← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي حَقِّهِ. قَالَ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَهُ كَمَا يَسْتَفِيدَ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ. (وَكَذَا) يَحْرُمُ عَلَى حَاكِمٍ قَبُولُ (هَدِيَّةٍ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ عُفْرَةَ إبْطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَرَأْتُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحُكْمِ. وَظَاهِرُهُ (وَلَوْ) أُهْدِيَتْ إلَيْهِ (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا اسْتِمَالَةُ الْحَاكِمِ لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ (إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ، فَيُبَاحُ) لَهُ أَخْذُهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ مِنْ (ذِي رَحِمِهِ) الْمَحْرَمِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ كَانَ يُلَاطِفُهُ أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ (وَكَمُفْتٍ) فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَهِيَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (وَرَدُّهَا) ؛ أَيْ: رَدُّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ (فَإِنْ خَالَفَ) الْحَاكِمُ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ (حَيْثُ حُرِّمَ) أَخْذُهُمَا (رُدَّتَا لِمُعْطٍ) لِأَنَّهُ أَخَذَهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْمَأْخُوذِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَاسْتِعَارَتُهُ) أَيْ: الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ (كَالْهَدِيَّةِ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ (وَكَذَا لَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ) وَنَحْوَهُ (فَأَهْدَى لِوَلَدِهِ) وَلَوْ قُلْنَا إنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الرِّشْوَةِ، فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

стр. 4237

السَّابِقِ (وَإِنْ أَهْدَى لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَرْبَابِ الْوِلَايَةِ (لَمْ يَجُزْ) لِلشَّافِعِ (أَخْذُهَا) لِيَشْفَعَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلَمَةٌ، أَوْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ (لِأَنَّهَا) أَيْ: الْهَدِيَّةَ لِلشَّافِعِ (كَالْأُجْرَةِ وَالشَّفَاعَةُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ) فَيَحْرُمُ أَخْذُ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَتِهَا. وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ، أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ: لَا أُجِيزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا، يُرْوَى: «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً لَا أُحِبُّ لَهُ إلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خَلْطَةٌ وَوَصْلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ. انْتَهَى. (وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ) وَمِثْلُهُ دَفْعُ رَبِّ اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا عِنْدَ رَدِّهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَعَالَةِ. (وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (وَشِرَاؤُهُ إلَّا بِوَكِيلٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ) أَيْ: أَنَّهُ وَكِيلُهُ؛ لِئَلَّا يُحَابَى، وَالْمُحَابَاةُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمُفْتٍ - وَلَوْ فِي مَجْلِسِ فَتْوَاهُ - لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُحَابِيَ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (وَلَا لِوَالٍ أَنْ يَتَّجِرَ بِنَفْسِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا» . وَإِنْ احْتَاجَ إلَى التِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ؛ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَصَدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَالًا يَكْفِيهِ، وَلِوُجُوبِ الْقِيَامِ بِعِيَالِهِ؛ فَلَا يَتْرُكْهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ. (وَتُسَنُّ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشَهَادَةُ الْجَنَائِزِ وَتَوْدِيعُ غَازٍ وَحَاجٍّ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ) ذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقُرَبِ، وَفِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَلَهُ حُضُورُ بَعْضِ ذَلِكَ وَتَرْكُ بَعْضِهِ، لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ بِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ وَالْقُرْبَةِ، بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ؛ فَإِنَّهُ يُرَاعِي فِيهَا حَقَّ الدَّاعِي؛ فَيَنْكَسِرُ فِيهَا قَلْبُ مِنْ لَمْ يُجِبْهُ إنْ أَجَابَ غَيْرَهُ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَاضِي (فِي دَعَوَاتٍ) إلَى الْوَلَائِمِ

стр. 4238

(كَغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَحْضُرُهَا، وَأَمَرَ بِحُضُورِهَا، وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . وَمَتَى كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا. (وَيُتَّجَهُ وَحُكْمُ ضِيَافَةٍ خُصَّ بِهَا) الْقَاضِي كَحُكْمِ (هَدِيَّةٍ) وَتَقَدَّمَ آنِفًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. (وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا وَيَدَعُ قَوْمًا بِلَا عُذْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا عُذْرٌ كَمُنْكَرٍ أَوْ بُعْدِ مَكَان أَوْ اشْتِغَالٍ زَمَنًا طَوِيلًا دُونَ الْأُخْرَى أَجَابَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهَا. (وَيُوصِي الْقَاضِي نَفْسَهُ وُجُوبًا ثُمَّ الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ بِبَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ) لِئَلَّا يَضُرَّ النَّاسَ، (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ) لِيَكُونُوا أَقَلَّ شَرًّا، فَإِنَّ الشَّبَابَ شُعْبَةٌ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْحَاكِمُ تَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الشَّبَابِ بِهِنَّ مَفْسَدَةٌ. (وَيُبَاحُ) لِقَاضٍ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَالْأَشْهَرُ يُسَنُّ لَهُ (أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا) لِأَنَّهُ ﷺ «اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرَهُمَا» ، وَلِكَثْرَةِ اشْتِغَالِ الْحَاكِمِ وَنَظَرِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ؛ فَلَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ. (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ: كَاتِبِ الْقَاضِي (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨] وَقَالَ عُمَرُ: " لَا تُؤَمِّنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ " (عَدْلًا) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ (وَسُنَّ كَوْنُهُ حَافِظًا عَالِمًا) لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى أَمْرِهِ (فَقِيهًا أَمِينًا حُرًّا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَرِعًا نَزِهًا لَا يُسْتَمَالُ بِهَدِيَّةٍ) لِئَلَّا يُخْدَعَ (جَيِّدَ الْخَطِّ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ بِتِسْعَةٍ، صَحِيحَ الضَّبْطِ) لِئَلَّا يُفْسِدَ مَا يَكْتُبُهُ

стр. 4239

بِجَهْلِهِ (وَيَجْلِسُ الْكَاتِبُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ الْقَاضِي مَا يَكْتُبُهُ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ، وَأَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً جَازَ؛ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَاضِي (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ) أَيْ: الْكَاتِبِ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي، لَيُشَافِهَهُ (بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَوَلَّى الْقَاضِي الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ جَازَ) وَالْأَوْلَى الِاسْتِنَابَةُ (وَيَجْعَلُ الْقَاضِي الْقِمَطْرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَهُوَ مَا يُجْمَعُ فِيهِ الْقَضَايَا؛ مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِيُنَزِّلَ فِيهِ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ أَنْ يُغَيَّرَ. (وَسُنَّ حُكْمُهُ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ) بِحَيْثُ (يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْمُتَحَاكِمَيْنِ) لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحِجَجُ وَالْمَحَاضِرُ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى قَاضٍ (تَعْيِينُهُ قَوْمًا بِالْقَبُولِ) أَيْ: قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ؛ لِوُجُوبِ قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ (لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يَشْهَدُهُمْ النَّاسُ يَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ) (وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِالنَّاسِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَقْدِ عُقُودٍ وَكِتَابَةِ حِجَجٍ) أَيْ: الْإِشْهَادَاتِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا) عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ وَشُرُوطِ الْعَقْدِ (كَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ وَلِيُّهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ؛ فَيَكْتُبُ كَاتِبٌ عَقْدَهَا، أَوْ يَكْتُبُ رَجُلٌ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إقْرَارٍ) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (أَوْ كَانَ ذَلِكَ حِرْفَةَ الْكَاتِبِ) يَرْتَزِقُ بِهَا (فَإِنْ مَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ حَرُمَ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَكْسِ نَظِيرُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ حَانُوتًا مِنْ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ غَيْرَهُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يُرِيدُ مَنْعَ الْجَاهِلِينَ؛ لِئَلَّا يَعْقِدَ عَقْدًا فَاسِدًا؛ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِتَعْزِيرِ مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحًا فَاسِدًا، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ ﵁ فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَفِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ.

стр. 4240

(وَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (عَلَى عَدُوِّهِ) كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ (وَلَا لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا، وَيَتَحَاكَمُ هُوَ وَخَصْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَوْ بَعْضِ خُلَفَائِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرٍ (وَلَا لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ) كَزَوْجَتِهِ وَعَمُودَيْ نَسَبِهِ كَالشَّهَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ، أَوْ بَيْنَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلِلْقَاضِي الْحُكْمُ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَوَلَدِهِ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ (وَيُحَكِّمُ بَيْنَهُمْ بَعْضَ نُوَّابِهِ) أَوْ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ؛ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ (وَلَهُ اسْتِخْلَافُهُمْ) أَيْ: لِلْقَاضِي اسْتِنَابَةُ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَنَحْوِهِمَا عَنْهُ فِي الْحُكْمِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِمْ كَغَيْرِهِمْ (كَحُكْمِهِ لِغَيْرِهِمْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ (بِشَهَادَتِهِمْ) كَأَنْ حَكَمَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِشَهَادَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَكَحُكْمِهِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ فَيَصِحُّ حُكْمُهُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِمْ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ. [فَصْلٌ يُسَنُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ] فَصْلٌ (وَيُسَنُّ لِقَاضٍ أَنْ يَبْدَأَ) بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ (الْمَحْبُوسِينَ) لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ (فَيَنْفُذُ ثِقَةً) إلَى الْحَبْسِ (يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ مَنْ حَبَسَهُمْ، وَفِيمَ ذَلِكَ) أَيْ: حَبَسَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ؛ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ النَّظَرُ فِي حَالِ الْأَوَّلِ لَوْ كُتِبُوا فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُخْرِجُ وَاحِدَةً مِنْ الرِّقَاعِ بِالِاتِّفَاقِ كَالْقُرْعَةِ (ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ أَنَّهُ) أَيْ: الْقَاضِي (يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمْ) أَيْ: الْمَحْبُوسِينَ فِي يَوْمِ كَذَا، فَمَنْ لَهُ خَصْمٌ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِحُضُورِهِمْ مِنْ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِمْ (فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي لِمَوْعِدِهِ)

стр. 4241

نَظَرَ ابْتِدَاءً فِي رِقَاعِ الْمَحْبُوسِينَ، فَيُخْرِجُ رُقْعَةً مِنْهَا، وَيُقَالُ هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانٍ فَمَنْ خَصْمُهُ (فَمَنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ نَظَرَ بَيْنَهُمَا) ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ (حُبِسَ لِتُعَدَّلَ بِهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ: بَيِّنَةُ خَصْمِهِ عَلَيْهِ (حُبِسَ) ؛ أُعِيدَ إلَى الْحَبْسِ ثَانِيًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُ خَصْمِهِ الْمَحْبُوسِ فِي أَنَّهُ أَيْ: الْقَاضِي إنَّمَا حَبَسَهُ (بَعْدَ تَكْمِيلِ بَيِّنَتِهِ وَبَعْدَ تَعْدِيلِهَا) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ حُبِسَ (بِقِيمَةِ كَلْبٍ) وَلَوْ مُعَلَّمِ الصَّيْدِ (أَوْ خَمْرِ ذِمِّيٍّ وَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ) فِي ذَلِكَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ غَرِيمُهُ، وَقَالَ: بَلْ بِحَقٍّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا؛ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ. (وَيُتَّجَهُ) أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ (مَا لَمْ يُحْكَمْ بِهِ) أَيْ: حَبْسِهِ عَلَى ثَمَنِ ذَلِكَ مَنْ يَرَاهُ فَإِنْ حَكَمَ بِقِيمَةِ كَلْبِ الصَّيْدِ أَوْ ثَمَنِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ، أَوْ الْحَلَالِ (مَنْ يَرَاهُ) أُعِيدَ إلَى الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حُبِسَ بِحَقٍّ، وَهُوَ مُتَّجِهُ. (وَإِنْ بَانَ حَبْسُهُ فِي تُهْمَةٍ أَوْ تَعْزِيرٍ كَافْتِيَاتٍ عَلَى قَاضٍ قَبْلَهُ وَنَحْوِهِ) كَكَوْنِهِ عَائِنًا (خَلَّاهُ) أَيْ: أَطْلَقَهُ (أَوْ أَبْقَاهُ) فِي الْحَبْسِ (بِقَدْرِ مَا يَرَى) بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ (فَإِطْلَاقُهُ) أَيْ الْمَحْبُوسِ أَوْ إذْنُهُ أَيْ: الْقَاضِي (وَلَوْ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَفِي نَفَقَةٍ لِيَرْجِعَ) قَاضِي الدَّيْنِ وَالْمُنْفِقُ حُكْمٌ (وَإِذْنُهُ فِي وَضْعِ مِيزَابٍ وَوَضْعِ بِنَاءٍ) مِنْ جَنَاحٍ وَسَابَاطٍ بِدَرْبٍ نَافِذٍ بِلَا ضَرَرٍ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا (لِيَزُولَ الضَّمَانُ) بِمَا يُتْلِفُ مِنْ ذَلِكَ (وَإِذْنُهُ فِي وَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ) بِشَرْطٍ حُكْمٌ (وَأَمْرُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (بِإِرَاقَةِ نَبِيذٍ) حُكْمٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " فِي الْمُحْتَسَبِ (وَقُرْعَتُهُ حُكْمٌ يَرْفَعُ الْخِلَافَ) إنْ كَانَ ثَمَّ خِلَافٌ؛ لِصُدُورِهِ عَنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا الْحَاكِمُ لَيْسَ هُوَ

стр. 4242

الْفَاسِخُ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ أَوْ يَحْكُمُ بِهِ، فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حُكْمٍ بِصِحَّتِهِ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَوْ عَقَدَ هُوَ أَوْ فَسَخَ فَهُوَ فِعْلُهُ، وَهَلْ فِعْلُهُ حُكْمٌ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ. [فَائِدَةٌ فُتْيَا الْقَاضِي لَيْسَتْ حُكْمًا] ، فَلَوْ حَكَمَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ مَا أَفْتَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِحُكْمِهِ، وَلَا تَكُونُ فُتْيَا الْقَاضِي كَالْحُكْمِ إذْ لَا إلْزَامَ فِي الْفُتْيَا، وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ (وَكَذَا نَوْعُ مَنْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْحَاكِمُ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَيَسْتَفِيدُ بِوِلَايَاتِ الْحُكْمِ (بِخِلَافِ) فِعْلٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ كَبَيْعِ عَقَارِ نَفْسِهِ الْغَائِبِ أَوْ بَيْعٍ (عَلَى يَتِيمٍ) هُوَ أَيْ: الْحَاكِمُ وَصِيُّهُ أَوْ بِوَكَالَةٍ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ عَنْ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُسْتَفَادُ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ (كَتَزْوِيجِهِ يَتِيمَةً) لَا وَلِيَّ لَهَا بِإِذْنِهَا إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ (وَبَيْعِ مَالِ غَائِبٍ) وَشِرَاءِ عَيْنٍ غَائِبَةٍ فِي الصِّفَةِ لِقَضَاءِ دَيْنِ نَحْوِ غَائِبٍ وَمُمْتَنِعٍ (وَعَقْدِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ) حَيْثُ رَآهُ وَفَسْخِ لَعْنَةٍ وَعَيْبٍ؛ فَهُوَ حُكْمٌ يَرْفَعُ الْخِلَافَ إنْ كَانَ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ فِي بَيْعِ مَا فُتِحَ عَنْوَةً: إنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا صَحَّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَفِيهِ أَيْضًا لَا شُفْعَةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهِ حَاكِمٌ أَوْ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ لَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقَضَاءُ نَوْعَانِ إخْبَارٌ وَهُوَ إظْهَارٌ، وَالثَّانِي ابْتِدَاءٌ وَأَمْرٌ وَهُوَ إنْشَاءٌ وَابْتِدَاءٌ، فَالْخَبَرُ يَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُهُ عَنْ حُكْمِهِ وَعَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَعَنْ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْآخَرُ أَيْ: الْإِنْشَاءُ هُوَ حَقِيقَةُ الْحُكْمِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ، وَيَحْصُلُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ: أَعْطِهِ وَلَا تُكَلِّمْهُ وَأَلْزِمْهُ، وَبِقَوْلِهِ حَكَمْتُ وَأَلْزَمْتُ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَكُلُّ مَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى. (وَحُكْمُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (بِشَيْءٍ حُكْمٌ بِلَازِمِهِ) فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ؛ كَانَ حُكْمًا بِإِبْطَالِ الْعِتْقِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ بُطْلَانُ الْعِتْقِ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ.

стр. 4243

قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " فِي إعَادَةِ فَاسِقٍ شَهَادَتُهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهَا حُكْمٌ بِالرَّدِّ، فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ صَبِيٍّ وَعَبْدٍ لِإِلْغَاءِ قَوْلِهِمَا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رَدِّ عَبْدٍ: لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى، وَالْمُخَالَفَةُ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ نَقْضٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ عِنْدَ الْقَاضِي كَوَقْفٍ وَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ؛ فَثُبُوتُهُ لَيْسَ حُكْمًا بِهِ، بِخِلَافِ إثْبَاتِ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَأَهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ، فَهُوَ حُكْمٌ، وَكَذَا ثُبُوتُ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَفَرْضِهِ مَهْرَ مِثْلٍ أَوْ نَفَقَةً أَوْ أُجْرَةً كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيُتَّجَهُ فَحُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ) حَيْثُ رَآهُ (حُكْمٌ بِلَازِمِهِ) أَيْ: النِّكَاحِ (مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَهْرٍ) وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِيهِ (وَإِقْرَارُهُ) أَيْ: الْقَاضِي مُكَلِّفٌ غَيْرَهُ (عَلَى فِعْلٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ) كَتَزْوِيجٍ بِلَا وَلِيٍّ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ بَلَغَهُ وَسَكَتَ لَيْسَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ أَوْ حِلِّهِ إذْ الْإِقْرَارُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ (وَبِثُبُوتِ شَيْءٍ عِنْدَهُ) أَيْ: الْقَاضِي كَوَقْفٍ وَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (لَيْسَ حُكْمًا بِهِ) . [فَصْلٌ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ] فَصْلٌ (وَتَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَا أَنَّهُ أَيْ: التَّنْفِيذُ (حُكْمٌ) بِالْمَحْكُومِ بِهِ (إذْ الْحُكْمُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ: التَّنْفِيذُ (حُكْمٌ) أَيْ: إذَا كَانَ التَّرَافُعُ عَنْ خُصُومَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّرْحِ " وَشَرْحُ الْمُحَرَّرِ " (لِأَنَّ الْحَادِثَةَ) الشَّخْصِيَّةَ الْوَاحِدَةَ (يَجُوزُ شَرْعًا تَوَارُدُ أَحْكَامٍ

стр. 4244

مُتَعَدِّدَةٍ) مُتَّفِقَةٍ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (عَلَيْهَا) وَالتَّنْفِيذُ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ الْمُسْتَعْمَلُ غَالِبًا مَعْنَاهُ إحَاطَةُ الْقَاضِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرَضٍ عِنْدَهُ، وَيُسَمَّى اتِّصَالًا وَيَتَجَوَّزُ بِذِكْرِ الثُّبُوتِ وَالتَّنْفِيذِ فِيهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْفَرَسِ الْحَنَفِيُّ (وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (أَنَّهُ) أَيْ: التَّنْفِيذُ (عَمَلٌ بِالْحُكْمِ) الْمُنَفَّذِ (وَإِجَازَةٌ لَهُ وَإِمْضَاءٌ كَتَنْفِيذِ) الْوَارِثِ (الْوَصِيَّةَ) حَيْثُ تَوَقَّفَتْ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّنْفِيذَ لَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَحْكُومَ بِهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وَإِمْضَاءٌ لَهُ كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَإِجَازَةٌ لَهُ، فَكَأَنَّهُ يُجِيزُ هَذَا الْمَحْكُومَ بِهِ بِعَيْنِهِ، - لِحُرْمَةِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ حَبْسُ ذَلِكَ الْمَحْكُومِ بِهِ غَيْرَهُ، وَمَعْنَى التَّنْفِيذِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ الْخَصْمِ مُنَازَعَةٌ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَيُرْفَعُ إلَيْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ، فَيُمْضِيهِ وَيُنْفِذُهُ، وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ. (وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالْحِيَازَةِ قَطْعًا) فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا، وَاعْتَرَفَ لَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ بَاعَهُ الْعَيْنَ الْمَذْكُورَةَ وَهُوَ مَالِكٌ أَوْ مَأْذُونٌ لَهُ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ، فَأَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ لَهُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فَلَا يَكْفِي فِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ يَقْتَضِي ادِّعَاءَهُ مِلْكَ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمِلْكِهِ وَحِيَازَتِهِ حَالَةَ الْبَيْعِ حَتَّى يُسَوَّغَ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ. (وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - حُكْمٌ بِمُوجَبِ الدَّعْوَى الثَّابِتَةِ بَيِّنَتُهُ أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ: بِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّابِتَةِ بِذَلِكَ (كَ: بِإِقْرَارٍ) وَنُكُولٍ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ أَثَرُهُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ (فَالدَّعْوَى الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ) لِأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ كَسَائِرِ آثَارِهِ. قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ أَقْوَى مُطْلَقًا لِسِعَتِهِ وَتَنَاوُلِهِ الصِّحَّةَ. (وَ) آثَارُهَا

стр. 4245

وَالدَّعْوَى (غَيْرُ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ كَأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ الْعَيْنَ فَقَطْ (الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجَبِ لَيْسَ حُكْمًا بِهَا) أَيْ: الصِّحَّةِ، إذْ مُوجَبُ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ حُصُولُ صُورَةِ بَيْعٍ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَشْتَمِلْ الدَّعْوَى عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ لِلْبَائِعِ مِلْكًا؛ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَتُهُ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. لَا يُقَالُ هُوَ أَيْضًا فِي الْأُولَى لَمْ يَدَعْ الصِّحَّةَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ لَهُ بِهَا؟ لِأَنَّ دَعْوَاهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً فَهِيَ وَاقِعَةٌ ضِمْنًا؛ لِأَنَّهَا مَقْصُودُ الْمُشْتَرِي (وَقَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ) وَتَبِعَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ (الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ الصِّيغَةِ) أَيْ: الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ قَوْلَيْنِ كَانَا أَوْ فِعْلَيْنِ أَوْ صِيغَةَ الْوَقْفِ أَوْ الْعِتْقِ كَذَلِكَ (وَأَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ) مِنْ بَائِعٍ وَوَاقِفٍ وَنَحْوِهِمَا (وَيَزِيدُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَوْنُ تَصَرُّفِهِ فِي مَحَلِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. (وَقَالَ السُّبْكِيُّ أَيْضًا، الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ الْأَثَرُ) أَيْ: الْحُكْمُ بِالْأَثَرِ (الَّذِي يُوجِبُهُ اللَّفْظُ) أَيْ: يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْعَاقِدِ (وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَوْنُ اللَّفْظِ) أَيْ: الصِّيغَةِ (بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ) مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ؛ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى عَقْدِهِ، لَا حُكْمٌ بِالْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَهُمَا أَيْ: الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ (مُخْتَلِفَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ) أَيْ: شُرُوطِ الْعَقْدِ الْمَحْكُومِ بِصِحَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فَهُوَ حُكْمٌ بِالْمُوجَبِ (وَالْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ) وَنَحْوِهِ كَالنُّكُولِ (كَالْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ) إذْ مَعْنَاهُ إلْزَامُ الْمُقِرِّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ أَثَرُ إقْرَارِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ. نَقَلَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيِّ، وَقَالَ: وَلَا يَظْهَرُ لِهَذَا مَعْنًى، فَلْيُتَأَمَّلْ. وَقَدْ رَجَعَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذُكِرَ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ (وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَشْمَلُ الْفَسَادَ انْتَهَى) هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ الْقَائِلِ إنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حَكَمْتُ بِصِحَّتِهِ إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَبِفَسَادِهِ إنْ كَانَ فَاسِدًا، فَهُوَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ

стр. 4246

أَنَّ مُوجَبَهُ هِيَ آثَارُهُ الَّتِي تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَالْفَسَادُ لَيْسَ مِنْهَا؛ فَلَا يَشْمَلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ (قَالَ الْمُنَقَّحُ: وَالْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا أَيْ:) الْأَصْحَابُ (الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ) لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَقْدِ، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ يَرَاهُ؛ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ سَمَاعُ دَعْوَى الْوَاقِفِ فِي إبْطَالِ الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ وَقْفًا عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مُوجَبُهُ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ، كَكَوْنِ الْمَوْقُوفِ مَرْهُونًا. (وَتَلْخِيصُهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (عَلَى مَا أَفَادَهُ) الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ وَشَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ عَقْدٍ يُرَادُ الْحُكْمُ بِهِ؛ (حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، وَإِلَّا) تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ (حُكِمَ بِمُوجَبِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَالْحُكْمُ (بِالْمُوجَبِ) عِنْدَهُمَا (أَحَطُّ رُتْبَةً) مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ. (وَقَدْ يَسْتَوِيَانِ) أَيْ: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ (فِي مَسَائِلَ كَحُكْمِ حَنَفِيٍّ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِمُوجَبِهِ أَوْ بِشُفْعَةِ جَارٍ أَوْ وَقْفٍ عَلَى نَفْسٍ؛ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَقْضُهُ) سَوَاءٌ حَكَمَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ أَوْ بِمُوجَبِهِ (وَكَحُكْمِ شَافِعِيٍّ بِصِحَّةِ أَوْ مُوجَبِ إجَارَةِ) جُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ نَقْضُهُ) سَوَاءٌ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجَبِ (وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ) فِي مَسَائِلَ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَقْوَى، وَفِي بَعْضِهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَحُكْمِ حَنَفِيٍّ بِصِحَّةِ تَدْبِيرٍ، فَيُسَوَّغُ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يُبَاعُ، فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ) ؛ أَيْ: التَّدْبِيرِ (لَمْ يَكُنْ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِ التَّدْبِيرِ عِنْدَهُ عَدَمُ بَيْعِهِ، وَ) مِنْهُ أَيْضًا (لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ شِرَاءِ دَارٍ لَهَا جَارٌ؛ سَاغَ لِلْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ مُسَلَّطٌ لِأَخْذِ الْجَارِ) كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي بَيْعِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ (وَلَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِمُوجَبِ الشِّرَاءِ) لِلدَّارِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ يَكُنْ لِلْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِهَا) أَيْ: بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ (لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهِ عِنْدَهُ) أَيْ:

стр. 4247

الشَّافِعِيِّ (دَوَامَهُ) أَيْ: دَوَامَ الْحُكْمِ (وَاسْتِمْرَارَهُ. وَالْقَضِيَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا قَدْ جَاءَ وَقْتُ الْحُكْمِ فِيهَا؛ نَفَذَ، وَمَا لَا) يَكُونُ قَدْ جَاءَ وَقْتُ الْحُكْمِ فِيهِ (فَلَا يَنْفُذُ، فَالْأَوَّلُ كَحُكْمِ حَنَفِيٍّ بِمُوجَبِ التَّدْبِيرِ بَعْدَ صُدُورِهِ؛ فَحُكْمُهُ بِهِ فِي وَقْتِهِ) بَعْدَ وُجُودِهِ (فَلَا يُسَوَّغُ نَقْضُهُ، وَصَارَ الْمُدَبَّرُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) فِي الْحُكْمِ (وَالثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَ شَخْصٌ طَلَاقَ أَجْنَبِيَّةٍ. بِتَزْوِيجِهَا؛ فَيَحْكُمُ مَالِكِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِهِ، فَإِذَا تَزَوَّجَ بِهَا، وَبَادَرَ شَافِعِيٌّ، وَحَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ؛ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَكُنْ) حُكْمُ الشَّافِعِيِّ (نَقْضًا لِلْحُكْمِ وَحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ) أَيْ الْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ بِمُوجَبِ تَعْلِيقِ طَلَاقِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى التَّزْوِيجِ بِهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِهَا (لَمْ يَتَنَاوَلْ الطَّلَاقَ) وَلَا دَخَلَ فِي مُوجَبِ وُقُوعِهِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ (لِأَنَّهُ أَيْ:) الطَّلَاقُ (أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ) لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهِ عِصْمَةً (حِينَ الْحُكْمِ) الصَّادِرِ مِنْ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْمَالِكِيِّ، فَإِنَّ التَّزَوُّجَ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ (فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ) وَلَا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ أَوْ لَا (فَمَا هَذَا الصَّادِرُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (إلَّا مُجَرَّدُ فَتْوَى لَا حُكْمَ) ؛ إذْ لَوْ كَانَ حُكْمًا لَرُفِعَ الْخِلَافُ، وَامْتَنَعَ عَلَى مَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضُهُ (وَتَسْمِيَتُهُ حُكْمًا إمَّا جَهْلٌ أَوْ تَجَوُّزٌ) . انْتَهَى. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى عَقْدِهِ، لَا حُكْمٌ بِالْعَقْدِ، وَتَقَدَّمَ، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَذَكَرَ الْغَزِّيِّ فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْهَا مَا سَبَقَ، وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ، وَلَا يَكُونُ بِالصِّحَّةِ، لَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، إقْرَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَمِنْهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْحُكْمَ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ؛ فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَا فَسْخَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَاهُ؛ امْتَنَعَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْفَسْخِ. انْتَهَى.

стр. 4248

وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ وُرَيْقَاتٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَأَوْرَدَهَا الْفَتُوحِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُنْتَهَى، وَهِيَ نَافِعَةٌ جَيِّدَةٌ مُوضِحَةٌ لِمَا سَبَقَ. [فَصْلٌ فِي مَنْ لَمْ يَعْرِفْ خَصْمُهُ وَأَنْكَرَهُ الْمَحْبُوسُ] فَصْلٌ ثُمَّ رَجَعَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَمْرِ الْمَحَابِيسِ فَقَالَ (وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ خَصْمُهُ، وَأَنْكَرَهُ) الْمَحْبُوسُ بِأَنْ قَالَ: حُبِسْت ظُلْمًا وَلَا حَقَّ عَلَيَّ وَلَا خَصْمَ لِي (نُودِيَ بِذَلِكَ) فِي الْبَلَدِ. قَالَ فِي " الْمُقْنِعِ " وَمَنْ تَبِعَهُ: ثَلَاثًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمَا، وَلَعَلَّ التَّقَيُّدَ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ يَشْتَهِرُ بِذَلِكَ وَيَظْهَرُ الْغَرِيمُ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ فَمُرَادُهُ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَرِيمٌ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي ثَلَاثٍ، فَالْمَعْنَى فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) خَصْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (حَلَّفَهُ) أَيْ: الْمَحْبُوسَ حَاكِمٌ (وَخَلَّاهُ) أَيْ: أَطْلَقَهُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ لَظَهَرَ (وَمَعَ غَيْبَةِ خَصْمِهِ) الْمَعْرُوفِ (يَبْعَثُ إلَيْهِ) لَيَحْضُرَ لِلْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الْمَحْبُوسِ (وَمَعَ تَأَخُّرِهِ بِلَا عُذْرٍ) يُخَلِّي سَبِيلَهُ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (بِكَفِيلٍ) احْتِيَاطًا. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ شَرْعِيٍّ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهُ إلَّا إذَا أَدَّى أَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ، كَمَا فِي بَابِ الْحَجْرِ. ثُمَّ إذَا تَمَّ أَمْرُ الْمَحْبُوسِينَ (يَنْظُرُ فِي أَمْرِ أَيْتَامٍ وَمَجَانِينَ وَوُقُوفٍ وَوَصَايَا لَا وَلِيَّ لَهُمْ) أَيْ: الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينَ (وَلَا نَاظِرَ) لِلْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا، لِأَنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حِفْظُهَا وَصَرْفُهَا فِي وُجُوهِهَا؛ فَلَا يَجُوزُ إهْمَالُهَا، وَلَا نَظَرَ لَهُ مَعَ الْوَلِيِّ وَالنَّاظِرِ الْخَاصِّ، لَكِنْ لَهُ الِاعْتِرَاضُ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ (فَلَوْ نَفَّذَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ وَصِيَّةَ مُوصًى إلَيْهِ أَمْضَاهَا)

стр. 4249

الْقَاضِي (الثَّانِي) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُنَفِّذْهَا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَهْلِيَّتِهِ، وَيُرَاعِيهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ ضَمَّ إلَيْهِ قَوِيًّا أَمِينًا يُعِينُهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّذْ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ نَظَرَ الثَّانِي فِيهِ، فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا أَمِينًا أَقَرَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا ضَعِيفًا ضَمَّ إلَيْهِ قَوِيًّا أَمِينًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ أَوْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ وَالْمُوصَى إلَيْهِمْ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعَيَّنِينَ؛ صَحَّ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ (فَدَلَّ) وُجُوبُ إمْضَاءِ الثَّانِي مَا نَفَّذَهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَصَايَا (أَنَّ إثْبَاتَ) حَاكِمٍ (صِفَةً كَعَدَالَةِ وَجَرْحِ وَأَهْلِيَّةِ مُوصًى إلَيْهِ وَنَحْوِهِ) كَأَهْلِيَّةِ نَاظِرِ وَقْفٍ وَحَضَانَةٍ (حُكْمٌ يَقْبَلُهُ حَاكِمٌ آخَرُ) فَيُمْضِيهِ، وَلَا يَنْقُضُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحَالُ. (وَمَنْ كَانَ مِنْ أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ لِلْأَطْفَالِ أَوْ الْوَصَايَا الَّتِي لَا وَصِيَّ لَهَا وَنَحْوَهُ) كَنُظَّارِ أَوْقَافٍ لَا شُرُوطَ فِيهَا (بِحَالِهِ أَقَرَّهُ) لِأَنَّ تَفْوِيضَهُ إلَيْهِ كَحُكْمِهِ؛ فَلَيْسُوا كَنُوَّابِهِ فِي الْحُكْمِ. (وَمَنْ فَسَقَ مِنْهُمْ عَزَلَهُ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (وَيَضُمُّ إلَى ضَعِيفٍ) قَوِيًّا (أَمِينًا) لِيُعِينَهُ (وَلَهُ إبْدَالُهُ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (وَلَهُ النَّظَرُ فِي حَالِ قَاضٍ قَبْلَهُ، وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ أَحْكَامِهِ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ) قَاضٍ (صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ؛ وَإِلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلًا (غَيْرَ مَا) أَيْ: حُكْمٍ (خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ) تَعَالَى أَوْ خَالَفَ نَصَّ (سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ، أَوْ) خَالَفَ (آحَادًا) أَيْ: نَصَّ سُنَّةِ آحَادٍ كَالْحُكْمِ (بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ وَحُرٍّ بِقِنٍّ) فَيَلْزَمُ نَقْضُهُ نَصًّا، وَكَذَا (جَعْلُ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، عِنْدَ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ أُسْوَةً بِالْغُرَمَاءِ) فَيُنْقَضُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ إذْ شَرْطُ الِاجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ؛ لِخَبَرِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (أَوْ) خَالَفَ (إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) فَيُنْقَضُ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، أَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ حَكَمَ (بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُ) صِحَّتَهُ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ

стр. 4250

الْأَرْبَعَةِ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ (إجْمَاعًا، فَيَلْزَمُ نَقْضُهُ) لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَهُ، وَيَأْثَمُ وَيَعْصِي بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فَإِنْ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَقْتَ الْحُكْمِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ - وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ - لَمْ يُنْقَضْ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ حَيْثُ أَسْقَطَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبَوَيْنِ ثُمَّ شَرَكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ بَعْدُ، وَقَالَ: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي، وَقَضَى بِإِرْثِ الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَمَلَ بِالْأَخِيرِ؛ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ مَا قَبْلَهُ. (وَلَا يُنْقَضُ حُكْمٌ بِتَزْوِيجِهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (نَفْسَهَا) وَلَوْ مَعَ حُضُورِ وَلِيِّهَا؛ لِاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا يُنْقَضُ حُكْمٌ (لِمُخَالَفَةِ قِيَاسٍ) وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ جَلِيًّا؛ لِأَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُنْقَضُ لِمُخَالَفَةِ (إجْمَاعٍ ظَنِّيٍّ وَلَا) يُنْقَضُ حُكْمُهُ (لِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ) لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْخِلَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلَا فِي بُطْلَانِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ (أَوْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) لَمْ يَنْتَقِضْ حُكْمُهُ. حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ إجْمَاعًا، وَيَأْتِي «أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْمَالِ» (أَوْ حَكَمَ بِبَيِّنَةِ خَارِجٍ) وَجَهِلَ عِلْمَهُ بِبَيِّنَةٍ تُقَابِلُهَا أَوْ حَكَمَ بِبَيِّنَةِ (دَاخِلٍ وَجَهِلَ عِلْمَهُ بِبَيِّنَةٍ تَقَابُلُهَا) حَيْثُ وَقَعَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ (وَمَا قُلْنَا إنَّهُ يُنْقَضُ فَالنَّاقِضُ لَهُ حَاكِمٌ إنْ كَانَ) مَوْجُودًا (فَيَثْبُتُ) عِنْدَهُ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِنَقْضِهِ (وَيُنْقِضُهُ) حَاكِمٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ نَقْضِ طَلَبِ رَبِّ الْحَقِّ نَقَضَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَنْقُضُهُ حَاكِمُهُ (إنْ بَانَ بِمَنْ شَهِدَ) عِنْدَهُ مَا (أَيْ) شَيْءٌ (لَا يُرَى) لِحَاكِمٍ (مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ) كَكَوْنِ الشَّاهِدِ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبٍ مَشْهُودٍ لَهُ (وَكَذَا كُلُّ مَا صَادَفَ مَا حُكِمَ بِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) صِفَةٌ " لِمَا " الْأُولَى؛ أَيْ: لَا يَرَى الْحَاكِمُ الْقَاضِي الْحُكْمَ مَعَهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ) قَاضٍ عِنْدَ حُكْمِهِ (كَبَيْعِ عَبْدٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَنْذُورٌ) عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ فَيَنْقُضُهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ (وَتُنْقَضُ أَحْكَامٌ مَنْ) أَيْ: قَاضٍ (لَا يَصْلُحُ)

стр. 4251

لِلْحُكْمِ لِفَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ (وَإِنْ وَافَقَتْ الصَّوَابَ) لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) وَهَذَا فِي غَيْرِ قُضَاةِ الضَّرُورَةِ، أَمَّا هُمْ فَلَا يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِمْ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ. اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " " وَالْمُنَوِّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْبَنَّا حَيْثُ أَطْلَقُوا أَنْ لَا يُنْقَضَ مِنْ الْحُكْمِ إلَّا مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ مُدَّةٍ، وَلَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ. [فَصْلٌ فِي مَنْ اسْتَعْدَاهُ الْقَاضِي عَلَى خَصْمٍ بِالْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الْقَاضِي] فَصْلٌ (وَمَنْ اسْتَعْدَاهُ) أَيْ: الْقَاضِي (عَلَى خَصْمٍ بِالْبَلَدِ) الَّذِي بِهِ الْقَاضِي أَيْ: طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَهُ لَهُ (بِمَا) أَيْ: شَيْءٍ (تَتْبَعُهُ التُّهْمَةُ؛ لَزِمَهُ) أَيْ: الْقَاضِيَ (إحْضَارُهُ) أَيْ: الْخَصْمِ (وَلَوْ لَمْ يُحَرِّرْ) الْمُسْتَعْدِي الدَّعْوَى نَصًّا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ الْحُقُوقَ وَيُقِرَّ الظَّالِمَ، وَقَدْ يَثْبُتُ حَقُّ الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ بِغَصْبٍ أَوْ شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يُوَفِّيهِ ثَمَنَهُ، أَوْ إيدَاعٍ أَوْ إعَادَةٍ وَلَا يَرُدُّ إلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ ذَهَبَ حَقُّهُ، وَهَذَا أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ فِيهِ وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيُّ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَضَرَ عُمَرُ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ. وَلِلْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ إنْ كَرِهَ الْحُضُورَ. (وَمَنْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ) لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ (أَوْ طَلَبَهُ حَاكِمٌ حَيْثُ يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ، بِخِلَافِ مُعْسِرٍ ثَبَتَ إعْسَارُهُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ إلَيْهِ) وَلَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي الْحَلِفِ، فَإِنْ حَضَرَ (وَإِلَّا أَعْلَمَ الْوَالِي بِهِ) أَيْ: بِامْتِنَاعِهِ مِنْ

стр. 4252

الْحُضُورِ لِيُحْضِرَهُ (وَمَتَى حَضَرَ) بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ؛ فَلَهُ تَأْدِيبُهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ (بِمَا يَرَاهُ مِنْ كَلَامٍ وَكَشْفِ رَأْسٍ وَضَرْبٍ وَحَبْسٍ) لِأَنَّ التَّعْزِيرَ إلَى رَأْيِهِ. تَنْبِيهٌ: فَإِنْ اخْتَفَى مُسْتَعْدًى عَلَيْهِ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ؛ لِتَزُولَ مَعْذِرَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمِّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَيَخْتِمَهُ؛ أَجَابَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ حَكَمَ عَلَيْهِ كَغَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. (وَيُعْتَبَرُ تَحْرِيرُهَا) أَيْ: الدَّعْوَى فِيمَا إذَا اسْتَعْدَاهُ عَلَى (حَاكِمٍ مَعْزُولٍ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَكَابِرِ) ذَوِي الْمَنَاصِبِ كَالْخَلِيفَةِ وَالْعَالِمِ الْكَبِيرِ وَالشَّيْخِ الْمَتْبُوعِ وَكُلِّ مَنْ خِيفَ تَبْذِيلُهُ وَنَقْصُ حُرْمَتِهِ بِإِحْضَارِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ حَاكِمَانِ فَأَكْثَرُ وَاسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لَمْ يَعِدْهُ حَتَّى يُحَرِّرَ دَعْوَاهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ (ثُمَّ يُرَاسِلُهُ) بَعْدَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، وَيَسْأَلُهُ عَنْهَا صِيَانَةً لَهُ عَنْ الِامْتِهَانِ، فَإِنْ ذَكَرَ الْمُسْتَعْدِي أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَخَذَهَا مِنْهُ عَلَى الْحُكْمِ رَاسِلُهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ لِتَوَجُّهِ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ) لِمَا ذُكِرَ؛ لَمْ يَحْتَجْ لِحُضُورٍ، وَإِلَّا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحْضَرَهُ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّ الْمُدَّعِي، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ الْجَوْرَ فِي الْحُكْمِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ أَحْضَرَهُ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي دَعْوَاهُ؛ فَقَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ (وَلَا يُعْتَبَرُ لِإِحْضَارِ مَنْ) أَيْ: امْرَأَةٍ (تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا) إذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهَا (مَحْرَمٌ) لَهَا يَخْرُجُ مَعَهَا نَصًّا لِأَنَّهُ لَا سَفَرَ (وَغَيْرُ الْبَرْزَةِ) وَهِيَ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا إذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهَا تُوَكِّلُ كَمَرِيضٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ (وَإِنْ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا (يَمِينٌ أَرْسَلَ) الْحَاكِمُ (مَنْ) أَيْ: أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ يُحَلِّفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا. (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِمَوْضِعٍ) مِنْ عَمَلِ الْقَاضِي (لَا حَاكِمَ بِهِ بَعَثَ)

стр. 4253

الْقَاضِي (إلَى مَنْ) أَيْ: ثِقَةٍ (يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَمْ يَقْبَلَاهُ (حَرَّرَ) الْقَاضِي (دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَعْدِي؛ لِئَلَّا يَكُونَ مَا يَدَّعِيه لَيْسَ حَقًّا كَشُفْعَةِ جِوَارٍ وَقِيمَةِ كَلْبٍ (ثُمَّ أَحْضَرَهُ) الْقَاضِي (وَلَوْ بَعُدَ) مَكَانُهُ إذَا كَانَ (بِعَمَلِهِ) لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِلْحَاقُ الْمَشَقَّةِ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِإِلْحَاقِهَا بِمَنْ يُنْفِذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعَمَلِ الْقَاضِي لَمْ يَعُدَّ عَلَيْهِ. (وَمَنْ ادَّعَى قِبَلَ إنْسَانٍ شَهَادَةً؛ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْلِفْ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. (وَمَنْ قَالَ لِحَاكِمٍ حَكَمْتَ عَلَيَّ) بِشَهَادَةِ (فَاسِقَيْنِ عَمْدًا فَأَنْكَرَ) الْقَاضِي (لَمْ يَحْلِفْ) لِئَلَّا يَتَطَرَّقْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لِإِبْطَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ بِذَلِكَ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَالْيَمِينُ إنَّمَا تَجِبُ لِلتُّهْمَةِ، وَالْقَاضِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. (وَإِنْ قَالَ قَاضٍ مَعْزُولٌ عَدْلٌ لَا يُتَّهَمُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَبَيَّنَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ يُسَوَّغُ لَهُ الْحُكْمُ لَهُ كَغَيْرِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ؛ قُبِلَ) قَوْلُهُ نَصًّا (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْقَاضِي (مُسْتَنَدَهُ فِي حُكْمِهِ) كَأَنْ يَقُولَ (حَكَمْت بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَلَوْ أَنَّ الْعَادَةَ تَسْجِيلُ أَحْكَامِهِ وَضَبْطِهَا بِشُهُودِ) لِأَنَّ عَزْلَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَاضٍ آخَرَ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرُ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ؛ أَشْبَهَ حَالَ وِلَايَتِهِ (مَا لَمْ يَشْتَمِلْ) الْحُكْمُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْحَاكِمُ بَعْدَ عَزْلِهِ (عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ حَاكِمٍ آخَرَ) فَلَا يُقْبَلُ إذَنْ (فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِرُجُوعِ وَاقِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَخْبَرَ حَنْبَلِيٌّ أَنَّهُ كَانَ حَكَمَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) إخْبَارُ الْحَنْبَلِيِّ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، قَالَهُ الْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ. قَالَ

стр. 4254

ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَهُوَ حَسَنٌ. (وَإِنْ أَخْبَرَ حَاكِمٌ حَاكِمًا) آخَرَ (بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا) أَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (قَبِلَ الْخَبَرُ، وَعَمِلَ بِهِ) الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ إذَا بَلَغَ عَمَلَهُ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِحُكْمٍ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَلَا يَقْبَلُ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَلَا يَعْمَلُ إذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ (مَعَ حُضُورِ مُخْبِرٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَهُمَا بِعَمَلِهِمَا) إذَا أَخْبَرَهُ بِالثُّبُوتِ عِنْدَهُ بِلَا حُكْمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَنَقْلِ الشَّهَادَةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (وَكَذَا إخْبَارُ أَمِيرِ جِهَادٍ وَأَمِينِ صَدَقَةٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ مُتَبَرِّعَيْنِ) فَيُقْبَلُ إخْبَارُ كُلٍّ مِنْهُمْ بَعْدَ عَزْلِهِ بِأَمْرٍ صَدَرَ مِنْهُ حَالَ وِلَايَتِهِ، كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ. وَكُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إنْشَاءُ أَمْرٍ؛ صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ". [بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ] ِ أَيْ: كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ (طَرِيقُ كُلُّ شَيْءٍ) حُكْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (مَا تُوُصِّلَ بِهِ إلَيْهِ) أَيْ: الشَّيْءِ. وَالْحُكْمُ لُغَةً الْمَنْعُ وَاصْطِلَاحًا (الْفَصْلُ) وَقَدْ لَا يَكُونُ خُصُومَةً كَعَقْدٍ دُفِعَ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بِهِ؛ فَهُوَ إلْزَامٌ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ وَسُمِّيَ الْقَاضِي حَاكِمًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ. (إذَا أُحْضِرَ إلَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي (خَصْمَانِ) اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد: (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ

стр. 4255

الْحَاكِمِ» ) . وَقَالَ عَلِيٌّ حِينَ خَاصَمَ الْيَهُودِيَّ دِرْعَهُ إلَى شُرَيْحٍ: لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَلَسَا (فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا) أَيْ: الْخَصْمَانِ بِالدَّعْوَى (وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا (وَمِنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى مِنْهُمَا نُطْقًا؛ قُدِّمَ) أَيْ: قَدَّمَهُ الْحَاكِمُ عَلَى خَصْمِهِ لِتَرْجِيحِهِ بِالسَّبَقِ؛ فَإِنْ قَالَ خَصْمُهُ أَنَا الْمُدَّعِي لَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْتَ (ثُمَّ) إنْ ادَّعَيَا مَعًا قُدِّمَ (مَنْ قُرِعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهَا تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ (فَإِذَا انْتَهَتْ حُكُومَتُهُ) أَيْ: الْأَوَّلِ (ادَّعَى الْآخَرُ) لِاسْتِيفَاءِ الْأَوَّلِ حَقَّهُ. (وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى مَقْلُوبَةٌ) لِأَنَّ الْأَصْحَابَ عَرَّفُوا الْمُدَّعِيَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ غَيْرَهُ بِحَقٍّ يُذْكَرُ اسْتِحْقَاقًا عَلَيْهِ، وَلَا يَنْطَبِقُ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى مَنْ ادَّعَى دَعْوَى مَقْلُوبَةً، وَهِيَ (بِأَنْ يَدَّعِيَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ أَوْ لِيَسْتَحْلِفَهُ) سُمِّيَتْ مَقْلُوبَةً؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِيهَا يَطْلُبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعِي فِي غَيْرِهَا يَطْلُبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ فَانْقَلَبَ فِيهَا الْقَصْدُ الْمُعْتَادُ. (وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى حِسْبَةٍ بِحَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى كَعِبَادَةٍ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَنَحْوِهَا وَحَدِّ زِنًا أَوْ شُرْبٍ (وَعِدَّةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ) كَيَمِينٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَجَزَاءِ صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ (وَتُسْمَعُ) بِلَا دَعْوَى (بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَيَعْتِقُ، وَلَوْ أَنْكَرَ مَعْتُوقٌ) الْعِتْقَ الْمَشْهُودَ بِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُسْمَعُ بَيِّنَةٌ بِلَا دَعْوَى (بِحَقٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَوَقْفٍ) عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ (وَوَصِيَّةٍ عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ) أَوْ رِبَاطٍ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، أَشْبَهَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى. وَتُسْمَعُ بَيِّنَةٌ بِلَا دَعْوَى بِوَكَالَةٍ (وَاسْتِنَادِ وَصِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ مُسَخَّرٍ) وَلَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ.

стр. 4256

وَلَا تُسْمَعُ (بَيِّنَةٌ) بِحَقِّ (آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ قَبْلَ دَعْوَاهُ) بِحَقِّهِ وَتَحْرِيرِهَا (وَلَا) تُسْمَعُ (يَمِينُهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (إلَّا بَعْدَهَا) أَيْ: الدَّعْوَى (وَبَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ إنْ كَانَ) حَيْثُ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (وَأَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ سَمَاعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ لِحِفْظِ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ بِالثَّبَاتِ بِخَصْمٍ مُسَخَّرٍ) أَيْ: يُنَصَّبُ لِيُنَازَعَ صُورَةً، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا سَمَاعَهُمَا لِذَلِكَ بِلَا خَصْمٍ. قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": الثُّبُوتُ الْمَحْضُ يَصِحُّ بِلَا مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرُهُ قَوْمٌ مِنْ " الْفُقَهَاءِ "، وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُضَاةِ انْتَهَى. وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا فَأَجَازَهُمَا الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِخَصْمٍ مُسَخَّرٍ يُظْهِرُ النِّزَاعَ، وَلَيْسَ مُنَازِعًا فِي الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا وَأَصْلِ مَالِكٍ فَإِمَّا أَنْ تُمْنَعَ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ؛ فَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَإِمَّا أَنْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بِهَا بِلَا خَصْمٍ. وَذَكَرُهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي مَوَاضِعَ؛ لِأَنَّا نَسْمَعُهُمَا عَلَى غَائِبٍ وَمُمْتَنِعٍ وَنَحْوِهِ كَمَيِّتٍ، وَكَذَا عَلَى الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ فِي الْمَنْصُوصِ، فَمَعَ عَدَمِ خَصْمٍ أَوْلَى؛ فَإِنْ الْمُشْتَرِي مَثَلًا قَبَضَ الْمَبِيعَ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ؛ فَلَا يَدَّعِي وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ سَمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَحُكْمُهُ بِمُوجَبِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ عَلَى أَحَدٍ، لَكِنْ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ وَحَاجَةِ النَّاسِ خُصُوصًا فِيمَا قَالَ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ خِلَافٌ لِرَفْعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الشُّبْهَةِ أَوْ الْخِلَافِ انْتَهَى. الْمُنَقَّحُ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا يَقَعُ مِنْ عُقُودِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا حَيْثُ يُرْفَعُ لِلْحَاكِمِ وَتَشَهَّدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ؛ فَيَحْكُمُ بِهِ بِلَا خَصْمٍ، وَهُوَ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَإِذَا حَكَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ مُقَابِلًا لِمَا قَدَّمُوهُ؛ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا.

стр. 4257

[فَصْلٌ شُرُوطُ صِحَّةِ الدَّعْوَى] فَصْلٌ (وَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِالْقَلِيلِ وَلَوْ لَمْ تَتْبَعْهُ التُّهْمَةُ) بِخِلَافِ الِاسْتِعْدَاءِ لِلْمَشَقَّةِ (وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الدَّعْوَى شُرُوطٌ: أَحَدُهَا (تَحْرِيرُهَا) لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊: «إنَّمَا أَقْضِي عَلَى مَا أَسْمَعُ» ) . وَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ تَحْرِيرِهَا (فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى بِدَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ ذَكَرَ مَوْتَهُ وَحَرَّرَ الدَّيْنَ بِذِكْرِ جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَصِفَةٍ) وَقَدْرٍ وَحَرَّرَ التَّرِكَةَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الْمُغْنِي " (أَوْ أَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ) وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَارِثٍ فِي عَدَمِ التَّرِكَةِ بِيَمِينِهِ، وَيَكْفِيه أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُخْلِفْ شَيْئًا، لِأَنَّهُ قَدْ يُخْلِفُ شَيْئًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي (كَوْنُهَا) أَيْ: الدَّعْوَى (مَعْلُومَةً) أَيْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَيَتَمَكَّنَ الْحَاكِمُ مِنْ الْإِلْزَامِ بِهِ إذَا ثَبَتَ (إلَّا فِي وَصِيَّةٍ) بِمَجْهُولٍ بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِدَابَّةٍ أَوْ بِشَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِلَّا فِي إقْرَارٍ) بِمَجْهُولٍ بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمُجْمَلٍ؛ فَتَصِحُّ، وَإِذَا ثَبَتَ طُولِبَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالْبَيَانِ، وَإِلَّا فِي خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى مَجْهُولٍ كَأَنْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ عَلَى أَحَدِ دَوَابِّهَا، فَأَجَابَهَا، وَتَنَازَعَا. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَكَذَا جَعَلَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ إذَا سُمِّيَ مَجْهُولًا لِصِحَّتِهِ كَمَا سَبَقَ، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ مَعَ جَهَالَتِهِ (فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (عَنْ دَعْوَى بِوَرَقَةٍ ادَّعَى بِمَا فِيهَا مُصَرِّحًا بِهَا، فَلَا يَكْفِي لِي عِنْدَهُ كَذَا حَتَّى يَقُولَ:

стр. 4258

وَأَنَا مُطَالِبُهُ بِهِ) ذَكَرُهُ فِي " التَّرْغِيبِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَكْفِي الظَّاهِرُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ مُدَّعٍ (أَنَّهُ أَقَرَّ لِي بِكَذَا، وَلَوْ) كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ (مَجْهُولًا حَتَّى يَقُولَ) مُدَّعٍ: وَأُطَالِبُهُ بِهِ، أَوْ أُطَالِبُهُ بِمَا يُفَسِّرُهُ بِهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى (مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِ، فَلَا تَصِحُّ) الدَّعْوَى بِدَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَبَ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ (وَفِي " التَّرْغِيبِ " إلَّا إنْ خَافَ) الْمُدَّعِي (سَفَرَ الشُّهُودِ) أَوْ خَافَ سَفَرَ الْمَدْيُونِ؛ فَتَصِحُّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ حِفْظًا لِلْمَالِ. (وَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ وَاسْتِيلَادٍ) لِصِحَّةِ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ أَثَرُهَا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى (مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا؛ فَلَا تَصِحُّ) الدَّعْوَى عَلَى شَخْصٍ (بِأَنَّهُ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةٍ وَسَنَةٍ دُونَهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ الْحِسَّ يُكَذِّبُهَا وَمِنْهُ لَوْ ادَّعَى أَنْ الْخَلِيفَةَ اشْتَرَى مِنْهُ حُزْمَةَ بَقْلٍ وَحَمَلَهَا بِيَدِهِ؛ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ " (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ الْمُشَارَكَةَ) فِي قَتْلِ أَبِيهِ (لَمْ تُسْمَعْ) الدَّعْوَى (الثَّانِيَةُ) لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِدَعْوَاهُ الْأُولَى، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْآخَرُ الِانْفِرَادَ بِهِ؛ فَلَا تُسْمَعُ (وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي) لِتَكْذِيبِهِ لَهُ أَوَّلًا (إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي غَلِطْتُ أَوْ كَذَبْتُ فِي الْأُولَى) فَتُقْبَلُ الثَّانِيَةُ؛ لِإِمْكَانِهِ، وَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ ذُكِرَ تَلَقِّيهِ مِنْهُ؛ سُمِعَ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ، وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ، وَإِلَّا يَذْكُرُ تَلَقِّيهِ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ الْآنَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْسِ؛ لِعَدَمِ التَّطَابُقِ. وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى (ذِكْرُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ) لَعَيْنٍ أَوْ لِدَيْنٍ لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي (وَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُ مُدَّعًى بِهِ) إنْ حَضَرَ (بِالْمَجْلِسِ بِإِشَارَةٍ) لِنَفْيِ اللَّبْسِ بِالتَّعْيِينِ، وَيُعْتَبَرُ (إحْضَارُ عَيْنٍ) مُدَّعًى بِهَا إنْ كَانَتْ (بِالْبَلَدِ وَأَمْكَنَ

стр. 4259

إحْضَارُهَا) بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (لِتُعَيَّنَ) بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا نَفْيًا لِلَّبْسِ (وَيَجِبُ الْإِحْضَارُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ مِثْلُهَا) أَنْ يُحْضِرَهُ، وَيُوَكِّلَ بِهِ حَتَّى يُحْضِرَهَا، فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِغَصْبٍ نَحْوَ عَبْدٍ صِفَتُهُ كَذَا، أَوْ أَقَرَّ أَنْ بِيَدِهِ عَبْدًا كَذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الْغَصْبَ، وَقَالَ: الْعَبْدُ مِلْكِي أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ؛ لِتَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهِ (وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا) أَيْ: الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (بِيَدِهِ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا (بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ؛ حُبِسَ حَتَّى يُحْضِرَهَا) لِتَقَعَ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهَا (أَوْ حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَفَهَا؛ فَيُصَدَّقُ لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَيَكْفِي ذِكْرُ الْقِيمَةِ) بِأَنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: قِيمَتُهَا كَذَا حَيْثُ تَلِفَتْ، (وَإِنْ كَانَتْ) الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ، أَوْ) كَانَتْ (تَالِفَةً، أَوْ) كَانَتْ (فِي الذِّمَّةِ وَلَوْ غَيْرَ مِثْلِيَّةٍ) كَالْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ بِالصِّفَةِ وَكَوَاجِبِ الْكِسْوَةِ (وَصَفَهَا مُدَّعٍ كَسَلَمٍ) بِأَنْ يَذْكُرَ مَا يَضْبِطُهَا مِنْ الصِّفَاتِ (وَالْأَوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا أَيْضًا) أَيْ: مَعَ وَصْفِهَا؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ. وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَكْفِي قِيمَةُ غَيْرٍ مِثْلِيٍّ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَيَكْفِي فِي الدَّعْوَى بِنَقْدِهِ (ذِكْرُ قَدْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) إنْ اتَّحَدَ، وَذِكْرُ (قِيمَةِ جَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ سَلَمٌ؛ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ صِفَاتِهِ. (وَمَنْ ادَّعَى دَارًا) غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ (بَيَّنَ مَوْضِعَهَا وَحُدُودَهَا، فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ) الْمُدَّعَى بِهَا (بِحُقُوقِهَا وَحُدُودِهَا مِلْكِي وَأَنَّهُ غَصَبَنِيهَا أَوْ) هِيَ (بِيَدِهِ ظُلْمًا، وَأَنَا مُطَالَبُهُ بِرَدِّهَا، وَتَكْفِي شُهْرَةُ عَقَارٍ عِنْدَهُمَا) أَيْ: الْمُتَدَاعِيَيْنِ (وَعِنْدَ حَاكِمٍ عَنْ تَحْدِيدِهِ) لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ وَيَأْتِي. (وَلَوْ قَالَ مُدَّعٍ: أُطَالِبُهُ بِثَوْبٍ غَصَبَنِيهِ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ) فَيَرُدَّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، أَوْ قَالَ: أُطَالِبُ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ (أَخَذَهُ مِنِّي لِيَبِيعَهُ بِعِشْرِينَ) وَأَبَى رَدَّهُ وَإِعْطَاءَ ثَمَنِهِ (فَيُعْطِينِيهَا) ؛ أَيْ: الْعِشْرِينَ (إنْ كَانَ بَاعَهُ، أَوْ) يُعْطِينِي (الثَّوْبَ إنْ كَانَ بَاقِيًا) أَوْ يُعْطِينِي (قِيمَتَهُ) الْعَشَرَةَ (إنْ كَانَ تَلِفَ؛ صَحَّ) ذَلِكَ اصْطِلَاحًا مِنْ الْقُضَاةِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى الْمُرَدَّدَةِ لِلْحَاجَةِ. (وَمَنْ ادَّعَى عَقْدًا، وَلَوْ غَيْرَ نِكَاحٍ) كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (ذَكَرَ شُرُوطَهُ لُزُومًا) لِلِاخْتِلَافِ فِي الشُّرُوطِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَا

стр. 4260

يَنَالُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِهَا (فَيَقُولُ فِي بَيْعٍ: اشْتَرَيْتُ مِنْهُ هَذِهِ الْعَيْنَ بِكَذَا، أَوْ هُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ، وَكَذَا إنْ ادَّعَى عَقْدَ إجَارَةٍ) وَيَقُولُ (فِي) دَعْوَى (نِكَاحٍ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَبِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا إنْ كَانَتْ لَا تُجْبَرُ) بِأَنْ لَا تَكُونَ لَا بِكْرًا وَلَا ثَيِّبًا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ مَعَ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ (وَلَا يَحْتَاجُ) أَنْ يَقُولَ (وَلَيْسَتْ مُرْتَدَّةً وَلَا مُعْتَدَّةً) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً) وَهُوَ حُرٌّ (ذَكَرَ عَدَمَ طَوْلٍ وَخَوْفَ عَنَتٍ) مَعَ الْوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ. فَائِدَةٌ: وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِهَا؛ سُمِعَ إقْرَارُهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ وَالْوَطَنِ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِحَقٍّ عَلَيْهَا؛ فَقُبِلَ إقْرَارُهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. (وَإِنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ فَقَطْ) ؛ أَيْ: وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ (لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ شُرُوطِ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِعَاضَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَعَهَا اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ. (وَيُجْزِئُ عَنْ تَعْيِينِ الْمَرْأَةِ) الْمُدَّعَى نِكَاحُهَا (إنْ غَابَتْ ذِكْرُ اسْمِهَا وَنَسَبِهَا، وَإِنْ ادَّعَتْ هِيَ) أَيْ: الْمَرْأَةُ (عَقْدَ النِّكَاحِ، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَحْوَ نَفَقَةٍ أَوْ مَهْرٍ؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا) لِأَنَّهَا تَدْعِي حَقًّا لَهَا، نُضِيفُهُ إلَى سَبَبِهِ؛ أَشْبَهَ سَائِرَ الدَّعَاوَى، وَلَا تَدَّعِي سِوَى النِّكَاحِ؛ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا؛ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا بِحَقٍّ لِغَيْرِهَا. (وَمَتَى جَحَدَ) الزَّوْجُ (الزَّوْجِيَّةَ، وَنَوَى بِهِ) أَيْ: بِجَحْدِهِ (الطَّلَاقَ؛ لَمْ تَطْلُقْ) بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ (وَيُتَّجَهُ) ، وَلَوْ كَانَ جُحُودُهُ الزَّوْجِيَّةَ (بِلَفْظِ لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ) أَيْ: مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ؛ لَمْ تَطْلُقْ، كَذَا قَالَ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ أَنَّ الْكِنَايَةَ الْخَفِيَّةَ يَقَعُ بِهَا طَلْقَةٌ مَعَ النِّيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ (لِأَنَّ الْجُحُودَ هُنَا) أَيْ: قَبْلَ الِاتِّجَاهِ (لِعَقْدِ النِّكَاحِ، لَا لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ) وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ بِعَدَمِ عَقْدٍ أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.

стр. 4261

(وَمَنْ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ ذَكَرَ الْمُدَّعِي الْقَتْلَ) وَكَوْنَهُ (عَمْدًا أَوْ شِبْهَهُ أَوْ خَطَأً، أَوْ يَصِفُهُ) لِاخْتِلَافِ الْحَالِ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ: فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهِ، لِيَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ (وَذِكْرِ أَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ أَوَّلًا) أَيْ: أَنَّهُ شُورِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَلَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ؛ فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ. (وَلَوْ قَالَ) مُدَّعٍ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدَّهُ أَيْ: مُوَرِّثَهُ (نِصْفَيْنِ، وَكَانَ حَيًّا) حِينَ قَدَّهُ أَوْ أَنَّهُ ضَرَبَهُ (وَهُوَ حَيٌّ) فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ فَيُطَالَبُ خَصْمُهُ بِالْجَوَابِ. (وَإِنْ ادَّعَى شَخْصٌ) عَلَى آخَرَ (إرْثًا: ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجُوبًا، لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْإِرْثِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، فَكَذَا الدَّعْوَى. (وَإِنْ ادَّعَى مُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَكَانَ تَالِفًا، قَوَّمَهُ) بِالنَّقْدِ الْآخَرِ، فَإِنْ ادَّعَى مُحَلًّى بِذَهَبٍ؛ قَوَّمَهُ بِفِضَّةٍ، وَإِنْ ادَّعَى مُحَلًّى بِفِضَّةٍ؛ قَوَّمَهُ بِذَهَبٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ إلَى الرِّبَا، قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ ادَّعَى مَصُوغًا مِنْ أَحَدِهِمَا صِنَاعَةً مُبَاحَةً تَزِيدُ بِهَا قِيمَتُهُ أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ (فَبِأَيِّهِمَا) ، أَيْ: النَّقْدَيْنِ شَاءَ يُقَوِّمُ (لِلْحَاجَةِ) أَيْ: انْحِصَارِ الثَّمَنِيَّةِ فِيهِمَا (وَيُعْطَى بِقِيمَتِهِ عِوَضًا) . [فَصْلٌ إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ] فَصْلٌ (وَإِذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ؛ فَلِلْحَاكِمِ سُؤَالُ خَصْمِهِ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (ابْتِدَاءَ الْجَوَابَ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي سُئِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِحْضَارَهُ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ تُرَادُ لِذَلِكَ (فَإِنْ أَقَرَّ) مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى (لَمْ يُحْكَمْ لَهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (إلَّا بِسُؤَالِهِ)

стр. 4262

الْحَاكِمَ الْحُكْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ حَقُّهُ) فَلَا يَسْتَوْفِيه الْحَاكِمُ إلَّا بِمَسْأَلَتِهِ (وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ قَدْ أَلْزَمْتُكَ ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْتُ عَلَيْكَ لَهُ، أَوْ حَكَمْتُ بِذَلِكَ) أَوْ يَقُولَ أَخْرِجْ لَهُ مِنْ حَقِّهِ (وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ وَقَعَ الْحُكْمُ لَازِمًا لَا يَجُوزُ) لِلْحَاكِمِ (الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ: الْحُكْمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (نَقْضُهُ) حَيْثُ وَافَقَ الصَّوَابَ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ الدَّعْوَى بِأَنْ قَالَ مُدَّعٍ عَلَيْهِ لِمُدَّعٍ قَرْضًا أَوْ لِمُدَّعٍ ثَمَنًا: مَا أَقْرَضَنِي؛ أَوْ قَالَ: (مَا بَاعَنِي أَوْ قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ قَالَ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ؛ صَحَّ الْجَوَابُ) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " لَا حَقَّ لَهُ " نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ كُلَّ حَقٍّ (مَا لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِسَبَبِ الْحَقِّ) فَلَا يَكُونُ قَوْلَهُ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَمَا بَعْدَهُ جَوَابًا، فَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ مَهْرَهَا عَلَى مُعْتَرِفٍ بِزَوْجِيَّتِهَا، فَقَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ، وَلَزِمَهُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِهِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَرْضًا، فَاعْتَرَفَ بِهِ. وَقَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا؛ لِثُبُوتِ سَبَبِ الْحَقِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ مُزِيلُهُ (وَلِهَذَا) (لَوْ أَقَرَّتْ) مَرِيضَةٌ (بِمَرَضِهَا) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (وَأَنْ لَا مَهْرَ لَهَا) عَلَى زَوْجِهَا (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهَا ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ) نَصًّا. نَقَلَهُ مُهَنَّا (أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ عَنْهُ فِي الصِّحَّةِ) يَعْنِي غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ. وَلَوْ قَالَ مُدَّعٍ لِمُدَّعًى عَلَيْهِ (لِي عَلَيْك مِائَةٌ) أُطَالِبَكَ بِهَا (فَقَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَيْسَ لَك عَلَيَّ مِائَةٌ؛ اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا شَيْءَ مِنْهَا) لِأَنَّ نَفْيَ الْمِائَةِ لَا يَنْفِي دُونَهَا كَ (يَمِينٍ) فَيَحْلِفُ إذَا وُجِّهَتْ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا يَكْفِي الْحَلِفُ عَلَى نَفْيِ الْمِائَةِ (فَإِنْ نَكِلَ) عَنْ الْيَمِينِ (عَمَّا دُونَ الْمِائَةِ) بِأَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ مِائَةٌ، وَنَكِلَ أَنْ يَقُولَ وَلَا

стр. 4263

شَيْءٌ مِنْهَا (حُكِمَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا) مِنْ أَجْزَاءِ الْمِائَةِ. (وَمَنْ أَجَابَ مُدَّعِي اسْتِحْقَاقِ مَبِيعٍ بِقَوْلِهِ: مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا، وَهُوَ مِلْكُهُ؛ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ رُجُوعَهُ عَلَى زَيْدٍ بِالثَّمَنِ) أَيْ: ثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُسْتَحَقِّ إذَا أَثْبَتَهُ رَبُّهُ. قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ الصَّوَابُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا وَالْإِضَافَةُ إلَى مِلْكِهِ فِي الظَّاهِرِ (كَمَا لَوْ أَجَابَ) مُشْتَرٍ (بِمُجَرَّدِ إنْكَارٍ) أَنَّهُ لَهُ (أَوْ اُنْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (بِبَيِّنَةِ مِلْكٍ سَابِقٍ) عَلَى شِرَائِهِ؛ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ اُنْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةِ مِلْكِهِ (مُطْلَقٍ) عَنْ التَّارِيخِ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. (وَلَوْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (لِمُدَّعٍ دِينَارًا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً؛ صَحَّ الْجَوَابُ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ) إذْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً لَيْسَ بِجَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بِنَصٍّ لَا بِظَاهِرٍ (وَيَعُمُّ الْحَبَّاتِ) ؛ أَيْ: حَبَّاتِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَتَعُمُّ (وَيَعُمُّ مَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظَةِ حَبَّةٍ) أَيْ: مَا دُونُهَا (مِنْ بَابِ الْفَحْوَى) أَيْ: الظَّاهِرِ مِنْ عَرْضِ الْكَلَامِ، أَوْ يَعُمُّ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً؛ إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ نَفْيُ اسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مِنْ الدِّينَارِ. وَلَوْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (لَك عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَالَ) الْمُدَّعِي لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ، وَإِنَّمَا لِي عَلَيْك أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ نَفَاهَا بِنَفْيِ الشَّيْءِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ (لَكَ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْك دِرْهَمٌ وَلَا دَانِقٌ، بَلْ) لِي عَلَيْكَ (أَلْفٌ) قُبِلَ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى نَفْيِهِ لَيْسَ حَقِّي هَذَا الْقَدْرَ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا دِرْهَمٌ؛ صَحَّ ذَلِكَ. قَالَهُ الْأَزَجِيُّ. وَإِنْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (إنْ ادَّعَيْت أَلْفًا بِرَهْنِ كَذَا لِي بِيَدِكَ أَجَبْتُ أَوْ إنْ ادَّعَيْت هَذَا الَّذِي ادَّعَيْته ثَمَنَ كَذَا بِعْتنِيهِ وَلَمْ أَقْبِضْهُ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فَجَوَابٌ) صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى قَيْدٍ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، مُنْكِرٌ لَهُ فِيمَا

стр. 4264

سِوَاهُ. قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " (لَا إنْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ) فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ جَوَابًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَلِمُدَّعٍ) أَنْكَرَ خَصْمُهُ (أَنْ يَقُولَ لِي بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُهَا (وَلِلْحَاكِمِ) إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ (أَنْ يَقُولَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ أَلَك بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ قَالَ) مُدَّعٍ سَأَلَهُ حَاكِمٌ أَلَك بَيِّنَةٌ؟ (نَعَمْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: إنْ شِئْت فَأَحْضِرْهَا، فَإِنْ أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا) الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِلَا إذْنِهِ (وَلَمْ يُلَقِّنْهَا) الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ، بَلْ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهُ الْبَيِّنَةَ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا إنْ شَاءَ، وَلَا يَقُولُ لَهُمَا: اشْهَدَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ: مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا، وَإِنِّي بِكَمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكَمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (فَإِذَا شَهِدَتْ) عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ (سَمِعَهَا، وَلَزِمَهُ فِي الْحَالِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ، وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (تَرْدِيدُهَا، وَيُكْرَهُ) لَهُ (تَعَنُّتُهَا) أَيْ: طَلَبُ زَلَّتِهَا (وَانْتِهَارُهَا) أَيْ: زَجْرُهَا؛ لِئَلَّا يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْكِتْمَانِ، وَلَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (لِمُدَّعًى عَلَيْهِ أَلَك فِيهَا دَافِعٌ أَوْ مَطْعَنٌ؟) بَلْ يُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ قَدْ شَهِدَا عَلَيْك، فَإِنْ كَانَ لَكَ قَادِحٌ فَبَيِّنْهُ لِي. وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " بِمَا إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِقَادِحٍ (وَاتَّضَحَ) لِلْحَاكِمِ (الْحُكْمُ، وَكَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ وَسَأَلَهُ) ؛ أَيْ الْحَاكِمُ (الْحُكْمَ؛ لَزِمَهُ) الْحُكْمُ فَوْرًا، وَلَا يَحْكُمُ بِدُونِ سُؤَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يَحْلِفُ مُدَّعٍ مَعَ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ) لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَنْ الْيَمِينِ. (وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَلَا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِضِدِّهِ) أَيْ: ضِدِّ مَا يَعْلَمُهُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ (أَوْ مَعَ لَبْسٍ

стр. 4265

قَبْلَ الْبَيَانِ) وَيَأْمُرُ بِالصُّلْحِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَمَعَ عِلْمِهِ بِضِدِّهِ أَوْ اللَّبْسِ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا يَحْكُمُ بِهِ. (وَيَحْرُمَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّ لَهُ طَلَبَ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَدْحِ بِالِاتِّفَاقِ (وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَكَمْتُ بِكَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ) فَيَحْرُمُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ (لِذَلِكَ) . (وَلَهُ الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ وَبِإِقْرَارٍ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ) (وَيُتَّجَهُ احْتِمَالُ) الْحُكْمِ بِبَيِّنَةٍ (لَا) أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ مَحَلِّ عَمَله) عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، بَلْ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ حُكْمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ دَفْعًا لِلرِّيبَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ) نَصًّا نَقَلَهُ حَرْبٌ؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ قَضَاءِ الْقَاضِي هُوَ الْحُجَجُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهِمَا إذَا سَمِعَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ مَسْلَمَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ؛ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّار» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. فَجَعَلَ مُسْتَنَدَ قَضَائِهِ مَا سَمِعَهُ لَا غَيْرَهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ فَبِسَمَاعِهِ أَوْلَى، وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ. وَلَا يَحْكُمُ قَاضٍ (بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ) الْمَسْأَلَةِ (وَفِي افْتِيَاتٍ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ) وَلَوْ فِي غَيْرِ حَدٍّ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ؛ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ،

стр. 4266

ثُمَّ قَالَ: إنِّي خَاطِبٌ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَر الْقِصَّةَ، وَقَالَ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا، فَهَمَّ بِهِمْ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ» ) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيُّ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ حَدًّا عَلَى رَجُلٍ لَمْ آخُذْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ. وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى تُهْمَتِهِ وَحُكْمِهِ بِمَا يَشْتَهِي وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ، لَكِنْ يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى عِلْمِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَظْهَرِ الْبَيِّنَاتِ؛ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْحَاكِمِ تُهْمَةٌ إذَا اسْتَنَدَ إلَيْهَا فَحُكْمُهُ بِهَا حُكْمٌ بِحُجَّةٍ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. ذَكَرَهُ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ (إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ مَرْجُوحَةٍ) قَالَ الْمُنَقَّحُ: وَقَرِيبٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ عَمَلُ الْحُكَّامِ بِصُورَةٍ تُسَمَّى بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (قَبُولِي الشَّاهِدِ الْبَاقِي) مِنْ شَاهِدَيْنِ بَعْدَ رَفِيقِهِ (الْقَضَاءَ) لِعُذْرٍ، فَيَقْضِي بِمَا سَمِعَهُ بَيْنَ الْمُقِرِّ، وَقَدْ عَمِلَ بِالطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ كَثِيرٌ مِنْ حُكَّامِنَا وَأَعْظَمُهُمْ الشَّارِحُ. (وَيْحُكُمْ وَيَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَةٍ بَيِّنَةٍ وَجَرْحِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِئَلَّا يَتَسَلْسَلَ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ الْمُزَكِّينَ أَوْ جَرْحِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ لَاحْتَاجَ كُلٌّ مِنْ الْمُزَكِّينَ إلَى مُزَكِّينَ، ثُمَّ يَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى مُزَكِّينَ، وَهَكَذَا. (وَمَنْ جَاءَ) مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ (بِبَيِّنَةٍ فَاسِدَةٍ اسْتَشْهَدَهَا الْحَاكِمُ) لِئَلَّا يَفْضَحَهَا (وَقَالَ لِمُدَّعٍ زِدْنِي شُهُودًا) وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] .

стр. 4267

[فَصْلٌ يُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا] فَصْلٌ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، وَكَذَا) وَتُعْتَبَرُ (بَاطِنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَالْفَاسِقُ لَا يُؤْمَنُ كَذِبُهُ (لَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) فَتَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، فَلَا يَبْطُلُ لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ، وَتَقَدَّمَ. وَيُعْتَبَرُ فِي قَبُولِ (مُزَكِّينَ مَعْرِفَةُ حَاكِمٍ خِبْرَتَهُمَا بِصُحْبَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ) أَوْ جِوَارٍ، وَيُعْتَبَرُ، (مَعْرِفَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الْمُزَكِّينَ (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: كَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِمَنْ يُزَكُّونَهُ) مِنْ الشُّهُودِ (فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِهَا) ؛ أَيْ: الْعَدَالَةِ لِأَنَّهَا شَرْطٌ (وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لِأَنَّ الْغَالِبَ الْخُرُوجُ عَنْهَا (أَوْ لَمْ يَطْعَنْ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ (الْخَصْمُ) فَيُجِيبُ الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ كَالْإِسْلَامِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ قَالَ إنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ الْعَدَالَةُ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] انْتَهَى. فَالْفِسْقُ وَالْعَدَالَةُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْرَأُ عَلَى الْآخَرِ، وَعَنْهُ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ) لِقَبُولِهِ: ﷺ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَقَوْلِ عُمَرَ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ وَلِأَنَّ

стр. 4268

ظَاهِرَ الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ لِأَنَّهَا أَمْرٌ، فَفِي سَبَبِهَا الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، دَلِيلُهُ الْإِسْلَامُ فَإِذَا وُجِدَ اُكْتُفِيَ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ. وَقَوْلُهُمْ: ظَاهِرُ الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ مَمْنُوعٌ، بَلْ الظَّاهِرُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إظْهَارُ الطَّاعَةِ وَإِسْرَارُ الْمَعْصِيَةِ. وَقَوْلُ عُمَرَ مُعَارِضُ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا: لَسْت أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا أَنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمَا، وَالْأَعْرَابِيُّ الَّذِي قَبِلَ ﵊ شَهَادَتَهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ صَحَابِيٌّ، وَهُمْ عُدُولٌ. (وَيَكْفِي فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ) عَدْلَانِ يَقُولَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا: (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ) وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: أَرْضَاهُ لِي وَعَلَيَّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا لَزِمَ قَبُولُهُ عَلَى مُزَكِّيهِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا (وَيَكْفِي فِيهَا) ؛ أَيْ: التَّزْكِيَةِ (الظَّنُّ، بِخِلَافِ الْجَرْحِ، وَتَجِبُ فِيهَا الْمُشَافَهَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا إخْبَارٌ، فَلَا تَكْفِي فِيهَا رُقْعَةُ الْمُزَكِّي؛ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الشَّهَادَةِ) وَهَذِهِ مِنْهَا (وَلَوْ رَضِيَ) مَشْهُودٌ عَلَيْهِ (أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ فَاسِقٍ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ حَقٌّ لِلَّهِ (وَبَيِّنَةٌ بِجَرْحٍ مُقَدَّمَةٌ) عَلَى بَيِّنَةٍ بِتَعْدِيلٍ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ بَاطِنٍ خَفِيٍّ عَلَى الْعَدْلِ، وَشَاهِدُ الْعَدَالَةِ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ مُثْبِتٌ لِلْجَرْحِ وَالْمُعَدِّلُ نَافٍ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَإِذَا عَصَى فِي بَلَدِهِ، فَانْتَقَلَ فَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فِي بَلْدَةٍ وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ فِي الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، قُدِّمَتْ التَّزْكِيَةُ (وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ وَحْدَهُ) لِشَاهِدٍ عَلَيْهِ تَعْدِيلٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لَحِقَهُ، وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ بِعَدَالَتِهِ إقْرَارٌ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ (أَوْ تَصْدِيقِهِ) ؛ أَيْ: الْخَصْمِ (لِلشَّاهِدِ) عَلَيْهِ (تَعْدِيلٌ لَهُ) فَيُؤْخَذُ بِتَصْدِيقِهِ الشَّاهِدَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدُونِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ. (وَلَا يَصِحُّ مِنْ نِسَاءٍ تَزْكِيَةٌ وَتَجْرِيحٌ) لِقُصُورِ مَعْرِفَتِهِنَّ (وَلَا تَصِحُّ تَزْكِيَةٌ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ) كَقَوْلِ مُزَكٍّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَلَمْ تُوجَدْ. (وَمَنْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً) بِأَنْ شَهِدَ فَعُدِّلَ، ثُمَّ شَهِدَ فِي قَضِيَّةٍ أُخْرَى

стр. 4269

(لَزِمَ الْبَحْثُ عَنْهَا) ؛ أَيْ: الْعَدَالَةِ (مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ) بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ (عُرْفًا) لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تَتَغَيَّرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ، فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ عُرْفًا لَمْ يُبْحَثْ عَنْ عَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهَا. (وَمَتَى ارْتَابَ الْحَاكِمُ عَلَى عَدْلَيْنِ لَمْ يَخْتَبِرْ قُوَّةَ ضَبْطِهِمَا وَقُوَّةَ دِينِهِمَا؛ لَزِمَهُ الْبَحْثُ) عَمَّا شَهِدَا بِهِ (وَسُؤَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا عَنْ كَيْفِيَّةِ تَحَمُّلِهِ) بِأَنْ يَقُولَ: هَلْ هُوَ مَا شَهِدْت بِهِ أَوْ أَخْبَرْت بِهِ أَوْ أُقِرَّ عِنْدِي (بِهِ رُؤْيَةً أَوْ سَمَاعًا أَوْ إقْرَارًا وَمَتَى) تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ لِيَذْكُرَ تَارِيخَ التَّحَمُّلِ، وَأَيْنَ تَحَمَّلْتهَا فِي مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ بَيْتٍ؟ (وَ) يَسْأَلُهُ (هَلْ تَحَمَّلَ) الشَّهَادَةَ (وَحْدَهُ) بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ غَيْرَهُ حِينَ التَّحَمُّلِ، (أَوْ) كَانَ (مَعَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اتَّفَقَا) فِي جَوَابِهِمَا عَنْ ذَلِكَ (وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضٍ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاَلَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ، وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا، فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا وَتَرْمِي مِمَّا فِي حَوَاصِلِهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا، فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا (فَإِنْ ثَبَتَا) بَعْدَ وَعْظِهِمَا (حُكِمَ) بِشَهَادَتِهِمَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ (وَإِلَّا) يَثْبُتَا (لَمْ يَقْبَلْهُمَا) قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. (وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ - لَا إنْ لَمْ يُقِمْهَا وَسَأَلَ حَبْسَ خَصْمِهِ) فِي غَيْرِ حَدٍّ حَتَّى تُزَكَّى بَيِّنَتُهُ أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُقَالُ لَهُ: إنْ جِئْت بِالْمُزَكِّينَ فِيهَا، وَإِلَّا أَطْلَقْنَاهُ (أَوْ أَقَامَ، بَيِّنَةً) وَسَأَلَ (كَفِيلًا) ؛ أَيْ: بِخَصْمَيْهِ (فِي غَيْرِ حَدٍّ) حَتَّى تُزَكَّى شُهُودُهُ أُجِيبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَسَأَلَ (جَعْلَ مُدَّعًى

стр. 4270

بِهِ) مِنْ عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى بَيِّنَتُهُ تُزَكَّى أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً بِطَلَاقِهَا، وَسَأَلَتْ (تَجَنُّبَ مُطَلِّقِهَا بَائِنًا إيَّاهَا) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (حَتَّى تُزَكِّي) بَيِّنَتَهَا أُجِيبَتْ إلَى ذَلِكَ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا احْتِيَاطًا، وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَثْبُتُ بِهِ طَلَاقٌ فَأَشْبَهَ عَدَمَهُ (أَوْ أَقَامَ) مُدَّعٍ (شَاهِدًا) عَلَى خَصْمِهِ (بِمَالٍ وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَحْثِ فِيهَا، فَلَا حَاجَةَ إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، بَلْ فِي حَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُدَّعِي إحْضَارُ الْمُزَكِّينَ أَوْ الشَّاهِدِ الثَّانِي فِيهَا وَلَا يُحْبَسُ مُدَّعًى عَلَيْهِ (إنْ أَقَامَهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَ مُدَّعٍ (بِغَيْرِ مَالٍ) وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ (أَوْ سَأَلَ حَبْسَهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَةٍ) فَلَا يُجِيبُهُ (لَكِنْ يُجَابُ الْمُدَّعِي لِلْمُلَازَمَةِ) لِخَصْمِهِ (وَيَأْتِي، وَإِنْ جَرَحَهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةَ (الْحُكْمُ بَعْدَ تَعْدِيلِهَا، أَوْ أَرَادَ جَرْحَهَا، كُلِّفَ) الْخَصْمُ بِهِ؛ أَيْ: الْجَرْحِ بِبَيِّنَةٍ لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (وَيُنْظَرُ لِجَرْحٍ وَإِرَادَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ فِي كِتَابِهِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: وَاجْعَلْ لِمَنْ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ حَقَّهُ، وَإِلَّا اسْتَحْلَلْتَ الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْفَى لِلشَّكِّ وَأَجْلَى لِلْغَمِّ (وَيُلَازَمُ الْمُدَّعِي) فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِئَلَّا يَهْرَبَ، فَيَضِيعَ حَقُّهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِيهَا (فَإِنْ أَتَى بِهَا) ؛ أَيْ: بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا يَأْتِ بِهَا فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (حُكِمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ مُدَّعَاهُ مِنْ الْجَرْحِ. (وَيَتَّجِهُ ثُمَّ إنْ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (بِبَيِّنَةِ جَرْحٍ عُمِلَ بِهَا) لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ أَمْرًا مُمْكِنًا سَابِقًا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُسْمَعُ جَرْحٌ لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ) (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) أَقْوَى أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ جَرْحٌ لَمْ يُبَيِّنْ جَارِحٌ سَبَبَهُ إنْ اخْتَلَفَ مَذْهَبُ قَادِحٍ وَحَاكِمٍ، أَمَّا (مَعَ اتِّحَادِ مَذْهَبِ حَاكِمٍ، وَمُجَرِّحٍ) بِأَنْ كَانَا يَرَيَانِ

стр. 4271

عَدَمَ بَيَانِ سَبَبِ الْجَرْحِ، فَيُسْمَعُ الْجَرْحُ، وَلَا يُكَلَّفُ جَارِحٌ بَيَانَ السَّبَبِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِذِكْرِ قَادِحٍ فِيهِ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ) بِأَنْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ فَقَدْ يُجَرِّحُهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جُرْحًا (فَلَا يَكْفِي) قَوْلُ شَاهِدٍ (أَشْهَدُ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] (بَلْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْته يَشْرَبُ الْخَمْرَ) أَوْ رَأَيْته يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا (أَوْ) عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: (سَمِعْته يَقْذِفُ) وَنَحْوَهُ (وَيُعَرِّضُ جَارِحٌ بِزِنًا) أَوْ لِوَاطٍ. (فَإِنْ صَرَّحَ) بِالرَّمْيِ بِالزِّنَا (وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ) بِأَنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ (حُدَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] وَإِنْ أَقَامَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِهَذَا الْمُدَّعَى بِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا بِطَلَبِ شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً.

стр. 4272

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، وَجَرَّحَهُ وَاحِدٌ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ؛ لِتَمَامِ نِصَابِهِ، وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ قُدِّمَ الْجَرْحُ وُجُوبًا، وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ عَدَّلُوهُ مَا جَرَّحَاهُ بِهِ قَدْ تَابَ مِنْهُ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ لِمَا مَعَ بَيِّنَتِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ. (وَإِنْ جَهِلَ حَاكِمٌ لِسَانَ خَصْمٍ تَرْجَمَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ عَنْ الْخَصْمِ (مَنْ يَعْرِفُهُ) ؛ أَيْ: لِسَانَ الْخَصْمِ. قَالَ أَبُو حُمْرَةَ: كُنْت أُتَرْجِمُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ قَالَ: حَتَّى كُنْت أَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ، وَأَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي تَرْجَمَةٍ وَفِي جَرْحٍ وَفِي تَعْدِيلٍ وَفِي رِسَالَةٍ) ؛ أَيْ: مَنْ يُرْسِلُهُ الْحَاكِمُ لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ (وَفِي تَعْرِيفٍ عِنْدَ حَاكِمٍ) وَأَمَّا التَّعْرِيفُ عِنْدَ شَاهِدٍ فَيَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ (فِي حَدِّ زِنًا) وَلِوَاطٍ (إلَّا أَرْبَعَةُ) رِجَالٍ عُدُولٍ كَشُهُودِ الْأَصْلِ، (وَلَا) يُقْبَلُ فِي تَرْجَمَةٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا (فِي غَيْرِ مَالٍ) كَنِكَاحٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ وَقَذْفٍ وَقِصَاصٍ (إلَّا رَجُلَانِ وَ) لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ (فِي مَالٍ إلَّا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِأَنَّهُ نَقَلَ مَا يَخْفَى عَلَى الْحَاكِمِ بِمَا يَسْتَنِدُ الْحَاكِمُ إلَيْهِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ (وَذَلِكَ شَهَادَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَنْ يُتَرْجِمُ أَوْ يَجْرَحُ أَوْ يُعَدِّلُ أَوْ يُرْسَلُ أَوْ يُعَرِّفُ (وَفِي مَنْ رَتَّبَهُ حَاكِمٌ يَسْأَلُ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أَوْ جَرْحٍ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ الْآتِيَةِ وَتَجِبُ الْمُشَافَهَةُ) فِيمَنْ يُعَدِّلُ أَوْ يَجْرَحُ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا تَكْفِي كِتَابَتُهُ أَنَّهُ عَدْلٌ أَوْ ضِدُّهُ وَنَحْوُهُ كَالشَّهَادَةِ، وَإِذَا رَتَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَسْأَلُ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ فَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ كَتَبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَكُنْيَتَهُ وَصَنْعَتَهُ وَسُوقَهُ وَمَسْكَنَهُ وَمَنْ شَهِدَ لَهُ وَعَلَيْهِ. وَمَا شَهِدَ بِهِ فِي رِقَاعٍ وَدَفَعَهَا إلَى أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ وَلَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا الشُّهُودُ، وَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً، وَلَا يُعْلِمُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَسْأَلُوا عَنْهُ، فَإِنْ رَجَعُوا بِتَعْدِيلِهِ قَبِلَهُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَيَشْهَدَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ. (وَمَنْ نُصِّبَ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ، أَوْ نُصِّبَ لِسَمَاعِ بَيِّنَةٍ؛ قَنَعَ الْحَاكِمُ

стр. 4273

بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْحُكَّامِ (وَإِنْ سَأَلَهُ حَاكِمٌ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ أَخْبَرَهُ) وُجُوبًا بِالْوَاقِعِ (وَإِلَّا) يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ قَالَ الْمُدَّعِي مَالِي بَيِّنَةٌ] فَصْلٌ (وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي مَالِي بَيِّنَةٌ فَقَوْلُ مُنْكِرٍ بِيَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (إلَّا النَّبِيَّ ﷺ ) إذَا ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ؛ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَحَدٌ (فَقَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ) لِعِصْمَتِهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِتَعْلِيلِهِمْ بِالْعِصْمَةِ، وَالْكُلُّ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا (فَيُعْلِمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (حَاكِمٌ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (فَإِنْ سَأَلَ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (إحْلَافَهُ) ؛ أَيْ: الْمُنْكِر (وَلَوْ عَلِمَ) وَقْتَ إحْلَافِهِ (عَدَمَ قُدْرَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُنْكِرِ (عَلَى حَقِّهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " هَذَا الْمَذْهَبُ (وَيُكْرَهُ) ؛ لَهُ إحْلَافُهُ إذَنْ؛ لِئَلَّا يَضْطَرَّهُ إلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ؛ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْحَبْسِ إذَا أَقَرَّ لِعُسْرَتِهِ (احْلِفْ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ نَصًّا مِنْ نَحْوِ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ) لَا عَلَى صِفَةِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِجَوَابٍ، فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَلَفَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ؛ لِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ. (وَحُرِّمَ دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (ثَانِيًا وَتَحْلِيفُهُ) أَيْضًا كَبَرِيءٍ؛ أَيْ: كَمَا تَحْرُمُ دَعْوَاهُ عَلَى بَرِيءٍ وَتَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ (وَتَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِمُدَّعًى عَلَيْهِ دُونَ مُدَّعٍ) بِلَا نِزَاعٍ (إلَّا فِي الْقَسَامَةِ) إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُمَا (وَإِلَّا مَعَ الشَّاهِدِ) عَلَى مُدَّعٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يُعْتَدُّ بِيَمِينِ) مُنْكِرٍ إلَّا إنْ كَانَتْ (بِأَمْرِ حَاكِمٍ لَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ طَوْعًا) فَإِنْ حَلَفَ بِلَا أَمْرِ حَاكِمٍ، أَوْ حَلَّفَهُ حَاكِمٌ بِلَا سُؤَالِ

стр. 4274

مُدَّعٍ أَوْ بِسُؤَالِهِ كَرْهًا؛ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْيَمِينُ، فَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي الْحَاكِمَ إعَادَتَهَا أَعَادَهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَّفَهُ الْمُدَّعِي، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ (وَلَا يَصِلُهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينَ مُنْكِرٌ (بِاسْتِثْنَاءٍ) وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهَا قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَكَذَا بِمَا لَا يُفْهَمُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْحَاكِمُ الْمُحَلِّفُ لَهُ. (وَحُرِّمَ تَوْرِيَةٌ) فِي حَلِفٍ وَهِيَ إطْلَاقُ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَيُرَادُ الْبَعِيدُ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةٍ خَفِيَّةٍ. (وَيَحْرُمُ تَأْوِيلٌ) فِي حَلِفٍ بِأَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ (إلَّا لِحَالِفٍ مَظْلُومٍ) فَيَجُوزُ لَهُ التَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ. (وَيَحْرُمُ حَلِفُ مُعْسِرٍ حَيًّا) إنْ أَقَرَّ بِمَا عَلَيْهِ (أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، وَلَوْ نَوَى) لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ (السَّاعَةَ) لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا، خَافَ حَبْسًا أَوْ لَا. (وَمَرَّ فِي الْحَجْرِ) مُسْتَوْفًى. (وَ) يَحْرُمُ (حَلِفُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرِهِ) فَأَنْكَرَ، وَحَلَفَ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ السَّاعَةَ لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهُ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ؛ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ. (وَلَا يَحْلِفُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ (فِي شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَعْتَقِدُهُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ حَقًّا (نَصًّا وَحَمَلَهُ) ؛ أَيْ: النَّصَّ (الْمُوَفَّقُ عَلَى الْوَرَعِ) دُونَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ (وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ حَمْلِهِ) ؛ أَيْ: النَّصِّ (عَلَى مَا إذَا حَكَمَ بِهِ) ؛ أَيْ: الشَّيْءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (مَنْ) ؛ أَيْ: حَاكِمٌ (يَرَاهُ، أَوْ عَلَى مَا إذَا قَلَّدَهُ) ؛ أَيْ: قَلَّدَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (حَالَ فِعْلِهِ) أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَنُقِلَ عَنْهُ) ؛

стр. 4275

أَيْ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يُعْجِبُنِي) ؛ أَيْ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَعْتَقِدُهُ، فَلَوْ بَاعَ شَافِعِيٌّ حَنْبَلِيًّا لَحْمًا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ بِدِينَارٍ مَثَلًا، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَأَجَابَ الْحَنْبَلِيُّ بِأَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فَالْتَمَسَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ، فَمُقْتَضَى الْإِمَامِ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِهَذِهِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُدَّعِي مَا لَا عِنْدَهُ (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْيَمِينِ (فِيمَنْ عَامَلَ بِحِيلَةٍ رِبَوِيَّةٍ كَعِينَةٍ) إذَا أَنْكَرَ الْآخِذُ الزِّيَادَةَ وَأَرَادَ الْحَلِفَ عَلَيْهَا هَلْ يَحْلِفُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ؟ نَقَلَهُ حَرْبٌ قَالَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ هُنَا عَلَى الْقَطْعِ، وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ ظَنِّيَّةٌ (فَلَوْ أُبْرِئَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينِ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ مُدَّعٍ: أَبْرَأْتُك مِنْ الْيَمِينِ بَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينِ (فِي هَذِهِ الدَّعْوَى فَقَطْ) فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُهُ فِيهَا لِإِسْقَاطِهِ (فَلَوْ جَدَّدَهَا) ؛ أَيْ: اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ (وَطَلَبَ) الْمُدَّعِي (الْيَمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَحْلِفْ مَرَّةً أُخْرَى (وَلَوْ أَمْسَكَ مُدَّعٍ عَنْ إحْلَافِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّعْوَى (وَأَرَادَهُ) ؛ أَيْ: أَرَادَ الْمُدَّعِي إحْلَافَهُ (بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ دَعْوَاهُ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي. (وَمَنْ) أَنْكَرَ فَوُجِّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ (فَلَمْ يَحْلِفْ) وَامْتَنَعَ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: إنْ لَمْ تَحْلِفْ قَضَيْتُ عَلَيْك بِالنُّكُولِ نَصًّا، وَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ) ؛ أَيْ: قَوْلِ إنْ لَمْ تَحْلِفْ قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالنُّكُولِ (ثَلَاثًا) قَطْعًا لِحُجَّتِهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ (بِسُؤَالِ مُدَّعٍ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ قَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِنُكُولِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَحَصَرَهَا فِي جِهَتِهِ؛ فَلَمْ تُشْرَعْ لِغَيْرِهِ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: النُّكُولُ (كَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَا كَإِقْرَارٍ) بِالْحَقِّ، لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ وَبِأَنَّ الْمُدَّعِي لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ مُتَوَرِّعٌ عَنْ الْيَمِينِ؛ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُقِرٌّ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ (فَيَرْجِعُ) مَقْضِيٌّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ
следующие страницы →