Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
(وَحَرُمَ أَكْلٌ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ) مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ (أَوْ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى إذْنٍ كَتَقْدِيمِ طَعَامٍ وَدُعَائِهِ إلَيْهِ (وَلَوْ كَانَ أَكْلُهُ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ وَلَوْ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا. وَلِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ؛ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَأَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَدُعَاءٌ لِوَلِيمَةٍ وَتَقْدِيمُ طَعَامٍ) إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِالْأَكْلِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْغُنْيَةِ (إذْنٌ فِيهِ) أَيْ: الْأَكْلِ (إذَا كَمُلَ وَضْعُهُ، وَلَمْ يُلْحَظْ انْتِظَارُ أَحَدٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَهُ الرَّسُولُ فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا دُعِيت فَقَدْ أُذِنَ لَك. وَ (لَا) الدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنًا (فِي الدُّخُولِ إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ: الطَّعَامُ (مِنْ قُدِّمَ إلَيْهِ) بِتَقْدِيمِهِ لَهُ (بَلْ يَهْلِكُ) الطَّعَامُ بِالْأَكْلِ (عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا) ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلُ؛ فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) مَعَ الدُّعَاءِ إلَى الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ (إذْنٌ ثَانٍ لِأَكْلٍ كَطَبِيبٍ دُعِيَ لِفَصْدٍ وَخَيَّاطٍ) دُعِيَ (لِتَفْصِيلٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ، فَيَكُونُ الْعُرْفُ إذْنًا فِي التَّصَرُّفِ، وَلَا يَجُوزُ لِلضِّيفَانِ قَسْمُهُ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَهُ، فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 3327
[فَصْلٌ آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (يُسْتَحَبُّ وَلَوْ لِمُتَوَضِّئٍ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَكْلٍ مُتَقَدِّمًا) رَبَّهُ وَغَسْلُهُمَا (بَعْدَهُ) أَيْ: الْأَكْلِ (مُتَأَخِّرًا بِهِ رَبَّهُ وَ) يَسْتَحِقُّ غَسْلَ فَمِهِ بَعْدَهُ، وَأَنْ (يَتَوَضَّأَ الْجُنُبُ قَبْلَ) أَيْ: الْأَكْلِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
(وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ بِإِنَاءٍ أَكَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا) يُكْرَهُ غَسْلُهُمَا (بِطِيبٍ) كَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ (وَكُرِهَ) غَسْلُهُمَا (بِطَعَامٍ) وَهُوَ الْقُوتُ (وَلَوْ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَاءَ) وَنَحْوَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمِلْحُ لَيْسَ بِقُوتٍ، وَإِنَّمَا يُصْلَحُ بِهِ الْقُوتُ. فَعَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ الْغَسْلُ بِهِ وَ (لَا) بَأْسَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ (بِنُخَالَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوتًا (أَوْ لِحَاجَةٍ) دَعَتْ لِاسْتِعْمَالِ الْقُوتِ (كَدَبْغٍ بِدَقِيقِ شَعِيرٍ وَتَدَاوٍ بِلَبَنٍ لِجَرَبٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ.
(وَتُسَنُّ تَسْمِيَةٌ جَهْرًا عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . وَقِيسَ عَلَيْهِ الشُّرْبُ (فَيَقُولُ) الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (بِسْمِ اللَّهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِنْ زَادَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَحَسَنٌ) ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. انْتَهَى.
(فَإِنْ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ) الْأَكْلِ (قَالَ) نَدْبًا (بِسْمِ اللَّهِ
стр. 3328
أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) لِلْخَبَرِ، وَيُسَمِّي الْمُمَيِّزُ (وَيُسَمَّى عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ) لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ بِهَا أَخْرَسُ وَنَحْوُهُ كَالْوُضُوءِ (وَحَمِدَ) اللَّهَ الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (إذَا فَرَغَ) مِنْ أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَمِمَّا وَرَدَ) مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) مِنْهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُعَاذٌ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَدَعَا لِرَبِّ الطَّعَامِ) نَدْبًا (وَمِنْهُ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ) لِلْخَبَرِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَكْلُهُ مِمَّا يَلِيهِ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ (لَا أَنْوَاعَ) مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَنْوَاعٌ، فَلَهُ التَّنَاوُلُ مِنْهَا، أَوْ كَانَ الطَّعَامُ فَاكِهَةً فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ؛ فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ، فَخَبَطَتْ يَدَيَّ فِي نَوَاحِيهَا، فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ مِنْ طَعَامٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: أَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ مِمَّا لَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِذَلِكَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَقْذِرُ مِنْهُ بَلْ يَسْتَشْفِي مِنْهُ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ تَتَبُّعُهُ ﷺ لِلدُّبَّاءِ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (بِيَمِينِهِ) وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمِمَّا يَلِيهِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ «كُنْت يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 3329
(وَلَا بَأْسَ) بِالْأَكْلِ (بِمِلْعَقَةٍ) وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّهَا تُعْتَبَرُ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ (وَ) يُسَنُّ أَكْلُهُ (بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» . وَلَمْ يُصَحِّحْ أَحْمَدُ حَدِيثَ أَكْلِهِ ﵊ بِكَفِّهِ (فَيُكْرَهُ) الْأَكْلُ (بِأَقَلَّ) مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ كِبْرٌ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (بِأَكْثَرَ) مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ شَرَهٌ، مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةً. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ.
(وَ) يُسَنُّ (تَخْلِيلُ مَا عَلَقَ بِأَسْنَانِهِ) مِنْ طَعَامٍ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا، وَرُوِيَ: «تَخَلَّلُوا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجِدَ مِنْ أَحَدِكُمْ رِيحَ الطَّعَامِ» . قَالَ النَّاظِمُ: وَيُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخِلَالُ، وَلَا يَبْتَلِعُهُ لِلْخَبَرِ.
(وَ) يُسَنُّ (مَسْحُ الصَّحْفَةِ) الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا (وَ) يُسَنُّ (أَكْلُ مَا تَنَاثَرَ) مِنْهُ أَوْ سَقَطَ مِنْهُ مِنْ الْفَمِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ أَذًى؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَتْ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْسَحْ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ وَلْيَأْكُلْهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَ) يُسَنُّ لِمَنْ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ (غَضُّ طَرْفِهِ عَنْ جَلِيسِهِ) لِئَلَّا يَسْتَحْيِيَ (وَ) يُسَنُّ (إيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لِمَدْحِهِ تَعَالَى فَاعِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الْآيَةَ (وَشُرْبُهُ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ ﵊: «مُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا، وَلَا تَعُبُّوهُ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» .
وَالْكُبَادُ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، قِيلَ: وَجَعُ الْكَبِدِ، وَيَعُبُّ اللَّبَنَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ (وَسُنَّ تَمَضْمُضٌ مِنْ شُرْبٍ) قَالَهُ فِي " الْآدَابِ "، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تُسْتَحَبَّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ
стр. 3330
مَا لَهُ دَسَمٌ (وَ) سُنَّ (لَعْقُ أَصَابِعِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، أَوْ يُلْعِقَهَا غَيْرَهُ) ؛ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَيْهِ حَتَّى يَلْعَقَهَا» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ؛ (وَيُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُلِّ ابْتِدَاءٍ، وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ، وَقَدْ يُقَالُ فِي أَكْلِ كُلِّ لُقْمَةٍ فَعَلَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ) انْتَهَى.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْآكِلِ (أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ) وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاتِّكَاءِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ، وَيُجِيدَ فِي الْمَضْغِ وَيُطِيلَ الْبَلْعَ) لِأَنَّهُ أَجْوَدُ هَضْمًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَتَمُّ مِنْ الْإِطَالَةِ (وَاسْتَحَبَّ) بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَصْغِيرُ الْكِسَرِ يَعْنِي اللُّقَمَ (وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُ ضَرِيرٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) مِنْ الطَّعَامِ لِيَتَنَاوَلَ مِمَّا يَشْتَهِيهِ (وَيَنْوِي نَدْبًا بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ) لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
تَنْبِيهٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَأَ الْأَكْبَرُ وَالْأَعْلَمُ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِالْأَكْلِ؛ لِحَدِيثِ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا السَّبْقُ إلَى الْأَكْلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَالشَّرَهِ.
(وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ، وَمَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَمَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ، وَمَعَ الْإِخْوَانِ بِالِانْبِسَاطِ وَالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ) وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ، وَيَتَكَلَّفُ الِانْبِسَاطَ، قَالَ أَحْمَدُ يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا انْتَهَى. وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ.
(وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ لَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ، بَلْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَعْرُوفِ) وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُضِيفِ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ مَكَانًا أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ
стр. 3331
مِنْهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ) الْمَدْعُوُّ (بِإِجَابَتِهِ) الدَّعْوَةَ (نَفْسَ الْأَكْلِ) لِأَنَّهُ سِمَةُ الْبَهَائِمِ، (بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَصِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ سُوءِ ظَنِّ تَكَبُّرٍ بِهِ) لِيُثَابَ عَلَيْهِ.
(وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ ضَيْفِهِ لِبَابِ الدَّارِ) تَتْمِيمًا لِإِكْرَامِهِ (وَيَحْسُنُ أَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِهِ إلَى رِكَابِ ضَيْفِهِ) إذَا رَكِبَ (وَوَرَدَ) فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لَا يَرْجُوهُ، وَلَا يَخَافُهُ، غُفِرَ لَهُ» قَالَهُ فِي " الْآدَابِ " (وَلَهُ) أَيْ رَبِّ الطَّعَامِ (تَخْصِيصُ بَعْضِ الضِّيفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إنْ لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرَهُ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا) مِنْ الطَّعَامِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ) أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَ) فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " يُسْتَحَبُّ (لِأَهْلِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْكُلُوا بَعْدَ فَرَاغِ الضِّيفَانِ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ: «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. فَقَالَ: نَوِّمِي صِبْيَانَك، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَدِّمِي مَا عِنْدَك لِلضَّيْفِ، وَنُوهِمُهُ أَنَّا نَأْكُلُ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] » وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ أَبْقَاهُ وَإِلَّا مَسَحَ الْإِنَاءَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا.
(وَ) (أَكْلُهُ مَعَ زَوْجَةٍ وَطِفْلٍ وَمَمْلُوكٍ، وَتَكْثِيرِ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ) وَلَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ؛ لِتَكْثُرَ الْبَرَكَةُ، وَلَعَلَّهُ صَادَفَ صَالِحًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَيُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ.
стр. 3332
(وَالسُّنَّةُ جَعْلُ الْبَطْنِ أَثْلَاثًا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لَقِيمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
(وَيُسَنُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَكْلِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ بِلَا حَاجَةٍ بَلْ يَسْتَأْذِنَ) رَبَّ الْمَنْزِلِ (وَيَنْصَرِفَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَخُصَّ بِدَعْوَتِهِ الْأَتْقِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِخِلَافِ ضِدِّهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَيَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَيْهَا (وَأَنْ لَا يَرْفَعَ مِنْ أَكْلٍ مَعَ جَمَاعَةٍ يَدَهُ قَبْلَهُمْ؛ فَيُكْرَهُ) بِلَا قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى شِبَعِ الْجَمِيعِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذْ لَوْ وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ وَلِيَعْذِرَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلَ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ طَبَخَ مَرَقَةً فَلْيُكْثِرْ مِنْ مَائِهَا وَيَتَعَاهَدَ بَعْضَ جِيرَانِهِ. وَمِنْ آدَابِ) إحْضَارِ (الطَّعَامِ تَعْجِيلُهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ) الطَّعَامُ (قَلِيلًا، وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ) وَقَالَ ﵊: «إنَّ أَتْقِيَاءَ أُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ» وَقَالَ ﵊: «لَا تَكَلَّفُوا؛ لِلضَّيْفِ فَتُبْغِضُوهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْفَاكِهَةَ قَبْلَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ) ؛ لِأَنَّهَا أَسْرَعُ هَضْمًا، فَتَنْحَدِرُ عَلَى مَا تَحْتَهَا، فَتُفْسِدُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِذَا دُعِيَ) إلَى أَكْلٍ (فَلْيَأْكُلْ بِبَيْتِهِ مَا يَكْسِرُ نَهِمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ) انْتَهَى.
(وَلَا يَقْتَرِحُ
стр. 3333
الزَّائِرُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ) الزَّائِرُ (بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ) مِنْهُمَا لِئَلَّا يَحْمِلَ رَبَّ الطَّعَامِ عَلَى التَّكَلُّفِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضِيفَهُ يُسَرُّ) بِاقْتِرَاحِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ؛ فَلَا بَأْسَ بِالِاقْتِرَاحِ، لِأَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ (وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُضَيِّفُ. وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَلَا الْجَمَادَاتِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ) كَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَلَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ قَائِمًا وَشُرْبُهُ قَاعِدًا أَكْمَلُ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا وَيُتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ (وَإِذَا شَرِبَ) لَبَنًا أَوْ غَيْرَهُ (سُنَّ أَنْ يُنَاوِلَ الْأَيْمَنَ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُنَاوَلَتِهِ الْأَكْبَرَ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ نَاوَلَهُ لَهُ (وَكَذَا غُسْلُ يَدَيْهِ) يَكُونُ لِلْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ (وَرَشِّ نَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ) كَمَاءِ زَهْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَكَذَا التَّجْمِيرُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ (وَيَبْدَأُ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (بِأَفْضَلِهِمْ ثُمَّ بِمَنْ عَلَى الْيَمِينِ) لِفِعْلِهِ ﵊ فِي الشُّرْبِ، وَقِسْ الْبَاقِي (وَلَا يَعُبُّ الْمَاءَ عَبًّا بَلْ) يَمُصُّهُ (مَصًّا مُقَطَّعًا ثَلَاثًا) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ الطَّعَامِ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ أَوْ وَسَطِهَا]
فَصْلٌ (يُكْرَهُ أَكْلُ) الطَّعَامِ (مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ أَوْ وَسَطِهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلُ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ لِيَأْكُلَ مِنْ أَسْفَلِهَا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) كُرِهَ لِحَاضِرٍ (فِعْلُ مَا يَسْتَقْذِرُهُ مِنْ غَيْرِهِ نَحْوِ مُخَاطٍ وَبُصَاقٍ وَنَفْضِ يَدِهِ فِي الْقَصْعَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ (وَكُرِهَ تَقْدِيمُ رَأْسِهِ إلَيْهَا) أَيْ الْقَصْعَةِ (عِنْدَ وَضْعِ لُقْمَةٍ بِفَمِهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَقَطَ مِنْ فَمِهِ شَيْءٌ فِيهَا فَقَذَّرَهَا (وَ) كُرِهَ (غَمْسُ بَقِيَّةِ لُقْمَةٍ أَكَلَ مِنْهَا فِي الْمَرَقَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ.
стр. 3334
(وَ) كُرِهَ (تَكَلُّمٌ بِمَا يُسْتَقْذَرُ أَوْ بِمَا يُضْحِكُهُمْ أَوْ يُحْزِنُهُمْ) قَالَهُ الشَّيْخ وَعَبْدُ الْقَادِرِ.
(وَ) كُرِهَ (أَكْلُهُ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا) أَوْ مُنْبَطِحًا وَفِي " الْغُنْيَةِ " وَغَيْرِهَا (أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ وَ) كُرِهَ لِرَبِّ الطَّعَامِ (مَدْحُ طَعَامِهِ) وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّيْفِ وَالزَّائِرِ (وَكُرِهَ تَقْوِيمُهُ وَعَيْبُهُ أَيْ: الطَّعَامِ وَاحْتِقَارُهُ، فَإِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ) لِمَا وَرَدَ: «أَنَّهُ ﵊ مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ، بَلْ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ لِلْأَكْلِ» .
(وَ) كُرِهَ (نَفْخُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِيَبْرُدَ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَصَوَّبَ فِي " الْإِنْصَافِ " عَدَمَ كَرَاهَةِ نَفْخِ الطَّعَامِ إنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى الْأَكْلِ حِينَئِذٍ (وَأَكْلُهُ حَارًّا) لِأَنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِيهِ إنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ (أَوْ) أَيْ: وَكُرِهَ أَكْلُهُ (كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤْذِيهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (أَوْ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَضُرُّهُ) لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
(وَ) كُرِهَ (شُرْبُهُ مِنْ فَمِ سِقَاءٍ) نَصًّا، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ دَاخِلِ الْقِرْبَةِ مَا يُنَغِّصُ الشُّرْبَ أَوْ يُؤْذِي الشَّارِبَ (وَ) مِنْ (ثُلْمَةِ إنَاءٍ) أَوْ مُحَاذِيًا لِلْعُرْوَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرَأْسِ الْإِنَاءِ، وَكَذَا اخْتِنَاثُهُ الْأَسْقِيَةَ، وَهُوَ قَلْبُهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: خَنَثْت الْإِنَاءَ وَاخْتَنَثْتُهُ إذَا ثَنَيْته إلَى الْخَارِجِ فَشَرِبْت مِنْهُ فَإِنْ كَسَرْته إلَى دَاخِلٍ فَقَدْ قَبَعْته بِالْقَافِ وَالْبَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَ) كُرِهَ شُرْبُهُ (فِي أَثْنَاءِ طَعَامٍ بِلَا عَادَةٍ) فَإِنَّهُ أَجْوَدُ فِي الطِّبِّ. قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ: بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إلَّا إذَا صَدَقَ عَطَشُهُ، فَيَنْبَغِي مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ، يُقَالُ: إنَّهُ دَبَّاغٌ لِلْمَعِدَةِ (وَ) كُرِهَ (تَنَفُّسُهُ فِي الْإِنَاءِ وَرَدِّ شَيْءٍ مِنْ فِيهِ إلَيْهِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «وَلَا يَتَنَفَّسُ أَحَدُكُمْ فِي الْإِنَاءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 3335
(وَ) كُرِهَ (أَكْلٌ وَشُرْبٌ بِشِمَالِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَلَا يَأْكُلُ بِيَمِينِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَمْسَكَ بِيَمِينِهِ خُبْزًا وَبِشِمَالِهِ أُدْمًا) وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا، وَيَتَأَدَّمُ مِنْ هَذَا (فَكَذَلِكَ) أَيْ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ (وَلِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَهِ، وَ) كُرِهَ (قِرَانُهُ فِي تَمْرٍ وَنَحْوِهِ) (مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَنَاوُلِهِ إفْرَادًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَهِ أَيْضًا (وَ) كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (أَنْ يَفْجَأَ قَوْمًا عِنْدَ وَضْعِ طَعَامِهِمْ تَعَمُّدًا فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ بِلَا إذْنِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . الْآيَةَ. وَكَذَا الَّذِي يَتْبَعُ الضَّيْفَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى وَهُوَ الطُّفَيْلِيُّ (وَ) إنْ فَجْأَهُمْ (بِلَا تَعَمُّدٍ) فَلَهُ أَنْ (يَأْكُلَ) نَصًّا إنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ رَبِّ الْأَكْلِ السَّمَاحَةُ.
(وَ) كُرِهَ (تَعْلِيَةُ قَصْعَةٍ بِخُبْزٍ وَطَبِيخٍ) لِأَنَّهُ اسْتِبْذَالٌ لَهُ (وَ) كَرِهَ أَحْمَدُ (كَوْنَهُ) أَيْ: الْخُبْزِ (كِبَارًا) وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ، وَذَكَرَ مَعْمَرٌ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ لَهُمْ طَعَامًا فَكَسَرَ الْخُبْزَ قَالَ أَحْمَدُ: لِئَلَّا يَعْرِفُوا كَمْ يَأْكُلُونَ.
(وَ) تُكْرَهُ (إهَانَتُهُ فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ أَوْ السِّكِّينَ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَكْرِمُوا الْخُبْزَ» .
(وَ) كُرِهَ أَكْلُ مَا انْتَفَخَ مِنْ خُبْزٍ أَوْ أَكْلُ (وَجْهِهِ، وَتَرْكُ الْبَاقِي) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كِبْرٌ.
وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ أَسْنَانِهِ إنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ. وَلَا يُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ وَلَا بِعُودٍ يَضُرُّهُ (وَ) كُرِهَ (بَلْعُ مَا أَخْرَجَهُ الْخِلَالُ،) (وَلَا) يُكْرَهُ بَلْعُ (مَا قَلَعَهُ بِلِسَانِهِ) كَسَائِرِ مَا بِفِيهِ.
(وَحَرُمَ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ بِلَا إذْنِ رَبِّهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ (وَجَوَّزَهُ فِي الرِّعَايَةِ) الْكُبْرَى فَقَالَ: لَهُ أَخْذُ مَا عَلِمَ وَرَضِيَ رَبُّهُ بِهِ، وَإِطْعَامُ الْحَاضِرِينَ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْمَذْهَبُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ
стр. 3336
قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَمَا جَرَتْ عَادَةٌ بِهِ مِنْ إطْعَامِ نَحْوِ سَائِلٍ وَسِنَّوْرٍ فَوَجْهَانِ، قَالَ: وَجَوَازُهُ أَظْهَرُ) وَقَالَ فِي آدَابِهِ الْأُولَى جَوَازُهُ (وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ خَلٍّ وَبُقُولٍ عَلَى الْمَائِدَةِ غَيْرِ نَحْوِ ثُومٍ وَبَصَلٍ) وَفُجْلٍ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ؛ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ نِيئًا.
(وَلَا يُكْرَهُ قَطْعُ لَحْمٍ بِسِكِّينٍ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ لَا يَصِحُّ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى تَقْطِيعِ اللَّحْمِ الَّذِي يُقَدَّمُ لَلضَّيْفَانِ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " (وَلَا يُلْقِمُ جَلِيسَهُ، وَلَا يَفْسَخُ لِغَيْرِهِ بِلَا إذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الضَّيْفَانِ مَا لَدَيْهِ، وَنَقْلِهِ بِلَا إذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنْ لَا يُلْقِمَ أَحَدًا يَأْكُلُ مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْأَوْلَى الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى طَعَامِهِ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْر إذْنٍ صَرِيحٍ.
(وَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ تَرْكُ) أَكْلِ (الطَّيِّبَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] . (وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ طَعَامَيْنِ) مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْت» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَنَسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ فِي " الْآدَابِ " وَفِيهِ ضَعْفٌ
(وَمَنْ أَذْهَبَ طَيِّبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا؛ نَقَصَتْ دَرَجَتُهُ فِي الْآخِرَةِ) لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ أَحْمَدُ: يُؤْجَرُ فِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ، وَمُرَادُهُ مَا لَمْ يُخَالِفْ
стр. 3337
الشَّرْعَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ.
(وَكُرِهَ النِّثَارُ) فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ (لِمَا فِيهِ مِنْ النُّهْبَةِ) وَقَدْ «نَهَى ﵊ عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ (وَالْتِقَاطُهُ) دَنَاءَةٌ وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِهِ (وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ مِنْهُ) شَيْءٌ (أَوْ أَخَذَهُ فَلَهُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ) لِأَنَّ مَالِكَهُ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ لِمَنْ حَازَهُ، وَقَدْ حَازَهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَحَصَلَ فِي حِجْرِهِ، فَيَمْلِكَهُ، كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ دَارِهِ أَوْ خَيْمَتَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ مِنْهُ، فَإِنْ قَسَمَ الْآخِذُ لِلنِّثَارِ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ وَلَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ أَبَاحَهُ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ تَنَاهُبٌ؛ فَيُبَاحُ، لِعَدَمِ مُوجِبِ الْكَرَاهَةِ.
(وَتُبَاحُ الْمُنَاهَدَةُ) وَيُقَالُ: النِّهْدُ بِكَسْرِ النُّونِ (وَهِيَ أَنْ يَخْرُجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُفْقَةٍ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ) وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوْا (وَيَدْفَعُونَهُ إلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا، فَلَوْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ) مِنْ رَفِيقِهِ (أَوْ تَصَدَّقَ) بَعْضُهُمْ (مِنْهُ فَلَا بَأْسَ) لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ نَصًّا.
[تَتِمَّةٌ جَعْلُ مَاءِ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الطَّعَام]
تَتِمَّةٌ: يُسْتَحَبُّ جَعْلُ مَاءِ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يَمْتَلِئَ، لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالْأَعَاجِمِ فِي زِيِّهِمْ، وَلَا يَضَعُ الصَّابُونَ فِي مَاءِ الطَّسْتِ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ، لِأَنَّهُ يُذِيبُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدِ بِالطِّيبِ؛ فَلَا يُكْرَهُ بِالصَّابُونِ الْمُطَيَّبِ.
وَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اسْتِحْبَابًا: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ.
وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ وَنَحْوُهُ كَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْلِ قَالَ الْحَافِظُ: اسْمُ الذُّبَابِ يَقَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى الزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ وَالْبَعُوضِ وَغَيْرِهَا إذَا وَقَعَ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ سُنَّ غَمْسُهُ فِيهِ كُلِّهِ
стр. 3338
ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ أَوْ قَالَ: فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ؛ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ وَأَنَّهُ يَتَّقِي بِالدَّاءِ» .
وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ غَمْسِهَا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً، وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهَا بِالْغَمْسِ، وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَفَمَهُ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَزُهُومَةٍ أَيْ دُسُومَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ تَنْظِيفًا لِذَلِكَ، وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ النَّوْمِ خَشْيَةَ اللَّمَمِ، وَفِي الثَّرِيدِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِحَدِيثِ: «فَضْلُ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» وَهُوَ أَنْ يَثْرُدَ الْخُبْزَ ثُمَّ يَبُلَّهُ بِمَرَقِ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَثَرَدَ غَطَّاهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرَهُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ.
[فَصْلٌ إعْلَانُ نِكَاحٍ وَضَرْبٌ فِيهِ بِدُفٍّ مُبَاحٍ]
فَصْلٌ.
(يُسَنُّ إعْلَانُ نِكَاحٍ وَ) يُسَنُّ (ضَرْبٌ فِيهِ بِدُفٍّ مُبَاحٍ) وَهُوَ مَا لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ (لِنِسَاءٍ وَلِرِجَالٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّسْوِيَةُ، قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ المروذي: مَا تَرَى النَّاسَ الْيَوْمَ يُحَرِّكُ الدُّفَّ فِي إمْلَاكٍ أَوْ بِنَاءٍ بِلَا غِنَاءٍ، فَلَمْ يَكْرَه ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ جَرَسٌ قَالَ: لَا (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ حَيْثُ قَالَ: وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ، وَقَدْ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ وَالْمُوَفَّقَ حَيْثُ خَصَّصَاهُ بِالنِّسَاءِ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَاطِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَحَدِيثُ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» وَفِي لَفْظٍ: «أَظْهِرُوا النِّكَاحَ» وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ. وَفِي لَفْظٍ: «اضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لِلْأَنْصَارِ:
стр. 3339
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ وَلَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ لَمَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ وَلَوْلَا الْحَبَّةُ السَّمْرَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ» .
(وَقَالَ الْإِمَامُ: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ وَالصَّوْتِ فِي الْإِمْلَاكِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّم وَيَتَحَدَّثُ وَيُظْهِرُ) .
يُسَنُّ ضَرْبٌ بِدُفٍّ مُبَاحٍ فِي (خِتَانٍ وَقُدُومِ غَائِبٍ وَوِلَادَةٍ كَنِكَاحٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ السُّرُورِ (وَحَرُمَ مِزْمَارُ طُنْبُورٍ وَرَبَابٍ وَجُنْكٍ) وَمُعْزِفَةٍ وَجِفَانَةٍ (وَعُودٍ وَنَايٍ وَزَمَّارَةِ الرَّاعِي وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَتْ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ) وَفِي الْقَضِيبِ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يُكْرَهُ إلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ (وَكُرِهَ رَقْصٌ وَتَخْرِيقُ ثِيَابٍ لِمُتَوَاجِدٍ عِنْدَ السَّمَاعِ، قَالَهُ فِي " الْغُنْيَةِ ") وَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّغْبِيرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ؛ وَنَهَى عَنْ اسْتِمَاعِهِ، وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ وَمُحْدَثٌ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَلَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ يُوسُفُ وَلَا تَسْتَمِعُهُ، قِيلَ: هُوَ بِدْعَةٌ، قَالَ: حَسْبُك.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغَبَّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ لِذِكْرِ اللَّهِ؛ أَيْ: يُهَلِّلُونَ وَيُرَدِّدُونَ الصَّوْتَ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُرَغِّبُونَ النَّاسَ فِي الْمُغَايِرَةِ إلَى الْبَاقِيَةِ انْتَهَى.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبِدْعَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ تَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ شِعْرٌ مُلَحَّنٌ كَالْحُدَاءِ وَالْحَدْوُ لِلْإِبِلِ وَنَحْوِهِ، وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ الْقَلَانِسِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ الصُّوفِيَّةِ: لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ، قِيلَ: إنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ، قَالَ: دَعُوهُمْ يَفْرَحُونَ مَعَ اللَّهِ سَاعَةً.
قِيلَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْشَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَعَذَرَهُمْ لِقُوَّةِ الْوَارِدِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
стр. 3340
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
الْعِشْرَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَصْلِ الِاجْتِمَاعُ. فَيُقَالُ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ عِشْرَةٌ وَمَعْشَرَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا (هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْأُلْفَةِ وَالِانْضِمَامِ) أَيْ: الِاجْتِمَاعِ (يَلْزَمُ كُلًّا) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ وَكَفِّ الْأَذَى، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَلَا يَتَكَرَّهُ لِبَذْلِهِ) أَيْ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْآخَرِ، بَلْ يَبْذُلُهُ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ (وَلَا يُتْبِعُهُ أَذًى أَوْ مِنَّةً) لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (وَحَقُّهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَوْلُهُ ﵊: «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا (تَحْسِينُ الْخَلْقِ لِصَاحِبِهِ وَالرِّفْقُ بِهِ وَاحْتِمَالُ أَذَاهُ)
стр. 3341
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] قِيلَ هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالَ ﷺ : «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ﵊ «إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا، اسْتَمْتَعْتَ بِهَا لَوْ فِيهَا عِوَجٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مُعَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ بِالتَّلَطُّفِ) لِئَلَّا تَقَعَ النَّفْرَةُ بَيْنَهُمَا (مَعَ إقَامَةِ هَيْبَتِهِ) لِئَلَّا تَسْقُطَ حُرْمَتُهُ عِنْدَهَا (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهَا قَدْرَ مَالِهِ أَوْ يُفْشِيَ إلَيْهَا سِرًّا يَخَافُ إذَاعَتَهُ) لِأَنَّهَا قَدْ تُفْشِيهِ؛ وَلَا يُكْثِرُ مِنْ الْهِبَةِ، فَإِنَّهَا مَتَى عَوَّدَهَا شَيْئًا لَمْ تَصْبِرْ عَنْهُ (وَلِيَكُنْ غَيُورًا مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ لِئَلَّا تُرْمَى بِالشَّرِّ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَنْبَغِي إمْسَاكُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
(وَيَجِبُ بِعَقْدٍ تَسْلِيمُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (بِبَيْتِ زَوْجٍ إنْ طَلَبَهَا) كَمَا يَجِبُ الصَّدَاقُ إنْ طَلَبَتْهُ (وَهِيَ حُرَّةٌ) وَتَأْتِي الْأَمَةُ (وَلَمْ تَشْتَرِطْ دَارَهَا) فَإِنْ شَرَطَتْهَا فَلَهَا الْفَسْخُ إذَا نَقَلَهَا عَنْهَا؛ لِلُزُومِ الشَّرْطِ، وَتَقَدَّمَ (وَأَمْكَنَ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَحْضُنُهَا وَأُرَبِّيهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحِلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ.
وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُوَاقِعَهَا فَيُفْضِيَهَا (وَنَصُّهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الَّتِي يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا هِيَ (بِنْتُ تِسْعِ) سِنِينَ فَأَكْثَرَ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي الصَّغِيرَةِ يَطْلُبُهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ أَتَى عَلَيْهَا تِسْعُ سِنِينَ دُفِعَتْ إلَيْهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا بَعْدَ التِّسْعِ، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنَى بِعَائِشَةَ وَهِيَ
стр. 3342
بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» ، فَيَلْزَمُ تَسْلِيمُهَا (وَلَوْ) كَانَتْ (نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ) أَيْ: مَهْزُولَةَ الْجِسْمِ، وَهُوَ جَسِيمٌ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَنْ يُخْشَى عَلَيْهَا كَحَائِضٍ أَيْ: بِمَا دُونَ الْفَرْجِ (فَلِمَنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا الْإِفْضَاءَ) مِنْ عِظَمِهِ (مَنْعُهُ مِنْ جِمَاعِهَا) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّ مَنْعَهَا لِنَفْسِهَا لِعُذْرٍ (وَلَوْ أَنْكَرَ أَنْ وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِي نَحْوِ ضِيقِ فَرْجِهَا) كَقُرُوحٍ بِهِ (وَعَبَالَةِ ذَكَرِهِ) كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، (وَ) يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الثِّقَةِ أَنْ (تَنْظُرَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (لِحَاجَةٍ وَقْتَ اجْتِمَاعِهَا) لِتَشْهَدَ بِمَا تُشَاهِدُ.
(وَمَنْ زَادَ عَلَيْهَا فِي الْجِمَاعِ صُولِحَ عَلَى شَيْءٍ) مِنْهُ قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ وَالْقَاضِي (قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فَرَجَعَ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ تَنَازَعَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ كَالنَّفَقَةِ، وَكَوَطْئِهِ إذَا زَادَ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنْ الْفَرَائِضِ أَوْ يَضُرَّهَا (وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ لِرَجُلٍ أَرْبَعًا بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ، وَصَالَحَ أَنَسٌ رَجُلًا اسْتَعْدَى عَلَى امْرَأَتِهِ عَلَى سِتَّةٍ) .
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (تَسَلُّمُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةَ (إنْ بَذَلَتْهُ) فَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ تَسَلَّمَهَا أَوْ لَا؛ لِوُجُودِ التَّمْكِينِ حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُ تَسْلِيمَهَا (وَلَا يَلْزَمُ) زَوْجَةً أَوْ وَلِيَّهَا (ابْتِدَاءً) أَيْ: فِي ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ (تَسْلِيمُ مُحْرِمَةٍ) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (وَمَرِيضَةٍ) لَا يُمْكِنُ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا (وَصَغِيرَةٍ وَحَائِضٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَطَأُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَيُرْجَى زَوَالُهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَقَوْلُهُ: ابْتِدَاءً: احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ طَرَأَ الْإِحْرَامُ أَوْ الْمَرَضُ أَوْ الْحَيْضُ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ زَوْجِهَا، مِمَّا يُبَاحُ لَهُ مِنْهَا، وَلَوْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا، وَهِيَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَسْلِيمُ مَا عَدَا الصَّغِيرَةَ.
تَتِمَّةٌ: وَمَتَى امْتَنَعَتْ قَبْلَ الْمَرَضِ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ حَدَثَ الْمَرَضُ؛ فَلَا
стр. 3343
نَفَقَةَ لَهَا، وَلَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَسَلُّمُهَا إذَنْ عُقُوبَةً لَهَا
(وَمَنْ اسْتَمْهَلَ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ (لَزِمَهُ إمْهَالُهُ مَا) أَيْ: مُدَّةً (جَرَتْ عَادَةٌ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهِ) أَيْ: الْمُسْتَمْهِلِ فِيهَا (كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) طَلَبًا لِلْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، وَالْمُرَجَّحُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَاتِ.
وَ (لَا) يُمْهَلُ مَنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ مِنْهُمَا (لِعَمَلِ جَهَازٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا.
وَفِي " الْغُنْيَةِ " إنْ اسْتَمْهَلَتْ هِيَ أَوْ أَهْلُهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُمْ، مَا يُعْلَمُ بِهِ التَّهَيُّؤُ مِنْ شِرَاءِ جَهَازٍ وَتَزْيِينٍ انْتَهَى.
وَكَذَا لَوْ سَأَلَ الزَّوْجُ الْإِنْظَارَ، فَيُنْظَرُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَوَلِيُّ مَنْ بِهِ صِغَرٌ أَوْ جُنُونٌ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ مِثْلُهُ إذَا طَلَبَ الْمُهْلَةَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
(وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أَمَةٍ مَعَ إطْلَاقٍ إلَّا لَيْلًا) نَصًّا، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مِنْ أَمَتِهِ مَنْفَعَتَيْنِ: الِاسْتِخْدَامَ وَالِاسْتِمْتَاعَ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِ اسْتِيفَائِهَا؛ كَمَا لَوْ أَجَرَهَا لِلْخِدْمَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا زَمَنَهَا، وَهُوَ النَّهَارُ (فَلَوْ شَرَطَ) تَسْلِيمَهَا (نَهَارًا) وَجَبَ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (أَوْ بَذَلَهُ) أَيْ: التَّسْلِيمَ نَهَارًا (سَيِّدٌ وَقَدْ شَرَطَ كَوْنَهَا) أَيْ: الْأَمَةِ (فِيهِ) أَيْ: النَّهَارِ (عِنْدَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ (وَجَبَ تَسْلِيمُهَا) عَلَى الزَّوْجِ نَهَارًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ مَعَ الْبَذْلِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْأَمَةِ نَهَارًا لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِذَا بَذَلَ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ، فَعَادَ إلَى الْأَصْلِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الِاسْتِمْتَاعُ) بِزَوْجَتِهِ مِنْ أَيْ جِهَةٍ شَاءَ (وَلَوْ) كَانَ (مِنْ جِهَةِ الْعَجِيزَةِ فِي قُبُلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 3344
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . وَالتَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِالدُّبُرِ، دُونَ مَا سِوَاهُ (مَا لَمْ يَضُرَّ) اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا (أَوْ يَشْغَلْ) اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا (عَنْ فَرْضٍ) وَحَيْثُ لَمْ يَضُرَّهَا، وَلَمْ يَشْغَلْهَا عَنْ ذَلِكَ فَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ (وَلَوْ كَانَتْ عَلَى تَنُّورٍ أَوْ ظَهْرِ قَتَبٍ) وَنَحْوَهُ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (وَلَهُ الِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِهَا، وَلَا يُكْرَهُ جِمَاعٌ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي أَوْ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ، وَكَذَا السَّفَرُ وَالتَّفْصِيلُ وَالْخِيَاطَةُ وَالْغَزْلُ وَالصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا) لَا تُكْرَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي، وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ حَيْثُ لَا يُؤَدِّي إلَى إخْرَاجِ فَرْضٍ عَنْ وَقْتِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهَا) أَيْ: لِلْمَرْأَةِ (تَطَوُّعٌ بِصَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (السَّفَرُ) حَيْثُ شَاءَ (بِلَا إذْنِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ، وَلَوْ عَبْدًا مَعَ سَيِّدٍ وَبِدُونِهِ بِخِلَافِ سَفَرِهَا بِلَا إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ (وَ) لَهُ السَّفَرُ (بِهَا) أَيْ: بِزَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ (إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا) لِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ، فَإِنْ شَرَطَتْ بَلَدَهَا فَلَهَا شَرْطُهَا؛ لِحَدِيثِ: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهَا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهَا الْفُرُوجَ» (أَوْ) إلَّا أَنْ (تَكُونَ أَمَةً فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ سَفَرٌ بِهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهَا نَهَارًا عَلَى سَيِّدِهَا (وَلَا لِسَيِّدٍ سَفَرٌ بِهَا) أَيْ: بِأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ (بِلَا إذْنِ الْآخَرِ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْهَا، فَمَنَعَهُ مِنْهُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
(وَيَتَّجِهُ) أَنْ لَا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالسَّفَرِ بِهَا بِلَا إذْنِ الْآخَرِ (وَلَوْ سَافَرَ) أَيْ: الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ بِالْأَمَةِ (مَعًا) إنْ اخْتَلَفَتْ جِهَتَاهُمَا مُرَاعَاةً لِحَقَّيْهِمَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3345
(وَلَا يَلْزَمُ) زَوْجُ أَمَةٍ (لَوْ بَوَّأَهَا) أَيْ: هَيَّأَ لَهَا (سَيِّدُهَا مَسْكَنًا أَنْ يَأْتِيَهَا الزَّوْجُ فِيهِ) لِأَنَّ السَّكَنَ زَمَنُ حَقِّ الزَّوْجِ لَهُ، لَا لِسَيِّدِهَا كَالْحُرَّةِ.
(وَلَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (السَّفَرُ بِعَبْدِهِ الْمُزَوَّجِ وَاسْتِخْدَامُهُ نَهَارًا) وَمَنْعُهُ مِنْ التَّكَسُّبِ؛ لِتَعَلُّقِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ.
[فَرْعٌ قَالَ سَيِّدُ أَمَة لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِعْتُكهَا]
(فَرْعٌ: لَوْ قَالَ سَيِّدُ) أَمَةٍ لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا (بِعْتُكهَا؛ فَقَالَ) مُدَّعٍ تَزْوِيجَهَا (بَلْ زَوَّجْتنِيهَا، وَجَبَ تَسْلِيمُهَا) لِمُدَّعٍ تَزْوِيجَهَا (وَتَحِلُّ لَهُ) ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَمَتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ (وَيَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ مَهْرِهَا) لِاعْتِرَافِهِ بِهِ لِسَيِّدِهَا (وَيَحْلِفُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا (لِثَمَنٍ زَائِدٍ) عَمَّا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ " فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ، وَأَمَّا الْمَهْرُ الزَّائِدُ فَلَا يَحْلِفُ لِأَجْلِهِ؛ لِاعْتِرَافٍ بِهِ، وَالسَّيِّدُ لَا يَدَّعِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي سَبَبَهُ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ، بَلْ يَدَّعِي الْبَيْعَ.
(وَمَا أَوْلَدَهَا) مَنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ بِدَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ؛ فَهُوَ (حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْوَاطِئِ (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَبِيهِ كَسَائِرِ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ (كَهِيَ) أَيْ: كَمَا أَنَّ نَفَقَتَهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا زَوْجٌ أَوْ مَالِكٌ (وَلَا) يَمْلِكُ أَنْ (يَرُدَّهَا) مَنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ (بِعَيْبٍ لَا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ أَوْ إقَالَةٍ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الشِّرَاءَ، وَيَدَّعِي الزَّوْجِيَّةَ.
(وَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ) مَوْتِ (وَاطِئٍ وَقَدْ كَسَبَتْ) شَيْئًا (فَلِسَيِّدٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ كَسْبِهَا (قَدْرُ) بَاقِي (ثَمَنِهَا) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي غَيْرَهُ، وَالزَّوْجُ يَعْتَرِفُ لَهُ بِالْجَمِيعِ (وَبَقِيَّتُهُ) أَيْ: كَسْبِهَا (مَوْقُوفٌ حَتَّى يَصْطَلِحَا) أَيْ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَا يَعْدُوهُمَا، (وَ) إنْ مَاتَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْوَاطِئِ (وَقَدْ أَوْلَدَهَا) فَهِيَ (حُرَّةٌ) لِاعْتِرَافِ السَّيِّدِ أَنَّهَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ الْوَاطِئِ (وَيَرِثُهَا وَلَدُهَا إنْ كَانَ) حَيًّا كَسَائِرِ الْحَرَائِرِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لَهَا أَخٌ حُرٌّ أَوْ نَحْوُهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ
стр. 3346
وَلَا وَارِثَ (وُقِفَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الْحَالُّ) إلَى أَنْ يَظْهَرَ لَهَا وَارِثٌ، وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ أَخْذُ قَدْرِ ثَمَنِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ، وَمِلْكُ الْوَاطِئِ زَالَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، بِخِلَافِ مَوْتِهَا فِي حَيَاةِ الْوَاطِئِ؛ فَإِنَّ سَيِّدَهَا يَدَّعِي أَنَّ كَسْبَهَا انْتَقَلَ إلَى الْوَاطِئِ، وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ لِسَيِّدِهَا فَلِهَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَدَّعِيهِ، وَهُوَ بَقِيَّةُ ثَمَنِهَا.
(وَلَوْ رَجَعَ سَيِّدٌ) عَنْ دَعْوَى بَيْعِهَا (فَصَدَّقَهُ زَوْجٌ لَمْ، يُقْبَلْ) رُجُوعُ سَيِّدٍ، وَلَا تَصْدِيقُ زَوْجٍ (فِي إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ وَلَدٍ) أَتَتْ بِهِ مِنْ وَاطِئٍ (وَ) لَا فِي (اسْتِرْجَاعِهَا) إلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ (إنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ اللَّهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ.
(وَيُقْبَلُ) رُجُوعُ سَيِّدٍ وَتَصْدِيقُ زَوْجٍ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ وَلَدٍ وَاسْتِرْجَاعِهَا إلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (مِنْ إسْقَاطِ ثَمَنٍ) عَنْ الزَّوْجِ (وَلُزُومِ مَهْرٍ) فَيَأْخُذُ مِنْهُ السَّيِّدُ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.
(وَ) مِنْ (حُكْمِ إمَاءٍ) فَيَمْلِكُ السَّيِّدُ تَزْوِيجَهَا عِنْدَ حِلِّهَا لِلْأَزْوَاجِ، وَأَخْذَ قِيمَتِهَا إنْ قُتِلَتْ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ.
تَتِمَّةٌ: (وَلَوْ رَجَعَ الزَّوْجُ) عَنْ دَعْوَى التَّزَوُّجِ؛ (ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ) لِلْوَلَدِ، (وَلَزِمَهُ) بَقِيَّةُ الثَّمَنِ لِسَيِّدِهَا؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَطْءُ زَوْجٍ امْرَأَتَهُ وَسَيِّدٍ أَمَتَهُ فِي حَيْضٍ]
فَصْلٌ (يَحْرُمُ وَطْءُ) زَوْجٍ امْرَأَتَهُ، وَسَيِّدٍ أَمَتَهُ (فِي حَيْضٍ إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ.
وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ اسْتِحَاضَةٍ.
стр. 3347
(وَيَتَّجِهُ كُفْرُ مُسْتَحِلِّهِ) أَيْ: الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ لِمُصَادَمَتِهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَتَكْذِيبِهِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي، وَاسْتِحْلَالِهِ أَمْرًا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) حَرُمَ وَطْءٌ (فِي دُبُرٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ؛ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَرَوَى جَابِرٌ قَالَ: «كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا فِي الْمَأْتَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «ائْتِهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ» فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ عُزِّرَ إنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
(وَإِنْ تَطَاوَعَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا (أَوْ أَكْرَهَهَا) عَلَيْهِ (وَ) نُهِيَ عَنْهُ (فَ) لَمْ يَنْتَهِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
(قَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاجِرِ، وَمَنْ يَفْجُرُ بِهِ) مِنْ رَقِيقِهِ انْتَهَى.
(وَكَذَا) يَحْرُمُ (عَزْلٌ) عَنْ زَوْجَةٍ (بِلَا إذْنِ) زَوْجَةٍ (حُرَّةٍ أَوْ) بِلَا إذْنِ (سَيِّدِ أَمَةٍ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا، وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْلِ ضَرَرٌ؛ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهَا، وَقِيسَ عَلَيْهَا سَيِّدُ الْأَمَةِ، وَمَعْنَى الْعَزْلِ أَنْ يَنْزِعَ إذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ فَيُنْزِلَ خَارِجًا عَنْ الْفَرْجِ.
стр. 3348
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ لِزَوْجِ الْأَمَةِ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا إذَا لَمْ تَتَضَرَّرْ بِالْعَزْلِ (وَمَعَ ضَرَرِهَا) بِهِ (يَحْرُمُ) عَلَيْهِ الْعَزْلُ عَنْهَا (بِلَا إذْنِهَا) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْغَيْبَةِ، وَالْفَسْخَ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ؛ وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَزْلُ حَيْثُ تَضَرَّرَتْ بِهِ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ؛ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِرِضَاهَا بِإِدْخَالِهَا الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ (إنْ) عَزَلَ مَنْ وَطِئَ زَوْجَةً (حُرَّةً) وَهِيَ (حَامِلٌ) لَا يَحْرُمُ بِلَا إذْنِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي إيجَادِ الْوَلَدِ، وَهُوَ حَاصِلٌ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَنَّ مَنْ وَطِىءَ (أَمَةً) بِزَوْجِيَّةٍ كَأَنْ قَدْ (شَرَطَ) فِي الْعَقْدِ (حُرِّيَّةَ وَلَدِهَا لَا يَحْرُمُ) عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا (بِلَا إذْنِ) سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَلَدِ لِلزَّوْجِ وَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَنْبِيهٌ عَزْل الزَّوْج وَالسَّيِّد عَنْ زَوْجَته وَسُرِّيَّتِهِ]
تَنْبِيهٌ.
وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ سُرِّيَّتِهِ نَصًّا، سَوَاءٌ اخْتَارَتْ ذَلِكَ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ رَقَبَتَهَا، فَمَلَكَ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ كَسَائِرِ حُقُوقِهَا، وَإِذَا مَلَكَ حَقَّهَا كَانَ لَهُ الْعَزْلُ عَنْهَا؛ كَمَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ وَطْئِهَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «إنَّا نَأْتِي السَّبَايَا، وَنُحِبُّ إتْيَانَهُنَّ فَمَا تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ ﵊: اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كَائِنٌ، وَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
(وَيَعْزِلُ وُجُوبًا) عَنْ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وَعَنْ سُرِّيَّةٍ (بِدَارِ حَرْبٍ) خَشْيَةَ اسْتِرْقَاقِ الْوَلَدِ (إنْ حَرُمَ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ) كَتَزَوُّجِ الْأَسِيرِ مُطْلَقًا وَتَزَوُّجِ غَيْرِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَإِلَّا) يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ غَيْرَ الْأَسِيرِ لِضَرُورَةٍ؛ فَيَعْزِلُ (نَدْبًا
стр. 3349
خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى ": وَكَذَا أَيْ: يَحْرُمُ عَزْلٌ بِلَا إذْنِ حُرَّةٍ أَوْ سَيِّدِ أَمَةٍ إلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُسَنُّ مُطْلَقًا وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " وَيَعْزِلُ وُجُوبًا عَنْ الْكُلِّ بِدَارِ حَرْبٍ بِلَا إذْنٍ، انْتَهَى
(وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (تَقْبِيلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (وَلَمْسُهُ لِشَهْوَةٍ، وَلَوْ) كَانَ (نَائِمًا لَا اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ) فِي فَرْجِهَا (بِلَا إذْنِهِ) نَائِمًا كَانَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (إلْزَامُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ (ذِمِّيَّةً) أَوْ مَمْلُوكَةً (بِغُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَى إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، (وَ) لَهُ إلْزَامُهَا بِغُسْلِ (نَجَاسَةٍ) إنْ اتَّحَدَ مَذْهَبُهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَارِفًا بِمَذْهَبِهِ عَامِلًا بِهِ، فَيَعْمَلُ كُلٌّ بِمَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا إنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيمَا طَهَّرَتْهُ لَهُ عَلَى مَذْهَبِهَا وَعَكْسُهُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَامِّيَّةً لَا مَذْهَبَ لَهَا؛ فَإِنَّهُ يُلْزِمُهَا بِمَذْهَبِهِ، (وَ) لَهُ إلْزَامُهَا بِغُسْلٍ مِنْ (جَنَابَةٍ) إنْ كَانَتْ (مُسْلِمَةً مُكَلَّفَةً) لَا ذِمِّيَّةً.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " خِلَافًا لِمَفْهُومِ " الْمُنْتَهَى " وَمَا صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ لِإِبَاحَتِهِ بِدُونِهِ.
[فَائِدَةٌ إجْبَارُ الزَّوْج زَوْجَته عَلَى اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ]
فَائِدَةٌ: وَلِلزَّوْجِ إجْبَارُ زَوْجَتِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا، وَلَهُ إلْزَامُهَا (بِأَخْذِ مَا يَعَافُ مِنْ شَعْرِ) عَانَةٍ (وَ) مِنْ (ظُفْرٍ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَالَا قَلِيلًا بِحَيْثُ تَعَافُهُ النَّفْسُ، (وَ) لَهُ إلْزَامُهَا بِإِزَالَةِ (وَسَخٍ) عَلَى جَسَدِهَا؛ لِمَا فِي بَقَائِهِ مِنْ النَّفْرَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالسَّآمَةِ مِنْهَا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (ثَمَنُ الْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ، وَ (لَا) يَمْلِكُ إلْزَامَهَا (بِعَجْنٍ وَخَبْزٍ وَطَبْخٍ وَطَحْنٍ وَكَنْسٍ) لِدَارٍ (وَنَحْوِهِ) كَإِخْرَاجِ مَاءٍ مِنْ بِئْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْبِضْعِ؛ فَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ مِنْ مَنَافِعِهَا، لَكِنَّ الْأَوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقِيَامِهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، وَلَا يَصْلُحُ الْحَالُ إلَّا بِهِ، وَلَا تَنْتَظِمُ الْمَعِيشَةُ بِدُونِهِ.
стр. 3350
(وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (الْمَعْرُوفَ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ) وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، وَاحْتَجَّ بِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ: «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلِيٌّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ» رَوَاهُ الْجَوْزَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ.
تَتِمَّةٌ: وَأَمَّا خِدْمَةُ نَفْسِهَا فِي الْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ فَعَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا يَخْدِمُ نَفْسَهَا؛ فَعَلَيْهِ خَادِمٌ لَهَا.
(وَتُمْنَعُ) الزَّوْجَةُ (مِنْ أَكْلِ) مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ (كَبَصَلٍ وَثُومٍ) وَكُرَّاثٍ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُ النَّتِنِ إذَا تَأَذَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَتُمْنَعُ أَيْضًا مِنْ تَنَاوُلِ (مَا يُمْرِضُهَا) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا زَمَنَ الْمَرَضِ
(وَ) تُمْنَعُ (ذِمِّيَّةٌ مِنْ دُخُولِ بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ) فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ (وَ) مِنْ تَنَاوُلِ مُحَرَّمٍ (وَشُرْبِ مَا يُسْكِرُهَا) لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا وَ (لَا) تُمْنَعُ مِمَّا (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا يُسْكِرُهَا نَصًّا؛ لِاعْتِقَادِهَا حِلَّهُ فِي دِينِهَا (كَمُسْلِمَةٍ تَعْتَقِدُ إبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ) فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ، وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ فَمِهَا مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْقُبْلَةِ.
(وَلَا يُكْرِهُ) ذِمِّيَّةً (عَلَى إفْسَادِ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ) بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا (وَ) لَا تُكْرَهُ عَلَى إفْسَادِ (سِبْتٍ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ.
(وَلَا يَشْتَرِي لَهَا) أَيْ لِزَوْجَتِهِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا (وَلَا) يَشْتَرِي (لِأَمَتِهِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى إظْهَارِ شِعَارِهِمْ (بَلْ تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا نَصًّا) .
стр. 3351
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الزَّوْجَ لزوجته وَطْءُ وَمَبِيتٌ فِي الْمَضْجَعِ]
فَصْلٌ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الزَّوْجَ (وَطْءُ) زَوْجَتِهِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً بِطَلَبِهَا (فِي كُلِّ ثُلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً إنْ قَدَرَ) عَلَى الْوَطْءِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْرُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُوجِبُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَطْءَ وَاجِبٌ بِدُونِهَا (وَ) يَلْزَمُهُ (مَبِيتٌ) فِي الْمَضْجَعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي " نَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِمَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ نُصُوصًا تَقْتَضِيهِ (بِطَلَبٍ عِنْدَ) زَوْجَةٍ (حُرَّةٍ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعِ) لَيَالٍ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (كَأَنَّهَا وَاحِدَةٌ) لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا، وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً فَقَالَ كَعْبٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ إذَا كَانَ هَذَا فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا، فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا، وَقَالَ لِكَعْبٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا رَأْيُكَ الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اُشْتُهِرَتْ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ «﵊ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ
стр. 3352
حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إحْدَى زَوْجَاتِهِ بِهِ كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، (وَ) يَلْزَمُهُ بِطَلَبِ زَوْجَةٍ (أَمَةٍ) أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً (مِنْ) كُلِّ (سَبْعِ) لَيَالٍ (كَأَنَّ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَتَانِ، وَلَهَا لَيْلَةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ (وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ فِي الْبَقِيَّةِ بِنَفْسِهِ أَوْ مَعَ سُرِّيَّتِهِ) إذَا لَمْ تَسْتَغْرِقْ زَوْجَاتُهُ جَمِيعَ اللَّيَالِي (فَمَنْ مَعَهُ حُرَّةٌ) فَقَطْ (انْفَرَدَ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ أَرْبَعٍ، (وَ) إنْ كَانَ مَعَهُ حُرَّتَانِ (ثِنْتَانِ) فَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي (ثِنْتَيْنِ) مِنْ أَرْبَعٍ، (وَ) إنْ كَانَ مَعَهُ (ثَلَاثُ) حَرَائِرَ (فَ) لَهُ الِانْفِرَادُ فِي لَيْلَةٍ (وَاحِدَةٍ) مِنْ سَبْعٍ، (وَإِنْ) كَانَ مَعَهُ (أَرْبَعُ) حَرَائِرَ (فَلَا) يَنْفَرِدُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبِيبُ وَحْدَهُ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ قَسَّمَ لَهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ فَلَهُنَّ خَمْسٌ، وَلَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ فَلَهُنَّ سِتٌّ، وَلَهُ لَيْلَتَانِ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَهَا لَيْلَةٌ، وَلَهُ سِتٌّ
(وَإِنْ سَافَرَ) الزَّوْجُ (فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ فِي غَيْرِ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ وَاجِبَيْنِ، أَوْ فِي غَيْرِ طَلَبِ رِزْقٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَطَلَبَتْ) زَوْجَتُهُ (قُدُومَهُ، وَرَاسَلَهُ الْحَاكِمُ؛ لَزِمَهُ) الْقُدُومُ نَصًّا (فَإِنْ أَبَى) الزَّوْجُ شَيْئًا مِنْ مَبِيتِ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ عِنْدَ الْحُرَّةِ أَوْ لَيْلَةٍ مِنْ سَبْعٍ عِنْدَ الْأَمَةِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا (أَوْ) أَبَى عَنْ (وَطْءِ) زَوْجَتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا (أَوْ) أَبَى مُسَافِرٌ مِنْ (قُدُومٍ) بِلَا عُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا فِي الْجَمِيعِ (فَرَّقَ) الْحَاكِمُ (بَيْنَهُمَا بِطَلَبِهَا، وَلَوْ قَبْلَ دُخُولٍ) نَصًّا قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ (قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً) وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا (يَقُولُ غَدًا أَدْخُلُ بِهَا غَدًا أَدْخُلُ بِهَا إلَى شَهْرٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ؟ قَالَ: أَذْهَبُ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) فَجَعَلَهُ كَالْمَوْلَى،
стр. 3353
وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ يُؤْمَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ.
قَالَ: إي وَاَللَّهِ يَحْتَسِبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْوَلَدَ، قَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ لِمَا لَا يُؤْمَرُ وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَوَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُبَاضَعَةُ أَهْلِكَ صَدَقَةٌ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُصِيبُ شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ أَفَتَحْسِبُونِ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَا تَحْسِبُونَ بِالْخَيْرِ» .
وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَلَدِ وَإِعْفَافِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ وَغَضِّ بَصَرِهِ.
(وَمَنْ) (غَابَ) عَنْهَا (زَوْجُهَا) غَيْبَةً ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ عِنْدَ مَنْ لَيْسَتْ عَادَتُهُ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ أَهُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ (وَتَضَرَّرَتْ بِتَرْكِ النِّكَاحِ) مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا (لَمْ تَفْسَخْ) نِكَاحَهَا (لِذَلِكَ) أَيْ لِتَضَرُّرِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ.
[تَتِمَّةٌ ظَاهَرَ الزَّوْج وَلَمْ يُكَفِّرْ]
تَتِمَّةٌ: لَوْ ظَاهَرَ، وَلَمْ يُكَفِّرْ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا لِعُذْرٍ فَلَا فَسْخَ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ لِعَجْزِ الزَّوْجِ؛ فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ إذَا تَعَذَّرَتْ فَتَفْسَخُ، وَالْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ أَوْلَى مِنْ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ يُفْسَخُ بِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ إجْمَاعًا فِي الْإِيلَاءِ، وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَلَوْ سَافَرَ الزَّوْجُ عَنْهَا لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ؛ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ لِلْعُذْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَتَهَا؛ أَوْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ أَوْ مَنْ يُقْرِضُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَافِرِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَغَابَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْحَيَا ... لَحُرِّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ فُلَانَةُ زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةٌ.
стр. 3354
تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا، فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: بِنِيَّةِ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ؛ مِثْلُكَ يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا، فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ، فَقَالَتْ: خَمْسَةَ أَشْهُرٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَيَرْجِعُونَ فِي شَهْرٍ.
(وَسُنَّ عِنْدَ وَطْءٍ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ عَطَاءٌ هُوَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: (وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ أَيْضًا فَإِنْ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا) لِلْخَبَرِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا إذَا أَنْزَلَ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا رَزَقْتَنِي نَصِيبًا.
(وَ) يُسَنُّ (أَيْ أَنْ يُلَاعِبَهَا قَبْلَ الْجِمَاعِ لِيُنْهِضَ شَهْوَتَهَا) فَتَنَالَ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا يَنَالُهُ.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُوَاقِعْهَا إلَّا، وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلَ مَا نَالَهُ لَا يَسْبِقْهَا بِالْفَرَاغِ»
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ) عِنْدَ الْجِمَاعِ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ» (وَأَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَعَطَاءً كَرِهَا ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "
(وَيُسْتَحَبُّ لَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (اتِّخَاذُ خِرْقَةٍ تُنَاوِلُهَا لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (بَعْدَ فَرَاغِهِ) مِنْ جِمَاعِهَا لِيَتَمَسَّحْ بِهَا؛ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تُظْهِرَ الْخِرْقَةَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ
стр. 3355
دَارِهَا (وَكُرِهَ مَسْحُ ذَكَرِهِ بِمَا) أَيْ خِرْقَةٍ (مَسَحَتْ بِهَا) فَرْجَهَا، قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ.
(وَ) كُرِهَ (وَطْؤُهَا مُتَجَرِّدَيْنِ) لِمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَالْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، حِمَارُ الْوَحْشِ شَبَّهَهُمَا بِهِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ.
(وَكُرِهَ إكْثَارُ كَلَامٍ حَالَتَهُ) أَيْ: الْوَطْءِ؛ لِحَدِيثِ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَأَةُ» .
(وَ) كُرِهَ (نَزْعُهُ) ذَكَرَهُ (قَبْلَ فَرَاغِ شَهْوَتِهَا) أَيْ: قَبْلَ إنْزَالِهَا؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيُصَدِّقْهَا، ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» .
وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهَا، وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا.
(وَ) كُرِهَ (وَطْءٌ) لِزَوْجَتِهِ أَوْ سُرِّيَّتِهِ (بِحَيْثُ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ) مِنْ النَّاسِ (غَيْرُ طِفْلٍ لَا يَعْقِلُ وَلَوْ رَضِيَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْوَجْسَ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، يُقَالُ: تَوَجَّسَ إذَا تَسَمَّعَ إلَى الصَّوْتِ الْخَفِيِّ.
(وَ) كُرِهَ (مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ: وَطْؤُهَا (بِحَضْرَةِ النَّاسِ إنْ كَانَ) أَيْ الزَّوْجَانِ (مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ (وَإِلَّا) يَكُونَا مَسْتُورَيْ الْعَوْرَةَ (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ؛ لِحَدِيثِ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» (وَ) كُرِهَ (تَحَدُّثُهُمَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا) وَلَوْ لِضَرَّتِهَا (وَحَرَّمَهُ) الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيُّ فِي " الْغُنْيَةِ " (لِأَنَّهُ مِنْ إفْشَاءِ السِّرِّ، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ حَرَامٌ) وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الرِّجَالِ، فَقَالَ: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا، قَالَ: فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ إنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ وَإِنَّا لَنَفْعَلُ؛ فَقَالَ:
стр. 3356
لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فَجَامَعَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ.
(وَلَا يُكْرَهُ نَوْمُهُ مَعَهَا بِلَا جِمَاعٍ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ لَهَا) «لِنَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ فِي طُولِ الْوِسَادَةِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا بَاتَ عِنْدَهَا فِي عَرْضِهَا»
(وَقَالَ) أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ (لَا يُكْرَهُ نَخْرُهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (حَالَ الْجِمَاعِ) وَقَالَ الْإِمَامُ (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) (لَا بَأْسَ بِالنَّخْرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ، وَأَرَاهُ سَفَهًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ يُعَابُ عَلَى فَاعِلِهِ،)
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الْجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ) بِغُسْلٍ وَاحِدٍ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «سَكَبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ غُسْلًا وَاحِدًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ بِدَلِيلِ إتْمَامِ الْجِمَاعِ، (وَ) لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ مَعَ وَطْءِ (إمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) .
«لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ (فِي مَسْكَنٍ) أَيْ: بَيْتٍ وَاحِدٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ زَوْجَاتِهِ (مَعَ سُرِّيَّةٍ لَهُ) فَأَكْثَرَ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ (إلَّا بِرِضَا الزَّوْجَاتِ) كُلِّهِنَّ.
لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِنَّ؛ لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ، وَاجْتِمَاعُهُنَّ يُثِيرُ الْخُصُومَةَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَسْمَعُ حِسَّهُ إذَا أَتَى الْأُخْرَى أَوْ تَرَى ذَلِكَ فَإِنْ رَضِينَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ (وَيُقَسِّمُ لَهُنَّ إذَنْ) أَيْ: حَيْثُ رَضِينَ الْجَمْعَ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ (فِي الْفِرَاشِ) (فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخُصَّ فِرَاشَ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (بِالْبَيْتُوتَةِ فِيهِ) أَيْ: فِرَاشِهَا (دُونَ فِرَاشِ الْأُخْرَى) وَإِنْ رَضِينَ بِنَوْمِهِ بَيْنَهُنَّ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، جَازَ وَإِنْ أَسْكَنَ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتٍ مِنْهَا؛ إذَا جَازَ كَانَ بَيْتُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَسْكَنَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِي ذَلِكَ؛ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الزَّوْجَةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
стр. 3357
[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجِ كُلٍّ مِنْ زَوْجَاتِهِ مِنْ خُرُوجٍ مِنْ مَنْزِلِهِ]
فَصْلٌ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مَنْعُ كُلٍّ مِنْهُنَّ) أَيْ: مِنْ زَوْجَاتِهِ (مِنْ خُرُوجٍ) مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ (وَلَوْ لِزِيَارَةِ) وَالِدَيْهَا أَوْ عِيَادَتِهِمَا أَوْ حُضُورِ جِنَازَتِهِمَا أَوْ شُهُودِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا (قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ طَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا) أَوْجَبُ مِنْ أُمِّهَا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ.
(وَيَحْرُمُ خُرُوجُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ: (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (أَوْ) بِلَا ضَرُورَةٍ كَإِتْيَانٍ بِنَحْوِ مَأْكَلٍ؛ لِعَدَمِ مَنْ يَأْتِيهَا بِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ، وَمَنَعَ زَوْجَتَهُ الْخُرُوجَ، فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ؛ وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا» .
وَلِأَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ، وَالْعِيَادَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ فِي الْأَسْوَاقِ أَمَا تَغَارُونَ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَغَارُ وَحَيْثُ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ بِلَا ضَرُورَةٍ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ مَنْزِلِهِ.
(هَذَا) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخُرُوجِ بِلَا إذْنِهِ وَسُقُوطِ نَفَقَتِهَا بِهِ (إذَا قَامَ) الزَّوْجُ (بِحَوَائِجِهَا) الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا (وَإِلَّا) يَقُمْ بِحَوَائِجِهَا (فَتَخْرُجُ لِإِتْيَانِهَا بِمَأْكَلٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِهِ (وَسُنَّ إذْنُهُ لَهَا) فِي الْخُرُوجِ (إذَا مَرِضَ مَحْرَمُهَا) لِتَعُودَهُ (أَوْ مَاتَ) مَحْرَمُهَا لِتَشْهَدَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَعَدَمُ إذْنِهِ يَحْمِلُهَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ (لَا غَيْرُهُ) أَيْ: الْمَحْرَمِ (مِنْ أَقَارِبِهَا)
стр. 3358
كَأَوْلَادِ عَمِّهَا وَعَمَّتِهَا وَأَوْلَادِ خَالِهَا وَخَالَتِهَا، (وَلَا) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ (لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا) مَعَ عَدَمِ الْمَرَضِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِئَلَّا تَعْتَادَهُ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مَنْعُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (مِنْ كَلَامِهِمَا) أَيْ: أَبَوَيْهَا (وَلَا مَنْعُهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا) لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (إلَّا مَعَ ظَنِّ) حُصُولِ (ضَرَرٍ يُعْرَفُ بِقَرَائِنِ الْحَالِ) بِسَبَبِ زِيَارَتِهِمَا، فَلَهُ مَنْعُهُمَا إذَنْ مِنْ زِيَارَتِهَا؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَلَا يَلْزَمُهَا طَاعَتُهُمَا) أَيْ: أَبَوَيْهَا (فِي نَحْوِ فِرَاقِ) الزَّوْجِ أَوْ مُخَاصَمَتِهِ، وَلَا فِي زِيَارَةٍ (بَلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أَحَقُّ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهَا.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (إنْ خَافَ خُرُوجَهَا) بِلَا إذْنِهِ (لِحَبْسٍ) أَيْ لِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا ظُلْمًا أَوْ بِحَقٍّ (وَنَحْوِهِ) كَسَفَرٍ (إسْكَانُهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا) الْخُرُوجُ تَحْصِينًا لِفِرَاشِهِ (فَإِنْ لَمْ تُحْفَظْ) أَيْ: يُمْكِنُ حِفْظُهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرَهُ (حُبِسَتْ مَعَهُ) لِيَحْفَظَهَا (حَيْثُ لَا مَحْذُورَ) لِأَنَّهُ طَرِيقُ حِفْظِهَا، وَإِلَّا بِأَنْ خِيفَ مَحْذُورٌ بِحَبْسِهَا مَعَهُ لِوُجُودِ الْأَجَانِبِ بِالْحَبْسِ أَوْ خِيفَ حُدُوثُ شَرٍّ بِسَبَبِ حَبْسِهَا مَعَهُ؛ (فَ) تَسْكُنُ (فِي رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ) دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَمَتَى كَانَ خُرُوجُهَا مَظِنَّةَ الْفَاحِشَةِ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ،)
(وَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (لِرَضَاعٍ وَخِدْمَةٍ) وَصَنْعَةٍ (بَعْدَ نِكَاحٍ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ سَوَاءٌ أَجَرَتْ نَفْسَهَا أَوْ أَجَرَهَا وَلِيُّهَا؛ لِتَفْوِيتِ حَقِّ الزَّوْجِ مَعَ سَبْقِهِ كَإِجَارَةِ الْمُؤَجَّرِ، فَإِنْ أَذِنَ زَوْجٌ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَلَزِمَتْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (أَوَّلُهُ) أَيْ: إذَا أَجَرَتْ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا لِلزَّوْجِ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ مَعَهَا إذْنٌ فِيهِ (أَوْ) أَجَرَتْ نَفْسَهَا (لِعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهَا) ؛ صَحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهَا قَابِلَةٌ لِذَلِكَ (فَإِنْ عَمِلَتْهُ) أَيْ: الْعَمَلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ بِنَفْسِهَا أَوْ عَمِلَهُ (نَائِبُهَا اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ) ؛ لِأَنَّهَا وَفَّتْ بِالْعَمَلِ.
(وَتَصِحُّ) إجَارَتُهَا نَفْسَهَا (قَبْلَ عَقْدِ) نِكَاحٍ وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَرَهَا وَلِيُّهَا لِصِغَرِهَا قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ؛ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِيهِمَا (وَتَلْزَمُ، فَلَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ
стр. 3359
(فَسْخَهَا) أَيْ: الْإِجَارَةِ (وَلَا مَنْعَهَا مِنْ رَضَاعٍ وَنَحْوِهِ) حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِ الزَّوْجِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً أَوْ دَارًا مَشْغُولَةً بِمَا يَطُولُ نَقْلُهُ مِنْهَا (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْوَطْءُ) لِزَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّرَةِ لِنَحْوِ خِدْمَةٍ أَوْ رَضَاعٍ (وَلَوْ أَضَرَّ اللَّبَنُ أَوْ أَضَرَّ الْمُرْتَضَعَ) لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بَعْدَ التَّزْوِيجِ، فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ، فَسْخَ النِّكَاحِ مَعَ جَهْلِهِ بِكَوْنِهَا مُؤَجَّرَةً.
(وَيَسْتَمْتِعُ) الزَّوْجُ (بِهَا إذَا نَامَ رَضِيعٌ) اُسْتُؤْجِرَ لِرَضَاعِهِ (أَوْ) إذَا (اشْتَغَلَ) رَضِيعٌ عَنْهَا لِزَوَالِ الْمُعَارَضَةِ لِحَقِّهِ؛ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ) وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهَا بِذَلِكَ يُفَوِّتُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَ (لَا) يَمْنَعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا (مِنْهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهَا، وَمَحِلُّ مَنْعِهِ لَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا إذَا لَمْ يُضْطَرَّ الرَّضِيعُ إلَيْهَا، وَيُخْشَى عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا، أَوْ لَا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ تَكُونُ قَدْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ نَصًّا (وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ) مُوَضَّحًا.
[فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَأَكْثَرَ]
َ وَهُوَ تَوْزِيعُ الزَّمَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ (وَ) يَجِبُ (عَلَى غَيْرِ طِفْلٍ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي قِسْمٍ فَقَطْ؛ أَيْ: فَلَا تَجِبُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُنَّ فِي وَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ أَوْ نَفَقَةٍ) وَشَهَوَاتٍ وَكِسْوَةٍ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ؛
стр. 3360
لِأَنَّ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيَهُ طَرِيقَةُ الشَّهْوَةِ وَالْمَيْلِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ وَدَاعِيهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَغَيْرِهَا وَفَعَلَهُ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ.
وَرُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْقُبْلَةِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» .
وَلِأَنَّهُ إذَا قَسَمَ لِوَاحِدَةٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَيْلٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] . وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] .
لِأَنَّ الْعَدْلَ أَنْ لَا يَقَعَ مَيْلٌ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ وَلَوْ حَرَصْتُمْ عَلَى تَحَرِّي ذَلِكَ وَبَالَغْتُمْ فِيهِ؛ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ ذَاتَ بَعْلٍ وَلَا مُطَلَّقَةً.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» .
(وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) لِأَنَّهُ يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارُ لِلْمَعَاشِ وَالِاشْتِغَالِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] (وَالنَّهَارُ يَتْبَعُهُ) أَيْ: اللَّيْلَ، فَيَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ «سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي» .
وَإِنَّمَا قُبِضَ نَهَارًا، وَيَتْبَعُ الْيَوْمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى عَكْسِهِ (وَعَكْسُهُ مِنْ مَعِيشَتِهِ بِلَيْلٍ كَحَارِسٍ) فَعِمَادُ قَسْمِهِ النَّهَارُ، وَيَتْبَعُهُ اللَّيْلُ.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (نَهَارُ قَسْمٍ أَنْ يَخْرُجَ لِمَعَاشِهِ وَقَضَاءِ حُقُوقٍ وَمَا جَرَتْ عَادَةٌ بِهِ، وَلِصَلَاةِ عِشَاءٍ وَفَجْرٍ) وَلَوْ قَبْلَ طُلُوعِهِ كَصَلَاةِ النَّهَارِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: لَكِنْ لَا يُعْتَادُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْأَوْقَاتِ إذَا كَانَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ دُونَ
стр. 3361
الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا، أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَوْ لِعَارِضٍ؛ فَلَا بَأْسَ.
(وَيَكُونُ الْقَسْمُ لَيْلَةً وَلَيْلَةً) لِأَنَّ فِي قَسْمِهِ لَيْلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَأْخِيرًا لِحَقِّ مَنْ لَهَا اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ لِلَّتِي قَبْلَهَا (إلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِالْقَسْمِ أَكْثَرَ) مِنْ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ، وَإِنْ كَانَتْ نِسَاؤُهُ بِمَحَالَّ مُتَبَاعِدَةٍ قَسَمَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ مَعَ التَّسَاوِي بَيْنَهُنَّ إلَّا بِرِضَاهُنَّ (وَلِزَوْجَةٍ أَمَةٍ مَعَ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْحُرَّةُ (كِتَابِيَّةً لَيْلَةٌ مِنْ ثَلَاثِ) لَيَالٍ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيٍّ (وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ) ، وَلِأَنَّ الْحُرَّةَ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَحَقُّهَا أَكْثَرُ فِي الْإِيوَاءِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَتُقَدَّرُ بِالْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ الْأَمَةِ فِي ذَلِكَ كَحَاجَةِ الْحُرَّةِ، بِخِلَافِ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لِزَوَالِ الِاحْتِشَامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِحُرِّيَّةٍ وَرِقٍّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ لِلْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ (وَ) يَقْسِمُ (لِمُبَعَّضَةٍ بِالْحِسَابِ) فَلِلْمُبَعَّضَةِ ثَلَاثُ لَيَالٍ، وَلِلْحُرَّةِ أَرْبَعُ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الرَّقِيقِ لَيْلَةً؛ فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ ضِعْفُ ذَلِكَ، وَنَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الْحُرِّ لَيْلَتَيْنِ؛ فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ عَتَقَتْ أَمَةٌ فِي نَوْبَتِهَا) فَلَهَا قَسْمُ حُرَّةٍ (أَوْ) عَتَقَتْ فِي (نَوْبَةٍ سَابِقَةٍ) عَلَى نَوْبَةِ أَمَةٍ (فَلَهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةِ (قَسْمُ حُرَّةٍ) لِأَنَّ النَّوْبَةَ أَدْرَكَتْهَا، وَهِيَ حُرَّةٌ، فَاسْتَحَقَّتْ قَسْمَ حُرَّةٍ، (وَإِنْ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (فِي نَوْبَةِ حُرَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ) عَنْ الْأَمَةِ؛ بِأَنْ بَدَأَ بِالْأَمَةِ فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ لِلْحُرَّةِ، فَعَتَقَتْ الْأَمَةُ (أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ) لِضَرَّتِهَا (وَلَا تُزَادُ الْأَمَةُ شَيْئًا) وَيَكُونُ لِلْحُرَّةِ ضِعْفُ مُدَّةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِيفَاءِ الْأَمَةِ فِي حَالِ الرِّقِّ؛ وَجَبَ لِلْحُرَّةِ ضِعْفُهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا عَتَقَتْ قَبْلَ مَجِيءِ نَوْبَتِهَا، أَوْ قَبْلَ تَمَامِهَا.
وَالْحُرِّيَّةُ الطَّارِئَةُ لَا تُنْقِصُ الْحُرَّةَ مِمَّا وَجَبَ لَهَا، وَإِذَا أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا ابْتَدَأَ الْقَسْمَ مُتَسَاوِيًا.
стр. 3362
تَنْبِيهٌ: الْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا كَالْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ؛ وَلَا أَنْ يَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا.
(وَيَطُوفُ بِمَجْنُونٍ مَأْمُونٍ وَلِيُّهُ) عَلَى زَوْجَتِهِ فَأَكْثَرَ لِلتَّعْدِيلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ لَهُنَّ، وَلَا قَسْمَ لِمَجْنُونَةٍ يُخَافُ مِنْهَا.
(وَيَحْرُمُ تَخْصِيصُ) بَعْضِ زَوْجَاتِهِ (بِإِفَاقَةٍ) لِأَنَّهُ جَوْرٌ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ (فَلَوْ أَفَاقَ) الْمَجْنُونُ (فِي نَوْبَةِ وَاحِدَةٍ) مِنْ زَوْجَاتِهِ (قَضَى يَوْمَ جُنُونِهِ لِلْأُخْرَى) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي الْقَسْمِ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ قَضَى لِلْمَظْلُومَةِ مَا فَاتَهَا اسْتِدْرَاكًا لِلظُّلَامَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (أَنْ يَأْتِيَهُنَّ) أَيْ زَوْجَاتِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي مَسْكَنِهَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْسِمُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ، وَأَصْوَنُ (وَ) لَهُ (أَنْ يَدْعُوَهُنَّ لِمَحِلِّهِ) بِأَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا يَدْعُو إلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا وَتَجِبُ إجَابَتُهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ نَقْلَهَا حَيْثُ شَاءَ بِلَائِقٍ بِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَتْ الْمَدْعُوَّةُ عَنْ إجَابَتِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ؛ لِنُشُوزِهَا، وَ (لَا) تَجِبُ عَلَيْهِنَّ إجَابَتُهُ إنْ دَعَاهُنَّ (لِمَحِلِّ إحْدَاهُنَّ) لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ، وَالِاجْتِمَاعُ يَزِيدُهَا (وَ) لَهُ (أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُنَّ بَعْضًا) مِنْ زَوْجَاتِهِ إلَى مَسْكَنِهَا (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ مِنْهُنَّ بَعْضًا) مِنْهُنَّ إلَى مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ السَّكَنَ لَهُ حَيْثُ لَاقَ الْمَسْكَنُ، وَإِنْ حُبِسَ زَوْجٌ، فَاسْتَدْعَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَبْسِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِنَّ طَاعَتُهُ (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ دُعِيَتْ) إلَى الْحَبْسِ إتْيَانٌ إلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) الْحَبْسُ (سَكَنَ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ دَعَاهَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ إلَى مَا لَيْسَ مَسْكَنًا لِمِثْلِهَا فِي الْإِتْيَانِ فَإِنْ أَطَعْنَهُ فِي الْإِتْيَانِ إلَى الْحَبْسِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْكَنَ مِثْلِهِنَّ أَوْ لَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ
стр. 3363
لِأَنَّهُ جَوْرٌ، وَلَا اسْتِدْعَاءَ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ.
(وَمَنْ امْرَأَتَاهُ بِبَلَدَيْنِ) أَوْ نِسَاؤُهُ بِبِلَادٍ (فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِلْغَائِبَةِ) عَنْ الْبَلَدِ (فِي نَوْبَتِهَا) لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (أَوْ يُقْدِمُهَا) إلَيْهِ لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) الْغَائِبَةُ (مَعَ إمْكَانِ قُدُومٍ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ) لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ قَسَمَ فِي بَلَدَيْهِمَا جَعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ كَشَهْرٍ وَشَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَبُعْدِهِمَا؛ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَكَذَا مَنْ جَاءَهَا الْقَسْمُ فَأَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ، أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ قَالَتْ: لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ أَوْ لَا تَبِتْ عِنْدِي، أَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ سَفَرٍ مَعَهُ أَوْ مَبِيتٍ) سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ لِنُشُوزِهَا.
(وَيَقْسِمُ) زَوْجٌ (مَرِيضٌ وَمَحْبُوبٌ وَعِنِّينٌ وَخَصِيٌّ كَصَحِيحٍ) لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ، وَيَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ شَقَّ عَلَى الْمَرِيضِ) الْقَسْمُ (أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِإِذْنِ الْبَوَاقِي) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلَى نِسَائِهِ فَاجْتَمَعْنَ؛ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُ، فَأَذِنَّ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ أَوْ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ (بِقُرْعَةٍ) إذَا لَمْ يَأْذَنَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ (أَوْ يَعْتَزِلُهُنَّ جَمِيعًا) إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَعْدِيلًا بَيْنَهُنَّ.
(وَيَقْسِمُ) الزَّوْجُ وُجُوبًا (لِ) زَوْجَةٍ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ وَمَعِيبَةٍ) بِجُذَامٍ وَنَحْوِهِ (وَرَتْقَاءَ وَكِتَابِيَّةٍ وَمُحْرِمَةٍ وَزَمِنَةٍ وَمُمَيَّزَةٍ وَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ وَمَنْ آلَى مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ) زَمَنَ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْقَسْمِ الْأُنْسُ، لَا الْوَطْءُ (أَوْ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ) فَيَقْسِمُ لَهَا (إذَا قَدِمَ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ؛ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا
стр. 3364
مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ، (وَلَا قَسْمَ) لِمُطَلَّقَةٍ (رَجْعِيَّةٍ) صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَالزَّرْكَشِيُّ فِي الْحَضَانَةِ.
وَمَا ثَمَّ صَرِيحٌ يُخَالِفُهُ، وَلِأَنَّهَا تَرْجِعُ حَضَانَتُهَا عَلَى وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ مُطَلِّقِهَا وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَلَيْسَ لَهُ بُدَاءَةٌ بِقَسْمٍ وَسَفَرٍ بِإِحْدَاهُنَّ) طَالَ السَّفَرُ أَوْ قَصُرَ (بِلَا قُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ تَفْضِيلٌ لَهَا، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ «وَكَانَ ﵊ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ إلَى مَحِلٍّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا مَعَهُ (إلَّا بِرِضَاهُنَّ وَرِضَاهُ) فَإِذَا رَضِيَ الزَّوْجَاتُ وَالزَّوْجُ بِالْبُدَاءَةِ بِإِحْدَاهُنَّ أَوْ السَّفَرِ بِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ (وَيَقْضِي) زَوْجٌ لِبَقِيَّةِ زَوْجَاتِهِ (مَعَ) خُرُوجِ (قُرْعَةٍ) فِي السَّفَرِ بِإِحْدَاهُنَّ (أَوْ) مَعَ (رِضَاهُنَّ) بِالسَّفَرِ بِمُعَيَّنَةٍ مِنْهُنَّ (مَا تَعَقَّبَهُ سَفَرٌ) أَيْ: مَا أَقَامَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ (أَوْ تَخَلَّلَهُ) أَيْ تَخَلَّلَ السَّفَرَ (مِنْ إقَامَةٍ) أَيْ: مُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ؛ لِتَسَاكُنِهِمَا إذَنْ، لَا زَمَنِ مَسِيرِهِ وَحِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْكَنًا؛ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ (وَ) يَقْضِي مَنْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ (بِدُونِهِمَا) أَيْ: الْقُرْعَةِ وَرِضَاهُنَّ (جَمِيعَ غَيْبَتِهِ) حَتَّى زَمَنِ سَيْرِهِ وَحِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، سَوَاءٌ طَالَ السَّفَرُ أَوْ قَصُرَ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ عَلَى وَجْهٍ يَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ؛ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ إنْ سَافَرَ بِاثْنَتَيْنِ بِقُرْعَةٍ أَوَى: كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَحْلِهَا كَخَيْمَتِهَا وَنَحْوَهَا، فَإِنْ كَانَتَا فِي رِحْلَةٍ؛ فَلَا قَسْمَ إلَّا فِي الْفِرَاشِ.
(وَمَنْ قَرَعَتْ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: زَوْجَهَا (سَفَرٌ بِهَا) وَلَهُ تَرْكُهَا (وَيُسَافِرُ وَحْدَهُ) لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ، وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ (بِغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهُ جَوْرٌ، وَإِنْ وَهَبَتْ الْقَارِعَةُ حَقَّهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ لِإِحْدَى ضَرَّاتِهَا، جَازَ لَهَا الْقُرْعَةُ ذَلِكَ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا، وَامْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ؛
стр. 3365
سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِإِعْرَاضِهَا عَنْهُ بِاخْتِيَارِهَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ بِمَا صَنَعَتْهُ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ الِامْتِنَاعِ وَاسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي مِنْ ضَرَّاتِهَا إنْ لَمْ يَرْضَيْنَ مَعَهُ بِوَاحِدَةٍ، (وَإِنْ) أَبَى ذَلِكَ فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ؛ أَوْ (إنْ أَبَتْ هِيَ السَّفَرَ) مَعَهُ (أَجْبَرَهَا) عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَأُجْبِرَتْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(وَلَوْ سَافَرَ) بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ (لِلْقُدْسِ مَثَلًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ) السَّفَرُ إلَى (مِصْرَ) مَثَلًا (فَلَهُ اسْتِصْحَابُهَا) مَعَهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْمَامٌ لِسَفَرِهِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ لَهَا حَقٌّ مَعَهَا، أَشْبَهَتْ الْمُنْفَرِدَةَ.
(وَمَتَى بَدَأَ) فِي الْقَسْمِ (بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ بِدُونِ قُرْعَةٍ (لَزِمَهُ الْمَبِيتُ) لَيْلَةً (آتِيَةً عِنْدَ) زَوْجَةٍ (ثَانِيَةٍ بِلَا قُرْعَةٍ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا فِي الْأُولَى وَيَتَدَارَكَ الظُّلْمَ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَا ثَالِثَةَ) فَإِنْ كَانَ ثُمَّ زَوْجَةٌ ثَالِثَةٌ، وَكَانَ قَدْ بَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا، أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ؛ لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَتَرَاضَوْا، فَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا، وَبَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ: ثُمَّ بِأُخْرَى مِنْهُنَّ؛ أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إلَى الزَّوْجَةِ الرَّابِعَةِ بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهَا.
(وَحَرُمَ) عَلَى الزَّوْجِ (دُخُولُهُ لِغَيْرِ ذَاتِ لَيْلَةٍ فِيهَا) أَيْ: اللَّيْلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يُحَضِّرَهَا، أَوْ تُوصِيَ إلَيْهِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهَا (فِي نَهَارِهَا) أَيْ: نَهَارِ لَيْلَةِ غَيْرِهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ كَعِيَادَةٍ) أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَوْ دَفْعِ نَفَقَةٍ، أَوْ زِيَارَةٍ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا (فَإِنْ) دَخَلَ إلَيْهَا، وَ (لَمْ يَلْبَثْ) مَعَ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ عَدَمِهَا (لَمْ يَقْضِ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ (وَإِنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ لَزِمَهُ قَضَاءُ لُبْثٍ وَجِمَاعٍ) فَيَدْخُلُ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْأُخْرَى، فَيَمْكُثُ عِنْدَهَا بِقَدْرِ مَا مَكَثَ عِنْدَ تِلْكَ، أَوْ يُجَامِعُهَا لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ؛ أَشْبَهَ الزَّمَنَ الْكَثِيرَ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَضَاءُ (قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ:
следующие страницы →