← Фикх малики

Фикх малики · id 21688

فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (808 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مُقَدِّمَة الْكتاب] ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لِلسَّائِلِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْقَائِلِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَجَمِيعِ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ الرَّاجِي شَفَاعَةَ جَدِّهِ سَيِّدِ قُرَيْشٍ مُفْتِي السَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِمَحْرُوسَةِ مِصْرَ الْمُعِزِّيَّةِ مُحَمَّدُ عُلَيْشٍ - عَامَلَهُ اللَّهُ بِجَزِيلِ إكْرَامِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ سِجَالَ فَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ -: إنَّ أَوْلَى مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْعَاقِلُ اللَّبِيبُ، وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَامِلُ الْأَرِيبُ التَّفَقُّهُ فِي دِينِهِ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَوْضِيحِهِ وَتَبْيِينِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْفَتْوَى مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُعْتَنَى وَأَجَلِّ مَا يُقْتَنَى لِنَوْعِ بَنِي الْإِنْسَانِ قَيَّدْتُ مَا وَقَعَ لِي مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَجَمَعْتُهَا وَرَتَّبْتُهَا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ بَعْدَ أَنْ هَذَّبْتُهَا وَنَقَّحْتُهَا، وَسَمَّيْتُهَا ب (فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ فِي الْفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ) رَاجِيًا مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ، سَائِلًا مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُثِيبَنَا دَارَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهَا الطُّلَّابَ وَيَجْعَلَهَا عُمْدَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ إنَّهُ وَلِيُّ الْإِجَابَةِ وَإِلَيْهِ الْإِنَابَةُ. [مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ] [الْإِيمَانُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ] مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْإِيمَانُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵊ قَالَ لِآدَمَ ﵊ أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ سَبَبًا فِي خُرُوجِنَا مِنْ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَم ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فَسَكَتَ مُوسَى، وَقَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﵊ «حَجَّ آدَم مُوسَى» وَأَيْضًا حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعَارِفِينَ وَعَظَ الشَّرَفَ الْمُنَاوِيَّ حَتَّى أَبْكَاهُ فَأَنْشَأَ الشَّرَفُ يَقُولُ: يَا ذَا الَّذِي آنَسَنِي وَعْظُهُ ... أَنَسِيتَ مَا قُدِّرَ فِي الْمَاضِي إنَّ الَّذِي سَاقَكَ لِي وَاعِظًا ... هُوَ الَّذِي صَيَّرَنِي عَاصِي وَاَللَّهِ مَا قَصْدِي سِوَى قُرْبِهِ ... فَاخْتَارَ أَنْ يَعْكِسَ أَغْرَاضِي وَمَا نُسِبَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: اللَّهُمَّ لَمْ آتِ الذُّنُوبَ جُرْأَةً عَلَيْكَ وَلَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّكَ وَلَكِنْ جَرَى بِذَلِكَ قَلَمُكَ وَنَفَذَ بِهِ حُكْمُكَ وَالْمَعْذِرَةُ إلَيْكَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحُرَيْثِيُّ: مَنْ نَظَرَ إلَى الْخَلْقِ بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ مَقَتَهُمْ وَمَنْ نَظَرَ لَهُمْ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ عَذَرَهُمْ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُوهِمُ الِاحْتِجَاجَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَمَا الْجَوَابُ؟

стр. 2

فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مَعْنَى قَوْلِنَا لَا يُحْتَجُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَنَّهُمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا فِي رَفْعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِسْقَاطِ التَّكَالِيفِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْكَسْبِ الثَّابِتِ لِلْعَبْدِ وَعِنْدَنَا لِلْعَبْدِ كَسْبٌ كُلِّفَ بِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اعْتِرَافَنَا بِالْجَبْرِ بَاطِنًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْعَبْدِ فَمَذْهَبُنَا وَسَطٌ بَيْنَ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَجَوَابُ آدَمَ ﵊ لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَأْدِيبٌ فِي الْبَرْزَخِ لِوَلَدِهِ مُوسَى ﵊ بِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْوَلَدِ أَنْ يَنْظُرَ لِجِهَةِ عُذْرِ وَالِدِهِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الْأَمِيرُ فِي حَوَاشِي الْجَوْهَرَةِ وَكَلَامُ الشَّرَفِ لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ أَيْضًا وَإِنَّمَا هُوَ تَرَوُّحٌ. وَكَلَامُ ابْنِ أَدْهَمَ لَيْسَ احْتِجَاجًا لِرَفْعِ تَكْلِيفٍ أَيْضًا إنَّمَا هُوَ اسْتِشْفَاعٌ وَاسْتِعْطَافٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ هُوَ عَيْنُ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ كَسْبٌ ظَاهِرٌ بُنِيَتْ عَلَيْهِ التَّكَالِيفُ مَنْ نَظَرَ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي شَيْءٍ مَا وَمَنْ نَظَرَ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ عَذَرَهُ بَاطِنًا وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَيْهِ قَالَ الْمُحَقِّقُ الْأَمِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لِلَّهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي نَفْيِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْفَخْرِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَإِنْ أَرَدْتَ شَيْئًا فَهَاتِ مِنْ عِنْدِكَ شَيْئًا وَيَسُدُّ أَبْوَابَ مُؤَاخَذَةِ النَّاسِ اهـ. وَإِلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يُشِيرُ قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ سِرًّا لَوْ ظَهَرَ لَبَطَلَ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا غَلَبَ عَلَيَّ شُهُودِ الْجَبْرِ الْبَاطِنِيِّ حَتَّى نَبَّهَنِي تِلْمِيذِي إسْمَاعِيلُ وَقَالَ لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ خَلِيفَةً وَلَا مُتَخَلِّقًا بِالْأَخْلَاقِ فَدَخَلَ عَلَيَّ بِكَلَامِهِ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ الْأَمِيرُ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرَةِ: وَمَيِّتٌ بِعُمُرِهِ مِنْ يُقْتَلُ، وَقَوْلُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لِلْقَاتِلِ فِيهِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا تَوَلُّدًا مَا نَصُّهُ: " وَالْقِصَاصُ عِنْدَنَا نَظَرًا لِظَاهِرِ الْكَسْبِ كَقَوْلِ الْفَرْضِيِّينَ: مَنْ اسْتَعْجَلَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ اهـ. وَقَالَ أَيْضًا وَرُبَّمَا هَجَسَ لِبَعْضِ الْقَاصِرِينَ مِنْ أَنَّ حُجَّةَ الْعَبْدِ لِمَ تُعَذِّبْنِي وَالْكُلُّ فِعْلُكَ وَهَذِهِ فِي الْمَعْنَى حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَالْعَذَابُ فِعْلُهُ أَيْضًا وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ سُؤَالٌ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَدْ سُئِلَ) شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ ﵎ وَاحِدٌ لَا مِنْ قِلَّةٍ وَمَوْجُودٌ لَا مِنْ عِلَّةٍ (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الَّذِي يَحْضُرُ الْفَقِيرَ فِي شَرْحِهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَتْ وَحْدَتُهُ وَانْفِرَادُهُ مِنْ أَجْلِ قِلَّةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِالْكَمَالَاتِ وَصِفَاتِ الْمَجْدِ وَخُلُوِّ الْكَوْنِ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَوَادِثِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْوَحْدَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقْصٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 3

لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نَسَبُ الْمُعَلَّى ... لَمَكْرَمَةٌ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُ وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إذَا اقْشَعَرَّتْ ... وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُ وَأَمَّا وَحْدَةُ الْحَقِّ تَعَالَى فَذَاتِيَّةٌ بِكَمَالٍ لَا سَبِيلَ لِتَطَرُّقِ الِاشْتِرَاكِ إلَيْهِ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ مَعْنَى وَاحِدُ لَا مِنْ قِلَّةٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَاهِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ مُمْكِنٌ تَعَدُّدُ أَفْرَادِهَا لَكِنْ قَلَّتْ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إلَّا وَاحِدٌ بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَعَنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَوُجُودُهُ ذَاتِيٌّ وَوَحْدَتُهُ ذَاتِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ فِيهَا تَطَرُّقٌ وَلَا قِلَّةٌ. الثَّانِي أَنَّ مَعْنَى وَاحِدٌ لَا مِنْ قِلَّةِ أَنَّ وَحْدَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ تَقْلِيلٍ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَنْدَادٌ وَأَشْبَاهٌ وَشُرَكَاءُ فَسَطَا عَلَيْهِمْ حَتَّى أَبَادَهُمْ عَلَى عَادَةِ الْمُلُوكِ فَصَارَ وَاحِدًا مُنْفَرِدًا بِالْمُلْكِ بَلْ وَحْدَتُهُ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ قِلَّةٍ بِمَعْنَى تَقْلِيلٍ. الثَّالِثُ أَنَّ وَحْدَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ وَحَدَاتِ الْقِلَّةِ كَمَا يَقَعُ فِي الْحَوَادِثِ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ إلَيْهِ تَرْجِعُ جَمِيعُ الْكَثْرَاتِ وَعَلَى وَحْدَتِهِ تَدُورُ ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] فَهُوَ وَاحِدٌ ظَهَرَتْ وَحْدَتُهُ فِي جَمِيعِ الْمَظَاهِرِ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] وَهَذَا مَعْنَى شَرِيفٌ لَا يُمْكِنُ شَرْحُهُ بِالتَّعْبِيرِ إنَّمَا يُذَاقُ بِحَسَبِ الْفَتْحِ وَالتَّجَلِّي مِنْ الْفَتَّاحِ الْخَبِيرِ، وَهُوَ مَعْنَى شُهُودِ الْوَحْدَةِ فِي الْكَثْرَةِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الْقَوْمُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَقَدْ سُفِكَتْ فِيهَا دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْعِبَارَاتِ الْمُوهِمَةِ وَالْمَعْنَى قَدْ يَتَعَاظَمُ عَلَى الْعِبَارَةِ فَلَا يُمْكِنُهَا الْإِحَاطَةَ بِهِ حَقَّ الْإِحَاطَةِ فَمَنْ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ التَّعْبِيرَ وَقَعَ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَاكَ الْمُسَمَّى إشَارَةٌ ... وَدَعْهُ مَصُونًا بِالْجَلَالِ مُحَجَّبًا فَحَاشَا اللَّهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُرِيدَ الْقَوْمُ حُلُولًا وَاتِّحَادًا كَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ وَفَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ - حَاكِيًا عَنْ الْحَضْرَةِ: وَعِلْمُكَ أَنَّ كُلَّ الْأَمْرِ أَمْرِي ... هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِاتِّحَادِ وَمَقَامُ الْعَامَّةِ فِي هَذَا تَصْدِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْخَوَاصُّ بِالذَّوْقِ وَالْعِبَارَةِ وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْعَسَلَ حُلْوٌ وَبَيْنَ حَالِ مَنْ يَذُوقُهُ بِالْفِعْلِ وَهَذَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ فَلْنُمْسِكْ عَنَانَ الْقَلَمِ، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إنَّمَا كَفَرَ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَعْضًا مِنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ فَاعِلٍ مَعَ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ مِنْ الْعَدَدِ فَأَوْقَعَ الْمُشَاكَلَةَ وَالْمُشَابَهَةَ وَجَعَلَهُ بَعْضًا مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِخِلَافِ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّأْثِيرِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ فَاعِل مَعَ مَا هُوَ دُونَهُ فَمَعْنَى رَابِعِ الثَّلَاثَةِ جَاعِلُ الثَّلَاثَةِ أَرْبَعَةً فَلْيُتَأَمَّلْ. الرَّابِعُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِقِلَّةٍ وَلَا بِكَثْرَةٍ

стр. 4

فَإِنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَجَمِيعُ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ صِفَتَهُ لَكِنْ اقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الْقِلَّةِ لِأَنَّ وَصْفَ الْوَحْدَةِ نَفْيُ الْكَثْرَةِ فَتَمَّمَ مَعْنَاهُ بِنَفْيِ الْقِلَّةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ الْمُتَوَهَّمْ ثُبُوتُهُ بَعْدَ وَصْفِ الْوَحْدَةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَاحِدٌ لَا يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ وَلَا يُوصَفُ أَيْضًا بِالْقِلَّةِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (وَقَدْ سُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي الْفَرَاغِ الْمُتَوَهَّمِ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ لِلْهَوَاءِ وَالْأَجْسَامِ هَلْ هُوَ حَادِثٌ أَمْ أَزَلِيٌّ وَإِذَا قُلْتُمْ بِحُدُوثِهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ فَمَا حَقِيقَةُ الْحُدُوثِ إذْ عَدَمُ الْعَدَمِ فِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُ أَزَلِيٌّ فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِقَادِ أَزَلِيَّتِهِ وَحُدُوثِهِ وَهَلْ الْمَوْلَى تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولِهِ فِي الْفَرَاغِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا جِسْمٍ وَهَلْ الْفَرَاغُ الَّذِي فَوْقَ الْعَرْشِ حُكْمُهُ كَالْفَرَاغِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ (فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْفَرَاغُ عَدَمٌ مِنْ الْإِعْدَامِ فَلَيْسَ شَيْئًا مُحَقَّقًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَحَقِّقًا لَكَانَ إمَّا جَوْهَرًا فَيَحْتَاجُ لِفَرَاغٍ أَوْ عَرَضًا فَيَقُومُ بِجَوْهَرٍ يَحْتَاجُ لِفَرَاغٍ وَيَنْتَقِلُ الْكَلَامُ لِلْفَرَاغِ الثَّانِي وَهَكَذَا فَيَلْزَمُ الدَّوْرَ أَوْ التَّسَلْسُلَ أَشَارَ لِذَلِكَ السَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَالسَّعْدُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَشُرَّاحِ هِدَايَةِ أَثِيرِ الدِّينِ الْأَبْهَرِيِّ كَالزَّيْنِ الْحُسْنَى وَالسُّدِّيِّ وَحَيْثُ إنَّهُ عَدَمٌ فَهُوَ أَزَلِيٌّ لِأَنَّ الْأَعْدَامَ كُلَّهَا أَزَلِيَّةٌ مَا خَلَا عَدَمَ الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ فِي الْأَزَلِ إلَّا لِلْوَاجِبِ جَلَّ شَأْنُهُ وَمَا عَدَاهُ عَدَمُهُ وَاجِبٌ فِي الْأَزَلِ وَعَلَى فَرْضِ الْقَوْلِ بِحُدُوثِ الْفَرَاغِ الْمُتَوَهَّمِ فَحَقِيقَةُ حُدُوثِهِ حُدُوثُ كَوْنِهِ مُتَوَهَّمًا أَيْ حُدُوثُ تَوَهُّمِهِ وَتَخَيُّلِهِ مَكَانًا لِلْجَوَاهِرِ وَحَقِيقَةُ الْحُدُوثِ عَلَى هَذَا التَّجَدُّدُ بَعْدَ عَدَمٍ لَا الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا مَوْجُودًا بَلْ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَقَطْ وَلَا يَتَرَتَّبُ ضَرَرٌ عَلَى اعْتِقَادِ أَزَلِيَّتِهِ وَلَا حُدُوثِهِ لَكِنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا مِنْ أَزَلِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعَدَمِ فِي نَفْسِهِ كَمَا قَالُوا فِي أَعْدَامِنَا السَّابِقَةِ عَلَى وُجُودِنَا مِنْ أَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ وَأَزَلِيَّةُ الْعَدَمِ هُوَ مَعْنًى كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْهَا فِي لِسَانِ الْحَقَائِقِ بِحَضْرَةِ الْعَمَى وَالظُّلْمَةِ، فَمَنْ قَالَ الْفَرَاغُ أَزَلِيٌّ يُثْبِتُ شَيْئًا مُحَقَّقًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْأَزَلِيَّةِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلْزَمَ مَحْذُورٌ وَإِنَّمَا هِيَ أَزَلِيَّةُ الْعَدَمِ فِي نَفْسِهِ كَمَا عَلِمْتَ وَمَنْ قَالَ حَادِثٌ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ تَوَهُّمَهُ وَتَخَلِّيَهُ أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَالْمَوْلَى جَلَّ شَأْنُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُولِ فِي الْفَرَاغِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ الْمَحْصُورَةِ بِالْأَمْكِنَةِ وَالْجِهَاتِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرَاغِ الَّذِي فَوْقَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّنَا نَمْسِكُ عَمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ سَمْعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ وَنُفَوِّضُ عِلْمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كَوْنِهِ مَشْغُولًا بِشَيْءٍ أَوْ لَا وَفِي مِقْدَارِ ذَلِكَ مَعَ وُجُوبِ تَنَاهِي الْمَوْجُودَاتِ الْحَادِثَةِ وَاسْتِرْسَالِ الْفَرَاغِ فِيمَا تَخَيَّلَ فَقَطْ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوَاضِعِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْحُكَمَاءِ إنَّ

стр. 5

الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ لَا خَلَا وَلَا مَلَا فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي أَمَاكِنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي النُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ هَلْ هُوَ جِسْمٌ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِجِسْمِيَّتِهِ وَقُلْتُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا مَلَكٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا سَمَاءُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ السَّابِقُ فِي الْإِيجَادِ قَبْلَ جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْجِسْمِيَّةُ إذْ لَا نَعْلَمُ فِيهِ إذْنًا وَرَدَ وَلَا تَوْقِيفًا كَيْفَ وَالْجِسْمُ مَا كَانَ مِنْ مَوَادٍّ تُرَكَّبُ مِنْهَا وَهَذَا مَادَّةُ الْمَوَادِّ كُلِّهَا، وَأَصْلُ الْأُصُولِ وَأَوَّلُ الْأَوَّلِ نَعَمْ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَأَمَّا الْحَيِّزُ فَهُوَ فَرَاغٌ مَوْهُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا تَحَقُّقَ لَهُ وَإِلَّا احْتَاجَ لِحَيِّزٍ وَدَوْرٍ أَوْ تَسَلْسُلٍ فَانْدَفَعَ التَّوَقُّفُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْبَحْثُ بِقَوْلِ السَّائِلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ لَوْ كَانَ الْحَيِّزُ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا إشْكَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. [الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ] (وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الْمَلَائِكَةُ جَوَاهِرُ نُورَانِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ فَإِنَّ اللَّهَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَيَفْعُلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَيَتَنَزَّلُونَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ قَوْلٌ وَهُوَ عَرَضٌ وَالْفِعْلَ عَرَضٌ وَحَرَكَةَ النُّزُولِ عَرَضٌ وَكَذَلِكَ الصُّعُودَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَوَرَدَ أَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً وَهِيَ جَوَاهِرُ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ جَوَاهِرَ نُورَانِيَّةٍ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ اللَّائِقَةِ بِالصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُقُولٌ مُجَرَّدَاتٌ فَقَوْلُ الْحُكَمَاءِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي أَرْوَاحِ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْنَ تَسْتَقِرُّ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ تَسْتَقِرُّ فِي الْبَرْزَخِ كَمَا كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِ الْجِسْمِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ شَجَرَةِ الْيَقِينِ فِي تَخْلِيقِ نُورِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ وَنَصُّهُ: " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا - «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الصُّورَ وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُعَبٍ شُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَشْرِقِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَفِي الصُّورِ مِنْ الثَّقْبِ

стр. 6

بِعَدَدِ الْأَرْوَاحِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْمَلَائِكَةِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْجِنِّ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْإِنْسِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ حَتَّى السَّخْلَةُ وَالسِّقْطُ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ صِنْفًا وَأُعْطِيهِ إسْرَافِيلُ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَنَفْخَةُ الصَّعْقَةِ وَنَفْخَةُ الْبَعْثِ» اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَفِيهِ إجْمَالٌ يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ مِنْ كَلَامِ الْغَوْثِ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي الْإِبْرِيزِ، وَنَصُّهُ: وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي الْبَرْزَخِ إنَّهُ عَلَى صُورَةِ مُحَلِّقٍ ضَيِّقٍ مِنْ أَسْفَلِهِ ثُمَّ مَا دَامَ يَطْلُعُ وَهُوَ يَتَّسِعُ فَلَمَّا بَلَغَ مُنْتَهَاهُ جُعِلَتْ قُبَّةٌ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ قُبَّةِ الْفَنَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِالْمِهْرَاسِ الْكَبِيرِ مِنْ الْعُودِ فَإِنَّ أَسْفَلَهُ ضَيِّقٌ ثُمَّ جُعِلَ يَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا جُعِلَتْ فَنَارًا عَلَى رَأْسِهِ كَانَ مِثْلَ الْبَرْزَخِ فِي الشَّكْلِ أَمَّا فِي الْقَدْرِ وَالْعِظَمِ فَلَا فَإِنَّ الْبَرْزَخَ أَصْلُهُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَا يَلِيهَا ثُمَّ تَصَاعَدَ عَالِيًا حَتَّى خَرَقَ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ حَتَّى خَرَقَ الثَّالِثَة وَهَكَذَا حَتَّى خَرَقَ السَّابِعَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَقَدْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ هَذَا طُولُهُ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَقُلْتُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْبَرْزَخُ مَبْدَؤُهُ مِنْ الْأُولَى إلَى مَا لَا يُحْصَى فَهُوَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى مَا فَوْقَ السَّابِعَةِ لِأَنَّ فِيهِ الْقُبَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ أَشْرَفُ أَجْزَائِهِ إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا رُوحُ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ - وَمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ كَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَبَنَاتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهَا أَزْوَاجُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ مَاتُوا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَانِهِ وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ لِيَحْيَا وَيَبْقَى وَلَهُمْ قُوَّةٌ وَجَهْدٌ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ إثَابَةً لَهُمْ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَفِي الْقُبَّةِ أَيْضًا أَرْوَاحُ وَرَثَتِهِ الْكَامِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْغَوْثِ وَالْأَقْطَابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا مَعْمُورًا فَانْظُرْهُ فِي شَرْحِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ دُونَ الْبَعْضِ. وَأَمَّا عَرْضُ الْبَرْزَخِ فَحَسْبُكَ أَنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ لَا تَدُورُ إلَّا بِهِ عَلَى هَيْئَةِ الطَّائِفِ فَتَقْطَعُهُ فِي كُلِّ عَامٍ وَكُلُّهُ ثُقَبٌ وَفِي هَذِهِ الثُّقَبِ الْأَرْوَاحُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْقُبَّةُ الَّتِي فِيهَا رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَرْوَاحُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ انْقَسَمَتْ إلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ بِعَدَدِ أَقْسَامِ الْجَنَّةِ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا يُشْبِهُ جَنَّةً مِنْ الْجَنَّاتِ السَّبْعِ ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الثُّقَبُ كَانَتْ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ مَعْمُورَةً بِالْأَرْوَاحِ فَلَمَّا أُهْبِطَتْ رُوحُ آدَمَ

стр. 7

- ﵊ بَقِيَ مَوْضِعُهَا خَاوِيًا وَهَكَذَا كُلَّمَا أُهْبِطَتْ رُوحٌ بَقِيَتْ ثُقْبَتُهَا خَالِيَةً فَإِذَا رَجَعَتْ الرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَى الْبَرْزَخِ فَلَا تَرْجِعُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ بَلْ تَسْتَحِقُّ مَوْضِعًا غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ أَرْوَاحُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا عِقَابَ عَلَيْهَا مِنْهَا مَا يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ عَذَابًا عَلَى أَهْلِهَا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ نِعْمَةً لِأَهْلِهَا فَأَرْوَاحُ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَالذُّبَابِ وَمَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِي جَهَنَّمَ إنْ كَانَتْ مَعَ الْكَفَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَلَائِكَةٌ لِقَبْضِ أَرْوَاحِ الضَّحَايَا فَتَرَى عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يَذْبَحُ فِيهِ الْعَبْدُ مَلَائِكَةً كِرَامًا يَحُومُونَ لَا يَنْزِلُونَ إلَى الْأَرْضِ إلَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَإِذَا ذُبِحَتْ الضَّحِيَّةُ أَخَذُوا رُوحَهَا وَذَهَبُوا بِهَا إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا صَالِحَةً فِي ذَبْحِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَلَمْ يُرِدْ رِيَاءً وَلَا فَخْرًا وَلَا كِبْرًا وَلَا خُيَلَاءَ أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ فَتَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِهِ الْمُعَدَّةِ لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً وَعَمَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى جَهَنَّمَ وَتَصِيرُ نِقْمَةً مِنْ النِّقَمِ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُ فِي جَهَنَّمَ وَإِذَا نَظَرْت إلَى تِلْكَ الرُّوحِ رَأَيْتَ كَبْشًا بِذَاتِهِ وَصُورَتِهِ الْمَعْلُومَةِ بِقُرُونِهِ وَصُوفِهِ وَالْكُلُّ نَارٌ حَامِيَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ يُقْرَأُ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) : " لَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُفْصِحٍ عَنْ الْمُرَادِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ إنْ أُرِيدَ بِهَا هَذَا اللَّفْظُ أَعْنِي لَفْظَ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مَعْنًى يُنَاسِبُهُ فَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَلِيِّ وَصِفَاتِهِ السَّنِيَّةِ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣] مَعْنَاهَا أَسْمَاءُ الْأَصْنَامِ كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاتَ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُرَكَّبًا مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ. وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ السَّائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَالْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّهُ أَرَادَ أَسْمَاءَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَمُسَمَّيَاتِهَا كَالْوَاقِعِ أَوَائِلَ السُّوَرِ نَحْوَ أَلَمْ وَغَيْرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي أَلْفَاظٍ مُجْتَمِعَةٍ مِنْ الْقُرْءِ وَهُوَ الْجَمْعُ وَكَذَلِكَ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهَا كَوْنُ الشَّيْءِ تَالِيًا لِآخَرَ أَيْ تَابِعًا لَهُ فَأَلْفَاظُ الْقُرْآنِ الْمَتْلُوَّةُ الْمَقْرُوءَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُسَمَّيَاتِ حُرُوفِ

стр. 8

الْهِجَاءِ وَهِيَ حُرُوفُ الْمَبَانِي الَّتِي تُبْنَى مِنْهَا الْكَلِمَاتُ أَيْ تُرَكَّبُ ثُمَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ قَدْ تَكُونُ أَسْمَاءً لِتِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْمُفْتَتَحِ بِهَا أَوَائِلُ السُّوَرِ فَإِنَّ نُونًا مَثَلًا اسْمُ نُونٍ وَصَادًا اسْمُ صَادٍ، وَلِذَلِكَ تُرْسَمُ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَتُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ. وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُقْرَأُ الْمُسَمَّيَاتُ نَفْسُهَا كَمَا يَقَعُ فِي بَاءِ الْجَرِّ وَوَاوِ الْعَطْفِ فَإِنَّهُ يُعْطَفُ بِنَفْسِ حَرْفِ الْمَعْنَى لَا بِاسْمِهِ فَإِنْ أَرَادَ السَّائِلُ هَذَا الْمَعْنَى فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ فَلْيُفْصِحْ عَنْهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ الْجَوَابَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَعْدَادَ الْمَسْرُودَةَ وَالنِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ وَعَذَابَ الْكُفَّارِ الدَّائِمَ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ لَا نِهَايَةَ لَهَا. فَإِنْ قُلْتُمْ يَعْلَمُهَا تَفْصِيلًا لَزِمَ أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا وَإِنْ قُلْتُمْ يَعْلَمُهَا إجْمَالًا لَزِمَ الْجَهْلُ بِتَفْصِيلِهَا وَهُوَ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَإِنْ قُلْتُمْ إنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا لَزِمَ الْجَهْلُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَهُوَ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ اكْشِفُوا لَنَا اللِّثَامَ عَنْ هَذَا الْمَرَامِ. فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ تَوَقُّفُ الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ عَلَى التَّنَاهِي إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْعِلْمِ الْحَادِثِ فَقَطْ لِضِيقِ دَائِرَتِهِ وَقِصَرِ تَعَلُّقِهِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ الْقَدِيمُ فَتَعَلُّقُهُ عَامٌّ لَا يَتَنَاهَى فَيَتَعَلَّقُ تَفْصِيلًا بِمَا لَا يَتَنَاهَى، فَإِنْ قِيلَ مَا كَيْفِيَّةُ الْعِلْمِ الَّذِي تَعَلُّقُهُ لَا يَتَنَاهَى؟ فَجَوَابُهُ الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ وَلَا تَسَعُهُ الْعُقُولُ بَلْ نَقُولُ يَعْلَمُ بِلَا كَيْفٍ كَمَا نَقُولُ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفٍ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِمَوْجُودٍ بِلَا مَكَان وَلَا زَمَانٍ وَلَا أَوَّلٍ وَلَا آخِرٍ لَا يَسْتَبْعِدُ مِنْهُ عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا بِمَا لَا يَتَنَاهَى سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [عَذَاب الْقَبْر] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ بِالنَّارِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّارَ عِيَانًا فِي الْقَبْرِ فَهَلْ مَا يَزْعُمُونَهُ صَحِيحٌ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ فَأُجِيبَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ اعْتِقَادُهُمْ صَحِيحٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وَالْأَحَادِيثُ بَلَغَتْ جُمْلَتُهَا التَّوَاتُرَ وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا ذَلِكَ وَكُلُّ مَا لَمْ يَمْتَنِعْ عَقْلًا وَوَرَدَ بِوُقُوعِهِ الشَّرْعُ وَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ وَمَا يَزْعُمُونَهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ نَادِرٌ جِدًّا فَفِي مُخْتَصَرِ تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ لِلشَّعْرَانِيِّ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَلَجْلَجُ فِي مَسْأَلَتِهِ إذَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَلِفَةً فَلَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ بِقَوْلِهِ اللَّهُ رَبِّي وَيَأْخُذُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَضْرِبَانِهِ ضَرْبَةً يَشْتَعِلُ عَلَيْهِ بِهَا قَبْرُهُ نَارًا ثُمَّ تُطْفَأُ عَنْهُ أَيَّامًا ثُمَّ تُشْعَلُ أَيَّامًا هَذَا دَأْبُهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ وَالْإِسْلَامُ

стр. 9

دِينِي لِشَكٍّ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ فِتْنَةٍ حَصَلَتْ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَضْرِبَانِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَيَشْتَعِلُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا كَالْأَوَّلِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ وَالْقُرْآنُ إمَامِي لِأَنَّهُ كَانَ يَتْلُوهُ وَلَا يَتَّعِظُ بِهِ وَلَا يَأْتَمِرُ بِأَوَامِرِهِ وَلَا يَنْتَهِي بِنَوَاهِيهِ فَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْأَوَّلَيْنِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ جَرْوًا يُعَذَّبُ بِهِ فِي قَبْرِهِ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ خِنْزِيرًا أَيْ جَرْوَ خِنْزِيرٍ كَمَا وَرَدَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الْكَعْبَةُ قِبْلَتِي لِقِلَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِيهَا لِلصَّلَاةِ أَوْ فَسَادٍ فِي وُضُوئِهِ أَوْ الْتِفَاتٍ فِي صَلَاتِهِ أَوْ نَقْصٍ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِقَوْلِهِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَبِي لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَتَوَهَّمَ ذَلِكَ وَنَسِيَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فَيَفْعَلُ بِهِ مَا فَعَلَ بِالْأَوَّلِينَ مِنْ ضَرْبِهِ ضَرْبَةً يَشْتَعِلُ بِهَا قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ لَا دَرَيْتَ وَلَا عَرَفْتَ ثُمَّ يَضْرِبَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَامِعِ حَتَّى يَتَخَلْخَلَ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ثُمَّ تَنْفُضُهُ الْأَرْضُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ يَضْرِبَانِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَالَ: وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي السُّؤَالِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ كَمَا تَخْتَلِفُ الْأَحْوَالُ عَلَى النَّاسِ فِي الْعَذَابِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ كَلْبًا يَنْهَشُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَهُمْ الْخَوَارِجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَمَلُهُ خِنْزِيرًا يُعَذَّبُ بِهِ وَهُمْ الْمُرْتَابُونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا كَانَ يَخَافُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ الْجَرْوِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ الْأَسَدِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ حَقٌّ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ بِأَبْصَارِ الْخَلَائِقِ وَأَسْمَاعِهِمْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَنْ رُؤْيَةِ عَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ وَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُلْحِدٌ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ أَحْوَالَ أَهْلِ الْمَقَابِرِ عَلَى خِلَافِ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَوْلَا خَبَرُ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ عَلَى ذَلِكَ مَا عَرَفْنَا شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْقُبُورِ وَلَا عَرَفْنَا الْمُنَعَّمَ وَالْمُعَذَّبَ، ثُمَّ قَالَ وَرَوَى الْحَافِظُ الْوَائِلِيُّ ﵀ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ بِجَبَّانَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْأَرْضِ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يَمْسِكُ طَرَفَهَا أَسْوَدُ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا أَدْرِي أَعَرِفَ اسْمِي أَوْ كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِأَخِيهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ لِي الْأَسْوَدُ لَا تَسْقِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ ثُمَّ اجْتَذَبَهُ فَدَخَلَ الْأَرْضَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْته فَقَالَ أَوَقَدْ رَأَيْته ذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ ابْنُ هِشَامٍ وَهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ قَالَ وَكَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَقُولُ لَا يَسْمَعُ

стр. 10

عَذَابَ الْمَوْتَى إلَّا مَنْ اتَّصَفَ بِكِتْمَانِ الْأَسْرَارِ كَالْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَالَمِ التَّعْبِيرِ عَمَّا تَرَى أَمَّا مَنْ يُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فَلَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَمَا كَتَمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إلَّا لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ كَمَا أَشَارَ الْحَدِيثُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ» . وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ عِنْدَ سَمَاعِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمَنْ يُطِيقُ سَمَاعَ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْقَبْرِ مِنْ أَمْثَالِنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ مَعَ ضَعْفِنَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ سَمَاعِ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَالزَّلَازِلِ الْهَائِلَةِ وَهِيَ دُونَ صَيْحَةِ الْمَلَكِ عَلَى الْمَيِّتِ بِيَقِينٍ. وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ سَمِعَ أَحَدُكُمْ ضَرْبَةَ الْمَلَكِ لِلْمَيِّتِ بِمَفَاتِيحَ مِنْ حَدِيدٍ لَمَاتَ» نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ انْتَهَى. [التَّفْضِيلِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ؛ الْأَسْلَمُ عَدَمُ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ الْخَوْضُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ خُلُوُّ الذِّهْنِ عَنْهُ وَإِنْ خَاضَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَمَسُّكًا بِمَا يُرْوَى مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ حَرْفٍ خَيْرٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» وَرَدَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْكُرْدِيِّ عَلَى الْبُرْدَةِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ الْبُوصِيرِيِّ فِي الْبُرْدَةِ: لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا ... أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ مَقَامِهِ فِي الْعِظَمِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا الْقُرْآنُ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْبُرْدَةِ آيَاتُ حَقٍّ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثَةٌ وَقَالَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمْ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا فِعْلُ الْقَارِئِ وَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الْقَارِئِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَالْأَسْلَمُ الْوَقْفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الَّذِي لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ الْخَوْضُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ خُلُوُّ الذِّهْنِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَمَّنْ يَذْكُرُ بِصِيغَةِ اللَّهِ اللَّهَ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا الْجَهَلَةُ وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ

стр. 11

مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ الْجَاهِلِينَ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (وَسُئِلَ) الْبُلْقِينِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ وَفِي الْأَثْنَاءِ يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ وَيُكَرِّرُونَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ وَفِي آخِرِهِ يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ فَهَلْ ذَلِكَ ذِكْرٌ يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ وَهَلْ فِيهِ إسَاءَةُ أَدَبٍ وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟ (فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ آيَةٌ وَلَا خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَثَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ وَلَا ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَلَا يُؤْجَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُبْتَدِعُونَ شَيْئًا قَدْ يَقَعُونَ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُمَجَّدٌ مُعَظَّمٌ فَهَذَا لَيْسَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَطْلُوبًا وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] وَمَا طَلَبَهُ مِنْ الْأَدَبِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ اهـ. قَالَ الْحَطَّابُ قَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُمَجَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ اهـ. [تَفْضِيل الْقُرْآن عَلَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ] (وَسُئِلَ) الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْمٍ تَجَادَلُوا وَقَالُوا إنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ وَالْكُلُّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟ (فَأَجَابَ) بِأَنْ قَالَ أَمَّا الْكَلَامُ الْقَدِيمُ فَوَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَإِنَّمَا التَّعَدُّدُ فِي الْعِبَارَاتِ عَنْهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَنْ الْحُكْمِ الرَّافِعِ تَتَّصِفُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْعِبَارَةِ عَنْ الْحُكْمِ الْمَرْفُوعِ قَدْ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الْآيِ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ كَمَا قَالَ ﵊ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حِينَ قَالَ أَيُّمَا آيَةٍ أَعْظَمُ فِي الْقُرْآنِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ وَوَرَدَ فِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ الَّذِي يُعْطِيه اللَّهُ عَلَى بَعْضِ الْآيِ أَكْثَرَ فَهِيَ ثُلُثٌ فِي الْفَضِيلَةِ عَلَى أَنَّ الْكُتُبَ الْمَنْسُوخَةَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَا تَجِبُ تِلَاوَةٌ وَيُثَابُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ اهـ مِنْ الْمِعْيَارِ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ هَلْ ذَلِكَ عَنْ نَصٍّ صَرِيحٍ وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ الْمَرْئِيُّ لَنَا حَقِيقَةُ تِلْكَ السَّمَاءِ مَعَ بُعْدِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ أَمْ شَيْءٌ آخَرُ وَهَلْ سَمَاءُ الدُّنْيَا مِنْ أَيِّ نَوْعٍ وَعَلَى أَيِّ لَوْنٍ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.

стр. 12

فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَلَّى أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِتَوْحِيدِهِ وَشَرَّفَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ بِتَصْدِيقِ أَشْرَفِ عَبِيدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَسَافَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ أَخْرَجَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» ثُمَّ قَالَ وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» ثُمَّ قَالَ وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مُصَرَّحَةً بِمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَجَّلَ لِمَنْ شَكَّ فِيمَا قَالُوهُ أَوْ كَذَّبَ بِهِ خِزْيَ الدُّنْيَا وَشَدَّدَ عَلَيْهِ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِعَدْلِهِ، وَالْمَرْئِيُّ لَنَا حَقِيقَةُ تِلْكَ السَّمَاءِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] بَلْ نَرَى حَقِيقَةَ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِأَضْعَافٍ كَزُحَلٍ فَإِنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَسُمْكُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بُرَّةَ قَالَ لَيْسَتْ السَّمَاءُ مُرَبَّعَةً وَلَكِنَّهَا مَقْبُوَّةٌ يَرَاهَا النَّاسُ خَضْرَاءَ انْتَهَى فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُصَرَّحٌ بِأَنَّ الْمَرْئِيَّ لَنَا حَقِيقَةُ تِلْكَ السَّمَاءِ وَالنَّوْعُ الَّذِي خُلِقَتْ مِنْهُ السَّمَاءُ الدُّنْيَا الدُّخَانُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقُرْآنُ وَصَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنْ الْمَاءِ دُخَانًا فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ وَذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. ثُمَّ قَالَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ السَّمَاءُ قَالَ هَذِهِ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ عَنْكُمْ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ

стр. 13

وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا مَوْجٌ مَكْفُوفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنْ السَّمَاءِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هِيَ فَكَتَبَ إلَيْهِ إنَّ السَّمَاءَ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حَبَّةَ الْعَوْنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَحْلِفُ وَاَلَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ دُخَانٍ وَمَاءٍ انْتَهَى وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا لَوْنُهَا فَهُوَ الْبَيَاضُ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ السَّمَاءُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ صَخْرَةٌ تَحْتَ الْأَرَضِينَ بَلَغَنَا أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ مِنْهَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ انْتَهَى. فَهَذِهِ أَحَادِيثُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ فَمَنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ كَذَّبَهَا فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ سَابٌّ يُقْتَلُ، وَلَوْ تَابَ. وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيَجُوزُ حَرْقُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [وَقْت ظهور المهدي] (وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ وَمَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مَرَّ بِمَقْبَرَةٍ فَسَمِعَ صَرِيخَ مَيِّتٍ هَلْ يُصَدَّقُ أَمْ لَا وَمَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَجَدَ شَيْئًا يُضِيءُ فِي مِيضَأَةِ جَامِعٍ فَأَخَذَهُ وَرَبَطَهُ بِكُمِّهِ ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ كَالْقَمْحَةِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَذَابَ أَجِيبُوا لَنَا عَلَى إيضَاحِ هَذِهِ الْأُمُورِ. (فَأَجَابَهُ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَصِحَّ فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ خَبَرٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَسَمَاعُ صَرِيخٍ بَعْضِ الْأَمْوَاتِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ لَا يَلْزَمُنَا تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ وَكَذَلِكَ مَا وَجَدَهُ الرَّجُلُ فِي الْمِيضَأَةِ شَيْءٌ لَا يَعْنِينَا وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ وَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِفْتَاءِ فِي هَذَا، وَاَللَّهُ اعْلَمْ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الرِّيحِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هَلْ يَتَجَسَّمُ أَوْ لَا وَمِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْآدَمِيَّ إذَا غَرِقَ فِي الْبَحْرِ يَمُوتُ وَالْبَحْرِيُّ إذَا خَرَجَ إلَى الْبَرِّ مَاتَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الرِّيحُ الْمُسَخَّرُ جِسْمٌ مَحْسُوسٌ يُسَيِّرُ السُّفُنَ وَيَهْدِمُ الْبُنْيَانَ وَيَقْلَعُ الْأَشْجَارَ لَكِنَّهُ لِلَطَافَتِهِ لَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَيُرْسِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى مَتَى شَاءَ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] وَأَصْلُهُ الْهَوَاءُ الَّذِي مَلَأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ لَهُ أَسْبَابٌ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْهَا ثِقَلُ السَّحَابِ وَمِنْهَا تَزَاحُمُ السَّحَابِ فَيَدْفَعُ الْكَثِيفَ الرَّقِيقَ وَمِنْهَا زِيَادَةُ مِقْدَارِهِ فَيَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَمِنْهَا تَكَاثُفُهُ وَمِنْهَا بَرْدُ الدُّخَانِ الْمُتَصَعِّدِ إلَى الطَّبَقَةِ الزَّمْهَرِيرِيَّة وَنُزُولُهُ وَالْآدَمِيُّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَنَفِّسَةِ فَدَوَامُ حَيَاتِهِ بِانْتِشَاقِ الْهَوَاءِ فَإِذَا غَرِقَ فِي الْمَاءِ عُدِمَ الْهَوَاءُ الَّذِي بِهِ دَوَامُ حَيَاتِهِ فَمَاتَ وَالسَّمَكُ غَيْرُ مُتَنَفِّسٍ فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْبَرِّ تَكَاثَرَ عَلَيْهِ الْهَوَاءُ الْمُضَادُّ لِطَبْعِهِ فَمَاتَ، وَاَللَّهُ اعْلَمْ.

стр. 14

مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ وَاضِعَ عِلْمِ التَّوْحِيدِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ الْإِمَامُ الْمَذْكُورُ مَالِكِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ وَاضِعُهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ آيَاتٍ كَثِيرَةً مُبَيِّنَةً لِلْعَقَائِدِ وَبَرَاهِينِهَا وَمِمَّنْ دَوَّنَ فِيهِ قَبْلَ الْإِمَامِ الْأَشْعَرِيِّ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْيُوسِيُّ فِي قَانُونِهِ وَأَمَّا وَاضِعُهُ أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ فَقِيلَ هُوَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَوَّنَ هَذَا الْعِلْمَ وَهَذَّبَ مَطَالِبَهُ وَنَقَّحَ مَشَارِبَهُ فَهُوَ إمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ مُدَافِعٍ وَلَكِنْ عَدُّهُ وَاضِعًا غَيْرُ بَيِّنٍ فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَهُ وَكَانَتْ لَهُ عُلَمَاءُ يَخُوضُونَ فِيهِ كَالْقَلَانِسِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِلَابٍ وَكَانُوا قَبْلَ الشَّيْخِ يُسَمَّوْنَ بِالْمُثْبِتَةِ لِإِثْبَاتِهِمْ مَا نَفَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَيْضًا عِلْمُ الْكَلَامِ كَمَا مَرَّ صَادِقٌ بِقَوْلِ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ وَالشَّيْخُ كَانَ يَدْرُسُهُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَقِصَّتُهُ مَعْلُومَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ وَاضِعًا وَالْأَوْلَى أَنَّهُ عِلْمٌ قُرْآنِيٌّ لِأَنَّهُ مَبْسُوطٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ الْعَقَائِدِ، وَذِكْرِ النُّبُوَّاتِ وَذِكْرِ السَّمْعِيَّاتِ وَذَلِكَ مَجْمُوعُهُ مَعَ ذِكْرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنُّفُوسِ وَغَيْرِهَا وَالْإِشَارَةُ إلَى مَذَاهِبِ الْمُبْطِلِينَ كَالْمُثَلَّثَةِ وَالْمَثْنِيَّةِ والطبائعيين وَإِنْكَارُ هَذَا عَلَيْهِمْ. وَالْجَوَابُ عَنْ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ الْمُنْكِرِينَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إمْكَانًا أَوْ وُجُودًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] وَذَكَرَ حُجَجَ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إقْرَارًا لَهَا، وَحِكَمَ لُقْمَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ كَإِبْطَالِهِ اعْتِقَادَ الْأَعْرَابِ فِي الْأَنْوَاءِ وَفِي الْعَدْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا وَهَذَا إذَا اُعْتُبِرَ الْكَلَامُ مَعْزُولًا عَنْ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَأَمَّا إنْ اعْتَبَرُوا الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ وَأَنَّهُ هُوَ الْمَأْخُوذُ فِي الْمِلَّةِ بَعْدَ تَنْقِيحِهِ بِإِبْطَالِ الْبَاطِلِ وَتَصْحِيحٍ الصَّحِيحِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ وَضْعَهُ قَدِيمٌ انْتَهَى كَلَامُ الْيُوسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ قَالَ يَعْنِي الْيُوسِيَّ وَاشْتَهَرَ أَنَّهُ وَاضِعُ هَذَا الْفَنِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَكَلَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيهِ وَابْنُهُ وَأَلَّفَ مَالِكٌ رِسَالَةً قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْأَشْعَرِيُّ نَعَمْ هُوَ اعْتَنَى بِهِ كَثِيرًا وَكَانَ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ مَالِكِيًّا وَكَذَا نَقَلَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ عَقِيدَتِهِ عَنْ عِيَاضٍ وَنَقَلَ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ شَافِعِيٌّ انْتَهَى فَفِي كَوْنِهِ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا خِلَافٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْغُنَيْمِيُّ عَلَى شَرْحِ السُّنُوسِيُّ عَلَى الصُّغْرَى مَوْلِدُ الْأَشْعَرِيِّ سَنَةَ سَبْعِينَ وَقِيلَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ بَيْنَ الْكَرْخِ وَالْبَصْرَةِ انْتَهَى.

стр. 15

[حياة الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ فِي قُبُورِهِمْ] مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالشُّهَدَاءِ هَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَنْكِحُونَ عَلَى كَيْفِيَّةِ مَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَهَلْ الْأَوْلِيَاءُ كَذَلِكَ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ؛ هُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ لَكِنْ لَا عَلَى كَيْفِيَّةِ مَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَلْ عَلَى كَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْنَا الْكَفُّ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا إذْ لَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهَا إلَّا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا حَدِيثٌ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَالْأَوْلِيَاءُ كَذَلِكَ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ السَّلَامِ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ وَالِدِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَصَفَ شَهِيدَ الْحَرْبِ بِالْحَيَاةِ أَيْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ اتِّصَافِ هَيْكَلِ شَهِيدِ الْحَرْبِ بِالْحَيَاةِ الْكَامِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وَأَنَّ حَيَاتَهُمْ حَقِيقِيَّةٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كَمَا تُرْزَقُ الْأَحْيَاءُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْجُزُولِيُّ وَحَيَاتُهُمْ غَيْرُ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ لَكِنْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ الشَّرْعِ وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْخَوْضِ فِي كَيْفِيَّتِهَا إذْ لَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهَا إلَّا مِنْ الْخَبَرِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَالْحَيَاةُ كَيْفِيَّةٌ يَلْزَمُهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ أَوْ تُصَحِّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْعِلْمَ وَقَوْلُنَا اتِّصَافُ هَيْكَلٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ مِنْ اتِّصَافِ الذَّاتِ وَالرُّوحِ جَمِيعًا وَالْمُرَادُ بِشَهِيدِ الْحَرْبِ الْمُؤْمِنُ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِدُونِ مُفَارَقَةِ سَبَبٍ مُؤْثِمٍ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَقْتُولٍ عَلَى الْحَقِّ كَالْمَجْرُوحِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَإِقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ مَعَ مُقَارَفَةِ سَبَبٍ مُؤْثِمٍ كَمَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ فَلَهُ حُكْمُ شَهِيدِ الدُّنْيَا لَا ثَوَابُهُمْ الْكَامِلُ وَأَمَّا الْمَبْطُونُ وَالْمَطْعُونُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ فَقَطْ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَالْأَوَّلِ فِي الثَّوَابِ لَكِنَّهُ دُونَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ وَأَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فَظَهَرَ أَنَّ الشَّهِيدَ ثَلَاثَةٌ شَهِيدُ دُنْيَا وَآخِرَةٍ وَشَهِيدُ دُنْيَا فَقَطْ وَشَهِيدُ آخِرَةٍ فَقَطْ وَهَذَا الثَّالِثُ خَرَجَ بِقَوْلِ النَّاظِمِ: وَصْفُ شَهِيدِ الْحَرْبِ بَعْدَ شُمُولِهِ الْأَوَّلِينَ وَإِرَادَةُ الْغَنِيمَةِ أَوْ الْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا يُنَافِي حُصُولَ الشَّهَادَةِ وَسُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ حَيٌّ وَرُوحُهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ أَيْ دَخَلَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُهَا إلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ انْتَهَى. قَالَ مِحَشَّيْهِ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ قَوْلُهُ هَيْكَلٍ هُوَ الشَّخْصُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الرُّوحِ وَالْجِسْمِ كَمَا سَيَقُولُ الشَّارِحُ قَوْلُهُ الْكَامِلَةُ مَعْنَى كَمَالِهَا: تَعَلُّقُهَا بِكُلٍّ مِنْ الرُّوحِ

стр. 16

وَالْجَسَدِ عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا سَيَقُولُ قَوْلُهُ وَاللِّبَاسُ عَلَى وَجْهٍ مُغَيَّبٍ يَعْلَمُهُ الْمَوْلَى ﵎ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقَامُ مَقَامُ تَسْلِيمٍ وَتَفْوِيضٍ، قَوْلُهُ " وَمِثْلُهُ كُلُّ مَقْتُولٍ. . . إلَخْ " شَيْخُنَا ظَاهِرُ النُّصُوصِ قَصْرُهُ عَلَى مُقَاتِلِ الْحَرْبَيْنِ قَوْلُهُ شُمُولُهُ لِلْأَوَّلَيْنِ يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْمُوَافِقُ لِلنُّصُوصِ مَا سَبَقَ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِبْرِيزِ فِي أَجْزَاءِ الرِّسَالَةِ السَّابِعُ أَنْ يَحْيَا حَيَاةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَاتِ الرَّسُولِ تُسْقَى بِمَا تُسْقَى بِهِ ذَوَاتُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ إيَّاهَا بِذَوَاتِهِمْ بِمَثَابَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا لِأَنَّ الدَّارَ دَارَانِ: دَارُ الْفَنَاءِ وَفِيهَا قِسْمَانِ مَا هُوَ نُورَانِيٌّ وَمَا هُوَ ظَلْمَانِيٌّ، وَدَارُ الْبَقَاءِ فِيهَا قِسْمَانِ مَا هُوَ نُورَانِيٌّ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَمَا هُوَ ظَلْمَانِيٌّ وَهُوَ النَّارُ وَإِذَا زَالَ الْحِجَابُ أُمَدَّ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ دَارِ الْبَقَاءِ مَا يُوَافِقُهُ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ فَيَمُدُّ النُّورَانِيُّ النُّورَانِيَّ، وَالظَّلْمَانِيُّ الظَّلْمَانِيَّ ثُمَّ زَوَالُ الْحِجَابِ مُخْتَلِفٌ فَفِي حَقِّ الرُّسُلِ سَابِقٌ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمْ فَوْقَ كُلِّ نُورَانِيٍّ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَوَقَعَ لِذَوَاتِهِمْ الِاسْتِمْدَادُ مِنْ نُورَانِيِّ دَارِ الْبَقَاءِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا غَالِبُ الْخَلْقِ فَإِنَّ زَوَالَ الْحِجَابِ إنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقَعُ لَهُمْ الِاسْتِمْدَادُ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ اسْتَمَدَّ مِنْ أَنْوَارِ الْجَنَّةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطُّغْيَانِ اسْتَمَدَّ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ - أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا - وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاسْتِمْدَادُ مَوْقُوفٌ عَلَى زَوَالِ الْحِجَابِ وَقَدْ زَالَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَكَانُوا أَحْيَاءً كَحَيَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اهـ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَمَا بَالُك بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَانْتِقَالِهِمْ لِلرَّفِيقِ الْأَعْلَى قَالَ فِي الْإِبْرِيزِ: وَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كُنْت أَتَكَلَّفُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ فَوَقَفَ عَلَيَّ مَنَامًا فَقَالَ لِي إنَّ ذَاتِي لَيْسَتْ بِمَحْجُوبَةٍ فِي الْقَبْرِ بَلْ هِيَ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ عَامِرَةٌ لَهُ وَمَالِئَةٌ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ تَطْلُبُنِي تَجِدُنِي حَتَّى إنَّكَ إذَا قُمْتَ إلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّلْتَ بِي إلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَكُونُ مَعَكَ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ فَقَالَ وَأَنَا فِيهِ بِأَجْمَعِهِ فَحَيْثُمَا طَلَبْتَنِي وَجَدْتنِي وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنِّي أَنَا رَبُّكَ فَإِنَّ رَبَّكَ غَيْرُ مَحْصُورٍ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا مَحْصُورٌ فِيهِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْإِبْرِيزِ قَالَ وَيَحْضُرُهُ يَعْنِي الدِّيوَانَ بَعْضُ الْكُمَّلِ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَيَكُونُونَ فِي الصُّفُوفِ مَعَ الْأَحْيَاءِ وَيَتَمَيَّزُونَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ زِيَّهُمْ لَا يَتَبَدَّلُ بِخِلَافِ زِيِّ الْحَيِّ وَهَيْئَتِهِ فَمَرَّةً يَحْلِقُ شَعْرَهُ وَمَرَّةً يُجَدِّدُ ثَوْبَهُ وَهَكَذَا وَأَمَّا الْمَوْتَى فَلَا تُبَدَّلُ حَالَتُهُمْ فَإِذَا رَأَيْتَ فِي الدِّيوَانِ رَجُلًا عَلَى زِيٍّ لَا يَتَبَدَّلُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ الْمَوْتَى كَأَنْ تَرَاهُ مَحْلُوقَ الشَّعْرِ وَلَا يَنْبُتُ لَهُ شَعْرٌ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مَاتَ وَإِنْ رَأَيْتَ الشَّعْرَ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى حَالَةٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَلَا يُحْلَقُ فَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ مَيِّتٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ثَانِيهَا أَنَّهُ لَا تَقَعُ مَعَهُمْ مُشَاوَرَةٌ فِي أُمُورِ الْأَحْيَاءِ لِأَنَّهُ لَا تَصَرُّفَ لَهُمْ فِيهَا وَقَدْ انْتَقَلُوا إلَى عَالَمٍ آخَرَ فِي غَايَةِ الْمُبَايَنَةِ لِعَالَمِ الْأَحْيَاءِ وَإِنَّمَا تَقَعُ مَعَهُمْ الْمُشَاوَرَةُ فِي أُمُورِ عَالَمِ الْأَمْوَاتِ. ثَالِثُهَا: أَنَّ ذَاتَ الْمَيِّتِ لَا ظِلَّ لَهَا فَإِذَا وَقَفَ الْمَيِّتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّمْسِ فَإِنَّكَ لَا تَرَى

стр. 17

لَهُ ظِلًّا وَسِرُّهُ أَنَّهُ يَحْضُرُ بِذَاتِ رُوحِهِ لَا بِذَاتِهِ التُّرَابِيَّةِ وَذَاتُ الرُّوحِ خَفِيفَةٌ لَا ثَقِيلَةٌ وَشَفَّافَةٌ لَا كَثِيفَةٌ قَالَ وَالْأَمْوَاتُ الْحَاضِرُونَ فِي الدِّيوَانِ يَنْزِلُونَ إلَيْهِ مِنْ الْبَرْزَخِ يَطِيرُونَ بِطَيَرَانِ الرُّوحِ فَإِذَا قَرُبُوا مِنْ مَوْضِعِ الدِّيوَانِ نَزَلُوا إلَى الْأَرْض وَمَشَوْا عَلَى أَرْجُلِهِمْ إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الدِّيوَانِ تَأَدُّبًا مَعَ الْأَحْيَاءِ وَخَوْفًا مِنْهُمْ. قَالَ وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَحْضُرُهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَحْضُرُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وَيَحْضُرُهُ فِيهَا سَيِّدُ الْوُجُودِ ﷺ وَأَزْوَاجُهُ الطَّاهِرَاتُ وَأَكَابِرُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ فِي هِدَايَةِ الْمُرِيدِ: قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً أَجْزَاءَ الشَّهِيدِ وَيُحْيِيهَا فَتَنْعَمُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَيَاةُ لِلرُّوحِ لَا لِلْجَسَدِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْجُزُولِيُّ: إنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ الشَّرْعِ وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْخَوْضِ فِي كَيْفِيَّتِهَا إذْ لَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهَا إلَّا مِنْ الْخَبَرِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ اهـ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ لَيْسَتْ بِالْجَسَدِ. وَقَالَ ابْنُ عَادِلٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ حَيَاتَهُمْ بِالْجَسَدِ وَإِنْ لَمْ نُشَاهِدْ الْجَسَدَ حَيًّا، فَإِنَّ حَيَاةَ الرُّوحِ ثَابِتَةٌ لِجَمِيعِ الْأَمْوَاتِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ إلَّا بِهَا لَاسْتَوَوْا هُمْ وَغَيْرُهُمْ انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى مَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ ثُمَّ قَالَ الْخَامِسُ: قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ نَبِيَّنَا ﷺ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلُونَ مَعَ أَنَّا نَعْتَقِدُ ثُبُوتَ الْإِدْرَاكَاتِ كَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ لِسَائِرِ الْمَوْتَى وَنَقْطَعُ بِعَوْدِ حَيَاةِ كُلِّ مَيِّتٍ فِي قَبْرِهِ وَبِنَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَهُمَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ لَكِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبِنْيَةِ وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْحَيَاةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَمُقْتَضَاهَا أَنَّهَا مَعَ الْبِنْيَةِ وَقُوَّةِ النُّفُوذِ فِي الْعَالَمِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْعَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - النَّبِيُّ ﷺ فِي حُكْمِ الرِّسَالَةِ الْآنَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ أَصْلِ الشَّيْءِ فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ الْآنَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي السَّمَوَاتِ هَلْ هِيَ دَائِرَةٌ بِالْأَرْضِ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَسَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مَقْبُوَّةٌ عَلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ دَائِرَةً بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 18

مَا قَوْلُكُمْ) فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ هَلْ يَدْخُلُونَهَا قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَدْخُلُونَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ السَّلَامِ وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثُ وَأَوَّلُ وَارِدِ الْمَحْشَرِ كَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ اهـ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ قَوْلُهُ نَبِيُّنَا وَرَدَ ثُمَّ نُوحٌ وَوَرَدَ أَيْضًا ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، قَوْلُهُ " أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ " حَكَى لَنَا شَيْخُنَا اتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ قَالَ أَنَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَأَجَابَ بِأَنِّي مِنْ أَتْبَاعِهِ الَّذِينَ يَمْشُونَ فِي خِدْمَتِهِ أَمَامَهُ كَالسُّعَاةِ فَقَوْلُهُمْ " أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ النَّبِيُّ ﷺ " مَعْنَاهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ اسْتِقْلَالًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَدَبَ شَيْءٌ آخَرُ إلَّا لِغَرَضٍ حَسَنٍ. وَفِي أَوَائِلِ مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ فِي بَيَانِ الْعُهُودِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِلْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ أَوَاخِرُ عَهْدِ دَوَامِ الْوُضُوءِ مَا نَصُّهُ: " رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا بِلَالُ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ إنِّي دَخَلْت الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي فَقَالَ بِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا» وَمَعْنَى خَشْخَشَتْكَ أَمَامِي أَيْ رَأَيْتُك مُطْرِقًا بَيْنَ يَدِي كَالْمُطْرِقِينَ بَيْنَ يَدِي مُلُوكِ الدُّنْيَا قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فِي الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ فِي نُزْهَةِ الْأَرْوَاحِ فِي بَعْضِ أَوْصَافِ الْجَنَّةِ دَارِ الْأَفْرَاحِ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَفِي سَبْقِ الْفُقَرَاءِ لِدُخُولِهَا قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ وَفِيمَنْ يَدْخُلُهَا بِلَا حِسَابٍ: اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمُصْطَفَى ﷺ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِك أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْدَمُ بَابَ الْجَنَّةِ» . فَإِنْ قُلْتُ هَذَا يُنَافِيه عِدَّةُ أُمُورٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ فَهُمْ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ بِمَ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ فَمَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، فَقَالَ بِلَالٌ: مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إلَّا تَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ ﷺ بِهَذَا» كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. الثَّالِثُ مَا وَرَدَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَقْدُمُ بَابَ الْجَنَّةِ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيه. الرَّابِعُ مَا وَرَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ أَنَا إلَّا أَنَّ

стр. 19

امْرَأَةً تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا مَا لَكِ أَوْ مَا أَنْتِ فَتَقُولُ أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامِي» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَالْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ النَّبَوِيَّ يَتَعَدَّدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَنَحْوُهُ فِي الْبُخَارِيِّ فَالدُّخُولُ الْأَوَّلُ الثَّابِتُ لَهُ ﷺ أَوَّلِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ وَدُخُولُ غَيْرِهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوَّلِيَّتُهُ إضَافِيَّةٌ فَلَا تَعَارُضَ هَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ عَلَى الْمَوَاهِبِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ دُخُولَهُ ﷺ يَتَعَدَّدُ وَالدُّخُولُ الْأَوَّلُ لَا يَتَقَدَّمُهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ وَيَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ دُخُولُ غَيْرِهِ ذَكَرَهُ الزَّرْقَانِيُّ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ وَرَدَ أَنَّ إدْرِيسَ ﵇ دَخَلَ الْجَنَّةَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ فِيهَا الْآنَ وَدُخُولُهُ الْجَنَّةَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى دُخُولِ الْمُصْطَفَى ﷺ : فَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الدُّخُولَ الْمُعْتَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ إدْرِيسَ ﵇ يَحْضُرُ الْمَوْقِفَ، وَيُسْأَلُ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ذَكَرَهُ الشبراملسي انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَقِيقَةِ الْوِلْدَانِ هَلْ لَهُمْ آبَاءُ وَأُمَّهَاتٌ أَوْ بِقَوْلِ: كُنْ أَوْ مِنْ أَوْلَادِ الدُّنْيَا الصِّغَارِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى الْكُفَّارِ كَمَا يَقُولُونَ؟ أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ الشَّيْخُ: يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ فِي نُزْهَةِ الْأَرْوَاحِ اُخْتُلِفَ فِي هَؤُلَاءِ الْوِلْدَانِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ هُمْ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا حَسَنَةَ لَهُمْ وَلَا سَيِّئَةَ يَكُونُونَ خَدَمًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ يَكُونُونَ خَدَمًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَوْلَادٌ أَنْشَأَهُمْ اللَّهُ كَالْحُورِ الْعِينِ خَدَمًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْمِيزَانِ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْمِيزَانِ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ ": الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ وَلِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ فَالْجَمْعُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] لِلتَّعْظِيمِ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ الْوَاحِدِ مَوَازِينُ يُوزَنُ بِكُلٍّ مِنْهَا صِنْفٌ مِنْ عَمَلِهِ انْتَهَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ قَوْلُهُ " وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ " وَيُلْهَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ مَالَهُ نَظِيرُ مَا سَبَقَ فِي الْحِسَابِ انْتَهَى. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ أَزْوَاجًا وَمَاتَتْ فِي عِصْمَةِ آخِرِهِمْ فَهَلْ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ لِلَّذِي افْتَضَّهَا أَوْ لِلَّذِي مَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا لَهَا؟ أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ

стр. 20

فِي ذَلِكَ فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ افْتَضَّهَا، وَفِي بَعْضِهَا لِمَنْ مَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَفِي بَعْضِهَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا لَهَا وَفِي بَعْضِهَا تُخَيَّرُ قَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التَّذْكِرَةِ بَابُ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِكْرًا فِي الدُّنْيَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ فِي الْآخِرَةِ، رَوَى مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ كَانَ كَثِيرَ الضَّرْبِ لِزَوْجَتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَضَرَبَهَا يَوْمًا حِينَ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ شَعْرَهَا بِشَعْرِ ضَرَّتِهَا ضَرْبًا شَدِيدًا وَكَانَتْ الضَّرَّةُ أَحْسَنَ أَنْفًا مِنْهَا فَكَانَ الضَّرْبُ بِأَسْمَاءِ أَكْثَرَ فَشَكَتْ إلَى أَبِيهَا أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ لَهَا أَيْ بُنَيَّةَ اصْبِرِي فَإِنَّ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَكِ فِي الْجَنَّةِ قَالَ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا ابْتَكَرَ بِالْمَرْأَةِ تَزَوَّجَهَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ أَزْوَاجٍ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا تُخَيَّرُ فِي الْأَزْوَاجِ فَأَيَّ زَوْجٍ اخْتَارَتْهُ كَانَتْ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ سَرَّكِ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْجَنَّةِ إنْ جَمَعَنَا اللَّهُ فِيهَا فَلَا تَتَزَوَّجِي أَحَدًا مِنْ بَعْدِي فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا انْتَهَى. وَخَطَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَأَبَتْ وَقَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمَرْأَةُ تَكُونُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِي الْآخِرَةِ» فَلَا تَتَزَوَّجِي بَعْدِي. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ «أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ يَكُونُ لَهَا الزَّوْجَانِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يَمُوتُونَ فَيَجْتَمِعُونَ فِي الْجَنَّةِ لِأَيِّهِمَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلْآخِرِ، فَقَالَ: تَكُونُ لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ مَعَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ حَبِيبَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَجَمَعَ بَيْنَهَا بِأَنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ فِيمَنْ طَلَّقُوهَا وَلَمْ تَمُتْ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتُخَيَّرُ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي وُقُوعِ عَلَقَةٍ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ بِهَا مَعَ انْقِطَاعِهَا فَاتَّجَهَ التَّخْيِيرُ لِعَدَمِ الْمُرَجَّحِ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيمَنْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ لِأَنَّ عَلَقَتَهُ بِهَا لَمْ يَقْطَعْهَا شَيْءٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا لِمَنْ ابْتَكَرَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا مِنْ الْأَزْوَاجِ حَيْثُ لَمْ يَرْجَحْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الْآخَرَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَلِلْآخَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا طَلَّقَهَا الَّذِي ابْتَكَرَهَا وَلَمْ يَرْجَحْ وَاحِدٌ مِنْ الْبَاقِينَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَلِأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا حَيْثُ تَفَاوَتُوا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَكُلُّ هَذَا مَا عَدَا أَزْوَاجَهُ ﷺ اللَّاتِي مَاتَ عَنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَنَّةِ بِلَا شَكٍّ انْتَهَى. وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا رَابِعًا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِيهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَحِلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ تَمُتْ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا لَهُ اتِّفَاقًا لِظَاهِرِ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ نِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا أَفَادَهُ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ

стр. 21

فِي أَجْوِبَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [وُقُوف النَّاس بالمحشر] (مَا قَوْلُكُمْ) هَلْ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ فِي الْمَحْشَرِ سَوَاءٌ أَوْ كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا وَمَنْ الْمُقَدَّمِ فِي الْحِسَابِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ؟ أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ آدَم وَأَوْلَادُهُ جَمِيعًا يَقِفُونَ فِي الْمَحْشَرِ سَوَاءً وَمَعَهُمْ الْجِنُّ وَالْوُحُوشُ، وَالْأَنْعَامُ وَالْحَشَرَاتُ وَالْهَوَامُّ وَيُحِيطُ بِالْجَمِيعِ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَهُمْ قَدْرُهُمْ عَشْرَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُحِيطُ بِهِمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا عِشْرِينَ مَرَّةً ثُمَّ يُحِيطُ بِهِمْ مَلَائِكَةُ الثَّالِثَةِ وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثِينَ مَرَّةً ثُمَّ مَلَائِكَةُ الرَّابِعَةِ، وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ الثَّالِثَةِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً ثُمَّ مَلَائِكَةُ الْخَامِسَةِ وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ الرَّابِعَةِ خَمْسِينَ مَرَّةً ثُمَّ مَلَائِكَةُ السَّادِسَةِ وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ الْخَامِسَةِ سِتِّينَ مَرَّةً ثُمَّ مَلَائِكَةُ السَّابِعَةِ وَهُمْ قَدْرُ مَلَائِكَةِ السَّادِسَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَتَتَزَاحَمُ الْخَلَائِقُ وَيَتَدَافَعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى يَكُونَ فَوْقَ الْقَدَمِ أَلْفُ قَدَمٍ وَأُدْنِيَتْ الشَّمْسُ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ مَدَّ أَحَدُهُمْ يَدَهُ لَنَالَهَا وَضُوعِفَ حَرُّهَا عَلَى قَدْرِهِ فِي الدُّنْيَا سَبْعِينَ مَرَّةً وَفَاضَ الْعَرَقُ بِحَيْثُ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهِ السُّفُنُ لَجَرَتْ كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ: وَفِي فَتَاوَى الْحَافِظِ السَّخَاوِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يُحْشَرُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ مُخْتَلِطِينَ أَوْ يَكُونُ كُلُّ جِنْسٍ بِحِدَتِهِ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اخْتِلَاطِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهُمْ وَالْمُقَدَّمُ فِي الْحِسَابِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ أُمَّةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «أَوَّلُ الْأُمَمِ حَشْرًا وَحِسَابًا أُمَّتِي يُقَالُ أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ «فَتَفْرِجُ لَنَا الْأُمَمُ عَنْ طَرِيقِنَا فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ فَتَقُولُ الْأُمَمُ كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ» قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ هُوَ الْمُصْطَفَى ﷺ ثُمَّ يَدْخُلُ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَهُ ثُمَّ الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ثُمَّ بَعْدَهُمْ بَقِيَّةُ الْأُمَمِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ ﷺ «حُرِّمَتْ الْجَنَّةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» أَفَادَهُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [دُخُولِ الْأُمَمِ الْجَنَّةَ هَلْ يَخْتَلِطُونَ أَوْ كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي دُخُولِ الْأُمَمِ الْجَنَّةَ هَلْ يَخْتَلِطُونَ أَوْ كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَمَّا فِي حَالِ الدُّخُولِ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُمْ يَتَرَتَّبُونَ وَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فَلَا يَخْتَلِطُونَ فَإِنَّ كُلَّ إنْسَانٍ لَهُ مَنْزِلٌ بَلْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِمَحْضِ فَضْلِهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا وَسَائِرَ النَّبِيِّينَ وَالْأَوْلِيَاءَ بِأَعْلَى الْجَنَّاتِ. فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 22

مَرْفُوعًا «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا قَالَ هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ فَيُقَالُ أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَك مَا اشْتَهَتْ نَفْسُك وَلَذَّتْ عَيْنُكَ فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا» . قَالَ الْغَوْثُ الْأَكْبَرُ سَيِّدِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ هِيَ أَفْضَلُ الْجِنَانِ وَأَعْلَاهَا وَلَا تَبْلُغُهَا جَنَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُنَاكَ جَنَّةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهَا وَأَعْلَى وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ النِّعَمِ شَيْءٌ وَلَا يَسْكُنُهَا إلَّا أَهْلُ مُشَاهَدَةِ اللَّهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ أَوْلِيَائِهِ. قَالَ وَمُشَاهَدَتُهُ عِنْدَ أَهْلِهَا أَعَزُّ وَأَحْلَى وَأَعْلَى وَأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نِعْمَةٍ تُصَوَّرُ عَلَى الْخَاطِرِ، وَأَهْلُ هَذِهِ الْجَنَّةِ لَا يُحِبُّونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْجِنَانِ كَمَا لَا يُحِبُّ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْخُرُوجَ إلَى الدُّنْيَا. قَالَ وَغَالِبُ مَنْ يَسْكُنُ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا مِنْهُمْ إلَّا نَحْوُ الْعِشْرِينَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْكَبَائِرِ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى عَفْوَهُ وَفَضْلَهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [قرأة اللَّه سُورَةَ الْأَنْعَامِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يُقَالُ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقْرَأُ سُورَةَ الْأَنْعَامِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِمْ فِيهَا وَيَسْمَعُونَهُ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ بَلْ هُوَ شَيْءٌ تَسْمَعُهُ الْخَلَائِقُ وَتَفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادَ وَتَجِدُ لَهُ لَذَّةً بَيِّنُوا لَنَا الْمَقَامَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ نَعَمْ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ ﵎ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ بِرَفْعِ الْحِجَابِ عَنْهُمْ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ الْقَدِيمَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَلَا تَنْكِيسٍ وَلَا سِرٍّ وَلَا جَهْرٍ وَلَا عَرَبِيٍّ وَلَا عَجَمِيٍّ وَلَا مُعَرَّبٍ وَلَا مَلْحُونٍ وَلَا وَصْلٍ وَلَا وَقْفٍ وَلَا سُكُوتٍ الدَّالِ عَلَى مَدْلُولَاتِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ

стр. 23

وَالْمُسْتَحِيلَات وَالْجَائِزَاتِ وَيَجِدُونَ لِذَلِكَ لَذَّةً لَا تَقْرَبُ مِنْهَا لَذَّةٌ أَبَدًا قَالَ فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ قَدْ وَرَدَ «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ يَا رَبَّنَا كُنَّا فِي الدُّنْيَا نُحِبُّ ذِكْرَك وَسَمَاعَ كَلَامِكَ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - يَا دَاوُد اصْعَدْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَسْمِعْ أَحْبَابِي عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ الزَّبُورِ فَيُطْرَبُ الْقَوْمُ مِنْ صَوْتِ دَاوُد فَإِذَا أَفَاقُوا يَقُولُ اللَّهُ يَا عِبَادِي هَلْ سَمِعْتُمْ صَوْتًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ مَا سَمِعْنَا صَوْتًا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا فَيَقُولُ اللَّهُ يَا حَبِيبِي يَا مُحَمَّدُ اصْعَدْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَاقْرَأْ سُورَةَ طَهَ وَيس فَيَقْرَؤُهُمَا النَّبِيُّ ﷺ فَيَزِيدُ حُسْنُ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صَوْتِ دَاوُد بِسَبْعِينَ ضِعْفًا فَيُطْرَبُ الْقَوْمُ وَتُطْرَبُ الْكَرَاسِيُّ مِنْ تَحْتِهِمْ وَتُطْرَبُ قَنَادِيلُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ وَيَمُوجُونَ مِنْ الطَّرَبِ فَإِذَا أَفَاقُوا حَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى وَشَكَرُوهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ النَّعِيمِ فَيَقُولُ اللَّهُ يَا عِبَادِي قَدْ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ذَلِكَ الطَّرَبَ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِي» وَلِأَهْلِ الْجَنَّةِ سَمَاعُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا وَأَجَلَّ لَيْسَ فَوْقَهُ سَمَاعٌ وَهُوَ سَمَاعُهُمْ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسَلَامَهُ عَلَيْهِمْ فَفِي الْحَدِيثِ «مَا مِنْكُمْ إلَّا مَنْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ عَلَى الْجَبَّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ وَهُمْ جَالِسُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَذَهَبٍ وَزُمُرُّدٍ فَلَمْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ نَاعِمِينَ قَرِيرَةً أَعْيُنُهُمْ إلَى مِثْلِهَا مِنْ الْغَدِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدُّخُولَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحِجَابِ عَنْهُمْ وَالِانْصِرَافَ كِنَايَةٌ عَنْ إعَادَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَاَللَّهُ ﵎ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ هَلْ يُعَذَّبَانِ فِي النَّارِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ هَلْ يُعَذَّبَانِ فِي النَّارِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أَفِيدُوا. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَدْخُلَانِ النَّارَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُمَا وَهُمَا مُخْرَجَانِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] كَعِيسَى وَأُمِّهِ وَالْعُزَيْرِ وَالْمَلَائِكَةِ. قَالَ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْك هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى قَدْ عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَعُزَيْرُ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ مَعَ آلِهَتِنَا فَنَزَلَتْ ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]

стр. 24

ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] » . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي نَسْخِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالُوا أَيَشْتُمُ آلِهَتَنَا فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى أَنَا أُخَصِّمُ لَكُمْ مُحَمَّدًا اُدْعُوهُ لِي فَدُعِيَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتِنَا خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قَالَ بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى خُصِمْتَ وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ أَلَسْتَ تَزْعُمُ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ صَالِحُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ فَهَذِهِ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ تَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةَ وَفَرِحُوا فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ» ثُمَّ قَالَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَصْبَغَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَةَ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي النَّارِ إلَّا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَعِيسَى اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْجَنَّةِ هَلْ هِيَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالنَّارُ تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ] (مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ) فِي الْجَنَّةِ هَلْ هِيَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالنَّارُ تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ بِنَصِّ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَأَخْبَارِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ أَوْ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ وَعِلْمُ ذَلِكَ لِلْجَلِيلِ بَيِّنُوا لَنَا مَا عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ وَمَا إلَيْهِ النَّفْسُ تَمِيلُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ، وَضِّحُوا لَنَا شَرْعِيَّةَ إمَامِ الْمُرْسَلِينَ أَبْقَاكُمْ اللَّهُ ذُخْرًا لِلْمُسْلِمِينَ آمِينَ بِجَاهِهِ ﷺ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ عُلَمَاءِ النَّقْلِ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَأَنَّ النَّارَ لَمْ يَصِحَّ فِي مَحِلِّهَا خَبَرٌ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي تَعْيِينِ مَكَانِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَتَحْتَ الْعَرْشِ تَشَبُّثًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥] وَقَوْلِهِ ﵊ «سَقْفُ الْجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَالنَّارُ تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ» وَالْحَقُّ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى عِلْمِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ اهـ. أَقُولُ أَمَّا الصَّرَائِحُ فَكَثِيرَةٌ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ نَعَمْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَكَانِ النَّارِ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ السَّلَامِ اللَّقَانِيُّ فِي عُمْدَةِ الْمُرِيدِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ مُخْتَصَرًا مَا نَصُّهُ: " قُلْت مَا صُدِّرَ بِهِ هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ فِي عَقَائِدِهِ. وَالْمُخْتَارُ

стр. 25

عِنْدَ عُلَمَاءِ النَّقْلِ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالنَّارَ لَمْ يَصِحَّ فِي مَحِلِّهَا خَبَرٌ انْتَهَى. [الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ هَلْ هُمْ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَوْ أَجْنَاسٌ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ هَلْ هُمْ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَوْ أَجْنَاسٌ وَفِي سَجْنِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ هُوَ لِجَمِيعِهِمْ أَوْ لِفِرْقَةٍ مِنْهُمْ وَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ مَعَ أَنَّهُ تَصَادَقَ الْخَبَرُ بِرُؤْيَتِهِمْ فِي رَمَضَانَ أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: اُخْتُلِفَ فِي أَصْلِ الْجِنِّ فَقِيلَ إنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إبْلِيسَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا، وَقِيلَ أَوْلَادُهُ الشَّيَاطِينُ خَاصَّةً وَمَنْ عَدَاهُمْ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ يَقُولُ إنَّهُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ اخْتَلَفَ صِفَةً فَمَنْ كَفَرَ سُمِّيَ شَيْطَانًا وَإِلَّا قِيلَ لَهُ جِنِّيٌّ انْتَهَى. وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ اُخْتُلِفَ فِي أَصْلِ الْجِنِّ فَرَوَى إسْمَاعِيلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجِنَّ وَلَدُ إبْلِيسَ وَالْإِنْسَ وَلَدُ آدَمَ وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَكَافِرُونَ وَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ وَمَنْ كَانَ كَافِرًا فَهُوَ شَيْطَانٌ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجِنُّ وَلَدُ الْجَانِّ وَلَيْسُوا شَيَاطِينَ، وَمِنْهُمْ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالشَّيَاطِينُ وَلَدُ إبْلِيسَ لَا يَمُوتُونَ إلَّا مَعَهُ انْتَهَى. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ وَبِذَلِكَ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاسَلُونَ وَلَيْسَ فِيهِمْ إنَاثٌ وَقِيلَ الْجِنُّ جِنْسٌ وَإِبْلِيسُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ انْتَهَى. أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ فِي أَجْوِبَتِهِ وَفِي الْمِعْيَارِ وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الشَّيَاطِينَ تُصَفَّدُ فِي رَمَضَانَ» وَنَحْنُ نَجِدُهَا تُوَسْوِسُ فِي رَمَضَانَ وَنَجِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْصِي فِي رَمَضَانَ؟ (فَأَجَابَ) : قَدْ يُوَسْوِسُ وَهُوَ مُصَفَّدٌ ثُمَّ قَالَ كُنْتُ فِي الْمُنَسْتِيرِ فِي بَعْضِ رَمَضَانَ وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ كَانَتْ بِهِ عَارِضَةٌ تَصْرَعُهُ قَالَ الشَّيْخُ فَأَنَا جَالِسٌ حَتَّى أَتَوْنِي فَقَالُوا لِي صُرِعَ فُلَانٌ ثُمَّ سَأَلُونِي عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَصْفِيدِ الشَّيَاطِينِ قَالَ فَقُلْت لَهُمْ الْحَدِيثُ حَقٌّ وَمَا يُصِيبُ الْإِنْسُ فِي هَذَا عِيَانٌ فَيُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ» أَيْ كَفَرَةُ الْجِنِّ الَّذِينَ يُسَمُّونَ شَيَاطِينَ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْجِنِّ لَا يُصَفَّدُونَ فَيَكُونُ وِسْوَاسُ وَتَزْيِينُ الْمَعَاصِي إنَّمَا يَقَعُ مِنْ فُسَّاقِ الْجِنِّ وَمَرَدَتِهِمْ الْمُسْلِمِينَ وَيَعُدُّونَهَا مَعَاصِي وَمُؤْمِنُو الْإِنْسِ يَعْصُونَ فَكَيْفَ مُؤْمِنُو الْجَانِّ وَالْكُفَّارُ مِنْهُمْ مُصَفَّدُونَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «وَصُفِّدَتْ الْجِنُّ» مُخْتَصٌّ بِالشَّيَاطِينِ قِيلَ لَهُ إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ فِيهِ تُصَفَّدُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ فَقَالَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ بَعْضُ الشَّيَاطِينِ دُونَ بَعْضٍ أَوْلَى وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ

стр. 26

لَا عِلْمَ لَنَا، وَقَدْ قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَرَوَاهَا عَنْهُ الْعُلَمَاءُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَنَا الْمَعْنَى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى غَيْرَ مَا قُلْنَا مِمَّا هُوَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ مِمَّا تَأَوَّلْنَاهُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَرْضِ هَلْ هِيَ سَبْعُ طِبَاقٍ كَالسَّمَاءِ وَهَلْ فِيهِنَّ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعَالَى مِثْلُنَا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ فِي أَجْوِبَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] فَأَفَادَ أَنَّ لَفْظَ طِبَاقًا فِي الْآيَةِ الْأُولَى مُرَادٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فَتَكُونُ الْمِثْلِيَّةُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلُ السَّمَوَاتِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً وَأَنَّ السَّبْعَ مُتَجَاوِرَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَرْضَ وَاحِدَةٌ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَعَلَّهُ الْقَوْلُ بِالتَّجَاوُرِ وَإِلَّا فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي الْمُخَالَفَةِ قَالَ وَيَدُلُّ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قَالَ فِي كُلِّ أَرْضِ إبْرَاهِيمُ مِثْلُ إبْرَاهِيمَ وَنَحْوُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْخَلْقِ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ سَبْعُ أَرَضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ آدَم كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَاكُمْ وَنَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ شَاذٌّ بِمَتْنِهِ انْتَهَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ صِحَّةُ الْمَتْنِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَقَدْ يَصِحُّ الْإِسْنَادُ وَيَكُونُ فِي الْمَتْنِ شُذُوذٌ وَعِلَّةٌ تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَهَذَا إنْ صُحِّحَ نَقْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ ثَمَّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ مُسَمًّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَهُمْ الرُّسُلُ الْمُبَلِّغُونَ الْجِنَّ عَنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِاسْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يُبَلِّغُ عَنْهُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] يَرُدُّ أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ قَوْلَهُمْ أَنْ لَا مَسَافَةَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَهَا وَأَنَّ السَّابِعَةَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ وَهِيَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الَّتِي لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعَانِ «أَنَّ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَأَنَّ سُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ وَأَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ» . وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ الْعَبَّاسِ مَرْفُوعًا «بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ إحْدَى أَوْ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً» وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا

стр. 27

بِاعْتِبَارِ بُطْءِ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فِي عُوجِ بْنِ عُنْقٍ مِنْ طُولِهِ وَعَظَمَةِ خَلْقِهِ فَهَلْ لِذَلِكَ صِحَّةٌ وَهَلْ تَخَلَّفَ بَعْدَ الطُّوفَانِ أَحَدٌ أَفِيدُوا. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ سُئِلَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ مَا طُولُ عُوجٍ بِالذِّرَاعِ وَهَلْ هُوَ أَطْوَلُ الْخَلْقِ أَمْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الطُّولِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: قِصَّةُ عُوجِ بْنِ عُنْقٍ وَجَمِيعُ مَا يَحْكُونَهُ عَنْهُ هَذَيَانٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مِنْ مُخْتَلَقَاتِ زَنَادِقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ الْغَرَقِ أَحَدٌ مِنْ الْكُفَّارِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَوْنُ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا أَنْ تَقُومَ الشَّوَاهِدُ الصَّحِيحَةُ عَلَى بُطْلَانِهِ كَحَدِيثِ عُوجِ بْنِ عُنْقٍ أَنَّ طُولَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَثُلُثٌ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ تَزَلْ الْخَلْقُ تَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] أَيْ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ الَّذِينَ آمَنُوا وَنَجَوْا مِنْ الطُّوفَانِ فَلَوْ كَانَ لِعُوجٍ زَمَنَ نُوحٍ وُجُودٌ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ وَهَذَا إنَّمَا قَصَدَ بِهِ وَاضِعُهُ الطَّعْنَ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ جَرَاءَةِ هَذَا الْكَذَّابِ عَلَى اللَّهِ إنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ يُدْخِلُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا يُبَيِّنُ أَمْرَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِنْ مُخْتَلَقَاتِ زَنَادِقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَصَدُوا الِاسْتِهْزَاءَ وَالسُّخْرِيَةَ بِالرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ انْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ وَالْأَقْرَبُ فِي خَبَرِ عُوجٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ عَادٍ وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ طُولٌ فِي الْجُمْلَةِ مِائَةُ ذِرَاعٍ أَوْ شِبْهُ ذَلِكَ وَأَنَّ مُوسَى ﷺ قَتَلَهُ بِعَصَاهُ هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ الَّذِي يُحْتَمَلُ قَبُولُهُ اهـ. قَالَ النَّجْمُ الْغَيْطِيُّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَقْصَرُ قَوْمِ عَادٍ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَأَطْوَلُهُمْ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَكَانَ طُولُ مُوسَى سَبْعَةَ أَذْرُعٍ وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ فَأَصَابَ كَعْبَ عُوجِ بْنِ عُنْقٍ فَقَتَلَهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً وَطُولُهُ مَا ذُكِرَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ ﷺ «لَمْ تَزَلْ الْخَلْقُ تَنْقُصُ» مَحْمُولًا عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ وَعُوجٌ مِنْ غَيْرِ الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ فَقَوْلُ السَّائِلِ وَهَلْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الطُّولِ أَمْ هُوَ أَطْوَلُ جَوَابُهُ نَظِيرُهُ فِي الطُّولِ طِوَالِ قَوْمِ عَادٍ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ السُّيُوطِيّ فِي خَبَرِهِ وَإِنْ أَرَادَ السَّائِلُ نَظِيرَهُ فِي ذَلِكَ الطُّولِ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَكُسُورٌ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ كَذِبٌ بَاطِلٌ فَإِنْ كَانَ رَأَى فِي كُتُبِ الْكَذَّابِينَ نَظِيرًا لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَمَشَى فِي الْقَامُوسِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ الْمَوْضُوعَةِ حَيْثُ قَالَ عُوجُ بْنُ عُنْقٍ بِضَمِّهِمَا رَجُلٌ وُلِدَ فِي مَنْزِلِ آدَمَ

стр. 28

فَعَاشَ إلَى زَمَنِ مُوسَى وَذُكِرَ مِنْ عِظَمِ خِلْقَتِهِ شَنَاعَةً اهـ فَإِنَّ قَوْلَهُ وُلِدَ. . . إلَخْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْضُوعِ كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْمِ يُونُسَ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ مَوْجُودُونَ إلَى الْآنَ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ هَذَا السُّؤَالُ بِعَيْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ حَافِظُ الْعَصْرِ الْعَلَّامَةُ النَّجْمُ الْغَيْطِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَجَابَ: بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ مَاتُوا فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] بِانْقِضَاءِ آجَالِهِمْ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ، وَالْمَعْنَى أُولَئِكَ الْأَقْوَامُ لَمَّا آمَنُوا أَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَوْفَ عَنْهُمْ وَأَمَّنَهُمْ مِنْ الْعَذَابِ وَمَتَّعَهُمْ إلَى حِينٍ أَيْ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أَجَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِهِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ قَالَ السُّدِّيُّ أَيْ إلَى وَقْتِ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، وَقِيلَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا يَصِحُّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ بَاقِينَ أَحْيَاءً وَسَتَرَهُمْ اللَّهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، قَالَ النَّجْمُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْوَاحِدِيَّ فِي الْبَسِيطِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ آجَالِهِمْ اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي يُؤَيِّدُهُ يَعُودُ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [أَهْلِ الْكَهْفِ هَلْ هُمْ نِيَامٌ إلَى الْآنَ لَمْ يَمُوتُوا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَهْلِ الْكَهْفِ هَلْ هُمْ نِيَامٌ إلَى الْآنَ لَمْ يَمُوتُوا وَفِي وَصْفِهِمْ وَضِّحُوا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَبْنَاءَ عُظَمَاءِ أَهْلِ مَدِينَتِهِمْ وَأَهْلِ شَرَفِهِمْ خَرَجُوا فَاجْتَمَعُوا وَرَاءَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ هُوَ أَشْبَهُهُمْ إنِّي لَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَجِدُهُ قَالُوا مَا تَجِدُ قَالَ أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَامُوا جَمِيعًا ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَمْرِهِمْ مَا قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فَأَجْمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكَهْفَ وَعَلَى مَدِينَتِهِمْ إذْ ذَاكَ جَبَّارٌ يُقَالُ لَهُ دِقْيُوسُ فَلَبِثُوا فِي الْكَهْفِ مَا شَاءَ اللَّهُ رُقُودًا ثُمَّ بَعَثَهُمْ اللَّهُ فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ لِيَبْتَاعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا خَرَجَ إذَا هُوَ بِحَظِيرَةٍ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ فَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ هَاهُنَا عَشِيَّةَ أَمْسِ فَسَمِعَ كَلَامًا مِنْ كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ أَسْلَمُوا بَعْدَهُمْ وَمُلِّكَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ صَالِحٌ فَظَنَّ أَنَّهُ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى مَدِينَتِهِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا وَإِلَى مَدِينَتَيْنِ وَجَاهُهَا أَسْمَاؤُهُنَّ أَقْسُوسُ وَأَيْدَبُوسُ وَشَامُوسُ

стр. 29

فَيَقُولُ مَا أَخْطَأْت الطَّرِيقَ هَذِهِ أُفْسُوسُ وَأَيْدَبُوسُ وَشَامُوسُ فَعَمَدَ إلَى مَدِينَتِهِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ عَمَدَ حَتَّى جَاءَ السُّوقَ فَوَضَعَ وَرِقَةً فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَظَرَ فَإِذَا وَرِقٌ لَيْسَ بِوَرِقِ النَّاسِ فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى الْمَلِكِ وَهُوَ خَائِفٌ فَسَأَلَهُ وَقَالَ لَعَلَّ هَذَا مِنْ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عَهْدِ دِقْيُوسَ فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُرِيَنِيهِمْ وَأَنْ يُعْلِمَنِي مَكَانَهُمْ وَدَعَا مَشْيَخَةَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عِنْدَهُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَنْسَابُهُمْ فَسَأَلَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ فَسَأَلَ الْفَتَى فَقَالَ صَدَقَ وَانْطَلَقَ الْمَلِكُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَهُ لَأَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْكَهْفِ سَمِعَ الْفِتْيَةُ حِسَّ النَّاسِ فَقَالُوا أُتِيتُمْ ظُهِرَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَاعْتَنَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَجَعَلَ يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِدِينِهِمْ فَلَمَّا دَنَا الْفَتَى مِنْهُمْ أَرْسَلُوهُ فَلَمَّا قَدِمَ إلَى أَصْحَابِهِ مَاتُوا عِنْدَ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْحَقِّ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِمْ الْمَلِكُ شَقَّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ أَحْيَاءً، وَقَالَ لَأَدْفِنَهُمْ إذَنْ فَأْتُونِي بِصُنْدُوقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَأَتَاهُ آتٍ مِنْهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ أَرَدْتَ أَنْ تَجْعَلَنَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَلَا تَفْعَلْ وَدَعْنَا فِي كَهْفِنَا فَمِنْ التُّرَابِ خُلِقْنَا، وَإِلَيْهِ نَعُودُ فَتَرَكَهُمْ فِي كَهْفِهِمْ وَبَنَى عَلَى كَهْفِهِمْ مَسْجِدًا اهـ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ فَانْظُرْهَا إنْ شِئْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ هَلْ لَهَا حَقِيقَةٌ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فِي إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ وَهَلْ لَهَا حَقِيقَةٌ وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ هَلْ تَدُورُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِمَا فِيهَا وَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ وَضِّحُوا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ نَعَمْ لَهَا حَقِيقَةٌ وَلَكِنْ لَا تَدُورُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَلْ هِيَ بَلْدَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي بَعْضِ صَحَارِي عَدَنٍ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٨] مِنْ بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ. قَالَ الْخَازِنُ قِيلَ كَانَ لِعَادٍ ابْنَانِ شَدِيدٌ وَشَدَّادٌ فَمَلَكَا بَعْدَهُ وَقَهَرَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ فَمَاتَ شَدِيدٌ وَخَلَصَ الْمُلْكُ لِشَدَّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيَا وَدَانَتْ لَهُ مُلُوكُهَا وَكَانَ يُحِبُّ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ فَسَمِعَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَصِفَاتِهَا فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى بِنَاءِ مِثْلِهَا عُتُوًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَبُّرًا فَرَوَى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي صَحَارِي عَدَنَ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ عَلَيْهَا حِصْنٌ وَحَوْلَ الْحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا ظَنَّ أَنَّ فِيهَا أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَنْ إبِلِهِ فَلَمْ يَرَ خَارِجًا وَلَا دَاخِلًا فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَعَقَلَهَا وَسَلَّ سَيْفَهُ وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا هُوَ بِبَابَيْنِ عَظِيمَيْنِ وَهُمَا مُرَصَّعَانِ بِالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَهِشَ فَفَتَحَ الْبَابَ، وَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِثْلَهَا وَإِذَا فِيهَا قُصُورٌ فِي كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا غُرَفٌ وَفَوْقَ الْغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَحْجَارِ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَإِذَا أَبْوَابُ تِلْكَ الْقُصُورِ مِثْلُ مَصَارِيعِ بَابِ الْمَدِينَةِ يُقَابِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَهِيَ مَفْرُوشَةٌ كُلُّهَا بِاللُّؤْلُؤِ وَبَنَادِقِ

стр. 30

الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ ثُمَّ نَظَرَ إلَى الْأَزِقَّةِ فَإِذَا فِيهَا أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ تَحْتَهَا أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي مَاؤُهَا فِي قَنَوَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمَّا عَايَنَ الرَّجُلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ أَحَدًا هُنَالِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَذِهِ الْجَنَّةُ وَحَمَلَ مَعَهُ مِنْ لُؤْلُئِهَا وَبَنَادِقِ مِسْكِهَا وَزَعْفَرَانِهَا وَرَجَعَ إلَى الْيَمَنِ وَأَظْهَرَ مَا مَعَهُ وَحَدَّثَ بِمَا رَأَى فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ هَلْ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَالَ نَعَمْ هِيَ إرَمُ ذَاتِ الْعِمَادِ بَنَاهَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ قَالَ فَحَدَّثَنِي حَدِيثَهَا فَقَالَ لَمَّا أَرَادَ شَدَّادُ بْنُ عَادٍ عَمَلهَا أَمَّرَ عَلَيْهَا مِائَةَ قَهْرَمَانَ مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانَ أَلْفٌ مِنْ الْأَعْوَانِ وَكَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ أَنْ يَمُدُّوهُمْ بِمَا فِي بِلَادِهِمْ مِنْ الْجَوَاهِرِ فَخَرَجَتْ الْقَهَارِمَةُ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ لِيَجِدُوا أَرْضًا مُوَافِقَةً فَخَرَجُوا عَلَى صَخْرَةٍ نَقِيَّةٍ مِنْ التِّلَالِ وَإِذَا فِيهَا عُيُونُ مَاءٍ وَمَوْجٍ فَقَالُوا هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي أَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُبْنَى فِيهَا فَوَضَعُوا أَسَاسَهَا مِنْ الْجَزْعِ الْيَمَانِيِّ وَأَقَامُوا فِي بِنَائِهَا ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ فَلَمَّا أَتَوْهُ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهَا قَالَ انْطَلِقُوا فَاجْعَلُوا حِصْنًا يَعْنِي سُورًا وَاجْعَلُوا حَوْلَهُ أَلْفَ قَصْرٍ وَعِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ عَلَمٌ لِيَكُونَ فِي كُلِّ قَصْرٍ وَزِيرٌ مِنْ وُزَرَائِي فَفَعَلُوا وَأَمَرَ الْمَلِكُ وُزَرَاءَهُ وَهُمْ أَلْفُ وَزِيرٍ أَنْ يَتَهَيَّئُوا لِلنَّقْلَةِ إلَى إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ وَكَانَ الْمَلِكُ وَأَهْلُهُ فِي جِهَادِهِمْ عَشَرَ سِنِينَ ثُمَّ سَارُوا إلَيْهَا فَلَمَّا كَانُوا مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنْ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ وَسَيَدْخُلُهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِك أَحْمَرُ أَشْعَرُ قَصِيرٌ عَلَى حَاجِبِهِ خَالٌّ وَعَلَى عُنُقِهِ خَالٌّ يَخْرُجُ فِي طَلَبِ إبِلٍ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَبْصَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قِلَابَةَ فَقَالَ هَذَا وَاَللَّهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ انْتَهَى، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَزَادَ وَكَانَ عُمُرُهُ أَيْ شَدَّادٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَيَجُوزُ التَّحَدُّثُ بِحَدِيثِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ أَمَّا فِيهَا فَيُكْرَهُ وَبِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ يَحْرُمُ لِلْكَذِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ] (مَا الْفَرْقُ) بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ الصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ وَالْأَصْلَحُ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنْهُ مَعْنَاهُ الزَّائِدُ فِي الصَّلَاحِ مَثَلًا إذَا كَانَ شَخْصٌ يَتَضَرَّرُ مِنْ تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ فَأَكْلُ لَحْمِ الْبَقَرِ صَلَاحٌ فِي حَقِّهِ وَلَحْمُ الضَّأْنِ أَصْلَحُ وَالْعَفْوُ بِلَا تَنْعِيمٍ صَلَاحٌ وَمَعَهُ أَصْلَحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ] (مَا الْفَرْقُ) بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْعِلْمُ صِفَةٌ يَتَّضِحُ بِهَا الْأَمْرُ وَيَظْهَرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ تُخَصِّصُ الْمُمْكِنَ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ يَتَأَتَّى بِهَا إيجَادُ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامُهُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ وَاَللَّهُ

стр. 31

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا الْحِكْمَةُ) فِي تَشْبِيهِ عِيسَى بِآدَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ الْحِكْمَةُ فِيهِ إفْحَامُ الْخَصْمِ وَقَطْعُ حُجَّتِهِ فِي إنْكَارِهِ وَلَدًا بِلَا أَبٍ لِغَرَابَتِهِ بِتَشْبِيهِهِ بِمَا هُوَ أَغْرَبُ وَهُوَ آدَم بِلَا أَبٍ وَلَا أُمٍّ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] أَيْ شَأْنُهُ الْغَرِيبُ كَشَأْنِ آدَمَ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِمَا بِهِ الشَّبَهُ وَهُوَ أَنَّهُ خُلِقَ بِلَا أَبٍ كَمَا خُلِقَ آدَمَ مِنْ التُّرَابِ بِلَا أَبٍ وَلَا أُمٍّ شَبَّهَ بِمَا هُوَ أَغْرَبُ إفْحَامًا لِلْخَصْمِ وَقَطْعًا لِمَوَادِّهِ السَّيِّئَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا تَفْسِيرُ) قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٥] الْآيَةَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ قَالَ الْقَاضِي مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ [طه: ١٢٦] أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلْتَ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ [طه: ١٢٦] وَاضِحَةً نَيِّرَةً ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦] فَعَمِيتَ عَنْهَا وَتَرَكْتهَا غَيْرَ مَنْظُورٍ إلَيْهَا ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [طه: ١٢٦] وَمِثْلُ تَرْكِكَ إيَّاهَا ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] تُتْرَكُ فِي الْعَمَى وَالْعَذَابِ انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْيَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ التَّرْكُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى سَبَبِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي إسْنَادِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا تَفْسِيرُ) قَوْله تَعَالَى ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٣] الْآيَةَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَسَّرَ الْقَاضِي الْقَوْلَ الْمَعْرُوفَ بِرَدِّ السَّائِلِ بِالْكَلَامِ الْجَمِيلِ. وَفَسَّرَ الْمَغْفِرَةَ بِتَفْسِيرَاتٍ: الْأَوَّلُ تَجَاوُزُ الْمَسْئُولِ عَنْ إلْحَاحِ السَّائِلِ. الثَّانِي: نَيْلُ الْمَسْئُولِ مَغْفِرَةَ اللَّهِ لَهُ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ. الثَّالِثُ عَفْوُ السَّائِلِ عَنْ الْمَسْئُولِ بِأَنْ يَعْذُرَهُ وَيَغْتَفِرَ رَدَّهُ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَنَصُّهُ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] رَدٌّ جَمِيلٌ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] وَتَجَاوُزٌ عَنْ السَّائِلِ فِي إلْحَاحِهِ أَوْ نَيْلِ الْمَغْفِرَةِ مِنْ اللَّهِ بِالرَّدِّ الْجَمِيلِ أَوْ عَفْوٌ مِنْ السَّائِلِ بِأَنْ يَعْذُرَهُ وَيَغْتَفِرَ رَدَّهُ ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] خَبَرٌ عَنْهُمَا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَرْضِ هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى شَيْءٍ وَمَا حَقِيقَةُ الْحَامِلِ لَهَا أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ فَمَا الْمُزَلْزِل لَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَاب. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ الْأَرْضُ مَحْمُولَةٌ عَلَى شَيْءٍ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي كَيْفِيَّتِهِ فَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْأَرْضِ عَلَامَ هِيَ؟ قَالَ عَلَى الْمَاءِ قِيلَ أَرَأَيْتَ الْمَاءَ عَلَامَ هُوَ؟ قَالَ عَلَى صَخْرَةٍ خَضْرَاءَ قِيلَ أَرَأَيْت الصَّخْرَةَ عَلَامَ هِيَ؟ قَالَ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ يَلْتَقِي طَرَفَاهُ بِالْعَرْشِ قِيلَ أَرَأَيْتَ

стр. 32

الْحُوتَ عَلَامَ هُوَ؟ قَالَ عَلَى كَاهِلِ مَلَكٍ قَدَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ» . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ عَلَى صَخْرَةٍ وَالصَّخْرَةُ فِي كَفِّ مَلَكٍ وَالْمَلَكُ عَلَى جَنَاحِ حُوتٍ، وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالْمَاءُ عَلَى الرِّيحِ، وَالرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ وَرِيحُ الْعَقِيمِ لَا تُلَقِّحُ، وَأَنَّ قُرُونَهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ سُئِلَ مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ قَالَ الْمَاءُ قِيلَ وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ قَالَ الْأَرْضُ قِيلَ وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ قَالَ الْمَاءُ قِيلَ، وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ قَالَ الْأَرْضُ حَتَّى قَالَ صَخْرَةٌ قِيلَ وَمَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ قَالَ مَلَكٌ قِيلَ وَمَا تَحْتَ الْمَلَكُ قَالَ حُوتٌ مُعَلَّقٌ طَرَفَاهُ بِالْعَرْشِ قِيلَ فَمَا تَحْتَ الْحُوتِ قَالَ الْهَوَاءُ وَالظُّلْمَةُ وَانْقَطَعَ الْعِلْمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] قَالَ هِيَ صَخْرَةٌ خَضْرَاءُ مُرَبَّعَةٌ تَحْتَ الْأَرَضِينَ قِيلَ فَمَا عَلَيْهَا قَالَ الْمَاءُ قِيلَ فَمَا عَلَى الْمَاءِ قَالَ الْحُوتُ قِيلَ فَمَا عَلَى الْحُوتِ قَالَ الْأَرَضُونَ قِيلَ الصَّخْرَةُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هِيَ؟ قَالَ عَلَى قَرْنِ الثَّوْرِ قِيلَ الثَّوْرُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ عَلَى الثَّرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ الصَّخْرَةُ صَخْرَةٌ خَضْرَاءُ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ مُنْتَهَى الْخَلْقِ عَلَى أَرْجَائِهَا أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ رُءُوسُهُمْ تَحْتَ الْعَرْشِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ السُّدِّيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] قَالَ هَذِهِ الصَّخْرَةُ لَيْسَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ هِيَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ عَلَيْهَا مَلَكَ قَائِمٌ كَذَا فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ وَأَمَّا سَبَبُ الزَّلْزَلَةِ فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى جَبَلَ (ق) أَنْ يُحَرِّكَ عِرْقَهُ الْمُتَّصِلَ بِالصَّخْرَةِ الْمَوَالِي لِلْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ ﵎ زَلْزَلَتَهَا فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْعُقُوبَاتِ وَالصَّوَاعِقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا يُقَالُ لَهُ (ق) مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ وَعُرُوقُهُ إلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَمَرَ ذَلِكَ الْجَبَلَ فَيُحَرِّكُ الْعِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَيُزَلْزِلُهَا وَيُحَرِّكُهَا فَمِنْ ثَمَّ تُحَرَّكُ الْقَرْيَةُ دُونَ الْقَرْيَةِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ عَنْ وَهْبٍ كَذَا فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْأَرْوَاحِ هَلْ هِيَ بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَرْوَاحِ هَلْ هِيَ بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ كُلِّهَا مُؤْمِنِهَا وَعَاصِيهَا أَوْ الْمُؤْمِنُ فَقَطْ وَمَا الْأَفْنِيَةُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ الْأَرْوَاحُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَشْبَاحِ كُلُّهَا مُسْتَقَرُّهَا بِالْبَرْزَخِ وَهُوَ شَيْءٌ عَظِيمٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَيْئَةِ الْقَرْنِ فِيهِ ثُقَبُ بِعَدَدِ الْأَرْوَاحِ ضِيقُهُ إلَى أَسْفَلَ وَمُتَّسَعُهُ إلَى أَعْلَى كَانَتْ فِيهِ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ حُلُولِهَا فِي الْأَشْبَاحِ وَتَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْهَا وَكُلُّ رُوحٍ لَهَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ بِجَسَدِهَا حَيْثُ كَانَ وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ لَا حَرَجَ عَلَيْهَا فَتَكُونُ بِأَفْنِيَةِ

стр. 33

الْقُبُورِ أَيْ جَوَانِبِهَا مِنْ عَصْرِ الْخَمِيسِ إلَى صُبْحِ السَّبْتِ وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ مَسْجُونَةٌ فِي سِجِّينٍ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْفِنَاءُ مِثْلُ كِتَابِ الْوَصِيدِ وَهُوَ سَعَةٌ أَمَامَ الْبَيْتِ وَقِيلَ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِهِ وَالْجَمْعُ أَفْنِيَةٌ انْتَهَى؟ [صفة النَّار] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي نَارِ جَهَنَّمَ هَلْ هِيَ كَنَارِ الدُّنْيَا أَوْ لَا وَهَلْ هِيَ فِي مَكَانِ مُتَّسَعٍ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ فِي مُخْتَصَرِ التَّذْكِرَةِ مَا نَصُّهُ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ «فَهِيَ كَسَوَادِ اللَّيْلِ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ الْقَارِ» يَعْنِي الزِّفْتَ وَكَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ نَارُ الْآخِرَةِ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يُضِيءُ لَهَا لَهَبٌ وَلَا جَمْرَ لَهَا وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ نَارَكُمْ الَّتِي تُوقَدُ فِي الدُّنْيَا حَرُّهَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً فَقَالَ إنَّهَا فَضُلَتْ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْلَا أَنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ أُطْفِئَتْ بِالْمَاءِ مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ بِهَا وَأَنَّهَا لَتَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يُعِيدَهَا فِي نَارِ الْآخِرَةِ» يَعْنِي جَهَنَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَوْلَا أَنَّهَا ضُرِبَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَشْرَ مَرَّاتٍ» . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّهَا أُطْفِئَتْ بِالْمَاءِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَدَرْتُمْ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهَا» . وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أَنَّ جَهَنَّمِيًّا مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ أَخْرَجَ كَفَّهُ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا لَاحْتَرَقَتْ الدُّنْيَا مِنْ حَرِّهَا وَلَوْ أَنَّ خَازِنًا مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أُخْرِجَ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا حَتَّى يُبْصِرُوهُ لَمَاتَ أَهْلُ الدُّنْيَا حِينَ يُبْصِرُونَ غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي عَلَيْهِ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ثُمَّ تَنَفَّسَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَأَحْرَقَهُمْ» وَكَانَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ وَاَلَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ بِالْمَشْرِقِ وَكَانَتْ النَّارُ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ كُشِفَ عَنْهَا لَخَرَجَ دِمَاغُ أَحَدِكُمْ مِنْ مَنْخَرَيْهِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا وَرَوَى الْأَئِمَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ فَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا وَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا» وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ إذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حِينَ انْتَهَى إلَى قَعْرِهَا» وَالْوَجْبَةُ

стр. 34

صَوْتُ وُقُوعِ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ أَكْثِرُوا ذِكْرَ النَّارِ فَإِنَّ حَرَّهَا شَدِيدٌ وَإِنَّ قَعْرَهَا بَعِيدٌ وَإِنَّ مَقَامِعَهَا حَدِيدٌ ثُمَّ قَالَ بَابُ مَا جَاءَ إنَّ فِي جَهَنَّمَ جِبَالًا وَفَنَادِقَ وَأَوْدِيَةً وَبِحَارًا وَصَهَارِيجَ وَحِيَاضًا وَآبَارًا وَجِبَابًا وَتَنَانِيرَ وَسُجُونًا وَبُيُوتًا وَجُسُورًا وَنَوَاعِيرَ وَعَقَارِبَ وَحَيَّاتٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَسَاقَ أَحَادِيثَهَا فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ دَامَ فَضْلُكُمْ) فِي الظِّلِّ هَلْ هُوَ عَدَمُ الشَّمْسِ أَوْ شَيْءٌ وُجُودِيٌّ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَهَلْ هُوَ جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَهَلْ هُوَ قَائِمٌ بِمَا أُضِيفَ هُوَ إلَيْهِ كَالْآدَمِيِّ أَوْ بِالْأَرْضِ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَكَيْفَ شُوهِدَ فِي غَيْرِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي لَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ أَوْ الْمِثْلَيْنِ وَلَزِمَ اتِّصَافُهُ بِالْحَرَكَةِ عِنْدَ تَحَرُّكِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ صَرَّحَ عُلَمَاءُ هَيْئَةِ الْعَالَمِ بِأَنَّ الظِّلَّ ظُلْمَةٌ سَبَبُهَا حَيْلُولَةُ الْجِسْمِ عِنْدَ نُفُوذِ الْأَشِعَّةِ النُّورَانِيَّةِ قَالُوا إذَا قَابَلَ الْجِسْمُ النُّورَ كَانَ الْوَجْهُ الْمُقَابِلُ لِلضَّوْءِ نَيِّرًا وَالْوَجْهُ الَّذِي فِيهِ خِلَافَ جِهَةِ الضَّوْءِ مُظْلِمًا وَنَشَأَ مِنْ الْحَدِّ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي بَيْنَ الْوَجْهِ الْمُضِيءِ وَالْوَجْهِ الْمُظْلِمِ ظُلْمَةُ الظِّلِّ عَلَى هَيْئَةِ ذَلِكَ الْفَصْلِ الْمُشْتَرَكِ إنْ كَانَ مُسْتَدِيرًا فَالظِّلُّ مُسْتَدِيرٌ وَإِنْ كَانَ مُسْتَطِيلًا فَالظِّلُّ مُسْتَطِيلٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الظِّلَّ ظُلْمَةٌ الشَّيْخُ الْخَطِيبُ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى مَدِّ الظِّلِّ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فَقِيلَ إنَّهُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الْمَمْدُودَةُ فِي الْعَالَمِ فَإِنَّ اللَّيْلَ ظِلُّ الْأَرْضِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ هَيْئَةِ الْعَالَمِ قَالُوا إنَّ الشَّمْسَ إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ مَنَعَتْ الْأَرْضَ مِنْ نُفُوذِ ضَوْئِهَا فِي كُرَةِ الْهَوَاءِ وَظَهَرَ ظِلُّهَا فِي كُرَةِ الْهَوَاءِ مِنْ فَوْقُ فِي خِلَافِ جِهَةِ الشَّمْسِ وَهُوَ اللَّيْلُ وَجَعَلُوا نُورَ الشَّفَقِ مِنْ نَهَايَا تَوَابِعِ الشَّمْسِ وَنُورَ الْفَجْرِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهَا لِأَنَّ الْهَوَاءَ مُتَّصِلُ الْأَجْزَاءِ يَكْتَسِبُ مِنْ مُجَاوَرَةِ الضَّوْءِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعِهِ فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الظِّلَّ ظُلْمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ كَالْعَلَّامَةِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمُ النُّورِ قَالَ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الظُّلْمَةَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] قَالَ أَعْنِي الْبَيْضَاوِيَّ وَمَا عَلِمَ أَنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ عَدَمًا مَحْضًا حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا الْجَعْلُ بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَخْصُوصٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَعْلُ وَالتَّقَابُلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النُّورِ تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَرْزَنْجِيُّ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضٌ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَةَ وُجُودِيَّةٌ بِأَنَّهَا تُرَى وَلَا شَيْءَ مِنْ الْعَدَمِ يُرَى قَالَ وَجَوَابُهُ بِالْمَنْعِ وَسَنَدُ الْمَانِعِ اسْتِوَاءُ الْحَالَيْنِ فَتْحُ الْبَصَرِ وَتَغْمِيضُهُ فِي الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَةَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ أَنَّ مَنْ فِي الْغَارِ الْمُظْلِمِ مَثَلًا يُبْصِرُ مَنْ كَانَ خَارِجَهُ فَلَوْ كَانَتْ الظُّلْمَةُ

стр. 35

أَمْرٌ مَوْجُودًا لَمَنَعَتْ الرُّؤْيَةَ وَقَدْ أَشَارَتْ أَيْضًا الْآثَارُ النَّبَوِيَّةُ وَالْحَقَائِقُ الصُّوفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْأَعْدَامَ ظُلْمَةٌ وَعَمَاءٌ بَحْتٌ وَأَنَّ النُّورَ هُوَ الْمَوْجُودُ إذَا حَقَّقْتَ مَا ذَكَرْنَا فَقَوْلُ السَّائِلِ فِي الظِّلِّ هَلْ هُوَ عَدَمُ الشَّمْسِ قُصُورٌ بَلْ الظِّلُّ عَدَمُ الْأَضْوَاءِ كَانَتْ مِنْ الشَّمْسِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ وَالْمَصَابِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ ذِي شُعَاعٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُهُ إنَّ الظِّلَّ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ مَعْنَاهُ عَدَمُ النُّورِ لِمَنْعِ الْجِسْمِ مِنْ نُفُوذِ الْأَضْوَاءِ الشُّعَاعِيَّةِ كَمَا عَلِمْتَ وَمَا يُشَاهَدُ مِنْ التَّشْكِيلِ فِيهِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَائِمٌ بِالْهَوَاءِ الْمَمْنُوعِ عَنْهُ الضَّوْءُ لِتَبَعِيَّةِ الْجِسْمِ صَاحِبَ الظِّلِّ وَكَذَا مَا يُشَاهَدُ مِنْ التَّحَرُّكِ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْجِسْمِ صَاحِبِ الظِّلِّ إذَا تُحَرَّكَ نَفَذَ الضَّوْءُ لِلْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مَمْنُوعًا عَنْهُ أَوَّلًا وَانْعَدَمَ عَنْ الثَّانِي الْمُقَابِلِ لِلْجِسْمِ الْمُتَحَرِّكِ فَيُتَخَيَّلُ أَنَّ الظِّلَّ أَمْرٌ مَوْجُودٌ وَتَحَرَّكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ الَّذِي فِي الْآيَةِ بِالتَّبَعِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ وَلَا نَقُولُ بِالثَّانِي الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ السَّائِلُ إلْزَامَاتِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّا نَقُولُ بِهِ وَهُوَ أَنَّ الظِّلَّ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ فَهُوَ قَائِمٌ بِكُرَةِ الْهَوَاءِ كَالرَّوَائِحِ وَالْأَصْوَاتِ فَتَحَرُّكُهُ بِتَحَرُّكِ تَعَلُّقِهِ بِالْهَوَاءِ الْمُتَكَيِّفِ بِهِ كَمَا قَالُوا فِي وُصُولِ الصَّوْتِ لِمَقْعَرِ الْأُذُنِ فَهُوَ قَائِمٌ بِالْهَوَاءِ الْمُمَاسِّ لِسَطْحِ الْأَرْضِ لَا بِالْأَرْضِ وَلَا بِالْجِسْمِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَ هَذَا السَّائِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ دَامَ فَضْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَشْهُورٍ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ أَخَذَ الْعَهْدَ أَوَّلًا عَلَى وَحِيدِ دَهْرِهِ وَفَرِيدِ عَصِيرِهِ الْعَارِفِ بِرَبِّهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ فَتْحَ اللَّهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى الشَّيْخِ الْجُنَيْدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ هَذَا الْأَخِيرُ بِنَحْوِ عَامٍ رَآهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَنَامًا فِي كُلِّ رُؤْيَةٍ يَقُولَانِ لَهُ لَا بُدَّ مِنْ إعْطَائِكَ الْعَهْدَ لِمَنْ سَأَلَكَ إيَّاهُ وَرَأَى بَعْضُ الصَّالِحِينَ مَا يُوَافِقُ رُؤْيَاهُ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْعَهْدَ لِمَنْ سَأَلَهُ إيَّاهُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فِي الْمَنَامِ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى اللَّائِمِينَ مِنْ الْعَوَامّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كُنْتُ أَيُّهَا السَّائِلُ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ ذَلِكَ فَأَنْتَ طَبِيبُ نَفْسِكَ وَأَدْرَى بِأَحْوَالِهَا فَإِنْ عَلِمْتَ مِنْهَا الْكَمَالَ وَالْوُصُولَ إلَى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاجْتِمَاعِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقِظَةً وَأَهْلٌ لَأَنْ تَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي إيصَالِهِمْ إلَيْهِ وَجَمْعِهِمْ عَلَيْهِ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فِي الْمَنَامِ

стр. 36

وَلَا تَلْتَفِتْ لِلَوْمِ الْعَوَامّ وَإِنْ عَلِمْتَ مِنْهَا ضِدَّ ذَلِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ التَّبَاعُدُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْخَطِرِ وَكَيْفَ تَتَهَاجَمُ عَلَى أَنْ تُدْخِلَ غَيْرَكَ إلَى حَضْرَةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ وَأَنْتَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْهَا صُعْلُوكٌ أَمَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ سَلْبَ الْإِيمَانِ وَإِلْبَاسَهَا ثِيَابَ الذُّلِّ وَتَخْلِيدَهَا فِي دَارِ الْهَوَانِ وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرُ نَفْسِكَ فَحِكْهَا بِمَحَكِّ التَّحْقِيقِ وَأَعْرِضْ عَلَيْهَا مُشْكِلَاتِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْفِقْهِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ ذَلِكَ وَعَلِمْته عِلْمَ أَهْلِ الْعِرْفَانِ فَهِيَ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَالِحَةٌ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَاذِبَةٌ فِي دَعْوَاهَا لَاعِبَةٌ بِكَ سَاعِيَةٌ فِي هَلَاكِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ مُخَالَفَتُهَا وَرَدْعُهَا عَنْ ذَلِكَ وَطُرُقُ الْمَعَاشِ كَثِيرَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ عَمَلًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ لَا يَشُمُّ رِيحَ الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّ رِيحَهَا يُشَمُّ عَلَى خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّائِلُ غَيْرَ مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ فَحُكَّهُ بِذَلِكَ الْمَحَكِّ فَإِنَّهُ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ وَالْبُرْهَانُ السَّاطِعُ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلِيٍّ جَاهِلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ أَنَّ الْمُرَبِّيَ يَعْرِفُ مُرِيدَهُ وَهُوَ نُطْفَةٌ فِي ظَهْرِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ لِهَذَا الَّذِي يُرِيدُ التَّرْبِيَةَ وَالتَّسْلِيكَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَا حَبَّذَا وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّأَدُّبُ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا يَعْنِيهِ وَأَنْ لَا يَبِيعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدِيمَانِ وَلَوْ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحُدُوثِهِمَا وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ؟ فَهَلْ مَا قَالَهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَفِيهِمَا الْخِلَافُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الزَّاعِمِ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ مَا قَالَهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَفِيهِمَا الْخِلَافُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَاشْتِرَاطِ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ. قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ لِلْمَحَلِّيِّ وَحَاشِيَتِهِ لِلْبُنَانِيِّ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهَا لِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إذْ ذَاكَ يَعْنِي وَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقُهَا وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمُهَا لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قِسْمَانِ مِنْ الْحُكْمِ الْمُعْتَبَرِ فِي مَفْهُومِهِ التَّعَلُّقَ كَمَا مَرَّ وَإِنَّمَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهَا فِيمَا لَا يَزَالُ أَيْ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَكُونُ الْأَنْوَاعُ حَادِثَةً مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَالْأَصَحُّ تَنَوُّعُهُ فِي الْأَزَلِ إلَيْهَا بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ حُدُوثِ الْأَنْوَاعِ مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا يَلْزَمُهُ مُحَالٌ مِنْ وُجُودِ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا عَنْ أَنْوَاعِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ أَيْ عَوَارِضُ لَهُ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهَا تَحْدُثُ

стр. 37

بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ كَمَا أَنَّ تَنَوُّعَهُ إلَيْهَا عَلَى الثَّانِي بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ صِفَةً وَاحِدَةً كَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ فَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ فِي الْأَزَلِ أَوْ فِيمَا لَا يُزَالُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ لِفِعْلِهِ يُسَمَّى أَمْرًا أَوْ لِتَرْكِهِ يُسَمَّى نَهْيًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ انْتَهَى. وَقَالَ السُّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى قَالَ سَعِيدُ بْنُ كِلَابٍ إنَّ الْكَلَامَ اسْمٌ لِسَبْعِ صِفَاتٍ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالنِّدَاءُ وَالْكُلُّ قَدِيمٌ عِنْدَهُ وَنُقِلَ عَنْهُ قِدَمُ الْكَلَامِ فَقَطْ أَيْضًا وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ السَّبْعَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْكَلَامِ فِيمَا لَا يَزَالُ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ تَعَقُّلَ وُجُودِ الْكَلَامِ أَزَلًا بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ مُحَالٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ وُجُودُ الْجِنْسِ خَارِجًا فِي غَيْرِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ. ثُمَّ قَالَ وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُسَمَّى أَمْرًا وَنَهْيًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ لَا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَإِنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ هَذَا انْتَهَى. وَأَشَارَ لِلْخِلَافِ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَيْضًا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ ضَرُورَةٌ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَنْفُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْمُقَسَّمَ إلَيْهَا وَجَزَاءُ هَذَا الزَّاعِمِ الْمُتَجَارِي مَعَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ التَّأْدِيبُ الشَّدِيدُ لِيَرْتَدِعَ هُوَ وَأَمْثَالُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْيُوسِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْكُبْرَى اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَعَ تَنَوُّعِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ فِي نَفْسِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا وَيَتَنَوَّعُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ مَثَلًا إنْ تَعَلَّقَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ سُمِّيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَمْرًا أَوْ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ سُمِّيَ نَهْيًا، وَهَكَذَا وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ أَمْرٌ مِنْ غَيْرِ مَأْمُورٍ وَنَهْيٌ مِنْ غَيْرِ مَنْهِيٍّ، وَهُوَ مُحَالٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا لَوْ أُرِيدَ تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ فِي الْأَزَلِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُحَقَّقُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَعْنِي الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكَلَامَ هَلْ يُسَمَّى خِطَابًا فِي الْأَزَلِ أَمْ لَا وَأَنَّ الْمَعْدُومَ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَمْ لَا قَالَ الْعَضُدُ فِي الشَّرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْأَصْلِيِّ وَلِأَجْلِ أَنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ يَعْنِي وُجُودَ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلَّقٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ لَيْسَ كَلَامُهُ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَخَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ وَقَالَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ حَادِثَةٌ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ أَنْوَاعٌ لِجِنْسِ الْكَلَامِ وَالْجِنْسُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي ضِمْنِ نَوْعٍ مَا فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْكَلَامِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ. قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ سَعِيدٍ يَمْنَعُ كَوْنَهَا أَنْوَاعًا بَلْ عَوَارِضَ بِحَسَبِ الْمُتَعَلَّقِ وَيَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْ التَّعَلُّقِ وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ التَّعَلُّقِ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَلَهُ تَحْقِيقٌ وَتَدْقِيقٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ انْتَهَى. قَالَ السَّعْدُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَحْقِيقٌ أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقُ ثُمَّ تَتَكَثَّرُ تَكَثُّرًا اعْتِبَارِيًّا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ التَّعَلُّقَاتِ

стр. 38

مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِمَا لَوْ فَعَلَ فِعْلًا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ وَتَارِكُهُ الذَّمَّ يُسَمَّى أَمْرًا وَبِالْعَكْسِ نَهْيًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ هَذَا تَنَوُّعًا كَالْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَا يَصِيرُ بِاعْتِبَارِهَا أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً وَكَذَا الْقُدْرَةُ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَشَى السَّعْدُ فِي شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْأَقْسَامُ لَا يُعْقَلُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ إنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عِنْدَ التَّعَلُّقَاتِ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ وَأَمَّا فِي الْأَزَلِ فَلَا انْقِسَامَ أَصْلًا انْتَهَى. قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ جَرَى الشَّارِحُ يَعْنِي السَّعْدَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ تَنَوُّعُ الْكَلَامِ يَحْدُثُ عَنْهُ حُدُوثَ التَّعَلُّقَاتِ التَّنْجِيزِيَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي التَّنَوُّعِ التَّعَلُّقَاتِ الْحَادِثَةَ وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ التَّعَلُّقَاتِ الْأَزَلِيَّةَ انْتَهَى. وَقَالَ الْخَيَّالِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَيْ السَّعْدِ وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ بِدُونِهَا إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ الْأَزَلِيَّةِ قِفْ عَلَى كَلَامِهِ وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ انْتَهَى كَلَامُ الْيُوسِيِّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْفِهْرِيِّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا نَفَتْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَكَانَ فِي الْأَزَلِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِلَا مَأْمُورٍ وَلَا مُنْهًى وَهُوَ عَبَثٌ. أَجَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَالْقَلَانِسِيُّ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كَلَامًا أَزَلِيًّا لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا وَلَا خَبَرًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَالْمُخْبَرِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَأَجَابَ كَذَلِكَ وَقَالَ الْعُكَارِيُّ خَصَّ ابْنُ سَعِيدٍ لِتَرَدُّدِ النَّقْلِ عَنْهُ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ زَعْمَ الزَّاعِمِ بَاطِلٌ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَدَبَ الشَّدِيدَ كَيْ يَنْزَجِرَ عَنْ التَّجَارِي وَيَرْجِعَ لِلْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَلْ كَانَتْ لَهُمْ أَحَادِيثُ مُدَوَّنَةٌ كَأَحَادِيثِ نَبِيِّنَا أَوْ هَذَا التَّدْوِينُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا التَّدْوِينُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أُمَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: وَمِنْهَا أَنَّهُمْ أُوتُوا الْإِسْنَادَ، وَهُوَ خَصِيصَةٌ فَأَفْضَلُهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيِّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالْإِسْنَادِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ كُلِّهَا قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا إسْنَادٌ إنَّمَا هُوَ صُحُفٌ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَدْ خَلَطُوا بِكُتُبِهِمْ أَخْبَارَهُمْ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا نَزَلَ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَبَيْنَ مَا أَلْحَقُوهُ بِكُتُبِهِمْ مِنْ

стр. 39

الْأَخْبَارِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا مِنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الشَّرِيفَةُ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا بِنَبِيِّهَا إنَّمَا تَنُصُّ الْحَدِيثَ عَنْ الثِّقَةِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِهِ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ عَنْ مِثْلِهِ حَتَّى تَتَنَاهَى أَخْبَارُهُمْ ثُمَّ يَبْحَثُونَ أَشَدَّ الْبَحْثِ حَتَّى يَعْرِفُوا الْأَحْفَظَ فَالْأَحْفَظَ، وَالْأَضْبَطَ فَالْأَضْبَطَ وَالْأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقْصَرَ مُجَالَسَةً ثُمَّ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا وَأَكْثَرَ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنْ الْغَلَطِ وَالزَّلَلِ وَيَضْبِطُوا حُرُوفَهُ وَيَعُدُّوهُ عَدًّا فَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَنَسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعَالَى شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نِعْمَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أُمَنَاءُ يَحْفَظُونَ آثَارَ الرُّسُلِ إلَّا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ وَمِنْهَا تَصْنِيفُ الْكُتُبِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الْأَطْفَالِ هَلْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَطْفَالِ هَلْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ؟ جَوَابُهُ: الَّذِي جَزَمَ بِهِ السُّيُوطِيّ أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَا تَقُولُ) فِي سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ هَلْ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِذَا قُلْتَ لَا مَخْلُوقَ أَفْضَلَ مِنْهُ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَخْلُوقًا أَفْضَلُ مِنْهُ ﷺ وَمَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَشَاعَتْ أَفْضَلِيَّتُهُ وَذَاعَتْ، وَصَارَتْ كَالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى عِنْدَ الْعَوَامّ فَإِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَصْرُخُونَ بِهَا عَلَى الْمَآذِن لَيْلًا وَنَهَارًا وَصَبَاحًا وَمَسَاءً وَالْمَدَّاحِينَ كَذَلِكَ فِي الْأَزِقَّةِ وَالطُّرُقِ، وَدَلَائِلُ الْخَيْرَاتِ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ وَنُسَخُهَا كَثِيرَةٌ وَقِرَاءَتُهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ شَهِيرَةٌ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ اعْتِقَادُهَا وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْهَا وَجَحَدَهَا بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ نَجَا وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ قَالَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ: وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ... نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنْ الشِّقَاقِ أَفْضَلِيَّتُهُ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ الْمُحَقِّقُونَ قَالَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالْبَشَرِ ثُمَّ قَالَ اللَّقَانِيُّ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَظَوَاهِرُهُ كَقَوْلِ النَّوَوِيِّ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ مُفِيدَةٌ لِوُجُوبِهِ وَانْظُرْ مَا حُكْمُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ كَذَلِكَ فَإِنِّي لَا أَسْتَحْضِرُهُ الْآنَ وَلَا يَبْعُدُ تَفْسِيقُهُ وَتَبْدِيعُهُ إنْ أَصَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَأَمَّا خَرْقُ الْإِجْمَاعِ فَفِيهِ مَا يَأْتِي انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ فِي هِدَايَةِ الْمُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ الظَّاهِرُ

стр. 40

أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلَفْظُ النَّوَوِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ انْتَهَى. وَلَا شَكَّ فِي عِصْيَانِ مُنْكِرِهِ وَتَبْدِيعِهِ وَتَأْدِيبِهِ وَانْظُرْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْيُوسِيُّ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ جِبْرِيلَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ فَأَقَلُّ الْوَاجِبِ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَهْدِيدُهُ وَتَأْدِيبُهُ وَحَبْسُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ رَدْعًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَصِيَانَةً لِهَذَا الْجَنَابِ الشَّرِيفِ وَالْمَقَامِ الْمُنِيفِ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْخَلْوَةِ الْأَرْبَعِينِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا الْمَنْسُوبَةُ لِلسَّادَاتٍ الْخَلْوَتِيَّةِ وَهَلْ إذَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهَا كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ وَكَذَا لُبْسُ التَّاجِ الَّذِي جَعَلُوهُ عَلَامَةً عَلَى انْتِهَاءِ الْمُرِيدِ فِي الطَّرِيقِ مَا حُكْمُهُ لِمَنْ انْتَهَى فِيهِ وَمَاذَا يَلْزَمُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَا يَلْبَسُهُ إلَّا الْكُفَّارُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْخَلْوَةُ مُسْتَحَبَّةٌ شَرْعًا وَلَهَا شَوَاهِدُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَجِبُ إنْ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهَا سَلَامَةُ الدِّينِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَقَطْعُ عَقَبَاتِهَا. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَمَا تُوُقِّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَمُدَّعِي أَنَّهَا كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ جَاهِلٌ وَكَلَامُهُ بَاطِلٌ وَيَلْزَمُهُ التَّأْدِيبُ الشَّدِيدُ وَالِاسْتِتَابَةُ لِتَجَارِيهِ وَاسْتِهَانَتِهِ بِالدِّينِ وَلُبْسُ التَّاجِ جَائِزٌ شَرْعًا لِمَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ وَلَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ وَمُدَّعَى حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كَاذِبٌ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّأْدِيبِ الشَّدِيدِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِهِ لَا يَلْبَسُهُ إلَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَغَايَةٌ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ فِي حَقِّ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ وَهِيَ غَايَةُ الطُّغْيَانِ وَالْخُسْرَانِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَلْبِيسٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَتَحَيُّلٌ عَلَى تَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِأُمُورِ الدِّينِ وَيُخْشَى مِنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِرْقَةَ وَعَلَمَ الرَّايَةِ وَالْحِزَامَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الطَّرِيقِ بَلْ مَدَارُ أَصْلِ الطَّرِيقِ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَإِلْزَامُهَا بِالشَّرِيعَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ قَالَ لِلسَّائِلِ اعْمَلْ بِعِلْمِ الظَّاهِرِ يُوَرِّثُكَ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ الْبَاطِنِ لَكِنَّ مُسْتَنَدَ الْقَوْمِ أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ، وَقَدْ وَرَدَ تَعْمِيمُ النَّبِيِّ ﷺ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْجِهَادِ وَعَقْدُ اللِّوَاءِ لَهُ وَاغْتِفَارُهُ الشِّعْرَ وَالتَّبَخْتُرَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَمَا قَالَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ الشِّعَارَ فِي الْقَوْمِ لِيَجْتَمِعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الْقَوْمُ تَبَرَّكُوا بِاللِّبَاسِ الْخِرْقَةِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا وَنَشَرُوا الْأَعْلَامَ وَاغْتَفَرُوا هَزَّ الْجِسْمِ فِي الذِّكْرِ وَالْإِنْشَادِ إعَانَةً عَلَى الْمُجَاهَدَةِ وَلِيَجْتَمِعَ بِخِرْقَتِهِمْ أَصْحَابُ
следующие страницы →