهِ بَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْعَامِلِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ؛ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَلَا يُبَاعُ نَصِيبُ الْعَامِلِ وَحْدَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ، فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَا تَصِحُّ؛ وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ؛ صَحَّ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا لِغَيْرِ رَبِّ الْأَرْضِ بَاطِلٌ (وَعَلَى عَامِلٍ) وَوَارِثِهِ (تَمَامُ الْعَمَلِ) فِي الْمُسَاقَاةِ؛ (كَمَا يَلْزَمُ مُضَارِبًا فَسَخَ) بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ (بَيْعُ عُرُوضٍ) لِيَنْفَضَّ الْمَالُ، فَإِنْ ظَهَرَ ثَمَرَةٌ أُخْرَى بَعْدَ الْفَسْخِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا. قَالَ (الْمُنَقَّحُ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ - إنَّ عَلَى عَامِلٍ تَمَامَ الْعَمَلِ بَعْدَ الْفَسْخِ وَظُهُورِ الثَّمَرَةِ (دَوَامُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُنَاصَبَةِ. وَلَوْ فُسِخَتْ) الْمُغَارَسَةُ (إلَى أَنْ تَبِيدَ) الْأَشْجَارُ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا الْمُنَاصَبَةُ، (وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ. انْتَهَى) كَلَامُ الْمُنَقَّحُ.

стр. 2129

(فَإِنْ مَاتَ) الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُنَاصَبَةِ (فَوَارِثُهُ) يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمِلْكِ وَالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمُوَرِّثِ وَعَلَيْهِ، فَكَانَ لِوَارِثِهِ، (وَلَا يُجْبَرُ) إنْ أَبَى الْوَارِثُ أَنْ يَأْخُذَ وَيَعْمَلَ، (وَاسْتُؤْجِرَ مِنْ تَرِكَتِهِ مَنْ يَعْمَلُ) ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، أَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِئْجَارُ فِيهَا؛ بِيعَ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ تَكْمِيلُ الْعَمَلِ، وَاسْتُؤْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ، (أَوْ إنْ بَاعَهُ) - أَيْ: نَصِيبَ الْعَامِلِ - هُوَ أَوْ وَارِثُهُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ فَيَصِحُّ الْعَمَلُ (عَلَى مُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكَهُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ؛ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَمَرًا؛ لَمْ يَصِحَّ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ لِمَالِكِ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ نَصِيبَ الْمُنَاصِبِ مِنْ الشَّجَرِ؛ صَحَّ مُطْلَقًا، وَصَحَّ شَرْطُ الْعَمَلِ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَالْمُكَاتَبِ إذَا بِيعَ عَلَى كِتَابَةٍ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمِلْكُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ [مَقَامَ] الْبَائِعِ فِيمَا يَقُومُ مَقَامَهُ الْبَائِعُ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ. إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِمَا لَزِمَ الْبَائِعَ مِنْ الْعَمَلِ؛ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخٍ) وَأَخْذِ الثَّمَنِ كَامِلًا، (وَ) بَيْنَ (إمْسَاكٍ مَعَ) أَخْذِ (أَرْشٍ) ؛ كَمَنْ اشْتَرَى مُكَاتَبًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ. (وَيَتَّجِهُ فِي بَحْثِ الْمُنَقَّحِ) آنِفًا - وَهُوَ قَوْلُهُ [فَيُؤْخَذُ] مِنْهُ دَوَامُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُنَاصَبَةِ إلَى أَنْ تَبِيدَ (أَنَّهُ) يَلْزَمُ دَوَامُ الْعَمَلِ (بِوَضْعِ غَرْسٍ) لَا قَبْلَهُ (فِي أَرْضٍ مَعَ حُصُولِ نَمَاءٍ) فِيهِ، وَيَتَّجِهُ (أَنَّ الزَّرْعَ) إذَا فَسَخَ الْعَامِلُ الْمُزَارَعَةَ بَعْدَ أَنْ بَذَرَهُ فِي الْأَرْضِ وَنَبَتَ (كَذَلِكَ) فِي الْحُكْمِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ دَوَامُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ إلَى حَصَادِهِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 2130

(وَلَا شَيْءَ لِعَامِلٍ فَسَخَ) الْمُسَاقَاةَ، (أَوْ هَرَبَ قَبْلَ ظُهُورِ ثَمَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ؛ كَعَامِلٍ فَسَخَ الْمُضَارَبَةَ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ، وَإِنْ هَرَبَ عَامِلٌ بَعْدَ ظُهُورِ ثَمَرٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ؛ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ، فَإِنْ تَضَرَّرَ الْمَالِكُ بِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ، وَوَجَدَ لَهُ مَالًا، وَأَمْكَنَهُ الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ؛ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا وَجَدَ مَنْ يَعْمَلُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى وَقْتِ إدْرَاكِ الثَّمَرَةِ فَعَلَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَإِنْ عَمِلَ فِيهَا رَبُّ الْمَالِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ وَإِشْهَادٍ؛ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبٌ عَنْ الْغَائِبِ، وَلِأَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَلَى الْإِنْفَاقِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ إذْنِ الْحَاكِمِ؛ فَهُوَ مُضْطَرٌّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إذْنُ حَاكِمٍ وَلَا إشْهَادٌ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالصَّدَقَةِ. هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَ " الشَّرْحِ ". (وَيَتَّجِهُ) أَنْ لَا شَيْءَ لِعَامِلٍ فَسَخَ الْمُزَارَعَةَ أَوْ هَرَبَ بَعْدَ بَذْرٍ (وَقَبْلَ طُلُوعِ زَرْعٍ) ؛ لِإِعْرَاضِهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ كَعَامِلِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (إنْ مَاتَ) هُوَ أَوْ رَبُّ الْمَالِ (أَوْ جُنَّ) (أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، أَوْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ) الْمُسَاقَاةَ (قَبْلَ ظُهُورِ ثَمَرٍ) وَبَعْدَ

стр. 2131

شُرُوعٍ فِي عَمَلٍ (أَجْرُ عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْعِوَضَ الْمُسَمَّى، وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِلُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ وَالْجُنُونَ وَالْحَجْرَ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْعَمَلِ بِفَسْخِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمُسَمَّى رَجَعَ إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ، وَفَارَقَ رَبَّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَهَا قَبْلَ ظُهُورٍ رِبْحٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ هُنَا مُفْضٍ إلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غَالِبًا، فَلَوْلَا الْفَسْخُ لَمَلَكَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَقَدْ قَطَعَ ذَلِكَ بِفَسْخِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْجَاعِلُ الْجِعَالَةَ قَبْلَ إتْمَامِ عَمَلِهَا، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَمَلِ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِعَمَلِهِ رِبْحٌ، وَالثَّمَرُ مُتَوَلَّدٌ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ، وَقَدْ عَمِلَ عَلَى الشَّجَرِ عَمَلًا مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَرِ، فَكَانَ لِعَمَلِهِ تَأْثِيرٌ فِي حُصُولِ الثَّمَرِ وَظُهُورِهِ بَعْدَ الْفَسْخِ. ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي " الْقَوَاعِدِ ". (وَإِنْ بَانَ الشَّجَرُ) الْمُسَاقَى عَلَيْهِ (مُسْتَحَقًّا) - أَيْ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا - لِغَيْرِ الْمَسَاقِي بَعْدَ عَمَلِ عَامِلٍ فِيهِ؛ فَلِرَبِّ الشَّجَرِ أَخْذُهُ وَثَمَرُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْعَامِلِ وَلَهُ - أَيْ الْعَامِلِ - إنْ كَانَ (جَاهِلًا) أَنَّ الشَّجَرَ مُسْتَحَقًّا لِلْغَيْرِ (أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى غَاصِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ نَقْرَةً وَاسْتَأْجَرَ مَنْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا اسْتِحْقَاقَ الشَّجَرِ لِلْغَيْرِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ شَمَّسَ الْعَامِلُ الثَّمَرَةَ، فَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا بِذَلِكَ أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَإِنْ نَقَصَتْ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَأَخْذُ أَرْشِ نَقْصِهَا، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الثَّمَرَةُ بَعْدَ (أَنْ اقْتَسَمَا) هَا وَأَكَلَاهَا (فَلِمَالِكٍ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ) مِنْهُمَا. (وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ) أَنَّهُ إنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُلَّ، وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ إزَالَةِ يَدِ الْعَامِلِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْعَامِلِ قَدْرَ نَصِيبِهِ؛ لِوُجُودِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الْكُلَّ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ؛ لِوُجُودِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ،

стр. 2132

فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. [فَرْعٌ لَوْ سَاقَاهُ إلَى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا فَلَمْ تَحْمِلْ] (فَرْعٌ: لَوْ سَاقَاهُ إلَى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا، فَلَمْ تَحْمِلْ) الثَّمَرَةُ (تِلْكَ السَّنَةَ؛ فَلَا شَيْءَ لِعَامِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَكَالْمُضَارِبِ. (وَإِنْ كَانَ) الْغِرَاسُ لِاثْنَيْنِ فَدَفَعَاهُ لِعَامِلٍ، (وَسَاقَيَاهُ) عَلَيْهِ (عَلَى أَنَّ لَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (نِصْفَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْمَالِكَيْنِ - (وَثُلُثَ نَصِيبِ) الْمَالِكِ (الْآخَرِ وَ) الْحَالُ أَنْ الْعَامِلَ (عَالِمٌ قَدْرَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مِنْ الْبُسْتَانِ؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بُسْتَانَيْنِ سَاقَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى بُسْتَانٍ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ يُخَالِفُ الْآخَرَ، وَكَذَا إنْ جَهِلَ الْعَامِلُ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْبُسْتَانِ إذَا شَرَطَا قَدْرًا وَاحِدًا؛ كَأَنْ يَقُولَ: اعْمَلْ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّ لَهُ ثُلُثُ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَالِغًا مَا بَلَغَ، كَمَا لَوْ قَالَا: بِعْنَاكَ دَارَنَا هَذِهِ بِأَلْفٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا مِنْهُمَا، وَهُمَا يَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا. (وَلَوْ سَاقَى) وَاحِدٌ عَلَى بُسْتَانٍ لَهُ (اثْنَيْنِ، فَفَاضَلَ بَيْنَهُمَا) فِي النَّصِيبِ بِأَنْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا السُّدُسَ وَلِلثَّانِي الثُّلُثَ؛ صَحَّ، (أَوْ سَاقَاهُ) - أَيْ: سَاقَا وَاحِدًا - (عَلَى بُسْتَانِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ) عَلَى أَنَّ (لَهُ فِي) السَّنَةِ (الْأُولَى النِّصْفَ) وَفِي السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ الثُّلُثَ وَفِي) السَّنَةِ (الثَّالِثَةِ الرُّبْعَ؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الَّذِي لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ، فَصَحَّ؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا. (وَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ شَجَرٌ مِنْ أَجْنَاسٍ كَتِينٍ وَزَيْتُونٍ وَكَرْمٍ، فَشَرَطَ) رَبُّ الْبُسْتَانِ (لِعَامِلٍ) مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الشَّجَرِ قَدْرًا مَعْلُومًا (كَنِصْفِ ثَمَرِ تِينٍ وَثُلُثِ) ثَمَرِ (زَيْتُونٍ وَرُبْعِ) ثَمَرِ (كَرْمٍ؛ صَحَّ) ، أَوْ كَانَ فِي الْبُسْتَانِ أَنْوَاعٌ مِنْ جِنْسٍ، فَشَرَطَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا مَعْلُومًا كَنِصْفِ الْبَرْنِيِّ وَثُلُثِ الصَّيْحَانِيِّ وَرُبْعِ الْإِبْرَاهِيمِيِّ، وَهُمَا يَعْرِفَانِ قَدْرَ كُلِّ نَوْعٍ؛ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى مَا شَرَطَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ ثَلَاثَةِ بَسَاتِينَ سَاقَاهُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ بِقَدْرٍ مُخَالِفٍ لِلْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَوْ سَاقَاهُ

стр. 2133

عَلَى بُسْتَانٍ وَاحِدٍ نِصْفُهُ هَذَا بِالثُّلُثِ، وَنِصْفُهُ هَذَا بِالرُّبْعِ، وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُمَا كَبُسْتَانَيْنِ. [فَصْلٌ فِيمَا عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ] (فَصْلٌ: وَعَلَى عَامِلٍ) فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ كُلُّ (مَا فِيهِ نُمُوٌّ أَوْ صَلَاحٌ لِثَمَرٍ وَزَرْعٍ مِنْ سَقْيٍ) بِمَاءٍ حَاصِلٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَفْرِ بِئْرٍ وَلَا إدَارَةِ دُولَابٍ، (وَإِصْلَاحِ طَرِيقِهِ) أَيْ: الْمَاءِ - بِتَنْقِيَةِ مَجْرَاهُ مِنْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَ) إصْلَاحِ (مَحِلِّهِ) بِتَسْوِيَةِ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ مَعَ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا لِتَشْرَبَ الْعُرُوقُ، وَتَسْتَوْفِيَ حَظَّهَا مِنْ الْمَاءِ، (وَتَشْمِيسِ) مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَإِصْلَاحِ مَوْضِعِ الشَّمْسِ، (وَحَرْثٍ وَآلَتِهِ وَبَقَرِهِ وَزِبَارٍ) - بِكَسْرِ الزَّايِ - (وَهُوَ تَخْفِيفُ الْكَرْمِ مِنْ الْأَغْصَانِ) الرَّدِيئَةِ وَبَعْضِ الْجَيِّدَةِ بِقَطْعِهَا بِمِنْجَلٍ وَنَحْوِهِ، وَكَأَنَّهُ مُوَلَّدٌ. قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ، (وَتَلْقِيحٍ) - أَيْ: جَعْلِ طَلْعِ الْفُحَّالِ فِي طَلْعِ التَّمْرِ - (وَقَطْعِ حَشِيشٍ مُضِرٍّ) بِشَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَقَطْعِ شَوْكٍ (وَشَجَرٍ) يَبِسَ، (وَآلَةِ قَطْعٍ) كَفَأْسٍ وَمِنْجَلٍ، (وَتَفْرِيقِ زِبْلٍ، وَ) تَفْرِيقِ (سِبَاخٍ) - وَهُوَ مَا يُجْمَعُ مِنْ الْأَزِقَّةِ مِنْ رَمَادٍ وَغَيْرِهِ - (وَنَقْلِ ثَمَرٍ وَ) نَقْلِ (زَرْعٍ لِيُبْدَرَ وَيَصْطَلِحَ وَحَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَلَقَاطٍ) لِنَحْوِ قِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ، (وَتَصْفِيَةِ) زَرْعٍ (وَتَجْفِيفِ ثَمَرَةٍ وَحِفْظِهَا) عَلَى الشَّجَرِ، وَحِفْظِ زَرْعٍ فِي الْجَرِينِ (إلَى قِسْمَةٍ وَإِصْلَاحِ حُفَرِ أُصُولِ نَخْلٍ) وَتُسَمَّى الْأَجَاجِينَ (يُجْمَعُ بِهَا الْمَاءُ) ، وَيَثْبُتُ عَلَى الْأُصُولِ، فَتُرْوَى وَتَنْمُو؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيهِ صَلَاحُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَزِيَادَتُهُمَا. فَهُوَ لَازِمٌ لِلْعَامِلِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَى رَبِّ أَصْلٍ فِعْلُ مَا يَحْفَظُهُ) - أَيْ: الْأَصْلَ - (كَسَدِّ حَائِطٍ) وَتَحْصِيلِ سِيَاجٍ - وَهُوَ الشَّوْكُ - يُجْعَلُ عَلَى الْجُدُرِ لَيُحْفَظَ مِنْ الدُّخُولِ، (وَإِجْرَاءِ نَهْرٍ وَحَفْرِ بِئْرٍ وَثَمَنِ دُولَابٍ وَمَا يُدِيرُهُ) - أَيْ: الدُّولَابَ - مِنْ آلَةٍ وَبَهَائِمَ، (وَشِرَاءِ مَاءٍ وَشِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ) مِنْ طَلْعِ فُحَّالٍ وَيُسَمَّى الْكُثْرُ - بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِهَا - (وَتَحْصِيلِ زِبْلٍ وَسِبَاخٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ، فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْعَامِلِ

стр. 2134

وَرَبُّ الْمَالِ - (بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا جِذَاذًا) نَصًّا - أَيْ: قَطْعَ ثَمَرَةٍ - لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِقَدْرِ تَكَامُلِ الثَّمَرِ وَانْقِضَاءِ الْمُعَامَلَةِ. فَكَانَ عَلَيْهِمَا كَنَقْلِ الثَّمَرِ إلَى الْمَنْزِلِ، هَكَذَا عَلَّلُوهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ نَقْلَ الثَّمَرَةِ إلَى الْجَرِينِ وَالتَّشْمِيسَ وَالْحِفْظَ وَنَحْوَهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَامِلِ مَعَ أَنَّهُ بَعْدَ الْجِذَاذِ. (وَيَصِحُّ شَرْطُهُ) - أَيْ: الْجِذَاذِ - (عَلَى عَامِلٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُخِلُّ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، فَصَحَّ كَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ وَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا نِصَابًا زَكَّاهَا. و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ (عَلَى أَحَدِهِمَا مَا عَلَى الْآخَرِ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ، وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ (كَمُضَارَبَةٍ شُرِطَ فِيهَا الْعَمَلُ) كُلُّهُ (عَلَى مَالِكٍ) فَيُفْسِدُهَا. (وَيَتَّجِهُ وَلَا يُعَارِضُ) - أَيْ: قَوْلُهُ هُنَا كَمُضَارَبَةٍ إلَى آخِرِهِ - (مَا مَرَّ فِي الْمُضَارَبَةِ) . (وَإِنْ شُرِطَ فِيهِنَّ) - أَيْ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ (عَمَلُ مَالِكٍ) أَوْ عَمَلُ غُلَامِهِ (مَعَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ - بِأَنْ شُرِطَ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْعَمَلِ؛ (صَحَّ) كَشَرْطِهِ عَلَيْهِ عَمَلَ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ شُرِطَ بِمُجَرَّدِ الْمَعُونَةِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْعَقْدِ، وَهُنَا شَرَطَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَانْتَفَتْ الْمُعَارَضَةُ وَفَسَدَ الْعَقْدُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ شَرَطَ عَامِلٌ أَنْ أَجْرَ الْأَجِيرِ) الَّذِي (يَسْتَعِينُ بِهِ) يُؤْخَذُ، (مِنْ الْمَالِ) - أَيْ مِنْ ثَمَنِ الثَّمَرَةِ وَقَدَّرَ الْعَامِلُ الْأُجْرَةَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهَا؛ (لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ؛ (كَمَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَجْرَ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ) - أَيْ الْعَمَلَ (عَلَيْهِ) - فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ أَخْذِ عِوَضِهِ، (وَيُتَّبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ) ؛ أَيْ: الَّتِي يَطْلُبُهَا السُّلْطَانُ (الْعُرْفُ

стр. 2135

فَمَا عُرِفَ أَخْذُهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ) - أَيْ الْمَالِكِ - فَيُؤْخَذُ (مِنْهُ، أَوْ) عُرِفَ أَخْذُهُ (مِنْ عَامِلٍ) ؛ فَهُوَ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ (مِنْهُ) ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ) جَرَى بَيْنَهُمَا، (فَيُتَّبَعُ) وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . (وَمَا طُلِبَ مِنْ قُرْبَةٍ مِنْ كُلَفٍ سُلْطَانِيَّةٍ فَعَلَى قَدْرِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ وُضِعَ عَلَى الزَّرْعِ فَعَلَى رَبِّهِ، أَوْ وُضِعَ عَلَى الْعَقَارِ فَعَلَى رَبِّهِ، مَا لَمْ يُشْرَطْ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ، وَإِنْ وُضِعَ مُطْلَقًا فَالْعَادَةُ. قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تُطْلَبُ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ: إذَا طُلِبَ مِنْهُمْ شَيْءٌ؛ يُؤْخَذُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ، مِثْلُ الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، إمَّا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، أَوْ عَلَى عَدَدِ دَوَابِّهِمْ، أَوْ عَدَدِ أَشْجَارِهِمْ، أَوْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الشَّرْعِ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْخَرَاجِ الْوَاجِبِ، بِالشَّرْعِ، أَوْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْكُلَفُ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي غَيْرِ الْأَجْنَاسِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا وُضِعَ عَلَى الْمُتَبَايِعِينَ لِلطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْفَاكِهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ وُضِعَ بِتَأْوِيلِ وُجُوبِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَاحْتِيَاجِ الْجِهَادِ إلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " غِيَاثِ الْأُمَمِ " وَغَيْرُهُ، مَعَ مَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي لَا مَسَاغَ لَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَمِثْلُ مَا يُجْمَعُ لِبَعْضِ الْعَوَارِضِ كَقُدُومِ السُّلْطَانِ وَحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْمَى عَلَيْهِمْ سِلَعٌ تُبَاعُ مِنْهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَتُسَمَّى الْحَطَائِطَ، وَمِثْلُ الْقَوَافِلِ فَيُطْلَبُ مِنْهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ أَوْ دَوَابِّهِمْ أَوْ قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَهَؤُلَاءِ الْمُكْرَهُونَ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الْعَدْلِ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضًا فِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ، بَلْ عَلَيْهِمْ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَمَا عَلَيْهِمْ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلَفَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِسَبَبِ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِذِ، فَقَدْ يَكُونُ آخِذًا بِحَقٍّ، وَقَدْ يَكُونُ آخِذًا بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا الْمُطَالَبُونَ فَهَذِهِ كُلَفٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ

стр. 2136

بِسَبَبِ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؛ فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضًا فِي ذَلِكَ بَلْ الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ لَا يُبَاحُ مِنْهُ بِحَالٍ، وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ الْمُشْتَرِكُونَ لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا بِهِ ظُلْمُ غَيْرِهِ، بَلْ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِسْطَهُ، فَيَكُونُ عَادِلًا، وَإِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ زَائِدًا عَلَى قِسْطِهِ، فَيُعِينُ شُرَكَاءَهُ فِيمَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ مُحْسِنًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ أَدَاءِ قِسْطِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ امْتِنَاعًا يُؤْخَذُ بِهِ قِسْطُهُ مِنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ؛ فَيَتَضَاعَفُ الظُّلْمُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ إذَا كَانَ يُؤْخَذُ لَا مَحَالَةَ، وَامْتَنَعَ بِجَاهٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ كَانَ قَدْ ظَلَمَ مِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِسْطُ الَّذِي يَخُصُّهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الظُّلْمَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ مِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ أَدَاءِ مَا يَخُصُّهُ، فَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْأَدَاءُ وَاجِبًا عَلَى جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ، كُلٌّ يُؤَدِّي قِسْطَهُ الَّذِي يَنُوبُهُ؛ إذَا قُسِّمَ الْمَطْلُوبُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَمَنْ أَدَّى غَيْرُهُ قِسْطَهُ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُحْسِنًا إلَيْهِ فِي الْأَدَاءِ عَنْهُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا أَدَّاهُ عَنْهُ؛ كَمَا فِي الْمُقْرِضِ الْمُحْسِنِ، وَمَنْ غَابَ وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى أَدَّى عَنْهُ الْحَاضِرُونَ؛ لَزِمَهُ قَدْرُ مَا أَدَّوْهُ عَنْهُ، وَمَنْ قَبَضَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَأَدَّاهُ إلَى هَذَا الْمُؤَدِّي؛ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْزِمُ لَهُ بِالْأَدَاءِ هُوَ الظَّالِمُ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ، لِهَذَا لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ؛ كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْقَرْضِ، وَلَا شُبْهَةَ عَلَى الْآخِذِ فِي أَخْذِ بَدَلِ مَالِهِ. (وَالْخَرَاجُ) فِي الْأَرْضِ (الْخَرَاجِيَّةِ عَلَى رَبِّ مَالٍ، لَا) عَلَى (عَامِلٍ) ، لِأَنَّهُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ، أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، وَلِأَنَّهُ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، فَكَانَ عَلَى مَنْ هِيَ مِلْكُهُ، وَلَا يَجِبُ الْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ (عَلَى عَامِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا؛ (كَمَا لَوْ زَارَعَ) آخَرَ (عَلَى أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ) ؛ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ دُونَ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ، فَمَلَكَ الْمُزَارَعَةَ فِيهَا كَالْمَالِكِ، وَحُكْمُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ كَمَالِكٍ فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي نَاظِرِ

стр. 2137

الْوَقْفِ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً. (وَ) حُكْمُ (عَامِلٍ) فِي مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ (كَمُضَارِبٍ فِيمَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ فِيهِ (أَوْ يُرَدُّ قَوْلُهُ فِيهِ) ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَدْ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ ائْتَمَنَهُ دُونَ رَبِّ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَكَذَا إذَا اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ مَا شُرِطَ لِعَامِلٍ مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ زَرْعٍ. (فَإِنْ خَانَ) عَامِلٌ فِي مُسَاقَاةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ (فَمُشْرِفٌ يَمْنَعُهُ) الْخِيَانَةَ، إنْ ثَبَتَتْ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ؛ فَيُضَمُّ إلَيْهِ مَنْ يَمْنَعُهُ؛ حِفْظًا لِلْمَالِ وَتَحْصِيلًا لِلْغَرَضَيْنِ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) مَنْعُهُ مِنْ الْخِيَانَةِ، بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ الْمُشْرِفَ حِفْظُ الْمَالِ؛ (فَعَامِلٌ) يُسْتَعْمَلُ (مَكَانَهُ) لِيَحْفَظَ الْمَالَ، (وَأُجْرَتُهُمَا) - أَيْ الْمُشْرِفِ وَالْعَامِلِ مَكَانَهُ - (مِنْهُ) - أَيْ الْخَائِنِ - لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ؛ (كَمَا لَوْ عَجَزَ) الْعَامِلُ (عَنْ عَمَلٍ) لِضَعْفِهِ مَعَ أَمَانَتِهِ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ قَوِيٌّ أَمِينٌ، وَلَا تُنْزَعُ يَدُهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي بَقَاءِ يَدِهِ، فَإِنْ عَجَزَ الْعَامِلُ بِالْكُلِّيَّةِ أَقَامَ هُوَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَلِ، وَهَذَا مِنْ تَوْفِيَتِهِ. (وَإِنْ اُتُّهِمَ) ؛ أَيْ: اتَّهَمَهُ رَبُّ الْمَالِ (بِخِيَانَةٍ؛ حَلَفَ) الْعَامِلُ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْمُدَّعِي، (وَلِمَالِكٍ) اتَّهَمَ عَامِلًا (ضَمُّ أَمِينٍ) إلَيْهِ (بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ) - أَيْ الْمَالِكِ - لِعَدَمِ ثُبُوتِ خِيَانَتِهِ. [فَرْعٌ الْحَصَاد وَالْجِذَاذ لَيْلًا] (فَرْعٌ: كُرِهَ حَصَادٌ وَجِذَاذٌ لَيْلًا) خَشْيَةَ الضَّرَرِ. (وَيَتَّجِهُ) كَرَاهَةُ الْحَصَادِ لَيْلًا (بِغَيْرِ حَاجَةٍ) ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ؛ فَلَا كَرَاهَةَ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 2138

[فَصْلٌ مايشُترِطَ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَة] (فَصْلٌ: وَشُرِطَ فِي) عَقْدِ (مُزَارَعَةٍ عِلْمُ جِنْسِ بَذْرٍ) كَشَجَرَةِ مُسَاقَاةٍ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ لَا يُخْتَلَفُ مَعَهَا، (وَ) عِلْمُ (قَدْرِهِ) - أَيْ الْبَذْرِ - لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ، فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُقَدَّرٍ كَالْإِجَارَةِ، (وَكَوْنِهِ) - أَيْ الْبَذْرِ - (مِنْ رَبِّ أَرْضٍ) نَصًّا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَشْتَرِكُ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي نَمَائِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَكِنْ يَلْزَمُ هَذَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْأَرْضِ بَذْرَهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ؛ كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ. انْتَهَى. قَالَ الْفَتُوحِيُّ: قُلْتُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ إذَا اشْتَرَطَا ذَلِكَ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْبَذْرَ فِي حُكْمِ الْمَالِكِ؛ كَمَا لَوْ أَعْطَى إنْسَانٌ إنْسَانًا بَهِيمَةً لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ نَمَائِهَا، فَمَاتَتْ بِيَدِ الْعَامِلِ فِي الْعَمَلِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهَا، وَيَقْتَسِمَانِ مَا تَحَصَّلَ كَمَا شُرِطَ. فَلَوْ شُرِطَ أَنَّهَا إذَا مَاتَتْ يَسْتَوْفِي قِيمَتَهَا مِنْ الْمُتَحَصِّلِ، وَيَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ؛ لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ. انْتَهَى. (وَلَوْ) كَانَ (عَامِلًا) عَلَى زَرْعٍ، (وَبَقَرُ الْعَمَلِ مِنْ الْآخَرِ) ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَاحِبِ الْبَقَرِ، وَالْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هُنَا إلَّا بَعْضُ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ. (وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ بَذْرٍ مِنْ عَامِلٍ غَيْرِ رَبِّ أَرْضٍ) ، أَمَّا كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْهُ فَيَصِحُّ (أَوْ) كَوْنُ بَذْرٍ (مِنْهُمَا) مَعًا،

стр. 2139

(وَلَا) كَوْنُ بَذْرٍ (مِنْ أَحَدِهِمَا) - أَيْ أَحَدِ الْمُزَارِعَيْنِ - سَوَاءٌ عَمِلَا عَلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا (وَالْأَرْضُ لَهُمَا، أَوْ الْأَرْضُ وَالْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ آخَرَ، وَ) كَوْنُ أَرْضٍ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلِ مِنْ ثَانٍ وَ (الْبَذْرِ مِنْ ثَالِثٍ، أَوْ) كَوْنُ الْأَرْضِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلِ مِنْ ثَانٍ وَالْبَذْرِ مِنْ ثَالِثٍ (وَالْبَقَرِ مِنْ رَابِعٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، أَوْ كَوْنُ (الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَاءِ مِنْ آخَرَ) ؛ فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ كَوْنُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْعَمَلِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ، وَالْمَاءُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ، فَلَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِهِ. (فَمَنْ دَفَعَ بَذْرَهُ لِرَبِّ أَرْضٍ لِيَزْرَعَهُ) رَبُّ الْأَرْضِ (فِيهَا، وَمَا خَرَجَ) مِنْ الْأَرْضِ (فَبَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ؛ فَالْعَقْدُ (فَاسِدٌ) ؛ لِكَوْنِ الْبَذْرِ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ تَقَلَّبَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَأُجْرَةُ الْعَمَلِ فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ نَفْعَهُ وَنَفْعَ أَرْضِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَرَجَعَ بِبَدَلِهِ. (أَوْ) دَفَعَ رَبُّ أَرْضٍ (أَرْضَهُ لِرَبِّ بَذْرٍ، وَقَالَ) رَبُّ الْأَرْضِ: (مَا زَرَعْت مِنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ) ، وَلَك الْبَاقِي؛ (لَمْ يَصِحَّ مُزَارَعَةً، بَلْ) يَصِحُّ (إجَارَةً) ، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ أَرْضٍ: أَجَرْتُك نِصْفَ أَرْضِي هَذِهِ بِنِصْفِ بَذْرِك وَنِصْفِ مَنْفَعَتِك وَمَنْفَعَةِ بَقَرِكَ وَآلَتِكَ، وَأَخْرَجَ الْمَزَارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ مِنْهُ: لَمْ يَصِحَّ؛ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْعَامِلُ فِي الْمُضَارَبَةِ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ الْمَنْفَعَةَ أُجْرَةً لِأَرْضٍ أُخْرَى أَوْ دَارٍ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِجَهَالَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ حِينَئِذٍ كُلُّهُ لِرَبِّ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ. وَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ وَضَبْطُهَا بِمَا لَا تَخْتَلِفُ مَعَهُ وَمَعْرِفَةُ الْبَذْرِ وَأُجْرَةِ نِصْفِ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَالْمَنْفَعَةِ؛ جَازَ، وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: أَجَرْتُك نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ مَنْفَعَتِك وَمَنْفَعَةِ بَقَرِكَ وَآلَتِكَ؛ جَازَ إنْ أَمْكَنَ الضَّبْطُ، وَإِلَّا فَفَاسِدَةٌ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ فِي الصُّورَتَيْنِ.

стр. 2140

(وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ بَذْرٍ مِنْ رَبِّ أَرْضٍ، اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَصَحَّحَهُ وَالْمَجْدُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا. قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ قَضِيَّةُ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. (وَإِنْ شَرَطَ) رَبُّ مَالٍ (لِعَامِلٍ نِصْفَ هَذَا النَّوْعِ) أَوْ الْجِنْسِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، (وَرُبْعَ) النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ (الْآخَرِ، وَجَهِلَ قَدْرَهُمَا) - أَيْ النَّوْعَيْنِ - بِأَنْ جَهِلَاهُمَا أَوْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ النَّوْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الرُّبْعُ، وَأَقَلُّهُ مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ (أَوْ) شَرَطَ (إنْ سَقَى الْعَامِلُ سَيْحًا أَوْ زَرَعَ شَعِيرًا) ؛ فَلِعَامِلٍ (الرُّبْعُ؛ وَ) إنْ سَقَى (بِكُلْفَةٍ أَوْ) زَرَعَ (حِنْطَةً) ؛ فَلَهُ (النِّصْفُ) ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِجَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالنَّصِيبِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَا زَرَعْت مِنْ شَعِيرٍ فَلِي رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْت مِنْ حِنْطَةٍ فَلِي نِصْفُهَا، وَمَا زَرَعْت مِنْ ذُرَةٍ فَلِي ثُلُثُهَا؛ لِجَهَالَةِ الْمَزْرُوعِ. (أَوْ) قَالَ لَهُ: اعْمَلْ وَ (لَك الْخُمُسَانِ إنْ لَزِمَتْك خَسَارَةٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَلْزَمْكَ خَسَارَةُ ذَلِكَ (فَالرُّبْعُ) ؛ لَمْ يَصِحَّ نَصًّا، وَقَالَ: هَذَا شَرْطَانِ فِي شَرْطٍ، وَكَرِهَهُ، أَوْ (وَشَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأَرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ) مِمَّا يَحْصُلُ، (وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ) ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِثْلُ الْبَذْرِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ رَبُّهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الْمُزَارَعَةِ؛ (كَمُضَارَبَةٍ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَأْخُذَ رَأْسَ الْمَالِ كَامِلًا، وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقُصُ رَأْسُ الْمَالِ، فَيُكَلَّفُ الْعَامِلُ إلَى تَكْمِيلِهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الْمُضَارَبَةِ. (أَوْ) قَالَ رَبُّ بُسْتَانَيْنِ فَأَكْثَرَ: (سَاقَيْتُك هَذَا الْبُسْتَانَ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيك) الْبُسْتَانَ (الْآخَرَ بِالرُّبْعِ؛ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ؛ فَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعٍ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ (كَمَا لَوْ شَرَطَا)
следующие страницы →