Полный текст (687 стр.). Показаны 666–687 · переход к 671.
стр. 666
الرَّابِعُ جُزْءُ جَدِّهِ وَهُمْ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْأَعْمَامُ لِأُمٍّ وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ ثُمَّ أَوْلَادُ هَؤُلَاءِ ثُمَّ جُزْءُ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَهُمْ عَمَّاتُ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ وَخَالَاتُهُمَا وَأَخْوَالُهُمَا وَأَعْمَامُ الْأَبِ لِأُمٍّ وَأَعْمَامُ الْأُمِّ وَبَنَاتُ أَعْمَامِهِمَا وَأَوْلَادُ أَعْمَامِ الْأُمِّ كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى، وَالسِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ فَابْنُ ابْنِ بِنْتِ أَخِيهَا مِنْ الصِّنْفِ الثَّالِثِ، وَالْبِنْتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ مِنْ الصِّنْفِ الرَّابِعِ فَلَا يُقَدَّمَانِ عَلَى الصِّنْفِ الثَّالِثِ قَالَ الشَّيْخُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى ذَكَرَ الشَّيْخُ رَضِيُّ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَرَائِضِهِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي وَإِنْ قَرُبَ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَإِنْ بَعُدَ وَكَذَا الثَّالِثُ مَعَ الثَّانِي، وَالرَّابِعُ مَعَ الثَّالِثِ قَالَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى. اهـ. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ تَقْدِيمِ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يُقَدَّمُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الرَّابِعِ عَلَى صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَافِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ مَعَ كَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ فِيهِ عَلَى رِوَايَةٍ قَوِيَّةٍ وَلَا ضَعِيفَةٍ. اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ خَالَةٍ لِأَبَوَيْنِ، وَعَنْ أَوْلَادِ أُخْتٍ شَقِيقَةٍ ذَكَرٍ وَثَلَاثِ إنَاثٍ، وَعَنْ ابْنِ عَمٍّ لِأُمٍّ وَخَلَّفَ تَرِكَةً مَنْ يَرِثُهَا مِنْ الْمَذْكُورِينَ؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُهُ أَوْلَادُ أُخْتِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ بِنْتِ عَمَّةٍ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتَيْ ابْنِ أُخْتٍ لِأُمٍّ مَنْ يَرِثُهُ مِنْهُنَّ؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُهُ بِنْتَا ابْنِ الْأُخْتِ لِأُمٍّ قَالَ الْعَلَائِيُّ وَأَوْلَادُهُمْ بِالْمِيرَاثِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ثُمَّ الرَّابِعُ كَتَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ وَهَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ لِلْفَتْوَى.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ ابْنِ ابْنِ أُخْتٍ، وَعَنْ عَمَّةٍ شَقِيقَةِ وَالِدِهِ فَمَنْ يَرِثُهُ؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُهُ ابْنُ ابْنِ أُخْتِهِ دُونَ عَمَّتِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الصِّنْفِ الثَّالِثِ وَهِيَ مِنْ الصِّنْفِ الرَّابِعِ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ بِنْتِ عَمَّةٍ وَعَنْ بِنْتَيْ خَالٍ وَخَلَّفَ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : لِبِنْتِ الْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ وَلِبِنْتَيْ الْخَالِ الثُّلُثُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ لَكِنْ اخْتَلَفَ حَيِّزُ قَرَابَتِهِمْ فَالثُّلُثَانِ لِمَنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ، وَالثُّلُثُ لِمَنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأُمِّ قَالَ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَيْسَ اسْتِحْقَاقُ الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَقِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ إنَّمَا هُوَ بِالْمُدْلَى بِهِ أَعْنِي الْأَبَ، وَالْأُمَّ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِمَا بِالْكَثْرَةِ، وَالْقِلَّةِ وَهُوَ سُؤَالُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ. اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِلسَّيِّدِ الشَّرِيفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَابْنِ خَالٍ هُوَ شَقِيقُ أُمِّهَا وَابْنِ خَالَةٍ وَثَلَاثِ بَنَاتِ خَالَةٍ أُخْرَى هُمَا أُخْتَا أُمِّ الْمَيِّتَةِ لِأُمٍّ فَمَنْ يَرِثُهَا؟
(الْجَوَابُ) : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِابْنِ الْخَالِ الشَّقِيقِ الْبَاقِي وَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي ذِمِّيٍّ هَلَكَ عَنْ بَنَاتِ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ، وَعَنْ بِنْتِ عَمٍّ عَصَبَةٍ، وَعَنْ خَالٍ وَخَالَةٍ، وَالْكُلُّ ذِمِّيُّونَ وَخَلَّفَ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : تُقْسَمُ بَيْنَ بَنَاتِ الْأَخَوَاتِ الْخَمْسَةِ الشَّقِيقَاتِ وَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِينَ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُلْتَقَى، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ بِنْتَيْ أُخْتٍ شَقِيقَةٍ، وَعَنْ ابْنِ ابْنِ بِنْتٍ، وَعَنْ ابْنِ خَالٍ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً مَنْ يَرِثُهَا؟
(الْجَوَابُ) : بِنْتُ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ مِنْ الصِّنْفِ الثَّالِثِ وَابْنُ ابْنِ الْبِنْتِ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَابْنُ الْخَالِ مِنْ الصِّنْفِ الْخَامِسِ وَأَهْلُ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ يُرَجَّحُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِقَرَابَةِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ وَإِنْ قَرُبَ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَإِنْ بَعُدَ وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُآخَذُ الْمُفْتَى بِهِ فَيَرِثُهَا ابْنُ ابْنِ بِنْتِهَا دُونَ مَنْ ذُكِرَ قَالَ الْعَلَائِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: وَيُرَجَّحُونَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ بِقُرْبِ الدَّرَجَةِ ثُمَّ بَعْدَهُ بِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي، وَإِنْ قَرُبَ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَإِنْ بَعُدَ وَكَذَا الثَّالِثُ مَعَ الثَّانِي، وَالرَّابِعُ مَعَ الثَّالِثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَمَا قَدَّمَهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَيْسَ
стр. 667
بِالْمُخْتَارِ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ فِي الْكَوَاكِبِ الْمُضِيئَةِ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُفْتَى بِهِ وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصِّنْفَ الثَّانِيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ. اهـ. وَقَوْلُهُمْ يُرَجَّحُونَ بِقُرْبِ الدَّرَجَةِ يَعْنِي يَحْجُبُ الْأَقْرَبُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ الْأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ فَقَطْ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَالْعَصَبَاتِ لَا أَنَّ الْأَقْرَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مَتْرُوكٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ هُوَ ابْنُ ابْنِ ابْنِ خَالِهَا الشَّقِيقِ، وَعَنْ بِنْتِ خَالَةٍ لِأُمٍّ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِبِنْتِ الْخَالَةِ لِأُمٍّ النِّصْفُ الْبَاقِي لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ ابْنِ عَمَّةٍ لِأَبَوَيْنِ، وَعَنْ بِنْتِ خَالَةٍ لِأُمٍّ وَخَلَّفَ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : حَيْثُ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَاخْتَلَفَ حَيِّزُ قَرَابَتِهِمَا فَلِابْنِ الْعَمَّةِ لِأَبَوَيْنِ الثُّلُثَانِ وَلِبِنْتِ الْخَالَةِ لِأُمٍّ الثُّلُثُ وَلَا اعْتِبَارَ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ هُوَ ابْنُ خَالِهَا لِأَبَوَيْنِ، وَعَنْ ابْنٍ وَبِنْتِ خَالٍ آخَرَ لِأَبَوَيْنِ، وَعَنْ ابْنَيْ خَالٍ آخَرَ لِأَبَوَيْنِ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : حَيْثُ اتَّفَقَتْ صِفَةُ الْأُصُولِ ذُكُورَةً يُعْتَبَرُ أَبْدَانُ الْفُرُوعِ اتِّفَاقًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي شُرُوحِ السِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ شَرْعًا مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلزَّوْجِ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ابْنَيْ الْخَالِ وَابْنِ الْخَالِ الْآخَرِ سَهْمَانِ وَلِبِنْتِ الْخَالِ سَهْمٌ وَاحِدٌ.
(أَقُولُ) إنَّمَا كَانَ لِلزَّوْجِ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا لِأَنَّ لَهُ النِّصْفَ بِكَوْنِهِ زَوْجًا وَلَمَّا كَانَ ابْنَ خَالٍ أَيْضًا شَارَكَ أَوْلَادَ الْخَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَصَارَتْ رُءُوسُهُمْ بِالْبَسْطِ تِسْعَةً فَاحْتَجْنَا إلَى أَقَلِّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ وَنِصْفُهُ مُنْقَسِمٌ عَلَى تِسْعَةٍ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لَا غَيْرُ فَأَخَذَ الزَّوْجُ تِسْعَةً بِالزَّوْجِيَّةِ وَاثْنَيْنِ بِالْقَرَابَةِ الرَّحِمِيَّةِ وَإِنْ قُسِمَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَخْرَجِ الْقِيرَاطِ حَصَلَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَثُلُثَا قِيرَاطٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْخَالِ الْبَاقِينَ قِيرَاطًا وَثُلُثَا قِيرَاطٍ وَلِبِنْتِ الْخَالِ قِيرَاطٌ وَاحِدٌ وَثُلُثُ قِيرَاطٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ ثَلَاثَةِ أَبْنَاءِ خَالٍ لِأَبَوَيْنِ أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا، وَعَنْ بِنْتِ بِنْتِ عَمٍّ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : لِزَوْجِهَا النِّصْفُ فَرْضًا، وَالنِّصْفُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَيْهِ بِالسَّوِيَّةِ فَيَصِيرُ لَهُ الثُّلُثَانِ وَلِأَخَوَيْهِ الثُّلُثُ وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ بِنْتِ الْعَمِّ حَيْثُ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْ أَوْلَادِ الْخَالِ.
(أَقُولُ) وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ وَنِصْفُهُ مُنْقَسِمٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ بِنْتَيْنِ وَابْنِ أَخٍ شَقِيقٍ، وَعَنْ بِنْتَيْ ابْنٍ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ الشَّقِيقِ وَهُوَ لَا يَعْصِبُ بِنْتَيْ الِابْنِ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحِذَائِهِنَّ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ يَعْصِبُهُنَّ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُدَقِّقُ الْعَلَائِيُّ الْبُخَارِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلسِّرَاجِيَّةِ الْمُسَمَّى بِالتَّحْقِيقِ
(أَقُولُ) ابْنُ الْأَخِ لَا يَعْصِبُ أُخْتَهُ وَلَا مَنْ هِيَ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ أَسْفَلُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ يَعْصِبُ بِنْتَيْ الِابْنِ وَلَيْسَ ابْنُ الْأَخِ بِالْمُعَصَّبِ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ فَوْقَهُ فِي النَّسَبِ نَعَمْ ابْنُ الِابْنِ يَعْصِبُ بِنْتَ الِابْنِ إذَا كَانَتْ بِحِذَائِهِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ فَرْضٍ فَيَعْصِبُهَا أَخُوهَا كَالْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ يَعْصِبُهَا أَخُوهَا لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ بِنْتِ الْأَخِ فَإِنَّهَا لَا فَرْضَ لَهَا فَلَا يَعْصِبُهَا أَحَدٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ لَا فَرْضَ لَهَا مِنْ الْإِنَاثِ لَا تَصِيرُ عَصَبَةً بِأَخِيهَا وَتَمَامُهُ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ أُخْتٍ شَقِيقَةٍ وَأَخٍ لِأَبٍ فَكَيْفَ تُقْسَمُ تَرِكَتُهُ؟
(الْجَوَابُ) : لِلْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفُ وَلِلْأَخِ لِأَبٍ الْبَاقِي لِأَنَّ الشَّقِيقَةَ إنَّمَا تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ أَخِيهَا الشَّقِيقِ لَا مَعَ الْأَخِ لِأَبٍ بَلْ يُفْرَضُ لَهَا مَعَهُ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(أَقُولُ) أَيْ لِأَنَّ الشَّقِيقِيَّةَ أَقْوَى مِنْهُ
стр. 668
فِي النَّسَبِ فَلَا تَتْبَعُهُ فِي التَّعْصِيبِ بَلْ تَأْخُذُ فَرْضَهَا كَمَا فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَعْصِبُ الْأُخْتَ لِأَبٍ أَخٌ شَقِيقٌ بَلْ يَحْجُبُهَا لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهَا إجْمَاعًا. اهـ. فَلْتَحْفَظْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِهَا وَإِنْ فَهِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ وَقَدْ أَخْطَأَ فِيهَا بَعْضُهُمْ وَنَظَمَهَا الْعَلَّامَةُ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمُسَمَّاةِ تُحْفَةُ الْأَقْرَانِ فَقَالَ:
وَلَا تَرِثُ أُخْتٌ لَهُ مِنْ الْأَبِ ... مَعَ صِنْوِهِ الشَّقِيقِ فَاحْفَظْ تُصِبْ
وَنَقَلَ فِي شَرْحِهَا عَنْ الْجَوَاهِرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ظَنَّ أَنَّ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. اهـ. .
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ إخْوَةٍ لِأَبٍ، وَعَنْ أُمٍّ حَامِلٍ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ تَدَّعِي الْأُمُّ أَنَّ الْحَمْلَ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَأَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا وَأَخْبَرَ النِّسَاءُ بِذَلِكَ فَهَلْ يَرِثُ السُّدُسَ لَوْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا بِاعْتِبَارِ إخْبَارِ النِّسَاءِ بِذَلِكَ وَدَعْوَةِ الْأُمِّ ذَلِكَ أَوْ لَا؟
(الْجَوَابُ) : الَّذِي تَحَرَّرَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ التَّنْقِيرِ عَلَيْهَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَحْقِيقًا مِنْ يَوْمِ مَوْتِ الْمَيِّتِ وَكَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ عَنْهُ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ وَإِنْ جَاءَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ لِأَنَّ وُجُودَهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ حِينَ الْمَوْتِ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَهُ فَلَا يَرِثُ لِلشَّكِّ إلَّا أَنْ تُقِرَّ الْوَرَثَةُ بِوُجُودِهِ حِينَ الْمَوْتِ أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يَرِثُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَمَّا كَوْنُهَا ادَّعَتْ وُجُودَهُ وَأَخْبَرَ النِّسَاءُ بِذَلِكَ فَلَمْ نَرَ لَهُ نَقْلًا، وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي عَدَمَ فَائِدَةِ إخْبَارِهِنَّ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّ إخْبَارَهُنَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَدْسِ، وَالتَّخْمِينِ وَهُمَا لَا يَقْتَضِيَانِهِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّيَقُّنِ وَلَمْ يُوجَدْ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الْوَلَدِ بَعْدَهُ فَإِنَّ الْمُدَّةَ تَحْتَمِلُهُ وَمَا ظَنَّ كَوْنَهُ حَبَلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَفْخًا أَوْ رِيحًا وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ فَإِنَّهُ يَرِثُ إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ وَإِخْبَارُ النِّسَاءِ لَهُ أَثَرٌ فِي إيقَافِ حِصَّةٍ لِلْحَمْلِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ لَا فِي الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَتَوْرِيثِهِ قَالَ فِي النَّوَازِلِ: لَوْ تَرَكَ ابْنَيْنِ وَامْرَأَةً فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ تُعْرَضُ الْمَرْأَةُ عَلَى ثِقَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ حَتَّى يَمَسَّ جَنْبَهَا فَإِنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَمْلِ قَسَمَ مِيرَاثَهُ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا يُوقِفُ نَصِيبَ ابْنٍ. اهـ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ إخْبَارِ النِّسَاءِ وَدَعْوَى الْحَامِلِ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ وَتَأْخِيرَ حِصَّةٍ لِلْحَمْلِ فَقَطْ لِأَجْلِ إرْثِهِ.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ فِي فَصْلِ الْحَمْلِ يَرِثُ وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ وُجُوهٌ فَيَرِثُ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ فَلَا يَرِثُ فَيُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِالْوِلَادَةِ احْتِيَاطًا فَإِنْ وُلِدَ إلَى سَنَتَيْنِ حَيًّا وَرِثَ لِأَنَّهُ عُرِفَ وُجُودُهُ وَإِنْ احْتَمَلَ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَكِنْ جُعِلَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْمَوْتِ حُكْمًا حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُهُ لِقِيَامِ الْفِرَاشِ فِي الْعِدَّةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ الْمَيِّتِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَيِّتِ كَمَا إذَا مَاتَ وَأُمُّهُ حَامِلٌ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَزَوْجُهَا حَيٌّ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَرِثُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَرِثُ بِالشَّكِّ إلَّا أَنْ تُقِرَّ الْوَرَثَةُ بِحَمْلِهَا يَوْمَ الْمَوْتِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَشَرْحِ السِّرَاجِيَّةِ لِلسَّيِّدِ فِي فَصْلِ الْحَمْلِ وَمَفْهُومُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ تَحَقُّقَ وُجُودِ الْحَمْلِ لَا يَحْصُلُ إلَّا إذَا جَاءَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يَرِثُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَرِثُ بِالشَّكِّ إلَّا أَنْ تَعْتَرِفَ الْوَرَثَةُ بِحَمْلِهَا يَوْمَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَبِنْتَيْنِ وَأَبٍ وَخَلَّفَتْ تَرِكَةً كَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ شَرْعًا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا عَائِلَةً لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْبِنْتَيْنِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْأَبِ السُّدُسُ عَائِلًا سَهْمَانِ وَإِرْثُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ السُّدُسُ فَقَطْ وَمَنْ أَفْتَى
стр. 669
بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَدْ سَهَا وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْعَوْلِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَكِنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ، وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ، وَفِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ مَذْكُورَةٌ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(سُئِلَ) فِي صَغِيرٍ مَاتَ عَنْ أَبٍ وَجَدَّةٍ أُمِّ أَبٍ وَجَدَّةٍ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ وَخَلَّفَ تَرِكَةً مَنْ يَرِثُهَا؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُ الْأَبُ فَقَطْ لِأَنَّ الْجَدَّةَ لِأَبٍ مَحْجُوبَةٌ بِالْأَبِ، وَالْجَدَّةَ أُمِّ أُمِّ الْأُمِّ مَحْجُوبَةٌ بِأُمِّ الْأَبِ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ وَارِثٍ مَعْرُوفٍ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ هُوَ ابْنُ ابْنِ خَالَتِهِ وَخَلَّفَ تَرِكَةً عَارَضَ فِيهَا رَجُلٌ آخَرُ يُرِيدُ الِاخْتِصَاصَ بِهَا زَاعِمًا أَنَّ الْمُتَوَفَّى كَانَ أَقَرَّ أَنَّ الرَّجُلَ ابْنُ عَمَّتِهِ وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِهَا لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِنَسَبٍ عَلَى الْغَيْرِ لَمْ يَثْبُتْ بِوَجْهٍ مِنْ الْأَوْجُهِ الْمُقَرَّرَةِ فَهَلْ حَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ يُمْنَعُ الْمُعَارِضُ وَيُقَدَّمُ الْمَعْرُوفُ نَسَبُهُ الثَّابِتُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
(الْجَوَابُ) : حَيْثُ كَانَ الْحَالُ مَا ذُكِرَ يُمْنَعُ الْمُعَارِضُ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ وَيُقَدَّمُ الْمَعْرُوفُ نَسَبُهُ الثَّابِتُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي التَّنْوِيرِ، وَالْمُلْتَقَى فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَإِقْرَارِ الْمَرِيضِ قَالَ الْبَاقَانِيُّ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلِلْمُقِرِّ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ فَالْإِرْثُ لِلْعَمَّةِ، وَالْخَالَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ فَلَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ نَسَبُهُ سُئِلَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ مَاتَ عَنْ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ، وَعَنْ ابْنِ ابْنِ عَمٍّ عَصَبَةً ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَأَخَذَ الْأَخَوَاتُ الثُّلُثَيْنِ وَابْنُ ابْنِ الْعَمِّ الثُّلُثَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَثْبَتَ أَنَّهُ عَمُّ زَيْدٍ الْمَيِّتِ أَخُو، وَالِدِهِ لِأَبِيهِ وَهُوَ وَأَبُو زَيْدٍ وَلَدَا أَبٍ وَاحِدٍ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِحِصَّتِهِ فِي عَيْنِ التَّرِكَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ الْأَخَوَاتِ ثُلُثَ مَا تَنَاوَلْنَ وَيَأْخُذُ مِنْ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ الْمَحْجُوبِ ثُلُثَ مَا تَنَاوَلَهُ ثُمَّ تَرْجِعُ الْأَخَوَاتُ عَلَى ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ بِثُلُثِ مَا تَنَاوَلَهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ مِنْهُ، وَعَنْ أُخْتٍ شَقِيقَةٍ، وَعَنْ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَخَلَّفَ تَرِكَةً تَدَّعِي الزَّوْجَةُ أَنَّ فِيهَا أَمْتِعَةً مَعْلُومَةً مَلَّكَهَا الزَّوْجُ وَوَهَبَهَا لَهَا وَسَلَّمَهَا مِنْهَا فِي صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ وَأَنَّهَا قَبِلَتْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا وَكَيْفَ تُقْسَمُ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الِانْتِقَالِ إلَيْهَا مِنْهُ بِالْهِبَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَدَائِعِ، وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا وَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ شَرْعًا مِنْ ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ لِلزَّوْجَةِ مِنْ ذَلِكَ الثُّمُنُ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَظْهَرَ حَالُ الْحَمْلِ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ ذَكَرٌ يَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّهُ يُوقَفُ لِلْحَمْلِ نَصِيبُ ابْنٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ أَوْ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَيَكْفُلُونَ احْتِيَاطًا كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَائِيُّ فَعَلَى هَذَا يُوقَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصِيبُ ذَكَرٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أُنْثَى فَلَهَا النِّصْفُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ، وَالْبَاقِي وَقَدْرُهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِلْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَصَبَةً بِالْبِنْتِ لِقَوْلِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ اجْعَلُوا الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً وَلَا شَيْءَ لِأَخَوَيْهِ لِأَبٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي الْبَدَائِعِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ اشْتَرَاهُ فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ سَقَطَ قَوْلُهَا لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالْمِلْكِ لِزَوْجِهَا ثُمَّ ادَّعَتْ الِانْتِقَالَ إلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ الِانْتِقَالُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ. اهـ. وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا اشْتَرَتْهُ مِنْهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى شِرَائِهِ كَانَ كَإِقْرَارِهَا بِشِرَائِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَيْهَا مِنْهُ بِهِبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ اسْتِمْتَاعُهَا بِمُشْرِيهِ وَرِضَاهُ بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَلَّكَهَا ذَلِكَ كَمَا تَفْهَمُهُ النِّسَاءُ، وَالْعَوَامُّ وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِذَلِكَ مِرَارًا. اهـ. كَلَامُ الْبَحْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَقُولُ) وَكَتَبْتُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْبَحْرِ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْبَدَائِعِ سُقُوطُ قَوْلِهَا وَلَوْ كَانَ مَا تَدَّعِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ثِيَابِ الْكِسْوَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الزَّوْجِ
стр. 670
تَأَمَّلْ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا وَقَعَ سَقْفُ بَيْتٍ عَلَى زَوْجَيْنِ ذِمِّيَّيْنِ وَمَاتَا وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا وَخَلَّفَا تَرِكَةً وَلِلزَّوْجَةِ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ مُؤَخَّرُ صَدَاقٍ مَعْلُومٍ فَكَيْفَ الْحُكْمُ؟
(الْجَوَابُ) : لَا يَرِثُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَيُقْسَمُ مَالُ كُلٍّ عَلَى وَرَثَتِهِ دُونَ الزَّوْجِيَّةِ وَتَأْخُذُ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ مُؤَخَّرَ الصَّدَاقِ مِنْ تَرِكَةِ الزَّوْجِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي عَتِيقٍ مَاتَ عَنْ زَوْجَةِ مُعْتَقِهِ، وَعَنْ أُخْتٍ مُعْتَقِهِ، وَعَنْ أُمِّ مُعْتَقِهِ، وَعَنْ ابْنِ أَخِي مُعْتَقِهِ لِأَبَوَيْنِ وَخَلَّفَ تَرِكَةً مَنْ يَرِثُهُ؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُهُ ابْنُ أَخِي مُعْتَقِهِ الْعَصَبَةُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي مُدَبَّرٍ مَاتَ عَنْ أُمٍّ لَهُ مُعْتَقَةٍ، وَعَنْ سَيِّدِهِ وَكَانَ بِيَدِهِ مَالٌ فَهَلْ يَكُونُ مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ وَلَا تَرِثُ أُمُّهُ مِنْهُ شَيْئًا؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا مَاتَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ أَبْنَاءٍ مُسْلِمِينَ مُتَوَطِّنِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَعَنْ أُمٍّ مُسْلِمَةٍ مُتَوَطِّنَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَخَلَفَ تَرِكَةً فَهَلْ يَرِثُهُ الْجَمِيعُ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ؟
(الْجَوَابُ) : يَرِثُهَا جَمِيعُ أَوْلَادِهِ وَأُمُّهُ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارِ مَانِعٌ فِي حَقِّ الْكَفَرَةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْإِرْثُ وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالنُّصْرَةِ وَلَا يَنْتَصِرُ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَلَكِنْ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكُفْرِ لَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْهِنْدِ أَوْ التُّرْكِ يَرِثُ. اهـ. وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي الْمِنَحِ فَرَاجِعْهَا.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ أُمُّهُ حُرَّةُ الْأَصْلِ مَاتَ عَنْ أَخٍ وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ لَا غَيْرُ وَخَلَّفَ تَرِكَةً وَيَزْعُمُ زَيْدٌ أَنَّ الْمُتَوَفَّى ابْنُ ابْنِ مُعْتَقِ أَبِيهِ وَأَنَّهُ يَرِثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْأُخْتَيْنِ، وَالْأَخِ بِطَرِيقِ الْوَلَاءِ فَهَلْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةَ الْأَصْلِ وَتَرِكَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِإِخْوَتِهِ لِأُمِّهِ أَثْلَاثًا وَلَا عِبْرَةَ بِزَعْمِ زَيْدٍ؟
(الْجَوَابُ) : يَخْتَصُّ بِتَرِكَتِهِ إخْوَتُهُ لِأُمِّهِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَرْضًا وَرَدًّا الذَّكَرُ مِثْلُ الْأُنْثَى فَإِنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةَ الْأَصْلِ فَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى وَلَدِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْتَقًا لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ، وَالْحُرِّيَّةِ وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَى أُمِّهِ فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ أَيْضًا، وَفِي الْعَلَائِيِّ مِنْ الْوَلَاءِ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا مَاتَ رَجُلٌ عَنْ بِنْتٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ، وَعَنْ ابْنِ عَمٍّ عَصَبَةٍ وَلَهُ جَارِيَةٌ كَانَ أَعْتَقَهَا فِي صِحَّتِهِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهَا لِابْنِ الْعَمِّ الْعَصَبَةِ دُونَ الْبِنْتِ، وَالْأُخْتِ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ (أَقُولُ) أَيْ لِأَنَّ الْعَتِيقَ إنَّمَا يَرِثُهُ مُعْتِقُهُ وَعَصَبَةُ مُعْتِقِهِ الْمُعْتَصِبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا تَرِثُهُ بِنْتُ الْمُعْتِقِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَصَبَةً وَلَا الْأُخْتُ وَإِنْ كَانَتْ تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا عَصَبَةٌ مَعَ الْغَيْرِ لَا عَصَبَةٌ بِنَفْسِهَا هَذَا.
وَقَدْ كَتَبْتُ فِي حَاشِيَتِي رَدِّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مَا نَصُّهُ " تَنْبِيهٌ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْمُعْتِقِ وَعَصَبَتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَصَبَةِ الْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ، بَيَانُهُ امْرَأَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَابْنٍ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَالْمِيرَاثُ لِابْنِهَا لِأَنَّهُ عَصَبَتُهَا فَلَوْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ الْعَتِيقِ فَلَا مِيرَاثَ لِزَوْجِهَا لِأَنَّهُ عَصَبَةُ عَصَبَتِهَا وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا ثُمَّ الْعَبْدُ أَعْتَقَ آخَرَ ثُمَّ الْآخَرُ أَعْتَقَ آخَرَ وَمَاتَ الْعَتِيقُ الثَّالِثُ وَتَرَكَ عَصَبَةَ الْمُعْتَقِ الْأَوَّلِ.
فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ عَصَبَةِ عَصَبَةِ الْمُعْتَقِ لَكِنْ لَا لِذَلِكَ بَلْ لِأَنَّ الْعِتْقَ الْأَوَّلَ جَرَّ وَلَاءَ هَذَا الْمَيِّتِ فَيَرِثُهُ عَصَبَةُ الْعَتِيقِ الْأَوَّلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُعْتَقِ الْأَوَّلِ لِلْحَدِيثِ. اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْوَلَاءِ. اهـ. فَاحْفَظْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ السَّنِيَّةَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهَا فِي الْكُتُبِ الْفَرْضِيَّةِ وَقَدْ أَخَّرْت مَسَائِلَ الْإِرْثِ بِالْعَتَاقَةِ رَجَاءَ أَنْ يُعْتِقَ الْمَوْلَى الْغَفَّارُ رَقَبَةَ عَبِيدِهِ أَسِيرِ الذُّنُوبِ، وَالْأَوْزَارِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَأَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ بِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ وَأَهْلِهِ وَمَنْ كَانَ السَّبَبُ فِي جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي فَاقَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَوْنِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا حَوَاهُ مِنْ تَحْرِيرِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ، وَالْوَقَائِعِ الْمُعْضِلَةِ بِحَيْثُ صَارَ نُزْهَةً لِلنَّاظِرِينَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَذَا وَقَدْ خَتَمَ الْمُؤَلِّفُ كِتَابَهُ بِذِكْرِ
стр. 671
مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي مَحَلَّاتِهَا وَذَكَرَ فَوَائِدَ مُتَفَرِّقَةً كَعَادَةِ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَذَكَرَ أَيْضًا كَثِيرًا مِنْهَا فِي الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ فَانْتَخَبْتُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْئًا مُهِمًّا خَتَمْتُ بِهِ هَذَا الْكِتَابَ تَتْمِيمًا لِلْفَوَائِدِ عَلَى الطُّلَّابِ وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ كِتَابَ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ هُنَا لِيَنْتَظِمَ شَمْلُ مَا تَفَرَّقَ مِنْ تِلْكَ الْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمَحَلَّيْنِ.
[مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ شَتَّى مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
(مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ شَتَّى مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) (سُئِلَ) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ الْعَزِيزُ وَنَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - وَهُمْ سَاكِنُونَ فِي دُورِهِمْ قُرْبَ قَرْيَةٍ مُشْتَغِلُونَ بِالصَّلَوَاتِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ فِيهَا فِلَاحَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَرَاضِي وَقْفٍ وَعَلَى أَهَالِي الْقَرْيَةِ دُيُونٌ قَدِيمَةٌ وَحَدِيثَةٌ قَامَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يُكَلِّفُونَ الْجَمَاعَةَ دَفْعَ شَيْءٍ مِنْ الدُّيُونِ الْمَرْقُومَةِ بِدُونِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَلَا كَفَالَةٍ لِذَلِكَ وَإِلَى دَفْعِ غَرَامَاتٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ عَلَيْهِمْ شَرْعًا وَلَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ دَفْعُهَا فِي الْقَدِيمِ وَيَقْصِدُونَ أَذِيَّتَهُمْ بِذَلِكَ فَكَيْفَ الْحُكْمُ؟
(الْجَوَابُ) : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ: لَيْسَ لَهُمْ طَلَبُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيُمْنَعُونَ مِنْ مُعَارَضَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُمْ دَفْعُ شَيْءٍ غَيْرِ لَازِمٍ عَلَيْهِمْ شَرْعًا وَتَحْرُمُ أَذِيَّتُهُمْ لَا سِيَّمَا وَهُمْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ هَذَا السَّيِّدِ الْجَلِيلِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَصَلَاحُ الْآبَاءِ يَنْفَعُ الْأَبْنَاءَ قَالَ اللَّهُ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] فَيُحْتَرَمُونَ كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ خُصُوصًا لِأَجْلِ جَدِّهِمْ الَّذِي كَرَامَاتُهُ شَهِيرَةٌ فِي طَيِّ الْكُتُبِ مَنْشُورَةٌ وَمِمَّنْ تَرْجَمَهُ جَدِّي الْمَرْحُومُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمُحَقِّقُ الْهُمَامُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا الرَّوْضَةَ الرَّيَّا فِيمَنْ دُفِنَ فِي دَارَيَّا.
وَذَكَرَ لَهُ مَنَاقِبَ كَثِيرَةً وَكَرَامَاتٍ مُنِيرَةً مِنْ جُمْلَتِهَا مَا رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَالْإِمَامُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ وَالْحَافِظُ، ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ تَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ فَأَرْسَلَ إلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ فَأُتِيَ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: مَا أَسْمَعُ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: مَا أَسْمَعُ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: نَعَمْ فَرَدَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا وَهُوَ يُجِيبُهُ بِمَا ذَكَرَ ثُمَّ أَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ وَأُلْقِي فِيهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ فَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ انْفِهِ مِنْ بِلَادِك وَإِلَّا أَفْسَدَ عَلَيْك مَنْ اتَّبَعَك فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِ فَارْتَحَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَأَتَى الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنَاخَ أَبُو مُسْلِمٍ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَامَ يُصَلِّي إلَى سَارِيَةٍ فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ مِمَّنْ الرَّجُلُ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ مَا فَعَلَ الَّذِي أَحْرَقَهُ الْكَذَّابُ بِالنَّارِ فَقَالَ ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ فَقَالَ أَنْشُدُك اللَّهَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ فَاعْتَنَقَهُ ثُمَّ بَكَى وَذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا وَبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ، وَالْقَرَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(سُئِلَ) فِي بَيْطَارٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا فِي سُوقٍ مُلَازِقَةٍ لِحَانُوتِ بَيْطَارٍ آخَرَ لِيُبَاشِرَ أَمْرَ الصِّنَاعَةِ فِيهَا وَيُرِيدُ الْآخَرُ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ بِدُونِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَهَلْ لَيْسَ لَهُ مُعَارَضَتُهُ وَلَا مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ بَنَى حَانُوتًا بِجَنْبِ حَانُوتِ غَيْرِهِ فَكَسَدَتْ الْأُولَى بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ شَرْحُ التَّنْوِيرِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا بَعَثَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي
стр. 672
شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى مَسْجِدٍ شَرِيفٍ مِقْدَارًا مِنْ الشَّمْعِ الْعَسَلِيِّ لِيُوقَدَ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاسْتِصْبَاحِ فَاحْتَرَقَ وَبَقِيَ مِنْهُ مِقْدَارٌ قَلِيلٌ، وَالْعُرْفُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ صَرِيحِ الْإِذْنِ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّافِعِ فَأَخَذَهُ الْإِمَامُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْعُرْفُ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي الْبَحْثِ الثَّانِي مِنْ الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ مَا نَصُّهُ وَمِنْهَا مَا فِي وَقْفِ الْقُنْيَةِ بَعَثَ شَمْعًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى مَسْجِدٍ فَاحْتَرَقَ وَبَقِيَ مِنْهُ ثُلُثُهُ أَوْ دُونَهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّافِعِ وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْمُؤَذِّنَ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ صَرِيحِ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَقُولُ) هَذَا إذَا لَمْ يُوجَدْ نَهْيٌ صَرِيحٌ مِنْ الدَّافِعِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالثُّلُثِ وَمَا دُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسَامِحُ بِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ تَأَمَّلْ وَبَقِيَ هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ الشَّمْعُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمَنُ الْوَاقِفِ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ فِي زَمَنِهِ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا سَأَلْنَا عَنْهَا فِي شَمْعِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ لَهُ وَقْفٌ مُرَتَّبٌ خَاصٌّ بِهِ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ عَلَى الْجَامِعِ يَأْخُذُ الْفَاضِلَ فِي آخِرِ السَّنَةِ لَكِنْ الَّذِي يَبْقَى شَيْءٌ كَثِيرٌ لَهُ قِيمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ ثُمَّ تَذَكَّرْت أَنِّي قَدَّمْت عَنْ الْمُؤَلِّفِ سُؤَالًا فِي ذَلِكَ ذَكَرْته فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَصَرَّفَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ بِأَخْذِ بَاقِي الشَّمْعِ وَرَضِيَ الْوَاقِفُ بِذَلِكَ فَأَفْتَى الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْآنَ مِنْ أَخْذِهِ وَاسْتَدَلَّ بِعِبَارَةِ الْقُنْيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ الْقَدِيمُ تَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا وَعَدَ زَيْدٌ عَمْرًا أَنْ يُعْطِيَهُ غِلَالَ أَرْضِهِ الْفُلَانِيَّةِ فَاسْتَغَلَّهَا وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْغَلَّةِ شَيْئًا فَهَلْ يَلْزَمُ زَيْدًا شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الْوَعْدِ الْمَزْبُورِ؟
(الْجَوَابُ) : لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِوَعْدِهِ شَرْعًا وَإِنْ وَفَّى فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ وَتَفْصِيلُهَا فِي حَوَاشِيهِ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَيَخْتَلِي بِهَا مُتَعَلِّلًا بِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا فِي مَصَالِحِهَا وَيَمْنَعُهُ أَبُوهَا مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِتَعَلُّلِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ إلَّا لِمُلَازَمَةِ مَدْيُونَةٍ هَرَبَتْ وَدَخَلَتْ خَرِبَةً، وَفِيمَا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، وَفِيمَا إذْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ. اهـ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا زَوَّجَ زَيْدٌ بِنْتَهُ مِنْ عَمْرٍو تَزْوِيجًا شَرْعِيًّا وَلِزَيْدٍ أُمٌّ وَزَوْجَةٌ هِيَ أُمُّ الْبِنْتِ الْمَزْبُورَةِ وَلَهُ جِوَارٌ فَهَلْ يَجُوزُ لِعَمْرٍو الْمَرْقُومِ النَّظَرُ إلَى الْمَذْكُورَاتِ إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؟
(الْجَوَابُ) : يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْمَحَارِمِ وَكُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ كَأُمِّ زَوْجَتِهِ وَجَدَّتِهَا إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ إلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ وَحُكْمُ أَمَةِ غَيْرِهِ فِي النَّظَرِ حُكْمُ مَحَارِمِهِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوَاضِعَ الزِّينَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الشَّهْوَةَ لَا يَنْظُرُ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّنْوِيرِ، وَالْمِنَحِ وَغَيْرِهِمَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي الرَّجُلِ هَلْ يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ رِضَاعًا إلَى وَجْهِهَا وَرَأْسِهَا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ مِنْهُمَا؟
(الْجَوَابُ) : لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ مَحَارِمِهِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ كَالرَّضَاعِ إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ، وَالسَّاقِ، وَالْعَضُدِ بِشَرْطِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ مِنْهُمَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ فَمَنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى الرِّجْلِ فَقَدْ قَصَّرَ كَمَا فِي الْعَلَائِيِّ عَنْ ابْنِ كَمَالٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُلْتَقَى، وَالْمِنَحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ فَصْلٍ فِي النَّظَرِ مِنْ بَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
(سُئِلَ) فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَيْدٌ جَارِيَةً وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اشْتَرَى جَارِيَةً أُخْرَى لِلتَّسَرِّي فَزَعَمَتَا أَنَّهُمَا أُخْتَانِ فَكَيْفَ الْحُكْمُ؟
(الْجَوَابُ) : إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمَا صَادِقَتَانِ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِحُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نِكَاحًا وَوَطْئًا بِمِلْكِ يَمِينٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 673
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعَنَّ مَاءً فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمَا كَاذِبَتَانِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي التَّسَرِّي بِهِمَا عَلَى مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ بِيرِيٌّ زَادَهْ فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ بِمَا نَصُّهُ " خُلِفَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَتَيْنِ زَعَمَتَا أَنَّهُمَا أُخْتَانِ فَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمَا صَادِقَتَانِ فَلَا يَقْرَبُهُمَا وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمَا كَاذِبَتَانِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا فِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) فِي مُؤَذِّنِ جَامِعٍ يُؤَذِّنُ فِي مَنَارَتِهِ وَيُبَلِّغُ لِإِمَامِهِ فِي صَلَوَاتِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ مُتَعَمِّمٌ بِشَدٍّ مِنْ حَرِيرٍ عَلَى رَأْسِهِ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِ؟
(الْجَوَابُ) : يَحْرُمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَلَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ كِتَابِ الْعِيدَيْنِ قَالَ «لَقِيَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا فِي الْعِيدِ وَالْوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك قُلْتُ إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَأَرْسَلْت إلَيَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَك» . اهـ. الْإِسْتَبْرَقُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ الدِّيبَاجِ وَالدِّيبَاجُ الثِّيَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ عَيْنِيٌّ.
(سُئِلَ) فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ مِنْ جَمَاعَةٍ عِدَّةَ آلَاتٍ مُعَدَّةً لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ يُسَمُّونَهَا بِالْمَنَاقِلِ وَالطَّابِ وَالدَّكِّ لِأَجَلِ اللَّعِبِ بِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ دَفَعَهَا لِلْمُؤَجِّرِينَ وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْمَأْجُورِ يُعَارِضُ وَيُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُؤَجِّرِينَ بِنَظِيرِ الْأُجْرَةِ الْمَدْفُوعَةِ لَهُمْ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، وَالْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ؟
(الْجَوَابُ) : نَعَمْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةَ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مَحْظُورَةَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ، وَقَالَ فِي الْمُلْتَقَى بَعْدَ ذِكْرِ كَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَيَصِحُّ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَالَا لَا يَضْمَنُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
قَالَ فِي الْكَافِي لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ فَبَطَلَ تَقَوُّمُهَا كَالْخَمْرِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ. اهـ. وَالْإِجَارَةُ، وَالْبَيْعُ أَخَوَانِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْمَعَاصِي وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْدُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ شَرْعًا كَاسْتِئْجَارِ الْإِنْسَانِ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَكَاسْتِئْجَارِ الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ لِلْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ بِخِلَافِ الِاسْتِئْجَارِ لِكِتَابَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ عَنْهُ نَفْسُ الْغِنَاءِ، وَالنَّوْحِ لَا كِتَابَتُهُمَا بَدَائِعُ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَفِيهَا أَيْضًا وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْإِمَاءِ لِلزِّنَا لِأَنَّهَا إجَارَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ شِئْت أَفْرَدْت لِجِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ شَرْطًا وَخَرَّجْتهَا عَلَيْهِ فَقُلْت: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةَ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مَحْظُورَةَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ. اهـ.
(سُئِلَ) الْعَلَّامَةُ الْجَدُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ عَنْ السَّمَاعِ بِمَا صُورَتُهُ فِيمَا إذَا سَمِعَ مِنْ الْآلَاتِ الْمُطْرِبَةِ كَالْيَرَاعِ وَغَيْرِهِ وَمَا لِذَلِكَ شَبِيهٌ هَلْ ذَلِكَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرِيعَةِ، وَالْحَقِيقَةِ وَهَلْ لِذَلِكَ سَبِيلٌ وَإِلَى سَمَاعِهِ طَرِيقَةٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) الْمَوْلَى الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ الْغَفُورِ: قَدْ حَرَّمَهُ مَنْ لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ لِصِدْقِ مَقَالِهِ وَأَبَاحَهُ مَنْ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ حَالِهِ فَمَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ شَيْئًا مِنْ نُورِ الْمَعْرِفَةِ فَلْيَتَقَدَّمْ وَإِلَّا فَرُجُوعُهُ عَمَّا نَهَاهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ عَنْهُ أَحْكَمُ وَأَسْلَمُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ كَتَبَهُ الْفَقِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ الْمُفْتِي بِدِمَشْقِ الشَّامِ عُفِيَ عَنْهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ الشَّرِيفِ مَا صُورَتُهُ سُئِلَ الْمُنْلَا مُصْلِحُ الدِّينِ اللَّارِيُّ الْعَالِمُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ حِينَئِذٍ مُقِيمٌ بِحَلَبِ عَنْ جَوَازِ جَمْعِ الدُّفِّ، وَالشَّبَّابَةِ، وَالسَّمَاعِ
(فَأَجَابَ) أَنَّ كُلًّا مِنْهَا مُبَاحٌ فَاجْتِمَاعُهَا أَيْضًا مُبَاحٌ
стр. 674
مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: أَنَّ أَفْرَادَ الْمُبَاحَاتِ وَمَجْمُوعَهَا عَنْ السَّوَاءِ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ الْمَجْمُوعُ مَحْظُورًا لَا يَتَضَمَّنُهُ الْآحَادُ قَالَ قَدْ وَقَعَ الْمَنْعُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَأَفْتَى جَدِّي بِالْجَوَازِ وَصَحَّحَ فَتْوَاهُ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ مُعَاصِرِيهِ بِبِلَادِ فَارِسَ ثُمَّ نَقَلَ فَتْوَى جَدِّهِ بِطُولِهَا وَنَقَلَ قَوْلَ الْعَارِفِينَ وَتَحْرِيمَ النَّوَوِيِّ الشَّبَّابَةَ، وَقَالَ وَلَمْ يُقِمْ النَّوَوِيُّ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ نَقَلَ تَصْحِيحَ الْجَلَالِ الدَّوَانِي فَتْوَى جَدِّهِ ثُمَّ كَلَامَ الدَّوَانِي فِي شَرْحِ الْهَيَاكِلِ حَيْثُ قَالَ الْإِنْسَانُ يَسْتَعِدُّ بِالْحَرَكَاتِ الْعِبَادِيَّةِ الْوَضِيعَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلشَّوَارِقِ الْقُدْسِيَّةِ بَلْ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ التَّجْرِيدِ قَدْ يُشَاهِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ طَرَبًا قُدْسِيًّا مُزْعِجًا فَيَتَحَرَّكُونَ بِالرَّقْصِ، وَالتَّصْفِيقِ، وَالدَّوَرَانِ وَيَسْتَعِدُّونَ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ لِشُرُوقِ أَنْوَارٍ أُخَرَ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الْحَالُ عَنْهُمْ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كَمَا عَلَيْهِ تَجَارِبُ السَّالِكِينَ وَذَلِكَ سِرُّ السَّمَاعِ وَأَصْلُهُ الْبَاعِثُ لِلْمُتَأَهِّلِينَ عَلَى وَضْعِهِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَعْيَانِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ: إنَّهُ قَدْ يَنْفَتِحُ لِلسَّالِكِينَ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ مَا لَا يَنْفَتِحُ فِي الْأَرْبَعِينَاتِ. اهـ.
وَقَدْ أَفْتَى أَيْضًا مُصْلِحٌ الْمَذْكُورُ بِإِبَاحَةِ الرَّقْصِ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ التَّثَنِّي، وَالتَّكَسُّرِ. اهـ. قُلْت، وَالْحَقُّ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ أَنْ يُتْبَعَ وَأَحْرَى أَنْ يُدَانَ بِهِ وَيُسْتَمَعَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْبِدَعِ حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهُ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَلَمْ يَقُلْ بِحِلِّهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ الْمُجْتَهِدِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ قَالَ الْأُسْتَاذُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ وَنَاهِيك بِهِ مِنْ كِتَابٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى السَّمَاعِ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنْهُ بِمَا هُوَ حَقُّ التَّحْقِيقِ وَلُبُّ اللُّبَابِ وَإِنْ أَنْصَفَ الْمُنْصِفُ وَتَفَكَّرَ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الزَّمَانِ وَقُعُودِ الْمُغَنِّي بِدُفِّهِ، وَالْمُشَبِّبِ بِشَبَّابَتِهِ وَتَصَوَّرَ فِي نَفْسِهِ هَلْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الْجُلُوسِ، وَالْهَيْئَةِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
وَهَلْ اسْتَحْضَرُوا أَقْوَالًا وَقَعَدُوا مُجْتَمَعِينَ لِاسْتِمَاعِهِ لَا شَكَّ بِأَنْ يُنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ تُطْلَبُ مَا أَهْمَلُوهَا فَمَنْ يُشِيرُ بِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ تُطْلَبُ وَيُجْتَمَعُ لَهَا لَمْ يَحْظَ بِذَوْقِ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ وَيَسْتَرْوِحُ إلَى اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَثِيرٌ يَغْلَطُ النَّاسُ بِهَذَا كُلَّمَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّلَفِ الْمَاضِينَ يَحْتَجُّ بِالْمُتَأَخِّرِينَ فَكَانَ السَّلَفُ أَقْرَبَ إلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَدْيُهُمْ أَشْبَهَ بِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَكُرِهَ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ، وَالْمُزَعْفَرِ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ لِلرِّجَالِ وَلَا بَأْسَ لِلنِّسَاءِ بِسَائِرِ الْأَلْوَانِ تَنْوِيرٌ مِنْ الْحَظْرِ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا لِلرِّجَالِ الْأَحْمَرُ وَالْمُعَصْفَرُ وَقِيلَ تَنْزِيهًا عَلَائِيٌّ عَلَى الْمُلْتَقَى وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ كَرَاهِيَةَ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ الْأَحْمَرِ لِلرِّجَالِ. اهـ. وَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَشَرْحِ النُّقَايَةِ لِأَبِي الْمَكَارِمِ الْحَنَفِيِّ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيَةِ لَكِنْ صَرَّحَ صَاحِبُ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ بِالْحُرْمَةِ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ كَذَا فِي الْمِنَحِ وَمِثْلُهُ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي، وَفِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَيُكْرَهُ الْأَحْمَرُ وَالْمُعَصْفَرُ لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَيُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، وَالْمُعَصْفَرِ قَالَ ﵊ «إيَّاكُمْ، وَالْحُمْرَةَ فَإِنَّهَا زِيُّ الشَّيْطَانِ» وَلِأَنَّهَا كِسْوَةُ النِّسَاءِ وَيُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ. اهـ. وَلِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ فَتْوَى مُفَصَّلَةٌ طَوِيلَةٌ فِي حُرْمَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْكَازَرُونِيِّ، وَفِي الذَّخِيرَةِ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ نَهْيَ الرِّجَالِ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَلْبَسَ الْمُعَصْفَرَ لِيُحَبِّبَ نَفْسَهُ إلَى النِّسَاءِ وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ مُطْلَقًا فَقَدْ جَاءَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ فَإِنَّهَا لُبْسُ الشَّيْطَانِ» تَتَارْخَانِيَّةٌ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْفَصْلِ الْعَاشِرِ فِي اللِّبَاسِ، وَنَقَلَ الْأَنْقِرَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ الْكَرَاهِيَةِ فِي كِتَابِ الْكَسْبِ عَنْ الْوَجِيزِ هَكَذَا
стр. 675
وَيُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ وَالْمُعَصْفَرِ. اهـ. وَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ لِأَبِي الْمَكَارِمِ الْحَنَفِيِّ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ كَمَا تَقَدَّمَ يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيَةِ (قُلْت) مَرْجِعُ نَقْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ إلَى الزَّاهِدِيِّ فِي مُجْتَبَاهُ وَحَاوِيهِ وَنَقْلُ الزَّاهِدِيِّ لَا يُعَارِضُ نَقْلَ الْمُعْتَبَرَاتِ النُّعْمَانِيَّةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ يَعْنِي الزَّاهِدَيَّ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ نَقْلٌ مِنْ غَيْرِهِ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا، وَفِي الرَّسَائِلِ الزَّيْنِيَّةِ فِي رِسَالَةِ رَفْعِ الْغِشَاءِ عَنْ وَقْتَيْ الْعَصْرِ، وَالْعِشَاءِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِنُقُولِ الْفَتَاوَى إذَا عَارَضَهَا نَقُولُ الْمَذْهَبُ إنَّمَا يُسْتَأْنَسُ بِمَا فِي الْفَتَاوَى إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُخَالِفُهَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَفِي الرَّسَائِلِ الزَّيْنِيَّةِ أَيْضًا وَلَا يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ مِنْ الْكُتُبِ الْغَرِيبَةِ. اهـ.
وَاَلَّذِينَ اخْتَارُوا الْكَرَاهَةَ الْأَكْثَرُ فَسَقَطَ بِهَذَا مَا قَالَهُ الشرنبلالي فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي لُبْسِ الْأَحْمَرِ مِنْ جَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ عَنْ الْأَكْمَلِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ النَّصُّ عَلَى لُبْسِ الْأَحْمَرِ بَلْ لَيْسَ الْمُعَصْفَرُ وَعِبَارَتُهُ هَكَذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ فِي لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ أَفْضَلُ. اهـ. فَأَيْنَ النَّصُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ، وَقَوْلُ الْكَمَالِ كَانَ ﵊ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا خُطُوطًا حُمْرًا وَخُضْرًا كَمَا تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَمَا نَقَلَهُ الشرنبلالي عَنْ الْعَيْنِيِّ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ جَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فَذَاكَ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطُ لَا مِنْ حَيْثُ نَقْلُ الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَنَاقِلُ الْكَرَاهَةِ كَثِيرٌ بَلْ أَكْثَرُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا نَقَلَهُ الشرنبلالي نَفْسُهُ فِي شَرْحِ إمْدَادِ الْفَتَّاحِ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ وَمِمَّا نَقَلَ الْكَرَاهَةَ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ وَالتَّنْوِيرِ وَالْمُلْتَقَى، وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَالْوَجِيزِ وَأَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَصَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ فِي تُحْفَةِ الْمُلُوكِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَنَصَّ فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْحُرْمَةِ أَيْضًا وَعِبَارَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ الشرنبلالي فِي رِسَالَتِهِ وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ، وَالْمُعَصْفَرِ. اهـ. عَلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِ اتِّبَاعُ مَذْهَبِ إمَامِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ لَا مَا نَقَلَهُ أَبُو الْمَكَارِمِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَكِتَابُهُ كَذَلِكَ والقهستاني كَجَارِفِ سَيْلٍ وَحَاطِبِ لَيْلٍ خُصُوصًا وَاسْتِنَادُهُ إلَى كُتُبِ الزَّاهِدِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ فَكَانَ الْأَلْيَقُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ الِاخْتِلَافُ يُوصِلُهُ إلَى الْكَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ التَّحْرِيمُ كَمَا قِيلَ وَهَذِهِ عُجَالَةٌ سَمَحَ لِي بِهَا الْفَيَّاضُ الْعَلِيمُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْحَمَوِيَّ مِحَشِّي الْأَشْبَاهِ نَقَلَ فِي حَاشِيَتِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ رَوَى الْبَيْهَقِيّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ» وَهِيَ كَمَا فِي فَتْحٍ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنْ الْيَمَنِ فِيهِمَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ لَا أَنَّهَا حَمْرَاءُ بَحْتٌ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْبُرْدَةِ أَحَدَهُمَا بِدَلِيلِ نَهْيِهِ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ وَتَعَارَضَا فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَتَعَارَضَا بِالْحَمْلِ الْمَذْكُورِ. اهـ.
[فَائِدَةٌ وَضْعُ السُّتُورِ وَالْعَمَائِمِ وَالثِّيَابِ عَلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ الْأَوْلِيَاءِ]
(فَائِدَةٌ) وَضْعُ السُّتُورِ، وَالْعَمَائِمِ، وَالثِّيَابِ عَلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ الْأَوْلِيَاءِ كَرِهَهُ الْفُقَهَاءُ حَتَّى قَالَ فِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ: وَتُكْرَهُ السُّتُورُ عَلَى الْقُبُورِ. اهـ. وَلَكِنْ نَحْنُ الْآنَ نَقُولُ إنْ كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ التَّعْظِيمَ فِي أَعْيُنِ الْعَامَّةِ حَتَّى لَا يَحْتَقِرُوا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ، وَالْعَمَائِمُ وَلِجَلْبِ الْخُشُوعِ، وَالْأَدَبِ لِقُلُوبِ الْغَافِلِينَ الزَّائِرِينَ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ نَافِرَةٌ عِنْدَ الْحُضُورِ فِي التَّأَدُّبِ بَيْنَ يَدَيْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَدْفُونِينَ فِي تِلْكَ الْقُبُورِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُضُورِ رُوحَانِيَّتِهِمْ الْمُبَارَكَةِ عِنْدَ قُبُورِهِمْ فَهُوَ أَمْرٌ جَائِزٌ لَا يَنْبَغِي النَّهْيُ عَنْهُ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً عَلَى
стр. 676
خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَلَكِنْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إجْلَالَ الْبَيْتِ حَتَّى قَالَ فِي مِنْهَاجِ السَّالِكِينَ: " وَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ الرُّجُوعِ الْقَهْقَرَى بَعْدَ الْوَدَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ وَلَا أَثَرٌ مَحْكِيٌّ وَقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُنَا. . . إلَخْ. اهـ. مِنْ كَشْفِ النُّورِ عَنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ آمِينَ.
[فَائِدَةٌ فِي تَيْسِيرِ الْوُقُوفِ]
(فَائِدَةٌ)
فِي تَيْسِيرِ الْوُقُوفِ لِلْمُنَاوِيِّ مِنْ آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ عُلَمَاءَ بَغْدَادَ مَنَعُوا فِي بَعْضِ السِّنِينَ تَعْلِيمَ الْأَطْفَالِ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا شَخْصًا وَاحِدًا كَانَ مَوْصُوفًا بِالصَّلَاحِ، وَالْخَيْرِ فَاسْتَثْنَوْهُ مِنْ الْمَنْعِ وَاسْتَفْتَوْا الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَالْقُدُورِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرَهُمَا فَأَفْتَوْا بِاسْتِثْنَائِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْمُصْطَفَى ﷺ أَمَرَ بِسَدِّ كُلِّ خَوْخَةٍ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَاسُوا اسْتِثْنَاءَهُمْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ دَقِيقٌ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ. اهـ.
[فَائِدَةٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْأَمْوَاتِ]
(فَائِدَةٌ)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْأَمْوَاتِ يَنْفَعُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] ، وَقَوْلِهِ ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ» وَقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» وَاخْتَلَفُوا فِي وُصُولِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إذَا قَالَ الْقَارِئُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْته إلَى فُلَانٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِلُ لِأَنَّهُ مَا هُوَ مِنْ سَعْيِ الْمَيِّتِ، وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا سَعَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِلُ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَهُ» ، وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ سَبْعٌ يَجْرِي ثَوَابُهَا لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَرَسَ نَخْلًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ كَتَبَ مُصْحَفًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مِنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ آخِرَ الْهِبَةِ قُبَيْلَ الْوَقْفِ.
وَفِي الْإِتْقَانِ لِلسُّيُوطِيِّ: الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ اجْتَمَعُوا عَلَى وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَمَذْهَبُنَا خِلَافُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] . اهـ.
سُئِلَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ عَمَّنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْته أَوْ مِثْلَ ثَوَابِ مَا قَرَأْته زِيَادَةً فِي شَرَفِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا مَعْنَى الزِّيَادَةُ مَعَ كَمَالِهِ ﷺ
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) : هَذَا مُخْتَرَعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْقُرَّاءِ لَا أَعْرِفُ لَهُمْ سَلَفًا فِيهِ وَلَكِنْ هُوَ لَيْسَ بِمُحَالٍ كَمَا تَخَيَّلَهُ السَّائِلُ فَقَدْ وَرَدَ فِي رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا. . . إلَخْ، فَلَعَلَّ الْمُخْتَرِعَ الْمَذْكُورَ قَاسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ لَحَظَ أَنَّ مَعْنَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ أَنْ تُتَقَبَّلَ قِرَاءَتُهُ فَيُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَإِذَا أُثِيبَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ مِنْ الطَّاعَاتِ كَانَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ نَظِيرُ أَجْرِهِ وَلِلْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الشَّارِعُ ﷺ جَمِيعُ ذَلِكَ فَهَذَا مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي شَرَفِهِ وَإِنْ كَانَ شَرَفُهُ مُسْتَقِرًّا حَاصِلًا وَإِذَا عُرِفَ هَذَا عُرِفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الدَّاعِي اجْعَلْ مِثْلَ ثَوَابِ ذَلِكَ تَقَبَّلْ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِيَحْصُلَ مِثْلُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا قَوْلُهُ: اجْعَلْ ثَوَابَ ذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ مِثْلَ فَلَهُ أَصْلٌ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ «عَنْ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَجْعَلُ لَك صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: إذًا تُكْفَى هَمَّك» .
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا الدُّعَاءُ وَقِيلَ: الصَّلَاةُ حَقِيقَةٌ، وَالْمُرَادُ نَفْسُ ثَوَابِهَا. اهـ. مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالدُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ حَجَرٍ، وَفِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ وَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْآنَ مِنْ سُؤَالِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَصِّلَ مِثْلَ ثَوَابِ مَا يَقْرَءُونَ إلَى النَّبِيِّ ﵊ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِمْ حَسَنٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ كَمَا بَيَّنْته فِي إفْتَاءٍ طَوِيلٍ غَيْرِ هَذَا، وَالْأَوْلَى لِلْقَارِئِ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ، وَالِدَيْهِ وَلَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَتَفْضِيلُ أَحَدِهِمَا لَكِنَّ الْأَبَ أَوْلَى أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
стр. 677
وَفَرَّقَهُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفَقَةِ بِأَنَّ الْمَلْحَظَ مِنْ الزَّكَاةِ التَّطْهِيرُ، وَالْأَبُ أَحَقُّ وَمِنْ النَّفَقَةِ الْحَاجَةُ، وَالْأُمُّ أَحْوَجُ وَكَذَا يُقَالُ فِي الصَّدَقَةِ. اهـ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالسُّبْكِيِّ وَالْبَازِرِيِّ وَبَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ كَابْنِ عَقِيلٍ تَبَعًا لِعَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ وَكَانَ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ وَلِأَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إهْدَاءَ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لَهُ ﵊ الَّذِي هُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْمُجِيزِينَ وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ يُمْنَعُ وَابْنُ الْعَطَّارِ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ وَقَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ لَا يُرْوَى عَنْ السَّلَفِ وَنَحْنُ بِهِمْ نَفْتَدِي ثُمَّ قَالَ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ بَلْ بِاسْتِحْبَابِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ الدُّنْيَا وَلِمَا طَلَبَ الدُّعَاءَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَحَثَّ الْأُمَّةَ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْوَسِيلَةِ عِنْدَ الْأَذَانِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّبَعْت وَإِنْ فَعَلْت فَقَدْ قِيلَ بِهِ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ الْجَزَرِيِّ وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ الْأَحْوَطُ التَّرْكُ مِنْ كَنْزِ الرَّاغِبِينَ لِلْبُرْهَانِ النَّاجِي مُلَخَّصًا.
[فَائِدَةٌ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ]
(فَائِدَةٌ)
مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا يُفْعَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبُلْدَانِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ الْكَثِيرَةِ الْعَظِيمَةِ السَّرَفِ فِي لَيَالٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ السَّنَةِ كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُضَاهَاةُ الْمَجُوسِ فِي الِاعْتِنَاءِ بِالنَّارِ فِي الْإِكْثَارِ مِنْهَا وَمِنْهَا إضَاعَةُ الْمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ وَمِنْهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ مِنْ اجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ وَأَهْلِ الْبَطَالَةِ وَلَعِبِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ وَامْتِهَانِهِمْ الْمَسَاجِدَ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا وَحُصُولِ أَوْسَاخٍ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَجِبُ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْهَا شَرْحُ الْمُهَذَّبِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصَرَّحَ أَئِمَّتُنَا الْأَعْلَامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى سِرَاجِ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ إسْرَافًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ مِنْ بَابِ الطَّعَامِ وَأَلْوَانِهِ مَا نَصُّهُ " كَانَتْ سُنَّةُ السَّلَفِ أَنْ يُقَدِّمُوا جُمْلَةَ الْأَلْوَانِ دَفْعَةً لِيَأْكُلَ مَا يَشْتَهِيهِ. اهـ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَلْوَانِ جُمْلَةً مِنْ سُنَّةِ السَّلَفِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْأَرْوَامُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَلْوَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ لَوْنَيْنِ» فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَا كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ لَوْنَيْنِ فِي لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ مِنْ الْبَابِ الْمَزْبُورِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا كَانَ يَجْتَمِعُ لَوْنَانِ فِي لُقْمَةٍ فِي فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ كَانَ لَحْمًا لَمْ يَكُنْ خُبْزًا وَإِنْ كَانَ خُبْزًا لَمْ يَكُنْ لَحْمًا» . اهـ. (فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) لِلْعَيْنِيِّ مِنْ كِتَابِ الْعِيدَيْنِ مِنْ بَابِ الْحِرَابِ، وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَمَّا الْغِنَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّهْوِ، وَاللَّعِبِ الْمَذْمُومِ بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا مَا يَسْلَمُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَجُوزُ الْقَلِيلُ مِنْهُ فِي الْأَعْرَاسِ، وَالْأَعْيَادِ وَشِبْهِهِمَا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمُهُ وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِرَاقِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ وَسَمَاعِهِ بِآلَةٍ وَبِغَيْرِ آلَةٍ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ غِنَاءَ الْجَارِيَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ إلَّا فِي وَصْفِ الْحَرْبِ، وَالشَّجَاعَةِ وَمَا يَجْرِي فِي الْقِتَالِ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ ﵊ فِيهِ وَأَمَّا الْغِنَاءُ الْمُعْتَادُ الَّذِي يُحَرِّكُ السَّاكِنَ وَيُهَيِّجُ الْكَامِنَ الَّذِي فِيهِ وَصْفُ مَحَاسِنِ الصِّبْيَانِ، وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَا اعْتِبَارَ لِمَا أَبْدَعَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ الصُّوفِيَّةِ فَإِنَّك إذَا تَحَقَّقْتَ أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَرَأَيْت أَفْعَالَهُمْ وَقَفْتَ عَلَى آثَارِ الزَّنْدَقَةِ مِنْهُمْ
وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الدُّفِّ أَتَكْرَهُهُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ لِمِثْلِ الْمَرْأَةِ فِي مَنْزِلِهَا، وَالصَّبِيِّ
(قَالَ) : لَا أَكْرَهُهُ وَأَمَّا الَّذِي يَجِيءُ مِنْهُ اللَّعِبُ الْفَاحِشُ، وَالْغِنَاءُ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ إلَى أَنْ قَالَ أَيْ الْعَيْنِيُّ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَثْرَةُ التَّنْغِيمِ وَإِخْرَاجُ الْإِنْشَادِ عَنْ وَجْهِهِ إلَى مَعْنَى
стр. 678
التَّطْرِيبِ بِالْأَلْحَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْإِنْشَادَ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مُشَابَهَتَهُ الزَّمْرَ بِمَا كَانَ فِي الْغِنَاءِ الَّذِي فِيهِ اخْتِلَافُ النَّغَمَاتِ وَطَلَبُ الْإِطْرَابِ فَهُوَ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ وَقَطْعُ الذَّرِيعَةِ فِيهِ أَحْسَنُ وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الْإِنْشَادِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ حَتَّى لَا يَخْفَى مَعْنَى الْبَيْتِ وَمَا أَرَادَهُ الشَّاعِرُ بِشَعْرِهِ فَغَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ رَخَّصَ فِي غِنَاءِ الْأَعْرَابِ وَهُوَ صَوْتٌ كَالْحِدَاءِ يُسَمَّى النَّصَبُ إلَّا أَنَّهُ رَقِيقٌ. اهـ.
[فَائِدَةٌ يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ]
(فَائِدَةٌ)
فِي الْبَزَّازِيَّةِ يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ لَا بِوَجْهِهِ لَا بِوَجْهِهِ إلَّا بِوَجْهِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَدَرِّبِ الْمُتَدَبِّرِ، وَالْمُتَتَبِّعِ الْمُتَّجِرِ أَنَّ فِي هَذَا إيمَاءً إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ تُضْرَبُ الدَّابَّةُ عَلَى النِّفَارِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَى الْعِثَارِ وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: أَوَّلًا لَا بِوَجْهِهِ عَائِدٌ إلَى الضَّرْبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ضَارِبٌ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أَيْ الْعَدْلُ فَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ أَيْ يُنْهَى عَنْ ضَرْبِهِ حَالَ كَوْنِ ضَرْبِهِ لَا عَلَى وَجْهِهِ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّارِعُ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ عَلَى الْعِثَارِ مَثَلًا لِأَنَّ الْعِثَارَ مِنْ سُوءِ إمْسَاكِ الرَّاكِبِ اللِّجَامَ لَا مِنْ الدَّابَّةِ فَيُنْهَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ عَنْ ضَرْبِهِ وَقَوْلُهُ: ثَانِيًا لَا بِوَجْهِهِ أَيْ لَا يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّرْبِ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّارِعُ بِأَنْ كَانَ ضَرَبَهُ عَلَى النِّفَارِ مَثَلًا لِأَنَّ النِّفَارَ مِنْ سُوءِ خُلُقِ الدَّابَّةِ فَتُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ثَانِيًا لَا بِوَجْهِهِ عَائِدٌ إلَى الضَّرْبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِضَارِبٍ أَيْضًا وَقَدْ أَشْبَهَ هَذَا النَّفْيُ مِنْ النَّفْيِ مَا وَقَعَ فِي الْكَافِيَةِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ حَيْثُ قَالَ: فَيُطَابِقُ فِيهِمَا مَا قَصَدَ إلَّا إذَا كَانَ جِنْسًا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْأَنْوَاعَ وَقَوْلُهُ إلَّا بِوَجْهِهِ الضَّمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ إلَى الْحَيَوَانِ، وَالْمُرَادُ بِهِ حِينَئِذٍ الْعُضْوُ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ النَّفْيِ الثَّانِي الَّذِي دَلَّ مَفْهُومُهُ عَلَى عَدَمِ مُخَاصَمَةِ ضَارِبِ الْحَيَوَانِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مَثَلًا عَلَى النِّفَارِ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّارِعُ أَيْ لَا تَجُوزُ مُخَاصَمَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ لَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ عُضْوِهِ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ الضَّرْبِ عَلَى الْوَجْهِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي قَصَدَهُ صَاحِبُ الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ عِبَارَتِهِ الَّتِي أَغْرَبَ فِيهَا وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا كَذَا رَأَيْته بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ.
قَالَ فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ بَرِئَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا بِاجْتِهَادٍ لِمَا وَضَحَ لَهُ مِنْ دَلِيلِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحِجَجِ لَمْ يَكُنْ مَلُومًا وَلَا مَذْمُومًا بَلْ كَانَ مَأْجُورًا مَحْمُودًا وَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْهُ وَهَكَذَا أَفْعَالُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَانْتَقَلَ مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَكِنْ لِمَا يَرْغَبُ مِنْ غَرَضِ الدُّنْيَا وَشَهْوَتِهَا فَهُوَ مَذْمُومٌ آثِمٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلتَّأْدِيبِ، وَالتَّعْزِيرِ لِارْتِكَابِهِ الْمُنْكَرَ فِي الدِّينِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِدِينِهِ وَمَذْهَبِهِ. اهـ.
وَنَقَلَ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِجَزِيلِ الْمَوَاهِبِ فِي اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ مِنْ فَصْلِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ وَهُوَ جَائِزٌ إلَى أَنْ قَالَ وَأَقُولُ: لِلْمُنْتَقِلِ أَحْوَالٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الِانْتِقَالِ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا كَحُصُولِ وَظِيفَةٍ أَوْ مُرَتَّبٍ أَوْ قُرْبٍ مِنْ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا فَهَذَا حُكْمُهُ كَمُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا ثُمَّ لَهُ حَالَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ عَارِيًّا مِنْ مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ لَيْسَ لَهُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ سِوَى اسْمِ شَافِعِيٍّ أَوْ حَنَفِيٍّ كَغَالِبِ مُتَعَمِّمِي زَمَانِنَا أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ فِي الْمَدَارِسِ حَتَّى أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ الْكَافِيجِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَرَّةً يَكْتُبُ لَهُ عَلَى قِصَّةٍ تَعْلِيقًا بِوِلَايَةِ أَوَّلِ وَظِيفَةٍ تَشْغَرُ بالشيخونية فَقَالَ لَهُ: مَا مَذْهَبُك فَقَالَ: مَذْهَبِي خُبْزٌ وَطَعَامٌ يَعْنِي وَظِيفَةً أَمَّا فِي الشَّافِعِيَّةِ أَوْ الْمَالِكِيَّةِ أَوْ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ فِي الشَّيْخُونِيَّةِ لَا خُبْزَ لَهُمْ وَلَا طَعَامَ فَهَذَا أَمْرُهُ فِي الِانْتِقَالِ أَخَفُّ لَا يَصِلُ إلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ عَامِّيٌّ لَا مَذْهَبَ لَهُ يُحَقِّقُهُ فَهُوَ يَسْتَأْنِفُ مَذْهَبًا جَدِيدًا ثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَذْهَبٍ وَيُرِيدَ الِانْتِقَالَ لِهَذَا الْغَرَضِ فَهَذَا أَمْرُهُ أَشَدُّ وَعِنْدِي.
стр. 679
أَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ تَلَاعُبٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الدُّنْيَا.
الْحَالُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَالُ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَذْهَبِهِ وَقَدْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْمَذْهَبُ الْآخَرُ لِمَا رَآهُ مِنْ وُضُوحِ أَدِلَّتِهِ وَقُوَّةِ مَدَارِكِهِ فَهَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ أَوْ يَجُوزُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلِهَذَا لَمَّا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ تَحَوَّلَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا شَافِعِيَّةً بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَالِكِيَّةً، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ عَارِيًّا مِنْ الْفِقْهِ وَقَدْ اشْتَغَلَ بِمَذْهَبِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ وَوَجَدَ مَذْهَبَ غَيْرِهِ سَهْلًا عَلَيْهِ سَرِيعًا إدْرَاكَهُ بِحَيْثُ يَرْجُو التَّفَقُّهَ فِيهِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ قَطْعًا وَيَحْرُمُ التَّخَلُّفُ لِأَنَّ التَّفَقُّهَ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَيْرٌ مِنْ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْجَهْلِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ التَّمَذْهُبِ سِوَى اسْمِ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ أَوْ مَالِكِيٍّ فَالتَّمَذْهُبُ عَلَى مَذْهَبِ أَيِّ إمَامٍ كَانَ خَيْرٌ مِنْ الْجَهْلِ بِالْفِقْهِ عَلَى كُلِّ الْمَذَاهِبِ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالْفِقْهِ تَقْصِيرٌ كَبِيرٌ، وَقَلَّ أَنْ تَصِحَّ مَعَهُ عِبَادَةٌ وَأَظُنُّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ لِتَحَوُّلِ الطَّحَاوِيِّ حَنَفِيًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى خَالِهِ الْمُزَنِيِّ فَاعْتَاصَ عَلَيْهِ الْفَهْمُ يَوْمًا فَحَلَفَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ فَانْتَقَلَ حَنَفِيًّا فَفُتِحَ عَلَيْهِ وَصَنَّفَ كِتَابَهُ شَرْحَ مَعَانِي الْآثَارِ فَكَانَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ يَقُولُ لَوْ عَاشَ خَالِي كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ حَكَى هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَا حِنْثَ عَلَى الْمُزَنِيِّ لِأَنَّ مُرَادَهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قُلْتُ: وَلَا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ فَرُبَّ شَخْصٍ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي عِلْمٍ دُونَ عِلْمٍ، وَفِي مَذْهَبٍ دُونَ مَذْهَبٍ وَهِيَ قِسْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَعَلَامَةُ الْإِذْنِ التَّيْسِيرُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَالُ لَا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ بَلْ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَصْدِ فَهَذَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ وَيُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ لِلْفَقِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِقْهُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَاجُ إلَى زَمَنٍ آخَرَ لِتَحْصِيلِ فِقْهِ هَذَا الْمَذْهَبِ فَيَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ الْأَهَمُّ مِنْ الْعَمَلِ بِمَا تَعَلَّمَهُ وَقَدْ يَنْقَضِي الْعُمُرُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَالْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الرِّسَالَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ قُلْتُ: الْعِلَّةُ أَذَى الْمَلَائِكَةِ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ فَيَخْتَصُّ النَّهْيُ بِالْمَسَاجِدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَلَا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدِهِ ﵊ بَلْ الْمَسَاجِدُ كُلُّهَا سَوَاءٌ عَمَلًا بِرِوَايَةِ مَسَاجِدَنَا بِالْجَمْعِ وَشَذَّ مَنْ خَصَّهُ بِمَسْجِدِهِ ﵊ وَيُلْحَقُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ كُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا خَصَّ الثُّومَ هُنَا بِالذِّكْرِ، وَفِي غَيْرِهِ أَيْضًا بِالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِمْ لَهَا وَكَذَلِكَ أُلْحَقَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ مَنْ بِفِيهِ بَخْرٌ أَوْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ وَكَذَلِكَ الْقَصَّابُ، وَالسَّمَّاكُ وَالْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ أَوْلَى بِالْإِلْحَاقِ.
وَصَرَّحَ بِالْمَجْذُومِ ابْنُ بَطَّالٍ وَنَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ لَا أَرَى الْجُمُعَةَ عَلَيْهِمَا وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ وَأَلْحَقَ بِالْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ آذَى النَّاسَ بِلِسَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ أَصْلٌ فِي نَفْيِ كُلِّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْذَرَ مَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَكْلِ مَا لَهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ انْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ مِنِّي رِيحَ الثُّومِ فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ الثُّومَ؟ قَالَ فَأَخَذْتُ يَدَهُ فَأَدْخَلْتهَا فَوَجَدَ صَدْرِي مَعْصُوبًا فَقَالَ: إنَّ لَك عُذْرًا» ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ «اشْتَكَيْتُ صَدْرِي فَأَكَلْته» ، وَفِيهِ «فَلَمْ يُعَنِّفْهُ ﷺ » . اهـ. وَفِيهِ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ ﷺ وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَكْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَأَيْضًا هُنَا عِلَّتَانِ إحْدَاهُمَا أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةُ أَذَى الْمَلَائِكَةِ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَحُضُورِ الْمَسْجِدِ وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِيَةِ يُعْذَرُ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ. اهـ.
وَرَأَيْتُ فِي شَرْحِ الْعَلَائِيِّ عَلَى التَّنْوِيرِ مِنْ شَتَّى الْفَرَائِضِ نَقْلًا عَنْ الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ حَرْقُ جَرَادٍ وَقَمْلَةٍ وَعَقْرَبٍ وَلَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ حَطَبٍ فِيهِ نَمْلٌ. اهـ.
стр. 680
وَقَالَ فِي التَّنْوِيرِ أَيْضًا مِنْ الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ وَيَجُوزُ فَصْدُ الْبَهَائِمِ وَكَيُّهَا وَكُلُّ عِلَاجٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا وَجَازَ قَتْلُ مَا يَضُرُّ مِنْهَا كَكَلْبٍ عَقُورٍ وَهِرَّةٍ وَيَذْبَحُهَا ذَبْحًا قَالَ الْعَلَائِيُّ وَلَا يَضُرُّ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَلَا يَحْرِقُهَا اهـ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْبَهِيمَةُ كُلُّ ذَوَاتِ أَرْبَعٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ وَكُلُّ حَيَوَانٍ لَا يُمَيِّزُ فَهُوَ بَهِيمَةٌ. اهـ. فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُقَالَ لِلْجَرَادِ بَهِيمَةٌ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُمَيِّزُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ بِمَا سِوَى الْإِحْرَاقِ إنْ أَضَرَّ، وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى مِنْ آخِرِ الْبَابِ السَّادِسِ مِنْ الْجِنَايَاتِ قَالَ: مَلِكُ الْمُلُوكِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الزُّنْبُورِ، وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ كَالْكَلْبِ وَغَيْرِهِ هَلْ يَجُوزُ قَالَ: يَجِبُ قَتْلُ الْآدَمِيِّ الْمُؤْذِي فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُؤْذِيًا. اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ: قَوْلُهُ " وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّ مَا لَا يُؤْذِي مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ يُكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَا لَا يُؤْذِيهِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهَا إذَا أُطْلِقَتْ فِي بَابِهَا يُرَادُ بِهَا ذَلِكَ. اهـ. كَلَامُ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ وَقَالَ الْعَلَائِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ: وَأَفْتَى النَّاصِحِيُّ بِوُجُوبِ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ. اهـ. وَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِالْحَرْقِ جَازَ وَعِبَارَتُهُ فِي التُّحْفَةِ " وَقَضِيَّةُ جَوَازِ قَلْيِ وَشَيِّ الْجَرَادِ حِلُّ حَرْقِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي يُدْفَعُ عَنْ نَحْوِ زَرْعٍ بِالْأَخَفِّ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْحَرْقِ جَازَ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ يَجُوزُ حَرْقُ النَّمْلِ الصَّغِيرِ وَلَوْ تَضَرَّرَ بِجَرَادٍ أَوْ نَمْلٍ دُفِعَ كَالصَّائِلِ فَإِنْ تَعَيَّنَ إحْرَاقُهُ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ جَازَ. اهـ.
وَفِي كِتَابِ مَطْلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا الْحَنَفِيَّةِ لِلشَّيْخِ بَدْرِ الدِّينِ بْنِ تَاجِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ اللَّاهُورِيِّ مِنْ فَصْلٍ فِي إحْرَاقِ وَقَتْلِ الْحَيَوَانَاتِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَتْلِ الْجَرَادِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقَالَ أَهْلُ الْفِقْهِ كُلُّهُمْ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ مَنْ كَرِهَ قَتْلَهُ قَالَ لِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَأْكُلُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ فَلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إفْسَادَ الْأَمْوَالِ وَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ الْمُسْلِمِ إذَا أَرَادَ أَخْذَ مَالِهِ فَالْجَرَادُ إذَا أَرَادَ إفْسَادَ مَالِهِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ قَتْلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ لِأَنَّهُمَا يُؤْذِيَانِ الْإِنْسَانَ وَكَذَلِكَ الْجَرَادُ كَذَا فِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ. اهـ. فَصَرِيحُ عِبَارَةِ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ إحْرَاقُهُ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ جَازَ إحْرَاقُهُ عِنْدَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ جَاءَ مِنْ الْجَرَادِ شَيْءٌ كَثِيرٌ بِدِمَشْقَ وَقَدْ قَتَلَ أَهْلُ دِمَشْقَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْهُ فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ اللَّهُمَّ: اُقْتُلْ كِبَارَهَا وَأَمِتْ صِغَارَهَا وَأَفْسِدْ بِيضَهَا وَادْفَعْ شَرَّهَا عَنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ بِجَاهِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَقَدْ رَأَيْت مُؤَلَّفًا حَسَنًا فِي الْجَرَادِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْحَنْبَلِيِّ الرَّجَحِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّيْبَانِيِّ أَتَى فِيهِ بِالْفَوَائِدِ الْحِسَانِ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ، سَمَّاهُ " الْإِرْشَادُ فِي الْجَرَادِ ".
[فَائِدَةٌ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى وُجُوهٍ]
(فَائِدَةٌ)
فِي الذَّخِيرَةِ، وَالْمُغْنِي وَبُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ يَعْلَمُ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ يَتَّعِظُونَ وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ لَوْ عَلِمَ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ يَقْذِفُونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَضْرِبُونَهُ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ وَتَقَعُ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةُ أَوْ يَهِيجُ مِنْهُمْ الْقِتَالُ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى ضَرْبِهِمْ وَلَمْ يَشْكُ إلَى أَحَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ مُجَاهِدٌ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ وَلَا يَخَافُ ضَرْبًا وَلَا شَتْمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ أَفْضَلُ وَذَكَرَهُ الْمَحْبُوبِيُّ مُطْلَقًا فَقَالَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ الْفِسْقَ بِالْأَمْرِ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ لَا يَكُونُ إثْمًا فِي تَرْكِهِ مِنْ الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْعَيْنِيِّ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ.
[فَائِدَةٌ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ]
(فَائِدَةٌ)
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
стр. 681
عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ إحْفَاءُ الشَّوَارِبِ أَنْ يُبَالِغَ فِي قَصِّهَا قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد الْحِكْمَةُ فِي قَصِّ الشَّوَارِبِ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَهُوَ مُخَالَفَةُ شِعَارِ الْمَجُوسِ فِي إعْفَائِهِ كَمَا ثَبَتَ التَّعْلِيلُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَأَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ، وَالتَّنْظِيفُ مِمَّا يَعْلُقُ بِهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْصَقُ بِالْمَحَلِّ كَالْعَسَلِ، وَالْأَشْرِبَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ يَرْجِعُ تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ إلَى الدِّينِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَبُولِ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْرِ كَالسُّلْطَانِ، وَالْمُفْتِي، وَالْخَطِيبِ وَنَحْوِهِمْ وَلَعَلَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] إشَارَةً إلَيْهَا فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ الْأَمْرَ بِمَا يَزِيدُ فِي هَذَا كَأَنَّهُ قَالَ قَدْ أَحْسَنَ صُوَرَكُمْ فَلَا تُشَوِّهُوهَا بِمَا يُقَبِّحُهَا وَكَذَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فَإِنْ إبْقَاءَ مَا يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ تَغْيِيرٌ لَهَا لِكَوْنِهِ تَغْيِيرًا لِحُسْنِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ وَمُقْتَضَاهُ تَأَدِّي السُّنَّةَ بِحُصُولِ مُسَمَّى الْقَصِّ لَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُمَيْرٍ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» وَهُوَ دَالٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْقَصِّ وَيُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ قَصُّ الشَّوَارِبِ لِأَجْلِهِ وَهُوَ إمَّا مُخَالَفَةُ شِعَارِ الْمَجُوسِ أَوْ زَوَالُ الْمَفَاسِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَقَائِهِ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: أَحْفُوا وَذَهَبَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ وَحَلَقَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَمَنَعَ آخَرُونَ الْحَلْقَ، وَالِاسْتِئْصَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَرَدَ الْخَبَرُ بِلَفْظِ الْقَصِّ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَوَرَدَ بِلَفْظِ الْحَلْقِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَوَرَدَ بِلَفْظِ جُزُّوا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَبِلَفْظِ أَحْفُوا وَبِلَفْظِ انْهَكُوا.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ لِأَنَّ الْجَزَّ وَهُوَ بِالْجِيمِ، وَالزَّايِ الثَّقِيلَةِ قَصُّ الشَّعْرِ، وَالصُّوفِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدَ، وَالْإِحْفَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْفَاءِ الِاسْتِقْصَاءُ وَمِنْهُ حَتَّى أَحَفُّوهُ بِالْمَسْأَلَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَلْزَقُوا الْجَزَّ بِالْبَشَرَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَعْنَى الِاسْتِقْصَاءِ، وَالنَّهْكُ بِالنُّونِ، وَالْكَافِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ أَرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَنْصُوصًا وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ كَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ كَانُوا يَحُفُّونَ وَمَا أَظُنُّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ إلَّا عَنْهُ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ إنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَصِّ وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَنَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَلْقُ الشَّارِبِ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ كَانَ أَحْمَدُ يُحْفِي شَارِبَهُ إحْفَاءً شَدِيدًا وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْقَصِّ وَلَا تَعَارُضَ فَإِنَّ الْقَصَّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَالْإِحْفَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيمَا شَاءَ مِنْ بُلُوغِ الْمَآرِبِ فِي قَصِّ الشَّارِبِ لِلْعَلَّامَةِ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
وَسُئِلَ الْمُؤَلِّفُ نَظْمًا
أَيَا مَجْمَعَ الْآدَابِ وَالْعِلْمِ وَالْحِجَا ... وَمَنْ قَدْ حَوَى مِنْ كُلِّ فَنٍّ بِلَامَيْنِ
لَمَا شَارِبٌ قَدْ قُصَّ مَعَ شَعْرِ لِحْيَةٍ ... وَأَبْقَى شَعْرَ الْجَفْنِ مَعَ قَابَ قَوْسَيْنِ
فَأَجَابَ لَعَمْرُك لَمَّا طَالَ عَنْ حَدِّ قَدْرِهِ ... فَأَوْجَبَ أَنْ يُلْقَى بِحَدٍّ وَحَدَّيْنِ
وَذَلِكَ لِمَا طَابَ فِي الْحُسْنِ وَاكْتَفَى ... بِمَوْضِعِهِ حُبًّا فَلُوحِظَ بِالْعَيْنِ.
[فَائِدَةٌ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أُبِيحَ لَعْنُهُ إلَّا وَالِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ]
(فَائِدَةٌ)
مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أُبِيحَ لَعْنُهُ إلَّا وَالِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِثُبُوتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُمَا لَهُ حَتَّى آمَنَا بِهِ كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِمَنْ طَعَنَ فِيهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا مَوْضُوعٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ ... عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَءُوفَا
стр. 682
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ ... لِإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفًا
فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ ... وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفًا
فَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى طَهَارَةِ نَسَبِهِ الشَّرِيفِ ﵊ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَشَيْنِ الْكُفْرِ وَمَحَلُّ كَوْنِ الْإِيمَانِ لَا يَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي غَيْرِ الْخُصُوصِيَّةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ مَغِيبِهَا فَعَادَ الْوَقْتُ حَتَّى صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْعَصْرَ كَرَامَةً لَهُ ﵊
وَسُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ قَالَ: إنَّ أَبَا النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَلْعُونٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قَالَ وَلَا أَذَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ وَقَالَ الْإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ وَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ فِي أَبَوَيْهِ ﵊ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُمْسِكَ اللِّسَانَ إذَا ذُكِرَ أَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِشَيْءٍ يَرْجِعُ إلَى الْعَيْبِ أَوْ النَّقْصِ فِيهِمْ فَلَأَنْ نُمْسِكَ وَنَكُفَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَحَقُّ وَأَحْرَى إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحَقُّ الْمُسْلِمِ أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ عَمَّا يُخِلُّ بِشَرَفِ نَسَبِ نَبِيِّهِ ﵊ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ إثْبَاتَ الشِّرْكِ فِي أَبَوَيْهِ إخْلَالٌ ظَاهِرٌ بِشَرَفِ نَسَبِ نَبِيِّهِ الطَّاهِرِ وَجُمْلَةُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَتْ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَلَا حَظَّ لِلْقَلْبِ فِيهَا وَأَمَّا اللِّسَانُ فَحَقُّهُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ النُّقْصَانُ خُصُوصًا عِنْدَ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ وَتَدَارُكِهِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْمَقَالِ وَقَدْ أَتَى الْعَلَّامَةُ الْخَفَاجِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ نَظَمَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا الصَّوَابُ فَقَالَ
لِوَالِدَيْ طَه مَقَامٌ عَلَا ... فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَدَارِ الثَّوَابِ
وَقَطْرَةٌ مِنْ فَضَلَاتٍ لَهُ ... فِي الْجَوْفِ تُنْجِي مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ
فَكَيْفَ أَرْحَامٌ لَهُ قَدْ غَدَتْ ... حَامِلَةٌ تُصْلَى بِنَارِ الْعَذَابِ
لِأَنَّ فَضَلَاتِهِ ﵊ طَاهِرَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ ﷺ فَقَالَ لَنْ يَلِجَ النَّارَ بَطْنُكِ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ دَمُ النَّبِيِّ ﷺ طَاهِرٌ لِأَنَّ أَبَا طَيْبَةَ شَرِبَهُ وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ غُلَامٌ حِينَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ دَمَ حِجَامَتِهِ لِيَدْفِنَهُ فَشَرِبَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ خَالَطَ دَمُهُ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحَةِ وَذَكَرَهَا فُقَهَاؤُنَا وَتَبِعَهُمْ الشَّافِعِيَّةُ كَالشِّرْبِينِيِّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ وَفُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فَكَانَتْ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ فَضَلَاتِهِ ﵊ تُنْجِي مِنْ النَّارِ فَكَيْفَ مَنْ رُبِّيَ مِنْ دَمِهَا وَلَحْمِهَا وَرُبِّيَ فِي بَطْنِهَا وَمَنْ كَانَ أَصْلُ خِلْقَتِهِ الشَّرِيفَةِ مِنْهُ يَدْخُلُ النَّارَ هَذَا مَا جَرَى بِهِ لِسَانُ الْقَلَمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ بِتَحْرِيمِ شُرْبِ الدُّخَانِ]
ِ الْمَشْهُورِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ وَإِفْتَاءُ النَّاسِ بِحُرْمَتِهِ أَمْ لَا؟ فَلْنُبَيِّنْ لَك مَا يُزِيلُ غَرِيبَ الشَّكِّ عَنْ حَقِّ الْيَقِينِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَا حَقَّقَهُ أَئِمَّةُ أُصُولِ الدِّينِ قَالَ شَارِحُ مِنْهَاجِ الْوُصُولِ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الْبَيْضَاوِيِّ وَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ لِلْمُجْتَهِدِينَ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا الْمُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدُ وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ الْمُجْتَهِدِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ الْجَوَازُ وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَحْصُولِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَذَا
стр. 683
النَّوْعِ مِنْ الْفَتْوَى إذْ لَيْسَ فِي زَمَانِهِ مُجْتَهِدٌ اهـ وَكَلَامُ الْإِمَامِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مُجْتَهِدٌ فَكَيْفَ زَمَانُنَا الْآنَ فَإِنَّ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ لَا تَكَادُ تُوجَدُ لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِتَحْرِيمِ التُّنْبَاكِ إنْ كَانَ فَتْوَاهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ فَاجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ عَنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ فَأَمَّا عَنْ مُجْتَهِدٍ آخَرَ حَتَّى سَمِعُوا مِنْ فِيهِ مُشَافَهَةٌ فَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِثَابِتٍ وَأَمَّا عَنْ مُجْتَهِدٍ ثَبَتَ إفْتَاؤُهُ فِي الْكُتُبِ فَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ دَفْتَرٍ فِي إفْتَائِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ الْفَتْوَى وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ، وَالْحَقُّ فِي إفْتَاءِ التَّحْلِيلِ، وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْأُصُولِ، وَوَصَفَهُمَا بِأَنَّهُمَا نَافِعَانِ فِي الشَّرْعِ
الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ، وَالْمَأْخَذُ الشَّرْعِيُّ آيَاتٌ ثَلَاثٌ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَاللَّامُ لِلنَّفْعِ فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ مَأْذُونٌ شَرْعًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وَالزِّينَةُ تَدُلُّ عَلَى الِانْتِفَاعِ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ، وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبَاتِ الْمُسْتَطَابَاتُ طَبْعًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي حِلَّ الْمَنَافِعِ بِأَسْرِهَا
، وَالثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَضَارِّ التَّحْرِيمُ، وَالْمَنْعُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَأَيْضًا ضَبَطَ أَهْلُ الْفِقْهِ حُرْمَةَ التَّنَاوُلِ إمَّا بِالْإِسْكَارِ كَالْبَنْجِ وَإِمَّا بِالْإِضْرَارِ بِالْبَدَنِ كَالتُّرَابِ، وَالتِّرْيَاقِ أَوْ بِالِاسْتِقْذَارِ كَالْمُخَاطِ، وَالْبُزَاقِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا كَانَ طَاهِرًا وَبِالْجُمْلَةِ إنْ ثَبَتَ فِي هَذَا الدُّخَانِ إضْرَارٌ صِرْفٌ خَالٍ عَنْ الْمَنَافِعِ فَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ انْتِفَاعُهُ فَالْأَصْلُ حِلُّهُ مَعَ أَنَّ فِي الْإِفْتَاءِ بِحِلِّهِ دَفْعَ الْحَرَجِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ مُبْتَلُونَ بِتَنَاوُلِهِ مَعَ أَنَّ تَحْلِيلَهُ أَيْسَرُ مِنْ تَحْرِيمِهِ وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا وَأَمَّا كَوْنُهُ بِدْعَةً فَلَا ضَرَرَ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ فِي التَّنَاوُلِ لَا فِي الدِّينِ فَإِثْبَاتُ حُرْمَتِهِ أَمْرٌ عَسِيرٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَصِيرٌ نَعَمْ لَوْ أَضَرَّ بِبَعْضِ الطَّبَائِعِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَلَوْ نَفَعَ بِبَعْضٍ وَقَصَدَ بِهِ التَّدَاوِي فَهُوَ مَرْغُوبٌ وَلَوْ لَمْ يَنْفَعْ وَلَمْ يَضُرَّ هَذَا مَا سَنَحَ فِي الْخَاطِرِ إظْهَارًا لِلصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ تَعَنُّتٍ وَلَا عِنَادٍ فِي الْجَوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ كَذَا أَجَابَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ حَيْدَرٍ الْكُرْدِيُّ الْجَزَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
سُئِلَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ أَيُّمَا أَفْضَلُ السَّمَاءُ أَوْ الْأَرْضُ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْأَصْلُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا وَنَقَلُوهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ السَّمَاءُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْصَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا وَمَعْصِيَةُ إبْلِيسَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا أَوْ وَقَعَتْ نَادِرًا فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا وَقِيلَ الْأَرْضُ وَنُقِلَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَيْضًا لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَدْفِنُهُمْ اهـ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَفِي خُلَاصَةِ الْوَفَاءِ لِلسَّمْهُودِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَقَلَ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تُحْفَتِهِ وَغَيْرِهِ بَلْ نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ وَصَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَوَاتِ بَلْ قَالَ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ تَفْضِيلُ جَمِيعِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَاءِ لِحُلُولِهِ ﵊ فِيهَا وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَكْثَرِينَ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ بِهَا لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ. اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ سُئِلَ هَلْ اللَّيْلُ أَفْضَلُ مِنْ النَّهَارِ فَأَجَابَ قَالَ جَمَاعَةٌ: النَّهَارُ أَفْضَلُ مِنْ اللَّيْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ اللَّيْلُ أَفْضَلُ إذْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وَلَيْسَ لَنَا يَوْمٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ: طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ طَلُقَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَاخْتِصَاصُهُ بِالتَّجَلِّي الْأَكْبَرِ وَبِالْمِعْرَاجِ
وَسُئِلَ هَلْ الْعَرْشُ أَفْضَلُ مِنْ الْكُرْسِيِّ
(أَجَابَ) نَعَمْ
стр. 684
كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ الْكُرْسِيَّ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ وَأَنَّ الشَّامَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِرَاقِ وَبِأَنَّ الْحَجَرَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَهُوَ أَفْضَلُ الْقَوَاعِدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ مَا يَكُونُ السُّؤَالُ عَنْ النَّحْسِ، وَالسَّعْدِ، وَعَنْ الْأَيَّامِ، وَاللَّيَالِيِ الَّتِي تَصْلُحُ لِنَحْوِ السَّفَرِ وَالِانْتِقَالِ مَا يَكُونُ جَوَابُهُ؟
(أَجَابَ) مَنْ يَسْأَلُ عَنْ النَّحْسِ وَمَا بَعْدَهُ لَا يُجَابُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَتَسْفِيهِ مَا فَعَلَهُ وَيُبَيِّنُ لَهُ قُبْحَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْيَهُودِ لَا مِنْ هُدَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى خَالِقِهِمْ وَبَارِئِهِمْ الَّذِينَ لَا يَحْسِبُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَمَا يُنْقَلُ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَنْقُوطَةِ وَنَحْوِهَا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ بَاطِلٌ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ فَلْيُحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
، وَفِي مَجْمُوعَةِ الْحَفِيدِ فَائِدَةٌ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخِرُ لَا الْوَسَطُ كَذَا فِي آخِرِ الْمُسْتَصْفَى فَائِدَةٌ، كُلُّ مُبَاحٍ يُؤَدِّي إلَى زَعْمِ الْجُهَّالِ سُنِّيَّةَ أَمْرٍ أَوْ وُجُوبَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَتَعْيِينِ السُّورَةِ لِلصَّلَاةِ وَتَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ لِوَقْتٍ وَنَحْوِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْقُنْيَةِ قُبَيْلَ بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
فَائِدَةٌ لَفْظُ قَالُوا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فِي قَوْلِهِ: إذَا تَخَلَّلَ الْخَمْرُ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ. . . إلَخْ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فِي قَوْلِهِ: لِلصَّبِيِّ أَنْ يَنْوِيَ التَّطَوُّعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الْكَافِرِ عَلَى مَا قَالُوا وَقَدْ أَفَادَ جَدِّي يَعْنِي السَّعْدَ التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَنَّ فِي لَفْظِ قَالُوا: إشَارَةً إلَى ضَعْفِ مَا قَالُوا، فَائِدَةٌ: وَظِيفَةُ الْعَوَامّ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّبَاعُهُمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ دُونَ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ كَذَا فِي الْعُمَانِ فِي آخِرِ الصَّوْمِ لَا اخْتِيَارَ لِلْعَامِّيِّ فِي أَقْوَالِ الْمَاضِينَ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ فِي أَقَاوِيلِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ، وَالصِّدْقِ، وَالْأَمَانَةِ كَذَا فِي دِيَاتِ الْمُلْتَقَطِ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ أَخْبَرَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ لَا يَسَعُ لِلْجَاهِلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَخْتَارَ لَهُ الْعَالِمُ بِالدَّلِيلِ كَذَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ كُلُّ آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ يُخَالِفُ قَوْلَ أَصْحَابِنَا يُحْمَلُ عَلَى النَّسْخِ أَوْ التَّأْوِيلِ أَوْ التَّرْجِيحِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَالُوا لَا لِأَنَّهُ وَجَدَهُ غَيْرَ صَحِيحٍ أَوْ مُؤَوَّلًا، فَائِدَةٌ: يُقَالُ يَجُوزُ بِمَعْنَى يَصِحُّ وَبِمَعْنَى يَحِلُّ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ. اهـ. مَا فِي مَجْمُوعَةِ الْحَفِيدِ مِنْ الْعَقْدِ السَّادِسِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ.
[فَائِدَةٌ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّعَصُّبِ قَالَ الصَّلَابَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَاجِبَةٌ]
(فَائِدَةٌ)
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّعَصُّبِ قَالَ الصَّلَابَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَاجِبَةٌ، وَالتَّعَصُّبُ لَا يَجُوزُ، وَالصَّلَابَةُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا هُوَ مَذْهَبُهُ وَيَرَاهُ حَقًّا وَصَوَابًا، وَالتَّعَصُّبُ السَّفَاهَةُ، وَالْجَفَاءُ فِي صَاحِبِ الْمَذْهَبِ الْآخَرِ وَمَا يَرْجِعُ إلَى نَقْصِهِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الصَّوَابِ جَوَاهِرُ الْفَتَاوَى مِنْ السَّادِسِ فِي الْكَرَاهِيَةِ.
[فَائِدَةٌ الْكَذِبُ مُبَاحٌ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ لِدَفْعِ ظَالِمٍ عَنْ نَفْسِهِ]
(فَائِدَةٌ)
الْكَذِبُ مُبَاحٌ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ لِدَفْعِ ظَالِمٍ عَنْ نَفْسِهِ كَالشَّفِيعِ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ فَإِنْ أَصْبَحَ يُشْهِدُ وَيَقُولُ: عَلِمْت الْآنَ وَكَذَا الصَّغِيرَةُ تَبْلُغُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَتَخْتَارُ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ مَجْمَعُ الْفَتَاوَى مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ عَنْ صُلْحِ الْمُحِيطِ.
[فَائِدَةٌ الِاعْتِمَاد عَلَى مَا وَقَعَ فِي كُتُبِنَا مِنْ الْعِبَارَاتِ الْفَارِسِيَّةِ]
(فَائِدَةٌ)
قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي كِتَابِ الْمُهِمَّاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي كُتُبِنَا مِنْ الْعِبَارَاتِ الْفَارِسِيَّةِ وَلَا يُفْتَى بِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ قَدْ صَحَّفَهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ الْفَارِسِيَّةَ أَوْ يُصَحِّفُهَا الْقَارِئُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ الْفَارِسِيَّةَ (فَائِدَةٌ)
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْأَذْكَارِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ مُرَاعَاةُ الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ فِي الْأَذْكَارِ مُعْتَبَرَةٌ وَإِلَّا لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَهُمْ أَضِيفُوا التَّهْلِيلَ إلَيْهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إنَّ الْأَعْدَادَ الْوَارِدَةَ كَالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ إذَا رُتِّبَ عَلَيْهَا ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ فَزَادَ الْآتِي بِهَا عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِتِلْكَ الْأَعْدَادِ حِكْمَةٌ وَخَاصِّيَّةٌ تَفُوتُ بِمُجَاوَزَةِ ذَلِكَ الْعَدَدِ، قَالَ
стр. 685
شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمِقْدَارِ الَّذِي رُتِّبَ الثَّوَابُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَحَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ كَيْفَ تَكُونُ الزِّيَادَةُ مُزِيلَةً لِذَلِكَ الثَّوَابِ بَعْدَ حُصُولِهِ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَفْتَرِقَ الْحَالُ فِيهِ بِالنِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَيْهِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ ثُمَّ أَتَى بِالزِّيَادَةِ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا لَا مَحَالَةَ وَإِنْ زَادَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِأَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ رُتِّبَ عَلَى عَشَرَةٍ مَثَلًا فَرَتَّبَهُ هُوَ عَلَى مِائَةٍ فَيُتَّجَهُ الْقَوْلُ الْمَاضِي وَقَدْ بَالَغَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فَقَالَ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ الْمَحْدُودَةِ شَرْعًا لِأَنَّ شَأْنَ الْعُظَمَاءِ إنْ حَدُّوا شَيْئًا أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ وَيُعَدُّ الْخَارِجُ عَنْهُ مُسِيئًا لِلْأَدَبِ. اهـ. وَقَدْ مَثَّلَهُ الْعُلَمَاءُ بِالدَّوَاءِ يَكُونُ فِيهِ مَثَلًا أُوقِيَّةُ سُكَّرٍ فَلَوْ زَيْدَ فِيهِ أُوقِيَّةً أُخْرَى لَتَخَلَّفَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأُوقِيَّةِ فِي الدَّوَاءِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ مِنْ السُّكَّرِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ لَمْ يَتَخَلَّفْ الِانْتِفَاعُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَذْكَارَ الْمُتَغَايِرَةَ إذَا وَرَدَ لِكُلٍّ مِنْهَا عَدَدٌ مَخْصُوصٌ مَعَ طَلَبِ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِهَا مُتَوَالِيَةً لَمْ تَحْسُنْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الْمُوَالَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَالَاةِ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ خَاصَّةٌ تَفُوتُ بِفَوَاتِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. .
[فَائِدَةٌ تَقْبِيلِ الْخُبْزِ]
(فَائِدَةٌ) : فِي الْحَاوِي لِلْإِمَامِ السُّيُوطِيّ مِنْ كِتَابِ الصَّدَاقِ ضِمْنَ سُؤَالٍ طَوِيلٍ مَا نَصُّهُ: الْجَوَابُ أَمَّا كَوْنُ تَقْبِيلِ الْخُبْزِ بِدْعَةً فَصَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْحَرَامِ بَلْ تَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَا بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ إكْرَامَهُ لِأَجَلِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إكْرَامِهِ فَحَسَنٌ وَدَوْسُهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً بَلْ مُجَرَّدُ إلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ دَوْسٍ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ. اهـ.
وَفِيهِ مَسْأَلَةُ رَجُلٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ اخْتَارَ الرَّجُلُ شَيْخًا آخَرَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فَهَلْ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ لَازِمٌ أَمْ الثَّانِي؟
الْجَوَابُ: لَا يَلْزَمُهُ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ.
، وَفِيهِ مَسْأَلَةٌ فِي شَخْصٍ يُدْعَى فَقِيهًا يَقُولُ إنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ وَأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَإِنَّ لِتَعَلُّمِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشَرُ حَسَنَاتٍ وَقَالَ: إنَّ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَإِنَّمَا كَانَ زَاهِدًا،؟
(الْجَوَابُ) : فَنُّ الْمَنْطِقِ فَنٌّ خَبِيثٌ مَذْمُومٌ يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِأَنَّ مَبْنَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْهَيُولَى الَّذِي هُوَ كُفْرٌ يَجُرُّ إلَى الْفَلْسَفَةِ، وَالزَّنْدَقَةِ وَلَيْسَ لَهُ ثَمَرَةٌ دِينِيَّةٌ أَصْلًا بَلْ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ نَصَّ عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَتْهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ فَأَوَّلُ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَابْنُ الصَّلَاحِ، وَالسَّلَفِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ الْأَثِيرِ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالذَّهَبِيُّ وَالطِّيبِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ وَالسَّرَّاجُ الْقَزْوِينِيُّ وَأَلَّفَ فِي ذَمِّهِ كِتَابًا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِ الْمُشْفِقِ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِحُبِّ عِلْمِ الْمَنْطِقِ وَنَقَلَ تَحْرِيمَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: إنَّ الْغَزَالِيَّ لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ وَأَفْسَقِ الْفَاسِقِينَ وَلَقَدْ كَانَ الْغَزَالِيُّ فِي عَصْرِهِ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ وَسَيِّدَ الْفُقَهَاءِ وَلَهُ فِي الْفِقْهِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْجَلِيلَةِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْآنَ مَدَارُهُ عَلَى كُتُبِهِ فَإِنَّهُ فَتَحَ الْمَذْهَبَ وَلَخَّصَهُ بِالْبَسِيطِ، وَالْوَسِيطِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْخُلَاصَةِ وَكُتُبُ الشَّيْخَيْنِ إنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كُتُبِهِ. اهـ. بِاخْتِصَارِهِ.
(فَائِدَةٌ)
إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخِذَ بِظَاهِرِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ زُفَرَ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ الْأَكْبَرُ فَالْأَكْبَرُ هَكَذَا إلَى آخِرِ مَنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَادِثَةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابٌ ظَاهِرٌ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ قَوْلًا وَاحِدًا يُؤْخَذُ بِهِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ ثُمَّ الْأَكْثَرِينَ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ الْمَعْرُوفُونَ مِنْهُمْ كَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ
стр. 686
وَأَبِي اللَّيْثِ، وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ جَوَابٌ أَلْبَتَّةَ نَصًّا يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِيهَا نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ وَاجْتِهَادٍ لِيَجِدَ فِيهَا مَا يَقْرُبُ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ جُزَافًا بِجَاهِهِ لِمَنْصِبِهِ وَحُرْمَتِهِ وَلِيَخْشَ اللَّهَ ﵎ وَيُرَاقِبَهُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ إلَّا كُلُّ جَاهِلٍ شَقِيٍّ وَمَتَى أَخَذَ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَكُونُ آخِذًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْكِبَارِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا إلَّا وَهُوَ رِوَايَتُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَقْسَمُوا عَلَيْهِ أَيْمَانًا غِلَاظًا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ إذًا فِي الْفِقْهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى جَوَابٌ وَلَا مَذْهَبٌ إلَّا لَهُ كَيْفَمَا كَانَ وَمَا نُسِبَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِلْمُوَافَقَةِ وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ قَوْلِي قَوْلُهُ وَمَذْهَبِي مَذْهَبُهُ وَتَمَامُهُ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ.
[فَائِدَةٌ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ الْإِجَابَةُ عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ]
(فَائِدَةٌ)
لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ الْإِجَابَةُ عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ غَيْرُهُ فَيَلْزَمُهُ جَوَابُهُ لِأَنَّ الْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مُبْتَغَى مِنْ كِتَابِ الْكَسْبِ (فَائِدَةٌ)
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رُبَّمَا لَا يُجِيبُ عَنْ مَسْأَلَةٍ سَنَةً وَقَالَ: " لَأَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ عَنْ فَهْمٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُصِيبَ بِغَيْرِ فَهْمٍ.
نَوَازِلُ أَبِي اللَّيْثِ وَكَانَ الْمُسْتَفْتِي إذَا أَلَحَّ عَلَى أَبِي نَصْرٍ وَقَالَ: جِئْت مِنْ مَكَان بَعِيدٍ يَقُولُ شِعْرًا
فَلَا نَحْنُ نَادَيْنَاك مِنْ حَيْثُ جِئْتنَا ... وَلَا نَحْنُ عَمَّيْنَا عَلَيْك الْمَذَاهِبَا
مُلْتَقَطٌ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْتَفْتُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ أَدَبُ الْفُتْيَا لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ.
وَفِيهِ أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ تَرَكَ الْفُتْيَا فِي الطَّلَاقِ أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إيَاسٍ قَالَ قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَا لَكَ لَا تَقُولُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئًا؟ قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا وَقَدْ سُئِلْت عَنْهُ وَلَكِنِّي كَرِهْت أَنْ أُحِلَّ حَرَامًا أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالًا. اهـ.
[فَائِدَةٌ سَبَبُ وَضْعِ التَّارِيخِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ]
(فَائِدَةٌ)
سَبَبُ وَضْعِ التَّارِيخِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أُتِيَ بِصَكٍّ مَكْتُوبٍ إلَى شَعْبَانَ فَقَالَ أَهُوَ شَعْبَانُ الْمَاضِي أَوْ شَعْبَانُ الْقَابِلُ؟ ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ التَّارِيخِ وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى ابْتِدَاءِ التَّارِيخِ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَجَعَلُوا أَوَّلَ السَّنَةِ الْمُحَرَّمَ وَيُعْتَبَرُ التَّارِيخُ بِاللَّيَالِيِ لِأَنَّ اللَّيْلَ عِنْدَ الْعَرَبِ سَابِقٌ عَلَى النَّهَارِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ لَا يُحْسِنُونَ الْكِتَابَةَ وَلَمْ يَعْرِفُوا حِسَابَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ فَتَمَسَّكُوا بِظُهُورِ الْهِلَالِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ فَجَعَلُوهُ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ، وَالْأَحْسَنُ ذِكْرُ الْأَقَلِّ مَاضِيًا كَانَ أَوْ بَاقِيًا مِنْ الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ
[خَاتِمَة الْكتاب]
(وَهَذَا) آخِرُ مَا يَسَّرَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ عَلَى عَبْدِهِ الْعَاجِزِ الْحَقِيرِ مِنْ الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا عَلَّامَةُ عَصْرِهِ وَنَتِيجَةُ دَهْرِهِ صَدْرُ الْأَفَاضِلِ، وَالْأَكَابِرِ مَنْ وَرِثَ الْعِلْمَ وَالْمَجْدَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَوْلَانَا الْمَرْحُومُ حَامِد أَفَنْدِي بْنُ عَلِيّ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ سَقَى اللَّهُ تَعَالَى ثَرَاهُ صَوْبَ غَمَامِ الرَّحْمَةِ الْغَادِي وَهِيَ الَّتِي أَفْتَى بِهَا وَجُمِعَتْ فِي حَيَاتِهِ فِي مُدَّةِ قِيَامِهِ بِمَنْصِبِ الْإِفْتَاءِ فِي دِمَشْقَ الشَّامِ ذَاتِ الثَّغْرِ الْبَسَّامِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً مِنْ سَنَةِ ١١٣٧ إلَى سَنَةِ ١١٥٥ وَلَمَّا اُبْتُلِيت بِمُعَانَاتِ أَمَانَةِ الْفَتْوَى الَّتِي هِيَ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَلْوَى رَأَيْت هَذِهِ الْفَتَاوَى مِنْ أَحْسَنِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَمِنْ أَنْفَعِ مَا يَجْنَحُ عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ إلَيْهِ لِتَأَخُّرِ جَامِعِهَا وَسَعَةِ اطِّلَاعِ وَاضِعِهَا وَتَحْرِيرِهِ مَا اعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ الثِّقَاتُ وَذِكْرِهِ لِعَامَّةِ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إلَّا أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَلْتَزِمْ فِيهَا التَّرْتِيبَ الْمُعْتَبَرَ وَلَمْ يُسْقِطْ مِنْهَا مَا تَكَرَّرَ أَوْ اشْتَهَرَ وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْجَوَابَ فِي مَحَلٍّ وَيَذْكُرُ النَّقْلَ الْمُنَاسِبَ لَهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ.
فَلِذَا صَرَفْتُ عَنَانَ الْعِنَايَةِ نَحْوَ تَنْقِيحِهَا وَاخْتِصَارِهَا، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَفُوحُ مِنْ طِيبِ عِرَارِهَا بِتَرْكِ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ
стр. 687
الْأَسْئِلَةِ وَظَهَرَ وَإِسْقَاطِ مَا أُعِيدَ مِنْهَا وَتَكَرَّرَ وَاخْتِصَارِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ بِعِبَارَاتٍ مُحَرَّرَةٍ وَحَذْفِ بَعْضِ النُّقُولِ الْمُعَادَةِ الْمُكَرَّرَةِ حَتَّى جَاءَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْأَصْلِ حَجْمًا وَأَكْثَرُ مِنْهُ ثَمَرَةً وَإِفَادَةً وَنُعْمَى بِمَا حَوَاهُ زِيَادَةً عَلَى الْأَصْلِ فِي كُلِّ بَابٍ وَفَصْلٍ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى مَوَاضِعَ هِيَ مَحَلُّ وَهْمٍ أَوْ كَبَا فِيهَا جَوَادُ الْقَلَمِ وَتَحْقِيقَاتٍ بَدِيعَةٍ وَتَحْرِيرَاتٍ مَنِيعَةٍ وَحَلِّ إشْكَالَاتٍ عَوِيصَةٍ وَاسْتِخْرَاجِ خَفِيَّاتٍ عَوِيصَةٍ أَنَا أَبُو عُذْرِهَا وَمَعَانِي حُلْوِهَا وَمُرِّهَا لَمْ يَحُمْ حَوْلَ كَشْفِهَا سَابِقٌ وَلَمْ تُفْتَحْ مُقْفَلَاتُهَا قَبْلِي لِطَارِقٍ قَدْ خَبَّأَ الْمَوْلَى اسْتِخْرَاجَ كُنُوزِهَا لِعَبْدِهِ الضَّعِيفِ وَأَظْهَرَ إشَارَاتِ رُمُوزِهَا عَلَى يَدِ هَذَا الْعَاجِزِ النَّحِيفِ حَتَّى حَقَّ أَنْ يَنْشُدَ النَّاظِرُ كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ وَاعْتِقَادِي أَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ الظَّاهِرَةَ هِيَ إظْهَارُ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ فَإِنَّ هَذَا الْعَبْدَ فِكْرَتُهُ كَلِيلَةٌ وَقَرِيحَتُهُ قَرِيحَةٌ عَلِيلَةٌ وَبِضَاعَتُهُ مُزْجَاةٌ قَلِيلَةٌ مَعَ مَا امْتَزَجَ بِالْبَالِ مِنْ عَظَائِمِ الْبِلْبَالِ وَتَرَاكُمِ الْهُمُومِ، وَالْأَهْوَالِ وَفَقْدِ الْمُسْعِفِ وَعَدَمِ الْمُنْصِفِ وَتَسَلُّطِ الْحُسَّادِ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُورِثُ الْوَهَنَ وَكَلَالَ الذِّهْنِ وَلَكِنْ لِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ وَأَبْدَعَ فِي الْمَقَالِ إنَّ الْمَقَادِيرَ إذَا سَاعَدَتْ أَلْحَقَتْ الْعَاجِزَ بِالْقَادِرِ فَدُونُك كِتَابًا قَدْ أَعْمَلْت فِيهِ الْفِكْرَ وَأَلْزَمْت فِيهِ الْجَفْنَ السَّهَرَ قَدْ غَرَسْت لَك فِيهِ مِنْ فُنُونِ التَّحْرِيرَاتِ أَفْنَانًا وَفَتَقْتُ لَك فِيهِ عَنْ عُيُونِ الْمُشْكِلَاتِ أَجْفَانًا وَأَوْدَعْت فِيهِ مِنْ كُنُوزِ الْفَوَائِدِ عُقُودَ الدُّرَرِ الْفَرَائِدِ وَبَسَطْت فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ أَحْسَنَ الْمَوَائِدِ وَجَلَوْت فِيهِ عَلَى مِنَصَّةِ الْأَنْظَارِ عَرَائِسَ أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ وَكَشَفْتُ فِيهِ بِتَوْضِيحِ الْعِبَارَاتِ قِنَاعَ مُخَدَّرَاتِهِ وَلَمْ أَكْتَفِ بِتَلْوِيحِ الْإِشَارَاتِ لِأَجْلِ تَحْرِيرِ خَفِيَّاتِهِ وَلَيْسَ يَدْرِي فَضْلَهُ سِوَى عَالِمٍ فَقِيهٍ فَاضِلٍ نَبِيهٍ أَجْرَى سُفُنَ أَنْظَارِهِ فِي لُجَجِ بَحْرِهِ وَأَجْرَى جَوَادَ أَفْكَارِهِ فِي شَيْحِ بَرِّهِ وَإِنِّي أُعِيذُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّ كُلِّ غَمْرٍ جَاهِلٍ أَوْ حَاسِدٍ مُتَغَافِلٍ.
عَلَى أَنِّي لَا أُبَرِّئُ نَفْسِي فَإِنِّي مُقِرٌّ بِعَجْزِي وَبَخْسِي أَرْتَجِي مِمَّنْ وَقَفَ فِيهِ عَلَى عَثْرَةٍ أَنْ يَتَدَارَكَهَا بِالْعَفْوِ، وَالْإِحْسَانِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَحَلُّ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ وَإِنِّي أَلْجَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيَّ بِذَلِكَ وَتَفَضَّلَ وَمِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ أَطْلُبُ وَأَسْأَلُ وَبِنَبِيِّهِ الْوَجِيهِ النَّبِيهِ أَتَوَسَّلُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُوجِبًا لِلْفَوْزِ لَدَيْهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ كُلَّ قَاصٍ وَدَانٍ وَيُهَيِّئَ لِخُرُدِهِ الْحِسَانِ كُلَّ كُفْءٍ مِحْسَانٍ وَأَنْ يَغْفِرَ لِي مَا طَغَى بِهِ الْقَلَمُ أَوْ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمُ وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ عَثَرَاتِي وَيَعْفُوَ عَنْ سَيِّئَاتِي وَيَغْفِرَ لِمَشَايِخِي وَوَالِدَيْ وَلِمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيَّ وَلِأَوْلَادِي وَأَهْلِي وَالْأَحْبَابِ وَلِمَنْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ بِبُلُوغِ الْمُنَى وَالْأَمَلِ وَأَنْ يُطْلِقَ أَلْسِنَتَنَا بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْأَجَلِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ.
وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْمُعْجِزَاتِ، وَالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ السَّادَاتِ وَزَوْجَاتِهِ الطَّاهِرَاتِ وَعَلَى التَّابِعِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الْأَثْبَاتِ لَا سِيَّمَا إمَامُنَا الْأَعْظَمُ وَأَصْحَابُهُ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ سُبْحَانَ رَبِّك رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ مُؤَلِّفُ هَذِهِ الْفَتَاوَى الشَّرِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَنَا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ: وَقَدْ فَرَغْت مِنْ تَحْرِيرِهِ وَتَنْمِيقِهِ وَتَحْبِيرِهِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَة ١٢٣٨ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ.