Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ (وَكَذَا نَفَقَةٌ تَعَجَّلَتْهَا) بِأَنْ دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، أَوْ بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّهَا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ مَا بَقِيَ (لَكِنْ لَا يَرْجِعُ) زَوْجٌ عَجَّلَ نَفَقَةً (بِبَقِيَّةِ يَوْمِ الْفُرْقَةِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِطُلُوعِ نَهَارِهِ، فَإِنْ أَعَادَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ.
ثَانِيًا اسْتَظْهَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (إلَّا عَلَى نَاشِزٍ) فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ قَبَضَتْ نَفَقَتَهُ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَاقِيهِ، لِتَمَكُّنِهَا مِنْ طَاعَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا (وَيُرْجَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى زَوْجَةٍ (بِ) بَقِيَّةِ (نَفَقَتِهَا مِنْ مَالٍ غَائِبٍ بَعْدَ إبَانَةٍ) مِنْ حِينِهَا أَيْ: الْإِبَانَةِ؛ لِارْتِفَاعِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِإِبَانَتِهِ إيَّاهَا؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَقَضَاءِ وَكِيلٍ حَقًّا يَظُنُّهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَبَانَ أَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَنْفَقَتْ فِي غَيْبَتِهِ، وَبَانَ مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ لِمَا سَبَقَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ، وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ وَرَجَعَ وَالْمَانِحُ وَأَهْلُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ غَابَ) عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً (وَلَمْ يُنْفِقْ) عَلَيْهَا فِيهَا (لَزِمَهُ) نَفَقَةُ الزَّمَنِ (الْمَاضِي) لِاسْتِقْرَارِهَا فِي ذِمَّتِهِ (وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ (بِخِلَافِ نَفَقَةِ قَرِيبٍ) فَإِنَّهَا صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا يَسَارُ الْمُنْفِقِ وَإِعْسَارُ مَنْ تَجِبُ لَهُ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ حَاضِرٌ، وَالذِّمِّيَّةُ فِيمَا يَجِبُ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ كَالْمُسْلِمَةِ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ.
стр. 3712
[فَصْلٌ مُطَلَّقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى]
فَصْلٌ
(وَ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ) كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى، لَا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهَا، طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ؛ أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
(وَبَائِنٌ حَامِلٌ كَزَوْجَةٍ إلَّا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُ الْمُبِينِ، فَلَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِنْفَاقٍ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ كَأُجْرَةِ الرَّضَاعِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا لَمْ يَزِدْ بَقَاؤُهَا حَامِلًا عَلَى أَكْثَرِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهَا، وَلَمْ تَضَعْهُ؛ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، لِعَدَمِ لُحُوقِهِ بِهِ
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ) لُوعِنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِ بِلِعَانِهَا إذَنْ (إلَى أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ آخَرَ بَعْدَ وَضْعِهِ) فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ (فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ (إلَّا إنْ اسْتَلْحَقَهُ) الْمُلَاعِنُ بَعْدَ نَفْيِهِ (فَ) يَلْحَقُهُ وَ (تَرْجِعُ) عَلَيْهِ (الْأُمُّ بِمَا أَنْفَقَتْهُ) وَبِأُجْرَةِ السَّكَنِ وَالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْهُ ثُمَّ عَلِمَهُ.
(وَمَنْ أَنْفَقَ) عَلَى بَائِنٍ مِنْهُ (يَظُنُّهَا حَامِلًا، فَبَانَتْ حَائِلًا) غَيْرَ حَامِلٍ (رَجَعَ) عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا لِأَخْذِهَا مِنْهُ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، كَأَخْذِ دَيْنٍ ادَّعَاهُ، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُ، وَكَذَا إنْ ادَّعَتْهُ رَجْعِيَّتُهُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ رَجَعَ بِالزَّائِدِ.
(وَمَنْ تَرَكَهُ) أَيْ الْإِنْفَاقَ عَلَى مُبَانَةٍ (يَظُنُّهَا حَائِلًا، فَبَانَتْ حَامِلًا، لَزِمَهُ)
стр. 3713
نَفَقَةُ (مَا مَضَى) لِتَبَيُّنِ اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِيهِ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهَا كَالدَّيْنِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى مُبِينٍ تَرَكَهُ يَظُنُّهَا حَائِلًا فَبَانَتْ حَامِلًا إذَا كَانَ مُوسِرًا حَاضِرًا (لَا) إنْ كَانَ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ مِنْ غَائِبٍ (أَوْ) حَاضِرٍ (مُعْسِرٍ وَلَمْ تُفْرَضْ) أَيْ: لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ، فَلَا تَلْزَمُهُ (أَوْ لَمْ تُنْفِقْ) الزَّوْجَةُ (بِنِيَّةِ) رُجُوعٍ؛ بَلْ مُتَبَرِّعَةٍ أَوْ لَمْ تَنْوِ شَيْئًا، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَتْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا، لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) أَيْ: مُبَايَنَةٌ وَنَحْوُهَا (ادَّعَتْ حَمْلًا) دُونَ ثَلَاثِ أَشْهُرٍ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (إنْفَاقُ تَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَنٍ ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ) مِنْهُ (فَإِنْ مَضَتْ) الثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يَبِنْ) الْحَمْلُ كَأَنْ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ فَقُلْنَ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ (أَوْ حَاضَتْ) وَلَوْ قَبْلَ مُضِيِّهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا) بِنَظِيرِ مَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِغَيْرِهِ شَرَطَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَإِنْ ادَّعَتْ حَمْلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَادَةً بَعْدَهَا، (فَإِنْ شَهِدَتْ بِهَا الْقَوَابِلُ، أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ نَفَقَةٍ فِي نِكَاحٍ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ) لِنَحْوِ رَضَاعٍ أَوْ عِدَّةٍ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالِاتِّفَاقِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) فَهُوَ مُفَرِّطٌ؛ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (وَ) بِخِلَافِ نَفَقَةٍ (عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ) لَمْ نَأْذَنْ (فَلَا رُجُوعَ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
(وَالنَّفَقَةُ) عَلَى الْحَامِلِ (لِلْحَمْلِ) نَفْسِهِ، لَا لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ؛ قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْت: فَلَوْ مَاتَ بِبَطْنِهَا انْقَطَعَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ لِمَيِّتٍ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِنَاشِزٍ حَامِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ فَلَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ
стр. 3714
(وَ) تَجِبُ (لِحَامِلٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِلُحُوقِ نَسَبِهِ فِيهِمَا (وَ) لِحَامِلٍ فِي (مِلْكِ يَمِينٍ وَلَوْ أَعْتَقَهَا) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى وَارِثٍ) حَمْلٌ (مِنْ زَوْجٍ) أَوْ سَيِّدٍ أَوْ وَاطِئٍ بِشُبْهَةِ (مَيِّتٍ) لِلْقَرَابَةِ، (وَ) تَجِبُ نَفَقَةُ حَامِلٍ (مِنْ مَالٍ حَمْلٍ مُوسِرٍ) بِأَنْ كَانَ قَدْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ وَقَبِلَهُ لَهُ أَبُوهُ (فَتَسْقُطُ عَنْ أَبِيهِ) وَعَنْ وَارِثَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا. وَالْمُوسِرُ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ
(وَلَوْ تَلِفَتْ) نَفَقَةُ حَامِلٍ بِلَا تَفْرِيطٍ (وَجَبَ) عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (بَدَلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ؛ فَلَا تَضْمَنُهَا (وَلَا فِطْرَةَ لَهَا) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَالْحَمْلُ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ.
(وَيَصِحُّ جَعْلُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا، وَلِأَنَّهَا الَّتِي تَقْبِضُهَا وَتَسْتَحِقُّهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أُجْرَةُ رَضَاعِهَا إيَّاهُ، وَهِيَ الْآخِذُ لَهَا.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى زَوْجِ رَقِيقٍ) لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حُرًّا، فَنَفَقَتُهُ عَلَى وَارِثِهِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَعَلَى مَالِكِهِ (أَوْ مُعْسِرٍ أَوْ غَائِبٍ) أَيْ: لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ حَمْلِهِ، بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَالْمَوْلُودِ.
(وَلَا) تَجِبُ نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى وَارِثِ) الْحَمْلِ كَأَخِيهِ (مَعَ عُسْرِ زَوْجٍ) هُوَ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْأَبِ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَبِ لِإِعْسَارِهِ. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: بَلْ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْحَمْلِ كَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ؛ لِأَنَّ عَمُودَيْ النَّسَبِ تَجِبُ عَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ وَإِنْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ كَمَا يَأْتِي.
(وَتَسْقُطُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ (مَا لَمْ تَسْتَدِنْ) حَامِلٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَوْ كَانَتْ اسْتِدَانَتُهَا (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ) فَتَرْجِعُ؛ لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ. نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ الْإِمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ، (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى "
стр. 3715
وَالْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُمَا قَالَا: مَا لَمْ تَسْتَدِنْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ. وَهَذَا الْقَيْدُ تَبِعَا فِيهِ صَاحِبَ " التَّنْقِيحِ " وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّجِهٌ صَحِيحٌ (أَوْ تُنْفِقُ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ فَتَرْجِعُ؛ لِأَنَّهَا صَنَعَتْ مَعْرُوفًا بِأَدَائِهَا مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهُ.
(وَإِنْ وُطِئَتْ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُطَلِّقِ وَالْوَاطِئِ (فَنَفَقَتُهَا حَتَّى تَضَعَ عَلَيْهَا، لَا عَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَهُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْأَبُ مِنْهُمَا (وَلَا تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا) إذَا تَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ (كَبَائِنٍ مُعْتَدَّةٍ) وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ (بِمَا أَنْفَقَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْحَمْلِ مِنْهُ لَا مُتَبَرِّعًا، فَإِذَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مَلَكَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الْوَاطِئِ دُونَ زَوْجِهَا، إذْ الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ، فَلَوْلَا سُقُوطُ نَفَقَتِهَا بِالْحَمْلِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَرَجَعَتْ عَلَى مُطَلِّقِهَا بِنَفَقَتِهَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا زَوْجَةُ الْكَافِرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ ثَبَتَتْ مِنْ حِينِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ. أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
(وَلَا نَفَقَةَ لِبَائِنٍ غَيْرِ حَامِلٍ) لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ لَهَا وَكِيلَهُ بِشَعْرٍ فَخَطَّتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:
стр. 3716
لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اُنْظُرِي يَا بِنْتَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّجْعَةُ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ وَالْحُمَيْدِيُّ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ، وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] .
(وَلَا نَفَقَةَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا) زَوْجُهَا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ تَجِبُ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ فَاتَ.
(وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ) ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِ (كَ) مَا نَقَلَهُ الْكَحَّالُ فِي (حَمْلِ أُمِّ الْوَلَدِ) فِي أَنَّهَا تُنْفِقُ مِنْ مَالِ حَمْلِهَا نَصًّا، وَاسْتَشْكَلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ يَشْهَدُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مُورِثِهِ، وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ حَيًّا يَتَبَيَّنُ بِهِ وُجُودُ ذَلِكَ، فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لَا سِيَّمَا وَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّهِ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) فِيمَا يُوهَمُ (وَعِبَارَتُهُ وَلَا نَفَقَةَ) لِبَائِنٍ غَيْرِ حَامِلٍ وَلَا مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَوْ لِأُمِّ وَلَدٍ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا نَقَلَهُ حَرْبٌ وَابْنُ بُخْتَانَ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ.
стр. 3717
[فَصْلٌ مَا يَلْزَم الزَّوْج مِنْ تُسَلِّمهُ زَوْجَته]
فَصْلٌ: (وَمَتَى تَسَلَّمَ) زَوْجٌ (مَنْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا) وَهِيَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (كَبِنْتِ تِسْعٍ) فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا (أَوْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: تُسَلِّمُ نَفْسَهَا لِلزَّوْجِ تَسْلِيمًا تَامًّا بِأَنْ لَا تُسَلِّمَ فِي مَكَان دُونَ آخَرَ، أَوْ: بَلَدٍ دُونَ آخَرَ (هِيَ أَوْ وَلِيٌّ لَهَا، وَيَتَّجِهُ) إنْ كَانَ الْبَذْلُ حَصَلَ مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْبَذْلِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِمَحَلِّ طَاعَتِهِ) أَيْ: بَذَلَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ شَاءَ مِمَّا يَلِيقُ بِهَا (وَلَوْ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ عُنَّتِهِ أَوْ جَبِّ ذَكَرِهِ) أَيْ: قَطْعَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِهِ (أَوْ) مَعَ (تَعَذُّرِ وَطْءٍ مِنْهَا لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ رَتْقٍ أَوْ لِقَرْنٍ أَوْ لِكَوْنِهَا نِضْوَةً) أَيْ: نَحِيفَةً (أَوْ مَرِيضَةً أَوْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ؛ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَيُجْبَرُ وَلِيٌّ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ عَلَى بَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ كَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ وَدُيُونِهِ (لَكِنْ لَوْ امْتَنَعَتْ) زَوْجَةٌ مِنْ بَذْلِ نَفْسِهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ (ثُمَّ مَرِضَتْ فَبَذَلَتْهُ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) مَا دَامَتْ مَرِيضَةً، عُقُوبَةً لَهَا بِمَنْعِهَا نَفْسَهَا فِي حَالٍ يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيهَا وَبَذْلِهَا فِيهَا فِي ضِدِّهَا.
(وَمَنْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: التَّسْلِيمَ (وَزَوْجُهَا غَائِبٌ فَلَا نَفَقَةَ، أَيْ: لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) حَاكِمٌ شَيْئًا (لَوْ. قُلْنَا بِهِ)
أَيْ: الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ زَوْجُهَا تَسَلُّمَهَا
стр. 3718
فِيهِ (حَتَّى يُرَاسَلَهُ حَاكِمٌ) بِأَنْ يَكْتُبَ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، فَيُعْلِمُهُ، وَيَسْتَدْعِيهِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) يُرَاسِلُهُ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ، كَمَا لَوْ رَاسَلَتْهُ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَوْ رَاسَلَتْهُ هِيَ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا (وَيَمْضِي زَمَنٌ يُمْكِنُ قُدُومُهُ) أَيْ: الْغَائِبِ (فِي مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. فَإِنْ سَارَ إلَيْهَا أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ حَمْلُهَا إلَيْهِ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ بِوُصُولِهِ أَوْ وُصُولِ وَكِيلِهِ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ وُصُولُهُ إلَيْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا؛ لِإِمْكَانِهِ وَبَذْلِهَا إيَّاهُ فَتَسْتَحِقُّ أَخْذَ نَفَقَتِهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
فَأَمَّا إنْ غَابَ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْكِينِهَا إيَّاهُ وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ؛ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُهُ، وَإِنْ تَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ الْمَجْنُونَةَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا وَلَوْ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهَا؛ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ وَالْعَاقِلَةِ. وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا. أَوْ مَنَعَهَا غَيْرُهَا وَلِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (بَعْدَ دُخُولٍ وَلَوْ لِقَبْضِ صَدَاقِهَا) الْحَالِّ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) وَكَذَا إنْ تَسَاكَنَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَبْذُلْ نَفْسَهَا هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا، وَلَمْ يَطْلُبْهَا الزَّوْجُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ طَالَ مُقَامُهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وَإِذَا فُقِدَ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا قَبْلَهُ أَيْ: الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ؛ فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا، قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ ثُمَّ لَا تُسَلِّمُ صَدَاقَهَا فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا إذَا اُسْتُوْفِيَ مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِثَمَنِهِ؛ فَإِنَّهُ
стр. 3719
يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ، وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِمَرَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ لِمَرَضِهَا؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَتِهَا فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِهَا.
(وَمَنْ سَلَّمَ أَمَتَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا فَ) هِيَ (كَحُرَّةٍ فِي نَفَقَةٍ) يَعْنِي فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا كَالْحُرَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْبَالِغِينَ، وَالْأَمَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِهِنَّ (وَلَوْ أَبَى زَوْجٌ) مِنْ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَجَبَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا كَالْحُرَّةِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَتَوَابِعَهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ كَالْمَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ أَنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْحُرِّ بِفَوَاتِ التَّمْكِينِ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ، وَحَيْثُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَمْلُوكِ؛ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِ النَّفَقَةِ.
(وَ) مَنْ سَلَّمَ أَمَتَهُ لِزَوْجِهَا (لَيْلًا فَقَطْ؛ فَنَفَقَةُ نَهَارٍ عَلَى سَيِّدٍ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فِيهِ فَتَكُونُ عَلَى سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ (وَ) نَفَقَةُ (لَيْلٍ كَعَشَاءٍ وَوِطَاءٍ وَغِطَاءٍ وَدُهْنِ مِصْبَاحٍ وَوِسَادَةٍ عَلَى زَوْجٍ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَاجَةِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَهِيَ مُسَلِّمَةٌ لَهُ فِيهِ (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّفَرُّغِ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَالِاحْتِيَاجِ لِلْإِينَاسِ، وَلِهَذَا كَانَ عِمَادُ قَسْمِ الزَّوْجَاتِ اللَّيْلَ (وَيَتَّجِهُ إلَّا) أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا (لِحَارِسٍ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا نَفَقَةَ لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ) غَيْرِ حَامِلٍ (مُكَلَّفَةٍ أَوْ لَا، وَلَوْ) كَانَ
стр. 3720
نُشُوزُهَا (بِتَزَوُّجِهَا فِي الْعِدَّةِ) الرَّجْعِيَّةِ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا لِلثَّانِي، وَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ عِدَّةُ الْأَوَّلِ، وَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ بِتَزَوُّجِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " (أَوْ حَبَسَهَا لَهُ) أَيْ: لِزَوْجِهَا (بِحَقِّهَا) عَلَيْهِ (مَعَ إعْسَارِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ حَبْسِهِ؛ لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ مَا حَبَسَتْهُ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ بُعْدُ الطَّلَبِ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ إذَا كَانَتْ بَاذِلَةً لِلتَّمْكِينِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا.
(وَتُشْطَرُ) النَّفَقَةُ (لِنَاشِزٍ لَيْلًا) بِأَنْ تُطِيعَ نَهَارًا وَتَمْتَنِعَ لَيْلًا (أَوْ نَاشِزٍ نَهَارًا) فَقَطْ بِأَنْ تُطِيعَهُ لَيْلًا وَتَعْصِيَهُ نَهَارًا؛ فَتُعْطَى نِصْفَ نَفَقَتِهَا (أَوْ) نَاشِزٍ (بَعْضَ أَحَدِهِمَا) أَيْ: اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ فَتُعْطَى نِصْفَ نَفَقَتِهَا أَيْضًا، لَا بِقَدْرِ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَزْمِنَةِ يَعْسُرُ جِدًّا.
(وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ) زَوْجَةٍ (مُرْتَدَّةٍ مَدْخُولٍ بِهَا) تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا (وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ مَجُوسِيَّةٍ) وَنَحْوِهَا (مُتَخَلِّفَةٍ) عَنْ زَوْجِهَا فِي عِدَّتِهَا بِأَنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا (وَلَوْ فِي غَيْبَةِ زَوْجٍ؛ تَلْزَمُهُ) نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ النَّفَقَةِ فِيهِمَا لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَسُقُوطِهَا بِالطَّلَاقِ، فَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، وَلَا تَلْزَمُ زَوْجًا غَائِبًا النَّفَقَةُ (إنْ أَطَاعَتْ نَاشِزٌ) فِي غَيْبَتِهِ (حَتَّى يَعْلَمَ) الزَّوْجُ بِطَاعَتِهَا (وَيَمْضِيَ مَا) أَيْ: زَمَنٌ (يَقْدُمُ) الزَّوْجُ (فِي مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّمْكِينِ؛ فَالْمَنْعُ مُسْتَمِرٌّ فِي جِهَتِهِ، فَإِذَا قَدِمَ وَعَلِمَ؛ عَادَتْ النَّفَقَةُ؛ لِحُصُولِ التَّمْكِينِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدُمْ وَمَضَى زَمَنٌ يَقْدُمُ فِي مِثْلِهِ؛ عَادَتْ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ حِينَئِذٍ مِنْ جِهَتِهِ.
стр. 3721
(وَلَا نَفَقَةَ لِمَنْ سَافَرَتْ بِلَا زَوْجٍ لِحَاجَتِهَا) وَلَوْ بِإِذْنِهِ، (أَوْ) سَافَرَتْ (لِنُزْهَةٍ) وَلَوْ بِإِذْنِهِ (أَوْ) سَافَرَتْ (لِزِيَارَةٍ وَلَوْ بِإِذْنِهِ) لِتَفْوِيتِهَا التَّمْكِينَ لِحَظِّ نَفْسِهَا وَقَضَاءِ إرْبِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا مُتَمَكِّنًا مِنْهَا (أَوْ) سَافَرَتْ (لِتَغْرِيبٍ) بِأَنْ زَنَتْ فَغُرِّبَتْ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَتْ الطَّرِيقَ فَشَرَدَتْ؛ فَلَا نَفَقَةَ؛ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ (أَوْ حُبِسَتْ) عَنْ زَوْجِهَا (وَلَوْ) كَانَ حَبْسُهَا (ظُلْمًا) فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا زَمَنَ حَبْسِهَا؛ لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ الْمُقَابِلِ لِلنَّفَقَةِ؛ لِلزَّوْجِ الْبَيْتُوتَةُ مَعَهَا فِي حَبْسِهَا؛ لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِالْبَيْتُوتَةِ مَعَهَا؛ فَلَا يَسْقُطُ بِحَبْسِهَا (أَوْ صَامَتْ لِكَفَّارَةٍ، أَوْ) صَامَتْ (لِقَضَاءِ رَمَضَانَ وَوَقْتِهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ (مُتَّسَعٌ.
وَيَتَّجِهُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا) قَضَاءُ صَوْمٍ (بِلَا إذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ صَامَتْ) نَفْلًا (أَوْ حَجَبَتْ نَفْلًا) فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا لِمَنْعِ نَفْسِهَا بِسَبَبٍ لَا مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ صَامَتْ (أَوْ) حَجَّتْ (نَذْرًا مُعَيَّنًا فِي وَقْتِهِ فِيهِمَا) أَيْ: الصَّوْمِ وَالْحَجِّ (بِلَا إذْنِهِ) ، وَلَوْ أَنَّ نَذْرَهُمَا بِإِذْنِهِ (لِتَفْوِيتِهَا حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا) بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَلَا نَدَبَهَا إلَيْهِ (بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَتْ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (بِحَجِّ فَرْضٍ وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ كَوْنِ الْإِحْرَامِ (مِنْ مِيقَاتٍ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مَعَهَا) فَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا الْمِيقَاتِ، أَوْ أَحْرَمَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ؛ فَكَالْمُحْرِمَةِ بِتَطَوُّعٍ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِفِعْلِهَا غَيْرَ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَقَدْرُهَا أَيْ: النَّفَقَةِ (فِيهِ) أَيْ: فِي سَفَرِهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ (كَ) نَفَقَةِ (حَضَرٍ) وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ عَلَيْهِ (أَوْ) أَحْرَمَتْ (بِمَكْتُوبَةِ) صَلَاةٍ (وَلَوْ بِأَوَّلِ وَقْتِهَا بِنَفْسِهَا) لِفِعْلِهَا، وَمَا
стр. 3722
أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَنَدَبَهَا، إلَيْهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ (أَوْ) سَافَرَتْ (لِحَاجَتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (بِإِذْنِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادَهُ؛ (أَوْ) طَرَدَهَا الزَّوْجُ وَ (أَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِوُجُودِ التَّمْكِينِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ (فِي بَذْلِ تَسْلِيمِ) زَوْجَةٍ لِزَوْجٍ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهِ) بِأَنْ قَالَتْ: بَذَلْت التَّسْلِيمَ مِنْ سَنَةٍ، فَقَالَ: بَلْ مِنْ شَهْرٍ (حَلَفَ) زَوْجٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْلِيمِ (وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي نُشُوزِهَا) بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّسْلِيمِ، حَلَفَتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، (وَ) كَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي (أَخْذِ نَفَقَةٍ) كَدَعْوَى الزَّوْجِ أَنَّهَا أَخَذَتْ نَفَقَتَهَا وَأَنْكَرَتْ (حَلَفَتْ) ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ مَثَلًا بِدَارِ أَبِيهَا، وَادَّعَتْ أَنَّهَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ (فِي النَّفَقَةِ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ رَاضِيَةً، وَإِنَّمَا تُطَالِبُهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ (وَيَتَّجِهُ) مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الْقَيِّمِ (هُوَ الصَّوَابُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْعَدْلِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ مَتَى أَعْسَرَ زَوْجٌ بِنَفَقَةِ مُعْسِرٍ فَلَمْ يَجِدْ الْقُوتَ أَوْ أَعْسَرَ بِكِسْوَتِهِ]
فَصْلٌ (وَمَتَى أَعْسَرَ) زَوْجٌ (بِنَفَقَةِ مُعْسِرٍ) فَلَمْ يَجِدْ الْقُوتَ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِكِسْوَتِهِ) أَيْ: الْمُعْسِرِ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِبَعْضِهِمَا) أَيْ: بَعْضِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ أَوْ بَعْضِ كِسْوَتِهِ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِمَسْكَنِهِ) أَيْ: الْمُعْسِرِ خُيِّرَتْ (أَوْ صَارَ) الزَّوْجُ (لَا يَجِدُ نَفَقَةً)
стр. 3723
لِزَوْجَتِهِ (لَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ خُيِّرَتْ) الزَّوْجَةُ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ الْغَالِبِ بِذَلِكَ بِهَا إذْ الْبَدَنُ لَا يَقُومُ بِدُونِ كِفَايَتِهِ (وَلَوْ غَيْرَ حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ) إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا حُرَّةً بَالِغَةً رَشِيدَةً أَوْ رَقِيقَةً أَوْ سَفِيهَةً أَوْ صَغِيرَةً (دُونَ سَيِّدِهَا أَوْ وَلِيِّهَا) فَلَا خِيرَةَ لَهُ؛ وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً؛ لِاخْتِصَاصِ الضَّرَرِ بِهَا (بَيْنَ فَسْخِ) نِكَاحِ الْمُعْسِرِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ، فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ وَقَالَ ﷺ : «امْرَأَتُك تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ،.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْعَجْزِ بِالْوَطْءِ فَتَمْلِكُ الْفَسْخَ (فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا) ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ خِيَارَ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ؛ (وَ) بَيْنَ مُقَامٍ مَعَهُ (مَعَ مَنْعِ نَفْسِهَا) بِأَنْ لَا تُمَكِّنُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ عِوَضُهُ (وَبِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ مَنْعِ نَفْسِهَا مِنْهُ بِأَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا (وَلَا يَمْنَعُهَا تَكَسُّبُ وَلَدِ مُوسِرَةٍ وَلَا يَحْبِسُهَا) مَعَ عُسْرَتِهِ إذَا لَمْ تَفْسَخْ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسَهَا إذَا كَفَاهَا الْمُؤْنَةَ وَأَغْنَاهَا عَمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ بِمَنْزِلِهِ) بَلْ لَهَا أَنْ تُقِيمَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَتْ حَيْثُ كَانَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَ الِاسْتِمْتَاعِ (وَلَهَا أَيْ: زَوْجَةِ الْمُعْسِرِ الْفَسْخُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ رِضَاهَا بِالْمُقَامِ مَعَهُ (وَكَذَا لَوْ قَالَتْ: رَضِيت بِعُسْرَتِهِ أَوْ تَزَوَّجْتُهُ عَالِمَةً بِهِ) أَيْ بِعُسْرَتِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ لِمَا يَتَجَدَّدُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ كُلَّ يَوْمٍ (أَوْ قَالَتْ أَسْقَطْت النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ كَذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ، قَبْلَ الْبَيْعِ، وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ أَوْ النَّفَقَةَ قَبْلَ النِّكَاحِ. (وَتَبْقَى نَفَقَةُ مُعْسِرٍ وَكِسْوَتُهُ وَمَسْكَنُهُ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ أَقَامَتْ) مَعَهُ
стр. 3724
(وَلَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا) مِنْهُ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) لِوُجُوبِهَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ كَالْأُجْرَةِ، وَيَسْقُطُ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ مُعْسِرٍ (وَمَنْ قَدَرَ يَكْتَسِبُ) مَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَتَرَكَهُ (أُجْبِرَ) كَالْمُفْلِسِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَأَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ) إجْبَارُهُ عَلَى اكْتِسَابٍ (فِي) عَمَلٍ (لَائِقٍ بِهِ) فَالتَّاجِرُ يُجْبَرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي التِّجَارَةِ، وَكُلُّ مُحْتَرِفٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ؛ فَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ الْجَيِّدَةِ تَعَاطِي حِرْفَةٍ رَزِيَّةٍ بِحَيْثُ يَضَعُ تَعَاطِيَهُ إيَّاهَا مِقْدَارَهُ عِنْدَ أَقْرَانِهِ كَالْبَزَّازِ يَتَعَاطَى الْكُسَاحَةَ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكْلِيفٌ فَوْقَ الْوُسْعِ، وَاَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَزْوَاجِ (كَسْبٌ) فِي بَعْضِ زَمَنِهِ (أَوْ) تَعَذَّرَ عَلَيْهِ (بَيْعٌ فِي بَعْضِ زَمَنِهِ) أَيَّامًا يَسِيرَةً؛ فَلَا فَسْخَ (أَوْ مَرِضَ) أَيَّامًا يَسِيرَةً، فَعَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ؛ فَلَا فَسْخَ لِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِرَاضُ إلَى زَوَالِ الْعَارِضِ (أَوْ عَجْزٍ عَنْ اقْتِرَاضٍ أَيَّامًا يَسِيرَةً عُرْفًا) فَلَا فَسْخَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ (أَوْ أَعْسَرَ) بِنَفَقَةِ (مَاضِيهِ) أَوْ أَعْسَرَ (بِنَفَقَةِ مُوسِرٍ أَوْ) بِنَفَقَةٍ (مُتَوَسِّطَةٍ أَوْ) أَعْسَرَ (بِأُدْمٍ أَوْ) أَعْسَرَ (بِنَفَقَةِ خَادِمٍ فَلَا فَسْخَ) لِإِمْكَانِ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ (وَتَبْقَى نَفَقَةُ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ) وَالْخَادِمِ (وَ) يَبْقَى (الْأُدْمُ) دَيْنًا (فِي ذِمَّتِهِ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا؛ فَلَهُ احْتِسَابُهُ مِنْ نَفَقَتِهَا إنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَإِلَّا فَلَا.
(وَمَنْ مَنَعَ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً أَوْ بَعْضَهُمَا) عَنْ زَوْجَتِهِ (وَقَدَرَتْ عَلَى) أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ (مَالِهِ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ (أَخَذَتْ كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ عُرْفًا) أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ.
стр. 3725
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَهَا أَخْذُ كِفَايَةِ وَلَدِهَا (الْمَجْنُونِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَحْصِيلِ مَا يَقْتَاتُ بِهِ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) أَخَذَتْ نَفَقَةَ (خَادِمِهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إذْنِهِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِنِي وَوَلَدِي خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ، وَلَا يُتِمُّهَا لَهَا؛ فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ؛ إذْ لَا غَنَاءَ عَنْهَا وَلَا قِوَامَ إلَّا بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ بِهَا إلَى الْحَاكِمِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ.
(وَلَا تَقْتَرِضُ) امْرَأَةٌ (لِوَلَدِهَا عَلَى أَبٍ وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الِاقْتِرَاضِ لِلْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ (مَعَ حُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إشْغَالٌ لِذِمَّتِهِ بِدُونِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، أَمَّا لَوْ غَابَ فَاسْتَدَانَتْ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ، رَجَعَتْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي بَعْدَ الْبَابِ.
(وَلَا يُنْفَقُ عَلَى مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ (مِنْ مَالِهِ بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، فَيَضْمَنُهُ الْمُنْفِقُ، لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ (وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ) زَوْجَةُ مُوسِرٍ مَنَعَهَا مَا وَجَبَ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ بَعْضِهِمَا عَلَى الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ؛ فَلَهَا رَفْعُهُ إلَى حَاكِمٍ فَيَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِ لَهَا فَإِنْ امْتَنَعَ (أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ) عَلَيْهِ (فَإِنْ أَبَى) الدَّفْعَ (حَبَسَهُ أَوْ دَفَعَهَا) أَيْ: النَّفَقَةَ لِزَوْجَتِهِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ (يَوْمًا بِيَوْمٍ) حَيْثُ أَمْكَنَ، لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا، بَاعَهُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ (فَإِنْ)
стр. 3726
(غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ) فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ كَالْمُعْسِرِ (أَوْ غَابَ مُوسِرٌ) عَنْ زَوْجَتِهِ فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ (وَتَعَذَّرَتْ نَفَقَةٌ) عَلَيْهَا بِأَنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا النَّفَقَةَ، وَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ، وَلَمْ يُمْكِنْهَا تَحْصِيلُ نَفَقَتِهَا (بِاسْتِدَانَةٍ أَيْ اقْتَرَضَ عَلَى ذِمَّةِ زَوْجِهَا، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْحَاكِمِ أَخْذُهَا مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ، وَفِي الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ وَلَا اسْتِدَانَةَ وَلَا الْأَخْذَ مِنْ وَكِيلِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَيْهِ.
قَالَ شَارِحُهُ لَمْ أَجِدْ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ، بَلْ الْكُتُبُ الْمَشْهُورَةُ لَمْ يَذْكُرُوهَا. وَعَمِلَ قُضَاتُنَا عَلَى عَدَمِ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا أَفْتَى بِهِ مَشَايِخُنَا وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ قَالَ شَارِحُهُ: قُلْت: أَوْ عُلِمَ إذْ لَمْ نَرَ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا الْقَيْدَ، وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ، وَلَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ الزَّوْجَةِ لِفَقْدِ مَالٍ لِزَوْجِهَا الْغَائِبِ يُنْفَقُ مِنْهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ نَقْضِهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهَا لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ؛ فَلَا تُكَلَّفُ الصَّبْرَ لِاحْتِمَالِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي قَبْضَتِهِ وَيَدِهِ، وَنِسْيَانُهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ، بِخِلَافِ هَذِهِ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا.
(وَلَا يَصِحُّ) الْفَسْخُ (فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ
стр. 3727
إلَى الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (فَيَفْسَخُ) الْحَاكِمُ (بِطَلَبِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهَا؛ فَلَا تَسْتَوْفِيهِ إلَّا بِطَلَبِهَا (أَوْ تَفْسَخُ) هِيَ (بِأَمْرِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (وَهُوَ) أَيْ: فَسْخُ الْحَاكِمِ (تَفْرِيقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت وَكَذَا فَسْخُهَا بِأَمْرِهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (قَالَ) الْإِمَامُ (مَالِكٌ: سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ إذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ يَغْزُونَ وَيَحْتَاجُونَ، فَقَالَ: لَيْسَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ إنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً، يَعْنِي أَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَالنِّسَاءُ الْيَوْمَ يَتَزَوَّجْنَ رَجَاءَ الدُّنْيَا.
(وَلَهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (بَيْعُ عَقَارٍ وَعَرْضٍ لِغَائِبٍ وَ) تَرَكَ زَوْجَتَهُ بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا مُنْفِقٍ (إنْ لَمْ يَجِدْ) الْحَاكِمُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا (غَيْرُهُ) أَيْ: ثَمَنِ الْعَقَارِ وَالْعَرْضِ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَيُنْفِقُ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ) كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْغَائِبِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَمَبْلَغُ الْمَهْرِ فَإِنْ عُلِمَ مَكَانُهُ كَتَبَ إلَيْهِ: إنْ سَلَّمْت إلَيْهَا حَقَّهَا، وَإِلَّا بِعْت عَلَيْك بِقَدْرِهِ؛ فَإِنْ أَبَى، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَكَانِهِ بَاعَ بِقَدْرِ نِصْفِهِ؛ لِجَوَازِ طَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
(وَلَا يَجُوزُ) أَنْ يُعَجِّلَ لَهَا (أَكْثَرَ) مِنْ نَفَقَةِ يَوْمٍ بِيَوْمٍ كَنَفَقَةِ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَقَدْ يَقْدُمُ، أَوْ تَبِينُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ (ثُمَّ إنْ بَانَ) الْغَائِبُ (مَيِّتًا قَبْلَ إنْفَاقِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ عَلَيْهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (حُسِبَ عَلَيْهَا) مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْ زَوْجِهَا (مَا أَخَذَتْهُ) وَأَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِ حَاكِمٍ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ.
(وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ) الَّذِي يَصِيرُ بِأَخْذِهِ مُوسِرًا (فَ) هُوَ (مُوسِرٌ) كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ (وَيَتَّجِهُ فَيَلْزَمُهُ) حِينَئِذٍ (نَفَقَةُ مُوسِرٍ لِمَا مَضَى) ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ مِنْهُ أَوْ مُتَعَمِّدٌ إبْقَاءَهُ تَحْتَ يَدِهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَعَلَيْهِ
стр. 3728
بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهَا تَمَامَ نَفَقَةِ مُوسِرٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ بِحَانُوتِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَتِمَّةٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَضَمَانِ السُّوقِ.
وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لِامْرَأَتِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مُدَّةً؛ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ كَالدَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ وَكَانَتْ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
[بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ]
بَابُ النَّفَقَةِ
بَابُ (نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَ) الْعَتِيقِ وَنَفَقَةِ (الْمَمَالِيكِ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَقَارِبِ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ كَمَا يَأْتِي؛ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَتِيقُ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ كَامِلَةً إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُنْفِقِ مَنْ يُشْرِكُهُ فِي الْإِنْفَاقِ (أَوْ إكْمَالُهَا) إنْ وَجَدَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ بَعْضَهَا (وَكِسْوَةٌ وَسُكْنَى) بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
الْأَوَّلُ: كَوْنُ مُنْفِقٍ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ أَوْ وَارِثًا لَهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (لِأَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا. وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ.
(وَ) تَجِبُ عَلَيْهِ
стр. 3729
أَيْضًا نَفَقَةُ (وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ (حَتَّى ذِي الرَّحِمِ مِنْهُمْ) أَيْ: الْوَالِدَيْنِ الْأَوْلَادَ (حَجَبَهُ) أَيْ: الْغَنِيُّ مِنْهُمْ (مُعْسِرٌ) كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ أَبٍ مُعْسِرٍ، وَكَابْنِ مُعْسِرٍ وَابْنِ ابْنٍ مُوسِرٍ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَحْجُبْهُ مُعْسِرٌ كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ عَدَمِ أَبٍ، وَكَذَا جَدٌّ مَعَ ابْنِ بِنْتِهِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً قَوِيَّةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَيْنِ الْقَرِيبَيْنِ.
(وَ) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِكُلٍّ مِنْ) أَيْ: فَقِيرٌ (يَرِثُهُ) قَرِيبٌ غَنِيٌّ (بِفَرْضٍ) كَأَخٍ لِأُمٍّ (أَوْ تَعْصِيبٍ) كَابْنِ عَمٍّ لِغَيْرِ أُمٍّ (لَا بِرَحِمٍ) كَخَالٍ (مِمَّنْ سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ، سَوَاءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ كَأَخٍ) لِلْغَنِيِّ (أَوْ لَا، كَعَمَّةٍ وَعَتِيقٍ، لَا عَكْسُهُ) فَإِنَّ الْعَمَّةَ لَا تَرِثُ مِنْ ابْنِ أَخِيهَا بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، وَهُوَ يَرِثُهَا بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَا الْعَتِيقُ لَا يَرِثُ مَوْلَاهُ وَهُوَ يَرِثُهُ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ (بِمَعْرُوفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى الْأَبِ، «وَلِحَدِيثِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك وَفِي لَفْظِ: وَمَوْلَاك الَّذِي هُوَ أَدْنَاك حَقًّا وَاجِبًا وَرَحِمًا مَوْصُولًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَلْزَمَهُ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ، وَقَدْ جَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا قَدْرَ كِفَايَتِهِ عَادَةً خُبْزٌ وَأُدْمٌ وَكِسْوَةٌ، كَالزَّوْجَةِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْإِنْقَاقِ مِنْ حَلَالٍ. (الشَّرْطُ الثَّانِي) حَاجَةُ مُنْفَقٍ عَلَيْهِ (مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ وَمَعَ غِنًى مُنْفِقٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ وَالْغَنِيُّ يَمْلِكُهُ وَالْقَادِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الْمُنْفِقِ (وَارِثًا) لِلْمُنْفِقِ عَلَيْهِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، وَهُوَ
стр. 3730
الشَّرْطُ الثَّالِثُ (غَيْرُ مَا مَرَّ) مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ، أَمَّا عَمُودَيْ النَّسَبِ فَتَجِبُ وَلَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، أَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَعَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْسِرِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْصُهُ) أَيْ: الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ كَزَمِنٍ أَوْ حُكْمٍ كَصِغَرٍ وَجُنُونٍ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِصَحِيحٍ مُكَلَّفٍ لَا حِرْفَةَ لَهُ) لِأَنَّهُ فَقِيرٌ (إذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ) أَيْ: الْمُنْفِقِ (وَ) قُوتِ (زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَكِسْوَةٌ وَسَكَنٌ لَهُمْ (مِنْ حَاصِلٍ) بِيَدِهِ (أَوْ مُتَحَصِّلٍ) مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ رِيعِ وَقْفٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ عَمَّنْ ذُكِرَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى قَرَابَتِهِ» وَفِي لَفْظٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ.
وَهِيَ (لَا) تَجِبُ مَعَ الْحَاجَةِ، وَ (لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى قَرِيبٍ (مِنْ رَأْسِ مَالِ) تِجَارَةٍ لِنَقْصِ الرِّبْحِ بِنَقْصِ رَأْسِ مَالِهِ، وَبِمَا أَفْنَتْهُ النَّفَقَةُ، فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا.
(وَ) لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ (مِنْ ثَمَنِ مِلْكٍ وَ) لَا مِنْ (ثَمَنِ آلَةِ عَمَلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمِنْ قَدْرٍ يُكْتَسَبُ) بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْ كَسْبِهِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى قَرِيبِهِ (أُجْبِرَ) عَلَى تَكَسُّبٍ (لِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ) لِأَنَّ تَرْكَ التَّكَسُّبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ تَضْيِيعٌ لِمَنْ يَعُولُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَ (لَا) تُجْبَرُ (امْرَأَةٌ عَلَى نِكَاحٍ) إذَا رَغِبَ فِيهَا بِمَهْرٍ لِتُنْفِقَهُ عَلَى قَرِيبِهَا الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ قَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ الْمَالِ؛ بِخِلَافِ التَّكَسُّبِ.
(وَزَوْجَةُ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النَّفَقَةُ كَأَبٍ وَابْنِ أَخٍ (كَهُوَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَةِ الْفَقِيرِ الْيَوْمِيَّةِ؛ لِدُعَاءِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ، فَإِذَا احْتَاجَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رُبَّمَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى الزِّنَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ إعْفَافُهُ.
стр. 3731
(وَمَنْ لَهُ) مِنْ الْمُحْتَاجِينَ لِلنَّفَقَةِ (وَلَوْ) كَانَ (حَمْلًا وَارِثٌ دُونَ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ) عَلَيْهِمْ (عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) أَيْ: الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (وَالْأَبُ) الْغَنِيُّ (يَنْفَرِدُ بِهَا) أَيْ: بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] : وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ".
وَقَوْلُهُ ﵊ لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . (ف) مَنْ لَهُ (جَدٌّ وَأَخٌ) لِغَيْرِ أُمٍّ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ تَعْصِيبًا (أَوْ لَهُ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ) فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ (بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا، (وَ) مَنْ لَهُ (أُمٌّ وَجَدٌّ) النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا (أَوْ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا (أَثْلَاثًا) كَإِرْثِهِمَا لَهُ (وَ) مَنْ لَهُ (بِنْتٌ وَأُمٌّ) النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعًا رُبْعُهَا عَلَى الْأُمِّ وَبَاقِيهَا عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا (أَوْ) لَهُ (جَدَّةٌ) وَبِنْتٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا (أَرْبَاعًا) كَإِرْثِهِمَا كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا (أَوْ) مَنْ لَهُ (جَدَّةٌ، وَعَاصِبٌ غَيْرُ أَبٍ) كَابْنٍ وَأَخٍ وَعَمٍّ؛ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا (أَسْدَاسًا) سُدُسُهَا عَلَى الْجَدَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى الْعَاصِبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْأَبُ فَيَنْفَرِدُ بِهَا، وَتَقَدَّمَ. (وَعَلَى هَذَا) الْعَمَلِ (حِسَابُهَا) أَيْ: النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْإِرْثِ (فَلَا تَلْزَمُ) النَّفَقَةُ، (أَبَا أُمٍّ) مَعَ أُمٍّ ظَاهِرُهُ مُعْسِرَةً كَانَتْ أَوْ مُوسِرَةً، وَكَذَلِكَ لَا تَلْزَمُ ابْنَ بِنْتٍ مَعَ بِنْتٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ الْمِيرَاثِ بِهَا (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَلْزَمُ (ابْنَ بِنْتٍ مَعَ أُمِّ) بَلْ تَكُونُ جَمِيعُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ إرْثَ ابْنِهَا لَهَا إذَا انْفَرَدَتْ فَرْضًا وَرَدًّا (وَلَا) تَلْزَمُ (أَخًا مَعَ ابْنٍ) مُنْفَقٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُعْسِرًا (أَوْ) مَعَ (أَبٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مَحْجُوبٌ
стр. 3732
بِالِابْنِ؛ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ وَحْدَهُ (وَ) مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ بَعْضُهُمْ مُوسِرٌ وَبَعْضُهُمْ مُعْسِرٌ كَأَخَوَيْنِ أَحَدُهُمَا مُوسِرٌ وَالْآخَرُ مُعْسِرٌ (تَلْزَمُ) نَفَقَتُهُ (مُوسِرًا) مِنْهُمَا (مَعَ فَقْرِ الْآخَرِ بِقَدْرِ إرْثِهِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ يَسَارِ الْآخَرِ ذَلِكَ الْقَدْرُ (بِلَا زِيَادَةٍ) فَلَا: يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْغَيْرُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ) ، فَتَلْزَمُ (نَفَقَةُ جَدٍّ) لِابْنِ ابْنِهِ الْفَقِيرِ (مُوسِرًا) وَلَوْ كَانَ مَعَ أَخٍ (أَوْ أُمًّا مُوسِرَةً مَعَ فَقْرِ أَبٍ) لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ لِقُوَّةِ قَرَابَتِهِمْ (وَ) تَلْزَمُ (جَدَّةً مُوسِرَةً، مَعَ فَقْرِ أُمٍّ) كَذَلِكَ (وَأَبَوَانِ وَجَدٌّ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ فَعَلَى الْأُمِّ) الْمُوسِرَةِ (ثُلُثُ) النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرِثُ الثُّلُثَ (وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ كَذَلِكَ لَوْلَا الْأَبُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ، بَلْ نَفَقَتُهَا تَابِعَةٌ لِنَفَقَتِهِ.
(وَمِنْ لَمْ يَكْفِ مَا فَضَلَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ كِفَايَتِهِ (جَمِيعُ مِنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ) عَلَيْهِ لَوْ أَيْسَرَ بِجَمِيعِهَا (بَدَأَ بِزَوْجَتِهِ) ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُعَارَضَةٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مَا وَجَبَ مُوَاسَاةً، وَلِذَلِكَ تَجِبُ مَعَ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ (ف) نَفَقَةُ (رَقِيقِهِ) لِوُجُوبِهَا مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ (ف) نَفَقَةُ (أَقْرَبَ) فَأَقْرَبَ؛ لِحَدِيثِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ: «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك» : أَيْ: الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَبِرٌّ، وَمَنْ قَرُبَ أَوْلَى، بِالْبِرِّ مِمَّنْ بَعُدَ (ثُمَّ) مَعَ اسْتِوَاءٍ فِي الدَّرَجَةِ يَبْدَأُ؛ (بِالْعَصَبَةِ) كَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ (ثُمَّ التَّسَاوِي) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (فَيُقَدَّمُ وَلَدٌ عَلَى أَبٍ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ، (وَ) يُقَدَّمُ (أَبٌ عَلَى أُمٍّ) بِانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَقَدْ أَضَافَهُ إلَيْهِ ﵊ بِقَوْلِهِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .
(وَ) تُقَدَّمُ (أُمٌّ عَلَى وَلَدِ ابْنٍ) ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي إلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَهَا فَضِيلَةُ الْحَمْلِ
стр. 3733
وَالرَّضَاعُ وَالتَّرْبِيَةُ (وَ) يُقَدَّمُ (وَلَدُ ابْنٍ عَلَى جَدٍّ) كَمَا يُقَدَّمُ الْوَلَدُ عَلَى الْأَبِ، (وَ) يُقَدَّمُ (جَدٌّ عَلَى أَخٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مَزِيدَ الْوِلَادَةِ وَالْأُبُوَّةِ وَيُقَدَّمُ (أَبُو أَبٍ عَلَى أَبِي أُمٍّ) لِامْتِيَازِهِ بِالتَّعْصِيبِ (وَهُوَ) أَيْ: أَبُو الْأُمِّ (مَعَ أَبِي أَبِي أَبٍ مُسْتَوِيَانِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِتَمَيُّزِ أَبِي الْأُمِّ بِالْقُرْبِ، وَالْآخَرِ بِالْعُصُوبَةِ، فَتَسَاوَيَا.
(وَلِمُسْتَحِقِّهَا) أَيْ: النَّفَقَةِ (الْأَخْذُ) مِنْ مَالِ مُنْفِقٍ (بِلَا إذْنِهِ مَعَ امْتِنَاعِهِ) مِنْ دَفْعِهَا (كَ) مَا يَجُوزُ (لِزَوْجَتِهِ) الْأَخْذُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ، لِحَدِيثِ هِنْدَ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَقِيسَ عَلَيْهِ سَائِرُ مَنْ تَجِبُ لَهُ.
(وَلَا نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلَافِ دِينٍ) بِقَرَابَةٍ وَلَوْ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] : وَكَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (إلَّا بِالْوَلَاءِ) فَتَجِبُ لِلْعَتِيقِ عَلَى مُعْتِقِهِ بِشَرْطِهِ وَإِنْ بَايَنَهُ فِي دِينٍ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ مَعَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى وَارِثِهِ مِنْ عَصَبَةِ مَوْلَاهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ النَّفَقَةَ (لَا) تَجِبُ (بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ) مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَدَمِ الْإِرْثِ سَوَاءٌ، فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلَافِ دِينٍ إلَّا بِالْوَلَاءِ أَوْ بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ بِهِ انْتَهَى وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3734
[فَصْلٌ إعْفَافُ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ]
فَصْلٌ:
(وَيَجِبُ إعْفَافُ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النَّفَقَةُ (مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ وَغَيْرِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ وَيَسْتَضِرُّ بِفَقْدِهِ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ الْحَلْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا؛ فَيَجِبُ إعْفَافُ مَنْ يَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَيُقَدَّمُ إنْ ضَافَ الْفَاضِلُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَالنَّفَقَةِ (بِزَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ تُعِفُّهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا (وَلَا يَمْلِكُ) مَنْ أَعَفَّ بِسُرِّيَّةٍ (اسْتِرْجَاعَهَا مَعَ غِنَاهُ) أَيْ الْفَقِيرِ كَالزَّكَاةِ (وَلَا) يَمْلِكُ أَنْ يُزَوِّجَهُ (بِزَوْجَةٍ قَبِيحَةٍ) أَوْ يَمْلِكُ أَمَةً قَبِيحَةً؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِعْفَافِ، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلَا أَنْ يُمَلِّكَهُ كَبِيرَةً لَا اسْتِمْتَاعَ فِيهَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ عَلَيْهِ بِاسْتِرْقَاقِ أَوْلَادِهِ (وَ) إنْ عَيَّنَ أَحَدُهُمَا امْرَأَةً وَالْآخَرُ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ (يُقَدَّمُ تَعْيِينُ قَرِيبٍ) مُنْفِقٍ (وَالْمَهْرُ سَوَاءٌ) إذَا اسْتَوَى الْمَهْرُ (عَلَى) تَعْيِينِ (زَوْجٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ بِنَفَقَتِهَا (وَيُصَدَّقُ) مُنْفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَائِقٌ لِلنِّكَاحِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ إعْفَافٍ عَجْزُهُ، أَيْ: الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ عَنْ مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ وَيَكْفِي إعْفَافُهُ (بِوَاحِدَةٍ) (زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ) ؛ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِهَا (فَإِنْ مَاتَتْ) زَوْجَةٌ أَوْ سُرِّيَّةٌ أَعَفَّهُ بِهَا (أَعَفَّهُ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ (لَا إنْ طَلَّقَ بِلَا عُذْرٍ أَوْ أَعْتَقَ السُّرِّيَّةَ مَجَّانًا) بِأَنْ لَمْ يَجْعَلْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ أُمٍّ كَأَبٍ) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ إعْفَافُ أَبٍ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَخَطَبَهَا كُفْءٌ قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ سَلَّمَ فَالْأَبُ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الْإِعْفَافَ لَهَا
стр. 3735
بِالتَّزْوِيجِ وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَيْ: زَوْجِ الْأُمِّ إنْ تَعَذَّرَ تَزْوِيجٌ بِدُونِهَا، وَبِنْتٌ وَنَحْوُهَا كَأُمٍّ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدَّانِ، وَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا إعْفَافَ أَحَدِهِمَا، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ كَالنَّفَقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَيُقَدَّمُ وَإِنْ بَعُدَ عَلَى الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ؛ لِامْتِيَازِهِ بِالْعُصُوبَةِ.
(وَ) يَلْزَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ (خَادِمٍ لِلْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ (لِلْحَاجَةِ) إلَى الْخَادِمِ (كَزَوْجَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ.
(وَمَنْ تَرَكَ مَا وَجَبَ) عَلَيْهِ مِنْ إنْفَاقٍ عَلَى قَرِيبٍ أَوْ عَتِيقٍ (مُدَّةً، لَمْ يَلْزَمْهُ) شَيْءٌ (لِمَا مَضَى) مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ فِيهَا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَمَنْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَاضِي (أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ (وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ) مِنْهُمْ " الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ " (إلَّا بِفَرْضِ حَاكِمٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ "؛ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ بِفَرْضِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَزَادَ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَهُوَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " (أَوْ أَذِنَهُ) أَيْ: الْحَاكِمُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ لِغِيبَتِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ، (أَوْ) إذْنِهِ (لِقَرِيبٍ فِي اسْتِدَانَةٍ) قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ لِمَا مَضَى وَإِنْ فُرِضَتْ، إلَّا أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ (وَلَوْ غَابَ زَوْجٌ، فَاسْتَدَانَتْ) زَوْجَتُهُ (لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ رَجَعَتْ) ؛ بِمَا اسْتَدَانَتْهُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: وَكَذَا لَوْ كَانَ أَوْلَادُهَا مَجَانِينَ، أَوْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّكَسُّبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ (قَرِيبٌ) فَقِيرٌ عَاجِزٌ عَنْ التَّكَسُّبِ غَابَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، فَاسْتَدَانَ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ أُنْفِق بِإِذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَبِلَا إذْنٍ فِيهِ خِلَافٌ. انْتَهَى.
стр. 3736
(وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهَا زَوْجٌ) أَيْ: النَّفَقَةِ: (أَوْ قَرِيبٌ أَوْ مَالِكُ رَقِيقٍ أَوْ بَهَائِمَ) بِأَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ فَيَمْتَنِعَ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُ (رَجَعَ مُنْفِقٌ عَلَيْهِ) عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ (بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ قَدْ يَكُونُ لِضَعْفِ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ وَقُوَّةِ، مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ: فَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ الْمُنْفِقُ الرُّجُوعَ لَضَاعَ الضَّعِيفُ، وَحَيْثُ رَجَعَ فَيَرْجِعُ (بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ أَوْ نَفَقَةُ مِثْلٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ.
(وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ صَغِيرٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ أَبٍ أَوْ وَارِثٍ غَيْرِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ (نَفَقَةُ ظِئْرِهِ) أَيْ: مُرْضِعَتِهِ (حَوْلَيْنِ) كَامِلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّ الطِّفْلَ إنَّمَا يَتَغَذَّى بِمَا يَتَوَلَّدُ فِي الْمُرْضِعَةِ مِنْ اللَّبَنِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْغِذَاءِ، فَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ، وَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ؛ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الرَّضَاعِ (وَلَا يُفْطَمُ قَبْلَهَا) أَيْ الْحَوْلَيْنِ لِلْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ (إلَّا بِرِضَى أَبَوَيْهِ أَوْ) بِرِضَى (سَيِّدِهِ) إنْ كَانَ رَقِيقًا فَيَجُوزُ (مَا لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ (رَضَاعٌ) فَإِنْ تَضَرَّرَ بِالرَّضَاعِ فَلَا، وَلَوْ رَضِيَا، لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَلَيْسَ لِأَبِيهِ) أَيْ: الصَّغِيرِ (مَنْعُ أُمِّهِ مِنْ خِدْمَتِهِ) أَيْ: إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ. هَذَا الْمَذْهَبُ وعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (خِلَافًا لَهَا) أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى "، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ " وَلِلْأَبِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ خِدْمَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ. وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " وَلِأَبِيهِ مَنْعُ أُمِّهِ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَمَا جَزَمَا بِهِ (هُنَا) هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وَمُقْتَضَى مَا صَرَّحَا بِهِ فِي بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ أَنَّ الْمُعْتَدَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، كَمَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْ رَضَاعِهِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ؛
стр. 3737
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ. وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ وَأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ، وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ أُمٌّ حُرَّةٌ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، لَمْ يُجْبِرْهَا أَبٌ (وَلَوْ أَنَّهَا فِي حِبَالِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الْأُمُّ (أَحَقُّ) بِرَضَاعِ وَلَدِهَا (بِأُجْرَةٍ مِثْلِهَا لَا بِأَكْثَرَ) مِنْهَا (وَيَسْقُطُ حَقُّهَا) بِطَلَبِهَا الْأَكْثَرَ وَلَوْ يَسِيرًا (حَتَّى) وَلَوْ طَلَبَتْ الْأُمُّ عَلَى إرْضَاعِهِ أُجْرَةَ مِثْلِهَا (مَعَ) وُجُودِ مُرْضِعَةٍ (مُتَبَرِّعَةٍ) فَالْأُمُّ أَحَقُّ، لِمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) كَانَتْ الْأُمُّ مَعَ (زَوْجٍ ثَانٍ وَيَرْضَى) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] " وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ كَانَ طَلَبُ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ وُجُودِ مَنْ تُرْضِعُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا أَوْ مُتَبَرِّعَةٍ، سَقَطَ حَقُّهَا، وَلِلْأَبِ أَخْذُهُ مِنْهَا؛ لِتَعَاسُرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرْضِعَةً إلَّا بِمَا طَلَبَتْهُ الْأُمُّ؛ فَالْأُمُّ أَحَقُّ؛ لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ مَنَعَ الْأُمَّ زَوْجُهَا غَيْرُ أَبِي الطِّفْلِ مِنْ إرْضَاعِهِ؛ سَقَطَ حَقُّهَا لِتَعَذُّرِ وُصُولِهَا إلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُ حُرَّةً إرْضَاعُ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ خَوْفَ تَلَفٍ) بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ سِوَاهَا حِفْظًا لَهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا، وَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ تَلَفَهُ لَمْ تُجْبَرْ دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، فِي حِبَالِهِ أَوْ مُطْلَقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] " (وَ) يَلْزَمُ (أُمَّ وَلَدٍ) إرْضَاعَ وَلَدِهَا (مُطْلَقًا) أَيْ: خِيفَ عَلَى الْوَلَدِ أَمْ لَا، مِنْ سَيِّدِهَا
стр. 3738
أَوْ غَيْرِهِ (مَجَّانًا) أَيْ: بِلَا أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا لِسَيِّدِهَا.
(وَمَتَى عَتَقَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ (فَكَحُرَّةٍ بَائِنٍ) لَا تُجْبَرُ عَلَى إرْضَاعِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ فَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَإِنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ زَوَّجَهَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الرَّضَاعِ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ (وَلِزَوْجٍ ثَانٍ) أَيْ: غَيْرِ أَبِي الرَّضِيعِ (مِنْ) حِينَ عَقَدَ مَنْعَهَا مِنْ (إرْضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ أَوْ مِنْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي تَمَلُّكَ الزَّوْجِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ (إلَّا لِضَرُورَتِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ بِأَنَّ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، أَوْ لَا يَقْبَلُ الِارْتِضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَيَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحِفْظٍ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ (أَوْ شَرْطُهَا) بِأَنْ شَرَطَتْ فِي الْعَقْدِ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا إرْضَاعَ وَلَدِهَا؛ فَلَهَا شَرْطُهَا؛ لِحَدِيثِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . لِقَوْلِهِ تَعَالَى
تَتِمَّةٌ: وَمَنْ أَرْضَعَتْ وَلَدَهَا وَهِيَ فِي حِبَالِ أَبِيهِ فَاحْتَاجَتْ لِزِيَادَةِ نَفَقَةٍ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ إذْ كِفَايَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ وَلِرَضَاعِ وَلَدِهِ.
وَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ؛ لَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعُهَا مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً، فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ أَوْ اشْتَغَلَ، فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ. وَإِنْ أَجَّرَتْ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ، وَبَعِيرٌ إذْنُهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِتَضَمُّنِهِ تَفْوِيتَ حَقِّ زَوْجِهَا.
стр. 3739
[فَصْلٌ تَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةٌ وَكِسْوَةٌ وَسُكْنَى عُرْفًا بِالْمَعْرُوفِ لِرَقِيقِهِ]
فَصْلٌ:
(وَتَلْزَمُهُ) أَيْ: السَّيِّدَ (نَفَقَةٌ وَكِسْوَةٌ وَسُكْنَى عُرْفًا) أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ (لِرَقِيقِهِ وَلَوْ كَانَ آبِقًا) أَوْ مَرِيضًا أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ أَوْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ (أَوْ) كَانَ أَمَةً (نَاشِزًا أَوْ) كَانَ (كَافِرًا أَوْ) كَانَ (ابْنَ أَمَتِهِ مِنْ حُرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ حَيْثُ لَا شَرْطَ وَلَا غُرُورَ (مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَلْزَمُهُ سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ سَيِّدِهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ، وَأَدَمَ مِثْلِهِ، وَكَذَا الْكِسْوَةُ تَلْزَمُ مِنْ غَالِبِ كِسْوَةِ الْبَلَدِ لِأَمْثَالِهِ مِنْ الْعَبِيدِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالِكُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مُتَوَسِّطًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ".
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَبَهِيمَةٍ (وَلِمُبَعَّضٍ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَسُكْنَاهُ) بِقَدْرِ رِقِّهِ، (وَبَقِيَّتُهَا) أَيْ: النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُبَعَّضِ، لِاسْتِقْلَالِهِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، فَإِنْ أَعْسَرَ وَعَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ؛ فَعَلَى وَارِثِهِ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْعَلَ نَفَقَةَ رَقِيقِهِ فِي كَسْبِهِ وَأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذَ كَسْبَهُ، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَهَا فِي كَسْبِهِ وَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلِسَيِّدِهِ؛ وَإِنْ أَعْوَزَ فَعَلَيْهِ تَمَامُهُ، وَإِنْ مَاتَ الرَّقِيقُ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَكْفِينُهُ وَتَجْهِيزُهُ وَدَفْنُهُ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَالَ الْحَيَاةِ.
(وَعَلَى حُرَّةٍ نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْ عَبْدٍ) وَطِئَهَا بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ. وَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ نَصًّا (فَإِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ مَعَهَا فَعَلَى كُلٍّ) مِنْهُمْ النَّفَقَةُ (بِقَدْرِ إرْثِهِ) كَمَا سَبَقَ (وَكَذَا مُكَاتَبَةٌ، وَلَوْ أَنَّهُ) أَيْ: وَلَدُهَا الَّذِي
стр. 3740
وَلَدَتْهُ بَعْدَ كِتَابَتِهَا (مِنْ مُكَاتَبٍ) فَنَفَقَةُ وَلَدِهَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا (وَكَسْبُهُ لَهَا) لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا (وَيُزَوَّجُ) رَقِيقٌ (وُجُوبًا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (بِطَلَبِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى النِّكَاحِ غَالِبًا، وَكَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَرْكِ إعْفَافِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ، بِخِلَافِ طَلَبِ الْحَلْوَى (غَيْرَ أَمَةٍ يَسْتَمْتِعُ بِهَا) سَيِّدُهَا (وَلَوْ) كَانَتْ (مُكَاتَبَةً بِشَرْطِهِ) أَيْ: بِشَرْطِ أَنْ يَطَأَهَا زَمَنَ كِتَابَتِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا.
(وَتُصَدَّقُ) أَمَةٌ طَلَبَتْ تَزْوِيجًا وَادَّعَى سَيِّدُهَا أَنَّهُ يَطَؤُهَا (فِي أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ) لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ زَوَّجَهَا السَّيِّدُ بِمِنْ عَيْبُهُ غَيْرُ الرِّقِّ، فَلَهَا الْفَسْخُ لِلْعَيْبِ؛ لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ.
(وَمَنْ غَابَ عَنْ أَمَةٍ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (فَطَلَبَتْ التَّزْوِيجَ زَوَّجَهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ) أَيْ: مَالَ الْغَائِبِ قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ زَوَّجَهَا الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (وَكَذَا
стр. 3741
أَمَةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ، فَيُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ عَلَى مَا هُنَا.
(وَإِنْ غَابَ) سَيِّدٌ (عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ، زُوِّجَتْ لِحَاجَةِ نَفَقَةٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَحَفِظَ مَهْرَهَا لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي مَالَ الْغَائِبِ كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ (قَالَ الْمُنَقِّحُ وَكَذَا) تُزَوَّجُ أُمُّ وَلَدِ (ل) حَاجَةِ (وَطْءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيَتَّجِهُ) تَزَوُّجُ أُمِّ الْوَلَدِ بِطَلَبِهَا وُجُوبًا (إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ) أَيْ: سَيِّدِهَا عَنْهَا (فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) قِيَاسًا لَهَا عَلَى الْحُرَّةِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا تُزَوَّجُ؛ لِاحْتِمَالِ قُدُومِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَجِبُ خَتْنُهُمْ) أَيْ: الْأَرِقَّاءِ (وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا مَشْقًا كَثِيرًا) بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُمْ مُشِقًّا أَعَانَهُمْ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ (أَنْ يُرَاحُوا وَقْتَ قَيْلُولَةٍ وَ) وَقْتَ (نَوْمٍ وَلِأَدَاءِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ) وَكَذَا سُنَنُهَا. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ إضْرَارٌ بِهِمْ وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ أَمَةٍ رَعْيًا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا لِبُعْدِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهَا، (وَ) يَجِبُ (أَنْ يُرْكِبَهُمْ) عُقْبَةً بِوَزْنِ غُرْفَةٍ (لِحَاجَةٍ) إذَا سَافَرَ بِهِمْ، لِئَلَّا يُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ (وَمَنْ بُعِثَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (مِنْهُمْ) أَيْ: الْأَرِقَّاءِ (فِي حَاجَةٍ وَقْتَ صَلَاةٍ، فَوَجَدَ) الرَّقِيقُ (مَسْجِدًا) فِي طَرِيقِهِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّأْخِيرِ (صَلَّى أَوَّلًا) ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ، نَقَلَهُ صَالِحٌ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ سَيِّدِهِ (فَإِنْ) عُذِرَ بِأَنْ (خَافَ) الرَّقِيقُ إضْرَارَ (سَيِّدِهِ) بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ (قَضَى الْحَاجَةَ) ثُمَّ صَلَّى،
стр. 3742
لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ.
(وَتُسَنُّ مُدَاوَاتُهُمْ فِي مَرَضٍ) قَالَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُسْتَحَبُّ وَهُوَ أَظْهَرُ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُدَاوَاتَهُمْ (تَجِبُ) عَلَى سَيِّدِهِمْ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ: الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَلِهَذَا النَّفَقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرَضِ تَلْزَمُهُ مِنْ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ انْتَهَى. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالْمَذْهَبُ أَنَّ تَرْكَ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ أَوَّلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَوُجُوبُ الدَّوَاءِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
(وَيُسَنُّ) لِسَيِّدٍ (إطْعَامُهُمْ) أَيْ: الْأَرِقَّاءِ (مِنْ طَعَامِهِ) وَإِلْبَاسُهُمْ مِنْ لُبْسِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَتَقَدَّمَ (وَمَنْ وَلِيَهُ) أَيْ: الطَّعَامَ مِنْ رَقِيقِهِ (فَمَعَهُ أَوْ مِنْهُ) يُطْعِمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَهِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا: «إذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيَدْعُهُ وَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُزَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَى التَّزْوِيغِ غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ وَدَفْعُهَا إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ.
(وَ) تُسَنُّ (تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمْ) أَيْ: عَبِيدِهِ (فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِنُفُوسِهِمْ وَأَقْرَبُ لِلْعَدْلِ، وَكَذَا تُسَنُّ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ إمَائِهِ إنْ كُنَّ لِلْخِدْمَةِ أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنْ اخْتَلَفْنَ فَلَا بَأْسَ بِتَفْضِيلِ مَنْ هِيَ لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ
(وَلَا يَأْكُلُ) رَقِيقٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ (بِلَا إذْنِهِ) نَصًّا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ مَنَعَهُ مَا وَجَبَ لَهُ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (تَأْدِيبُ زَوْجَتِهِ وَيَتَّجِهُ) أَنَّ لَهُ تَأْدِيبَهَا (فِي ارْتِكَابِهَا) (مَا) أَيْ: فِعْلًا أَوْ قَوْلًا (يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ كَمُسَاحَقَةٍ (أَوْ تَرْكِ أَدَبٍ) (كَضَحِكٍ) فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَتَشَدُّقٍ فِي الْكَلَامِ وَتَمَسْخُرٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، أَوْ تَرْكِهَا لِفَرْضٍ مِنْ الْفُرُوضِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْدِيبُهَا (مُطْلَقًا) مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ شَرْعِيٍّ؛ كَمَا
стр. 3743
لَوْ تَرَكَتْ شَيْئًا مِنْ الْآدَابِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ تَمَثُّلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْجُلُوسِ وَنَحْوِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا أَحْدَثَتْهُ الْجَبَابِرَةُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) لِلْأَبِ (تَأْدِيبُ وَلَدِهِ وَلَوْ) كَانَ (مُكَلَّفًا مُتَزَوِّجًا) مُنْفَرِدًا فِي بَيْتٍ (بِضَرْبٍ غَيْرِ مُبَرِّحٍ)
(وَكَذَا) لِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ (رَقِيقٍ) وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجَةِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ لَقِيطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ «لَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَك ضَرْبَ أَمَتِكَ» وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا أَوْ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ الْيَوْمِ.» وَلِابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَبْدِ الْأَمَةُ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ، وَيُسَنُّ الْعَفْوُ عَنْهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ نَصًّا.
(وَ) نَقَلَ حَرْبٌ (لَا يَضْرِبُهُ) شَدِيدًا، وَلَا يَضْرِبُهُ (إلَّا فِي ذَنْبٍ عَظِيمٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» (وَيُقَيِّدُهُ) بِقَيْدٍ يَضَعُهُ فِي رِجْلَيْهِ (وَإِنْ خَافَ إبَاقَهُ) نَصًّا (وَهُوَ) أَيْ الْإِبَاقُ (كَبِيرَةٌ) لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ وَمَحَلُّ كَوْنِ إبَاقِ الْعَبْدِ مُحَرَّمًا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، وَلِهَذَا (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الرَّقِيقُ (بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ حُكْمُ الْبِدَعِ) فَيَجُوزُ إبَاقُهُ فِرَارًا بِدِينِهِ، وَقَالَ فِي مُسْلِمٍ نُحِسَ فِي بِلَادِ التَّتَارِ أَبَى بَيْعَ عَبْدِهِ وَعِتْقَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَهَرَبُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ لِإِقَامِهِ دِينِهِ، كَمَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بَيْنَ كُفَّارٍ أَوْ أَهْلِ بِدَعٍ مُضِلَّةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِهَذَا النَّحِسِ الْآمِرِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ، وَلَوْ كَانَ فِي طَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ عَلَى تَرْكِهِ فَرَائِضَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَعَلَى مَا إذَا كَلَّفَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ امْتِثَالِهِ.
(وَحَرُمَ لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَطَمَ غُلَامَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يَحْرُمُ (خِصَاهُ
стр. 3744
وَالتَّمْثِيلُ بِهِ) بِجَدْعِ أَنْفِهِ وَنَحْوِهِ، وَيُعْتَقُ بِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ " (وَيَحْرُمُ إفْسَادُهُ عَلَى سَيِّدِهِ كَ) مَا يَحْرُمُ إفْسَادُ زَوْجَتِهِ (عَلَى) زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ السَّعْيِ بِالْفَسَادِ
(وَلَا يَشْتِمُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لَا يُعَوِّدُ لِسَانَهُ الْخَنَا وَالرَّدَى) الْخَنَا - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) أَيْ: قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (تَحْرِيمُ لَعْنِ الْحَجَّاجِ) وَإِنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالْعَظَائِمِ وَارْتِكَابَاتِ التَّحْرِيمِ مِمَّا وَرَدَ فِي سِيرَتِهِ الْخَبِيثَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إلَّا التَّجَرُّؤُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَكَفَى؛ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ الشَّعْرَانِيُّ فِي مِيزَانِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَفْعَالِهِ الشَّنِيعَةِ وَقَبَائِحِهِ الْفَظِيعَةِ (وَ) تَحْرِيمُ لَعْنِ (يَزِيدَ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَعْنِ الْمُصَلِّينَ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِيه) أَيْ تَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ حَيٍّ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ كَافِرًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ ثُمَّ (رَأَيْته) أَيْ: عَدَمَ جَوَازِ اللَّعْنِ (نَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ.
فَفِي " الْفُرُوعِ " مَا نَصُّهُ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَخْرَجَ الْحَجَّاجَ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَخَاف الْمَدِينَةَ، وَانْتَهَكَ حَرَمَ اللَّهِ وَحَرَمَ رَسُولِهِ؛ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَزِيدُ وَنَحْوُهُ، ثُمَّ قَالَ وَنَصَّ أَحْمَدُ خِلَافَ ذَلِكَ (وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ) وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِاللَّعْنَةِ (خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ وَ) الْحَافِظِ (ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٍ) مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ كَالْجَلَالِ السُّيُوطِيّ وَالسَّعْدِ التَّفْتَازَانِيُّ وَابْنِ مُحِبِّ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ وَبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " السِّرِّ الْمَصُونِ " مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ مُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ
стр. 3745
أَنْ يَقُولُوا إنَّ يَزِيدَ كَانَ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنَّ الْحُسَيْنَ أَخْطَأَ فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَظَرُوا فِي السِّيَرِ لَعَلِمُوا كَيْفَ عُقِدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَأُلْزِمَ النَّاسُ بِهَا وَلَقَدْ فَعَلَ فِي ذَلِكَ كُلَّ قَبِيحٍ؛ ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا صِحَّةَ خِلَافَتِهِ فَقَدْ بَدَتْ مِنْهُ بَوَادِرُ كُلُّهَا تُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ مِنْ رَمْيِ الْمَدِينَةِ وَالْكَعْبَةِ بِالْمَجَانِيقِ، وَقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَضَرْبِهِ عَلَى ثَنِيَّتِهِ بِالْقَضِيبِ وَإِنْشَادِهِ حِينَئِذٍ:
نَفْلِقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةً ... عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
وَحَمْلِهِ الرَّأْسَ عَلَى خَشَبَةٍ، وَإِنَّمَا يَمِيلُ جَاهِلٌ بِالسِّيرَةِ عَامِّيُّ الْمَذْهَبِ يَظُنُّ أَنَّهُ يُغِيظُ بِذَلِكَ الرَّافِضَةَ. انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ بِلَعْنِهِ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ، وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: نَحْنُ لَا نَتَوَقَّفُ فِي شَأْنِهِ بَلْ فِي إيمَانِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَعْوَانِهِ وَقَالَ ابْنُ مُحِبِّ الدِّينِ: نَحْنُ نَلْعَنُهُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، وَلَعْنَةُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ يَزِيدَ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاعْتَدَى عَلَى أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَفَعَلَ فِيهِمْ الْأَفَاعِيلَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْحُسَيْنِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَبَنِي أَخِيهِ الْحَسَنِ، وَمِنْ أَوْلَادِ جَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَحُمِلَ إلَيْهِ آلُ الْبَيْتِ عَلَى أَقْتَابِ الْجِمَالِ مُوثَقِينَ بِالْحِبَالِ، وَأَوْقَفَهُمْ وَحَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُكَشِّفَاتِ الرُّءُوسِ وَالْوُجُوهِ عَلَى دَرَجِ جَامِعِ دِمَشْقَ مَوْقِفَ الْأَسَارَى. وَزَادَ بِذَلِكَ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَفْعَالِهِ الْقَبِيحَةِ. قَالَ الْوَافِي فِي الْوَفِيَّاتِ ": إنَّ السَّبْيَ لَمَّا وَرَدَ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى يَزِيدَ خَرَجَ فَلَقِيَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ وَالرُّءُوسِ عَلَى أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى ثَنِيَّةِ الْعِقَابِ، فَلَمَّا رَآهُمْ الْخَبِيثُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَمَّا بَدَتْ تِلْكَ الْحُمُولُ وَأَشْرَفَتْ ... تِلْكَ الرُّءُوسُ عَلَى شَفَا جَيْرُونِي
نَعَقَ الْغُرَابُ فَقُلْت قُلْ أَوْ لَا تَقُلْ ... فَقَدْ اقْتَضَيْت مِنْ الرُّءُوسِ دُيُونِي
يَعْنِي بِذَلِكَ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْكُفَّارِ مِثْلَ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ عُتْبَةُ وَخَالِدٍ وَلَدَ عُتْبَةُ وَنَحْوَهُمَا انْتَهَى.
قُلْت: فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ فَلَا رَيْبَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ لَعْنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ الشَّافِعِيُّ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِمَّنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ بِهِ ظَاهِرًا
стр. 3746
وَبَاطِنًا، وَنَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ؛ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ يَخْرُجْ عِنْدَنَا يَعْنِي الْقَوْلُ بِكُفْرِهِ عَنْ حَدِّ الشُّهْرَةِ إلَى التَّوَاتُرِ، وَلَكِنْ إنْ ثَبَتَ عَنْهُ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلِّ فَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِالْكُفْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ قَطْعًا الْإِمْسَاكُ؛ إذْ لَا خَطَرَ فِي السُّكُوتِ عَنْ لَعْنَةِ إبْلِيسَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهَى.
(وَفِي) كِتَابِ (" السِّرِّ الْمَصُونِ " لِابْنِ الْجَوْزِيِّ مُعَاشَرَةُ الْوَلَدِ بِاللُّطْفِ وَالتَّأَنِّي وَالتَّعْلِيمِ، وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى ضَرْبِهِ ضُرِبَ) يَعْنِي غَيْرَ مُبَرِّحٍ (وَيُحْمَلُ) الْوَلَدُ (عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) وَيُجَنَّبُ سَيِّئَهَا لِيَعْتَادَ ذَلِكَ وَيَنْشَأَ عَلَيْهِ (فَإِذَا كَبُرَ الْوَلَدُ فَالْحَذَرَ مِنْهُ، وَلَا يُطْلِعُهُ عَلَى كُلِّ الْأَسْرَارِ، وَمِنْ الْغَلَطِ تَرْكُ تَزْوِيجِهِ إذَا بَلَغَ فَإِنَّك تَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ بِمَا كُنْت فِيهِ، فَصُنْهُ عَنْ الزَّلَلِ عَاجِلًا خُصُوصًا الْبَنَاتِ) فَإِنَّ عَارَهُنَّ عَظِيمٌ (وَإِيَّاكَ أَنْ تُزَوِّجَ الْبِنْتَ بِشَيْخٍ أَوْ شَخْصٍ مَكْرُوهٍ) فَرُبَّمَا حَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي (وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْكُنَ إلَيْهِ بِحَالٍ بَلْ كُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تُدْخِلْ الدَّارَ مِنْهُمْ مُرَاهِقًا وَلَا خَادِمًا؛ فَإِنَّهُمْ رِجَالٌ مَعَ النِّسَاءِ، وَنِسَاءٌ مَعَ الرِّجَالِ؛ وَرُبَّمَا امْتَدَّتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ إلَى غُلَامٍ مُحْتَقَرٍ انْتَهَى) . وَكَذَا خِدْمَتُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: السَّيِّدَ (بَيْعُهُ بِطَلَبِهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ (مَعَ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ، وَالْحَقُّ لَهُ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ قِيَامِهِ بِمَا يَجِبُ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهِ؛ وَطَلَبَ بَيْعَهُ، لَزِمَهُ إجَابَتُهُ.
(وَحَرُمَ أَنْ تُسْتَرْضَعَ أَمَةٌ) لَهَا وَلَدٌ (لِغَيْرِ وَلَدِهَا) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لَهُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ (بَعْدَ رِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ فَكَانَ لَهُ اسْتِغْنَاؤُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا.
стр. 3747
(وَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ: الْمُزَوَّجَةِ (بِلَا إذْنِ زَوْجٍ زَمَنَ حَقِّهِ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ زَوْجِهَا بِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِمَا اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ؛ وَيَجُوزُ إيجَارُهَا فِي مُدَّةِ حَقِّ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ.
(وَحَرُمَ جَبْرُهُ) أَيْ: الرَّقِيقِ (عَلَى مُخَارَجَةٍ، وَهِيَ) أَيْ الْمُخَارَجَةُ (جَعْلُ سَيِّدٍ عَلَى رَقِيقٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا مَعْلُومًا) أَيْ: السَّيِّدِ (وَمَا فَضَلَ فَلِلْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا كَالْكِتَابَةِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (هَدِيَّةُ طَعَامٍ وَإِعَارَةُ مَتَاعٍ وَعَمَلِ دَعْوَةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَعَبْدٍ (مَأْذُونٌ) لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَفِي " الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ ") لِابْنِ الْقَيِّمِ (لَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (التَّصَرُّفُ بِمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " كَذَا قَالَ (وَتَجُوزُ) الْمُخَارَجَةُ (بِاتِّفَاقِهِمَا إنْ كَانَتْ قَدْرَ كَسْبِهِ فَأَقَلَّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.» وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ كُلَّ يَوْمٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لَهُ بِمَا لَا يُطِيقُهُ
(وَلَا يَتَسَرَّى عَبْدٌ وَلَوْ أَذِنَ سَيِّدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَالْوَطْءُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ (خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ) مِنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لَهُ التَّسَرِّيَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ شَاقِلَا، وَرَجَّحَهَا الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ " وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ " الْإِنْصَافِ " (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ (فِي التَّسَرِّي بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ كَالنِّكَاحِ فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدٌ رُجُوعًا بَعْدَ تَسَرٍّ) مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِهِ (وَتَحِلُّ) الْأَمَةُ لِلْعَبْدِ (ب) قَوْلِ سَيِّدِهِ لَهُ (تَسَرَّهَا أَوْ أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِذْنِ بِالتَّسَرِّي؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ
стр. 3748
تَنْبِيهٌ: لِلْمُبَعَّضِ وَطْءُ أَمَةٍ مَلَكَهَا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهَا خَالِصُ مِلْكِهِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى سَيِّدٍ امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِرَقِيقٍ) عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَإِعْفَافٍ (إزَالَةُ مِلْكِهِ) عَنْهُ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ عِتْقٌ وَنَحْوُهَا (بِطَلَبِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِعَجْزِ سَيِّدٍ عَنْهُ أَوْ لَا) كَفِرْقَةِ زَوْجَةٍ امْتَنَعَ مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ؛ إزَالَةٌ لِلضَّرَرِ؛ وَفِي الْخَبَرِ: «عَبْدُك يَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي، وَامْرَأَتُك تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا طَلِّقْنِي» (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (لَوْ لَمْ تُلَائِمْ أَخْلَاقُ الْعَبْدِ أَخْلَاقَ سَيِّدِهِ، لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يُعَذِّبُ خَلْقَ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ.»
[فَصْلٌ عَلَى مَالِكِ بَهِيمَةٍ إطْعَامُهَا]
فَصْلٌ (وَعَلَى مَالِكِ بَهِيمَةٍ إطْعَامُهَا وَ) لَوْ عَطِبَتْ؛ وَعَلَيْهِ (سَقْيُهَا) حَتَّى تَنْتَهِيَ (إلَى أَوَّلِ شِبَعٍ وَ) أَوَّلِ (رِيٍّ) دُونَ غَايَتِهِمَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ نَفَقَتِهَا (أَجْبَرَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ) إزَالَةً لِضَرَرِهَا وَظُلْمِهَا، وَلِأَنَّهَا تَتْلَفُ إذَا تُرِكَتْ بِلَا نَفَقَةٍ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا (فَإِنْ أَبَى) فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَعَلَ حَاكِمٌ الْأَصْلَحَ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (أَوْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا) ، وَكَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ (وَيَجُوزُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ كَبَقَرٍ لِحَمْلٍ وَرُكُوبٍ وَإِبِلٍ وَحُمُرٍ لِحَرْثٍ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ؛ وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ، وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ، وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ فِي الْأَدْوِيَةِ؛ وَإِنْ لَمْ
стр. 3749
يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسْرِقُ بَقَرَةً أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا، قَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِذَلِكَ إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ: أَنَّهُ مُعْظَمُ النَّفْعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ غَيْرِهِ (وَجِيفَتُهَا) إنْ مَاتَتْ (لَهُ) أَيْ: لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ لِمَوْتٍ (فَيَدْبَغُ جِلْدَهَا) وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الْيَابِسَاتِ (وَيَأْكُلُهَا) إنْ كَانَ (مُضْطَرًّا) لِأَكْلِهَا (وَنَقَلَهَا عَلَيْهِ لِدَفْعِ أَذَاهَا) ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا كَانَ لَهُ فَغُرْمُهَا عَلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ لَعْنُهَا) أَيْ: الْبَهِيمَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ «عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ. فَلَعَنَتْ امْرَأَةٌ نَاقَةً، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا مَكَانَهَا مَلْعُونَةً، فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا تَعَرَّضَ لَهَا أَحَدٌ» وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ: «لَا تَصْحَبُنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ، فَلَعَنَهَا فَقَالَ ﷺ لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» .
(وَ) يَحْرُمُ (تَحْمِيلُهَا) أَيْ الْبَهِيمَةِ (مُشِقًّا) ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهَا (وَ) يَحْرُمُ (حَلْبُهَا مَا يَضُرُّ وَلَدَهَا) ؛ لِأَنَّ لَبَنَهُ مَخْلُوقٌ لَهُ أَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ، وَيُسَنُّ لِلْحَلَّابِ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ لِئَلَّا يَجْرَحَ الضَّرْعَ.
(وَ) يَحْرُمُ (ذَبْحُ) حَيَوَانِ (غَيْرِهِ مَأْكُولٍ لِإِرَاحَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَذَبْحُهَا إتْلَافٌ لَهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إتْلَافِ الْمَالِ.
(وَ) يَحْرُمُ (ضَرْبُ وَجْهٍ وَوَسْمٌ فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَجْهِ؛ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَعَنَ مَنْ ضَرَبَ أَوْ وَسَمَ الْوَجْهَ، وَنَهَى عَنْهُ» .
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ الْوَسْمُ إلَّا لِمُدَاوَاةٍ، وَقَالَ أَيْضًا يَحْرُمُ لِقَصْدِ الْمُثْلَةِ (وَيَجُوزُ) الْوَسْمُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَجْهِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَالْمُدَاوَاةِ
стр. 3750
(وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ الْوَسْمِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فِي الْبَهَائِمِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ وَلَهُ حُرْمَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
. (وَيُكْرَهُ خَصْيُ غَيْرُ غَنَمٍ وَدُيُوكٍ) وَيَحْرُمُ الْخَصِيُّ فِي الْآدَمِيِّينَ لِغَيْرِ قِصَاصٍ وَلَوْ رَقِيقًا، وَيُكْرَهُ (جَزُّ مَعْرِفَةٍ وَنَاصِيَةٍ وَجَزُّ ذَنَبٍ وَتَعْلِيقُ جَرَسٍ أَوْ وَتَرٍ) لِلْخَبَرِ، وَيُكْرَهُ لَهُ إطْعَامُهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَإِكْرَاهُهُ عَلَى الْأَكْلِ عَلَى مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ عَادَةً لِأَجْلِ التَّسْمِينِ قَالَهُ فِي " الْقُنْيَةِ ".
وَيُكْرَهُ (نَزْوُ حِمَارٍ عَلَى فَرَسٍ) كَالْخِصَاءِ، لِأَنَّهُ لَا نَسْلَ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا، وَيَجِبُ عَلَى مُقْتَنِي الْكَلْبِ الْمُبَاحِ أَنْ يُطْعِمَهُ وَيَسْقِيَهُ أَوْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ؛ وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ شَيْءٍ مِنْ الْبَهَائِمِ لِتَهْلِكَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ، وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومَةٍ، لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» .
(وَيُبَاحُ تَجْفِيفُ دُودِ قَزٍّ بِشَمْسٍ) إذَا اسْتَكْمَلَ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ (وَتَدْخِينُ زَنَابِيرَ) دَفْعًا لِأَذَاهَا بِالْأَسْهَلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهَا إلَّا بِحَرْقٍ جَازَ) إحْرَاقُهَا قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَةِ الْآدَابِ "، وَكَذَا الْقُمَّلُ وَالنَّمْلُ وَنَحْوُهُمَا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِحَرْقِهِ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّاظِمُ؛ وَقَالَ: إنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ صَاحِبَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَقَالَ مَا هُوَ بِبَعِيدٍ.
(فَرْعٌ: تُسْتَحَبُّ نَفَقَتُهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (عَلَى مَالِهِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ) مِنْ دُورٍ وَبَسَاتِينَ وَأَوَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابًا؛ لِئَلَّا يَضِيعَ (وَإِنْ كَانَ) الْمِلْكُ (لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونِ (وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ) عِمَارَةُ دَارِهِ وَحِفْظُ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ بِالسَّقْيِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَحَظِّ وَإِضَاعَتُهُ لِمَالِهِ حَرَامٌ وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي تَرْكِهِ ذَلِكَ إضَاعَةً.
следующие страницы →