Полный текст (4 464 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
حَيَّاتٍ وَأَشْبَاهِ الذُّبَابِ؛ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ.
[فَصْلٌ لِلْمُفْتِي تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ]
فَصْلٌ (وَلِلْمُفْتِي تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَا هُوَ فِي الْخُلْعِ وَيَتَخَيَّرُ) مُسْتَفْتٍ (وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ مُفْتٍ) لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ بِالْأَخْذِ بِقَوْلٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (وَلُزُومُ الْمُتَمَذْهِبِ بِمَذْهَبٍ وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ الْأَشْهَرُ عَدَمُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَامِّيُّ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُوجِبُونَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ يُوجِبُونَ يَقُولُونَ إذَا الْتَزَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ مَا دَامَ مُلْتَزِمًا لَهُ، أَوْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْتِزَامَ الْمَذَاهِبِ وَالْخُرُوجَ عَنْهَا إنْ كَانَ لِغَيْرِ أَمْرٍ دِينِيٍّ مِثْلُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَذْهَبًا لِحُصُولِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَنَحْوِهِ ذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، بَلْ يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا انْتَقَلَ مِنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُسْلِمُ لَا يُسْلِمُ إلَّا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ يُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا أَوْ دُنْيَا يُصِيبُهَا.
قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ انْتِقَالُهُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ، وَلَا يَتَّبِعَ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ. انْتَهَى.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ وَلَا عُذْرٍ، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ بِلَا دَلِيلٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَقَوْلُهُ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ، أَيْ: لِعَالِمٍ أَفْتَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَقَوْلُهُ وَلَا عُذْرٍ أَيْ: يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ، فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ.
стр. 4202
(وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ) كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنَّ مَذَاهِبَهُمْ كَانَتْ كَثِيرَةً مُتَبَايِنَةً، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اسْتَفْتَاهُ: الْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُرَاعِيَ أَحْكَامَ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدْتَهُ؛ لِئَلَّا تُلَفِّقَ فِي عِبَادَتِكَ بَيْنَ مَذْهَبَيْنِ فَأَكْثَرَ، بَلْ كَانَ مَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَفْتَاهُ فِيهَا بِمَا يَرَاهُ مَذْهَبُهُ مُجِيزًا لَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ وَلَا تَفْصِيلٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَمَا أَهْمَلُوهُ، خُصُوصًا مَعَ كَثْرَةِ تَبَايُنِ أَقْوَالِهِمْ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ (فِي " الْمُغْنِي " النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَفِيهِ)
أَيْ: قَوْلِ الْمُوَفَّقِ (نَظَرٌ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ)
أَيْ: الْمُوَفَّقِ (مَا فَهِمَهُ هَذَا الْحَنَفِيُّ. انْتَهَى)
قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرُهُ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْوَصَايَا (وَفِي الْإِفْصَاحِ) لِابْنِ هُبَيْرَةَ: الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ وَفِيهِ) ؛ أَيْ: كَلَامِ الْإِفْصَاحِ (نَظَرٌ بَلْ يَجُوزُ) تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ مِنْ الثِّقَاتِ (حَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْمَسْأَلَةُ قَيْدًا كَمُقَلِّدِ دَاوُد) الظَّاهِرِيِّ (فِي حِلِّ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمُقَلِّدِ ابْنِ حَزْمٍ فِي اللُّبْثِ بِمَسْجِدٍ لِلْجُنُبِ وَمُقَلِّدِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ) وَابْنِ الْقَيِّمِ (وَغَيْرِهِمَا) مِمَّنْ يُفْتِي (فِي أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ إذَا كَانَ دَفْعَةً) كَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَحْوُهُ (لَا يَقَعُ غَيْرَ وَاحِدَةٍ، وَفِي عَلَيَّ الطَّلَاقُ) لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَمْ يَفْعَلْهُ (لَا يَقَعُ شَيْءٌ، فَإِنْ احْتَمَلَ التَّقَيُّدَ امْتَنَعَ كَمُقَلَّدِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ الْحِيلَةِ) لِأَنَّ الْحِيَلَ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (وَمُقَلَّدُ نَافِعٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ حَالَةَ الْحَيْضِ وَأَمْثَالِ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ) وَلِانْفِرَادِهِمَا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمَا
стр. 4203
وَمُعَاصِرُوهُمَا فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ دَاوُد فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ.
لَا يَأْبَاهَا، وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ حَزْمٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَدْ قَالَ بِهَا، وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِهَا كَثِيرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَقَدْ أَنْهَيْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي بَابِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ نِسْبَتِهَا لِهَؤُلَاءِ الرِّجَالِ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ خُصُوصًا إذَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي وَلَا لِغَيْرِهِ تَتَبُّعُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ، وَلَا تَتَبُّعُ الرُّخَص لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمَكْرُوهَةَ وَالْمُحَرَّمَةَ وَالرُّخَصَ (فَسَقَ، وَحَرُمَ اسْتِفْتَاؤُهُ وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ) .
، أَيْ: الْمُفْتِي (فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ، وَلَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا مَفْسَدَةَ، لِيَتَخَلَّصَ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ كَمَا «أَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا إلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا؛ فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا» ) بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ، أَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ مِنْ جِنْسِ الْأُولَى عَلَى صِفَتِهَا؛ فَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا وَمَا إذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ قَبْضِهَا مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ فَلَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ
(وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ) لِإِمَامِهِ، أَوْ وَجْهَيْنِ لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ؛ فَيُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا (بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، فَيَعْمَلُ بِهِ، لِقُوَّتِهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا اعْتَدِلْ عِنْدَهُ قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا) .
стр. 4204
(وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ) لِظُهُورِ الدَّلِيلِ مَعَهُ، أَفْتَى بِهِ، أَيْ: بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ (وَأَعْلَمَ السَّائِلَ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْلِيدِهِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إذَا جَاءَتْ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ) أَيْ: حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَا مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ (فَأَفْتِ فِيهَا
стр. 4205
بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ) وَفِي " الْمُبْدِعِ " قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا»
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مُفْتِيًا) وَاحِدًا (لَزِمَهُ أَخْذُهُ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ حَاكِمٌ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ (وَكَذَا مُلْتَزِمُ قَوْلِ مُفْتٍ وَثَمَّ غَيْرُهُ)
стр. 4206
قَالَ فِي " شَرَحَ التَّحْرِيرِ " (فَلَوْ أَفْتَى الْمُقَلِّدَ مُفْتٍ) وَاحِدٌ (وَعَمِلَ بِهِ الْمُقَلِّدُ؛ لَزِمَهُ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ إجْمَاعًا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا) وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ ": هَذَا الْأَشْهَرُ
[تَتِمَّةٌ جَعَلَ أَهْلُ بَلَدٍ لِلْمُفْتِي رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ جَعَلَ أَهْلُ بَلَدٍ لِلْمُفْتِي رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ؛ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ، وَجَعْلُ الْأَرْزَاقِ مَعْرُوفٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا يُورَثُ، بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ قَالَ: وَبَابُ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ وَأَبْعَدُ فِي بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُكَاسَبَةِ، وَلِلْمُفْتِي قَبُولُ هَدِيَّةٍ لَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا.
[فَصْلٌ فِي مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَفْتَى كِتَابَةً]
فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَفْتَى خَطًّا) ؛ أَيْ: كِتَابَةً لَا لَفْظًا (أَنْ يَكْتُبَ فِي أَوَّلِ فَتْوَاهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي آخِرِهَا: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَتَبَهُ فُلَانٌ الْحَنْبَلِيُّ أَوْ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ) كَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِمَنْ سَلَفَ وَ (يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْتَبَ الْجَوَابُ بِخَطٍّ وَاضِحٍ، وَيُقَارِبُ سُطُورَهُ وَخَطَّهُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ الْجَوَابَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ خَوْفَ غَلَطٍ أَوْ سَهْوٍ، وَإِذَا رَأَى فِي آخِرِ سَطْرٍ الْفُتْيَا أَوْ فِي خِلَالِهَا بَيَاضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ؛ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ بِالْأَمْرِ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ أَوْ يَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ) لِيَأْمَنَ مِنْ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا فِي الرُّقْعَةِ) الْمَكْتُوبِ فِيهَا السُّؤَالُ (أَوْ رَأَى خَطًّا يُحِيلُ بِهِ الْمَعْنَى أَصْلَحَهُ) لِأَنَّ إجَابَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ الْمَقْصُودِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا
стр. 4207
بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الْوَرَقَةِ) وَلَا يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ السَّائِلُ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مُلْتَزِقَةٌ كَتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الِالْتِزَاقِ، وَشَغَلَهُ بِشَيْءٍ؛ لِئَلَّا يُحَلَّ اللَّزُوقُ، وَيُوصَلَ بِرُقْعَةٍ أُخْرَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ لِيَلْزَقَ؛ لَمْ يُجِبْ، لِئَلَّا يَلْزَقَ بِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُهُ فِي الْحُكْمِ.
(وَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ جَوَابِ مَنْ تَقَدَّمَهُ) بِالْفُتْيَا (جَوَابِي كَذَلِكَ، أَوْ الْجَوَابُ صَحِيحٌ) وَبِهِ أَقُولُ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِذَا عَلِمَ صَوَابَ جَوَابِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، وَكَانَ أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَوَابَهُ (اسْتَقَلَّ بِالْجَوَابِ) مَعَهُ فِي الْوَرَقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ تَقَدَّمَ الْمُفْتِيَ أَهْلًا لِلْفُتْيَا، لَمْ يُفْتِ مَعَهُ، لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي اسْمَ مَنْ كَتَبَ قَبْلَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْفُتْيَا مَعَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَهْلٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِلْمُنْكَرِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِ الرُّقْعَةِ بِإِبْدَالِهَا إذَا جَهِلَ الْمُفْتِي قَبْلَهُ فِيهَا، فَإِنْ أَبَى إبْدَالَهَا أَجَابَهُ شِفَاهًا (وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْإِفْتَاءِ فِي الرُّقْعَةِ كَتَبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَإِنْ كَتَبَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَسْفَلِ جَازَ وَلَا يَكْتُبُ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ احْتِرَامًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ إشْغَالٌ لِلرُّقْعَةِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُرْضِي رَبَّهَا بِذَلِكَ، وَدَلَالَةُ الْحَالِ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ جَوَابِهِ عَمَّا فِي الرُّقْعَةِ: زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ.
(وَإِنْ جَهِلَ الْمُفْتِي لِسَانَ السَّائِلِ) أَيْ: لُغَتَهُ (أَجْزَأَتْ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ) كَالْإِخْبَارِ بِالْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، بِخِلَافِ التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ فَحُكْمُهَا كَالشَّهَادَةِ، وَيَأْتِي
(وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَالْأَقَارِيرِ (بِمَا اعْتَادَهُ هُوَ مِنْ فَهْمِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عُرْفَ أَهْلِهَا وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِهَا، بَلْ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا اعْتَادُوهُ وَعَرَفُوهُ، وَإِنْ كَانَ) الَّذِي اعْتَادَ (مُخَالِفًا
стр. 4208
لِحَقَائِقِهَا الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ: اللُّغَوِيَّةِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْعُرْفِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُلْقِيَ السَّائِلَ فِي الْحَيْرَةِ، كَأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ) تَعَالَى، أَوْ يَقُولَ: فِيهَا، أَيْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا (قَوْلَانِ، بَلْ يُبَيِّنُ بَيَانًا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ) لِأَنَّ الْفُتْيَا تُبَيِّنُ الْحُكْمَ.
(وَمَنْ كَتَبَ عَلَى فُتْيَا أَوْ شَهَادَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، وَلَا أَنْ يُوَسِّعَ السُّطُورَ بِلَا إذْنٍ أَوْ حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّهِ لَا بِإِمْلَائِهِ) وَتَهْذِيبِهِ (وَإِذَا كَانَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَسَائِلُ؛ فَالْأَحْسَنُ تَرْتِيبُ الْجَوَابِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمَسَائِلِ) لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ (بَلْ يَذْكُرُ جَوَابَ مَا فِي الرُّقْعَةِ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ مَا فِيهَا؛ فَلْيَقُلْ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا) ، وَإِنْ أَمَرَ السَّائِلُ بِتَغْيِيرِ الرُّقْعَةِ فَهُوَ أَوْلَى (وَلَهُ) أَيْ: الْمُفْتِي الْعُدُولُ (عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلسَّائِلِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
وَيَجُوزُ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُجِيبَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) عَنْهُ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ : وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلِلْمُفْتِي (أَنْ يُنَبِّهَهُ) أَيْ: الْمُسْتَفْتِيَ (عَلَى مَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ (وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا وَطَّأَ قَبْلَهُ مَا هُوَ كَالْمُقَدِّمَةِ) لَهُ لِيُزِيلَ اسْتِغْرَابَهُ.
(وَلْيَحْذَرْ الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا هُوَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُسْتَفْتِي (وَيَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ) كَأَنْ يُحَاوِلَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَجْعَلَهُ كَالْمُعْمَى فَيَنْفِرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ السَّائِلُ أَوْ خَصْمُهُ،
стр. 4209
وَلَهُ؛ أَيْ: الْمُسْتَفْتِي (الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ وَسُعَاتِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ. وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِكُتُبِ الْأَئِمَّةِ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُمْ، أَوْ نَقَلَهَا الثِّقَةُ مِنْ خَطِّهِمْ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْقَضَاءُ]
فَصْلٌ (وَالْقَضَاءُ هُوَ) فِي اللُّغَةِ إحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وَبِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَبِمَعْنَى أَمْضَى الْحُكْمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: " ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] ، أَيْ: وَأَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا، وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا، لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا أَوْ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاصْطِلَاحًا: (تَبَيُّنُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْإِلْزَامُ بِهِ وَفَصْلُ الْحُكُومَاتِ) ؛ أَيْ: الْخُصُومَاتِ. وَالْحُكْمُ إنْشَاءٌ لِذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ، أَوْ لِلْإِبَاحَةِ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَالْإِطْلَاقُ، إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْإِبَاحَةِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ وَفِي " الِاخْتِيَارَاتِ الْحَاكِمُ فِيهِ صِفَاتٌ ثَلَاثٌ، فَمِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ هُوَ شَاهِدٌ وَمِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ " وَالنَّهْيِ هُوَ مُفْتٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ هُوَ ذُو سُلْطَانٍ. انْتَهَى.
стр. 4210
وَأَرْكَانُ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ: الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ. (وَهُوَ) ؛ أَيْ الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ بِنَصَبِ الْقُضَاةِ الْإِمَامُ كَمَا يَأْتِي.
(وَوِلَايَتُهُ) ؛ أَيْ: الْقَضَاءِ (رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ) وَنَصَبَةُ شَرْعِيَّةٌ (وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ) قَالَ. مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْوِلَايَةِ دِينًا وَقُرْبَةً؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ الْأَكْثَرِ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهِ) ، أَيْ: الْقَضَاءِ: (وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
أَيْ: مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ، فَلْيَحْذَرْهُ، وَالذَّبْحُ هَاهُنَا مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ.
فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ (فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ) أَوْ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَفِي النَّارِ، (وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَفِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» .
стр. 4211
وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، وَلِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ،
لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّفَرِ إلَى الْإِمَامِ، فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ
؛ لِمَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ.
وَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْإِقْلِيمُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لَهُمْ، فَيَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ الْعِلْمِ بِهِ، الْأَفْضَلُ أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ وَكَذَا مِنْ وَرَعِهِ أَشَدُّ، سُكُونُ النَّفْسِ إلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ أَعْظَمُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ، فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ أَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْئُولِ غَرَضٌ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْهَا، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَإِلَّا لَمْ يُوَلِّهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَيَأْمُرُهُ بِالتَّقْوَى) وَإِيثَارِ الطَّاعَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
(وَتَحَرِّي الْعَدْلِ) وَالِاجْتِهَادِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ، وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ عَهْدًا يَذْكُرُ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ وَلَّاهُ، أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ إلَى آخِرِهِ (وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: نَاحِيَةٍ (أَفْضَلُ مَنْ يَجِدُ لَهُمْ) عِلْمًا وَوَرَعًا، لِحَدِيثِ: «مَنْ وُلِّيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ ".
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ
стр. 4212
بِهِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ، وَلِئَلَّا تَضِيعَ حُقُوقُ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ لَهُ أَوْ وُجِدَ مَوْثُوقٌ بِهِ غَيْرُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الدُّخُولُ فِيهِ (وَمَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ) مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ (الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ) إذَا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ، طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَرَفْعًا لِلْخَطَرِ، وَاتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي لَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا حُبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ حَتَّى يَقِفَهُ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى اللَّهِ ، فَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ أَلْقَاهُ فِي مَهْوًى أَيْ: فَهَوَى أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَكُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ: الْقَضَاءِ إذًا أَيْ: مَعَ وُجُودِ صَالِحٍ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ جُبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» . وَيُكْرَهُ أَيْضًا طَلَبُ الْإِمَارَةِ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ) طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ) الدُّخُولُ فِيهِ (وَتَأَكَّدَ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ
(وَيَحْرُمُ بَذْلُ مَالٍ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ بُذِلَ لَهُ الْمَالُ فِي الْقَضَاءِ (أَخْذُهُ) وَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (وَ) يَحْرُمُ (دُخُولُ مَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ) أَيْ: صَالِحٌ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذَى الْقَائِمِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ؛ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَتَهُ أُثِيبَ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ لِيَخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، وَيَحْرُمُ الدُّخُولُ فِي الْقَضَاءِ
стр. 4213
عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ، وَالشَّفَاعَةُ لَهُ وَإِعَانَتُهُ عَلَى التَّوْلِيَةِ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ (حَرِيصٍ عَلَيْهَا) بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِي أَهْلِيَّتِهِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى.
وَيَصِحُّ (تَعْلِيقُ وِلَايَةِ قَضَاءٍ) وَتَعْلِيقُ وِلَايَةِ (إمَارَةٍ) بِبَلَدٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ (بِشَرْطٍ) نَحْوِ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنْ مَاتَ فُلَانٌ الْقَاضِي أَوْ الْأَمِيرُ فَفُلَانٌ عِوَضُهُ؛ لِحَدِيثِ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .
(وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أَيْ: وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، (كَوْنُهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَأَنْ يَعْرِفَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (أَنَّ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً (صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْجَهْلَ؛ بِصَلَاحِيَّتِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ سَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ (وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ) الْأَعْمَالِ كَدِمَشْقَ وَنَوَاحِيهَا (وَالْبُلْدَانِ) كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ، فَيَحْكُمُ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وِلَايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوَكَالَةِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (مُشَافَهَتُهُ) بِهَا أَيْ: الْوِلَايَةِ إنْ كَانَ بِمَجْلِسِهِ (أَوْ مُكَاتَبَتُهُ) فَيَكْتُبُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» ، وَكَتَبَ عَمْرٌو إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا فَاسْمَعُوا لَهُمَا وَأَطِيعُوا (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ) عَلَيْهِمَا
стр. 4214
أَيْ: التَّوْلِيَةِ إنْ بَعْدَمَا وَلَّاهُ فِيهِ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَيَكْتُبُ الْعَهْدَ وَيَقْرَؤُهُ عَلَى الْعَدْلَيْنِ، وَيَقُولُ لَهُمَا الْمُوَلِّي: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ فُلَانًا قَضَاءَ كَذَا، وَتَقَدَّمْتُ إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْعَهْدُ لِيَمْضِيَا إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ هُنَاكَ (أَوْ اسْتِفَاضَتُهَا) أَيْ: الْوِلَايَةِ (إذَا كَانَ بَلَدُ الْإِمَامِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وُلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ آكَدُ مِنْ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَالْمَوْتُ؛ فَلَا حَاجَةَ مَعَهَا إلَى الشَّهَادَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ (عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ) لِئَلَّا يُفْضِيَ تَعَذُّرَ التَّوْلِيَةِ.
(وَأَلْفَاظُهَا) أَيْ: التَّوْلِيَةِ (الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ الْحُكْمَ، وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، وَرَدَدْتُ) إلَيْكَ الْحُكْمَ (وَجَعَلْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ فِي الْحُكْمِ، وَاسْتَنَبْتُك فِي الْحُكْمِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ: أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ (وَقَبِلَ مُوَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ (حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ) انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ قَبِلَ التَّوْلِيَةَ (غَائِبٌ عَنْ) الْمَجْلِسِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الْوِلَايَةِ لَهُ (أَوْ شَرَعَ غَائِبٌ فِي الْعَمَلِ، انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ.
(وَالْكِنَايَةُ) مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْلِيَةِ (نَحْوُ اعْتَمَدْتُ عَلَيْك، أَوْ عَوَّلْت عَلَيْك، أَوْ وَكَلْتُ إلَيْكَ، أَوْ اسْتَنَدْتُ إلَيْكَ) ، لَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ (بِهَا) ؛ أَيْ: الْكِتَابَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ (نَحْوُ فَاحْكُمْ) أَوْ اقْضِ فِيهِ (أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الْوِلَايَةَ، وَغَيْرَهَا، كَالْأَخْذِ بِرَأْيِهِ وَنَحْوِهِ، فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ لَهُ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي بَلَدِ كَذَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَدْ وَلَّيْته؛ لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ (لِمَنْ نَظَرَ لِجَهَالَتِهِ) حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ وَاحِدًا مِنْهَا؛ كَقَوْلِهِ بِعْتُ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ
стр. 4215
(وَإِنْ قَالَ وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا) فِي الْحُكْمِ (فَهُوَ خَلِيفَتِي) انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لَهُمَا جَمِيعًا بِقَوْلِهِ وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا (وَيَتَعَيَّنُ مَنْ سَبَقَ) مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ بِقَوْلِهِ: مَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي.
[فَصْلٌ فِي مَا تُفِيدُهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّة]
فَصْلٌ (وَتُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ عَامَّةٍ) أَيْ: لَمْ تُقَيَّدْ بِحَالٍ دُونَ أُخْرَى (النَّظَرَ فِي أَشْيَاءَ وَالْإِلْزَامَ بِهَا) أَيْ: بِأَشْيَاءَ (وَهِيَ فَصْلُ الْحُكُومَةِ وَأَخْذُ الْحَقِّ) مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (وَدَفْعُهُ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَالنَّظَرَ فِي مَالِ يَتِيمٍ وَمَالِ مَجْنُونٍ وَمَالِ سَفِيهٍ) لَا وَلِيَّ لَهُمْ غَيْرُهُ (وَمَالِ غَائِبٍ، وَالْحَجْرُ لِسَفَهٍ، وَالْحَجْرُ لِفَلَسٍ، وَالنَّظَرَ فِي وُقُوفِ عَمَلِهِ لِتَجْرِيَ عَلَى شَرْطِهَا، وَالنَّظَرَ فِي مَصَالِحِ طُرُقِ عَمَلِهِ وَأَفْنِيَتِهِ) جَمْعُ فِنَاءٍ مَا اتَّسَعَ أَمَامَ دُورِ عَمَلِهِ (وَتَنْفِيذَ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) مِنْ النِّسَاءِ (وَتَصَفُّحَ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ لِيَسْتَبْدِلَ بِمَنْ ثَبَتَ جُرْحُهُ، وَإِقَامَةِ حَدٍّ) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُقِيمُ ذَلِكَ» وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) وَتُفِيدُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ أَيْضًا (دِعَايَةً لِصَلَاةٍ) لِأَنَّهَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِمَامَةَ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوَاقِفِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (وَجِبَايَةَ خَرَاجٍ وَجِبَايَةَ زَكَاةٍ مَا لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ) يَجْبِيهِمَا كَالْآنِ (وَلَا) تُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ (الِاحْتِبَاسَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَلَا إلْزَامَهُمْ بِالشَّرْعِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَوَلِّي الْقَضَاءِ لِذَلِكَ.
هَذَا
стр. 4216
الْمَذْهَبُ (خِلَافًا " لِلتَّبْصِرَةِ " وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا، بَلْ يَتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُحَدُّ شَرْعًا يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَمِيرُ الْبَلَدِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْأَدَبِ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالْحُدُودُ وَالرَّجْمُ إنَّمَا يَكُونُ هَذَا إلَى الْقَاضِي.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَاضِي (طَلَبُ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَفَرَضَ لَهُ رِزْقًا، وَرَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمِ وَبَعَثَ إلَى الْكُوفَةِ عَمَّارًا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَرِزْقُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةٌ، نِصْفُهَا لِعَمَّارٍ، وَنِصْفُهَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيَهُمْ وَمُعَلِّمَهُمْ وَكَتَبَ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الشَّامِ أَنْ اُنْظُرَا رِجَالًا مِنْ صَالِحِي مَنْ قِبَلَكُمْ فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ، وَوَسِّعُوا عَلَيْهِمْ وَارْزُقُوهُمْ وَاكْفُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى (حَتَّى مَعَ عَدَمٍ حَاجَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْقَضَاءِ،
وَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْفَرْضُ لَهُمْ لَتَعَطَّلَ الْقَضَاءُ، وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ
، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ رِزْقًا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
(فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ؛ أَيْ: الْقَاضِي شَيْءٌ) مِنْ بَيْتٍ الْمَالِ (وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ) وَعِيَالَهُ (وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعَلٍ جَازَ) لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ إلَّا الْأُجْرَةَ.
قَالَ عُمَرُ: لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أُجْرَةً.
وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ.
قُلْتُ: وَالْمُحَكَّمُ مِثْلُهُ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجُعْلَ (لَا مَنْ تَعَيَّنَ أَنْ يُفْتِيَ وَلَهُ كِفَايَةٌ) فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الْإِفْتَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأَنْ كَانَ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ؛ جَازَ.
(وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مِنْ الْمُفْتِينَ (لَا يَأْخُذُ) مِنْ مُسْتَفْتٍ (أُجْرَةً
стр. 4217
لِفُتْيَاهُ وَلَا لِخَطِّهِ اكْتِفَاءً بِمَا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا يَأْخُذُ رِزْقًا، أَوْ أَخَذَ مَا لَا يَكْفِيهِ؛ أَخَذَ) أُجْرَةَ خَطِّهِ فَقَطْ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فَرْضُ رِزْقٍ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (يُغْنِي عَنْ التَّكَسُّبِ، فَمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ عِلْمٍ وَفُتْيَا)
لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى قِيَامِ ذَلِكَ وَالِانْقِطَاعِ لَهُ
، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ.
[فَصْلٌ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَاضِيَ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ]
فَصْلٌ (وَيَجُوزُ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يُوَلِّيَ الْقَاضِيَ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ) بِأَنْ يُوَلِّيَهُ سَائِرَ الْأَحْكَامِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، وَيَجُوزُ (أَنْ يُوَلِّيَهُ خَالِصًا فِي أَحَدِهِمَا) أَوْ خَاصًّا فِيهِمَا، فَيُوَلِّيهِ عُمُومَ النَّظَرِ بِمَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ يُوَلِّيَهُ (خَالِصًا) كَعُقُودِ الْأَنْكِحَةِ مَثَلًا (بِمُحِلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيُنَفِّذُ حُكْمَهُ فِي مُقِيمٍ بِهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَحَلَّةِ (أَوْ فِي طَارِئٍ إلَيْهَا) وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي الطَّارِئِ إلَيْهَا كَأَهْلِهَا (فَقَطْ) فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَنْ لَيْسَ مُقِيمًا بِهَا وَلَا طَارِئًا إلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ (لَكِنْ لَوْ أَذِنَتْ لَهُ) امْرَأَةٌ (فِي تَزْوِيجِهَا) وَهِيَ فِي عَمَلِهِ (فَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ عَمَلِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ) تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَيْسَتْ فِي وِلَايَتِهِ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا، وَهِيَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) ثُمَّ زَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ إلَى عَمَلِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ، إذْ لَا أَثَرَ فِي إذْنِهَا بِغَيْرِ عَمَلِهِ؛ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا إذَنْ، كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ إلَى عَمَلِهِ بَعْدَ إذْنِهَا لَهُ (فَلَوْ عَلَّقَتْ الْإِذْنَ) فِي تَزْوِيجِهَا (بِدُخُولِهِ عَمَلَهُ، صَحَّ) تَزْوِيجُهُ لَهَا، لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ، وَالْإِذْنِ فِي مُعَيِّنِ الْوَكَالَةِ، وَلَيْسَ وَكَالَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ عَزْلَهُ.
(وَلَا يَحْكُمُ) قَاضٍ (وَلَا يُوَلِّي، وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، وَهُوَ)
стр. 4218
عَمَلُهُ (مَحَلُّ) نُفُوذِ (حُكْمِهِ) فَمَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ بِمَجْلِسٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إلَّا فِيهِ، وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ إلَّا فِيهِ (وَتَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ) إذَا سَمِعَهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي عَمَلِهِ (كَتَعْدِيلِهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ؛ فَلَا يَسْمَعُهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، فَإِنْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِهِ أَعَادَهُ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ عَمَلِهِ كَسَمَاعِهِ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ.
(وَإِنْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ؛ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (فَإِنْ حَكَّمَاهُ) الْخَصْمَانِ بَيْنَهُمَا (صَحَّ) مِنْهُ (كَغَيْرِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ يُوَلِّيهِ) أَيْ: يُوَلِّي الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِيهِ (الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ كَأَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا فِي عَشَرَةٍ فَمَا دُونُ، أَوْ يُجْعَلَ إلَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي (عُقُودُ الْأَنْكِحَةِ خَاصَّةً) فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ أَوْ فِي بَلَدٍ خَاصٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ، فَمَلَكَ الِاسْتِنَابَةَ فِي جَمِيعِهِ وَبَعْضِهِ، وَقَدْ صَحَّ: أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَوَلَّى عُمَرُ الْقَضَاءَ، وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَهُ فِي جَمْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَخُلَفَاءَهُ» .
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ (أَنْ يُوَلِّيَ) قَاضِيًا (مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ (وَلَهُ) أَنْ يُوَلِّيَ (قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ اتَّحَدَ عَمَلُهُمَا) لِأَنَّ الْغَرَضَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ؛ فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ وَخُلَفَاءَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ (وَلِنَائِبِ الْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ مَعَ الْإِطْلَاقِ) .
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ، وَجَعْلًا لَهُ كَالْوَصِيِّ (لَا إنْ نَهَاهُ) عَنْ الِاسْتِخْلَافِ، فَإِنْ نَهَاهُ الْإِمَامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَاصِرَةٌ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ) لِلْقَاضِي (أَنْ يَسْتَنِيبَ وَلَوْ نَهَاهُ) الْإِمَامُ (حَيْثُ قُلْنَا هُوَ)
стр. 4219
أَيْ: الْقَاضِي نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ لَا نَائِبُ (الْإِمَامِ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ مَنْ وَلَّاهُ وَلَا بِمَوْتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ، وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، فَإِنْ وَلَّاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّتْ الْوِلَايَةُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
(وَيَتَّجِهُ حَمْلُهُ) أَيْ: عَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى قَاضٍ مُجْتَهِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادِهِ؛ فَتَقْلِيدُهُ الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ غَيْرُ جَائِزٍ (وَإِلَّا) ، نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، فَلَا يَصِحُّ؛ (لِأَنَّ عَمَلَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ اُسْتُتِيبَ وَإِلَّا قُتِلَ.
قَالَ: وَإِنْ قَالَ يَنْبَغِي تَقْلِيدُ إمَامٍ بِعَيْنِهِ كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا، وَقَالَ: وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِإِمَامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى؛ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْحَالِ، أَيْ: حَالِ قُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 4220
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ وَالِدَهُ، وَ) لَا أَنْ يُوَلِّيَ (وَلَدَهُ مِنْ أَيِّ: إنْسَانٍ فَرَضَ لَهُ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ) كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي صَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ) يَجُوزُ لَهُ أَيْ: لِمَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْقَضَاءَ (ذَلِكَ) أَيْ: أَنْ يُوَلِّيَ وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ كَغَيْرِهِمَا (لِمَا يَأْتِي) قَرِيبًا أَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، لَا نَائِبُ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ تَوْلِيَةُ مَنْ شَاءَ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " (هُنَا) فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ نَفْسَهُ وَلَا وَالِدَهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ، فَجَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْوَكِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُقَدَّمُ قَوْلُ طَالِبٍ) إذَا تَنَازَعَ خَصْمَانِ، وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْحُكْمَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا؛ فَيُقَدَّمُ مُدَّعٍ (وَلَوْ عِنْدَ نَائِبٍ) وَالْآخَرُ عِنْدَ مُسْتَنِيبٍ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى حَقٌّ لِلْمُدَّعِي (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ: الْخَصْمَانِ فِي الطَّلَبِ (كَمُدَّعَيْنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ؛ فَأَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ) يُقَدَّمُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى كُلْفَةِ الْمُضِيِّ لِلْأَبْعَدِ
стр. 4221
(ثُمَّ) إنْ اسْتَوَى الْحَاكِمَانِ أَيْضًا فِي الْقُرْبِ، يُقَدَّمُ مِنْ الْحَاكِمَيْنِ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ (قُرْعَةٌ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا.
(وَإِنْ زَالَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ أَوْ عُزِلَ الْإِمَامُ وَمَنْ وَلَّاهُ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ) لِلْقَضَاءِ، (لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، لَا الْإِمَامِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ الصَّادِرَةَ مِنْ الْإِمَامِ لِلْقَاضِي عَقْدٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَمْلِكْ عَزْلَهُ مَعَ سَدَادِ حَالِهِ، كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَانِهِمْ فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ،
وَلِمَا فِي عَزْلِهِ بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِتَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَوَفُّقِهَا إلَى أَنْ يَتَوَلَّى الثَّانِي.
(وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا، فَعَزَلَ نُوَّابَهُ فِي قَضَاءٍ أَوْ نَظَرِ وَقْفٍ أَوْ عَلَى أَيْتَامٍ أَوْ بَيْعِ تَرِكَةِ مَيِّتٍ أَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ، أَوْ زَالَتْ بِنَحْوِ فِسْقٍ) كَاخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِهِ (انْعَزَلُوا عَلَى الصَّحِيحِ) مِنْ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ كَالْوُكَلَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ قَاضِيًا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ عِنْدَهُ وَعِنْدَ نُوَّابِهِ بِالْبُلْدَانِ، فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (لَا إنْ قَالَ) الْإِمَامُ لِلْقَاضِي (اسْتَخْلِفْ عَنِّي) فَاسْتَخْلَفَ شَخْصًا ثُمَّ عَزَلَهُ، لَمْ يَنْعَزِلْ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ لَا الْقَاضِي.
(وَكَقَاضٍ) فِي الْحُكْمِ (وَالٍ وَمُحْتَسِبٍ وَأَمِيرِ جِهَادٍ وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ) وَمَنْ نُصِّبَ لِجِبَايَةِ مَالٍ كَخَرَاجٍ وَصَرْفِهِ (وَيَتَّجِهُ إذَا وَلَّاهُمْ الْإِمَامُ) فَلَا يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِهِ وَلَا مَوْتِهِ، لِأَنَّهَا عُقُودٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَإِلَّا) يَكُنْ وَلَّاهُمْ الْإِمَامُ فَهُمْ (كَنُوَّابِ قَاضٍ) يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِ مَنْ وَلَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ وُكَلَاؤُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ) مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَأُجْرَةِ مَسْكَنٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ وَعَطَاءٍ مِنْ دِيوَانِ الْمَصْلَحَةِ (فِي الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ) مَاتَ مَنْ فَرَضَهُ، أَوْ
стр. 4222
عُزِلَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ تَغْيِيرُهُ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ.
(وَمَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ) مِنْ إمَامٍ وَقَاضٍ وَوَالٍ وَمُحْتَسِبٍ وَنَحْوهمْ (انْعَزَلَ) سَوَاءٌ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ (بِعَزْلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ) لِتَعَلُّقِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامِهِمْ بِهِ؛ فَيَشُقُّ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ.
(وَمَنْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ مُوَلًّى بِبَلَدٍ، وَوُلِّيَ غَيْرُهُ، فَبَانَ) الْمَخْبَرُ عَنْهُ (حَيًّا لَمْ يَنْعَزِلْ مَنْ أُشِيعَ مَوْتُهُ) لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْبَارِ (وَكَذَا كُلُّ) مَا رَتَّبَ عَلَى إنْهَاءِ فَاسِدٍ (كَمَنْ أَنْهَى شَيْئًا فَوُلِّيَ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ لَمْ) تَصِحَّ، لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِنْهَاءِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ فَلْيَنْتَبْهُ لَهَا.
[فَصْلٌ فِي شُرُوط الْقَاضِي]
فَصْلٌ (يُشْتَرَطُ كَوْنُ قَاضٍ) مُتَّصِفًا بِعَشْرِ صِفَاتٍ أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (بَالِغًا عَاقِلًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَنْفُذُ قَوْلُهُ فِي (نَفْسِهِ) فَلَأَنْ لَا يَنْفُذَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى، وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا، وَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مَسَافَاتٌ (ذِكْرًا) لِحَدِيثِ: «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» .
وَلِأَنَّهَا ضَعِيفَةُ الرَّأْيِ، نَاقِصَةُ الْعَقْلِ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ، وَلَمْ يُوَلِّ ﵊ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ امْرَأَةً قَضَاءً (حُرًّا) كُلُّهُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِرِقِّهِ، مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ (مُسْلِمًا) ، لِأَنَّ الْكُفْرَ يَقْتَضِي إذْلَالَ صَاحِبِهِ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي احْتِرَامَهُ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ فَهُنَا أَوْلَى (عَدْلًا وَلَوْ ظَاهِرًا كَإِمَامَةِ صَلَاةٍ) عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ، وَالْمَذْهَبُ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ بَاطِنًا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ (وَكَوَلِيِّ يَتِيمٍ وَحَاضِنٍ) صَغِيرٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ (تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ، وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ
стр. 4223
قَبُولَ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَاضِيًا (سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّزُ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا الْمُقِرَّ مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ (مُتَكَلِّمًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ (مُجْتَهِدًا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إجْمَاعًا)
لِأَنَّ فَاقِدَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] (وَلَوْ) كَانَ اجْتِهَادُهُ (فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (لِلضَّرُورَةِ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ مِنْهُمْ) صَاحِبُ " الْإِفْصَاحِ " وَصَاحِبُ " الرِّعَايَةِ " (أَوْ مُقَلِّدًا) ، وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ انْتَهَى.
(وَكَذَا الْمُفْتِي) وَعَلَيْهِ فَيُرَاعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَلْفَاظَ إمَامِهِ، وَيُرَاعِي مِنْ أَقْوَالِهِ مُتَأَخِّرَهَا، وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ، (وَيْحَكُمْ بِهِ - وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ) وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ، وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِالْهَوَى إجْمَاعًا، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعًا.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذِهِ الشُّرُوطُ تُعْتَبَرُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، وَتَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ.
فَالْأَمْثَلِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ (وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَيْضًا) : يُوَلَّى لِعَدَمِ أَنْفَعِ الْفَاسِقَيْنِ وَأَقَلِّهِمَا شَرًّا، (وَأَعْدَلِ - الْمُقَلِّدَيْنِ وَأَعْرَفُهُمَا بِالتَّقْلِيدِ) وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ، وَاخْتَلَّ النِّظَامُ.
(وَلَوْ وَلَّاهُ فِي الْمَوَارِيثِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا الْفَرَائِضَ وَالْوَصَايَا وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَلَّاهُ عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ وَفَسْخَهَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا ذَلِكَ)
стр. 4224
وَعَلَى هَذَا فَقُضَاةُ الْأَطْرَافِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْضُوا فِي الْأُمُورِ الْكَبَائِرِ كَالدِّمَاءِ وَالْقَضَايَا الْمُشْكِلَةِ.
(وَيَجُوزُ) أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي (اقْضِ فِيمَا تَعْلَمُ) كَمَا يَقُولُ لِمُفْتٍ (أَفْتِ بِمَا تَعْلَمُ، وَيَبْقَى مَا لَا يَعْلَمُ خَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ انْتَهَى. وَمِثْلُهُ لَا تَقْضِ فِيمَا مَضَى لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَنَحْوُهُ)
لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ (وَإِنْ نَهَاهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَلَهُ الْحُكْمُ) كَمَا لَوْ لَمْ يَنْهَهُ صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا وَلَّاهُ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ قَاضٍ كَاتِبًا) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا، وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ الْكِتَابَةُ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ (وَرِعًا أَوْ زَاهِدًا أَوْ يَقِظًا أَوْ مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ أَوْ حَسَنَ الْخُلُقِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ (وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ كَذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ كَالْأَسَنِّ إذَا سَاوَى الشَّابَّ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ.
(وَمَا يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ أَبَدًا) كَالْجُنُونِ وَالْفِسْقِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى (يَمْنَعُهَا دَوَامًا) لِيَنْعَزِلَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لِفَقْدِ شَرْطِ التَّوْلِيَةِ (فَمَتَى فَسَقَ أَوْ جُنَّ، انْعَزَلَ إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) وَهُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ) حَتَّى عَمِيَ أَوْ طَرِشَ (فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ الْأَعْمَى وَالْأَصَمَّ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْأَصَمُّ لَا يَعْرِفُ مَا يُقَالُ فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ، فَإِذَا كَانَ قَدْ عَرَفَهُمَا قَبْلَ الْعَمَى، وَسَمِعَ مِنْهُمَا قَبْلَ الصَّمَمِ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَصْمِ وَاللَّفْظِ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ أَنْ (يَحْكُمَ بِهِ بَعْدَ) الْعَمَى وَالصَّمَمِ، لِأَنَّ فَقْدَهُمَا لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الِاجْتِهَادِ، فَيَصِحُّ الْحُكْمُ مِنْهُ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا.
(وَيَتَعَيَّنُ عَزْلُهُ) ؛ أَيْ: الْقَاضِي (مَعَ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ الْقَضَاءَ)
لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى إقَامَةِ غَيْرِهِ
(وَيَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى عَبْدٌ إمَارَةَ سَرِيَّةً وَقَسْمَ صَدَقَةٍ) وَقَسْمٍ (فِي فَيْءٍ
стр. 4225
وَإِقَامَةِ صَلَاةٍ، وَيَتَّجِهُ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَتِمَّةٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ، الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَالْمُجْتَهِدُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْحَقِيقَةَ) أَيْ: اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ (وَالْمَجَازَ) ، أَيْ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ، أَيْ: لِعَلَاقَةٍ (وَالْأَمْرَ) أَيْ اقْتِضَاءُ الطَّلَبِ (وَالنَّهْيَ) أَيْ: اقْتِضَاءُ الْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ لَا بِقَوْلِ كُفَّ (وَالْمُجْمَلَ) أَيْ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ، (وَالْمُبَيَّنَ) ، أَيْ: الْمُخْرَجُ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ (وَالْمُحْكَمَ) ، أَيْ: اللَّفْظُ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى (وَالْمُتَشَابِهَ) مُقَابِلُهُ إمَّا الِاشْتِرَاكُ أَوْ ظُهُورُ تَشْبِيهٍ أَوْ غَيْرِهِ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ (وَالْعَامَّ) مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا (وَالْخَاصَّ) الْمَقْصُورُ مِنْ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ (وَالْمُطْلَقَ) مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ (وَالْمُقَيَّدَ) (مَا دَلَّ) عَلَى مُعَيَّنٍ (وَالنَّاسِخَ) أَيْ: رَافِعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (وَالْمَنْسُوخَ) أَيْ: مَا انْتَسَخَ حُكْمُهُ شَرْعًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ شَرْعًا (وَالْمُسْتَثْنَى) أَيْ: الْمُخَرَّجُ بِإِلَّا أَوْ بِإِحْدَى أَخَوَاتِهَا (وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) هُوَ
стр. 4226
الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِإِلَّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (وَيَعْرِفُ صَحِيحَ السُّنَّةِ) أَيْ: مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ قَادِحَةٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْحَسَنَ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ (وَسَقِيمَهَا) أَيْ: السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا تُوجَدُ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ كَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُنْكَرِ وَالشَّاذِّ وَغَيْرِهَا، وَيَعْرِفُ (مُتَوَاتِرَهَا) : هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ مُسْتَوِيًا فِي ذَلِكَ طَرَفَاهُ وَوَسْطُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعَدَدِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْهُ ضَرُورِيٌّ، وَيَعْرِفُ (آحَادَهَا) أَيْ: السُّنَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا رَاوِيهِ وَاحِدٌ بَلْ مَا لَا يَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فَهُوَ آحَادٌ، وَيَعْرِفُ (مُسْنَدَهَا) أَيْ: السُّنَّةِ أَيْ: مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيَةِ إلَى مُنْتَهَاهُ، وَيُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي الْمَرْفُوعِ.
وَيَعْرِفُ (الْمُنْقَطِعَ) مِنْ السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا يَتَّصِلُ سَنَدُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الِانْقِطَاعُ (مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ) خَاصَّةً.
وَيَعْرِفُ (الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا اجْتِهَادَ فِيهِ، وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ، لِئَلَّا يَقُولَ فِيهِ قَوْلًا يَخْرُجُ عَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَعْضِ (وَ) يَعْرِفُ (الْقِيَاسَ) وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلِهِ.
وَيَعْرِفُ (شُرُوطَهُ) أَيْ: الْقِيَاسِ لِيَرُدَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ إلَى أَصْلِهِ (وَيَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَنْبِطُ) الْأَحْكَامَ مِنْ أَدِلَّتِهَا، وَمَحَلُّ بَسْطِ ذَلِكَ كُتُبُ أُصُولِ الْفِقْهِ (وَيَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَهِيَ اللُّغَةُ الْمُتَدَاوَلَةُ بِحِجَازٍ وَشَامٍ وَعِرَاقٍ) قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " وَالْيَمَنِ (وَمَا يُوَالِيهِمْ) أَيْ: وَمَنْ فِي بِوَادِي هَذِهِ الْبِلَادِ، قِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْإِعْرَابُ وَالْأَلْفَاظُ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُهَا بِأَحْوَالٍ هِيَ الْإِعْرَابُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،
(وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ حِفْظُ الْقُرْآنِ) بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حِفْظُ نَحْوِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُعَظَّمُ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ وَهُوَ مَنْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ بِدَلِيلِهِ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ مِمَّا ذُكِرَ
стр. 4227
وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِتُعْرَفَ دَلَالَتُهُ، وَتَوَقَّفَ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ (فَمَنْ عَرَفَ أَكْثَرَ ذَلِكَ) وَرُزِقَ فَهْمَهُ (فَقَطْ، صَلَحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ.
قَالَ فِي " آدَابِ الْمُفْتِي " وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِذَلِكَ لِشُبْهَةٍ أَوْ إشْكَالٍ، لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُودِ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ وَأَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا (زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَيَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ، وَاسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى إبْطَالِ شُبْهَةِ الْمُخَالِفِ، وَإِقَامَةَ الدَّلَائِلِ عَلَى مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْعُلُومِ، وَوَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: وَمَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ فَمُجْتَهِدٌ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.
[فَصْلٌ حَكَّمَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ بَيْنَهُمَا شَخْصًا صَالِحًا لِلْقَضَاءِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ حَكَّمَ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ (اثْنَانِ فَأَكْثَرُ بَيْنَهُمَا شَخْصًا، أَيْ: رَجُلًا صَالِحًا لِلْقَضَاءِ) بِأَنْ اتَّصَفَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ الْقَاضِي (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي كُلِّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ حَتَّى فِي الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ) وَغَيْرِهَا حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ) فِيمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ (كَنَائِبِ إمَامٍ) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا؟ فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَرُوِيَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ مَلْعُونٌ» .
وَتَحَاكَمَ عُمَرُ وَأُبَيُّ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَاضِيًا.
стр. 4228
(وَيَلْزَمُ مَنْ يَكْتُبُ إلَيْهِ قَبُولُ حُكْمِهِ وَتَنْفِيذُهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ (لَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَحَاكِمَيْنِ الرُّجُوعُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ؛ أَشْبَهَ رُجُوعَ الْمُوَكِّلِ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَ فِيهِ، أَمَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ تَمَامِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا كَرُجُوعِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ صُدُورِ مَا وَكَّلَ فِيهِ مِنْ وَكِيلِهِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ أَوْ حَكَمًا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ؛ جَازَ، وَقَالَ: يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَعُوهُ.
وَقَالَ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحَكِّمُهُ الْخَصْمَانِ شُرُوطُ الْقَاضِي) أَيْ: الصِّفَاتُ الْعَشَرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي " الْمُجَرَّدِ " فِي الْقَاضِي (وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُقْدِمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ الْوَسَاطَاتِ وَالصُّلْحَ) عِنْدَ الْفَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَتَفْوِيضُ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَتَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَخُرُوجُ طَائِفَةٍ إلَى الْجِهَادِ تَلَصُّصًا وَبَيَانًا، وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَالتَّغْرِيرِ لِعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: فِي بَعْضِ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
تَتِمَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الْمُتَحَكِّمُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِالرِّضَى بِحُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا؛ لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حُكْمُهُ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
[بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي]
الْأَدَبُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ يُقَالُ أَدِبَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا لُغَةً إذَا صَارَ أَدِيبًا فِي خُلُقٍ أَوْ عِلْمٍ (وَهُوَ أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُ التَّخَلُّقُ بِهَا) ، وَالْمَقْصُودُ
стр. 4229
مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي، أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِنَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ مِنْ الْآدَابِ وَالْقَوَانِينِ (وَالْخُلُقُ) بِضَمِّ اللَّامِ (صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ) وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافَهَا وَمَعَانِيهَا، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ.
(يُسَنُّ كَوْنُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (قَوِيًّا بِلَا عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ، وَالْعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْقِ (لَيِّنًا بِلَا ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ (حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ، فَيَمْنَعَهُ الْحُكْمَ (مُتَأَنِّيًا) مِنْ التَّأَنِّي، وَهُوَ ضِدُّ الْعَجَلَةِ؛ لِئَلَّا تُؤَدِّيَ عَجَلَتُهُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي (مُتَفَطِّنًا) لِئَلَّا يُخْدَعَ مِنْ بَعْضِ الْخُصُومِ لِغُرَّةٍ (عَفِيفًا) أَيْ: كَافًّا نَفْسَهُ عَنْ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يَطْمَعَ فِي مَسْأَلَةٍ بِإِطْمَاعِهِ (وَرِعًا نَزِهًا) أَيْ: بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ (يَخَافُ) اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ.
(لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلَا يُخْدَعُ لِغُرَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَكْمُلَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (صَحِيحَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُتَرْجِمَ قَدْ يُخْفِي شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَحَدِهِمَا (لَا يَهْزِلُ) وَلَا يَمْجُنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِهَيْبَتِهِ (ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ، وَوَفَاءٌ إذَا وَعَدَ) يُقَالُ وَعَدَ فِي الْخَيْرِ، وَأَوْعَدَ فِي ضِدِّهِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ، وَ (لَا) يَكُونُ (جَبَّارًا وَلَا عَسُوفًا) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَعْقُودُ بِتَوْلِيَتِهِ مِنْ إيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ. .
(وَسُنَّ سُؤَالُهُ إنْ وُلِّيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ عَنْ عُلَمَائِهِ) يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحَوَادِثِ، وَيَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى قَضَائِهِ (وَعَنْ عُدُولِهِ) لِاسْتِنَادِ أَحْكَامِهِمْ إلَيْهِ، وَثُبُوتِ الْحُقُوقِ عِنْدَهُ بِهِمْ، فَيَقْبَلُ أَوْ يَرُدُّ مَنْ يَرَاهُ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُمْ.
(وَ) يُسَنُّ (إعْلَامُهُمْ) بِأَنْ يَنْفُذَ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ (بِيَوْمِ دُخُولِهِ الْبَلَدَ لِيَتَلَقَّوْهُ) لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ، وَأَعْظَمُ لِحِشْمَتِهِ (مِنْ غَيْرِ
стр. 4230
أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيهِ) لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِمَقَامِهِ، (وَ) يُسَنُّ (دُخُولُهُ يَوْمَ اثْنَيْنِ أَوْ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ يَوْمَ سَبْتٍ) لِأَنَّهُ ﷺ «دَخَلَ فِي الْهِجْرَةِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَذَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَالَ: بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَهَا (ضَحْوَةً) تَفَاؤُلًا لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَكَانَ اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ تَفَاؤُلًا كَأَوَّلِ النَّهَارِ، (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ: أَحْسَنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَقَالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] لِأَنَّهَا مَجَامِعُ النَّاسِ، وَهُنَا يَجْتَمِعُ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَسَاجِدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالزِّينَةِ (وَكَذَا أَصْحَابُهُ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي النُّفُوسِ (وَلَا يَتَطَيَّرُ) أَيْ يَتَشَاءَمُ (وَإِنْ تَفَاءَلَ فَحَسَنٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَنْهَى عَنْ الطِّيَرَةِ، (فَيَأْتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) تَحِيَّتَهُ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ، (وَيَأْمُرُ الْقَاضِيَ بِعَهْدِهِ فَيَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ) لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ وَاحْتِفَاظَ الْإِمَامِ عَلَى اتِّبَاعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْرَ الْمُوَلَّى بِفَتْحِ اللَّامِ عِنْدَهُ، وَحُدُودَ وِلَايَتِهِ، وَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ، (وَيَأْمُرُ بِمَنْ يُنَادِيهِمْ بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ) لِيَعْلَمَهُ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَأْتِيَ فِيهِ (وَيُقِلُّ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ) لِلْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَهَيْبُ (ثُمَّ يَمْضِي إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ) لِيَسْتَرِيحَ.
(وَيُنْفِذُ) أَيْ: يَبْعَثُ ثِقَةً (فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا، وَهُوَ الدَّفْتَرُ الْمُعَدُّ لِكَتْبِ الْوَثَائِقِ وَالسِّجِلَّاتِ وَالْوَدَائِعِ (مِمَّنْ) كَانَ قَاضِيًا (قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ صَارَتْ إلَيْهِ (وَيَأْمُرُ كَاتِبًا ثِقَةً يُثْبِتُ مَا تَسَلَّمَهُ بِمَحْضَرٍ عَدْلَيْنِ) احْتِيَاطًا. .
(ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْوَعْدِ أَيْ:) الَّذِي وَعَدَ النَّاسَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ لِلْحُكْمِ (بِأَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَوْعَانَ وَلَا حَاقِنٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْفَهْمِ) لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغُ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ
стр. 4231
(فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ وَلَوْ صَبِيًّا) لِأَنَّهُ إمَّا رَاكِبٌ أَوْ مَاشٍ، وَالسُّنَّةُ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَمُرّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (عَلَى مَنْ بِمَجْلِسِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ» (وَيُصَلِّي إنْ كَانَ بِمَسْجِدٍ تَحِيَّتَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ كَغَيْرِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ بِمَسْجِدٍ (خُيِّرَ) بَيْنَ الصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا كَسَائِرِ الْمَجَالِسِ (وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا.
(وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ وَنَحْوِهِ) يَخْتَصُّ بِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ جُلَسَائِهِ (وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تُرَابٍ وَحُصُرِ مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ هَيْبَتَهُ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ) وَلِأَنَّهُ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَجِبُ فِيهِ إظْهَارُ الْحُرْمَةِ تَعْظِيمًا لِلشَّرْعِ (وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ) لِلْحَقِّ وَالْعِصْمَةِ مِنْ زَلَلِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ مَقَامٌ خَطَرٌ، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا، وَوَفِّقْنِي لِاتِّبَاعِهِ، وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَوَفِّقْنِي لِاجْتِنَابِهِ (مُسْتَعِينًا) أَيْ: طَالِبًا الْمَعُونَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (مُتَوَكِّلًا) أَيْ: مُفَوِّضًا أَمْرَهُ إلَيْهِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ. .
(وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ) فِي مَوْضِعٍ (لَا يَتَأَذَّى فِيهِ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بَالُهُ بِمَا يُؤْذِيهِ (فَسِيحًا كَجَامِعٍ؛ فَيَجُوزُ، وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِيهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ، وَكَانَ ﵊ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَأَمَّا الْجُنُبُ فَيَغْتَسِلُ وَالْحَائِضُ تُوَكِّلُ أَوْ تَأْتِي الْقَاضِيَ فِي مَنْزِلِهِ (وَيَصُونُهُ) ، أَيْ الْمَسْجِدَ (عَمَّا يُكْرَهُ) فِيهِ مِنْ نَحْوِ رَفْعِ صَوْتٍ (وَكَدَارٍ وَاسِعَةٍ وَسَطَ الْبَلَدِ إنْ أَمْكَنَ) تَسَاوِي أَهْلِ الْبَلَدِ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهِ. .
(وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا نَدْبًا بِلَا عُذْرٍ إلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ حُكْمٍ إنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ إمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهُمَا رُبَّمَا مَنَعَا ذَا الْحَاجَةِ لِغَرَضِ النَّفْسِ أَوْ غَرَضِ
стр. 4232
الْحُطَامِ.
(وَيَعْرِضُ الْقِصَصَ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ سَابِقٍ كَسَبْقِهِ الْمُبَاحِ) وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعَلِّمُ إذَا اجْتَمَعَ عِنْده الطَّلَبَةُ (وَيَتَّجِهُ، وَكَذَا) يَجِبُ تَقْدِيمُ سَابِقٍ إلَى (نَحْوِ مُسْتَحِمٍّ) كَمَعْصَرَةٍ وَمَدْبَغَةٍ (وَرَحَى وَبَيْتٍ خَلَاءٍ) وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِ صَاحِبِ النَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ
وَلَا يُقَدِّمُ (سَابِقٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسَ فَيَضُرَّ غَيْرَهُ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي حَكَمَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ فِي الدَّعْوَى، لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ إنْ حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا) فِي التَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرَهَا.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْ: الْقَاضِي الْعَدْلُ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ) تَرَافَعَا إلَيْهِ (فِي لَحْظِهِ) أَيْ: مُلَاحَظَتِهِ (وَلَفْظِهِ) أَيْ: كَلَامِهِ لَهُمَا (وَمَجْلِسِهِ وَدُخُولٍ عَلَيْهِ إلَّا إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَظِرُ سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ الرَّدِّ فَوْرًا (وَإِلَّا الْمُسْلِمَ) إذَا تَرَافَعَ إلَيْهِ (مَعَ الْكَافِرِ فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ) عَلَيْهِ أَيْ: الْقَاضِي دُخُولًا (وَيَرْفَعُ فِي الْجُلُوسِ) لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْصِدِهِ، وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ» ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَهُمَا حُصِرَ الْآخَرُ وَانْكَسَرَ فَرُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتُهُ؛ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ظُلْمِهِ، وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْقَاضِي فِي رَفْعِ خَصْمِهِ عَلَيْهِ؛
стр. 4233
جَازَ لِإِسْقَاطِ خَصْمِهِ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ (وَلَا يُكْرَهُ قِيَامُهُ لِلْخَصْمَيْنِ) فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا؛ وَجَبَ أَنْ يَقُومَ لِلْآخَرِ.
(وَيَحْرُمُ قِيَامُ الْقَاضِي لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (أَنْ يُسَارّهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إقَامَةِ حُجَّتِهِ (أَوْ يُلَقِّنَهُ حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى صَاحِبِهِ (أَوْ يُضَيِّفَهُ) إلَّا أَنْ يُضَيِّفَ خَصْمَهُ مَعَهُ؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَكَ خَصْمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ تَحَوَّلْ عَنَّا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» .
(أَوْ يُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَدَّعِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ (إلَّا أَنْ يَتْرُكَ مَا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ) فِي الدَّعْوَى (كَشَرْطِ عَقْدٍ وَسَبَبِ إرْثٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ) ضَرُورَةَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، وَلَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ الْخُصُومِ لَا يَعْلَمُهُ، وَلْيَتَّضِحْ لِلْقَاضِي وَجْهُ الْحُكْمِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (أَنْ يَزِنَ) أَيْ: يَدْفَعَ عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، أَوْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِخَصْمِهِ (وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ) لَهُ عِنْدَ خَصْمِهِ (لِيَضَعَ عَنْ خَصْمِهِ) وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] «وَلِأَنَّ مُعَاذًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: «أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ: فَعَلْتُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُمْ فَأَعْطِهِ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَوْ) أَيْ: وَيَجُوزُ أَنْ (يُنْظِرَهُ) أَيْ: يُمْهِلَ الْمَدِينَ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْوَضْعِ.
وَ (لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَدِّبَ خَصْمًا افْتَاتَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَكَمْتَ
стр. 4234
عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوْ ارْتَشَيْتَ وَنَحْوَهُ) كَ ظَلَمْتَنِي بِضَرْبٍ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةٍ وَحَبْسٍ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ (وَلَوْ لَمْ يُثْبِتْ) افْتِيَاتُهُ عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ حَرَجًا، وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَرِيعَةً لِلِافْتِيَاتِ (وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَهُ إذَا الْتَوَى) عَنْ الْحَقِّ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ.
[فَصْلٌ يُسَنُّ لِلْقَاضِي أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ وَمُشَاوَرَتُهُمْ]
فَصْلٌ (وَيُسَنُّ لِقَاضٍ أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ وَمُشَاوَرَتُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ) إنْ أَمْكَنَ، وَسُؤَالُهُمْ إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لِيَذْكُرُوا جَوَابَهُمْ وَأَدِلَّتَهُمْ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِاجْتِهَادِهِ وَأَقْرَبُ لِصَوَابِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَالَ الْحَسَنُ إنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَغَنِيٌّ عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ ذَلِكَ الْحَاكِمُ بَعْدَهُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لَمَّا وُلِّيَ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوُلِّيَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا (مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ يُشَاوِرُونَ وَيَنْظُرُونَ) ، فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَوْرًا وَلَا: اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) يَتَّضِحُ لَهُ الْحُكْمُ أَخَّرَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْحَقُّ؛ فَيَحْكُمَ بِهِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا (تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ. نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ. قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ، وَلَوْ كَانَ حَكَمَ بِحُكْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ هَذَا.
(قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (لَا تُقَلِّدْ أُمُورَك أَحَدًا غَيْرَكَ وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ) وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا (فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ (إلَّا إنْ خَالَفَ نَصًّا) مِنْ
стр. 4235
كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ آحَادًا (أَوْ إجْمَاعًا) لِوُجُوبِ إنْكَارِهِ وَنَقْضِ حُكْمِهِ بِهِ.
(وَلَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ؛ لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ، وَلَوْ أَصَابَ الْحَقَّ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ، بِخِلَافِ غَضَبٍ يَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ فَهْمَ الْحُكْمِ هُوَ (أَوْ حَاقِنٌ) أَوْ حَاقِبٌ (أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ مَلَلٍ أَوْ كَسَلٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ) أَوْ تَوَقَانِ جِمَاعٍ أَوْ شِدَّةِ (مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ فَزَعٍ) غَالِبٍ أَوْ حُزْنٍ، قِيَاسًا عَلَى الْغَضَبِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ؛ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ (فَإِنْ خَالَفَ الْقَاضِي، وَحَكَمَ) فِي حَالٍّ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ حُكْمُهُ؛ وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذْ.
(وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَلَطٌ يُقِرُّ عَلَيْهِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا فِي حُكْمٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُهُ: " فِي حُكْمٍ " احْتِرَازٌ عَمَّا وَقَعَ «لَمَّا مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ حَالُهُ، فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى الْحَاكِمِ (قَبُولُهُ رِشْوَةً) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ " وَزَادَ: " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا، وَالرِّشْوَةُ: مَا يُعْطَى بَعْدَ طَلَبِهِ لَهَا، وَيَحْرُمُ (بَذْلُهَا) مِنْ الرَّاشِي لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَقَّهُ إلَّا أَنْ يَبْذُلَهَا (لِدَفْعِ ظُلْمِهِ) وَإِبْرَائِهِ عَلَى وَاجِبِهِ؛
стр. 4236
فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي حَقِّهِ. قَالَ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَهُ كَمَا يَسْتَفِيدَ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.
(وَكَذَا) يَحْرُمُ عَلَى حَاكِمٍ قَبُولُ (هَدِيَّةٍ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ عُفْرَةَ إبْطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَرَأْتُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحُكْمِ. وَظَاهِرُهُ (وَلَوْ) أُهْدِيَتْ إلَيْهِ (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا اسْتِمَالَةُ الْحَاكِمِ لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ (إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ، فَيُبَاحُ) لَهُ أَخْذُهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ مِنْ (ذِي رَحِمِهِ) الْمَحْرَمِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ كَانَ يُلَاطِفُهُ أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ (وَكَمُفْتٍ) فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَهِيَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (وَرَدُّهَا) ؛ أَيْ: رَدُّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ (فَإِنْ خَالَفَ) الْحَاكِمُ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ (حَيْثُ حُرِّمَ) أَخْذُهُمَا (رُدَّتَا لِمُعْطٍ) لِأَنَّهُ أَخَذَهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْمَأْخُوذِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَاسْتِعَارَتُهُ) أَيْ: الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ (كَالْهَدِيَّةِ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ (وَكَذَا لَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ) وَنَحْوَهُ (فَأَهْدَى لِوَلَدِهِ) وَلَوْ قُلْنَا إنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الرِّشْوَةِ، فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ عَلَى التَّفْصِيلِ.
стр. 4237
السَّابِقِ (وَإِنْ أَهْدَى لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَرْبَابِ الْوِلَايَةِ (لَمْ يَجُزْ) لِلشَّافِعِ (أَخْذُهَا) لِيَشْفَعَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلَمَةٌ، أَوْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ (لِأَنَّهَا) أَيْ: الْهَدِيَّةَ لِلشَّافِعِ (كَالْأُجْرَةِ وَالشَّفَاعَةُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ) فَيَحْرُمُ أَخْذُ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَتِهَا.
وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ، أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ: لَا أُجِيزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا، يُرْوَى: «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً لَا أُحِبُّ لَهُ إلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خَلْطَةٌ وَوَصْلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ. انْتَهَى.
(وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ) وَمِثْلُهُ دَفْعُ رَبِّ اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا عِنْدَ رَدِّهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَعَالَةِ.
(وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (وَشِرَاؤُهُ إلَّا بِوَكِيلٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ) أَيْ: أَنَّهُ وَكِيلُهُ؛ لِئَلَّا يُحَابَى، وَالْمُحَابَاةُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمُفْتٍ - وَلَوْ فِي مَجْلِسِ فَتْوَاهُ - لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُحَابِيَ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (وَلَا لِوَالٍ أَنْ يَتَّجِرَ بِنَفْسِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا» .
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى التِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ؛ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَصَدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَالًا يَكْفِيهِ، وَلِوُجُوبِ الْقِيَامِ بِعِيَالِهِ؛ فَلَا يَتْرُكْهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ.
(وَتُسَنُّ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشَهَادَةُ الْجَنَائِزِ وَتَوْدِيعُ غَازٍ وَحَاجٍّ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ) ذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقُرَبِ، وَفِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَلَهُ حُضُورُ بَعْضِ ذَلِكَ وَتَرْكُ بَعْضِهِ، لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ بِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ وَالْقُرْبَةِ، بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ؛ فَإِنَّهُ يُرَاعِي فِيهَا حَقَّ الدَّاعِي؛ فَيَنْكَسِرُ فِيهَا قَلْبُ مِنْ لَمْ يُجِبْهُ إنْ أَجَابَ غَيْرَهُ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَاضِي (فِي دَعَوَاتٍ) إلَى الْوَلَائِمِ
стр. 4238
(كَغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَحْضُرُهَا، وَأَمَرَ بِحُضُورِهَا، وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . وَمَتَى كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا. (وَيُتَّجَهُ وَحُكْمُ ضِيَافَةٍ خُصَّ بِهَا) الْقَاضِي كَحُكْمِ (هَدِيَّةٍ) وَتَقَدَّمَ آنِفًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا وَيَدَعُ قَوْمًا بِلَا عُذْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا عُذْرٌ كَمُنْكَرٍ أَوْ بُعْدِ مَكَان أَوْ اشْتِغَالٍ زَمَنًا طَوِيلًا دُونَ الْأُخْرَى أَجَابَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهَا.
(وَيُوصِي الْقَاضِي نَفْسَهُ وُجُوبًا ثُمَّ الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ بِبَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ) لِئَلَّا يَضُرَّ النَّاسَ، (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ) لِيَكُونُوا أَقَلَّ شَرًّا، فَإِنَّ الشَّبَابَ شُعْبَةٌ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْحَاكِمُ تَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الشَّبَابِ بِهِنَّ مَفْسَدَةٌ.
(وَيُبَاحُ) لِقَاضٍ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَالْأَشْهَرُ يُسَنُّ لَهُ (أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا) لِأَنَّهُ ﷺ «اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرَهُمَا» ، وَلِكَثْرَةِ اشْتِغَالِ الْحَاكِمِ وَنَظَرِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ؛ فَلَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ: كَاتِبِ الْقَاضِي (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨]
وَقَالَ عُمَرُ: " لَا تُؤَمِّنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ " (عَدْلًا) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ (وَسُنَّ كَوْنُهُ حَافِظًا عَالِمًا) لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى أَمْرِهِ (فَقِيهًا أَمِينًا حُرًّا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَرِعًا نَزِهًا لَا يُسْتَمَالُ بِهَدِيَّةٍ) لِئَلَّا يُخْدَعَ (جَيِّدَ الْخَطِّ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ بِتِسْعَةٍ، صَحِيحَ الضَّبْطِ) لِئَلَّا يُفْسِدَ مَا يَكْتُبُهُ
стр. 4239
بِجَهْلِهِ (وَيَجْلِسُ الْكَاتِبُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ الْقَاضِي مَا يَكْتُبُهُ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ، وَأَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً جَازَ؛ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَاضِي (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ) أَيْ: الْكَاتِبِ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي، لَيُشَافِهَهُ (بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَوَلَّى الْقَاضِي الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ جَازَ) وَالْأَوْلَى الِاسْتِنَابَةُ
(وَيَجْعَلُ الْقَاضِي الْقِمَطْرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَهُوَ مَا يُجْمَعُ فِيهِ الْقَضَايَا؛ مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِيُنَزِّلَ فِيهِ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ أَنْ يُغَيَّرَ.
(وَسُنَّ حُكْمُهُ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ) بِحَيْثُ (يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْمُتَحَاكِمَيْنِ) لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحِجَجُ وَالْمَحَاضِرُ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى قَاضٍ (تَعْيِينُهُ قَوْمًا بِالْقَبُولِ) أَيْ: قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ؛ لِوُجُوبِ قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ (لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يَشْهَدُهُمْ النَّاسُ يَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ) (وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِالنَّاسِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَقْدِ عُقُودٍ وَكِتَابَةِ حِجَجٍ) أَيْ: الْإِشْهَادَاتِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا) عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ وَشُرُوطِ الْعَقْدِ (كَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ وَلِيُّهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ؛ فَيَكْتُبُ كَاتِبٌ عَقْدَهَا، أَوْ يَكْتُبُ رَجُلٌ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إقْرَارٍ) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (أَوْ كَانَ ذَلِكَ حِرْفَةَ الْكَاتِبِ) يَرْتَزِقُ بِهَا (فَإِنْ مَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ حَرُمَ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَكْسِ نَظِيرُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ حَانُوتًا مِنْ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ غَيْرَهُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يُرِيدُ مَنْعَ الْجَاهِلِينَ؛ لِئَلَّا يَعْقِدَ عَقْدًا فَاسِدًا؛ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِتَعْزِيرِ مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحًا فَاسِدًا، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ ﵁ فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَفِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ.
стр. 4240
(وَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (عَلَى عَدُوِّهِ) كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ (وَلَا لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا، وَيَتَحَاكَمُ هُوَ وَخَصْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَوْ بَعْضِ خُلَفَائِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرٍ (وَلَا لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ) كَزَوْجَتِهِ وَعَمُودَيْ نَسَبِهِ كَالشَّهَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ، أَوْ بَيْنَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلِلْقَاضِي الْحُكْمُ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَوَلَدِهِ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ (وَيُحَكِّمُ بَيْنَهُمْ بَعْضَ نُوَّابِهِ) أَوْ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ؛ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ (وَلَهُ اسْتِخْلَافُهُمْ) أَيْ: لِلْقَاضِي اسْتِنَابَةُ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَنَحْوِهِمَا عَنْهُ فِي الْحُكْمِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِمْ كَغَيْرِهِمْ (كَحُكْمِهِ لِغَيْرِهِمْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ (بِشَهَادَتِهِمْ) كَأَنْ حَكَمَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِشَهَادَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَكَحُكْمِهِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ فَيَصِحُّ حُكْمُهُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِمْ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ.
[فَصْلٌ يُسَنُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ]
فَصْلٌ (وَيُسَنُّ لِقَاضٍ أَنْ يَبْدَأَ) بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ (الْمَحْبُوسِينَ) لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ (فَيَنْفُذُ ثِقَةً) إلَى الْحَبْسِ (يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ مَنْ حَبَسَهُمْ، وَفِيمَ ذَلِكَ) أَيْ: حَبَسَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ؛ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ النَّظَرُ فِي حَالِ الْأَوَّلِ لَوْ كُتِبُوا فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُخْرِجُ وَاحِدَةً مِنْ الرِّقَاعِ بِالِاتِّفَاقِ كَالْقُرْعَةِ (ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ أَنَّهُ) أَيْ: الْقَاضِي (يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمْ) أَيْ: الْمَحْبُوسِينَ فِي يَوْمِ كَذَا، فَمَنْ لَهُ خَصْمٌ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِحُضُورِهِمْ مِنْ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِمْ (فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي لِمَوْعِدِهِ)
следующие страницы →