Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
الْوَرَثَةِ فِيهِمَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (غَيْرَ أَنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا فِي الْجَمِيعِ) - أَيْ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا (قَالَهُ الْقَاضِي) .
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي الْمَوْهُوبُ لَهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ أَوْ إرْسَالُ الْمُحَابَاةِ لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ.
(وَلَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عِتْقًا) لِبَعْضِ أَرِقَّائِهِ (أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عَفْوًا عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (مُحَابَاةً فِي نَحْوِ بَيْعٍ) كَإِجَارَةٍ وَالْمُحَابَاةُ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ الْآخَرَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِبَعْضِ مَا يُقَابِلُ الْعِوَضَ؛ كَأَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَمَانِيَةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي ثَمَانِيَةً بِعَشَرَةٍ؛ فَهِيَ كَوَصِيَّةٍ فِي الْجَمِيعِ (لَا) إنْ كَانَ الصَّادِرُ مِنْ الْمَرِيضِ (كِتَابَةً) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (أَوْ) كَانَ (وَصِيَّتُهُ بِهَا) - أَيْ: كِتَابَتِهِ (بِمُحَابَاةٍ) فَالْمُحَابَاةُ فِيهِمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَفِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى ". لَكِنَّ كَلَامَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَالْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْكِتَابَةُ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَيْرِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْته لَك فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى صَاحِبِ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ مِنْ تَبِعَهُ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. انْتَهَى.
(وَمَعَ إطْلَاقٍ) أَيْ: إذْ
стр. 2732
وَصَّى السَّيِّدُ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ فُلَانٌ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى كَذَا (فَ) إنَّهُ يُكَاتَبُ (بِقِيمَتِهِ) - أَيْ: بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ الْعَبْدُ - جَمْعًا بَيْنَ حَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقِّهِ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَقَلَّ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.
[تَتِمَّةٌ تَنْفِيذ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ]
تَتِمَّةٌ: وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَا حِينَ الْعِتْقِ، فَلَوْ عَتَقَ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ أَمَةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْعِتْقِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَا تُعْتَقُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَطْعًا، لَكِنْ لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّ وَوَرِثَتْ مِنْهُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ: وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ، فَتَنَبَّهْ لَهُ.
وَإِنْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَرُمَ عَلَى الْمُتَّهِبِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَبْرَأَ الْوَاهِبُ أَوْ يَمُوتَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
(وَالْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَسُلٍّ ابْتِدَاءً) لَا فِي حَالَةِ الِانْتِهَاءِ (وَجُذَامٍ) وَحُمَّى الرِّبْعِ - وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ - (وَفَالِجٍ انْتِهَاءً) وَحُمَّى الْغِبِّ (وَهَرَمٍ) إنْ صَارَ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ (فَ هِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِلَّا) يَصِرْ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ، بَلْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ (فَلَا) تَكُونُ مَخُوفَةً وَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ فِيهِمْ، وَمَا رَوَاهُ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ مِنْ الثُّلُثِ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا صَارَا صَاحِبَا فِرَاشٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفِرَاشِ يَخْشَى تَلَفَهُ، أَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةَ.
(وَكَمَرِيضِ مَرَضِ مَوْتٍ مَخُوفٍ مَنْ) كَانَ (بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقْتَ الْتِحَامِ حَرْبٍ) هُوَ فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوْ لَا؛ لِوُجُودِ خَوْفِ التَّلَفِ (مَعَ مُكَافَأَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُكَافِئًا لِلْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ الْمُعْطِي (مِنْ
стр. 2733
الطَّائِفَةِ الْمَقْهُورَةِ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ (لَا) إنْ كَانَ الْمُعْطِي مِنْ الطَّائِفَةِ (الْقَاهِرَةِ) بَعْدَ ظُهُورِهَا، أَوْ كَانَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ لِلْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا رَمْيُ سِهَامٍ أَوْ لَا، فَلَيْسَ حَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ التَّلَفَ قَرِيبًا.
(وَمَنْ) كَانَ (بِلُجَّةِ) الْبَحْرِ (عِنْدَ الْهَيَجَانِ) أَيْ: ثَوَرَانِ الْبَحْرِ - بِهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْحَالَةَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] : (أَوْ وَقَعَ طَاعُونٌ) . قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ وَالْوَبَاءُ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ فَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَبْدَانَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْمَغَابِنِ وَغَيْرِهَا لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهَا، وَتَعُمُّ إذَا ظَهَرَتْ، وَفِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَأَمَّا الطَّاعُونُ فَوَبَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ، وَيُسَوِّدُ مَا حَوْلَهُ، وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ لِلْقَلْبِ (بِبَلَدِهِ) أَيْ: الْمُعْطِي - قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَخُوفٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كَوْنِ الطَّاعُونِ وَخْزَ أَعْدَائِنَا الْجِنِّ حِكْمَةً بَالِغَةً، فَإِنَّ أَعْدَاءَنَا شَيَاطِينُهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْهُمْ؛ فَهُمْ إخْوَانُنَا، وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِمُعَادَاةِ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَأَنْ نُحَارِبَهُمْ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا مُسَالَمَتَهُمْ وَمُوَالَاتَهُمْ، فَسَلَّطَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حَيْثُ اسْتَجَابُوا لَهُمْ حَتَّى أَغْوَوْهُمْ وَأَمَرُوهُمْ بِالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَطَاعُوهُمْ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِمْ بِالطَّعْنِ فِيهِمْ كَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ الْإِنْسِ حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْإِنْسِ، وَالطَّاعُونُ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْجِنِّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِتَسْلِيطِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ عُقُوبَةً لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَشَهَادَةً وَرَحْمَةً لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ
стр. 2734
لَهَا، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَامَّةً؛ فَتَكُونُ طُهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامًا مِنْ الْفَاجِرِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ. أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدَيْهِمَا " وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الطَّوَاعِينَ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ الْجِنَّ وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الطَّعْنُ: الْقَتْلُ بِالرُّمْحِ، وَالْوَخْزُ طَعْنٌ بِلَا نَفَاذٍ، فَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ إنَّ الطَّاعُونَ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا، وَأَنَّ سَبَبَهُ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ، وَقَدْ أَبْطَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ هَذَا بِوُجُوهٍ: مِنْهَا وُقُوعُهُ فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ مِنْ الْهَوَاءِ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ، وَنَحْنُ نَجِدُ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ يُصِيبُهُ الطَّاعُونُ، وَبِجَانِبِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَمَنْ يُشَابِهُ مِزَاجَهُ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ وَقَدْ يَأْخُذُ أَهْلَ الْبَيْتِ بِأَجْمَعِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا يُجَاوِرُهُمْ أَصْلًا، وَيَدْخُلُ بَيْتًا فَلَا يُصَابُ مِنْهُ إلَّا الْبَعْضُ، وَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَ فَسَادِ الْهَوَاءِ أَقَلَّ مِمَّا يَكُونُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ فَسَادَ الْهَوَاءِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الْأَخْلَاطِ وَكَثْرَةَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهَذَا يَقْتُلُ بِلَا مَرَضٍ أَوْ بِمَرَضٍ يَسِيرٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَعَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ بِمُدَاوَمَتِهِ الِاسْتِنْشَاقَ. وَالطَّاعُونُ إنَّمَا يَحْدُثُ فِي جُزْءٍ خَاصٍّ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ، وَلِلُزُومِ دَوَامِهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، وَيَأْتِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ وَلَا انْتِظَامٍ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ عِدَّةَ سِنِينَ.
وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَاءٍ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ دَوَاءٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهَذَا الطَّاعُونُ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ دَوَاؤُهُ حَتَّى سَلَّمَ حُذَّاقُهُمْ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ، وَلَا دَافِعَ لَهُ إلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ جَمَعَ
стр. 2735
بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْوَارِدِ وَكَلَامِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ظُهُورَ الطَّاعُونِ أَفْسَدَ الْهَوَاءَ، وَجَعَلَهُ مُتَعَفِّنًا، فَتَخْرُجُ بِسَبَبِهِ الْجِنُّ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِمْ تَتَبُّعَ الْعُفُونَاتِ، فَيَخْتَلِطُونَ بِالنَّاسِ، فَيَظْهَرُ مِنْهُمْ مَا سُلِّطُوا بِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
(أَوْ) (قَدِمَ لِقَتْلٍ) قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ فَلِمَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَوْلَى لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ حَبْسٍ لَهُ) - أَيْ: الْقَتْلِ، أَوْ حُبِسَ (أَوْ) أُسِرَ (عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتَهُمْ الْقَتْلُ فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ (أَوْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ، فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَوَصَّى فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ عَهِدَ إلَى عُمَرَ فَنَفَّذَ عَهْدَهُ، وَعَلِيٌّ ﵁ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنَ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى، فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ، وَمَعَ عَدَمِ ثَبَاتِ عَقْلِهِ لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ، بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ.
(وَحَامِلٌ عِنْدَ مَخَاضِ) - أَيْ: طَلَّقَ - نَصًّا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَشْهَرُ (مَعَ أَلَمٍ حَتَّى تَنْجُوَ) يَعْنِي مِنْ نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْمَرَضِ الْمُمْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبُ فِرَاشٍ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ وَالْمَشِيمَةُ، وَحَصَلَ هُنَاكَ وَرَمٌ أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ رَأَتْ دَمًا كَثِيرًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْجُ بَعْدُ، وَالسَّقْطُ كَالْوَلَدِ التَّامِّ.
(وَلَوْ وَضَعَتْ مُضْغَةً) فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَلَمٌ (وَ) إنْ كَانَ (ثَمَّ مَرَضٌ) أَوْ أَلَمٌ؛ فَكَمَرَضٍ (مَخُوفٍ) لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ (وَكَمَيِّتٍ) فِي الْحُكْمِ - أَيْ: مِنْ جِهَةِ عَدَمِ نُفُوذِ عَطَايَاهُ وَتَبَرُّعَاتِهِ - لَا مُطْلَقًا فَلَوْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ وَرِثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَكَلَامِ الْمُوَفَّقِ (مَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ) أَيْ: فُصِلَتْ وَأُخْرِجَتْ، لَا إنْ شُقَّتْ وَهِيَ فِي الْبَطْنِ (حُشْوَتُهُ وَهِيَ أَمْعَاؤُهُ) فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ (لَا خَرْقَهَا) وَقَطْعَهَا (فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ.
стр. 2736
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ قَوْلِهِمْ وَكَمَيِّتٍ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ - (فَلَا يَرِثُ) مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ مِمَّنْ كَانَ يَرِثُهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) كَذَا قَالَ. وَعِبَارَتُهُ هُنَا لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ وَلَا لِكَلَامِهِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ إنْ خَرَجَتْ حُشْوَتُهُ، وَلَمْ تَبِنْ ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ، وَرِثَهُ، وَإِنْ أُبِينَتْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرِثُ (لِأَنَّ الْمَوْتَ زُهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ، وَلَمْ يُوجَدْ) وَلِأَنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ وَيُوَرَّثُ بِمُجَرَّدِ اسْتِهْلَالِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ أَثْبَتُ مِنْ حَيَاةِ هَذَا انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ أَنَّ مَنْ ذُبِحَ لَيْسَ كَمَيِّتٍ مَعَ بَقَاءِ رُوحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَمَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ فَقَوْلُهُ لَغْوٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ حُشْوَتُهُ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ وَعَقْلُهُ ثَابِتٌ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَعَطِيَّتُهُ وَتَبَرُّعُهُ.
(وَلَوْ عَلَّقَ) إنْسَانٌ (صَحِيحٌ عِتْقَ قِنِّهِ) عَلَى صِفَةٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ (فَوُجِدَ) شَرْطُهُ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْعِتْقَ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ، وَلَوْ كَانَ وُجُودُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (فَ) عِتْقُ الْعَبْدِ، يُعْتَبَرُ (مِنْ ثُلُثِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ) لِأَنَّ مِنْ إتْمَامِ صِحَّةِ الْهِبَةِ التَّسْلِيمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا فِي الْمَرَضِ؛ فَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.
(وَلَوْ) اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَصَاحِبُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الْعَتِيقُ؛ بِأَنْ (ادَّعَى مُتَّهِبٌ)
стр. 2737
أَنْ (الْهِبَةَ) أُعْطِيَهَا فِي الصِّحَّةِ فَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (أَوْ) ادَّعَى (مَعْتُوقٌ) صُدُورَ الْعِتْقِ (فِي الصِّحَّةِ) فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَهُ (فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ) ذَلِكَ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي الْعِتْقِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " فِي آخِرِ الْعَطِيَّةِ: وَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، وَاخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى فِي مَرَضِ الْمُعْطِي فِي رَأْسِ الشَّهْرِ فَقَوْلُ الْمُعْطَى إنَّ الْمُعْطِيَ كَانَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَرَضِ. ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَتَقَدَّمَ عَطِيَّةٌ اجْتَمَعَتْ مَعَ وَصِيَّةٍ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا مَعَ عَدَمِ إجَازَةٍ) لَهُمَا قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تُقَدَّمُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَالنَّظْمِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ (وَإِنْ لَمْ يَفِ) الثُّلُثُ (بِتَبَرُّعَاتٍ نُجِّزَتْ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ) مِنْهَا (فَالْأَوَّلِ مُرَتَّبَةً) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَتْ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى، وَاحْتُرِزَ بِالْمُنَجَّزَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ (وَ) إنْ وَقَعَتْ الْعَطَايَا الْمُنَجَّزَةِ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَبِلَهَا الْكُلُّ مَعًا، أَوْ وَكَّلُوا وَاحِدًا قَبِلَ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ؛ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ (بِالْحِصَصِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.
(وَلَوْ) كَانَتْ التَّبَرُّعَاتُ (عِتْقًا) فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ؛ لِاسْتِحْقَاقِ السَّابِقِ الثُّلُثَ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ (لَكِنْ إنْ كَانَتْ) التَّبَرُّعَاتُ (كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ، فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ) كُلَّهُ (فِي بَعْضِهِمْ) .
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَتَبِعَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (وَإِنْ) قَالَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، إنْ (أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ، ثُمَّ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (سَعْدًا؛ عَتَقَ سَعِيدٌ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الثُّلُثِ (إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) وَلَمْ يُقْرَعْ
стр. 2738
بَيْنَهُمَا؛ لِسَبْقِ عِتْقِ سَعْدٍ.
(وَلَوْ رَقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لِعَجْزِ الثُّلُثِ) عَنْ قِيمَتِهِ كُلِّهِ (فَاتَ عِتْقُ سَعِيدٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ (فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ) بَعْدَ إعْتَاقِ سَعْدٍ (مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ عَتَقَ بِقَدْرِهِ) - أَيْ: الثُّلُثِ مِنْ سَعِيدٍ - لِوُجُوبِ شَرْطِ عِتْقِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمَرِيضُ (إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ، ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ؛ عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (اثْنَانِ أَوْ) خَرَجَ (وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ؛ عَتَقَ سَعْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَأَقْرَعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرو) فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِإِيقَاعِ عِتْقِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ لِوَاحِدٍ عَلَى آخَرَ (وَلَوْ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ) عَتَقَ سَعْدٌ كَامِلًا بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو (لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا وَ) حُصُولِ (التَّشْقِيصِ) فِي (الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ،.
(وَكَذَا) لَوْ قَالَ مَرِيضٌ: (إنْ أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ) فِي حَالِ إعْتَاقِي؛ فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ (أَوْ) قَالَ: إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا (فَهُوَ) - أَيْ: سَعْدٌ - (وَعَمْرٌو حُرَّانِ) فِي (حَالِ إعْتَاقِي) فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ؛ لِجَعْلِهِ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطًا لِعِتْقِ وَحْدِهِ أَوْ مَعَ عَمْرٍو، وَلَوْ رَقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَوُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي الْمَرَضِ؛ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْإِعْتَاقِ (وَإِنْ) قَالَ مَرِيضٌ إنْ (تَزَوَّجْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَزَوَّجَ) فِي مَرَضِهِ (بِفَوْقِ مَهْرِ الْمِثْلِ) (فَ) الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (مُحَابَاةً) تُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَفِ) الثُّلُثُ (إلَّا بِهَا) - أَيْ: الْمُحَابَاةِ - (أَوْ الْعَبْدِ قُدِّمَتْ) الْمُحَابَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ؛ بِكَوْنِ التَّزْوِيجِ شَرْطًا فِي الْعِتْقِ، فَقَدْ سَبَقَتْ الْعِتْقَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا ثَبَتَتْ الْمُحَابَاةُ بِأَنْ لَا تَرِثَ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ، إمَّا لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْ الْإِرْثِ أَوْ لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهَا فِي حَيَاتِهِ، إمَّا بِمَوْتِهَا أَوْ طَلَاقِهَا وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا إنْ وَرِثَتْهُ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَثْبُتُ لَهَا إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَازِمٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي حَالِ تَزْوِيجِي، فَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ سَابِقًا؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَمَامِ التَّزْوِيجِ وَالْعِتْقُ قَبْلَ تَمَامِهِ، فَيَكُونُ سَابِقًا
стр. 2739
عَلَى الْمُحَابَاةِ فَيَتَقَدَّمُ لِهَذَا الْمَعْنَى، سِيَّمَا إذَا تَأَكَّدَ بِمَوْتِهِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ وَارِثٍ. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) مَا لَزِمَ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَلَا إسْقَاطُهُ كَ (أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ) وَجِنَايَاتِ عَبْدِهِ (وَ) مَا لَزِمَهُ مِنْ (مُعَاوَضَةٍ بِثَمَنٍ مِثْلَ) بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ (أَوْ) كَانَ (بِزَائِدٍ) يَسِيرًا بِحَيْثُ (يَتَغَابَنُ) النَّاسُ (بِهِ) - أَيْ: بِمِثْلِهِ عَادَةً (فَمِنْ رَأْسِ مَالٍ) لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لِوُقُوعِ التَّعَارُفِ بِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ مُعَاوَضَتُهُ (مَعَ وَارِثٍ) فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهَا وَلَا تُهْمَةَ
(وَإِنْ حَابَا) مَرِيضٌ (وَارِثَهُ؛ بَطَلَتْ) تَصَرُّفَاتُهُ (فِي قَدْرِهَا) - أَيْ: الْمُحَابَاةِ - لِأَنَّهَا كَالْهِبَةِ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ لِوَارِثٍ بِغَيْرِ إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَالْوَصِيَّةِ، وَهِيَ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ، فَكَذَا الْمُحَابَاةُ (وَصَحَّتْ) الْمُعَاوَضَةُ (فِي غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ قَدْرِ الْمُحَابَاةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا صَحَّ الْبَيْعُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ بَاقِي الثَّمَنِ (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمُحَابَاةُ، وَهِيَ فِي غَيْرِ قَدْرِهَا مَفْقُودَةٌ، فَلَوْ بَاعَ لِوَارِثِهِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَشَرَةٍ؛ فَلَمْ يُجِزْ بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَعَطِيَّةٍ (وَلَهُ) - أَيْ: الْمُشْتَرِي - (الْفَسْخُ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ) فَشُرِحَ لَهُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ فَسَخَ، وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ، أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءَ فِي الْكُلِّ وَتَكْمِيلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ (لَا إنْ كَانَ لَهُ) - أَيْ: الْوَارِثِ الْمُشْتَرِي - (شَفِيعٌ، وَأَخَذَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ (مِنْ وَارِثٍ) لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ وُجِدَ وَحَيْثُ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ؛ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ.
(وَلَوْ حَابَى) الْمَرِيضُ (أَجْنَبِيًّا) بِأَنْ بَاعَهُ شِقْصًا وَحَابَاهُ فِي ثَمَنِهِ، وَخَرَجَتْ الْمُحَابَاةُ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ (وَشَفِيعُهُ) - أَيْ: الْأَجِيرِ - (وَارِثٌ أَخَذَ بِهَا) - أَيْ: الشُّفْعَةِ - (إنْ لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ، فَإِنْ كَانَ
стр. 2740
كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) - أَيْ: الْوَارِثِ - مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذٍ بِهَا عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ التُّهْمَةِ مِنْ إيصَالِ الْمَالِ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ أَجَرَ) الْمَرِيضُ (نَفْسَهُ وَحَابَا الْمُسْتَأْجِرَ) وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ (مَجَّانًا) - أَيْ: مِنْ غَيْرِ رَدِّ الْمُسْتَأْجِرِ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْجَرْ نَفْسَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ، بِخِلَافِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ.
(وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُهُ) - أَيْ: ثُلُثُ مَالِ الْمُعْطِي فِي الْمَرَضِ - (عِنْدَ مَوْتٍ) لَا عِنْدَ عَطِيَّةٍ أَوْ مُحَابَاةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَصِيَّةِ، وَالثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا وَقَبُولِهَا وَرَدِّهَا؛ فَكَذَلِكَ فِي الْعَطِيَّةِ.
(فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (مَا) - أَيْ: عَبْدًا - (لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَا) - أَيْ: مَالًا - (يُخْرِجُ) الْعَبْدُ (مِنْ ثُلُثِهِ؛ تَبَيَّنَ عِتْقُهُ كُلُّهُ) لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ (وَإِنْ لَزِمَهُ) بَعْدَ عِتْقِهِ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ: الْعَتِيقُ - (لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهَا بِدَلِيلِ قَوْلِ عَلِيٍّ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَحُكْمُ هِبَتِهِ كَعِتْقِهِ.
(وَلَوْ قَضَى) مَرِيضٌ (بَعْضَ غُرَمَائِهِ) دَيْنَهُ (صَحَّ) الْقَضَاءُ (وَفَازَ) الْمَقْضِيُّ (بِهِ) - أَيْ: بِمَا اقْتَضَاهُ - وَلَمْ يَكُنْ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ، وَلَمْ يُزَاحِمْ الْبَاقُونَ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْمَقْضِيَّ، (وَلَوْ لَمْ تَفِ تِرْكَتُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ - (بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِ) لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ.
(وَإِذَا تَبَرَّعَ) الْمَرِيضُ (بِمَالٍ أَوْ عِتْقٍ ثُمَّ أَقَرَّ) بَعْدَ التَّبَرُّعِ (بِدَيْنٍ؛ لَمْ يُبْطَلْ تَبَرُّعٌ وَلَا عِتْقٌ) بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ التَّبَرُّعِ أَوْ الْعِتْقِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ.
стр. 2741
(وَلَا يُعْتَبَرُ اسْتِيلَادُ) مَرِيضٍ مَرَضًا مَخُوفًا (مِنْ الثُّلُثِ؛ فَإِنَّهُ) - أَيْ: الِاسْتِيلَادُ - (مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي مُهُورِ الْأَنْكِحَةِ وَطَيِّبَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَنَفَائِسِ الثِّيَابِ وَالتَّدَاوِي) وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالِاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إنْشَائِهِ.
(وَ) قَالَ (فِي " الِانْتِصَارِ " لَهُ) - أَيْ: الْمَرِيضِ - (لُبْسُ نَاعِمٍ وَأَكْلُ طَيِّبٍ لِحَاجَتِهِ) إلَيْهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ) - أَيْ: مَا ذَكَرَ - (لِتَفْوِيتِ) حَقِّ (الْوَرَثَةِ؛ مُنِعَ) إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَدْرِكُ كَإِتْلَافِهِ.
[تَنْبِيهٌ حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ]
(تَنْبِيهٌ) حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تَتَزَاحَمُ فِي الثُّلُثِ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَتَزَاحُمِ الْوَصَايَا. وَمِنْهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَ (تُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ) فِي الْمَرَضِ (الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ) أَحْكَامٍ.
أَحَدُهَا: (أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) - أَيْ: الْعَطَايَا - لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً (وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَوُجِدَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(وَمِنْهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةِ - (كُلُّ مَا) - أَيْ: شَيْءٍ - (عُلِّقَ بِمَوْتٍ كَ) قَوْلِ الْمَرِيضِ: (إذَا مِتُّ فَأَعْطُوا فُلَانًا كَذَا) مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ أَعْتِقُوا) رَفِيقِي (فُلَانًا) أَوْ أَمَتِي فُلَانَةَ (وَنَحْوَهُ) كَأَوْقِفُوا دَارِي وَنَحْوَهَا أَوْ أَسْكِنُوا فُلَانًا بِهَا سَنَةً.
(الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعٌ فِي عَطِيَّةٍ قُبِضَتْ) لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي وَإِنْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، لَا لِحَقِّهِ، فَلَا يَمْلِكُ إجَازَتَهَا وَلَا رَدَّهَا (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ، فَقَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ؛ فَهِيَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ وَالْقَبُولُ
стр. 2742
وَالْقَبْضُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقُبِضَتْ.
(الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُ عَطِيَّةٍ عِنْدَهَا) لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجُودِهِ؛ إذْ لَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا قَبْلَهُ.
(الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي عَطِيَّتِهِ) مِنْ حِينِ وُجُودِهَا بِشُرُوطِهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِبَةً فَمُقْتَضَاهَا تَمْلِيكُهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْحَالِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُحَابَاةً أَوْ إعْتَاقًا، وَيَكُونُ هَذَا الثُّبُوتُ (مُرَاعًى) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هَذَا مَرَضُ الْمَوْتِ أَوْ لَا؟ وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يُتْلِفُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ؟ فَتَوَقَّفْنَا لِنَعْلَمَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ لِنَعْمَلَ بِهَا، (فَإِذَا) مَاتَ وَ (خَرَجَتْ) الْعَطِيَّةُ (مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تَبْيِنًا أَنَّهُ) - أَيْ: الْمِلْكَ - (كَانَ ثَابِتًا) مِنْ حِينِ الْإِعْطَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ.
تَتِمَّةٌ: تُخَالِفُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ أَيْضًا فِي أَنَّهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ إلَّا الْعِتْقُ.
[فَصْلٌ فِي مَنْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ قِنًّا فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ]
(فَصْلٌ: وَمَنْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ قِنًّا) لِغَيْرِ وَارِثِهِ (فِي مَرَضِهِ، فَكَسَبَ) الرَّقِيقُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ، فَخَرَجَ) الرَّقِيقُ (مِنْ الثُّلُثِ فَكَسْبُ مُعْتَقٍ لَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ صَارَ حُرًّا، فَكَانَ كَسْبُهُ لَهُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ (وَ) كَانَ كَسْبُ قِنٍّ (مَوْهُوبٍ لِمُتَّهِبٍ) لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مَوْهُوبًا لَهُ.
(وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) - أَيْ: الْعَتِيقِ أَوْ الْمَوْهُوبِ - مِنْ الثُّلُثِ دُونَ بَقِيَّتِهِ (فَلَهُمَا) - أَيْ: الْعَتِيقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ - (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْ الثُّلُثِ - فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ رُبْعُ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ رُبْعُ كَسْبِهِ، وَبَاقِيه لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَالنِّصْفُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ
стр. 2743
لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ، وَبَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ، وَهَكَذَا، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ.
(فَ) مِنْ ذَلِكَ (لَوْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (قِنًّا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَكَسْبُ) الْعَتِيقِ (مِثْلُ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ؛ فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ حِينَ أَعْتَقَهُ وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ مَا تَنْفُذُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ، دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ التَّرِكَةُ تُتْبَعُ بِحِصَّةِ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الْعِتْقِ مِلْكٌ لِلْعَبْدِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، فَلَا تَدْخُلُ فِي التَّرِكَةِ، وَإِذَا اتَّسَعَتْ التَّرِكَةُ (فَيَزْدَادُ بِهِ) - أَيْ: بِكَسْبِهِ - (مَالُهُ) - أَيْ: مَالُ الْعَبْدِ - (وَتَزْدَادُ حُرِّيَّتُهُ لِذَلِكَ) الْكَسْبِ (وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ) وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا نُقْصَانُ حِصَّةِ التَّرِكَةِ (فَيَنْقُصُ) بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْ الْكَسْبِ، وَيَنْقُصُ (بِذَلِكَ قَدْرُ الْعِتْقِ مِنْهُ) فَتَزِيدُ الْحُرِّيَّةُ، فَتَدُورُ زِيَادَتُهُ عَلَى نُقْصَانِهِ، وَنُقْصَانُهُ عَلَى زِيَادَتِهِ، وَلِاسْتِخْرَاجِ الْمَقْصُودِ وَانْفِكَاكِ الدَّوْرِ طُرُقٌ حِسَابِيَّةٌ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَيُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ، فَيُقَالُ قَدْ عَتَقَ مِنْهُ) - أَيْ: الْعَبْدُ - (شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُهُ، (وَلِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ وَمِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ) لِأَنَّ لَهُمْ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحْبَسُ عَلَى الْمُكْتَسِبِ مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ (فَصَارَ) الْعَبْدُ (وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِهِ شَيْئًا وَبِكَسْبِهِ شَيْئًا؛ كَانَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ.
(يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ) غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ، (وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) أَيْ: نِصْفُ الْمُكْتَسِبِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ.
(فَلَوْ كَانَ) الْعَبْدُ (يُسَاوِي اثْنَيْ عَشَرَ، فَكَسَبَ) قَبْلَ الْوَفَاةِ (مِثْلَهَا) اثْنَيْ عَشَرَ (عَتَقَ) مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَقَدْ عَتَقَ (نِصْفُهُ وَأَخَذَ سِتَّةً) لَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ (وَلِوَارِثٍ نِصْفُهُ) - أَيْ: الْعَبْدِ - (وَسِتَّةٌ) مِنْ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ.
(وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ) مِنْ كَسْبِهِ (شَيْئَانِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلَاهُ (وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِوَارِثٍ شَيْئَانِ) فَيُقْسَمُ هُوَ وَكَسْبُهُ أَخْمَاسًا،
стр. 2744
(فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) وَهُوَ خُمْسَاهُ وَخُمُسَا كَسْبِهِ (لِوَارِثٍ) وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ؛ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ الْبَاقِي.
(وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُ نِصْفِهِ (وَلِوَارِثٍ شَيْئَانِ) فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفٍ اُبْسُطْهَا تَكُنْ سَبْعَةً.
لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا (فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ (لِوَارِثٍ) .
تَكْمِيلٌ: فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ صُرِفَ فِيهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ وَقُسِّمَ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُعْتَقِ نِصْفَيْنِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكَسْبِ.
فَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ مِثْلَ قِيمَتِهِ وَلِلسَّيِّدِ مَالٌ مِثْلُ قِيمَتِهِ؛ قَسَمْتَ الْعَبْدَ وَمِثْلَ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ: فَلِكُلِّ شَيْءٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، فَيُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَكَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ قِيمَتِهِ؛ لَكَمُلَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، وَيُقْسَمُ الْعَبْدَانِ وَكَسْبُهُمَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِعِتْقِ الْأَدْنَى عَتَقَ كُلُّهُ، وَأَخَذَ كَسْبَهُ، وَتَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَكَسْبِهِ مِثْلَيْ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ وَهُوَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ رُبْعُهُ، وَلَهُ رُبْعُ كَسْبِهِ [وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ] ، وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ وَذَلِكَ مِثْلَا مَا انْعَتَقَ مِنْهُمَا، وَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ دَفْعَةً وَاحِدَةً قَرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِإِعْتَاقِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ أَحَدِهِمْ وَكَسْبُ أَحَدِهِمْ مِثْلُ قِيمَتِهِ؛ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ الدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ؛ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ
стр. 2745
أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُكْتَسِبِ وَالْآخَرِ لِأَجْلِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ؛ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالْمُكْتَسِبُ وَمَالُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَبَاقِيهِ وَبَاقِي كَسْبِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُكْتَسِبِ لَقَضَيْنَا الدَّيْنَ بِنِصْفِهِ وَنِصْفِ كَسْبِهِ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ بَاقِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِهِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَلِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ بَاقِيهِ، وَأَخَذَ بَاقِي كَسْبِهِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِتْمَامِ الثُّلُثِ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ.
(وَ) يَكُونُ الْحُكْمُ (فِي هِبَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ) مِنْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ (وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ الْمِلْكَ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَكَسَبَ تِسْعَةً فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، وَلِلْوَرَثَةِ مِائَتَا شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَهُ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَا جُزْءٍ مِنْ كَسْبِهِ.
فَرْعٌ: رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ الْقِيمَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فِي حَيَاتِهِ؛ أَقْرَعَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْحَيُّ رَقِيقٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ نِصْفُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَعَ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ؛ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا) الْمُعْتِقُ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً (وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتُهَا فَ) هُوَ (كَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ) أَيْ: فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا (فَيُعْتَقُ) مِنْهَا (ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، سُبْعٌ بِمَا مَلَكَتْهُ) مِنْ نَفْسِهَا بِحَقِّهَا (مِنْ مَهْرِهَا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِأَحَدٍ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ
стр. 2746
عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ (وَسُبْعَانِ) يُعْتَقَانِ (بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ) . قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ، ذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ وَالْمَهْرِ يَنْقُصُهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ. وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
(وَلَوْ وَهَبَهَا) الْمَرِيضُ (لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ) أَيْضًا غَيْرَهَا (فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا جَمِيعًا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ شَيْئَانِ) فَاضْرِبْ الشَّيْئَيْنِ وَالثُّلُثَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ؛ تَكُنْ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ (فَلَهُمْ) - أَيْ: لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ - (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا) شَيْئَانِ، وَإِنْ شِئْت قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ، وَهِبَةُ الثَّانِي صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ. اضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ تِسْعَةً، أَسْقِطْ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ؛ بَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ؛ وَطَرِيقُهَا بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجَارِيَةِ، فَبَقِيَتْ جَارِيَةٌ إلَّا شَيْئًا، وَصَحَّتْ هِبَةُ الثَّانِي فِي ثُلُثِ الشَّيْءِ يَبْقَى مَعَ الْأَوَّلِ جَارِيَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ ضِعْفَ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَتُهُ، وَهُوَ شَيْءٌ، وَضِعْفُهُ شَيْئَانِ، فَتُجْبَرُ الْجَارِيَةُ بِزِيَادَةِ ثُلُثَيْ شَيْءٍ، وَتُقَابَلُ بِزِيَادَتِهِمَا الشَّيْئَيْنِ، فَتَبْقَى جَارِيَةٌ كَامِلَةٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَثُلُثَيْ شَيْءٍ، فَتُقْسَمُ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأَشْيَاءِ فَتَقُولُ وَاحِدُ عَلَى اثْنَيْنِ وَثُلُثَيْنِ، وَيَخْرُجُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الْأَوَّلِ، فَيَبْقَى مَعَهُ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الْجَارِيَةِ، وَصَحَّتْ هِبَةُ الثَّانِي فِي ثُلُثِ ثَلَاثَةِ الْأَثْمَانِ، فَيَجْتَمِعُ مَعَ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ سِتَّةُ أَثْمَانٍ، وَهُوَ ضِعْفُ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الْأَوَّلِ، وَمَعَ وَرَثَةِ الثَّانِي ثُمْنَانِ وَهُمَا ضِعْفُ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الثَّانِي.
(وَلَوْ) (بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي) الْقَفِيزُ (ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ) مِنْ جِنْسِهِ (يُسَاوِي عَشَرَةً، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) ، فَيُحْتَاجُ إلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ بِجُزْءٍ
стр. 2747
مِنْهُ مَعَ التَّخَلُّصِ مِنْ الرِّبَا؛ لِامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا (فَأَسْقِطْ) عَشَرَةً (قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ) ثَلَاثِينَ (قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ اُنْسُبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْإِسْقَاطِ، وَهُوَ) - أَيْ: الثُّلُثُ - (عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ) الَّتِي هِيَ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ (تَجِدْهُ) - أَيْ: الثُّلُثَ - (نِصْفَهَا) - أَيْ: الْعِشْرِينَ - (فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ) الْقَفِيزِ (الْجَيِّدِ بِنِصْفِ) الْقَفِيزِ (الرَّدِيءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَبْطُلُ) الْبَيْعُ (فِيمَا بَقِيَ) بَعْدَ نِصْفِهَا؛ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْجَيِّدِ بِقِيمَةِ الرَّدِيءِ، وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ (لِئَلَّا يُفْضِيَ) تَصْحِيحُ الْبَيْعِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِأَقَلَّ مِنْ الْآخَرِ (إلَى رِبَا الْفَضْلِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ بَيْعَ ثُلُثِ الْجَيِّدِ بِكُلِّ الرَّدِيءِ، وَذَلِكَ رِبًا (وَ) لَا شَيْءَ (لِمُشْتَرٍ) سِوَى (الْخِيَارِ) لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَإِنْ شِئْتَ) فِي عَمَلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَاضْرِبْ مَا حَابَاهُ) بِهِ، وَهُوَ عِشْرُونَ (فِي ثَلَاثَةٍ) مَخْرَجُ الثُّلُثِ (يَبْلُغُ سِتِّينَ، وَنِسْبَةُ قِيمَةِ جَيِّدٍ) ثَلَاثِينَ (إلَيْهَا) فَهُوَ (نِصْفٌ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُ نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ الثُّلُثَانِ، وَمَخْرَجُهُمَا ثَلَاثَةٌ، فَخُذْ لِمُشْتَرٍ سَهْمَيْنِ مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الْمَخْرَجِ - وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةُ) مِثْلَا مَا لِلْمُشْتَرِي (ثُمَّ اُنْسُبْ الْمَخْرَجَ) وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (إلَى الْكُلِّ) وَهُوَ السِّتَّةُ تَجِدْهُ (بِالنِّصْفِ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُ) نِصْفِ (أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ الْآخَرِ) وَإِنْ شِئْت فَانْسُبْ ثُلُثَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَثُلُثُهُ عَشَرَةٌ، فَانْسُبْهُمَا مِنْ الْمُحَابَاةِ وَهِيَ عِشْرُونَ؛ تَكُنْ النِّصْفَ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ، وَهُوَ هُنَا نِصْفُ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ.
وَبِطَرِيقِ الْجَبْرِ يُقَالُ يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْنَى قِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ مِنْ الْجَيِّدِ، فَأَلْقِهَا مِنْهُ يَبْقَ قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ تَعْدِلُ مِثْلَ الْمُحَابَاةِ مِنْهُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ، فَإِذَا جَبَرْت وَقَابَلْت عَدْلَ شَيْئَيْنِ؛ فَالشَّيْءُ نِصْفُ قَفِيزٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرِينَ
стр. 2748
صَحَّتْ فِي جَمِيعِ الْجَيِّدِ بِجَمِيعِ الرَّدِيءِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَاعْمَلْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، يَصِحُّ بَيْعُ ثُلُثَيْ الْجَيِّدِ بِثُلُثِ الرَّدِيءِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ.
(فَلَوْ لَمْ يُفِضْ إلَى رِبَا كَعَبْدٍ) بَاعَهُ الْمَرِيضُ (يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَبْدٍ يُسَاوِي عَشَرَةً) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الْمُحَابَاةَ (صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ - (بِالْعَشَرَةِ) - أَيْ: بِالْعَبْدِ الْمُسَاوِي لَهَا - (وَالثُّلُثَانِ) مِنْ الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ (كَالْهِبَةِ) لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لَهُمَا (لِلْمُبْتَاعِ نِصْفُهَا) وَهُوَ عَشَرَةٌ يَرُدُّهُ الْأَجْنَبِيُّ، وَيَأْخُذُ عَشَرَةً بِالْمُحَابَاةِ (وَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ مَعَ وَارِثٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ بِالْعَشَرَةِ - (وَلَا مُحَابَاةَ) حَيْثُ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ فَسْخُ الْبَيْعِ؛ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(وَإِنْ) (أَقَالَ) الْمَرِيضُ فِي عَقْدٍ سَلَمٍ (مَنْ أَسْلَمَهُ عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ مَثَلًا (فِي كُرٍّ) جَمْعُهُ أَكْرَارَ كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ (حِنْطَةٍ وَقِيمَتُهُ) - أَيْ: الْكُرِّ - (عِنْدَ الْإِقَالَةِ ثَلَاثُونَ) مِنْ جِنْسِ الْعَشَرَةِ، وَلَا مِلْكَ لَهُ غَيْرُ الْكُرِّ (صَحَّتْ) الْإِقَالَةُ (فِي نِصْفِهِ) - أَيْ: الْكُرِّ - (بِخَمْسَةٍ) مِنْ الْعَشَرَةِ، وَكَانَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ جَيِّدٍ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ يُسَاوِي عَشَرَةَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَنْ تُسْقِطَ قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، وَتَنْسِبَ الثُّلُثَ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ إلَى الْبَاقِي مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ بَعْدَ إسْقَاطِ قِيمَةِ الرَّدِيءِ مِنْهُ، فَأُسْقِطَ هُنَا قِيمَةُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ قِيمَةِ الْكُرِّ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَبْقَى عِشْرُونَ، اُنْسُبْ إلَيْهَا الثُّلُثَ وَهُوَ عَشَرَةٌ يَكُنْ نِصْفُ فَتْحِ الْإِقَالَةِ فِي نِصْفِ الْكُرِّ بِنِصْفِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ صِحَّتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ إلَّا إنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَارِثًا، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعُ الْوَارِثِ.
(وَإِنْ) (أَصْدَقَ) الْمَرِيضُ (امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا) - أَيْ:
стр. 2749
الْمَرْأَةِ (خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ) تَحْتَهُ، ثُمَّ وَرِثَهَا (ثُمَّ مَاتَ) وَلَمْ يُخْلِفْ غَيْرَ مَا أَصْدَقَهَا؛ دَخَلَهَا الدَّوْرُ (فَ) نَقُولُ (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ) الَّتِي هِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا (وَ) لَهَا (شَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ) بَقِيَ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ (رَجَعَ إلَيْهِ) - أَيْ: الزَّوْجِ - (نِصْفُهُ) - أَيْ: الَّذِي لَهَا - وَهُوَ الْخَمْسَةُ وَ (شَيْءٌ بِمَوْتِهَا) وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةٌ إلَّا نِصْفِ شَيْءٍ، وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ) لِأَنَّهُ مِثْلَا مَا اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ (اُجْبُرْهُمَا) - أَيْ: الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ (بِنِصْفِ شَيْءٍ) بِأَنْ تُقَدِّرَ إضَافَةَ نِصْفِ شَيْءٍ إلَى ذَلِكَ، فَتَصِيرَ سَبْعَةً وَنِصْفًا تَامَّةً (وَقَابِلْ) الْجَبْرَ بِتَقْدِيرِ إضَافَةِ نِصْفِ شَيْءٍ عَلَى الشَّيْئَيْنِ، فَتَصِيرُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا (يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً) لِأَنَّ السِّتَّةَ تُقَابِلُ شَيْئَيْنِ، وَالْوَاحِدُ وَنِصْفٌ تَكْمِلَةُ السَّبْعَةِ وَنِصْفٌ تُقَابِلُ نِصْفَ شَيْءٍ (فَلِوَرَثَتِهِ) - أَيْ: الزَّوْجِ - (سِتَّةٌ) لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهَا كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ وَهُوَ - أَيْ: الشَّيْءُ - ثَلَاثَةٌ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ رَجَعَ إلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَالطَّرِيقُ فِي هَذَا أَنْ تَنْظُرَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فَخُمُسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا وَالشَّيْءُ هُوَ خُمْسَاهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْقَطْتَ خَمْسَةً وَأَخَذْتَ نِصْفَ مَا بَقِيَ (وَإِنْ مَاتَ) زَوْجُهَا (قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) - أَيْ: وَرِثَتْ - فَرْضَهَا مِنْهُ بِالزَّوْجِيَّةِ (وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ) فَلَا تَصِحُّ نَصًّا إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ، فَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ لِنَحْوِ مُخَالَفَةِ دِينٍ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ وَهَبَ زَوْجَتَهُ كُلَّ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ) ثُمَّ مَاتَ (فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلِوَرَثَتِهَا خُمْسُهُ) وَطَرِيقُهُ بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ؛ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ، فَإِذَا أَجْبَرَتْ، وَقَابَلَتْ خَرَجَ الشَّيْءُ خُمْسَيْ الْمَالِ وَهُوَ مَا صَحَّتْ فِيهِ
стр. 2750
الْهِبَةُ، فَيَحْصُلُ لِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، وَلِعَصَبَتِهَا خُمُسُهُ انْتَهَى.
وَوَجْهُ إفْضَاءِ ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ أَنَّا تَبَيَّنَّا بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الْهِبَةَ لِغَيْرِ وَارِثٍ؛ فَتَصِحُّ فِي ثُلُثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَدْ صَحَّتْ فِي قَدْرٍ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْهِبَةِ، وَعَادَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ بِالْمِيرَاثِ، وَيَزِيدُ ثُلُثُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا زَادَ ثُلُثُهُ زَادَ الْقَدْرُ الَّذِي صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ فَيَدُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ حَتَّى يُعْلَمَ الْمِيرَاثُ، وَلَا يُعْلَمُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ، فَيُعْمَلُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ، لِأَنَّهَا تُخْرِجُ الْمَجْهُولَاتِ؛ إذْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ، فَيُقَالُ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَجْهُولِ الْقَدْرِ، وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ، فَيَبْقَى لِوَرَثَتِهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِوَرَثَتِهِ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ؛ لِأَنَّا صَحَّحْنَا الْهِبَةَ فِي شَيْءٍ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ مِثْلَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ، وَبَقِيَ لِوَرَثَتِهِ ثُلُثَاهُ، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ شَيْئًا يَكُونُ الثُّلُثَانِ شَيْئَيْنِ، فَاجْبُرْ الْمَالَ بِنِصْفِ شَيْءٍ، وَقَابِلْ بِأَنْ تَزِيدَ عَلَى مَا يُعَادِلُهُ نِصْفَ شَيْءٍ مِثْلَ مَا جَبَرَتْ بِهِ، يَصِيرُ الْمَالُ كُلُّهُ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفَ شَيْءٍ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ خُمْسَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِوَرَثَةِ الزَّوْجِ الشَّيْئَيْنِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْمَالِ، وَلِعَصَبَتِهَا نِصْفُ شَيْءٍ وَهُوَ خُمْسُ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ حُكْمُ إقْرَارِ الْمَرِيضِ]
(فَصْلٌ: وَلَوْ) (أَقَرَّ) مَرِيضٌ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي صِحَّتِهِ حَالَ كَوْنِ إقْرَارِهِ (بِمَرَضِهِ) أَيْ: مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (أَنَّهُ أَعْتَقَ نَحْوَ ابْنِ عَمِّهِ) كَابْنِ ابْنِ عَمِّهِ، أَوْ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوِهِ (فِي) حَالِ (صِحَّتِهِ) عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَوَرِثَهُ
(أَوْ مَلَكَ) الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَخِيهِ وَأَبِيهِ، وَكَانَ مِلْكُهُ لِذَلِكَ فِي الْمَرَضِ (بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةِ عَتَقَ) الْمُقَرُّ بِعِتْقِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْحَادِثِ مِلْكُهُ بِالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِيهِ، إذْ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطِيَّةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ؛ فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشَّرْعِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ لِشَيْءٍ تَلِفَ بِتَحْصِيلِهِ، فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ الشَّيْءِ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ، وَفَارَقَ الشِّرَاءَ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ
стр. 2751
فِي ثَمَنِهِ (وَوَرِثَ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ بِهِ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، وَإِلَّا لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ (فَلَوْ) (اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (نَحْوَ ابْنِهِ) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِمِائَةٍ) وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا سِوَى مِائَتَيْنِ (وَ) هُوَ (يُسَاوِي أَلْفًا) فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمَرِيضِ، وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: فَلَا يُحْتَسَبُ بِهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَا عَلَيْهَا، وَعَتَقَ بِالشِّرَاءِ إنْ خَرَجَ ثَمَنُهُ مِنْ الثُّلُثِ (وَتَحْسِبُ الثَّمَنَ) الَّذِي هُوَ الْمِائَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
(وَثَمَنُ كُلِّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمَرِيضِ - إذَا اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ، فَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَتِيقُ أَجْنَبِيًّا.
فَلَوْ كَانَ ابْنًا وَاشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَلَهُ غَيْرُهُ ابْنٌ حُرٌّ وَأَلْفَانِ؛ عَتَقَ وَشَارَكَ أَخَاهُ فِي الْأَلْفَيْنِ.
(وَيَرِثُ) مِنْ الْمَرِيضِ ذُو رَحِمِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ مِنْ ثُلُثِهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ أَشْبَهَ غَيْرَهُ (فَلَوْ اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (أَبَاهُ بِكُلِّ مَالِهِ) وَمَاتَ (وَتَرَكَ ابْنًا عَتَقَ ثُلُثُ الْأَبِ بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ) - أَيْ: الثُّلُثِ - لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرَ لِسَبَبِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) الْأَبُ (بِثُلُثِهِ الْحُرِّ مِنْ نَفْسِهِ ثُلُثَ سُدُسِ بَاقِيهَا الْمَوْقُوفِ) لِأَنَّ فَرْضَهُ السُّدُسُ لَوْ كَانَ تَامَّ الْحُرِّيَّةِ، فَلَهُ بِثُلُثِهَا ثُلُثُ السُّدُسِ (وَلَا وَلَاءَ) لِأَحَدٍ (عَلَى هَذَا الْجُزْءِ) الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ نَفْسِهِ (وَبَقِيَّةُ الثُّلُثَيْنِ) وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْأَبِ وَثُلُثَا سُدُسِهِ (تَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ) بِمِلْكِهِ لَهَا مِنْ جَدِّهِ (وَلَهُ وَلَاؤُهَا) لِعِتْقِهَا عَلَيْهِ (وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، تِسْعَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الثُّلُثُ تَعْتِقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا، وَسَهْمٌ مِنْهَا يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِأَحَدٍ، (وَهُوَ ثُلُثُ سُدُسِ الثُّلُثَيْنِ، وَيَبْقَى سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلِابْنِ تَعْتِقُ عَلَيْهِ) وَلَهُ وَلَاؤُهَا.
(وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْمَرِيضُ أَبَاهُ وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ (تِسْعَةُ دَنَانِيرَ، وَقِيمَتُهُ) - أَيْ: الْأَبِ (سِتَّةٌ؛ تَحَاصَّا) - أَيْ: الْبَائِعُ وَالْأَبُ فِي ثُلُثِ التِّسْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ مُقَارِنٌ لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِثَمَنِهِ، فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ عَطِيَّتَانِ مِنْ عَطَايَا الْمَرِيضِ، مُحَابَاةُ الْبَائِعِ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَعِتْقُ الْأَبِ.
стр. 2752
وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَطِيَّةٌ مُنَجَّزَةٌ، فَتَحَاصَّا لِتَقَارُنِهِمَا (فَكَانَ ثُلُثُ الثُّلُثِ) - وَهُوَ دِينَارٌ - (لِلْبَائِعِ مُحَابَاةً، وَثُلُثَاهُ لِلْأَبِ عِتْقًا يُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ) مِنْ الْمُحَابَاةِ (دِينَارَيْنِ) لِبُطْلَانِهِمَا فِيهِمَا (وَيَكُونُ ثُلُثَا) رَقَبَةِ (الْأَبِ مَعَ الدِّينَارَيْنِ) اللَّذَيْنِ رَدَّهُمَا الْبَائِعُ (مِيرَاثًا) يَرِثُ مِنْهُ الْأَبُ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ ثُلُثَ سُدُسِ ذَلِكَ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بَاقِي جَدِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ عَتَقَ) مَنْ اشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَقَارِبِهِ (عَلَى وَارِثِهِ) دُونَهُ؛ بِأَنْ يَكُونَ أَخًا لِابْنِ عَمِّهِ الْوَارِثِ لَهُ، فَاشْتَرَاهُ (صَحَّ) شِرَاؤُهُ (وَعَتَقَ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى أَخِيهِ - لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِإِرْثِهِ لَهُ مِنْ ابْن عَمِّهِ، فَلَا يَرِثُ مَعَهُ (وَإِنْ دَبَّرَ) الْمَرِيضُ (نَحْوَ ابْنِ عَمِّهِ) كَابْنِ عَمِّ أَبِيهِ (عَتَقَ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَرِثْ) مِنْهُ (لِأَنَّ الْإِرْثَ قَارَنَ الْحُرِّيَّةَ وَلَا سَبْقَ) فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِرْثِ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِ (أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي) ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ؛ (عَتَقَ) ابْنُ عَمِّهِ وَنَحْوُهُ؛ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ، بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِمَوْتِ قَرِيبِهِ؛ كَمَنْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: إنْ مَاتَ أَخُوك الْحُرُّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِذَا مَاتَ أَخُوهُ عَتَقَ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُرًّا حَالَ الْإِرْثِ (وَلَيْسَ عِتْقُهُ) - أَيْ: الْمَقُولِ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي - (وَصِيَّةٌ) لَهُ حَتَّى يَكُونَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَا إنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ) قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ (مَعَهُ) - أَيْ: مَعَ مَوْتِي؛ لَمْ يَرِثْ لِمُقَارَنَةِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ، وَعَدَمِ سَبْقِهَا لَهُ.
(وَلَوْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ) ثُمَّ مَاتَ، (وَرِثَتْهُ) نَصًّا حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَعَتَقَتْ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، وَصَحَّ النِّكَاحُ) لِحُرِّيَّتِهَا التَّامَّةِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " بِتَحْرِيمِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ؛ إذْ الصِّحَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّحْرِيمِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ) مِنْهَا (قَدْرُهُ) - أَيْ: قَدْرُ مَا يُقَابِلُ الثُّلُثَ - كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَبَطَلَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهُ قَدْ
стр. 2753
تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَكَحَ مُبَعَّضَةً يَمْلِكُ بَعْضَهَا، فَيَبْطُلُ إرْثُهَا لِبُطْلَانِ سَبَبِهِ، وَهُوَ النِّكَاحُ.
(وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، ثُمَّ مَاتَ؛ صَحَّ الْعِتْقُ) وَالنِّكَاحُ (وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، فَيَبْطُلُ صَدَاقُهَا) لِأَنَّهَا إذَا اسْتَحَقَّتْ الصَّدَاقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوَى قِيمَةِ الْأَمَةِ الْمُقَدَّرِ بَقَاؤُهَا، فَلَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي كُلِّهَا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بَطَلَ الصَّدَاقُ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَأَصْدَقَ الْمِائَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةً وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مَالٌ صَحَّ الْإِصْدَاقُ، وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَوْتِ، وَحَالَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَتْ الْمِائَتَانِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
(وَلَوْ تَبَرَّعَ) الْمَرِيضُ (بِثُلُثِهِ) فِي الْمَرَضِ (ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ وَنَحْوَهُ) كَأُمِّهِ وَأَخِيهِ (مِنْ الثُّلُثَيْنِ؛ صَحَّ الشِّرَاءُ) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ (وَلَا عِتْقَ) لِمَا اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْوَرَثَةِ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ (فَإِذَا مَاتَ) الْمَرِيضُ (عَتَقَ) الْأَبُ وَنَحْوُهُ (عَلَى وَارِثِهِ) لِمِلْكِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَعَتَقَ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ (إنْ كَانَ) الَّذِي اشْتَرَاهُ (مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى وَارِثِ الْمَرِيضِ - كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَبًا لِلْمَرِيضِ أَوْ أُمًّا لَهُ، وَالْوَارِثُ ابْنًا لَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَدُّهُ أَوْ جَدَّتُهُ (وَلَا إرْثَ لَهُ) - أَيْ: الْعَتِيقِ إذَنْ (لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ) بَلْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ حُرِّيَّةُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ.
[تَتِمَّةٌ مَرِيضَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَتَزَوَّجَهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَفَتْ مِائَةً]
تَتِمَّةٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَرِيضَةً أَعْتَقْتَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَتَزَوَّجَهَا بِعَشَرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ، وَخَلَفَتْ مِائَةً اقْتَضَى قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنْ تَضُمَّ الْعَشَرَةَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمِائَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ التَّرِكَةُ، وَيَرِثُ نِصْفَ ذَلِكَ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ.
стр. 2754
[كِتَابُ الْوَصِيَّةِ]
(كِتَابُ الْوَصِيَّةِ) يُقَالُ: وَصَّى تَوْصِيَةً وَأَوْصَى إيصَاءً وَالِاسْمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ وَالْوِصَايَةُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا - وَالْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ. وَأَصْلُهُ وَصَائِيٌّ - بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ - بَعْدَ الْمَدِّ تَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ، وَقُلِبَتْ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَصَارَ: وَصَاآ فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ فَقَلَبُوهَا يَاءً فَصَارَ وَصَايَا. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَوْ قِيلَ: إنَّ جَمْعَهُ فَعَالَى، وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ لَكَانَ حَسَنًا انْتَهَى.
وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أَصِيهِ إذَا وَصَلْتُهُ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ وَصَلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ مَمَاتِهِ. وَالْوَصِيَّةُ لُغَةً: الْأَمْرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١] : وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ. وَشَرْعًا: (الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) كَأَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ أَوْ غَسْلِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ الْكَلَامِ عَلَى صِغَارِ أَوْلَادِهِ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ وَنَحْوَهُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ ﵊: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ
стр. 2755
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أَوْ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ وَقَالَا فِيهِ: " سَبْعِينَ سَنَةً ".
وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَوَصَّى بِهَا عُمَرُ إلَى أَهْلِ الشُّورَى.
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ مِنْ مَالِهِ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الْمَوْتِ مُخْرِجٌ لِلْوَكَالَةِ، وَلَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ لِأَجْنَبِيٍّ؛ لِعَدَمِ دَلِيلِ وُجُوبِهَا، وَلَا لِقَرِيبٍ. وَآيَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] مَنْسُوخَةٌ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْحَدُّ السَّابِقُ لِأَحَدِ نَوْعَيْ الْوَصِيَّةِ وَذَكَرَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَ) الْوَصِيَّةُ (بِمَالٍ: التَّبَرُّعِ بِهِ) - أَيْ: الْمَالِ - (بَعْدَ الْمَوْتِ) ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ؛ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَعْمَلُ بِالْخَطِّ إذَا عَرَفَ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةِ - (الْقُرْبَةُ؛ لِصِحَّتِهَا لِنَحْوِ حَرْبِيٍّ) بِدَارِ حَرْبٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ كَمَا تَصِحُّ هِبَتُهُ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَالذِّمِّيِّ.
(وَ) تَصِحُّ (لِمُرْتَدٍّ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَيَأْتِي.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مُطْلَقَةً كَأَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا وَ) تَصِحُّ (مُقَيَّدَةً كَإِنْ مِتُّ فِي مَرَضِي) هَذَا (أَوْ بَلَدِي) هَذَا أَوْ عَامِي (هَذَا) فَلِزَيْدٍ كَذَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْلِكُ تَنْجِيزَهُ، فَمَلَكَ تَعْلِيقَهُ كَالْعِتْقِ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ مُوصٍ وَوَصِيَّةٌ وَمُوصَى بِهِ وَمُوصَى لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ كُلِّ) إنْسَانٍ (عَاقِلٍ) رَشِيدٍ (لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ) . قَالَهُ
стр. 2756
فِي " الْكَافِي " فَإِنْ عَايَنَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ.
قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ " الرِّعَايَةِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَلَكُ أَوْ مَا دَامَ مُكَلَّفًا أَوْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، أَيْ تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ؟ قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالصَّوَابُ: تُقْبَلُ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا. وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغْت الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» .
وَقَالَ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": إمَّا مِنْ عِنْدِهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْ الْخَطَّابِيِّ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ إذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً؛ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُوصِي (مُمَيِّزًا يَعْقِلُهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ وَوَرَثَتُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إلَّا ابْنَةَ عَمٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلْيُوصِ لَهَا، فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ: بِئْرُ جُشَمَ قَالَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، فَبَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يُحَصَّلُ ثَوَابُهَا لَهُ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْ مِلْكِهِ وَمَالِهِ، فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ الْمُنْجَزِ، فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ مِنْ مَالٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَإِذَا رُدَّتْ رَجَعَتْ إلَيْهِ وَهَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالرَّدِّ، فَإِذَا وَصَّى بِوَصِيَّةٍ يَصِحُّ مِثْلُهَا مِنْ الْبَالِغِ صَحَّتْ مِنْهُ، وَمَا لَا فَلَا.
قَالَ شُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةُ وَهُمَا قَاضِيَانِ: مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ أَجَزْنَا وَصِيَّتَهُ (أَوْ) كَانَ الْمُوصِي (كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا) رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ هِبَتُهُ صَحِيحَةٌ فَوَصِيَّتُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (أَوْ) كَانَ (قِنًّا) أَوْ مُدَبِّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي غَيْرِ مَالٍ
стр. 2757
لِأَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَأَمَّا وَصِيَّتَهُمْ فِي الْمَالِ إنْ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِمْ. وَمَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ كَالْفَقِيرِ إذَا وَصَّى وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ (أَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) وَوَصَّى (بِمَالٍ) فَتَصِحُّ؛ لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَعِبَادَاتِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْوَصِيَّةِ إضَاعَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ثَوَابُهُ لَهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ (عَلَى وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دُيُونِهِ (أَوْ) كَانَ (أَخْرَسَ) فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ (بِإِشَارَةٍ تُفْهَمُ) ؛ لِأَنَّ تَعْبِيرَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ عُرْفًا، فَهِيَ كَاللَّفْظِ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إنْ كَانَ الْمُوصِي (مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ) بِإِشَارَةٍ - وَلَوْ فُهِمَتْ - (إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ كَقَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ؛ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِمَا فِي " مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قِيلَ لَهَا فِي مَرَضِهَا أَوْصِي بِكَذَا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا؛ فَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ (سَكْرَانَ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ وَطَلَاقُهُ إنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (مُبَرْسَمًا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا، وَوَصَّى فِي إفَاقَتِهِ؛ صَحَّتْ.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ طِفْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْوَصِيَّةَ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.
[فَائِدَةٌ الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إنْ مَنَعَ ضَعْفُهُ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ]
ِ؛ فَكَسَفِيهٍ تَصِحُّ
стр. 2758
وَصِيَّتُهُ فِي مَالِهِ، لَا عَلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ رُشْدَهُ؛ فَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِخَطٍّ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ مُوصٍ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ) أَنَّهُ خَطُّهُ (أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ) وَيُعْمَلُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا وَجَدَ فِي دَفْتَرِ مُوَرِّثِهِ [إنَّ] لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا؛ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِهِ: إنِّي أَدَّيْت إلَى فُلَانٍ مَا عَلَيَّ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ إنْ وَثِقَ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وَأَمَانَتِهِ.
وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمَعْرُوفِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ إذَا وُجِدَ فِي دَفْتَرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» .
وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا: «بِأَنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ مُلْزِمًا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ» وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ إنْ كَانَ عُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورٌ الْخَطُّ يَنْفُذُ مَا فِيهَا. فَإِنَّهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالشُّهْرَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِمُعَايَنَةِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِلْقَاضِي حَيْثُ اعْتَبَرَ مُعَايَنَةَ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِنِسْبَةِ الْخَطِّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ فِي النَّفْسِ اسْتِقْرَارًا لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ كَمَا يَأْتِي، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا عُمِلَ بِهَا (وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُ مُوصٍ) مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ، فَيَبْرَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ أَوْ يُقْتَلَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ) - أَيْ: الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ - وَ (لَا) تَصِحُّ (إنْ
стр. 2759
خَتَمَهَا) مُوصٍ (وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا) مَخْتُومَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِيهَا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - (بِخَطِّهِ) - أَيْ: الْمُوصِي - فَلَا يُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا تَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا فِيهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا فِيهَا، لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ خَطُّهُ مِنْ خَارِجٍ عُمِلَ بِهِ، لَا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَعَكْسُ الْوَصِيَّةِ الْحُكْمُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ احْتِيَاطًا لِلْحُكْمِ، وَلَوْ رَأَى الْحَاكِمُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ احْتِيَاطًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّهَا سُومِحَ فِيهَا بِصِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ، وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ؛ فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَالرِّوَايَةِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ وَصِيَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ) ابْنُ فُلَانٍ (أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ؛ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأُوصِي مَنْ تَرَكْت مِنْ أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَأُوصِيهِمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . لِمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: هَكَذَا كَانُوا يُوصُونَ. أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَفِي أَوَّلِهِ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى.
(وَتَجِبُ) الْوَصِيَّةُ (عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ) كَدَيْنٍ بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ (بِلَا
стр. 2760
بَيِّنَةٍ) أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُوصِيَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ) لِأَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَاجِبٌ.
(وَتُسَنُّ) الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . نَسَخَ الْوُجُوبَ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّرْكِ، بَقِيَ الرُّجْحَانُ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَك نَصِيبًا مِنْ مَالِك حِينَ أَخَذْتَ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَك وَأُزَكِّيَك﴾ .
(وَهُوَ) أَيْ: الْخَيْرُ (الْمَالُ الْكَثِيرُ عُرْفًا) فَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي تَقْدِيرِهِ (بِخُمُسِهِ) - أَيْ: مَالِهِ - مُتَعَلِّقٌ بِتُسَنُّ. رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ﵄ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَصَّيْت بِمَا رَضِيَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ) لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
وَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ فَقِيرٌ وَتَرَكَ خَيْرًا (فَ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ (لِمِسْكِينٍ وَعَالِمٍ) فَقِيرٍ (وَدَيْنِ) فَقِيرٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَغَازٍ (وَتُكْرَهُ) وَصِيَّةٌ (لِفَقِيرٍ) - أَيْ: مِنْهُ - إنْ كَانَ (لَهُ وَرَثَةٌ) مَحَاوِيجُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إنْ تَتْرُكْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» . وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْغَنِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَفَقْرِهِمْ (إلَّا مَعَ غِنَاهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - (فَتُبَاحُ) الْوَصِيَّةُ. قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ " رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ. وَقَالَهُ
стр. 2761
فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ وَ " الْفَائِقِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِنَحْوِ رَحِمٍ) كَفَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ (بِجَمِيعِ مَالِهِ) .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ مَنْعَ مُجَاوَزَةِ الثُّلُثِ ثَبَتَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَحَيْثُ لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَفِي الْمَنْعُ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
(فَلَوْ) مَاتَ وَ (وَرِثَهُ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ) لَا غَيْرُ وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ (وَرَدَّهَا) أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِالْكُلِّ) - أَيْ: كُلِّ الْمَالِ - (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ (فِي قَدْرِ فَرْضِهِ) - أَيْ: الرَّادِّ - (مِنْ ثُلُثَيْهِ) - أَيْ: الْمَالِ - فَإِنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا بَطَلَتْ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجَةً بَطَلَتْ فِي السُّدُسِ؛ لِأَنَّ لَهَا رُبْعَ الثُّلُثَيْنِ، (فَيَأْخُذُ وَصِيٌّ) - أَيْ: مُوصَى لَهُ - (الثُّلُثَ) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةٍ، (ثُمَّ) يَأْخُذُ (ذُو الْفَرْضِ) وَهُوَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمِثَالِ (فَرْضَهُ مِنْ ثُلُثَيْهِ) الْبَاقِيَيْنِ بَعْدَ أَخْذِ الْمُوصِي لَهُ، فَيَأْخُذُ رُبْعَ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ سُدُسٌ إنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجَةً، وَنِصْفَهُمَا وَهُوَ الثُّلُثُ إنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا (ثُمَّ تَتِمُّ الْوَصِيَّةُ مِنْهُمَا) - أَيْ: الثُّلُثَيْنِ -؛ أَيْ: مِنْ الْبَاقِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمُوصٍ وَارِثٌ أَصْلًا.
(وَلَوْ وَصَّى أَحَدُهُمَا) - أَيْ: أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ - (لِلْآخَرِ) بِكُلِّ مَالِهِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ (فَلَهُ) - أَيْ: الْمُوصَى لَهُ - (كُلُّهُ) - أَيْ: كُلُّ الْمَالِ - فَيَأْخُذُهُ جَمِيعَهُ (إرْثًا وَوَصِيَّةً) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا.
(وَتَحْرُمُ) الْوَصِيَّةُ (وَلَوْ) كَانَتْ (لِصَحِيحٍ) - أَيْ: مِنْهُ - إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ (مِمَّنْ يَرِثُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ (غَيْرَ زَوْجٍ أَوْ) غَيْرَ (زَوْجَةٍ، وَيَتَّجِهُ) كَوْنُ الزَّوْجَيْنِ (أَجْنَبِيَّيْنِ) إذْ
стр. 2762
لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَارِثًا لَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ وَارِثًا بِغَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِوَارِثٍ بِشَيْءٍ) مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
(وَتَصِحُّ) هَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْمُحَرَّمَةُ (وَيَقِفُ نُفُوذُ) هَا (عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ» . رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ؛ وَلَوْ خَلَا عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةٌ أَوْ لَازِمَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخَصِّصَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ سَقَطَ.
(وَلَوْ وَصَّى) مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ (لِكُلِّ وَارِثٍ) مِنْهُمْ (بِمُعَيَّنٍ) مِنْ مَالِهِ (بِقَدْرِ إرْثِهِ) صَحَّ، أَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ كَرَجُلٍ خَلَفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَخَلَفَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَأَمَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَوَصَّى لِلِابْنِ بِالْعَبْدِ وَلِلْبِنْتِ بِالْأَمَةِ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَاوَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا جَمِيعَ مَالِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ
стр. 2763
وَلَوْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ جَمِيعِ الْمَالِ (أَوْ) وَصَّى (بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - (صَحَّ) ذَلِكَ (مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ أَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُمَلَّكُ مِلْكًا تَامًّا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ بِهِ.
(وَكَذَا وَقْفٌ زَائِدٌ) عَلَى الثُّلُثِ إذَا (أُجِيزَ) فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، فَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ لَمْ يَنْفُذْ الزَّائِدُ (وَلَوْ مَعَ وَحْدَةِ وَارِثٍ) مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَدَّهُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ فَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَمَنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِوَصَايَاهُ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (أُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ) مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ (بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ) فَلَوْ وَصَّى لِوَاحِدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ، وَلِثَالِثٍ بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَبِثَلَاثِينَ لِفِدَاءِ أَسِيرٍ، وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ، وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ مِائَةً وَبَلَغَ مَجْمُوعُ الْوَصَايَا ثَلَاثَمِائَةٍ نُسِبَتْ مِنْهَا الثُّلُثُ فَهُوَ ثُلُثُهَا، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثَ وَصِيَّتِهِ.
(وَإِنْ) كَانَتْ وَصِيَّةُ بَعْضِهِمْ (عِتْقًا) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْأَصْلِ وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (وَإِنْ أَجَازَهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ (وَرَثَةٌ بِلَفْظِ إجَازَةٍ) كَأَجَزْتُهَا (أَوْ) بِلَفْظِ (إمْضَاءٍ) كَأَمْضَيْتُهَا (أَوْ) بِلَفْظِ (تَنْفِيذٍ) كَنَفَّذْتُهَا (لَزِمَتْ) الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، كَمَا تَبْطُلُ بِرَدِّهِمْ
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَسْقَطَ مَرِيضٌ عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا أَوْ عَفَا عَنْ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا عَنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِهَا الْمَخُوفِ؛ فَكَالْوَصِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ كَالْعَطِيَّةِ فِيهِ، وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ وَارِثِهِ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَ ذَلِكَ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْعَ الْوَارِثِ؛ لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، وَتَنْفُذُ حُكْمًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ إجَازَةُ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذٌ لِلْوَصِيَّةِ]
(فَصْلٌ وَالْإِجَازَةُ) - أَيْ: إجَازَةُ الْوَرَثَةِ - لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ وَلِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ (تَنْفِيذٌ) لِمَا وَصَّى بِهِ الْمُوَرِّثُ (لَا يَثْبُتُ لَهَا) - أَيْ: الْإِجَازَةِ -
стр. 2764
(أَحْكَامُ هِبَةٍ) فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى أَرْكَانِ الْهِبَةِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّتُهَا مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَقَبْضٍ وَنَحْوِهِ كَالْعِلْمِ بِمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِجَازَةُ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْهِبَةِ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِجَازَةُ (فَلَا يَرْجِعُ أَبٌ) وَارِثٌ مِنْ مُوصٍ (أَجَازَ ابْنَهُ) فِيمَا أَجَازَهُ لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ، وَالْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ لِمَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ لِابْنِهِ (وَلَا يَحْنَثُ بِهَا) - أَيْ: الْإِجَازَةِ - (حَالِفٌ لَا يَهَبُ) شَيْئًا، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ بِهِبَةٍ (وَوَلَاءُ عِتْقٍ) مِنْ مُوَرِّثٍ (مُجَازٌ) - أَيْ: مُفْتَقِرٌ إلَى الْإِجَازَةِ - تَنْجِيزًا كَانَ كَعِتْقِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ مُوصَى بِهِ كَوَصِيَّةٍ بِعِتْقِ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، فَعِتْقُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِي ثُلُثَيْهِ، فَإِذَا أَجَازُوهُ نَفَذَ وَوَلَاؤُهُ (لِمُوصٍ تَخْتَصُّ بِهِ) - أَيْ: بِالْإِرْثِ بِهِ - (عَصَبَتُهُ) دُونَ بَاقِي وَرَثَتِهِ، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ لِفِعْلِ الْمَيِّتِ (وَمَا وَلَدَتْهُ) أَمَةٌ (مُوصَى بِعِتْقِهَا) قَبْلَ عِتْقٍ وَ (بَعْدَ مَوْتٍ) (فَ) وَلَدُهَا (كَهِيَ) أَيْ: يَصِيرُ عَتِيقًا تَبَعًا لِأُمِّهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ.
(وَتَلْزَمُ) الْإِجَازَةُ (بِغَيْرِ قَبُولِ) مُجَازٍ لَهُ (وَ) بِغَيْرِ (قَبْضٍ - وَلَوْ) كَانَتْ الْإِجَازَة (مِنْ سَفِيهٍ وَمُفْلِسٍ) - لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ (لَا) إنْ كَانَ الْمُجِيزُ (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِمَا، فَإِجَازَتُهُمَا وَعَدَمُهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَتَلْزَمُ الْإِجَازَةُ (مَعَ كَوْنِهِ) - أَيْ: الْمُجَازِ - (وَقْفًا عَلَى مُجِيزِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ صَادِرًا مِنْ الْمُجِيزِ وَلَا مَنْسُوبًا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لَهُ (وَ) تَلْزَمُ (مَعَ جَهَالَةِ مَالٍ أُجِيزَ) لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ غَيْرِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُجَازُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هِبَةً وَلَوْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ الْمُفْتَقِرَةَ إلَى الْإِجَازَةِ لِمُجَاوَزَتِهَا الثُّلُثَ أَوْ لِكَوْنِهَا لِوَارِثٍ، قَبْلَ الْإِجَازَةِ، ثُمَّ أُجِيزَتْ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ قَبُولِهِ؛ فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ حِينِ قَبُولِهِ الْوَصِيَّةَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفِيذٌ لِقَوْلِ مُوصٍ لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ.
(وَ) مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْوَصَايَا - إذَا أُجِيزَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ فَإِنَّهُ (يُزَاحِمُ)
стр. 2765
بِهِ (مُجَاوِزُ الثُّلُثِ مَنْ لَمْ يُجَاوِزْهُ) - أَيْ: الثُّلُثَ - كَوَصِيَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُجَاوِزَةٌ الثُّلُثَ، وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُجَاوِزَةٍ، كَوَصِيَّةٍ بِنِصْفٍ وَوَصِيَّةٍ بِثُلُثٍ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بِالنِّصْفِ فَقَطْ (فَلِذِي نِصْفٍ أُجِيزَ مَعَ ذِي ثُلُثٍ لَمْ يَجُزْ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثُّلُثِ) لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ يُزَاحِمُ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِنِصْفٍ كَامِلٍ، فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ، وَهِيَ بَسْطُ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ مِنْ مَخْرَجِهِمَا وَهُوَ سِتَّةٌ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثُّلُثِ (وَلِلْآخَرِ) - أَيْ: صَاحِبِ الثُّلُثِ - (خُمُسَاهُ) فَيُرَدُّ السُّدُسُ إلَى التَّرِكَةِ اعْتِبَارًا (ثُمَّ يُكْمَلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ) نِصْفُهُ (بِالْإِجَازَةِ) مِنْ التَّرِكَةِ، فَتُعْمَلُ لَهَا مَسْأَلَةُ رَدٍّ وَمَسْأَلَةُ إجَازَةٍ؛ فَالْجَامِعَةُ ثَلَاثُونَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ، وَهِيَ خَمْسَةٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ فِي اثْنَيْنِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ بِأَرْبَعَةٍ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (وَ) قَالَ (فِي " الْإِنْصَافِ ") : وَقَدْ (تَكَلَّمَ) مُحِبُّ الدِّينِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كُرَّاسَةٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ) انْتَهَى كَلَامُ " الْإِنْصَافِ ".
(لَكِنْ لَوْ أَجَازَ مَرِيضٌ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ وَصِيَّةً تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ (فَ) إجَازَتُهُ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ قَدْ تَرَكَ حَقًّا مَالِيًّا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ، فَاعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ (كَمُحَابَاةِ صَحِيحٍ فِي بَيْعِ خِيَارٍ لَهُ) يَعْنِي كَمَا لَوْ بَاعَ صَحِيحٌ شَيْئًا يُسَاوِي مِائَةً وَخَمْسِينَ بِمِائَةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ إلَى شَهْرٍ مَثَلًا (ثُمَّ مَرِضَ) الْبَائِعُ (زَمَنَهُ) - أَيْ: فِي الشَّهْرِ الْمَشْرُوطِ لِنَفْسِهِ فِيهِ الْخِيَارُ - وَلَمْ يَخْتَرْ فَسْخَ الْبَيْعِ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّ مُحَابَاتَهُ بِالْخَمْسِينَ تُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ عَدَمُ تَرْكِ الْقَدْرِ الْمُحَابَى بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَفْسَخْهُ صَارَ كَأَنَّهُ اخْتَارَ وُصُولَ ذَلِكَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ الْمَرِيضُ فَمِنْ ثُلُثِهِ تَبَعًا " لِلْمُنْتَهَى " وَمَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ " وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ؛ إذْ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ "
стр. 2766
صَرَّحَ بِأَنَّ إجَازَةَ الْمَرِيضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ ثُلُثِهِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ أَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ؛ أَيْ: لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ وَهُنَا اُعْتُبِرَتْ مِنْ الثُّلُثِ كَعَطِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ؛ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَنْفِيذٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُجِيزُ صَحِيحًا، وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ؛ فَلَا مُنَافَاةَ (وَكَإِذْنِ) مَرِيضٍ (فِي قَبْضِ هِبَةٍ) وَهَبَهَا وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَ (لَا) تُعْتَبَرُ مُحَابَاةٌ فِي (خِدْمَتِهِ) مِنْ الثُّلُثِ بِأَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ بِدُونِ أَجْرِ مِثْلِهِ، ثُمَّ مَرِضَ فَأَمْضَاهَا، بَلْ مُحَابَاتُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْفَسْخَ إذَنْ لَيْسَ بِتَرْكِ مَالٍ.
(وَالِاعْتِبَارُ بِكَوْنِ مَنْ وَصَّى) لَهُ بِوَصِيَّةٍ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) هِبَةً مِنْ قِبَلِ مَرِيضٍ (وَارِثًا أَوْ لَا عِنْدَ الْمَوْتِ) - أَيْ: مَوْتِ الْمُوصِي وَالْوَاهِبِ - فَمَنْ وَصَّى لِأَحَدِ إخْوَتِهِ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِوَارِثٍ.
وَإِنْ وَصَّى أَوْ وَهَبَ مَرِيضٌ أَخَاهُ، وَلَهُ ابْنٌ، فَمَاتَ قَبْلَهُ؛ وَقَفَتَا عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
(وَ) الِاعْتِبَارُ (بِإِجَازَةِ) الْوَصِيَّةِ أَوْ الْعَطِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ (أَوْ رَدٍّ) مِنْهُمْ لِأَحَدِهِمَا (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ - وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ رَدٍّ أَوْ إجَازَةٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ هُوَ وَقْتُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، وَالْعَطِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا.
(وَمَنْ أَجَازَ) مِنْ الْوَرَثَةِ هِبَةً فِي الْمَرَضِ أَوْ وَصِيَّةً، وَكَانَ الْمَوْهُوبُ أَوْ الْمُوصَى بِهِ جُزْءًا (مَشَاعًا) كَنِصْفٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ قَالَ) الْمُجِيزُ: (إنَّمَا أَجَزْت) ذَلِكَ (لِأَنِّي ظَنَنْته) - أَيْ: الْمَالَ - الْمُخَلَّفَ (قَلِيلًا) ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ كَثِيرٌ (قُبِلَ) قَوْلُهُ ذَلِكَ (بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ (فَيَرْجِعُ) الْمُجِيزُ (بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ) لِإِجَازَتِهِ مَا فِي ظَنِّهِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ أَلْفًا وَظَنَّهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَالْوَصِيَّةُ بِالنِّصْفِ؛ فَقَدْ أَجَازَ السُّدُسَ، وَهُوَ خَمْسُونَ؛ فَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ مَعَ ثُلُثِ الْأَلْفِ، فَلِمُوصَى لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ
стр. 2767
وَثُلُثٌ، وَالْبَاقِي لِلْوَارِثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ) الْمُخَلَّفُ (ظَاهِرًا لَا يَخْفَى) عَلَى الْمُجِيزِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ ظَنَّهُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ) عَلَى الْمُجِيزِ (بِعِلْمِ قَدْرِهِ) - أَيْ: الْمَالِ - فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُجَازُ مِنْ عَطِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ (عَيْنًا) كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ مُعَيَّنَيْنِ، يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، فَأَجَازَ الْوَارِثُ، وَقَالَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ: ظَنَنْت الْمَالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَبَانَ قَلِيلًا أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، (أَوْ) كَانَ الْمُجَازُ (مَبْلَغًا مَعْلُومًا) كَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ بُرٍّ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ أَوْصَى بِهَا وَأَجَازَهَا الْوَارِثُ (وَقَالَ ظَنَنْت الْبَاقِيَ) بَعْدَهُ (كَثِيرًا) فَبَانَ قَلِيلًا، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الْمُجَازَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ قَالَ ظَنَنْت قِيمَتَهُ أَلْفًا، فَبَانَ أَكْثَرَ؛ قِيلَ وَلَيْسَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَقَالَ إنْ أَجَازَ وَقَالَ: أَرَدْت أَصْلَ الْوَصِيَّةِ؛ قُبِلَ.
[فَصْلٌ حُكْمِ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَرَدِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ]
(فَصْلٌ) فِي حُكْمِ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَرَدِّهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَمَا وَصَّى بِهِ لِغَيْرِ مَحْصُورٍ) كَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ كَبَنِي تَمِيمٍ (أَوْ) وَصَّى بِهِ (لِنَحْوِ مَسْجِدٍ) كَثَغْرٍ وَرِبَاطٍ وَحَجٍّ (لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ وَلَزِمَتْ) الْوَصِيَّةُ (بِمُجَرَّدِ مَوْتٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُولِ مِنْهُمْ مُتَعَذَّرٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيُكْتَفَى بِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمُوصَى بِهِ مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ بِعَبْدٍ لِلْفُقَرَاءِ وَأَبُو الْعَبْدِ فَقِيرٌ؛ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إلَّا بِالْقَبْضِ (وَإِلَّا) تَكُنْ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ، بَلْ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ - وَلَوْ عَدَدًا يُمْكِنُ حَصْرُهُ - (اُشْتُرِطَ) قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لَهُ كَالْهِبَةِ.
(وَيَحْصُلُ قَبُولٌ بِلَفْظٍ) كَقَبِلْتُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ، بَلْ يُجْزِئُ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَحْصُلُ قَبُولٌ (بِفِعْلٍ) دَالٍّ عَلَى الرِّضَى (كَأَخْذِ)
стр. 2768
مُوصٍ (وَوَطِئَ) أَمَةً مُوصَى بِهَا كَرَجْعَةٍ وَبَيْعِ خِيَارٍ، وَيَجُوزُ فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا (وَمَحَلُّهُ) - أَيْ الْقَبُولِ - (بَعْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِ قَبْلَ الْمَوْتِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": لَا قَبُولَ وَلَا رَدَّ لِمُوصَى لَهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَا رَدَّ بَعْدَ قَبُولِهِ.
(وَيَثْبُتُ مِلْكُ مُوصَى لَهُ مِنْ حِينِهِ) - أَيْ: الْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ - لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَبْقَ الْمِلْكُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مِنْ تَمَامِ السَّبَبِ، وَالْحُكْمِ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ (وَلَوْ قَبْلَ إجَازَةِ) الْوَرَثَةِ فِيمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إجَازَتِهِمْ، فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ اسْتَقَرَّ فِيهِ بِالْقَبُولِ، فَلَا يُخْشَى انْفِسَاخُهُ، لَا رُجُوعَ بِبَدَلِهِ عَلَى أَحَدٍ كَالْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى انْفِسَاخُ الْبَيْعِ فِيهِ (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) - أَيْ: الْمُوصَى لَهُ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا - (وَلَا) تَصَرُّفُ (وَارِثٍ قَبْلَهُ) - أَيْ: قَبْلَ الْقَبُولِ - يَعْنِي فَلَوْ بَاعَ الْمُوصَى لَهُ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا، أَوْ أَجَرَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبُولِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ إذَنْ، وَالْوَارِثُ كَذَلِكَ (وَ) لَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ نِصَابًا زَكَوِيًّا وَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ مُدَّةً تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِيمَا فِي مِثْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ نَقْدًا فَيَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، أَوْ مَاشِيَةً فَتَسُومُ الْحَوْلَ، أَوْ زَرْعًا أَوْ ثَمَرًا فَيَبْدُو صَلَاحُهُ قَبْلَ قَبُولِهِ؛ فَ (لَا زَكَاةَ) فِيهِ (عَلَى وَاحِدٍ) مِنْ مُوصَى لَهُ وَوَارِثٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى بِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَمَا حَدَثَ) مِنْ عَيْنٍ مُوصَى بِهَا بَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ وَقَبْلَ قَبُولِ مُوصَى لَهُ بِهَا (مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ) كَكَسْبٍ وَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ (فَ) هُوَ (لِوَارِثٍ) لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي مِلْكِهِ حِينَئِذٍ (وَيَتْبَعُ) الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا نَمَاءٌ (مُتَّصِلٌ) كَسِمَنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْوَصِيَّةُ (بِأَمَةٍ فَأَحْبَلَهَا وَارِثٌ قَبْلَهُ) - أَيْ: قَبْلَ الْقَبُولِ - وَبَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ، وَوَلَدَتْ مِنْهُ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ) لِأَنَّهَا حَمَلَتْ
стр. 2769
مِنْهُ فِي مِلْكِهِ لَهَا (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِإِتْيَانِهَا بِهِ مِنْ وَطْءٍ فِي مِلْكِهِ (وَ) حِينَئِذٍ (لَا يَلْزَمُهُ) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (سِوَى قِيمَتِهَا لِمُوصَى لَهُ) بِهَا إذَا قَبِلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ (كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا) وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لَهُ قِيمَتُهَا بِإِتْلَافِهَا قَبْلَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ بِالْقَبُولِ (إذَا قَبِلَ) هَا؛ لِثُبُوتِ حَقِّ التَّمَلُّكِ لَهُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُوصِي، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَضَيْتُمْ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ وَهِيَ لَا تُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ، وَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُمَا، وَإِنْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُوصَى لَهُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ ذَلِكَ قَبُولًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ فِي الْمِلْكِ، فَتَعَاطِيهِ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ كَقَبُولِهِ بِاللَّفْظِ وَكَوَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ.
(وَإِنْ) وَصَّى لِزَيْدٍ بِأَرْضٍ فَ (بَنَى أَوْ غَرَسَ) فِيهَا (وَارِثٌ قَبْلَ قَبُولِ) مُوصَى لَهُ، ثُمَّ قَبِلَ (فَكَغَرْسِ مُشْتَرٍ شِقْصًا مَشْفُوعًا) وَبِنَائِهِ، فَيَكُونُ مُحْتَرَمًا يَتَمَلَّكُهُ مُوصَى لَهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِقَلْعِهِ وَيَغْرَمُ نَقْصَهُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ غَرَسَ وَبَنَى فِي مِلْكِهِ؛ فَلَيْسَ بِظَالِمٍ؛ فَلِعَرَقِهِ حَقٌّ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ أَمْ لَا.
تَكْمِيلٌ: وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ، وَكَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ قُبِلَ؛ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ حَالَ الْبَيْعِ، وَتَخْتَصُّ الْوَرَثَةُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْمِلْكِ.
(وَإِنْ وُصِّيَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (لَهُ) - أَيْ: لِإِنْسَانٍ حُرٍّ - (بِزَوْجَتِهِ) الْأَمَةِ، فَقَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مِلْكِ الْيَمِينِ، (فَ) إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ؛ فَهُوَ مُوصًى بِهِ مَعَهَا تَبَعًا لَهَا، سَوَاءٌ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مَوْتِ مُوصٍ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَإِنْ (أَحْبَلَهَا) بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَوَلَدَتْهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي؛ فَالْوَلَدُ لِلْمُوصِي تَبَعًا لِأُمِّهِ.
وَإِنْ أَحْبَلَهَا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ (وَوَلَدَتْ) بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (قَبِلَهُ) - أَيْ: الْقَبُولُ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَحْبَلَهَا فَقَطْ (لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) لِزَوْجِهَا الْمُوصَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِلْكَهُ
стр. 2770
حِينَ أَحْبَلَهَا (وَوَلَدُهُ) أَيْ: الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ قَبْلَ قَبُولِهَا (رَقِيقٌ) لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ، هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ حُرِّيَّةَ أَوْلَادِهِ، وَإِنْ أَحْبَلَهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَوَلَدَتْ بَعْدَ الْقَبُولِ؛ فَالْوَلَدُ لِأَبِيهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَلَدُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهُ.
وَإِنْ أَحْبَلَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَوَضَعَتْ قَبْلَ الْقَبُولِ؛ فَالْوَلَدُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ.
وَإِنْ أَحْبَلَهَا بَعْدَ الْقَبُولِ؛ فَالْوَلَدُ لِأَبِيهِ حُرُّ الْأَصْلِ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ حَالَ إحْبَالِهِ.
هَذَا كُلُّهُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ كُلُّهَا مِنْ الثُّلُثِ مَلَكَ الْمُوصَى لَهُ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِحُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْبَعْضِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْهُ هَاهُنَا بِقَدْرِ مِلْكِهِ مِنْ أُمِّهِ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، وَإِلَّا يَكُنْ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ عَتَقَ مَا مَلَكَ مِنْهُ فَقَطْ، وَلَا سِرَايَةَ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهَا.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ هُنَاكَ؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ هُنَا مُوسِرًا كَانَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ.
(وَ) إنْ وَصَّى لِحُرٍّ (بِأَبِيهِ) الرَّقِيقِ (فَمَاتَ) مُوصَى لَهُ بَعْد مُوصٍ، وَ (قَبْلَ قَبُولِهِ) الْوَصِيَّةَ (فَقَبِلَ ابْنُهُ) - أَيْ: الْمُوصَى لَهُ - الْوَصِيَّةَ بِجَدِّهِ؛ صَحَّ الْقَبُولُ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَ (عَتَقَ مُوصَى بِهِ حِينَئِذٍ) أَيْ: حِينَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ لِمِلْكِ ابْنِ ابْنِهِ لَهُ إذَنْ (وَلَمْ يَرِثْ) الْعَتِيقُ مِنْ ابْنِهِ الْمَيِّتِ شَيْئًا؛ لِحُدُوثِ حُرِّيَّتِهِ بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمِيرَاثُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ ابْنَ أَخٍ لِلْمُوصَى لَهُ، وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَقَبِلَ ابْنَهُ؛ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ؛ لِأَنَّ الْقَابِلَ إنَّمَا تَلَقَّى الْوَصِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي، لَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَلِذَا لَا تُقْضَى دُيُونُ مُوصَى لَهُ مَاتَ بَعْدَ مُوصٍ وَقَبْلَ قَبُولِهِ مِنْ وَصِيَّتِهِ إذَا قَبِلَهَا وَارِثُهُ.
(وَعَلَى وَارِثٍ ضَمَانُ عَيْنٍ) لَا دَيْنٍ (حَاضِرَةٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهَا بِمُجَرَّدِ مَوْتِ
следующие страницы →