Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
ابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ (وَيَتَّجِهُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ) فِي قَوْلِهِ لَا يَقْتَضِي عِوَضًا (الْمُعَاوَضَةَ) وَنَفْيِ وُجُوبِ الْمُعَاوَضَةِ (لَا) يَقْتَضِي نَفْيَ جَوَازِ (الرُّجُوعِ) وَحِينَئِذٍ فَلِمُعْطِي الْهَدِيَّةِ رَجَاءُ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ قَضَاءُ حَاجَةٍ، مِمَّنْ أَهْدَى إلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَنْ (يَرْجِعَ) بِهَدِيَّتِهِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَوْ بَدَلِهَا إنْ تَلِفَتْ (كَزَوْجٍ) خَطَبَ امْرَأَةً، وَ (وَعَدَ) هـ أَوْلِيَاؤُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا مِنْهُ (وَلَمْ يَفُوا لَهُ) بِمَا وَعَدُوهُ مِنْ التَّزْوِيجِ وَكَانَ قَدْ أَهْدَى لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجَابُوهُ قَبْلَ عُدُولِهِمْ عَنْ التَّزْوِيجِ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَهْدَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ عِوَضٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَاهِبُ: شَرْطُنَا الْعِوَضُ، وَأَنْكَرَهُ مَوْهُوبٌ لَهُ (فَقَوْلُ) مَوْهُوبٍ لَهُ (مُنْكَرٌ) بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي) الصَّادِرِ مِنْهُمَا، فَقَالَ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنِ (وَهَبْتنِي) مَا بِيَدِي (فَقَالَ) مُقْبِضٌ (بَلْ بِعْتُكَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا قَالَهُ؛ فَإِنَّهُ (يَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (عَلَى مَا أَنْكَرَ) مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَلَا هِبَةَ) بَيْنَهُمَا (وَلَا بَيْعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ (فَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ بَائِعٍ) لِمَا مَعَهَا مِنْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، وَهُوَ إثْبَاتُ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 2697
(وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ بِعَقْدٍ (وَتُمْلَكُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (بِ) مُجَرَّدِ (عَقْدٍ) وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَالْقَبْضُ مُعْتَبَرٌ لِلُزُومِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا، لَا لِانْعِقَادِهَا، وَإِنْشَائِهَا. صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفَائِقِ ".
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَفِطْرَةُ عَبْدٍ مَوْهُوبٍ قَبْلَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ عَلَى مَوْهُوبٍ لَهُ - وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ - لِدُخُولِ وَقْتِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ (فَيَصِحُّ تَصَرُّفُ) مَوْهُوبٌ لَهُ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ (مَوْقُوفًا) عَلَى الْقَبْضِ، فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَبُولِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ. قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ (غَيْرُ عِتْقٍ) فَإِنَّ الْقَبْضَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، فَإِذَا وَهَبَ إنْسَانٌ قِنًّا لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ يُعْتَقُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (قَبْلَ قَبْضٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالنَّمَاءُ لِلْمُتَّهِبِ.
وَتَصِحُّ هِبَةً وَتُمْلَكُ (بِمُعَاطَاةٍ) مُقْتَرِنَةٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْهِبَةِ - وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
стр. 2698
إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ - لِأَنَّ الْمُعَاطَاةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَافِيَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى لَفْظٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إلَيْهِ، وَيُعْطِي وَيُعْطَى، وَيُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ، وَيَأْمُرُ سُعَاتَهُ بِأَخْذِهَا وَتَفْرِيقِهَا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ وَلَا أَمْرٌ بِهِ، وَلَا تَعْلِيمُهُ لِأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا مُشْتَهِرًا، «وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُمَرَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِعْنِيهِ، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت» .
وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا قَبُولُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الرِّضَى بِنَقْلِ الْمِلْكِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِيجَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ، وَاكْتَفَيْنَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَهُوَ إجَارَةٌ وَبَيْعُ أَعْيَانٍ، فَإِذَا اكْتَفَيْنَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعَ تَأَكُّدِهَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ فَلَأَنْ نَكْتَفِيَ بِهِ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى (فَ) عَلَى الْمَذْهَبِ (تَجْهِيزُ بِنْتِهِ، وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ) تَجْهِيزُ (ابْنِهِ، أَوْ) تَجْهِيزُ (أُخْتِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَنَحْوُهَا، فَعَلَيْهِ تَجْهِيزُ أَجْنَبِيٍّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ كَذَلِكَ؛ لِحُصُولِهِ بِالْمُعَاطَاةِ الْمُكْتَفَى بِهَا عَنْ الصَّرِيحِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِجِهَازٍ لِبَيْتِ زَوْجٍ) هَا (تَمْلِيكٌ) لَهَا وَقَبُولٌ؛ لِوُجُودِ الْمُعَاطَاةِ بِالْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْهِبَةِ
(وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ إذَا وَقَعَتْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ (فِي تَرَاخٍ) نَحْوَ قَبُولٍ عَنْ إيجَابٍ كَبَيْعٍ؛ فَتَصِحُّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا، (وَ) هِيَ كَبَيْعٍ فِي (تَقَدُّمِهِ) ؛ أَيْ: تَقَدُّمِ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ؛ فَيَصِحُّ فِي الْحَالِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ
стр. 2699
فِيهِ، وَغَيْرِهِمَا كَانْعِقَادِهَا بِكُلِّ لَفْظٍ أَدَّى مَعْنَاهَا، وَبِالْمُعَاطَاةِ
(وَ) كَ (اسْتِثْنَاءِ) وَاهِبٍ (نَفْعَ) مَوْهُوبٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ الْمُوَفَّقِ إجَابَةً لِسُؤَالٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ (كَمَبِيعٍ) جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِ أَمَةٍ وُهِبَتْ فِيهِ) كَالْعِتْقِ (وَكَذَا) يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ (نَحْوِ لَبَنٍ) كَشَعْرٍ (وَصُوفٍ) مِنْ شَاةٍ وُهِبَتْ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ نَفْعِ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ وُهِبَا مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ.
(وَ) يَحْصُلُ (قَبُولٌ هُنَا وَفِي وَصِيَّةٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَى الرِّضَى وَقَبْضُهَا) ؛ أَيْ: الْهِبَةِ فِي الْحُكْمِ (كَ) قَبْضِ (مَبِيعٍ) فَيَكُونُ فِي مَوْهُوبٍ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَذْرُوعِ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدِّهِ أَوْ ذَرْعِهِ، وَفِيمَا يُنْقَلُ بِنَقْلِهِ، وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ بِتَنَاوُلِهِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ) قَبْضُ هِبَةٍ (إلَّا بِإِذْنِ وَاهِبٍ لَهُ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْوَاهِبِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَأَصْلِ الْعَقْدِ وَكَالرَّهْنِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَبْضُ (بِمُنَاوَلَةٍ) لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَحْصُلُ الْإِذْنُ فِي قَبْضِ هِبَةٍ (بِتَخْلِيَةٍ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْوَاهِبِ (الرُّجُوعُ) فِي هِبَةٍ وَفِي إذْنِهِ فِي قَبْضِهَا (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَبْضِ - وَلَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْمُتَّهِبِ - لِبَقَاءِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَنْهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ الْإِذْنِ إعْدَامٌ لَهُ، وَعَدَمُهُ لَا يُوجِبُ رُجُوعًا. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: وَعِتْقُ الْمَوْهُوبِ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ رُجُوعٌ؛ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ.
(وَيُكْرَهُ) رُجُوعُهُ عَنْ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا (وَلَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ) أَيْ: الْمُتَّهِبِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَنْعِ (وَيَبْطُلُ إذْنُ)
стр. 2700
وَاهِبٍ فِي قَبْضِ هِبَةٍ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (هِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ (بِمَوْتِ وَاهِبٍ) فَيَبْطُلُ إذْنُهُ لِلْمُتَّهِبِ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ ثُمَّ مَاتَ (كَ) مَا تَبْطُلُ (هِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ (بِمَوْتِ مُتَّهِبٍ) قَبْلَ قَبْضِ مَوْهُوبٍ، وَ (لَا) تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِمَوْتِ مُتَّهِبٍ (بَعْدَ قَبْضِ وَكِيلِهِ) لِلُزُومِهَا بِالْقَبْضِ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَإِنْ مَاتَ وَاهِبٌ قَبْلَ إقْبَاضٍ وَرُجُوعٍ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَقْدًا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ كَمَوْتِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَيَقُومُ وَارِثٌ وَاهِبٌ مَقَامَهُ فِي إذْنٍ) فِي الْقَبْضِ (وَ) فِي رُجُوعٍ فِي الْهِبَةِ، إذْ عَقْدُ الْهِبَةِ بِالْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ أَشْبَهُ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ.
تَكْمِيلٌ: وَإِنْ وَهَبَ إنْسَانٌ لِغَائِبٍ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِهَا؛ لَزِمَ حُكْمُهَا، وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ قَبْضَهَا كَقَبْضِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ بَعْدَ لُزُومِهَا.
وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ بَطَلَتْ وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقٍ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَك. قَالَتْ: فَكَانَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ، فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِهِ بِالْهَدِيَّةِ؛ لِعَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ حَمْلُ الْهِبَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ صَارَ إلَيْهِ، وَكَذَا حُكْمُ هَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ، لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ.
стр. 2701
(وَتَلْزَمُ) الْهِبَةُ (بِ) مُجَرَّدِ (قَبْضٍ) بِإِذْنِ وَاهِبٍ؛ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ وَحُزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ "، وَقَالَ عُمَرُ: لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَلَدِ. وَكَالطَّعَامِ الْمَأْذُونِ فِي أَكْلِهِ، وَيَعْتَبِرُ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ مِنْ (رَشِيدٍ فِي غَيْرِنَا تَافِهٍ) أَيْ: قَلِيلٍ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ رُشْدُ قَابِضِهِ (أَوْ) بِقَبْضِ (وَلِيِّ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الرَّشِيدِ - كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ قَبُولٌ لِمَا لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ حَظٌّ، فَكَانَ إلَى الْوَلِيِّ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ وَلَا الْقَبْضُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الْأَبُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي صَبِيٍّ وُهِبَتْ لَهُ هِبَةٌ، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ، فَقَبَضَتْ الْأُمُّ ذَلِكَ وَأَبُوهُ حَاضِرٌ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لِلْأُمِّ قَبْضًا " وَلَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَبِ، وَإِنْ عَدِمَ الْوَلِيُّ فَيَقْبِضُ لِغَيْرِ الرَّشِيدِ مَنْ يَلِيهِ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَيَأْتِي. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَإِنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ فِي مَكَان لَا حَاكِمَ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، وَيَكُونُ فَقِيرًا لَا غِنَى بِهِ عَنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُ غَيْرِهِمْ لَهُ، انْسَدَّ بَابُ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَيَضِيعُ وَيَهْلِكُ، وَمُرَاعَاةُ حِفْظِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ (كَ) مَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ فِيمَا بِيَدِ مُتَّهِبٍ) كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ، وَلَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَدَامٌ، فَأَغْنَى عَنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً، وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعُ مِنْ شَرِيكِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، مَنْقُولًا كَانَ كَجُزْءٍ مِنْ نَحْوِ فَرَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَنْقَسِمُ أَوْ لَا كَالْعَبْدِ، لِمَا فِي " الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» .
(وَيَعْتَبِرُ لِصِحَّةِ قَبْضِ مُشَاعٍ يُنْقَلُ) أَيْ: لِجَوَازِهِ أَوْ لِانْتِقَاءِ ضَمَانِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ. ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (إذْنُ شَرِيكٍ) فِيهِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ
стр. 2702
إلَّا بِقَبْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْقَبْضِ، [لَا لُزُومِ الْهِبَةِ فَتَلْزَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُهُ، وَيَكُونُ نَصِيبُ الْقَابِضِ] مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا وَنَصِيبُ الشَّرِيكِ مَقْبُوضًا أَمَانَةً، فَإِنْ أَبَى الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهِبِ: وَكُلُّ الشَّرِيكِ فِي قَبْضِهِ لَك وَنَقْلِهِ، فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا، فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَذِنَ شَرِيكُهُ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَجَّانًا فَكَعَارِيَّةٍ فِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَإِذَا كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِأُجْرَةٍ؛ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً كَمَأْجُورٍ؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. وَإِنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً كَأَنْ اسْتَعْمَلَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِثْلَهَا بِقَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَتَقَدَّمَ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَا إجَارَةٍ، أَوْ قَبَضَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَكَغَاصِبٍ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ.
(وَإِنْ وَهَبَ وَلِيٌّ) كَحَاكِمٍ أَوْ وَصِيٍّ (مُوَلِّيَهُ) لَمْ يَتَوَلَّ طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ وَ (وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ) لَهُ الْهِبَةَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْأَبِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (وَيَقْبِضُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْوَلِيُّ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لِلصَّبِيِّ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ، وَيَقْبِضُ لَهُ لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مِنْهُ وَالْقَبُولُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ (وَلَا يَحْتَاجُ أَبٌ وَهَبَ وَلَدَهُ لِصِغَرٍ) إلَى تَوْكِيلٍ فِي الْقَبُولِ؛ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ (وَيَتَّجِهُ) أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ أَبٌ وَهَبَ وَلَدَهُ لِسَفَهٍ (أَوْ جُنُونٍ) . قَالَ الْبُهُوتِيُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إلَى تَوْكِيلٍ فِي الْقَبُولِ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (فَيَكْفِي) قَوْلُ الْأَبِ (وَهَبْتُ ذَا لِوَلَدِي وَقَبِلْته لَهُ) فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَقَبِلْته أَوْ وَقَبَضْته لَهُ؛ لَمْ يَكْفِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ حَرْبٍ؛ لِتَغَايُرِ الْقَبْضَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الَّتِي لِجِهَةِ الْمُتَّهِبِ هُنَا هِيَ نَفْسُ يَدِ الْوَاهِبِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَدَّعِيَهُ فِي ثَانِي الْحَالِ، أَوْ يَدَّعِيَهُ الْوَرَثَةُ تِرْكَةً، فَيَذْهَبَ عَنْ الطِّفْلِ.
стр. 2703
(وَيُغْنِي قَبْضُ) هِبَةٍ إذَا كَانَ قَابِضُهَا رَشِيدًا (عَنْ قَبُولٍ) فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الْقَبُولِ (لَا عَكْسِهِ) أَيْ: لَا يُغْنِي قَبُولُ الْهِبَةِ عَنْ قَبْضِهَا؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْقَبْضِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ رُجُوعِ الْوَاهِبِ بِهَا.
وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ طِفْلٍ - وَلَوْ مُمَيَّزًا - وَلَا قَبْضُ مَجْنُونٍ لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَا قَبُولُهُمَا الْهِبَةَ؛ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، بَلْ يَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُمَا وَلِيُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ عَلَيْهِمَا. فَالْأَبُ الْعَدْلُ وَلَوْ ظَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ عَدَمِهِ وَصِيٌّ، ثُمَّ حَاكِمٌ أَمِينٌ كَذَلِكَ، أَوْ مَنْ يُقِيمُونَهُ مَقَامَهُمْ (وَعِنْدَ عَدَمِ وَلِيٍّ غَيْرِ رَشِيدٍ، يَقْبِضُ لَهُ) أَيْ: لِغَيْرِ الرَّشِيدِ (مَنْ يَلِيه مِنْ نَحْوِ أُمٍّ وَقَرِيبٍ) وَغَيْرِهِمَا (نَصًّا) قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: سُئِلَ أَحْمَدُ: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الصَّبِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعْطَى أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِشَأْنِهِ.
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ. [قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ جَلَبَ مَنْفَعَةً، وَمَحِلَّ حَاجَةٍ، (لَكِنْ يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ) ] قَبْضُ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُدْفَعُ مِثْلُهُ لِلصَّغِيرِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثِّمَارِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْوِلْدَانِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِوَلَدِهِ، أَوْ كَانَ الْأَبُ قَدْ مَاتَ - وَلَا وَصِيَّ لَهُ - قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ إذَنْ.
(وَمَا أُهْدِيَ فِي) دَعْوَةِ (خِتَانِ صَبِيٍّ) اتَّخَذَهَا أَبُوهُ (فَ) هُوَ (لِأَبِيهِ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (إلَّا مَعَ) وُجُودِ (قَرِينَةٍ) تَقْتَضِي (اخْتِصَاصَ) ذَلِكَ (بِمَخْتُونٍ، كَثَوْبٍ) فَلَهُ (أَوْ) تَقْتَضِي (اخْتِصَاصَ) ذَلِكَ (بِأُمٍّ، فَلَهَا، كَكَوْنِ مُهْدٍ قَرِيبَهَا أَوْ) كَوْنِهِ (مَعْرِفَتَهَا) حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ (وَخَادِمُ الْفُقَرَاءِ الَّذِي يَطُوفُ لَهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ مَا حَصَلَ لَهُ عَلَى اسْمِهِمْ، أَوْ بِنِيَّةِ قَبْضِهِ لَهُمْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ، وَهُوَ إمَّا وَكِيلُهُمْ أَوْ وَكِيلُ الدَّافِعِينَ، فَيَنْتَفِي الِاخْتِصَاصُ (وَمَا يُدْفَعُ)
стр. 2704
بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (مِنْ صَدَقَةٍ لِشَيْخِ زَاوِيَةٍ) أَوْ شَيْخِ رِبَاطٍ (فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ اخْتِصَاصًا، فَهُوَ كَوَكِيلِ الْفُقَرَاءِ أَوْ الدَّافِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ التَّفْضِيلُ) فِي الْقَسْمِ (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخُلَّةَ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ إلَيْهِ مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ؛ وَالظَّاهِرُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَمَا لَمْ تَجُزْ عَادَةً بِتَفْرِيقِهِ لِقِلَّتِهِ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِهِ) لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ صَدَرَ إلَيْهِ، وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ عَنْهُ (ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَهِبَةُ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ (مَالُهُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ (وَلَوْ) صَدَرَتْ مِنْهُ (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهِبَةُ سَفِيهٍ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا وَلِيُّهُ.
(وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ (مِنْ قِنٍّ بِإِذْنِ سَيِّدِ) هـ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا أَذِنَهُ انْفَكَّ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ، وَ (لَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ تَمْلِيكًا (لَهُ) أَيْ: الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا قَبُولُهُ الْهِبَةَ؛ فَيَصِحُّ بِلَا رَيْبٍ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَمَا اتَّهَبَهُ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ وَقَبِلَهُ؛ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَيَصِحُّ قَبُولُهُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْمَالِ لِلسَّيِّدِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهِ كَالِالْتِقَاطِ، وَمَا وَهَبَهُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ، فَأَشْبَهَ اصْطِيَادَهُ وَقَوْلُهُ: (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ مِلْكِ الْهِبَةِ لِلْقِنِّ، وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِ قَبُولِهَا فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ قَبُولِهِ لَهَا أَنْ يَمْلِكَهَا، وَعِبَارَتُهُ: وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ ظَهَرَ لَك بِمَا
стр. 2705
ذَكَرْنَاهُ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا لَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (لِحَمْلٍ) لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا، وَالْهِبَةُ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ
(وَمَنْ) (أَبْرَأَ) مَدِينَهُ (مِنْ دَيْنِهِ) صَحَّ (أَوْ وَهَبَهُ لِمَدِينِهِ) صَحَّ (أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ) صَحَّ (أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ) صَحَّ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ (أَوْ تَرَكَهُ) لَهُ صَحَّ (أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ) صَحَّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هِبَتِهِ إيَّاهُ (أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ) صَحَّ لِوُرُودِ الْإِبْرَاءِ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] .
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ (صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ) إذْ لَا يَصِحُّ جَعْلُ مَا فِي الذِّمَّةِ عَنْ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ.
(أَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ) ذَلِكَ جَمِيعُهُ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعْنِي بِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطَيْتُكَهُ وَنَحْوَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا، وَلَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ؛ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ، وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ، وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ انْتَهَى.
وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (قَبْلَ حُلُولِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ رَدَّ)
стр. 2706
الْمَدِينُ الْإِبْرَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (أَوْ) كَانَ الدَّيْنُ الْمُبْرِئُ مِنْهُ مَجْهُولًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَسَوَاءٌ (جَهِلَ) هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا (قَدْرَهُ) أَوْ جَهِلَا وَصْفَهُ أَوْ جَهِلَا الْقَدْرَ وَالْوَصْفَ مَعًا (أَوْ اعْتَقَدَ) رَبُّ الدَّيْنِ الْمُسْقِطُ لَهُ (عَدَمَهُ) أَيْ: الدَّيْنِ كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ مِائَةٍ يَعْتَقِدُ عَدَمَهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ، اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ ظَانًّا حَيَاتَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ؛ لِمُصَادِفَةِ الْحَقِّ.
وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَيَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَيْضًا مِنْ الْمَجْهُولِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ، أَوْ كَانَ يَعْلَمهُ الْمُبْرِئُ فَقَطْ، كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَعْلُومِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عُمُومُ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ. صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " آخِرَ الْقَذْفِ (لَا إنْ عَلِمَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (مَدِينٌ فَقَطْ وَكَتَمَهُ) مِنْ رَبِّ دَيْنٍ (خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (إنْ عَلِمَ) بِالدَّيْنِ (لَمْ يُبْرِئْهُ) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَهُوَ إذَنْ كَالْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ، صَحَّ الْإِبْرَاءُ فِي الْأَلْفِ وَفِيمَا دُونَهُ.
وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» . وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ إنْ (عَلَّقَهُ) رَبُّ دَيْنٍ بِشَرْطٍ نَصًّا (فَ) قَوْلُهُ لِلْمَدِينِ (إنْ مِتَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ بِفَتْحِ التَّاءِ، تَعْلِيقٌ) فَلَا يَبْرَأُ (وَ) قَوْلُهُ إنْ مِتُّ (بِضَمِّهَا) أَيْ: التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ (وَصِيَّةٌ) لِلْمَدِينِ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْبَرَاءَةُ (مَعَ إبْهَامِ) الْمَحَلِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ (كَأَبْرَأْتُ أَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيَّ أَوْ) أَبْرَأْتُ غَرِيمِي هَذَا (مِنْ أَحَدِ دَيْنَيَّ) كَوَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوْ كَفَلْت أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ (فَلَا يُؤْخَذُ بِبَيَانٍ خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَدَّمَ الصِّحَّةَ تَبَعًا لِاخْتِيَارِ الْحَلْوَانِيِّ وَالْحَارِثِيِّ، فَقَالَ: وَمِنْ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ
стр. 2707
الْمَجْهُولِ لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَتَابَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَلَوْ تَبَارَآ) أَيْ: الدَّائِنُ وَالْمُسْتَدِينُ (وَ) ظَهَرَ (لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ) مُسَطَّرٌ (بِ) صَكٍّ (مَكْتُوبٍ، فَادَّعَى) مَنْ هُوَ بِيَدِهِ (اسْتِثْنَاءَهُ) مِنْ الْإِبْرَاءِ (قُبِلَ) قَوْلُهُ (بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ مَا صَحَّ بَيْعُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ صَحَّتْ هِبَتُهُ]
(فَصْلٌ: وَمَا صَحَّ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ (صَحَّتْ هِبَتُهُ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، فَصَحَّتْ فِيمَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ؛ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَيْسَ هِبَةً حَقِيقِيَّةً (وَ) صَحَّ (اسْتِثْنَاءُ نَفْعِهِ) أَيْ: الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فِي الْهِبَةِ (عِنْدَ إنْشَائِهَا زَمَنًا مُعَيَّنًا) كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ فِيمَا إذَا شَرَطَ فِيهِ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا، كَسُكْنَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ شَهْرًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَمَا لَا) يَصِحُّ بَيْعُهُ (فَلَا) تَصِحُّ هِبَتُهُ كَالْكَلْبِ وَجِلْدِ الْمَيِّتَةِ الْمَأْكُولَةِ، وَإِنْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ غَيْرُ نَحْوِ جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ) كَجِلْدِ هَدْيٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَصِحُّ هِبَتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ وَإِنْ قِيلَ يُمْنَعُ بَيْعُهُ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(فَلَا تَصِحُّ) هِبَةُ مَجْهُولٍ (كَحَمْلٍ بِبَطْنٍ وَلَبَنٍ بِضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى ظَهْرٍ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي الْأَخِيرَةِ؛ لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ (فَإِنْ أَذِنَ رَبُّ شَاةٍ لَهُ) أَيْ: لِإِنْسَانٍ (فِي جَزِّ صُوفِ) هَا (وَحَلْبِ) هَا (فَ) هُوَ (إبَاحَةٌ) لَا هِبَةٌ.
وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمٍ - وَهُوَ الشَّيْرَجَ - قَبْلَ عَصْرِهِ، أَوْ زَيْتَ زَيْتُونَةٍ، أَوْ جَفَّتْهُ قَبْلَ عَصْرِهِمَا؛ لَمْ يَصِحَّ كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَأَوْلَى لِكُلْفَةِ الِاعْتِصَارِ (فَ) قَوْلُ رَبِّ مَالٍ لِآخَرَ (خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْت؛ فَلَهُ أَخْذُ كُلِّ مَا بِهِ) .
وَلَوْ قَالَ: خُذْ (مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ
стр. 2708
مَا شِئْت؛ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ الْكُلِّ) إذْ الْكِيسُ ظَرْفٌ، فَإِذَا أَخَذَ الْمَظْرُوفَ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ: أَخَذْت مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلِّهَا. قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي " النَّوَادِرِ ".
(وَكَذَا) أَيْ: كَالصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا قَوْلُ مَالِكٍ: (مَا أَخَذْت مِنْ مَالِي فَهُوَ لَك أَوْ) قَوْلُهُ: (مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِي، فَلَهُ حَيْثُ لَا قَصْدَ) فَهُوَ (هِبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ كَمَا) مَرَّ (فِي هِبَةِ دَيْنٍ) قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْمُبِيحِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا قَالَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ يَتَأَخَّرُ الْقَبُولُ فِيهِ عَنْ الْإِيجَابِ كَثِيرًا، وَلَيْسَ بِإِبَاحَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْهِبَةِ فِيمَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا (وَ) أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ قَائِلُ ذَلِكَ (بَعْدَ قَبْضٍ) أَخَذَ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ صَادَفَ إذْنًا صَحِيحًا مِنْ مَالِكٍ، فَمَلَك مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمَالِ، وَامْتَنَعَ عَلَى الْمُعْطِي الرُّجُوعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَأْخُوذِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ بَابَ الْإِبَاحَةِ أَوْسَعُ) مِنْ بَابِ الْهِبَةِ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مِثْلَهُ) فِي الْحُكْمِ (مَنْ يَتَصَدَّقْ) عَلَى شَخْصٍ فَأَكْثَرَ (جُزَافًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ وَلَا كَيْلٍ وَلَا عَدٍّ كَالصُّبْرَةِ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا قَابِضُهَا، وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ بِهَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْأَخْذِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَجْهُولٍ لَهُمَا) أَيْ: الْوَاهِبِ وَالْمُتَّهِبِ (لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) نَصًّا كَنَحْلٍ فِي كُوَّارَةٍ، وَحَمْلٍ فِي بَطْنٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ؛ فَلَا تَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْبَيْعِ (بِخِلَافِ أَعْيَانٍ اشْتَبَهَتْ) كَزَيْتٍ اخْتَلَطَتْ بِزَيْتٍ وَنَحْوِهِ أَوْ بِشَيْرَجٍ (وَتَعَذَّرَ فِيهِ تَمْيِيزُهَا) فَتَصِحُّ هِبَتُهَا (كَمَا مَرَّ فِي الصُّلْحِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ
(فَمَنْ وَهَبَ) أَرْضًا (أَوْ تَصَدَّقَ) بِأَرْضٍ (أَوْ وَقَفَ) أَرْضًا (أَوْ
стр. 2709
وَصَّى بِأَرْضٍ) يَعْنِي بِجُزْءٍ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهَا؛ احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا كُلَّهَا) مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ إنْ كَانَتْ مَفْرُوزَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُشَاعَةً يَقُولُ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا؛ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ بَيْتٌ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ، فَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ حِصَّةً مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا كَانَ سَهْمٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَهْمٌ؛ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ قَالَ: ثُلُثُهَا أَوْ نَحْوُهُ؛ صَحَّ.
(وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالرَّهْنُ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَسُئِلَ عَمَّنْ يَهَبُ رُبْعَ دَارِهِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ (وَقَالَ: إذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى بِأَرْضٍ مُشَاعَةٍ احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا كُلَّهَا، وَكَذَا الْبَيْعُ وَالصَّدَقَةُ هُوَ عِنْدِي وَاحِدٌ) وَأَيْضًا قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ مِنْك نَصِيبِي مِنْ الدَّارِ قَالَ: إنْ كَانَ يَعْلَمُ كَمْ نُصِيبُهُ؛ فَهُوَ جَائِزٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَا فِي ذِمَّةِ مَدِينٍ لِغَيْرِهِ إلَّا لِضَامِنِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ هِبَةُ (مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ، أَوْ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ كَبَيْعِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ وَهَبْتُك كَذَا، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْحُلَّةِ الْمُهْدَاةِ إلَى النَّجَاشِيِّ: إنْ رَجَعَتْ إلَيْنَا فَهِيَ لَك» .
قَالَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَعْنَى الْعِدَّةِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي وَالْحَالُ؛ فَلَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ؛ كَإِنْ كَانَتْ مِلْكِي وَنَحْوِهِ فَقَدْ وَهَبْتُكهَا (بِغَيْرِ مَوْتِ) الْوَاهِبِ؛ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِهِ، وَتَكُونُ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِيهَا) أَيْ: الْهِبَةَ (كَأَنْ) يَشْتَرِطُ الْوَاهِبُ عَلَى الْمُتَّهِبِ أَنْ (لَا يَبِيعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ (أَوْ لَا يَهَبَهَا أَوْ لَا يَأْكُلَهَا وَنَحْوَهُ)
стр. 2710
كَلَا يَلْبِسُ الثَّوْبَ الْمَوْهُوبَ؛ فَلَا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ إذْ مُقْتَضَى الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ، فَالْحَجْرُ فِيهِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ: الْهِبَةُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْسَرَ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (مُؤَقَّتَةً) كَوَهَبْتُك شَهْرًا أَوْ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِانْتِهَاءِ الْهِبَةِ؛ فَلَا تَصِحُّ مَعَهُ كَالْبَيِّعِ (إلَّا فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) فَيَصِحَّانِ وَهُمَا (نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ) يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَّاتِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، وَيَصِحُّ تَوَقِّيَتُهُمَا، سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لِتَقَيُّدِهَا بِالْعُمْرِ، وَسُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: أَعْمَرْتُهُ وَعَمَّرْته مُشَدَّدًا إذَا جُعِلَتْ لَهُ الدَّارُ مُدَّةَ عُمْرِهِ أَوْ عُمْرِي، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ، فَأَبْطَلَ الشَّرْعُ ذَلِكَ (كَ) قَوْلِهِ: (أَعْمَرْتُكَ أَوْ أَرْقَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ) هَذِهِ (الْفَرَسَ أَوْ) هَذِهِ (الْأَمَةَ) .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَرْقَبْتُك أَعْطَيْتُك، وَهِيَ هِبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْمُرْقَبُ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ (وَنَصَّهُ) أَيْ: الْإِمَامُ (لَا يَطَأُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الْجَارِيَةَ الْمُعْمِرَةَ.
نَقَلَ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ: مَنْ يُعَمِّرُ الْجَارِيَةَ هَلْ يَطَؤُهَا؟ قَالَ: لَا أَرَاهُ (وَحَمَلَ) الْقَاضِي النَّصَّ الْمَذْكُورَ (عَلَى الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةٌ.
فَرْعٌ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، فَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ وَطْأَهَا؛ لِهَذَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ؛ أَيْ: مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي بَعِيدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ.
(وَ) إنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا) أَيْ: الدَّارَ أَوْ الْفَرَسَ أَوْ الْجَارِيَةَ (لَك عُمْرَك أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (حَيَاتَكَ أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (عُمْرَى أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (رُقْبَى أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (مَا بَقِيت) أَوْ مَا حَيِيت أَوْ مَا عِشْت (أَوْ أَعْطَيْتُكهَا عُمْرَك وَنَحْوَهُ) كَمَا بَقِيت أَوْ حَيَاتَكَ أَوْ عُمْرَى أَوْ رُقْبَى (فَتَصِحُّ) الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (لِمُعْطَى وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ إنْ كَانُوا، كَتَصْرِيحِهِ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْمِرُ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك (وَإِلَّا) يَكُنْ
стр. 2711
لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَارِثٌ فَهِيَ (لِبَيْتِ الْمَالِ) نَصًّا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُخَلَّفَةِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا» .
وَفِي الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» ، وَقَوْلُهُ ﵊: «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تَرْقُبُوا، فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا» .
وَعَقِبِهِ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا بِدَلِيلِ السِّيَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أُرِيدُ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهَا عَلَى فَاعِلِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادُهُ كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى عُمْرِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِأَنْ قَالَ: وَهَبْتُك الدَّارَ وَنَحْوَهَا عُمْرَ زَيْدٍ؛ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى.
(وَإِنْ شَرَطَ) وَاهِبٌ عَلَى مَوْهُوبٍ لَهُ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (فِي لَفْظِ إرْقَابٍ وَنَحْوِهِ) كَإِعْمَارٍ (لِغَيْرِهِ) عِنْدَ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ قَبْلَهُ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك هَذِهِ الدَّارَ، وَهِيَ لَك عُمْرَك عَلَى أَنَّك إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَيَّ أَوْ إلَى فُلَانٍ، وَإِنْ مِتَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَك اسْتَقَرَّتْ عَلَيْك؛ فَهِيَ الرُّقْبَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ) شَرَطَ وَاهِبٌ [رُجُوعَهَا (لَهُ) بِنَفْسِهِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: فُلَانٍ (أَوْ) عِنْدَ (مَوْتِ مُتَّهِبٍ قَبْلَهُ) ] ؛ أَيْ: قَبْلَ وَاهِبٍ (أَوْ شَرَطَ) وَاهِبٌ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَاهِبِ (أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ) شَرَطَ وَاهِبٌ رُجُوعَهَا إلَى (آخَرِهِمَا مَوْتًا؛ لُغِيَ الشَّرْطُ، وَصَحَّتْ) الْهِبَةُ (لِمُعْمَرٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ (وَ) بَعْدَهُ (لِوَرَثَتِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ: كَالْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ صُوَرِ الْعُمْرَى، وَلَا تُرْجَعُ الْعَيْنُ إلَى وَاهِبٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَرْقُبُوا وَلَا تُعْمِرُوا؛ فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا، أَوْ أَعْمَرَهُ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ بِلَا إشْكَالٍ. وَأَخْرَجُهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ
стр. 2712
نَحْوَهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
؛ فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ مَعَ بُطْلَانِ شَرْطِ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ كَشَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ.
وَلَوْ جَعَلَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا دَارِهِ لِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَهُ عَادَتْ إلَيْهِ فَرُقْبَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
[فَائِدَةٌ قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي قِنٍّ لِلْقِنِّ الْمُشْتَرَكِ أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى آخَرِنَا مَوْتًا]
فَائِدَةٌ: وَإِنْ قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي قِنٍّ لِلْقِنِّ الْمُشْتَرَكِ: أَنْتِ حَبِيسٌ عَلَى آخَرِنَا مَوْتًا، لَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ فِي يَدِ الْآخَرِ عَارِيَّةً، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " انْتَهَى.
(وَ) لَا يَصِحُّ إعْمَارُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا إرْقَابُهَا، فَلَوْ قَالَ رَبُّ بَيْتٍ لِآخَرَ (مَنَحْتُكَهُ عُمْرَك) فَعَارِيَّةٌ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": مَنَحَهُ النَّاقَةَ جَعَلَ لَهُ وَبَرَهَا وَلَبَنَهَا وَوَلَدَهَا، وَهِيَ الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ، أَوْ قَالَ مَنَحْتُك (غَلَّتَهُ) أَيْ: الْبَيْتِ لَك عُمْرَك (أَوْ) قَالَ رَبُّ بَيْتٍ أَوْ بُسْتَانٍ: مَنَحْتُك (سُكْنَاهُ) أَيْ: الْبَيْتِ أَوْ الْبُسْتَانِ عُمْرَك فَعَارِيَّةٌ (أَوْ) قَالَ رَبُّ عَبْدٍ: مَنَحْتُك (خِدْمَتَهُ لَك) عُمْرَك (فَعَارِيَّةٌ وَإِبَاحَةٌ تَلْزَمُ فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ مِنْ غَلَّةٍ قَبْلَ رُجُوعِ) الْمَانِحِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَانِحِ الرُّجُوعَ فِي مِنْحَتِهِ مَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ الْمَمْنُوحِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَيَصِحُّ إعْمَارُ مَنْقُولٍ وَإِرْقَابُهُ مِنْ حَيَوَانٍ كَعَبْدٍ وَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهِمَا كَبَعِيرٍ وَشَاةٍ وَغَيْرِ حَيَوَانٍ كَثَوْبٍ وَكِتَابٍ؛ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» .
[تَنْبِيهٌ بَيَانُ شُرُوطِ الْهِبَةِ]
(تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ عَدُّ شُرُوطِ هِبَةٍ أَحَدَ عَشَرَ: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ تَصَرُّفٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (مُخْتَارٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ (جَادٍّ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ هَازِلٍ (بِمَالٍ) مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ (يَصِحُّ بَيْعُهُ) فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ (بِلَا عِوَضٍ) فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ (لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ) وَهُوَ الْحُرُّ (مَعَ قَبُولِهِ) إنْ كَانَ رَشِيدًا (أَوْ) قَبُولِ (وَلِيِّهِ) إنْ
стр. 2713
كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْقَبُولِ (قَبْلَ تَشَاغُلٍ بِقَاطِعٍ) عُرْفًا (مَعَ تَنْجِيزٍ) لِهِبَةٍ فِي الْحَالِ (أَوْ) مَعَ (عَدَمِ تَوْقِيتٍ) إلَّا فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى، وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ وَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِيهَا]
(فَصْلٌ) : فِي حُكْمِ عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ وَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَيَجِبُ عَلَى وَاهِبٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (تَعْدِيلٌ بَيْنَ مَنْ يَرِثُ) مِنْ الْوَاهِبِ (بِقَرَابَةٍ لَا زَوْجِيَّةٍ) وَوَلَاءٍ، فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ (مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ) كَأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ وَابْنِهِ وَعَمٍّ وَابْنِهِ فِي عَطِيَّتِهِمْ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَتْ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ: أَعْطِ ابْنِي غُلَامَكَ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، قَالَ: أَلَهُ إخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كُلُّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إلَّا عَلَى حَقٍّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَقَالَ فِيهِ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ، إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْك مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» . وَفِي لَفْظِ لِمُسْلِمٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» .
وَلِلْبُخَارِيِّ مِثْلُهُ، لَكِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ، فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّى تَخْصِيصَ أَحَدِهِمْ دُونَ الْبَاقِينَ جَوْرًا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ لِلْوُجُوبِ، وَقِيسَ عَلَى الْأَوْلَادِ بَاقِي الْأَقَارِبِ بِجَامِعِ الْقَرَابَةِ، وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّوْجَاتُ وَالْمَوَالِي؛ فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ فِي الْهِبَةِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ التَّعْدِيلِ (فِي هِبَةِ) شَيْءٍ (غَيْرِ تَافِهٍ) لِأَنَّهُ يَتَسَامَحُ بِهِ، فَلَا يَحْصُلُ التَّأَثُّرُ وَالتَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ (بِكَوْنِهَا) أَيْ: الْعَطِيَّةِ لِلْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَنَحْوِهِمْ (بِقَدْرِ إرْثِهِمْ) مِنْهُ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] اقْتِدَاءً بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيَاسًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ عَلَى حَالَةِ الْمَوْتِ. قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَائِدَةٌ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ فِيمَنْ لَهُ أَوْلَادُ زَوْجِ بَعْضِ بَنَاتِهِ فَجَهَّزَهَا وَأَعْطَاهَا، قَالَ: يُعْطِي جَمِيعَ وَلَدِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهَا. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ يُزَوِّجُ الْكَبِيرَ، وَيُنْفِقُ
стр. 2714
عَلَيْهِ، وَيُعْطِيه، قَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ كُلَّهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ، أَوْ يَمْنَحُهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَى ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبَهَا الْحَارِثِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (إلَّا فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ فَتَجِبُ الْكِفَايَةُ) دُونَ التَّعْدِيلِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرٌ وَوَقْفٌ (وَحَلَّ) لِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَغَيْرِهِمَا (تَفْضِيلٌ) لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ (بِإِذْنٍ بَاقٍ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْعَدَاوَةَ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الْإِذْنِ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْعَطِيَّةِ، أَوْ فَضَّلَهُ بِالْإِعْطَاءِ بِلَا إذْنِ الْبَاقِي (أَثِمَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَرَجَعَ) الْأَبُ وُجُوبًا دُونَ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا فِيمَا خُصَّ بِهِ أَوْ فَضَّلَ (إنْ جَازَ) أَيْ: إنْ أَمْكَنَ رُجُوعُهُ بِهِ بِأَنْ كَانَ بَاقِيًا، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ، أَوْ (أَعْطَى حَتَّى يَسْتَوُوا) بِمَنْ خَصَّهُ نَصًّا (فَلَوْ زَوَّجَ أَحَدَ ابْنَيْهِ) فِي صِحَّتِهِ (بِصَدَاقٍ) أَدَّاهُ الْأَبُ (مِنْ عِنْدِهِ) ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (وَجَبَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (إعْطَاءُ) ابْنِهِ (الْآخَرِ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ مَا أَعْطَى الْأَوَّلَ لِيَسْتَوِيَ بِمَنْ خَصَّهُ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ (وَلَوْ بِمَرَضِ مَوْتِهِ) لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الْآخَرِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ هُنَاكَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْ الصَّدَاقَ بِالْعَقْدِ (وَلَا يُحْسَبُ) مَا يُعْطِيه الْأَبُ لِابْنِهِ الثَّانِي (مِنْ الثُّلُثِ) مَعَ أَنَّهُ عَطِيَّةٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِلْوَاجِبِ؛ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) وَيَجُوزُ لِلْأَبِ تَمَلُّكُ مَا يُعْطِيه لِلتَّسْوِيَةِ بِلَا حِيلَةٍ، قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ؛ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " (فَإِنْ مَاتَ) مُعْطٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: التَّعْدِيلِ (وَلَيْسَتْ) الْعَطِيَّةُ (بِمَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ (ثَبَتَتْ الْعَطِيَّةُ لِآخِذٍ) فَلَا يَمْلِكُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الرُّجُوعَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ، وَتَقَدَّمَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْآخِذُ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِذِي رَحِمٍ؛ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
стр. 2715
(وَتُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَفْضِيلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً) وَلَوْ كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَصِّصِ وَالْمُفَضِّلِ (إنْ عَلِمَ) الشَّاهِدُ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّفْضِيلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: لِبَشِيرٍ «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» ، وَهُوَ أَمْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَكَيْفَ تُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَهْدِيدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمَعْنَى بَشِيرٌ لَبَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْعَطِيَّةَ (وَكَذَا) فِي حُكْمِ تَحْرِيمِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ (كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ عِنْدَهُ) أَيْ: الشَّاهِدِ، فَتُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْعٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ وَلَا مَوْصُوفٍ؛ لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ جَوَازِهِ قِيَاسًا عَلَى التَّخْصِيصِ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ مَنْ يَرَاهُ
(وَلَا يَجِبُ عَلَى مُسْلِمٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ [مِنْ أَهْلِ] الذِّمَّةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: وَلَا فَرْقَ فِي امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ ذَا حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ عِيَالٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ لَا، وَلَا كَوْنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ مُبَذِّرًا، أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى فِي الرَّجُلِ لَهُ الْوَلَدُ الْبَارُّ الصَّالِحُ وَآخَرُ غَيْرُ بَارٍّ؛ لَا يُنِيلُ الْبَارَّ دُونَ الْآخَرِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَالنَّاظِمِ (جَوَازَ تَفْضِيلٍ) لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ (لِمَعْنَى حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ أَوْ اشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ) وَنَحْوِهِ كَصَلَاحٍ (وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ) أَيْ: مَنَعَ الْأَبُ بَعْضَ وَلَدِهِ (لِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ كَوْنِهِ يَعْصِي اللَّهَ بِمَا يَأْخُذُهُ) اسْتِدْلَالًا بِتَخْصِيصِ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵄ وَلَيْسَ إلَّا لِامْتِيَازِهَا بِالْفَضْلِ، وَلَنَا عُمُومُ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ، وَفِعْلُ الصِّدِّيقِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَحَلَ مَعَهَا غَيْرَهَا، أَوْ أَنَّهُ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا،
стр. 2716
فَأَدْرَكَ الْمَرَضَ وَنَحْوَهُ
(وَتُبَاحُ) لِمَنْ لَهُ وَرَثَةٌ (قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ) نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ لَيْسَ فِيهَا جَوْرٌ، فَجَازَتْ فِي جَمِيعِ مَالِهِ كَبَعْضِهِ (وَيُعْطَى) وَارِثٌ (حَادِثٌ) بَعْدَ الْقِسْمَةِ (حِصَّتُهُ) مِمَّا قُسِمَ (وُجُوبًا) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ، وَإِنْ حَدَثَ الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ اُسْتُحِبَّ لِلْمُعْطِي أَنْ يُسَاوِيَ الْمَوْلُودَ الْحَادِثَ بَعْدَ مُوَرَّثِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ، وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا سَبَقَ فِي الْوَقْفِ مِنْ قَوْلِهِ: دَخَلَ الْمَوْجُودُونَ فَقَطْ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الْعَطِيَّةِ وَاجِبَةٌ، وَفِي الْوَقْفِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَتَأَتَّى الرُّجُوعُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ
(وَسُنَّ لِوَاقِفٍ) شَيْئًا (عَلَى وَرَثَتِهِ) أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ (بِأَنْ لَا يُفَضِّلَ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى) مِنْ أَوْلَادٍ وَإِخْوَةٍ وَنَحْوِهِمْ (إلَّا لِحَاجَةِ عَائِلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزَمَانَةٍ وَعَمًى وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ (قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ فَضَّلَ. قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي عَلَى وَجْهِ الْأَثَرَةِ إلَّا لِعِيَالٍ بِقَدْرِهِمْ)
وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَيَصِحُّ) مِنْ مَرِيضٍ مَرَضِ الْمَوْتِ (وَقْفُ ثُلُثِهِ) فَأَقَلَّ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (عَلَى بَعْضِهِمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَيْمُونِيُّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ تَذْهَبُ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَالْوَقْفُ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ؛ أَيْ: مِلْكًا مُطْلَقًا، وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِحَدِيثِ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ وَالسَّهْمَ الَّذِي بِخَيْبَرَ وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ وَالْمِائَةَ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي مُحَمَّدٌ ﷺ تَلِيه حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيه ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى تُنْفِقُهُ حَيْثُ تَرَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُوَلِّيه إنْ أَكَلَ وَاشْتَرَى رَقِيقًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا
وَيَجْرِي الْوَقْفُ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ لَا فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. .
فَلَوْ وَقَفَ دَارًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا عَلَى ابْنِهِ وَبِنْتِهِ بِالسَّوِيَّةِ
стр. 2717
فَرَدَّا؛ فَثُلُثُهَا وَقْفٌ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَثُلُثَاهَا مِيرَاثٌ، وَإِنْ رَدَّ الِابْنُ وَحْدَهُ؛ فَلَهُ ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا، وَإِنْ رَدَّتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا، فَلَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا، وَلِلِابْنِ نِصْفُهُمَا وَقْفًا، وَسُدُسُهُمَا إرْثًا، لِرَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لِرَدِّ التَّسْوِيَةِ فَقَطْ دُونَ أَصْلِ الْوَقْفِ كَمَا لَوْ قَالَ: رَدَدْت تَسْوِيَةَ وَالِدِي بَيْنِي وَبَيْنَ أُخْتِي فِي الْوَقْفِ؛ فَإِنَّهُ يُبْطَلُ الْوَقْفُ فِي سُدُسِ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ نِصْفُ الْبِنْتِ الَّذِي بِهِ حَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ، وَيَبْقَى لَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ وَقْفًا عَلَيْهَا، وَالسُّدُسُ الَّذِي يُبْطَلُ الْوَقْفُ فِيهِ يَكُونُ إرْثًا لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ مِنْ وَقْفٍ غَيْرِ النِّصْفِ، فَلَا نَحْكُمُ بِوَقْفِيَّةِ هَذَا السُّدُسِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضَى، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ مَا إذَا أَرَادَتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا وَهُوَ أَنَّ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ لِلِابْنِ وَقْفًا، وَسُدُسَهُمَا لَهُ إرْثًا فِي الصُّورَتَيْنِ، فَهَذَا هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا.
وَ (لَا) يَنْفُذُ وَقْفُ مَرِيضٍ (بِ) جُزْءٍ (زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ: ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَلَوْ) كَانَ وَقْفُهُ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَنْفُذُ وَقْفُ الْمَرِيضِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (بِلَا إجَازَةٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ رُجُوعُ الواهب فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضِ مُعْتَبَرٍ]
(فَصْلٌ: وَحُرِّمَ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ وَاهِبٍ) فِي هِبَتِهِ (بَعْدَ قَبْضِ مُعْتَبَرٍ) بِأَنْ يَكُونَ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ أَوْ وَكِيلِهِ؛ لِلُزُومِهَا بِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْهِبَةُ (صَدَقَةً وَهَدِيَّةً وَنِحْلَةً، أَوْ نُقُوطًا وَحُمُولَةً فِي نَحْوِ عُرْسٍ) كَخِتَانٍ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا، وَسَوَاءٌ عُوِّضَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوَّضْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ وَتَقَدَّمَ (إلَّا مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا) شَيْئًا (بِمَسْأَلَتِهِ) إيَّاهَا لَهُ (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إذَا وَهَبَتْ لَهُ مَهْرَهَا، فَإِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ رَدَّهُ إلَيْهَا رَضِيَتْ أَوْ
стр. 2718
كَرِهَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إضْرَارٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهَا وَتَبَرَّعَتْ بِهِ؛ فَهُوَ جَائِزٌ انْتَهَى. لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهَا نَفْسًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وَغَيْرُ الصَّدَاقِ كَالصَّدَاقِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا (لَا) تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ (مُطْلَقًا بَلْ) تَرْجِعُ عَلَيْهِ (بِشُرُوطٍ) كَمَا لَوْ وَهَبَتْهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، فَلَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ لِوُجُودِ شَرْطٍ فَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ فِي الْمَذْهَبِ (وَ) إلَّا (الْأَبُ) الْأَقْرَبُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً وَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ وَهَبَ كَافِرٌ لِوَالِدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْوَلَدُ؛ فَلِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: لَيْسَ هِيَ عِنْدِي كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ وَبِوِلَايَتِهِ وَحِيَازَتِهِ جَمِيعِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْأَبِ (الْوَاحِدِ خَاصَّةً)
стр. 2719
بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى وَلَدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ اثْنَانِ، وَوَهَبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا؛ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَاءِ ثُبُوتِ الدَّعْوَى، وَإِنْ ثَبَتَ اللِّحَاقُ بِأَحَدِهِمَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ (وَلَوْ) كَانَ مَا قَبَضَهُ الْوَلَدُ (صَدَقَةً) إذْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْهِبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَنَصَرَاهُ (أَوْ تَعَلَّقَ بِمَا وَهَبَ) الْأَبُ لِوَلَدِهِ (حَقٌّ كَفَلَسٍ) أَيْ: كَأَنْ يُفْلِسَ الْوَلَدُ وَالْمَالُ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَجْرَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ كَالرَّهْنِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْمُرْتَهِنِ بِالْعَيْنِ، وَفِي الرُّجُوعِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ عِنْدَ عَدَمِ الرُّجُوعِ فِيهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ بِلَا خِلَافٍ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى فَلَسٍ لَا حَجْرَ مَعَهُ لِيُوَافِقَ مَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ (أَوْ) تَعَلَّقَ بِالْمَوْهُوبِ (رَغْبَةٌ كَتَزْوِيجٍ) أَيْ: بِأَنْ يُزَوِّجُوا الْمَوْهُوبَ لَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا رَغْبَةً فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ، أَوْ يَتَزَوَّجُوهَا إنْ كَانَتْ أُنْثَى رَغْبَةً فِيمَا بِيَدِهَا مِنْ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَايَنُوا الْمَوْهُوبَ لَهُ أَوْ أَقْرَضُوهُ أَوْ بَاعُوهُ أَوْ أَجَرُوهُ وَنَحْوُهُ؛ لِوُجُودِ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (إلَّا إذَا وَهَبَهُ) أَيْ: وَهَبَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ (سُرِّيَّةً لِإِعْفَافِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا (وَلَوْ اسْتَغْنَى) عَنْهَا الْوَلَدُ بِتَزَوُّجِهِ أَوْ شِرَائِهِ غَيْرَهَا وَنَحْوِهِ (أَوْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ (أَوْ) إلَّا (إذَا أَسْقَطَ) الْأَبُ (حَقَّهُ مِنْ رُجُوعٍ) فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، فَيَسْقُطُ خِلَافًا لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مُجَرَّدُ حَقِّهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ إثْمِهِ بِالْعَضْلِ، بِخِلَافِ الرُّجُوعِ (وَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعُ (نَقْصَ) عَيْنٍ مَوْهُوبَةٍ بِيَدِ وَلَدٍ سَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ ذَاتُهَا بِتَآكُلِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا أَوْ جَنَى عَلَيْهَا، أَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ، فَتَعَلَّقَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَعَلَى الْأَبِ فِي هَذِهِ إنْ
стр. 2720
رَجَعَ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ لِلْأَبِ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمَتَى رَجَعَ فِي رَقِيقٍ أَوْ بَهِيمَةٍ - وَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا - فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لِلِابْنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (فَيَرْجِعُ) الْأَبُ (فِي) مَوْهُوبٍ (مُتَعَيِّبٍ) وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ (وَ) فِي (بَاقٍ مِنْ تَالِفٍ) فِي عَبْدٍ (وَآبِقٍ) لِبَقَاءِ الْمِلْكِ (وَجَانٍ) كَمَا ذَكَرْنَا (وَلَا) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ كَثَمَرٍ جُذَّ) أَيْ: جَذَّهُ الْوَلَدُ وَكَوَلَدِ الْبَهِيمَةِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ (لَا) إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَثَمَرٍ (قَبْلَ) جَذِّهِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْهُوبُ (نَخْلًا أُبِّرَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَّصِلًا مَا لَمْ يُجَذُّ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا، فَحَمَلَتْ فَقَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَبَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ (وَهِيَ) أَيْ: الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لِ (لْوَلَدِ) لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تُتَّبَعُ فِي الْفُسُوخِ فَكَذَا هُنَا (إلَّا إذَا حَمَلَتْ الْأَمَةُ) الْمَوْهُوبَةُ لِلْوَلَدِ (وَوَلَدَتْ) عِنْدَهُ (فَيُمْنَعُ) الرُّجُوعُ (فِي الْأُمِّ) الْمَوْهُوبَةِ؛ لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا (وَتَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ زِيَادَةٌ (مُتَّصِلَةٌ تَزِيدُ فِي الْقِيمَةِ) أَيْ: قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ (كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَحَمْلٍ) بِأَنْ وَهَبَ الْأَبُ وَلَدَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ؛ فَالْوَلَدُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِاعْتِبَارِ الْكِبَرِ، وَإِنْ وَهَبَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ فِيهَا حَامِلًا، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا بِالْحَمْلِ؛ فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ فِي الْأَصْلِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ؛ فَمَنْعُهُ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ
стр. 2721
الْمُشْتَرِي، وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ زَادَ بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ؛ مُنِعَ الرُّجُوعُ كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ (وَيُصَدَّقُ الْأَبُ فِي عَدَمِهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ إنْ أَنْكَرَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.
(وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (رَهْنُ) مَوْهُوبٍ (لَزِمَ) لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إبْطَالًا لَحِقَ الْمُرْتَهِنِ وَإِضْرَارًا بِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا (إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ) الرَّهْنُ بِوَفَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ إذَنْ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يَزُلْ وَإِنَّمَا طَرَأَ مَعْنَى قَطْعِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ، فَمُنِعَ الرُّجُوعُ، فَإِذَا زَالَ زَالَ الْمَنْعُ وَيُمْنَعُ الرُّجُوعُ أَيْضًا (وَهِبَةُ وَالِدٍ) مَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ (لِوَلَدِهِ) لِأَنَّ فِي رُجُوعِ الْأَبِ إبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) أَيْ: الْوَاهِبُ الثَّانِي فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ، فَإِنَّ الْوَاهِبَ الْأَوَّلَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ هِبَتَهُ بِرُجُوعِهِ، فَعَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ (وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (بَيْعُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (وَنَحْوِهِ مِمَّا يَنْتَقِلُ لِمِلْكِهِ) فِي الرَّقَبَةِ؛ كَأَنْ يَهَبَهُ أَوْ يَقِفَهُ، وَكَذَا مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَوْهُوبَةِ كَاسْتِيلَادِهَا، أَوْ لَمْ يَهَبْهَا لَهُ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْمَبِيعُ (إلَيْهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (بِفَسْخٍ أَوْ فَلَسِ مُشْتَرٍ) فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ إذَنْ؛ لِعَوْدِ الْمِلْكِ لِلْوَلَدِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّهُ مَا انْتَقَلَ (لَا) إنْ رَجَعَ الْمَبِيعُ لِلْوَلَدِ (بِنَحْوِ شِرَاءٍ) أَوْ اتِّهَابٍ؛ فَلَا رُجُوعَ لِأَبٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ لِلْوَلَدِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إزَالَتَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا (وَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ) تَصَرُّفُ الِابْنِ فِي الرَّقَبَةِ تَصَرُّفًا (غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ كَإِجَارَةٍ وَمُزَارَعَةٍ) عَلَيْهَا (وَ) جَعْلُهَا مُضَارَبَةً فِي (عَقْدِ شَرِكَةٍ وَتَزْوِيجٍ وَتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ مُعَلَّقٍ) عَلَى صِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا وَوَطْءٍ مُجَرَّدٍ عَنْ إحْبَالٍ (وَكَذَا وَصِيَّةٌ) لَمْ تُقْبَضْ (وَهِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ) لِبَقَاءِ مِلْكِ الِابْنِ وَسَلْطَنَةِ تَصَرُّفِهِ (وَيَمْلِكُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ أَيْضًا (مَعَ بَقَاءِ إجَارَةٍ) بِحَالِهَا (وَ) مَعَ بَقَاءِ (كِتَابَةٍ وَتَزْوِيجٍ) كَاسْتِمْرَارِهِ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلَدِ لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَبِ فِعْلًا فِي الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ لِوَلَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ، فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ
стр. 2722
جَائِزًا كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ؛ بَطَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ مَعَهُ - وَقَدْ فَاتَ - بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) كَذَلِكَ (تَدْبِيرٌ) لِلرَّقِيقِ (وَتَعْلِيقُ) عِتْقِهِ بِصِفَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى حُكْمُهَا فِي حَقِّ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرَا مِنْهُ (وَمَعَ عَوْدِهِ) أَيْ: الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةِ الْمِلْكِ (لِلِابْنِ فَحُكْمُهَا بَاقٍ) لِعَوْدِ الصِّفَةِ (وَمَا قَبَضَهُ ابْنٌ مِنْ مَهْرِ) أَمَةٍ زَوَّجَهَا قَبْلَ رُجُوعِ أَبِيهِ (وَ) مِنْ دَيْنِ (كِتَابَةٍ وَ) مِنْ (أَرْشِ) جِنَايَةٍ عَلَى الرَّقِيقِ (وَ) مِنْ (مُسْتَقَرِّ أُجْرَةٍ فَلَهُ) أَيْ: الِابْنِ دُونَ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ (وَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِيمَا أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ وَلَدَهُ (مِنْ دَيْنٍ) كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ.
(وَلَا يَصِحُّ رُجُوعٌ) مِنْ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (إلَّا بِقَوْلٍ كَ) أَنْ يَقُولَ: (رَجَعْت فِي هِبَتِي أَوْ ارْتَجَعْتهَا أَوْ رَدَدْتهَا وَنَحْوَهُ) كَعُدْت فِيهَا أَوْ أَعَدْتهَا إلَى مِلْكِي وَنَحْوَ ذَلِكَ (مِمَّا يَدُلُّ) عَلَى الرُّجُوعِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَكْمَلُ رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ لَكِ مِنْ كَذَا، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَلَدُ بِرُجُوعِ أَبِيهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا يَحْتَاجُ الرُّجُوعُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ كَفَسْخِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ، (وَلَا) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ (بِتَصَرُّفِهِ) أَيْ: الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ بَعْدَ قَبْضِ الِابْنِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ التَّصَرُّفِ بِالْعَيْنِ؛ بِأَنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ، وَأَقْبَضَهَا لَهُ (وَلَوْ نَوَى) الْأَبُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّصَرُّفِ أَوْ الْوَطْءِ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَابِتٌ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ صَرِيحُ الْقَوْلِ.
[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ]
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ وَكُلُّهَا مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَوْ بَعْضَهَا فِي مِلْكِ الْوَلَدِ إلَى رُجُوعِ أَبِيهِ؛ فَلَا رُجُوعَ فِيمَا أَبْرَأَهُ وَلَدُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا [فِي] مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا، وَلَا فِيمَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لَازِمَةٍ أَوْ وَقْفٍ.
стр. 2723
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْوَلَدِ وَتَصَرُّفِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا؛ فَلَا رُجُوعَ فِي قِيمَةِ تَالِفٍ، وَلَا فِي أَمَةٍ اسْتَوْلَدَهَا الِابْنُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَوْ تَصَرَّفَ الِابْنُ بِمَا لَا يَمْنَعُهُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَطْءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْإِحْبَالِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا وَجَعْلِهَا مُضَارَبَةً. وَتَعْلِيقِ عِتْقٍ بِصِفَةٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ رُجُوعُ الْأَبِ؛ لِبَقَاءِ تَصَرُّفِ الِابْنِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَمَا كَانَ مِنْ الْمُتَصَرِّفِ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ؛ فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَزِيدَ الْعَيْنُ عِنْدَ الْوَلَدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَحَمْلٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ
[فَصْلٌ لِلْأَبِ خَاصَّةً تَمْلِك مَا شَاءَ مِنْ مَال وَلَده]
(فَصْلٌ)
(وَلِأَبٍ خَاصَّةً) دُونَ أُمٍّ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ خُولِفَ فِي الْأَبِ؛ لِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (حُرٌّ) كَامِلُ الْحُرِّيَّةِ (وَلَوْ) كَانَ الْأَبُ (غَيْرَ مُحْتَاجٍ) بِأَنْ كَانَ غَنِيًّا (تَمَلَّكَ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ) قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ مِلْكٌ لَهُ دُونَ أَبِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ رَبًّا (تَنْجِيزًا) لَا تَعْلِيقًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَمْنَعُ الِابْنُ الْأَبَ مَا أَرَادَ مِنْ مَالِهِ؛ فَهُوَ لَهُ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ فَلِلْأَبِ التَّمَلُّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَعَ صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ وَسُخْطِهِ وَرِضَاهُ وَبِعِلْمِهِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ
стр. 2724
سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الْآيَةَ ذَكَرَ الْأَقَارِبَ دُونَ الْأَوْلَادِ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] لِأَنَّ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ، فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ كَمَالِ نَفْسِهِ (مَا لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ: يَضُرَّ الْأَبُ وَلَدَهُ بِمَا يَتَمَلَّكُهُ مِنْهُ، فَإِنْ أَضَرَّهُ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ حَاجَةُ الْوَلَدِ بِهِ كَآلَةِ حِرْفَتِهِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَتَمَلَّكْهُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ، فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (أَوْ) إلَّا إذَا تَمَلَّكَهُ الْأَبُ (لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ آخَرَ) فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ [بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَخْصِيصٍ] بِمَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ بِالْأَوْلَى (أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّمَلُّكُ (بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) الْمَخُوفُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْإِرْثِ (أَوْ سُرِّيَّتُهُ) أَيْ: الْأَمَةُ الَّتِي وَطِئَهَا الْوَلَدُ؛ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) سُرِّيَّتُهُ (أُمَّ وَلَدٍ) لِلِابْنِ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَاتِ نَصًّا (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ التَّمَلُّكُ (مَعَ كُفْرِ أَبٍ وَإِسْلَامِ ابْنٍ) لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الِابْنُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ حَسَنٌ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ انْتَهَى؛ لِحَدِيثِ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» .
(وَ) قَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا (وَالْأَشْبَهُ أَنَّ) الْأَبَ (الْمُسْلِمَ لَا يَتَمَلَّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ) شَيْئًا؛ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ وَالتَّوَارُثِ.
(وَيَحْصُلُ تَمَلُّكُ) الْأَبِ لِمَالِ وَلَدِهِ (بِقَبْضِ) مَا تُمَلَّكَهُ نَصًّا (مَعَ قَوْلٍ) بِأَنْ يَقُولَ تَمَلَّكْتُهُ وَنَحْوَهُ (أَوْ نِيَّةٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَوْ قَرِينَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ غَيْرِهِ، فَاعْتُبِرَ الْقَوْلُ أَوْ النِّيَّةُ؛ لِيَتَعَيَّنَ وَجْهُ الْقَبْضِ (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ (قَبْلَ قَبْضٍ) لِمَا تَمَلَّكَهُ (بِذَلِكَ) الْقَوْلِ أَوْ النِّيَّةِ (وَلَوْ) كَانَ تَصَرُّفُهُ (عِتْقًا) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ
стр. 2725
نَفْسِهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ كَمَا لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ (وَحَيْثُ تَمَلَّكَ) الْأَبُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا (ثُمَّ انْفَسَخَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ) ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَأْخُوذِ بِحَيْثُ صَارَ رَدُّهُ وَاجِبًا إلَى مَالِكِهِ الْأَوَّلِ (كَفَسْخِ مَبِيعٍ) بِأَنْ يَأْخُذَ الْأَبُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا الْوَلَدُ، ثُمَّ تُرَدُّ السِّلْعَةُ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَبُ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْوَلَدُ ثُمَّ يُفْلِسُ الْوَلَدُ بِالثَّمَنِ، وَيَحْجُرُ عَلَيْهِ، وَيَفْسَخُ الْبَائِعُ لِذَلِكَ، أَوْ يَفْسَخُ لِبَائِعِ الْعَيْبِ الثَّمَنَ بَعْدَ أَخْذِ الْأَبِ الْمَبِيعِ مِنْ وَلَدِهِ (وَطَلَاقٍ) كَأَنْ يَأْخُذَ الْأَبُ صَدَاقَ ابْنَتِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ (رَجَعَ مُسْتَحِقٌّ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (عَلَى الْوَلَدِ خَاصَّةً) دُونَ الْأَبِ؛ لِطُرُوءِ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَالٍ تَمَلَّكَهُ الْأَبُ تَمَلُّكًا تَامًّا مِنْ مَالِ وَلَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُبَاحُ لَهُ التَّمَلُّكُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فِي حَالٍ كَانَ مَالِكًا لَهُ فِيهَا، فَكَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ عَلَى الْوَلَدِ لِتَلَفِ مَالِهِ تَحْتَ يَدِهِ (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ: فَالْأَقْوَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ أَنَّ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ. انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا يَأْتِي فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ مَعَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ، وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُهُ؛ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا، لَا عَلَى أَبِيهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَلَا يَمْلِكُ) الْأَبُ (إبْرَاءَ نَفْسِهِ) مِنْ دَيْنٍ لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ، (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَمْلِكُ إبْرَاءَ (غَرِيمِ وَلَدِهِ) وَلَا تَمَلُّكُهُ مَا فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَلَا تَمَلُّكُهُ مَا فِي ذِمَّةِ غَرِيمِ وَلَدِهِ (وَلَا) يَمْلِكُ (قَبْضَهُ) - أَيْ: دَيْنَ وَلَدِهِ - (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ غَرِيمِ وَلَدِهِ - وَلَا مِنْ نَفْسِهِ (لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُهُ) - أَيْ: الدَّيْنَ - (إلَّا بِقَبْضِهِ)
стр. 2726
مِنْ غَرِيمِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِدَيْنٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ أَبٌ بِقَبْضِهِ) - أَيْ: دَيْنِ وَلَدِهِ - مِنْ غَرِيمِهِ (وَأَنْكَرَ وَلَدٌ) أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ قَبَضَ (أَوْ صَدَقَ) غَرِيمَهُ بِدَعْوَاهُ قَبْضَ الْأَبِ؛ رَجَعَ الْوَلَدُ عَلَى غَرِيمِهِ (خِلَافًا لِ) مَا يُفْهَمُ مِنْ (" الْمُنْتَهَى ") الْقَائِلُ: وَلَوْ أَقَرَّ الْأَبُ بِقَبْضِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَلَدُ؛ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَوْ صَدَقَ. فَاقْتِصَارُهُ عَلَى إنْكَارِ الْوَلَدِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَى الْوَلَدِ مَعَ تَصْدِيقِهِ الْغَرِيمَ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إذَا أَنْكَرَ الْوَلَدُ أَوْ صَدَقَ (رَجَعَ) الْوَلَدُ (عَلَى غَرِيمِهِ) بِدَيْنِهِ؛ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إلَى أَبِيهِ وَتَصْدِيقِهِ بِقَبْضِ أَبِيهِ لَا يَتَضَمَّنُ إذْنَ أَبِيهِ فِي قَبْضِهِ؛ فَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ خَالٍ عَنْ مُسَوِّغٍ شَرْعِيِّ (وَ) رَجَعَ (الْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ) بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِبَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ، لَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ. فَقَوْلُ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ مُهَنَّا: وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنِ ابْنِهِ، فَأَنْكَرَ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ وَهُوَ الْأَبُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ؛ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ.
(وَإِنْ أَوَلَدَ) أَبٌ (قَبْلَ تَمَلُّكِ جَارِيَةٍ لِوَلَدِهِ لَمْ يَطَأْهَا) الِابْنُ (صَارَتْ لَهُ) أَيْ: الْأَبِ - (أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّ إحْبَالَهُ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَطْءُ مُصَادِفًا لَلْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ (وَوَلَدُهُ) - أَيْ: الْأَبِ مِنْ أَمَةِ وَلَدِهِ - (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِوَلَدِهِ رَبِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي انْتَقَلَ مِلْكُهَا إلَيْهِ لِعُلُوقِهَا؛ فَهِيَ إنَّمَا أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِ الْأَبِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (مَهْرٌ) لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِيجَابِ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ، وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْمَهْرُ، (وَلَا حَدَّ) عَلَى أَبٍ بِوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .
(وَيُعَزَّرُ) الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا، أَشْبَهَ وَطْءَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْأَبِ - بِإِحْبَالِهِ جَارِيَةَ وَلَدِهِ (قِيمَتُهَا) لِوَلَدِهِ؛
стр. 2727
لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةٌ بِهَا، وَمَحَلُّ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْأَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ تَصِيرُ كَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ، فَتُحَرَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إنْ كَانَ الِابْنُ اسْتَوْلَدَهَا، فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ؛ إذْ أُمُّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا.
(وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا) وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا (لَمْ تَنْتَقِلْ) الْجَارِيَةُ (لِمِلْكِ أَبٍ) بِالْإِحْبَالِ (فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) - أَيْ: الْأَبِ - إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ مُلْحَقَةً بِالزَّوْجَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِالْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْبَالِ (وَلَا حَدَّ) عَلَى الْأَبِ، لِلشُّبْهَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَوْطُوءَاتِ ابْنِهِ، وَعَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ.
(وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ (وَوَلَدُهُ قِنٌّ، وَحُدَّ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْوَطْءِ، لَا يُقَالُ إنَّهُ رَحِمٌ لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْأَبِ، (وَلَيْسَ لِوَلَدِ صُلْبٍ وَلَا لِوَرَثَتِهِ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (مُطَالَبَةَ أَبٍ) .
قَالَ فِي " الْمُوجَزِ ": (فَلَا يَمْلِكُ) الْوَلَدُ (إحْضَارَهُ) - أَيْ: الْأَبِ - (لِمَجْلِسِ حُكْمٍ بَ) سَبَبِ (دَيْنٍ) كَقَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ (أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ) كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ حَرَقَهُ لِوَلَدِهِ (أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ) عَلَى وَلَدِهِ كَقَلْعِ سِنٍّ وَقَطْعِ طَرَفٍ (وَلَا) بِشَيْءٍ (غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ) كَأُجْرَةِ أَرْضٍ وَزَرْعِهَا أَوْ دَارٍ سَكَنَهَا؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ، وَلَا لِلِابْنِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْحَوَالَةَ عَلَيْهِ (إلَّا بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ) عَلَى الْأَبِ؛ لِفَقْرِ الِابْنِ وَعَجْزِهِ عَنْ التَّكَسُّبِ، فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهَا. زَادَ فِي
стр. 2728
الْوَجِيزِ ": (وَيَحْبِسُهُ هُوَ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» .
وَلِلْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ (بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (بِيَدِهِ) - أَيْ: الْأَبِ، وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ عَلَى مَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ -، وَوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَيْهِ وَحَلَّ الْوَطْءُ وَتَوْرِيثُ وَرَثَتِهِ. وَحَدِيثُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . عَلَى مَعْنَى سَلْطَنَةِ التَّمَلُّكِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الْمَالِ لِلْوَلَدِ (لَكِنْ يَثْبُتُ لَهُ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (فِي ذِمَّةِ وَالِدِهِ دَيْنٌ) مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ قَرْضٍ (وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ) إعْمَالًا لِلسَّبَبِ، فَإِنَّ مِلْكَ الْوَلَدِ تَامٌّ، وَالسَّبَبُ إمَّا إتْلَافٌ فَلِمَالِ الْغَيْرِ وَإِمَّا قَرْضٌ وَنَحْوُهُ فَعَقْدٌ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
(فَلَا يَسْقُطُ) دَيْنُ الْوَلَدِ الثَّابِتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ (بِمَوْتِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - (فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ) مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَكَذَا) لَا يَسْقُطُ (أَرْشُ جِنَايَةٍ) مِنْ الْأَبِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مَالِ الْوَلَدِ أَوْ نَفْسِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُ إحْضَارَ أَبِيهِ لِمَجْلِسِ حُكْمٍ بِدَيْنٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مِلْكِهِ الْمُطَالَبَةُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ سُقُوطَ حَقِّهِ عَنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، وَتَظْهَرُ الْفَائِدَةُ فِيمَا لَوْ وَفَّاهُ وَالِدُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي. (لَكِنْ يَسْقُطُ) أَرْشُ الْجِنَايَةِ (بِمَوْتِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - فَلَا يَرْجِعُ بِهِ فِي تِرْكَتِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا كَوْنُ الْأَبِ أَخَذَ عَنْ هَذَا عِوَضًا، بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَ) عَلَى هَذَا (يَنْبَغِي) أَنْ يَكُونَ (مِثْلَهُ دَيْنُ ضَمَانٍ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْوَالِدِ دَيْنُ الضَّمَانِ إذَا ضَمِنَ غَرِيمٌ وَلَدَهُ لَهُ (وَمَا قَضَاهُ أَبٌ مِنْ ذَلِكَ) الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ (فِي مَرَضِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - (أَوْ وَصِيِّ) الْأَبِ (بِقَضَائِهِ) مِنْ دَيْنِ وَلَدِهِ، قَالَ شَيْخُنَا أَحْمَدُ: أَوْ أُرُوشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهَا (فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلِوَلَدِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ
стр. 2729
جَدِّهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ دَيْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهَا كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَرَثَةِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِهِ، وَكَذَا الْأُمُّ تُطَالَبُ بِدَيْنِ وَلَدِهَا.
(وَمَا) (وَجَدَهُ ابْنٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبٍ) فِي تِرْكَتِهِ (مِنْ عَيْنِ مَالِهِ) - أَيْ: الِابْنِ - (الَّذِي أَقْرَضَهُ) لِأَبِيهِ (أَوْ بَاعَهُ) لَهُ (أَوْ غَصَبَهُ) الْأَبُ مِنْهُ (فَلَهُ) - أَيْ: الِابْنِ - (أَخْذُهُ) - أَيْ: مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ - دُونَ بَقِيَّةِ وَرَثَةِ الْأَبِ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ دَفَعَ) لِوَلَدِهِ (ثَمَنَهُ) لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَلَا يَكُونُ مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْأَبِ، بَلْ هُوَ لِلْوَلَدِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ.
[فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ وَمُحَابَاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(وَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَهِيَ هِبَتُهُ فِي) مَرَضٍ (غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ) كَانَ الْمَرَضُ (مَخُوفًا) كَصَحِيحٍ (أَوْ) كَانَ مَرَضُهُ (غَيْرَ مَخُوفٍ كَصُدَاعٍ) - أَيْ: وَجَعِ رَأْسٍ - وَرَمَدٍ وَ (وَجَعِ ضِرْسٍ) وَجَرَبٍ (وَحُمَّى) سَاعَةٍ أَوْ (يَوْمٍ وَإِسْهَالِ سَاعَةٍ بِلَا دَمٍ وَلَوْ صَارَ) الْمَرَضُ (مَخُوفًا وَمَاتَ بِهِ فَ) عَطِيَّتُهُ (كَصَحِيحٍ فَتَصِحُّ) عَطِيَّتُهُ (فِي كُلِّ مَالِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ وَكَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا وَبَرِئَ، وَأَمَّا الْإِسْهَالُ فَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ؛ فَهُوَ مَخُوفٌ - وَإِنْ كَانَ سَاعَةً - لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْحَرِفًا، لَكِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضْلَةِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ وَتَقْطِيعٌ؛ كَأَنْ يَخْرُجَ مُتَقَطِّعًا؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَخُوفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ، وَإِنْ دَامَ الْإِسْهَالُ فَهُوَ مَخُوفٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ رُجِعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ أَهْلِ
стр. 2730
الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ الْأَطِبَّاءُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
(وَ) عَطِيَّةُ مَرِيضٍ (فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ كَبِرْسَامٍ) - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - بُخَارٌ يَرْتَقِي إلَى الرَّأْسِ، وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَلُّ الْعَقْلُ بِهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي.
(وَذَاتِ جَنْبٍ) - قُرُوحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ - (وَوَجَعِ رِئَةٍ) فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا (وَ) وَجَعُ - (قَلْبٍ وَرُعَافٍ دَائِمٍ) لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ فَتَذْهَبُ الْقُوَّةُ (وَقِيَامِ مُتَدَارِكٍ) - وَهُوَ الْإِسْهَالُ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ - (أَوْ) إسْهَالٍ (مَعَهُ دَمٌ) لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْقُوَّةَ (وَ) مِنْ الْمَخُوفِ (كَفَالِجٍ) - وَهُوَ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيْ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَفْسُدُ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ - (فِي ابْتِدَاءِ) هـ (وَالسِّلُّ) - بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي انْتِهَاءِ) هـ (أَوْ هَاجَ بِهِ بَلْغَمٌ) لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُرُودَةِ، وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، فَيُطْفِئُهَا (أَوْ) هَاجَتْ بِهِ (صَفْرَاءُ) لِأَنَّهَا تُورِثُ يُبُوسَةً (أَوْ) هَاجَ بِهِ (قُولَنْجُ) - وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ - أَوْ هَاجَتْ بِهِ (حُمَّى مُطْبَقَةٌ) فَهَذِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ مَخُوفٌ، وَمَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا، إنْ ثَاوَرَهُ الدَّمُ وَاجْتَمَعَ فِي عُضْوٍ كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَارَةِ الْمُفْرِطَةِ (وَمَا قَالَهُ عَدْلَانِ) لَا وَاحِدٌ وَلَوْ عَدِمَ غَيْرَهُ (مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ) عِنْدَ إشْكَالِ الْمَرَضِ (أَنَّهُ مَخُوفٌ) .
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": لَيْسَ مَعْنَى الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ الْمَوْتُ مِنْهُ، أَوْ يَتَسَاوَى فِي الظَّنِّ جَانِبُ الْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا ضَرْبَ الْمَخَاضِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ، وَلَيْسَ الْهَلَاكُ غَالِبًا وَلَا مُسَاوِيًا لِلسَّلَامَةِ وَإِنَّمَا الْمَرَضُ إنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمَوْتِ، فَيُضَافُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ مَا يَكْثُرُ حُصُولُ الْمَوْتِ مِنْهُ (فَ) عَطَايَاهُ (كَوَصِيَّةٍ) فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْوَقْفِ لِلثُّلُثِ فَأَقَلَّ، وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةِ
стр. 2731
الْوَرَثَةِ فِيهِمَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (غَيْرَ أَنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا فِي الْجَمِيعِ) - أَيْ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا (قَالَهُ الْقَاضِي) .
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي الْمَوْهُوبُ لَهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ أَوْ إرْسَالُ الْمُحَابَاةِ لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ.
(وَلَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عِتْقًا) لِبَعْضِ أَرِقَّائِهِ (أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عَفْوًا عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (مُحَابَاةً فِي نَحْوِ بَيْعٍ) كَإِجَارَةٍ وَالْمُحَابَاةُ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ الْآخَرَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِبَعْضِ مَا يُقَابِلُ الْعِوَضَ؛ كَأَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَمَانِيَةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي ثَمَانِيَةً بِعَشَرَةٍ؛ فَهِيَ كَوَصِيَّةٍ فِي الْجَمِيعِ (لَا) إنْ كَانَ الصَّادِرُ مِنْ الْمَرِيضِ (كِتَابَةً) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (أَوْ) كَانَ (وَصِيَّتُهُ بِهَا) - أَيْ: كِتَابَتِهِ (بِمُحَابَاةٍ) فَالْمُحَابَاةُ فِيهِمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَفِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى ". لَكِنَّ كَلَامَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَالْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْكِتَابَةُ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَيْرِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْته لَك فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى صَاحِبِ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ مِنْ تَبِعَهُ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. انْتَهَى.
(وَمَعَ إطْلَاقٍ) أَيْ: إذْ
стр. 2732
وَصَّى السَّيِّدُ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ فُلَانٌ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى كَذَا (فَ) إنَّهُ يُكَاتَبُ (بِقِيمَتِهِ) - أَيْ: بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ الْعَبْدُ - جَمْعًا بَيْنَ حَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقِّهِ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَقَلَّ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.
[تَتِمَّةٌ تَنْفِيذ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ]
تَتِمَّةٌ: وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَا حِينَ الْعِتْقِ، فَلَوْ عَتَقَ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ أَمَةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْعِتْقِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَا تُعْتَقُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَطْعًا، لَكِنْ لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّ وَوَرِثَتْ مِنْهُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ: وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ، فَتَنَبَّهْ لَهُ.
وَإِنْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَرُمَ عَلَى الْمُتَّهِبِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَبْرَأَ الْوَاهِبُ أَوْ يَمُوتَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
(وَالْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَسُلٍّ ابْتِدَاءً) لَا فِي حَالَةِ الِانْتِهَاءِ (وَجُذَامٍ) وَحُمَّى الرِّبْعِ - وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ - (وَفَالِجٍ انْتِهَاءً) وَحُمَّى الْغِبِّ (وَهَرَمٍ) إنْ صَارَ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ (فَ هِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِلَّا) يَصِرْ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ، بَلْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ (فَلَا) تَكُونُ مَخُوفَةً وَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ فِيهِمْ، وَمَا رَوَاهُ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ مِنْ الثُّلُثِ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا صَارَا صَاحِبَا فِرَاشٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفِرَاشِ يَخْشَى تَلَفَهُ، أَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةَ.
(وَكَمَرِيضِ مَرَضِ مَوْتٍ مَخُوفٍ مَنْ) كَانَ (بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقْتَ الْتِحَامِ حَرْبٍ) هُوَ فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوْ لَا؛ لِوُجُودِ خَوْفِ التَّلَفِ (مَعَ مُكَافَأَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُكَافِئًا لِلْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ الْمُعْطِي (مِنْ
стр. 2733
الطَّائِفَةِ الْمَقْهُورَةِ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ (لَا) إنْ كَانَ الْمُعْطِي مِنْ الطَّائِفَةِ (الْقَاهِرَةِ) بَعْدَ ظُهُورِهَا، أَوْ كَانَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ لِلْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا رَمْيُ سِهَامٍ أَوْ لَا، فَلَيْسَ حَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ التَّلَفَ قَرِيبًا.
(وَمَنْ) كَانَ (بِلُجَّةِ) الْبَحْرِ (عِنْدَ الْهَيَجَانِ) أَيْ: ثَوَرَانِ الْبَحْرِ - بِهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْحَالَةَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] : (أَوْ وَقَعَ طَاعُونٌ) . قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ وَالْوَبَاءُ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ فَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَبْدَانَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْمَغَابِنِ وَغَيْرِهَا لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهَا، وَتَعُمُّ إذَا ظَهَرَتْ، وَفِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَأَمَّا الطَّاعُونُ فَوَبَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ، وَيُسَوِّدُ مَا حَوْلَهُ، وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ لِلْقَلْبِ (بِبَلَدِهِ) أَيْ: الْمُعْطِي - قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَخُوفٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كَوْنِ الطَّاعُونِ وَخْزَ أَعْدَائِنَا الْجِنِّ حِكْمَةً بَالِغَةً، فَإِنَّ أَعْدَاءَنَا شَيَاطِينُهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْهُمْ؛ فَهُمْ إخْوَانُنَا، وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِمُعَادَاةِ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَأَنْ نُحَارِبَهُمْ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا مُسَالَمَتَهُمْ وَمُوَالَاتَهُمْ، فَسَلَّطَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حَيْثُ اسْتَجَابُوا لَهُمْ حَتَّى أَغْوَوْهُمْ وَأَمَرُوهُمْ بِالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَطَاعُوهُمْ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِمْ بِالطَّعْنِ فِيهِمْ كَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ الْإِنْسِ حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْإِنْسِ، وَالطَّاعُونُ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْجِنِّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِتَسْلِيطِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ عُقُوبَةً لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَشَهَادَةً وَرَحْمَةً لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ
стр. 2734
لَهَا، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَامَّةً؛ فَتَكُونُ طُهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامًا مِنْ الْفَاجِرِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ. أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدَيْهِمَا " وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الطَّوَاعِينَ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ الْجِنَّ وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الطَّعْنُ: الْقَتْلُ بِالرُّمْحِ، وَالْوَخْزُ طَعْنٌ بِلَا نَفَاذٍ، فَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ إنَّ الطَّاعُونَ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا، وَأَنَّ سَبَبَهُ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ، وَقَدْ أَبْطَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ هَذَا بِوُجُوهٍ: مِنْهَا وُقُوعُهُ فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ مِنْ الْهَوَاءِ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ، وَنَحْنُ نَجِدُ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ يُصِيبُهُ الطَّاعُونُ، وَبِجَانِبِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَمَنْ يُشَابِهُ مِزَاجَهُ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ وَقَدْ يَأْخُذُ أَهْلَ الْبَيْتِ بِأَجْمَعِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا يُجَاوِرُهُمْ أَصْلًا، وَيَدْخُلُ بَيْتًا فَلَا يُصَابُ مِنْهُ إلَّا الْبَعْضُ، وَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَ فَسَادِ الْهَوَاءِ أَقَلَّ مِمَّا يَكُونُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ فَسَادَ الْهَوَاءِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الْأَخْلَاطِ وَكَثْرَةَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهَذَا يَقْتُلُ بِلَا مَرَضٍ أَوْ بِمَرَضٍ يَسِيرٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَعَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ بِمُدَاوَمَتِهِ الِاسْتِنْشَاقَ. وَالطَّاعُونُ إنَّمَا يَحْدُثُ فِي جُزْءٍ خَاصٍّ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ، وَلِلُزُومِ دَوَامِهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، وَيَأْتِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ وَلَا انْتِظَامٍ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ عِدَّةَ سِنِينَ.
وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَاءٍ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ دَوَاءٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهَذَا الطَّاعُونُ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ دَوَاؤُهُ حَتَّى سَلَّمَ حُذَّاقُهُمْ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ، وَلَا دَافِعَ لَهُ إلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ جَمَعَ
стр. 2735
بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْوَارِدِ وَكَلَامِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ظُهُورَ الطَّاعُونِ أَفْسَدَ الْهَوَاءَ، وَجَعَلَهُ مُتَعَفِّنًا، فَتَخْرُجُ بِسَبَبِهِ الْجِنُّ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِمْ تَتَبُّعَ الْعُفُونَاتِ، فَيَخْتَلِطُونَ بِالنَّاسِ، فَيَظْهَرُ مِنْهُمْ مَا سُلِّطُوا بِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
(أَوْ) (قَدِمَ لِقَتْلٍ) قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ فَلِمَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَوْلَى لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ حَبْسٍ لَهُ) - أَيْ: الْقَتْلِ، أَوْ حُبِسَ (أَوْ) أُسِرَ (عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتَهُمْ الْقَتْلُ فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ (أَوْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ، فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَوَصَّى فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ عَهِدَ إلَى عُمَرَ فَنَفَّذَ عَهْدَهُ، وَعَلِيٌّ ﵁ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنَ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى، فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ، وَمَعَ عَدَمِ ثَبَاتِ عَقْلِهِ لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ، بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ.
(وَحَامِلٌ عِنْدَ مَخَاضِ) - أَيْ: طَلَّقَ - نَصًّا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَشْهَرُ (مَعَ أَلَمٍ حَتَّى تَنْجُوَ) يَعْنِي مِنْ نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْمَرَضِ الْمُمْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبُ فِرَاشٍ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ وَالْمَشِيمَةُ، وَحَصَلَ هُنَاكَ وَرَمٌ أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ رَأَتْ دَمًا كَثِيرًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْجُ بَعْدُ، وَالسَّقْطُ كَالْوَلَدِ التَّامِّ.
(وَلَوْ وَضَعَتْ مُضْغَةً) فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَلَمٌ (وَ) إنْ كَانَ (ثَمَّ مَرَضٌ) أَوْ أَلَمٌ؛ فَكَمَرَضٍ (مَخُوفٍ) لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ (وَكَمَيِّتٍ) فِي الْحُكْمِ - أَيْ: مِنْ جِهَةِ عَدَمِ نُفُوذِ عَطَايَاهُ وَتَبَرُّعَاتِهِ - لَا مُطْلَقًا فَلَوْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ وَرِثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَكَلَامِ الْمُوَفَّقِ (مَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ) أَيْ: فُصِلَتْ وَأُخْرِجَتْ، لَا إنْ شُقَّتْ وَهِيَ فِي الْبَطْنِ (حُشْوَتُهُ وَهِيَ أَمْعَاؤُهُ) فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ (لَا خَرْقَهَا) وَقَطْعَهَا (فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ.
следующие страницы →