Полный текст (808 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَلَا تَلْتَفِتْ لِلَوْمِ الْعَوَامّ وَإِنْ عَلِمْتَ مِنْهَا ضِدَّ ذَلِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ التَّبَاعُدُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْخَطِرِ وَكَيْفَ تَتَهَاجَمُ عَلَى أَنْ تُدْخِلَ غَيْرَكَ إلَى حَضْرَةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ وَأَنْتَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْهَا صُعْلُوكٌ أَمَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ سَلْبَ الْإِيمَانِ وَإِلْبَاسَهَا ثِيَابَ الذُّلِّ وَتَخْلِيدَهَا فِي دَارِ الْهَوَانِ وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرُ نَفْسِكَ فَحِكْهَا بِمَحَكِّ التَّحْقِيقِ وَأَعْرِضْ عَلَيْهَا مُشْكِلَاتِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْفِقْهِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ ذَلِكَ وَعَلِمْته عِلْمَ أَهْلِ الْعِرْفَانِ فَهِيَ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَالِحَةٌ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَاذِبَةٌ فِي دَعْوَاهَا لَاعِبَةٌ بِكَ سَاعِيَةٌ فِي هَلَاكِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ مُخَالَفَتُهَا وَرَدْعُهَا عَنْ ذَلِكَ وَطُرُقُ الْمَعَاشِ كَثِيرَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ عَمَلًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ لَا يَشُمُّ رِيحَ الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّ رِيحَهَا يُشَمُّ عَلَى خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّائِلُ غَيْرَ مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ فَحُكَّهُ بِذَلِكَ الْمَحَكِّ فَإِنَّهُ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ وَالْبُرْهَانُ السَّاطِعُ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلِيٍّ جَاهِلٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ أَنَّ الْمُرَبِّيَ يَعْرِفُ مُرِيدَهُ وَهُوَ نُطْفَةٌ فِي ظَهْرِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ لِهَذَا الَّذِي يُرِيدُ التَّرْبِيَةَ وَالتَّسْلِيكَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَا حَبَّذَا وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّأَدُّبُ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا يَعْنِيهِ وَأَنْ لَا يَبِيعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدِيمَانِ وَلَوْ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحُدُوثِهِمَا وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ؟ فَهَلْ مَا قَالَهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَفِيهِمَا الْخِلَافُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الزَّاعِمِ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ مَا قَالَهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَفِيهِمَا الْخِلَافُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَاشْتِرَاطِ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ.
قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ لِلْمَحَلِّيِّ وَحَاشِيَتِهِ لِلْبُنَانِيِّ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهَا لِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إذْ ذَاكَ يَعْنِي وَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقُهَا وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمُهَا لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قِسْمَانِ مِنْ الْحُكْمِ الْمُعْتَبَرِ فِي مَفْهُومِهِ التَّعَلُّقَ كَمَا مَرَّ وَإِنَّمَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهَا فِيمَا لَا يَزَالُ أَيْ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَكُونُ الْأَنْوَاعُ حَادِثَةً مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَالْأَصَحُّ تَنَوُّعُهُ فِي الْأَزَلِ إلَيْهَا بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ حُدُوثِ الْأَنْوَاعِ مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا يَلْزَمُهُ مُحَالٌ مِنْ وُجُودِ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا عَنْ أَنْوَاعِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ أَيْ عَوَارِضُ لَهُ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهَا تَحْدُثُ
стр. 37
بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ كَمَا أَنَّ تَنَوُّعَهُ إلَيْهَا عَلَى الثَّانِي بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ صِفَةً وَاحِدَةً كَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ فَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ فِي الْأَزَلِ أَوْ فِيمَا لَا يُزَالُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ لِفِعْلِهِ يُسَمَّى أَمْرًا أَوْ لِتَرْكِهِ يُسَمَّى نَهْيًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ السُّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى قَالَ سَعِيدُ بْنُ كِلَابٍ إنَّ الْكَلَامَ اسْمٌ لِسَبْعِ صِفَاتٍ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالنِّدَاءُ وَالْكُلُّ قَدِيمٌ عِنْدَهُ وَنُقِلَ عَنْهُ قِدَمُ الْكَلَامِ فَقَطْ أَيْضًا وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ السَّبْعَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْكَلَامِ فِيمَا لَا يَزَالُ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ تَعَقُّلَ وُجُودِ الْكَلَامِ أَزَلًا بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ مُحَالٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ وُجُودُ الْجِنْسِ خَارِجًا فِي غَيْرِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ.
ثُمَّ قَالَ وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُسَمَّى أَمْرًا وَنَهْيًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ لَا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَإِنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ هَذَا انْتَهَى.
وَأَشَارَ لِلْخِلَافِ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَيْضًا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ ضَرُورَةٌ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَنْفُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْمُقَسَّمَ إلَيْهَا وَجَزَاءُ هَذَا الزَّاعِمِ الْمُتَجَارِي مَعَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ التَّأْدِيبُ الشَّدِيدُ لِيَرْتَدِعَ هُوَ وَأَمْثَالُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ الْيُوسِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْكُبْرَى اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَعَ تَنَوُّعِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ فِي نَفْسِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا وَيَتَنَوَّعُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ مَثَلًا إنْ تَعَلَّقَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ سُمِّيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَمْرًا أَوْ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ سُمِّيَ نَهْيًا، وَهَكَذَا وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ أَمْرٌ مِنْ غَيْرِ مَأْمُورٍ وَنَهْيٌ مِنْ غَيْرِ مَنْهِيٍّ، وَهُوَ مُحَالٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا لَوْ أُرِيدَ تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ فِي الْأَزَلِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُحَقَّقُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَعْنِي الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكَلَامَ هَلْ يُسَمَّى خِطَابًا فِي الْأَزَلِ أَمْ لَا وَأَنَّ الْمَعْدُومَ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَمْ لَا قَالَ الْعَضُدُ فِي الشَّرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْأَصْلِيِّ وَلِأَجْلِ أَنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ يَعْنِي وُجُودَ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلَّقٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ لَيْسَ كَلَامُهُ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَخَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ وَقَالَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ حَادِثَةٌ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ أَنْوَاعٌ لِجِنْسِ الْكَلَامِ وَالْجِنْسُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي ضِمْنِ نَوْعٍ مَا فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْكَلَامِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ.
قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ سَعِيدٍ يَمْنَعُ كَوْنَهَا أَنْوَاعًا بَلْ عَوَارِضَ بِحَسَبِ الْمُتَعَلَّقِ وَيَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْ التَّعَلُّقِ وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ التَّعَلُّقِ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَلَهُ تَحْقِيقٌ وَتَدْقِيقٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ انْتَهَى.
قَالَ السَّعْدُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَحْقِيقٌ أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقُ ثُمَّ تَتَكَثَّرُ تَكَثُّرًا اعْتِبَارِيًّا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ التَّعَلُّقَاتِ
стр. 38
مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِمَا لَوْ فَعَلَ فِعْلًا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ وَتَارِكُهُ الذَّمَّ يُسَمَّى أَمْرًا وَبِالْعَكْسِ نَهْيًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ هَذَا تَنَوُّعًا كَالْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَا يَصِيرُ بِاعْتِبَارِهَا أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً وَكَذَا الْقُدْرَةُ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَشَى السَّعْدُ فِي شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْأَقْسَامُ لَا يُعْقَلُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ إنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عِنْدَ التَّعَلُّقَاتِ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ وَأَمَّا فِي الْأَزَلِ فَلَا انْقِسَامَ أَصْلًا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ جَرَى الشَّارِحُ يَعْنِي السَّعْدَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ تَنَوُّعُ الْكَلَامِ يَحْدُثُ عَنْهُ حُدُوثَ التَّعَلُّقَاتِ التَّنْجِيزِيَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي التَّنَوُّعِ التَّعَلُّقَاتِ الْحَادِثَةَ وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ التَّعَلُّقَاتِ الْأَزَلِيَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْخَيَّالِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَيْ السَّعْدِ وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ بِدُونِهَا إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ الْأَزَلِيَّةِ قِفْ عَلَى كَلَامِهِ وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ انْتَهَى كَلَامُ الْيُوسِيِّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْفِهْرِيِّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا نَفَتْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَكَانَ فِي الْأَزَلِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِلَا مَأْمُورٍ وَلَا مُنْهًى وَهُوَ عَبَثٌ.
أَجَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَالْقَلَانِسِيُّ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كَلَامًا أَزَلِيًّا لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا وَلَا خَبَرًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَالْمُخْبَرِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَجَابَ كَذَلِكَ وَقَالَ الْعُكَارِيُّ خَصَّ ابْنُ سَعِيدٍ لِتَرَدُّدِ النَّقْلِ عَنْهُ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ زَعْمَ الزَّاعِمِ بَاطِلٌ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَدَبَ الشَّدِيدَ كَيْ يَنْزَجِرَ عَنْ التَّجَارِي وَيَرْجِعَ لِلْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَلْ كَانَتْ لَهُمْ أَحَادِيثُ مُدَوَّنَةٌ كَأَحَادِيثِ نَبِيِّنَا أَوْ هَذَا التَّدْوِينُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا التَّدْوِينُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أُمَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: وَمِنْهَا أَنَّهُمْ أُوتُوا الْإِسْنَادَ، وَهُوَ خَصِيصَةٌ فَأَفْضَلُهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيِّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالْإِسْنَادِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ كُلِّهَا قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا إسْنَادٌ إنَّمَا هُوَ صُحُفٌ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَدْ خَلَطُوا بِكُتُبِهِمْ أَخْبَارَهُمْ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا نَزَلَ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَبَيْنَ مَا أَلْحَقُوهُ بِكُتُبِهِمْ مِنْ
стр. 39
الْأَخْبَارِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا مِنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الشَّرِيفَةُ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا بِنَبِيِّهَا إنَّمَا تَنُصُّ الْحَدِيثَ عَنْ الثِّقَةِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِهِ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ عَنْ مِثْلِهِ حَتَّى تَتَنَاهَى أَخْبَارُهُمْ ثُمَّ يَبْحَثُونَ أَشَدَّ الْبَحْثِ حَتَّى يَعْرِفُوا الْأَحْفَظَ فَالْأَحْفَظَ، وَالْأَضْبَطَ فَالْأَضْبَطَ وَالْأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقْصَرَ مُجَالَسَةً ثُمَّ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا وَأَكْثَرَ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنْ الْغَلَطِ وَالزَّلَلِ وَيَضْبِطُوا حُرُوفَهُ وَيَعُدُّوهُ عَدًّا فَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَنَسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعَالَى شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نِعْمَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أُمَنَاءُ يَحْفَظُونَ آثَارَ الرُّسُلِ إلَّا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ وَمِنْهَا تَصْنِيفُ الْكُتُبِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[الْأَطْفَالِ هَلْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَطْفَالِ هَلْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ؟
جَوَابُهُ: الَّذِي جَزَمَ بِهِ السُّيُوطِيّ أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا تَقُولُ) فِي سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ هَلْ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِذَا قُلْتَ لَا مَخْلُوقَ أَفْضَلَ مِنْهُ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَخْلُوقًا أَفْضَلُ مِنْهُ ﷺ وَمَا الْحُكْمُ فِيهِ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَشَاعَتْ أَفْضَلِيَّتُهُ وَذَاعَتْ، وَصَارَتْ كَالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى عِنْدَ الْعَوَامّ فَإِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَصْرُخُونَ بِهَا عَلَى الْمَآذِن لَيْلًا وَنَهَارًا وَصَبَاحًا وَمَسَاءً وَالْمَدَّاحِينَ كَذَلِكَ فِي الْأَزِقَّةِ وَالطُّرُقِ، وَدَلَائِلُ الْخَيْرَاتِ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ وَنُسَخُهَا كَثِيرَةٌ وَقِرَاءَتُهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ شَهِيرَةٌ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ اعْتِقَادُهَا وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْهَا وَجَحَدَهَا بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ نَجَا وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ قَالَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ:
وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ... نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنْ الشِّقَاقِ
أَفْضَلِيَّتُهُ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ الْمُحَقِّقُونَ قَالَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالْبَشَرِ ثُمَّ قَالَ اللَّقَانِيُّ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَظَوَاهِرُهُ كَقَوْلِ النَّوَوِيِّ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ مُفِيدَةٌ لِوُجُوبِهِ وَانْظُرْ مَا حُكْمُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ كَذَلِكَ فَإِنِّي لَا أَسْتَحْضِرُهُ الْآنَ وَلَا يَبْعُدُ تَفْسِيقُهُ وَتَبْدِيعُهُ إنْ أَصَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَأَمَّا خَرْقُ الْإِجْمَاعِ فَفِيهِ مَا يَأْتِي انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ فِي هِدَايَةِ الْمُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ الظَّاهِرُ
стр. 40
أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلَفْظُ النَّوَوِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ انْتَهَى. وَلَا شَكَّ فِي عِصْيَانِ مُنْكِرِهِ وَتَبْدِيعِهِ وَتَأْدِيبِهِ وَانْظُرْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْيُوسِيُّ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ جِبْرِيلَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ فَأَقَلُّ الْوَاجِبِ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَهْدِيدُهُ وَتَأْدِيبُهُ وَحَبْسُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ رَدْعًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَصِيَانَةً لِهَذَا الْجَنَابِ الشَّرِيفِ وَالْمَقَامِ الْمُنِيفِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْخَلْوَةِ الْأَرْبَعِينِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا الْمَنْسُوبَةُ لِلسَّادَاتٍ الْخَلْوَتِيَّةِ وَهَلْ إذَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهَا كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ وَكَذَا لُبْسُ التَّاجِ الَّذِي جَعَلُوهُ عَلَامَةً عَلَى انْتِهَاءِ الْمُرِيدِ فِي الطَّرِيقِ مَا حُكْمُهُ لِمَنْ انْتَهَى فِيهِ وَمَاذَا يَلْزَمُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَا يَلْبَسُهُ إلَّا الْكُفَّارُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْخَلْوَةُ مُسْتَحَبَّةٌ شَرْعًا وَلَهَا شَوَاهِدُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَجِبُ إنْ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهَا سَلَامَةُ الدِّينِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَقَطْعُ عَقَبَاتِهَا.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَمَا تُوُقِّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَمُدَّعِي أَنَّهَا كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ جَاهِلٌ وَكَلَامُهُ بَاطِلٌ وَيَلْزَمُهُ التَّأْدِيبُ الشَّدِيدُ وَالِاسْتِتَابَةُ لِتَجَارِيهِ وَاسْتِهَانَتِهِ بِالدِّينِ وَلُبْسُ التَّاجِ جَائِزٌ شَرْعًا لِمَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ وَلَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ وَمُدَّعَى حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كَاذِبٌ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّأْدِيبِ الشَّدِيدِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِهِ لَا يَلْبَسُهُ إلَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَغَايَةٌ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ فِي حَقِّ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ وَهِيَ غَايَةُ الطُّغْيَانِ وَالْخُسْرَانِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَلْبِيسٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَتَحَيُّلٌ عَلَى تَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِأُمُورِ الدِّينِ وَيُخْشَى مِنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِرْقَةَ وَعَلَمَ الرَّايَةِ وَالْحِزَامَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الطَّرِيقِ بَلْ مَدَارُ أَصْلِ الطَّرِيقِ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَإِلْزَامُهَا بِالشَّرِيعَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ قَالَ لِلسَّائِلِ اعْمَلْ بِعِلْمِ الظَّاهِرِ يُوَرِّثُكَ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ الْبَاطِنِ لَكِنَّ مُسْتَنَدَ الْقَوْمِ أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ، وَقَدْ وَرَدَ تَعْمِيمُ النَّبِيِّ ﷺ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْجِهَادِ وَعَقْدُ اللِّوَاءِ لَهُ وَاغْتِفَارُهُ الشِّعْرَ وَالتَّبَخْتُرَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَمَا قَالَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ الشِّعَارَ فِي الْقَوْمِ لِيَجْتَمِعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الْقَوْمُ تَبَرَّكُوا بِاللِّبَاسِ الْخِرْقَةِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا وَنَشَرُوا الْأَعْلَامَ وَاغْتَفَرُوا هَزَّ الْجِسْمِ فِي الذِّكْرِ وَالْإِنْشَادِ إعَانَةً عَلَى الْمُجَاهَدَةِ وَلِيَجْتَمِعَ بِخِرْقَتِهِمْ أَصْحَابُ
стр. 41
طَرِيقَتِهِمْ الَّذِينَ هُمْ يَتَعَاوَنُونَ بِحَالٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا بُغْضٍ لِخِرْقَةِ غَيْرِهِمْ بَلْ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ:
فَنَادِمْنِي بِمِثْلِ لِسَانِ حَالِي ... تُرِحْنِي وَأَطْرَبُ مِنْ قَرِيبِ
وَالْمُدَّعُونَ الْيَوْمَ أَفْسَدُوا الْأَوْضَاعَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى الصُّوَرِ الظَّاهِرِيَّةِ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الْقَوْمِ دِرَاسَةٌ وَحَالُ مَنْ يَدَّعِيهَا الْيَوْمَ كَمَا تَرَى.
[رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى مَنَامًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَالَ يَجُوزُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَنَامًا فِي صُورَةِ رَجُلٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ شَابٍّ» وَقَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَشَكَّلَ مَا لَا يَتَشَكَّلُ فِي الْمَنَامِ جَائِزٌ وَنَوْمُ النَّبِيِّ ﷺ كَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنَزَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْحَوَادِثِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سَيِّدِ كُلِّ حَادِثٍ، قَوْلُهُ تَجُوزُ رُؤْيَةُ اللَّهِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ بَاطِلٍ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ إنْ صَحَّ يُؤَوَّلُ بِتَقْدِيرٍ مُضَافٍ أَيْ مَلِكَ رَبِّي أَوْ جُعِلَ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَالًا مِنْ تَاءِ رَأَيْتُ أَيْ حَالَ كَوْنِي فِي صُورَةِ شَابٍّ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إنْ صَحَّ مَعْنَاهُ مَا لَا يَتَشَكَّلُ مِنْ الْحَوَادِثِ الْقَابِلَةِ لِلتَّشَكُّلِ مَا لَا يَشْمَلُ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّشَكُّلُ وَقَوْلُهُ نَوْمُ النَّبِيِّ ﷺ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَا كَغَيْرِهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ رُؤْيَاهُ ﷺ وَحْيٌ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ نَادَى هَذَا الْقَائِلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجَهْلِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصِفَاتِ رَسُولِهِ ﷺ وَأَسَاءَ الْأَدَبَ فِي حَقِّهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَتِهِ اُخْتُلِفَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ وَمُعْظَمُ الْمُثْبِتِينَ لِلرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى جَوَازِهَا مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ وَجِهَةٍ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ وَصِحَّتِهَا وَإِنْ رَآهُ الْإِنْسَانُ عَلَى صِفَةٍ لَا تَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ كَانَ ذَلِكَ الْمَرْئِيُّ غَيْرَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّجْسِيمُ وَلَا اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ قَالَ الْقَرَافِيُّ عَقِبَ كَلَامِ عِيَاضٍ هَذَا إنْ ادَّعَاهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَوَلِيٍّ يُوثَقُ بِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومَاتِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَإِذَا قُبِلَ خَبَرُ الْوَلِيِّ فِي الْكَرَامَةِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ الْمُخَصِّصَةِ لِلْعُمُومَاتِ الْقَطْعِيَّةِ فَأَوْلَى فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الظَّنِّيِّ وَأَمَّا إنْ دَعَاهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَالْعَاصِي وَالْمُقَصِّرِ فَإِنَّهُ يُكَذِّبُ هَذَا كُلَّهُ إذَا رَآهُ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ كَمَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى كَرُؤْيَتِهِ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ يَتَقَاضَى مِنْ الرَّائِي أَمْرًا أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَمْرٍ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ شَرٍّ وَيَقُولُ لَهُ أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي فَهُوَ أَيْضًا جَائِزٌ وَتَكُونُ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ فَتَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ
стр. 42
أَوْ سَيَكُونُ كَغَيْرِهَا مِنْ الرُّؤْيَاتِ فَيُسْأَلُ عَنْ تَعْبِيرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الرَّائِي أَنَّ مَرْئِيَّهُ أَمْرٌ وَارِدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ وَإِطْلَاقُ اسْمِ اللَّهِ عَلَى مَرْئِيِّهِ مُجَازٌ كَإِطْلَاقِهِ فِي حَدِيثِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا عَلَى مَلَكٍ حَامِلٍ أَمْرَهُ أَوْ رَحْمَتَهُ تَعَالَى» انْتَهَى.
[مَسَائِلُ أُصُولِ الْفِقْهِ]
[أَنْوَاع الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ أُصُولِ الْفِقْهِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِهِمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ: خَمْسَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ الْإِيجَابُ، وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ، وَخَمْسَةٌ وَضْعِيَّةٌ السَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ فَمَا مَعْنَى عَدِّ الْإِبَاحَةِ مِنْ التَّكْلِيفِيَّةِ، وَمَا كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ فِي قَوْلِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ يَجْرِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى فَتَبْلُغُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مَعْنَى وَجْهِ عَدِّهِمْ الْإِبَاحَةَ فِي التَّكْلِيفِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ لِلتَّكْلِيفِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ إنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَقِيلَ فِيهِ إنَّهُ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ طَلَبًا وَلَا إلْزَامَ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ إنَّمَا هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ التَّغْلِيبُ أَوْ كَوْنُهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً - فِي حَوَاشِي الْجَوْهَرَةِ وَنَصُّهُ: " وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَيْسَتْ تَكْلِيفًا عَلَيْهِمَا أَيْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ التَّكْلِيفِ إنْ قُلْتَ كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ وَضْعٌ السَّبَبُ، وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَخَمْسَةٌ تَكْلِيفٌ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ قُلْت إمَّا أَنَّهُ تَغْلِيبٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ لِمَا صَرَّحَ بِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلَةٌ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا مُبَاحَةٌ وَتَقْرِيبُهُ أَنَّ مَعْنَى مُبَاحَةٍ لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي تَرْكِهَا وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إلَّا حَيْثُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ انْتَهَى. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ كَالصَّلَاةِ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ وَسَبَبٌ لِلْعَدَالَةِ وَمَانِعٌ مِنْ الْقَتْلِ لِتَرْكِهَا وَصَحِيحَةٌ إنْ وَافَقَتْ الشَّرْعَ، وَفَاسِدَةٌ إنْ خَالَفَتْهُ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَقِيَّةِ وَإِنْ شِئْت قُلْت السَّبَبُ إمَّا وَاجِبٌ كَالْإِيمَانِ لِلنَّجَاةِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَسَعَادَةِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَإِمَّا حَرَامٌ كَالزِّنَا لِلْحَدِّ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ كَأَكْلِ الْبَصَلِ لِخُبْثِ رِيحِ الْفَمِ وَإِمَّا مَنْدُوبٌ كَتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَإِمَّا مُبَاحٌ كَالْأَكْلِ لِلشِّبَعِ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَقِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 43
مَا قَوْلُكُمْ) فِي قِيَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ دُخُولِهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ ثُبُوتَهُ مَعَ إقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُمْ عَلَيْهِ وَصَيْرُورَتِهِ سُنَّةً لَهُمْ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ بِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ثُبُوتَهُ مَعَ إنْكَارِهِ ﷺ إيَّاهُ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ فَهُوَ ثَابِتٌ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ» لِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًى فَقُمْنَا إلَيْهِ فَقَالَ لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقُومُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ» انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لِلْأَوَّلَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂ قَالَتْ، وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَفِيهِ بَيَانُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الْقِيَامُ وَهُوَ التَّقْبِيلُ وَإِجْلَاسُ الْوَارِدِ فِي مَجْلِسِ صَاحِبِ الْبَيْتِ لَا التَّعْظِيمُ بِنَفْسِ الْقِيَامِ فَلِذَا فَعَلَهُ ﷺ وَأَقَرَّ بِنْتَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَلَى فِعْلِهِ وَقَدْ بَسَطَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَدْخَلِهِ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا ادَّعَاهُ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ حَالَ قِرَاءَتِهِ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي مَسْجِدِ الْحُسَيْنِ بِرَمَضَانَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا يَأْخُذُ وَيَرْجِعُ إلَيْهَا فِي اجْتِهَادِهِ وَأَنَّ مَدَارَ مَذْهَبِهِ عَلَيْهَا وَقَالَ إنَّ هَذَا مَعْلُومٌ وَمَنْقُولٌ وَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَنَّهُ بَابٌ طَوِيلٌ لَا يَنْبَغِي فَتْحُهُ بَلْ الْأَوْلَى غَلْقُهُ فَهَلْ لِهَذَا الْقَوْلِ صِحَّةٌ وَهَلْ لِقَائِلِهِ شُبْهَةٌ وَكَيْفَ هَذَا مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَأَنَّهُ يَحْتَاطُ مَتَى احْتَاطَ الشَّارِعُ وَأَنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمُ السُّنَّةِ وَمَدَارُ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهَا عَلَيْهِ وَنَسْمَعُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ هَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بَيَّنُوا لَنَا حَقِيقَةَ الْحَالِ وَالْحَقُّ لَا كَلَامَ فِيهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا ادَّعَاهُ هَذَا الرَّجُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ
стр. 44
الْكَذِبَ فَهُوَ الْبُهْتَانُ وَسَبَبُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الضَّلَالَ فَهُوَ الْخُسْرَانُ وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لِطَعْنٍ فِي رَاوِيهِ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَلَوْ وَقَعَ هَذَا لَمْ يَبْقَ لِلتَّعْدِيلِ ثَمَرَةٌ وَالنُّصُوصُ الَّتِي فِي أَيْدِينَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ حُكْمًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ وَالْحَسَنَةَ يَجِبُ نَقْضُهُ.
وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْطُ الرَّاوِي الْعَدَالَةُ إلَى أَنْ قَالَ فَلَا يُقْبَلُ الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَهُوَ الْمَسْتُورُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ فُورَكٍ وَسُلَيْمٍ فِي قَوْلِهِمْ بِقَبُولِهِ اتِّبَاعًا لِظَنِّ حُصُولِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُظَنُّ مِنْ عَدَالَتِهِ فِي الظَّاهِرِ عَدَالَتُهُ فِي الْبَاطِنِ إلَى أَنْ قَالَ أَمَّا الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَمَرْدُودٌ إجْمَاعًا لِانْتِفَاءِ تَحَقُّقِ الْعَدَالَةِ وَظَنِّهَا وَكَذَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ كَأَنْ يُقَالَ فِيهِ عَنْ رَجُلٍ مَرْدُودٍ إجْمَاعًا فَإِنَّ وَصْفَهُ نَحْوُ الشَّافِعِيِّ بِالثِّقَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَثِيرًا أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ وَكَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَلِيلًا فَالْوَجْهُ قَبُولُهُ، وَعَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ وَاصِفَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَصِفُهُ بِالثِّقَةِ إلَّا وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى. مَعَ بَعْضِ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ الْمُحَلَّى عَلَيْهِ.
وَفِي الدِّيبَاجِ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ مَا نَصُّهُ وَأَنْتَ إذَا نَظَرْتَ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ مَنَازِعَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَمَآخِذَهُمْ فِي الْفِقْهِ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي الشَّرْعِ وَجَدْتَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَاهِجًا فِي هَذِهِ الْأُصُولِ مَنَاهِجَهَا مُرَتِّبًا لَهَا مَرَاتِبَهَا وَمَدَارِجَهَا مُقَدِّمًا كِتَابَ اللَّهِ عَلَى الْآثَارِ ثُمَّ مُقَدِّمًا لَهَا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ تَارِكًا مِنْهَا مَا لَمْ تَتَحَمَّلْهُ الثِّقَاتُ الْعَارِفُونَ لِمَا تَحَمَّلُوهُ.
وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ أُوَيْسٍ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ هَذِهِ الْأَسَاطِينِ، وَأَشَارَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ ائْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لَكَانَ أَمِينًا إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَجْوَدَ أَخْذًا لِلْعِلْمِ مِنْ مَالِكٍ وَلَا أَشَدَّ انْتِقَادًا لِلرِّجَالِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْهُ انْتَهَى، وَلَيْتَ هَذَا الرَّجُلَ طَالَعَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ أَوْ الْمُصْطَلَحِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ إلَّا بِبَعْضِ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَسَنِ وَأَنَّ الضَّعِيفَ قِسْمٌ مِنْ الْمَرْدُودِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ الشَّائِعِ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ وَأَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ وَأَنْ لَا يُعْتَقَدَ ثُبُوتُهُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لَا يُعْمَلُ بِهِ مُطْلَقًا وَهَذَا شَيْءٌ يَعْرِفُهُ صِغَارُ الطَّلَبَةِ، فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ اعْتَقَدَ هَذَا الْغَبِيُّ أَنَّ مَالِكًا يَجْهَلُ مَا تَعْرِفُهُ الصِّغَارُ أَوْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ مِنْ الْأَخْبَارِ أَوْ يَتَلَاعَبُ بِالشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ أَوْ يَقْصِدُ إضْلَالَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ فَيَتْرُكُ الْقَوِيَّ وَيَأْخُذُ الضَّعِيفَ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ فَضَحَ نَفْسَهُ بِإِظْهَارِ شِدَّةِ جَهْلِهِ وَسُوءِ حِفْظِهِ وَسَخَافَةِ عَقْلِهِ.
وَلَقَدْ صَرَّحَ
стр. 45
الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ يَصِيرُونَ فِي سِتْرِ اللَّهِ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ عُيُوبِهِمْ إلَّا مَا فِيهِ نَصِيحَةٌ لِلْأُمَّةِ لِمَا صَحَّ مِنْ الْأَمْرِ بِذِكْرِ مَحَاسِنِ الْأَمْوَاتِ وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِيهِمْ فَكَيْفَ نَتْرُكُ الْمَحَاسِنَ وَنَخْتَرِعُ عُيُوبَ مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَعْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَرِقَّةُ الدِّيَانَةِ وَغَلَبَةُ الْجَهْلِ تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. هَذَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَدَارُ مَذْهَبِهِ عَلَيْهَا هِيَ مَا فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ وَشَهَادَةُ هَذَا الْإِمَامِ لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ وَلَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهَا إنْ وُجِدَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَحَادِيثِ مَالِكٍ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهَا صِحَاحٌ كُلُّهَا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ كَانَ حَانِثًا اهـ.
نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ وَالْبَرْزَلِيُّ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ عِيَاضٍ فِي الْمَدَارِكِ وَالْحَطَّابِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أُنْشِدَ فِي الدِّيبَاجِ لِعِيَاضٍ
إذَا ذُكِرَتْ كُتُبُ الْحَدِيثِ فَحَيْهَلٍ ... بِكُتُبِ الْمُوَطَّأِ مِنْ تَصَانِيفِ مَالِكِ
أَصَحُّ أَحَادِيثَ وَأَثْبَتُ حُجَّةً ... وَأَوْضَحُهَا فِي الْفِقْهِ نَصًّا لِسَالِكِ
عَلَيْهِ مَضَى الْإِجْمَاعُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ... عَلَى رَغْمِ خَيْشُومِ الْحَسُودِ الْمُمَاحِكِ
فَعَنْهُ فَخُذْ عِلْمَ الدِّيَانَةِ خَالِصًا ... وَمِنْهُ اسْتَفِدْ شَرْعَ النَّبِيِّ الْمُبَارَكِ
وَشُدَّ بِهِ كَفَّ الصِّيَانَةِ تَهْتَدِي ... فَمَنْ حَادَ عَنْهُ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ
اهـ.
وَفِي الدِّيبَاجِ أَيْضًا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لِأَبِي زُرْعَةَ فِي أَحَادِيثِ مَالِكٍ لَيْسَ هَذَا زَعْزَعَةً عَنْ زَوْبَعَةٍ إنَّمَا تَرْفَعُ السِّتْرِ وَتَنَظُّرٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَصَحُّ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ثُمَّ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ وَقَالَ مَرَاسِيل مَالِكٍ أَصَحُّ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ أَصَحُّ النَّاسِ مُرْسَلًا، وَقَالَ شُعَيْبٌ إذَا قَالَ مَالِكٌ بَلَغَنِي فَهُوَ إسْنَادٌ قَوِيٌّ وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ الْحَدِيثَ وَيَنْظُرَ فِي الْفِقْهِ حَدِيثُ مَنْ يَكْتُبُ وَفِي رَأْيِ مَنْ يَنْظُرُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ مَالِكٍ وَرَأْيُ مَالِكٍ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَحَمَّادٍ وَالْحَكَمِ فِي الْعِلْمِ، وَقَالَ هُوَ إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ وَقَالَ مَالِكٌ أَتْبَعُ مِنْ سُفْيَانَ وَإِذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ مَالِكٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ
стр. 46
الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَى فَضْلِهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ مَا تَرَكَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إمَامٌ وَمَالِكٌ عَالِمُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِي زَمَانِهِ وَمَالِكٌ سِرَاجُ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَّبِعُ آثَارَ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَالِكٌ أُسْتَاذِي وَعَنْهُ أَخَذْت الْعِلْمَ وَمَا أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ مِنْ مَالِكٍ وَجَعَلْت مَالِكًا حُجَّةً بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ الثَّاقِبُ وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مَبْلَغَ مَالِكٍ فِي الْعِلْمِ لِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَصِيَانَتِهِ وَقَالَ الْعِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ كَانَ إذَا ذَكَرَهُ قَالَ عَالِمُ الْعُلَمَاءِ وَعَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمُفْتِي الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْوَلِيدِ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ وَلَا بَاقِيَةٍ مِنْكَ يَا مَالِكُ انْتَهَى.
وَثَنَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِ لَا يُحْصَى وَالْبَحْرُ لَا تَنْزَحُهُ الدِّلَاءُ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُشَارُ إلَيْهِمْ بِجَهْلٍ وَلَا يُتَّهَمُونَ بِكَذِبٍ فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ مَا لَوْ كَانَ خَارِقًا لِإِجْمَاعِهِمْ وَكَذَّبَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ نَعَمْ يُخَرِّجُ الْإِمَامُ فِي الْمُوَطَّأِ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَسْأَلَةُ الْمُرْسَلِ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْقِطًا الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْآمِدِيُّ مُطْلَقًا قَالُوا لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُسْقِطُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا وَهُوَ عَدْلٌ عِنْدَهُ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا قَادِحًا فِيهِ وَقُدِّمَ إنْ كَانَ الْمُرْسَلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ ثُمَّ هُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْنَدِ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَالصَّحِيحُ رَدُّهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي قَالَ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ فَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ قِيلَ هُوَ مُسْنَدٌ حُكْمًا لِأَنَّ إسْقَاطَ الْعَدْلِ كَذِكْرِهِ وَإِنَّ عَضُدَ مُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ يُرَجَّحُ كَقَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ الْأَكْثَرِ أَوْ إسْنَادٍ أَوْ إرْسَالٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ انْتِشَارٍ أَوْ عَمَلِ الْعَصْرِ كَانَ الْمَجْمُوعُ حُجَّةً وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ لَا مُجَرَّدَ الْمُرْسَلِ وَلَا الْمُنْضَمِّ فَإِنْ تَجَرَّدَ وَلَا دَلِيلَ سِوَاهُ فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ لِأَجْلِهِ انْتَهَى بِبَعْضِ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ الْمُحَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ مَسْأَلَةُ الْمُرْسَلِ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثَالِثُهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَسْنَدَ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَ وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَوْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يُرْسَلُ إلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا.
لَنَا أَنَّ إرْسَالَ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا قُلْنَا خَرْقُ الْإِجْمَاعِ الِاسْتِدْلَالِيِّ أَوْ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ قَالُوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ مَعَ الشَّكِّ لِأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ لَجَازَ أَنْ لَا يَعْدِلَ
стр. 47
قُلْنَا فِي غَيْرِ الْأَئِمَّةِ قَالُوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا قُلْنَا لِغَلَبَةِ الْخِلَافِ فِيهِ أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَلَا رِيبَةَ تَمْنَعُ قُبِلَ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْت حَالَ الْمُوَطَّأِ وَشَهَادَةَ الْأَئِمَّةِ لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ وَصَّلَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَمِيعَ مَا فِيهِ مَا عَدَا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ يَحْتَجُّ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا عَلَى تَفْصِيلٍ وَأَنَّ الْمَرَاسِيلَ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ وَاحْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ هِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ كُلِّ إمَامٍ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَمَالِكٌ لَا يَقْبَلُهُ مُطْلَقًا بَلْ كَانَ يَنْتَقِي الرِّجَالَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ مَتَى رَوَى مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَكَفَانَا مَالِكٌ الْمُؤْنَةَ اهـ.
فَقَوْلُ هَذَا الْمُدَّعِي إنَّ مَا قَالَهُ مَعْلُومٌ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ فَمُسَلَّمٌ وَأَمَّا عِلْمُ صِحَّتِهِ فَلَا وَقَوْلُهُ مَنْقُولٌ لَعَلَّهُ عَنْ وَحْيِ الشَّيَاطِينِ وَقَوْلُهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ لَعَلَّهَا أُصُولُ جَهْلِهِ وَضَلَالِهِ وَفَسَادِ عَقْلِهِ وَخَبَالِهِ وَالْبَابُ الَّذِي قَالَ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي فَتْحُهُ إلَخْ مَنْ الَّذِي فَتَحَهُ؟ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعِي مَا يَقُولُ وَكَوْنُ مَالِكٍ إمَامَ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمَ السُّنَّةِ أَمْرٌ يَعْتَرِفُ بِهِ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ وَكَوْنُهُ الْمُشْتَهَرَ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ذِكْرٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ أَمْرٌ شَهِدَ بِهِ الْعِيَانُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ وَسُبْحَانَ مَنْ خَصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ هَذَا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْقَادِحَ فِي أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا يُظْهِرُ لَنَا جَهْلَهُ وَفَضَائِحَهُ وَخُبْثَ بَاطِنِهِ وَقَبَائِحَهُ وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَأُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُ وَقَدْ تَقَرَّرَ مَجْدُهُمْ وَثَبَتَ فَضْلُهُمْ وَاشْتَهَرَ كَمَالُهُمْ وَامْتَلَأَتْ الْقُلُوبُ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ حَتَّى لَا يَحْتَاجُونَ لِمَدْحِ مَادِحٍ وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِمْ لِقَدْحِ قَادِحٍ. اللَّهُمَّ أَمِتْنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي عُنُقِنَا ظُلَامَةً وَأَعِدْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى نَلْقَاكَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ وَلَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، قَالَ الْحَطَّابُ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي مُفِيدِ النِّعَمِ وَمُبِيدِ النِّقَمِ وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَفُضَلَاءُ الْحَنَابِلَةِ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَدِينُونَ بِطَرِيقِ شَيْخِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَحِيدُ عَنْهَا إلَّا رَعَاعٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَحِقُوا بِأَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَرَعَاعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ لَحِقُوا بِأَهْلِ التَّجْسِيمِ وَبَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَالِكِيَّةَ فَلَمْ يُرَ مَالِكِيٌّ إلَّا أَشْعَرِيَّ الْعَقِيدَةِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ يُخَاطِبُ أَهْلَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَمَّا تَعَصُّبُكُمْ فِي فُرُوعِ الدِّينِ وَحَمْلُكُمْ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ فَهُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ مِنْكُمْ وَلَا يَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ إلَّا مَحْضُ التَّعَصُّبِ وَالتَّحَاسُدِ، وَلَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَأَحْمَدَ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ لَشَدَّدُوا النَّكِيرَ عَلَيْكُمْ وَتَبَرَّءُوا مِنْكُمْ فِيمَا تَفْعَلُونَ اهـ.
بِحُرُوفِهِ الْفَقِيرُ مُصْطَفَى الْبُولَاقِيُّ الْمَالِكِيُّ، غُفِرَ لَهُ آمِينَ.
стр. 48
[عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]
وَسُئِلَ أَيْضًا - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِمَذْهَبِ إمَامِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّحِيَّةِ فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُقَلِّدًا وَهَلْ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّ بِعَمَلِهِمْ الصَّحَابَةُ أَوْ التَّابِعُونَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ كَانَتْ تَتَجَدَّدُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَانَ يُنْسَخُ بَعْضُ أَحْكَامِهَا بِبَعْضٍ مُتَكَرِّرًا تَارَةً وَغَيْرَ مُتَكَرِّرٍ أُخْرَى وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ آخِرُ حَالَيْهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَالصَّحَابَةُ عَلَيْهِمْ الرِّضْوَانُ لَمْ يَكُونُوا بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ مِنْهُمْ الْمُلَازِمُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْهَبُ وَيَعُودُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعُودُ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ إذَا عَادَ وَذَكَرَ حُكْمًا يُقَالُ لَهُ إنَّكَ لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثَ بَعْدَك وَقَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ مِثْلَ مَا اجْتَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ فَقَدْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَا لَا يُحْصَى وَمِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْعَشَرَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمُبَالِغُ فِي ضَبْطِ أَحْوَالِ الرَّسُولِ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَزْوَاجُهُ الْكَرِيمَاتُ الطَّاهِرَاتُ وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَهُمْ الْعَالِمُونَ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُمْ الْمُلَازِمُونَ إلَى الْوَفَاةِ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ صَحِيحٌ سَمِعَهُ مِنْ فَمِ الرَّسُولِ ﷺ لَكِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَوْ ذَكَرَهُ لِهَؤُلَاءِ لَقِيلَ لَهُ إنَّك لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ خُصُوصًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ وَنَقْلُهُمْ مُتَوَاتِرٌ وَنَقْلُ غَيْرِهِمْ آحَادٌ وَالتَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَدْيِهِمْ وَقَدْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَنَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ.
فَلِذَلِكَ رَجَعَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ وَاتِّفَاقُهُمْ عِنْدَهُ إجْمَاعٌ وَالرُّجُوعُ لِلْإِجْمَاعِ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا بَلْ هُوَ عَيْنُ الِاجْتِهَادِ، وَهَذَا بَدِيهِيٌّ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لَهَا كَيْفَ تَلَقَّوْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَعْلَى وَأَكْثَرُ وَأَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إلَّا إلَيْهِمْ فَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ فَلَا يَخْلُو الْحَالُ إمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالْجَهْلِ وَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِي الْعَاقِلُ أَنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَسُوءُ الظَّنِّ فُسُوقٌ وَإِمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِتَعَمُّدِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّلَاعُبِ وَهَذَا أَدْهَى وَأَمَرُّ وَإِمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا الْحَدِيثَ لِأَمْرٍ قَوِيٍّ
стр. 49
وَهَذَا مَا نَدَّعِيهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ قَدْ يُعْرَفُ وَقَدْ لَا يُعْرَفُ فَإِنْ كَانَ اتِّفَاقُهُمْ إجْمَاعًا كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَهُوَ مِثْلُهُ أَعْنِي لَا بُدَّ لِمُخَالَفَتِهِمْ مِنْ مُسْتَنَدٍ إذْ لَا سَبِيلَ لِتَجْهِيلِهِمْ وَلَا لِتَضْلِيلِهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ لَك صَرِيحُ الْحَقِّ إنْ كُنْت تَقْبَلُ وَاَلَّذِينَ يَحْتَجُّ الْإِمَامُ بِعَمَلِهِمْ هُمْ التَّابِعُونَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ وَهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ نَهْجِ الصَّحَابَةِ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُجَّةٌ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهَذَا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ
وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفُوا فَإِنْ شَذَّ الْمُخَالِفُ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الدَّلِيلِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّرْجِيحِ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ الْمُجْتَهِدُ، وَقَدْ يَضْطَرِبُ نَظَرُهُ فَيُنْقَلُ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ هَذَا وَمَا الدَّاعِي لِهَذِهِ الشَّقْشَقَةِ وَالْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ وَالْقَدْحِ فِيهِمْ أَمَا عَرَفَ أَنَّ لُحُومَهُمْ مَسْمُومَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «مَنْ عَادَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» فَلْيَخْشَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ أَوْ يُسْلَبَ إيمَانُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَنَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَضَبِهِ وَمَقْتِهِ وَاسْتِدْرَاجِهِ.
وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَسْتُرُ جَهْلَهُ بِسُكُوتِهِ وَالْآنَ يَسْتُرُ الْجَهْلَ بِالْقَبَاحَةِ وَالْوَقَاحَةِ وَأَيْنَ هَذَا الْغَبِيُّ مِنْ مَرَاتِبِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَضْلًا عَنْ إمَامِ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمِ السُّنَّةِ وَعَالِمِ الْمَدِينَةِ وَأَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي وَقْتِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى إمَامَتِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ وَمَا الْحَامِلُ عَلَى هَذَا إلَّا شِدَّةُ الْجَهْلِ وَضَعْفُ الدِّيَانَةِ وَعَدَمُ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَقِيرُ مُصْطَفَى الْبُولَاقِيُّ.
(وَسُئِلَ - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ حَدِيثِ «يس لِمَا قُرِئَتْ لَهُ» هَلْ صَحِيحٌ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ شَنَّعَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ صِحَّتَهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَصَّ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهَرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ وَكَذَلِكَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُشَنِّعِ الْمَذْكُورِ الْأَدَبُ الشَّدِيدُ لِتَجَارِيهِ عَلَى التَّكَلُّمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ جَاهِلٌ جَافٍ غَلِيظُ الطَّبْعِ لَمْ يُخَالِطْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِثْلُ هَذَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَقْتُ اللَّهِ تَعَالَى لِخَوْضِهِ فِي الْأَحَادِيثِ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ إذْ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ لَا يُنْكِرُ الْمَنْصُوصَ وَشِدَّةُ الْجَهْلِ وَضَعْفُ الْعَقْلِ وَعَدَمُ الدِّيَانَةِ تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ أَيْضًا الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ السَّقَّا خَطِيبُ الْأَزْهَرِ مَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَرَّرَ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَدْرِ وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الْيَمَنِيِّ
стр. 50
قَطْعِيٌّ انْتَهَى، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُرَدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ صِحَّتَهُ فَإِنَّ السَّخَاوِيَّ أَنْكَرَهَا وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُرَدَّ عَلَى مَنْ قَرَّرَهُ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ قَرَّرَهُ كَمَا سَمِعْته عَنْ الشَّعْرَانِيِّ وَفَضْلُ يس وَكَوْنُهَا لِقَضَاءِ الْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ بِهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ هَذَا مَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ. الْفَقِيرُ إبْرَاهِيمُ السَّقَّا الشَّافِعِيُّ عُفِيَ عَنْهُ
(وَلَمَّا) اطَّلَعَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَتَبَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْأَسَانِيدِ لَا بِنَحْوِ الْكَشْفِ وَأَنْوَارِ الْقُلُوبِ فَمَا نَقَلَهُ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ جَمَاعَةِ سَيِّدِي إسْمَاعِيلَ الْيَمَنِيِّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ صِحَّةَ اللَّفْظِ كَمَا فَهِمَ الْمُفْتِي تَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّنَدِ وَإِلَّا رُدَّ الْقَوْلُ عَلَى قَائِلِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَدِينُ اللَّهِ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ وَالْوِلَايَةُ وَالْكَرَامَاتُ لَا دَخْلَ لَهَا هُنَا إنَّمَا الْمَرْجِعُ لِلْحُفَّاظِ الْعَارِفِينَ بِهَذَا الشَّأْنِ وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ مُنْلَا قَارِي وَقَالَ: قَالَ السَّخَاوِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ وَقَالَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ إنَّهُ لَا يَذْكُرُ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ وَلَا الْمُخْتَلَفَ فِي وَضْعِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ صِحَّةَ مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ اللَّائِقُ بِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِالسَّادَةِ فَهَذَا أَمْرٌ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ وَصَدَقَ إخْلَاصُهُ إذَا دَعَا الْإِلَهَ أَجَابَهُ خُصُوصًا إذَا تَوَسَّلَ بِالْقُرْآنِ وَيَقَعُ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ الْحُفَّاظِ فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ أَنَا أَقُولُ سُورَةُ الْمَائِدَةِ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ لَكِنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَرِدْ انْتَهَى.
إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ فَتَعَقَّبَ هَذَا الْمُفْتِي عَلَى السَّخَاوِيِّ بِآخِرِ عِبَارَةِ الشَّعْرَانِيِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ إرَادَةِ صِحَّةِ اللَّفْظِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى السَّنَدِ وَلَمْ يُوجَدْ إذْ لَوْ وُجِدَ لَعَرَفَهُ الْحُفَّاظُ وَذَكَرُوا الْحَدِيثَ فِي كُتُبِهِمْ وَقَوْلُهُ فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ، فِيهِ مَا فِيهِ وَيَرُدُّهُ كَلَامُ مُنْلَا عَلِيٍّ وَقَوْلُهُ وَلَا يَلِيقُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَرَّرَهُ كَأَنَّ مُرَادَهُ الْمُفْتِي الْأَوَّلُ وَهُوَ لَمْ يَرِدْ عَلَى مَنْ قَرَّرَ إنَّمَا رُدَّ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ وَخَاضَ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَالرَّدُّ عَلَى هَذَا مُتَعَيِّنٌ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ أَلْفَاظَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَ مَنْ رَدَّ بِهِ وَكَمَا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ السُّؤَالَ حَيْثُ قَالَ وَفَضْلُ يس إلَخْ فَإِنَّ فَضْلَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُ هَذَا مَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُحَقِّقْ مُرَادَ مَنْ يَتَعَقَّبُ بِكَلَامِهِ وَلَمْ يَتَدَبَّرْ السُّؤَالَ وَلَمْ يَفْهَمْ أَلْفَاظَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الرَّدِّ فُضُولًا لِأَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَمَّا فِي السُّؤَالِ وَأَمَّا فِي جَوَابِ الْمُجِيبِ فَلَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ وَقَعَ الْفَتْحُ وَإِنْ كَانَ هَذَا غَايَةَ مَلَكَةِ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّا لِلَّهِ قَدْ كُنْت أَظُنُّ أَنَّ تَحْتَ الْقُبَّةِ شَيْخًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَقَعُ مِنْ الدَّاعِينَ عَقِبَ الْخَتَمَاتِ مِنْ قَوْلِهِمْ اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ مَا قُرِئَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ ﷺ ثُمَّ يَقُولُونَ وَاجْعَلْ مِثْلَ ثَوَابِ ذَلِكَ وَأَضْعَافَ أَمْثَالِهِ إلَى رُوحِ فُلَانٍ أَوْ فِي صَحِيفَتِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُمْتَنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَشْعَارِ بِتَعْظِيمِ
стр. 51
الْمَدْعُوِّ لَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ اعْتَنَى بِهِ فَدَعَا لَهُ بِأَضْعَافِ مِثْلِ مَا دَعَا بِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُمْتَنَعُ لِأَنَّ الدَّاعِيَ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ ﵊ بَلْ كَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى احْتِيَاجِ غَيْرِهِ لِلرَّحْمَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ ﷺ لِقُرْبِ مَكَانَتِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْإِجَابَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ مُحَقَّقَةٌ وَغَيْرُهُ لِبُعْدِ رُتْبَتِهِ قَدْ لَا يَكُونُ مَظْنُونَهَا فَنَاسَبَ تَأْكِيدُ الدُّعَاءِ لَهُ وَتَكْرِيرُهُ رَجَاءً لِلْإِجَابَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ ابْنُ نَاجِي فِي الْإِلْمَامِ بِمَا أَخْطَأَتْ فِيهِ الْعَوَامُّ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَاتِحَةَ فِي صَحَائِفِ النَّبِيِّ ﷺ مَكْرُوهٌ. وَسُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ عَمَّنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْته زِيَادَةً فِي شَرَفِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَجَابَ: هَذَا مُخْتَرَعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْقُرَّاءِ لَا أَعْلَمُ لَهُمْ فِيهِ سَلَفًا وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْكُرْدِيِّ وَالشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ عَجْلُونٍ قَائِلًا قَدْ تَوَسَّعَ النَّاسُ فِيهِ وَعَبَّرُوا بِعِبَارَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ كَقَوْلِهِمْ فِي صَحِيفَتِهِ أَوْ فِي قَدْرِهِ أَوْ هَدْيِهِ أَوْ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مَا يُخِلُّ بِالْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَمَا أَلْجَأَهُمْ إلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ جَمِيعَ حَسَنَاتِ الْأُمَّةِ فِي صَحِيفَتِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُك» فَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُ ذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا رِيبَةَ فِيهِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ لَهُ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَأْثُورِ فِي الشَّرْعِ مِمَّا يَكْفِينَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَثْرَةً.
وَفِي كِتَابِ كَنْزِ الدَّاعِينَ أَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إهْدَاءَ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لَهُ ﷺ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ يَمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَرَاءَةٌ عَلَى الْجَنَابِ الرَّفِيعِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْفَارِضِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِعْيَارِ.
[تَرْكُ السُّنَّةِ لِكَوْنِ الْمُبْتَدِعِ يَفْعَلُهَا]
(وَسُئِلَ) عِزُّ الدِّينِ هَلْ يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَّةِ إذَا ثَبَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِ الْمُبْتَدِعِ يَفْعَلُهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَنِ بِمُشَارَكَةِ الْمُبْتَدِعِ فِيهَا إذْ لَا يُتْرَكُ الْحَقُّ لِأَجْلِ الْبَاطِلِ وَمَا زَالَ الْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ يُقِيمُونَ السُّنَنَ مَعَ الْعِلْمِ بِمُشَارَكَةِ الْمُبْتَدَعِينَ وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَتُرِكَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَالسُّنَنُ الرَّاتِبَةُ وَصَلَاةُ الْأَعْيَادِ وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى وَالتَّسْلِيمُ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَالصَّدَقَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَجَمِيعُ الْخَيْرَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ.
وَسُئِلَ عَمَّنْ لَهُ أَخٌ فِي اللَّهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ أَوْ شَيْخٌ يَرْجُو بَرَكَةَ زِيَارَتِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَفِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ الْمَقْصُودَةِ مُنْكَرَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا يَرَاهُ عِيَانًا وَمِنْهَا مَا يَعْلَمُ بِوُجُودِهِ وَفِي حَالِ سَفَرِهِ أَيْضًا لَا يَسْلَمُ مِنْ شَيْءٍ يُشَاهِدُهُ فَهَلْ يُكْرَهُ لِمِثْلِ هَذَا السَّفَرِ أَمْ مَا حُكْمُهُ وَهَلْ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ لِكَثْرَتِهِ.
فَأَجَابَ: أَمَّا الزِّيَارَةُ وَالْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُتْرَكَانِ لِمَا يُشَاهَدُ مِنْ الْمَنَاكِرِ إذْ لَا يُتْرَكُ الْحَقُّ لِأَجْلِ الْبَاطِلِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي خُرُوجِهِ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ فَعَلَ وَحَصَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَجْرِ الصَّلَاةِ وَالزِّيَارَةِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَكَذَلِكَ الْغَزْوُ مَعَ الْفَجَرَةِ إنْ قَدَرَ عَلَى
стр. 52
إنْكَارِ فُجُورِهِمْ أَنْكَرَهُ وَحَصَلَ عَلَى ثَوَابِ الْإِنْكَارِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَرِهَهُ بِقَلْبِهِ وَأُثِيبَ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْرَهُهُ تَعْظِيمًا لِحُرُمَاتِ اللَّهِ وَلَوْ تَرَكَ الْحَقَّ لِأَجْلِ الْبَاطِلِ لَتَرَكَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنْ أَدْيَانِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَدْخُلُ الْحَرَمَ وَفِيهِ ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ صَنَمًا وَكَانَتْ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَتَحَرَّجَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِهِمَا فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] كَيْ لَا يُتْرَكَ حَقٌّ لِأَجْلِ الْبَاطِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ جَمَعَ تَهْلِيلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ثُمًّ يَقْرَؤُهُ كَمَا تُقْرَأُ السُّورَةُ هَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
وَعَنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ» الْحَدِيثُ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ صِحَّتِهِ أَوْ نَفْيِ كَمَالِهِ وَمَا وَجْهُ الْمُخْتَارِ وَكَيْفَ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ صِدْقَ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فِي مَحَبَّتِهِ ﵊.
فَأَجَابَ: أَمَّا جَمْعُ التَّهْلِيلِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْقِرَاءَةَ فَإِنْ رَتَّبَهُ عَلَى تَرْتِيبِ السُّوَرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ نَكَّسَهُ كُرِهَ لِأَنَّ التَّنْكِيسَ إنْ وَقَعَ فِي آيَاتِ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ وَقَعَ فِي السُّوَرِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا كُرِهَ وَإِنْ قَصَدَ الذِّكْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْعَامَّةُ وَالِاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ أَوْلَى مِنْ إحْدَاثِ الْبِدَعِ، وَأَمَّا فَضْلُ حُبِّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى حُبِّ نَفْسِهِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ دُونَ أَصْلِهِ وَأَنَّهُ ﷺ لَجَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ مِنْ الْأَنْفُسِ لِأَنَّ لِلْحُبِّ سَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا الشَّرَفُ وَالْكَمَالُ، وَالثَّانِي الْإِنْعَامُ وَالْإِفْضَالُ فَلَا شَكَّ أَنَّ نَفْسَهُ ﷺ أَكْمَلُ الْأَنْفُسِ وَأَشْرَفُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُبُّهُ عَلَى قَدْرِ كَمَالِهِ وَأَمَّا الْإِنْعَامُ وَالْإِفْضَالُ الْمَرْبُوطُ بِالْأَسْبَابِ الْعَادِيَةِ لِأَحَدِنَا فَمِنْ إنْعَامِهِ عَلَيْنَا وَإِحْسَانِهِ إلَيْنَا أَنَّهُ عَرَّفَنَا بِرَبِّنَا وَمَا أَشْرَفَهُ لَنَا وَكَانَ سَبَبًا فِي فَوْزِنَا بِدَارِ الْقَرَارِ وَالْخَلَاصِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ مَا تَقَاعَدْنَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْفَلَاحِ إلَّا بِسَبَبِهَا وَلَا وَقَعْنَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَبَائِحِ إلَّا بِطَلَبِهَا وَشَهْوَتِهَا وَأَمَّا مَا يَخْتَبِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي تَفْضِيلِ حُبِّهِ ﷺ عَلَى حُبِّهَا فَبِأَنْ يَتَأَمَّلَ مَا مُنِحَ لَهُ مِنْ الْقُدْوَةِ بِالسُّنَّةِ وَالْأَخْلَاقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الرَّسُولِ وَأَخْلَاقُهُ أَحْسَنَ عِنْدَهُ وَأَحَبَّ مِنْ رُكُوبِ هَوَى نَفْسِهِ فَهُوَ مُفَضِّلٌ لِلرَّسُولِ ﵊ مَعَ عَدَمِ تَقْدِيمِ أَغْرَاضِهِ الدَّنِيئَةِ عَلَى أَخْلَاقِ الرَّسُولِ ﷺ الْعَلِيَّةِ السَّنِيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ هَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ أَمْ النَّظَرُ فِي الْعِلْمِ أَفْضَلُ.
فَأَجَابَ: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ وَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَمَصْلَحَةُ الْقُرْآنِ مَقْصُورَةٌ عَلَى
стр. 53
الْقَارِئِ وَمَا عَمَّتْ مَصْلَحَتُهُ وَمَسَّتْ الضَّرُورَةُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِمَّا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى فَاعِلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِقَوْلِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الْبَقَرَ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَلْزَمُهُ فِي زَكَاتِهَا وَنِصَابِهَا وَكَذَلِكَ مَنْ يَمْلِكُ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ أَوْ النَّقْدَيْنِ أَوْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ وَكَذَا أَصْحَابُ الزُّرُوعِ وَالنَّخِيلِ وَيَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَصِحُّ مِنْ تِجَارَتِهِ وَمَا يَفْسُدُ مِنْهَا وَيَجِبُ عَلَى الصَّرَّافِ أَنْ يَعْلَمَ أَبْوَابَ الرِّبَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّرْفِ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ صَانِعٍ أَنْ يَعْرِفَ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِرْفَتِهِ مِمَّا يَكْثُرُ وَيَطَّرِدُ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعْرِفَةُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الْآخَرِ فَيَقُومُ بِهَا وَكَذَا الْخَبَّازُ وَالنَّسَّاجُ وَالْفَلَّاحُ يَلْزَمُهُمْ مَعْرِفَةُ مَا يَلْزَمُهُمْ الْقِيَامُ بِهِ قَالَ وَيَتَعَيَّنُ مِنْ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةُ وَالضَّابِطُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَعَلُّمُ مَا الْإِنْسَانُ بِصَدَدِهِ وَمَدْفُوعٌ إلَيْهِ فَتَعَلُّمُهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَعَلُّمُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الْفُتْيَا وَالْأَقْضِيَةِ وَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَمَصْلَحَةُ الْقُرْآنِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْقَارِئِ وَمَا عَمَّتْ مَصْلَحَتُهُ وَمَسَّتْ الضَّرُورَةُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِمَّا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ قَاصِرَةً عَلَى فِعْلِهِ انْتَهَى.
قِيلَ يُؤَيِّدُ هَذَا فِي الْمَعْنَى حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ قُرَّاؤُهُ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ وَيُضَيِّعُونَ أَحْكَامَهُ الْحَدِيثُ.
(وَسُئِلَ) أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَيُّمَا أَفْضَلُ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ أَوْ حَجُّ التَّطَوُّعِ؟
فَأَجَابَ حَجُّ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ إذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُقِيمُ بِهِ فَرْضَهُ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ دِرَاسَةُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقَارِئَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَحْكَامَهُ وَتَفْسِيرَهُ لَمْ يُغْنِهِ الْقُرْآنُ تِلَاوَةً وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْفَائِدَةُ الْعَظِيمَةُ وَلَكِنْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَفْضَلُ.
(وَسُئِلَ) ابْنُ رُشْدٍ هَلْ تَصِحُّ الْمُنَاظَرَةُ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا عِنْدَهُ كُتُبٌ يُصَحِّحُهُ وَكَيْفَ لَوْ نَاظَرَ فِيهِ بِكِتَابٍ صَحِيحٍ لَمْ يَرْوِهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَعْنِ بِالْعِلْمِ وَلَا سَمِعَهُ وَلَا رَوَاهُ الْجُلُوسُ لِتَعْلِيمِهِ الْمُوَطَّأَ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ كَانَتْ مَشْهُورَةً وَلَوْ قَرَأَهَا وَتَفَقَّهَ عَلَى الشُّيُوخِ فِيهَا أَوْ حَمَلَهَا أَجَازَهُ فَقَطْ جَازَ أَنْ يُعَلِّمَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الشُّيُوخِ مِنْ مَعَانِيهَا وَأَنْ يَقْرَأَهَا إذَا صَحَّحَ كِتَابَهُ عَلَى رِوَايَةِ شَيْخِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) أَيْضًا عَمَّنْ عَدِمَ إمَامًا يَسْتَفْتِيه فَيَنْظُرُ فِي الدَّوَاوِينِ الْمَشْهُورَةِ هَلْ يَعْمَلُ بِمَا فِيهَا وَهَلْ يُلْزَمُ الْعَامُّ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا فِي نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ وَإِذَا سَأَلَ الْعَامِّيُّ مُفْتِيًا وَثَمَّ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ هَلْ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَكَيْفَ لَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَأَفْتَى أَحَدُهُمَا بِمَا يُرِيدُ وَأَفْتَى الْآخَرُ بِمَا لَا يُرِيدُ.
فَأَجَابَ إذَا عَدِمَ الْإِنْسَانُ مَنْ يُفْتِيه فَلْيَرْجِعْ لِمَا فِي الْكِتَابِ لِلضَّرُورَةِ وَالْعَمَلُ بِمَا فِي الْكُتُبِ لِمَنْ لَا يَدْرِي لَا يُنَجِّي مِنْ الْخَطَأِ فِيهِ لِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ النَّازِلَةَ لَا يَجِيءُ بِهَا نَصُّ الْكِتَابِ إلَّا نَادِرًا وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ شَبِيهٌ بِهَا وَبِتِلْكَ الْمُشَابَهَةِ يَغْلَطُ بَعْضُ النَّاسِ فَيَكْتُبُ عَلَيْهَا شَيْئًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَيُخْرِجُهَا
стр. 54
عَنْ سَبَبِهَا مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْأُصُولِ الَّتِي قَالَ بِهَا الْقَوْمُ فَيَخْرُجُ عَنْ الْأَصْلِ وَيَقَعُ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ هَلْ يَلْزَمُ الْعَالِمُ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا فَإِنْ كَانَ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي تَجُوزُ لَهُ بَعْدَ عِلْمِهَا وَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَهُ مِثْلَهُ فَالْجَمِيعُ عَلَى مَا ذَكَرْت لَك مِنْ الْخَطَرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا فَلَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ، وَفَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَّبِعَ مَا تَبَيَّنَتْ لَهُ حُجَّتُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ وَاخْتُلِفَ إذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ فِيهَا وَجْهٌ وَآلَ إلَى الْوُقُوفِ وَخَافَ دُخُولَ خَطَأٍ أَوْ شُبْهَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُهُ أَمْ لَا وَتَقْلِيدُهُ حِينَئِذٍ وَاسِعٌ وَإِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ إمَامَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ جَازَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّهُمَا أَحَبَّ أَعْلَمُهُمَا أَوْ الْآخَرُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَعْلَمِ وَلَمْ يَجِبْ إذْ لَوْ وَجَبَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى عَالِمٌ وَفِي الْبَلَدِ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) أَيْضًا هَلْ يُسْتَفْتَى مَنْ قَرَأَ الْكُتُبَ الْمُسْتَعْمَلَةَ مِثْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ دُونَ رِوَايَةٍ أَوْ كُتُبَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا تُوجَدُ لَهَا رِوَايَةٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ مَنْ قَرَأَهَا عَلَى الشُّيُوخِ وَأَحْكَمَ مَعَانِيَهَا وَفَهِمَ أُصُولَهَا بِمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْكَمَ وَجْهَ الْقِيَاسِ وَعَرَفَ النَّاسِخَ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَسَقِيمَ السُّنَّةِ مِنْ صَحِيحِهَا وَفَهِمَ مِنْ اللِّسَانِ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْخِطَابَ جَازَتْ فَتْوَاهُ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ الْمَسَائِلِ بِاجْتِهَادِهِ مِمَّا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلَا تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي النَّوَازِلِ بِرَأْيِهِ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ عَالِمٍ بِرِوَايَةٍ فَيُقَلِّدُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا اخْتِلَافٌ فَمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ، وَجَازَ لِلْحَاكِمِ الْقَضَاءُ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ اسْتَوْفَى شَرَائِطَ الِاجْتِهَادِ وَيُقَلِّدُهُ الْقَاضِي فِي فَتْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِفْتَاؤُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ الْحَدِيثُ وَفِيهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَأَفْتَوْهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وَقَدْ أَدْرَكْنَا هَذَا الزَّمَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ يَشْتَغِلُ بِطَرَفٍ مِنْ الْعِلْمِ إذَا وَجَدَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ خِلَافًا فِي مَسْأَلَةٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَصْحَابِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِفْتَاءُ عَالِمِ الْبَلَدِ وَهَلْ لِمَنْ كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ إذَا سَأَلَهُ عَامِّيٌّ عَنْ فَرْعٍ يَعْرِفُ النَّقْلَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ وَيَحِلُّ لِلْعَامِّيِّ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ مَشْهُورًا بَيْنَ النَّاسِ مَعْرُوفًا لِبَعْضِ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ جَازَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَا يَذْكُرُ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِأَمْرٍ آخَرَ وَمُقَيَّدًا بِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْأَلَ الْمُفْتِيَ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّعْلِيقِ عَلَى شَرْطٍ وَقَيْدٍ آخَرَ يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ الْمُفْتِي لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى الِاحْتِيَاطُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ بِالْتِزَامِ الْأَشَدِّ الْأَقْوَى الْأَجْوَدِ فَإِنَّ مَنْ عَزَّ عَلَيْهِ دِينُهُ تَوَرَّعَ وَمَنْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ تَبَدَّعَ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إجَابَةِ الْقَاضِي
стр. 55
إذَا سَأَلَ مَنْ وَقَفَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْوَرَعِ أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْتِيَ الْأَعْلَمَ الْأَوْرَعَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِسَعَةِ عِلْمِهِ وَتَوَرُّعِهِ مِنْ التَّهَجُّمِ عَلَى الْفُتْيَا قَالَ الْمُتَيْطِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ تَجُوزُ الْفُتْيَا بِمَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ الصَّحِيحَةِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قُلْت لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَرَأَيْت مَنْ كَانَ يَرْوِي كُتُبَك هَذِهِ وَكُتُبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ قَالَ لَا وَاَللَّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ يُحْسِنُ التَّمْيِيزَ.
قُلْت فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ تَمْيِيزٌ إلَّا أَنَّهُ حَافِظٌ بِأَقَاوِيلِ النَّاسِ هَلْ يُفْتِي قَالَ أَمَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَنَعَمْ وَأَمَّا مَا فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ فَلَا، قَالَ وَرَأَيْت مِنْ بَعْضِ أَجْوِبَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ أَجَازَ الْفُتْيَا بِمَا فِي الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ كَالْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مَنْ اشْتَرَى كُتُبَ الْعِلْمِ أَوْ وَرِثَهَا ثُمَّ أَفْتَى بِهَا وَلَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا وَذَكَرَ الْقَاضِي حَدِيثًا مَرْفُوعًا «لَا يُفْتِي أُمَّتِي الصُّحُفِيُّونَ وَلَا يُقْرِئُهُمْ الْمُصَحِّفُونَ» قَالَ غَيْرُهُ فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عُوقِبَ بِالسَّوْطِ، وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ لِبَعْضِ مَنْ يُفْتِي هَاهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنْ السُّرَّاقِ قَالَ مَالِكٌ لَا يُفْتِي الْعَالِمُ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا.
قَالَ سَحْنُونٌ يُرِيدُ الْعُلَمَاءَ قَالَ ابْنُ هُرْمُزَ وَيَرَى هُوَ نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ اهـ مِنْ الْمِعْيَارِ وَفِيهِ (وَسُئِلَ) أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بَيْنَ قَوْمٍ جُهَّالٍ بِالشَّرِيعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ كَالرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْخٍ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ تَعْلِيمُ النَّاسِ مِنْ الرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ وَنَحْوِهِمَا لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ عَلَى أَحَدٍ لَا يَنْبَغِي اهـ.
(وَسُئِلَ) عَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَكُونُ عِنْدَهُمْ طَالِبٌ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْفِقْهِ إلَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الْكُتُبِ وَيُفْتِي مِنْهَا النَّاسَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ يَفْهَمُهُ مِنْهَا فِي أُمُورِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَيَرَى أَنَّ تَعْلِيمَهُمْ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى جَهْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُعَلِّمْهُمْ ذَلِكَ بَقُوا عَلَى حَالِهِمْ وَجَهْلِهِمْ وَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِدُونَ مَنْ يَسْأَلُونَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَطُّ عَلَى شَيْخٍ أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ هُوَ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّهِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنُوا لَنَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ بِمَا يَرَى فِي الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الشَّيْخِ لَا يَحِلُّ لَهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ غَيْرُهُ أَمْ لَا انْتَهَى.
[صفة الِانْتِقَال مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ]
(وَسُئِلَ) الْفَقِيهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ عَنْ صِفَةِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ.
فَأَجَابَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ لَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ فَيَبْدُو لَهُ وَيَنْتَقِلُ إلَى تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ لَهُ. الصُّورَةُ الْأُخْرَى أَنْ يَنْتَقِلَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي نَازِلَةٍ خَاصَّةٍ، وَيَبْقَى
стр. 56
مُقَلِّدًا لِإِمَامِهِ فِيمَا عَدَاهَا.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَنَقَلَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: جَوَازُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ جَوَازُهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهَا تَقْلِيدُ إمَامِهِ وَمَنْعُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا تَقْلِيدُ إمَامِهِ اهـ.
[هَلْ يَجُوز التَّقْلِيد مُطْلَقًا]
(وَسُئِلَ) بَعْضُهُمْ هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؟
فَأَجَابَ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ السُّنُوسِيَُّ بِمَا نَصُّهُ: " اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ بِاعْتِبَارِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مُجْتَهِدٌ اجْتَهَدَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَا وَمُجْتَهِدٌ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ وَعَالِمٌ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا بُيِّنَتْ لَهُ أَدِلَّةُ الْأَقْوَالِ فَهِمَ الرَّاجِحَ مِنْهَا مِنْ الْمَرْجُوحِ، وَعَامِّيٌّ مَحْضٌ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي ظَنَّ الْحُكْمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا خَفَاءَ أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي حَقِّهِ مُحَرَّمٌ.
وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ فِي حَقِّهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّقْلِيدِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْأَصْلِ الْمُمْكِنِ إلَى بَدَلِهِ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَعَنْ هَذَا وَقَعَ قَوْلُهُمْ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاجْتِهَادِ تَمْنَعُ التَّقْلِيدَ وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحُكْمِ فِي الْحَالِ صَارَ كَغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّقْلِيدُ.
وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي حَقِّ الْقَاضِي لِحَاجَتِهِ إلَى تَنْجِيزِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَقَطْعِ مَوَادِّ النِّزَاعِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ بَقَاءَهَا يُفْضِي إلَى الْفَسَادِ دِينًا وَدُنْيَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَرَابِعُهَا: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ لِظُهُورِ رُجْحَانِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَدْنَى.
وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ عِنْدَ ضِيقِ الِاحْتِيَاجِ إلَى حُكْمِهَا كَصَلَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ فِي آخِرِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضِقْ.
وَسَادِسُهَا: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَفْتَى الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ رَأْيُهُ لَا رَأْيَ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي لَمْ يَصِلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْعَامِّيُّ الْمَحْضُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوٍ وَيَنْبَغِي لَهُمَا فِي الْمُسَاوِي السَّعْيُ فِي رُجْحَانِهِ لِيَتَّجِهَ لَهُمَا اخْتِيَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْدَ الْتِزَامِ الْمُقَلِّدِ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا هَلْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُهُ بِعَيْنِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَا يَلْزَمُهُ وَثَالِثُهَا الْفَرْقُ فَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَدْءًا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ تَارَةً وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ فِي الْمَذَاهِبِ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الْمَسَائِلِ وَقِيلَ لَا يُمْتَنَعُ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَفْسِيقِ مُتَتَبِّعِ الرُّخَصِ.
[التَّقْلِيدُ فِي الرُّخْصَةِ]
أَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الرُّخْصَةِ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ بَلْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ خَوْفَ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَهُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ عَلَى صِحَّةِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ
стр. 57
وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْمُقَلِّدِ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِأَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مُسْتَنَدُهُ فِيمَا قَلَّدَهُ فِيهِ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ فِي نَازِلَةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ مُسْتَنَدُ مَنْ أَرَادَ تَقْلِيدَهُ فِي الْحُكْمِ لِيَسْلَمَ بِذَلِكَ مِنْ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ وَثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّيِّ الْمَحْضِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِ مُقَلِّدِهِ وَبَيْنَ الْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ لِمُجْتَهِدٍ فِي نَازِلَةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ فِيهَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فَهْمِ مُسْتَنَدَاتِ الْأَحْكَامِ إذَا بُيِّنَتْ لَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي إذَا سُئِلَ عَنْ نَازِلَةٍ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَهَا مُجَرَّدًا عَنْ الدَّلِيلِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَعَلَى الثَّالِثِ يَنْظُرُ فِي حَالِ السَّائِلِ هَلْ هُوَ عَامِّيٌّ أَوْ عَالِمٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ جَرَى الْعَمَلُ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مُطْلَقًا أَعْنِي فِي حَقِّ مَنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا أَوْ لَا وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ لِأَنَّهُ أَرْجَحُ، وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ مَفْضُولًا بَلْ اعْتَقَدَهُ مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ أَوْ أَفْضَلَ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَلَا يَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ عَلَى الثَّانِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ الْأَرْجَحِ لِامْتِنَاعِ تَقْلِيدِهِ غَيْرَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ، فَالرَّاجِحُ عِلْمًا مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّاجِحِ وَرَعًا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ تَأْثِيرًا فِي الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْوَرَعِ بِهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّثَبُّتِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّ لِكُلِّ مُرَجِّحًا فَإِذَا عَرَفْت هَذَا كُلَّهُ اسْتَبَانَ لَك أَنَّ خُرُوجَ الْمُقَلِّدِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْمَشْهُورِ إلَى الْعَمَلِ بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ صَحِيحٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدِ الْأَرْجَحِ وَيُبَاحُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ نَقْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ إنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَ مِنْهُ وَقِيلَ أَيْضًا فِي الْمُقَلِّدِ بَعْدَ الْتِزَامِ مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ تَقْلِيدِهِ إلَى تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مُقَلِّدٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ مَذْهَبَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِتَقْلِيدِهِ الشَّاذِّ مِنْ أَقْوَالِ مَذْهَبِهِ الْجَارِيَةِ كُلِّهَا عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ بِحَسَبِ مَقَاصِدِ قَائِلِهَا.
وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْمُفْتِي بِخَبَرِ الْمُسْتَفْتِي بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
فَأَجَابَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمُفْتِيَ إذَا أَفْتَى الْمُسْتَفْتِيَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَيَّ الْأَقْوَالِ شَاءَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا الْمُصْعَبِ فِي مَجْلِسٍ وَابْنَ وَهْبٍ وَغَيْرَهُمَا كَذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَيَّهُمْ شَاءَ فَيَسْأَلُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ أَوْ يَخْتَارَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ قُلْت لِأَبِي مُحَمَّدٍ بِمَ تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَمَّا مَنْ فِيهِ فَضْلُ اخْتِيَارٍ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ
стр. 58
لَيْسَ فِي فَضْلِ الِاخْتِيَارِ قَلَّدَ رَجُلًا يَقْوَى فِي نَفْسِهِ فَاخْتِيَارُ الرَّجُلِ كَاخْتِيَارِ الْقَوْلِ انْتَهَى. فَانْظُرْ إلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَقْتَضِي انْصِرَافَ التَّقْلِيدِ إلَى مَسْأَلَةِ الْمُقَلِّدِ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فِيمَا يُقَلِّدُهُ بِكَوْنِهِ مَشْهُورًا أَوْ أَصَحَّ أَوْ قَائِلُهُ أَفْضَلُ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُشَاوِرُهُمْ فِيهِ فَقِيلَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ وَقِيلَ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ وَقِيلَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ.
وَفِي الْمُتَيْطِيِّ يَنْظُرُ فِي أَقْوَالِهِمْ فَمَا رَآهُ عِنْدَهُ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ أَخَذَ بِهِ انْتَهَى فَقِفْ عَلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِلُهُ أَعْلَمَ، وَلَا أَكْثَرَ بَلْ يَكُونُ مِثْلًا أَوْ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَدْنَى عِلْمًا فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الشَّاذِّ وَقَدْ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ بِجَوَازِ تَقْلِيدِهِ فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ تَبِعَ الْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي فِي تَقْلِيدِ الشَّاذِّ هَوَاهُ فَإِنْ أَبْغَضَ شَخْصًا أَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْخُمُولِ شَدَّدَ عَلَيْهِ فَقَضَى عَلَيْهِ وَأَفْتَاهُ بِالْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَحَبَّهُ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنَّةٌ وَكَانَ مِنْ أَصْدِقَائِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ وَاسْتَحْيَا مِنْهُ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْوَجَاهَةِ أَوْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَفْتَاهُ أَوْ قَضَى لَهُ بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ وَلَا حَقًّا وَفِي تَحْرِيمِ هَذَا وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنْعِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّاذَّ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مَثَلًا فَلَمْ يَتَّبِعْهُ هَذَا الْمُقَلِّدُ لِأَجْلِ حَقِيقَتِهِ بَلْ لِأَجْلِ مُتَابَعَةِ هَوَاهُ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي سِرِّ قَوْله تَعَالَى لِدَاوُدَ ﵇ ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الِامْتِثَالَ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ حَتَّى يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْحُكْمِ بِهِ أَحَقِّيَّتَهُ لَا اتِّبَاعَ الْهَوَى فَيَكُونُ مَعْبُودُ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذَا هَوَاهُ لَا مَوْلَاهُ - جَلَّ وَعَلَا - حَتَّى إنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ هَوَاهُ فِي الْحَقِّ تَرَكَهُ وَاتَّبَعَ غَيْرَ اللَّهِ أَمَّا مَنْ قَلَّدَ الْقَوْلَ الشَّاذَّ لِأَنَّهُ حَقٌّ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ بِهِ، وَفِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ الْهَوَى بَلْ الْحَاجَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى دَفْعِ ضَرَرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ ثُمَّ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَافَقَ غَرَضَهُ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْحَقِّ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ أَجْرَاهُ وَخَافَ اللَّهَ تَعَالَى فَهَذَا تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ فِي تَقْيِيدِهِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَا نَصُّهُ: " حُكْمُ الْمُقَلِّدِ الْمَذْكُورِ وَصِفَةُ حُكْمِ الْمُسْتَفْتِي إذَا أَخْبَرَهُ الْمُفْتِي بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ اسْتَفْتَاهُ فِيهَا فَقِيلَ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَأَنَّ الْأَقْوَالَ الْمَنْسُوبَةَ لِلْأَمْوَاتِ كَالْأَقْوَالِ الثَّابِتَةِ لِلْأَحْيَاءِ.
وَقِيلَ لَا يَصِحُّ لَهُ التَّخْيِيرُ وَلَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي إطْلَاقُ الْخِلَافِ لِلْمُسْتَفْتِينَ فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ فَإِنْ تَأَهَّلَ لِلتَّرْجِيحِ وَجَبَ وَالْأَرْجَحُ بِرُجْحَانِ الْقَائِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الِاجْتِهَادِيَّات وَاحِدٌ وَأَنَّ تَقْلِيدَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ
стр. 59
مَمْنُوعٌ، وَقِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَى عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ فَالْأَوَّلُ مِنْ الْأَقْوَالِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالثَّانِي هُوَ مُخْتَارُهُ وَالثَّالِثُ مُخْتَارُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي عَضَّدَهُ الْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ، وَعَلَيْهِ بَنَى - حُجَّةُ الْإِسْلَامِ - الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ وَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْمَشْهُورِ أَوْ مَا رَجَّحَهُ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مِنْ ضَعْفِ الْعِلْمِ وَقِلَّةِ الدِّينِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَالتَّحْقِيقُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلًا غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهَلَكَ فِي بَيِّنَاتِ الطَّرِيقِ فَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ مُتَمَكِّنٍ.
وَإِذَا اطَّلَعَ الْمُقَلِّدُ عَلَى خِلَافٍ فِي مَسْأَلَةٍ تَخُصُّهُ وَفِيهَا قَوْلٌ رَاجِحٌ بِشُهْرَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا يُفْتِي بِغَيْرِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ قَادِحَةٍ وَالْتِزَامِ مَفْسَدَةٍ وَاضِحَةٍ وَقَدْ اسْتَوْعَبْت الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى بِمِنْهَاجِ الْبَرَاعَةِ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُفْتِينَ وَقَضَاءِ الْجَمَاعَةِ وَاَللَّهُ ﷻ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَالْمُثِيبُ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الثَّوَابِ وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِكْرِيٍّ لَطَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ اهـ. مِنْ الْمِعْيَارِ وَنَصُّ السُّؤَالِ الْمُجَابِ بِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ الصَّرْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ضَرْبٌ مِنْ التَّرْجِيحِ بَلْ مَعَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَقَاوِيلِ أَئِمَّةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَمَعْرِفَةِ الْمَشْهُورِ مِنْهَا بِوَاسِطَةِ الشَّارِحِينَ وَالْمُتَأَوِّلِينَ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمُقَلِّدَ تُعْرَضُ لَهُ مَسْأَلَةٌ تَخُصُّهُ فِي دِينِهِ أَوْ فِي بَعْضِ مُعَامَلَاتِهِ وَقَدْ حَفِظَ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ فِيهَا قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ وَرُبَّمَا وَافَقَ كُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوْلَ صَحَابِيٍّ وَعَلِمَ هَذَا الْمُقَلِّدُ الْمَشْهُورَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ يُفْتِي بِهِ بِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ السَّهْلَةِ» وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْبُوبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَفَرْضُ النَّازِلَةِ أَنَّ هَذَا الْمُقَلِّدَ لَمْ يَقْصِدْ تَتَبُّعَ رُخَصِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ بِهِ بَلْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ وَرُبَّمَا قَلَّدَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ فِي وُقُوعِ نَازِلَتِهِ.
[كَيْفِيَّةَ التَّقْلِيدِ]
فَإِنْ قُلْتُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَبَيِّنُوا لَنَا كَيْفِيَّةَ التَّقْلِيدِ وَهَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ وَالتَّشَهِّي بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى الْمُكَلَّفِ إذَا وَافَقَ غَرَضَهُ الْعِلْمُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَيَشْهَدُ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ ظَوَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ فِي تَفَارِيعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فَقَدْ بَرِئَ مَعَ اللَّهِ وَقَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ
وَرُبَّمَا نَكَّتَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ حَجَّرْت وَاسِعًا إذَا جَرَى عَلَى الْمَشْهُورِ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ وَقَوْلُهُمْ فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا تَرَاضَيَا بِتَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ فَإِنَّ رِضَاهُمَا بِهِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَرْفَعُ رِضَاهُمَا الْخِلَافَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ
стр. 60
وَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهِمَا إجْمَاعِيَّةً لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِ إمَامِ هَذَا الْمُقَلِّدِ وَمَبْنَاهُ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ وَلَمْ يَزَلْ أَعْلَامُ الْعُلَمَاءِ ﵃ وَعَنْكُمْ - يَتَسَاهَلُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا سِيَّمَا بَعْدَ النُّزُولِ أَوْ لَا سَبِيلَ إلَى تَخْيِيرِ هَذَا الْمُقَلِّدِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ
وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَقْوَى الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ وَأَرْجَحِهَا فِي نَظَرِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهَا دَلِيلًا يُوَافِقُ غَرَضَهُ فَكَذَلِكَ هَذَا إذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا بِقَوْلِ الْأَعْدَلِ وَالْأَعْلَمِ مِنْهُمَا فِي نَظَرِهِ أَوْ غَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْدُبَ إلَى الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْأَعْدَلِ وَالْأَعْلَمِ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَاتِّبَاعِ الْأَفْضَلِ هَذَا غَيْرُ مَا أَفْتَى بِهِ عِزُّ الدِّينِ وَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ تَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ أَلْبَتَّةَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ عَلَى مَا حَكَاهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ وَمَعَ الْقَوْلِ أَيْضًا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَكُلُّ الرُّخَصِ صَوَابٌ وَلَا دَرَكَ عَلَى الْمُكَلَّفِ إذَا انْتَقَلَ مِنْ صَوَابٍ إلَى صَوَابٍ وَقَدْ أَفْرَدَ لِهَذَا الْمَعْنَى الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كِتَابًا فِي مُوَافَقَاتِهِ كَمَا فِي عِلْمِكُمْ يَقْتَضِي مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ أَوْ الْمُفْتِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِالْمَشْهُورِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ فِي مَنْعِ الْفُتْيَا بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ قَالَ وَالْمُقَلِّدُ مِثْلُهُ وَرُبَّمَا حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ حَزْمٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ هُوَ مَرْدُودٌ بِفُتْيَا الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ الْوَرِعِ الْمِصْرِيِّ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَذَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ إلَّا بِالْمَشْهُورِ وَفُتْيَا الْمَازِرِيِّ حَيْثُ أَفْتَى بِمَنْعِ اقْتِضَاءِ الطَّعَامِ عَنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ وَقَدْ أَوْجَبَ إجْمَاعَاتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَفَتَاوِيهِمْ حَيْرَةً عَظِيمَةً فَاكْشِفُوا بِفَضْلِكُمْ مَا غَشَّى أَبْصَارَنَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِكُمْ حُجُبَ الْغَفْلَةَ وَأَمَدَّ أَبْصَارَكُمْ وَبَصَائِرَكُمْ بِنُورٍ مِنْ لَدُنْ أَطْوَلِ أَيَّامِ الْمُهْلَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ فَأَجَبْتُهُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِهِ وَخَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَأَكْرَمِ أَوْلِيَائِهِ صَلَاةً وَسَلَامًا يَدُومَانِ بِدَوَامِ الدَّهْرِ وَنَجِدُ بَرَكَتَهُمَا فِي هَذِهِ وَيَوْمَ لِقَائِهِ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْأَخُ فِي اللَّهِ - شَرَحَ اللَّهُ لِلْعِلْمِ النَّافِعِ صَدْرِي وَصَدْرَكَ وَرَفَعَ فِي الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ قَدْرِي وَقَدْرَكَ وَيَسَّرَ لِلْخَيْرَاتِ أَمْرِي وَأَمْرَك وَضَاعَفَ لَدَيْهِ أَجْرِي وَأَجْرَك - فَإِنِّي أُمَهِّدُ لَك قَبْلَ الْخَوْضِ فِي تَتَبُّعِ أَلْفَاظِ السُّؤَالِ وَالشُّرُوعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ وَالْأَحْوَالِ مُقَدَّمَةً عَلَيْهَا الْمَدَارُ وَالِاعْتِمَادُ وَبِتَحْصِيلِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ يَتَبَيَّنُ الْغَرَضُ وَيُسْتَفَادُ فَأَقُولُ مُعْتَصِمًا بِاَللَّهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَمُتَبَرِّئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَيْهِ: لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ الْمُنْتَسِبِ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَذَاهِبِ وَأَصْحَابِ الْآرَاءِ وَالْمَقَالَاتِ الْمَرْوِيَّةِ
стр. 61
الْمَسْمُوعَةِ الثَّابِتَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ أَنْ يَتَخَيَّرَ فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي التَّرْجِيحِ وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي تَعْيِينِ الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ إنْ كَانَ الْمُقَلِّدُ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِي طُرُقِ التَّرْجِيحِ وَإِدْرَاكِ مَدَارِك التَّقْدِيمِ وَالتَّصْحِيحِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ إنْ كَانَتْ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ أَنْ لَا يَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ وَفِي الدَّلِيلِ لَهُ عَاضِدٌ وَأَنْ يَخْتَارَ أَوْفَقَ الْمَذَاهِبِ وَالْأَقْوَالِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ وَلَا الْتِفَاتٍ إلَى جِنْسِ التَّرْجِيحِ وَنَوْعِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ نُصْرَةِ الْأَوَّلِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْك التَّمَسُّكُ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ نَاسِخٌ وَالسَّابِقَ مَنْسُوخٌ فِي نَظَرِ الْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ.
فَإِنْ قُلْتَ إذَا وَجَبَ إعْمَالُ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا وَإِهْمَالُ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا فَمَا فَائِدَةُ تَدْوِينِ الْأَئِمَّةِ لِلْأَقْوَالِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا الْمُجْتَهِدُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَهُمْ قُلْت فَائِدَةُ تَدْوِينِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ أَوْ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ التَّرْجِيحِ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَإِنْ جَهِلَ تَسَاقُطًا إنْ لَمْ يُمَيِّزْ الْأَرْجَحَ مِنْهُمَا بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَأُصُولِهِ وَإِنْ مَيَّزَهُ بِقَوَاعِدِهِ الَّتِي لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهَا بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي عَمَلِهِ وَقَضَائِهِ، وَفَتْوَاهُ.
وَالدَّلِيلُ لِذَلِكَ وُجُودُهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَحُمَاتِهِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ الْكِتَابِ، وَتَلَقَّاهُ مِنْهُ الشَّيْخَانِ الشَّامِخَانِ بِالْقَبُولِ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَأَمَّا أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ وَلَا تَقْيِيدٍ بِالْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَثِمَ بِلَا نِزَاعٍ وَجَهِلَ وَخَرَقَ سَبِيلَ الْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الَّذِي حَكَى عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ مُسْتَسِرٍّ إنَّ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ، وَحَكَى عَمَّنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى فِيهَا وَهُوَ غَائِبٌ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِمَا يَضُرُّهُ فَلَمَّا أَعَادَهَا لَهُمْ قَالُوا لَهُ مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَك وَأَفْتَوْهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ
قَالَ الْبَاجِيُّ وَلَوْ اعْتَقَدَ هَذَا الْقَائِلُ مِثْلَ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ مَا اسْتَجَازَهُ وَلَا اسْتَجَازَهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَصِحُّ لِلْحَاكِمِ وَلَا لِلْمُفْتِي أَنْ يَرْجِعَ فِي حُكْمِهِ أَوْ فَتْوَاهُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِالصُّحْبَةِ أَوْ الْإِمَارَةِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إنَّمَا التَّرْجِيحُ بِالْوُجُوهِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَكُلُّ مَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى تَقْلِيدِ قَوْلٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ أَوْ رَجَّحَ بِغَيْرِ مَعْنًى مُعْتَبَرٍ فَقَدْ خَلَعَ الرِّبْقَةَ وَاسْتَنَدَ إلَى غَيْرِ شَرْعٍ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ
وَقَدْ زَادَ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ حَتَّى صَارَ الْخِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ مَعْدُودًا مِنْ حُجَجِ الْإِبَاحَةِ وَوَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ مِنْ
стр. 62
الزَّمَانِ الِاعْتِمَادُ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا بِمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فَإِنَّ لَهُ نَظَرًا آخَرَ حَتَّى كَانَ رَأَى قَوْمٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا اتَّخَذُوا الرِّجَالَ دَرِيئَةً لِأَهْوَائِهِمْ وَأَهْوَاءِ مَنْ يَمِيلُونَ إلَيْهِ وَمَنْ رُغِّبَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَإِذَا عَرَفُوا غَرَضَ بَعْضِ هَؤُلَاءِ حُكْمًا أَوْ فُتْيَا أَوْ تَعَبُّدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بَحَثُوا عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا حَتَّى يَجِدُوا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ لِلسَّائِلِ وَأَفْتَوْا بِهِ زَاعِمِينَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ ثُمَّ مَا زَالَ هَذَا الْأَمْرُ يَسْتَطِيرُ فِي الْأَتْبَاعِ وَأَتْبَاعِهِمْ حَتَّى لَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ كُلُّ مَسْأَلَةٍ ثَبَتَ فِيهَا لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ شَذَّ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ جَائِزَةٌ قَالَ وَهَذَا الِاضْطِرَابُ كُلُّهُ مُسْتَنَدُهُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِأَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهَا وَالْوُقُوفُ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ التَّحَرِّي لِلْحَقِّ وَمِثْبَارُ ذَلِكَ التَّوَغُّلُ فِي التَّعْظِيمِ وَلَقَدْ حَكَى مُذَيِّلُ تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ عَنْ الْحَلَّاجِ أَنَّ أَصْحَابَهُ بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذِرَتِهِ حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا انْتَهَى.
قُلْت وَمِثْلُ مَا حَكَى الْفَرْغَانِيُّ حَكَى الْخَطِيبُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الرَّحَّالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْزُوقٍ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِعُمْدَةِ الْأَحْكَامِ قَالَ شَاهَدْت بِمِصْرَ بَعْضَ جَهَلَةِ الْعَوَامّ الْأَغْبِيَاءِ يَنْتِفُونَ شَعْرَ حِمَارِ شَيْخِنَا الْفَقِيهِ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْبَهَارِسِ أَيَّامَ تَجَرُّدِهِ لِلْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَتَرْكِهِ الْإِفَادَةَ وَالتَّعْلِيمَ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَيْضًا التَّصْمِيمُ عَلَى اتِّبَاعِ الْعَوَائِدِ وَإِنْ فَسَدَتْ أَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْحَقِّ وَالِاتِّبَاعِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَشْيَاخُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ هُوَ التَّقْلِيدُ الْمَذْمُومُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] الْآيَةِ وَقَالَ ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] وَقَالَ ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٣] فَنَبَّهَهُمْ عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَاسْتَمْسَكُوا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ فَقَالُوا ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إيَّاكُمْ وَالِاسْتِئْثَارَ بِالرِّجَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ كُنْتُمْ وَلَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَمَلِ أَحَدٍ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِيهِ وَيَسْأَلَ عَنْ حُكْمِهِ.
فَإِنْ قُلْت الِاخْتِلَافُ رَحْمَةٌ لِلتَّوَسُّعِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْوُقُوفِ مَعَ الْمَشْهُورِ أَوْ الْمُوَافِقِ لِلدَّلِيلِ أَوْ الرَّاجِحِ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ تَحْجِيرٌ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ وَمَيْلٌ بِالنَّاسِ إلَى الْحَرَجِ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
قُلْت قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَهَذَا خَطَأٌ كُلُّهُ وَجَهْلٌ بِمَا وَقَعَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ
стр. 63
فَإِنَّ عَامَّةَ الْأَقْوَالِ الْجَارِيَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ إنَّمَا تَدُورُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْهَوَى لَا يَعْدُوهُمَا
فَإِذَا عَرَضَ الْعَامِّيُّ نَازِلَتَهُ عَلَى الْمُفْتِي فَهُوَ قَائِلٌ لَهُ أَخْرِجْنِي مِنْ هَوَايَ وَدُلَّنِي عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ فَلَا يُمْكِنُ وَالْحَالُ هَذِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ فِي مَسْأَلَتِكَ قَوْلَانِ فَاخْتَرْ لِشَهْوَتِكَ أَيَّهُمَا شِئْت فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا تَحْكِيمُ الْهَوَى دُونَ الشَّرْعِ وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ هَذَا أَنْ يَقُولَ مَا فَعَلْت إلَّا بِقَوْلِ عَالِمٍ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْحِيَلِ الَّتِي نَصَبَتْهَا النَّاسُ وِقَايَةً عَنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَشَبَكَةً لِنَيْلِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَتَسْلِيطٌ مِنْ الْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ عَلَى تَحْكِيمِ الْهَوَى بَعْدَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُ إخْرَاجَهُ عَنْ هَوَاهُ وَرَمَى فِي عَمَايَةٍ وَجَهْلٍ بِالشَّرِيعَةِ وَغَشَّ فِي النَّصِيحَةِ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْنُ الصَّلَاحِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵃ مِنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ فَعَلَيْكَ بِالِاجْتِهَادِ وَقَالَ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ نَاسٌ فِيهِ تَوْسِعَةٌ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى ظُهُورِ الرَّاجِحِ وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ بِقَوْلٍ يَتَعَيَّنُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ
وَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ قَوْلِهِ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِي طُرُقِ التَّرْجِيحِ وَلَهُ قُوَّةٌ عَلَى إدْرَاكِ مَدَارِكِهَا أَمْ لَا وَأَنْتَ قَدْ جَعَلْت مَوْرِدَ الْحُكْمِ فِي الْمُقَلِّدِ الْحَائِزِ لِطُرُقِ التَّرْجِيحِ الْمُدْرِكِ لِمَدَارِكِ الرَّاجِحِ مِنْ الْمَرْجُوحِ.
قُلْت قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً وَيُشِيرُ إشَارَةً لَائِحَةً أَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ عِنْدَهُ فِيمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ وَالتَّرْجِيحِ فَيَحْتَمِلُ إذْ ذَاكَ قَوْلُهُ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِمَا قَوَّى دَلِيلَهُ فِي نَظَرِهِ وَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّرْجِيحِ فِي وِرْدِهِ وَصَدْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَجَدَ الْمَشْهُورَ مِمَّا شَهَرَهُ غَيْرُهُ وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْهِرُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَنْبَطُ لِلْحُكْمِ نَفْسِهِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ فِي التَّشْهِيرِ كَمَا قَلَّدَهُ فِي نَفْسِ الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ تَشْهِيرُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ لَا لِلْمُجْتَهِدِ نَفْسِهِ بَلْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَيُشْهِرُونَ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي حَفِظُوهَا عَنْهُ مَا قَوِيَ دَلِيلَهُ عِنْدَ هَذَا الْمُشْهِرِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى هَذَا الْمُقَلِّدِ الْمُتَأَخِّرِ تَقْلِيدُ هَذَا الَّذِي سَبَقَهُ بِالنَّظَرِ وَالتَّفْتِيشِ فِي أَقْوَالِ الْإِمَامِ الَّذِي اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي تَقْلِيدِهِ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ يَكُونُ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ لَمَّا كَانَتْ لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى التَّرْجِيحِ فِي أَقْوَالِ مُقَلِّدِهِ وَيُمَيِّزُ بِهَا الْمَشْهُورَ وَالصَّحِيحَ صَارَ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ اللَّاحِقُ مُسَاوِيًا لِلْمُتَقَدِّمِ
стр. 64
السَّابِقِ فِي تَشْهِيرِ قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ هَذَا السَّابِقِ بِحَالٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ مِثْلَ نَظَرِهِ قَدْ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ غَيْرُ مَا تَرَجَّحَ عِنْدَ السَّابِقِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ تَقْلِيدُهُ إذْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَعَلَى الِاجْتِهَادِ تَمْنَعُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَهَذَا فَرَضْنَاهُ قَادِرًا عَلَى التَّرْجِيحِ فِي أَقْوَالِ إمَامِهِ فَلَا يُقَلِّدُ فِيهِ غَيْرَ إمَامِهِ.
وَفِي السُّؤَالِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفُتْيَا عَنْ الْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفَاتِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ لِلشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا نَصُّهُ: هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ أَوْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ. جَوَابُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ إمَامَهُ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي الْفُتْيَا وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ هَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهُمَا يُفْتِي بِهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَعَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا يُفْتِي بِهِ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَرْجَحَ عِنْدَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْفُتْيَا شَرْعٌ عَامٌّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَالْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ فَإِذَا جَازَ الِاخْتِيَارُ فِي الشَّرَائِعِ الْعَامَّةِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالرَّاجِحِ وَغَيْرِ الرَّاجِحِ وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى لَكِنْ بَعْدَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَحُصُولِ التَّسَاوِي وَأَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَمُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْقَرَافِيُّ ﵀ كَيْفَ مَنَعَ الْمُجْتَهِدَ مِنْ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ وَأَجَازَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِالْمَشْهُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ وَلَا صَحِيحًا فِي نَظَرِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلنَّظَرِ وَعَارِفًا بِطُرُقِ التَّرْجِيحِ وَأَدِلَّةِ التَّشْهِيرِ وَالتَّصْحِيحِ فَإِذَا نَظَرَ وَرَجَحَ عِنْدَهُ غَيْرُ الْمَشْهُورِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ عِنْدَهُ إنْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ شَاذًّا مَرْجُوحًا فِي نَظَرِهِ لِكَوْنِهِ يُقَلِّدُ فِي تَرْجِيحِ الْمَشْهُورِ إمَامَهُ الَّذِي قَلَّدَهُ فِي الْفَتْوَى.
فَإِنْ قُلْت لَفْظُ الْجَوَازِ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمُقَلِّدِ مِنْ مُفْتٍ أَوْ عَالِمٍ أَنْ يُقَلِّدَ إمَامَهُ فِي رُجْحَانِ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالٍ وَلَوْ رَجَحَ عِنْدَهُ الْإِمَامُ الْقَائِلُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُهُ لِهَذَا الْإِمَامِ فِي أَصْلِ الْقَوْلِ لَازِمًا بَلْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ مَفْضُولًا فِي اجْتِهَادِهِ حَسْبَمَا هُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ قَضَاءً وَفَتْوَى إذْ لَا زَائِدَ فِي الْمَشْهُورِ سِوَى الرُّجْحَانِ قُلْت لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُ الرَّاجِحُ فِي
стр. 65
نَظَرِ إمَامِهِ أَوْ عَكْسُهُ الْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ فِي نَظَرِهِمَا مَعًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَإِنْ قُلْت قَوْلُ شِهَابِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ. . . إلَخْ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَلَا مَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ إجْمَاعًا تَدَافَعَ وَتَنَاقَضَ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَبْصِرَتِهِ وَبَيَانِهِ بِأَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. . . إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ يَنْظُرُ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا.
[تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ]
وَقَوْلُهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ. . . إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ إلَّا بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ هَلْ فِي الْقَوْلَيْنِ رَاجِحٌ أَوْ لَا حَتَّى يَعْجِزَ وَيَحْصُلَ التَّسَاوِي.
قُلْت لَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَلَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ مَا كُلِّفَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ فِي الْقَوْلَيْنِ رَاجِحٌ وَمَرْجُوحٌ وَالْمُقَلِّدُ أَهْلٌ لِلتَّرْجِيحِ، وَحَيْثُ أَجَازَ الْحُكْمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فَرَضَ الْقَوْلَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ لَا رَاجِحَ فِيهِمَا فِي نَظَرِهِ فَلَا تَدَافُعَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ اتِّحَادُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ أَمَّا الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ وَمُدَافَعٌ لَهُ قُلْت الَّذِي حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَمَنْعِهِ إنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُفْتِيَ بِالرَّاجِحِ فِي نَظَرِهِ وَلَا فِي نَظَرِ مُقَلِّدِهِ وَإِمَامِهِ مَعًا وَاَلَّذِي جَوَّزَ فِيهِ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى بِالْمَرْجُوحِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ رَاجِحًا فِي نَظَرِ مَتْبُوعِهِ مَرْجُوحًا فِي نَظَرِهِ هُوَ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي مَحَلِّ الْجَوَازِ عَنْ الرَّاجِحِ جُمْلَةً وَفِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ جُمْلَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ صَاحِبُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُقَلِّدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى قَوْلٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِأَفْضَلَ وَإِنَّمَا الْمُفْتِي الْمُقَلِّدُ بِمَثَابَةِ مَنْ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ فِي بَيْتِهِ لِأَقْوَامٍ شَتَّى فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ كُلَّ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ مِنْ وَصِيَّتِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَوْ تَرَكَ فَنَقُولُ هَذَا خِلَافٌ لِمَا قَدَّمْته وَمُبَايِنٌ لِمَا قَرَّرْته وَأَتْمَمْته قُلْت لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَمَحْمَلُ هَذَا عَلَى الْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ الَّذِي لَا حَظَّ لَهُ فِي مَدَارِك التَّرْجِيحِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ وَظِيفَتِهِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الَّذِي الْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي جَوَابِهِ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَى أَطْرَافِ التَّرْجِيحِ وَتَمْيِيزِ الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَحَكَى الْبَاجِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالشَّاطِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ فَتْوَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ لَا هُوَ مُمْسِكُهَا وَلَا هُوَ مُطَلِّقُهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ قَائِلُونَ يُؤْمَرُ
стр. 66
بِالْإِنْفَاقِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ فَلَمْ تَفْهَمْ الْمَرْأَةُ قَوْلَهُ فَأَعَادَتْ، وَقَالَتْ رَجُلٌ لَهُ زَوْجَةٌ لَا هُوَ مُمْسِكُهَا وَلَا هُوَ مُطَلِّقُهَا، فَقَالَ لَهَا يَا هَذِهِ قَدْ أَجَبْتُكِ عَنْ مَسْأَلَتُكِ وَأَرْشَدْتُكِ إلَى طَلِبَتِكِ وَلَسْتُ بِسُلْطَانٍ فَأَمْضِيَ وَلَا قَاضٍ فَأَقْضِيَ وَلَا زَوْجٍ فَأُرْضِيَ فَانْصَرِفِي فَانْصَرَفَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَفْهَمْ جَوَابَهُ وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمُفْتِي يُخْبِرُ الْمُسْتَفْتِيَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
فَأَجَابَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إذَا اسْتَفْتَى الْمُفْتِيَ فَيُخْبِرُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ فِي أَيِّ الْأَقْوَالِ شَاءَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا مُصْعَبٍ وَابْنَ وَهْبٍ فِي مَجْلِسٍ وَغَيْرَهُمَا كَذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَيَسْأَلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ أَوْ يَخْتَارَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ قُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَمَّا مَنْ فِيهِ فَضْلُ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلُ الِاخْتِيَارِ قَلَّدَ رَجُلًا يَقْوَى فِي نَفْسِهِ فَاخْتِيَارُ الرَّجُلِ كَاخْتِيَارِ الْقَوْلِ انْتَهَى.
قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ الْمَيِّتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا، وَلِهَذَا يُعْتَدُّ بِهَا عِنْدَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، وَقَالَ شَرَفُ الدِّينِ التِّلْمِسَانِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَلَا هُوَ مَذْهَبٌ لَهُ وَلَا يَنْسُبُ لَهُ قَوْلًا فِي الْحَالِ وَفَائِدَةُ تَدْوِينِ الْمَذَاهِبِ وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ مَعْرِفَةُ طُرُقِ الْإِرْشَادِ وَكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَمَعْرِفَةُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ انْتَهَى.
قُلْت وَبَعْدَ تَسْلِيمِ الْقَوْلِ أَيْضًا بِجَوَازِ فُتْيَا مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الشَّائِعُ الْفَاشِي فِي زَمَانِنَا هَذَا وَقَبْلَهُ إذْ لَا مُجْتَهِدَ فِيهِ فِيمَا بَلَغَنَا وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَآفَاقِ الْبِلَادِ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَآخِذِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِيهَا بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيغِ عَلَى تِلْكَ الْمَآخِذِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَالْمُنَاظَرَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ شَرْحِ التَّلْقِينِ لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّذِي يُفْتِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْحَرَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ وَتَأْوِيلِ الْأَشْيَاخِ لَهُمَا وَتَرْجِيحِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ ظَوَاهِرَ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبَ وَتَشْبِيهِهِمْ مَسَائِلَ قَدْ سَبَقَ إلَى النَّفْسِ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَسَائِلَ وَمَسَائِلَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ تَقَارُبُهَا وَتَشَابُهُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ فِي كُتُبِهِمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ؛ فَهَذَا لِعَدَمِ النُّظَّارِ يَقْتَصِرُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ اهـ.
وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الصِّرْفُ الْعَاجِزُ عَنْ مَدَارِكِ التَّرْجِيحِ وَأَدِلَّةِ التَّشْهِيرِ وَالتَّصْحِيحِ وَهَذَا الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ غَرَضُ
стр. 67
سُؤَالِكُمْ وَصَرِيحُ إشَارَتِكُمْ وَفِي مَعْنَاهُ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ ذَلِكَ وَلَا يَعْلَمُ بِجَهْلِهِ مَا هُنَالِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ لَهُ مَذْهَبٌ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ، وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ وَالْمُقَلِّدَ الصِّرْفَ هَلْ لَهُمَا مَذْهَبٌ أَمْ لَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُمَا لِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْ شَافِعِيٍّ أَوْ مَالِكِيٍّ أَوْ حَنْبَلِيٍّ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَفَّالِ أَنَّ لَهُ مَذْهَبًا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَالِكِيًّا وَلَا غَيْرَهُ وَلَا مُخَالِفَ إمَامِهِ وَعَكْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَامِّيُّ وَالْمُقَلِّدُ الصِّرْفُ مُنْتَسِبًا إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْمُزَكَّى وَبَنَاهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ يَأْخُذُ رُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ أَمْ لَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَلْتَقِطَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مُتَّبِعًا هَوَاهُ مُتَخَيِّرًا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّجْوِيزِ وَفِي ذَلِكَ انْحِلَالُ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ الْمَذَاهِبُ الْوَافِيَةُ بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ مَهَّدْت وَعَرَّفْت فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ عَلَى التَّعْيِينِ قَالَ وَنَحْنُ نُمَهِّدُ لَهُ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ فِي اجْتِهَادِهِ سَهْلًا فَنَقُولُ أَوَّلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي وَالْمَيْلِ لِمَا وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَدْوِينِ الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ وَإِنَّمَا قَامَ بِذَلِكَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ النَّاقِلِينَ لِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ الْقَائِمِينَ بِتَمْهِيدِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا النَّاهِضِينَ بِإِيضَاحِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ اهـ.
فَإِذَا وَقَعَ التَّفْرِيعُ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ ذَلِكَ لِلْعَامِّيِّ وَالْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ كَلِمَةُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الَّذِي قَلَّدَهُ الْعَامِّيُّ أَوْ الْمُقَلِّدُ الصِّرْفُ أَوْ لَا فَإِنْ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى الْمُسْتَفْتِي عَلَيْهَا فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَتَبَايَنَتْ مِنْهُمْ الْأَقْوَالُ وَلَمْ يَطَّلِعْ هَذَا الْمُقَلِّدُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا لِلْمُتَقَدِّمِينَ فَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى عِدَّةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِهَا فَيَأْخُذُ بِالْحَظْرِ دُونَ الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ.
ثَانِيهَا: يَأْخُذُ بِأَخَفِّهَا لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ.
ثَالِثُهَا: يُتَحَيَّرُ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَيِّهِمْ شَاءَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَاخْتِيَارُ
стр. 68
ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ لَكِنْ فِيمَا إذَا تَسَاوَى الْقَائِلَانِ فِي نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ نَزَلْت بِالسُّلْطَانِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ ابْنَ مَرْمُورٍ فَرَغِبَ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ فَتَرَكَ قَتْلَهُ فَأَرْسَلَ إلَى الْفَقِيهَيْنِ الْمُعَظَّمَيْنِ أَبِي الْفَضْلِ رَاشِدٍ الْوَلِيدِ وَابْنِ يُوسُفَ الْجُزُولِيِّ فَاقْتَضَى نَظَرُ الْفَقِيهِ رَاشِدٌ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى السُّلْطَانِ مَا فِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ فَيَخْتَارُ مَا شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ السَّبْعَةِ.
خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي الْأَوْثَقِ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ الْأَوْرَعِ وَيَبْحَثُ عَنْ الْأَرْجَحِ مِنْ الْقَائِلِينَ فَيَعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ حُكْمُ التَّعَارُضِ، وَقَدْ وَقَعَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ وَنَصَّ عَلَى مِثْلِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقِبْلَةِ وَعِنْدَ هَذَا إمَّا أَنْ يَظْهَرَ الرُّجْحَانُ مُطْلَقًا أَوْ لَا يَظْهَرَ مُطْلَقًا أَوْ يَظْهَرَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَإِنْ ظَهَرَ مُطْلَقًا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقَائِلِينَ أَعْلَمَ وَأَدْيَنَ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ الرُّجْحَانُ مُطْلَقًا فَهَذَا بَعْضٌ مِمَّا أَحَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ وُجُودَهُ عُرْفًا فَإِنْ فُرِضَ وُقُوعُهُ خُيِّرَ الْمُسْتَفْتِي وَإِنْ ظَهَرَ الرُّجْحَانُ مِنْ وَجْهٍ فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الدِّينِ وَتَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ فَقَالَ قَوْمٌ يُخَيَّرُ وَالْحَقُّ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْعِلْمِ وَتَفَاوَتُوا فِي الدِّينِ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَدْيَنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالْآخَرُ أَدْيَنَ قَالُوا يُرَجَّحُ قَوْلُ الْأَدْيَنِ وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الْأَعْلَمِ أَرْجَحُ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الَّذِي يُطَّلَعُ بِهِ عَلَى دَلَائِلِ الْأَحْكَامِ دُونَ الدِّينِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ تَعَدُّدِ الْقَائِلِينَ وَأَمَّا مَعَ اتِّحَادِ الْقَائِلِ وَاخْتِلَافِ الْقَوْلِ فَالْعَمَلُ بِالْمَرْجُوعِ إلَيْهِ دُونَ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ إنْ عَلِمَ التَّارِيخَ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ نَاسِخٌ وَالْمَرْجُوعَ عَنْهُ مَنْسُوخٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ فِي الْفَرْضِ قَوْلًا يُفْتِي بِهِ أَوْ يَحْكُمُ خِلَافًا لِعِزِّ الدِّينِ وَظَاهِرُ الْأَجْوِبَةِ وَإِنْ جَهِلَ التَّارِيخَ تَسَاقَطَا وَعَلَى قَوْلِ عِزِّ الدِّينِ فَالتَّخْيِيرُ هُنَا أَحْرَى وَأَوْلَى وَهَذَا مَعَ عَدَمِ اطِّلَاعِ الْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ، وَأَمَّا مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ أَحْبَارُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيحِ وَتَبَايَنُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّصْحِيحِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ الرُّجُوعُ إلَى صِفَاتِ الْمُرَجِّحِينَ فَيَقِفُ مَعَ تَشْهِيرِ الْأَعْلَمِ الْأَدْيَنِ إنْ كَانَ لِظُهُورِ الرُّجْحَانِ ثُمَّ كَذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّرْجِيحِ بِصِفَاتِ الْقَائِلِينَ وَالنَّاقِلِينَ وَيُعْلَمُ الْأَعْلَمُ وَالْأَدْيَنُ بِظُهُورِ آثَارِ الصَّلَاحِ وَإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَضِدُّهُ بِآثَارِ الْفُجُورِ وَإِعْرَاضِ النَّاسِ عَنْهُ.
وَفِي إقْلِيدِ الْإِقْلِيدِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَنْ مَالِكٍ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ إذَا تَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَقَالَ الْأَبْيَانِيُّ لَيْسَ فِي أَصْحَابِ مَالِكٍ مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَهُ مِثْلَ مَا عَرَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَفِي أَحْكَامِ الْقَاضِي بْنِ
стр. 69
الْمُطَرِّفِ الشَّعْبِيِّ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْمُطَرِّفِ بْنِ بِشْرٍ مَنْ خَرَجَ عَنْ الْفَتْوَى بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاضْطَرَبَتْ فُتْيَاهُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَبِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ حَقِيقٌ بِالنَّكِيرِ عَلَيْهِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِهِ.
وَفِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ قَالُوا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فَإِنَّهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِهَا وَذَلِكَ لِصِحَّتِهَا قَالَ بُرْهَانُ الدِّينِ فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي اصْطِلَاحِ الْمَغَارِبَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعِرَاقِيُّونَ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ الْمَغَارِبَةَ فِي تَعْيِينِ الْمَشْهُورِ وَيُشْهِرُونَ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ عَمَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارُ تَشْهِيرِ مَا شَهَّرَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَغَارِبَةُ.
وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ إنَّمَا يُفْتِي بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي النَّازِلَةِ فَبِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَإِلَّا فَبِقَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا وَإِلَّا فَبِقَوْلِ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا فَأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَفِي أَخْبَارِ أَسَدٍ مِنْ مَدَارِكِ الْقَاضِي قَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهَا كَلَامُ رَجُلٍ صَالِحٍ وَرِوَايَتُهُ، وَكَانَ يَقُولُ إنَّ الْمُدَوَّنَةَ مِنْ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ تُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا عَنْهَا، أَفْرَغَ الرِّجَالُ فِيهَا عُقُولَهُمْ وَشَرَحُوهَا وَبَيَّنُوهَا فَمَا اعْتَكَفَ أَحَدٌ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَدِرَاسَتِهَا إلَّا عَرَفَ ذَلِكَ فِي وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَمَا عَدَاهَا إلَى غَيْرِهَا إلَّا عَرَفَ ذَلِكَ وَلَوْ عَاشَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَمَدًا مَا رَأَيْتُمُونِي أَبَدًا وَفِي أَوَّلِ مُقَدِّمَاتِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ الْمُدَوَّنَةَ تَدُورُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَابْنِ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيِّ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ وَسَحْنُونٍ وَكُلُّهُمْ مَشْهُورٌ بِالْإِمَامَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَفِي فَصْلِ التَّطَوُّعَاتِ مِنْ شَرْحِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مُتَأَخِّرِي الشُّيُوخِ كَانُوا إذَا نُقِلَتْ لَهُمْ مَسْأَلَةٌ مِنْ غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِيهَا عَدُوُّهُ خَطَأً فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ مَا فِي غَيْرِهَا وَفِيهِ أَيْضًا بَيَانُ الْمَشْهُورِ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ الشَّاذِّ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، فَإِنَّ أَهْلَ زَمَانِنَا إنَّمَا يَقُولُونَ فِي فَتْوَاهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا وَجَدُوهُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ ﵀ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِوُصُولِهِ إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مَا قَارَبَ رُتْبَتَهُ وَمَا أَفْتَيْت قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَلَا أُفْتِي، وَأَهْلُ قُرْطُبَةَ أَشَدُّ فِي هَذَا وَرُبَّمَا جَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ.
قُلْت أَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ وَرُبَّمَا جَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ إلَى مَا قَالَ الْبَاجِيُّ إنَّهُ كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ لَا يُخْرَجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وُجِدَ وَلِلْأُسْتَاذِ الطُّرْطُوشِيِّ الْفِهْرِيِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ اعْتِرَاضٌ طَوِيلٌ اسْتِقْصَاؤُهُ وَذِكْرُ مَا رَدَّ بِهِ عَلَيْهِ يَخْرُجُ إلَى الْبُعْدِ عَنْ غَرَضِ الْكِتَابِ.
وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَحْكَامِ قُضَاةِ الْعَصْرِ إلَّا مَا لَا يُخَالِفُ الْمَشْهُورَ وَمَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي بَعْضِ فَتَاوَى شَيْخِنَا وَسَيِّدِنَا أَبِي الْفَضْلِ قَاسِمٍ الْعُقْبَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا نَصُّهُ يُنْظَرُ فِي الْحَكَمِ
стр. 70
الَّذِي عَدَلَ عَنْ الْمَشْهُورِ إلَى الشَّاذِّ فَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِمَظِنَّةِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ نُقِضَ حُكْمُهُ وَإِنْ حَكَمَ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الشَّاذُّ إلَّا أَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِمَّنْ يُدْرِكُ الرَّاجِحَ وَالْمَرْجُوحَ وَهَذَا يَعِزُّ وُجُودُهُ مَضَى حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ زُجِرَ عَنْ مُوَافَقَةِ مِثْلِ هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْ الْقَضَاءِ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ فَإِنَّ الْإِمَامَ الَّذِي قَدَّمَهُ وَاَلَّذِي قُدِّمَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إنَّمَا يَرْضَوْنَ مِنْهُ الْحُكْمَ بِالْمَشْهُورِ اهـ.
قُلْت لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْحُكْمَ يُفْسَخُ إذَا حُكِمَ بِالشَّاذِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ عَرَفَةَ فَوْقَهُ.
وَفِي بَعْضِ فَتَاوَى شَيْخِنَا مَا نَصُّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُفْتٍ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا عَلِمَ الْمَشْهُورَ فِيهِ إلَّا بِالْمَشْهُورِ وَكَذَلِكَ حُكَّامُ زَمَانِنَا فَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَهُوَ فِي الْعِلْمِ هُنَالِكَ مَا أَفْتَيْتُ قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَإِذَا كَانَ الْمَازِرِيُّ وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الِاجْتِهَادِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْفَتْوَى بِالْمَشْهُورِ وَلَا يَرْضَى حَمْلَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لِمَنْ يُقَصِّرُ عَنْ تَلَامِذَتِهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الشَّاذِّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَفِي فَتَاوَى صَالِحٍ بِجَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ سَيِّدِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاغِلِيسِيِّ مَا نَصُّهُ: " لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَتَقَلَّدُ غَيْرَ الْمَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلْتَعْمَلْ عَلَى جَادَّةِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَاحْذَرْ مُخَالَفَتَهُمْ وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا أُفْتِي بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَلَا أَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ قَلَّ الْوَرَعُ وَالتَّحَفُّظُ عَلَى الدِّيَانَةِ وَكَثُرَ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَيَتَجَاسَرُ عَلَى الْفَتْوَى فِيهِ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ وَلَوْ فُتِحَ لَهُمْ بَابٌ فِي مُخَالَفَةِ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ لَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ وَهُتِكَ حِجَابُ الْمَذْهَبِ وَهَذَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ الَّتِي لَا خَفَاءَ بِهَا وَهَذَا فِي زَمَانِهِ فَانْظُرْ فِي أَيِّ زَمَانٍ أَنْتَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اُنْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَسْتَجِزْ هَذَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى إمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ الْفَتْوَى بِغَيْرِ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَلَا بِغَيْرِ مَا عَرَفَ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ مَصْلَحِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ إلَى أَنْ قَلَّ الْوَرَعُ وَالدِّيَانَةُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَصِبُ لَبْثَ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى فَلَوْ فُتِحَ لَهُمْ هَذَا الْبَابُ لَانْحَلَّتْ عُرَى الْمَذْهَبِ بَلْ جَمِيعُ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِلشَّيْءِ وَجَبَ لِمِثْلِهِ وَظَهَرَ أَنَّ تِلْكَ الضَّرُورَةَ الَّتِي اُدُّعِيَتْ فِي السُّؤَالِ لَيْسَتْ بِضَرُورَةٍ اهـ.
فَإِنْ قُلْت فَمَا بَالُ الْمَازِرِيِّ لَمْ يُبَالِ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ وَلَا وَقَفَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَأَفْتَى بِالشَّاذِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الدَّاوُدِيِّ عَنْ مَالِكٍ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِضَعْفِهَا وَشُذُوذِهَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْقَاقِ الْأَرْضِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ وَخُرُوجِ الْإِبَّانِ وَخَالَفَ الْمَعْهُودَ مِنْ عَادَتِهِ مِنْ الْوُقُوفِ مَعَ الْمَشْهُورِ وَمَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمْهُورُ.
قُلْت لِلتَّشْدِيدِ عَلَى الظَّلَمَةِ وَالْمُتَعَدِّينَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَهُوَ مَأْلُوفٌ فِي الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَمِنْهُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ غَيْرُ نَظِيرٍ وَقَدْ أَتَيْت فِي بَعْضِ مَا قَيَّدْت مِنْ هَذَا الْمُصَنَّفِ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ فَإِنَّا قَدْ
стр. 71
اسْتَفَدْنَا مِنْ النُّصُوصِ الْمَجْلُوبَةِ فَوْقَ هَذَا أَنَّ الْفُتْيَا بِغَيْرِ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ لَا تَجُوزُ فَمَا حُكْمُ الْفُتْيَا بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِنْ مُقَلِّدِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ.
قُلْت قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فَتْحُ الْبَابِ بِالْفُتْيَا فِي إقْلِيمِنَا بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يُسَوَّغُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ سَحْنُونٌ وَالْحَارِثُ لَمَّا وَلِيَا الْقَضَاءَ فَرَفَعَا جَمِيعَ خِلَفِ الْمُخَالِفِينَ وَمَنَعَا الْفَتْوَى بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَنْعُ وَتَأْدِيبُ الْمُفْتِي بِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي آخِرِ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَأَوَّلِ مَدَارِكِ الْقَاضِي وَاللَّفْظُ لِلْمَدَارِكِ وَفِي كِتَابِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَنْصِرِ إلَى الْفَقِيهِ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَكَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ طَالَعَ الْكِتَابَ وَنَقَّرَ عَنْ أَخْبَارِ الرِّجَالِ تَنْقِيرًا لَمْ يَبْلُغْ فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ وَكُلُّ مَنْ زَاغَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مِمَّنْ رِينَ عَلَى قَلْبِهِ وَزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وَقَدْ نَظَرْت طَوِيلًا فِي أَخْبَارِ الْفُقَهَاءِ وَقَرَأْت مَا صُنِّفَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَلَمْ أَرَ مَذْهَبًا مِنْ الْمَذَاهِبِ غَيْرَهُ أَسْلَمَ مِنْهُ وَأَنَّ فِيهِمْ الْجَهْمِيَّةَ وَالرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالشِّيعَةَ إلَّا مَذْهَبَ مَالِكٍ مَا سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يَتَقَلَّدُ مَذْهَبَهُ قَالَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ فَالِاسْتِمْسَاكُ بِهِ نَجَاةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
وَلِغَيْرِهِ عَنْ الْخَلِيفَةِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَنْ خَالَفَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِالْفَتْوَى وَبَلَغَنَا خَبَرُهُ أَنْزَلْنَا بِهِ مِنْ النَّكَالِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَجَعَلْنَاهُ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ فَقَدْ اخْتَبَرْت فَوَجَدْت مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَفْضَلَ الْمَذَاهِبِ وَلَمْ أَرَ فِي أَصْحَابِهِ وَلَا فِيمَنْ تَقَلَّدَ بِمَذْهَبِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلْيَسْتَمْسِكْ النَّاسُ بِهَذَا وَلْيُنْهَوْا أَشَدَّ النَّهْيِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِ جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ اهـ. ثُمَّ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِالنَّصِّ لَا بِالنَّظَرِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ جَاءَ مَنْ كَذَبَ عَلَى عَالِمٍ فَكَأَنَّمَا كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ فَكَأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.
وَفِي مَدْخَلِ ابْنِ طَلْحَةَ مَا نَصُّهُ " وَإِذَا رَجَعَ إلَى مُقَلِّدٍ رُجُوعَ اضْطِرَارٍ كَرَجُلٍ يَذْكُرُ الْمَسَائِلَ كَمَنْ يَحْفَظُ الْمُدَوَّنَةَ وَالْعُتْبِيَّةَ وَالْوَاضِحَةَ وَالْمَوَّازِيَّةَ وَمَا جَمَعَ مِنْهَا كَالنَّوَادِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ اسْتَفْتَى مِثْلَ هَذَا فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى تَنْزِلَ حَسْبَمَا هِيَ فِي دِيوَانٍ مِنْهَا فَيَكْتُبُ الْجَوَابَ عَنْهَا حَاكِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَلَا نُقْصَانِ حَرْفٍ لَا فِي بِسَاطٍ وَلَا عُرْفٍ فَيَكُونُ كَمَنْ يُخْرِجُ الْوَصِيَّةَ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ إلَى رَجُلٍ عِنْدَ الْبَابِ فَإِذَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فَاتَهُ وَالِاجْتِهَادَ فَاتَهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْأَلَةً بِعَيْنِهَا وَنَصِّهَا مَسْطُورَةً فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْعَقْلِ فِيهَا قِيَاسًا إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ السُّطُورِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِأَنَّ الْقَاصِرَ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ مَوَارِدَ الشَّرْعِ، وَمَصَادِرَهُ اهـ.
وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَرْقِ
стр. 72
الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ قَوَاعِدِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَكْشِفُ الْغُمَّةَ وَيَشْفِي الْغَلِيلَ وَمِنْهَا وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمِ جَرَاءَةِ أَهْلِ هَذَا الْوَقْتِ عَلَى الْفَتْوَى وَتَحَامُلِهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ بِمَا تَأْبَاهُ الدِّيَانَةُ وَالتَّقْوَى عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ مِنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَمَنَّ عَلَيْنَا وَإِيَّاكُمْ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى. وَلْنَرْجِعْ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ الشَّافِيَةِ الْجَامِعَةِ الْكَافِيَةِ إلَى تَتَبُّعِ أَلْفَاظِ السُّؤَالِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ وَالْأَقْوَالِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ نَعْتَصِمُ مِنْ كُلِّ مَا يَصِمُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ فَهَلْ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ يُفْتِيَ بِهِ بِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» وَلَفْظُهُ ﵊ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْمُودٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الرَّاجِحِ أَوْ الْأَرْجَحِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْقَاضِي الْمُحَقِّقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التُّونُسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّاذَّ وَيَعْمَلَ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ الْقَوْلُ الشَّاذُّ قَدْ يَنْصُرُهُ الْفَقِيهُ وَيَخْتَارُهُ وَيُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ انْتَهَى.
وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنْ قَالَ قُصُورِي وَقِلَّةُ عِلْمِي تَحْمِلُنِي عَلَى التَّقْلِيدِ قِيلَ لَهُ أَمَّا مَنْ قَلَّدَ فِيمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ عَالِمًا يُتَّفَقُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِ فَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ عَمَّا يُخْبِرُهُ بِهِ فَمَعْذُورٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَأَدَّى مَا لَزِمَهُ فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِجَهْلِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ عَالِمٍ فِيمَا جَهِلَهُ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْمَكْفُوفَ يُقَلِّدُ مَنْ يَثِقُ بِخَبَرِهِ فِي الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتَهُ هَلْ تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي شَرَائِعِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلَى إبَاحَةِ الْفُرُوجِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِرْقَاقِ الرِّقَابِ وَإِزَالَةِ الْأَمْلَاكِ وَتَصْيِيرِهَا إلَى غَيْرِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ صِحَّتَهُ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّ قَائِلَهُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ الْمُصِيبَ بِمَا خَالَفَهُ فِيهِ
فَإِنْ أَجَازَ الْفَتْوَى لِمَنْ جَهِلَ الْأَصْلَ وَالْمَعْنَى بِحِفْظِهِ لِلْفُرُوعِ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ لِلْعَامَّةِ وَكَفَى بِهَذَا جَهْلًا وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَا لَمْ يُتَبَيَّنْ وَلَا يُسْتَيْقَنُ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا انْتَهَى فَتَأَمَّلْ قَوْلَ أَبِي عُمَرَ وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا وَاضِحًا أَنَّ مَنْ ذَكَرْت
стр. 73
لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ أَحَدًا مِنْ الْأَنَامِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَفْتَى بِالْمَشْهُورِ فَكَيْفَ بِالشَّاذِّ الَّذِي سَأَلْت عَنْهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا مِنْ الْمَشَايِخِ عُقُوبَةَ الْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ إنْ خَالَفَ الْمَشْهُورَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْعَوْدِ وَعَلَّلَهُ فِي تَعَلُّقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فِي الْعَمَلِ بِالْمَشْهُورِ
وَقَالَ وَإِنْ ارْتَكَبْتَ الشَّاذَّ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَجْنَبِيٍّ فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ وَظِيفَتُك سَرْدَ الرِّوَايَاتِ وَتَعْيِينَ الْمَشْهُورِ فَحَمْلُك السَّائِلَ عَلَى الشَّاذِّ غِشٌّ لَهُ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ فَعُقُوبَتُهُ أَكْثَرُ وَأَوْجَبُ مِنْ عُقُوبَةِ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ، وَقَدْ اقْشَعَرَّتْ الْبِلَادُ مِنْهُ انْتَهَى، وَهَذَا كُلُّهُ لَا مَزِيدَ فِيهِ عَلَى مَا اُسْتُفِيدَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ النُّقُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَالْأَدَبِ الْوَجِيعِ وَلِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَسْأَلَةِ إمْلَاءٌ عَرِيضٌ لَوْلَا الْإِطَالَةُ وَالْخُرُوجُ عَنْ غَرَضِ الِاخْتِصَارِ لَجَلَبْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْبُوبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الرُّخَصِ الْمَعْهُودَةِ الْعَامَّةِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْفِطْرِ فِيهِ وَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ وَلَيْلَةِ الْمَطَرِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَتَبُّعُ أَخَفِّ الْمَذَاهِبِ وَأَوْفَقِهَا لِطَبْعِ الصَّائِرِ إلَيْهَا وَالذَّاهِبِ فَمِمَّا لَا يَجُوزُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا مَطْلُوبًا قَالَهُ الرِّيَاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ بَيَانُ الْعِلْمِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ إنْ أَخَذْت بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا إجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَتَبُّعَ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِسْقٌ لَا يَحِلُّ.
وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْأَمْصَارِ لَمْ أَجْرَحْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَاذًّا مَا لَمْ يَأْخُذْ بِكُلِّ مَا وَافَقَهُ مِنْ كُلِّ قَائِلٍ وَعَلَّلَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَأَبُو عُمَرَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّهُ مُؤَدٍّ إلَى إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا صَارَ الْمُكَلَّفُ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ عَنَّتْ لَهُ يَتَتَبَّعُ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ وَكُلَّ قَوْلٍ وَافَقَ فِيهَا هَوَاهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّقْوَى وَتَمَادَى فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَنَقَضَ مَا أَبْرَمَهُ الشَّرْعُ وَأَخَّرَ مَا قَدَّمَهُ قَالَ وَقَدْ أَدَّى إغْفَالُ هَذَا الْأَصْلِ إلَى أَنْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ مُقَلِّدَةِ الْفُقَهَاءِ لَا يُفْتِي قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقَهُ بِمَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ اتِّبَاعًا لِغَرَضِهِ وَشَهْوَتِهِ أَوْ لِغَرَضِ ذَلِكَ الْقَرِيبِ وَذَلِكَ الصَّدِيقِ، وَلَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا، وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ إنْ أَخَذْت بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ قَالَ فَمِنْ هُنَا قَالُوا زَلَّةُ الْعَالِمِ مَضْرُوبٌ بِهَا الطَّبْلُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو عُمَرَ شَبَّهَ الْعُلَمَاءُ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ لِأَنَّهَا إذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيْلٌ
стр. 74
لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ قِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ يَقُولُ الْعَالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ ثُمَّ لَمْ يَجِئْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ذَلِكَ ثُمَّ يَمْضِي فِي الِاتِّبَاعِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَيْضًا تُسْتَعْظَمُ شَرْعًا زَلَّةُ الْعَالِمِ وَتَصِيرُ صَغِيرَتُهُ كَبِيرَةً مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ جَارِيَةً فِي الْعَادَةِ عَلَى مَجْرَى الِاقْتِدَاءِ فَإِذَا حُمِلَتْ زَلَّتُهُ عَنْهُ قَوْلًا كَانَتْ أَوْ فِعْلًا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مَنَارٍ يُهْتَدَى بِهِ فَإِنْ عُلِمَ كَوْنُ زَلَّتِهِ صَغِيرَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَجَسَرَ عَلَيْهَا النَّاسُ تَأَسِّيًا بِهِ وَتَوَهَّمُوا فِيهِ رُخْصَةً عَلِمَ هُوَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمُوهَا هُمْ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ وَإِنْ جُهِلَ كَوْنُهُ زَلَّةً فَأَحْرَى أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ مَحْمَلُ الْمَشْرُوعِ وَذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ عَالِمٍ وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ وَهَوًى مُتَّبَعٍ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ اهـ.
قُلْت وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ لِمُفْتٍ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَسَاهَلَ وَيَتَمَاسَكَ بِالشَّبَهِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضَرَّهُ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. قَالَ أَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي فَاحْتَسَبَ فِي تَلَطُّفِهِ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا تَجُرُّهُ إلَى مَفْسَدَةٍ لِيُخَلِّصَ بِهِ الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ اهـ.
قُلْت وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِثْلُ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا وَخَافَ الْحِنْثَ فِي زَوْجَتِهِ بِالثَّلَاثِ فَلِلْمُفْتِي أَنْ يَقُولَ لَهُ خَالِعْهَا قَبْلُ ثُمَّ لَا يَلْزَمُكَ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَك مُرَاجَعَتُهَا قَبْلَ الْفِعْلِ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ مِنْ التَّرْخِيصِ وَالْحِيَلِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفْ قَانُونَ الشَّرْعِ وَقَاعِدَتَهُ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْبَغِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ فِيهِ تَخْفِيفٌ أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَوَاصَّ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَرُّبِ لِلْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ اهـ.
لَا يُقَالُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَيْته عَنْ ابْنِ حَزْمٍ وَأَبِي عُمَرَ يُنْتَقَضُ وَيُرَدُّ بِقَوْلِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ وَلِلْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِرُخَصِ الْمَذَاهِبِ وَإِنْكَارُ ذَلِكَ جَهْلٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالرُّخَصِ مَحْبُوبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَإِنْ قُلْنَا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَكُلُّ الرُّخَصِ صَوَابٌ وَلَا يَجُوزُ إنْكَارٌ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ فَالصَّوَابُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْعَزِيمَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ تَوَرُّعًا وَاحْتِيَاطًا وَاجْتِنَابًا لِمَظَانِّ الرِّيَبِ اهـ لَا سِيَّمَا وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ هَذَا مِمَّنْ لَا يَتَقَرَّرُ اتِّفَاقٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ بِاعْتِبَارِ
стр. 75
رَأْيِهِ وَرِوَايَتِهِ كَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الثِّقَةُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. لِأَنَّا نَقُولُ ابْنُ حَزْمٍ وَأَبُو عُمَرَ قَدْ حَكَيَا الْإِجْمَاعَ وَمُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ وَعِزُّ الدِّينِ لَمْ يُبَيِّنْ بِفَتْوَاهُ الْمُسْتَنَدَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا رَآهُ فَتَفَرَّدَ بِهِ أَوْ لَازِمَ قَوْلٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِهِ وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ إحْدَاثُ قَوْلٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا لِتَضَمُّنِهِ تَخْطِئَةَ الْأُمَّةِ وَتَخْطِئَتُهَا مُمْتَنِعَةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَسَوَاءٌ قُلْنَا انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ أَمْ لَا. لَا يُقَالُ إجْمَاعَاتُ أَبِي عُمَرَ مَدْخُولَةٌ وَقَدْ حَذَّرَ النَّاصِحُونَ مِنْهَا وَمِنْ اتِّفَاقَاتِ ابْنِ رُشْدٍ وَاحْتِمَالَاتِ الْبَاجِيِّ وَاخْتِلَافِ اللَّخْمِيِّ. لِأَنَّا نَقُولُ غَايَةُ هَذَا نِسْبَةُ الْوَهْمِ إلَى أَبِي عُمَرَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَإِنْ سَلِمَ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَازَلَةِ فَمَا الَّذِي جَرَّحَ إجْمَاعَ ابْنِ حَزْمٍ لَا سِيَّمَا وَالشُّيُوخُ يَقُولُونَ أَصَحُّ الْإِجْمَاعَاتِ إجْمَاعَاتِهِ لَا يُقَالُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَوْعَبِ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ الْحَافِظِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ الْأَفْضَلِيَّةَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا إجْمَاعُ ابْنِ حَزْمٍ هَذَا فَأَيْنَ أَنْتَ مِمَّا نَقَلْت عَنْ الْأَشْيَاخِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أَثْبَتَ ابْنُ عَرَفَةَ لِإِجْمَاعِ ابْنِ الْقَطَّانِ مَزِيَّةَ الْإِيعَابِ وَالِاسْتِقْصَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَزِيَّةِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حُصُولُهَا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى تَنْدَرِجَ الْأُضْحِيَّةُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَيْضًا فَابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا قَالَ مِنْ أَوْعَبِهَا وَلَمْ يَقُلْ أَوْعَبُهَا نَعَمْ لَوْ نَقَلَ عِزُّ الدِّينِ مَا بِهِ أَفْتَى رِوَايَةً عَنْ مُتَقَدِّمٍ لَصَحَّ نَقْضُ الْإِجْمَاعِ وَخَرْقُهُ بِهَا لِأَنَّهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ رَاسِخُ الْقَدَمِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ تَتَبُّعُ رُخَصِ كُلِّ الْمَذَاهِبِ لَا الْوَاحِدِ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَا فَرْقَ إلَّا أَنَّ مَا عَلَّلُوا بِهِ الْمَنْعَ مِنْ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا إنَّمَا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَكُونُ مَمْنُوعَةً فِي مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ بِاتِّفَاقٍ وَجَائِزَةً فِي غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا تَتَبُّعَ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ لَأَفْضَى إلَى لِمَا قَالُوهُ لِأَنَّ مَا تَتَّفِقُ فِيهِ الْمَذَاهِبُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا كَذَلِكَ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُقَلِّدَ إمَّا أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ الْأَشَدِّ وَالْأَخَفِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ يَطَّلِعَ فَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ فَالْحُكْمُ مَا مَرَّ مِنْ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّرْجِيحِ بِالْأَعْلَمِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ أَوْ بِالْأَشَدِّ وَالْأَثْقَلِ وَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَانِبِ الْأَخَفِّ أَوْ فِي جَانِبِ الْأَثْقَلِ فَإِنْ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْأَشَدِّ وَالْأَثْقَلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ إلَّا لِعَارِضٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا خِلَافًا لِعِزِّ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْأَخَفِّ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْأَوْلَى ارْتِكَابُ الْأَشَدِّ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْرَأُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرُّجْحَانُ وَتَفَاضَلَ الْمُرَجَّحُونَ أَوْ تَكَافَئُوا فَعَلَى مَا مَرَّ هُنَالِكَ وَهُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ فَإِنْ
следующие страницы →