Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا، أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَوْ لِعَارِضٍ؛ فَلَا بَأْسَ.
(وَيَكُونُ الْقَسْمُ لَيْلَةً وَلَيْلَةً) لِأَنَّ فِي قَسْمِهِ لَيْلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَأْخِيرًا لِحَقِّ مَنْ لَهَا اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ لِلَّتِي قَبْلَهَا (إلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِالْقَسْمِ أَكْثَرَ) مِنْ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ، وَإِنْ كَانَتْ نِسَاؤُهُ بِمَحَالَّ مُتَبَاعِدَةٍ قَسَمَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ مَعَ التَّسَاوِي بَيْنَهُنَّ إلَّا بِرِضَاهُنَّ (وَلِزَوْجَةٍ أَمَةٍ مَعَ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْحُرَّةُ (كِتَابِيَّةً لَيْلَةٌ مِنْ ثَلَاثِ) لَيَالٍ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيٍّ (وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ) ، وَلِأَنَّ الْحُرَّةَ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَحَقُّهَا أَكْثَرُ فِي الْإِيوَاءِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَتُقَدَّرُ بِالْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ الْأَمَةِ فِي ذَلِكَ كَحَاجَةِ الْحُرَّةِ، بِخِلَافِ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لِزَوَالِ الِاحْتِشَامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِحُرِّيَّةٍ وَرِقٍّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ لِلْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ (وَ) يَقْسِمُ (لِمُبَعَّضَةٍ بِالْحِسَابِ) فَلِلْمُبَعَّضَةِ ثَلَاثُ لَيَالٍ، وَلِلْحُرَّةِ أَرْبَعُ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الرَّقِيقِ لَيْلَةً؛ فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ ضِعْفُ ذَلِكَ، وَنَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الْحُرِّ لَيْلَتَيْنِ؛ فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ عَتَقَتْ أَمَةٌ فِي نَوْبَتِهَا) فَلَهَا قَسْمُ حُرَّةٍ (أَوْ) عَتَقَتْ فِي (نَوْبَةٍ سَابِقَةٍ) عَلَى نَوْبَةِ أَمَةٍ (فَلَهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةِ (قَسْمُ حُرَّةٍ) لِأَنَّ النَّوْبَةَ أَدْرَكَتْهَا، وَهِيَ حُرَّةٌ، فَاسْتَحَقَّتْ قَسْمَ حُرَّةٍ، (وَإِنْ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (فِي نَوْبَةِ حُرَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ) عَنْ الْأَمَةِ؛ بِأَنْ بَدَأَ بِالْأَمَةِ فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ لِلْحُرَّةِ، فَعَتَقَتْ الْأَمَةُ (أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ) لِضَرَّتِهَا (وَلَا تُزَادُ الْأَمَةُ شَيْئًا) وَيَكُونُ لِلْحُرَّةِ ضِعْفُ مُدَّةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِيفَاءِ الْأَمَةِ فِي حَالِ الرِّقِّ؛ وَجَبَ لِلْحُرَّةِ ضِعْفُهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا عَتَقَتْ قَبْلَ مَجِيءِ نَوْبَتِهَا، أَوْ قَبْلَ تَمَامِهَا.
وَالْحُرِّيَّةُ الطَّارِئَةُ لَا تُنْقِصُ الْحُرَّةَ مِمَّا وَجَبَ لَهَا، وَإِذَا أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا ابْتَدَأَ الْقَسْمَ مُتَسَاوِيًا.
стр. 3362
تَنْبِيهٌ: الْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا كَالْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ؛ وَلَا أَنْ يَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا.
(وَيَطُوفُ بِمَجْنُونٍ مَأْمُونٍ وَلِيُّهُ) عَلَى زَوْجَتِهِ فَأَكْثَرَ لِلتَّعْدِيلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ لَهُنَّ، وَلَا قَسْمَ لِمَجْنُونَةٍ يُخَافُ مِنْهَا.
(وَيَحْرُمُ تَخْصِيصُ) بَعْضِ زَوْجَاتِهِ (بِإِفَاقَةٍ) لِأَنَّهُ جَوْرٌ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ (فَلَوْ أَفَاقَ) الْمَجْنُونُ (فِي نَوْبَةِ وَاحِدَةٍ) مِنْ زَوْجَاتِهِ (قَضَى يَوْمَ جُنُونِهِ لِلْأُخْرَى) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي الْقَسْمِ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ قَضَى لِلْمَظْلُومَةِ مَا فَاتَهَا اسْتِدْرَاكًا لِلظُّلَامَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (أَنْ يَأْتِيَهُنَّ) أَيْ زَوْجَاتِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي مَسْكَنِهَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْسِمُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ، وَأَصْوَنُ (وَ) لَهُ (أَنْ يَدْعُوَهُنَّ لِمَحِلِّهِ) بِأَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا يَدْعُو إلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا وَتَجِبُ إجَابَتُهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ نَقْلَهَا حَيْثُ شَاءَ بِلَائِقٍ بِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَتْ الْمَدْعُوَّةُ عَنْ إجَابَتِهِ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ؛ لِنُشُوزِهَا، وَ (لَا) تَجِبُ عَلَيْهِنَّ إجَابَتُهُ إنْ دَعَاهُنَّ (لِمَحِلِّ إحْدَاهُنَّ) لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ، وَالِاجْتِمَاعُ يَزِيدُهَا (وَ) لَهُ (أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُنَّ بَعْضًا) مِنْ زَوْجَاتِهِ إلَى مَسْكَنِهَا (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ مِنْهُنَّ بَعْضًا) مِنْهُنَّ إلَى مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ السَّكَنَ لَهُ حَيْثُ لَاقَ الْمَسْكَنُ، وَإِنْ حُبِسَ زَوْجٌ، فَاسْتَدْعَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَبْسِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِنَّ طَاعَتُهُ (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ دُعِيَتْ) إلَى الْحَبْسِ إتْيَانٌ إلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) الْحَبْسُ (سَكَنَ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ دَعَاهَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ إلَى مَا لَيْسَ مَسْكَنًا لِمِثْلِهَا فِي الْإِتْيَانِ فَإِنْ أَطَعْنَهُ فِي الْإِتْيَانِ إلَى الْحَبْسِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْكَنَ مِثْلِهِنَّ أَوْ لَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ
стр. 3363
لِأَنَّهُ جَوْرٌ، وَلَا اسْتِدْعَاءَ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ.
(وَمَنْ امْرَأَتَاهُ بِبَلَدَيْنِ) أَوْ نِسَاؤُهُ بِبِلَادٍ (فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِلْغَائِبَةِ) عَنْ الْبَلَدِ (فِي نَوْبَتِهَا) لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (أَوْ يُقْدِمُهَا) إلَيْهِ لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) الْغَائِبَةُ (مَعَ إمْكَانِ قُدُومٍ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ) لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ قَسَمَ فِي بَلَدَيْهِمَا جَعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ كَشَهْرٍ وَشَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَبُعْدِهِمَا؛ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَكَذَا مَنْ جَاءَهَا الْقَسْمُ فَأَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ، أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ قَالَتْ: لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ أَوْ لَا تَبِتْ عِنْدِي، أَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ سَفَرٍ مَعَهُ أَوْ مَبِيتٍ) سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ لِنُشُوزِهَا.
(وَيَقْسِمُ) زَوْجٌ (مَرِيضٌ وَمَحْبُوبٌ وَعِنِّينٌ وَخَصِيٌّ كَصَحِيحٍ) لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ، وَيَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ شَقَّ عَلَى الْمَرِيضِ) الْقَسْمُ (أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِإِذْنِ الْبَوَاقِي) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلَى نِسَائِهِ فَاجْتَمَعْنَ؛ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُ، فَأَذِنَّ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ أَوْ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ (بِقُرْعَةٍ) إذَا لَمْ يَأْذَنَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ (أَوْ يَعْتَزِلُهُنَّ جَمِيعًا) إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَعْدِيلًا بَيْنَهُنَّ.
(وَيَقْسِمُ) الزَّوْجُ وُجُوبًا (لِ) زَوْجَةٍ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ وَمَعِيبَةٍ) بِجُذَامٍ وَنَحْوِهِ (وَرَتْقَاءَ وَكِتَابِيَّةٍ وَمُحْرِمَةٍ وَزَمِنَةٍ وَمُمَيَّزَةٍ وَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ وَمَنْ آلَى مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ) زَمَنَ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْقَسْمِ الْأُنْسُ، لَا الْوَطْءُ (أَوْ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ) فَيَقْسِمُ لَهَا (إذَا قَدِمَ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ؛ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا
стр. 3364
مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ، (وَلَا قَسْمَ) لِمُطَلَّقَةٍ (رَجْعِيَّةٍ) صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَالزَّرْكَشِيُّ فِي الْحَضَانَةِ.
وَمَا ثَمَّ صَرِيحٌ يُخَالِفُهُ، وَلِأَنَّهَا تَرْجِعُ حَضَانَتُهَا عَلَى وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ مُطَلِّقِهَا وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَلَيْسَ لَهُ بُدَاءَةٌ بِقَسْمٍ وَسَفَرٍ بِإِحْدَاهُنَّ) طَالَ السَّفَرُ أَوْ قَصُرَ (بِلَا قُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ تَفْضِيلٌ لَهَا، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ «وَكَانَ ﵊ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ إلَى مَحِلٍّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا مَعَهُ (إلَّا بِرِضَاهُنَّ وَرِضَاهُ) فَإِذَا رَضِيَ الزَّوْجَاتُ وَالزَّوْجُ بِالْبُدَاءَةِ بِإِحْدَاهُنَّ أَوْ السَّفَرِ بِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ (وَيَقْضِي) زَوْجٌ لِبَقِيَّةِ زَوْجَاتِهِ (مَعَ) خُرُوجِ (قُرْعَةٍ) فِي السَّفَرِ بِإِحْدَاهُنَّ (أَوْ) مَعَ (رِضَاهُنَّ) بِالسَّفَرِ بِمُعَيَّنَةٍ مِنْهُنَّ (مَا تَعَقَّبَهُ سَفَرٌ) أَيْ: مَا أَقَامَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ (أَوْ تَخَلَّلَهُ) أَيْ تَخَلَّلَ السَّفَرَ (مِنْ إقَامَةٍ) أَيْ: مُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ؛ لِتَسَاكُنِهِمَا إذَنْ، لَا زَمَنِ مَسِيرِهِ وَحِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْكَنًا؛ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ (وَ) يَقْضِي مَنْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ (بِدُونِهِمَا) أَيْ: الْقُرْعَةِ وَرِضَاهُنَّ (جَمِيعَ غَيْبَتِهِ) حَتَّى زَمَنِ سَيْرِهِ وَحِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، سَوَاءٌ طَالَ السَّفَرُ أَوْ قَصُرَ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ عَلَى وَجْهٍ يَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ؛ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ إنْ سَافَرَ بِاثْنَتَيْنِ بِقُرْعَةٍ أَوَى: كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَحْلِهَا كَخَيْمَتِهَا وَنَحْوَهَا، فَإِنْ كَانَتَا فِي رِحْلَةٍ؛ فَلَا قَسْمَ إلَّا فِي الْفِرَاشِ.
(وَمَنْ قَرَعَتْ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: زَوْجَهَا (سَفَرٌ بِهَا) وَلَهُ تَرْكُهَا (وَيُسَافِرُ وَحْدَهُ) لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ، وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ (بِغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهُ جَوْرٌ، وَإِنْ وَهَبَتْ الْقَارِعَةُ حَقَّهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ لِإِحْدَى ضَرَّاتِهَا، جَازَ لَهَا الْقُرْعَةُ ذَلِكَ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا، وَامْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ؛
стр. 3365
سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِإِعْرَاضِهَا عَنْهُ بِاخْتِيَارِهَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ بِمَا صَنَعَتْهُ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ الِامْتِنَاعِ وَاسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي مِنْ ضَرَّاتِهَا إنْ لَمْ يَرْضَيْنَ مَعَهُ بِوَاحِدَةٍ، (وَإِنْ) أَبَى ذَلِكَ فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ؛ أَوْ (إنْ أَبَتْ هِيَ السَّفَرَ) مَعَهُ (أَجْبَرَهَا) عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَأُجْبِرَتْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(وَلَوْ سَافَرَ) بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ (لِلْقُدْسِ مَثَلًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ) السَّفَرُ إلَى (مِصْرَ) مَثَلًا (فَلَهُ اسْتِصْحَابُهَا) مَعَهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْمَامٌ لِسَفَرِهِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ لَهَا حَقٌّ مَعَهَا، أَشْبَهَتْ الْمُنْفَرِدَةَ.
(وَمَتَى بَدَأَ) فِي الْقَسْمِ (بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ بِدُونِ قُرْعَةٍ (لَزِمَهُ الْمَبِيتُ) لَيْلَةً (آتِيَةً عِنْدَ) زَوْجَةٍ (ثَانِيَةٍ بِلَا قُرْعَةٍ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا فِي الْأُولَى وَيَتَدَارَكَ الظُّلْمَ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَا ثَالِثَةَ) فَإِنْ كَانَ ثُمَّ زَوْجَةٌ ثَالِثَةٌ، وَكَانَ قَدْ بَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا، أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ؛ لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَتَرَاضَوْا، فَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا، وَبَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ: ثُمَّ بِأُخْرَى مِنْهُنَّ؛ أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إلَى الزَّوْجَةِ الرَّابِعَةِ بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهَا.
(وَحَرُمَ) عَلَى الزَّوْجِ (دُخُولُهُ لِغَيْرِ ذَاتِ لَيْلَةٍ فِيهَا) أَيْ: اللَّيْلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يُحَضِّرَهَا، أَوْ تُوصِيَ إلَيْهِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهَا (فِي نَهَارِهَا) أَيْ: نَهَارِ لَيْلَةِ غَيْرِهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ كَعِيَادَةٍ) أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَوْ دَفْعِ نَفَقَةٍ، أَوْ زِيَارَةٍ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا (فَإِنْ) دَخَلَ إلَيْهَا، وَ (لَمْ يَلْبَثْ) مَعَ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ عَدَمِهَا (لَمْ يَقْضِ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ (وَإِنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ لَزِمَهُ قَضَاءُ لُبْثٍ وَجِمَاعٍ) فَيَدْخُلُ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْأُخْرَى، فَيَمْكُثُ عِنْدَهَا بِقَدْرِ مَا مَكَثَ عِنْدَ تِلْكَ، أَوْ يُجَامِعُهَا لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ؛ أَشْبَهَ الزَّمَنَ الْكَثِيرَ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَضَاءُ (قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ:
стр. 3366
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي يَوْمِ غَيْرِي، فَيَنَالُ مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ» .
(وَلَهُ قَضَاءُ أَوَّلِ لَيْلٍ عَنْ آخِرِهِ) اكْتِفَاءً بِالْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَدْرِ (وَ) لَهُ قَضَاءُ (لَيْلِ صَيْفٍ عَنْ) لَيْلِ (شِتَاءٍ) لِأَنَّهُ قَضَاءُ لَيْلَةٍ عَنْ لَيْلَةٍ (وَعَكْسُهُمَا) أَيْ: لَهُ قَضَاءُ آخِرٍ عَنْ أَوَّلِهِ، وَلَهُ قَضَاءُ لَيْلِ شِتَاءٍ عَنْ لَيْلِ صَيْفٍ.
(وَمَنْ انْتَقَلَ) مِنْ بَلَدٍ (لِبَلَدٍ) وَلَهُ زَوْجَاتٌ، وَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ الْكُلِّ مَعَهُ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ (أَنْ يَصْحَبَ إحْدَاهُنَّ وَ) أَنْ يَصْحَبَ (الْبَوَاقِيَ وَغَيْرَهُ) وَلَوْ مُحْرِمًا لِأَنَّهُ مَيْلٌ (إلَّا بِقُرْعَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصْحَبُ إحْدَاهُنَّ، فَإِنْ فَعَلَهُ بِقُرْعَةٍ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ؛ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ مَعَهَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَبِدُونِ قُرْعَةٍ؛ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ كُلَّ الْمُدَّةِ كَالْحَاضِرِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ الْكُلِّ؛ جَازَ لَهُ بَعْثُهُنَّ مَعَ مَحْرَمِهِنَّ، وَلَا يَقْضِي لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِتَسَاوِيهِنَّ فِي انْفِرَادِهِ عَنْهُنَّ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْ زَوْجَاتِهِ مِنْ سَفَرٍ مَعَهُ بِلَا عُذْرٍ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ مَبِيتٍ عِنْدَهُ، أَوْ (سَافَرَتْ) بِغَيْرِ إذْنِهِ لِحَاجَتِهَا أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ سَافَرَتْ (لِحَاجَتِهَا، وَلَوْ بِإِذْنِهِ؛ فَلَا قَسْمَ وَلَا نَفَقَةَ) لَهَا، أَمَّا الْمُمْتَنِعَةُ مِنْ السَّفَرِ أَوْ الْمَبِيتِ مَعَهُ؛ فَلِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ لَهُ؛ فَهِيَ كَالنَّاشِزِ، وَكَذَا مَنْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَأَمَّا مَنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا؛ فَلِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ، وَالنَّفَقَةُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا؛ فَسَقَطَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا سَافَرَتْ مَعَهُ؛ لِوُجُودِ التَّمْكِينِ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ إنْ سَافَرَتْ (لِحَاجَتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (بِبَعْثِهِ لَهَا) أَوْ انْتِقَالِهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى آخَرَ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تَعَذُّرِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَقْضِي لَهَا مَا أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَلَوْ أَمَةً هِبَةُ نَوْبَتِهَا) مِنْ الْقَسْمِ (بِلَا مَالٍ لِزَوْجٍ يَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ) مِنْ ضَرَّاتِهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَاهِبَةِ وَالزَّوْجِ (وَ) لِلزَّوْجَةِ هِبَةُ نَوْبَتِهَا بِلَا مَالٍ (لِضَرَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ بِإِذْنِهِ أَيْ:
стр. 3367
الزَّوْجِ (وَلَوْ أَبَتْ) ذَلِكَ (مَوْهُوبٌ لَهَا) لِثُبُوتِ حَقِّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا كُلَّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ فِي حَقِّ صَاحِبَتِهَا، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ الْمَوْهُوبَةُ لِإِحْدَى الضَّرَائِرِ تَلِي اللَّيْلَةَ الْمَوْهُوبَ لَهَا وَالَى الزَّوْجُ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ؛ فَيَبِيتُهُمَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَلِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْمَوْهُوبَ لَهَا (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (نَقْلُهُ) أَيْ: زَمَنِ قَسْمِ الْوَاهِبَةِ (لِيَلِيَ لَيْلَتَهَا) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهَا إلَّا بِرِضَا الْبَاقِيَاتِ فَإِنْ رَضِينَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ، وَإِلَّا جَعَلَهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهَا فِي وَقْتِ الْوَاهِبَةِ؛ لِقِيَامِ الْمَوْهُوبِ لَهَا مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَمْ تُغَيَّرْ عَنْ مَوْضِعِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لِلْوَاهِبَةِ (وَ) إنْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ الْقَسْمِ (بِمَالٍ؛ فَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا كَوْنُ الزَّوْجِ عِنْدَهَا، وَهُوَ لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ (وَحَقُّهَا) أَيْ: الْوَاهِبَةِ فِي نَوْبَتِهَا (بَاقٍ) فَإِنْ أَخَذَتْ عَلَى ذَلِكَ مَالًا؛ لَزِمَهَا رَدُّهُ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا زَمَنَ هِبَتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهَا، فَتَرْجِعُ بِالْمُعَوَّضِ، وَإِنْ كَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ الْمَالِ كَهِبَتِهَا (لِإِرْضَاءِ زَوْجِهَا عَنْهَا أَوْ غَيْرِهِ؛ جَازَ) - لِأَنَّ عَائِشَةَ «أَرْضَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفِيَّةَ، فَأَخَذَتْ يَوْمَهَا، وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ» مَا يَجُوزُ لَهَا. (كَأَنْ تَهَبَ لِزَوْجِهَا أَوْ إحْدَى ضَرَّاتِهَا) ، قَضَى (مَا يُجَوِّزُهَا بَدَلَ قَسْمٍ) وَجَبَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَنَفَقَةً) وَغَيْرَهُمَا لِزَوْجِهَا لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، تَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِي، وَلَا تُطَلِّقْنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيَّ وَالْقَسْمُ لِي؛ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهِيَ لَا تَقُولُ فِي التَّفْسِيرِ لِلْقُرْآنِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ.
(وَ) مَتَى رَجَعَتْ فِي الْهِبَةِ فَإِنَّهُ (يَعُودُ حَقُّهَا بِرُجُوعِهَا) فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ؛
стр. 3368
لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، بِخِلَافِ مَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ (فَمَنْ رَجَعَتْ) فِي هِبَتِهَا لَيْلَتَهَا (وَلَوْ فِي بَعْضِ لَيْلَةٍ) عَادَ حَقُّهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَ (قَسَمَ) لَهَا وُجُوبًا، فَيَرْجِعُ إلَيْهَا (وَلَا يَقْضِي بَعْضًا) مِنْ لَيْلَةٍ (لَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِهِ) أَيْ: بِرُجُوعِهَا فِيهِ (إلَى فَرَاغِهَا) أَيْ: اللَّيْلَةِ لِتَفْرِيطِهَا.
[فَصْلٌ تُسَنُّ تَسْوِيَةُ زَوْجٍ فِي وَطْءٍ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ]
ِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْحِرْمَانِ، كَمَا إذَا بَاتَ عِنْدَ أَمَتِهِ أَوْ بَاتَ فِي دُكَّانِهِ، أَوْ عِنْدَ صَدِيقِهِ، أَوْ مُنْفَرِدًا (وَ) يُسَنُّ لِسَيِّدٍ تَسْوِيَةٌ (فِي قَسْمٍ بَيْنَ إمَائِهِ) لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِنَّ (وَ) لَهُ أَنْ (يَسْتَمْتِعَ بِهِنَّ) وَإِنْ نَقَصَ بِهِ زَمَنُ زَوْجَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يُنْقِصُ الْحُرَّةَ عَنْ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ، وَالْأَمَةَ عَنْ لَيْلَةٍ مِنْ سَبْعٍ، وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ (كَيْفَ شَاءَ) كَالزَّوْجَاتِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (مِنْ تَفْضِيلِ) بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ (أَوْ مُسَاوَاةٍ) بَيْنَهُنَّ (نَدْبًا) لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِنُفُوسِهِنَّ (أَوْ يَسْتَمْتِعَ بِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وَقَدْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا» ، وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ لِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، وَلَا يُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ (وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ إنْ) طَلَبْنَ النِّكَاحَ، وَ (لَمْ يُرِدْ اسْتِمْتَاعًا بِهِنَّ، فَيُزَوِّجُهُنَّ أَوْ يَبِيعُهُنَّ) دَفْعًا لِضَرَرِهِنَّ، وَلِأَنَّ إعْفَافَهُنَّ وَصَوْنَهُنَّ عَنْ احْتِمَالِ الْمَحْظُورِ وَاجِبٌ.
стр. 3369
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ بِكْرًا وَمَعَهُ غَيْرُهَا]
فَصْلٌ (وَمَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا) وَمَعَهُ غَيْرُهَا (أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَلَوْ) كَانَتْ (أَمَةً) وَضَرَائِرُهَا حَرَائِرُ (ثُمَّ دَارَ) الْقَسْمُ (وَلَمْ يَقْضِ) أَيْ: يَحْتَسِبْ عَلَيْهَا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا فَإِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ إقَامَتِهِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ عَادَ إلَى الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَتَدْخُلُ الْجَدِيدَةُ (بَيْنَهُنَّ فَتَصِيرُ آخِرَهُنَّ نَوْبَةً وَ) إنْ تَزَوَّجَ (ثَيِّبًا) وَمَعَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عِنْدَهَا (ثَلَاثًا) وَلَوْ أَمَةً، ثُمَّ دَارَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
، وَخُصَّتْ الْبِكْرُ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ، فَتَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ أُنْسٍ لِتَنْبَسِطَ وَتَزُولَ الْحِشْمَةُ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهَا بِزِيَادَةِ الْإِقَامَةِ مَعَهَا لِتَزُولَ نُفْرَتُهَا، وَتَأْلَفَ مُخَالَطَةَ الرِّجَالِ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَالسَّبْعَةُ لِأَنَّهَا أَيَّامُ الدُّنْيَا، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَتَكَرَّرُ (وَإِنْ شَاءَتْ) الثَّيِّبُ (لَا) إنْ شَاءَ (هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا (سَبْعًا فَعَلَ) أَيْ: أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا (وَقَضَى الْكُلَّ) لِضَرَائِرِهَا يَعْنِي سَبْعًا سَبْعًا لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لَهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكَ؛ فَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ؛ لِنِسَائِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا حِينَ دَخَلَ بِهَا: لَيْسَ بِكَ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ إنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ،
стр. 3370
وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكَ وَلِنِسَائِي قَالَتْ: تُقِيمُ مَعِي ثَلَاثًا خَالِصَةً» .
(وَ) قِيلَ: إنَّ الْخِيَرَةَ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ الثَّيِّبِ زِيَادَةٌ عَنْ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ، فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا قَضَى (مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ إنْ شَاءَ هُوَ) أَيْ: بِأَنْ تَمَحَّضَتْ إقَامَةُ الزَّوَائِدِ مِنْهُ دُونَهَا لِاخْتِيَارِهِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " (وَإِنْ شَاءَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (مَعًا فَاحْتِمَالَانِ) أَحَدُهُمَا يَقْضِي لِلْبَوَاقِي سَبْعًا سَبْعًا، وَالثَّانِي يَقْضِي لِلْبَوَاقِي الْفَاضِلَ عَنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ (وَإِنْ زُفَّتْ إلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (امْرَأَتَانِ) بِكْرَانِ أَوْ ثَيِّبَانِ أَوْ بِكْرٌ وَثَيِّبٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي إيفَاءِ حَقِّ الْعَقْدِ، وَتَضَرُّرِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَوَحْشَتِهَا، وَكَذَا لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ ثَانِيَةٌ قَبْلَ إيفَائِهِ حَقَّ الَّتِي قَبْلَهَا (وَبَدَأَ بِالدَّاخِلَةِ) عَلَيْهِ (أَوَّلًا) مِنْهُمَا، لِتَقَدُّمِ حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي مُدَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ وَرَجَحَ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ الْمُعَارِضُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضَى، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالْقَسْمِ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الدَّوْرِ (وَ) إنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ مَعًا فَإِنَّهُ (يَقْرَعُ) بَيْنَهُمَا (لِلتَّسَاوِي) فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي، فَيَبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ، فَيُوفِيهَا حَقَّ عَقْدِهَا، ثُمَّ يُوفِي الْأُخْرَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَدُورُ (وَإِنْ سَافَرَ) أَيْ: أَرَادَ بِهِ السَّفَرَ (مَنْ أَقْرَعَ) بَيْنَ مَنْ دَخَلَتَا عَلَيْهِ مَعًا؛ صَحِبَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ مِنْهُمَا وَ (دَخَلَ حَقُّ عَقْدٍ فِي قَسْمِ سَفَرٍ) إنْ وَفَّى بِهِ؛ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (فَيَقْضِيهِ لِلْأُخْرَى بَعْدَ قُدُومِهِ) مِنْ سَفَرٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ (فَإِنْ قَدِمَ) مِنْ سَفَرِهِ (قَبْلَ تَمَامِ حَقِّ عَقْدِهَا) أَيْ: الْأُولَى (تَمَّمَهُ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ قَضَى لِلْحَاضِرَةِ حَقَّهَا) لِمَا تَقَدَّمَ
стр. 3371
[تَتِمَّةٌ أَقْرَعَ بَيْن زَوْجَاته وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِ الْجَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِهَا]
تَتِمَّةٌ: فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِ الْجَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِهَا، فَإِذَا قَدِمَ قَضَى لِلْجَدِيدَتَيْنِ حَقَّهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُقَدِّمُ السَّابِقَةَ دُخُولًا إنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى، أَوْ بِقُرْعَةٍ إنْ دَخَلَتَا مَعًا؛ لِمَا سَبَقَ؛ وَإِنْ سَافَرَ بِجَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ بِقُرْعَةٍ أَوْ رَضِيَ تَمَّمَ لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ، ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُخْرَى عَلَى السَّوَاءِ (وَإِنْ زُوِّجَ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَاحِدَةً وَقْتَ قَسْمِهَا) أَيْ نَوْبَتِهَا (أَثِمَ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إبْطَالِ حَقِّهَا مِنْ التَّسْلِيمِ، وَلَعَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِسُؤَالِهَا (وَيَقْضِيهِ وُجُوبًا مَتَى نَكَحَهَا) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَالْمُعْسِرِ يُوسَرُ بِالدَّيْنِ (وَمَنْ قَسَمَ لِثِنْتَيْنِ مِنْ ثَلَاثِ) زَوْجَاتٍ (ثُمَّ تَجَدَّدَ) عَلَيْهِ (حَقُّ رَابِعَةٍ) قَبْلَ قَسْمِهِ لِلثَّالِثَةِ (بِرُجُوعِهَا) أَيْ الرَّابِعَةِ (فِي هِبَةِ) حَقِّهَا مِنْ الْقَسْمِ (أَوْ) بِرُجُوعِهَا (عَنْ نُشُوزٍ) أَوْ بِنِكَاحٍ وَفَّاهَا حَقَّ عَقْدِهِ فَرُبْعُ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِلرَّابِعَةِ وَبَاقِيهِ لِلثَّالِثَةِ، أَوْ قَسَمَ لِثِنْتَيْنِ مِنْ ثَلَاثٍ ثُمَّ تَجَدَّدَ حَقُّ رَابِعَةٍ بِنِكَاحٍ مُتَجَدِّدٍ، وَفَّاهَا أَيْ: الرَّابِعَةَ حَقَّ عَقْدِهَا، وَهُوَ سَبْعٌ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثٌ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا (ثُمَّ) يَقْسِمُ فَ (رُبْعُ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِلرَّابِعَةِ) لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ (وَبَقِيَّتُهُ) أَيْ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ (لِلثَّالِثَةِ) لِأَنَّ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ اسْتَوْفَتَا مُدَّتَهُمَا، مِثَالُهُ فِيمَا يُخْرِجُهُ الْحِسَابُ بِلَا كَسْرٍ لَوْ قَسَمَ لِلْأُولَيَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا (فَيَقْسِمُ لِلثَّالِثَةِ مِثْلَهُمَا، وَلِلرَّابِعَةِ لَيْلَةً) فَقَدْ أَخَذَتْ الرَّابِعَةُ رُبْعَ مُدَّةِ الزَّمَنِ الْآتِي عَلَيْهَا (فَإِذَا كَمُلَ الْحَقُّ ابْتَدَأَ التَّسْوِيَةَ) لِلْأَرْبَعِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَ عِنْدَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الرَّابِعَةِ عَشْرًا لِتُسَاوِيهِنَّ (فَلَوْ قَسَمَ لِثِنْتَيْنِ) مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً (وَظَلَمَ الثَّالِثَةَ) فَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا، وَنَشَزَتْ الرَّابِعَةُ (ثُمَّ أَطَاعَتْهُ النَّاشِزُ؛ وَأَرَادَ الْقَضَاءَ لِلْمَظْلُومَةِ قَسَمَ لَهَا) أَيْ الْمَظْلُومَةِ (ثَلَاثًا، وَلِلنَّاشِزِ لَيْلَةً، خَمْسَةَ أَدْوَارٍ، فَيُكْمِلُ لِلْمَظْلُومَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ) لَيْلَةً (وَيَحْصُلُ لِلنَّاشِزِ خَمْسُ) لَيَالٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ.
تَكْمِيلٌ: وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ قَسَمَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، وَظَلَمَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ جَدِيدَةً، ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ فَيَخُصَّ الْجَدِيدَةَ بِسَبْعٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يَقْسِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَظْلُومَةِ خَمْسَةَ أَدْوَارٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا لِلْمَظْلُومَةِ مِنْ كُلِّ دُورٍ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً لِلْجَدِيدَةِ (وَلَوْ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ، ثُمَّ نَكَحَ ثَالِثَةً)
стр. 3372
أَوْ تَجَدَّدَ حَقُّهَا بِعَوْدٍ فِي هِبَةٍ أَوْ رُجُوعٍ عَنْ نُشُوزٍ (وَفَّاهَا أَيْ الْجَدِيدَةَ حَقَّ عَقْدٍ، ثُمَّ وَفَّى لَيْلَةً لِلْمَظْلُومَةِ) الَّتِي دَخَلَ بِضَرَّتِهَا فِي نَوْبَتِهَا (ثُمَّ وَفَّى نِصْفَ لَيْلَةٍ لِلثَّالِثَةِ) وَهِيَ الْجَدِيدَةُ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي وَفَّاهَا لِلْمَظْلُومَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا، وَنِصْفُهَا مِنْ الْجَدِيدَةِ فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا خَصَّ ضَرَّتَهَا (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) الْقَسْمَ مُتَسَاوِيًا قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ لَا يَبِيتُ نِصْفَهَا، بَلْ لَيْلَةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ حَرِجٌ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَمَتَى تَرَكَ قَسْمَ بَعْضِ نِسَائِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَضَاهُ لَهَا.
[فَصْلٌ النُّشُوزُ]
ُ) مِنْ النَّشَزِ، وَ (هُوَ) مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ، فَكَأَنَّمَا ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ عَمَّا فُرِضَ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُقَالُ: نَشَزَتْ - بِالشِّينِ وَالزَّاي - وَنَشَصَتْ بِالشِّينِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَنَشَزَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا جَفَاهَا وَأَضَرَّ بِهَا. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ وَعُرْفًا (مَعْصِيَتُهَا إيَّاهُ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا) طَاعَتُهُ فِيهِ (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَتُهُ) أَيْ: النُّشُوزِ (بِأَنْ مَنَعَتْهُ) أَيْ: الزَّوْجَ (الِاسْتِمْتَاعَ) بِهَا (أَوْ أَجَابَتْهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً) كَأَنْ تَتَثَاقَلَ إذَا دَعَاهَا، وَلَا تُجِيبَهُ إلَّا بِكُرْهٍ (أَوْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنِهِ) وَلَوْ لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا (وَنَحْوَهُ) كَاخْتِلَالِ أَدَبِهَا فِي حَقِّهِ (وَعَظَهَا) أَيْ: خَوَّفَهَا اللَّهَ تَعَالَى، وَذَكَرَ لَهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقِّ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَمَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَمَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ هَجْرِهَا وَضَرْبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
(فَإِنْ
стр. 3373
رَجَعَتْ) إلَى الطَّاعَةِ وَالْأَدَبِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ (هَجْرُ) هَا (وَضَرْبُهَا) لِزَوَالِ مُبِيحِهِ (وَإِلَّا) تَرْجِعْ عَمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ التَّمَادِي وَالْعِصْيَانِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ وَالْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ.
وَقَدْ «هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) هَجَرَهَا (فِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا فَوْقَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» .
وَالْهَجْرُ ضِدَّ الْوَصْلِ، وَالتَّهَاجُرُ التَّقَاطُعُ (فَإِنْ أَصَرَّتْ) وَلَمْ تَرْتَدِعْ (ضَرَبَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
فَيَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ وَتَرْكِهَا مِنْ الْكَلَامِ (غَيْرَ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ يَرْفَعُهُ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ» .
(عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ لَا فَوْقَهَا) يُفَرِّقُهَا فِي بَدَنِهَا؛ لِحَدِيثِ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَتَّقِي الْوَجْهَ) تَكْرِمَةً لَهُ (وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ) خَوْفَ الْقَتْلِ، وَالْمَوَاضِعَ الْمُسْتَحْسَنَةَ لِئَلَّا يُشَوِّهَهَا (فَإِنْ تَلِفَتْ) مِنْ ذَلِكَ (فَلَا ضَمَانَ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا (وَيُمْنَعُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (مَنْ) أَيْ: زَوْجٌ (عُلِمَ بِمَنْعِهِ حَقَّهَا حَتَّى يُوفِيَهُ) وَيُحْسِنَ عَشْرَتَهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا بِطَلَبِهِ حَقَّهُ مَعَ مَنْعِهِ حَقَّهَا، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تُغْضِبَ زَوْجَهَا؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ الْمِحْصَنِ بِأَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ «أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ: اُنْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مُدَارَاتُهَا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْتَدَّ، وَحَدَّثَ رَجُلٌ
стр. 3374
لِأَحْمَدَ مَا قِيلَ الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: الْعَافِيَةُ كُلُّهَا عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ.
(وَلَا يُسْأَلُ لِمَ ضَرَبَهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَهُ وَلَا أَبُوهَا) لِمَ ضَرَبَهَا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَشْعَثُ احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» .
وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُهَا؛ لِأَجْلِ الْفِرَاشِ؛ فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا، وَإِنْ أَخْبَرَ بِغَيْرِهِ كَذَبَ (وَلَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاجِبَيْنِ نَصًّا، قَالَ عَلِيٌّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ: عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا يُعَلِّقُ فِي بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ» .
قَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَعَلَّمُ مِنْ الْقُرْآنِ (لَا) أَيْ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ (تَعْزِيرُهَا فِي حَادِثٍ مُتَعَلِّقٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ) لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْحَاكِمِ (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (ظُلْمَ صَاحِبِهِ أَسْكَنَهُمَا حَاكِمٌ قُرْبَ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا وَيَكْشِفُ حَالَهُمَا) كَمَا يَكْشِفُ عَنْ (عَدَالَةٍ، وَإِفْلَاسٍ مِنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ) لِيَعْلَمَ الظَّالِمَ مِنْهُمَا (وَيُلْزِمَهُمَا) أَيْ: الثِّقَةُ (الْحَقَّ) لِأَنَّهُ طَرِيقُ الْإِنْصَافِ، وَيَكُونُ الْإِسْكَانُ قَبْلَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إسْكَانُهُمَا قُرْبَ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا أَوْ تَعَذَّرَ إلْزَامُهُمَا الْحَقَّ (وَتَشَاقَّا) أَيْ: خَرَجَا إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، وَبَلَغَا إلَى الْمُشَاتَمَةِ (بَعَثَ) الْحَاكِمُ (حَكَمَيْنِ ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ حُكْمَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ) لِأَنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ فِي ذَلِكَ؛ فَاعْتُبِرَ فِيهِمَا هَذِهِ الشُّرُوطُ مَعَ أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ؛ لِتَعَلُّقِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ، فَكَأَنَّهُمَا نَائِبَانِ عَنْهُ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَكُونَ الْحَكَمَانِ (مِنْ أَهْلِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يُفْضِي إلَى قَرَابَتِهِ
стр. 3375
وَأَهْلِهِ بِلَا احْتِشَامٍ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِصْلَاحِ، فَيَخْلُو كُلٌّ بِصَاحِبِهِ وَيَسْتَعْمِلُ رَأْيَهُ فِي الْفِرَاقِ وَالْوَصْلَةِ، وَمَا يَكْرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ (يُوَكِّلَانِهِمَا) بِرِضَاهُمَا، وَ (لَا) يَبْعَثُهُمَا الْحَاكِمُ (جَبْرًا) عَلَى الزَّوْجَيْنِ (فِي فِعْلِ الْأَصْلَحِ مِنْ جَمْعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ بِعِوَضٍ أَوْ دُونَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الْآيَةَ (وَيَنْبَغِي لَهُمَا) أَيْ لِلْحَكَمَيْنِ (أَنْ يَنْوِيَا الْإِصْلَاحَ) لِقَوْلِهِ : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] (وَأَنْ يُلَطِّفَا الْقَوْلَ، وَأَنْ يُنْصِفَا، وَيُرَغِّبَا، وَيُخَوِّفَا، وَلَا يُخَصُّ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ) لِيَكُونَ (أَقْرَبَ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا) وَهُمَا وَكِيلَانِ عَنْ الزَّوْجَيْنِ فِي ذَلِكَ (لَا يُرْسَلَانِ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ إلَّا بِالْوَكَالَةِ، فَلَا يَمْلِكَانِ تَفْرِيقًا إلَّا بِإِذْنِهِمَا (فَيَأْذَنُ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ إصْلَاحٍ، وَتَأْذَنُ هِيَ) أَيْ: الْمَرْأَةُ (لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ التَّوْكِيلِ لَمْ يُجْبَرَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَزَالُ الْحَاكِمُ يَبْحَثُ) وَيَسْتَبْحِثُ (حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَنْ الظَّالِمُ، فَيَرْدَعُهُ) وَيَسْتَوْفِي مِنْهُ الْحَقَّ إقَامَةً لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ (وَلَا يَصِحُّ إبْرَاءُ غَيْرِ وَكِيلِهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (فِي خُلْعٍ فَقَطْ) فَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِعِوَضٍ، فَتَوْكِيلُهَا فِيهِ إذْنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ، وَمِنْهَا الْإِبْرَاءُ، بِخِلَافِ وَكِيلِ الزَّوْجِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِبْرَاءُ مُطْلَقًا (وَإِنْ شَرَطَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ (مَا) أَيْ: شَرْطًا (لَا يُنَافِي نِكَاحًا) كَإِسْكَانِهِمَا بِمَحِلِّ كَذَا، وَأَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ؛ (لَزِمَ) الشَّرْطُ، وَلَعَلَّهُمْ نَزَّلُوا هَذِهِ الْحَالَةَ مَنْزِلَةَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِحَاجَةِ الْإِصْلَاحِ، وَإِلَّا فَمَحِلُّ الْمُعْتَبَرِ مِنْ الشُّرُوطِ صُلْبُ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) بِأَنْ شَرَطَا مَا يُنَافِي نِكَاحًا (فَلَا) يَلْزَمُ ذَلِكَ (كَتَرْكِ قَسْمٍ أَوْ) تَرْكِ (نَفَقَةٍ) أَوْ وَطْءٍ أَوْ سَفَرٍ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَنَحْوَهُ.
стр. 3376
(وَإِنْ رَضِيَ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِشَرْطِ مَا يُنَافِي نِكَاحًا (الْعَوْدُ) أَيْ: الرُّجُوعُ عَنْ الرِّضَا بِهِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ (وَلَا يَنْقَطِعْ نَظَرُهُمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ (بِغَيْبَةِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ) غَيْبَةِ (أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَنْقَطِعُ بِغَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ (وَيَنْقَطِعُ) نَظَرُهُمَا (بِجُنُونِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (أَوْ) جُنُونِ (أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ) أَيْ: الْجُنُونِ (مِمَّا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ كَحَجْرٍ لِسَفَهٍ) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوَكَالَةِ.
[كِتَابُ الْخُلْعِ]
ِ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، يُقَالُ: خَلَعَ امْرَأَتَهُ خُلْعًا، وَخَالَعَهَا مُخَالَعَةً، وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ هِيَ فَهِيَ خَالِعٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْخَلِعُ مِنْ لِبَاسِ زَوْجِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
(وَهُوَ فِرَاقُ) الزَّوْجِ (الزَّوْجَةَ بِعِوَضٍ) يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ) وَفَائِدَتُهُ: تَخْلِيصُهَا مِنْ الزَّوْجِ: عَلَى وَجْهٍ لَا رَجْعَةَ عَلَيْهَا إلَّا بِرِضَاهَا.
(وَيُبَاحُ) الْخُلْعُ (لِسُوءِ عِشْرَةٍ) بَيْنَ زَوْجَيْنِ بِأَنْ صَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَارِهًا لِلْآخَرِ لَا يُحْسِنُ صُحْبَتَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
(وَ) يُبَاحُ الْخُلْعُ (لِمُبْغِضَةٍ) زَوْجَهَا (لِخُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ) أَيْ: صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ (وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ
стр. 3377
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
فَأَمْرُهُ ﵊ بِذَلِكَ دَلِيلُ إبَاحَتِهِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
(وَتُسَنُّ) لَهُ (إجَابَتُهَا) إنْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ عَلَى عِوَضٍ (حَيْثُ أُبِيحَ) الْخُلْعُ، لِأَمْرِهِ ﷺ ابْنَ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً (إلَّا مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهَا فَيُسَنُّ صَبْرُهَا) عَلَيْهِ (وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا) مِنْهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ، وَلَا تَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْخُلْعِ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ نَصًّا.
(وَيُكْرَهُ) الْخُلْعُ مَعَ اسْتِقَامَتِهِ؛ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (مَعَ اسْتِقَامَةٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
(وَيَحْرُمُ) الْخُلْعُ (وَلَا يَصِحُّ إنْ عَضَلَهَا) أَيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهَا (بِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ ضَرْبٍ) أَوْ مَنَعَهَا حُقُوقَهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ ظُلْمًا، أَوْ ضَرَبَهَا (لِتَخْتَلِعَ) مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] الْآيَةَ وَلِأَنَّ مَا تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مَعَ ذَلِكَ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ مِنْهَا لِلنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ؛ (وَيَقَعُ) الْخُلْعُ فِي صُورَةِ الْعَضْلِ (رَجْعِيًّا) إنْ أَجَابَهَا (بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ) بِلَفْظِ خُلْعٍ أَوْ مَعَ (نِيَّتِهِ) أَيْ: نِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَبِينُ مِنْهُ؛ لِفَسَادِ الْعِوَضِ.
(وَيُبَاحُ ذَلِكَ) أَيْ: عَضْلُ الزَّوْجِ لَهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ (مَعَ زِنَاهَا) نَصًّا، وَالْخُلْعُ صَحِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّهْيِ إبَاحَةٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ.
стр. 3378
(وَإِنْ أَدَّبَهَا لِنُشُوزٍ أَوْ تَرْكِ فَرْضٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ (فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ؛ جَازَ وَصَحَّ) الْخُلْعُ، وَأُبِيحَ لَهُ عِوَضُهُ؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ.
[فَائِدَةٌ الْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ]
فَائِدَةٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِدْخَالِهَا ضَرَرَ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ حَيْثُ كَانَ بِسُؤَالِهَا وَكَذَا الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (وَيَلْزَمُ مِمَّنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا كَبِيرًا، أَوْ صَغِيرًا يَعْقِلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ لَا تَحْصِيلَ فِيهِ فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مُحَصِّلًا لِعِوَضٍ أَوْلَى. وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْحَاكِمَ فِي الْإِيلَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِمَّنْ طَلَاقُهُ بِالْمِلْكِ أَوْ الْوَكَالَةِ أَوْ الْوِلَايَةِ كَالْحَاكِمِ فِي الشِّقَاقِ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِيلَاءِ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ الْإِعْسَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ فِيهَا الْفُرْقَةَ.
(وَ) يَصِحُّ (بَذْلُ عِوَضِهِ) أَيْ: الْخُلْعِ (مِنْ) كُلِّ (مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) وَهُوَ الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ؛ أَشْبَهَ التَّبَرُّعَ، سَوَاءٌ كَانَ بَذْلُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَلَوْ مِمَّنْ شَهِدَا بِطَلَاقِهِ) أَيْ: الزَّوْجَةَ (وَرُدَّا) أَيْ: رَدَّ شَهَادَتَهُمَا الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِهَا كَبَذْلِ أَجْنَبِيٍّ فِي افْتِدَاءِ أَسِيرٍ، وَكَشِرَاءِ الشَّاهِدَيْنِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا بِعِتْقِهِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ شِرَاؤُهَا إيَّاهُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا؛ لِاعْتِرَافِهِمَا بِحُرِّيَّتِهِ.
(فَيَصِحُّ) قَوْلُ رَشِيدٍ لِزَوْجِ امْرَأَةٍ (اخْلَعْهَا عَلَى كَذَا عَلَيَّ أَوْ) اخْلَعْهَا عَلَى كَذَا (عَلَيْهَا وَأَنَا ضَامِنٌ) فَإِنْ أَجَابَهُ الزَّوْجُ صَحَّ، وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا) أَيْ: الْمَرْأَةَ الْعِوَضُ (إنْ لَمْ تَأْذَنْ) لِلْأَجْنَبِيِّ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَلَعَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَتْهُ لَزِمَهَا، لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ) الْأَجْنَبِيُّ (حَيْثُ سُمِّيَ الْعِوَضُ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَذْلُ.
(وَيَصِحُّ سُؤَالُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا الْخُلْعَ
стр. 3379
(عَلَى مَالِ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ غَيْرِ زَوْجِهَا، وَلَوْ قَرِيبًا لِأَحَدِهِمَا (بِإِذْنِهِ) لَهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَكِيلَةٌ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ فِي مُخَالَعَةِ الزَّوْجِ بِمَالِ الْأَجْنَبِيِّ إنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى مَالِ أَجْنَبِيٍّ (بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ (إنْ ضَمِنَتْهُ) بِأَنْ قَالَتْ: اخْلَعْنِي عَلَى عَبْدِ زَيْدٍ، وَأَنَا ضَامِنَتُهُ، صَحَّ الْخُلْعُ، وَلَزِمَهَا الْعِوَضُ؛ لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ لِلْبَدَلِ وَمَالُهُ لَاغٍ (وَإِلَّا) تَضْمَنْهُ (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِتَصَرُّفِهَا فِي مَالِ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَيَقْبِضُ الْعِوَضَ) أَيْ عِوَضَ الْخُلْعِ (زَوْجٌ حُرٌّ رَشِيدٌ وَمَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَمُكَاتِبٌ) لِأَهْلِيَّتِهِمْ وَيَقْبِضُهُ (وَوَلِيُّ صَغِيرٍ وَ) وَلِيُّ (سَفِيهٍ وَسَيِّدُ قِنٍّ، لَا هُمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي نِهَايَتِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْبُلْغَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمَذْهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِمْ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَصَاحِبُ " الْمُنَوِّرِ " وَغَيْرُهُمْ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ مِمَّنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ.
(وَ) إنْ قَالَ أَبُو امْرَأَةٍ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْ بِنْتِي وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ مَهْرِهَا فَفَعَلَ) أَيْ: طَلَّقَهَا (فَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيٌّ) لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ (وَلَمْ يَبْرَأْ) الزَّوْجُ مِنْ مَهْرِهَا بِإِبْرَاءِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (وَلَمْ يَرْجِعْ) الزَّوْجُ (عَلَى الْأَبِ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ (وَلَا تَطْلُقُ) الزَّوْجَةُ (إنْ قَالَ) الزَّوْجُ بَعْدَ بَرَاءَةِ أَبِيهَا لَهُ (طَلَّقْتُهَا إنْ بَرِئْتُ) أَنَا (مِنْهُ) أَيْ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ.
(وَلَوْ قَالَ) زَوْجٌ لِأَبِي زَوْجَتِهِ (إنْ أَبْرَأْتَنِي أَنْتِ) مِنْهُ أَيْ: مَهْرِ ابْنَتك (فَهِيَ طَالِقٌ فَأَبْرَأَهُ) أَبُوهَا مِنْهُ (لَمْ تَطْلُقْ) رَشِيدَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ مَهْرِهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِبَرَاءَةِ أَبِيهَا (مَا لَمْ يَرُدَّ) الزَّوْجُ (صُورَةَ الْبَرَاءَةِ) فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ طَالِقٌ إنْ بَرِئْتُ مِنْ صَدَاقِهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِعَدَمِ الْبَرَاءَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَقُلْ) الْأَبُ (طَلِّقْهَا عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِهَا وَعَلَيَّ الدَّرَكُ) فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ (فَ) إنَّهَا (تَبِينُ) بِذَلِكَ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَى عِوَضٍ، وَهُوَ
стр. 3380
مَا لَزِمَ الْأَبَ مِنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ (وَيَضْمَنُ) الْأَبُ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهَا مِنْ مَالِهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى ابْنَتِهِ إلَّا إنْ أَذِنَتْ، وَكَانَتْ رَشِيدَةً كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَلَيْسَ لِأَبِ صَغِيرَةٍ أَنْ تُخَالِعَ) زَوْجَهَا (مِنْ مَالِهَا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمَذْهَبِ " وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ (وَلَوْ لِحَظٍّ) فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْهِمَا وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْمَنْهَجِ " وَصَوَّبَهَا فِي " الْإِنْصَافِ " مَعَ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهَا (وَلَا لِأَبِ) زَوْجٍ (صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ أَوْ سَيِّدِهِمَا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (أَنْ يَخْلَعَا أَوْ يُطَلِّقَا عَنْهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا فِيهِ، وَلِحَدِيثِ: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» .
(وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى شَيْءٍ أَمَةٌ) زَوْجَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً (بِلَا إذْنِ سَيِّدِ) هَا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ صَحَّ؛ إذْ الْعِوَضُ مِنْهُ لِأَمَتِهَا، وَتُسَلِّمُهُ مُكَاتَبَةٌ مَأْذُونَةٌ مِمَّا فِي يَدِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهَا شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى سَيِّدِهَا (أَوْ) خَالَعَتْ زَوْجَهَا (مَحْجُورَةٌ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ (وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ وَلِيٌّ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا إذْنَ لِلْوَلِيِّ فِي التَّبَرُّعَاتِ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) مَرْجُوحٌ (وَ) إنْ خَالَعَتْ الْأَمَةُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهَا وَ) كَانَ حِينَ الْإِذْنِ (أَطْلَقَ) فَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا شَيْئًا، وَلَا بَيَّنَ لَهَا قَدْرًا؛ مَلَكَتْ الْمُخَالَعَةَ بِالْمُسَمَّى إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَلَهَا أَنْ تُخَالِعَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا (فَ) إنْ (زَادَتْ عَلَى) الْمُسَمَّى أَوْ (مَهْرِ مِثْلِهَا فَ) الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ (بِذِمَّتِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الِاسْتِدَانَةِ فَفَعَلَتْ، وَ (لَا يَتَعَلَّقُ الزَّائِدُ بِرَقَبَتِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَأْذُونَةٌ مِنْ السَّيِّدِ، كَذَا قَالَ وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ
стр. 3381
مَلَكَهُ، وَإِنْ أَذِنَ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ اقْتَضَى الْخُلْعَ بِالْمُسَمَّى لَهَا، وَإِنْ خَالَعَتْ بِهِ أَوْ بِمَا دُونَهُ لَزِمَ السَّيِّدَ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ تَعَلَّقَتْ الزِّيَادَةُ بِذِمَّتِهَا، كَمَا لَوْ عَيَّنَ لَهَا قَدْرًا فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْذُونًا لَهَا فِي التِّجَارَةِ سَلَّمَتْ الْعِوَضَ مِمَّا فِي يَدِهَا، انْتَهَيَا.
وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَاهُ (وَلَا يَبْطُلُ إبْرَاءُ مَنْ) خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى بَرَاءَتِهَا لَهُ ثُمَّ (ادَّعَتْ نَحْوَ سَفَهٍ حَالَتَهُ) أَيْ: الْخُلْعَ (بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِسَفَهِهَا أَوْ جُنُونِهَا حَالَتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الْفَسَادَ، وَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ) عَلَى مَالٍ (فِي ذِمَّتِهَا) لِأَنَّ لَهَا ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا (وَ) لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا حَالَ حَجْرِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَتْ مِنْ إنْسَانٍ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهَا، بَلْ (تُطَالَبُ بِمَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ فَكِّهِ) أَيْ: بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهَا وَإِيسَارِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ خَالَعَتْ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ.
[فَصْلٌ الْخُلْعُ فَسْخٌ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقٍ]
فَصْلٌ (وَالْخُلْعُ فَسْخٌ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقٍ حَيْثُ وَقَعَ بِصِيغَتِهِ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِ بِهِ خُلْعًا، وَرُوِيَ كَوْنُهُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ
стр. 3382
وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمِهِمْ وَمُتَأَخِّرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَذَكَرَ طَلْقَتَيْنِ وَالْخُلْعَ وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهُمَا فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَيْهِ دَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَمُرَادُهُ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ صَحَّ عَنْهُ مَا أَجَازَهُ الْمَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ تَفْرِيقٌ بِطَلَاقٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ بِكُلِّ حَالٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، قَالَ: لَيْسَ لَنَا فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخٌ (وَ) لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ مَا (لَمْ يَنْوِ) بِهِ (طَلَاقًا) فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ؛ وَقَعَ طَلَاقًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخُلْعُ بِصَرِيحِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّةِ طَلَاقٍ بَائِنٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَائِنًا؛ لَمَلَكَ الرَّجْعَةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَلَوْ جَازَتْ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الضَّرَرُ.
(وَصِيغَتُهُ) أَيْ: صِيغَةُ الْخُلْعِ (الصَّرِيحَةُ فَسَخْتُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَخَالَعْتُ وَفَادَيْتُ) قَوْلًا وَاحِدًا (وَكِنَايَاتُهُ) أَيْ الْخُلْعِ (بَارَئْتُكِ وَأَبْرَأْتُكِ وَأَبَنْتُكِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ، فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ كَالطَّلَاقِ (فَمَعَ سُؤَالِ) الْخُلْعِ (وَبَذْلِ عِوَضٍ يَصِحُّ) الْخُلْعُ (بِلَا نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ صَارِفَةٌ إلَيْهِ، فَأَغْنَتْ عَنْ النِّيَّةِ فِيهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ سُؤَالٌ وَلَا بَذْلُ عِوَضٍ (فَلَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (فِي كِنَايَةِ) خُلْعٍ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ (وَتُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُتَخَالِعَيْنِ (فَلَا خُلْعَ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ مَالٍ وَقَبُولِهِ)
стр. 3383
مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ لَفْظٍ كَالطَّلَاقِ بِعِوَضٍ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ الْإِيجَابِ كَقَبْضِ إحْدَى الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ، وَحَدِيثُ جَمِيلَةِ امْرَأَةِ ثَابِتٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَرَهُ " فَفَارَقَهَا "، وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْفُرْقَةَ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ.
، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا مَنْ جَانَبَا لَفْظًا وَلَا دَلَالَةَ حَالٍ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَ) الصِّيغَةُ (مِنْهُ) أَيْ الزَّوْجِ (خَلَعْتُكِ وَنَحْوُهُ) كَ فَسَخْتُ نِكَاحَكِ (عَلَى كَذَا) وَالصِّيغَةُ (مِنْهَا قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ وَنَحْوُهُ) سَوَاءٌ قُلْنَا: الْخُلْعُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ حُسِبَ وَنَقَصَ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ فَسْخٌ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَعَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) أَهْلِ اللُّغَةِ كَالطَّلَاقِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعَةُ لَهُ فِي لِسَانِهِمْ فَأَشْبَهَتْ الْمَوْضُوعَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ عَرَبِيٍّ بِلُغَتِهِ (وَلَوْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ) لِأَنَّ لَفْظَهُ بِلُغَتِهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْخُلْعِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَصَحَّ مِنْهُ كَغَيْرِهِ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْخُلْعُ (هَزْلًا) إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّتِهِ فَإِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِغَيْرِ لَفْظِ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّةٍ، فَلَغْوٌ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ (مُعَلَّقًا) عَلَى شَرْطٍ (كَ) قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ (إنْ قَدِمَ زَيْدٌ، أَوْ بَذَلْتِ لِي كَذَا فَقَدْ خَلَعْتُكِ) وَلَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَا سَمَّاهُ، إلْحَاقًا لَهُ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِاشْتِرَاطِ الْعِوَضِ فِيهِ.
(وَيَلْغُو شَرْطُ رَجْعَةٍ) فِي خُلْعٍ كَقَوْلِهِ خَالَعْتكِ عَلَى كَذَا بِشَرْطِ أَنَّ لِي رَجْعَتَكِ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ مَا شِئْتُ (أَوْ) أَيْ: وَيَلْغُو شَرْطُ (خِيَارٍ فِي خُلْعٍ) كَقَوْلِهِ
стр. 3384
خَالَعْتكِ عَلَى كَذَا بِشَرْطِ أَنَّ لِي الْخِيَارَ أَوْ عَلَى أَنَّ لِي الْخِيَارَ إلَى كَذَا، أَوْ يُطَلِّقُ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ (دُونَهُ) أَيْ: الْخُلْعِ فَلَا يَلْغُو بِذَلِكَ كَالْبَيْعِ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ (وَيَسْتَحِقُّ) الزَّوْجُ الْعِوَضَ (الْمُسَمَّى فِيهِ) أَيْ الْخُلْعَ بِشَرْطِ الرَّجْعَةِ أَوْ الْخِيَارِ؛ لِصِحَّةِ الْخُلْعِ وَتَرَاضِيهِمَا عَلَى عِوَضِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَلَا عَنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(وَلَا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ خُلْعٍ طَلَاقٌ، وَلَوْ وُجِّهَتْ بِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا، وَبِذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ؛ فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاَلَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِضْعَهَا، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَحَدِيثُ: «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
(وَمَنْ خُولِعَ جُزْءٌ مِنْهَا) مُشَاعًا كَانَ (كَنِصْفِهَا أَوْ) مُعَيَّنًا (كَيَدِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ.
[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ الْخُلْع تِسْعٌ]
(تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ خُلْعٍ تِسْعٌ بَذْلُ عِوَضٍ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) وَهُوَ الرَّشِيدُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَزَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَأَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ مِنْ (غَيْرِ هَازِلَيْنِ) فَلَوْ كَانَ مِنْ هَازِلَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ، وَتَقَدَّمَ (وَعَدَمُ عَضْلِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ عَلَى بَذْلِ الْعِوَضِ (فَإِنْ بَذَلَتْهُ) بِاخْتِيَارِهَا، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا (وَوُقُوعُهُ) أَيْ: الْخُلْعِ (بِصِيغَتِهِ) مِنْ الصِّيَغِ السَّابِقَةِ (وَعَدَمُ نِيَّةِ) طَلَاقٍ مِنْ الزَّوْجِ (وَتَنْجِيزُهُ) فَلَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا (وَوُقُوعُهُ) أَيْ: الْخُلْعِ (عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَةِ) وَعَدَمُ حِيلَةٍ لِإِسْقَاطِ طَلَاقٍ (كَمَا يَأْتِي) فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ آخِرِ الْخُلْعِ.
стр. 3385
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ) الْخُلْعُ (إلَّا بِعِوَضٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَ النِّكَاحِ بِخِلَافِهِ بِلَا مُقْتَضَى؛ بِخِلَافِهِ عَلَى عِوَضٍ، فَيَصِيرُ مُعَاوَضَةً، فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَلَوْ قَالَتْ: بِعْنِي عَبْدَكَ فُلَانًا؛ وَاخْلَعْنِي بِكَذَا، فَفَعَلَ؛ صَحَّ، وَكَانَ بَيْعًا وَخُلْعًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَصِحُّ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِعِوَضٍ، فَصَحَّ جَمْعُهُمَا كَبَيْعِ ثَوْبَيْنِ
(وَكُرِهَ) خُلْعُ زَوْجَتِهِ (بِأَكْثَرَ مِمَّا آتَاهَا) رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، «لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ جَمِيلَةَ: وَلَا تَزْدَدْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ ﵊: «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّهُ بَذْلٌ فِي مُقَابَلَةِ فَسْخٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَالْعِوَضِ فِي الْإِقَالَةِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَالَتْ الرُّبَيِّعِ بِنْتُ مُعَوِّذٍ «اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي، فَأَجَازَ ذَلِكَ» .
(وَهُوَ) أَيْ: الْخُلْعُ (عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) كَخُلْعٍ (بِلَا عِوَضٍ) فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبِضْعِ وَخُرُوجُ الْبِضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَإِذَا رَضِيَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ نَجَّزَ طَلَاقَهَا أَوْ عَقَلَهُ عَلَى فِعْلِهَا شَيْئًا، فَفَعَلَتْهُ، وَفَارَقَ النِّكَاحَ فَإِنَّ دُخُولَ الْبِضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا، فَلَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ، فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ بِحُكْمِ
стр. 3386
الْغَرَرِ (فَيَقَعُ) خَلَلٌ عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ (رَجْعِيًّا بِنِيَّةِ طَلَاقٍ) لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا نَوَاهُ وَقَعَ، وَقَدْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ فَكَانَ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا؛ فَلَغْوٌ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَاهُ) أَيْ الْعِوَضَ مُحَرَّمًا (وَيَتَّجِهُ أَوْ) عَلِمَ الْبَاذِلُ مِنْ زَوْجَةٍ وَغَيْرِهَا تَحْرِيمَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ (الزَّوْجُ) صَحَّ الْخُلْعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ مِثَالُ ذَلِكَ (كَ) مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى (عَبْدٍ: فَبَانَ حُرًّا أَوْ) بَانَ الْعَبْدُ (مُسْتَحَقًّا) كَذَا عَلَى (عَصِيرٍ) فَبَانَ (خَمْرًا) أَوْ مُسْتَحَقًّا (صَحَّ) الْخُلْعُ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (بَدَلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُتَقَوِّمِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ بِالْبِضْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ (وَإِنْ بَانَ) نَحْوَ الْعَبْدِ الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ (مَعِيبًا فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ) كَالْبَيْعِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ إنْ أَعْطَيْتَنِي خَمْرًا أَوْ مَيْتَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ ذَلِكَ طَلُقَتْ لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِغَيْرِ شَيْءٍ (وَإِنْ) (تَخَالَعَ كَافِرَانِ بِمُحَرَّمٍ) كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ (ثُمَّ أَسْلَمَا) قَبْلَ قَبْضِهِ، (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ: الْمُحَرَّمِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ الْمُخَالِعِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا بِالْخُلْعِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِسْلَامِ (وَصَحَّ الْخُلْعُ) وَلَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ.
(وَيَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ الْمُعَيَّنِ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (مُطْلَقًا) أَيْ بِلَا تَقْدِيرِهِ مُدَّةً (وَيَنْصَرِفُ) الرَّضَاعُ (لِحَوْلَيْنِ) إنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ وِلَادَةٍ (أَوْ) إلَى (تَتِمَّتِهِمَا) أَيْ: الْحَوْلَيْنِ إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنْهُمَا شَيْءٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَقَالَ ﵊ «لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ» يَعْنِي: الْعَامَيْنِ (وَ) لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (أَوْ)
стр. 3387
خَالَعَتْهُ عَلَى (كَفَالَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) (أَوْ) خَالَعَتْهُ (عَلَى نَفَقَتِهِ) أَيْ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (أَوْ) خَالَعَتْهُ عَلَى (سُكْنَى دَارِهَا مُدَّةً مُعَيَّنَةً) صَحَّ الْخُلْعُ (فَلَوْ لَمْ تَنْتَهِ) الْمُدَّةُ (حَتَّى انْهَدَمَتْ) الدَّارُ الْمُخَالَعُ عَلَى سُكْنَاهَا (أَوْ جَفَّ لَبَنُهَا) أَيْ: الْمُخَالَعَةِ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهِ (أَوْ مَاتَتْ) مَنْ خَالَعَتْهُ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهِ أَوْ كَفَالَتِهِ أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ (أَوْ) مَاتَ (الْوَلَدُ رَجَعَ) الزَّوْجُ عَلَيْهَا فِي صُورَةِ الِانْهِدَامِ وَالْجَفَافِ وَمَوْتِ الْوَلَدِ وَعَلَى تَرِكَتِهَا فِي صُورَةِ مَوْتِهَا (بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ) عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى قَفِيزٍ؛ فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) أَيْ: مِثْلِ الْإِرْضَاعِ أَوْ الْكَفَالَةِ أَوْ السُّكْنَى أَوْ بَدَلِ النَّفَقَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْكَافِي " وَيَأْخُذُ بَدَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ (يَوْمًا فَيَوْمًا) لِأَنَّهُ ثَبَتَ كَذَلِكَ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا، كَمَنْ أَسْلَمَ فِي نَحْوِ خُبْزٍ يَأْخُذُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَعَجَّلُ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إنْ وَثِقَ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، وَإِلَّا فَلَهُ أَخْذُهُ مُعَجَّلًا كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَلْزَمُهَا) إنْ مَاتَ الْوَلَدُ (كَفَالَةُ بَدَلِهِ أَوْ إرْضَاعُهُ) أَيْ: إرْضَاعُ بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ عَلَى فِعْلِ عُيِّنَ، فَيَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ، الْمُسْتَأْجَرَةُ، وَلِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيهِ مِنْ اللَّبَنِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِحَاجَةِ الصَّبِيِّ، وَحَاجَاتُ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ، وَلَا تَنْضَبِطُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الْخُلْعِ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (تَقْدِيرُ نَفَقَةٍ وَوَصْفُهَا) فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الطَّعَامِ وَجِنْسُهُ، وَلَا قَدْرُ الْأُدْمِ وَجِنْسُهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِقِصَّةِ مُوسَى ﵊ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي أَجَّرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ» وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ كَذَا هَا هُنَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَصِفَةَ النَّفَقَةِ، بِأَنْ يَقُولَ: تُرْضِعِينَهُ مِنْ الْعَشْرِ سِنِينَ حَوْلَيْنِ أَوْ أَقَلَّ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ،
стр. 3388
وَيَذْكُرَ مَا يَقْتَاتُهُ الْوَلَدُ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ إدَامٍ، فَيَقُولُ حِنْطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا كَذَا وَكَذَا قَفِيزًا وَيَذْكُرَ جِنْسَ الْأُدْمِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ، صَحَّ الْخُلْعُ؛ (وَيَرْجِعُ) إذَا تَنَازَعَا فِي الْمُدَّةِ وَالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ (لِعُرْفٍ وَعَادَةٍ) كَالزَّوْجَةِ وَالْأَجِيرِ؛ فَمُدَّةُ الرَّضَاعِ إلَى حَوْلَيْنِ، وَالنَّفَقَةُ مَا يَسْتَعْمِلُهُ مِثْلُهُ، (وَلِلْوَالِدِ أَخْذُ نَفَقَتِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (مِنْهَا) أَيْ: الْمَخْلُوعَةِ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى وَلَدِهِ (مِنْ عِنْدِهِ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (عَلَى نَفَقَةٍ مَاضِيَةٍ) لَهَا بِذِمَّتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهَا عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ خُلْعٌ (مِنْ حَامِلٍ عَلَى نَفَقَةِ حَمْلِهَا) لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهَا كَمَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ (وَتَسْقُطَانِ) أَيْ: النَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ بِالْخُلْعِ عَلَيْهِمَا كَدَيْنٍ لَهَا خَالَعَتْهُ (وَلَوْ طَلَبَ مُخَالَعَتَهَا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (بَرِيءَ) الزَّوْجُ مِنْهَا، وَكَذَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلِلْوَلَدِ، بِأَنْ جَعَلَتْ ذَلِكَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ؛ صَحَّ الْخُلْعُ (إلَى فِطَامِهِ، فَإِذَا فَطَمَتْهُ؛ فَلَهُ طَلَبُهُ بِنَفَقَتِهِ) لِأَنَّهَا قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِذَا فَطَمَتْهُ لَمْ تَكُنْ النَّفَقَةُ لَهَا، فَلَهَا طَلَبُهَا مِنْهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَوْ) خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ، حَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَأَرْضَعَتْهُ مُدَّةً، ثُمَّ (مَاتَ) الْوَلَدُ (قَبْلَ فِطَامِهِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا هُنَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ شَيْءٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَكَفَّلَتْ الْوَلَدَ، وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْكَفَالَةِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ لِكَفَالَةِ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3389
(فَرْعٌ أَفْتَى ابْنُ نَصْرٍ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقٍ عُلِّقَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ) الْمُسْتَقْبَلَةِ (وَ) مِنْ (نَفَقَةِ الْعِدَّةِ) ، كَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَبْرَأْتِنِي مِمَّا سَيَجِبُ لَكِ عَلَيَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ؛ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ (لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا) أَيْ: النَّفَقَةِ (إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهَا) بِالْعِدَّةِ (وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ إلَّا بِالطَّلَاقِ) الْمُعَلَّقِ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَحِينَ أَبْرَأَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ تُبْرِئُهُ مِنْهُ، فَكَأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَعْدُومٍ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ؛ فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا.
[فَصْل الْخُلْعُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لِجَهَالَةٍ]
فَصْل (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لِجَهَالَةٍ) كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا (أَوْ غَرَرٌ) كَمَا لِأَنَّ الْخُلْعَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْبِضْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ، وَلِهَذَا جَازَ بِلَا عِوَضٍ عَلَى رِوَايَةٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَأُبِيحَ لَهَا افْتِدَاءُ نَفْسِهَا، لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ، فَوَجَبَ مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِهِ، دُونَ مَا لَمْ تَرْضَهُ، (وَلَهُ مَا جَعَلَتْ مِنْ الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ الْمُنْتَظَرِ) وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (فَ) لِزَوْجٍ (مُخَالِعٍ عَلَى مَا بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعٍ مَا بِهِمَا) أَيْ: بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) بِيَدِهَا (شَيْءٌ) مِنْ الدَّرَاهِمِ (فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ؛ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ (أَوْ) لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَتَاعِ؛ فَلَهُ (مَا يُسَمَّى مَتَاعًا) كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهَا دُونَ الثَّلَاثِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ.
(وَ) إنْ خَالَعَهَا (عَلَى مَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهَا وَ) مَا تَحْمِلُ (أَمَتُهَا) وَنَحْوُهَا (أَوْ مَا فِي بَطْنِهَا) أَيْ: الْأَمَةِ وَنَحْوِهَا؛ صَحَّ كَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ، وَلَهُ (مَا يَحْصُلُ) مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّ قِيَاسَ مَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ
стр. 3390
قِيمَةُ وَلَدِ الْأَمَةِ لِتَحْرِيمِ الْفُرْقَةِ (فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْهُ، وَجَبَ فِيهِ) مُطْلَقُ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ كَالْوَصِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي ضُرُوعِ مَاشِيَتِهَا وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْدُومٍ مُنْتَظَرٍ وُجُودُهُ، (وَ) يَجِبُ (فِيمَا) إذَا خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ، (يُجْهَلُ مُطْلَقًا كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَعَبْدٍ وَبَعِيرٍ وَشَاةٍ (مُطْلَقُ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ) لِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ ثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
لِصِدْقِ الِاسْمِ بِذَلِكَ (وَ) لَوْ خَالَعَهَا (عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْهَرَوِيُّ، فَبَانَ مَرْوِيًّا أَوْ) : بَانَ مَعِيبًا، أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ السِّنْدِيِّ فَبَانَ زِنْجِيًّا أَوْ مَعِيبًا (لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ) لِوُقُوعِ الْخُلْعِ عَلَى عَيْنِهِ.
قَالَ فِي " الْمُطْلِعِ ": الْهَرَوِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى هَرَاةٍ كُورَةٍ مِنْ كَوْرِ الْعَجَمِ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَمَرْوِيٌّ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - مَنْسُوبٌ إلَى مَرْوَ، وَهُوَ بَلَدٌ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ مَرُّوذِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَثَوْبٌ مَرْوِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ انْتَهَى.
(وَ) وَإِنْ خَالَعَهَا (عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبِيدِ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (عَلَى) ثَوْبٍ (هَرَوِيٌّ فِي الذِّمَّةِ) عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ سَلِيمًا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَيُخَيَّرُ إنْ أَتَتْهُ) بِثَوْبٍ (مَرْوِيٍّ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ) وَكَذَا يُخَيَّرُ إنْ أَتَتْهُ بِهَرَوِيٍّ مَعِيبٍ أَوْ نَاقِصٍ صِفَةً شَرَطَتْهَا، لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ بِذِمَّتِهَا سَلِيمٌ تَامُّ الصِّفَاتِ (وَقَبْضُ عِوَضِ خُلْعٍ وَ) عِوَضِ (طَلَاقٍ وَضَمَانُهُ) أَيْ: الْمَقْبُوضِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ (وَعَدَمُهُ كَمَبِيعٍ) فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا أَوْ مَذْرُوعًا؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَكِيلُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَلِلزَّوْجِ عِوَضُهُ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْخُلْعُ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ كَانَ عِوَضُ الْخُلْعِ غَيْرَ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِحَقِّ تَوَفَّيْهِ؛ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِالصِّفَةِ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ كَالْبَيْعِ.
стр. 3391
(وَلَوْ) (تَوَاطَأَ) الزَّوْجَانِ (عَلَى أَنْ تَهَبَهُ) الزَّوْجَةُ (الصَّدَاقَ أَوْ تُبْرِئَهُ) مِنْهُ إنْ كَانَ دَيْنًا أَوْ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ أَوْ قَرْضٍ (عَلَى أَنْ يَخْلَعَهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا، فَأَبْرَأَتْهُ) مِنْهُ، أَوْ وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ إنْ كَانَ - عَيْنًا (ثُمَّ طَلَّقَهَا، كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ، فَيَكُونُ طَلَاقًا عَلَى عِوَضٍ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ (أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُكِ) أَوْ إنْ أَبْرَأْتِنِي طَلَّقْتُكِ (وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِبْرَاءَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا) وَأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ) انْتَهَى؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
[فَصْلٌ طَلَاقٌ مُنَجَّزٌ بَعُوضٍ أَوْ مُعَلَّقٌ عَلَى عِوَضٍ يُدْفَعُ لَهُ كَخُلْعٍ فِي إبَانَةٍ]
فَصْلٌ (وَطَلَاقٌ) مُنَجَّزٌ بَعُوضٍ أَوْ مُعَلَّقٌ (عَلَى عِوَضٍ) يُدْفَعُ لَهُ (كَخُلْعٍ فِي إبَانَةٍ) لِبَذْلِ الْعِوَضِ فِي إبَانَتِهَا؛ أَشْبَهَ الْخُلْعَ (فَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلُقَتْ مِنْهُ بَائِنًا بِأَيِّ عَبْدٍ) يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، لَا نَحْوِ مَنْذُورٍ عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ (أَعْطَتْهُ) لَهُ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا) ؛ لِجَوَازِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ (وَمَلَكَهُ) أَيْ مَلَكَ الزَّوْجُ الْعَبْدَ بِإِعْطَائِهَا إيَّاهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ خُرُوجِ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِهِ، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ وَالثَّوْبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْهَمَاتِ كَالْعَبْدِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (إنْ أَعْطَيْتَنِي هَذَا الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ) فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: إنْ أَعْطَيْتَنِي (هَذَا الثَّوْبَ الْهَرَوِيُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ) أَيْ: الْعَبْدَ فِي الْأُولَى، وَالثَّوْبَ فِي الثَّانِيَةِ (طَلُقَتْ) بَائِنًا؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَا
стр. 3392
شَيْءَ لَهُ إنْ بَانَ) الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ (مَعِيبًا أَوْ) بَانَ الْعَبْدُ (زِنْجِيًّا، أَوْ) بَانَ الثَّوْبُ (مَرْوِيًّا) لِأَنَّهُ لَمْ تَلْزَمْ غَيْرَهُ وَتَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ (وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقَّ الدَّمِ، فَقُتِلَ فَلَهُ أَرْشُ عَيْبِهِ) وَهُوَ هُنَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عِنْدَ سَلَامَتِهِ يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَعِنْدَ جِنَايَتِهِ يُسَاوِي عَشَرَةً، فَيَكُونُ الْأَرْشُ خَمْسَةً، وَلَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ (وَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ) مَغْصُوبًا، أَوْ خَرَجَ الثَّوْبُ أَوْ بَعْضُهُ (مَغْصُوبًا) لَمْ تَطْلُقْ (أَوْ) قَالَ: إنْ أَعْطَيْتَنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا، فَبَانَ (مَرْهُونًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ حُرًّا؛ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ مِنْهَا، وَالْمَغْصُوبُ وَالْمَرْهُونُ وَالْحُرُّ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، فَلَا يَصِحُّ إعْطَاؤُهَا إيَّاهُ؛ فَلَا يَقَعُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُكَاتَبًا نَقَلَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " عَنْ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي " وَغَيْرِهِمْ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ لَهُ؛ أَيْ: إذَا كَانَ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَبْدٌ، وَقَدْ وُجِدَ، هَذَا مُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ: الطَّلَاقَ (عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ) كَقَوْلِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً؛ فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَأَعْطَتْهُ) إيَّاهُ؛ (فَ) الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ (رَجْعِيٌّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِصُورَةِ الْإِعْطَاءِ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ، (وَإِنْ) قَالَ لَهَا: إنْ (أَعْطَيْتَنِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ) ثَوْبًا (مَرْوِيًّا أَوْ) أَعْطَتْهُ ثَوْبًا (هَرَوِيًّا مَغْصُوبًا؛ لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا (وَإِنْ أَعْطَتْهُ) ثَوْبًا (هَرَوِيًّا مَعِيبًا طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لِلسَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مُطَالَبَتُهَا) بِثَوْبٍ هَرَوِيٌّ (سَلِيمٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ) : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ لَهَا (إذَا أَعْطَيْتِنِي أَوْ أَقْبَضْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ) فَأَنْتِ
стр. 3393
طَالِقٌ.
(أَوْ) قَالَ لَهَا: (مَتَى أَعْطَيْتَنِي أَوْ أَقْبَضْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَ) ؛ التَّعْلِيقُ (مِنْ جِهَتِهِ) فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حُكْمُ التَّعْلِيقِ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِهِ عَلَى الشَّرْطِ (فَأَيَّ وَقْتٍ) فَوْرًا كَانَ أَوْ مُتَرَاخِيًا، كَمَا لَوْ خَلَا التَّعْلِيقُ عَنْ الْعِوَضِ (أَعْطَتْهُ) الزَّوْجَةُ (عَلَى صِفَةٍ يُمْكِنُهُ) أَيْ: الزَّوْجَ (الْقَبْضُ) فِيهَا؛ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ (دَرَاهِمَ تُوَازِنُ أَلْفًا) فَأَكْثَرَ إنْ كَانَ شَرَطَهَا وَزْنِيَّةً، وَإِلَّا فَمَا شُرِطَ فِي الْخُلْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِهَا وَزْنِيَّةً؛ فَقَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَيَكُونُ الْإِعْطَاءُ بِإِحْضَارِ الْأَلْفِ لِلزَّوْجِ وَإِذْنِهَا لَهُ فِي قَبْضِهِ (وَلَوْ مَعَ نَقْصِ الْعَدَدِ) اكْتِفَاءً بِتَمَامِ الْوَزْنِ (بَانَتْ) مِنْهُ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَمَلَكَهُ) أَيْ الْأَلْفَ الزَّوْجُ (وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ) لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ شَرْعِيٌّ يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يُعْطِي فُلَانًا شَيْئًا إذَا فَعَلَهُ مَعَهُ وَ (لَا) تَطْلُقُ (إنْ أَعْطَتْهُ) (رَهْنًا بِالْأَلْفِ، أَوْ أَحَالَتْهُ بِهِ، أَوْ قَاصَّتْهُ بِهِ وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ أَعْطَتْهُ دُونَ الْأَلْفِ، أَوْ أَعْطَتْهُ سَبِيكَةً تَبْلُغُ أَلْفًا، أَوْ أَعْطَتْهُ مَغْشُوشَةً يَنْقُصُ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ عَنْ الْأَلْفِ، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ عَطِيَّتِهَا، أَوْ قَالَتْ: يَضْمَنُهُ لَكَ زَيْدٌ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: (طَلِّقْنِي) بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ أَوْ لَك أَلْفٌ، أَوْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ وَلَك أَلْفٌ (أَوْ) قَالَتْ لَهُ (إنْ طَلَّقْتنِي) فَلَكَ أَلْفٌ أَوْ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ أَلْفٍ، (أَوْ) قَالَتْ لَهُ (إنْ خَلَعْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ أَوْ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (فَقَالَ) لَهَا (طَلَّقْتُكِ) جَوَابًا لِقَوْلِهَا طَلِّقْنِي، أَوْ إنْ طَلَّقْتنِي (أَوْ) قَالَ لَهَا (خَلَعْتُكِ) جَوَابًا لِقَوْلِهَا: اخْلَعْنِي أَوْ إنْ خَلَعْتنِي (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ) مَعَ قَوْلِهِ طَلَّقْتُكِ أَوْ خَلَعْتُكِ (بَانَتْ) مِنْهُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلَّقْتُكِ أَوْ خَلَعْتُكِ جَوَابٌ لِمَا اسْتَدْعَتْهُ مِنْهُ، وَالسُّؤَالُ كَالْمَعَادِنِ فِي الْجَوَابِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ بِعْتُكَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ (مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ) لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ (إنْ أَجَابَهَا عَلَى الْفَوْرِ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا (وَلَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (الرُّجُوعُ) عَمَّا قَالَتْهُ لِزَوْجِهَا (قَبْلَ
стр. 3394
إجَابَتِهِ) لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ؛ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ تَمَامِهِ بِالْجَوَابِ، كَالْبَيْعِ وَكَذَا قَوْلُهَا إنْ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِوُجُوبِ الْعِوَضِ، لَا لِلطَّلَاقِ.
(وَ) إنْ قَالَتْ (اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَلَك عَبْدِي هَذَا فَفَعَلَ) أَيْ: جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا (مَلَكَ الْعَبْدَ) بِقَبْضِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا مَا جُعِلَ لَهَا فِي نَظِيرِهِ (وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ) أَيْ: الْعَبْدِ، (وَلَوْ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا) نَفْسِهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَتَخْتَارُ مَتَى شَاءَتْ) لِجَعْلِهِ ذَلِكَ لَهَا (مَا لَمْ يَطَأْ أَوْ يَرْجِعْ) فَلَا اخْتِيَارَ لَهَا لِانْعِزَالِهَا بِذَلِكَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ رَجَعَ عَنْ جَعْلِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا (رَجَعَتْ) عَلَيْهِ (بِالْعِوَضِ) الَّذِي بَذَلَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ عَبْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا مَا يُقَابِلُهُ.
(وَ) لَوْ قَالَ لَهَا (إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، مَلَكَ إبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ) لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكِنَايَاتِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا) فَخَيَّرَهَا (فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ؛ لَا يَرُدُّ الزَّوْجُ شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَاعَلَتْهُ عَلَيْهِ؛ فَاسْتَقَرَّتْ لَهُ.
(وَ) إنْ قَالَتْ (طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ ارْتَدَّتْ) عَنْ الْإِسْلَامِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضٍ، وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ فِيهِ؛ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهُ (وَلَزِمَهَا) أَيْ الدِّينَارُ بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ ارْتَدَّتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا) ؛ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ، وَ (لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ، وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا (وَبَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ بِهَا فَإِنَّهُ (يُوقَفُ الْأَمْرُ) عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَعَ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ حِينَهُ، (وَإِلَّا) تُسْلِمْ بِأَنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (فَلَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً حِينَ طَلَّقَهَا.
стр. 3395
[فَصْلٌ مَنْ سُئِلَ الْخُلْعَ عَلَى شَيْءٍ فَطَلَّقَ]
فَصْلٌ (مَنْ سُئِلَ الْخُلْعَ) أَيْ: أَنْ يَخْلَعَ زَوْجَتَهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّؤَالُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (عَلَى شَيْءٍ فَطَلَّقَ) لَمْ يَسْتَحِقَّهُ (أَوْ) سُئِلَ الْخُلْعَ عَلَى شَيْءٍ (فَخَلَعَ) زَوْجَتَهُ (وَنَوَى) بِالْخُلْعِ (الطَّلَاقَ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) أَيْ: الْمَسْئُولَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فَسْخًا، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ، وَأَوْقَعَ طَلَاقًا لَمْ تَتَطَلَّبْهُ مِنْهُ، وَلَمْ تَبْذُلْ فِيهِ عِوَضًا (وَوَقَعَ) عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ (رَجْعِيًّا) لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ مُبْتَدَأً غَيْرَ مَبْذُولٍ فِيهِ عِوَضٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً.
(وَمَنْ سُئِلَ الطَّلَاقَ) عَلَى عِوَضٍ (فَخَلَعَ) وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ (لَمْ يَصِحَّ خُلْعُهُ) الَّذِي هُوَ فَسْخٌ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ مَبْذُولٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِيهِ (وَ) إنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي) بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ إلَّا بِطَلَاقِهَا بَعْدَ الشَّهْرِ (أَوْ) قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ (طَلِّقْهَا) أَيْ: امْرَأَتَكِ (بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا بَعْدَهُ) أَيْ: الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ؛ فَقَدْ اخْتَارَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِلَا عِوَضٍ؛ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ إلَى تَكُونُ بِمَعْنَى مِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا غَايَةَ لِانْتِهَائِهِ، وَإِنَّمَا الْغَايَةُ لِابْتِدَائِهِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، فَقَالَ لَهَا: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ (وَ) إنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي (مِنْ الْآنَ إلَى شَهْرٍ) بِأَلْفٍ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، فَصَحَّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مَعَ
стр. 3396
جَهْلِ الْوَقْتِ كَالْجَعَالَةِ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي بِهِ) أَيْ: بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَهَا) أَيْ: الضَّرَّةَ (صَحَّ الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ (وَإِنْ لَمْ يَفِ) لَهَا بِشَرْطِهَا مِنْ طَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَوْ عَدَمِهِ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (وَمِنْ الْمَهْرِ) الْمُسَمَّى إنْ كَانَ ثَمَّ مُسَمًّى، وَإِلَّا يَكُنْ مُسَمًّى فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بِعِوَضٍ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ إلَى مَا مَضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا؛ وَهُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَهُ الْأَلْفُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْهَا وَعَنْ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِذَا جُعِلَ كُلُّهُ عَنْهَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: (طَلِّقْنِي) طَلْقَةً (وَاحِدَةً بِأَلْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ) طَلِّقْنِي (وَاحِدَةً عَلَى أَلْفٍ) أَوْ طَلِّقْنِي وَاحِدَةً وَلَك أَلْفٌ وَنَحْوُهُ؛ كَطَلِّقْنِي وَاحِدَةً عَلَى أَنْ أُعْطِيَك أَلْفًا (فَطَلَّقَهَا أَكْثَرَ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (اسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ مَا اسْتَدْعَتْهُ وَزِيَادَةً لِوُجُودِ الْوَاحِدَةِ فِي ضِمْنِ الثِّنْتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً؛ وَقَعَتْ فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالْوَاحِدَةِ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ الْعِوَضَ فِيهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا.
(وَلَوْ أَجَابَ) قَوْلَهَا طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ (بِ) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بَانَتْ بِالْأُولَى) مِنْهُ لِوُقُوعِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا (وَإِنْ ذَكَرَ الْأَلْفَ عَقِبَ) الطَّلْقَةِ (الثَّانِيَةِ) بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ وَطَالِقٌ (بَانَتْ بِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ (وَ) وَقَعَتْ الطَّلْقَةُ (الْأُولَى رَجْعِيَّةً وَلَغَتْ الثَّالِثَةُ) لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ: الْأَلْفَ، عَقِبَهَا، أَيْ بِأَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ (طَلُقَتْ ثَلَاثًا) وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ وَنَوَى أَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ
стр. 3397
بِإِيقَاعِهَا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْأُولَى، وَبَانَتْ بِهَا.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا) بِأَلْفٍ (أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي (مِائَةً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) كَوَاحِدَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ، بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ (وَلَوْ يَنْوِ) بِقَوْلَةِ ذَلِكَ الطَّلَاقَ، (الثَّلَاثَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَوَقَعَ مَا أَجَابَهَا بِهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ إلَّا مَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ تَعْلَمْ) هِيَ بِذَلِكَ (اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِأَنَّهَا حَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالتَّحْرِيمِ (فَإِنْ قَالَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ الْأُولَى بِأَلْفٍ وَالثَّانِيَةُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَقَعَتْ الْأُولَى فَقَطْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَعَتْ وَحْدَهَا) ، لِأَنَّ الثَّلَاثَ تَمَّتْ بِهَا (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ) شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا عِوَضًا (وَتَمَّتْ الثَّلَاثُ) طَلْقَاتٍ (وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ لَزِمَهَا الْأَلْفُ) وَكَمَّلَتْ الثَّلَاثَ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ قَبِلْت وَاحِدَةً بِأَلْفٍ) وَقَعَ الثَّلَاثُ (أَوْ) قَالَتْ وَاحِدَةً (بِأَلْفَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ وَ) إنْ قَالَتْ مَقُولٌ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ (قَبِلْت) وَاحِدَةً (بِخَمْسِمِائَةٍ) لَمْ يَقَعْ (أَوْ) قَالَتْ قَبِلْتُ (وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ بِثُلُثِ الْأَلْفِ لَمْ يَقَعْ) وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ، وَوَقَعَتْ الْأُخْرَى بِقَبُولِهَا) هَذَا مَعْنَى مَا فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[تَتِمَّةٌ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلَا شَيْءَ
стр. 3398
لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْهُ وَبَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ؛ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى سُؤَالِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سَأَلَتْهُ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَغْوٌ، وَإِنْ قَالَتْ مَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَاحِدَةً أَبِينُ بِهَا وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ آخَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ، وَمُعَاوَضَةٌ عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحٍ؛ وَهُوَ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، وَكَذَا الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِذَا قُلْنَا تُفَرَّقُ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجٍ (امْرَأَتَاهُ طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَانَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ فَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا (وَلَوْ قَالَتْهُ) أَيْ: طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (إحْدَاهُمَا) فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (فَرَجْعِيٌّ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ السَّائِلَةَ أَوْ ضَرَّتَهَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقِهِمَا، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهِمَا جَمِيعًا مِنْهُ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهَا عِوَضٌ.
(وَيَتَّجِهُ) فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَ قَوْلِ إحْدَاهُمَا طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (بَانَتَا) مَعًا (وَعَلَى السَّائِلَةِ الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ (إلَّا إنْ) ثَبَتَ أَنَّهَا (وَكَّلَتْهَا الْأُخْرَى) فَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةٌ) مِنْهُمَا (طَلُقَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ، وَإِنْ قَالَ لَهُمَا (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا لَفْظًا شِئْنَا، وَلَوْ تَرَاخَى لَفْظُهُمَا بِالْمَشِيئَةِ أَوْ رَجَعَ) الزَّوْجُ عَنْ اشْتِرَاطِهِ الْمَشِيئَةَ قَبْلَ تَلَفُّظِهِمَا بِهَا (وَإِحْدَاهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (غَيْرُ رَشِيدَةٍ؛ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِهَا) أَيْ: غَيْرِ الرَّشِيدَةِ (رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) مِنْ الْأَلْفِ، أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا فَلِأَنَّ لَهَا،
стр. 3399
مَشِيئَةً وَلِذَلِكَ رَجَعَ إلَى مَشِيئَتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ رَجْعِيًّا فَلِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا (وَ) وَقَعَ الطَّلَاقُ (بِالرَّشِيدَةِ بَائِنًا بِقِسْطِهَا مِنْ الْأَلْفِ) لِصِحَّةِ مَشِيئَةِ الرَّشِيدَةِ وَنُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا، وَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهَا.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (عَلَى أَلْفٍ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِالْمَجْلِسِ بَانَتْ) مِنْهُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَى عِوَضٍ قَدْ اُلْتُزِمَ فِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَ بِسُؤَالِهَا (وَإِلَّا) تَقْبَلْ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ الْعِوَضِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَلَغَا الشَّرْطُ (وَلَا يَنْقَلِبُ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا إنْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: الْأَلْفَ (بِهِ) أَيْ: الْمَجْلِسِ (بَعْدَ رَدِّهَا) كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ أَوْ بِأَلْفٍ (قَبْلَ قَبُولِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ ذَلِكَ مِنْهُ؛ فَلَا تَبِينُ كَرُجُوعِ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ قَبْلَ قَبُولِهِ.
[فَصْلٌ خَالَعَتْهُ الزَّوْجَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا الْمَخُوفِ]
فَصْلٌ (إذَا خَالَعَتْهُ) الزَّوْجَةُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) الْمَخُوفِ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ، وَمَتَى اخْتَلَفَ الْمُسَمَّى فِيهِ وَإِرْثُهُ مِنْهُ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعِوَضِ) الْمُسَمَّى فِي الْخُلْعِ (أَوْ إرْثُهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْخُلْعَ إنْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ تَطَرَّقَتْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ مِنْ قَصْدِ إيصَالِهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَتْ أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَ أَقَلَّ مِنْ الْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ فَتَعَيَّنَ اسْتِحْقَاقُ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، وَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا الَّذِي خَالَعَتْهُ فِيهِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ مَوْتِهَا.
стр. 3400
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثُمَّ وَصَّى لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا (أَوْ أَقَرَّ لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الزَّائِدَ) عَنْ إرْثِهَا إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إيصَالِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَهِيَ فِي حِبَالِهِ فَطَلَّقَهَا لِيُوصِلَهُ إلَيْهَا؛ فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْوَصِيَّةِ لَهَا (وَإِنْ خَالَعَهَا) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ (وَحَابَاهَا) بِأَنْ أَخَذَ مِنْهَا دُونَ مَا أَعْطَاهَا أَوْ دُونَ مَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ مِنْهَا بِبَذْلِهَا لَهُ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ: لَا يَحْتَسِبُ مَا حَابَاهَا بِهِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِلَا عِوَضٍ صَحَّ؛ فَمَعَهُ أَوْلَى.
(وَمَنْ صَحَّ خُلْعُهُ) وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي يَعْقِلُ الْخُلْعَ (صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ (مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَرَشِيدٍ وَمُفْلِسٍ) وَغَيْرِهِ (وَمَنْ) (وَكَّلَ فِي خَلْعِ امْرَأَتِهِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَدِّرْ عِوَضًا؛ صَحَّ التَّوْكِيلُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْمُسْتَحَبُّ النَّقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْغَرَرِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْوَكِيلِ (فَخَالَعَ) الْوَكِيلُ زَوْجَةَ مُوَكِّلِهِ (بِ) عِوَضٍ (أَنْقَصَ مِنْ مَهْرِهَا) (صَحَّ وَضَمِنَ) الْوَكِيلُ (النَّقْصَ) مِنْ مَهْرِهَا، وَصَحَّ الْخُلْعُ لِانْصِرَافِ الْإِذْنِ إلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْبُضْعِ بِالْعِوَضِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا وَهُوَ مَهْرُهَا، فَإِذَا أَزَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، ضَمِنَ النَّقْصَ كَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ (وَإِنْ عَيَّنَ) زَوْجٌ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْعِوَضَ) كَأَنْ قَالَ اخْلَعْهَا عَلَى عَشَرَةٍ (فَنَقَصَ مِنْهُ) كَأَنْ خَلَعَهَا عَلَى تِسْعَةٍ (لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِيهِ بِشَرْطِ مَا قَدَّرَهُ مِنْ الْعِوَضِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَدَّرُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، فَيُشْبِهُ خُلْعَ الْفُضُولِيِّ (وَإِنْ زَادَ مَنْ وَكَّلَتْهُ) أَيْ: الزَّوْجَةُ فِي خُلْعِهَا (وَأَطْلَقَتْ) بِأَنْ لَمْ تُقَدِّرْ لَهُ عِوَضًا (عَلَى مَهْرِهَا) أَوْ زَادَ (مَنْ عَيَّنَتْ لَهُ الْعِوَضَ) عَلَى مَا عَيَّنَتْ لَهُ (صَحَّ الْخُلْعُ) فِيهِمَا (وَلَزِمَتْهُ) أَيْ: الْوَكِيلَ (الزِّيَادَةُ) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ رَضِيَتْ بِدَفْعِ الْعِوَضِ الَّذِي يُمْلَكُ الْخُلْعُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَوْ بِالْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مَعَ التَّقْدِيرِ وَالزِّيَادَةُ
следующие страницы →