Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
الْأُخْتَيْنِ) أَوْ نَحْوَهُمَا (فِي عَقْدَيْنِ فِي زَمَنَيْنِ) وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى؛ فَإِنَّهُ (يَبْطُلُ) عَقْدُ (مُتَأَخِّرٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِيهِ؛ (كَ) عَقْدٍ (وَاقِعٍ) عَلَى نَحْوِ أُخْتٍ (فِي عِدَّةِ) الْأُخْتِ (الْأُخْرَى وَلَوْ) كَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ (بَائِنًا) كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ أَوْ عَلَى عِوَضٍ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً فِي عِدَّةِ رَابِعَةٍ، وَلَوْ مُبَانَةً؛ لِأَنَّ الْبَائِنَةَ مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ (فَإِنْ جَهِلَ) أَسْبَقَ الْعَقْدَيْنِ (فُسِخَا) أَيْ: فَسَخَهُمَا الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يُطَلِّقْهُمَا لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ فِي إحْدَاهُمَا وَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَلَا تُعْرَفُ الْمُحَلَّلَةُ لَهُ: فَقَدْ أَشْتَبَهَتَا عَلَيْهِ وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ، وَلَا يُتَيَقَّنُ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِمَا، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ، وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ يُجَدَّدُ عَقْدَ الْأُخْرَى، وَيُمْسِكُهَا؛ فَلَا بَأْسَ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا (وَلِإِحْدَاهُمَا) أَيْ: إحْدَى مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهِمَا فِي زَمَنَيْنِ، وَجَهِلَ أَسْبِقَهُمَا، وَطَلَّقَهَا أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (نِصْفُ) مَهْرِهَا (الْمُسَمَّى بِقُرْعَةٍ) بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَتَأْخُذُ مَنْ تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى قَبْلَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ، (فَإِنْ) كَانَ (أَصَابَ إحْدَاهُمَا) دُونَ الْأُخْرَى: ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا (فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهَا) أَيْ: الْمُصَابَةِ (فَ) لَهَا الْمَهْرُ (الْمُسَمَّى) جَمِيعُهُ؛ لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى، (وَإِلَّا) تَخْرُجَ الْقُرْعَةُ لِلْمُصَابَةِ بِأَنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهَا (فَ) لِلْمُصَابَةِ (مَهْرُ مِثْلِهَا) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا (وَنِصْفُ) مَهْرٍ (مُسَمًّى لِلْأُخْرَى) ، لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَهُ نِكَاحُ الْمُصَابَةِ فِي الْحَالِ، لَا الْأُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُصَابَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا وَأَصَابَهُمَا، فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى، وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا: لِتَمْيِيزِ مَنْ تَأْخُذُ مِمَّنْ تَأْخُذُ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ تَفَادَتَا وَلَا يَنْكِحُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُخْرَى (وَإِنْ وَلَدَتَا مِنْهُ) كِلْتَاهُمَا أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا (لَحِقَهُ النَّسَبُ) لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ.
стр. 3187
(وَمَنْ مَلَكَ أُخْت زَوْجَتِهِ أَوْ) مَلَكَ (عَمَّتَهَا أَوْ) مَلَكَ (خَالَتَهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (صَحَّ) مِلْكُهُ لَهَا، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاؤُهُ أُخْتَهُ مِنْ رَضَاعٍ (وَحَرُمَ أَنْ يَطَأَهَا) أَيْ: الَّتِي مَلَكَهَا (أَوْ يُبَاشِرَهَا وَنَحْوَهُ) كَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ؛ إذْ دَوَاعِي الْوَطْءِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (حَتَّى يُفَارِقَ زَوْجَتَهُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ؛ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعُ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» . وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ.
[تَتِمَّةٌ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا]
تَتِمَّةٌ وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ كَمَا يَحِلُّ لَهُ شِرَاءُ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ.
[فَصْلٌ مَنْ مَلَكَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ وَخَالَتِهَا فِي عَقْدِ وَاحِد]
فَصْلٌ (وَمَنْ مَلَكَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ) كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ وَخَالَتِهَا (مَعًا) وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (صَحَّ) الْعَقْدُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا انْتَهَى (وَلَهُ وَطْءُ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِأَنَّ الْأُخْرَى لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا؛ كَمَا لَوْ مَلَكَ إحْدَاهُمَا وَحْدَهَا (وَتَحْرُمُ بِهِ) أَيْ: بِوَطْءِ إحْدَاهُمَا (الْأُخْرَى) نَصًّا. قَالَ الْقَاضِي: وَدَوَاعِي الْوَطْءِ تَحْرُمُ كَالْوَطْءِ، وَقَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ بَحْثًا فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ الْجَمْعُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ؛ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ وَطْءِ إحْدَاهُمَا؛ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْقَاضِي، فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا؛ فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ جَمِيعًا كَسَائِرِ الْمَذْكُورَاتِ
стр. 3188
فِي الْآيَةِ، يَحْرُمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا؛ فَحُرِّمَتْ أُخْتُهَا كَالزَّوْجَةِ، وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ) مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ (بِإِخْرَاجِهَا أَوْ بَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ بِعِتْقٍ أَوْ وَقْفٍ) ، أَوْ إزَالَةِ مِلْكِهِ (وَلَوْ بِبَيْعٍ لِلْحَاجَةِ) إلَى التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ، وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا، وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي هَذَا. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْمَوْطُوءِ، لِلْحَاجَةِ، وَمَحِلُّ جَوَازِ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى بَيْعِ) هَا لِأَجْلِ (التَّفْرِقَةِ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَحِمِهَا، فَإِنَّ قَصَدَ بِبَيْعِهَا التَّفْرِقَةَ بِأَنْ بَاعَهَا مِنْ شَخْصٍ ظَاهِرًا لِتَبْقَى الْأُخْرَى مُنْفَرِدَةً، فَيَطَأُ أُخْتَهَا، ثُمَّ يَسْتَرِدُّهَا؛ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ (بِهِبَةٍ) مَقْبُوضَةٍ لِغَيْرِ وَلَدِهِ لِئَلَّا يَمْلِكَ اسْتِرْجَاعَهَا (أَوْ تَزْوِيجٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءٍ) ، لِيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَامِلًا مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يَكْفِي فِي إبَاحَتِهَا مُجَرَّدُ إزَالَةِ الْمِلْكِ حَتَّى تَنْقَضِيَ حَيْضَةُ الِاسْتِبْرَاءِ؛ فَتَكُونُ الْحَيْضَةُ كَالْعِدَّةِ (وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ تَحْرِيمِ) مَوْطُوءَةٍ بِأَنْ يَقُولَ: هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا يُحَرِّمُهَا، إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) وَلَا يَكْفِي تَحْرِيمُهَا (بِنَحْوِ إحْرَامٍ) مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، وَكَالْحَيْضِ وَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ؛ فَإِنَّهَا وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِتَلَبُّسِهَا بِمَا ذُكِرَ إلَّا أَنَّ مُدَّتَهُ تَنْقَضِي؛
стр. 3189
فَلَا يُؤْمَنُ الْعَوْدُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ تُمَجَّسُ) فَلَا يَكْفِي تَحْرِيمُهَا بِتَمَجُّسِهَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ كَالتَّحْرِيمِ بِالْإِحْرَامِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ".
(أَوْ كِتَابَةٍ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يُكَاتِبَهَا؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِمَا (أَوْ رَهْنٍ) لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطِئَهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، لَا لِتَحْرِيمِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَتَى شَاءَ (أَوْ بَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَهُ) لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْجَاعِهَا مَتَى شَاءَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِمُشْتَرٍ وَحْدَهُ (أَوْ هِبَةِ) الْمَوْطُوءَةِ لِمَنْ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهَا مِنْهُ كَهِبَتِهَا (لِوَلَدِهِ) قَالَ فِي " الْوَجِيزِ " فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْفَعَهُ وَحْدَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، فَإِنْ أَخْرَجَ الْمِلْكَ لَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فِي الْمُبِيحِ لِلْفَسْخِ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهَا بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مَعِيبَةً، أَوْ يُفْلِسُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، أَوْ يَظْهَرُ فِي الْعِوَضِ تَدْلِيسٌ، أَوْ يَكُونُ مَغْبُونًا، فَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ: يُقَالَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: إنَّهُ يُبَاحُ وَطْءُ الْأُخْتِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى عُمُومِ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (فَلَوْ خَالَفَ) مُشْتَرِي الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (وَوَطِئَ الْأُخْرَى) قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَوْطُوءَةِ أَوَّلًا، أَوْ بِبَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ (لَزِمَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهَا) أَيْ: الْمَوْطُوءَةِ أَوَّلًا، وَالْمَوْطُوءَةِ ثَانِيًا (حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا) بِإِخْرَاجٍ لَهَا أَوْ لِبَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ وَحَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (كَمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا أَوْ نَحْوُهَا؛ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً؛ وَاسْتِدْلَالُ مَنْ قَالَ: الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ بِحَدِيثِ: «إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ» لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا وَطِئَ الْأُولَى وَطْئًا مُحَرَّمًا، كَفِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمِ فَرْضٍ؛ فَإِنَّ أُخْتَهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (فَإِنْ عَادَتْ) الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ
стр. 3190
(لِمِلْكِهِ وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهَا (قَبْلَ وَطْءِ الْبَاقِيَةِ) فِي مِلْكِهِ (لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً) مِنْهُمَا (حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ (قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) : هَذَا (إنْ لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاءٌ كَبِنْتٍ دُونَ تِسْعٍ) وَكَمَا لَوْ زَوَّجَهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَيَكُفُّ عَنْهَا وَعَنْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا (فَإِنْ وَجَبَ) الِاسْتِبْرَاءُ بِأَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ (لَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ الْبَاقِيَةِ فِيهِ) أَيْ: زَمَنَ الِاسْتِبْرَاءِ (فَقَطْ) لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ زَمَنَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ (قَالَ الْمُنَقِّحُ وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ (حَسَنٌ) وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ مُعْتَدَّةً؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الْبَاقِيَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْعَائِدَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا إنْ عَادَتْ إلَيْهِ مَوْطُوءَتُهُ الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ لِحِلِّ وَطْءِ نَحْوِ أُخْتِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا؛ سَوَاءٌ وُجِدَ اسْتِبْرَاءٌ أَوْ لَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى (وَإِلَّا) ؛ نُوجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابَهُمَا (لَحَلَّتْ) لَهُ مَنْ أَصَابَ نَحْوَ أُخْتِهَا (بِوَطْءِ نَحْوِ شُبْهَةٍ) كَزِنًا (بِلَا نَقْلِ مِلْكٍ) فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ إحْدَاهُمَا مَعَ تَعَيُّنِ الِاسْتِبْرَاءِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْمُسَوَّدَةِ "؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ أُخْت سُرِّيَّتِهِ، وَلَوْ بَعْدَ إعْتَاقِهَا زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ كَالْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ شِرَاءُ أُخْتِهَا وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ،
стр. 3191
بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَشِرَاءُ مَنْ تُحَرَّمُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُتَسَرِّي (نِكَاحُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا) أَيْ: سِوَى أُخْتِ سُرِّيَّتِهِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ نَحْوِ أُخْتِهَا لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا) أَيْ؛ نَحْوَ أُخْتِ سُرِّيَّتِهِ (بَعْدَ تَحْرِيمِ السُّرِّيَّةِ) بِنَحْوِ بَيْعٍ (وَ) بَعْدَ (اسْتِبْرَائِهَا؛ صَحَّ، ثُمَّ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ السُّرِّيَّةُ) بِنَحْوِ بَيْعٍ (فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ) لَا يَنْفَسِخُ بِذَلِكَ؛ لِصِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ. قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: وَحِلُّهَا مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقٍ لِقُوَّةِ الزَّوْجِيَّةِ. (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْعَارِضَ لَا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ، فَلَا يَرْفَعُ أَثَرَهَا كَالزَّوْجَةِ الْحَائِضِ. (وَيَتَّجِهُ) عَلَى مُقْتَضَى (بَحْثِهِمَا) أَيْ: بَحْثِ الْمَجْدِ وَابْنِ نَصْرِ اللَّهِ وَالْمُنَقِّحِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ عَنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا (إنْ لَمْ يَلْزَمْ) الرَّاجِعَةَ إلَيْهِ (اسْتِبْرَاءٌ) كَكَوْنِهَا دُونَ تِسْعٍ، أَوْ زَوَّجَهَا كَبِيرَةً، وَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَمَّا إذَا لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ فَلَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَطْءُ الزَّوْجَةِ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ الْأَمَةُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَرْتَضِ مَا قَالَاهُ، وَرَدَّهُ بِالِاتِّجَاهِ السَّابِقِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَائِدَةٌ)
وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ أُخْتَيْنِ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ، فَلَهُ وَطْءُ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي لَا مَانِعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْأُخْرَى.
(وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا حَرُمَ) عَلَيْهِ (فِي عِدَّتِهَا) فِي مَوْطُوءَةِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (نِكَاحُ أُخْتِهَا) وَنَحْوِهَا (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (وَطْؤُهَا) أَيْ: أُخْتِ مَوْطُوءَتِهِ (إنْ كَانَتْ) أُخْتُهَا (زَوْجَةً أَوْ أَمَةً) لَهُ، لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» (وَحَرُمَ) عَلَى وَاطِئِ امْرَأَةٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ غَيْرِهَا) أَيْ:
стр. 3192
الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (بِعَقْدٍ) فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ رَابِعَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَوْطُوءَتِهِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَوْ وَطِئَ) أَيْ: (إنْ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعُ) زَوْجَاتٍ وَوَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ مِنْهُنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَوْطُوءَتِهِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا؛ لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (وَيَتَّجِهُ لَا) إنْ وَطِئَ (مَنْ لَا عِدَّةَ لَهَا لِصِغَرٍ) بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، أَيْ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ غَيْرِهَا: لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا؛ وَهَذِهِ الْبَرَاءَةُ مُتَيَقَّنَةٌ فِي الصَّغِيرَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا وَطْءُ أَرْبَعٍ كُنَّ مَعَهُ حِينَ وَطِئَهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ فِي عِدَّتِهَا) كَمُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ (إلَّا مِنْ وَاطِئٍ) لَهَا بِشُبْهَةٍ، فَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، لِأَنَّ مَنْعَهَا مِنْ النِّكَاحِ لِإِفْضَائِهِ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ مَأْمُونٌ هُنَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ كَمَا يَلْحَقُ فِي النِّكَاحِ يَلْحَقُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّتَهُ مِنْ طَلَاقٍ، وَمَحِلُّ جَوَازِ نِكَاحِهَا لِوَاطِئِهَا بِالشُّبْهَةِ، (إنْ لَمْ تَلْزَمْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَاطِئِ، فَإِنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّتَانِ كَمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ.
(وَلَيْسَ لِحُرٍّ جَمْعُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) ؛ «لِقَوْلِهِ ﵊ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» . وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: «أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ "، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ، فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى وقَوْله تَعَالَى
стр. 3193
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] : أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، كَمَا قَالَ : ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلٍّ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: تِسْعَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ (إلَّا نَبِيُّنَا) مُحَمَّدٌ ﷺ (وَتَقَدَّمَ) أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ؛ تَكْرِمَةً لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ.
(وَلَا لِعَبْدٍ جَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) أَيْ: زَوْجَتَيْنِ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّاسَ: كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اثْنَتَيْنِ، وَطَلَاقُ اثْنَتَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُنْكَرْ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْضِيلِ، وَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ أُمَّتَهُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّسَرِّي، وَلَوْ أَذِنَهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ.
(وَلِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَأَكْثَرُ جَمْعٍ ثَلَاثُ) زَوْجَاتٍ نَصًّا اثْنَتَيْنِ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ، وَوَاحِدَةٍ بِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ، فَإِنْ كَانَ دُونَ نِصْفِهِ حُرٌّ؛ فَلَهُ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ، فَإِنْ مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي ". وَفِي " الْفُنُونِ " قَالَ فَقِيهٌ: شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ شَهْوَةٍ الرَّجُلِ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ، فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعٍ، وَيَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ مَا يَشَاءُ، وَلَا تَزِيدُ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ، وَلَهَا مِنْ الْقَسْمِ الرُّبُعُ، وَحَاشَا حِكْمَتِهِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى الْأَحْوَجِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ: «فُضِّلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا
стр. 3194
مِنْ اللَّذَّةِ. أَوْ قَالَ: مِنْ الشَّهْوَةِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ» .
(وَمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ) كَحُرٍّ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ عَبْدٍ وَاحِدَةً مِنْ اثْنَتَيْنِ (حَرُمَ عَلَيْهِ تَزَوُّجُهُ بَدَلَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَثَرُ النِّكَاحِ، فَكَأَنَّهُ بَاقٍ، فَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا لَكَانَ جَامِعًا بَيْنَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ (بِخِلَافِ مَوْتِهَا) فَإِنْ مَاتَتْ، فَلَهُ نِكَاحُ غَيْرِهَا فِي الْحَالِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِنِكَاحِهَا أَثَرٌ (فَإِنْ قَالَ) مُطَلِّقُ وَاحِدَةٍ مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ عَنْهَا (أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا (فَكَذَّبَتْهُ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عَلَيْهِ فِي عَدَمِ جَوَازِ نِكَاحِ غَيْرِهَا، لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي ذَلِكَ بِإِرَادَةِ مَنْعِهِ نِكَاحَ غَيْرِهَا. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَ) لَهُ نِكَاحُ (بَدَلِهَا) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ فِي الظَّاهِرِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَاذِبًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا. (وَتَسْقُطُ الرَّجْعَةُ) فَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَ (لَا) تَسْقُطُ عَنْهُ (السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لَهَا) إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً مَعَ تَكْذِيبِهَا لَهُ فِي أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ يَدَّعِي سُقُوطَهُ، وَهِيَ مُنْكِرَةٌ لَهُ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ دُونَهُ. (وَلَا) يَسْقُطُ (نَسَبُ الْوَلَدِ) إذَا أَتَتْ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ لِفَوْقِ أَرْبَعِ سِنِينَ مَا لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ، ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا، لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُطَلِّقِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا.
стр. 3195
[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى أَمَدٍ الْمُحَرَّمَاتُ لِعَارِضٍ يَزُولُ]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى أَمَدٍ: الْمُحَرَّمَاتُ (لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَتَحْرُمُ) عَلَيْهِ (زَوْجَةُ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (وَ) تَحْرُمُ (مُعْتَدَّتُهُ) أَيْ: غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (وَ) تَحْرُمُ (مُسْتَبْرَأَةٌ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ تَزَوُّجَهَا زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَدَّةُ وَالْمُسْتَبْرَأَة مِنْ وَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ كَشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (وَ) كَذَا تَحْرُمُ (مُرْتَابَةٌ بَعْدَ عِدَّةٍ بِحَمْلٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَمْلِ، فَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ، لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ وَيُتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ (وَ) تَحْرُمُ (زَانِيَةٌ عَلَى زَانٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَتُوبَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] وَهُوَ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَالْمَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] وَهُنَّ الْعَفَائِفُ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: يَوْمَ حُنَيْنٌ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. فَإِنْ كَانَتْ الزَّانِيَةُ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ؛ لِمَا سَبَقَ وَتَوْبَتِهَا (بِأَنْ تُرَاوَدَ) عَلَى الزِّنَا (فَتَمْنَعَ) مِنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ: كَيْف تَعْرِفُ تَوْبَتَهَا؟ قَالَ: يُرَاوِدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ، فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ، فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ
стр. 3196
عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ. قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ "، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ مُخَالَطَةَ إنْسَانٍ امْتَحَنَهُ حَتَّى يَعْرِفَ بِرَّهُ أَوْ فُجُورَهُ أَوْ تَوْبَتَهُ، وَيَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُهُ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي امْتِحَانُهَا بِطَلَبِ الزِّنَا مِنْهَا بِحَالٍ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ تَوْبَتُهَا كَتَوْبَةِ غَيْرِهَا، فَإِذَا نَدِمَتْ، وَأَقْلَعَتْ وَعَزَمَتْ عَلَى أَنْ لَا تَعُودَ؛ فَإِنَّهَا تَصِحُّ تَوْبَتُهَا (وَلَوْ لَمْ تُرَاوَدْ) لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِنَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ وَقَدْ سُئِلَ: مَا عِلْمُهُ بِأَنَّهَا قَدْ تَابَتْ؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى مَا كَانَ أَرَادَهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ فَهِيَ تَائِبَةٌ يَتَزَوَّجُهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنْ تَابَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، حَلَّتْ لِزَانٍ كَغَيْرِهِ، لَا يُقَالُ: الْمُرَاوَدَةُ مِنْ التَّجَسُّسِ عَلَى الْعَيْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] لِأَنَّا نَقُولُ: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا، وَالْقَصْدُ بِمُرَاوَدَتِهَا الْعِلْمُ بِأَنَّهَا فِرَاشًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَيَقْدُمُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِعَدَمِهِ فَلَا يَقْدُمُ هُوَ عَلَيْهِ، وَيَنْصَحُ مَنْ كَانَ غَافِلًا، أَوْ مَنْ اسْتَنْصَحَهُ فِي ذَلِكَ؛ إذَا النَّصِيحَةُ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ الْعِلْمَ بِعَيْبِهَا فَقَطْ، كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُوَفَّقُ، فَقَالَ بِحُرْمَةِ الْمُرَاوَدَةِ، قَالَهُ الْخَلْوَتِيُّ.
(وَ) تَحْرُمُ عَلَيْهِ (مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا) بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهُمَا) أَيْ: الزَّانِيَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا مِنْ زَوْجٍ نَكَحَتْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا الْوَطْءُ، «لِقَوْلِهِ ﵊ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» .
стр. 3197
(وَ) تَحْرُمُ (مُحْرِمَةٌ حَتَّى تَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ التِّرْمِذِيُّ الْخِطْبَةَ، وَلِأَنَّهُ عَارَضَ مَنْعَ الطِّيبِ فَمَنَعَ النِّكَاحَ كَالْعِدَّةِ.
(وَ) تَحْرُمُ (مُسْلِمَةٌ عَلَى كَافِرٍ حَتَّى يُسْلَمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] . وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
(وَ) يَحْرُمُ (عَلَى مُسْلِمٍ وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) نِكَاحُ (كَافِرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَلِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (غَيْرِ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ وَلَوْ) كَانَتْ (حَرْبِيَّةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ خَاصَّةً، (أَوْ) كَانَ أَبَوَاهَا (مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ) مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ، لِأَنَّهُنَّ كِتَابِيَّاتٌ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَالْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ (حَتَّى تُسْلِمَ) فَتَحِلُّ بَعْدَ إسْلَامِهَا لِلْمُسْلِمِ؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ غَيْرَ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةً أَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ مِمَّنْ سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ لَا تَحِلُّ لِمُسْلِمٍ (وَلَوْ اخْتَارَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضْ كِتَابِيَّةً، أَوْ لِأَنَّهَا مُتَوَلَّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ، فَلَمْ تَحِلَّ كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَالْمُبْدِعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حَيْثُ قَالُوا: إذَا كَانَ أَبَوَاهَا غَيْرَ كِتَابِيَّيْنِ، وَاخْتَارَتْ هِيَ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تَحْرُمُ (وَالْأَوْلَى أَنْ
стр. 3198
لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (يُكْرَهُ) نِكَاحُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: تَرَى لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً أَوْ يَهُودِيَّةً؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَمَحِلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ (وَ) كَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ (ذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ (وَكَوَثَنِيٍّ) فِي الْحُكْمِ (مَنْ تَمَسَّكَ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد) مِنْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَلِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَيْسَتْ بِشَرَائِعَ، وَإِنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ (أَوْ كَمُرْتَدٍّ) فِي الْحُكْمِ (نَحْوِ دُرْزِيٍّ) وَإِسْمَاعِيلِيٍّ (وَنُصَيْرِيٍّ؛ فَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مُنَاكَحَتُهُمْ) وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى دِينٍ، وَإِنْ تَدَيَّنُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ نِسَائِهِمْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ؛ كَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ (وَمُنِعَ نَبِيُّنَا) مُحَمَّدٌ ﷺ (مِنْ نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ) إكْرَامًا لَهُ؛ (كَ) مَا مُنِعَ مِنْ (نِكَاحِ أَمَةٍ، وَلَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.
(وَ) يَحِلُّ (لِكِتَابِيٍّ نِكَاحُ مَجُوسِيَّةٍ وَ) يَحِلُّ لَهُ أَيْضًا (وَطْؤُهَا بِمِلْكِ) يَمِينٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ يَنْكِحُ الْكِتَابِيَّةَ وَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَ (لَا) يَحِلُّ نِكَاحُ (مَجُوسِيٍّ لِلْكِتَابِيَّةِ) نَصًّا، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مِنْهُ، فَإِنْ مَلَكَهَا؛ فَلَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَيَتَّجِهُ جَوَازُ نِكَاحِ يَهُودِيٍّ لِنَصْرَانِيَّةٍ وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ: نِكَاحُ نَصْرَانِيٍّ لِيَهُودِيَّةٍ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ أَهْلُ كِتَابٍ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ، وَيُقِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ، فَجَازَ لِذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3199
[تَنْبِيهٌ تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ كَافِرَةً مُرْتَدَّةً ثُمَّ أَسْلَمَا]
تَنْبِيهٌ إذَا تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ كَافِرَةً مُرْتَدَّةً أَوْ غَيْرَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ الْمُرْتَدَّةُ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُنَا أَنَّا نُقِرُّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا كَالْحَرْبِيِّ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَقَدْ «عَادَ الْمُرْتَدُّونَ إلَى الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ: فَلَمْ يُؤْمَرُوا بِاسْتِئْنَافِ أَنْكِحَتِهِمْ» ، وَهَذَا جَيِّدٌ فِي الْقِيَاسِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ) وَلَوْ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا (نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، وَلَوْ مُبَعَّضَةً إلَّا إنْ خَافَ عَنَتَ الْعُزُوبَةِ؛ لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ أَوْ) حَاجَةِ (خِدْمَةٍ) لِكِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ أَوْ نَحْوِهِمَا نَصًّا (وَلَوْ) كَانَ خَوْفَ عَنَتِ الْعُزُوبَةِ (مَعَ صِغَرِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ غَيْبَتِهَا أَوْ مَرَضِهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ نَصًّا (وَلَا يَجِدُ طَوْلًا) أَيْ (مَالًا حَاضِرًا يَكْفِي لِنِكَاحِ حُرَّةٍ) (وَلَوْ) كَانَتْ الْحُرَّةُ (كِتَابِيَّةً، فَتَحِلُّ) لَهُ الْأَمَةُ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ خَوْفَ الْعَنَتِ وَعَدَمُ الطَّوْلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]- إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] (وَصَبْرُهُ) عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وَلَهُ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ مَعَ سَفَرِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ غَيْبَتِهَا أَوْ مَرَضِهَا بِحَيْثُ تَعْجِزُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَا تُعِفُّهُ كَالْعَدَمِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ؛ فَإِنْ عُدِمَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ كَافِرَةً، وَلَوْ كِتَابِيَّةً لَمْ تَحِلَّ لِلْمُسْلِمِ، لِلْآيَةِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَوْ وَجَدَ مَالًا، وَلَكِنْ لَمْ يُزَوَّجْ حُرَّةً لِقُصُورِ نَسَبِهِ؛ فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِ الطَّوْلِ إلَى حُرَّةٍ تُعِفُّهُ؛ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا انْتَهَى. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ غَائِبٌ (وَلَوْ قَدَرَ) عَادِمُ الطَّوْلِ خَائِفُ الْعَنَتِ (عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ) ؛ فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، قَدَّمَهُ فِي
стр. 3200
التَّنْقِيحِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " وَمَنْ تَبِعَهُمْ، هُوَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ، وَلَوْ كِتَابِيَّةً فَتَحِلُّ. انْتَهَى وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَبْطُلُ نِكَاحُهَا) أَيْ: الْأَمَةِ إذَا تَزَوَّجَهَا بِالشَّرْطَيْنِ (إنْ أَيْسَرَ) فَمَلَكَ مَا يَكْفِيهِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ (وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً عَلَيْهَا أَوْ زَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ تَزَوَّجَا لِغَيْبَةِ زَوْجَتِهِ فَحَضَرَتْ، أَوْ لِصِغَرِهَا فَكَبُرَتْ، أَوْ لِمَرَضِهَا فَعُوفِيَتْ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، لَا لِاسْتِدَامَتِهِ، وَهِيَ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَهُ، دُونَ اسْتِدَامَتِهِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَّمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطَيْهِ إنْ لَمْ تُعِفَّهُ الْأَمَةُ (نِكَاحُ) أَمَةٍ أُخْرَى عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تُعِفَّاهُ؛ فَلَهُ نِكَاحُ ثَالِثَةٍ، وَهَكَذَا (إلَى أَنْ يَصِرْنَ أَرْبَعًا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى آخِرِهِ (وَكَذَا) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً (عَلَى حُرَّةٍ لَمْ تُعِفَّهُ) الْحُرَّةُ (بِشَرْطِهِ) بِأَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَصِرْنَ كَيْف يَصْنَعُ؟ ، وَإِنْ نَكَحَ أَمَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَسْتَعِفُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِبُطْلَانِهِ فِي إحْدَاهُمَا، وَلَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى؛ فَبَطَلَ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ (وَكِتَابِيٌّ حُرٌّ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي تَزَوُّجِ الْأَمَةِ (كَمُسْلِمٍ) فَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ، وَكَوْنُهَا كِتَابِيَّةً.
(وَمَنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْحَالِ (أَوْ رَضِيَتْ الْحُرَّةُ بِتَأَخُّرِ صَدَاقٍ) لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهَا تُطَالِبُهُ (أَوْ) رَضِيَتْ الْحُرَّةُ (بِدُونِ مَهْرِ مِثْلٍ) أَوْ رَضِيَتْ بِتَفْوِيضِ بَعْضِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ لَهَا طَلَبَ فَرْضِهِ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) الصَّدَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُزَوِّجُهُ (إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِمَا يُجْحِفُ مَالَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَنْ يَتَزَوَّجَ الْحُرَّةَ، وَجَازَ لَهُ
стр. 3201
نِكَاحُ الْأَمَةِ حَيْثُ خَافَ الْعَنَتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِحَالِ نَفْسِهِ.
فَائِدَةٌ وَنِكَاحُ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ أَوْلَى مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ، لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَخَفُّ مِنْ اسْتِرْقَاقِ كُلِّهِ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ) أَوْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ فَارَقَهَا وُجُوبًا، لِاعْتِرَافِهِ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ (وَلَا مَهْرَ) لَهَا (إنْ) كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَ (صَدَّقَهُ سَيِّدٌ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ، (وَإِلَّا) يُصَدِّقَهُ سَيِّدٌ فِي ذِكْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ (لَزِمَهُ) لِلسَّيِّدِ (النِّصْفُ) أَيْ: نِصْفُ الْمَهْرِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى السَّيِّدِ (أَوْ) عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ (الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ الْمَهْرِ (إنْ) كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ (دَخَلَ) بِهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى؛ لَزِمَهُ، لِإِقْرَارِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ، وَجَبَ لِلسَّيِّدِ إلَّا أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِيمَا قَالَ؛ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ مَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
(وَيَصِحُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مَعَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً تُسْقِطُ الْحَدَّ وَلَا تَصِيرُ أَمَةً مَنْكُوحَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (إنْ وَلَدَتْ أُمُّ وَلَدٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، لِأَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ.
(وَلَا يَكُونُ وَلَدُ الْأَمَةِ) مِنْ زَوْجِهَا (حُرًّا) إنْ لَمْ يَكُنْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِسَيِّدِهَا (إلَّا بِاشْتِرَاطِ) الزَّوْجِ (حُرِّيَّتَهُ) فَإِنْ اشْتَرَطَهَا فَحُرٌّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَازِمًا كَشَرْطِ سَيِّدِهَا زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ اشْتِرَاطُ حُرِّيَّةِ وَلَدٍ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ عَلَى نَاظِرٍ وَوَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِلْغَيْرِ بِمَا فِيهِ حَظٌّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَا أَثَرَ لِاشْتِرَاطِهِ.
стр. 3202
(وَ) يُبَاحُ (لِقِنٍّ وَمُدَبَّرٍ) (وَمُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ نِكَاحُ أَمَةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْأَمَةُ (لِابْنِهِ) الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَطَعَ وِلَايَةَ وَالِدِهِ عَنْهُ وَعَنْ مَالِهِ، وَلِهَذَا لَا يَلِي مَالَهُ وَلَا نِكَاحَهُ وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ (حَتَّى) وَلَوْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى حُرَّةٍ) وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَ) لِلْعَبْدِ (جَمْعٌ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ (فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْأَمَتَيْنِ.
وَ (لَا) يُبَاحُ لِلْعَبْدِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ (نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ) وَلَوْ مَلَكَتْ بَعْضَهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ تَتَنَاقَضُ؛ إذْ مِلْكُهَا إيَّاهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ بِحُكْمِهَا، وَنِكَاحُهُ إيَّاهَا يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ، وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ، وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَك.
(وَ) يُبَاحُ (لِأَمَةٍ نِكَاحُ عَبْدٍ وَلَوْ) كَانَ الْعَبْدُ (لِابْنِهَا) لِقَطْعِ رِقِّهَا التَّوَارُثَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهَا؛ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا.
وَ (لَا) يَصِحُّ (أَنْ تَتَزَوَّجَ) أَمَةٌ (سَيِّدَهَا) لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ (وَلَا) يُبَاحُ (لِحُرٍّ أَوْ حُرَّةٍ نِكَاحُ أَمَةٍ أَوْ عَبْدِ وَلَدِهِمَا) مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلَا لِلْحُرَّةِ نِكَاحُ عَبْدِ وَلَدِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ الِابْنَ لَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا دَامَ لِلِابْنِ فِيهَا مِلْكٌ وَلَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ لِوَالِدَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ مَا دَامَ لِابْنِهَا فِيهِ مِلْكٌ؛ فَمَعَ كَوْنِهَا أَوْ كَوْنِهِ كُلِّهِ أَوْ كُلِّهَا لِلْوَلَدِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ أَمَةُ وَلَدِ الْوَلَدِ عَلَى جَدِّ الْوَلَدِ، وَإِنْ عَلَا، وَلَا جَدَّةُ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهَا. (وَإِنْ نَزَلَ) لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَيْسَ كَالْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3203
(وَإِنْ مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ) الزَّوْجَ الْآخَرَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِتَنَافِي أَحْكَامِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) مَلَكَ (وَلَدُهُ الْحُرُّ) أَيْ: وَلَدُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الزَّوْجَ الْآخَرَ؛ أَوْ بَعْضَهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ وَلَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ كَمِلْكِ أَصْلِهِ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، فَكَانَ كَمِلْكِهِ فِي إسْقَاطِ الزَّوْجِ (أَوْ) مَلَكَ (مُكَاتَبُهُ) أَيْ: مُكَاتَبُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ مَلَكَ (مُكَاتَبُ وَلَدِهِ) أَيْ: وَلَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (الزَّوْجَ الْآخَرَ أَوْ) مَلَكَ (بَعْضَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ الْآخَرِ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِمَا سَبَقَ، فَلَوْ بَعَثَتْ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ: حُرِّمْتَ عَلَيْك، وَنَكَحْت غَيْرَك وَعَلَيْك نَفَقَتِي وَنَفَقَةُ زَوْجِي؛ فَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتْ ابْنَ عَمِّهَا، وَهَذَا الْفَسْخُ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فَلَوْ أَعْتَقَتْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لَمْ يُحْتَسَبْ بِتَطْلِيقِهِ.
(وَمَنْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُبَاحَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ كَأَيِّمٍ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَيْ: مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا (وَمُزَوَّجَةٍ صَحَّ فِي الْأَيِّمِ) لِأَنَّهَا مَحِلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أُفْرِدَتْ بِهِ، وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ فِيهَا النِّكَاحُ، وَلَهَا مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْهُ.
(وَ) مَنْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ (بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ؛ صَحَّ) الْعَقْدُ (فِي الْبِنْتِ) دُونَ الْأُمِّ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ عَقْدَيْنِ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَصَحَّ فِيمَا يَصِحُّ، وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ؛ إذْ لَوْ فَرَضْنَا سَبْقَ عَقْدِ الْأُمِّ ثُمَّ بُطْلَانَهُ، ثُمَّ عَقَدَ عَلَى الْبِنْتِ، صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِذَا وَقَعَا مَعًا، فَنِكَاحُ الْبِنْتِ أَبْطَلَ نِكَاحَ الْأُمِّ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ لَا يُبْطِلُ نِكَاحَ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَبِيبَةً مِنْ زَوْجَةٍ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (وَكَذَا لَوْ) جَمَعَ كَافِرٌ فِي عَقْدٍ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ وَ (أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهِمَا) أَيْ: الْأُمِّ وَبِنْتِهَا، صَحَّ فِي الْبِنْتِ دُونَ أُمِّهَا، لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا. وَبَعْدَ دُخُولِهِ بِهِمَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ مَعًا بِلَا نِزَاعٍ.
(وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا) كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالدُّرْزِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة وَشَبَهِهَا
стр. 3204
وَمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا (حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ) لِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فَلَأَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ نَفْسُهُ أَوْلَى (إلَّا الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ) فَيَحْرُمُ نِكَاحُهَا لَا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ إنَّمَا حَرُمَ لِأَجْلِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَبَقَائِهِ مَعَ كَافِرٍ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ.
(وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) نَصًّا؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يُبِيحُهُ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا قَالَ الْخُنْثَى: أَنَا رَجُلٌ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ؛ لَمْ يَنْكِحْ إلَّا رَجُلًا، فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ جَمِيعُهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْكِحَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ بِتَحْرِيمِ الرِّجَالِ، وَأَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا امْرَأَةٌ بِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ نِكَاحُهُ؛ فَلَا مَهْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، سَوَاءٌ دُخِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ، وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا، أَفَادَهُ الشَّارِحُ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
(وَلَا يَحْرُمُ فِي الْجَنَّةِ زِيَادَةُ الْعَدَدِ وَلَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ. (وَيَتَّجِهُ) وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ فِيهَا تَنَاوُلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، كَشُرْبِ خَمْرٍ وَعَدَمِ فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ (وَلُبْسِ حَرِيرٍ) وَاسْتِعْمَالُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (وَتَرْكُ صَلَاةٍ) وَصَوْمٌ وَعَدَمُ اغْتِسَالٍ مِنْ جَنَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلُهَا فِيهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3205
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ]
ِ أَيْ مَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ وَ (مَحِلُّ الْمُعْتَبَرِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الشُّرُوطِ (صُلْبُ الْعَقْدِ) أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ (وَكَذَا لَوْ اتَّفَقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الشَّرْطِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْعَقْدِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَلَى هَذَا جَوَابُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَقِيلَ فِي فَتَاوِيه: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَمُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَظَاهِرُ هَذَا وَصَرِيحُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخُصُّ النِّكَاحَ، بَلْ الْعُقُودُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَ (لَا) يَلْزَمُ الشَّرْطُ (بَعْدَ) لُزُومِ (عَقْدٍ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ (قِسْمَانِ) (أَحَدُهُمَا: صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ، فَلَيْسَ لَهُ فَكُّهُ) وَهُوَ مَا لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ (بِدُونِ إبَانَتِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ، فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ انْفَكَّتْ الشُّرُوطُ، لِأَنَّهُ بِزَوَالِ الْعَقْدِ يَزُولُ مَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ (وَيُشْرَعُ وَفَاؤُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (بِهِ) أَيْ: الشَّرْطِ نَدْبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْوَفَاءُ لَأُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ، وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (كَ) اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا عَلَى زَوْجِهَا (زِيَادَةَ مَهْرٍ) قَدْرًا مُعَيَّنًا (أَوْ) اشْتِرَاطِ كَوْنِ مَهْرِهَا مِنْ (نَقْدٍ مُعَيَّنٍ) فَيَتَعَيَّنُ كَثَمَنِ مَبِيعٍ (أَوْ) اشْتِرَاطِ
стр. 3206
(أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ) عَلَيْهَا (أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبَوَيْهَا، أَوْ) لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (أَوْلَادِهَا، أَوْ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا الصَّغِيرَ، أَوْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَلَدِهَا (مُدَّةً مَعْلُومَةً) وَتَكُونُ النَّفَقَةُ مِنْ الْمَهْرِ، وَظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُدَّةَ؛ لَمْ يَصِحَّ، لِلْجَهَالَةِ. (وَيُرْجَعُ) بِالْإِنْفَاقِ (لِعُرْفٍ أَوْ) اشْتِرَاطِ (أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا أَوْ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ) لِأَنَّ لَهَا فِيهِ قَصْدًا صَحِيحًا. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَلَا يَكْفِي) مَنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ طَلَاقَ ضَرَّتِهَا طَلَاقٌ (رَجْعِيٍّ إنْ رَاجَعَهَا) بَعْدَ طَلَاقِهِ لَهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَكْفِيهِ بَيْعُ أَمَتِهِ (بِشَرْطِ خِيَارٍ إنْ رَدَّهَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيُرْوَى صِحَّةُ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ، وَكَوْنُ الزَّوْجِ لَا يَمْلِكُ فَكَّهُ، عَنْ عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «إنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّى مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا، فَتَخَاصَمُوا إلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إذَنْ يُطَلِّقُنَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ لَهَا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً لَا تَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فَكَانَ لَازِمًا؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ كَوْنَ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» أَيْ: لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ نَفَى
стр. 3207
ذَلِكَ الدَّلِيلَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ؛ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ لَمْ يَفِ) زَوْجٌ لَهَا بِمَا شَرَطَتْهُ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فِي عَقْدٍ، فَثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ (عَلَى التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ أَشْبَهَ خِيَارَ الْقِصَاصِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ، فَإِنَّهَا تَفْسَخُ (بِفِعْلِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ مَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ كَالتَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي وَالسَّفَرِ بِهَا، وَ (لَا) تَمْلِكُ الْفَسْخَ (بِعَزْمِهِ) عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَهُ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ. (وَلَا يَسْقُطُ) خِيَارُهَا (إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضًى مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ تَمْكِينٍ) مِنْ نَفْسِهَا (مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وَفَائِهِ بِمَا شَرَطَ) أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، فَإِنْ مَكَّنَتْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ، لَمْ يَسْقُطْ لِفَسْخِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا بِتَرْكِ الْوَفَاءِ فَلَا أَثَرَ لَهُ كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِذَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ. قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ: " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ.
فَائِدَةٌ: وَلَا تَلْزَمُ هَذِهِ الشُّرُوطُ إلَّا فِي النِّكَاحِ الَّذِي شُرِطَتْ فِيهِ، فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا؛ لَمْ تَعُدْ الشُّرُوطُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ زَوَالٌ لِمَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ بِيَمِينِهَا (فِي عَدَمِ عِلْمِهَا) بِفِعْلِهِ مَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا (وَ) يُقْبَلُ قَوْلُهَا أَيْضًا فِي (نَفْيِ تَمْكِينٍ) مِنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى.
стр. 3208
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ هَذِهِ) (الشُّرُوطَ) الْمُتَقَدِّمَةَ (تَلْزَمُ) الزَّوْجَ (حَيْثُ الْتَزَمَهَا) مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ قَبْلَ الْتِزَامِهَا، فَلَمَّا الْتَزَمَهَا صَارَتْ لَازِمَةً لَهُ (وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْهُ) أَيْ: تَلْتَمِسْ مِنْهُ الزَّوْجَةُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الشُّرُوطِ الِالْتِزَامَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَقْدِ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(لَكِنْ لَوْ شَرَطَ) لَهَا (أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا فَخَدَعَهَا، وَسَافَرَ بِهَا؛ ثُمَّ كَرِهَتْهُ، وَلَمْ تُسْقِطْ حَقَّهَا مِنْ الشَّرْطِ لَمْ) يَكُنْ لَهُ أَنْ (يُكْرِهَهَا بَعْدَ) ذَلِكَ عَلَى السَّفَرِ؛ لِبَقَاءِ حُكْمِ الشَّرْطِ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الشَّرْطِ؛ يَسْقُطُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " إنَّهُ الصَّوَابُ.
(وَمَنْ شَرَطَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ أَبَوَيْهَا (بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْمَنْزِلَ صَارَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمَا، فَاسْتَحَالَ إخْرَاجُهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا فَبَطَلَ الشَّرْطُ.
(وَمَنْ شَرَطَ سُكْنَاهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (مَعَ أَبِيهِ) فَسَكَنَتْ (ثُمَّ أَرَادَتْهَا) أَيْ: السُّكْنَى (مُنْفَرِدَةً؛ فَلَهَا ذَلِكَ) أَيْ طَلَبُهُ بِإِسْكَانِهَا مُنْفَرِدَةً، لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا لِمَصْلَحَتِهَا، لَا لِحَقِّهِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهَا، وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا مَنْ شَرَطَتْ دَارَهَا فِيهَا أَوْ فِي دَارِهِ لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا (لَا إنْ عَجَزَ) عَنْ إفْرَادِهَا بِمَنْزِلٍ وَحْدَهَا؛ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَتَبِعْهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَلَوْ تَعَذَّرَ سُكْنَى مَنْزِلٍ شُرِطَ) عَلَى الزَّوْجِ (بِنَحْوِ خَرَابِ) مَسَاكِنِهِ أَوْ تَعْطِيلِ مَحَلَّتِهِ (سَكَنَ بِهَا) الزَّوْجُ (حَيْثُ أَرَادَ) سَوَاءٌ رَضِيَتْ أَوْ لَا (وَسَقَطَ حَقُّهَا) مِنْ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَارِضٌ، وَقَدْ زَالَ، فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ مَحْضُ حَقِّهِ.
стр. 3209
(ثَانِيهِمَا) أَيْ: ثَانِي قِسْمَيْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ (فَاسِدٌ، وَهُوَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ) مِنْهُمَا (يُبْطِلُ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ) أَيْ: الْمُبْطِلُ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) أَحَدُهَا - (نِكَاحُ الشِّغَارِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِقُبْحِهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ، وَقِيلَ: هُوَ الرَّفْعُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْآخَرِ عَمَّا يُرِيدُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبُعْدُ كَأَنَّهُ بَعُدَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ الْخُلُوِّ، يُقَالُ: شَغَرَ الْمَكَانُ إذَا خَلَا، وَمَكَانٌ شَاغِرٌ أَيْ خَالٍ - وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَى ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ رِجْلِهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ فَرْجٌ بِفَرْجٍ، فَالْفُرُوجُ كَمَا لَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ فَلِئَلَّا تُعَاوَضَ بِبُضْعٍ أَوْلَى (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ) أَيْ: يُزَوِّجُ رَجُلٌ رَجُلًا (وَلِيَّتَهُ) أَيْ: بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ وَنَحْوَهُمَا (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: سَكَتَا عَنْهُ، أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ وَلَوْ لَمْ يَقُولَا: وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ لِلْأُخْرَى (أَيْ: يُجْعَلُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ مَهْرًا لِلْأُخْرَى) وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ، قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنْ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنْبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك عَلَى أَنْ أَبِيعُك ثَوْبِي، وَلَيْسَ فَسَادُهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ تَمْلِيكِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا بِشَرْطِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ.
(فَإِنْ سَمَّوْا) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَهْرًا) كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتك، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةٌ، أَوْ قَالَ
стр. 3210
أَحَدُهُمَا: وَمَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ، وَمَهْرُ ابْنَتِك خَمْسُونَ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ؛ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا بِالْمُسَمَّى نَصًّا. قَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ " " وَالْفُصُولِ " فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي هَذَا الْعَقْدِ تَشْرِيكٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ شَرْطٌ؛ فَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّ الْعَقْدُ، وَمَحِلُّ الصِّحَّةِ: إنْ كَانَ الْمُسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مُسْتَقِلًّا) عَنْ بُضْعِ الْأُخْرَى، فَإِنْ جُعِلَ الْمُسَمَّى دَرَاهِمَ وَبُضْعَ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ قَلَّ) صَحَّ النِّكَاحُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) بِقَوْلِهِ: فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ قَلِيلٍ، وَلَا حِيلَةَ؛ صَحَّ.
فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْقَلِيلِ سَوَاءٌ كَانَ حِيلَةً أَوْ لَا؛ لِجَعْلِهِ إيَّاهُ قَسِيمًا لِلْحِيلَةِ، كَمَا فِي " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَهْرُ قَلِيلًا وَلَمْ يَكُنْ حِيلَةً؛ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا حِيلَةَ) (فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ قَلِيلًا حِيلَةً؛ لَمْ يَصِحَّ؛) لِمَا تَقَدَّمَ فِي بُطْلَانِ الْحِيَلِ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " وَالْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمَا (إنْ كَانَ كَثِيرًا صَحَّ) وَلَوْ حِيلَةً، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ " التَّنْقِيحِ " وَاعْتَرَضَ الْحَجَّاوِيُّ " التَّنْقِيحَ " فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ سَمَّى) الْمَهْرَ (لِإِحْدَاهُمَا) دُونَ الْأُخْرَى (صَحَّ نِكَاحُهَا) أَيْ: مَنْ سَمَّى الْمَهْرَ لَهَا (فَقَطْ) لِأَنَّ فِي نِكَاحِ الْمُسَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً وَشَرْطًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سُمِّيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ.
وَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتك، وَتَكُونُ رَقَبَتُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِك؛ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا سِوَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ. وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا؛ صَحَّ، لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا.
وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ، فَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
(وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ) وَهُوَ الثَّانِي مِنْ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمُبْطِلَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ، سُمِّيَ
стр. 3211
مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ الْحِلَّ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ: الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا (عَلَى أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا) لِمُطَلَّقِهَا أَيْ وَطِئَهَا (طَلَّقَهَا أَوْ) يَتَزَوَّجُهَا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ (فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ حَرَامٌ بَاطِلٌ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونَانِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
(أَوْ يَنْوِيَهُ) أَيْ: التَّحْلِيلَ (الزَّوْجُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا. قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعْدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ. قَالَ: هُوَ مُحَلِّلٌ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ؛ فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ. وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: تَزَوَّجْتهَا أَحِلُّهَا لِزَوْجِهَا لَمْ يَأْمُرنِي، وَلَمْ يَعْلَمْ، قَالَ: لَا، الْإِنْكَاحُ رَغْبَةٌ إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسَكْتهَا، وَإِنْ كَرِهْتهَا فَارَقْتهَا، وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِفَاحًا. وَقَالَ: لَا يَزَالَا زَانِيَيْنِ وَلَوْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً، إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا، وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَيَحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ قَالَ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
(أَوْ يَتَّفِقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّهُ نِكَاحُ مُحَلِّلٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ؛ فَلَا يَصِحُّ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَيَنْوِي حَالَ الْعَقْدِ أَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ، صَحَّ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَشَرْطِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ الْآتِي
(أَوْ
стр. 3212
يُزَوِّجُ عَبْدَهُ بِمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا بِنِيَّةِ تَمْلِيكِهِ) أَيْ الْعَبْدِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (لَهَا) أَيْ: لِلزَّوْجَةِ أَوْ بِنِيَّتِهِ بَيْعَهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْهَا (لِيَفْسَخَ نِكَاحُهَا) بِمِلْكِهَا زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ (فَيَحْرُمُ الْكُلُّ وَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، يُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا، وَعَلَّلَ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَلِّلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهَا إيَّاهُ لِيُحَلِّلَهَا لَهُ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا. انْتَهَى.
وَلَا يَحْصُلُ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ الْإِحْصَانُ (وَلَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ) الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا لِفَسَادِهِ، وَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ لِلشُّبْهَةِ بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ.
(وَلَوْ نَوَى الزَّوْجُ عِنْدَ الْعَقْدِ غَيْرَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ، صَحَّ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَدَمَ مَكَّةَ رَجُلٌ وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارًا، وَعَلَيْهِ إزَارٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ، فَسَأَلَ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا وَيُحِلَّك لِي؟ قُلْت: نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَتَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ، فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ، وَقَالَ: يَا وَيْلَاهُ غَلَبَ عَلَى امْرَأَتِي، فَأَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ غُلِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَالَ: مَنْ غَلَبَك؟ قَالَ ذُو الرُّقْعَتَيْنِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْف مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك؟ قَالَ: لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ، قَالَتْ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك: طَلِّقْ امْرَأَتَك، فَقُلْ: لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك، فَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا؛ قَالَ عُمَرُ: لَوْ طَلَّقْتهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ أَيْضًا بِسَنَدِهِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
стр. 3213
[تَنْبِيهٌ ادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَرْطِ التَّحْلِيلِ وَقَصَدَ أَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ]
تَنْبِيهٌ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَرْطِ التَّحْلِيلِ، وَقَصَدَ أَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَإِنْ ادَّعَاهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ؛ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ، وَلَوْ صَدَّقَتْ الزَّوْجَةُ أَنْ النِّكَاحَ الثَّانِيَ كَانَ فَاسِدًا؛ فَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؛ لِاعْتِرَافِهَا بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ لَا فُرْقَةَ بِيَدِهِ لَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ، فَلَوْ وَهَبَتْ) مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا (مَالًا لِمَنْ تَثِقُ بِهِ) لِيَشْتَرِيَ مَمْلُوكًا، فَاشْتَرَاهُ، وَزَوَّجَهُ بِهَا، ثُمَّ وَهَبَهُ، (أَوْ) وَهَبَ بَعْضَهُ لَهَا؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ مَشْرُوطٌ وَلَا مَنْوِيٌّ مِمَّنْ تُؤَثِّرُ نِيَّتَهُ، أَوْ (شَرْطُهُ وَهُوَ الزَّوْجُ، فَيَحْصُلُ الْإِحْلَالُ بِذَلِكَ) وَلَا أَثَرَ لِنِيَّةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا فُرْقَةَ بِيَدِهِمَا. قَالَ فِي " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ» يَقُولُ أَحْمَدُ: إنَّهَا كَانَتْ قَدْ هَمَّتْ بِالتَّحْلِيلِ، وَنِيَّةُ الْمَرْأَةِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
وَلَيْسَ فِيهِ الْمَرْأَةُ بِشَيْءٍ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ (لَا) يَحْصُلُ الْإِحْلَالُ بِذَلِكَ (وَهُوَ الْأَصَحُّ) قَالَ الْمُنَقِّحُ: الْأَظْهَرُ عَدَمُ الْإِحْلَالِ؛ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى " وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْمُنَقِّحِ انْتَهَى، وَهُوَ قِيَاسُ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَالَ فِي " الْوَاضِحِ " نِيَّتُهَا كَنِيَّتِهِ، وَقَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ بَاطِلٌ إذَا اتَّفَقَا، فَإِنْ اعْتَقَدَتْ ذَلِكَ بَاطِنًا، وَلَمْ تُظْهِرْهُ؛ صَحَّ فِي الْحُكْمِ، وَبَطَلَ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. تَتِمَّةٌ
: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ " فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لِتَأَسُّفِهِ عَلَى طَلَاقِهَا: حِلُّهَا بَعِيدٌ فِي مَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ يَقِفُ عَلَى زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَمَتَى زَوَّجَهَا مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ تَأَسُّفِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِالنِّكَاحِ إلَّا التَّحْلِيلَ، وَالْقَصْدُ عِنْدَنَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا: إذَا تَزَوَّجَ الْغَرِيبُ بِنِيَّةِ طَلَاقِهَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَمَنْ عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَوَعَدَهَا سِرًّا كَانَ أَشَدَّ تَحْرِيمًا مِنْ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ إجْمَاعًا، لَا سِيَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا
стр. 3214
مَا تُحَلَّلُ بِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ) وَهُوَ ثَالِثٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُبْطِلَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا لِيَتَمَتَّعَ بِهَا إلَى أَمَدٍ؛ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ: الْمَرْأَةَ (إلَى مُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ (أَوْ يَشْتَرِطَ طَلَاقَهَا فِيهِ) أَيْ النِّكَاحِ (بِوَقْتٍ) كَقَوْلِ وَلِيٍّ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ إلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ أَوْ إلَى قُدُومِ الْحَجِّ وَشِبْهِهِ، فَيَبْطُلُ نَصًّا؛ لِحَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.» وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْت أَذِنْت فِي الِاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَرَوَى سَبْرَةُ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: إنَّ الْمُتْعَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ، ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ إلَّا الْمُتْعَةَ (أَوْ يَنْوِيهِ) أَيْ: يَنْوِي الزَّوْجُ طَلَاقَهَا بِوَقْتٍ (بِقَلْبِهِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُد فِيهَا: هُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتْعَةِ لَا حَتَّى يَتَزَوَّجُهَا عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ مَا حَيِيَتْ (أَوْ تَزَوَّجَ الْغَرِيبُ بِنِيَّةِ طَلَاقِهَا إذَا خَرَجَ) لِيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُتْعَةِ (أَوْ يَقُولُ: أَمْتِعِينِي نَفْسَك، فَتَقُولُ: أَمْتَعْتُك) نَفْسِي (بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) فَلَا يَصِحُّ وَيَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ؛ لِتَعَاطِيهِمَا عَقْدًا فَاسِدًا (فَمَنْ تَعَاطَى مَا مَرَّ عَالِمًا) تَحْرِيمَهُ (عُزِّرَ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (وَلَحِقَهُ النَّسَبُ) ، إذَا وَطِئَ يَعْتَقِدُهُ نِكَاحًا أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةُ الْعَقْدِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَثْبُتُ) لِزَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا (فِي نِكَاحٍ لِمُتْعَةٍ) جَمِيعُ الْمَهْرِ (الْمُسَمَّى) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَ (لَا) يَثْبُتُ فِيهِ (مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يَجِبُ فِيهِ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى عَلَى الْمَذْهَبِ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ (هُنَا) وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسَمًّى انْتَهَى. وَلَا يَثْبُتُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ إحْصَانٌ وَلَا إبَاحَةٌ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَاسِدٌ؛
стр. 3215
فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَلَا يَتَوَارَثَانِ، وَلَا تُسَمَّى زَوْجَتَهُ لِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ النِّكَاحُ إلَى الْمَمَاتِ) بِأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك إلَى الْمَمَاتِ، فَيَقْبَلُ الزَّوْجُ، فَيَصِحُّ، وَلَا أَثَرَ لِهَذَا التَّوْقِيتِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. تَنْبِيهٌ
: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي عَقْدِ الْمُتْعَةِ وَفِيمَا حَكَمْنَا بِهِ أَنَّهُ كَمُتْعَةٍ كَالتَّزْوِيجِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ؛ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، فَسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ مَهْرٍ وَلَا مُتْعَةٍ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ؛ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَالنِّكَاحُ الْمُعَلَّقُ رَابِعُ الْأَشْيَاءِ الْمُبْطِلَةِ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، غَيْرَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى (كَ) قَوْلِ الْوَلِيِّ (زَوَّجْتُك) ابْنَتِي (إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ) زَوَّجْتُكهَا (إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا) أَوْ إنْ رَضِيَ فُلَانٌ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَكْرَهَ فُلَانٌ (أَوْ إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي بِنْتًا فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا) فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شُرُوطٍ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقْفٌ لِلنِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى شَرْطٍ.
(وَيَصِحُّ) تَعْلِيقُ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ مَاضٍ وَحَاضِرٍ، فَالْمَاضِي كَقَوْلِ الْوَلِيِّ (زَوَّجْتُكهَا إنْ كَانَتْ بِنْتِي، أَوْ) زَوَّجْتُكهَا إنْ (كُنْت وَلِيَّهَا أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ) أَيْ: أَنَّهَا بِنْتُهُ، أَوْ أَنَّهُ وَلِيُّهَا، أَوْ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ.
وَالشَّرْطُ الْحَاضِرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ زَوَّجْتُكهَا إنْ شِئْت، فَقَالَ: شِئْت وَقَبِلْت، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ (كَ) مَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ (زَوَّجْت) إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَ) قَالَ الزَّوْجُ (قَبِلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ حَقِيقَةً، بَلْ تَوْكِيدٌ وَتَقْوِيَةٌ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ مَا يَصِحُّ مَعَهُ النِّكَاحُ نَحْوُ (أَنْ
стр. 3216
يَشْرِطَ أَنْ لَا مَهْرَ) لَهَا (أَوْ أَنْ لَا نَفَقَةَ) لَهَا (أَوْ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ) أَنْ يَقْسِمَ لَهَا (أَقَلَّ) مِنْ ضَرَّتِهَا (أَوْ أَنْ يَشْرِطَا) عَدَمَ وَطْءٍ، أَوْ أَنْ يَشْتَرِطَ (أَحَدُهُمَا عَدَمَ وَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ أَوْ) يَشْتَرِطَ عَلَى الْمَرْأَةِ (أَنْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا) أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا (أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ) أَوْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ (إنْ فَارَقَ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ أَوْ) يَشْتَرِطَا (خِيَارًا فِي عَقْدٍ) فَيَصِحُّ النِّكَاحُ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ أَوْ فِي الْكَفَالَةِ؛ فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ، وَهُنَا صَحَّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ الِالْتِزَامُ الْمَخْصُوصُ، وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ حَالًّا، فَلَمْ يُوجَدَا مِنْ أَصْلِهِمَا، فَلَمْ يَصِحَّا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ مَعْنَى شَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَنَّهُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمَا الْفَسْخَ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِتَمَامِهِ، وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ، لِمَا فَاتَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَا (أَوْ) أَحَدُهُمَا خِيَارًا فِي (مَهْرٍ،) يَشْرِطُ عَلَيْهِ (إنْ جَاءَهَا بِهِ) أَيْ: الْمَهْرِ (فِي وَقْتِ كَذَا أَوْ إلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا أَوْ) تَشْرِطُ عَلَيْهِ (أَنْ يُسَافِرَ بِهَا) وَلَوْ لِحَجٍّ (أَوْ أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ لِوَطْءٍ عِنْدَ إرَادَتِهَا أَوْ) تَشْرِطُ (أَنْ لَا تُسَلِّمَ نَفْسَهَا) إلَيْهِ (مُدَّةً إلَى كَذَا، أَوْ) تَشْرِطُ أَنْ (لَا يَكُونَ عِنْدَهَا فِي الْجُمُعَةِ إلَّا لَيْلَةً، أَوْ) تَشْرِطُ عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَعْزِلَ عَنْهَا، أَوْ) تَشْرِطُ أَنْ (يَسْكُنَ بِهَا حَيْثُ شَاءَتْ أَوْ) حَيْثُ (شَاءَ أَبُوهَا) أَوْ حَيْثُ شَاءَ غَيْرُهُ (وَنَحْوُهُ) كَشَرْطِهَا عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا (فَيَصِحُّ النِّكَاحُ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (دُونَ الشَّرْطِ) لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَيَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ كَإِسْقَاطِ الشَّفِيعِ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَأَمَّا الْعَقْدُ بِنَفْسِهِ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَعُودُ إلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي الْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِيهِ، وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ؛ فَلَمْ يُبْطِلْهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صَدَاقًا مُحَرَّمًا فِيهِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالْعِتْقِ.
(وَمَنْ طَلَّقَ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَقَعَ) طَلَاقُهُ؛ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَلَغَا الشَّرْطُ.
стр. 3217
[فَصْلٌ شَرَطَ الزَّوْجَةَ مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كَافِرَةً]
فَصْلٌ (وَإِنْ شَرَطَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةَ (مُسْلِمَةً أَوْ قِيلَ) أَيْ: قَالَ لَهُ الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك هَذِهِ الْمُسْلِمَةَ فَبَانَتْ كَافِرَةً، أَوْ ظَنَّهَا) أَيْ ظَنَّ الزَّوْجُ الزَّوْجَةَ (مُسْلِمَةً، وَلَمْ تُعْرَفْ) الزَّوْجَةُ (بِتَقَدُّمِ كُفْرٍ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً) فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً، فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا، وَبِالْعَكْسِ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عُرِفَتْ قَبْلُ بِكُفْرٍ؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِتَفْرِيطِهِ (أَوْ شَرَطَ) الزَّوْجُ كَوْنَهَا (بِكْرًا أَوْ جَمِيلَةً أَوْ نَسِيبَةً) فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ (أَوْ شَرَطَ) الزَّوْجُ فِي الْعَقْدِ (نَفْيَ عَيْبٍ) عَنْ الزَّوْجَةِ (لَا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ) كَشَرْطِهَا سَمِيعَةً أَوْ بَصِيرَةً (فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ؛ فَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الْخِيَارُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً، فَفَاتَتْ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً، فَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا (وَيَرْجِعُ) زَوْجٌ فَسَخَ (بَعْدَ دُخُولٍ بِهِ) بِالْمَهْرِ (عَلَى الْغَارِّ) مِنْهَا أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ وَكِيلِهِ، لِلْغُرُورِ.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ: بِشَرْطِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَادَّعَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أَنَّهُ وَجَدَهَا ثَيِّبًا، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ (لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ وَطْئِهِ فِي عَدَمِ بَكَارَتِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَدْلٌ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْلَ الدُّخُولِ، قُبِلَ قَوْلُهَا، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ:
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي الزَّوْجَةِ (صِفَةً أَدْنَى فَبَانَتْ) صِفَتُهَا (أَعْلَى) مِنْ الصِّفَةِ الَّتِي
стр. 3218
شَرَطَهَا، كَأَنْ شَرَطَهَا (كِتَابِيَّةً، أَوْ) شَرَطَهَا (أَمَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ فِيهَا.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً) وَهُوَ حُرٌّ (وَظَنَّ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ) فَبَانَتْ أَمَةً (أَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً) وَكَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ فَالنِّكَاحُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ لِكَوْنِهِ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ، وَاخْتَارَ الْفَسْخَ؛ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غُرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْآخَرِ، ثُمَّ إنْ فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَهَا الْمُسَمَّى، لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ. فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ (فَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِاعْتِقَادِهِ حُرِّيَّتَهَا، فَكَانَ وَلَدُهُ حُرًّا، لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ مَا يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُ (وَيَفْدِيهِ) الزَّوْجُ إنْ وَلَدَتْهُ (حَيًّا) لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ؛ كَأَنْ تَأْتِيَ بِهِ (لِنِصْفِ سَنَةٍ) مُنْذُ وَطِئَهَا سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ نَمَاءُ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهَا، وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ فَاتَ رِقُّهُ بِفِعْلِهِ، فَفِدْيَتُهُ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ، وَكُلُّ الْحَيَوَانَاتِ مُتَقَوِّمَةٌ (يَوْمَ وِلَادَتِهِ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ وَضْعِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ، وَقِيمَتُهُ الَّتِي تَزِيدُ بَعْدَ وَضْعِهِ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْأَمَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا بَعْدَ الْخُصُومَةِ.
وَإِذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا قِيمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ (وَ) إنْ وَلَدَتْهُ (مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ فَعَلَى جَانٍ غُرَّةٌ) ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى جَنِينٍ حُرٍّ، تَرِثُ الْغُرَّةَ وَرَثَةُ الْجَنِينِ، كَأَنَّهُ وُلِدَ حَيًّا، وَمَاتَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَبَاهُ فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ (وَلَا) يَجِبُ (فِدَاءُ) هَذَا الْوَلَدِ (لِسَيِّدٍ) لِأَنَّهُ وَلَدٌ مَيِّتٌ وَلَا قِيمَةَ لَهُ (ثُمَّ إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مِمَّنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بِأَنْ كَانَ حُرًّا وَاجِدَ الطَّوْلِ، أَوْ غَيْرَ خَائِفِ الْعَنَتِ (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ
стр. 3219
مَحِلَّ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ كَذَلِكَ (حَالَ عَقْدٍ) لَا بَعْدَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ: (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) لِظُهُورِ بُطْلَانِ النِّكَاحِ؛ لِفَقْدِ شَرْطِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ (فَلَهُ الْخِيَارُ) بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَدْ غُرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ؛ أَشْبَهَ عَكْسَهُ (فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ) مَعَهَا (فَمَا) حَمَلَتْ بِهِ (وَلَدَتْهُ، بَعْدَ) ثُبُوتِ رِقِّهَا، (فَ) هُوَ (رَقِيقٌ) لِمَالِكِ الْأَمَةِ تَبَعًا لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ نَمَائِهَا، وَنَمَاؤُهَا لِوَلَدِهَا، وَقَدْ انْتَفَى الْغَرَرُ الْمُقْتَضِي لِلْحُرِّيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَنَّ الْوَلَدَ لَا) يَصِيرُ رَقِيقًا (مَعَ شَرْطِ حُرِّيَّةٍ) أَيْ: بِأَنْ يَشْرِطَ الزَّوْجُ عَلَى وَلِيِّ مَنْ تَزَوَّجَهَا حُرِّيَّتَهَا، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ رِقُّهَا فَوَلَدِي مِنْهَا حُرٌّ، فَلَهُ شَرْطُهُ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ كَانَ) حِينَ تَزَوَّجَ بِالْمَرْأَةِ، (ظَنَّهَا عَتِيقَةً) فَبَانَتْ أَمَةً؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ (أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُطَلَّقَةً) مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ رِقٍّ وَلَا حُرِّيَّةٍ (فَبَانَتْ أَمَةً؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِتْقِ، فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ) بِالْأَمَةِ بِأَنْ ظَنَّهَا أَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً (عَبْدًا؛ فَوَلَدُهُ) مِنْهَا (حُرٌّ) لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا
стр. 3220
حُرِّيَّتَهَا، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَعِلَّةُ رِقِّ الْوَلَدِ رِقُّ أُمِّهِ خَاصَّةً، وَلَا عِبْرَةَ لِلْأَبِ بِدَلِيلِ وَلَدِ الْحُرِّ مِنْ الْأَمَةِ وَوَلَدِ الْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ، وَهُنَا يُقَالُ: حُرٌّ (بَيْنَ رَقِيقَيْنِ وَيَفْدِيهِ) أَيْ: يَفْدِي الْعَبْدُ وَلَدَهُ مِنْ أَمَةٍ غُرَّ بِهَا بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ حَيًّا (لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ: الْفِدَاءِ (بِذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ؛ فَوَّتَ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ وَفِعْلِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ فَتَعَلَّقَ الْفِدَاءُ بِذِمَّتِهِ.
(وَيَرْجِعُ زَوْجٌ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (بِفِدَاءٍ) غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ إنْ كَانَ الْغَارُّ لَهُ أَجْنَبِيًّا، قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ حَتَّى يَغْرَمَ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِشَيْءٍ لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانٌ عَبْدًا بِإِتْلَافِ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مَغْرًا لَهُ بِأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَأَغْرَمَهُ مَالِكُهُ قِيمَتَهُ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْغَارِّ (بِ) الْمَهْرِ (الْمُسَمَّى) أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرِّ (عَلَى مَنْ غَرَّهُ إنْ كَانَ) الْغَارُّ لَهُ (أَجْنَبِيًّا) ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَطْءِ، كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ انْتِفَاعِهِ بِهَا إنْ غَرِمَهَا (وَإِنْ كَانَ) الْغَارُّ لِلزَّوْجِ (سَيِّدُهَا، وَلَمْ تُعْتَقْ بِذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ التَّغْرِيرُ بِلَفْظٍ تَحْصُلُ بِهِ الْحُرِّيَّةُ (أَوْ) كَانَ لِلزَّوْجِ (إيَّاهَا) أَيْ: الزَّوْجَةُ نَفْسُهَا (وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، فَلَا مَهْرَ لَهُ) أَيْ: لِسَيِّدِهَا إذَا كَانَ هُوَ الْغَارُّ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي أَنْ يَجِبَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ (وَلَا) مَهْرَ (لَهَا) أَيْ: الْمُكَاتَبَةِ إنْ كَانَتْ هِيَ الْغَارَّةَ (وَوَلَدُهَا) أَيْ: الْمُكَاتَبَةِ مِنْ زَوْجٍ غُرَّ بِحُرِّيَّتِهَا (مُكَاتَبٌ) لَوْلَا التَّغْرِيرُ تَبَعًا لَهَا (فَيَغْرَمُ أَبُوهُ قِيمَتَهُ لَهَا إنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْغَارَّةَ) لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهَا، وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (قِنًّا) أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ؛ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، وَيَغْرَمُهُ الزَّوْجُ، وَفِدَاءُ وَلَدِهَا لِسَيِّدِهَا، وَيُقَوَّمُ وَلَدُ أُمِّ وَلَدِ كَأَنَّهُ قِنٌّ؛ (وَتَعَلَّقَ) مَا غَرِمَهُ لِسَيِّدِهَا (بِرَقَبَتِهَا، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُ) هَا بَيْنَ فِدَائِهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، أَوْ يُسَلِّمُهَا إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهَا بِقِيمَتِهَا؛ سَقَطَ قَدْرُهَا عَنْ الزَّوْجِ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهَا سَلَّمَهَا وَأَخَذَ
стр. 3221
مَالَهُ، وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ الْأَمَةِ وَمِنْ وَكِيلِهَا؛ فَالضَّمَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْجِنَايَةِ، وَتَعَلَّقَ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا بِرَقَبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا) إذَا غَرَّتْ زَوْجَهَا بِحُرِّيَّتِهَا (يَجِبُ لَهَا الْبَعْضُ) مِنْ مَهْرِهَا بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهَا (وَيَسْقُطُ مَا وَجَبَ لَهَا) ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَجِبُ بَاقِيهِ لِمَالِك الْبَقِيَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهَا كَكَامِلَةِ الرِّقِّ (وَوَلَدُهَا) أَيْ: الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا (يَغْرَمُ أَبُوهُ قَدْرَ رِقِّهِ) مِنْ قِيمَتِهِ (لِأَنَّهُ مُبَعَّضٌ كَهِيَ) أَيْ: كَامِلَةٍ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؛ لِأَنَّ بَاقِيَهُ حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، لَا بِاعْتِقَادِ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَهُ (وَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً بِبَيِّنَةٍ) فَقَطْ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَ (لَا) يَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً (بِإِقْرَارِهَا) لِإِنْسَانٍ بِالرِّقِّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى زَوْجِهَا نَصًّا، لِأَنَّ إقْرَارَهَا يُزِيلُ النِّكَاحَ عَنْهَا، وَيُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّتْ بِمَالٍ عَلَى غَيْرِهَا.
(وَلِمُسْتَحِقٍّ غَرِمَ) مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجَةٍ مُكَاتَبَةٍ وَمُبَعَّضَةٍ (مُطَالَبَةُ) كُلٍّ مِنْ (زَوْجٍ وَغَارٍّ ابْتِدَاءً) أَمَّا الزَّوْجُ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ فَإِذَا طُولِبَ فَغَرِمَ؛ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَارِّ، وَأَمَّا الْغَارُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَسَبَّبَ بِمَا يُوجِبُ غُرْمًا سَاغَ، لِمُسْتَحِقِّ الْفِدَاءِ وَالْمَهْرِ مُطَالَبَتُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَالِبَهُ الزَّوْجُ؛ لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِتَغْرِيرِهِ الزَّوْجَ (وَالْغَارُّ مَنْ عَلِمَ رِقَّهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ أَوْ رِقَّ بَعْضِهَا (فَأَبْهَمَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ) بَلْ أَتَى بِقَرَائِنَ مُوَهِّمَةً لِلزَّوْجِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتَهَا فَيَنْكِحُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَرْغَبُ فِيهَا وَيُصْدِقُهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ الْإِبْهَامَ وَعَدَمَ الْبَيَانِ يَتَأَتَّى غَالِبًا (مِمَّنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النِّكَاحِ) كَوَلِيِّ الزَّوْجَةِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ الزَّوْجَةِ نَفْسِهَا، وَقَدْ يَتَأَتَّى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَارِّ؛ لِأَنَّهُ كَتَمَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3222
(وَمَنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا؛ فَبَانَ قِنًّا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ نَصًّا، أَمَّا الْحُرَّةُ فَلِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ لِلْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فَلِلسَّابِقَةِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلِأَنَّهَا مَغْرُورَةٌ بِحُرِّيَّةِ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ، أَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ وَالْعَبْدَ الْمَغْرُورَ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ، وَكَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْحُرَّةُ الْإِمْضَاءَ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا، لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (بِلَا حُكْمِ) حَاكِمٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ فَبَانَ دُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ بِأَنْ غَرَّهَا بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ، فَبَانَ عَجَمِيًّا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِالْكَفَاءَةِ؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْهُ فَقِيهًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَتْ) زَوْجَةٌ فِي زَوْجٍ (صِفَةً) غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ مِمَّا لَا تُعْتَبَرُ (فِي الْكَفَاءَةِ) كَكَوْنِهِ جَمِيلًا أَوْ نَسِيبًا أَوْ عَفِيفًا وَنَحْوَهُ (فَبَانَ أَقَلَّ) مِنْهَا (فَلَا فَسْخَ لَهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ أَشْبَهَ شَرْطَهَا طُولَهُ أَوْ قِصَرَهُ (إلَّا بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ) أَيْ: إذَا اشْتَرَطَتْهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً وَعَتَقَتْ تَحْتَهُ فَهَاهُنَا أَوْلَى (وَنَحْوُهَا) كَشَرْطِهَا فِيهِ صِفَةً يُخِلُّ فَقْدُهَا بِالْكَفَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. تَتِمَّةٌ
: وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُكِمَ فِيهِ بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ، وَبَعْدَهُ، فَلَهَا الْمُسَمَّى قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ فِيهِ النِّكَاحُ مَعَ صِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، لِحُصُولِ الْفَسْخِ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَبَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ الْخَلْوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُقَرِّرُهُ، يَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ لِتَقَرُّرِهِ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
стр. 3223
فَصْلٌ (وَلِمَنْ) أَيْ: وَلِأَمَةٍ وَمُبَعَّضَةٍ (عَتَقَتْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ، الْفَسْخُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا (إجْمَاعًا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُعْتَقْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ بِأَنْ عَتَقَ بَعْضُهُمَا؛ أَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ مُبَعَّضٍ؛ فَلَا فَسْخَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا خَبَرُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. فَقَدْ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ " أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ، يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُمَا أَخَصُّ بِهَا مِنْ الْأَسْوَدِ، لِأَنَّهُمَا ابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ قَالَا فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنَّهُ عَبْدٌ: رِوَايَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلُهُمْ، وَإِذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ، فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ حُرٌّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْحُرُّ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالْعَبْدُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَيُخَالِفُ الْحُرُّ الْعَبْدَ، لِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ، فَإِذَا كَمُلَتْ تَحْتَهُ تَضَرَّرَتْ بِبَقَائِهَا عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْحُرِّ (أَوْ عَتَقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (مَعًا) بِأَنْ كَانَا لِوَاحِدٍ، فَأَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كَانَا لِاثْنَيْنِ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَوْ وَكَّلَا وَاحِدًا، فَأَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ (فَلَا) فَسْخَ، لِأَنَّهَا لَمْ تُعْتَقْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ (فَتَقُولُ الْعَتِيقَةُ إنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَسَخْت نِكَاحِي، أَوْ) تَقُولُ: (اخْتَرْت نَفْسِي) أَوْ اخْتَرْت فِرَاقَهُ (وَ) قَوْلُهَا (طَلَّقْتهَا)
стр. 3224
أَيْ: طَلَّقْت نَفْسِي (كِنَايَةٌ عَنْ الْفَسْخِ) فَيُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا إنْ نَوَتْ بِهِ الْفُرْقَةَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْفَسْخِ، فَصَلُحَ كَوْنُهُ كِنَايَةً عَنْهُ (كَعَكْسِهِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الْفَسْخَ كِنَايَةٌ عَنْ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ فَسْخُهَا لِنِكَاحِهَا طَلَاقًا، لِحَدِيثِ: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَكَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا، وَلَهَا الْفَسْخُ (وَلَوْ مُتَرَاخِيًا) كَخِيَارِ الْعَيْبِ (مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى رِضًا) بِالْمُقَامِ مَعَهُ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد: «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٌ لِآلِ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ لَهَا: إنْ قَرِبَك فَلَا خِيَارَ لَك» . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ (وَلَا يَحْتَاجُ) نُفُوذُ (فَسْخِهَا لِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِلْإِجْمَاعِ، وَعَدَمِ احْتِيَاجِهِ لِلِاجْتِهَادِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ (بِخِلَافِ غَيْرِهَا) كَمَنْ تُرِيدُ الْفَسْخَ لِخِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ.
(فَإِنْ عَتَقَ) زَوْجُ عَتِيقَةٍ (قَبْلَ فَسْخِهَا) بَطَلَ خِيَارُهَا، لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ وَقَدْ زَالَ بِالْمُعْتَقِ فَسَقَطَ الْخِيَارُ كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ سَرِيعًا (أَوْ أَمْكَنَهُ) مِنْ وَطْئِهَا أَوْ مِنْ (مُبَاشَرَتِهَا أَوْ) أَمْكَنَتْهُ مِنْ (قُبْلَةٍ) طَائِعَةً، أَوْ قَبَّلَتْهُ هِيَ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى (وَلَوْ جَاهِلَةً عِتْقَهَا أَوْ) جَاهِلَةً (مِلْكَ الْفَسْخِ، بَطَلَ خِيَارُهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا: زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَعَتَقَتْ، قَالَتْ: فَأَرْسَلْت إلَى حَفْصَةَ، فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ: إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسّكِ زَوْجُك، وَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَقُلْت: هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ؛ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا (وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الْإِقْدَامُ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ) ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ (وَمَالَ ابْنُ رَجَبٍ لِلتَّحْرِيمِ) أَيْ: تَحْرِيمِ إقْدَامِهِ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: قِيَاسُ مَذْهَبِنَا جَوَازُهُ.
стр. 3225
(وَلِبِنْتِ تِسْعٍ أَوْ) بِنْتٍ (دُونَهَا إذَا بَلَغَتْهَا) أَيْ: تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ الْخِيَارُ (وَلِمَجْنُونَةٍ إذَا عَقَلَتْ وَلَمْ يَطَأْ) هَا الزَّوْجُ (قَبْلَ) اخْتِيَارِهَا الْفَسْخَ (الْخِيَارُ) فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ أَوْ بَعْدَ أَنْ عَقَلَتْ وَلَمْ تَخْتَرْ، سَقَطَ خِيَارُهَا كَالْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِزَوْجَيْهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَإِنْ وَطِئَهُمَا زَوْجَاهُمَا فَعَلَى مَا سَبَقَ لَا خِيَارَ لَهُمَا، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا خِيَارَ لِبِنْتٍ دُونَ تِسْعٍ وَلَا الْمَجْنُونَةِ، لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمَا (دُونَ وَلِيِّ) مَجْنُونَةٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ فَأَقَلَّ فَلَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا تَدْخُلُهُ الْوِلَايَةُ كَالْقِصَاصِ.
(فَإِنْ بَانَتْ) مَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ: الْفَسْخِ (بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ عَاقِلٍ يَمْلِكُ الْعِصْمَةَ، فَنَفَذَ كَمَا لَوْ لَمْ تَعْتِقْ الزَّوْجَةُ (وَإِنْ طَلُقَتْ) طَلَاقًا (رَجْعِيًّا) فَلَهَا الْخِيَارُ (أَوْ عَتَقَتْ الرَّجْعِيَّةُ فَلَهَا الْخِيَارُ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ وَيُمْكِنُ فَسْخُهُ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ إذَا لَمْ تَفْسَخْ بِخِلَافِ الْبَائِنِ (فَإِنْ رَضِيَتْ) الرَّجْعِيَّةُ (بِالْمُقَامِ) تَحْتَ الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهَا (بَطَلَ) خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمُقَامِ كَصُلْبِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا؛ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا، لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسُكُوتُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا (وَمَتَى فَسَخَتْ) عَتِيقَةٌ نِكَاحَهَا (بَعْدَ دُخُولٍ فَمَهْرُهَا لِسَيِّدٍ) لِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ وَهِيَ مَلَكَتْهُ حَالَتَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَفْسَخْ، وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى؛ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، (وَ) مَتَى فَسَخَتْ (قَبْلَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ) نَصًّا لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا (وَإِنْ شَرَطَ مُعْتِقُهَا) فِي عِتْقِهَا (أَنْ لَا تَفْسَخَ نِكَاحَهَا وَرَضِيَتْ) صَحَّ وَلَزِمَهَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ (أَوْ بُذِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (لَهَا) أَيْ: لِمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ (عِوَضٌ) مِنْ السَّيِّدِ أَوْ غَيْرِهِ (لِتُسْقِطَ حَقَّهَا مِنْ فَسْخٍ مَلَكَتْهُ) بِالْعِتْقِ؛ صَحَّ وَلَزِمَهَا (أَوْ أَسْقَطَتْهُ) أَيْ: حَقَّهَا (بِلَا عِوَضٍ؛ صَحَّ) ذَلِكَ (وَلَزِمَهَا) نَصًّا وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى صِحَّةِ إسْقَاطِ الْخِيَارِ بِعِوَضٍ وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِجَوَازِهِ فِي خِيَارِ
следующие страницы →