Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
مَالَهُ، وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ الْأَمَةِ وَمِنْ وَكِيلِهَا؛ فَالضَّمَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْجِنَايَةِ، وَتَعَلَّقَ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا بِرَقَبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا) إذَا غَرَّتْ زَوْجَهَا بِحُرِّيَّتِهَا (يَجِبُ لَهَا الْبَعْضُ) مِنْ مَهْرِهَا بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهَا (وَيَسْقُطُ مَا وَجَبَ لَهَا) ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَجِبُ بَاقِيهِ لِمَالِك الْبَقِيَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهَا كَكَامِلَةِ الرِّقِّ (وَوَلَدُهَا) أَيْ: الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا (يَغْرَمُ أَبُوهُ قَدْرَ رِقِّهِ) مِنْ قِيمَتِهِ (لِأَنَّهُ مُبَعَّضٌ كَهِيَ) أَيْ: كَامِلَةٍ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؛ لِأَنَّ بَاقِيَهُ حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، لَا بِاعْتِقَادِ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَهُ (وَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً بِبَيِّنَةٍ) فَقَطْ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَ (لَا) يَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً (بِإِقْرَارِهَا) لِإِنْسَانٍ بِالرِّقِّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى زَوْجِهَا نَصًّا، لِأَنَّ إقْرَارَهَا يُزِيلُ النِّكَاحَ عَنْهَا، وَيُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّتْ بِمَالٍ عَلَى غَيْرِهَا.
(وَلِمُسْتَحِقٍّ غَرِمَ) مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجَةٍ مُكَاتَبَةٍ وَمُبَعَّضَةٍ (مُطَالَبَةُ) كُلٍّ مِنْ (زَوْجٍ وَغَارٍّ ابْتِدَاءً) أَمَّا الزَّوْجُ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ فَإِذَا طُولِبَ فَغَرِمَ؛ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَارِّ، وَأَمَّا الْغَارُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَسَبَّبَ بِمَا يُوجِبُ غُرْمًا سَاغَ، لِمُسْتَحِقِّ الْفِدَاءِ وَالْمَهْرِ مُطَالَبَتُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَالِبَهُ الزَّوْجُ؛ لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِتَغْرِيرِهِ الزَّوْجَ (وَالْغَارُّ مَنْ عَلِمَ رِقَّهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ أَوْ رِقَّ بَعْضِهَا (فَأَبْهَمَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ) بَلْ أَتَى بِقَرَائِنَ مُوَهِّمَةً لِلزَّوْجِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتَهَا فَيَنْكِحُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَرْغَبُ فِيهَا وَيُصْدِقُهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ الْإِبْهَامَ وَعَدَمَ الْبَيَانِ يَتَأَتَّى غَالِبًا (مِمَّنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النِّكَاحِ) كَوَلِيِّ الزَّوْجَةِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ الزَّوْجَةِ نَفْسِهَا، وَقَدْ يَتَأَتَّى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَارِّ؛ لِأَنَّهُ كَتَمَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3222
(وَمَنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا؛ فَبَانَ قِنًّا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ نَصًّا، أَمَّا الْحُرَّةُ فَلِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ لِلْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فَلِلسَّابِقَةِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلِأَنَّهَا مَغْرُورَةٌ بِحُرِّيَّةِ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ، أَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ وَالْعَبْدَ الْمَغْرُورَ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ، وَكَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْحُرَّةُ الْإِمْضَاءَ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا، لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (بِلَا حُكْمِ) حَاكِمٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ فَبَانَ دُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ بِأَنْ غَرَّهَا بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ، فَبَانَ عَجَمِيًّا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِالْكَفَاءَةِ؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْهُ فَقِيهًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَتْ) زَوْجَةٌ فِي زَوْجٍ (صِفَةً) غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ مِمَّا لَا تُعْتَبَرُ (فِي الْكَفَاءَةِ) كَكَوْنِهِ جَمِيلًا أَوْ نَسِيبًا أَوْ عَفِيفًا وَنَحْوَهُ (فَبَانَ أَقَلَّ) مِنْهَا (فَلَا فَسْخَ لَهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ أَشْبَهَ شَرْطَهَا طُولَهُ أَوْ قِصَرَهُ (إلَّا بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ) أَيْ: إذَا اشْتَرَطَتْهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً وَعَتَقَتْ تَحْتَهُ فَهَاهُنَا أَوْلَى (وَنَحْوُهَا) كَشَرْطِهَا فِيهِ صِفَةً يُخِلُّ فَقْدُهَا بِالْكَفَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. تَتِمَّةٌ
: وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُكِمَ فِيهِ بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ، وَبَعْدَهُ، فَلَهَا الْمُسَمَّى قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ فِيهِ النِّكَاحُ مَعَ صِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، لِحُصُولِ الْفَسْخِ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَبَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ الْخَلْوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُقَرِّرُهُ، يَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ لِتَقَرُّرِهِ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
стр. 3223
فَصْلٌ (وَلِمَنْ) أَيْ: وَلِأَمَةٍ وَمُبَعَّضَةٍ (عَتَقَتْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ، الْفَسْخُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا (إجْمَاعًا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُعْتَقْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ بِأَنْ عَتَقَ بَعْضُهُمَا؛ أَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ مُبَعَّضٍ؛ فَلَا فَسْخَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا خَبَرُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. فَقَدْ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ " أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ، يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُمَا أَخَصُّ بِهَا مِنْ الْأَسْوَدِ، لِأَنَّهُمَا ابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ قَالَا فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنَّهُ عَبْدٌ: رِوَايَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلُهُمْ، وَإِذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ، فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ حُرٌّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْحُرُّ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالْعَبْدُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَيُخَالِفُ الْحُرُّ الْعَبْدَ، لِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ، فَإِذَا كَمُلَتْ تَحْتَهُ تَضَرَّرَتْ بِبَقَائِهَا عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْحُرِّ (أَوْ عَتَقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (مَعًا) بِأَنْ كَانَا لِوَاحِدٍ، فَأَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كَانَا لِاثْنَيْنِ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَوْ وَكَّلَا وَاحِدًا، فَأَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ (فَلَا) فَسْخَ، لِأَنَّهَا لَمْ تُعْتَقْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ (فَتَقُولُ الْعَتِيقَةُ إنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَسَخْت نِكَاحِي، أَوْ) تَقُولُ: (اخْتَرْت نَفْسِي) أَوْ اخْتَرْت فِرَاقَهُ (وَ) قَوْلُهَا (طَلَّقْتهَا)
стр. 3224
أَيْ: طَلَّقْت نَفْسِي (كِنَايَةٌ عَنْ الْفَسْخِ) فَيُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا إنْ نَوَتْ بِهِ الْفُرْقَةَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْفَسْخِ، فَصَلُحَ كَوْنُهُ كِنَايَةً عَنْهُ (كَعَكْسِهِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الْفَسْخَ كِنَايَةٌ عَنْ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ فَسْخُهَا لِنِكَاحِهَا طَلَاقًا، لِحَدِيثِ: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَكَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا، وَلَهَا الْفَسْخُ (وَلَوْ مُتَرَاخِيًا) كَخِيَارِ الْعَيْبِ (مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى رِضًا) بِالْمُقَامِ مَعَهُ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد: «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٌ لِآلِ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ لَهَا: إنْ قَرِبَك فَلَا خِيَارَ لَك» . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ (وَلَا يَحْتَاجُ) نُفُوذُ (فَسْخِهَا لِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِلْإِجْمَاعِ، وَعَدَمِ احْتِيَاجِهِ لِلِاجْتِهَادِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ (بِخِلَافِ غَيْرِهَا) كَمَنْ تُرِيدُ الْفَسْخَ لِخِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ.
(فَإِنْ عَتَقَ) زَوْجُ عَتِيقَةٍ (قَبْلَ فَسْخِهَا) بَطَلَ خِيَارُهَا، لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ وَقَدْ زَالَ بِالْمُعْتَقِ فَسَقَطَ الْخِيَارُ كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ سَرِيعًا (أَوْ أَمْكَنَهُ) مِنْ وَطْئِهَا أَوْ مِنْ (مُبَاشَرَتِهَا أَوْ) أَمْكَنَتْهُ مِنْ (قُبْلَةٍ) طَائِعَةً، أَوْ قَبَّلَتْهُ هِيَ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى (وَلَوْ جَاهِلَةً عِتْقَهَا أَوْ) جَاهِلَةً (مِلْكَ الْفَسْخِ، بَطَلَ خِيَارُهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا: زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَعَتَقَتْ، قَالَتْ: فَأَرْسَلْت إلَى حَفْصَةَ، فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ: إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسّكِ زَوْجُك، وَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَقُلْت: هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ؛ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا (وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الْإِقْدَامُ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ) ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ (وَمَالَ ابْنُ رَجَبٍ لِلتَّحْرِيمِ) أَيْ: تَحْرِيمِ إقْدَامِهِ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: قِيَاسُ مَذْهَبِنَا جَوَازُهُ.
стр. 3225
(وَلِبِنْتِ تِسْعٍ أَوْ) بِنْتٍ (دُونَهَا إذَا بَلَغَتْهَا) أَيْ: تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ الْخِيَارُ (وَلِمَجْنُونَةٍ إذَا عَقَلَتْ وَلَمْ يَطَأْ) هَا الزَّوْجُ (قَبْلَ) اخْتِيَارِهَا الْفَسْخَ (الْخِيَارُ) فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ أَوْ بَعْدَ أَنْ عَقَلَتْ وَلَمْ تَخْتَرْ، سَقَطَ خِيَارُهَا كَالْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِزَوْجَيْهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَإِنْ وَطِئَهُمَا زَوْجَاهُمَا فَعَلَى مَا سَبَقَ لَا خِيَارَ لَهُمَا، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا خِيَارَ لِبِنْتٍ دُونَ تِسْعٍ وَلَا الْمَجْنُونَةِ، لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمَا (دُونَ وَلِيِّ) مَجْنُونَةٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ فَأَقَلَّ فَلَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا تَدْخُلُهُ الْوِلَايَةُ كَالْقِصَاصِ.
(فَإِنْ بَانَتْ) مَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ: الْفَسْخِ (بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ عَاقِلٍ يَمْلِكُ الْعِصْمَةَ، فَنَفَذَ كَمَا لَوْ لَمْ تَعْتِقْ الزَّوْجَةُ (وَإِنْ طَلُقَتْ) طَلَاقًا (رَجْعِيًّا) فَلَهَا الْخِيَارُ (أَوْ عَتَقَتْ الرَّجْعِيَّةُ فَلَهَا الْخِيَارُ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ وَيُمْكِنُ فَسْخُهُ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ إذَا لَمْ تَفْسَخْ بِخِلَافِ الْبَائِنِ (فَإِنْ رَضِيَتْ) الرَّجْعِيَّةُ (بِالْمُقَامِ) تَحْتَ الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهَا (بَطَلَ) خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمُقَامِ كَصُلْبِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا؛ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا، لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسُكُوتُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا (وَمَتَى فَسَخَتْ) عَتِيقَةٌ نِكَاحَهَا (بَعْدَ دُخُولٍ فَمَهْرُهَا لِسَيِّدٍ) لِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ وَهِيَ مَلَكَتْهُ حَالَتَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَفْسَخْ، وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى؛ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، (وَ) مَتَى فَسَخَتْ (قَبْلَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ) نَصًّا لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا (وَإِنْ شَرَطَ مُعْتِقُهَا) فِي عِتْقِهَا (أَنْ لَا تَفْسَخَ نِكَاحَهَا وَرَضِيَتْ) صَحَّ وَلَزِمَهَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ (أَوْ بُذِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (لَهَا) أَيْ: لِمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ (عِوَضٌ) مِنْ السَّيِّدِ أَوْ غَيْرِهِ (لِتُسْقِطَ حَقَّهَا مِنْ فَسْخٍ مَلَكَتْهُ) بِالْعِتْقِ؛ صَحَّ وَلَزِمَهَا (أَوْ أَسْقَطَتْهُ) أَيْ: حَقَّهَا (بِلَا عِوَضٍ؛ صَحَّ) ذَلِكَ (وَلَزِمَهَا) نَصًّا وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى صِحَّةِ إسْقَاطِ الْخِيَارِ بِعِوَضٍ وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِجَوَازِهِ فِي خِيَارِ
стр. 3226
الْعَيْبِ بِالْبَيْعِ.
(وَمَنْ زَوَّجَ مُدَبَّرَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ بِعَبْدٍ عَلَى مِائَتَيْنِ مَهْرًا ثُمَّ مَاتَ) السَّيِّدُ (عَتَقَتْ، وَلَا فَسْخَ) أَيْ: لَا خِيَارَ لَهَا إنْ مَاتَ سَيِّدُهَا (قَبْلَ الدُّخُولِ) بِهَا (لِئَلَّا يَسْقُطَ الْمَهْرُ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا (فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَيُرَقُّ) بَعْضُهَا فَيُفْضِي إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا إلَى إسْقَاطِهِ (فَيَمْتَنِعُ الْفَسْخُ) لِأَنَّ مَا أَدَّى وُجُودُهُ إلَى رَفْعِهِ يَرْتَفِعُ مِنْ أَصْلِهِ (فَهَذِهِ) الصُّورَةُ (مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ) أَنَّ مَنْ عَتَقَتْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ، لَهَا الْفَسْخُ، وَيُعَايَا بِهَا. فَيُقَالُ: أَمَةٌ عَتَقَتْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ وَلَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ لَا يَمْتَنِعُ) الْفَسْخُ عَلَى مُدَبَّرَةٍ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدٍ (بِأَنْ) كَانَ (خَلَا بِهَا) زَوْجُهَا (بِلَا مُبَاشَرَةٍ) وَنَحْوُهُ مِمَّا يُقَرِّرُ الْمَهْرَ (فَيَتَقَرَّرُ) لَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، وَيَسُوغُ لَهَا الْفَسْخُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّهُ صَدَقَ وَعَلَيْهَا أَنَّهَا غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا (وَلَا يُرَدُّ مَا قَالُوهُ) أَيْ: الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلِمَالِكِ زَوْجَيْنِ بَيْعُهُمَا) مَعًا (أَوْ) بَيْعُ (أَحَدِهِمَا وَلَا فُرْقَةَ بِذَلِكَ) أَيْ: بِبَيْعِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي النِّكَاحِ.
(وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ) بِأَنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ؛ فَلَهَا الْخِيَارُ (لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ: الرَّجُلِ (لَا فِيهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ.
(وَسُنَّ لِمَالِكِ زَوْجَيْنِ أَرَادَ عِتْقَهُمَا بُدَاءَةً) عِتْقُ (الرَّجُلِ) ثُمَّ الْمَرْأَةِ (لِئَلَّا يَثْبُتَ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ) . فَتَفْسَخَ نِكَاحَهَا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ وَتَزَوَّجَا، فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا؛ فَقَالَ لَهَا: ابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ» . وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ لِلرَّجُلِ: إنِّي بَدَأْت بِعِتْقِك؛ لِئَلَّا يَكُونَ لَهَا عَلَيْك خِيَارٌ.
[تَتِمَّةٌ مَنْ عَتَقَتْ وَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا]
تَتِمَّةٌ وَمَنْ عَتَقَتْ وَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا؛ فَالزِّيَادَةُ لَهَا، دُونَ سَيِّدِهَا، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، فَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا؛ فَالزِّيَادَةُ لِلثَّانِي. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
стр. 3227
[بَابُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ]
ِ أَيْ: بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ (وَأَقْسَامُهَا) أَيْ: الْعُيُوبِ (الْمُثَبِّتَةُ لِلْخِيَارِ ثَلَاثَةٌ) . مِنْهَا (قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ) وَثُبُوتِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا وَجَدَ الْآخَرُ عَيْبًا فِي الْجُمْلَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ كَالصَّدَاقِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ فِي الْآخَرِ كَالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْعَمَى وَالزَّمَانَةُ وَنَحْوُهُمَا فَلَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ الْوَطْءُ بِخِلَافِ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ نَفْرَةً تَمْنَعُ مِنْ قُرْبَانِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُخَافُ مِنْهُ التَّعَدِّي إلَى نَفْسِهِ وَنَسْلِهِ، وَالْمَجْنُونُ يُخَافُ مِنْهُ الْجِنَايَةُ، فَهُوَ كَالْمَانِعِ الْحِسِّيِّ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْقِسْمُ الْمُخْتَصُّ بِالرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: (كَوْنُهُ) أَيْ: الرَّجُلِ (قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ) كُلُّهُ (أَوْ) قُطِعَ (بَعْضُهُ، وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (بِفِعْلِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (وَلَمْ يَبْقَ) مِنْهُ (مَا يُمْكِنُ جِمَاعٌ بِهِ، وَ) مَتَى ادَّعَى الزَّوْجُ إمْكَانَ الْجِمَاعِ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ؛ فَإِنَّهُ (يُقْبَلُ قَوْلُهَا) مَعَ يَمِينِهَا (فِي عَدَمِ إمْكَانِهِ) أَيْ: الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَضْعُفُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَطْءِ.
الشَّيْءُ الثَّانِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ قَطَعَ خُصْيَتَاهُ أَوْ رَضَّ بَيْضَتَاهُ) أَيْ: عَرَّقَهُمَا حَتَّى يَنْفَسِخَ فَيَصِيرُ شَبِيهًا بِالْخَصِيِّ (أَوْ سُلَّتَا) أَيْ: بَيْضَاتُهُ (فَتَفْسَخُ فِي الْكُلِّ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ يُضْعِفُهُ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ بْنِ سَنَدٍ: تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ خَصِيٌّ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَعْلَمْتَهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَعْلِمْهَا، ثُمَّ خَيِّرْهَا.
стр. 3228
الشَّيْءُ الثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ عِنِّينًا) لَا يُمْكِنُهُ وَطْءٌ وَلَوْ لِكِبَرٍ (أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ) أُجِّلَ سَنَةً لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى (مَنْ) خُلِقَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِجَبٍّ أَوْ شَلَلٍ؛ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَأْيُوسٌ مِنْهُ، فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ. وَالْعِنِّينُ هُوَ الْعَاجِزُ عَنْ إيلَاجِ ذَكَرِهِ فِي الْفَرْجِ، مَأْخُوذٌ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إذَا اعْتَرَضَ؛ لِأَنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يُولِجَهُ أَيْ: يَعْتَرِضُ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لِامْرَأَةِ الْعِنِّينِ بَعْدَ تَأْجِيلِهِ سَنَةً هِلَالِيَّةً. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْجَبِّ، وَأَمَّا قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِيرِ فَلَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ، وَلَا طُلِبَ مِنْ الْمَرْأَةِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ طَلَاقٍ، فَلَا مَعْنَى لِضَرْبِ الْمُدَّةِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَمَتَى ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَجْزَ زَوْجِهَا عَنْ الْوَطْءِ لِعُنَّةٍ (بِأَنْ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ: الْعُنَّةَ (أَوْ ثَبَتَتْ) عُنَّتُهُ (بِبَيِّنَةِ إقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنِّينٌ) ، كَأَنْ يَقُولَ: أَنَا عِنِّينٌ أَوْ عَاجِزٌ عَجْزَ خِلْقَةٍ، أَوْ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ مُذْ كَيْت، أَوْ لَمْ يَنْتَشِرْ عَلَيَّ ذَكَرِي قَطُّ، أَوْ أَنَا عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ لَا أَدْرِي هَلْ هُوَ عَجْزُ عُنَّةٍ أَوْ غَيْرِ عُنَّةٍ، أَوْ أَنَا عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، أَوْ لَسْت أَدْرِي مَا سَبَبُهُ وَلَمْ أَكُنْ عَاجِزًا قَبْلَ هَذَا، أَوْ أَنَا عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ لِدَاءٍ عَرَضَ لِي أَوْ لِأَنِّي مَطْبُوبٌ وَنَحْوُهُ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ "، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ عُمِلَ بِهَا (أَوْ عُدِمَا) أَيْ: الْإِقْرَارُ وَالْبَيِّنَةُ (فَطَلَبَتْ) الزَّوْجَةُ (يَمِينَهُ فَنَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (وَلَمْ يَدَّعِ وَطْئًا) قَبْلَ دَعْوَاهَا (أُجِّلَ) وَلَوْ عَبْدًا (سَنَةً هِلَالِيَّةً) أَيْ: اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا هِلَالِيًّا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيٌّ: هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ حَيْثُ أَطُلَقُو السَّنَةَ، أَرَادُوا بِهَا الْهِلَالِيَّةَ، وَلَكِنْ تَعْلِيلُهُمْ الْفُصُولَ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: الْخَطْبُ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَالْمُدَّةُ مُتَقَارِبَةٌ، فَإِنَّ زِيَادَةَ
стр. 3229
السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ عَلَى السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَرُبْعُ يَوْمٍ أَوْ خُمْسُ يَوْمٍ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَابْتِدَاءُ السَّنَةِ (مُنْذُ تَرَافُعِهِ) إلَى الْحَاكِمِ، فَيَضْرِبُ لَهُ الْمُدَّةَ، وَلَا يَضْرِبُهَا غَيْرُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً. وَلِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِعُنَّةٍ وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ فَتُضْرَبُ لَهُ سَنَةٌ لِتَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ يُبْسٍ زَالَ فِي فَصْلِ الرُّطُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الرُّطُوبَةِ زَالَ فِي فَصْلِ الْيُبْسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بُرُودَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ الْحَرَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ احْتِرَاقِ مِزَاجٍ، زَالَ فِي فَصْلِ الِاعْتِدَالِ، فَإِذَا مَضَتْ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأَهْوِيَةُ، وَلَمْ يَزُلْ، عُلِمَ أَنَّهُ خِلْقَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الطِّبِّ قَالُوا: الدَّاءُ لَا يَسْجُنُ فِي الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةِ، ثُمَّ يَظْهَرُ. انْتَهَى. وَلَا يُعْتَبَرُ عَنْهُ إلَّا (بَعْدَ بُلُوغِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَجْزُهُ لِصِغَرٍ لَا خِلْقَةٍ (وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْهَا) أَيْ: السَّنَةِ (مَا اعْتَزَلَهُ) أَيْ: مُدَّةَ اعْتِزَالِ الزَّوْجَةِ لَهُ بِنُشُوزٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَقَطْ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنْهَا أَوْ سَافَرَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ وَكَالْوَلِيِّ (فَإِنْ مَضَتْ) السَّنَةُ (وَلَمْ يَطَأْهَا) فِيهَا (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ جُبَّ ذَكَرُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ وَلَوْ بِفِعْلِهَا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ مِنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ إذَنْ لِلتَّأْجِيلِ، وَالْفَسْخُ حِينَئِذٍ لِلْجَبِّ لَا لِلْعُنَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ قَالَ ثَابِتُ عُنَّةٍ وَطِئَهَا وَأَنْكَرَتْ) وَطْأَهُ إيَّاهَا (وَهِيَ ثَيِّبٌ؛ فَقَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ وُجُودُ مَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْعُنَّةِ (كَ) مَا لَوْ ادَّعَى زَوْجٌ ثَابِتُ الْعُنَّةِ وَطْءَ (بِكْرٍ) بَعْدَ أَنْ أُجِّلَ، فَأَنْكَرَتْ، وَشَهِدَ بِعُذْرَتِهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، لِأَنَّ وُجُودَ الْعُذْرَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُهَا، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ قَبْلَ دَعْوَاهُ وَطْأَهَا، أَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِالْبَكَارَةِ أَحَدٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ (وَعَلَيْهَا الْيَمِينُ وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَزَلْت بَكَارَتَهَا وَعَادَتْ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا بِيَمِينِهَا (فَإِنْ شُهِدَ لَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أَيْ: شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ (بِزَوَالِهَا) أَيْ: الْبَكَارَةِ (فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْعِنِّينِ
стр. 3230
لِتَبَيُّنِ كَذِبِهَا، لِثُبُوتِ زَوَالِ بَكَارَتِهَا (وَحَلَفَ) لُزُومًا (إنْ قَالَتْ زَالَتْ) بَكَارَتُهَا (بِغَيْرِ وَطْءٍ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهَا. (وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ وَادَّعَى الْوَطْءَ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَشَرْحِهِ وَإِنْ ادَّعَى زَوْجٌ وَطْءَ بِكْرٍ فَشَهِدَ بِعُذْرَتِهَا بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: بَكَارَتِهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، أُجِّلَ سَنَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَالْأَحْوَطُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ ثِقَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا أَيْ الْبَكَارَةِ أَحَدٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُنْتَهَى " مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ: مَنْ لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ، وَادَّعَى الْوَطْءَ، قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَوْ مَعَ دَعْوَاهَا الْبَكَارَةَ، وَلَمْ تَقُمْ بِبَكَارَتِهَا الْبَيِّنَةُ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفَةٌ لِتَصْرِيحِ " الْإِقْنَاعِ " " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى "، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ.
[تَنْبِيهٌ أَنْكَرَ الزَّوْج الْعُنَّةَ وَلَمْ يَدَّعِ وَطْئًا]
تَنْبِيهٌ فَإِنْ أَنْكَرَ الْعُنَّةَ، وَلَمْ يَدَّعِ وَطْئًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أُجِّلَ السَّنَةَ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَقَالَ: لَسْت أَدْرِي أَعِنِّينٌ أَنَا أَمْ لَا؟ فَيُؤَجَّلُ سَنَةً، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ الْعُنَّةَ، وَنَكَلَ الْيَمِينَ فَإِنَّ النُّكُولَ عَنْ الْجَوَابِ كَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ.
(وَمَنْ اعْتَرَفَتْ بِوَطْئِهِ) أَيْ: زَوْجِهَا (فِي قُبُلٍ) لَهَا (بِنِكَاحٍ تَرَافَعَا فِيهِ وَلَوْ) قَالَتْ: وَطِئَنِي (مَرَّةً) وَاحِدَةً (أَوْ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ رِدَّةٍ وَنَحْوِهِ) كَفِي مَرَضٍ يَضُرُّهَا فِيهِ الْوَطْءُ أَوْ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَكَانَ اعْتِرَافُهَا بِالْوَطْءِ (بَعْدَ ثُبُوتِ عُنَّتِهِ، فَقَدْ زَالَتْ) عُنَّتُهُ؛ لِإِقْرَارِهَا بِمَا يَتَضَمَّنُ زَوَالَهَا، وَهُوَ الْوَطْءُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ إقْرَارُهَا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ قَبْلَ ثُبُوتِ عُنَّتِهِ (فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ) لِاعْتِرَافِهَا بِمَا يُنَافِي دَعْوَاهَا، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ ثَبَتَتْ بِالْوَطْءِ مَرَّةً، وَقَدْ وُجِدَ (وَلَا تَزُولُ عُنَّةٌ بِوَطْءِ غَيْرِ مُدَّعِيَةٍ) لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ امْرَأَةٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِعَجْزِهِ عَنْ وَطْئِهَا وَهُوَ لَا يَزُولُ بِوَطْءِ غَيْرِهَا، قَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ " فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَوَطِئَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ، ثُمَّ عَنْ عَنْ الرَّابِعَةِ؛ كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَيَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ
стр. 3231
عِنْدَ انْقِضَائِهَا. انْتَهَى. فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَصِحُّ الْعَجْزُ عَنْ وَاحِدَةٍ دُونَ غَيْرِهَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ تَنْهَضُ شَهْوَتُهُ فِي حَقِّ إحْدَاهُمَا لِفَرْطِ حُبِّهِ إيَّاهَا وَمَيْلِهِ إلَيْهَا وَاخْتِصَاصِهَا بِجَمَالٍ وَنَحْوِهِ دُونَ الْأُخْرَى (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَزُولُ عُنَّتُهُ بِوَطْءِ مُدَّعِيَتِهِ (فِي دُبُرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحِلًّا لِلْوَطْءِ فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْصَانٌ وَلَا إحْلَالٌ لِمُطَلَّقِهَا ثَلَاثًا، وَلَا تَزُولُ عُنَّةٌ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ؛ لِأَنَّ الْعُنَّةَ قَدْ تَطْرَأُ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا فَبَانَتْ مِنْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا فَعُنَّ عَنْهَا، ضُرِبَ لَهُ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَعُنَّ عَنْ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى فَفِي نِكَاحٍ دُونَ نِكَاحٍ أَوْلَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا وَصَلَ إلَيْهَا مَرَّةً؛ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَثْرَمِ: إذَا وَصَلَ إلَى امْرَأَتِهِ مَرَّةً لَيْسَ بِعِنِّينٍ؛ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ، وَإِنْ طَالَبَتْ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ زَوْجَةُ مَجْنُونٍ عُنَّتَهُ؛ أُجِّلَ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ " لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ مِلْكِ الْفَسْخِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَجْنُونُ وَالْعَاقِلُ، (وَ) يَكُونُ الْقَوْلُ (قَوْلَهَا فِي عَدَمِ الْوَطْءِ وَلَوْ) كَانَتْ (ثَيِّبًا) لِأَنَّ قَوْلَ الْمَجْنُونِ لَا حُكْمَ لَهُ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى " وَمَجْنُونٌ ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ كَعَاقِلٍ فِي ضَرْبِ الْمُدَّةِ؛ فَمَفْهُومُهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُجَنَّ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ (وَمَنْ حَدَثَ بِهَا جُنُونٌ) فِي الْمُدَّةِ الَّتِي ضُرِبَتْ لِزَوْجِهَا الْعِنِّينِ وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ (حَتَّى انْتَهَتْ) الْمُدَّةُ (وَلَمْ يَطَأْهَا فَلِوَلِيِّهَا) أَيْ: الْمَجْنُونَةِ (الْفَسْخُ) لِتَعَذُّرِهِ مِنْ جِهَتِهَا، وَتَحَقُّقِ احْتِيَاجِهَا لِلْوَطْءِ بِدَلِيلِ طَلَبِهَا قَبْلَ جُنُونِهَا.
(وَيَسْقُطُ حَقُّ زَوْجَةِ عِنِّينٍ وَ) زَوْجَةِ (مَقْطُوعِ بَعْضِ ذَكَرِهِ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ) فِي الْفَرْجِ، وَغَيْرُ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ " بَعْضِ "، وَإِنَّمَا قَالُوا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ مِنْ سَلِيمِهَا؛ أَيْ: لَا زِيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْوَطْءِ مِنْ الْغُسْلِ
стр. 3232
وَالْحَدِّ وَالْعِدَّةِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ وَاسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ وَالْإِحْصَانِ وَالْإِبَاحَةِ لِلْمُطَلَّقِ ثَلَاثًا (أَوْ) تَغْيِيبِ (قَدْرِهَا) أَيْ: الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا (مَعَ انْتِشَارٍ) لِيَكُونَ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْمَقْطُوعِ مِثْلَ مَا يُجْزِئُ مِنْ الصَّحِيحِ.
(وَلَوْ بَانَ عَقِيمًا) لَا تَحْمِلُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ، وَلَوْ ثَبَتَ لِذَلِكَ لَثَبَتَ فِي الْآيِسَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ؛ فَإِنَّ رِجَالًا لَا يُولَدُ لِأَحَدِهِمْ وَهُوَ شَابٌّ؛ ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَهُوَ شَيْخٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُمَا (أَوْ كَانَ يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ، وَقَدْ يُنْزِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، فَإِنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لَا يَمْنَعُ سَلَامَةَ الظَّهْرِ وَنُزُولِ الْمَاءِ، وَقَدْ يَعْجِزُ السَّلِيمُ الْقَادِرُ عَنْ الْوَطْءِ، فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ أَوْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ يَكُونُ عِنِّينًا إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَا خِيَارَ لَهَا، لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ لَا فِي الْإِنْزَالِ) فَاعْتِبَارِ خُرُوجِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ أَثْبَتَ عِلْمَهَا بِعُنَّتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَهُ لَمْ يُؤَجَّلْ) لِدُخُولِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ (وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ) بِأَنَّهُ عِنِّينٌ (إلَّا بَعْدَ دُخُولٍ، فَسَكَتَتْ عَنْ الطَّلَبِ) ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ وَ (لَمْ يَضُرَّ) سُكُوتُهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَا يَسْقُطُ طَلَبُهَا إلَّا بِالْقَوْلِ، فَلَوْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ: رَضِيت بِهِ عِنِّينًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفَسْخِ؛ لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا.
تَتِمَّةٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوَطْئِهِ فِيهِ بَطَلَ حُكْمُ عُنَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ عِنْدَ التَّرَافُعِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عُنَّةَ مَعَ الْوَطْءِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ بَعْدَ ضَرْبِهَا انْقَطَعَتْ عُنَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهَا، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا؛ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِزَوَالِ مُوجِبِهِ، كَمَا لَوْ زَالَ عَيْبُ الْمَبِيعِ سَرِيعًا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ فِيهِ حَكَمْنَا بِعُنَّتِهِ، كَمَا لَوْ
стр. 3233
أَقَرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوَطْءِ عَلَامَتُهَا.
(وَقِسْمٌ) مِنْ الْعُيُوبِ (يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْعُيُوبِ الْمُثَبِّتَةِ لِلْخِيَارِ (وَهُوَ كَوْنُ فَرْجِهَا مَسْدُودًا لَا يَسْلُكُهُ ذَكَرٌ، فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَهِيَ رَتْقَاءُ) بِالْمَدِّ، فَالرَّتْقُ تَلَاحُمُ الشَّفْرَيْنِ خِلْقَةً (وَإِلَّا) يَكُنْ ذَلِكَ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ (فَهِيَ قَرْنَاءُ وَعَفْلَاءُ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَالْخِرَقِيِّ أَنَّ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ فِي الْعُيُوبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: الْقَرْنَاءُ مَنْ يَبِتْ فِي فَرْجِهَا لَحْمٌ زَائِدٌ فَسَدَّهُ، وَالْعَفَلُ: وَرَمٌ يَكُونُ فِي اللَّحْمَةِ الَّتِي بَيْنَ مَسْلَكَيْ الْمَرْأَةِ، فَيَضِيقُ مِنْهُ فَرْجُهَا، فَلَا يَنْفُذُ فِيهِ الذَّكَرُ، حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ، فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَقِيلَ: الْقَرْنُ عَظْمٌ أَوْ غُدَّةٌ تَمْنَعُ وُلُوجَ الذَّكَرِ، وَالْعَفَلُ رَغْوَةٌ فِيهِ تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ، وَيَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ (أَوْ بِهِ) أَيْ: الْفَرْجِ (بَخَرٌ) أَيْ: نَتْنٌ يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ (أَوْ) بِالْفَرْجِ (قُرُوحٌ سَائِلَةٌ، أَوْ كَوْنُهَا فَتْقَاءُ بِانْخِرَاقٍ بَيْنَ مَا سَبِيلَيْهَا أَوْ) بِانْخِرَاقٍ (مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ، أَوْ) كَوْنُهَا (مُسْتَحَاضَةٌ) فَيَثْبُتُ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَقِسْمٌ مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُثَبِّتَةِ لِلْخِيَارِ: (وَهُوَ الْجُنُونُ وَلَوْ) كَانَ يُخْنَقُ (أَحْيَانًا) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَمِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْجُنُونِ الَّذِي يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (الصَّرْعُ) قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَالصَّرْعُ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ النَّفْسِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، وَسَبَبُهُ سُدَّةٌ تَعْرِضُ فِي بَعْضِ بُطُونِ الدِّمَاغِ وَفِي مَجَارِي الْأَعْصَابِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْأَعْضَاءِ، مِنْ خَلْطٍ غَلِيظٍ أَوْ لِزَوْجٍ كَثِيرٍ، فَتَمْنَعُ الرُّوحَ عَنْ السُّلُوكِ فِيهَا سُلُوكًا طَبِيعِيًّا،
стр. 3234
فَتَتَشَنَّجُ الْأَعْضَاءُ أَيْ: تَنْقَبِضُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ زَالَ عَقْلٌ بِمَرَضٍ فَهُوَ إغْمَاءٌ، فَلَا) يَثْبُتُ بِهِ (خِيَارٌ) لِأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْوِلَايَةُ (فَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ، وَدَامَ الْإِغْمَاءُ، فَهُوَ كَجُنُونٍ) يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَعِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ " وَالْمُبْدِعِ ": فَهُوَ جُنُونٌ (وَجُذَامٌ وَبَرَصٌ وَبَخَرُ فَمٍ) قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَعْمَلُ لِلْبَخَرِ السِّوَاكُ، وَيُؤْخَذُ كُلَّ يَوْمٍ وَرَقَةُ آسٍ مَعَ زَبِيبٍ مَنْزُوعِ الْعَجْمِ بِقَدْرِ الْجَوْزَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْكَرَفْسِ، وَمَضْغُ النَّعْنَاعِ جَيِّدٌ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالدَّوَاءُ الْقَوِيُّ لِعِلَاجِهِ أَنْ يَتَغَرْغَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الرِّيقِ وَوَسَطِ النَّهَارِ وَعِنْدَ النَّوْمِ، وَيَتَمَضْمَضَ بِالْخَرْدَلِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً أُخْرَى، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَتَغَيَّرُ فَمُهُ إلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَإِمْسَاكُ الذَّهَبِ فِي الْفَمِ يُزِيلُ الْبَخَرَ.
(وَاسْتِطْلَاقُ بَوْلٍ وَ) اسْتِطْلَاقُ (نَجْوٍ) أَيْ غَائِطٍ (وَبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ) وَهُمَا دَاءَانِ فِي الْمَقْعَدَةِ، فَالْبَاسُورُ مِنْهُ مَا هُوَ نَاتِئٌ كَالْعَدَسِ أَوْ الْحِمَّصِ، أَوْ الْعِنَبِ أَوْ التُّوتِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ غَائِرٌ دَاخِلٌ فِي الْمَقْعَدَةِ، وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ إمَّا سَائِلٌ أَوْ غَيْرُ سَائِلٍ، وَالنَّاصُورُ: قُرُوحٌ غَائِرَةٌ تَحْدُثُ فِي الْمُقْعَدَةِ يَسِيلُ مِنْهَا صَدِيدٌ، وَتَنْقَسِمُ إلَى نَافِذَةٍ وَغَيْرِ نَافِذَةٍ، وَعَلَامَةُ النَّافِذَةِ أَنْ يَخْرُجَ الرِّيحُ وَالنَّجْوُ بِلَا إرَادَةٍ، وَإِذَا أَدْخَلَ فِي النَّاصُورِ مِيلًا وَأَدْخَلَ الْأُصْبُعَ فِي الْمَقْعَدَةِ، فَإِنْ الْتَقَى فَالنَّاصُورُ نَافِذٌ.
(وَقَرْعُ رَأْسٍ وَلَهُ رِيحٌ مُنْكَرَةٌ) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رِيحٌ كَذَلِكَ فَلَا فَسْخَ بِهِ.
(وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا خُنْثَى غَيْرَ مُشْكِلٍ) وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (فَيُفْسَخُ) النِّكَاحُ (بِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُخْشَى تَعَدِّي أَذَاهُ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ نُفْرَةٌ وَنَقْصٌ، وَمِنْهَا مَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ (وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ صَغِيرٍ) مِنْهُمَا
стр. 3235
بَلْ يُفْسَخُ فِي الْحَالِ (وَلَوْ حَدَثَ) ذَلِكَ (بَعْدَ دُخُولٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي النِّكَاحِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ مُقَارِنًا، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا كَالْإِعْسَارِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ بِهَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ كَالْإِجَارَةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) تَظْهَرُ (فَائِدَتُهُ) أَيْ: الْفَسْخِ (مِنْ جِهَتِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (إذَا كَانَ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا) أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ عَفْلَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ أَيْ: فَلَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ (وَعَكْسُهُ) كَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صَغِيرًا، وَلَوْ دُونَ عَشَرٍ، وَبِهِ عَيْبٌ مُسَوِّغٌ لِلْفَسْخِ كَجُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الْحَالِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ وَقْتُ إمْكَانِ الْوَطْءِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بِحَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ".
(أَوْ) أَيْ: وَلَوْ (كَانَ بِالْفَاسِخِ عَيْبٌ مِثْلُهُ) أَيْ: الْعَيْبِ الَّذِي فَسَخَ بِهِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ كَمَا لَوْ غُرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَأْنَفُ مِنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْنَفُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، (أَوْ) كَانَ بِالْفَاسِخِ عَيْبٌ (مُغَايِرٌ لَهُ) أَيْ لِلْعَيْبِ الَّذِي فَسَخَ بِهِ كَالْأَجْذَمِ يَجِدُ الْمَرْأَةَ بَرْصَاءَ وَنَحْوَهُ؛ فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ (إلَّا مَعَ جَبِّهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (وَرَتْقِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (فَلَا يَنْبَغِي) لِأَحَدِهِمَا (ثُبُوتُ خِيَارٍ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ " الْمُبْدِعِ "؛ لِأَنَّ عَيْبَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ لِصَاحِبِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَيْبِ نَفْسِهِ.
وَ (لَا) يَثْبُتُ خِيَارٌ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) مِنْ الْعُيُوبِ (بِلَا شَرْطٍ) فَإِنْ كَانَ شَرْطٌ مِنْ الزَّوْجِ عُمِلَ بِهِ (كَعَوَرٍ وَعَرَجٍ وَقَطْعِ يَدٍ وَ) قَطْعِ (رِجْلٍ وَعَمًى وَخَرَسٍ وَطَرَشٍ) وَقَرْعٍ لَا رِيحَ لَهُ (وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا عَقِيمًا أَوْ نِضْوًا) أَيْ: نَحِيفًا جِدًّا أَوْ سَمِينًا جِدًّا وَكَشَيْخٍ، وَرَائِحَةِ إبْطٍ وَلَوْ مُنْكَرَةً، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ (خِلَافًا لِابْنِ الْقَيِّمِ) فَإِنَّهُ قَالَ فِي " الْهَدْيِ " فِيمَنْ بِهِ عَيْبٌ كَقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ عَمًى أَوْ خَرَسٍ أَوْ طَرَشٍ وَكُلُّ عَيْبٍ يُنَفِّرُ الزَّوْجَ الْآخَرَ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ: يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَإِنَّهُ
стр. 3236
أَوْلَى مِنْ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا: يَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَى السَّلَامَةِ، فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عُرْفًا. انْتَهَى. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَطْءُ، وَهَذِهِ لَا تَمْنَعُهُ وَالْحُرَّةُ لَا تُقْلَبُ كَمَا تُقْلَبُ الْأَمَةُ، وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ لَمْ يَشْتَرِطْ صِفَةً، فَبَانَتْ دُونَهَا، وَالْبَيْعُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ ذَلِكَ أَوْ شَرَطَهَا بِكْرًا أَوْ جَمِيلَةً أَوْ نَسِيبَةً، فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ لِشَرْطِهِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَتْهُ أَوْ ظَنَّتْهُ حُرًّا فَبَانَ عَبْدًا، وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارٌ فِي عَيْبٍ زَالَ بَعْدَ عَقْدٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَثْبُتُ خِيَارٌ فِي عَيْبٍ زَالَ) بَعْدَ عَقْدٍ لِزَوَالِ سَبَبِهِ (وَلَا) خِيَارَ (لِعَالِمٍ بِهِ) أَيْ: الْعَيْبِ (وَقْتَهُ) أَيْ الْعَقْدِ لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: خِيَارُ الْعَيْبِ (عَلَى التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، أَشْبَهَ خِيَارَ الْقِصَاصِ.
(وَلَا يَسْقُطُ) الْفَسْخُ (فِي عُنَّةٍ إلَّا بِقَوْلِ) امْرَأَةِ الْعِنِّينِ: أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ الْخِيَارِ لِعُنَّتِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ لَا يَكُونُ بِدُونِ التَّمْكِينِ فَلَمْ تَكُنْ التَّمْكِينُ دَلِيلَ الرِّضَى، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقَوْلُ (وَيَسْقُطُ) خِيَارُهَا (بِهِ) أَيْ الْقَوْلِ (وَلَوْ أَبَانَهَا) ثُمَّ أَعَادَهَا؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ عَالِمَةً لَعُنَّةٍ، فَقَدْ رَضِيَتْهَا بِهِ، لِيَسْقُطَ حَقُّهَا مِنْ الْخِيَارِ.
(وَيَسْقُطُ) خِيَارٌ (فِي غَيْرِ عُنَّةٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضًى مَنْ وَطْءِ) الزَّوْجِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا أَوْ تَمْكِينٍ مِنْ وَطْءٍ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ رَغْبَتِهَا فِيهِ (مَعَ عِلْمٍ بِهِ) أَيْ: الْعَيْبِ كَمَا يَسْقُطُ بِقَوْلِ نَحْوِ: أَسْقَطْت خِيَارِي كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِالْقَوْلِ وَبِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِالْعَيْبِ (وَلَوْ جَهِلَ الْحُكْمَ) أَيْ: مِلْكَ الْفَسْخِ (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ الْقَائِلِ؛ فَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ
стр. 3237
بِالْخِيَارِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ، كَعَامِّيٍّ لَا يُخَالِطُ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا، فَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ زَادَ الْعَيْبُ) كَأَنْ كَانَ بِهِ بَرَصٌ قَلِيلٌ فَانْبَسَطَ فِي جِلْدِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًى بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ (أَوْ ظَنَّهُ) أَيْ: الْعَيْبَ (يَسِيرًا) فَبَانَ كَثِيرًا كَظَنِّهِ الْبَرَصَ فِي قَلِيلٍ مِنْ جَسَدِهَا، فَبَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا رَضِيَ بِهِ.
(وَمَنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ ثُمَّ حَدَثَ عَيْبٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ) وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ أَثْبَتَ الْخِيَارَ مُقَارِنًا، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا كَالْإِعْسَارِ وَالرِّقِّ، يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلَوْ حَدَثَ الْعَيْبُ بَعْدَ دُخُولٍ. وَلَا يَرْجِعُ زَوْجٌ فَسَخَ بَعْدَ دُخُولٍ لِعَيْبٍ طَرَأَ بِالْمَهْرِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ غُرُورٌ.
(وَمَنْ فَسَخَ) مِنْهُمَا النِّكَاحَ (لِعَيْبٍ) كَأَنْ رَأَى أَحَدُهُمَا بِبَدَنِ الْآخَرِ بَيَاضًا فَظَنَّهُ بَرَصًا (فَبَانَ عَدَمُهُ) أَيْ: الْعَيْبِ (فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ) وَالْفَسْخُ بَاطِلٌ، إذْ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
(وَلَا يَصِحُّ فَسْخٌ فِي خِيَارِ عَيْبٍ وَ) خِيَارِ (شَرْطٍ بِلَا) حُكْمِ (حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَافْتَقَرَ إلَيْهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَاكِمِ: لَيْسَ هُوَ الْفَاسِخُ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ وَيَحْكُمُ بِهِ، فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ؛ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حُكْمٍ بِصِحَّتِهِ بِلَا نِزَاعٍ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ (فَيَفْسَخَهُ) - أَيْ: النِّكَاحَ - الْحَاكِمُ بِطَلَبٍ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ (أَوْ يَرُدَّهُ) أَيْ: الْفَسْخَ (إلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ) فَيَفْسَخَهُ وَيَكُونُ كَحُكْمِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ.
стр. 3238
(وَيَصِحُّ) الْفَسْخُ مِنْ الْمَرْأَةِ حَيْثُ مَلَكَتْهُ (مَعَ غَيْبَةِ زَوْجٍ) كَفَسْخِ مُشْتَرٍ بَيْعًا لِعَيْبٍ مَعَ غَيْبَةِ بَائِعٍ، وَالْأُولَى أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ مَعَ حُضُورِ الزَّوْجِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَالْفَسْخُ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَلِلزَّوْجِ إعَادَتُهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقٍ ثَلَاثٍ حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ طَلَاقٌ، وَكَذَا سَائِرُ الْفُسُوخِ كَالْفَسْخِ لِإِعْسَارِهِ بِالصَّدَاقِ أَوْ بِالنَّفَقَةِ، وَفَسْخِ الْحَاكِمِ عَلَى الْمَوْلَى بِشَرْطِهِ، إلَّا فُرْقَةَ اللِّعَانِ، فَإِنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَحْرُمُ أَبَدًا كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَسَخَ) النِّكَاحَ (قَبْلَ دُخُولٍ، فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مُتْعَةَ) ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهَا فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فَإِنَّمَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَتْهُ عَلَيْهِ بِالْإِخْفَاءِ، فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا. (وَلَهَا) أَيْ: لِزَوْجَةٍ فَسَخَتْ لِعَيْبِ زَوْجِهَا، أَوْ فَسَخَ لِعَيْبِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُقَرِّرُ الْمَهْرَ كَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ وَتَقْبِيلِهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ (الْمُسَمَّى) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وُجِدَ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصِّحَّةِ (وَكَمَا لَوْ طَرَأَ الْعَيْبُ بَعْدَ دُخُولٍ) لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ فَلَا يَسْقُطُ بِحَادِثٍ بَعْدَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا، وَلَا يُفْسَخُ مِنْ جِهَتِهَا. (وَيَرْجِعُ) زَوْجٌ (بِهِ) أَيْ: بِنَظِيرِ مُسَمًّى غَرِمَهُ لَا إنْ أُبْرِئَ مِنْهُ (عَلَى مُغْرٍ لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ عَاقِلَةٍ) وَشَرَطَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيِّ مَعَ ذَلِكَ كَوْنَ الزَّوْجَةِ بَالِغَةً وَقْتَ عَقْدٍ (لِيُوجَدَ) مِنْهَا (تَغْرِيرٌ مُحَرَّمٌ) إذْ الصَّغِيرَةُ لَا تُنْسَبُ أَفْعَالُهَا إلَى التَّحْرِيمِ (وَوَلِيٍّ وَوَكِيلٍ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَكَمَا لَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ. قَالَ أَحْمَدُ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فَهِبْته، فَمِلْت إلَى قَوْلِ عُمَرَ إذَا تَزَوَّجَهَا فَرَأَى جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، فَإِنَّ لَهَا صَدَاقَهَا بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَوَلِيُّهَا ضَامِنٌ لِلصَّدَاقِ؛ أَيْ: لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ، فَكَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَلِمَ؛ غَرِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ، فَالتَّغْرِيرُ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " (فَأَيُّهُمْ انْفَرَدَ) مِنْ زَوْجَةٍ وَوَلِيٍّ وَوَكِيلٍ (بِالْغَرَرِ؛ ضَمِنَ)
стр. 3239
وَحْدَهُ؛ لِانْفِرَادِهِ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَكِيلٍ وَوَلِيٍّ وَلَوْ مَحْرَمًا) كَأَبِيهَا وَأَخِيهَا وَعَمِّهَا (فِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِعَيْبٍ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيرَ مِنْ غَيْرِهِ (وَكَذَا هِيَ) يُقْبَلُ قَوْلُهَا (فِي عَدَمِ عِلْمِهَا بِهِ) أَيْ: عَيْبِهَا إنْ اُحْتُمِلَ (قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ، فَلَوْ وَجَدَ التَّغْرِيرَ (مِنْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (وَ) مِنْ (وَلِيٍّ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ، وَلَوْ وَجَدَ التَّغْرِيرَ (مِنْهَا وَمِنْ وَكِيلٍ) فَالضَّمَانُ (عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ) قَالَهُ الْمُوَفَّقُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ، فَقَدْ صَدَرَ الْغُرُورُ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ الْغُرُورُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ، فَلَيْسَ فِعْلُهُ فِعْلَ مَوْلَاهُ.
(وَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى لِغَارَّةٍ) فُسِخَ نِكَاحُهَا إذَا كَانَتْ (غَيْرَ حَامِلٍ) فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا؛ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ كَالْبَائِنِ.
(وَمِثْلُهَا) أَيْ: مَسْأَلَةِ مَا إذَا غُرَّ الزَّوْجُ بِمَعِيبَتِهِ (فِي رُجُوعٍ عَلَى غَارٍّ لَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ غَيْرَهَا) أَيْ: غَيْرَ زَوْجَتِهِ، فَوَطِئَهَا؛ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِلشُّبْهَةِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِإِدْخَالِهَا عَلَيْهِ (وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ) إنْ حَمَلَتْ نَصًّا؛ لِلشُّبْهَةِ، وَتُجَهَّزُ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِالْمَهْرِ الْأَوَّلِ نَصًّا (وَتَقَدَّمَ) نَحْوُهُ فِي بَابِ أَرْكَانِ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ طَلُقَتْ) الْمَعِيبَةُ (قَبْلَ دُخُولٍ) بِهَا وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْتِزَامِهِ بِطَلَاقِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَحَدٍ (أَوْ) طَلُقَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (مَعَ عَيْبِهِمَا أَوْ عَيْبِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ عِلْمٍ بِهِ) أَيْ الْعَيْبِ وَقَبْلَ فَسْخٍ؛ فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا؛ لِتَقَرُّرِهِ بِالْمَوْتِ (وَلَا رُجُوعَ) بِالصَّدَاقِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَى أَحَدٍ (لِأَنَّ سَبَبَهُ) أَيْ، الرُّجُوعِ (الْفَسْخُ، وَلَمْ يُوجَدْ) وَهَا هُنَا اسْتَقَرَّ الصَّدَاقُ بِالْمَوْتِ، فَلَا رُجُوعَ بِهِ.
стр. 3240
[فَصْلٌ وَلِي الصَّغِيرَة أَوْ الْأَمَة زَوْجهَا بمعيب يرد بِهِ عالما بالعيب]
فَصْلٌ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرٍ أَوْ صَغِيرَةٍ) أَوْ وَلِيِّ (مَجْنُونٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ) سَيِّدِ (أَمَةٍ تَزْوِيجُهُمْ بِمَعِيبٍ) مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ عَيْبًا (يُرَدُّ بِهِ) فِي النِّكَاحِ؛ لِوُجُوبِ نَظَرِهِ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ (فَإِنْ فَعَلَ) وَلِيُّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَالْمُكَلَّفَةِ أَوْ سَيِّدُ الْأَمَةِ؛ بِأَنْ زَوَّجَ بِمَعِيبٍ يُرَدُّ بِهِ (عَالِمًا) بِالْعَيْبِ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَ مَحْجُورِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (وَإِلَّا) يَعْلَمُ الْوَلِيُّ أَنَّهُ مَعِيبٌ (صَحَّ) الْعَقْدُ (وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عُلِمَ) قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " " وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى " وَالزَّرْكَشِيِّ فِي " شَرْحِ الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُنَّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى فِيمَا يُوهِمُ) إبَاحَةَ الْفَسْخِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ. انْتَهَى.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَقُولُ: لَا يُفْسَخُ وَيُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ أَوْ الْإِفَاقَةُ، فَلَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَنَظِيرُهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْهُ مَا فِي " الْفُرُوعِ " فِي الْوَقْفِ فِي بَيْعِ النَّاظِرِ لَهُ: (وَلَا لِوَلِيِّ حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ تَزْوِيجُهَا بِهِ) أَيْ: بِمَعِيبٍ يُرَدُّ بِهِ (بِلَا رِضَاهَا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (فَلَوْ فَعَلَ) وَلِيُّهَا بِأَنْ زَوَّجَهَا بِمَعِيبٍ (عَالِمًا) أَنَّهُ مَعِيبٌ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (وَإِلَّا) يُعْلَمُ بِالْعَيْبِ (صَحَّ) الْعَقْدُ (وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَإِنْ اخْتَارَتْ مُكَلَّفَةٌ تَزْوِيجَ مَجْبُوبٍ) أَيْ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ (أَوْ) اخْتَارَتْ نِكَاحَ (عِنِّينَ؛ لَمْ تُمْنَعْ) أَيْ: لَمْ يَمْنَعْهَا وَلِيُّهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَطْءِ لَهَا دُونَهُ، وَإِنْ اخْتَارَتْ نِكَاحَ (مَجْنُونٍ أَوْ مَجْذُومٍ أَوْ أَبْرَصَ؛ فَلِوَلِيِّهَا الْعَاقِلِ مَنْعُهَا) مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِيهَا، وَضَرَرًا يُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى الْوَلَدِ
стр. 3241
كَمَنْعِهَا مِنْ تَزَوُّجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ (وَإِنْ عَلِمَتْ الْعَيْبَ) الَّذِي تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِهِ (بَعْدَ عَقْدٍ أَوْ حَدَثَ) الْعَيْبُ (بِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ بَعْدَ عَقْدٍ (لَمْ يُجْبِرْهَا) وَلِيُّهَا وَلَا غَيْرُهُ (لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لَا فِي دَوَامِهِ) وَلِهَذَا لَوْ دَعَتْ وَلِيَّهَا إلَى تَزْوِيجِهَا بِعَبْدٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهَا. وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهَا.
[بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ (وَهُوَ) صَحِيحٌ وَحُكْمُهُ (كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] وَقَالَ: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] وَقَالَ ﷺ : «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» (فِيمَا يَجِبُ بِهِ) أَيْ: يَثْبُتُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ (مِنْ) وُجُوبٍ (نَحْوِ نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَمَهْرٍ) وَصِحَّةِ (إيلَاءٍ) فَإِذَا آلَى الْكَافِرُ مِنْ زَوْجَتِهِ؛ فَحُكْمُهُ كَالْمُسْلِمِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِتَنَاوُلِ عُمُومِ آيَةِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ لَهُمْ (وَ) وُقُوعِ (طَلَاقٍ) وَخُلْعٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ (وَإِبَاحَةٍ لِزَوْجٍ أَوَّلٍ) إذَا كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَكَانَ الثَّانِي وَطِئَهَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] (وَإِحْصَانٍ) إذَا وَطِئَهَا، وَهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحُدُودِ (وَفِي تَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ) السَّابِقِ تَفْصِيلُهُنَّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ (كَمَحَارِمَ) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَمُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا) فَلَوْ طَلَّقَ كَافِرٌ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ وَطْءِ زَوْجٍ آخَرَ؛ لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا
стр. 3242
فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، سَوَاءٌ أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْمُسْلِمِ، وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ بِالْوَطْءِ فِيهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ يُقِرُّونَ عَلَى أَنْكِحَةٍ مُحَرَّمَةٍ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا) أَيْ: إبَاحَتَهَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ، فَلَا يَقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ (وَلَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُخَلُّونَ وَأَحْكَامَهُمْ إذَا لَمْ يَجِيئُوا إلَيْنَا، وَلِأَنَّهُ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِي أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ، وَمَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ.
(فَإِنْ أَتَوْنَا) أَيْ: الْكُفَّارُ (قَبْلَ عَقْدِهِ) أَيْ: النِّكَاحِ بَيْنَهُمْ (عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا) بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ مِنَّا، كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَتَوْنَا) مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ (بَعْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ) عَلَى نِكَاحٍ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ الْعَقْدِ: مِنْ وُجُودِ صِيغَةٍ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ شُهُودٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ لَهُمَا الْمَقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ، وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ، فَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ وَلَا كَيْفِيَّتِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ) لِلزَّوْجِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ التَّرَافُعِ أَوْ الْإِسْلَامِ (كَعَقْدِهِ) عَلَيْهَا (فِي عِدَّةٍ) وَلَمْ يَتَرَافَعَا أَوْ يُسْلِمَا حَتَّى (فَرَغَتْ) الْعِدَّةُ (أَوْ) عَقْدِهِ (عَلَى أُخْت زَوْجَةٍ مَاتَتْ) بَعْدَ عَقْدِهِ وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالتَّرَافُعِ؛ أُقِرَّا (أَوْ) عَقَدَهُ (بِلَا شُهُودٍ أَوْ) وَلِيٍّ أَوْ (صِيغَةٍ أُقِرَّا) عَلَى نِكَاحِهِمَا، لِمَا تَقَدَّمَ،
стр. 3243
وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ إذَنْ لَا مَانِعَ مِنْهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ اسْتِدَامَتِهِ بِالْأَوْلَى (وَإِنْ حَرُمَ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (حَالَ إسْلَامٍ أَوْ) حَالَ (تَرَافُعٍ كَذَاتِ مَحْرَمٍ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (أَوْ) مُزَوَّجَةٍ (فِي عِدَّةٍ) مِنْ غَيْرِهِ (لَمْ تَفْرُغْ) إلَى التَّرَافُعِ أَوْ الْإِسْلَامِ (أَوْ) كَانَتْ (حُبْلَى) وَلَوْ مِنْ زِنًا حِينَ التَّرَافُعِ أَوْ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ) كَانَ النِّكَاحُ (شُرِطَ الْخِيَارُ فِيهِ مُطْلَقًا) أَيْ: لَمْ يَتَقَيَّدْ بِمُدَّةٍ (أَوْ) شُرِطَ الْخِيَارُ فِيهِ (مُدَّةً لَمْ تَمْضِ) عِنْدَ التَّرَافُعِ أَوْ الْإِسْلَامِ إنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ مَعَ الشَّرْطِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي " التَّنْقِيحِ " حَيْثُ قَالَ: أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مَتَى شَاءَ إذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْ مُسْلِمٍ انْتَهَى. فَتَبَيَّنَ أَنَّ بِنَاءَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَرْجُوحٍ وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ النِّكَاحِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ وَفَسَادُ الشَّرْطِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا الْآنَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمَا عَقْدٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا مَا يَعْتَقِدَانِهِ نِكَاحًا، لِأَنَّهُمَا إذَا شَرَطَا فِيهِ الْخِيَارَ، وَلَمْ يَعْتَقِدَا لُزُومَهُ؛ فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا، بِخِلَافِ مَا إذَا عُقِدَ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ شُهُودٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقْدٌ شَرْعِيٌّ، لَكِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمَا مَا يَعْتَقِدَانِهِ نِكَاحًا لِأَنَّا نُقِرُّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ حَيْثُ عُقِدَ عَلَى حُكْمِنَا، أَوْ اعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا إنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ حِينَ التَّرَافُعِ (أَوْ اسْتَدَامَ نِكَاحُ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا وَلَوْ مُعْتَقِدًا حِلَّهَا) مَعَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ (فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ حَالٌ يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، فَمَنَعَ اسْتِدَامَتَهُ كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ اللُّزُومَ، وَالْمَشْرُوطُ فِيهِ الْخِيَارُ لَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ؛ لِجَوَازِ فَسْخِهِ؛ فَلَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ جَوَازِ ابْتِدَائِهِ كَذَلِكَ، (فَ) إنْ كَانَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ (قَبْلَ دُخُولٍ فَلَا مَهْرَ) لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْعَقْدِ إذَنْ، (وَ) إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ، (فَ) لَهَا (مَهْرُ مِثْلِهَا) لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَالِاعْتِقَادِ
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ الْوَاجِبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي نِكَاحٍ (بَاطِلٍ
стр. 3244
وَ) لَهَا الْمَهْرُ (الْمُسَمَّى فِي) نِكَاحٍ (فَاسِدٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ وَطِئَ كَافِرٌ) حَرْبِيٌّ أَوْ ذِمِّيٌّ (كَافِرَةً) حَرْبِيَّةً قَهْرًا أَوْ طَوَاعِيَةً (وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا؛ أُقِرَّا) عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَا، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِكَيْفِيَّةِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمْ (وَإِلَّا) يَكُونَا حَرْبِيَّيْنِ أَوْ كَانَا، أَوْ الْوَاطِئُ ذِمِّيًّا وَالْمَوْطُوءَةُ حَرْبِيَّةً، وَلَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا (فَلَا) يُقَرَّانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا قَهْرُ الذِّمِّيَّةِ فَلَا يَتَأَتَّى لِعِصْمَتِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَهَرَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً لَمْ يُقَرَّ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ؛ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْبُلْغَةِ "، (وَمَتَى صَحَّ) الْمَهْرُ (الْمُسَمَّى) فِي نِكَاحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ (أَخَذَتْهُ) دُونَ غَيْرِهِ؛ لِوُجُوبِهِ وَصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَالتَّسْمِيَةِ كَتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِ.
(وَإِنْ قَبَضَتْ) الْمُسَمَّى (الْفَاسِدَ كُلَّهُ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَاسْتَقَرَّا عَلَيْهِ) لِتَقَابُضِهِمَا بِحُكْمِ الشِّرْكِ، وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا، وَتَقَابَضَاهُ، وَالتَّعَرُّضُ يَشُقُّ لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ وَفِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَخْذِ نِصْفِهِ؛ سَقَطَ قِيَاسًا عَلَى فَرْضِ الْخَمْرِ ثُمَّ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا (وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ) مِنْ الْفَاسِدِ بِلَا قَبْضٍ (وَجَبَ قِسْطُهُ) أَيْ: الْبَاقِي (مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ) فَلَوْ سَمَّى لَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ، فَقَبَضَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا، وَجَبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَيُعْتَبَرُ الْقِسْطُ فِيمَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ كَعَشَرَةِ آصُعٍ مِنْ خَمْرٍ بِالْكَيْلِ (أَوْ) مَا يَدْخُلُهُ (وَزْنٌ) كَعَشَرَةِ أَرْطَالِ شَحْمِ خِنْزِيرٍ بِالْوَزْنِ، (أَوْ) مَا يَدْخُلُهُ (عُدَّ بِهِ) أَيْ: الْعَدِّ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ يُقَسَّطُ عَلَيْهَا، فَاسْتَوَى كَبِيرُهُ وَصَغِيرُهُ.
(وَلَوْ أَسْلَمَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فَانْقَلَبَ خَمْرٌ) أَصْدَقَهَا إيَّاهَا (خَلًّا، ثُمَّ طَلَّقَ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أَيْ بِالزَّوْجَةِ (رَجَعَ بِنِصْفِهِ) أَيْ الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا أَصْدَقَهَا انْقَلَبَتْ صِفَتُهُ (وَلَوْ تَلِفَ الْخَلُّ) الْمُنْقَلِبُ عَنْ خَمْرٍ أَصْدَقَهَا إيَّاهُ (قَبْلَ طَلَاقِهِ، رَجَعَ) إنْ
стр. 3245
كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ (بِنِصْفِ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ (وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا) مِمَّا سُمِّيَ لَهَا مِنْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، إذَا أَسْلَمَتْ أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَجُوزُ إيجَابُهُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَكُونُ صَدَاقًا لِمُسْلِمَةٍ وَلَا فِي نِكَاحٍ لِمُسْلِمٍ، فَيَبْطُلُ وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (أَوْ لَمْ يُسَمِّ) لَهَا (مَهْرًا) فِي نِكَاحِهَا (فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ، فَوَجَبَ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ؛ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ.
[فَصْلٌ إنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا) بِأَنْ تَلَفَّظَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدْخُلُ فِي الْمَعِيَّةِ لَوْ شَرَعَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْأَوَّلُ؛ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا اخْتِلَافُ دِينٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» (أَوْ) أَسْلَمَ (زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ) أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كِتَابِيًّا أَوْ لَا، (فَ) هُمَا (عَلَى نِكَاحِهِمَا) وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ؛ فَاسْتِمْرَارُهُ أَوْلَى.
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ كِتَابِيَّةٌ تَحْتَ كَافِرٍ) كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ دُخُولٍ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُ) زَوْجَيْنِ (غَيْرِ كِتَابِيَّيْنِ) كَمَجُوسَيْنِ وَوَثَنِيَّيْنِ (قَبْلَ دُخُولٍ؛ انْفَسَخَ) النِّكَاحُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلَى قَوْلِهِ، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إذْ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ دِينَهُمَا اخْتَلَفَ؛ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِمْرَارُهُ كَابْتِدَائِهِ، وَتُعُجِّلَتْ الْفُرْقَةُ.
стр. 3246
(وَلَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ أَسْلَمَ) الزَّوْجُ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَهَا، لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهِ بِإِسْلَامِهِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا، لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَهْرُ خَمْرًا أَوْ نَحْوَهُ وَقَبَضَتْهُ؛ فَلَا رُجُوعَ بِنِصْفِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ إذَنْ كَقَرْضِ خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا (أَوْ) أَيْ: وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ (أَسْلَمَا وَادَّعَتْ سَبْقَهُ) لَهَا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ هِيَ السَّابِقَةُ، فَتَحْلِفُ أَنَّهُ السَّابِقُ بِالْإِسْلَامِ، وَتَأْخُذُ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِثُبُوتِ الْمَهْرِ فِي ذِمَّتِهِ إلَى حِينِ الْفُرْقَةِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ سُقُوطَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ (أَوْ) أَيْ: وَلَهَا الْمَهْرُ إنْ (قَالَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ بَعْدَ إسْلَامِهِمَا (سَبَقَ أَحَدُنَا) بِالْإِسْلَامِ (وَلَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ) فَلَهَا أَيْضًا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُسْقِطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، فَأَنْكَرَتْ) الزَّوْجَةُ، فَقَالَتْ: سَبَقَ أَحَدُنَا بِالْإِسْلَامِ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا؛ إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ زَوْجَتِهِ (أَسْلَمْتُ فِي عِدَّتِك) وَكَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ (لِمَدْخُولٍ بِهَا؛ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، فَقَالَتْ بَلْ) أَسْلَمْت (بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ) (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ غَيْرِ الْكِتَابِيَّيْنِ، أَوْ أَسْلَمَتْ كِتَابِيَّةٌ تَحْتَ كَافِرٍ (بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الْأَمْرُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) أَيْ: عِدَّةِ الْمُتَخَلِّفِ. رَوَى ابْنُ شُبْرُمَةَ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ قَبْلَهُ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا» وَرُوِيَ «أَنَّ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ صَفْوَانُ، فَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ؛ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شُهْرَةُ
стр. 3247
هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ «أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ، فَارْتَحَلَتْ إلَيْهِ، وَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا» . قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ وَزَوْجُهَا مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إلَّا أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ.
(فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي) أَيْ: الْمُتَأَخِّرُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (فَ) هُمَا (عَلَى نِكَاحِهِمَا) لِمَا سَبَقَ (وَإِلَّا) يُسْلِمُ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (تَبَيَّنَّا فَسْخَهُ) أَيْ: النِّكَاحِ (مُنْذُ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا، لِأَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْسَبَ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ، وَلَا تَحْتَاجُ لِعِدَّةٍ ثَانِيَةٍ.
(فَلَوْ وَطِئَ الزَّوْجُ) زَوْجَتَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَدْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا (وَلَمْ يُسْلِمْ الثَّانِي فِيهَا) أَيْ: الْعِدَّةِ؛ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِيهَا (فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " وَيُؤَدَّبُ (أَوْ كَانَ طَلَّقَ) قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (لَمْ يَقَعْ) طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَضَتْ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا فَسْخَ النِّكَاحِ مُنْذُ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ فِيهَا) أَيْ الْعِدَّةِ (مُتَخَلِّفٌ) عَنْ الْإِسْلَامِ مَعَ وَقْفِ النِّكَاحِ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهِ وَكَانَ إسْلَامُهُ بَعْدَ الْوَطْءِ (فَبِالْعَكْسِ) أَيْ: فَلَا مَهْرَ لِذَلِكَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي نِكَاحِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": وَقَدْ ذَكَرُوا، أَيْ: الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَّقَهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَعَ طَلَاقُهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ آلَى، أَوْ قَذَفَهَا؛ صَحَّ ظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ وَقَذْفُهُ، وَتَكُونُ كُلُّهَا مَوْقُوفَةً انْتَهَى.
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ؛ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَإِبْقَاءِ نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهِ فِي عِدَّتِهَا، أَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ لِإِمْكَانِ تَلَافِي نِكَاحِهَا
стр. 3248
بِإِسْلَامِهِ (وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا) فَلَا نَفَقَةَ لِلْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ لِتَلَافِي نِكَاحِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ بَعْدُ أَوْ لَمْ تُسْلِمْ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ حَامِلًا وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ كَالْبَائِنِ
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (فِي السَّابِقِ) مِنْهُمَا بِالْإِسْلَامِ، بِأَنْ قَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْتُ قَبْلَكِ فَلَا نَفَقَةَ لَكِ، وَقَالَتْ هِيَ: بَلْ أَسْلَمْتُ قَبْلَهُ فَلِي النَّفَقَةُ؛ فَقَوْلُهَا، وَلَهَا النَّفَقَةُ (أَوْ جُهِلَ الْأَمْرُ) بِأَنْ جُهِلَ السَّبْقُ، أَوْ عُلِمَ وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا (فَقَوْلُهَا وَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ قَالَ) الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ (أَسْلَمْت بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إسْلَامِي فَلَا نَفَقَةَ لَكِ فِيهِمَا، فَقَالَتْ) بَلْ أَسْلَمْتُ (بَعْدَ شَهْرٍ) فَلِي نَفَقَةُ الشَّهْرِ الْآخَرِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا تَدَّعِيهِ عَلَيْهِ وَاسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ (كَ) اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْوَقْتِ، فَلَوْ قَالَ لَهَا (أَسْلَمْت بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَقَالَتْ) بَلْ أَسْلَمْت (فِيهَا) أَيْ: الْعِدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهَا فِي الْعِدَّةِ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَيَجِبُ الصَّدَاقُ بِكُلِّ حَالٍ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ، وَسَوَاءٌ كَانَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَالْآخَرُ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ «أُمَّ حَكِيمٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَزَوْجُهَا عِكْرِمَةُ قَدْ هَرَبَ إلَى الْيَمَنِ، وَأُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالدَّارِ» ، فَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ بِكِتَابِيَّةٍ بِدَارِ الْحَرْبِ صَحَّ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
(وَمَنْ هَاجَرَ إلَيْنَا) مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَالْآخَرُ بِدَارِ الْحَرْبِ (بِعَقْدِ ذِمَّةٍ مُؤَبَّدَةٍ) عَقَدْنَاهُ لَهُ؛ لَمْ يَنْفَسِخْ (أَوْ) هَاجَرَ إلَيْنَا الزَّوْجُ (مُسْلِمًا، أَوْ) هَاجَرَتْ إلَيْنَا الزَّوْجَةُ (مُسْلِمَةً، وَالْآخَرُ) مِنْهُمَا (بِدَارِ حَرْبٍ؛ لَمْ يَنْفَسِخْ) نِكَاحُهُمَا بِالْهِجْرَةِ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ الدَّارِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الدِّينِ. فَقَدْ تَقَدَّمَ لَك أَنَّهُ إنْ سَبَقَ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ
стр. 3249
فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، أَوْ زَوْجُ غَيْرِهَا؛ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ سَبَقَتْهُ وَقَفَ عَلَى الِانْقِضَاءِ، سَوَاءٌ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، كُلُّ ذَلِكَ إنْ دَخَلَ بِهَا.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِعَقْدٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ) كَافِرٌ (وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ) نِسْوَةٍ (بِعَقْدٍ أَوْ لَا، فَأَسْلَمْنَ كُلُّهُنَّ) فِي عِدَّتِهِنَّ (أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ) أَوْ كَانَ بَعْضُهُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، وَبَعْضُهُنَّ غَيْرُهُنَّ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُنَّ كُلُّهُنَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ (اخْتَارَ وَلَوْ) كَانَ (مُحَرِّمًا أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَلَوْ مِنْ مَيِّتَاتٍ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ؛ فَصَحَّ مِنْ الْمُحْرِمِ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ؛ وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِوَقْتِ ثُبُوتِهِ، فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمَيِّتَاتِ: لِأَنَّهُنَّ كُنَّ أَحْيَاءً وَقْتَهُ (إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مُكَلَّفًا، وَإِلَّا) يَكُنْ مُكَلَّفًا (وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُكَلَّفَ) فَيَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ.
(وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الِاخْتِيَارُ) لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الشَّهْوَةِ، فَلَا تَدْخُلُهُ الْوِلَايَةُ، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ الْأَوَائِلَ أَوْ الْأَوَاخِرَ نَصًّا؛ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: «أَسْلَمْت وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْد الثَّقَفِيِّ: «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ " عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ
стр. 3250
(نَفَقَتُهُنَّ إلَى أَنْ يَخْتَارَ) مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ لِأَجْلِهِ، وَهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ.
(وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) مَرْجُوحٍ (فِي غَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَصَغِيرٍ (فَقِيرٍ) أَوْ مَجْنُونٍ إذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ الْإِفَاقَةِ؛ فَإِنَّهُ (يَذْهَبُ مَالُهُ فِي نَفَقَتِهِنَّ لِكَثْرَتِهِنَّ) وَيَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ شَرْعًا فِعْلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ لَهُ، وَالْمَصْلَحَةُ هَا هُنَا (اخْتِيَارُ وَلِيِّهِ) لَهُ أَرْبَعًا وَتَرْكُ مَا عَدَاهُنَّ (سِيَّمَا الْمَجْنُونُ) فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَخْتَارَ لَهُ مِنْ الصَّغِيرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمَجْنُونَ (لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ) فَيَنْتَظِرُ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ؛ فَإِنَّ بُلُوغَهُ يَحْصُلُ أَلْبَتَّةَ، وَلِهَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ وَلِيَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ، وَضَعُفَ الْوَقْفُ، وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ صِحَّةَ اخْتِيَارِ الْأَبِ مِنْ الزَّوْجَاتِ أَرْبَعًا وَفَسْخَهُ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ طَلَاقِ الْأَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ طَلَاقُ وَالِدِهِ عَلَيْهِ، صَحَّ اخْتِيَارُهُ لَهُ، وَإِنْ لَا فَلَا. انْتَهَى.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ لَا يَخْتَارُ لَهُ الْوَلِيُّ، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الشَّهْوَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " (وَيَعْتَزِلُ الْمُخْتَارَاتِ) وُجُوبًا (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ) إنْ كَانَتْ الْمُفَارَقَاتُ أَرْبَعًا فَأَكْثَرَ وَإِلَّا اعْتَزَلَ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ بِعَدَدِهِنَّ لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (وَأَوَّلُهَا) أَيْ: الْعِدَّةِ (هُنَا مِنْ حِينِ اخْتِيَارِهِ) لِلْمُخْتَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقَّتَ فُرْقَةَ الْمُفَارَقَاتِ (أَوْ يَمُتْنَ) عَطْفٌ عَلَى تَنْقَضِي أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ أَوْ يَمُتْنَ (فَلَوْ كُنَّ) أَيْ الزَّوْجَاتُ (ثَمَانِيًا
стр. 3251
فَاخْتَارَ أَرْبَعًا؛ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً) مِنْهُنَّ (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ، فَلَوْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إحْدَاهُنَّ؛ فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ فَقَطْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ، أَوْ كُنَّ سِتًّا، فَلَهُ وَطْءُ ثِنْتَيْنِ، أَوْ كُنَّ سَبْعًا) ؛ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ، كُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ مُفَارَقَةٍ حَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ مُخْتَارَةٌ، (وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ) أَيْ الزَّوْجَاتِ الزَّائِدَاتِ عَلَى أَرْبَعٍ (وَلَيْسَ الْبَاقِي) أَيْ؛ الْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْهُنَّ (كِتَابِيَّاتٍ مَلَكَ إمْسَاكًا وَفَسْخًا فِي مُسْلِمَةٍ) مِنْ الزَّوْجَاتِ إنْ زِدْنَ عَلَى أَرْبَعٍ (خَاصَّةً) فَلَا يَخْتَارُ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْنَ، (وَلَهُ) أَيْ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ خَمْسٌ فَأَكْثَرُ (تَعْجِيلُ إمْسَاكٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَوَاقِي بَعْدَ مَنْ أَسْلَمَ كِتَابِيَّاتٍ أَمْ لَا، فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا مِمَّنْ أَسْلَمْنَ.
(وَلَهُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ الِاخْتِيَارِ (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْبَقِيَّةِ، أَوْ يُسْلِمْنَ) فَإِنْ مَاتَ اللَّائِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ؛ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ وَمِنْ الْمَيِّتَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ (فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ) أَيْ: الْبَاقِيَاتُ (أَوْ أَسْلَمْنَ، وَقَدْ اخْتَارَ أَرْبَعًا) مِمَّنْ أَسْلَمْنَ أَوَّلًا (فَعِدَّتُهُنَّ مُنْذُ أَسْلَمَ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبٌ مَنَعَ اسْتِدَامَةَ نِكَاحِهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُبْهَمَةً قَبْلَ الِاخْتِيَارِ؛ إذْ لَيْسَتْ إحْدَاهُنَّ أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ غَيْرِهَا، فَبِالِاخْتِيَارِ تَعَيَّنَتْ، وَالْعِدَّةُ مِنْ حِينِ السَّبَبِ (وَمَنْ لَمْ يَخْتَرْ أُجْبِرَ) عَلَى الِاخْتِيَارِ (بِحَبْسٍ ثُمَّ تَعْزِيرٍ) إنْ أَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ لِيَخْتَارَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَأُجْبِرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ إذَا امْتَنَعَ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَيَكْفِي فِي الِاخْتِيَارِ) أَنْ يَقُولَ (أَمْسَكْت هَؤُلَاءِ أَوْ تَرَكْت هَؤُلَاءِ أَوْ اخْتَرْت هَذِهِ لِفَسْخٍ أَوْ) اخْتَرْت هَذِهِ (لِإِمْسَاكٍ، أَوْ أَبْقَيْت هَؤُلَاءِ وَنَحْوَهُ) كَبَاعَدْت هَؤُلَاءِ، وَلَا يَكُونُ الِاخْتِيَارُ إلَّا (مُنْجَزًا) فَلَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا، وَيَأْتِي.
(وَيَحْصُلُ اخْتِيَارٌ بِوَطْءٍ أَوْ طَلَاقٍ) لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا فِي زَوْجَةٍ (فَمَنْ طَلَّقَهَا فَهِيَ مُخْتَارَةٌ) وَ (لَا) يَحْصُلُ اخْتِيَارٌ (بِظِهَارٍ أَوْ إيلَاءٍ) لِأَنَّهُمَا كَمَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْكُوحَةِ يَدُلَّانِ عَلَى اخْتِيَارِ تَرْكِهَا، فَيَتَعَارَضُ الِاخْتِيَارُ وَعَدَمُهُ،
стр. 3252
فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، (وَ) إنْ قَالَ: (سَرَّحْت هَؤُلَاءِ، أَوْ فَارَقْتَهُنَّ؛ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لَهُنَّ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ (وَلَا اخْتِيَارَ لِغَيْرِهِنَّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ (لَا أَنْ يَنْوِيَهُ) فَيَعْمَلُ بِمَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَالنِّيَّةُ مُعَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ (كَذَا فِي " الْإِقْنَاعِ ") وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " " وَالْفُرُوعِ " قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَإِنْ وَطِئَ الْكُلَّ) قَبْلَ الِاخْتِيَارِ بِالْقَوْلِ (تَعَيَّنَ الْأُوَلُ) أَيْ: الْأَرْبَعُ الْمَوْطُوآتُ مِنْهُنَّ أَوَّلًا، لِلْإِمْسَاكِ، وَمَا بَعْدَهُنَّ لِلتَّرْكِ اسْتِدْلَالًا بِتَقْدِيمِهِنَّ فِي الْوَطْءِ عَلَى تَقْدِيمِهِنَّ فِي الرَّغْبَةِ عِنْدَهُ.
(وَيَتَّجِهُ:) مَحَلُّ تَعْيِينِ الْأَوَّلِ لِلْإِمْسَاكِ حَيْثُ عَلِمْنَ (فَإِنْ جَهِلْنَ) أَيْ الْمَوْطُوآتُ الْأُوَلُ (فَ) الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، إمَّا (الْكَفُّ) عَنْ الْجَمِيعِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَالُ (أَوْ الْقُرْعَةُ) بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ خَرَجْنَ بِالْقُرْعَةِ؛ فَهُنَّ الْمُخْتَارَاتُ، فَيُمْسِكُهُنَّ وَيَتْرُكُ مَا عَدَاهُنَّ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ طَلَّقَ الْكُلَّ ثَلَاثًا، أُخْرِجَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ بِقُرْعَةٍ) فَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ، فَيَقَعُ بِهِنَّ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى الْجَمِيعِ أَخْرَجَ الْأَرْبَعَ الْمُطَلَّقَاتِ بِالْقُرْعَةِ. كَمَا لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لَا بِعَيْنِهِنَّ (وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي) بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَرْبَعِ الْمُخْرَجَاتِ بِقُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ، فَلَوْ كُنَّ ثَمَانِيًا، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ؛ فَلَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارَقَاتِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ؛ اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَإِذَا اخْتَارَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ
стр. 3253
طَلَاقِهِ، وَبَانَ الْبَوَاقِي بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ. (وَالْمَهْرُ) وَاجِبٌ (لِمَنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِالِاخْتِيَارِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ كَالدِّينِ (وَإِلَّا) يَكُنْ دَخَلَ بِهَا (فَلَا) مَهْرَ لَهَا؛ لِتَبَيُّنِ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِسْلَامِهِمْ جَمِيعًا، كَفَسْخِ النِّكَاحِ لِعَيْبِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، كَالْمَجُوسِيِّ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ بِشَرْطٍ) كَقَوْلِهِ (مَنْ أَسْلَمَتْ فَقَدْ اخْتَرْتهَا) أَوْ مَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَقَدْ فَارَقْتهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُوجَدُ فِيمَنْ يُحِبُّهَا فَيُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ الْقُرْعَةُ فِيهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (فَسْخُ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا) أَيْ: حَالَةَ الْفَسْخِ (إسْلَامُ أَرْبَعٍ) سِوَاهَا، وَلَيْسَ فِيهِنَّ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ فَيَقَعُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَإِنْ اخْتَارَ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ اخْتِيَارٍ، وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا لَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ.
(وَإِنْ مَاتَ) مَنْ أَسْلَمَ (قَبْلَ اخْتِيَارٍ) وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ (فَعَلَى الْجَمِيعِ) مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ نِسَائِهِ (أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ) عِدَّةِ (حَيَاةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارَقَةً وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَعِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا احْتِيَاطًا، وَتَعْتَدُّ حَامِلٌ بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ عِدَّتُهَا، وَصَغِيرَةٌ وَآيِسَةٌ بِعِدَّةِ وَفَاةٍ؛ لِأَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (وَيَرِثُ مِنْهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (أَرْبَعٌ) مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ وَأَسْلَمْنَ (بِقُرْعَةٍ) كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ نِسْوَةٍ؛ نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدٌ وَجُهِلَ.
стр. 3254
(وَإِنْ أَسْلَمَ) كَافِرٌ (وَتَحْتَهُ نَحْوُ أُخْتَيْنِ) كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا، أَوْ امْرَأَةٍ وَخَالَتِهَا، فَأَسْلَمَتَا مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ إنْ دَخَلَ بِهِمَا، أَوْ لَمْ تُسْلِمَا وَهُمَا كِتَابِيَّتَانِ (اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً) لِمَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَسْلَمْت وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ " اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت ".
وَلِأَنَّ الْمُبْقَاةَ امْرَأَةٌ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا ابْتِدَاءً، فَجَازَ اسْتِدَامَتُهُ كَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الْجَمْعُ، وَقَدْ أَزَالَهُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إحْدَاهُمَا، وَلَا مَهْرَ لِغَيْرِ الْمُخْتَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ تَزَوُّجَ الْمَجُوسِيِّ أُخْتَهُ، وَحَيْثُ اخْتَارَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَطَأْ الْمُخْتَارَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا وَنَحْوِهَا، لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ نَحْوِ أُخْتَيْنِ، (وَإِنْ كَانَتَا) أَيْ: مَنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ عَلَيْهِمَا (أُمًّا وَبِنْتًا) وَأَسْلَمَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا، وَكَانَ أَوْ كَانَتَا كِتَابِيَّتَيْنِ (وَ) قَدْ (دَخَلَ بِأُمِّهَا) وَحْدَهَا (فَسَدَ نِكَاحُهُمَا) أَيْ: الْأُمِّ وَالْبِنْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَهَذِهِ أُمُّ زَوْجَتِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إذَا أَسْلَمَ، فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا فَمِنْ بَابِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْبِنْتُ فَلِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِهَا. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا.
(وَإِلَّا) يَكُنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ (فَ) يَفْسُدُ (نِكَاحُ الْأُمِّ وَحْدَهَا) لِتَحْرِيمِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى بِنْتِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَمْ يَكُنْ اخْتِيَارُهَا، وَالْبِنْتُ لَا تَحْرُمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا، فَتَعَيَّنَ النِّكَاحُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأُخْتَيْنِ.
(وَلَوْ أَسْلَمَتْ مَنْ) أَيْ: امْرَأَةٌ (تَزَوَّجَتْ بِاثْنَيْنِ) فَأَكْثَرَ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَحَدَهُمَا) أَوْ أَحَدَهُمْ (وَلَوْ أَسْلَمُوا) أَيْ: هِيَ وَالزَّوْجَانِ أَوْ الْأَزْوَاجُ (مَعًا) فِي آنٍ وَاحِدٍ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلُّ وِفَاقٍ
стр. 3255
(وَ) إنْ كَانَ تَزَوُّجُهَا وَقَعَ (بِعَقْدَيْنِ) أَوْ عُقُودٍ، (فَ) هِيَ لِزَوْجِهَا (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ صَحِيحٌ، وَمَا بَعْدَهُ بَاطِلٌ.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ حُرٌّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلُّ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ حُرٌّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ) أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلُّ (فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) قَبْلَ الدُّخُولِ بِهِنَّ (أَوْ) بَعْدَهُ، أَوْ أَسْلَمْنَ (فِي الْعِدَّةِ) إنْ كَانَ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهِنَّ، سَوَاءٌ أَسْلَمْنَ (قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَيْثُ وَجَبَتْ لَمْ تُشْتَرَطْ الْمَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ (اخْتَارَ) مِنْهُنَّ (إنْ جَازَ لَهُ نِكَاحُهُنَّ) أَيْ: الْإِمَاءِ، بِأَنْ كَانَ عَادِمَ الطُّولِ خَائِفَ الْعَنَتِ (وَقْتَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ بِإِسْلَامِهِنَّ) تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، فَيَخْتَارُ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تُعِفُّهُ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ مَنْ يُعِفُّهُ إلَى أَرْبَعٍ، (وَإِلَّا) يَجُزْ لَهُ نِكَاحُهُنَّ وَقْتَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ بِإِسْلَامِهِنَّ (فَسَدَ) نِكَاحُهُنَّ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا جَمِيعًا مُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءُ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ فَكَذَلِكَ اسْتِدَامَتُهُ (فَإِنْ كَانَ) زَوْجُ الْإِمَاءِ (مُوسِرًا) قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ (فَلَمْ يُسْلِمْنَ) أَيْ: الْإِمَاءُ (حَتَّى أَعْسَرَ) فَلَهُ الِاخْتِيَارُ حَيْثُ خَافَ الْعَنَتَ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ؛ فَلَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَسْلَمَتْ إحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي؛ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ) مِنْهُنَّ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً (وَإِنْ) أَسْلَمَ ثُمَّ (عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمْنَ) أَيْ: الْبَوَاقِي مِنْ الْإِمَاءِ تَعَيَّنَتْ الْأُولَى إنْ كَانَتْ
стр. 3256
تُعِفُّهُ؛ لِأَنَّ تَحْتَهُ حُرَّةً عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ (أَوْ) أَسْلَمَ ثُمَّ (عَتَقَتْ ثُمَّ أَسْلَمْنَ) أَيْ الْبَوَاقِي: (ثُمَّ أَسْلَمَتْ) الْعَتِيقَةُ؛ تَعَيَّنَتْ إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ عَتَقَتْ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهَا) كَأَنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي (تَعَيَّنَتْ الْأُولَى) وَهِيَ الْعَتِيقَةُ (إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ) وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُنَّ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ، وَهِيَ عَدَمُ الطَّوْلِ وَخَوْفُ الْعَنَتِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الْعِفَّةَ حَصَلَتْ لَهُ بِالْحُرَّةِ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَمَتَى وَرَدَ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَتْ، وَعُلِمَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ عَتَقَتْ إحْدَاهُنَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهَا؛ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ بِحَالَةِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، لَا بِحَالَةِ الِاتِّفَاقِ فِيهِ، وَثُبُوتُ النِّكَاحِ وَالْحُرِّيَّةُ إنَّمَا طَرَأَتْ هُنَا بَعْدَ ثُبُوتِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ حِينَئِذٍ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، وَكَذَلِكَ اسْتِدَامَتُهُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيَخْتَارُ مِنْهُنَّ، لِأَنَّهُنَّ فِي بَابِ النِّكَاحِ سَوَاءٌ، فَيَخْتَارُ مِنْ جَمِيعِهِنَّ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) حُرٌّ (وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ فَأَسْلَمَتْ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ) أَيْ: الْإِمَاءِ (أَوْ بَعْدَهُنَّ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ، وَتَعَيَّنَتْ الْحُرَّةُ إنْ كَانَتْ تُعِفُّهُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُرَّةِ الَّتِي تُعِفُّهُ، فَلَا يَخْتَارُ عَلَيْهَا أَمَةً (مَا لَمْ يُعْتَقْنَ ثُمَّ يُسْلِمْنَ فِي الْعِدَّةِ) إنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، فَإِنْ أُعْتِقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، فَحُكْمُهُنَّ (كَالْحَرَائِرِ فَ) لَهُ أَنْ (يَخْتَارَ) مِنْهُنَّ (أَرْبَعًا) وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْحُرَّةُ مَعَهُ دُونَ الْإِمَاءِ ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ وَابْتِدَاءُ عِدَّتِهِنَّ مُنْذُ أَسْلَمَ (وَإِنْ) أَسْلَمَ الْإِمَاءُ، وَ (لَمْ تُسْلِمْ الْحُرَّةُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) بَانَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَ (اخْتَارَ إذَنْ مِنْ الْإِمَاءِ بِشَرْطِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ عَدَمَ إسْلَامِهَا فِي عِدَّتِهَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ فِي عِدَّتِهَا؛ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
стр. 3257
[فَصْلٌ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ مُطْلَقًا]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ،) مُطْلَقًا (أَوْ) أَسْلَمْنَ (فِي الْعِدَّةِ) وَكَانَ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهِنَّ (ثُمَّ عَتَقَ أَوَّلًا) أَيْ: أَوْ لَمْ يُعْتِقْ (اخْتَارَ) مِنْهُنَّ (ثِنْتَيْنِ) فَقَطْ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثِنْتَيْنِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِفَسْخِ النِّكَاحِ الزَّائِدِ عَلَى الثِّنْتَيْنِ قَائِمٌ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ فِي حَالِ رِقِّهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ لَا يَزُولُ بِعَتِيقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (وَإِنْ أَسْلَمَ) الْعَبْدُ (وَعَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ) فِي الْعِدَّةِ، فَيَخْتَارُ مَا يُعِفُّهُ إلَى أَنْ يَصِرْنَ أَرْبَعًا (أَوْ أَسْلَمْنَ، ثُمَّ عَتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَ) حُكْمُهُ (كَحُرٍّ، وَيَخْتَارُ) مَا يُعِفُّهُ إلَى أَنْ يَصِرْنَ (أَرْبَعًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ عَدَمُ الطَّوْلِ وَخَوْفُ الْعَنَتِ، لِأَنَّهُ وَقْتَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ حُرًّا فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْحُرِّ (وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (حَرَائِرُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) أَوْ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهِنَّ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ ثِنْتَيْنِ وَ (لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ خِيَارُ الْفَسْخِ) ، لِأَنَّهُنَّ رَضِينَ بِهِ عَبْدًا كَافِرًا فَعَبْدًا مُسْلِمًا أَوْلَى.
[فَصْلٌ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ هُمَا أَيْ الزَّوْجَانِ مَعًا]
فَصْلٌ
(وَإِنْ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ هُمَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (مَعًا) فَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (قَبْلَ دُخُولٍ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) ؛ لِأَنَّ الِارْتِدَادَ اخْتِلَافُ دِينٍ وَقَعَ قَبْلَ
стр. 3258
الْإِصَابَةِ، فَوَجَبَ انْفِسَاخُ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَيَسْقُطُ الْمَهْرُ بِرِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا، وَيَسْقُطُ الْمَهْرُ أَيْضًا بِرِدَّتِهَا مَعًا، لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا.
(وَيَتَنَصَّفُ الْمَهْرُ إنْ سَبَقَهَا) بِالرِّدَّةِ (أَوْ ارْتَدَّ) الزَّوْجُ (وَحْدَهُ) دُونَهَا لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهِ، أَشْبَهَ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَتَقِفُ فُرْقَةٌ) بِرِدَّةٍ (بَعْدَ دُخُولٍ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةٍ) فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا فَسْخَهُ مِنْ الرِّدَّةِ، كَإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ؛ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِ الْفَسْخِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَيُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا إذَا ارْتَدَّا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَتْ حَالَةُ الْحَظْرِ بِحَالَةِ الْإِبَاحَةِ؛ فَغَلَبَ الْحَظْرُ احْتِيَاطًا (وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ عِدَّةٍ بِرِدَّتِهَا وَحْدَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَلَافِي نِكَاحِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهِ فَهُوَ كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَا تَسْقُطُ أَيْضًا بِرِدَّتِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لَمْ يَتَمَحَّضْ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِنْ لَمْ يَعُدْ) مَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ إلَى الْإِسْلَامِ (فَوَطِئَهَا فِيهَا، أَوْ طَلَّقَ؛ وَجَبَ الْمَهْرُ) بِوَطْئِهَا فِي الْعِدَّةِ (وَأُدِّبَ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) لِتَبَيُّنِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الدِّينِ، فَالْوَطْءُ وَالطَّلَاقُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ (وَإِنْ انْتَقَلَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (أَوْ) انْتَقَلَ (أَحَدُهُمَا إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ) كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ، أَوْ النَّصْرَانِيُّ يَتَهَوَّدُ: فَكَالرِّدَّةِ (أَوْ تَمَجَّسَ كِتَابِيٌّ تَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ) فَكَرِدَّةٍ، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ؛ فَعَلَى نِكَاحِهِمَا (أَوْ تَمَجَّسَتْ) الْكِتَابِيَّةُ (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ زَوْجِهَا الْكِتَابِيِّ، أَوْ
стр. 3259
تَمَجَّسَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ (فَكَرِدَّةٍ) فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيَتَوَقَّفُ بَعْدَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الصَّدَاقِ]
ِ (الصَّدَاقُ) : بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ: صَدُقَةٌ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ، وَصُدْقَةٌ، وَصَدْقَةٌ بِسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا مَعَ ضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا وَلَهُ أَسْمَاءٌ: الصَّدَاقُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَهْرُ وَالنِّحْلَةُ وَالْفَرِيضَةُ وَالْأَجْرُ وَالْعَلَائِقُ وَالْعُقْرُ وَالْحِبَاءُ، وَقَدْ نَظَّمَ مِنْهَا ثَمَانِيَةً فِي بَيْتٍ وَهُوَ:
صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عَقْرٌ عَلَائِقُ
يُقَالُ: أَصَدَقْتُ الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتهَا، وَلَا يُقَالُ: أَمْهَرْتهَا.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالنِّهَايَةِ " وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَ (هُوَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى فِي عَقْدِ نِكَاحٍ وَ) الْمُسَمَّى (بَعْدَهُ) أَيْ: النِّكَاحِ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا فِيهِ، (أَوْ) الْعِوَضُ الْمُسَمَّى (فِي وَطْءِ شُبْهَةٍ وَزِنًا) بِأَمَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الصَّدَاقُ: (مَشْرُوعٌ فِي نِكَاحٍ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِهِ كَمَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِالْهِبَةِ، وَقِيلَ: نِحْلَةً مِنْ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ، «وَلِأَنَّهُ ﵊ تَزَوَّجَ وَزَوَّجَ بَنَاتِهِ عَلَى صَدَاقَاتٍ» ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ فِي النِّكَاحِ مَعَ أَنَّهُ ﵊: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ، «وَقَالَ لِلَّذِي زَوَّجَهُ الْمَوْهُوبَةَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» .
стр. 3260
(وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ) أَيْ: الصَّدَاقِ (فِيهِ) أَيْ: النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]
وَلِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] (فَيُكْرَهُ تَرْكُهَا) أَيْ: التَّسْمِيَةِ فِي النِّكَاحِ قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ " لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ فِي فَرْضِهِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَخْفِيفُهُ) أَيْ: الصَّدَاقِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَضِيت مِنْ نَفْسِك وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجَازَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ : قَالَ تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو دَاوُد " بَارَكَ اللَّهُ لَك " وَوَزْنُ النَّوَاةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ وَنِصْفٌ مِنْ الذَّهَبِ قَالَهُ: فِي " الشَّرْحِ " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ) دِرْهَمٍ فِضَّةً (وَهِيَ) أَيْ: الْأَرْبَعُمِائَةُ (صَدَاقُ بَنَاتِهِ ﷺ إلَى خَمْسِمِائَةِ) دِرْهَمٍ فِضَّةً (وَهِيَ) أَيْ: الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (صَدَاقُ أَزْوَاجِهِ) ﷺ إلَّا صَفِيَّةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ فَإِنَّ صَفِيَّةَ أَصْدَقَهَا عِتْقَهَا وَأُمَّ حَبِيبَةَ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْهُ. وَمِنْ سَمَاحَتِهِ ﷺ أَخْذُ الْأَقَلِّ لِبَنَاتِهِ وَإِعْطَاءُ الْأَكْثَرِ لِزَوْجَاتِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْت عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ
следующие страницы →