← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وَبَاطِنًا، وَنَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ؛ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ يَخْرُجْ عِنْدَنَا يَعْنِي الْقَوْلُ بِكُفْرِهِ عَنْ حَدِّ الشُّهْرَةِ إلَى التَّوَاتُرِ، وَلَكِنْ إنْ ثَبَتَ عَنْهُ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلِّ فَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِالْكُفْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ قَطْعًا الْإِمْسَاكُ؛ إذْ لَا خَطَرَ فِي السُّكُوتِ عَنْ لَعْنَةِ إبْلِيسَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهَى. (وَفِي) كِتَابِ (" السِّرِّ الْمَصُونِ " لِابْنِ الْجَوْزِيِّ مُعَاشَرَةُ الْوَلَدِ بِاللُّطْفِ وَالتَّأَنِّي وَالتَّعْلِيمِ، وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى ضَرْبِهِ ضُرِبَ) يَعْنِي غَيْرَ مُبَرِّحٍ (وَيُحْمَلُ) الْوَلَدُ (عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) وَيُجَنَّبُ سَيِّئَهَا لِيَعْتَادَ ذَلِكَ وَيَنْشَأَ عَلَيْهِ (فَإِذَا كَبُرَ الْوَلَدُ فَالْحَذَرَ مِنْهُ، وَلَا يُطْلِعُهُ عَلَى كُلِّ الْأَسْرَارِ، وَمِنْ الْغَلَطِ تَرْكُ تَزْوِيجِهِ إذَا بَلَغَ فَإِنَّك تَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ بِمَا كُنْت فِيهِ، فَصُنْهُ عَنْ الزَّلَلِ عَاجِلًا خُصُوصًا الْبَنَاتِ) فَإِنَّ عَارَهُنَّ عَظِيمٌ (وَإِيَّاكَ أَنْ تُزَوِّجَ الْبِنْتَ بِشَيْخٍ أَوْ شَخْصٍ مَكْرُوهٍ) فَرُبَّمَا حَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي (وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْكُنَ إلَيْهِ بِحَالٍ بَلْ كُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تُدْخِلْ الدَّارَ مِنْهُمْ مُرَاهِقًا وَلَا خَادِمًا؛ فَإِنَّهُمْ رِجَالٌ مَعَ النِّسَاءِ، وَنِسَاءٌ مَعَ الرِّجَالِ؛ وَرُبَّمَا امْتَدَّتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ إلَى غُلَامٍ مُحْتَقَرٍ انْتَهَى) . وَكَذَا خِدْمَتُهُ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: السَّيِّدَ (بَيْعُهُ بِطَلَبِهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ (مَعَ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ، وَالْحَقُّ لَهُ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ قِيَامِهِ بِمَا يَجِبُ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهِ؛ وَطَلَبَ بَيْعَهُ، لَزِمَهُ إجَابَتُهُ. (وَحَرُمَ أَنْ تُسْتَرْضَعَ أَمَةٌ) لَهَا وَلَدٌ (لِغَيْرِ وَلَدِهَا) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لَهُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ (بَعْدَ رِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ فَكَانَ لَهُ اسْتِغْنَاؤُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا.

стр. 3747

(وَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ: الْمُزَوَّجَةِ (بِلَا إذْنِ زَوْجٍ زَمَنَ حَقِّهِ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ زَوْجِهَا بِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِمَا اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ؛ وَيَجُوزُ إيجَارُهَا فِي مُدَّةِ حَقِّ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ. (وَحَرُمَ جَبْرُهُ) أَيْ: الرَّقِيقِ (عَلَى مُخَارَجَةٍ، وَهِيَ) أَيْ الْمُخَارَجَةُ (جَعْلُ سَيِّدٍ عَلَى رَقِيقٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا مَعْلُومًا) أَيْ: السَّيِّدِ (وَمَا فَضَلَ فَلِلْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا كَالْكِتَابَةِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (هَدِيَّةُ طَعَامٍ وَإِعَارَةُ مَتَاعٍ وَعَمَلِ دَعْوَةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَعَبْدٍ (مَأْذُونٌ) لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَفِي " الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ ") لِابْنِ الْقَيِّمِ (لَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (التَّصَرُّفُ بِمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " كَذَا قَالَ (وَتَجُوزُ) الْمُخَارَجَةُ (بِاتِّفَاقِهِمَا إنْ كَانَتْ قَدْرَ كَسْبِهِ فَأَقَلَّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.» وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ كُلَّ يَوْمٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لَهُ بِمَا لَا يُطِيقُهُ (وَلَا يَتَسَرَّى عَبْدٌ وَلَوْ أَذِنَ سَيِّدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَالْوَطْءُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ (خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ) مِنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لَهُ التَّسَرِّيَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ شَاقِلَا، وَرَجَّحَهَا الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ " وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ " الْإِنْصَافِ " (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ (فِي التَّسَرِّي بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ كَالنِّكَاحِ فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدٌ رُجُوعًا بَعْدَ تَسَرٍّ) مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِهِ (وَتَحِلُّ) الْأَمَةُ لِلْعَبْدِ (ب) قَوْلِ سَيِّدِهِ لَهُ (تَسَرَّهَا أَوْ أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِذْنِ بِالتَّسَرِّي؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ

стр. 3748

تَنْبِيهٌ: لِلْمُبَعَّضِ وَطْءُ أَمَةٍ مَلَكَهَا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهَا خَالِصُ مِلْكِهِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَى سَيِّدٍ امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِرَقِيقٍ) عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَإِعْفَافٍ (إزَالَةُ مِلْكِهِ) عَنْهُ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ عِتْقٌ وَنَحْوُهَا (بِطَلَبِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِعَجْزِ سَيِّدٍ عَنْهُ أَوْ لَا) كَفِرْقَةِ زَوْجَةٍ امْتَنَعَ مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ؛ إزَالَةٌ لِلضَّرَرِ؛ وَفِي الْخَبَرِ: «عَبْدُك يَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي، وَامْرَأَتُك تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا طَلِّقْنِي» (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (لَوْ لَمْ تُلَائِمْ أَخْلَاقُ الْعَبْدِ أَخْلَاقَ سَيِّدِهِ، لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يُعَذِّبُ خَلْقَ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ.» [فَصْلٌ عَلَى مَالِكِ بَهِيمَةٍ إطْعَامُهَا] فَصْلٌ (وَعَلَى مَالِكِ بَهِيمَةٍ إطْعَامُهَا وَ) لَوْ عَطِبَتْ؛ وَعَلَيْهِ (سَقْيُهَا) حَتَّى تَنْتَهِيَ (إلَى أَوَّلِ شِبَعٍ وَ) أَوَّلِ (رِيٍّ) دُونَ غَايَتِهِمَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ نَفَقَتِهَا (أَجْبَرَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ) إزَالَةً لِضَرَرِهَا وَظُلْمِهَا، وَلِأَنَّهَا تَتْلَفُ إذَا تُرِكَتْ بِلَا نَفَقَةٍ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا (فَإِنْ أَبَى) فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَعَلَ حَاكِمٌ الْأَصْلَحَ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (أَوْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا) ، وَكَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ (وَيَجُوزُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ كَبَقَرٍ لِحَمْلٍ وَرُكُوبٍ وَإِبِلٍ وَحُمُرٍ لِحَرْثٍ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ؛ وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ، وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ، وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ فِي الْأَدْوِيَةِ؛ وَإِنْ لَمْ

стр. 3749

يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسْرِقُ بَقَرَةً أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا، قَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِذَلِكَ إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ: أَنَّهُ مُعْظَمُ النَّفْعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ غَيْرِهِ (وَجِيفَتُهَا) إنْ مَاتَتْ (لَهُ) أَيْ: لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ لِمَوْتٍ (فَيَدْبَغُ جِلْدَهَا) وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الْيَابِسَاتِ (وَيَأْكُلُهَا) إنْ كَانَ (مُضْطَرًّا) لِأَكْلِهَا (وَنَقَلَهَا عَلَيْهِ لِدَفْعِ أَذَاهَا) ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا كَانَ لَهُ فَغُرْمُهَا عَلَيْهِ. (وَيَحْرُمُ لَعْنُهَا) أَيْ: الْبَهِيمَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ «عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ. فَلَعَنَتْ امْرَأَةٌ نَاقَةً، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا مَكَانَهَا مَلْعُونَةً، فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا تَعَرَّضَ لَهَا أَحَدٌ» وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ: «لَا تَصْحَبُنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ، فَلَعَنَهَا فَقَالَ ﷺ لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» . (وَ) يَحْرُمُ (تَحْمِيلُهَا) أَيْ الْبَهِيمَةِ (مُشِقًّا) ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهَا (وَ) يَحْرُمُ (حَلْبُهَا مَا يَضُرُّ وَلَدَهَا) ؛ لِأَنَّ لَبَنَهُ مَخْلُوقٌ لَهُ أَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ، وَيُسَنُّ لِلْحَلَّابِ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ لِئَلَّا يَجْرَحَ الضَّرْعَ. (وَ) يَحْرُمُ (ذَبْحُ) حَيَوَانِ (غَيْرِهِ مَأْكُولٍ لِإِرَاحَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَذَبْحُهَا إتْلَافٌ لَهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إتْلَافِ الْمَالِ. (وَ) يَحْرُمُ (ضَرْبُ وَجْهٍ وَوَسْمٌ فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَجْهِ؛ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَعَنَ مَنْ ضَرَبَ أَوْ وَسَمَ الْوَجْهَ، وَنَهَى عَنْهُ» . ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ الْوَسْمُ إلَّا لِمُدَاوَاةٍ، وَقَالَ أَيْضًا يَحْرُمُ لِقَصْدِ الْمُثْلَةِ (وَيَجُوزُ) الْوَسْمُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَجْهِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَالْمُدَاوَاةِ

стр. 3750

(وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ الْوَسْمِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فِي الْبَهَائِمِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ وَلَهُ حُرْمَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. . (وَيُكْرَهُ خَصْيُ غَيْرُ غَنَمٍ وَدُيُوكٍ) وَيَحْرُمُ الْخَصِيُّ فِي الْآدَمِيِّينَ لِغَيْرِ قِصَاصٍ وَلَوْ رَقِيقًا، وَيُكْرَهُ (جَزُّ مَعْرِفَةٍ وَنَاصِيَةٍ وَجَزُّ ذَنَبٍ وَتَعْلِيقُ جَرَسٍ أَوْ وَتَرٍ) لِلْخَبَرِ، وَيُكْرَهُ لَهُ إطْعَامُهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَإِكْرَاهُهُ عَلَى الْأَكْلِ عَلَى مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ عَادَةً لِأَجْلِ التَّسْمِينِ قَالَهُ فِي " الْقُنْيَةِ ". وَيُكْرَهُ (نَزْوُ حِمَارٍ عَلَى فَرَسٍ) كَالْخِصَاءِ، لِأَنَّهُ لَا نَسْلَ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا، وَيَجِبُ عَلَى مُقْتَنِي الْكَلْبِ الْمُبَاحِ أَنْ يُطْعِمَهُ وَيَسْقِيَهُ أَوْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ؛ وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ شَيْءٍ مِنْ الْبَهَائِمِ لِتَهْلِكَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ، وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومَةٍ، لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» . (وَيُبَاحُ تَجْفِيفُ دُودِ قَزٍّ بِشَمْسٍ) إذَا اسْتَكْمَلَ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ (وَتَدْخِينُ زَنَابِيرَ) دَفْعًا لِأَذَاهَا بِالْأَسْهَلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهَا إلَّا بِحَرْقٍ جَازَ) إحْرَاقُهَا قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَةِ الْآدَابِ "، وَكَذَا الْقُمَّلُ وَالنَّمْلُ وَنَحْوُهُمَا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِحَرْقِهِ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّاظِمُ؛ وَقَالَ: إنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ صَاحِبَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَقَالَ مَا هُوَ بِبَعِيدٍ. (فَرْعٌ: تُسْتَحَبُّ نَفَقَتُهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (عَلَى مَالِهِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ) مِنْ دُورٍ وَبَسَاتِينَ وَأَوَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابًا؛ لِئَلَّا يَضِيعَ (وَإِنْ كَانَ) الْمِلْكُ (لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونِ (وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ) عِمَارَةُ دَارِهِ وَحِفْظُ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ بِالسَّقْيِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَحَظِّ وَإِضَاعَتُهُ لِمَالِهِ حَرَامٌ وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي تَرْكِهِ ذَلِكَ إضَاعَةً.

стр. 3751

[بَابُ الْحَضَانَةِ] ِ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَضَنْت الصَّغِيرَ حَضَانَةً أَيْ: تَحَمَّلْت مُؤْنَتَهُ وَتَرْبِيتَةَ. وَالْحَاضِنَةُ الَّتِي تُرَبِّي الطِّفْلَ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَضُمُّ الطِّفْلَ إلَى حِضْنِهَا. (وَهِيَ) شَرْعًا (حِفْظُ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَهُوَ الْمُخْتَلُّ الْعَقْلِ عَمَّا يَضُرُّهُمْ وَتَرْبِيَتُهُمْ بِعَمَلِ مَصَالِحِهِمْ مِنْ غَسْلِ بَدَنٍ) وَغَسْلِ (ثَوْبٍ وَتَكْحِيلٍ وَدَهْنٍ وَرَبْطٍ بِمَهْدٍ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ، وَتَجِبُ) الْحَضَانَةُ، لِأَنَّ الْمَحْضُونَ يَهْلِكُ بِتَرْكِهَا، فَوَجَبَ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ كَمَا يَجِبُ (الْإِنْفَاقُ) عَلَيْهِ وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْهَلَاكِ. (وَمُسْتَحِقُّهَا رَجُلٌ وَارِثٌ بِتَعْصِيبٍ) كَأَبٍ وَجَدٍّ وَأَخٍ وَعَمٍّ لِغَيْرِ أُمٍّ (أَوْ امْرَأَةٍ وَارِثَةٍ كَأُمٍّ) وَجَدَّةٍ أَوْ أُخْتٍ (أَوْ قَرِيبَةٍ مُدْلِيَةٍ بِوَارِثٍ كَخَالَةٍ وَبِنْتِ أُخْتٍ أَوْ) مُدْلِيَةٍ (بِعَصَبَةٍ كَعَمَّةٍ وَبِنْتِ أَخٍ وَ) بِنْتِ (عَمٍّ) لِغَيْرِ أُمٍّ (أَوْ ذُو رَحِمٍ كَأَبِي أُمٍّ) وَأَخٍ لِأُمٍّ (ثُمَّ حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنُوبُ عَنْهُمْ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَحَضَانَةِ الطِّفْلِ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. (وَأُمُّ) مَحْضُونٍ (أَحَقُّ) بِحَضَانَتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهَا وَحُضُورِهَا وَقَبُولِهَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ لَهُ، وَلِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ، وَقَالَ: رِيحُهَا وَشَمْسُهَا وَلَفْظُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْك. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ "؛ وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَأُمِّهِ

стр. 3752

أَوْلَى مِمَّنْ يَدْفَعُهُ إلَيْهَا مِنْ النِّسَاءِ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا) مَعَ مُتَبَرِّعَةٍ (كَرَضَاعٍ، ثُمَّ) إنْ لَمْ تَكُنْ أُمًّا، أَوْ لَمْ تَكُنْ أَهْلًا لِلْحَضَانَةِ (فَأُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) لِأَنَّ وِلَادَتَهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ، فَهُنَّ فِي مَعْنَى الْأُمِّ (ثُمَّ) بَعْدَهُنَّ (أَبٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَأَحَقُّ بِوِلَايَةِ الْمَالِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ) لِإِدْلَائِهِنَّ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ وَقُدِّمْنَ عَلَى الْجَدِّ، لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ مَعَ التَّسَاوِي تُوجِبُ الرُّجْحَانَ دَلِيلُهُ الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ (ثُمَّ جَدٌّ لِأَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ (كَذَلِكَ) أَيْ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْأَجْدَادِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) أَيْ الْجَدِّ (كَذَلِكَ) أَيْ: الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ، وَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَخَوَاتِ مَعَ إدْلَائِهِنَّ بِالْأَبِ، لِمَا فِيهِنَّ مِنْ وَصْفِ الْوِلَادَةِ؛ وَكَوْنِ الطِّفْلِ بَعْضًا مِنْهُنَّ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْأَخَوَاتِ؛ ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ ثُمَّ جَدُّ الْجَدِّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ (ثُمَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ) لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي النَّسَبِ وَقُوَّةِ قَرَابَتِهَا (ثُمَّ) أُخْتٌ (لِأُمٍّ) ؛ لِأَنَّهَا مُدْلِيَةٌ بِالْأُمِّ كَالْجَدَّاتِ (ثُمَّ) أُخْتٌ (لِأَبٍ، ثُمَّ خَالَةٌ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ) خَالَةٌ (لِأَبٍ) لِأَدِلَّاءِ الْخَالَاتِ بِالْأُمِّ (ثُمَّ عَمَّتُهُ كَذَلِكَ) أَيْ لِأَبَوَيْنِ: ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ لِإِدْلَائِهِنَّ بِالْأَبِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ بِالْحَضَانَةِ عَنْ الْأُمِّ (ثُمَّ خَالَةُ) أُمٍّ لِأَبَوَيْنِ؛ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ (ثُمَّ خَالَةُ أَبٍ) كَذَلِكَ (ثُمَّ عَمَّتُهُ) أَيْ الْأَبِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمْنَ عَلَى مَنْ بِدَرَجَتِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ كَتَقْدِيمِ الْأَبِ، وَالْجَدَّةِ عَلَى الْجَدِّ، وَالْأُخْتِ عَلَى الْأَخِ. وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ، مَعَ عَمَّاتِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ، وَهُوَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَعَمَّاتُ الْأَبِ يُدْلِينَ بِالْأَبِ؛ وَهُوَ عَصَبَةٌ (ثُمَّ بِنْتُ أَخٍ) لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَبِنْتُ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ؛ ثُمَّ بِنْتُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ وَبِنْتُ عَمَّةٍ كَذَلِكَ (ثُمَّ بِنْتُ عَمِّ أَبٍ) كَذَلِكَ وَبِنْتُ (عَمَّتِهِ) أَيْ: الْأَبِ (عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ) فَيُقَدَّمُ مَنْ لِأَبَوَيْنِ (ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ الْحَضَانَةُ لِبَاقِي الْعَصَبَةِ) أَيْ: عَصَبَةِ الْمَحْضُونِ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) فَيُقَدَّمُ الْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ؛ ثُمَّ أَعْمَامُ أَبٍ، ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَعْمَامُ جَدٍّ، ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ وَهَكَذَا. (وَشَرْطُ كَوْنِهِ) أَيْ: الْعَصَبَةِ (مَحْرَمًا) وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (لِأُنْثَى) مَحْضُونَةٍ (بَلَغَتْ سَبْعًا) مِنْ السِّنِينَ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ (وَيُسَلِّمُهَا غَيْرُ مَحْرَمٍ) كَابْنِ عَمٍّ (تَعَذُّرُ غَيْرِهِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سِوَاهُ (إلَى ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا) الْعَصَبَةُ، أَوْ يُسَلِّمُهَا

стр. 3753

إلَى (مَحْرَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَحَاكِمٍ، وَكَذَا أُمٌّ تَزَوَّجَتْ وَلَيْسَ لِوَلَدِهَا غَيْرُهَا فَتُسَلِّمُ وَلَدَهَا إلَى ثِقَةٍ تَخْتَارُهُ أَوْ مَحْرَمِهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ) الْحَضَانَةُ (لِذِي رَحِمٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ) مِنْ إنَاثٍ ذَوِي الرَّحِمِ، وَأَمَّا ذُكُورُهُمْ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَالْمُرَادُ بِذِي الرَّحِمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْضُونِ قَرَابَةٌ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ فَدَخَلَ فِيهِ الْأَخُ لِأُمٍّ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ تَقَدَّمَ الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَاتِ (فَأَوْلَاهُمْ) بِحَضَانَةِ (أَبُو أُمٍّ فَأُمَّهَاتُهُ فَأَخٌ لِأُمٍّ فَخَالٌ ثُمَّ الْحَاكِمُ أَشْبَهُوا فَيُسَلِّمُهُ لِثِقَةٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى مَنْ لَا أَبٌ لَهُ وَلَا وَصِيَّ وَالْحَضَانَةُ وِلَايَةٌ. (وَتَنْتَقِلُ) حَضَانَةٌ (مَعَ امْتِنَاعِ مُسْتَحِقِّهَا أَوْ مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّةٍ) ، لَهَا كَالرَّقِيقِ (إلَى مَنْ بَعْدَهُ) أَيْ: يَلِيه كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمُمْتَنِعِ وَغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ كَعَدَمِهِ (وَحَضَانَةُ) طِفْلٍ وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ (مُبَعَّضٍ لِقَرِيبٍ وَسَيِّدٍ بِمُهَايَأَةٍ) فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَوْمٌ لِقَرِيبِهِ وَيَوْمٌ لِسَيِّدِهِ، وَمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ يَوْمَانِ لِقَرِيبِهِ وَيَوْمٌ لِسَيِّدِهِ (وَلَا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ) وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ (وَلَا) حَضَانَةَ (لِفَاسِقٍ) ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا وُثُوقَ بِهِ فِي أَدَاءِ وَاجِبِ الْحَضَانَةِ، وَلَا حَظَّ لِلْمَحْضُونِ فِي حَضَانَتِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَشَأَ عَلَى أَحْوَالِهِ. (وَلَا) حَضَانَةَ (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْفَاسِقِ. (وَلَا) حَضَانَةَ (لِمَجْنُونٍ وَلَوْ غَيْرَ مُطْبَقٍ وَلَا لِمَعْتُوهٍ) وَلَا لِطِفْلٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ لِمَنْ يَحْضُنُهُمْ (أَوْ عَاجِزٍ عَنْهَا كَأَعْمَى) وَزَمِنٍ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَضَعْفُ الْبَصَرِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَحْضُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ انْتَهَى. (وَكَذَا لَوْ كَانَ بِالْأُمِّ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ) سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ (وَصَرَّحَ بِهِ الْعَلَائِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ؛ وَقَالَ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْوَالِدِ مِنْ لَبَنِهَا وَمُخَالَطَتِهَا) انْتَهَى. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كُلِّ عَيْبٍ مُتَعَدٍّ ضَرَرُهُ إلَى غَيْرِهِ.

стр. 3754

وَلَا حَضَانَةَ لِامْرَأَةٍ (مُزَوَّجَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ، وَيُوجَدُ غَيْرُهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» وَلِأَنَّهَا تَشْتَغِلُ عَنْ الْحَضَانَةِ بِحَقِّ الزَّوْجِ؛ فَتَسْقُطُ حَضَانَتُهَا (زَمَنَ عَقْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ مَلَكَ مَنَافِعَهَا، وَاسْتَحَقَّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، فَتَسْقُطُ حَضَانَتُهَا فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِقَرِيبِ مَحْضُونِهَا وَلَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ لَهُ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا (وَلَوْ رَضِيَ زَوْجٌ) بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْحَضَانَةَ بِذَلِكَ (لَكِنْ تُرْضِعُهُ) أُمُّهُ الْمُزَوَّجَةُ بِأَجْنَبِيٍّ (كَمَا، مَرَّ) وَيَحْضُنُهُ غَيْرُهَا. وَلَوْ اتَّفَقَ أَبُو الْمَحْضُونِ وَأُمُّهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ فِي حَضَانَتِهَا وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، وَرَضِيَ زَوْجُهَا جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ؛ وَأَيُّهُمْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ أُمِّهِ الْمُزَوَّجَةِ وَمَنْ تَسْتَحِقُّ حَضَانَتَهُ (لِبُعْدٍ) بَيْنَهُمَا (قُدِّمَتْ أُمُّ) مَحْضُونٍ (إذَنْ) أَيْ: حِينَ التَّعَذُّرِ (بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَضَانَةِ وَالْإِرْضَاعِ مَعًا، وَلِأَنَّ تَزَوُّجَهَا بِالْأَجْنَبِيِّ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهَا مِنْ إرْضَاع وَلَدهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ بِذَلِكَ حَضَانَتُهَا، وَانْتَقَلَتْ لِمَنْ بَعْدَهَا فَلَمَّا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَادَ اسْتِحْقَاقُهَا لِحَضَانَةِ وَلَدِهَا، لِكَمَالِ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. تَنْبِيهٌ: لَوْ تَنَازَعَ عَمَّيْنٍ وَنَحْوُهُمَا فِي حَضَانَةٍ وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِالْأُمِّ أَوْ الْخَالَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَلِيهَا بِمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَشَفَقَةٌ (بِمُجَرَّدِ زَوَالِ مَانِعٍ) مِنْ رِقٍّ أَوْ فِسْقٍ أَوْ تَزَوُّجٍ بِأَجْنَبِيٍّ (وَلَوْ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ؛ وَلَمْ تَنْقُضْ عِدَّتَهَا) يَعُودُ الْحَقُّ (وَ) بِمُجَرَّدِ (رُجُوعِ مُمْتَنِعٍ) مِنْ حَضَانَتِهِ (يَعُودُ الْحَقُّ) لَهُ فِي الْحَضَانَةِ؛ لِقِيَامِ سَبَبِهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ. (وَكَذَا وَقْفٌ) وَقَفَهُ إنْسَانٌ عَلَى أَوْلَادِهِ بِشَرْطِ أَنْ (مَنْ يَتَزَوَّجُ لَا حَقَّ لَهُ، فَتَزَوَّجَتْ) وَاحِدَةٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِنَّ أَوْ أَكْثَرُ (ثُمَّ طَلُقَتْ؛ فَيَعُودُ) إلَيْهَا حَقُّهَا؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَمِثْلُهُ. (لَوْ وَقَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ مَا دَامَتْ عَازِبَةً، فَتَزَوَّجَتْ) زَالَ حَقُّهَا؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (فَإِنْ طَلُقَتْ وَكَانَ قَدْ) عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ (أَرَادَ بِرَّهَا) مَا دَامَتْ عَازِبَةً (وَيَتَّجِهُ

стр. 3755

أَوْ جَهِلَ مُرَادَهُ) فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا أَرَادَ؛ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. قُلْت الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا فِيهِ نَفْعٌ وَصِلَةٌ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ جَرَيَانُ الصَّدَقَةِ عَلَى الدَّوَامِ؛ وَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا يَقْتَضِي أَنْ نَمْنَعَهَا مِمَّا هُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِيهِ حَقٌّ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (رَجَعَ) إلَيْهَا (حَقُّهَا) كَالْوَقْفِ عَلَى بَنَاتِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فَلَا حَقَّ لَهَا. (وَإِنْ أَرَادَ صِلَتَهَا مَا دَامَتْ حَافِظَةً لِفِرَاشِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَزَالَتْ ذَلِكَ بِتَزَوُّجِهَا؛ (وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ أَبَوَيْنِ) لِمَحْضُونٍ (نَقْلَهُ إلَى بَلَدِ أَمْنٍ، وَطَرِيقُهُ) أَيْ الْبَلَدِ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَكْثَرُ (لِيُسْكِنَهُ) وَكَانَ الطَّرِيقُ أَيْضًا آمِنًا (فَأَبٌ أَحَقُّ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَقُومُ عَادَةً بِتَأْدِيبِهِ وَتَخْرِيجِهِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ أَبِيهِ؛ ضَاعَ (مَا لَمْ يُرِدْ) الْأَبُ (بِنَقْلَتِهِ مُضَارَّتَهَا) أَيْ: الْأُمِّ وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ مِنْهَا (قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْ إلَيْهِ) ، بَلْ يَعْمَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْوَلَدِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْأَبِ مَعَ يَمِينِهِ (فِي إرَادَةِ النَّقْلَةِ) إلَى بَلَدِ كَذَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِمَقْصُودِهِ، وَإِنْ انْتَقَلَ الْأَبَوَانِ إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ فَالْأُمُّ بَاقِيَةٌ عَلَى حَضَانَتِهَا؛ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهَا، وَإِنْ أَخَذَهُ الْأَبُ لِافْتِرَاقِ الْبَلَدَيْنِ، ثُمَّ اجْتَمَعَا عَادَتْ إلَى الْأُمِّ حَضَانَتُهَا لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَقْلَهُ (إلَى بَلَدٍ قَرِيبٍ) دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْ بَلَدِ الْآخَرِ (لِسُكْنَى فَأُمٌّ) أَحَقُّ فَتَبْقَى عَلَى حَضَانَتِهَا؛ لِأَنَّهَا أَتَمُّ شَفَقَةً، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرًا (لِحَاجَةٍ) وَيَعُودُ (بَعْدُ) الْبَلَدُ الَّذِي أَرَادَهُ (أَوْ لَا) أَيْ: لَمْ يُبْعِدْ (فَمُقِيمٌ) مِنْ أَبَوَيْهِ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ؛ إزَالَةً لِضَرَرِ السَّفَرِ. [فَصْلٌ بَلَغَ صَبِيٌّ مَحْضُونٌ سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلًا] فَصْلٌ (وَإِنْ بَلَغَ صَبِيٌّ) مَحْضُونٌ (سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلًا) أَيْ تَمَّتْ لَهُ السَّبْعُ (خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ) بِأَنْ يَكُونَا عَاقِلَيْنِ رَشِيدَيْنِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عُيَيْنَةَ وَنَفَعَنِي، فَقَالَ

стр. 3756

النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيِّ خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. إذَا مَالَ إلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعِ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ، فَإِنَّهَا قَدِمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ (فَإِنْ اخْتَارَ أَبَاهُ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا) لِيَحْفَظَهُ وَيُعَلِّمَهُ وَيُؤَدِّبَهُ. (وَلَا يَمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إغْرَاءً لَهُ بِالْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَيَزُورُهَا عَلَى الْعَادَةِ كَيَوْمٍ فِي الْأُسْبُوعِ (وَلَا) تَمْنَعُ (هِيَ تَمْرِيضَهُ) لِصَيْرُورَتِهِ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ فِي الْحَاجَةِ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَالنِّسَاءُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ (وَإِنْ اخْتَارَهَا) أَيْ: الْأُمَّ (كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ السَّكَنِ وَانْحِيَازِ الرِّجَالِ إلَى الْمَسَاكِنِ، وَكَانَ (عِنْدَهُ) أَيْ: الْأَبُ (نَهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّصَرُّفِ فِي الْحَوَائِجِ وَعَمَلِ الصَّنَائِعِ (لِيُؤَدِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ) لِئَلَّا يَضِيعَ (ثُمَّ إنْ عَادَ) الْغُلَامُ (فَاخْتَارَ الْآخَرُ نُقِلَ إلَيْهِ) ثُمَّ إنْ عَادَ (فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ رَدَّ إلَيْهِ) وَهَكَذَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ تَشَهٍّ وَقَدْ يَشْتَهِي أَحَدُهُمَا فِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ؛ فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيهِ. (قَالَ أَبُو الْوَفَاءَ عَلِيٌّ ابْنُ عَقِيلٍ) مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ فَسَادٍ فَأَمَّا (إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا لِيُمَكِّنَهُ مِنْ الْفَسَادِ، وَيَكْرَهُ الْآخَرَ لِلْأَدَبِ؛ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ) انْتَهَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إضَاعَةً لَهُ (وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ (حَسَنٌ وَيُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا (إنْ لَمْ يَخْتَرْ) الصَّبِيُّ مِنْهُمَا وَاحِدًا (وَاخْتَارَهُمَا جَمِيعًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي حَضَانَتِهِ؛ فَلَا مُرَجِّحَ غَيْرُ الْقُرْعَةِ. (وَإِنْ بَلَغَ) الذَّكَرُ (رَشِيدًا) ، كَانَ حَيْثُ شَاءَ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَزَوَالِ

стр. 3757

الْوِلَايَةِ عَنْهُ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إصْلَاحِ أُمُورِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْ أَبَوَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي بِرِّهِمَا وَصِلَتِهِمَا، لَكِنْ لَا يُثْبِتُ الْحَضَانَةَ عَلَى مَنْ بَلَغَ رَشِيدًا عَاقِلًا، وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ (مَا لَمْ يَكُنْ أَمْرَدَ) يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ فَيُمْنَعُ مِنْ مُفَارَقَتِهِمَا دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ. (وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِيهَا) كَأَخَوَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ أُخْتَيْنِ فَأَكْثَرَ (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا (مَا لَمْ يَبْلُغْ مَحْضُونٌ سَبْعًا) أَيْ: يَتِمُّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ وَلَوْ أُنْثَى (فَيُخَيَّرُ) بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْبَعْضِ. (وَالْأَحَقُّ مِنْ عَصَبَةِ) مَحْضُونٍ وَمِنْ ذُكُورِ ذَوِي رَحِمِهِ كَأَبِي أُمِّهِ وَأَخِيهِ لِأُمِّهِ وَخَالِهِ (عِنْدَ عَدَمِ أَبٍ أَوْ) عَدَمِ (أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ: الْأَبِ (كَأَبٍ فِي تَخْيِيرِ) مَنْ بَلَغَ سَبْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ مَثَلًا (وَفِي إقَامَةٍ وَنَقَلَهُ) إذَا سَافَرَ أَحَدُهُمَا وَأَقَامَ الْآخَرُ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ (إنْ كَانَ) الْعَصَبَةُ مَحْرَمًا لِأُنْثَى وَلَوْ بِنَحْوِ رَضَاعٍ كَعَمٍّ وَابْنِ عَمٍّ هُوَ أَخٌ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ هِيَ رَبِيبَتُهُ، وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا. (وَسَائِرُ النِّسَاءِ الْمُسْتَحِقَّاتُ لَهَا) أَيْ: الْحَضَانَةِ مِنْ جَدَّاتٍ وَخَالَاتٍ وَعَمَّاتٍ (كَأُمٍّ فِي ذَلِكَ) أَيْ: التَّخْيِيرِ وَالْإِقَامَةِ وَالنَّقْلَةِ (وَتَكُونُ بِنْتَ سَبْعِ سِنِينَ) تَامَّةٍ (عِنْدَ أَبٍ إلَى زِفَافٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا وَأَحَقُّ بِوِلَايَتِهَا، وَلِيُؤَمِّنَ عَلَيْهَا مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْآفَاتِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْخَدِيعَةُ؛ لِغِرَّتِهَا وَلِمُقَارَبَتِهَا حِينَئِذٍ الصَّلَاحِيَّةَ لِلتَّزْوِيجِ وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ بِنْتَ سَبْعٍ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا وَيَعْلَمُ بِالْكُفْءِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَمْيِيزِهَا، وَلَا يَصْلُحُ الْقِيَاسُ عَلَى الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبِنْتُ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لَمْ أَقِفْ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى نَقْلٍ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْبِنْتِ الْبِكْرِ (وَيَمْنَعُهَا) أَبُوهَا أَنْ تَنْفَرِدَ، وَيَمْنَعُهَا (مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ تَنْفَرِدَ) بِنَفْسِهَا خَشْيَةً عَلَيْهَا.

стр. 3758

تَتِمَّةٌ: وَعَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ وَكُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَنْعُهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، فَإِنْ لَمْ تُمْنَعْ إلَّا بِالْحَبْسِ وَجَبَ حَبْسُهَا، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى الْقَيْدِ قُيِّدَتْ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَضْرِبَ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَطِيعَةٌ لَهَا وَلَكِنْ يَنْهَى وَيُدَارِيهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَوْلِيَاءِ مُقَاطَعَتُهَا بِحَيْثُ تُمَكَّنُ مِنْ السُّوءِ، بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْهَوْهَا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رِزْقٍ وَكِسْوَةٍ كَسَوْهَا، يُقَدَّمُ بِذَلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ تَخْتَصُّ بِالْحَاكِمِ وَالسَّيِّدِ. (وَلَا تُمْنَعُ أُمُّ) بِنْتٍ (مِنْ زِيَارَتِهَا) عَلَى الْعَادَةِ عَلَى مَا سَبَقَ (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهَا) أَيْ: الْأُمِّ مَفْسَدَةً، وَلَا خَلْوَةً لِأُمٍّ مَعَ خَوْفِ أَنْ تُفْسِدَ قَلْبَهَا، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَيَتَوَجَّهُ فِي الْغُلَامِ مِثْلُهَا، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَلَا تُمْنَعُ مِنْ (تَمْرِيضِهَا عِنْدَهَا) أَيْ: الْأُمِّ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى ذَلِكَ (وَلَهَا) أَيْ: الْبِنْتِ (زِيَارَةُ أُمِّهَا إنْ مَرِضَتْ) الْأُمُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ. تَنْبِيهٌ: لَا يُمْنَعُ الرَّجُلُ مِنْ زِيَارَةِ ابْنَته إذَا كَانَتْ عِنْدَ أُمِّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا، وَلَا يُطِيلُ الْمُقَامَ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ صَارَتْ بِالْبَيْنُونَةِ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ. (وَالْمَعْتُوهُ وَلَوْ أُنْثَى) يَكُونُ عِنْدَ أُمِّهِ (وَلَوْ كَبِرَ) لِحَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُ، وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَالنِّسَاءُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأُمُّهُ أَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ عُدِمَتْ أُمُّهُ فَأُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُقِرُّ مَنْ يَحْضُنُ) أَيْ: تَجِبُ حَضَانَتُهُ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ غَيْبَةٍ (بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، فَتَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى مَنْ يَلِيه، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ حَضَرَتْهُ أُمُّهُ لِتَتَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ وَنَحْوه؛ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ أَهْلِهِ وَتَتَوَلَّى مِنْ وَلَدِهَا، إذَا اُحْتُضِرَ مَا تَتَوَلَّاهُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَتَشْهَدُهُ فِي حَالِ نَزْعِهِ، وَتَشُدُّ لَحْيَيْهِ، وَتُوَجِّهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَتُشْرِفُ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى غَسْلَهُ وَتَجْهِيزَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.

стр. 3759

[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] (الْجِنَايَاتُ: جَمْعُ جِنَايَةٍ، وَهِيَ) لُغَةً: التَّعَدِّي عَلَى بَدَنٍ أَوْ مَالٍ، وَشَرْعًا: (التَّعَدِّي عَلَى الْبَدَنِ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا أَوْ مَالًا) وَتُسَمَّى الْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ: غَصْبًا وَسَرِقَةً وَخِيَانَةً وَإِتْلَافًا وَنَهْبًا (وَالْقَتْلُ ظُلْمًا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ) عِنْدَ اللَّهِ، وَدَرَجَتُهُ فِي الْعِظَمِ بِحَسَبِ مَفْسَدَتِهِ فِي نَفْسِهِ، فَقَتْلُ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ - وَقَدْ جَبَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقُلُوبَ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَطْفِهَا عَلَيْهِ وَخَصَّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ بِمَزِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي مَطْمَعِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَالِهِ - مِنْ أَقْبَحِ الظُّلْمِ وَأَشَدِّهِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَا سَبَبًا لِوُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُهُ ذَا رَحِمِهِ. وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الْقَتْلِ بِحَسَبِ قُبْحِهِ وَاسْتِحْقَاقِ مَنْ قَتَلَهُ لِلسَّعْيِ فِي إبْقَائِهِ، وَنَصِيحَتِهِ، وَلِهَذَا كَانَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، وَيَلِيهِ مَنْ قَتَلَ إمَامًا عَادِلًا أَوْ عَالِمًا يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِسْطِ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيَنْصَحُهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَزَاءَ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ عَمْدًا الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَغَضَبَ الْجَبَّارِ وَلَعْنَتَهُ، وَإِعْدَادَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ لَهُ، هَذَا مُوجِبُ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْوَاقِعَ بَعْدَ الْقَتْلِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا مَانِعٌ مِنْ نُفُوذِ ذَلِكَ الْجَزَاءِ (وَقَدْ جَرَى فِي تَوْبَتِهِ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا (خِلَافٌ كَبِيرٌ) بَيْنَ أَصْحَابِنَا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ ": وَهَلْ تَمْنَعُ تَوْبَةُ الْمُسْلِمِ مِنْهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، فَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا تَمْنَعُ التَّوْبَةُ مِنْ نُفُوذِهِ، رَأَوْا أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَمْ يَسْتَوْفِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَخَرَجَ مِنْهُمَا بِظِلَامَتِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ فِي

стр. 3760

دَارِ الْعَدْلِ. قَالُوا: وَمَا اسْتَوْفَاهُ الْوَارِثُ فَإِنَّمَا اسْتَوْفَى مَحْضَ حَقِّهِ الَّذِي خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ اسْتِيفَائِهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ، وَمَاذَا يَنْتَفِعُ الْمَقْتُولُ مِنْ اسْتِيفَاءِ وَارِثِهِ؟ وَأَيُّ اسْتِدْرَاكٍ لِظِلَامَتِهِ حَصَلَ لَهُ بِاسْتِيفَاءِ وَارِثِهِ؟ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ. إنَّ حَقَّ الْمَقْتُولِ لَا يَسْقُطُ بِاسْتِيفَاءِ الْوَارِثِ، سَوَاءٌ عَفَا أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ أَوْ قَتَلَ الْقَاتِلَ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَرَأَتْ طَائِفَةٌ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْوَارِثِ؛ فَإِنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا، وَاَلَّذِي جَنَاهُ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَتْ التَّوْبَةُ تَمْحُو أَثَرَ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ وَمَا هُوَ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الْقَتْلِ، فَكَيْفَ تَقْصُرُ عَنْ مَحْوِ أَثَرِ الْقَتْلِ؟ وَقَدْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ، وَجَعَلَهُمْ مِنْ خِيَارِ عِبَادِهِ، وَدَعَا الَّذِينَ حَرَّقُوا أَوْلِيَاءَهُ، وَفَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ إلَى التَّوْبَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذِهِ فِي حَقِّ التَّائِبِ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْكُفْرَ وَمَا دُونَهُ. قَالُوا: وَكَيْفَ يَتُوبُ الْعَبْدُ مِنْ الذَّنْبِ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ؟ هَذَا مَعْلُومٌ انْتِفَاؤُهُ فِي شَرْعِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ. قَالُوا: وَتَوْبَةُ هَذَا الْمُذْنِبِ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، فَأَقَامَ الشَّارِعُ وَارِثَهُ مَقَامَهُ، وَجَعَلَ تَسْلِيمَ النَّفْسِ إلَيْهِ كَتَسْلِيمِهَا إلَى الْمَقْتُولِ بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ لِوَارِثِهِ؛ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِ الْمُوَرِّثِ. (وَالتَّحْقِيقُ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (أَنَّ الْقَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ) ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ (حَقٌّ لِلَّهِ وَ) حَقٌّ (لِلْمَقْتُولِ وَ) حَقٌّ (لِوَلِيِّهِ) فَإِذَا سَلَّمَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إلَى الْوَلِيِّ نَدَمًا عَلَى مَا فَعَلَ، وَخَوْفًا مِنْ اللَّهِ، وَتَوْبَةً نَصُوحًا (فَحَقُّ اللَّهِ يَسْقُطُ بِتَوْبَتِهِ وَتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْوَلِيِّ، وَحَقُّ الْوَلِيِّ يَسْقُطُ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْعَفْوِ، وَيَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ الْمُحْسِنِ (وَيُصْلِحُ

стр. 3761

بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) وَلَا يَذْهَبُ حَقُّ هَذَا، وَلَا تَبْطُلُ تَوْبَةُ هَذَا. انْتَهَى (مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ) بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ. (وَالْقَتْلُ) فِعْلُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِزُهُوقِ النَّفْسِ، وهُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْبَدَنَ (ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ) ؛ أَيْ: أَصْنَافٍ. أَحَدُهَا: (عَمْدٌ يَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِهِ) دُونَ قَسِيمَيْهِ. وَالثَّانِي: (شِبْهُ عَمْدٍ) وَيُقَالُ: خَطَأُ الْعَمْدِ وَعَمْدُ الْخَطَأِ. (وَ) الثَّالِثُ: (خَطَأٌ) وَهَذَا تَقْسِيمُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، وَجَعَلَ شِبْهَ الْعَمْدِ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ، وَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا نَصٌّ فِي ثُبُوتِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَقَسَّمَهُ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُقْنِعِ " إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، فَزَادَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَلَّبَ النَّائِمُ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ، وَمَنْ يُقْتَلُ بِسَبَبٍ، كَحَفْرِ بِئْرٍ مُحَرَّمٍ، وَنَحْوِهِ مِنْ الصُّوَرِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ. (فَالْعَمْدُ) الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْقَوَدُ (أَنْ يَقْصِدَ) الْجَانِي (- مَنْ يَعْلَمُ - آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فَيَقْتُلُهُ بِمَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ (يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ) مُحَدَّدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ فَلَا قِصَاصَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ، أَوْ قَصَدَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا. (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْعَمْدِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْقَوَدُ (تِسْعُ صُوَرٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ. (أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ نُفُوذٌ) ؛ أَيْ: دُخُولٌ وَتَرَدُّدٌ فِي الْبَدَنِ، مِنْ حَدِيدٍ، كَسِكِّينٍ وَحَرْبَةٍ وَسَيْفٍ وَسِنَانٍ وَقَدُّومٍ (وَمِسَلَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، (أَوْ) مِنْ (غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْحَدِيدِ (كَشَوْكَةٍ) وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَعَظْمٍ، وَكَذَا نُحَاسٌ وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَنَحْوُهُ، فَإِذَا جَرَحَهُ فَمَاتَ بِهِ فَعَمْدٌ. (وَلَوْ) كَانَ جُرْحُهُ (صَغِيرًا كَشَرْطِ حَجَّامٍ) فَمَاتَ، وَلَوْ طَالَتْ عِلَّتُهُ مِنْهُ وَلَا عِلَّةَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ كَالْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ، بِدَلِيلِ

стр. 3762

مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ أَوْ أُنْمُلَتَهُ فَمَاتَ؛ وَرَبْطًا لِلْحُكْمِ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا، لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْحُكْمِ فِي آحَادِ صُوَرٍ مَظِنَّةٌ، بَلْ يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ، وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً، وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ؛ فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ، أَوْ كَانَ جَرَحَهُ بِشَيْءٍ صَغِيرٍ كَغَرْزِهِ بِإِبْرَةٍ أَوْ شَوْكَةٍ (فِي مَقْتَلٍ كَالْفُؤَادِ) ؛ أَيْ: الْقَلْبِ (وَالْخُصْيَتَيْنِ) وَالْخَاصِرَةِ وَالصُّدْغِ، وَأَصْلِ الْأُذُنِ (أَوْ لَا) يَكُونُ جَرَحَهُ فِي مَقْتَلٍ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فِي (فَخِذٍ وَيَدٍ فَتَطُولُ عِلَّتُهُ) مِنْ ذَلِكَ (أَوْ يَصِيرُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يَمُوتَ فِي الْحَالِ) فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِ الْجَانِي (وَلَوْ لَمْ يُدَاوِ مَجْرُوحٌ قَادِرٌ) عَلَى مُدَاوَاةِ (جُرْحِهِ) حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ وَلَا مُسْتَحَبٍّ. (وَمَنْ قَطَعَ) ؛ أَيْ: أَبَانَ سِلْعَةً خَطِرَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ مُكَلَّفٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ (أَوْ بَطَّ) ؛ أَيْ: شَرَطَ (سِلْعَةً) بِكَسْرِ السِّينِ، وَهِيَ غُدَّةٌ تَظْهَرُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا غُمِزَتْ بِالْيَدِ تَحَرَّكَتْ (خَطِرَةً) لِيُخْرِجَ مَا فِيهَا مِنْ مَادَّةٍ (مِنْ مُكَلَّفٍ بِلَا إذْنِهِ، فَمَاتَ) مِنْهُ (فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ جَرَحَهُ بِلَا إذْنِهِ جُرْحًا لَا يَجُوزُ لَهُ؛ فَكَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ حَيْثُ تَعَمَّدَهُ كَغَيْرِهِ، وَلَا قَوَدَ إنْ قَطَعَهَا أَوْ بَطَّهَا (وَلِيٌّ مِنْ مَجْنُونٍ وَصَغِيرٍ لِمَصْلَحَةٍ) وَمِثْلُهُ حَاكِمٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيَّهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ خَتَنَهُ فَمَاتَ. الصُّورَةُ (الثَّانِيَةُ: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ) كَبِيرٍ (فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ) الَّذِي تَتَّخِذُهُ الْعَرَبُ لِبُيُوتِهَا فِيهِ رِقَّةٌ وَرَشَاقَةٌ (لَا) بِمُثْقَلٍ (كَهُوَ) ؛ أَيْ: عَمُودَيْ الْفُسْطَاطِ نَصًّا. (وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا بَيْتُ الشَّعْرِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَأَنَّ الْعَمْدَ يَكُونُ بِمَا فَوْقَهُ،

стр. 3763

وَأَمَّا الْعَمُودُ الَّذِي تَتَّخِذُهُ التُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ لِخِيَامِهِمْ؛ فَالْقَتْلُ بِهِ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ يَضْرِبُهُ (بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ) لِثِقَلِهِ (مِنْ كُوذَيْنِ: وَهُوَ مَا يَدُقُّ بِهِ الدَّقَّاقُ الثِّيَابَ وَ) مِنْ (لُتٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ (نَوْعٌ مِنْ السِّلَاحِ) مَعْرُوفٌ (وَدَبُّوسٍ وَسِنْدَانِ) حَدَّادٍ (وَحَجَرٍ كَبِيرٍ وَلَوْ) كَانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ (فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ) فَيَمُوتُ؛ فَيُقَادُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَيَتَنَاوَلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] " وَقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْمُثْقَلَ الْكَبِيرَ يَقْتُلُ غَالِبًا؛ أَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ. وَأَمَّا حَدِيثُ: «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» فَالْمُرَادُ الْحَجَرُ الصَّغِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِالْعَصَا وَالسَّوْطِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا، أَوْ يَضْرِبُهُ (فِي مَقْتَلٍ) بِمُثْقَلٍ (دُونَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ يَضْرِبُهُ فِي حَالِ (ضَعْفِ قُوَّةٍ مِنْ مَرَضٍ وَصِغَرٍ وَكِبَرٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَإِعْيَاءٍ (بِدُونٍ بِذَلِكَ) كَحَجَرٍ صَغِيرٍ فَيَمُوتُ (أَوْ يُكَرِّرُ الضَّرْبَ) بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَعَصًا (وَخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ) حَتَّى يَمُوتَ (أَوْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا) مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَيَمُوتُ (أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ فَيَمُوتُ) فَفِيهِ كُلِّهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا (وَإِنْ قَالَ) جَانٍ (لَمْ أَقْصِدْ) بِذَلِكَ (قَتْلَهُ لَمْ يُصَدَّقْ) أَوْ ادَّعَى جَهْلَ الْمَرَضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. الصُّورَةُ (الثَّالِثَةُ: أَنْ يُلْقِيَهُ بِزُبْيَةِ أَسَدٍ) بِضَمِّ الزَّايِ؛ أَيْ: حَفِيرَتِهِ (وَنَحْوِهِ) كَنَمِرٍ فَيَقْتُلُهُ (أَوْ) يُلْقِيهِ (مَكْتُوفًا بِفَضَاءٍ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: الْأَسَدِ وَنَحْوِهِ، فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُلْقِيهِ (فِي مَضِيقٍ بِحَضْرَةِ حَيَّةٍ) فَيَقْتُلُهُ (أَوْ يُنْهِشُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (كَلْبًا أَوْ حَيَّةً)

стр. 3764

مِنْ الْقَوَاتِلِ (أَوْ يُلْسِعُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (عَقْرَبًا مِنْ) الْعَقَارِبِ (الْقَوَاتِلِ غَالِبًا) فَيَمُوتُ (فَيُقْتَلُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَالسَّبُعُ وَنَحْوُهُ كَالْآلَةِ لِلْآدَمِيِّ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ الْأَسَدُ وَنَحْوُهُ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ أَوْ سَبُعٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَلْبٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَسْبَعَةٍ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ، فَيَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا تَلِفَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا. تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُعْهَدْ وُصُولُ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ، أَوْ تُحْتَمَلُ زِيَادَةُ الْمَاءِ وَعَدَمُهَا فِيهِ، فَوَصَلَتْ إلَيْهِ الزِّيَادَةُ، وَمَاتَ بِهَا؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ زِيَادَةَ الْمَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَلْقَاهُ مَشْدُودًا، فَمَاتَ بِهِ؛ فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا. الصُّورَةُ (الرَّابِعَةُ: أَنْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ أَوْ نَارٍ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ) مِنْهُمَا إمَّا لِكَثْرَتِهِمَا أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ لِمَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كَانَ مَرْبُوطًا، أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجَ كَوْنُهُ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا (فَيَمُوتُ) فَيُقْتَلُ بِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بَعْدَ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إسْنَادُ الْقَتْلِ إلَيْهِ؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ عَمْدًا، وَكَذَا إنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ، وَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا، أَوْ سَدَّ الْمَنَافِذَ الَّتِي لِلْبَيْتِ حَتَّى اشْتَدَّ الدُّخَانُ وَضَاقَ بِهِ النَّفَسُ، أَوْ دَفَنَهُ حَيًّا، أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ عَالِمًا بِذَلِكَ فَمَاتَ؛ فَعَمْدٌ (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) التَّخَلُّصُ (فِيهِمَا) ؛ أَيْ: مَسْأَلَتَيْ إلْقَائِهِ فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ، فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ (هَدَرٌ) لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِمَوْتِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ "، وَالْحَاوِي " وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ ". وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (لَا أَنَّهُ يَضْمَنُهُ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) ، وَهِيَ مَا إذَا أَلْقَاهُ فِيمَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ (بِالدِّيَةِ خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ "؛ فَإِنَّهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ؛ أَيْ: أَلْقَاهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ؛ فَلَا قَوَدَ، وَيَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ

стр. 3765

الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَةُ الْمُلْقَى فِي الْمَاءِ أَوْ النَّارِ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى التَّخَلُّصِ أَوْ نَحْوُ هَذَا. الصُّورَةُ (الْخَامِسَةُ: أَنْ يَخْنُقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَيَمُوتُ؛ فَيُقْتَلُ بِهِ، سَوَاءٌ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ خُرَاطَةً، ثُمَّ عَلَّقَهُ فِي شَيْءٍ عَنْ الْأَرْضِ، فَيُخْنَقُ، فَيَمُوتُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ زَمَنٍ، كَمَا يُفْعَلُ بِنَحْوِ اللُّصُوصِ، أَوْ خَنَقَهُ بِيَدِهِ أَوْ نَحْوِ حَبْلٍ، وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ يَسُدُّ فَمَهُ، وَأَنْفَهُ) زَمَنًا يَمُوتُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً، فَيَمُوتُ (أَوْ بِعَصْرِ خُصْيَتَيْهِ زَمَنًا يَمُوتُ فِي مِثْلِهِ غَالِبًا، فَيَمُوتُ) فَيُقْتَلُ بِهِ لِمَا سَبَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ سَدُّ الْفَمِ، وَالْأَنْفِ جَمِيعًا، فَلَوْ سَدَّ أَحَدَهُمَا فَلَا قَوَدَ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَفُوتُ إلَّا بِسَدِّهِمَا، وَإِنْ كَانَ سَدَّ الْفَمَ، وَالْأَنْفَ، أَوْ عَصَرَ الْخُصْيَتَيْنِ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا إلَى الْغَايَةِ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ فِيهِ، فَمَاتَ فَهَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ. تَتِمَّةٌ: إذَا خَنَقَهُ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا. وَإِنْ تَنَفَّسَ الْمَخْنُوقُ، وَصَحَّ بَعْدَ الْخَنْقِ ثُمَّ مَاتَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْخَانِقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَرِئَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ. الصُّورَةُ (السَّادِسَةُ: أَنْ يَحْبِسَهُ، وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ) أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (فَيَمُوتُ جُوعًا، وَعَطَشًا لِزَمَنٍ يَمُوتُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا) فَيُقَادُ بِهِ (بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الطَّلَبِ عَلَيْهِ) ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالزَّمَنِ، وَالْحَالِ، فَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ إذَا عَطَّشَهُ يَمُوتُ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ، بِخِلَافِ زَمَنِ الْبَرْدِ، وَالِاعْتِدَالِ (وَإِلَّا) يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ (فَلَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ وَلَا حَدَّ، كَتَرْكِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْصُودِ ظُلْمًا (شَدَّ فَصْدِهِ) لِحُصُولِ مَوْتِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَتَسَبُّبِهِ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ مَنَعَهُ الْفَاصِدُ شَدَّ الْفَصْدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَبْسِهِ، وَمَنْعِهِ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ؛ فَيُقَادُ بِهِ (أَوْ يَمْنَعُهُ الدِّفْءَ فِي الْبَرْدِ الْمُهْلِكِ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فَيَمُوتُ؛ فَيُقَادُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِالْمَوْتِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَمَّدَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ تَعَمَّدَ الْقَتْلَ.

стр. 3766

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ كَانَ حَبَسَهُ مَعَ مَنْعِهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَنَحْوَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِيهَا غَالِبًا؛ فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي الْمُدَّةِ لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مُوجِبِهِ. الصُّورَةُ (السَّابِعَةُ: أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا) يَقْتُلُ غَالِبًا (لَا يَعْلَمُ بِهِ) شَارِبُهُ (أَوْ يَخْلِطَهُ بِطَعَامٍ، وَيُطْعِمَهُ) لِمَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ (أَوْ) يَخْلِطَهُ (بِطَعَامٍ أَكَلَهُ، فَيَأْكُلُهُ جَهْلًا) بِهِ (فَيَمُوتُ) فَيُقَادُ بِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِمُحَدَّدٍ، لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَبَشِيرُ بْنُ الْعَلَاءِ، فَلَمَّا مَاتَ بَشِيرٌ أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فَإِنْ عَلِمَ بِهِ) ؛ أَيْ: السُّمِّ (آكِلٌ مُكَلَّفٌ) فَهَدَرٌ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانَ الْآكِلُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ضَمِنَهُ، وَاضِعُ السُّمِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا عِبْرَةَ بِفِعْلِهِ (أَوْ خَلَطَهُ) ؛ أَيْ: السُّمَّ (بِطَعَامِ نَفْسِهِ، فَأَكَلَهُ أَحَدٌ بِلَا إذْنِهِ؛ فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَتَلَ نَفْسَهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا لِيَقَعَ فِيهِ اللِّصُّ إذَا دَخَلَ يَسْرِقُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْهُ فِي الْأَكْلِ، وَإِنْ كَانَ مَا سَقَاهُ لَهُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَقَتَلَهُ؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي السُّمِّ الْمُسْقَى لَهُ، هَلْ يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ لَا -، وَثَمَّ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمَا عُمِلَ بِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوِي الْخِبْرَةِ، وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: إنَّ ذَلِكَ السُّمَّ يَقْتُلُ النِّصْفَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ عُمِلَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. الصُّورَةُ (الثَّامِنَةُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ) يَعْلَمُ أَنَّهُ (يَقْتُلُ غَالِبًا) فَيُقْتَلُ بِهِ - أَيْ: قَوَدًا - كَمَا فِي الْمُنْتَهَى " لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: يُقْتَلُ حَدًّا بِالسَّيْفِ فِي مِفْصَلِ عُنُقِهِ، وَتَجِبُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ فِي تَرِكَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " فَإِنْ كَانَ السُّمُّ أَوْ السِّحْرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ،

стр. 3767

وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ حُكْمُ الْمِعْيَانِ، وَالْقَاتِلِ بِالْحَالِ (وَمَتَى ادَّعَى قَاتِلٌ بِسُمٍّ أَوْ سِحْرٍ عَدَمَ عِلْمِهِ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: السُّمَّ أَوْ السِّحْرَ (قَاتِلٌ) لَمْ يُقْتَلْ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الْجُرْحَ يَقْتُلُهُ. أَوْ ادَّعَى قَاتِلٌ بِسُمٍّ أَوْ سِحْرٍ (جَهْلَ مَرَضٍ) يَقْتُلُ مَعَهُ السُّمُّ أَوْ السِّحْرُ، وَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ، وَكَانَ مَرِيضًا فَمَاتَ، وَادَّعَى الضَّارِبُ جَهْلَ مَرَضٍ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (، وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَرَضُهُ خَفِيًّا) لَا يُدْرَكُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. الصُّورَةُ (التَّاسِعَةُ: أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ) فَأَكْثَرَ (عَلَى شَخْصٍ بِقَتْلٍ عَمْدٍ أَوْ بِرِدَّةٍ حَيْثُ امْتَنَعَتْ تَوْبَتُهُ) كَأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ أَوْ سَاحِرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، أَوْ يَشْهَدَ (أَرْبَعَةٌ) فَأَكْثَرُ (بِزِنَا مُحْصَنٍ، فَيُقْتَلُ) بِشَهَادَتِهِمْ (ثُمَّ تَرْجِعُ الْبَيِّنَةُ، وَتَقُولُ: عَمَدْنَا قَتْلَهُ، أَوْ يَقُولُ الْحَاكِمُ: عَلِمْت بِكَذِبِهِمَا أَوْ كِذْبَهُمْ، وَعَمَدْت قَتْلَهُ، أَوْ) يَقُولُ (الْوَلِيُّ عَلِمْت كِذْبَهُمَا، وَعَمَدْت قَتْلَهُ؛ فَيُقَادُ بِذَلِكَ) كُلِّهِ، وَشِبْهِهِ، بِشَرْطِ الْقَوَدِ الْآتِي فِي بَابِهِ؛ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَطَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبِ يَقْتُلُ غَالِبًا أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ. (وَلَا قَوَدَ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَ) لَا عَلَى (حَاكِمٍ مَعَ مُبَاشَرَةٍ وَلِيٍّ) عَالِمٍ بِالْحَالِ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَغَيْرُهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ التَّسَبُّبِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ.

стр. 3768

(، وَيَخْتَصُّ بِهِ) ؛ أَيْ: الْقِصَاصَ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ الْوَلِيُّ الْقَتْلَ (مَعَ عَمْدِ الْجَمِيعِ) يَخْتَصُّ (مُبَاشِرٌ عَالِمٌ) أَقَرَّ بِالْعِلْمِ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا؛ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ عَمْدًا ظُلْمًا بِلَا إكْرَاهٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ ذَلِكَ (فَوَلِيٌّ) أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ، وَفَسَادِ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا؛ لِمَا سَبَقَ فَإِنْ جَهِلَ الْوَلِيُّ ذَلِكَ (فَبَيِّنَةٌ، وَحَاكِمٌ) عَلِمَ كَذِبَهَا؛ لِتَسَبُّبِ الْجَمِيعِ فِي الْقَتْلِ ظُلْمًا حَيْثُ عَلِمُوا ذَلِكَ (وَمَتَى لَزِمَتْ حَاكِمًا، وَبَيِّنَةَ دِيَةٍ) كَأَنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ (عَلَى عَدَدِهِمْ، وَالْحَاكِمُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ) ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي التَّسَبُّبِ. (وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ) شُهُودٍ (ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ: عَمَدْنَا) قَتْلَهُ، وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ (أَخْطَأْنَا؛ فَلَا قَوَدَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِتَمَامِ النِّصَابِ بِدُونِهِ (وَعَلَى مَنْ قَالَ) مِنْهُمْ (عَمَدْنَا، حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَ (عَلَى الْآخَرِ) حِصَّتُهُ (مِنْ) الدِّيَةِ (الْمُخَفَّفَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى إقْرَارِهِ، وَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ (مِنْ اثْنَيْنِ) : عَمَدْت، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْت (لَزِمَ الْمُقِرَّ بِعَمْدِ الْقَوَدُ، وَالْآخَرَ نِصْفُ الدِّيَةِ) مُؤَاخَذَةً لِكُلٍّ بِإِقْرَارِهِ (وَلَوْ قَالَ كُلٌّ) مِنْ اثْنَيْنِ (عَمَدْت، وَأَخْطَأَ شَرِيكِي) فَعَلَيْهِمَا (الْقَوَدُ) ؛ لِاعْتِرَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ. (وَلَوْ رَجَعَ، وَلِيٌّ وَبَيِّنَةٌ؛ ضَمِنَهُ، وَلِيُّ) ، وَحْدَهُ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَمَنْ جَعَلَ فِي حَلْقِ مَنْ) ؛ أَيْ: إنْسَانٍ (تَحْتَهُ، وَنَحْوَهُ خِرَاطَةً حَجَرًا) ؛ أَيْ: حَبْلًا، وَنَحْوَهُ مَعْقُودًا بِصِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ (وَشَدَّهَا بِ) شَيْءٍ (عَالٍ، ثُمَّ أَزَالَ مَا تَحْتَهُ) مِنْ حَجَرٍ، وَنَحْوَهُ شَخْصٌ (آخَرُ) غَيْرُ الَّذِي جَعَلَ الْخِرَاطَةَ فِي حَلْقِهِ (عَمْدًا) ؛ أَيْ: مُتَعَمِّدًا إزَالَتَهُ مِنْ تَحْتِهِ (فَمَاتَ) (فَإِنْ جَهِلَهَا) ؛ أَيْ: الْخِرَاطَةَ بِحَلْقِهِ (مُزِيلٌ، وَدَاهُ) ؛ أَيْ: أَدَّى دِيَةَ الْقَتِيلِ (مِنْ مَالِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ الْخِرَاطَةَ بِحَلْقِهِ، وَأَزَالَ مَا تَحْتَهُ (قُتِلَ بِهِ) ، وَلَا شَيْءَ عَلَى جَاعِلِ الْخِرَاطَةِ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ.

стр. 3769

(، وَيَتَّجِهُ لَوْ أَزَالَهَا) ؛ أَيْ: الْحَجَرَ (غَيْرُ آدَمِيٍّ) كَبَهِيمَةٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ رِيحٍ (ضَمِنَ الْأَوَّلُ) ، وَهُوَ جَاعِلُ الْخِرَاطَةِ فِي حَلْقِهِ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ هُنَا تَضْمِينُ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُتَسَبِّبُ، فَضَمِنَ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ دَمُ الْمَعْصُومِ هَدَرًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ شَدَّ عَلَى ظَهْرِهِ قِرْبَةً مَنْفُوخَةً، وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ) ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ (فَخَرَقَهَا آخَرُ) فَخَرَجَ الْهَوَاءُ (فَغَرِقَ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ، وَالْأَوَّلُ مُتَسَبِّبٌ. (فَرْعٌ: اخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (أَنَّ الدَّالَّ) عَلَى الْمَقْتُولِ لِيُقْتَلَ ظُلْمًا (يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ إنْ تَعَمَّدَ) ، وَعَلِمَ الْحَالَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: إذَا تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْمُبَاشِرِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْأَصْلُ (وَإِلَّا) يَتَعَمَّدْ الدَّالُّ فَعَلَيْهِ (الدِّيَةُ) ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا (أَنَّ الْآمِرَ) بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ (لَا يَرِثُ) مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ لَهُ تَسَبُّبًا فِي الْقَتْلِ. [فَصْلٌ قَتْلَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَيُسَمَّى خَطَأَ الْعَمْدِ وَعَمْدَ الْخَطَإِ] فَصْلٌ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَيُسَمَّى: خَطَأَ الْعَمْدِ، وَعَمْدَ الْخَطَإِ) ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ (أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِبًا، وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةَ (كَمَنْ ضَرَبَ) شَخْصًا (بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ) إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا كَقَلَمٍ، وَأُصْبُعٍ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ أَوْ يَمَسُّهُ بِالْكَبِيرِ بِلَا ضَرْبٍ؛ فَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ (أَوْ لَكَزَ) غَيْرَهُ بِيَدِهِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ

стр. 3770

(أَوْ لَكَمَ غَيْرَهُ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ سَحَرَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَمَاتَ، أَوْ صَاحَ بِعَاقِلٍ اغْتَفَلَهُ أَوْ بِصَغِيرٍ أَوْ مَعْتُوهٍ، لَا إنْ) صَاحَ (بِمُكَلَّفٍ عَلَى سَطْحٍ، فَسَقَطَ، فَمَاتَ) أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَنَحْوَهُ (فَفِيهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ بِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ (الْكَفَّارَةُ فِي مَالِ جَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَالْخَطَأُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ (وَ) فِيهِ (الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] "، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَأَوْجَبَ دِيَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهِيَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ [فَصْلٌ قَتْلُ الْخَطَأ ضَرْبَانِ] فَصْلٌ (وَالْخَطَأُ) (ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ) مِنْهُمَا (فِي الْقَصْدِ، وَهُوَ) ؛ أَيْ: الضَّرْبُ الْمَذْكُورُ (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْمِيَ مَا يَظُنُّهُ صَيْدًا) فَيَقْتُلَ إنْسَانًا، أَوْ يَرْمِيَ مَنْ يَظُنُّهُ (مُبَاحَ الدَّمِ) كَحَرْبِيٍّ، وَمُرْتَدٍّ فَيَقْتُلُ مَعْصُومًا (فَيَبِينُ) مَا ظَنَّهُ صَيْدًا (آدَمِيًّا مَعْصُومًا، أَوْ يَفْعَلُ مَا لَهُ فِعْلُهُ) كَقَطْعِ لَحْمٍ (فَيَقْتُلُ إنْسَانًا، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْقَتْلَ صَغِيرٌ أَوْ) يَتَعَمَّدُهُ (مَجْنُونٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمَا، فَعَمْدُهُمَا كَخَطَإِ الْمُكَلَّفِ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ اخْتِيَارًا (فَفِي مَالِهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ خَطَأً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا (الْكَفَّارَةُ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) لِمَا سَبَقَ، وَإِذَا فَعَلَ (مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ كَأَنْ يَرْمِيَ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا فَيَقْتُلَ آدَمِيًّا، فَيُقْتَلُ بِهِ نَصًّا) قَالَهُ الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَهُوَ

стр. 3771

ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَخَرَّجَهُ الْمُوَفَّقُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِيمَنْ رَمَى نَصْرَانِيًّا فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ، أَنَّهُ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلِهِ: وَالْخَطَأُ كَرَمْيِ صَيْدٍ أَوْ غَرَضٍ أَوْ شَخْصٍ، وَلَوْ مَعْصُومًا، أَوْ بَهِيمَةٍ، وَلَوْ مُحْتَرَمَةً، فَيُصِيبُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا لَمْ يَقْصِدْهُ، انْتَهَى؛ أَيْ: فَلَا يُقَادُ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ آدَمِيًّا لَمْ يَقْصِدْهُ. قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ، وَمَيْلُ الْمُصَنِّفِ إلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ، " لَكِنَّ مَيْلَ صَاحِبِ " الْإِنْصَافِ " إلَى الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ مَفْهُومُ " الْمُنْتَهَى ". (وَمَنْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ قَتَلْت صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، وَأَمْكَنَ) ذَلِكَ بِأَنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ حَالَ صِغَرِهِ أَوْ عُهِدَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُودَ الْقَوَدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَكَذَا لَوْ ثَبَتَ زَوَالُ عَقْلِهِ، وَقَالَ: كُنْت مَجْنُونًا، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ سَكْرَانُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مَا ادَّعَاهُ لَمْ يُقْبَلْ. تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَتَلَ، وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ الْجِنَايَةِ عَاقِلًا، سَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ. وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَدُّ زِنًا أَوْ حَدُّ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ بِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ جُنَّ؛ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَالَ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ عَنْ ذَلِكَ يَمْنَعُ إقَامَتَهُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، وَالسَّكْرَانُ وَشَبَهُهُ كَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ، كَمَنْ يَشْرَبُ الْأَدْوِيَةَ الْمُخَبِّثَةَ، إذَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِذَا وَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ؛ فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحِّضِ حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْلَى [؛ وَلِأَنَّهُ يَقْضِي إلَى أَنْ يَصِيرَ عِصْيَانُهُ] سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ (الثَّانِي) : مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ (أَنْ يَقْتُلَ بِدَارِ الْحَرْبِ) مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، فَيَبِينُ مُسْلِمًا (أَوْ) يَقْتُلُ بِ (صَفِّ كُفَّارٍ مَنْ ظَنَّهُ حَرْبِيًّا فَبَانَ مُسْلِمًا) لَمْ يَقْصِدْ، (أَوْ)

стр. 3772

يَرْمِي وُجُوبًا (كُفَّارًا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ، وَيَجِبُ) رَمْيُهُمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِهِ (حَيْثُ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَرْمِهِمْ، فَيَقْصِدُهُمْ) ؛ أَيْ: الْكُفَّارَ بِالرَّمْيِ (دُونَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ (فَيَقْتُلُهُ) بِلَا قَصْدٍ (فَفِيهِ) ؛ أَيْ: هَذَا النَّوْعِ (الْكَفَّارَةُ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً، وَتَرَكَ ذِكْرَهَا فِي هَذَا النَّوْعِ مَعَ ذِكْرِهَا فِيمَا قَبْلَهُ، وَبَعْدَهُ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ، كَالْأَسِيرِ، وَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ (وَقَفَ بِصَفِّهِمْ اخْتِيَارًا) مِنْهُ، فَقُتِلَ (فَهَدَرٌ) لَا يُضْمَنُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ بِلَا عُذْرٍ. أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (الضَّرْبُ الثَّانِي) : مِنْ ضَرْبَيْ الْخَطَإِ: خَطَأٌ [فِي الْفِعْلِ] (وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا، فَيُصِيبَ آدَمِيًّا) مَعْصُومًا اعْتَرَضَهُ (لَمْ يَقْصِدْهُ، أَوْ يَنْقَلِبَ نَحْوَ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (عَلَى إنْسَانٍ، فَيَمُوتُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) فِي مَالِهِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَطَإِ (لَكِنْ لَوْ كَانَ الرَّامِي ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ بَيْنَ رَمْيٍ وَإِصَابَةٍ؛ ضَمِنَ الْمَقْتُولَ فِي مَالِهِ) لِمُبَايَنَتِهِ دِينَ عَاقِلَتِهِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ضَيَاعُ دِيَةِ الْمَقْتُولِ، فَوَجَبَتْ هِيَ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْجَانِي. (، وَمَنْ قُتِلَ بِسَبَبٍ كَحَفْرِ بِئْرٍ، وَنَصْبِ نَحْوِ سِكِّينٍ، وَحَجَرٍ تَعَدِّيًا، إنْ قَصَدَ جِنَايَةً فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَصْدِ كَالْعَمْدِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ خَطَأٌ (وَإِلَّا) يَقْصِدْ جِنَايَةً فَهُوَ (خَطَأٌ) لِعَدَمِ قَصْدِ الْجِنَايَةِ. (، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّةِ مُحَرَّمٌ، وَجِنَايَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ (فَلَوْ قَتَلَتْ مُمْسِكَهَا مِنْ مُدَّعِي مَشْيَخَةٍ، فَقَاتِلٌ نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهَا مَا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) كَالْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، [ (وَ) أَمَّا إمْسَاكُ] الْحَيَّةِ (مَعَ ظَنِّ

стр. 3773

أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ حَتَّى بَشِمَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ مِنْ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ يَضِيعُ هَدَرًا، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَنَظِيرُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا، مِنْ الْمَشْيِ فِي الْهَوَاءِ عَلَى الْحِبَالِ، وَالْجَرْيِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَرْبَابُ الْبَطَالَةِ وَالشَّطَارَةِ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا إعَانَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ. . (وَمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ قَوَدًا بِبَيِّنَةٍ) بِالْقَتْلِ لَا بِإِقْرَارِهِ (فَقَالَ شَخْصٌ: أَنَا الْقَاتِلُ لَا هَذَا؛ فَلَا قَوَدَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَعَلَى مُقِرٍّ الدِّيَةُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ رَجُلًا فِي خَرِبَةٍ، وَتَرَكَهُ وَهَرَبَ، وَكَانَ قَصَّابٌ قَدْ ذَبَحَ شَاةً، وَأَرَادَ ذَبْحَ الْأُخْرَى فَهَرَبَتْ مِنْهُ إلَى الْخَرِبَةِ، فَتَبِعَهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَتِيلِ، وَالسِّكِّينُ بِيَدِهِ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ، فَأُخِذَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَجِيءَ بِهِ إلَى عُمَرَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ فِي نَفْسِهِ: يَا وَيْلَهُ قَتَلْتُ نَفْسًا، وَيُقْتَلُ بِسَبَبِي آخَرُ، فَقَامَ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا، وَدَرَأَ عَنْهُ الْقِصَاصَ؛ وَلِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ الثَّانِي؛ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لَهَا (وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي بَعْدَ إقْرَارِ الْأَوَّلِ؛ قُتِلَ الْأَوَّلُ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَمُصَادَفَتِهِ الدَّعْوَى. (وَ) فِي " الْمُغْنِي " (لَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ الثَّانِي، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ الْأُولَى) لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى، وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُمَا، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الثَّانِي بِالدِّيَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ انْتَهَى [فَصْلٌ يُقْتَلُ الْعَدَدُ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ بِوَاحِدٍ قَتَلُوهُ] فَصْلٌ (وَيُقْتَلُ الْعَدَدُ) ؛ أَيْ: مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ (بِوَاحِدٍ) قَتَلُوهُ (إنْ صَلَحَ فِعْلُ كُلٍّ) مِنْهُمْ (لِلْقَتْلِ بِهِ) لَوْ انْفَرَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قُتِلَ بِهِ انْفَكَّ عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْقِصَاصُ فِي الْجَمَاعَةِ

стр. 3774

بِالْوَاحِدِ لَبَطَلَتْ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ؛ فَوَجَبَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَالدِّيَةِ، أَنَّ الدَّمَ لَا يَتَبَعَّضُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ (وَإِلَّا) يَصْلُحْ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْقَتْلِ بِهِ (وَلَا تَوَاطُؤَ) ؛ أَيْ: تَوَافُقَ عَلَى قَتْلِهِ، بِأَنْ ضَرَبَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَجَرٍ صَغِيرٍ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، (فَلَا) قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَا يُوجِبُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ؛ قُتِلُوا بِهِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنَازُعِ إلَى الْقَتْلِ بِهِ، وَتَفُوتُ حِكْمَةُ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ. (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِمْ (مَعَ عَفْوٍ) عَنْ قَوَدٍ (أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ) لِأَنَّ الْقَتِيلَ وَاحِدٌ؛ فَلَا يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلُوهُ خَطَأً. (وَإِنْ جَرَحَ وَاحِدٌ) شَخْصًا (جُرْحًا وَ) جَرَحَهُ (آخَرُ مِائَةً) ، وَمَاتَ، أَوْ أَوْضَحَهُ أَحَدُهُمَا، وَشَجَّهُ آمَّةً، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَجَافَهُ الْآخَرُ (فَ) هُمَا (سَوَاءٌ فِي الْقَتْلِ) ؛ أَيْ: فِي الْقِصَاصِ (وَالدِّيَةِ) لِصَلَاحِيَةِ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْقَتْلِ لَوْ انْفَرَدَ، وَزَهُوقُ نَفْسِهِ حَصَلَ بِفِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالزَّهُوقُ لَا يَتَبَعَّضُ لِيُقْسَمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا التَّسَاوِيَ؛ لِإِفْضَاءِ سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرَكِينَ؛ إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَإِنْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ) بِأَنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَدَهُ، وَآخَرُ رِجْلَهُ، وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ، فَمَاتَ؛ فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ، فَيَأْخُذَ مِنْهُمَا ثُلُثَيْهَا، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، (فَ) إنْ (بَرِئَ جُرْحُ أَحَدِهِمْ، وَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ فَلِوَلِيٍّ قَوَدٌ مِمَّنْ بَرِئَ جُرْحُهُ بِمِثْلِهِ) ؛ أَيْ:

стр. 3775

بِمِثْلِ جُرْحِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْرُكْهُ أَحَدٌ (وَقَتَلَ الْآخَرَيْنِ) ؛ لِانْفِرَادِهِمَا بِالْقَتْلِ (أَوْ) قَتَلَ (أَحَدَهُمَا، وَأَخَذَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ) ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرِئَ جُرْحُهُ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ، ثُمَّ يَفْعَلَ مَعَ الْآخَرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ: الْجَارِحَيْنِ (بُرْءَ جُرْحِهِ فَكَذَّبَهُ وَلِيٌّ) فِي دَعْوَاهُ أَنْ جُرْحَهُ بَرِئَ قَبْلَ مَوْتِ مَجْرُوحٍ؛ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَإِلَّا) يُكَذِّبْهُ الْوَلِيُّ بَلْ صَدَّقَهُ؛ ثَبَتَ حُكْمُ الْبُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَلِيِّ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَ (لَمْ يَمْلِكْ قَتْلَهُ [وَلَا] طَلَبَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ) ؛ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، (بَلْ) لِلْوَلِيِّ الطَّلَبُ (بِأَرْشِ الْجُرْحِ أَوْ الْقَوَدِ) بِأَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْجَارِحِ، وَلَا الْوَلِيِّ الْمُصَدِّقِ لَهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ فَلَهُ قَتْلُهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْجَارِحُ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبُرْءَ. (وَإِنْ شَهِدَ) لَهُ (شَرِيكَاهُ بِبُرْءِ جُرْحِهِ لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ شَهَادَتِهِمَا، فَيُؤَاخَذَانِ بِهِ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْهُمَا (إنْ صَدَّقَهُمَا وَلِيٌّ، وَإِلَّا) يُصَدِّقْهُمَا وَلِيٌّ (فَثُلُثَاهَا) ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِشَرِيكِهِمَا فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْفَعُ عَنْهُمَا ضَرَرًا، وَلَا تَجْلِبُ نَفْعًا، وَمَحَلُّ قَبُولِهَا إنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعَدَلَا، وَإِلَّا فَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِعَدَمِ سِرَايَةِ جُرْحِهِ، وَيَتَعَيَّنُ أَرْشُ الْجُرْحِ دُونَ الْقِصَاصِ مَعَ تَكْذِيبِ الْوَلِيِّ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ. (وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ) يَدَهُ (مِنْ كُوعٍ ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ مِنْ مِرْفَقٍ) ، فَمَاتَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَرِئَ الْأَوَّلُ) قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي (فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) لِأَنَّ جِنَايَةَ الْأَوَّلِ قَدْ انْقَطَعَتْ سِرَايَتُهَا بِالِانْدِمَالِ؛ فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ فِي الثَّانِي بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (وَإِلَّا) يَبْرَأْ الْأَوَّلُ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي (فَهُمَا) سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا قَطْعَانِ مَاتَ بَعْدَهُمَا؛ فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَدَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا انْدَمَلَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ أَلِمِهِ. (وَإِنْ فَعَلَ وَاحِدٌ مَا) ؛ أَيْ: فِعْلًا (لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ) عَادَةً (كَقَطْعِ

стр. 3776

حَشْوَتِهِ) ؛ أَيْ: إبَانَةِ أَمْعَائِهِ (لَا خَرْقِهَا) فَقَطْ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ (أَوْ قَطْعِ مَرِيئَهُ) ؛ أَيْ: مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ (أَوْ) قَطْعِ (وَدَجَيْهِ) ؛ أَيْ: الْعِرْقَيْنِ فِي جَانِبِ الْعُنُقِ (ثُمَّ ذَبَحَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ) هُوَ (الْأَوَّلُ) ؛ لِفِعْلِهِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ شَيْئًا مِنْ الزَّمَانِ (وَيُضَرَّرُ الثَّانِي كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ) ؛ لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَتَهُ (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَفْعُولِ بِهِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (لَوْ كَانَ قِنًّا) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَصَحِيحٍ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ وَارِثُهُ، وَاعْتِبَارُ كَلَامِهِ فِي غَيْرِ تَبَرُّعٍ، عَايَنَ الْمِلْكَ أَوْ لَا. (وَإِنْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ الثَّانِي بِمُحَدَّدٍ، فَقَدَّهُ) فَهُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَيْأَسُ فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ وَاحِدٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ (أَوْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ) أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ؛ أَوْ أُمَّ دِمَاغِهِ، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِي؛ فَهُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ الْأَوَّلَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ (أَوْ قَطَعَ) الْأَوَّلُ (طَرَفَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِي؛ فَهُوَ الْقَاتِلُ) لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ بِخِلَافِ الثَّانِي (وَعَلَى الْأَوَّلِ مُوجَبُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (جِرَاحَتِهِ) ؛ أَيْ: الْأَرْشِ الَّذِي تُوجِبُهُ جِرَاحَتُهُ عَلَى مَا يَأْتِي مُفَصَّلًا؛ لِتَعَدِّيهِ بِهَا. (وَمِنْ رُمِيَ) بِضَمِّ الرَّاءِ (فِي لُجَّةٍ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ) أَوْ تِمْسَاحٌ، فَابْتَلَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ (فَالْقَوَدُ عَلَى رَامِيهِ) مَعَ كَثْرَةِ الْمَاءِ؛ لِإِبْقَائِهِ إيَّاهُ فِي مُهْلِكَةٍ هَلَكَ بِهَا بِلَا وَاسِطَةٍ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِالْغَرَقِ، أَوْ هَلَكَ بِوُقُوعِهِ عَلَى صَخْرَةٍ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الرَّامِي إنْ كَانَ الْمَرْمِيُّ (غَيْرَ سَابِحٍ) أَمَّا إذَا كَانَ مُتْقِنًا لِصَنْعَةِ السِّبَاحَةِ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِالْخُرُوجِ حَتَّى هَلَكَ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى رَامِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَانَ مُفَرِّطًا. (أَوْ رَمَاهُ لِحَرْبِيٍّ لِقَتْلٍ) ؛ أَيْ: لِيَقْتُلَ الْحَرْبِيُّ ذَلِكَ الْمَرْمِيَّ (فَقَتَلَهُ) الْحَرْبِيُّ؛ فَالْقَوَدُ عَلَى رَامِيهِ دُونَ الْحَرْبِيِّ، إذْ الْحَرْبِيُّ مُهْدَرُ الدَّمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ لَوْ رَمَاهُ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ لِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى قَاتِلِهِ دُونَ رَامِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ هُنَا مُتَسَبِّبٌ، وَالْقَاتِلَ مُبَاشِرٌ،

стр. 3777

وَيُحْبَسُ الرَّامِي حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّهُ حَبَسَ الْمَقْتُولَ بِرَمْيِهِ لَهُ إلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ إنْ عَلِمَ) رَامِيهِ (بِالْحُوتِ) أَوْ التِّمْسَاحِ (فَكَذَلِكَ) ؛ أَيْ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِمَا سَبَقَ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ الرَّامِي بِالْحُوتِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ؛ فَالدِّيَةُ (أَوْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بِفَضَاءٍ غَيْرِ مُسْبِعٍ، فَمَرَّتْ بِهِ دَابَّةٌ، فَقَتَلَتْهُ؛ [فَالدِّيَةُ] ) وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا. (وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفًا عَلَى قَتْلِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) فَفَعَلَ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْقَوَدُ، (أَوْ) أَكْرَهَهُ (عَلَى أَنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ (فَفَعَلَ؛ فَعَلَى كُلٍّ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (الْقَوَدُ) أَمَّا الْآمِرُ فَلِتَسَبُّبِهِ إلَى الْقَتْلِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، كَمَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ أَسَدًا أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، وَأَمَّا الْقَاتِلُ؛ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْلُوبِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ اسْتِبْقَاءَ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ، وَلَوْ كَانَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَأْثَمْ كَالْمَجْنُونِ، (وَ) إنْ كَانَ الَّذِي أُكْرِهَ (عَلَى) قَتْلِهِ (غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَ) قَوْلِهِ: اُقْتُلْ (هَذَا أَوْ هَذَا؛ فَلَا إكْرَاهَ) فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ، (وَ) قَوْلُ قَادِرٍ عَلَى مَا هَدَّدَ بِهِ غَيْرَهُ (اُقْتُلْ نَفْسَك، وَإِلَّا قَتَلْتُك، إكْرَاهٌ) عَلَى الْقَتْلِ؛ فَيُقْتَلُ بِهِ إنْ قَتَلَ نَفْسَهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ. (وَمَنْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مُكَلَّفًا يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ كَمَنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَقَتَلَ؛ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ، [أَجْنَبِيًّا كَانَ الْمَأْمُورُ] أَوْ عَبْدًا لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ، لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحَظْرِ الْقَتْلِ؛ فَهُوَ مُعْتَقِدٌ إبَاحَتَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَهُ صَيْدًا فَرَمَاهُ فَقَتَلَ إنْسَانًا، وَلِأَنَّ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ الرَّدْعُ

стр. 3778

وَالزَّجْرُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي مُعْتَقِدِ الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَجَبَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ آلَةٌ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ، كَمَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً فَقَتَلَتْهُ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا عَلِمَ حَظْرَ الْقَتْلِ؛ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ الْآمِرِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ. (أَوْ) أَمَرَ بِالْقَتْلِ (صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) فَقَتَلَ؛ لَزِمَ الْقِصَاصُ الْآمِرَ لِمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ أَمَرَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ [ (سُلْطَانٌ ظُلْمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ] (لَزِمَ الْآمِرَ فَقَطْ الْقَوَدُ) دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ مَعْذُورٌ؛ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْحَقِّ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ فِي الْقَتْلِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا يُطَاعُ حَتَّى يَعْلَمَ جَوَازَ قَتْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لَهُ مَعْصِيَةً، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ، فَهَذَا الْجَهْلُ بِعَدَمِ الْحِلِّ كَالْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْمَأْمُورُ (الْمُكَلَّفُ تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (لَزِمَهُ) الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ؛ لِحَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ، وَحَدِيثِ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوُلَاةِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ أَوْ غَيْرَهُ. (وَ) حَيْثُ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَأْمُورِ (أُدِّبَ آمِرُهُ) بِمَا يَرْدَعُهُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ؛ لِيَنْكَفَّ عَنْ الْعَوْدِ لَهُ. (وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَرَى الْقَتْلَ دُونَ مَأْمُورٍ، كَمُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا، وَحُرٍّ) قَتَلَ (عَبْدًا) فَقَتَلَهُ، (فَ) قَالَ الْقَاضِي: (الضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ. قَالَ الْمُوَفَّقُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْقَاتِلُ (عَامِّيًّا) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ، وَالْمُقَلِّدِ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ الْإِمَامِ فِيمَا رَآهُ (وَعَكْسُهُ)

стр. 3779

بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَالْقَاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ؛ (فَ) الضَّمَانُ (عَلَى الْآمِرِ) كَمَا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ. (وَمَنْ دَفَعَ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَصَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ (آلَةَ قَتْلٍ) كَسَيْفٍ، وَسِكِّينٍ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ) الدَّافِعُ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (فَقَتَلَ) بِالْآلَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الدَّافِعَ) لِلْآلَةِ (شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ، قُتِلَ الْآمِرُ، وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ وَقَعَ هُوَ) ؛ أَيْ: غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَاحِ (فَعَلَى عَاقِلَةِ دَافِعِ) ذَلِكَ (الدِّيَةُ) كَالْخَطَإِ (كَذَا قِيلَ) ؛ أَيْ: قَالَ شَارِحُ " الْمُنْتَهَى " فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ. وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ إتْلَافَ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ لِمَا أُودِعُوهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ سَلَّطَهُمْ عَلَى مَالِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ سِكِّينًا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَمَاتَ؛ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الدَّافِعِ انْتَهَى. ، وَكَأَنَّهُ قَاسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ: فِيمَنْ أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا؛ فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ أَرْكَبَهُمَا، وبِهَذَا الْوَجْهِ جَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ دِيَتَهُمَا فِي مَالِ مَنْ أَرْكَبَهُمَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ تَصَادُمَهُمَا إثْرَ رُكُوبِهِمَا، وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَوَجَبَ إضَافَةُ الْقَتْلِ إلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا. (وَمَنْ أَمَرَ قِنَّ غَيْرِهِ بِقَتْلِ قِنٍّ نَفْسِهِ) فَفَعَلَ (أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى قَتْلِ قِنٍّ نَفْسِهِ، فَفَعَلَ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْآمِرَ فِي نَظِيرِ قِنِّهِ مِنْ قِصَاصٍ، وَلَا قِيمَةٍ؛ لِإِذْنِهِ فِي إتْلَافِ مَالِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ (وَ) مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: (اُقْتُلْنِي) فَفَعَلَ فَهَدَرٌ، (أَوْ) قَالَ لَهُ: (اجْرَحْنِي.، وَيَتَّجِهُ لَا) . إنْ كَانَ قَوْلُهُ لَهُ: اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي (هُزُؤًا، أَوْ) كَانَ قَوْلُهُ لَهُ ذَلِكَ؛ (مَزْحًا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَفَعَلَ فَهَدَرٌ) نَصًّا؛ لِإِذْنِهِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا،

стр. 3780

كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَتَاعِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ (وَيَأْثَمُ) مَقُولٌ لَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ، وَ (كَ) ذَا لَوْ قَالَ لَهُ: (اُقْتُلْنِي) أَوْ اجْرَحْنِي (وإلَّا قَتَلْتُك) فَفَعَلَ؛ فَهَدَرٌ (وَلَا إثْمَ هُنَا) ؛ أَيْ: فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ أَذَنَهُ فِي إتْلَافِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي إتْلَافِ مَالِهِ. (وَلَوْ قَالَهُ) ؛ أَيْ: اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي، وَإِلَّا قَتَلْتُك (قِنٌّ) فَفَعَلَ الْمَقُولُ لَهُ (ضَمِنَ) ؛ أَيْ: ضَمِنَهُ الْقَاتِلُ (لِسَيِّدِهِ بِقِيمَتِهِ) أَوْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَ الْقِنِّ فِي إتْلَافِ نَفْسِهِ لَا يَسْرِي عَلَى سَيِّدِهِ. [فَصْلٌ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ] فَصْلٌ (وَمَنْ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ، لَا لِلَعِبٍ، وَنَحْوِهِ) كَضَرْبٍ (فَقَتَلَهُ، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ، فَمَاتَ، أَوْ فَتَحَ فَمَهُ حَتَّى سَقَاهُ) الْآخَرُ (سُمًّا) فَمَاتَ (قُتِلَ قَاتِلٌ) قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَحُبِسَ مُمْسِكٌ حَتَّى يَمُوتَ) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَالْوَجِيزُ وَالْمُنَوِّرُ "، وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ "، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَاتِهِمْ وَالشِّيرَازِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، (وَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ (يُطْعَمُ وَيُسْقَى) خِلَافًا " لِلْمُبْدِعِ "، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ؛ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» . وَلِأَنَّهُ حَبَسَ إلَى الْمَوْتِ فَيُحْبَسُ الْآخَرُ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ الْمُمْسِكُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (يَقْتُلُهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِفِعْلِهِ، وَلَا بِأَثَرِ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْجَارِحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ جُرْحِهِ الْمَقْصُودِ لَهُ. (وَمَنْ قَطَعَ طَرَفَ هَارِبٍ مِنْ الْقَتْلِ ظُلْمًا، فَحُبِسَ حَتَّى أَدْرَكَهُ قَاتِلُهُ)

стр. 3781

فَقَتَلَهُ (أُقِيدَ مِنْهُ) فِي طَرَفِهِ، سَوَاءٌ حَبَسَهُ لِيَقْتُلَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا (وَهُوَ) ؛ أَيْ: قَاطِعُ الطَّرَفِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ (فِي النَّفْسِ كَمُمْسِكٍ) إنْسَانًا لِآخَرَ حَتَّى قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَبَسَهُ لِلْقَتْلِ صَارَ كَأَنَّهُ أَمْسَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حَبْسَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ فَقَطْ، كَمَنْ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ قَصْدَ الْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ ولَمْ تَعْتَبِرُوا إرَادَةَ الْقَتْلِ فِي الْجَارِحِ؟ قُلْنَا: إذَا مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ فَقَدْ مَاتَ مِنْ سِرَايَتِهِ، وَأَثَرِهِ؛ فَيُعْتَبَرُ قَصْدُ الْجُرْحِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الْأَثَرِ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنَّمَا كَانَ مَوْتُهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ السِّرَايَةِ، وَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ، فَاعْتُبِرَ قَصْدُهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ (وَلَوْ قَتَلَ الْوَلِيُّ الْمُمْسِكَ فَقَالَ الْقَاضِي) : يَجِبُ (عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي قَتْلِهِ (وَخَالَفَهُ الْمَجْدُ) لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي قَتْلِهِ، وَهِيَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ (وَهُوَ حَسَنٌ) ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ "، وَادَّعَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا. (وَإِنْ اشْتَرَكَ عَدَدٌ فِي قَتْلٍ لَا يُقَادُ بِهِ الْبَعْضُ) الْمُشَارِكُ (لَوْ انْفَرَدَ) بِالْقَتْلِ (كَحُرٍّ، وَقِنٍّ) اشْتَرَكَا (فِي قَتْلِ قِنٍّ، وَكَمُسْلِمٍ، وَكَافِرٍ) اشْتَرَكَا (فِي قَتْلِ كَافِرٍ، وَكَأَبٍ) ، وَأَجْنَبِيٍّ فِي قَتْلِ وَلَدِهِ، (أَوْ، وَلِيٍّ مُقْتَصٍّ، وَأَجْنَبِيٍّ) لَا حَقَّ لَهُ فِي الْقِصَاصِ فِي قَتْلِ مَنْ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ (وَكَخَاطِئٍ، وَعَامِدٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ (وَكَمُكَلَّفٍ، وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ مُكَلَّفٍ، وَ (سَبُعٍ، أَوْ) مُكَلَّفٍ، وَ (مَقْتُولٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ نَفْسِهِ (فَالْقَوَدُ عَلَى قِنٍّ) شَارَكَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ عَنْ الْحُرِّ؛ لِعَدَمِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ، (وَ) الْقَوَدُ أَيْضًا عَلَى (شَرِيكِ أَبٍ) فِي قَتْلِ وَلَدِهِ؛ لِمُشَارَكَتِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ؛ فَلَا يُمْنَعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْأُمُّ، وَالْجَدُّ، وَالْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَوْا. (وَ) الْقَوَدُ

стр. 3782

أَيْضًا عَلَى كَافِرٍ اشْتَرَكَ مَعَ (مُسْلِمٍ) فِي قَتْلِ كَافِرٍ (كَ) مَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى (مُكْرَهٍ) ، وَمُكْرَهَةٍ (أَبًا) أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ جَدَّةً (عَلَى قَتْلِ وَلَدِهِ) ، وَإِنْ سَفَلَ، دُونَ الْأَبِ، وَنَحْوِهِ (وَعَلَى شَرِيكِ قِنٍّ) فِي قَتْلِ قِنٍّ (نِصْفُ قِيمَةِ) قِنٍّ (قَتِيلٍ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي إتْلَافِهِ؛ فَلَزِمَهُ بِقِسْطِهِ (وَعَلَى شَرِيكِ غَيْرِ أَبٍ، وَقِنٍّ فِي) قَتْلِ (حُرٍّ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَفِي) قَتْلِ (قِنٍّ نِصْفُ قِيمَتِهِ) كَالشَّرِيكِ فِي إتْلَافِ مَالٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ عَلَى الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَمَحَّضْ عُدْوَانًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا لَزِمَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي إتْلَافٍ فَلَزِمَ الْقِسْطُ، لَكِنْ تَجِبُ فِي مَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي فَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَاطِئِ، وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي مَسْأَلَتِهِمَا. (وَمَنْ جُرِحَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَمْدًا، فَدَاوَاهُ) ؛ أَيْ: دَاوَى الْمَجْرُوحُ جُرْحَهُ (بِسُمٍّ) قَاتِلٍ، فَمَاتَ فِي الْحَالِ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى جَارِحِهِ؛ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جُرِحَ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، أَوْ جُرِحَ (فَخَاطَهُ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ) فَمَاتَ؛ فَكَذَلِكَ. (، وَيَتَّجِهُ) وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُ الْمَجْرُوحِ بِإِذْنِهِ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ، أَوْ دَاوَاهُ بِسُمٍّ (وَلَمْ يَتَعَمَّدْ) فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْجَارِحِ، وَلَا الْخَائِطِ أَوْ الْمُدَاوِي؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ مُدَاوَاةَ النَّفْسِ، فَكَانَ فِعْلُهُ عَمْدَ خَطَأٍ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَمَّدَ خَائِطٌ أَوْ مُدَاوٍ الْخِيَاطَةَ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ أَوْ الْمُدَاوَاةَ بِالسُّمِّ (قُتِلَا) ؛ أَيْ: الْجَارِحُ أَوْ الْمُدَاوِي، أَوْ الْخَائِطُ؛ لِصَلَاحِيَةِ فِعْلِهِمَا الْقَتْلَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِيُّهُ) ؛ أَيْ: دَاوَاهُ بِسُمٍّ

стр. 3783

قَاتِلٍ أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ؛ فَلَا قَوَدَ (أَوْ) فَعَلَ ذَلِكَ (الْحَاكِمُ فَمَاتَ) مِنْ ذَلِكَ (فَلَا قَتْلَ عَلَى جَارِحِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ إنْ أَوْجَبَ الْجُرْحُ قِصَاصًا اُسْتُوْفِيَ) ؛ أَيْ: اسْتَوْفَاهُ، وَلِيُّهُ مِنْ جَارِحِهِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ (وَإِلَّا) يُوجِبْ الْجُرْحُ قِصَاصًا (أَخَذَ) الْوَارِثُ (أَرْشَهُ) إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. [بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ] (شُرُوطُ الْقِصَاصِ) :؛ أَيْ: الْقَوَدِ، وَهِيَ (أَرْبَعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ. (أَحَدُهَا: تَكْلِيفُ قَاتِلٍ) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا قَاصِدًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَصَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَمَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، كَقَاتِلٍ خَطَأً. (، وَيَتَّجِهُ، وَ) يُعْتَبَرُ (عِلْمُهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ (بِتَحْرِيمِ) الْقَتْلِ (فَلَا يُقْتَلُ قَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ) بِقَتْلِهِ مَعْصُومًا؛ لِاعْتِقَادِهِ إبَاحَتَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الْقِصَاصَ،

стр. 3784

وَهَذَا الِاتِّجَاهُ صَرَّحَ فِي آخِرِ الْبَابِ بِمَا يُخَالِفُهُ فَلْيُتَفَطَّنْ لَهُ. (ثَانِيهَا) أَيْ: الشُّرُوطِ (عِصْمَةُ مَقْتُولٍ، وَلَوْ) كَانَ (مُسْتَحَقًّا دَمُهُ بِقَتْلٍ لِغَيْرِ قَاتِلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ فِيهِ يُبِيحُ دَمَهُ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ (فَالْقَاتِلُ لِحَرْبِيٍّ) لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، (أَوْ) الْقَاتِلُ (لِمُرْتَدٍّ قَبْلَ تَوْبَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ؛ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَا إنْ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ إنْ كَانَتْ (تُقْبَلُ) ظَاهِرًا؛ فَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، (أَوْ) الْقَاتِلُ (لِزَانٍ مُحْصَنٍ، وَلَوْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا أَوْ الْإِحْصَانِ (عِنْدَ حَاكِمٍ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ زَنَى مُحْصَنًا بَعْدَ قَتْلِهِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ الَّتِي أَبَاحَتْ دَمَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ، وَبَعْدَهُ عَلَى السَّوَاءِ، (وَ) الْمُرَادُ إذَا (لَمْ يَتُبْ) قَبْلَ الْقَتْلِ، أَمَّا إذَا تَابَ قَبْلَ الْقَتْلِ فَيَصِيرُ مَعْصُومًا، وَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ، وَهَذِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَصْلَيْهِ، وَهُوَ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا؛ إذْ الْمَذْهَبُ، وَلَوْ تَابَ لَا يَعُودُ مَعْصُومًا بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَ (لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (وَلَوْ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (مِثْلُهُ) ؛ أَيْ: مِثْلُ الْمَقْتُولِ فِي عَدَمِ الْعِصْمَةِ بِأَنْ قَتَلَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا، أَوْ مُرْتَدٌّ مُرْتَدًّا، أَوْ زَانٍ مُحْصَنٌ زَانِيًا مُحْصَنًا، أَوْ قَتَلَ مُرْتَدٌّ حَرْبِيًّا، وَعَكْسُهُ، وَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ بِقَتْلِ قَاطِعِ طَرِيقٍ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي نَفْسٍ، وَلَا بِقَطْعِ طَرَفٍ لِوَاحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِيمَا دُونَهَا (وَيُعَزَّرُ) لِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ (غَيْرِ حَرْبِيٍّ)

стр. 3785

لِافْتِئَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ بِكُلِّ حَالٍ، أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. (وَمَنْ قَطَعَ طَرَفَ مُرْتَدٍّ) فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، (أَوْ) قَطَعَ طَرَفَ (حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ) فَهَدَرٌ (أَوْ رَمَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ (فَأَسْلَمَ) بَعْدَ رَمْيِهِ (ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الرَّمْيُ) بَعْدَ إسْلَامِهِ (فَمَاتَ؛ فَهَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ الْجَانِي بَعْدَ إسْلَامِهِ فِعْلٌ، وَإِنَّمَا الْمَوْتُ أَثَرُ فِعْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَكَذَا أَثَرُهُ (وَمَنْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ طَرَفٍ (مِنْ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ ثُمَّ مَاتَ) مُرْتَدًّا (فَلَا قَوَدَ) عَلَى الْقَاطِعِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ، وَلَا فِي الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا لَمْ يَجِبْ بِهِ قَتْلٌ؛ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ مِفْصَلٍ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، أَوْ دِيَةِ مَا قَطَعَ) مِنْ طَرَفٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى (يَسْتَوْفِيهِ) ؛ أَيْ: مَا وَجَبَ بِذَلِكَ (الْإِمَامُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ "، وَالرِّعَايَتَيْنِ "، وَالْحَاوِي " ". (وَيَتَّجِهُ) أَنْ يَكُونَ اسْتِيفَاءُ الْإِمَامِ (لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتِيفَاؤُهُ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ (وَلَوْ مَعَ) وُجُودِ (وَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إرْثِهِ مِنْهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ عَادَ) مُرْتَدٌّ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ (لِلْإِسْلَامِ، وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهُ إلَيْهِ (بَعْدَ زَمَنٍ تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ) ، وَمَاتَ مُسْلِمًا (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَالْمَوْتِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَاحْتِمَالُ السِّرَايَةِ حَالَ الرِّدَّةِ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ بِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسًا مَعْصُومَةً
следующие страницы →