← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(وَتُكْرَهُ إمَامَةُ غَيْرِ الْأَوْلَى بِلَا إذْنِهِ مَعَ حُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ، (وَيَسْقُطُ بِهِ) - أَيْ: بِمَنْ كَانَ غَيْرَ الْأَوْلَى، وَصَلَّى بِلَا إذْنِ الْأَوْلَى - (فَرْضٌ، وَ) يَسْقُطُ بِهِ (حُكْمُ تَقْدِيمٍ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ حَصَلَ، وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ افْتِئَاتٍ تَشُحُّ بِهِ الْأَنْفُسُ عَادَةً، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، (فَإِنْ صَلَّى) الْوَلِيُّ (خَلْفَهُ صَارَ إذْنًا) لِدَلَالَتِهِ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَدَّمَهُ لِلصَّلَاةِ، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَلِيُّ وَرَاءَهُ، (فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (لِأَنَّهَا حَقُّهُ) ، وَيُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ تَبَعًا لَهُ، وَلَوْ مَاتَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ؛ فَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": يُقَدَّمُ أَقْرَبُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ إلَى الْخَيْرِ وَالْأَشْفَقُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ كَالْإِمَامَةِ. (وَمَنْ قَدَّمَهُ وَلِيٌّ) بِمَنْزِلَتِهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَ (لَا) يَكُونُ مَنْ قَدَّمَهُ (وَصِيٌّ بِمَنْزِلَتِهِ) ، أَيْ: الْوَصِيِّ، لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُوصِي مَا أَمَّلَهُ فِي الْوَصِيِّ مِنْ الْخَيْرِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَصِيُّ (انْتَقَلَتْ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) . (وَتُبَاحُ) صَلَاةٌ عَلَى مَيِّتٍ (بِمَسْجِدٍ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) «لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَجَاءَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ بِنَحْوِ انْفِجَارِهِ؛ حَرُمَ إدْخَالُهُ إيَّاهُ صِيَانَةً لَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ. (وَسُنَّ قِيَامُ إمَامٍ وَ) قِيَامُ (مُنْفَرِدٍ عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ) ، أَيْ: ذَكَرٍ، (وَوَسَطِ امْرَأَةٍ) - أَيْ: أُنْثَى - نَصًّا (وَ) قِيَامُهُمَا (بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّدْرِ وَالْوَسَطِ (مِنْ خُنْثَى) مُشْكِلٍ، لِتَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ فِيهِ (وَ) سُنَّ (أَنْ يَلِيَ إمَامًا) إذَا اجْتَمَعَ مَوْتَى (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَلُ) أَفْرَادِ ذَلِكَ النَّوْعِ لِفَضِيلَتِهِ «لِتَقْدِيمِهِ ﷺ فِي

стр. 877

الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا» فَيُقَدَّمُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ. فَعَبْدٌ كَذَلِكَ. فَصَبِيٌّ كَذَلِكَ، ثُمَّ خُنْثَى ثُمَّ امْرَأَةٌ كَذَلِكَ، وَتُقَدَّمُ. (فَأَسُنُّ فَأَسْبَقُ) إنْ اسْتَوَوْا، (ثُمَّ يُقْرَعُ) مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكُلِّ. وَإِذَا سَقَطَ فَرْضُهَا؛ سَقَطَ التَّقْدِيمُ. (وَجَمْعُهُمْ) ، أَيْ: الْمَوْتَى مَعَ التَّعَدُّدِ (بِصَلَاةٍ) وَاحِدَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إفْرَادِ كُلٍّ بِصَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ وَأَبْلُغُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمْعِ. (وَيُقَدَّمُ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ) لِلْإِمَامَةِ عَلَيْهِمْ (أَوْلَاهُمْ) بِإِمَامَةٍ (كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ) ، وَكَمَا لَوْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ لِوَاحِدٍ، (وَلِوَلِيِّ كُلٍّ) مِنْهُمْ (أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) ، أَيْ: مَيِّتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي تَوَلِّيهِ. (وَيُجْعَلُ وَسَطُ أُنْثَى حِذَاءَ صَدْرِ رَجُلٍ، وَ) يُجْعَلُ (خُنْثَى) بَيْنَهُمَا (لِيَقِفَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ مَوْقِفَهُ) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، (وَيُسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِ كُلِّ نَوْعٍ) ؛ لِأَنَّ مَوْقِفَ النَّوْعِ وَاحِدٌ. (وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ) بَلْ يُسْتَحَبُّ اقْتِدَاءٌ بِفِعْلِ السَّلَفِ، (فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ) الْإِمَامُ، بِأَنْ تَأَخَّرَ، وَتَحَوَّلَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَحُشَ تَحَوُّلُهُ عَنْهُ بِحَيْثُ غَابَ عَنْ نَظَرِهِ، أَوْ جَعَلَهُ عَلَى عُلُوٍّ: أَوْ فِي بِئْرٍ لَمْ تَصِحَّ لِاشْتِرَاطِ حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ. (وَالْأَوْلَى) لِمُصَلٍّ (مَعْرِفَةُ ذُكُورَةِ مَيِّتٍ وَأُنُوثَتِهِ) وَاسْمِهِ (وَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي دُعَائِهِ) لَهُ (وَلَا بَأْسَ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (حَالَ دُعَاءٍ) نَصًّا. (وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ مَيِّتٍ) ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَقْصُودِ عَلَى ذَلِكَ، (فَيَنْوِي) الصَّلَاةَ عَلَى (الْحَاضِرِ) أَوْ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ) إزَالَةً لِلْجَهَالَةِ.

стр. 878

(فَإِنْ) عَيَّنَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى زَيْدٍ. فَ (بَانَ) الْمَيِّتُ (غَيْرَهُ، لَمْ تَصِحَّ) الصَّلَاةُ. (جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَقَالَ: إنْ نَوَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ. فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكَسَ) ، بِأَنْ نَوَى عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَبَانَتْ رَجُلًا: (فَالْقِيَاسُ الْإِجْزَاءُ) لِقُوَّةٍ التَّعْيِينِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ) نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جَمَاعَةٍ (ظَنَّهُمْ سَبْعًا) فَقَطْ (فَبَانُوا تِسْعًا؛ لَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ لِاقْتِصَارِهِ فِي النِّيَّةِ عَلَى سَبْعٍ، وَخُرُوجِ الِاثْنَيْنِ مَعَ ظَنِّهِ دُخُولَهُمَا، (وَعَكْسُهُ) : بِأَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَوْتَى ظَنَّهُمْ تِسْعًا فَبَانُوا سَبْعًا، (نَعَمْ) تُجْزِئُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ التِّسْعَ سَبْعٌ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (ثُمَّ يُكَبِّرُ) مُصَلٍّ (أَرْبَعًا يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) يُحْرِمُ بِ التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ النِّيَّةِ، فَيَقُولُ قَائِمًا مَعَ الْقُدْرَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى النِّيَّةِ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ. لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ. وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، (وَلَا يَسْتَفْتِحُ) لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ (وَيَتَعَوَّذُ وَيُسَمِّي وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ (سِرًّا، وَلَوْ لَيْلًا) .

стр. 879

لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً. ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَالسَّلَامُ» وَلَا تُقَاسُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ. ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَالْجِنَازَةَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ. (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَانِيَةٍ) سِرًّا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ» . وَتَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَفِي تَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سَأَلُوهُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ. (وَيَدْعُوَ) لِلْمَيِّتِ (بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَالِثَةٍ) ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَلَا يَتَعَيَّنُ) دُعَاءٌ (فِيهَا) . أَيْ: الثَّالِثَةِ. (فَيُجْزِئُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيَدْعُو بِأَحْسَنِ مَا يَحْضُرُهُ وَسُنَّ) دُعَاؤُهُ (بِمَا) وَرَدَ. (وَمِنْهُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا) - أَيْ: حَاضِرِنَا (وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا) - أَيْ مُنْصَرَفَنَا - (وَمَثْوَانَا) - أَيْ: مَأْوَانَا - (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا ") رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: " اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى

стр. 880

شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُوَفَّقُ: " وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وَلَفْظُ السُّنَّةِ: (" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) - بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ قِرَاءَةُ - (وَأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعَ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا، الْإِدْخَالَ - (وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) - بِالتَّحْرِيكِ: الْمَطَرُ الْمُنْعَقِدُ - (وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) - يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ - (وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ ") رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَفِيهِ: وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» وَزَادَ الْمُوَفَّقُ لَفْظَ " مِنْ الذُّنُوبِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. (وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ. زَادَ الْخِرَقِيِّ وَالْمَجْدُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ: (اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) ، إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً؛ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُكَ ابْنَةُ أَمَتِكِ، نَزَلَتْ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَقُولُ إلَّا إنْ عَلِمَ خَيْرًا، وَإِلَّا أَمْسَكَ عَنْهُ حِذَارًا مِنْ الْكَذِبِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَشْهَدُ لَهُ ثَلَاثُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ؛ إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِي فِيمَا عَلِمُوا، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا أَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) زَادَ فِي " الْمُبْدِعِ ": اللَّهُمَّ إنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، إنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ

стр. 881

(صَغِيرًا، أَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ) عَلَى جُنُونِهِ حَتَّى مَاتَ (قَالَ) بَعْدُ: وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا، (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطًا) أَيْ: سَابِقًا لِمَصَالِحِ أَبَوَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي حَيَاتِهِمَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا (وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ، وَقِه بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) ، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «السَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَفِي لَفْظٍ: " بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنَّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَافِعٌ غَيْرُ مَشْفُوعٍ فِيهِ، وَلَا جَرَى عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَالْعُدُولُ إلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ أَوْلَى مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، مُنَاسِبٌ لِمَا هُوَ فِيهِ، فَشَرَعَ فِيهِ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ، وَقَوْلُهُ: فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ؛ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانُ قَالَ: إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا: طُوبَى، كُلُّهَا ضُرُوعٌ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ رَضَعَ مِنْ طُوبَى، وَحَاضِنُهُمْ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إسْلَامَ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمَوَالِيهِ) ، فَيَقُولُ: ذُخْرًا لِمَوَالِيهِ. إلَى آخِرِهِ. (وَيُؤَنَّثُ الضَّمِيرُ عَلَى أُنْثَى، وَلَا يَقُولُ: وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَيُشِيرُ بِمَا يَصْلُحُ لَهُمَا) ، أَيْ: الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي صَلَاةٍ (عَلَى خُنْثَى) ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِهَذَا الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ. (وَيَقِفُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ قَلِيلًا، وَلَا يَدْعُوَ) بَعْدَهَا (حَيْثُ دَعَا أَوَّلًا) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيُسَلِّمُ بِلَا تَشَهُّدٍ) وَلَا تَسْبِيحٍ - نَصَّ عَلَيْهِ - تَسْلِيمَةً (وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصًّا، وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ -

стр. 882

«وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمَ» فَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ كَالْمَكْتُوبَةِ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يُسَلِّمَ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ نَصًّا. (وَ) يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً (ثَانِيَةً) عَنْ يَسَارِهِ، لِمَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي، وَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ؛ لَكِنْ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ أَوْلَى، (وَسُنَّ وُقُوفُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (حَتَّى تُرْفَعَ) الْجِنَازَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَنْفَضُّ الصُّفُوفُ حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ. (وَأَرْكَانُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجِنَازَةِ سَبْعَةٌ: أَحَدُهَا: (قِيَامُ قَادِرٍ فِي فَرْضِهَا) ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ قَاعِدٍ، وَلَا رَاكِبٍ رَاحِلَةً بِلَا عُذْرٍ، لِفَوَاتِ رُكْنِهَا، وَهُوَ الْقِيَامُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ نَفْلَهَا يَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ كَنَفْلِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْ الرَّاكِبِ وَالْمُسَافِرِ. (وَ) الثَّانِي: (تَكْبِيرَاتٌ أَرْبَعٌ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ «أَنَّهُ ﵊ كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، (فَإِنْ تَرَكَ غَيْرُ مَسْبُوقٍ تَكْبِيرَةً) مِنْ الْأَرْبَعِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ رُكْنًا، (وَ) إنْ تَرَكَهَا (سَهْوًا يُكَبِّرُهَا) كَمَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَهْوًا (مَا لَمْ يُطِلْ فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ) فَصْلٌ عُرْفًا؛ اسْتَأْنَفَهَا (أَوْ وَجَدَ مُنَافٍ) لِلصَّلَاةِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (اسْتَأْنَفَ) الصَّلَاةَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا " صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا، وَتَكَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَبَّرْت ثَلَاثًا؛ فَرَجَعَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا رَوَاهُ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ وَالْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ، وَعَوْدُهُ إلَى ذَلِكَ لَمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ. (وَ) الثَّالِثُ: (قِرَاءَةُ) الـ (فَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ) وَهُوَ الْإِمَامُ

стр. 883

وَالْمُنْفَرِدُ، وَلِحَدِيثِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ. (وَ) الرَّابِعُ: الـ (صَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ) ﷺ لِقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ» ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَ) الْخَامِسُ: (أَدْنَى دُعَاءٍ لِمَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ (يَخُصَّهُ) ، أَيْ: يَخُصَّ الْمُصَلِّي الْمَيِّتَ (بِهِ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ، فَلَا يَكْفِي قَوْلُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَإِنْ دَخَلَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ (بِنَحْوِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) لِتَتِمَّ فَائِدَةُ الصَّلَاةِ. (وَ) السَّادِسُ: الـ (سَلَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ. (وَ) السَّابِعُ: الـ (تَّرْتِيبُ) عَلَى هَذَا النَّمَطِ، (لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ) الـ (دُعَاءُ) لِلْمَيِّتِ (بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَالِثَةٍ لِجَوَازِهِ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ. (وَشُرُوطُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَكْتُوبَةٍ: (إسْلَامُ) مُصَلٍّ وَمُصَلًّى عَلَيْهِ، وَعَقْلُ مُصَلٍّ، (وَطَهَارَةٌ) وَلَوْ بِتُرَابٍ لِعُذْرٍ، (وَسَتْرُ عَوْرَةِ مُصَلٍّ، وَمُصَلًّى عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى ذَلِكَ (وَنِيَّةٌ وَتَكْلِيفُ مُصَلٍّ) شَرْطٌ لِسُقُوطِهَا، بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ فَتَصِحُّ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ بِهِ (وَاجْتِنَابُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (النَّجَاسَةَ وَاسْتِقْبَالُهُ الْقِبْلَةَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَحُضُورُ) الـ (مَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُصَلِّي (فَلَا

стр. 884

تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ، (وَلَا) تَصِحُّ (مِنْ وَرَاءَ حَائِلٍ قَبْلَ دَفْنِ) الْمَيِّتِ (كَحَائِطٍ) وَنَحْوِهِ، (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطًّى) ، فَيَكْشِفُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهَا، (وَقَالَ: ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي التَّابُوتِ (كَالْمُكِبَّةِ) وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ صِحَّتِهَا فِي التَّابُوتِ، وَتَحْتَ الْمُكِبَّةِ، وَفِي النَّعْشِ الْمُغَطَّى، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ عَنْ) الـ (بَلَدِ وَلَوْ) كَانَ (دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ فِي غَيْرِ قِبْلَتِهِ) - أَيْ: الْمُصَلِّي - فَتَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْآحَادِ نَصًّا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي «صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُصَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ وَأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ) ، وَيَسْقُطُ شَرْطُ الْحُضُورِ وَالْغُسْلِ لِلْحَاجَةِ (إلَى شَهْرٍ) مِنْ مَوْتِهِ (بِالنِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَلَدِ وَالْمُصَلِّي فِي الْآخَرِ؛ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، لِإِمْكَانِ الْحُضُورِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِهِ ﷺ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُزَادَ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ) لِجَمْعِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرِهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ. (وَيُتَابَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إمَامٌ زَادَ) عَلَى تَكْبِيرَةٍ رَابِعَةٍ (إلَى سَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (فَقَطْ) ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ. «وَكَبَّرَ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ سَبْعًا، وَعَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ

стр. 885

سِتًّا» ، وَقَالَ: إنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعًا، فَجَمَعَ النَّاسَ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَالَ: هُوَ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ يَعْنِي: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ، وَأَطْوَلُ الْمَكْتُوبَاتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، (مَا لَمْ تُظَنَّ بِدْعَتُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامُ (أَوْ) يُظَنَّ (رَفْضُهُ، فَلَا يُتَابَعَ) فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، لِمَا فِي مُتَابَعَتِهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ، (وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبَّحَ بِهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - إذَا جَاوَزَ السَّبْعَ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (سَابِعَةٍ) ، لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ، وَقَبْلَهَا لَا يُسَبَّحُ بِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَلَا يَدْعُو مَأْمُومٌ فِي مُتَابَعَةِ) إمَامِهِ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ. (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ، وَلَوْ (عَمْدًا) ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ قَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي أَصْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، أَوْ نَقُولُ: تَكْرَارُ تَكْبِيرَةٍ أَشْبَهَ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ، وَلِهَذَا لَوْ زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى مَأْمُومٍ أَنْ يُتَابَعَ فِيمَا زَادَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (سَلَامٌ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ إمَامِهِ نَصًّا، (وَإِنْ جَاوَزَ سَبْعًا) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَلَا يُقْطَعُ مِنْ أَجْلِهِ الْمُتَابَعَةُ كَإِطَالَةِ الدُّعَاءِ. (وَيُخَيَّرُ مَسْبُوقٌ) سَلَّمَ إمَامُهُ (بَيْنَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَ) بَيْنَ (سَلَامٍ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ، قَالَ: مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَيُسْتَحَبُّ إحْرَامُ

стр. 886

مَسْبُوقٍ مَعَهُ فِي أَيِّ حَالٍ صَادَفَهُ، وَلَا يُنْتَظَرُ تَكْبِيرُهُ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ (وَلَوْ كَبَّرَ) إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ عَلَى جِنَازَةٍ (فَجِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (أُخْرَى كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (ثَانِيَةً وَنَوَاهُمَا) ، أَيْ: الْجِنَازَتَيْنِ، (فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَالِثَةٍ كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (ثَالِثَةً وَنَوَى الْجَنَائِزَ الثَّلَاثَ، فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (رَابِعَةٍ كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (رَابِعَةً وَنَوَى) الْجَنَائِزَ (الْكُلَّ، فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى الْأُولَى أَرْبَعًا وَعَلَى ثَانِيَةٍ ثَلَاثًا وَعَلَى ثَالِثَةٍ ثِنْتَيْنِ، وَعَلَى الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً، فَيَأْتِي بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أُخَرَ) تَتِمَّةَ السَّبْعِ، (فَيُتِمُّ) تَكْبِيرَهُ (سَبْعًا يَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ (فِي خَامِسَةٍ، وَيُصَلِّي) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (بِسَادِسَةٍ، وَيَدْعُوَ) لِلْمَوْتَى (بِسَابِعَةٍ) ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى) الْجِنَازَةِ (الْأُولَى سَبْعًا، وَ) عَلَى (ثَانِيَةٍ سِتًّا، وَ) عَلَى (ثَالِثَةٍ خَمْسًا، وَ) عَلَى (رَابِعَةٍ أَرْبَعًا، فَإِنْ جِيءَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ (بِ) جِنَازَةٍ (خَامِسَةٍ لَمْ يَنْوِهَا، بَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ تَنْقِيصُهَا عَنْ أَرْبَعِ أَوْ زِيَادَةُ مَا قَبْلَهَا عَلَى سَبْعٍ، وَكِلَاهُمَا مَحْظُورٌ، (وَكَذَا لَوْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَانِيَةٍ عَقِبَ تَكْبِيرَةٍ رَابِعَةٍ) لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ (لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ) التَّكْبِيرَاتِ (السَّبْعِ أَرْبَعٌ) بَلْ ثَلَاثٌ فَيُؤَدِّي إلَى مَا سَبَقَ (وَيَقْضِي مَسْبُوقٌ نَدْبًا) إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ (مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ، فَيُتَابِعُ إمَامَهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ كَبَّرَ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ؛ لِأَنَّ مَا أَدْرَكَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا، (وَإِنْ) كَانَ الْمَقْضِيُّ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، بِأَنْ زَادَ الْإِمَامُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، فَيُقْضَى عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، (فَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بِدُعَاءٍ تَابَعَهُ فِيهِ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ، (فَإِذَا سَلَّمَ إمَامٌ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ) بَعْدَ التَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ، (ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى) عَلَى النَّبِيِّ،

стр. 887

- ﷺ (ثُمَّ كَبَّرَ وَسَلَّمَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، أَوْ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا لِزَامٌ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي الدُّعَاءِ، وَكَبَّرَ الْأَخِيرَةَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ تَمَّتْ. تَتِمَّةٌ: مَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، فَكَبَّرَ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا؛ تَابَعَهُ وَقَطَعَ الْقِرَاءَةَ، كَالْمَسْبُوقِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْقِرَاءَةَ، (فَإِنْ خَشِيَ) الْمَسْبُوقُ (رَفْعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (تَابَعَ) ، أَيْ: وَالَى بَيْنَ (التَّكْبِيرِ) مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا دُعَاءٍ، (رُفِعَتْ) الْجِنَازَةُ (أَوْ لَا) ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَحَكَاهُ نَصًّا. (وَإِنْ سَلَّمَ) مَسْبُوقٌ عَقِبَ إمَامِهِ (وَلَمْ يَقْضِ) مَا فَاتَهُ؛ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تُوضَعُ) الْجِنَازَةُ بَعْدَ أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهَا (لِصَلَاةِ أَحَدٍ بَعْدَ رَفْعِهَا) عَنْ الْأَرْضِ تَحْقِيقًا لِلْمُبَادَرَةِ إلَى مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ. [فَصْلٌ إعَادَة صَلَاة الْجِنَازَةِ] (فَصْلٌ) (وَكُرِهَ لِمَنْ صَلَّى) عَلَى الْجِنَازَةِ (إعَادَتُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": لَا يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ كَالْعِيدِ (إلَّا إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (بِلَا إذْنِ الْأَوْلَى بِهَا) ، أَيْ: بِالصَّلَاةِ مِنْ الْمُصَلِّي (مَعَ حُضُورِهِ) - أَيْ: الْأَوْلَى - وَعَدَمِ إذْنِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ خَلْفَهُ، (فَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (تَبَعًا) لِلْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي

стр. 888

(وَتُسَنُّ إعَادَتُهَا لِمَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ غَائِبًا) بِالنِّيَّةِ (ثُمَّ حَضَرَ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ ثَانِيًا. (وَ) تُسَنُّ الصَّلَاةُ (عَلَى بَعْضِ مَيِّتٍ) بِشَرْطِهِ الْآتِي (صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ دُونَهُ) ، أَيْ: دُونَ ذَلِكَ الْبَعْضِ، فَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ وُجُوبًا. (وَلِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ الصَّلَاةُ اسْتِحْبَابًا (وَلَوْ جَمَاعَةً قَبْلَ دَفْنِ) الْمَيِّتِ (وَبَعْدَهُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (بِقَبْرِهِ) - أَيْ: عَلَى قَبْرِهِ - جَاعِلًا لَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) كَالْإِمَامِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَوْ فَقَدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ؛ فَقَالُوا: مَاتَتْ، أَوْ: مَاتَ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ. (إلَى شَهْرٍ مِنْ دَفْنِهِ، لَا) مِنْ (مَوْتِهِ) ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثُرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَتَقَيَّدَ بِهِ (وَ) إلَى (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عَلَى الشَّهْرِ قَالَ الْقَاضِي: (كَيَوْمَيْنِ) فَقَطْ، (وَيَحْرُمُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَأَمَّا إذَا لَمْ يُدْفَنْ؛ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ تَحْقِيقًا) بِأَنْ

стр. 889

تَحَقَّقَ الْمَوْتُ، وَكَانَ الْمَيِّتُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ (غَيْرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ) فَحُكْمُهُ (كَكُلِّهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (مِنْ وُجُوبِ غُسْلٍ وَتَكْفِينٍ وَصَلَاةٍ) عَلَيْهِ "؛ لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلِ إنْسَانٍ " قَالَهُ أَحْمَدُ. " وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ " رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيد، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ. وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ مَيِّتٍ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْجُمْلَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صُلِّيَ عَلَيْهِ؛ غُسِّلَ مَا وُجِدَ، وَكُفِّنَ وُجُوبًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ نَدْبًا، وَإِنْ كَانَ مَا وُجِدَ شَعْرًا أَوْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا؛ فَلَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ حَالَ الْحَيَاةِ، (وَيَنْوِي بِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَى (ذَلِكَ الْبَعْضِ) الْمَوْجُودِ (فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ الْحَاضِرُ (وَكَذَا إنْ وُجِدَ الْبَاقِي) مِنْ الْمَيِّتِ فَيُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، (وَيُدْفَنُ بِجَنْبِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ، وَدُفِنَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ الْمَيِّت. (وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - دُونَ مَا وُجِدَ؛ (وَجَبَ غُسْلُ وَتَكْفِينُ) ذَلِكَ الْبَعْضِ، (وَسُنَّ صَلَاةٌ) عَلَيْهِ، (وَتَقَدَّمَ) فِي قَوْلِهِ: عَلَى بَعْضِ مَيِّتٍ صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ دُونَهُ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى بَعْضِ حَيٍّ) كَيَدٍ قُطِعَتْ فِي سَرِقَةٍ أَوْ أُكْلَةٍ (فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ) - أَيْ: الْبَقِيَّةُ - لَمْ تُغَسَّلْ، وَ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا) لِبَقَاءِ حَيَاتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ وَشَفَاعَةٌ لِيَخِفَّ عَنْهُ، وَهَذَا عُضْوٌ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي مَوْتِ الْبَقِيَّةِ. (وَلَا) يُصَلَّى (عَلَى مَأْكُولٍ بِبَطْنِ آكِلٍ) مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْآكِلِ، (وَ) لَا عَلَى (مُسْتَحِيلٍ بِنَحْوِ إحْرَاقٍ) كَمُصَبَّنَةٍ

стр. 890

وَمُمَلَّحَةٍ بِأَنْ صَارَ رَمَادًا أَوْ صَابُونًا أَوْ مِلْحًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ مَفْقُودٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ. (وَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ، الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَ) لَا لِ (إمَامِ كُلِّ قَرْيَةٍ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى غَالٍّ) نَصًّا، وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا لِيَخْتَصَّ بِهِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ.» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. (وَ) لَا عَلَى (قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا) ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ " وَالْمَشَاقِصُ: جَمْعُ مِشْقَصٍ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَالْمِشْقَصُ: كَمِنْبَرٍ: نَصْلٌ عَرِيضٌ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ النَّصْلُ الطَّوِيلُ، أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ. انْتَهَى. فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ، وَقَاتِلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْإِمَامُ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا، وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ سَاوَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ. (وَإِنْ صَلَّى) الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ (عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا، (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ ذَلِكَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ لَا لِتَحْرِيمِهِ (وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ عَاصٍ؛ كَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ) وَمَقْتُولٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، (وَعَلَى مَدِينٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً) . وَتَرْكُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ. (وَإِنْ اخْتَلَطَ) مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ (أَوْ اشْتَبَهَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ

стр. 891

بِغَيْرِهِ) كَأَنْ اخْتَلَطَ مَوْتَى مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا بِانْهِدَامِ سَقْفٍ بِهِمْ وَنَحْوِهِ؛ (صُلِّيَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي) بِالصَّلَاةِ (مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) مِنْهُمْ، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ (وَغُسِّلُوا وَكُفِّنُوا) كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِذَلِكَ، إذْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تَصِحُّ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ، قَلَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَوْ كَثُرُوا، (وَإِنْ) (أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ دُفِنُوا مُنْفَرِدِينَ، (وَإِلَّا) يُمْكِنُ عَزْلُهُمْ (فَ) يُدْفَنُونَ (مَعَنَا) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ يُعْهَدُ ذِمِّيًّا، فَشَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا؛ حُكِمَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دُونَ تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ. [فَرْعٌ لِمُصَلٍّ عَلَى جِنَازَةٍ قِيرَاطٌ مِنْ أَجْرٍ] (فَرْعٌ: لِمُصَلٍّ عَلَى جِنَازَةٍ قِيرَاطٌ) مِنْ (أَجْرِ وَهُوَ) ، أَيْ: الْقِيرَاطُ: (أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطُ نِسْبَةٍ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، (وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا) قِيرَاطٌ (آخَرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا) بَلْ يَكُونَ مَعَهَا (حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا مِنْ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا (حَتَّى تُدْفَنَ) ، لِحَدِيثِ: «فَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا» (وَفِي الْحَدِيثِ) : «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ؛ فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ: (وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» وَفِي) صَحِيحِ (مُسْلِمٍ: " أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ " قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ) وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يَذْهَبُ إلَى مُصَلَّى الْجَنَائِزِ فَيَجْلِسُ فِيهِ مُتَصَدِّيًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْجَنَائِزِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَأَنَّهُ يَرَى إذَا تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَهُوَ أَفْضَلُ، قَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ صَعْدَةَ: وَمَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا - يَعْنِي: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا - فَلَهُ قِيرَاطٌ.

стр. 892

[فَصْلٌ حَمْلُ الْجِنَازَةِ] (فَصْلٌ) (وَحَمْلُهَا) - أَيْ: الْجِنَازَةِ إلَى مَحَلِّ دَفْنِهَا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيُكْرَهُ أَخَذَ الْأَجْرِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ. (وَسُنَّ تَرْبِيعٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْحَمْلِ (بِحَمْلِ أَرْبَعَةٍ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. (بِأَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ نَعْشٍ يُسْرَى مُقَدَّمَةً) حَالَ السَّيْرِ، لِأَنَّهَا تَلِي يَمِينَ الْمَيِّتِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ (عَلَى كَتِفٍ يُمْنَى، ثُمَّ) يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ وَ (يَنْتَقِلُ لِمُؤَخِّرَةِ) الْقَوَائِمِ، فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى أَيْضًا ثُمَّ يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ، (ثُمَّ) يَنْتَقِلُ إلَى (يُمْنَى مُقَدَّمَةٍ) مِنْ الْقَوَائِمِ، وَهِيَ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْمَيِّتِ، فَيَضَعُهَا (عَلَى كَتِفٍ يُسْرَى، ثُمَّ) يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ، وَ (يَنْتَقِلُ لِمُؤَخِّرَةِ) قَوَائِمِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى، فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى أَيْضًا، فَيَكُونُ الْبَدْءُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّأْسِ وَالْخَتْمُ مِنْهُمَا بِالرِّجْلَيْنِ، كَغُسْلِهِ، وَلَا يَقُولُ فِي حَمْلِ السَّرِيرِ مُسْلِمٌ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ؛ بَلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا نَاوَلَ السَّرِيرَ نَصًّا. (وَكَرِهَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ التَّرْبِيعَ) فِي الْحَمْلِ (مَعَ زِحَامٍ) عَلَى الْجِنَازَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ. (وَلَا يُكْرَهُ) الـ (حَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) ، أَيْ: قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ، (كُلِّ) عَمُودٍ (عَلَى عَاتِقٍ) نَصًّا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ» وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَمَلَ جِنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَيَبْدَأُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، كَمَا فِي الرِّعَايَةِ " (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ التَّرْبِيعِ وَالْحَمْلِ بَيْنَ

стр. 893

الْعَمُودَيْنِ (أَوْلَى) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا هَذَا إذَا قُلْنَا: لَيْسَ التَّرْبِيعُ أَفْضَلَ، وَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَفْضَلِيَّةَ التَّرْبِيعِ عَلَى الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ لَا تَمْنَعُ أَفْضَلَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّرْبِيعِ، كَمَا ذَكَرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجَرِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ وَلِهَذَا تَبِعَ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَ الْفُرُوعِ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (وَلَا) بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ (بِأَعْمِدَةٍ لِحَاجَةٍ) كَجِنَازَةِ ابْنِ عُمَرَ (وَلَا) بَأْسَ بِحَمْلِهِ (عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَبُعْدِ قَبْرِهِ، وَسِمَنِ جُثَّتِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَحْرُمُ عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا. (وَلَا) يُكْرَهُ حَمْلُ (طِفْلٍ عَلَى يَدَيْهِ) وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُ نَعْشِ الْمَرْأَةِ بِالْمِكَبَّةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَكَذَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ عَلَى نَعْشٍ إلَّا بِمُثْلَةٍ كَحَدَبٍ وَفِي " الْفُصُولِ ": الْمُقَطَّعُ تُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ بِطِينِ حَرٍّ وَنَفْطٍ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، فَإِنْ ضَاعَتْ؛ لَمْ يُعْمَلْ شَكْلُهَا مِنْ طِينٍ، قَالَ: وَالْوَاجِبُ جَمْعُ أَعْضَائِهِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ وَاحِدٍ. (وَسُنَّ مَعَ تَعَدُّدِ جَنَائِزَ تَقْدِيمُ أَفْضَلِهَا إمَامًا بِمَسِيرٍ) ، فَيَكُونُ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا. (وَ) سُنَّ (إسْرَاعٌ بِهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ، لِحَدِيثِ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً؛ فَخَيْرٌ تَقْدَمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَكُونُ الْإِسْرَاعُ (دُونَ الْخَبَبِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ يَمْخُضُهَا وَيُؤْذِي حَامِلَهَا وَمُتَّبِعَهَا، وَالْخَبَبُ، خَطْوٌ فَسِيحٌ دُونَ الْعَنَقِ، وَفَوْقَ الرَّمَلِ. (مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ

стр. 894

(مِنْهُ) ، أَيْ: الْإِسْرَاعِ، فَيَمْشِي بِهِ الْهُوَيْنَا. (وَ) سُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكَوْنُ مَاشٍ) مَعَهَا (أَمَامَهَا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاؤُهُ. (وَ) سُنَّ كَوْنُ (رَاكِبٍ وَلَوْ سَفِينَةً خَلْفَهَا) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَكُرِهَ لَهُ) ، أَيْ: لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ رَاكِبًا أَنْ يَكُونَ (أَمَامَهَا) ، قَالَ الْمَجْدُ: (كَ) كَرَاهَتِهِ لِحَدِيثِ «ثَوْبَانَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ، إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) كَمَرَضٍ (وَ) لِغَيْرِ (عَوْدٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ عَائِدًا مُطْلَقًا لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ. (وَقُرْبُ) مُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (مِنْهَا أَفْضَلُ) ، لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ (وَكُرِهَ تَقَدُّمُهَا لِمَوْضِعِ صَلَاةٍ) عَلَيْهَا. وَ (لَا) يُكْرَهُ تَقَدُّمُهَا (لِمَقْبَرَةٍ، وَ) كُرِهَ (جُلُوسُ تَابِعِهَا حَتَّى تُوضَعَ بِأَرْضٍ لِدَفْنٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَبِعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ: " حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ " (إلَّا لِمَنْ بَعُدَ) ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَ) كُرِهَ (قِيَامٌ لَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (إنْ جَاءَتْ أَوْ مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ) ،

стр. 895

لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: «رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُمْنَا تَبَعًا لَهُ، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا تَبَعًا لَهُ، يَعْنِي: فِي الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " قَامَ ثُمَّ قَعَدَ " رَوَاهُ النَّسَائِيّ. (وَ) كُرِهَ (مَسْحُهُ بِيَدِهِ) عَلَى الْجِنَازَةِ، (أَوْ) مَسْحُهُ (بِشَيْءٍ عَلَيْهَا تَبَرُّكًا) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هُوَ بِدْعَةٌ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الْمَيِّتِ، قَالَ: وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ فِي أَخْلَاقِ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى أَحْمَدَ، ثُمَّ مَسَحَهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ، فَغَضِبَ شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَهُ، وَيَقُولُ: عَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ وَأَنْكَرَهُ. (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ صَوْتٍ) عِنْدَ رَفْعِهَا وَ (مَعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ، (وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ) ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (وَسُنَّ) لِمُتَّبِعِيهَا قِرَاءَةُ قُرْآنٍ وَذِكْرُ اللَّهِ (سِرًّا) . (وَ) كُرِهَ (أَنْ تَتَّبِعَهَا امْرَأَةٌ) ، لِحَدِيثِ «أُمِّ عَطِيَّةَ نَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَيْ: لَمْ يُحَتِّمْ عَلَيْنَا تَرْكَ اتِّبَاعِهَا، (أَوْ تُتَّبَعَ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ، (أَوْ) تُتَّبَعَ (بِنَارٍ) لِلْخَبَرِ، قِيلَ: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ: كَوْنُهُ مِنْ شِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ: تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ (إلَّا لِحَاجَةِ ضَوْءٍ) كَمَا لَوْ دُفِنَتْ بِاللَّيْلِ، فَلَا يُكْرَهُ وَلِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا. (وَمِثْلُهُ تَبْخِيرٌ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ) ، فَيُكْرَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، (وَحَرُمَ أَنْ يَتَّبِعَهَا مَعَ مُنْكَرٍ نَحْوَ صُرَاخٍ وَنَوْحٍ عَاجِزٌ عَنْ إزَالَتِهِ) ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ، (وَيَلْزَمُ الْقَادِرَ إزَالَتُهُ) لِلْخَبَرِ. (وَضَرْبُهُنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ (بِدُفٍّ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَلْقٌ وَلَا صُنُوجٌ (مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا) (وَقَوْلُ الْقَائِلِ مَعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ: (اسْتَغْفِرُوا لَهُ، وَنَحْوُهُ،

стр. 896

بِدْعَةٌ) عِنْدَ أَحْمَدَ، وَكَرِهَهُ (وَحَرَّمَهُ أَبُو حَفْصٍ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَمَا يُعْجِبُنِي، وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا لِقَائِلِ ذَلِكَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. (وَسُنَّ كَوْنُ تَابِعِهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (مُتَخَشِّعًا مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ) أَيْ: أَمْرِهِ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ (مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ) ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا اتَّبَعْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا. [فَرْعٌ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ] (فَرْعٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ سُنَّةٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَحَدِيثِ الْبَرَاءِ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: اتِّبَاعُهَا (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ وَأَهْلِهِ) ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ قَدَّرَ لَوْ انْفَرَدَ الْمَيِّتُ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا الْحَقَّ لِمُزَاحِمٍ أَوْ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَبِعَهُ، لِأَجْلِ أَهْلِهِ إحْسَانًا إلَيْهِمْ لِتَأَلُّفٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. (وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَتَّبِعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ) ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّبِعَهَا إلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ يَقِفَ حَتَّى تُدْفَنَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ وَيَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ. (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ) ، وَهُوَ عَمُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ جَبْرًا وَإِلْزَامًا) وَوَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرٍ، فَقِيلَ: أَلَا تَجْلِسُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَلِيلٌ عَلَى أَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مُحْتَجًّا بِهِ. (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَضَرَ جِنَازَةً هُوَ وَلِيُّهَا لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ) ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ.

стр. 897

[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ] (فَصْلٌ) فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ (وَدَفْنُهُ بِ) مَحَلٍّ (مَحْفُورٍ) مِنْ نَحْوِ أَرْضٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَأَبَانَ ذَلِكَ بِبَعْثِ غُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْف يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ، أَيْ: جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا فِي الْقُبُورِ، وَالْكَفْتُ: الْجَمْعُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ. (وَيَسْقُطُ هُوَ) ، أَيْ: الدَّفْنُ (وَتَكْفِينٌ وَحَمْلٌ) لِمَيِّتٍ (بِ) فِعْلِ (كَافِرٍ) ، لِأَنَّ فَاعِلَهَا لَا يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. (وَ) يَسْقُطُ أَيْضًا بِ (غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَيُقَدَّمُ بِتَكْفِينِ) ذَكَرٍ وَأُنْثَى (مَنْ يُقَدَّمُ بِغُسْلِ) هَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، (وَنَائِبُهُ كَهُوَ) فَيُقَدَّمُ النَّائِبُ عَلَى مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسْتَنِيبُهُ. (وَيَتَّجِهُ: غَيْرُ وَصِيٍّ) ، أَيْ: فَلَيْسَ نَائِبُ الْوَصِيِّ كَهُوَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُوصِي غَرَضٌ فِي تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَكَذَا فِي صَلَاةٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْأَوْلَى) لِغَاسِلٍ (تَوَلِّيهِ) ، أَيْ: التَّكْفِينِ (بِنَفْسِهِ) دُونَ نَائِبِهِ مُحَافَظَةً عَلَى تَقْلِيلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَيِّتِ. (وَ) يُقَدَّمُ (بِدَفْنِ رَجُلٍ) ، أَيْ: ذَكَرٍ (مَنْ يُقَدَّمُ بِغُسْلِهِ) " لِأَنَّهُ،

стр. 898

- ﷺ أَلْحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، (فَالْأَجَانِبُ) مِنْ الرِّجَالِ يَقُومُونَ بِدَفْنِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُنَّ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ غَالِبًا، وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ الْقَبْرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَعْرِيضٌ لَهُنَّ بِالْهَتْكِ وَالْكَشْفِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ، (فَمَحَارِمُهُ) مِنْ (النِّسَاءِ، فَالْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ، وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ. (وَ) الْأَوْلَى (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا، وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلَايَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، (فَزَوْجٌ) ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ الْأَجَانِبِ، (فَأَجَانِبُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ، وَلِأَنَّ تَوَلِّيَ النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ، (فَمَحَارِمُهَا النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْهُنَّ كَالرِّجَالِ، (وَيُقَدَّمُ مِنْ رِجَالٍ) فِي دَفْنِ امْرَأَةٍ (خَصِيٌّ، فَشَيْخٌ، فَأَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ بِهِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا. (وَلَا يُكْرَهُ لِرِجَالٍ) أَجَانِبَ (دَفْنُ امْرَأَةٍ وَثَمَّ مَحْرَمٌ) لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ. (وَكُرِهَ دَفْنٌ عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ وَقِيَامِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا) وَتَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ الدَّفْنُ (لَيْلًا) قَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ أَبُو بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا، وَالدَّفْنُ نَهَارًا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ، وَأَمْكَنُ

стр. 899

لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ. (وَلَحْدٌ) أَفْضَلُ مِنْ شَقٍّ، وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ؛ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ حُفْرَةً تَسَعُ الْمَيِّتَ، وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ. (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) أَفْضَلُ، فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى جِهَةِ مُلْحِدِهِ. (وَنَصْبُ لَبِنٍ) ، أَيْ: طُوبٍ غَيْرِ مَشْوِيٍّ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (أَفْضَلُ) مِنْ نَصْبِ حِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَيَجُوزُ بِبَلَاطٍ، (وَكُرِهَ شَقُّ قَبْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِحَدِيثِ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الشَّقُّ (حَفْرُ وَسَطِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (كَحَوْضٍ، أَوْ بِنَاءُ جَانِبَيْهِ بِنَحْوِ لَبِنٍ لِيُوضَعَ مَيِّتٌ فِيهِ) ، وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ بِبَلَاطٍ وَنَحْوِهِ (بِلَا عُذْرٍ) كَرَخَاوَةِ أَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ وَاحْتِيجَ إلَى الشَّقِّ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَالُ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِنَصْبِ لَبِنٍ وَلَا حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يُكْرَهْ الشَّقُّ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ شِبْهَ اللَّحْدِ مِنْ الْجَنَادِلِ وَالْحِجَارَةِ وَاللَّبِنِ، جَعَلَ نَصًّا، وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ. (وَ) كُرِهَ (إدْخَالُهُ) إلَى الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَ) إدْخَالُهُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) كَآجُرٍّ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ. (وَ) كُرِهَ (دَفْنٌ بِتَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ، لِأَنَّهُ خَشَبٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا يَمَسَّ الْمَيِّتَ نَارٌ. (وَسُنَّ أَنْ يُعَمَّقَ) قَبْرٌ (وَيُوَسَّعَ قَبْرٌ بِلَا حَدٍّ) ، «لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَعْمِقُوا»

стр. 900

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ التَّعْمِيقَ أَبْعَدُ لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ، وَأَمْنَعُ لِلْوُحُوشِ، وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَالتَّعْمِيقُ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ. (وَيَكْفِي مَا) ، أَيْ: تَعْمِيقٌ (يَمْنَعُ السِّبَاعَ وَالرَّائِحَةَ) ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُسْجَى) ، أَيْ: يُغَطَّى قَبْرٌ حِينَ الدَّفْنِ (لِأُنْثَى) وَلَوْ صَغِيرَةً، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ (وَ) لِ (خُنْثَى) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً. (وَكُرِهَ) أَنْ يُسْجَى قَبْرٌ (لِرَجُلٍ إلَّا لِعُذْرٍ) مِنْ (نَحْوِ مَطَرٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا إلَى النِّسَاءِ " وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَفِي فِعْلِ ذَلِكَ لَهُ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ. (وَسُنَّ أَنْ يُدْخَلَ) ، أَيْ: الْقَبْرَ (مَيِّتٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ بِأَنْ يُوضَعَ النَّعْشُ آخِرَ الْقَبْرِ، فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَيِّتِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ رِجْلَاهُ إذَا دُفِنَ، ثُمَّ يُسَلُّ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ سَلًّا رَفِيقًا، فَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ بِرَأْسِهِ (لَا بِرِجْلَيْهِ) ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» (إنْ كَانَ) ذَلِكَ (أَسْهَلَ) بِالْمَيِّتِ (وَإِلَّا) يَكُنْ إدْخَالُهُ، مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ أَسْهَلُ (فَ) يُدْخِلُهُ (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدْخَالُهُ مِنْهُ، إذْ الْمَقْصُودُ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ، (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَتْ الْكَيْفِيَّاتُ فِي السُّهُولَةِ؛ فَهُوَ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَمَنْ) مَاتَ (بِسَفِينَةٍ وَخِيفَ) بِإِبْقَائِهِ (فَسَادُهُ، يُلْقَى بِبَحْرٍ بَعْدَ) غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَ (تَثْقِيلِهِ بِشَيْءٍ) لِيَسْتَقِرَّ فِي قَرَارِ

стр. 901

الْبَحْرِ، وَيَكُونُ إلْقَاؤُهُ فِي الْبَحْرِ (كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ) ، وَإِنْ كَانُوا بِقُرْبِ السَّاحِلِ وَأَمْكَنَهُمْ دَفْنُهُ فِيهِ وَجَبَ. (وَ) سُنَّ (قَوْلُ مُدْخِلِهِ) الْقَبْرَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَإِنْ أَتَى) عِنْدَ إلْحَادِهِ (بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ يَلِيقُ) ، أَوْ قَرَأَ آيَةً نَحْوَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الْآيَةَ (فَلَا بَأْسَ) ، لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُلْحَدَ) مَيِّتٌ (عَلَى شِقٍّ أَيْمَنَ) ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ النَّائِمَ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ، (وَيُفْضَى بِخَدِّهِ لِلْأَرْضِ) ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ، (فَيُرْفَعُ الْكَفَنُ لِيُلْصَقَ) خَدُّهُ (بِهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: إذَا أَنَا مِتَّ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يُسْنَدُ خَلْفَهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَسْقُطَ عَلَى قَفَاهُ، (وَ) يُسْنَدَ (أَمَامُهُ بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَسْقُطَ) فَيَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ. (وَ) سُنَّ: أَنْ يُجْعَلَ (تَحْتَ رَأْسِهِ) شَيْءٌ لِيَرْتَفِعَ عَنْ الْأَرْضِ، (وَأَفْضَلُهُ لَبِنَةٌ) ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ (فَحَجَرٌ) ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ (فَتُرَابٌ) ، لِأَنَّهُ شِبْهُ الْمِخَدَّةِ لِلنَّائِمِ، وَلِئَلَّا يَمِيلَ رَأْسُهُ، (وَتُكْرَهُ مِخَدَّةٌ) تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ نَصًّا، لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ. (وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ. ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى: لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا، وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَهُ ﵇ إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (جَعْلُ

стр. 902

حَدِيدٍ فِيهِ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رِخْوَةٌ) تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ عَذَابٌ، لِأَنَّهُ آلَتُهُ. (وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - (الْقِبْلَةَ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ: " قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا " وَلِأَنَّهُ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ. (وَيَتَعَاهَدُ) مُلْحِدُهُ (خِلَالَ اللَّبِنِ بِسَدِّهِ بِمَدَرٍ وَنَحْوِهِ) كَأَحْجَارٍ صِغَارٍ، (ثُمَّ يُطَيِّنُ فَوْقَهُ) لِئَلَّا يُنْتَخَلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ. (وَسُنَّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ حَثْوُ تُرَابٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (ثَلَاثًا بِالْيَدِ ثُمَّ يُهَالُ) عَلَيْهِ التُّرَابُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فِيهِ: " فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى مَعْنَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَادَ: " وَهُوَ قَائِمٌ ". وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ جِبَالٌ مِنْ تُرَابٍ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِنَاءٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَفْنٍ. (وَ) سُنَّ (رَشُّهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِمَاءٍ) ، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. (وَ) سُنَّ (رَفْعُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» (وَ) سُنَّ (وَضْعُ حَصًى صِغَارٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ تُرَابِهِ) - أَيْ: الْقَبْرِ - لِئَلَّا يَنْدَرِسَ فَيُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ. (وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ) : أَيْ: مَنْ حَثَى التُّرَابَ حِينَ فِعْلِهِ (أَوَّلَ حَثْيَةٍ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَبِثَانِيَةٍ: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَبِثَالِثَةٍ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الْآيَةَ) ، أَيْ: يَقُولُ ذَلِكَ

стр. 903

إلَى آخِرِ الْآيَةِ، لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ الْحَالَ. (وَلَا) بَأْسَ (بِتَطْيِينِهِ) - أَيْ: الْقَبْرِ - لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ» ، أَيْ مَجْعُولٍ عَلَيْهَا الْحَصْبَاءُ. (وَ) لَا بَأْسَ بِ (تَعْلِيمِهِ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَكَلَوْحٍ) " لِفِعْلِهِ ﷺ بِقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَّمَهُ بِحَجَرٍ وُضِعَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ قَبْرَ أَخِي حَتَّى أَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتَسْنِيمُ) الْقَبْرِ (أَفْضَلُ) مِنْ تَسْطِيحِهِ، لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: رَأَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشْبَهَ بِبِنَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا، (إلَّا) مَنْ دُفِنَ (بِدَارِ حَرْبٍ) إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) إلَّا إذَا دُفِنَ بِدَارِ (عَدُوٍّ) وَخِيفَ نَبْشُهُ، وَالتَّمْثِيلُ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) مِنْهَا، (فَتَسْوِيَتُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِأَرْضٍ وَإِخْفَاؤُهُ أَوْلَى) مِنْ إظْهَارِهِ وَتَسْنِيمِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ عِلْمِ) دَافِنِيهِ (بِأَنَّ الْعَدُوَّ يَنْبُشُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرَ (يَجِبُ تَسْوِيَتُهُ وَإِخْفَاؤُهُ) صَوْنًا لَهُ عَنْ هَتْكِ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 904

(وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيمِ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي (الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (وَمُجَاوَرَةُ الصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ. (وَدَفْنٌ بِصَحْرَاءَ أَفْضَلُ) مِنْ دَفْنٍ بِعُمْرَانٍ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ، وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبِرُونَ فِي الصَّحَارَى، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ (سِوَى النَّبِيِّ ﷺ ) فَدُفِنَ بِبَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمَا رُوِيَ: " دَفْنُ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ يَمُوتُونَ " وَصِيَانَةً لَهُ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا) بِهِ. (وَلَمْ يُزَدْ) عَلَيْهِمَا (لِأَنَّ الْخَرْقَ) بِدَفْنِ غَيْرِهِمَا عِنْدَهُ (يَتَّسِعُ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) فَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا بِدْعِيٌّ ضَالٌّ. (فَمَنْ وَصَّى بِدَفْنِهِ بِدَارٍ) فِي مِلْكِهِ، (أَوْ) فِي (أَرْضٍ بِمِلْكِهِ؛ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) . لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَرَثَةِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، أَيْ: بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِ كُلَّمَا رَأَوْا الْقَبْرَ. لَا بِسَبَبِ تَصَرُّفِهِمْ، إذْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا. (وَيُدْفَنُ) مَيِّتٌ (بِمُسَبَّلَةٍ وَلَوْ

стр. 905

بِقَوْلِ بَعْضِ وَرَثَتِهِ) . لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا، وَلَا مِنَّةَ فِيهِ. (وَعَكْسُهُ الْكَفَنُ) . أَيْ فَيُكَفَّنُ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَكْفَانُ وَقْفٍ. (وَيُقَدَّمُ فِيهَا) ، أَيْ: الْمُسَبَّلَةِ عِنْدَ ضِيقٍ (بِسَبْقٍ) . لِأَنَّهُ سَبْقٌ إلَى مُبَاحٍ، (ثُمَّ) مَعَ تَسَاوٍ فِي سَبْقٍ؛ يُقَدَّمُ بِ (قُرْعَةٍ) ، لِأَنَّهَا لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ. (وَحَرُمَ حَفْرٌ فِيهَا) ، أَيْ: الْمُسَبَّلَةِ (قَبْلَ حَاجَةٍ) إلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ. (وَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ. (وَيَصِحُّ بَيْعُ) وَارِثٍ (مَا دُفِنَ فِيهِ) الْمَيِّتُ (مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ) ، أَيْ: يَصِيرُ (مَقْبَرَةً) نَصًّا، لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ، فَإِنْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةً: صَارَتْ وَقْفًا. [فَرْعٌ الدُّعَاءُ لِمَيِّتٍ عِنْدَ الْقَبْر بَعْدَ دَفْنِهِ] (فَرْعٌ: يُسَنُّ دُعَاءٌ لِمَيِّتٍ عِنْدَ قَبْرٍ بَعْدَ دَفْنِهِ وَاقِفًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ عَلِيُّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقِفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُسَوِّي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ نَزَلَ بِكَ صَاحِبُنَا، وَخَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ. وَالْأَخْبَارُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] مَعْنَاهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبِ النَّجَّارُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي

стр. 906

جِنَازَةٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقُمْنَا نَاحِيَتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ، وَانْقَضَى الدَّفْنُ؛ جَاءَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَخَذَ بِيَدِي، وَجَلَسَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك قُلْتَ فِي كِتَابِكَ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] وَقَرَأَ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ وَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مَا كَذَّبَ بِكَ، وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَاقْبَلْ شَهَادَتَنَا لَهُ، وَدَعَا لَهُ وَانْصَرَفَ. (وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ إذَنْ فَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِهِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ تُرَابٍ) عَلَيْهِ، (فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ، ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ نَسَبَهُ إلَى حَوَّاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ؛ فَلْيَقُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ ثَانِيَةً، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ، فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ؟ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِعِيِّ " وَلِلطَّبَرَانِيِّ

стр. 907

أَوْ لِغَيْرِهِ فِيهِ: " وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ " وَفِيهِ: " وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا " وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقِفُ الرَّجُلُ وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلُ الشَّامِ حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ؛ جَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ ذَاكَ، وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَلَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعُودُوا) ، لِأَنَّ الْخَبَرَ يُلْقُونَهُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ لِيَتَذَكَّرَ حُجَّتَهُ. (وَهَلْ يُلَقَّنُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ؟) وَجْهَانِ: وَهَذَا الْخِلَافُ (مَبْنِيٌّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ وَمَيْلُ جَمْعٍ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ: (لَا) يَنْزِلُ الْمَلَكَانِ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلَا يُلَقَّنُ، (وَفِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ. انْتَهَى. وَرَجَحَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْأَصْحَابِ النُّزُولَ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ " أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ التَّعْذِيبِ، فَقَدْ يَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى الْوَقْفَ فِيهِمْ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ عُقُوبَةَ الطِّفْلِ قَطْعًا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ، بَلْ الْمُرَادُ: الْأَلَمُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلٍ عَمِلَهُ، قَالَ: وَقَالَ الْآخَرُونَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ: السُّؤَالُ إنَّمَا

стр. 908

يَكُونُ لِمَنْ يَعْقِلُ الرَّسُولَ وَالْمُرْسِلَ، فَيُسْأَلُ: هَلْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَصَدَّقَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِوَجْهٍ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ وَلَوْ رُدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فِي الْقَبْرِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا السُّؤَالِ. (قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ حِينَ الذُّرِّيَّةِ) ، يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ سُؤَالُ تَكْرِيمٍ، وَسُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنْ ثَبَتَ فَهُوَ سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، كَمَا أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا الْبَعْضُ تَكْرِيمٌ، وَالْبَعْضُ امْتِحَانٌ وَنَكَالٌ. (وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَ) عَنْ (إقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ) حِينَ الذُّرِّيَّةِ، (وَاَللَّهُ) (أَعْلَمُ) [فَصْلٌ رَفْعُ الْقَبْر فَوْقَ شِبْرٍ] (كُرِهَ رَفْعُ قَبْرٍ فَوْقَ شِبْرٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَالْمُشْرِفُ: مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ ". (وَ) كُرِهَ (زِيَادَةُ تُرَابِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِلَا حَاجَةٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «نُهِيَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَ) كُرِهَ (تَزْوِيقُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (وَتَخْلِيقُهُ وَنَحْوُهُ) كَطَلْيِهِ بِمَغْرَةٍ وَزَعْفَرَانٍ. (وَتَجْصِيصُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَتَبْحِيرُهُ وَكِتَابَةُ رِقَاعٍ) وَإِرْسَالُهَا (إلَيْهِ وَدَسُّهَا فِيهِ، وَاسْتِشْفَاءٌ بِهِ مِنْ

стр. 909

سَقَمٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ (وَاتِّكَاءٌ إلَيْهِ وَمَبِيتٌ) عِنْدَهُ، (وَحَدِيثٌ) عِنْدَهُ (بِأَمْرِ دُنْيَا وَتَبَسُّمٌ عِنْدَهُ، وَضَحِكٌ أَشَدُّ) مِنْهُ كَرَاهَةً، (وَكِتَابَةٌ) عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. (وَجُلُوسٌ) عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) كُرِهَ (وَطْءٌ) عَلَيْهِ، لِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ» (وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ، يَعْنِي: الْمَشْيَ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِنَعْلٍ) ، لِلْخَبَرِ (حَتَّى بِالتُّمُشْكِ: بِضَمِّ تَاءٍ فَمِيمٍ) مَضْمُومَةٍ، (فَسُكُونِ شِينٍ) مُعْجَمَةٍ: نَوْعٌ مِنْ النِّعَالِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَهَا (بِخُفٍّ) لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلٍ، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ. (وَسُنَّ خَلْعُهُ) ، أَيْ: النَّعْلِ إذَا دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ، لِحَدِيثِ «بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَاحْتِرَامًا لِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (إلَّا خَوْفَ نَحْوِ نَجَاسَةٍ وَشَوْكٍ) وَحَرَارَةِ أَرْضٍ وَبُرُودَتِهَا، فَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ عَلَى الْقَبْرِ) ، لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوْصَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ " أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ

стр. 910

فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ "، وَلِأَنَّ الْخِيَامَ بُيُوتُ أَهْلِ الْبَرِّ، فَكُرِهَتْ كَمَا كُرِهَتْ بُيُوتُ أَهْلِ الْمُدُنِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ ،) وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَغْشِيَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي الدِّينِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) أَنْ يُكْسَى الْقَبْرُ (بِحَرِيرٍ) لِأَنَّهُ سَرَفٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُكْرَهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (سَوَاءٌ لَاصَقَ الْأَرْضَ أَوْ لَا، وَلَوْ فِي مِلْكِهِ مِنْ قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا، لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: " وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي) كِتَابِهِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ) فِي مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ ": (يَجِبُ هَدْمُ الْقِبَابِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ، لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ. انْتَهَى) . (وَهُوَ) ، أَيْ: الْبِنَاءُ (بِ) مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً) ، لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاسْتِعْمَالٌ لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ) ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ

стр. 911

أَنَّ الْأَشْهَرَ لَا يُمْنَعُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ فِي هَذَا مَا سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ: لَا تَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَ (هُوَ غَاصِبٌ) ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ: فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، وَكُلٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَ (قَالَ أَبُو حَفْصٍ: تَحْرُمُ الْحُجْرَةُ بَلْ تُهْدَمُ، وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِي الْمُسَبَّلَةِ (الصَّوَابُ) ، لِمَا يَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَحَرُمَ إسْرَاجُ قُبُورٍ) ، لِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ وَمُغَالَاةٌ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ. (وَكَذَا) يَحْرُمُ (طَوَافٌ بِهَا) ، أَيْ: الْقُبُورِ، (خِلَافًا لَهُ) ، لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) حَيْثُ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ. (وَحَرُمَ تَخَلٍّ) عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا، لِحَدِيثِ: «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقَبْرِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسْطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) حَرُمَ (جَعْلُ مَسْجِدٍ عَلَيْهَا وَبَيْنَهَا) ، أَيْ: الْقُبُورِ، لِلْخَبَرِ، (وَتَتَعَيَّنُ إزَالَتُهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": لَوْ وَضَعَ الْمَسْجِدَ وَالْقَبْرَ مَعًا؛ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ، وَلَا الصَّلَاةُ. (وَ) حَرُمَ (حَفْرُ) قَبْرٍ فَأَكْثَرَ (بِمُسَبَّلَةٍ قَبْلَ حَاجَةٍ) إلَيْهِ. (وَ) حَرُمَ (دَفْنُ حُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ مَعَ مَيِّتٍ) ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَ) حَرُمَ

стр. 912

(حَرْقُ مَالَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَتَكْسِيرُ نَحْوِ آنِيَةٍ) لَهُ كَآلَةِ صِنَاعَةٍ، وَتَعْطِيلُ مَحَلٍّ كَانَ يَسْكُنُهُ بِتَسْكِيرِهِ، أَوْ هَدْمِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ. (وَ) حَرُمَ (قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ) كَيَدِهِ وَنَحْوِهَا (وَإِحْرَاقُهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) ، أَيْ: بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، (وَلَا ضَمَانَ فِيهِ) عَلَى فَاعِلِهِ، لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ الْمُوصِي؛ لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَارِثِ، (وَلِوَلِيِّهِ) ، أَيْ: وَلِيِّ الْمَيِّتِ (الدَّفْعُ عَنْهُ) ، أَيْ: دَفْعُ مُرِيدِ فِعْلِ ذَلِكَ بِأَطْرَافِ الْمَيِّتِ أَوْ مَالِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، (وَإِنْ آلَ) الدَّفْعُ (لِإِتْلَافِ طَالِبِ) شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَتْلَفَهُ؛ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْوَلِيِّ كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ. (وَحَرُمَ دَفْنُ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (مَعَهُ أَوْ عَلَيْهِ) وَلَوْ كَانَ مَحْرَمًا لَهُ (حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ) ، أَيْ: الْأَوَّلَ (صَارَ تُرَابًا) ، فَيَجُوزُ نَبْشُهُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ وَالْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ، وَهُوَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْبَارِدَةِ، وَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا رَجَعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ فِيهِ عِظَامٌ لَمْ يَجُزْ دَفْنُ آخَرَ عَلَيْهِ نَصًّا، (إلَّا لِحَاجَةٍ) ، كَكَثْرَةِ مَوْتَى بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلْعُذْرِ، (وَسُنَّ حَجْزٌ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكْفِي الْكَفَنُ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُقَدَّمَ لِلْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ لِإِمَامٍ) لَوْ جُمِعَتْ

стр. 913

جَنَائِزُهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ «هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ جَعَلَ لَهُمْ شِبْهَ النَّهْرِ، وَجَعَلَ رَأْسَ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. (وَحَرُمَ عِمَارَةُ قَبْرٍ دَثَرَ) وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِلَى صَاحِبِهِ، (لِمَنْعِ دَفْنِ) النَّاسِ (فِيهِ) خُصُوصًا مَعَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ) مِنْ تَحْرِيمِ عِمَارَةِ قَبْرٍ دَثَرَ إذَا كَانَ (بِمُسَبَّلَةٍ) ، لِئَلَّا يُتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَفْرِ فِيهَا قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَإِذَا صَارَ الْمَيِّتُ تُرَابًا؛ جَازَ حَرْثُ قَبْرِهِ لِزَرْعٍ وَغَيْرِهِ) كَبِنَاءٍ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَالْمُرَادُ) بِقَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي: إذَا كَانَ الْقَبْرُ (بِغَيْرِ مُسَبَّلَةٍ) أَمَّا فِيهَا؛ فَلَا. (وَحَرُمَ دَفْنٌ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لَهُ، (وَيُنْبَشُ) مَنْ دُفِنَ بِهِ، وَيُخْرَجُ نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُنْبَشُ (وُجُوبًا) وَيُدْفَنُ فِي مُسَبَّلَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ إنْ أَذِنَ مَالِكُهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَجِبُ نَبْشُ مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ) وَقَدْ (أَمْكَنَ) تَغْسِيلُهُ قَبْلَ دَفْنِهِ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ، فَيُخْرَجُ وَيُغَسِّلُهُ، مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ، أَيْ: وَيَجِبُ نَبْشُ مَيِّتٍ إنْ كَانَ أَمْكَنَ تَيَمُّمُهُ وَدُفِنَ بِلَا (تَيَمُّمٍ) ، كَمَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) دُفِنَ بِلَا

стр. 914

(صَلَاةٍ) عَلَيْهِ فَيُخْرَجُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَضْجَعِهِ نَصًّا مَا لَمْ يُخْشَ تَفْسَخُهُ، لِأَنَّ مُشَاهَدَتَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَقْصُودَةٌ. (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (كَفَنٍ) ، فَيُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ نَصًّا اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا، لِعَدَمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عُرْيَانًا. (أَوْ) دُفِنَ (لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) ، فَيُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ (مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ، أَوْ) أَمْنِ (تَغَيُّرِهِ فِي الْجَمِيعِ) ، أَيْ: جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يُؤْمَنْ تَفَسُّخُهُ أَوْ تَغَيُّرُهُ؛ (صُلِّيَ عَلَيْهِ بِقَبْرٍ كَ) مَا يُصَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَكَذَا) يُنْبَشُ وُجُوبًا (إنْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ) وَيُرَدُّ الْكَفَنُ إلَى مَالِكِهِ إنْ تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ التَّضَرُّرِ بِدُونِهَا، (أَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَتَبْقَى مَالِيَّتُهُ) كَالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ، (وَطَلَبَهُ رَبُّهُ) لَمْ يُنْبَشْ، وَغَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَرَبِّهِ، (وَ) إنْ (تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) لِعَدَمِهَا؛ فَيُنْبَشُ (وَيُشَقُّ جَوْفُهُ) وَيُدْفَعُ الْمَالُ لِرَبِّهِ تَخْلِيصًا لِلْمَيِّتِ مِنْ إثْمِهِ. (قَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الْكَفَنَ (مَنْ كَفَّنَهُ) بِهِ (عَالِمًا) أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ، (وَ) إنْ كَانَ كَفَّنَهُ بِهِ (جَهْلًا) بِكَوْنِهِ مَغْصُوبًا؛ (فَالْقَرَارُ) ، أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ (عَلَى الْغَاصِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَ " الْحَاوِيَيْنِ " (وَ) إنْ بَلَعَهُ (بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنِ مَالِكِهِ أَخَذَهُ (إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالْإِذْنِ لَهُ، (أَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ) لَمْ يُنْبَشْ قَبْلَ أَنْ يَبْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) ، فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ

стр. 915

جَوْفُهُ، فَيُخْرَجُ وَيُوَفَّى دَيْنُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. (أَوْ وَقَعَ وَلَوْ بِفِعْلِ رَبِّهِ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا، وَطَلَبَهُ) رَبُّهُ؛ نُبِشَ وَأُخِذَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ؛ جَازَ أَنْ يَنْبُشَ. (وَيَجُوزُ نَبْشُ) مَيِّتٍ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ كَفَنٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) لِ (إبْدَالِ كَفَنٍ حَرِيرٍ) أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهِ. (وَ) يَجُوزُ نَبْشُهُ (لِإِفْرَادِ مَدْفُونٍ مَعَ غَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: " دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَ) يُنْبَشُ (مَدْفُونٌ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ وَحَنُوطٍ) ، فَيُغْسَلُ وَيُحَنَّطُ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) يُنْبَشُ مَيِّتٌ (مَدْفُونٌ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ) ، لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ (أَوْ لَحِقَتْهُ نَدَاوَةُ) الْأَرْضِ فَيُنْبَشُ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ وَلَهُ وَارِثٌ)
следующие страницы →