Полный текст (4 464 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بَقِيَّتَهُ مِنْ الذَّكَرِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَرِيصًا مُهْتَمًّا بِهِ انْتَهَى. لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَ) سُنَّ لَهُ (مُكْثٌ قَلِيلٌ قَبْلَ اسْتِنْجَاءٍ) (لِيَنْقَطِعَ أَثَرُ بَوْلٍ) ثُمَّ يَسْتَنْجِيَ وَإِذَا اسْتَنْجَى فِي دُبُرِهِ اسْتَرْخَى قَلِيلًا، وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يُنَقَّى وَيَتَنَظَّفُ. (وَ) لِلْمُتَخَلِّي (تَنَحْنُحٌ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: (وَمَشْيُ خُطُوَاتٍ) ، وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ، (إنْ اُحْتِيجَ لِاسْتِبْرَاءٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ، (وَكَرِهَهُمَا) - أَيْ: كَرِهَ التَّنَحْنُحَ وَمَشْيَ الْخُطُوَاتِ - (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدْعَةٌ، وَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
(وَ) سُنَّ (تَحُولُ خَائِفٍ تَلَوُّثًا بِاسْتِنْجَاءٍ) تَبَاعُدًا عَنْ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ التَّلَوُّثَ فَلَا يَتَحَوَّلُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
(وَ) سُنَّ (دَلْكُ يَدِهِ) (بِأَرْضٍ طَاهِرَةٍ) بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ " أَنَّ النَّبِيّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ (نَضْحُ فَرْجٍ) ، أَيْ: مَا يُحَاذِيهِ مِنْ ثَوْبٍ (وَسَرَاوِيلَ لِمُسْتَنْجٍ) بِمَاءٍ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا تَوَضَّأَتْ فَانْضَحْ» حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَمِنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ وَالْهَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ فَصَلَّى ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا.
(وَ) سُنَّ (بُدَاءَةُ ذَكَرٍ) بِقُبُلٍ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا بَدَأَ بِالدُّبُرِ، لِأَنَّ
стр. 72
قُبُلَهُ بَارِزٌ، (وَ) بُدَاءَةُ (بِكْرٍ بِقُبُلٍ) إلْحَاقًا لَهَا بِالذَّكَرِ لِوُجُودِ عُذْرَتِهَا (وَتُخَيَّرُ ثَيِّبٌ) فِي الْبَدَاءَةَ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (اسْتِنْجَاءٌ بِحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِلنِّسَاءِ «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ. فِي الْإِنْقَاءِ، (وَكُرِهَ عَكْسُهُ) أَيْ: تَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى الْحَجَرِ - نَصًّا لِأَنَّ الْحَجَرَ بَعْدَ الْمَاءِ يُقَذِّرُ الْمَحَلَّ. (وَيُجْزِئُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الْحَجَرِ أَوْ الْمَاءِ - «لِحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْإِدَاوَةُ بِالْكَسْرِ: الْمَطْهَرَةُ، جَمْعُهُ: أَدَاوَى كَفَتَاوَى، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِط فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» وَإِنْكَارُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ كَانَ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ ﵄ (وَالْمَاءُ) وَحْدُهُ (أَفْضَلُ) مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَأَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَقَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ» .
(وَلَا بَأْسَ بِاسْتِجْمَارٍ فِي فَرْجٍ، وَاسْتِنْجَاءٍ فِي آخَرَ) إذَا أَمِنَ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يُجْزِئُ فِي مُتَعَدٍّ) - أَيْ: مُتَجَاوِزٍ - (مَوْضِعَ عَادَةٍ) بِأَنْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصَّفْحَةِ، أَيْ: أَوْ امْتَدَّ إلَى الْحَشَفَةِ امْتِدَادًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، (يَقِينًا) لَا ظَنًّا، (إلَّا الْمَاءُ) لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِلْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ، لِتَكْرَارِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ تَعَدَّتْ لِنَحْوِ يَدِهِ لَتَعَيَّنَ الْمَاءُ لِمَا تَعَدَّى، وَلَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ.
قَالَ فِي
стр. 73
الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَمْنَعُ الْقِيَامُ الِاسْتِجْمَارَ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي الْخَارِجِ مِنْ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) إلَّا الْمَاءُ وَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْأَصْلِيَّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِجْمَارُ لَا يُجْزِئُ إلَّا فِي أَصْلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ وَاضِحًا أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ فِي الْأَصْلِيِّ دُونَ الزَّائِدِ، وَيُجْزِئُ فِي دُبُرِهِ. (وَ) ك (مَخْرَجٍ غَيْرِ فَرْجٍ) تَنَجَّسَ بِخَارِجٍ مِنْهُ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ، وَلَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، وَلَمْسُهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حُكْمُ الْوَطْءِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ. (وَ) (تَنَجُّسِ مَخْرَجٍ بِغَيْرِ خَارِجٍ مِنْهُ) ، أَوْ بَقِيَ الْخَارِجُ مُلْصَقًا بِهِ وَجَفَّ، (وَ) كَذَا لَوْ تَنَجَّسَ الْمَخْرَجُ (بِخَارِجٍ) مِنْ حُقْنَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ. (وَكَاسْتِجْمَارٍ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ) كَطَعَامٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ، (لَا) اسْتِجْمَارَ (بِغَيْرِ مُنْقٍ) وَإِذَا أَتْبَعَ بِالْمَنْقِيِّ قَبْلَ جَفَافِ الْخَارِجِ فَيُجْزِئُ.
(وَلَا يَجِبُ غَسِيلُ نَجَاسَةٍ بِدَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ) نَصًّا، (فَلَا تُدْخِلُ أُصْبُعَهَا) فِي فَرْجِهَا، (بَلْ) تَغْسِلُ (مَا ظَهَرَ) مِنْهُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا، لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَيْنِ دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ. فَالدَّاخِلُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَلَا تُدْخِلُ يَدَهَا وَلَا أُصْبُعَهَا، بَلْ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ. وَالْخَارِجُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ يَجِبُ غَسْلُهُ، (وَكَذَا) لَا يَجِبُ (غَسْلُ) دَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ (مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ) كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ.
(وَ) كَذَا لَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ بِدَاخِلِ (حَشَفَةِ أَقْلَفَ غَيْرِ مَفْتُوقٍ) بِخِلَافِ الْمَفْتُوقِ، فَيَجِبُ غَسْلُهَا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ.
(وَيُجْزِئُ اسْتِجْمَارٌ فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ تَعَدَّى مَخْرَجَ حَيْضٍ كَبِكْرٍ) نَصًّا، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "
стр. 74
لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَثِيرًا، وَالْعُمُومَاتُ تُعَضِّدُهُ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الْكَبِيرِ ".
(وَشَرْطُ اسْتِجْمَارٍ بِطَاهِرٍ) فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ " لِأَنَّ «ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَجْمِرَ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ، يَعْنِي: نَجِسًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ أَشْبَهَ الْغُسْلَ. (جَامِدٍ) لَا نَدِيٍّ وَلَا رَخْوٍ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، (مُبَاحٍ) ، فَلَا يَصِحُّ بِمُحَرَّمٍ كَمَغْصُوبٍ، وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ، وَلَا يُجْزِئُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَاءُ (مُنَقٍّ) - اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَنْقَى - فَلَا يُجْزِئُ بِأَمْلَسَ مِنْ نَحْوِ زُجَاجٍ (غَيْرِ مَطْعُومٍ) لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَغَيْرِ (مُحْتَرَمٍ) كَكُتُبٍ مُبَاحَةٍ احْتِرَامًا، (وَ) غَيْرِ (مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ) . فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَهُ بِمُبَاحٍ أَوْ اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ: لَمْ يُجْزِهِ، وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ مُنْقٍ كَزُجَاجٍ: أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ بِمُنَقٍّ، (كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ وَخِرَقٍ) ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ.
وَلِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْحَجَرِ الْحَجَرَ فِي الْإِزَالَةِ (وَالْإِنْقَاءُ) بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ (أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَالْأَثَرُ نَجَسٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (يُعْفَى عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (وَ) الْإِنْقَاءُ (بِمَاءٍ عَوْدُ الْمَحَلِّ) ، أَيْ: مَحَلِّ الْخَارِجِ بِأَنْ يُدَلِّكُهُ حَتَّى يَعُودَ (كَمَا كَانَ) قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَيُوَاصِلُ الصَّبَّ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا.
(وَظَنُّهُ) ، أَيْ: الْإِنْقَاءِ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَوْ مَاءٍ (كَافٍ، وَ) لَا بُدَّ مِنْ (غَسْلِهِ سَبْعًا) ، كَمَا يَأْتِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَحَرُمَ وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ بِرَوْثٍ) ، وَلَوْ لِمَأْكُولٍ، (وَعَظْمٍ) ، وَلَوْ مِنْ مُذَكًّى، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعَدَمَ
стр. 75
الْإِجْزَاءِ (وَ) حَرُمَ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ (بِرَخْوٍ) كَطِينٍ جَامِدٍ هَشٍّ، لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ، وَبِطَعَامٍ، وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ بِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ، فَزَادُنَا وَزَادُ دَوَابِّنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِذِي حُرْمَةٍ كَكُتُبِ فِقْهٍ) وَحَدِيثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَذَنَبِ) الْبَهِيمَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ نَحْوِ صُوفٍ، لِأَنَّهُ لَهُ حُرْمَةٌ كَالطَّعَامِ، (وَبِجِلْدِ) سَمَكٍ وَحَيَوَانٍ (مُذَكًّى) أَوْ حَشِيشٍ رَطْبٍ، (وَ) مِثْلُهُ اسْتِجْمَارٌ (بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُتَنَجِّسٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُجْزِئُ) فِي الِاسْتِجْمَارِ (أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْمَسَحَاتُ الثَّلَاثُ (بِحَجَرٍ) وَاحِدٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ، تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ) أَيْ: مَحَلَّ الْخَارِجِ (وَهُوَ: الْمَسْرُبَةُ وَالصَّفْحَتَانِ) . قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدِّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخَّرِهَا، يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِي مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرَبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ. انْتَهَى. لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةٍ» لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ الْمَسْحِ، لَا الْمَمْسُوحِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، وَمُرَادُهُ مَعْلُومٌ، وَالْحَاصِلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ حَاصِلٌ مِنْ ثَلَاثِ شُعَبٍ، وَكَمَا لَوْ مَسَحَ ذَكَرَهُ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ مِنْ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَا مَعْنَى لِلْجُمُودِ عَلَى اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ مَا يُسَاوِيهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ بِالْمَسَحَاتِ الثَّلَاثِ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) لِيَحْصُلَ مَقْصُودُ الِاسْتِجْمَارِ.
стр. 76
(وَسُنَّ قَطْعُهُ) أَيْ: مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ - (عَلَى وِتْرٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. فَإِنْ أَنْقَى بِرَابِعَةِ زَادَ خَامِسَةً. وَهَكَذَا، وَإِنْ أَنْقَى بِوِتْرٍ كَخَامِسَةٍ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا.
(وَلَوْ) (اسْتَجْمَرَ) ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، لِكُلِّ حَجَرٍ ثَلَاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُعْبَةٍ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ أَجْزَأَهُمْ، أَوْ اسْتَجْمَرَ إنْسَانٌ (بِحَجَرٍ ثُمَّ غَسَلَهُ) وَجَفَّفَهُ سَرِيعًا، (أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ) مِنْهُ (ثُمَّ اسْتَجْمَرَ بِهِ) ثَانِيًا، ثُمَّ كَسَرَهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَيَجِبُ اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ وَنَحْوِ كَحَجَرٍ (لِكُلِّ خَارِجٍ) مِنْ سَبِيلٍ، وَلَوْ نَادِرًا كَالدُّودِ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، (إلَّا الطَّاهِرَ كَرِيحٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ " قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَجِسَةً وَلَا تَصْحَبُهَا نَجَاسَةٌ. وَفِي " الْمُبْهِجِ " لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ. وَعُورِضَ بِأَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ قَائِمَةٌ بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا، وَهُوَ لَا يَقُومُ بِعَرَضٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(وَ) ك (مَنِيٍّ) ، وَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ، لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ (أَوْ) ، أَيْ: وَإِلَّا (نَجَسًا غَيْرَ مُلَوِّثٍ) ، قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يُبْطِلهَا الْحَدَثُ، فَاشْتَرَطَ تَقَدُّمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهَا كَالتَّيَمُّمِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَأَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ
стр. 77
بِبَدَنٍ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ عَلَيْهِمَا غَيْرَ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا صَحَّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِهَا.
(وَيَحْرُمُ مَنْعُ مُحْتَاجٍ لِطَهَارَةِ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، أَيْ: مِيضَأَةٍ مُعَدَّةٍ لِلتَّطْهِيرِ وَالْحَشِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَدْرَسَةٍ) وَرِبَاطٍ، (وَلَوْ) كَانَتْ (فِي مِلْكِهِ) ، لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةٌ لِلْمُحْتَاجِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ. (وَ) : (يَجِبُ مَنْعُ أَهْلِ ذِمَّةٍ) حَصَلَ (بِهِمْ تَضْيِيقٌ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَنْجِيسٌ (أَوْ إفْسَادُ مَاءٍ وَإِلَّا) لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تَضْيِيقٌ وَلَا إفْسَادُ مَاءٍ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَقْصِدُ مِنْ الرَّافِضَةِ الْإِفْسَادَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا) يَجِبُ مَنْعُهُمْ (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ) - أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ وَنَحْوِهِمْ - (مَا يُغْنِيهِمْ عَنْ مَطْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ) ، فَيُمْنَعُونَ حِينَئِذٍ.
[بَابُ السِّوَاكِ]
(بَابُ السِّوَاكِ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْخِتَانِ وَالطِّيبِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي مُفَصَّلًا.
وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَاكَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇. وَالسِّوَاكُ: بِكَسْرِ السِّينِ، جَمْعُهُ: سُوُكٌ: بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ وَيُخَفَّفُ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَرُبَّمَا يُهْمَزُ فَيُقَالُ: سُؤُكٌ، قَالَهُ الدِّينَوَرِيُّ. وَهُوَ مُذَكَّرٌ، نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ، قَالَ: وَغَلِطَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُؤَنَّثَ، وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ " أَنَّهُمَا لُغَتَانِ (وَالْمِسْوَاكُ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ: (اسْمٌ لِلْعُودِ) الَّذِي يُتَسَوَّكُ بِهِ. (وَيُطْلَقُ السِّوَاكُ عَلَى الْفِعْلِ) ، وَهُوَ: الِاسْتِيَاكُ، (وَالتَّسَوُّكُ الْفِعْلُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. يُقَالُ: سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ سَوْكًا وَهُوَ شَرْعًا: اسْتِعْمَالُ عُودٍ فِي الْأَسْنَانِ لِإِذْهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ، مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسَاوُكِ، وَهُوَ: التَّمَايُلُ وَالتَّرَدُّدُ، لِأَنَّ الْمُتَسَوِّكَ يُرَدِّدُ الْعُودَ فِي فَمِهِ وَيُحَرِّكُهُ. يُقَالُ: جَاءَتْ الْإِبِلُ تَسَاوَكُ: إذَا كَانَتْ أَعْنَاقُهَا تَضْطَرِبُ مِنْ الْهُزَالِ.
стр. 78
(وَسُنَّ كَوْنُ تَسَوُّكٍ عَرْضًا) إلَى الْأَسْنَانِ طُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَمِ، لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ " أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَسْتَاكُ عَرْضًا» وَكَوْنُهُ (بِيُسْرَى) - يَدَيْهِ نَصًّا كَانْتِثَارِهِ (عَلَى أَسْنَانٍ وَلِثَةٍ) - بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مُخَفَّفَةٍ - (وَ) عَلَى (لِسَانٍ) ، فَإِنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى لِثَتِهِ وَلِسَانِهِ، وَلَوْ قُطِعَ لِسَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِثَتِهِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (يَبْدَأُ بِجَانِبِ فَمٍ أَيْمَنَ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مِنْ ثَنَايَا) الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (إلَى أَضْرَاسِ) جَانِبِ الْفَمِ الْأَيْمَنِ، قَالَهُ فِي " الْمُطْلِعِ ". وَقَالَ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ فِي قُطْعَتِهِ عَلَى الْوَجِيزِ ": يَبْدَأُ مِنْ أَضْرَاسِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (بِعُودٍ رَطْبٍ) - أَيْ: لَيِّنٍ - وَالْيَابِسُ أَوْلَى إذَا نَدِيَ (مِنْ أَرَاكٍ وَنَخْلٍ وَزَيْتُونٍ) وَعُرْجُونٍ (يُنَقِّي) الْفَمَ (وَلَا يَجْرَحُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَتَفَتَّتُ قَدْ نَدِيَ بِمَاءٍ) إنْ كَانَ يَابِسًا (وَبِمَاءِ وَرْدٍ أَجْوَدُ) مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يَغْسِلُهُ بَعْدَ تَنْدِيَتِهِ بِهِ.
(وَكُرِهَ) التَّسَوُّكُ (بِغَيْرِ مُنْقٍ وَبِمُضِرٍّ وَمُتَفَتِّتٍ) ، لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لِغَرَضِ السِّوَاكِ (وَ) كُرِهَ (بِرَيْحَانٍ) وَهُوَ: الْآسُ، لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ، وَيُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ، (وَرُمَّانٍ) ، وَعُودٍ ذَكِيِّ الرَّائِحَةِ.
(وَنَحْوِ طَرْفَاءَ وَقَصَبٍ) فَارِسِيِّ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ. (وَ) كُرِهَ (تَخَلُّلٌ بِهَا) - أَيْ: الْأَعْوَادِ الْمُضِرَّةِ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «لَا تُخَلِّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَلَا الرُّمَّانِ فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ.
وَلِأَنَّ الطَّرْفَاءَ وَالْقَصَبَ وَنَحْوَهُمَا رُبَّمَا جَرَحَهُ.
(وَسُنَّ تَسَوُّكٌ مُطْلَقًا) - أَيْ: فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَالْحَالَاتِ - لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ.
стр. 79
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» (فَلَا يُكْرَهُ) السِّوَاكُ (بِمَسْجِدٍ) ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ لِلْكَرَاهَةِ، (إلَّا بَعْدَ زَوَالٍ، لِصَائِمٍ فَيُكْرَهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مُسْتَطَابٌ شَرْعًا، فَتُسْتَحَبُّ إدَامَتُهُ كَدَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ، (وَ) يُبَاحُ التَّسَوُّكُ (قَبْلَهُ) - أَيْ: الزَّوَالِ - لِصَائِمٍ (بِعُودٍ رَطْبٍ مُبَاحٍ، وَبِيَابِسٍ) مُنْدًى (مُسْتَحَبٌّ) لِلصَّائِمِ قَبْلَهُ لِقَوْلِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» وَالرَّطْبُ مَظِنَّةُ التَّخَلُّلِ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ أُبِيحَ السِّوَاكُ بِهِ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ، فَيُسْتَحَبُّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمْ يُصِبْ الـ (سُنَّةَ مُسْتَاكٌ بِغَيْرِ عُودٍ) كَمَنْ اسْتَاك بِأُصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ - عَلَى الْمَذْهَبِ - لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ الْحَاصِلُ بِالْعُودِ. (وَيُصِيبُهَا) أَيْ: السُّنَّةَ - (بِلَا بَأْسٍ) اسْتِيَاكُ (جَمْعٍ بِعُودٍ) وَاحِدٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَيَقُولُ إذَا اسْتَاكَ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي وَمَحِّصْ ذُنُوبِي. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ: وَيَقُولُ عِنْد الِاسْتِيَاكِ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ فَمِي، وَنَوِّرْ قَلْبِي، وَطَهِّرْ بَدَنِي وَحَرِّمْ جَسَدِي عَلَى النَّارِ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكِ الصَّالِحِينَ.
(وَيَتَأَكَّدُ) اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ (عِنْدَ الصَّلَاةِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»
стр. 80
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ «لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ. (وَ) عِنْدَ (انْتِبَاهٍ) مِنْ نَوْمٍ، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يُقَالُ: شَاصَهُ وَمَاصَهُ: إذَا غَسَلَهُ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» (وَ) عِنْدَ (تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمٍ) بِمَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ السِّوَاكَ شُرِعَ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ وَإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ، فَشُرِعَ عِنْدَ تَغَيُّرِهِ. (وَ) عِنْدَ (وُضُوءٍ) ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا. (وَ) عِنْدَ (غُسْلٍ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ. وَعِنْدَ (قِرَاءَةِ) قُرْآنٍ تَطْيِيبًا لِلْفَمِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى الْمَلَكُ عِنْدَ تَلَقِّي الْقِرَاءَةِ مِنْهُ. (وَ) عِنْدَ (دُخُولِ مَنْزِلٍ وَمَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالْمَسْجِدُ كَالْمَنْزِلِ وَأَوْلَى. (وَ) عِنْدَ (إطَالَةِ سُكُوتٍ وَصُفْرَةِ أَسْنَانٍ) لِإِزَالَتِهِ. (وَ) عِنْدَ (خُلُوِّ مَعِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ) ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ.
(وَكَانَ) السِّوَاكُ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَهَلْ الْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ أَوْ النَّافِلَةُ، أَوْ مَا يَعُمُّهُمَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَسِيَاقُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمَفْرُوضَةِ، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ
стр. 81
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ) إذْ غَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَرْعٌ مَنَافِعُ السِّوَاك]
(فَرْعٌ: مَنَافِعُ سِوَاكٍ) كَثِيرَةٌ مِنْهَا: (تَطْيِيبُ فَمٍ) ، أَيْ تَنْظِيفُهُ مِنْ الْوَسَخِ، (وَ) تَطْيِيبُ (نَكْهَةٍ) وَهِيَ: رَائِحَةُ الْفَمِ. (وَجَلَاءُ بَصَرٍ وَ) جَلَاءُ (أَسْنَانٍ وَتَقْوِيَتُهَا) - أَيْ: الْأَسْنَانِ - (وَشَدُّ لِثَةٍ) - وَهِيَ: لَحْمَةُ الْأَسْنَانِ - (وَقَطْعُ بَلْغَمٍ) مِنْ صَدْرٍ، (وَمَنْعُ حُفَرٍ) - بِالتَّحْرِيكِ - مِنْ أُصُولِ أَسْنَانٍ، (وَصِحَّةُ مَعِدَةٍ) كَكَلِمَةٍ، وَبِالْكَسْرِ: مَوْضِعُ الطَّعَامِ قَبْلَ انْحِدَارِهِ إلَى الْأَمْعَاءِ، وَهِيَ لِلْإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَرِشِ مِنْ غَيْرِهِ - (وَهَضْمُ) طَعَامٍ، (وَتَغْذِيَةُ جَائِعٍ، وَتَصْفِيَةُ صَوْتٍ وَنَشَاطٌ) لِلنَّفْسِ عَلَى الْعِبَادَةِ، (وَطَرْدُ نَوْمٍ، وَمُضَاعَفَةُ أَجْرٍ وَرِضَاءُ رَبٍّ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - وَتَقَدَّمَ - (وَإِرْهَابُ عَدُوٍّ، وَإِرْغَامُ الشَّيْطَانِ) بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، (وَتَذْكِيرُ شَهَادَةٍ عِنْدَ مَوْتٍ) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ لَكَفَى، وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ مَنْفَعَةً.
[فَصْلٌ مَا يُسَنُّ فِي السِّوَاك]
(فَصْلٌ) (سُنَّ بُدَاءَةٌ بِجَانِبٍ أَيْمَنَ) مِنْ فَمٍ (فِي سِوَاكٍ) مِنْ ثَنَايَاهُ إلَى أَضْرَاسِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا بُدَاءَةٌ بِالْأَيْمَنِ فِي (طَهُورٍ) - أَيْ: تَطَهُّرٍ - (وَ) فِي (شَأْنِهِ كُلِّهِ) ، كَتَرَجُّلٍ وَانْتِعَالٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (كَحَلْقِ) رَأْسٍ، (وَقَصِّ) أَظْفَارٍ بِمِقَصٍّ، (وَتَقْلِيمِ) هَا - وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ - (وَنَتْفِ إبِطٍ وَاكْتِحَالٍ وَإِدْهَانٍ فِي بَدَنٍ وَشَعْرٍ غِبًّا) يَفْعَلُهُ (يَوْمًا وَ) يَتْرُكُهُ (يَوْمًا) " لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا، وَنَهَى
стр. 82
أَنْ يَتَمَشَّطَ أَحَدُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ» . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ غَيْرُ الْغِبِّ. وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَدَهْنِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ اللِّحْيَةَ كَالرَّأْسِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِعْلَ الْأَصْلَحِ لِلْبَدَنِ، كَالْغُسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ رَطْبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ الْمَلْبَسِ وَالْمَأْكَلِ، وَلَمَّا فَتَحُوا الْأَمْصَارَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ وَيَلْبَسُ مِنْ لِبَاسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا قُوتَ الْمَدِينَةِ وَلِبَاسَهَا.
(وَ) سُنَّ (اكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ سِيَّمَا مُطَيَّبٌ) بِمِسْكٍ (كُلَّ لَيْلَةِ قَبْلَ نَوْمٍ) وِتْرًا (فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَكَانَ يَكْتَحِلُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) سُنَّ (نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ) لِيُزِيلَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بِوَجْهِهِ مِنْ أَذًى (وَيَقُولُ) مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ. وَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ، بِفَتْحِ الْخَاءِ: الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالثَّانِي، بِضَمِّهَا: صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ.
(وَ) سُنَّ (تَطَيُّبٌ) ، لِخَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ: الْحِنَّاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَيُسْتَحَبُّ لَرَجُلٍ (بِظَاهِرِ رِيحٍ خَفِيَ لَوْنٌ) ، كَبَخُورِ الْعَنْبَرِ وَالْعُودِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يُعْجِبُهُ الطِّيبُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَتَطَيَّبُ كَثِيرًا» . (وَلِامْرَأَةٍ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا) عَكْسُهُ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى رِيحُهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، لِأَثَرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، (لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إذَنْ) - أَيْ: فِي غَيْرِ بَيْتِهَا - مِمَّا يَنُمُّ عَلَيْهَا بِإِظْهَارِ جَمَالِهَا (مِنْ ضَرْبٍ بِرِجْلٍ، لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِي مِنْ زِينَةٍ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى
стр. 83
إفْسَادِهَا. (وَ) مِنْ (نَحْوِ نَعْلِ صُرَارَةٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ. (وَ) لَهَا (فِي بَيْتِهَا تَطَيُّبٌ بِمَا شَاءَتْ) مِمَّا يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَ) سُنَّ (اسْتِحْدَادٌ) - اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ - (وَهُوَ حَلْقُ عَانَةٍ، وَلَهُ قَصُّهُ وَإِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ) التَّنْوِيرُ (فِي عَوْرَةٍ وَغَيْرِهَا. فَعَلَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) " وَكَذَا النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: " وَسَكَتُوا عَنْ شَعْرِ الْأَنْفِ، فَظَاهِرُهُ بَقَاؤُهُ وَيَتَوَجَّهُ أَخْذُهُ إذَا فَحُشَ، وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ - أَيْ: التَّنْوِيرِ - قَالَ الْآمِدِيُّ: لِأَنَّهُ يُضْعِفُ حَرَكَةَ الْجِمَاعِ.
(وَ) سُنَّ (قَصُّ شَارِبٍ) أَيْ: قَصُّ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ (أَوْ قَصُّ طَرْفِهِ وَحَفُّهُ) (أَوْلَى) نَصًّا. قَالَ فِي " النِّهَايَةِ " إحْفَاءُ الشَّوَارِبِ: أَنْ تُبَالِغَ فِي قَصِّهَا، وَمِنْهُ: السَّبَلَانِ، وَهُمَا: طَرَفَاهُ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ: «قُصُّوا سِبَالَاتِكُمْ وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» (لِحْيَةٍ) بِأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا.
قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: مَا لَمْ يَسْتَهْجِنْ طُولَهَا. (وَحَرَّمَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (حَلْقَهَا) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّمَرُّدِ، (وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى قَبْضَتِهِ) ، وَنَصُّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، (وَلَا) أَخْذُ (مَا تَحْتَ حَلْقٍ) " لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ إنَّمَا فَعَلَهُ إذَا حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَأَخَذَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبَيْهِ وَعَارِضَيْهِ) ، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ.
(وَ) سُنَّ (امْتِشَاطٌ) غِبًّا، (وَلَا) يَفْعَلُهُ (كُلَّ يَوْمٍ) إلَّا لِحَاجَةٍ، قَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَتْ لَهُ صِينِيَّةٌ فِيهَا مِرْآةٌ وَمُكْحُلَةٌ وَمُشْطٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ حِزْبِهِ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ وَاكْتَحَلَ وَامْتَشَطَ.
(وَ) سُنَّ (اتِّخَاذُ شَعْرٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ: لَا إنْ شَقَّ إكْرَامُهُ، (وَ) سُنَّ (غَسْلُهُ وَتَسْرِيحُهُ مُتَيَامِنًا وَتَفْرِيقُهُ، وَيَنْتَهِي لِرَجُلٍ إلَى
стр. 84
أُذُنَيْهِ أَوْ) إلَى (مَنْكِبَيْهِ) كَشَعْرِهِ ﷺ (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: عَلَى مَنْكِبَيْهِ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِجَعْلِهِ ذُؤَابَةً) ، بِضَمِّ الذَّالِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ: الضَّفِيرَةُ مِنْ الشَّعْرِ إذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً، فَإِذَا كَانَتْ مَلْوِيَّةً فَهِيَ عَقِيصَةٌ، قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ، وَكَذَا عُثْمَانُ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: هُوَ) - أَيْ: اتِّخَاذُ الشَّعْرِ - (سُنَّةٌ لَوْ قَوِيَ عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ، وَلَكِنْ لَهُ كُلْفَةٌ وَمُؤْنَةٌ) ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ اتِّخَاذِهِ لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إكْرَامُهُ (فَلَا يُكْرَهُ) لِذَكَرٍ (حَلْقُهُ) - أَيْ: شَعْرِ الرَّأْسِ - (وَلَوْ لِغَيْرِ نُسُكٍ) وَحَاجَةٍ كَقَصِّهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً.
(وَ) سُنَّ (تَقْلِيمُ ظُفْرٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مُخَالِفًا) فِي قَصِّ أَظْفَارِهِ، (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ يُمْنَى فَوُسْطَى مِنْ يُمْنَى فَإِبْهَامٍ) مِنْهَا (فَبِنْصِرٍ فَسَبَّاحَةٍ وَ) ، بَعْدَ ذَلِكَ يَشْرَعُ بِقَصِّ (إبْهَامِ يُسْرَى فَوُسْطَى فَخِنْصِرٍ فَسَبَّاحَةٍ فَبِنَصْرٍ) صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا» وَفَسَّرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا اُشْتُهِرَ فِي قَصِّهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ اسْتِحْبَابِهِ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ اسْتِسْهَالُ ذَلِكَ بِصَوَابٍ.
(وَ) سُنَّ (غَسْلُهَا) - أَيْ: الْأَظْفَارِ - (بَعْدَ قَصِّهَا تَكْمِيلًا لِلنَّظَافَةِ) ، وَقِيلَ: إنَّ الْحَكَّ بِهَا قَبْلَ غَسْلِهَا يَضُرُّ بِالْبَدَنِ. وَمَحَلُّ حَفِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ (يَوْمُ جُمُعَةٍ قَبْلَ صَلَاةٍ) ، وَقِيلَ يَوْمُ خَمِيسٍ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ.
стр. 85
(وَ) سُنَّ (عَدَمُ حَيْفٍ) بِقَصِّ الْأَظْفَارِ (فِي نَحْوِ غَزْوٍ، لِحَاجَةِ) الْإِنْسَانِ إلَى (حَلِّ نَحْوِ حَبْلٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُمَرُ: وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ.
(وَ) سُنَّ (دَفْنُ دَمٍ وَمَا قُلِّمَ مِنْ ظُفْرٍ أَوْ أُزِيلَ مِنْ شَعْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «عَنْ مِيلَ بِنْتِ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا، وَيَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ» وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَالَ: يَدْفِنُهُ قُلْتُ: بَلَغَكَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ ". .
(وَ) سُنَّ (نَتْفُ إبِطٍ وَأَنْفٍ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنْ شَقَّ حَلَقَهُ، أَوْ تَنَوَّرَ، قَالَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " (فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ) . لِمَا رَوَى الْبَغَوِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ» (فَإِنْ تَرَكَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُرِهَ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ أَنْ لَا يُتْرَكَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَأَمَّا الشَّارِبُ: فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحِشًا.
(وَكُرِهَ حَلْقُ قَفًا) مُنْفَرِدًا عَنْ الرَّأْسِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَفَا: مَقْصُورٌ: مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
(لِغَيْرِ نَحْوِ حِجَامَةٍ) كَقُرُوحٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (وَكَرِهَهَا) - أَيْ: الْحِجَامَةَ - الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَوْمَ سَبْتٍ وَ) يَوْمَ (أَرْبِعَاءَ) لِحَدِيثِ «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ - يَعْنِي: مَرَضًا - فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِي) الْحِجَامَةِ يَوْمَ (الْجُمُعَةِ) ، قَالَ
стр. 86
الْقَاضِي: كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْمُرَادُ: بِلَا حَاجَةٍ. (وَالْفَصْدُ فِي مَعْنَاهَا) - أَيْ: الْحِجَامَةِ - (وَهِيَ) - أَيْ: الْحِجَامَةُ - (أَنْفَعُ مِنْهُ) - أَيْ: الْفَصْدِ - (بِبَلَدٍ حَارٍّ) كَالْحِجَازِ، وَالتَّشْرِيطُ وَالْعَضُدُ أَنْفَعُ مِنْهَا بِبَلَدٍ بَارِدٍ كَالشَّامِ.
(وَ) كُرِهَ (قَزَعٌ، وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ بَعْضٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ، احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيَدْخُلُ فِي الْقَزَعِ حَلْقُ مَوَاضِعَ مِنْ جَانِبِ رَأْسِهِ وَتَرْكُ الْبَاقِي - مَأْخُوذٌ مِنْ: قَزَعِ السَّحَابِ وَهُوَ: تَقَطُّعُهُ - وَأَنْ يَحْلِقَ وَسَطَهُ وَيَتْرُكَ جَوَانِبَهُ، كَمَا تَفْعَلُهُ شَمَامِسَةُ النَّصَارَى، وَحَلْقُ جَوَانِبِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ السُّفَّلِ، وَأَنْ يَحْلِقَ مُقَدِّمَهُ وَيَتْرُكَ مُؤَخِّرَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (حَلْقُ رَأْسِ امْرَأَةٍ وَقَصُّهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَقُرُوحٍ، لَمْ يُكْرَهْ (وَيَحْرُمُ) حَلْقُهَا رَأْسَهَا (لِمُصِيبَةٍ) كَلَطْمِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ (وَيَتَّجِهُ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُهُ (مَعَ نَهْيِ زَوْجٍ) لَهَا عَنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْوِيهِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَمَةُ مِثْلُهَا بَلْ أَوْلَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ رَأْسِهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - (حَلْقُ وَجْهٍ وَحَفُّهُ) نَصًّا، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهَا، (وَ) لَهَا (تَحْسِينُهُ وَتَحْمِيرُهُ) وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَزْيِينٌ لَهُ.
(وَكُرِهَ حَفُّهُ) - أَيْ: الْوَجْهِ - (لِرَجُلٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
стр. 87
(وَ) كَذَا (تَحْذِيفٌ) (وَهُوَ: إرْسَالُهُ شَعْرًا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ) لِأَنَّ عَلِيًّا كَرِهَهُ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلَا يُكْرَهُ التَّحْذِيفُ لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا.
(وَ) كُرِهَ (نَقْشٌ وَتَكْتِيبٌ) - وَفِي نُسْخَةٍ: (وَتَقْمِيعٌ) - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَيُقَالُ لَهُ: التَّطْرِيفُ، رَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ عُمَرَ. (بَلْ تَغْمِسُ يَدَهَا فِي الْخِضَابِ غَمْسًا) نَصًّا، قَالَ فِي " الْإِفْصَاحِ ": كَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُسَوِّدَ شَيْئًا، بَلْ تُخَضِّبُ بِأَحْمَرَ، وَكَرِهُوا النَّقْشَ، قَالَ أَحْمَدُ: لِتَغْمِسَ يَدَهَا غَمْسًا.
(وَ) كُرِهَ (نَتْفُ شَيْبٍ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ، وَقَالَ: إنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ» وَعَنْ طَارِقِ بْنِ حَبِيبٍ «أَنَّ حَجَّامًا أَخَذَ مِنْ شَارِبِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَى شَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ، فَأَهْوَى إلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، وَقَالَ: مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ " وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(وَ) كُرِهَ (تَغْيِيرُهُ) أَيْ: الشَّيْبِ (بِسَوَادٍ) فِي غَيْرِ حَرْبٍ (وَحَرُمَ لِتَدْلِيسٍ) . (وَسُنَّ خِضَابُهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ «جَاءَ بِأَبِيهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَحْسَنُ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْكَتَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ: نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ يُخْرِجُ الصِّبْغَ أَسْوَدَ يَمِيلُ إلَى الْحُمْرَةِ، وَصِبْغُ الْحِنَّاءِ أَحْمَرُ، فَالصِّبْغُ بِهِمَا مَعًا يَخْرُجُ
стр. 88
بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ.
(وَلَا بَأْسَ) بِالْخِضَابِ (بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ) لِقَوْلِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ» .
(وَكُرِهَ ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ لَا جَارِيَةٍ) نَصًّا لِحَاجَتِهَا لِلزِّينَةِ، بِخِلَافِهِ.
(وَحُرِمَ نَمْصٌ) وَهُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ (وَوَشْرٌ) - أَيْ: بَرْدُ الْأَسْنَانِ - لِتَحَدُّدٍ وَتَفَلُّجٍ وَتَحَسُّنٍ، (وَوَشْمٌ) ، وَهُوَ: غَرْزُ الْجِلْدِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حَشْوُهُ بِنَحْوِ كُحْلٍ، (وَوَصْلُ) شَعْرٍ بِشَعْرٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ» وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» أَيْ: الْفَاعِلَةَ وَالْمَفْعُولَ بِهَا، ذَلِكَ بِأَمْرِهَا، وَاللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لِأَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ لَا تَجُوزُ لَعْنَتُهُ. (وَلَوْ) كَانَ وَصْلُ الْمَرْأَةِ لِشَعْرِهَا (بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ، أَوْ إذْنِ زَوْجٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
(وَتَصْلُحُ صَلَاةُ) مَنْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا (مَعَ) شَعْرٍ (طَاهِرٍ) ، وَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا مُحَرَّمًا، لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةِ حَرِيرٍ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَلَا بَأْسَ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِشَدِّ الشَّعْرِ - أَيْ: لِلْحَاجَةِ - كَالْقَرَامِلِ وَالصُّوفِ إذْ الْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلِفِ فِي نَجَاسَةٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ.
(وَ) حَرُمَ (تَشَبُّهٌ بِمُرْدٍ) وَعَكْسُهُ، وَنَظَرٌ لِشَعْرِ أَجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِلٍ بِهَا لَا بَائِنٍ مِنْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَيَجِبُ بِبُلُوغٍ خِتَانُ ذَكَرٍ بِأَخْذِ جِلْدِ حَشَفَةٍ) ، قَالَ جَمْعٌ: (أَوْ أَكْثَرُهَا) ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَازَ، (وَ) يَجِبُ (خِتَانُ أُنْثَى، وَتُجْبَرُ) زَوْجَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلَى الْخِتَانِ إنْ أَبَتْ (بِأَخْذِ جِلْدَةٍ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ، تُشْبِهُ عُرْفَ دِيكٍ، وَسُنَّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ
стр. 89
كُلُّهَا) نَصًّا، لِحَدِيثِ «اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا. وَمَعْنَى اخْفِضِي، أَيْ: اخْتَتِنِي، وَلَا تَنْهَكِي، أَيْ: وَلَا تَأْخُذِيهَا كُلَّهَا، وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ قَوْلُهُ ﷺ لِرَجُلٍ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي الْحَدِيثِ «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ قَالَ: لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ.
(وَ) يَجِبُ خِتَانُ (قُبُلَيْ خُنْثَى) مُشْكِلٍ احْتِيَاطًا، (لِيَخْرُجَ مِنْ وَاجِبٍ بِيَقِينٍ) ، وَمَنْ لَهُ ذَكَرَانِ فَإِنْ كَانَا عَامِلَيْنِ وَجَبَ خَتْنُهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامِلًا دُونَ الْآخَرِ خُتِنَ الْعَامِلُ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ.
(وَيَسْقُطُ) وُجُوبُ خِتَانٍ (عَمَّنْ خَافَ تَلَفًا) بِهِ، (وَلَا يَحْرُمُ) مَعَ خَوْفِ تَلَفٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ (وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ اخْتِتَانٌ (إنْ عَلِمَ) أَنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) - أَيْ: بِالْخِتَانِ - (وَلِيُّ أَمْرٍ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ يَخَافُ مِنْهُ مَوْتٌ) فَتَلِفَ بِسَبَبِهِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (أَوْ) أَمَرَهُ وَلِيُّ أَمْرٍ بِهِ (وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَتْلَفُ، أَوْ ظَنَّ تَلَفَهُ) فَتَلِفَ: (ضَمِنَهُ) وَلِيُّ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
(وَمَنْ وُلِدَ بِلَا قُلْفَةٍ سَقَطَ) وُجُوبُهُ، (وَلَهُ خَتْنُ نَفْسِهِ إنْ قَوِيَ) عَلَيْهِ (وَأَحْسَنَهُ) ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ «أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﷺ -
стр. 90
خَتَنَ نَفْسَهُ» .
وَإِنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ: فَسَقَ.
(وَخِتَانُ زَمَنِ صِغَرٍ أَفْضَلُ إلَى تَمْيِيزٍ) ، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ بُرْءًا وَيَنْشَأُ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ.
(وَكُرِهَ) خِتَانٌ (فِي سَابِعِ وِلَادَةٍ) لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، (كَمَا) يُكْرَهُ الْخِتَانُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: مِنْ الْوِلَادَةِ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي تَعْرِيف السَّنَة]
(فَصْلٌ) (وَسُنَنُ وُضُوءٍ) ، جَمْعُ: سُنَّةٍ، وَهِيَ: الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهِيَ: مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ هَمِّهِ أَوْ تَقْرِيرِهِ: (سِوَاكٌ) قَبْلَهُ (كَمَا مَرَّ) فِي الْبَابِ، (وَاسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ) ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ) ثَلَاثًا، (لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ) «لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا» وَلِأَنَّهُمَا آلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْأَعْضَاءِ، فَفِي غَسْلِهِمَا احْتِيَاطٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ (فَيَجِبُ) غَسْلُهُمَا لِقِيَامٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ (تَعَبُّدًا ثَلَاثًا) ، فَلَا يَكْفِي مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ نَوَى الْغُسْلَ بِذَلِكَ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِغَمْسِ بَعْضِ الْيَدِ وَلَا لِيَدِ كَافِرٍ وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلَا غَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَنَوْمِ النَّهَارِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الْمُكَلَّفِينَ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ، وَالْمَبِيتُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي كُلِّ الْيَدِ، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمَشْدُودَةِ
стр. 91
بِنَحْوِ جِرَابٍ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، كَالْعِدَّةِ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، (بِنِيَّةٍ شُرِطَتْ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَبِتَسْمِيَةٍ) وَاجِبَةٍ مَعَ الذِّكْرِ، كَالْوُضُوءِ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " تَنْقَسِمُ التَّسْمِيَةُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَتَجِبُ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالصَّيْدِ، وَتُسَنُّ فِي نَحْوِ أَكْلٍ وَقِرَاءَةٍ وَمَنْسَكٍ وَجِمَاعٍ وَدُخُولِ نَحْوِ خَلَاءٍ، وَتَارَةً لَا تُسَنُّ كَمَا فِي أَذَانٍ وَصَلَاةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَتُكْرَهُ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّسْمِيَةِ الْبَرَكَةُ، وَلَا تُطْلَبُ فِيهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. (وَلَا يُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ وُضُوءٍ) ، وَلَا نِيَّةُ غُسْلٍ، (لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ) ، لَا مِنْ الْوُضُوءِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَسُنَّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى لِخَبَرِ " وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " تَنْبِيهٌ: إذَا اسْتَيْقَظَ أَسِيرٌ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ أَعْمَى أَوْ أَرْمَدُ مِنْ نَوْمٍ لَا يَدْرِي أَنَوْمُ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ: لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا، لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمُوجِبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، (وَغَسْلُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا) غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنَا (فَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ الْإِنَاءَ لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ (وَفَسَدَ مَا حَصَلَ فِيهِمَا) مِنْ الْمَاءِ كَذَا فِي الْإِقْنَاعِ " وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ جَمْعٍ مِنْ أَنَّ حُصُولَهُ فِي بَعْضِهَا كَحُصُولِهِ فِي كُلِّهَا، وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ الْمَاءُ فِي جَمِيعِ الْيَدِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَتَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْهُ بِالْغَمْسِ فِيهِ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَهُمَا، أَوْ كَانَ قَلِيلًا فَصَمَدَ أَعْضَاءَهُ لَهُ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ غَسْلِهِمَا (وَيَسْقُطُ غَسْلُهُمَا، وَالتَّسْمِيَةُ فِيهِ سَهْوًا) كَالْوُضُوءِ وَأَوْلَى (وَيَتَّجِهُ أَوْ) - أَيْ: - وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ (جَهْلًا) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (قِيَاسًا عَلَى
стр. 92
وَاجِبِ صَلَاةٍ) مِنْ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ وَنَحْوِهَا، (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ مَا حَصَلَ فِيهِمَا) مِنْ الْمَاءِ (إذَنْ) - أَيْ: حَالَ السَّهْوِ أَوْ الْجَهْلِ - (لِلْمَشَقَّةِ) لِكَثْرَةِ وُرُودِ السَّهْوِ، وَاسْتِيلَاءِ الْجَهْلِ عَلَى الْإِنْسَانِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وَهَذَا مُتَّجَهٌ. وَقَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ) أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا (فِي الْأَثْنَاءِ) - أَيْ: أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ - لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا (وَأَعَادَ) وُضُوءَهُ كَمَا لَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، (وَ) لَوْ ذَكَرَ (بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْ الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا صَحَّ، (ثُمَّ) إنْ (أَرَادَ طَهَارَةً) أُخْرَى (لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا) إنْ كَانَ (ذَاكِرًا) وَقْتَ إرَادَتِهِ الطَّهَارَةَ فِيهِ مَا فِيهِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَرْعٌ: إذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ وَإِنْ وَجَبَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْأَثْنَاءِ بَلْ وَلَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدُ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا مِنْهُ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَصِحُّ غَسْلُ جُنُبٍ مَعَ عَمْدِ) هـ تَرَكَ غَسْلَهُمَا حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَانْغَمَسَ فِيهِ، أَوْ قَلِيلًا وَلَمْ يَغْمِسْهَا كُلَّهَا فِيهِ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرْحِ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ (بُدَاءَةٌ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهٍ بِمَضْمَضَةٍ) بِيَمِينِهِ، (فَاسْتِنْشَاقٍ بِيَمِينِهِ وَاسْتِنْثَارٍ) - بِالْمُثَلَّثَةِ: مِنْ النَّثْرَةِ، وَهُوَ: طَرَفُ الْأَنْفِ - أَوْ هُوَ
стр. 93
بِيَسَارِهِ، لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ أَنَّهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا طَهُورُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا. (وَمُبَالَغَةٌ فِيهِمَا) - أَيْ: فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ - (لِغَيْرِ صَائِمٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتُكْرَهُ) الْمُبَالَغَةُ (لَهُ) - أَيْ: الصَّائِمِ - لِلْخَبَرِ. (وَ) تُسَنُّ الْمُبَالَغَةُ (فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، (وَهِيَ) أَيْ: الْمُبَالَغَةُ (فِي مَضْمَضَةٍ إدَارَةُ الْمَاءِ بِجَمِيعِ الْفَمِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ بِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (أَقْصَى حَنَكٍ وَوَجْهَيْ أَسْنَانٍ وَلِثَةٍ، وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي اسْتِنْشَاقٍ جَذْبُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (بِنَفَسِهِ إلَى أَقْصَى أَنْفٍ، وَالْوَاجِبُ) فِي الْمَضْمَضَةِ (مُجَرَّدُ الْإِدَارَةِ) لِلْمَاءِ فِي فَمِهِ، (وَ) الْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (جَذْبُهُ إلَى بَاطِنِ أَنْفٍ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْصَاهُ. (وَلَهُ بَعْدَ) إدَارَةِ الْمَاءِ فِي فَمِهِ (بَلْعُهُ) وَلَفْظُهُ، لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ. (لَا) أَيْ: لَيْسَ لَهُ (جَعْلُ مَضْمَضَةٍ وُجُودًا بِلَا إدَارَةٍ) فِي فَمِهِ، (وَ) لَا جَعْلُ (اسْتِنْشَاقٍ سَعُوطًا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَلَا اسْتِنْشَاقًا. (وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي غَيْرِهِمَا) - أَيْ: غَيْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ - (دَلْكُ مَا) ، أَيْ: الْمَوْضِعِ الَّذِي (يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ) ، أَيْ: لَا يَطْمَئِنُّ عَلَيْهِ.
(وَتَخْلِيلُ لِحْيَةٍ كَثِيفَةٍ) - بِالْمُثَلَّثَةِ - (عِنْدَ غَسْلِهَا) ، أَيْ: اللِّحْيَةِ، (وَإِنْ شَاءَ) يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ (إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ نَصًّا) ، وَيَكُونُ ذَلِكَ (ب) أَخْذِ (كَفٍّ مِنْ مَاءٍ يَضَعُهُ مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ مُتَشَبِّكَةً) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (أَوْ) يَضَعُهُ (مِنْ جَانِبَيْهَا وَيَعْرُكُهَا) ، أَيْ:
стр. 94
لِحْيَتَهُ.
(وَكَذَا عَنْفَقَةٌ وَشَارِبٌ وَحَاجِبَانِ وَلِحْيَةُ أُنْثَى وَخُنْثَى) ، يُسَنُّ تَخْلِيلُهَا إذَا كَثُفَتْ. (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بَعْدَ) مَسْحِ (رَأْسٍ بِمَاءٍ جَدِيدٍ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لِرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْنِ وَ) أَصَابِعِ (رِجْلَيْنِ) ، لِحَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ. فَالتَّخْلِيلُ (فِي يَدَيْنِ: بِالتَّشْبِيكِ، وَفِي رِجْلَيْنِ: يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهَا إلَى إبْهَامِهَا، وَ) يَبْدَأُ (بِالْيَسَرَيْ مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا) - قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " - (لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ) فِي التَّخْلِيلِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ.
(وَمُجَاوَزَةُ مَحَلِّ فَرْضٍ بِغَسْلِ صَفْحَةِ عُنُقٍ مَعَ) غَسْلِ (مُقَدِّمَاتِ رَأْسٍ) فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، وَيَغْسِلُ (عَضُدَيْنِ) فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ، (وَ) يَغْسِلُ (سَاقَيْنِ) مَعَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ " أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ؛ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ " سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» .
وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ عُنُقٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَلَا) يُسَنُّ (تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَلَا) مَسْحِ (أُذُنٍ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَاحِدَةً، وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ.
(وَغَسْلَةٌ
стр. 95
ثَانِيَةٌ) وَغَسْلَةٌ (ثَالِثَةٌ) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَصَحُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَيَعْمَلُ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ بِالْيَقِينِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَالِاثْنَتَانِ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدَةِ. (وَكُرِهَ فَوْقَهَا) - أَيْ: الثَّلَاثَةِ - لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْأَبِيُّ: أَسَاءَ الْأَدَبَ الشَّرْعِيَّ، وَتَعَدَّى مَا حُدَّ لَهُ، وَظَلَمَ فِي إتْلَافِ الْمَاءِ وَوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءٍ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
(وَقَدْ يُطْلَبُ تَرْكُ تَثْلِيثٍ) لِغَرَضٍ، (كَضِيقِ وَقْتٍ) خَشِيَ خُرُوجَهُ بِفِعْلِهِ التَّثْلِيثَ، (أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ) ، بِحَيْثُ لَوْ ثَلَّثَ لَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ.
(وَمِنْ السُّنَنِ) فِي الْوُضُوءِ (أَيْضًا التَّيَامُنُ) - أَيْ: الْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ - (بَيْنَ غَسْلِ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ حَتَّى لِقَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) ، فَيَغْسِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى. (وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقِيلَ: يَمْسَحُهُمَا) أَيْ: أُذُنَيْهِ (مَعًا) قَالَهُ الْأَزَجِيُّ.
(وَ) سُنَّ (تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى مَسْنُونَاتِهِ) إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْوَاجِبِ، (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (إلَى آخِرِهِ) - أَيْ: الْوُضُوءِ - (وَنُطْقٌ بِهَا سِرًّا) ، وَيَأْتِي. (وَقَوْلُ) مُتَوَضِّئٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ مَعَ رَفْعِ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ (كَمَا يَأْتِي) فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْبَابِ. .
стр. 96
(وَ) سُنَّ (تُوَلِّيهِ وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ بِلَا مُعَاوَنَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَكِلُ طَهُورَهُ إلَى أَحَدٍ، وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا إلَى أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَالزِّيَادَةُ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) لِيَسْتَيْقِنَ تَعْمِيمَهُ.
[بَابُ الْوُضُوءِ]
(بَابُ الْوُضُوءِ) بِضَمِّ الْوَاوِ: فِعْلُ الْمُتَوَضِّئِ، مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ: النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ، لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ، وَبِفَتْحِهَا: الْمَاءُ يُتَوَضَّأُ بِهِ: (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ) الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ، (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) ، (ك) كَوْنِهِ (بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ وَتَرْتِيبٍ وَمُوَالَاةٍ) وَتَأْتِي مُفَصَّلَةً.
وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهَا أَسْرَعُ مَا يَتَحَرَّكُ فِي الْبَدَنِ لِلْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتُدِئَ بِالْمَضْمَضَةِ، لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً، إذْ غَيْرُهُ رُبَّمَا سَلِمَ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطْبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا، ثُمَّ بِالْأَنْفِ، لِيَتُوبَ عَمَّا يَشُمُّ بِهِ، ثُمَّ بِالْوَجْهِ لِيَتُوبَ عَمَّا نَظَرَ، ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِيَتُوبَ عَنْ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ مُجَاوِزٌ لِمَا تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
(وَفُرِضَ) الْوُضُوءُ (مَعَ الصَّلَاةِ) لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. (وَيَجِبُ بِحَدَثٍ عِنْدَ إرَادَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ) ، كَطَوَافٍ وَصَلَاةٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَيَحِلُّ) الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ (جَمِيعَ بَدَنٍ كَجَنَابَةٍ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ
стр. 97
وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَابْنُ عَقِيلٍ. (فَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ) حَتَّى غَيْرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، (وَلَا بِعُضْوٍ غَسَلَهُ) بِالْوُضُوءِ حَتَّى يُتِمَّ وُضُوءَهُ، (وَلَوْ قُلْنَا بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ) بِغَسْلِهِ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، (فَإِنَّمَا هُوَ) - أَيْ: الْقَوْلُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ - (لِعَدَمِ تَأَثُّرِ مَاءٍ) طَهُورٍ قَلِيلٍ (بِغَمْسِهِ) فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهِ، فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَلِعَدَمِ وُجُوبِ إعَادَةِ غَسْلِهِ.
(وَتَجِبُ فِيهِ تَسْمِيَةٌ، وَهِيَ) قَوْلُ: (بِسْمِ اللَّهِ) فِي الْوُضُوءِ، (لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا كَالرَّحْمَنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ. وَمَحَلُّهَا اللِّسَانُ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ، (وَتَسْقُطُ سَهْوًا) نَصَّا لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» ، وَكَوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، كَمَا تَجِبُ (فِي غُسْلٍ) وَتَيَمُّمٍ، وَتَسْقُطُ فِي الثَّلَاثَةِ سَهْوًا نَصًّا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ (وَيَتَّجِهُ وَ) تَسْقُطُ أَيْضًا (جَهْلًا كَمَا مَرَّ) فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: مُقْتَضَى قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ سُقُوطُهَا جَهْلًا، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ، وَالظَّاهِرُ إجْزَاؤُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالزَّكَاةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (إنْ ذَكَرَهَا) - أَيْ: التَّسْمِيَةَ - (فِي الْأَثْنَاءِ) ، أَيْ: أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ، (ابْتَدَأَ وَلَا يَبْنِي) عَلَى مَا غَسَلَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا
стр. 98
عَلَى جَمِيعِهِ فَوَجَبَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهِ، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ - حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَائِهِ سَمَّى وَبَنَى (وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ اسْتِيثَاقِهِ وَعَدَمُ بِنَائِهِ (إلَّا مَعَ ضِيقِ وَقْتٍ) عَنْ فِعْلِ مَكْتُوبَةٍ، (أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ) فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْ بِنَائِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ طَهُورِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَفِي بَعْضِهَا مَعَ سَهْوٍ انْضَمَّ إلَيْهِ ضِيقُ الْوَقْتِ، أَوْ قِلَّةُ الْمَاءِ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتَكْفِي إشَارَةُ أَخْرَسَ وَنَحْوِهِ) كَمُعْتَقَلٍ لِسَانُهُ (بِهَا) - أَيْ: بِالتَّسْمِيَةِ - بِرَأْسِهِ أَوْ بِطَرْفِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ (وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالُ الصِّحَّةِ) - أَيْ: صِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَخْرَسِ - (لَوْ سَمَّى بِقَلْبِهِ) لِعَجْزِهِ عَنْ النُّطْقِ، وَلَوْ (تَرَكَ الْإِشَارَةَ عَمْدًا) لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِهَا بِقَلْبِهِ قَامَ مَقَامَ نُطْقِهِ، لَكِنَّ نُصُوصَهُمْ طَافِحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْإِشَارَةِ مِنْهُ، فَمُقْتَضَاهَا عَدَمُ الصِّحَّةِ بِدُونِهَا.
(وَفُرُوضُهُ) - أَيْ: الْوُضُوءِ - جَمْعُ: فَرْضٍ وَهُوَ: مَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ. (وَلَا يَسْقُطُ) الْفَرْضُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَكَذَا كُلُّ فَرْضِ عِبَادَةٍ) كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِ الْحَجِّ، فَلَا تَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا جَهْلًا: (سِتَّةٌ) - خَبَرُ فُرُوضِهِ -:
стр. 99
(أَحَدُهَا: غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (وَمِنْهُ) أَيْ: الْوَجْهِ (دَاخِلُ فَمٍ وَأَنْفٌ) ، لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ، وَكَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلِ غَسْلِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَفِطْرِ الصَّائِمِ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا وَأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِمَا.
(وَ) الثَّانِي: (غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَكَلِمَةُ إلَى: تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وَفِعْلُهُ أَيْضًا ﷺ يُبَيِّنُهُ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ» .
(وَ) الثَّالِثُ: (مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَالْبَاءُ فِيهِ لِلْإِلْصَاقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ (وَمِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - (الْأُذُنَانِ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مَرْفُوعًا «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» فَيَجِبُ مَسْحُهُمَا.
(وَ) الرَّابِعُ: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى النَّصْبِ، وَأَمَّا الْجَرُّ: فَقِيلَ بِالْجِوَارِ، وَالْوَاوُ تَأْبَاهُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمَسْحُ عِنْدَ الْعَرَبِ غَسْلٌ وَمَسْحٌ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ. وَصِحَاحُ الْأَحَادِيثِ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ، عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ، بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ قِيلَ: إلَى الْكَعْبَيْنِ، دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ " أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 100
- ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ " لَأَنْ تُقْطَعَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ " وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، وَأَمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّهِ.
(وَ) الْخَامِسُ: (تَرْتِيبٌ بَيْنَ أَعْضَاءِ وُضُوءٍ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا يُعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ، «وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرًا فِيهِ، كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ. (فَإِنْ نَكَّسَ) وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يُحْسَبُ بِمَا غَسَلَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ قَبْلَهُ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ وَخَتَمَ بِوَجْهِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا، يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: " مَا أُبَالِي إذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ " قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى، لَانَ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى " (أَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دَفْعَةً) وَاحِدَةً (لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ) وَكَذَا لَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْتِيبُ، لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ، وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ.
(وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٌ كَثِيرٍ) رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ (نَاوِيًا) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ (لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ، وَلَوْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَسَعُ التَّرْتِيبَ، أَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَارِي أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ، (حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتِّبًا) نَصًّا، فَيُخْرِجُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ، وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُمَا قَبْلَ انْفِصَالِهِ.
(وَ) السَّادِسُ: (مُوَالَاةٌ) مَصْدَرُ وَالَى الشَّيْءَ يُوَالِيهِ إذَا تَابَعَهُ
стр. 101
(وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَجِفَّ مَا قَبْلَهُ) ، فَلَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ، وَلَا مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى تَجِفَّ الْيَدَانِ، وَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الرَّأْسُ لَوْ كَانَ مَغْسُولًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ دُونَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُتِمُّهُ صَحِيحًا (بِزَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ (وَيَتَّجِهُ الِاعْتِبَارُ فِي) الزَّمَنِ (الْمُعْتَدِلِ) كَوْنُ اعْتِدَالِهِ (بِمَا بَيْنَ لَيْلٍ وَنَهَارٍ) ، بِأَنْ لَا يَزِيدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي حُلُولِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ نُقْطَةٍ مِنْ بُرْجِ الْحَمَلِ، وَأَوَّلُ نُقْطَةٍ مِنْ بُرْجِ الْمِيزَانِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً وَالنَّهَارُ كَذَلِكَ، ثُمَّ فِي بَاقِي أَيَّامِ الْبُرْجَيْنِ، وَقُبَيْلَ دُخُولِهِمَا يَقْرُبُ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي ذَيْنِكَ الْبُرْجَيْنِ وَقَبْلِهِمَا إلَى الِاعْتِدَالِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ أَقْرَبُ فِي الْغَالِبِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيُقَدَّرُ مَمْسُوحٌ) مِنْ رَأْسٍ وَجَبِيرَةٍ (مَغْسُولًا) فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ مَثَلًا وَجَفَّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، فَالْمُوَالَاةُ بِحَالِهَا مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ أَمَّا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ (مَغْسُولًا) لَجَفَّ، انْقَطَعَتْ الْمُوَالَاةُ، (أَوْ قُدِّرَ) زَمَنٌ (مُعْتَدِلٌ مِنْ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْمُعْتَدِلِ - مِنْ زَمَنٍ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ (وَيَضُرُّ) - أَيْ: تَفُوتُ الْمُوَالَاةُ - (إنْ جَفَّ عُضْوٌ) أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ غَسْلِ مَا بَعْدَهُ، أَوْ بَقِيَّتُهُ (لِاشْتِغَالٍ بِتَحْصِيلِ مَاءٍ) يُتِمُّ بِهِ وُضُوءَهُ، (أَوْ) جَفَّ ذَلِكَ ل (إسْرَافٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلطَّهَارَةِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّمَنُ مُعْتَدِلًا أَوْ لَا (أَوْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) لَيْسَتْ بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ، (أَوْ) إزَالَةِ (وَسَخٍ وَنَحْوِهِ) ، كَجَبِيرَةٍ حَلَّهَا (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) ، بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا لَمْ يُؤَثِّرْ،
стр. 102
لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، (لَا) إنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ (ل) تَحْصِيلِ (سُنَّةٍ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، (كَتَخْلِيلِ) لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ. (وَإِسْبَاغِ) ، أَيْ: إبْلَاغِهِ مَوَاضِعَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، بِأَنْ يُؤْتِيَ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، (وَإِزَالَةِ شَكٍّ) ، بِأَنْ يُكَرِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَ غَسْلَهُ، (أَوْ) إزَالَةِ (وَسْوَسَةٍ) لِأَنَّهَا شَكٌّ فِي الْجُمْلَةِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ دُخُولُ وَقْتِ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ]
(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ دُخُولُ وَقْتِ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) لِغَرَضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِفَائِتَةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ نَافِلَةٍ، صَحَّ مَتَى أَرَادَهُ (أَوْ اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ، (وَاسْتِجْمَارٌ) بِنَحْوِ حَجَرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ بِدَلِيلِهِ، (وَ) يُشْرَعُ (لَهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (وَلِغُسْلٍ انْقِطَاعُ مَا يُوجِبُهُمَا) مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ سَبِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِنْزَالٍ وَجِمَاعٍ وَانْتِقَالِ مَنِيٍّ وَانْقِطَاعِ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ، لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ الصِّحَّةَ، (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ) - كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ - (مَعَ إبَاحَتِهِ) ، فَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ، كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا صَحَّتْ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَالْمَاءُ الْمُسْبَلِ لِلشُّرْبِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ بِبَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مِنْهُ وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ مُسْتَوْفًى. (وَإِزَالَةُ مَانِعِ وُصُولٍ) - أَيْ: الْمَاءِ - عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِيَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ، (وَتَمْيِيزٌ) لِأَنَّهُ أَدْنَى سِنٍّ يُعْتَبَرُ قَصْدُ الصَّغِيرِ فِيهِ شَرْعًا، فَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، (وَكَذَا) يُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ (إسْلَامٌ وَعَقْلٌ لِغَيْرِ كِتَابِيَّةٍ وَمَجْنُونَةٍ غَسَلَتَا مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ) كَنِفَاسٍ (لِحِلِّ وَطْءٍ) لِحَلِيلٍ مُسْلِمٍ.
стр. 103
(السَّابِعُ: نِيَّةٌ) ، لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ: لَا عَمَلَ جَائِزٌ وَلَا فَاضِلٌ إلَّا بِهَا، (وَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ لِطَهَارَةِ كُلِّ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، (وَتَيَمُّمٍ وَلِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ مُسْتَحَبَّيْنِ، وَغُسْلِ مَيِّتٍ) ، لِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لِلتَّمْيِيزِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَضَمَّنَتْهُمَا، لِوُجُودِهِمَا فِيهَا حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُهُ، وَهُوَ: ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ لَا حَقِيقَتِهِ، لِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ، وَكَانَ مُتَوَضِّئًا، وَدَامَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلَافِ السَّتْرِ وَالِاسْتِقْبَالِ. و (لَا) تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِغَسْلِ (خَبَثٍ) - أَيْ نَجَاسَةٍ - لِأَنَّهَا مِنْ التُّرُوكِ، (وَلَا) ل (طَهَارَةِ كِتَابِيَّةٍ) لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ لِلْعُذْرِ، (وَ) لَا طَهَارَةِ (مُسْلِمَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ غُسْلِ نَحْوِ حَيْضٍ) وَنِفَاسٍ (فَتُغْسَلُ مُسْلِمَةٌ قَهْرًا) لِحَقِّ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، (وَتُغْسَلُ كِتَابِيَّةٌ) كَذَلِكَ.
(وَلَا نِيَّةَ) ، أَيْ: وَلَا تَسْمِيَةَ مُعْتَبَرَةٌ هُنَا، صَرَّحَ بِهِ الْحَجَّاوِيُّ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ (لِلْعُذْرِ) كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ زَكَاةٍ (وَلَا تَسْتَبِيحُ) الْمُسْلِمَةُ الْمُمْتَنِعَةُ (بِهِ) - أَيْ: بِالْغُسْلِ الْمَذْكُورِ - (نَحْوَ صَلَاةٍ) ، كَطَوَافٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ وَطْؤُهَا لِحَقِّ زَوْجِهَا فِيهِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ. وَلَا يَنْوِي عَنْهَا، لِعَدَمِ تَعَذُّرِهِ مِنْهَا، وَمَحَلُّهُ (حَيْثُ كَانَ) ذَلِكَ الْغُسْلُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لَا إنْ كَانَ غُسْلُهُ إيَّاهَا (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهِ التَّقَرُّبَ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
стр. 104
(وَيَنْوِي) لِغُسْلٍ (عَنْ مَيِّتٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.
(وَ) عَنْ (مَجْنُونَةٍ) مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ حَاضَتْ وَنَحْوَهُ، (غُسْلًا) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا (وَيَتَّجِهُ لَوْ أَفَاقَتْ) مَجْنُونَةٌ، نَوَى عَنْهَا غَاسِلُهَا وَسَمَّى (لَا يُعَادُ) غُسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِقِيَامِ نِيَّةٍ عَنْهَا مَقَامَ نِيَّتِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا مِنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ.
(وَمَحَلُّهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (الْقَلْبُ، فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانٍ بِغَيْرِ مَنْوِيٍّ) ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الْوُضُوءَ، فَيَقُولَ: نَوَيْتُ الصَّلَاةَ، (وَسُنَّ لَا لِنَحْوِ مُفَارِقٍ) لِإِمَامِهِ (فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ) كَمُعْتَكِفٍ نَوَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي، (نُطْقٌ بِهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (سِرًّا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ) ، كَوُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَتَيَمُّمٍ وَنَحْوِهَا، لِيُوَافِقَ فِعْلُ اللِّسَانِ الْقَلْبَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ أَوْلَى عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَ " التَّلْخِيصُ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، (وَإِنْ كَانَ) النُّطْقُ بِهَا (خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَمْعٍ مُحَقِّقِينَ.
(وَكَرِهَ جَهْرٌ) بِهَا (وَتَكْرَارُهَا) ، (بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنَّهُ) - أَيْ: الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرَارُهَا - (مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ) الْإِمَامِ (الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ) وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دِينًا خَرَجَ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ نَهْيُهُ، وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ. وَقَالَ: مَنْ اعْتَادَهُ يَنْبَغِي تَأْدِيبُهُ، وَيَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ، لَا سِيَّمَا إنْ آذَى بِهِ أَوْ كَرَّرَهُ، (وَقَالَ) (مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَمْ يَكُنْ ﷺ يَقُولُ: نَوَيْتُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ) بَلْ (وَلَا
стр. 105
أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.
(وَيَجِبُ تَقَدُّمُهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (عَلَى تَسْمِيَةٍ وَتَقَدُّمُهُمَا) - أَيْ: النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ - (عَلَى الْوَاجِبِ) ، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَهُمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، (وَسُنَّا) - أَيْ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ - (عِنْدَ أَوَّلِ الْمَسْنُونِ وَقَبْلِهِ) - أَيْ: الْمَسْنُونِ - كَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ فَرْضَ الْوُضُوءِ وَسَنَّتَهُ، فَيُثَابُ عَلَيْهَا. (وَيَضُرُّ تَقَدُّمُ) النِّيَّةِ (بِزَمَنٍ كَثِيرٍ عُرْفًا) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، (وَسُنَّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا (فِي جَمِيعِ الْعِبَادَةِ) ، لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ، وَالذِّكْرُ: بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثِهِ " وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ، وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ، وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمَا لُغَتَانِ. (وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا فَيَضُرُّ إنْ نَوَاهُ) - أَيْ: قَطْعَهَا (وَيَحْرُمُ) قَطْعُهَا (فِي وَاجِبٍ) ، يَضُرُّ (إنْ ذَهِلَ عَنْهَا أَوْ غَرُبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ) ، فَلَا يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ كَمَا لَا يُؤَثِّرْ فِي الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّهُ: إنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغُسْلِ نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
(وَإِنْ فَرَّقَهَا) - أَيْ: النِّيَّةَ - عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ، بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، (وَإِنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ، وَنَوَى) ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ (الْأَصْغَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ) الْحَدَثَ (الْأَكْبَرَ) أَيْضًا (فَنَوَاهُمَا) - أَيْ: الْحَدَثَيْنِ مَعًا - (ارْتَفَعَا) لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ طَهُورًا إلَى أَنْ يَنْفَصِلَ. (حَتَّى وَلَوْ لَبِثَ) الْمَاءُ (فِي فَمِهِ فَتَغَيَّرَ) مِنْ رِيقِهِ.
(وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ تَبَرُّدٍ ثُمَّ أَعَادَهُ) - أَيْ: الْغُسْلَ - بِنِيَّةِ تَبَرُّدٍ وَجَعَلَهُ (بِنِيَّةِ وُضُوءٍ) مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِبَقَاءِ الْمُوَالَاةِ، (وَإِنْ أَبْطَلَهَا) - أَيْ: النِّيَّةَ - فِي أَثْنَاءِ
стр. 106
الْعِبَادَةِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا، (أَوْ شَكَّ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ) (اسْتَأْنَفَ) الْعِبَادَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ أَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ، فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ، (لَا) شَكَّ فِي النِّيَّةِ (بَعْدَ فَرَاغٍ) مِنْ عِبَادَةٍ عَمَلًا بِالْيَقِينِ، (إلَّا إنْ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ فَيَسْتَأْنِفُ الْعِبَادَةَ لِخُلُوِّهَا مِنْهَا، (وَكَذَا) لَوْ طَرَأَ (شَكٌّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ) فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، (أَوْ) فِي (مَسْحِ رَأْسٍ) قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوءٍ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَا شَكَّ فِيهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الشَّكُّ (وَسْوَاسًا فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ.
(وَالنِّيَّةُ هُنَا) - أَيْ فِي الطَّهَارَةِ - (قَصْدُ رَفْعِ حَدَثٍ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، (وَلَا يَضُرُّ) مَعَ قَصْدِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ (تَشْرِيكُ) نِيَّةِ تَبَرُّدٍ (أَوْ) قَصْدُ (اسْتِبَاحَةِ مَاءٍ) أَيْ: فِعْلٌ (يَجِبُ لَهُ طَهَارَةٌ) كَصَلَاةٍ، (أَوْ تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ كَقِرَاءَةٍ.
(وَتَتَعَيَّنُ) نِيَّةُ (الِاسْتِبَاحَةِ لِدَائِمِ حَدَثٍ) ، كَمُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ قُرُوحٌ سَيَّالَةٌ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمُ الِاسْتِبَاحَةِ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ - (وَإِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ) بِطُرُوءِ حَدَثٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّلَسُ بَوْلًا وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ - فَيَنْوِي الِاسْتِبَاحَةَ، لَا رَفْعَ الْحَدَثِ، لِمُنَافَاةِ الْخَارِجِ لَهُ صُورَةً، (وَلِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَيْسَتْ رَافِعَةً) لِلْحَدَثِ الدَّائِمِ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ، لِأَنَّ الدَّائِمَ إنَّمَا لَمْ يُنْتَقَضْ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَجْدِ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا، أَيْ: الطَّارِئَ دُونَ الدَّائِمِ.
(خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ. انْتَهَى. فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا دَائِمًا كَانَ أَوْ طَارِئًا، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ. (وَفِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ
стр. 107
دَائِم (إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ) ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ، (بَلْ لَوْ نَوَى) دَائِمُ الْحَدَثِ بِطَهَارَتِهِ (الِاسْتِبَاحَةَ لِصَلَاةٍ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ (لَمْ يَسْتَبِحْ سِوَى نَفْلٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَافِعَةً، فَهِيَ كَالتَّيَمُّمِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ بِنِيَّةِ مَا تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ، (كَقِرَاءَةِ) قُرْآنٍ (وَذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى (وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ، (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) ، كَغَيْبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَفِعْلِ نُسُكِ حَجٍّ) نَصًّا (غَيْرِ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) يَرْتَفِعُ حَدَثُ مَنْ تَوَضَّأَ (لِحَمْلِ مَيِّتٍ، لِخَبَرِ «وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَ) ك (جُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) ، وَقِيلَ: (وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ) وَفِي " الْمُغْنِي ": (وَأَكْلٍ) ، وَفِي
стр. 108
النِّهَايَةِ " (وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَتَجْدِيدٍ) إنْ سُنَّ لَهُ التَّجْدِيدُ، (بِأَنْ) كَانَ (صَلَّى) بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَأَحْدَثَ (وَنَوَاهُ) - أَيْ: التَّجْدِيدَ - (نَاسِيًا الْحَدَثَ) ، لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ لَهُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةُ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَةٍ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) نَوَى بِوُضُوئِهِ التَّجْدِيدَ حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا) لِحَدَثِهِ فَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ (لِاسْتِحْبَابِهِ) أَيْ التَّجْدِيدِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي هَذَا الِاتِّجَاهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا نَوَى التَّجْدِيدَ عَالِمًا حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، لِتَلَاعُبِهِ.
(وَلَا) يُسَنُّ تَجْدِيدُ (غُسْلٍ وَ) لَا (تَيَمُّمٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَلَا رَفْعٍ) لِلْحَدَثِ (إنْ نَوَى طَهَارَةً) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا وَأَطْلَقَ) ، بِأَنْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، إذْ لَا تَمْيِيزَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَغَيْرَهُ.
(أَوْ) نَوَى (جُنُبٌ الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ: (دُونَ الْوُضُوءِ) ، فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ (أَوْ) نَوَى جُنُبٌ الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ بِمَسْجِدٍ) فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَكْبَرُ وَلَا الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، خِلَافًا لِابْنِ قُنْدُسٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَنَابَةِ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ،
стр. 109
(أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِشُرْبِ) مَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، لِأَنَّ الشُّرْبَ لَمْ يُشْرَعْ لَهُ غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ، (أَوْ) نَوَاهُ (لِزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (غَيْرِ) زِيَارَةِ قَبْرِهِ ( ﷺ ) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، أَوْ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ قُبُورِهِمْ إذْ لَوْ عُلِمَتْ ضَرَائِحُهُمْ تَعْيِينًا لَوَجَبَ عَلَيْنَا احْتِرَامُهَا، كَاحْتِرَامِ ضَرِيحِهِ ﷺ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إنْ كَانَ نَاسِيًا، لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ خُصُوصًا. وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ، فَقَاسُوهَا عَلَيْهِ، (أَوْ) نَوَى غُسْلًا (وَاجِبًا) فِي مَحَلٍّ مَسْنُونٍ (أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ) - أَيْ: الْمَسْنُونِ - بِالْأَوْلَى (فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِعْلُهُ) - أَيْ: فِعْلُ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ - (بَعْدَ) فَرَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الَّذِي نَوَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ) إجْمَاعًا (فَإِنْ نَوَاهُمَا) - أَيْ: الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ - (حَصَلَا) ، أَيْ: حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا لَيْسَ لَهُ فِيهِمَا، إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
стр. 110
(وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِل لِلْوَاجِبِ غُسْلًا وَلِلْمَسْنُونِ) غُسْلًا (آخَرَ) لِأَنَّهُ، أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ.
(وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَحْدَاثٌ) ، أَيْ: مُوجِبَاتٌ لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، (وَلَوْ) وُجِدَتْ (مُتَفَرِّقَةً تُوجِبُ غُسْلًا أَوْ) تُوجِبُ (وُضُوءًا وَنَوَى) بِغُسْلِهِ أَوْ وُضُوئِهِ (أَحَدَهَا) أَيْ: الْأَحْدَاثِ (لَا) إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ (عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ) - أَيْ: غَيْرُ الْمَنْوِيِّ - بِذَلِكَ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ (ارْتَفَعَ سَائِرُهَا) ، أَيْ: ارْتَفَعَتْ كُلُّهَا، لِأَنَّهَا تَتَدَاخَلُ، فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيِّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا، كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ مِنْهَا عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) - أَيْ: ذَلِكَ الْحَدَثِ - وَفِي نُسْخَةٍ: (وَإِنْ أَحْدَثَ بِنَوْمٍ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ غَلَطًا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) ، لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ، (أَوْ) نَوَى بِطَهَارَتِهِ تَخْصِيصَ اسْتِبَاحَةِ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا) كَالظُّهْرِ مَثَلًا عَلَى أَنْ (لَا يَسْتَبِيحَ غَيْرَهَا) ارْتَفَعَ حَدَثُهُ و (لَغَا تَخْصِيصُهُ) فَيُصَلِّي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ مَا شَاءَ مِنْ فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ.
[فَصْلٌ صِفَةُ الْوُضُوء]
(فَصْلٌ) (وَصِفَةُ وُضُوءٍ أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ نَحْوِ صَلَاةٍ، أَوْ الْوُضُوءَ لَهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) ، أَيْ: يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، (وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا) ، وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ، (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - إنْ شَاءَ - بِسِتِّ غَرَفَاتِ أَوْ ثَلَاثِ) غَرَفَاتٍ (وَ) كَوْنُهُمَا (بِغَرْفَةٍ) وَاحِدَةٍ (أَفْضَلُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدٍ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ.
следующие страницы →