Полный текст (808 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اسْتَفَدْنَا مِنْ النُّصُوصِ الْمَجْلُوبَةِ فَوْقَ هَذَا أَنَّ الْفُتْيَا بِغَيْرِ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ لَا تَجُوزُ فَمَا حُكْمُ الْفُتْيَا بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِنْ مُقَلِّدِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ.
قُلْت قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فَتْحُ الْبَابِ بِالْفُتْيَا فِي إقْلِيمِنَا بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يُسَوَّغُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ سَحْنُونٌ وَالْحَارِثُ لَمَّا وَلِيَا الْقَضَاءَ فَرَفَعَا جَمِيعَ خِلَفِ الْمُخَالِفِينَ وَمَنَعَا الْفَتْوَى بِغَيْرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَنْعُ وَتَأْدِيبُ الْمُفْتِي بِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي آخِرِ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَأَوَّلِ مَدَارِكِ الْقَاضِي وَاللَّفْظُ لِلْمَدَارِكِ وَفِي كِتَابِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَنْصِرِ إلَى الْفَقِيهِ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَكَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ طَالَعَ الْكِتَابَ وَنَقَّرَ عَنْ أَخْبَارِ الرِّجَالِ تَنْقِيرًا لَمْ يَبْلُغْ فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ وَكُلُّ مَنْ زَاغَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مِمَّنْ رِينَ عَلَى قَلْبِهِ وَزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وَقَدْ نَظَرْت طَوِيلًا فِي أَخْبَارِ الْفُقَهَاءِ وَقَرَأْت مَا صُنِّفَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَلَمْ أَرَ مَذْهَبًا مِنْ الْمَذَاهِبِ غَيْرَهُ أَسْلَمَ مِنْهُ وَأَنَّ فِيهِمْ الْجَهْمِيَّةَ وَالرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالشِّيعَةَ إلَّا مَذْهَبَ مَالِكٍ مَا سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يَتَقَلَّدُ مَذْهَبَهُ قَالَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ فَالِاسْتِمْسَاكُ بِهِ نَجَاةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
وَلِغَيْرِهِ عَنْ الْخَلِيفَةِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَنْ خَالَفَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِالْفَتْوَى وَبَلَغَنَا خَبَرُهُ أَنْزَلْنَا بِهِ مِنْ النَّكَالِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَجَعَلْنَاهُ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ فَقَدْ اخْتَبَرْت فَوَجَدْت مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَفْضَلَ الْمَذَاهِبِ وَلَمْ أَرَ فِي أَصْحَابِهِ وَلَا فِيمَنْ تَقَلَّدَ بِمَذْهَبِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلْيَسْتَمْسِكْ النَّاسُ بِهَذَا وَلْيُنْهَوْا أَشَدَّ النَّهْيِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِ جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ اهـ. ثُمَّ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِالنَّصِّ لَا بِالنَّظَرِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ جَاءَ مَنْ كَذَبَ عَلَى عَالِمٍ فَكَأَنَّمَا كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ فَكَأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.
وَفِي مَدْخَلِ ابْنِ طَلْحَةَ مَا نَصُّهُ " وَإِذَا رَجَعَ إلَى مُقَلِّدٍ رُجُوعَ اضْطِرَارٍ كَرَجُلٍ يَذْكُرُ الْمَسَائِلَ كَمَنْ يَحْفَظُ الْمُدَوَّنَةَ وَالْعُتْبِيَّةَ وَالْوَاضِحَةَ وَالْمَوَّازِيَّةَ وَمَا جَمَعَ مِنْهَا كَالنَّوَادِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ اسْتَفْتَى مِثْلَ هَذَا فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى تَنْزِلَ حَسْبَمَا هِيَ فِي دِيوَانٍ مِنْهَا فَيَكْتُبُ الْجَوَابَ عَنْهَا حَاكِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَلَا نُقْصَانِ حَرْفٍ لَا فِي بِسَاطٍ وَلَا عُرْفٍ فَيَكُونُ كَمَنْ يُخْرِجُ الْوَصِيَّةَ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ إلَى رَجُلٍ عِنْدَ الْبَابِ فَإِذَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فَاتَهُ وَالِاجْتِهَادَ فَاتَهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْأَلَةً بِعَيْنِهَا وَنَصِّهَا مَسْطُورَةً فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْعَقْلِ فِيهَا قِيَاسًا إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ السُّطُورِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِأَنَّ الْقَاصِرَ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ مَوَارِدَ الشَّرْعِ، وَمَصَادِرَهُ اهـ.
وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَرْقِ
стр. 72
الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ قَوَاعِدِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَكْشِفُ الْغُمَّةَ وَيَشْفِي الْغَلِيلَ وَمِنْهَا وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمِ جَرَاءَةِ أَهْلِ هَذَا الْوَقْتِ عَلَى الْفَتْوَى وَتَحَامُلِهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ بِمَا تَأْبَاهُ الدِّيَانَةُ وَالتَّقْوَى عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ مِنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَمَنَّ عَلَيْنَا وَإِيَّاكُمْ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى. وَلْنَرْجِعْ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ الشَّافِيَةِ الْجَامِعَةِ الْكَافِيَةِ إلَى تَتَبُّعِ أَلْفَاظِ السُّؤَالِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ وَالْأَقْوَالِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ نَعْتَصِمُ مِنْ كُلِّ مَا يَصِمُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ فَهَلْ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ يُفْتِيَ بِهِ بِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» وَلَفْظُهُ ﵊ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْمُودٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الرَّاجِحِ أَوْ الْأَرْجَحِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْقَاضِي الْمُحَقِّقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التُّونُسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّاذَّ وَيَعْمَلَ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ الْقَوْلُ الشَّاذُّ قَدْ يَنْصُرُهُ الْفَقِيهُ وَيَخْتَارُهُ وَيُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ انْتَهَى.
وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنْ قَالَ قُصُورِي وَقِلَّةُ عِلْمِي تَحْمِلُنِي عَلَى التَّقْلِيدِ قِيلَ لَهُ أَمَّا مَنْ قَلَّدَ فِيمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ عَالِمًا يُتَّفَقُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِ فَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ عَمَّا يُخْبِرُهُ بِهِ فَمَعْذُورٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَأَدَّى مَا لَزِمَهُ فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِجَهْلِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ عَالِمٍ فِيمَا جَهِلَهُ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْمَكْفُوفَ يُقَلِّدُ مَنْ يَثِقُ بِخَبَرِهِ فِي الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتَهُ هَلْ تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي شَرَائِعِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلَى إبَاحَةِ الْفُرُوجِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِرْقَاقِ الرِّقَابِ وَإِزَالَةِ الْأَمْلَاكِ وَتَصْيِيرِهَا إلَى غَيْرِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ صِحَّتَهُ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّ قَائِلَهُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ الْمُصِيبَ بِمَا خَالَفَهُ فِيهِ
فَإِنْ أَجَازَ الْفَتْوَى لِمَنْ جَهِلَ الْأَصْلَ وَالْمَعْنَى بِحِفْظِهِ لِلْفُرُوعِ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ لِلْعَامَّةِ وَكَفَى بِهَذَا جَهْلًا وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَا لَمْ يُتَبَيَّنْ وَلَا يُسْتَيْقَنُ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا انْتَهَى فَتَأَمَّلْ قَوْلَ أَبِي عُمَرَ وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا وَاضِحًا أَنَّ مَنْ ذَكَرْت
стр. 73
لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ أَحَدًا مِنْ الْأَنَامِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَفْتَى بِالْمَشْهُورِ فَكَيْفَ بِالشَّاذِّ الَّذِي سَأَلْت عَنْهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا مِنْ الْمَشَايِخِ عُقُوبَةَ الْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ إنْ خَالَفَ الْمَشْهُورَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْعَوْدِ وَعَلَّلَهُ فِي تَعَلُّقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فِي الْعَمَلِ بِالْمَشْهُورِ
وَقَالَ وَإِنْ ارْتَكَبْتَ الشَّاذَّ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَجْنَبِيٍّ فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ وَظِيفَتُك سَرْدَ الرِّوَايَاتِ وَتَعْيِينَ الْمَشْهُورِ فَحَمْلُك السَّائِلَ عَلَى الشَّاذِّ غِشٌّ لَهُ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ فَعُقُوبَتُهُ أَكْثَرُ وَأَوْجَبُ مِنْ عُقُوبَةِ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ، وَقَدْ اقْشَعَرَّتْ الْبِلَادُ مِنْهُ انْتَهَى، وَهَذَا كُلُّهُ لَا مَزِيدَ فِيهِ عَلَى مَا اُسْتُفِيدَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ النُّقُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَالْأَدَبِ الْوَجِيعِ وَلِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَسْأَلَةِ إمْلَاءٌ عَرِيضٌ لَوْلَا الْإِطَالَةُ وَالْخُرُوجُ عَنْ غَرَضِ الِاخْتِصَارِ لَجَلَبْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْبُوبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الرُّخَصِ الْمَعْهُودَةِ الْعَامَّةِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْفِطْرِ فِيهِ وَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ وَلَيْلَةِ الْمَطَرِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَتَبُّعُ أَخَفِّ الْمَذَاهِبِ وَأَوْفَقِهَا لِطَبْعِ الصَّائِرِ إلَيْهَا وَالذَّاهِبِ فَمِمَّا لَا يَجُوزُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا مَطْلُوبًا قَالَهُ الرِّيَاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ بَيَانُ الْعِلْمِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ إنْ أَخَذْت بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا إجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَتَبُّعَ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِسْقٌ لَا يَحِلُّ.
وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْأَمْصَارِ لَمْ أَجْرَحْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَاذًّا مَا لَمْ يَأْخُذْ بِكُلِّ مَا وَافَقَهُ مِنْ كُلِّ قَائِلٍ وَعَلَّلَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَأَبُو عُمَرَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّهُ مُؤَدٍّ إلَى إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا صَارَ الْمُكَلَّفُ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ عَنَّتْ لَهُ يَتَتَبَّعُ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ وَكُلَّ قَوْلٍ وَافَقَ فِيهَا هَوَاهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّقْوَى وَتَمَادَى فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَنَقَضَ مَا أَبْرَمَهُ الشَّرْعُ وَأَخَّرَ مَا قَدَّمَهُ قَالَ وَقَدْ أَدَّى إغْفَالُ هَذَا الْأَصْلِ إلَى أَنْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ مُقَلِّدَةِ الْفُقَهَاءِ لَا يُفْتِي قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقَهُ بِمَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ اتِّبَاعًا لِغَرَضِهِ وَشَهْوَتِهِ أَوْ لِغَرَضِ ذَلِكَ الْقَرِيبِ وَذَلِكَ الصَّدِيقِ، وَلَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا، وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ إنْ أَخَذْت بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ قَالَ فَمِنْ هُنَا قَالُوا زَلَّةُ الْعَالِمِ مَضْرُوبٌ بِهَا الطَّبْلُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو عُمَرَ شَبَّهَ الْعُلَمَاءُ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ لِأَنَّهَا إذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيْلٌ
стр. 74
لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ قِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ يَقُولُ الْعَالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ ثُمَّ لَمْ يَجِئْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ذَلِكَ ثُمَّ يَمْضِي فِي الِاتِّبَاعِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَيْضًا تُسْتَعْظَمُ شَرْعًا زَلَّةُ الْعَالِمِ وَتَصِيرُ صَغِيرَتُهُ كَبِيرَةً مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ جَارِيَةً فِي الْعَادَةِ عَلَى مَجْرَى الِاقْتِدَاءِ فَإِذَا حُمِلَتْ زَلَّتُهُ عَنْهُ قَوْلًا كَانَتْ أَوْ فِعْلًا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مَنَارٍ يُهْتَدَى بِهِ فَإِنْ عُلِمَ كَوْنُ زَلَّتِهِ صَغِيرَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَجَسَرَ عَلَيْهَا النَّاسُ تَأَسِّيًا بِهِ وَتَوَهَّمُوا فِيهِ رُخْصَةً عَلِمَ هُوَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمُوهَا هُمْ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ وَإِنْ جُهِلَ كَوْنُهُ زَلَّةً فَأَحْرَى أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ مَحْمَلُ الْمَشْرُوعِ وَذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ عَالِمٍ وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ وَهَوًى مُتَّبَعٍ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ اهـ.
قُلْت وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ لِمُفْتٍ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَسَاهَلَ وَيَتَمَاسَكَ بِالشَّبَهِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضَرَّهُ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. قَالَ أَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي فَاحْتَسَبَ فِي تَلَطُّفِهِ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا تَجُرُّهُ إلَى مَفْسَدَةٍ لِيُخَلِّصَ بِهِ الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ اهـ.
قُلْت وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِثْلُ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا وَخَافَ الْحِنْثَ فِي زَوْجَتِهِ بِالثَّلَاثِ فَلِلْمُفْتِي أَنْ يَقُولَ لَهُ خَالِعْهَا قَبْلُ ثُمَّ لَا يَلْزَمُكَ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَك مُرَاجَعَتُهَا قَبْلَ الْفِعْلِ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ مِنْ التَّرْخِيصِ وَالْحِيَلِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفْ قَانُونَ الشَّرْعِ وَقَاعِدَتَهُ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْبَغِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ فِيهِ تَخْفِيفٌ أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَوَاصَّ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَرُّبِ لِلْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ اهـ.
لَا يُقَالُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَيْته عَنْ ابْنِ حَزْمٍ وَأَبِي عُمَرَ يُنْتَقَضُ وَيُرَدُّ بِقَوْلِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ وَلِلْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِرُخَصِ الْمَذَاهِبِ وَإِنْكَارُ ذَلِكَ جَهْلٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالرُّخَصِ مَحْبُوبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَإِنْ قُلْنَا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَكُلُّ الرُّخَصِ صَوَابٌ وَلَا يَجُوزُ إنْكَارٌ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ فَالصَّوَابُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْعَزِيمَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ تَوَرُّعًا وَاحْتِيَاطًا وَاجْتِنَابًا لِمَظَانِّ الرِّيَبِ اهـ لَا سِيَّمَا وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ هَذَا مِمَّنْ لَا يَتَقَرَّرُ اتِّفَاقٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ بِاعْتِبَارِ
стр. 75
رَأْيِهِ وَرِوَايَتِهِ كَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الثِّقَةُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. لِأَنَّا نَقُولُ ابْنُ حَزْمٍ وَأَبُو عُمَرَ قَدْ حَكَيَا الْإِجْمَاعَ وَمُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ وَعِزُّ الدِّينِ لَمْ يُبَيِّنْ بِفَتْوَاهُ الْمُسْتَنَدَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا رَآهُ فَتَفَرَّدَ بِهِ أَوْ لَازِمَ قَوْلٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِهِ وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ إحْدَاثُ قَوْلٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا لِتَضَمُّنِهِ تَخْطِئَةَ الْأُمَّةِ وَتَخْطِئَتُهَا مُمْتَنِعَةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَسَوَاءٌ قُلْنَا انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ أَمْ لَا. لَا يُقَالُ إجْمَاعَاتُ أَبِي عُمَرَ مَدْخُولَةٌ وَقَدْ حَذَّرَ النَّاصِحُونَ مِنْهَا وَمِنْ اتِّفَاقَاتِ ابْنِ رُشْدٍ وَاحْتِمَالَاتِ الْبَاجِيِّ وَاخْتِلَافِ اللَّخْمِيِّ. لِأَنَّا نَقُولُ غَايَةُ هَذَا نِسْبَةُ الْوَهْمِ إلَى أَبِي عُمَرَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَإِنْ سَلِمَ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَازَلَةِ فَمَا الَّذِي جَرَّحَ إجْمَاعَ ابْنِ حَزْمٍ لَا سِيَّمَا وَالشُّيُوخُ يَقُولُونَ أَصَحُّ الْإِجْمَاعَاتِ إجْمَاعَاتِهِ لَا يُقَالُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَوْعَبِ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ الْحَافِظِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ الْأَفْضَلِيَّةَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا إجْمَاعُ ابْنِ حَزْمٍ هَذَا فَأَيْنَ أَنْتَ مِمَّا نَقَلْت عَنْ الْأَشْيَاخِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أَثْبَتَ ابْنُ عَرَفَةَ لِإِجْمَاعِ ابْنِ الْقَطَّانِ مَزِيَّةَ الْإِيعَابِ وَالِاسْتِقْصَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَزِيَّةِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْإِجْمَاعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حُصُولُهَا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى تَنْدَرِجَ الْأُضْحِيَّةُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَيْضًا فَابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا قَالَ مِنْ أَوْعَبِهَا وَلَمْ يَقُلْ أَوْعَبُهَا نَعَمْ لَوْ نَقَلَ عِزُّ الدِّينِ مَا بِهِ أَفْتَى رِوَايَةً عَنْ مُتَقَدِّمٍ لَصَحَّ نَقْضُ الْإِجْمَاعِ وَخَرْقُهُ بِهَا لِأَنَّهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ رَاسِخُ الْقَدَمِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ تَتَبُّعُ رُخَصِ كُلِّ الْمَذَاهِبِ لَا الْوَاحِدِ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَا فَرْقَ إلَّا أَنَّ مَا عَلَّلُوا بِهِ الْمَنْعَ مِنْ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا إنَّمَا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَكُونُ مَمْنُوعَةً فِي مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ بِاتِّفَاقٍ وَجَائِزَةً فِي غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا تَتَبُّعَ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ لَأَفْضَى إلَى لِمَا قَالُوهُ لِأَنَّ مَا تَتَّفِقُ فِيهِ الْمَذَاهِبُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا كَذَلِكَ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُقَلِّدَ إمَّا أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ الْأَشَدِّ وَالْأَخَفِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ يَطَّلِعَ فَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ فَالْحُكْمُ مَا مَرَّ مِنْ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّرْجِيحِ بِالْأَعْلَمِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ أَوْ بِالْأَشَدِّ وَالْأَثْقَلِ وَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَانِبِ الْأَخَفِّ أَوْ فِي جَانِبِ الْأَثْقَلِ فَإِنْ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْأَشَدِّ وَالْأَثْقَلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ إلَّا لِعَارِضٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا خِلَافًا لِعِزِّ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْأَخَفِّ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْأَوْلَى ارْتِكَابُ الْأَشَدِّ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْرَأُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرُّجْحَانُ وَتَفَاضَلَ الْمُرَجَّحُونَ أَوْ تَكَافَئُوا فَعَلَى مَا مَرَّ هُنَالِكَ وَهُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ فَإِنْ
стр. 76
قُلْتُمْ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَبَيِّنُوا لَنَا كَيْفِيَّةَ التَّقْلِيدِ هَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ وَالتَّشَهِّي بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى الْمُكَلَّفِ إذَا وَافَقَ غَرَضُهُ الْعِلْمَ. فَجَوَابُهُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ وَسَعَةٌ وَجَائِزٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ النَّاظِرُ فِي أَقَاوِيلِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خَطَأٌ فَإِذَا بَانَ لَهُ أَنَّهُ خَطَأٌ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَوَابَهُ مِنْ خَطَئِهِ وَصَارَ فِي حَيِّزِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُقَلِّدَ الْعَالِمَ إذَا سَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ وَجْهَهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ سَأَلْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ فَقَالَ إنْ قَرَأْت فَلَكَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ لَمْ تَقْرَأْ فَلَكَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَا بَرِحَ الْمُفْتُونَ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحَلِّلَ هَلَكَ بِتَحْلِيلِهِ وَلَا يَرَى الْمُحَلِّلُ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ بِتَحْرِيمِهِ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ اجْتَمَعْنَا عِنْدَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فِي جُمْلَةٍ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَجَعَلَ يَسْأَلُهُمْ حَتَّى انْتَهَى إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ فَيَقُولُ لَهُ قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ الشَّيْخُ عِلْمَ الْوَاعِينَ بِرَأْيٍ وَالْحُجَّةُ لِهَؤُلَاءِ قَوْلُهُ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ قَدْ رَفَضَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلُ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَقَدِّمِينَ وَمُتَأَخِّرِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْبَابِ فَمَرَّةً قَالَ أَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ وَلَا أَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُنِي النَّظَرُ فِي أَقَاوِيلِ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ دُونَهُمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ جَعَلَ لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِمْ وَأَظُنُّهُ مَالَ إلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الصَّيْرَفِيُّ: قُلْت لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْأَلَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي أَقْوَالِهِمْ لِنَعْلَمَ مَعَ مَنْ الصَّوَابُ مِنْهُمْ فَتَتَبَّعْهُ فَقَالَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت كَيْفَ الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ تُقَلِّدُ أَيَّهُمْ أَحْبَبْت قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَرَ النَّظَرَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ خَوْفًا مِنْ التَّطَرُّقِ إلَى النَّظَرِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَصْحَابِي
стр. 77
كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» فَجَوَابُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَحْسُنُ اسْتِدْلَالُكُمْ بِهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْبَزَّارِ فَلَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ ضَعِيفٌ قَالَ لِأَنَّهُ رُوِيَ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَأَهْلُ الْعِلْمِ قَدْ سَكَتُوا عَنْ رِوَايَةِ حَدِيثِهِ وَعَلَى صِحَّتِهِ فَقَدْ قَالَ الْمُزَنِيّ مَعْنَاهُ عِنْدِي فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ ﷺ وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ فَكُلُّهُمْ ثِقَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا وَأَمَّا مَا قَالُوا فِيهِ بِرَأْيِهِمْ فَلَوْ كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ كَذَلِكَ مَا خَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ وَلَيْسَ هَذَا الصَّحِيحَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْفَرِدِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ جَهِلَ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ فَالتَّقْلِيدُ لَازِمٌ لَهُ بِأَمْرِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إذَا تَأَوَّلُوا تَأْوِيلًا سَائِغًا جَائِزًا مُمْكِنًا فِي أُصُولٍ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَجْمٌ جَائِزٌ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ بِمَعْنًى يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ دِينِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَامَّةِ اهـ.
فَعَلَى قَوْلِ الْبَزَّازِ وَتَفْسِيرُ الْمُزَنِيِّ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا فِي اسْتِدْلَالِكُمْ بِالْحَدِيثِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عُمَرَ تَفْسِيرُهُ فَالِاسْتِدْلَالُ نَاهِضٌ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا مَيْزَ مَعَهُ وَلَا بَصَرَ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ ظَوَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ فِي تَعَارِيفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فَقَدْ بَرِئَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ فَجَوَابُهُ أَنَّ أَبَا عُمَرَ قَالَ الِاخْتِلَافُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمْته مِنْ فُقَهَاءِ الْأَعْصَارِ إلَّا مَنْ لَا بَصَرَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ صَدْرَ هَذَا الْجَوَابِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ فَرَاجِعْهُ ثَمَّةَ وَطَالِعْهُ تَطَّلِعْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فَقَدْ بَرِئَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْنُونَ بِشُرُوطِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي التَّنْقِيحَاتِ نَقْلًا عَنْ الرِّيَاشِيِّ فَانْظُرْهَا. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: وَكَقَوْلِهِمْ أَيْضًا فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا رَضِيَا بِتَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ فَإِنَّ رِضَاهُمَا بِهِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَرْفَعُ الْخِلَافَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهِمَا إجْمَاعِيَّةً فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّاذَّ حُجَّةٌ لِمَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ الْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ وَرَعِ الْعُدُولِ الْأَقْوِيَاءِ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ تَعْزِيرٌ وَلَا حَدٌّ وَإِنَّ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى حَدَّهُ وَتَعْزِيرَهُ إذَا أَقَرَّ بِالتَّعَمُّدِ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُدْرَأُ كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّ رِضَا الْخَصْمَيْنِ بِالشَّاذِّ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ إلَخْ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ، وَالْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَنْزِعَ أَحَدُهُمَا.
وَأَمَّا إنْ نَزَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ رِضَاهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَتَرَاضِيهِمَا أَوَّلًا بِتَقْلِيدِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُصَيِّرُهُ كَقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَخَالَفَ
стр. 78
ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ فِي النَّازِلَةِ قَوْلَانِ هَلْ يُجَوِّزُ الْفَتْوَى مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَمْ لَا يُجَوِّزُهَا أَحَدٌ عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُكْمٍ يَرْضَيَانِ بِهِ أَوْ السُّلْطَانِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ فِيمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءٌ كَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقَوَاعِدِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالنَّصِّ الصَّرِيحِ فَلَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّقْلِيدِ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا أَعْنِي لِلْقَوَاعِدِ، وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الصَّرِيحِ فَإِنَّهُ يَتِمُّ التَّقْلِيدُ وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذَا كَانَ عَلَى وَفْقِ مُعَارِضِهَا الرَّاجِحِ إجْمَاعًا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالسَّلَمِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ لَكِنْ لَهَا أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِ إمَامِ هَذَا الْمُقَلِّدِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ قَدْ عَابَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَشْيَاخِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ أَبُو عِمْرَانَ وَأَبُو عُمَرَ وَعِيَاضٌ قَالَ عِيَاضٌ الْقَوْلُ بِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ لَا يُعَضِّدُهُ الْقِيَاسُ وَكَيْفَ يَتْرُكُ الْعَالِمُ مَذْهَبَهُ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ وَيُفْتِي بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِهِ هَذَا لَا يَسُوغُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّرْجِيحِ وَخَوْفِ فَوَاتِ النَّازِلَةِ فَيَسُوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ انْتَهَى.
وَاخْتَارَ هَذَا أَيْضًا بَعْضُ الشُّيُوخِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ دَلِيلَيْ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ يَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ، وَهُوَ مَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ وَبِمُرَاعَاتِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَضَاءُ بِالرَّاجِحِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَرْجُوحِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» قَالَ وَهَذَا مُسْتَنَدُ مَالِكٍ فِيمَا كَرِهَ أَكْلَهُ فَإِنْ حَكَمَ بِالتَّحْلِيلِ لِظُهُورِ الدَّلِيلِ وَأَعْطَى الْمُعَارِضَ أَثَرَهُ فَتَبَيَّنْ مَسَائِلَهُ تَجِدْهَا عَلَى مَا رَسَمْت لَك وَمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَعْمَالِ الصَّالِحِينَ وَصِفَاتِ الْأَبْرَارِ مِنْ تَوَقِّي الشُّبُهَاتِ رَاعَى قَوْلَ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ وَتَبَرَّأَ مِنْ الشُّبُهَاتِ، وَقِيلَ إنَّمَا يُرَاعَى الْخِلَافُ إذَا كَانَ قَوِيًّا وَلَا يُرَاعَى إذَا كَانَ شَاذًّا ضَعِيفًا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِمَامَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يُرَاعِي مِنْ الْخِلَافِ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَإِذَا حَقَّقَ فَلَيْسَ بِمُرَاعَاةٍ لِلْخِلَافِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ إعْطَاءُ كُلٍّ مِنْ دَلِيلَيْ الْقَوْلَيْنِ حُكْمَهُ مَعَ وُجُودِ التَّعَارُضِ انْتَهَى.
وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ فَمَرَّةً لَمْ يُرَاعِهِ جُمْلَةً، وَمَرَّةً رَاعَى الْقَوِيَّ، وَلَمْ يُرَاعِ الشَّاذَّ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَحْمَلَةُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَآخِذَ وَأُصُولًا ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِمُرَاعَاةِ الْمَشْهُورِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَمَا الْمَشْهُورُ اخْتَلَفُوا
стр. 79
فِيهِ فَقِيلَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَشْهُورِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الصَّلَاةَ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ وَأَبَاحَ مَا فِيهِ حَقٌّ تُوفِيهِ مِنْ غَيْرِ طَعَامٍ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَجَازَ أَكْلَ الصَّيْدِ وَإِنْ أَكَلَتْ الْكِلَابُ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى عِنْدَهُ الدَّلِيلُ لَا كَثْرَةُ الْقَائِلِ انْتَهَى. وَقِيلَ الْمَشْهُورُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَعَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ تَزِيدَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَقُولُ إنَّهُ يُرَاعَى الْمَشْهُورَ وَالصَّحِيحَ قَبْلَ الْوُقُوعِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ تَوَقِّيًا وَاحْتِرَازًا كَمَا فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَفِي قَلِيلِ النَّجَاسَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَبَعْدَهُ تَبَرِّيًا وَإِنْفَاذًا كَأَنَّهُ وَقَعَ أَوْ فُتْيَا لَا فِيمَا يُفْسَخُ مِنْ الْأَقْضِيَةِ وَلَا يُقَلَّدُ مِنْ الْخِلَافِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُرَاعَى الْخِلَافُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ الْحُكْمُ لَا يُرَاعَى فِيهِ إلَّا الْمَشْهُورُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يُرَاعَى مِنْ الْخِلَافِ إلَّا الْمَشْهُورُ وَفِي الْإِمْضَاءِ بَعْدَ الْوُقُوعِ يُرَاعَى فِيهِ مَا دُونَهُ فِي الشُّهْرَةِ وَأَحْرَى الْمَشْهُورُ وَفِي دَرْءِ الْحَدِّ يُرَاعَى فِيهِ كُلُّ خِلَافٍ لِغَرَضِ الشَّارِعِ فِي الشَّبَهِ وَكَوْنِ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَقْوَى مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ مُطْلَقًا أَوْ الْمَشْهُورِ فَهَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ أَوْ خَاصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ فِيهِ قَوْلَانِ وَهَلْ مُرَاعَاتُهُ أَيْضًا مُطْلَقَةٌ سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ أَوْ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا قُلْنَا بِتَصْوِيبِ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ فَلَا يُرَاعَى أَصْلًا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَلِلثَّانِي مَيْلُ الْأَكْثَرِ ثُمَّ شَرْطُ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ أَيْضًا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمَذْهَبَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ زَوَاجًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَمَذْهَبُهُ فِيهِ وَمَذْهَبُ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ أَنَّهُ فَاسِدٌ ثُمَّ يُطَلِّقُ فِيهِ ثَلَاثًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَلَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِ فَسَادِ نِكَاحِهِمَا، وَنِكَاحُهُمَا عِنْدَهُ صَحِيحٌ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ فَاسِدٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ مَذْهَبَهُ مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ تَزْوِيجِهَا أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ مُرَاعَاةٌ لِلْخِلَافِ وَفَسْخِهِ ثَانِيًا لَوْ قِيلَ بِهِ كَانَ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
أَيْضًا فَلَوْ رُوعِيَ الْخِلَافُ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا لَكَانَ تَرْكًا لِلْمَذْهَبِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ بَشِيرٍ قَوْلَ الْقَرَوِيِّ بِوُضُوحِ مُخَالَفَتِهِ وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ فِرْقَةِ الْفَسْخِ، وَفِرْقَةِ الطَّلَاقِ وَالْحُكْمِ لِفِرْقَةِ الْفَسْخِ بِاللَّغْوِ فِي إيجَابِ بَعْضِ مَا يُوجِبُ وَقْتَ تَجْدِيدِ عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمَفْسُوخِ نِكَاحُهُمَا عَلَى نِكَاحِ الزَّوْجَةِ زَوْجًا آخَرَ فَضْلًا عَنْ كُلِّهِ وَالْحُكْمِ لِفِرْقَةِ الطَّلَاقِ بِنَقِيضِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنَّ كُلَّ
стр. 80
مَنْ طَلَّقَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ طَلَاقِهِ أَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا تَمَامُ الثَّلَاثِ عَلَى الطَّلَاقِ الَّذِي أَوْقَعَهُ، وَإِذَا كَمُلَ الْوَاقِعُ مِنْهُ الثَّلَاثَ لَزِمَ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ سَوَاءٌ اجْتَرَأَ وَتَزَوَّجَهَا أَوْ لَا وَلَوْ كَانَتْ جَرَاءَتُهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا بِلَا زَوْجٍ فِي طَلَاقِهِ إيَّاهَا ثَلَاثًا فِي نِكَاحِهِ الْفَاسِدِ تُوجِبُ لَغْوَ طَلَاقِهِ الثَّلَاثَ لَزِمَ ذَلِكَ فِي طَلَاقِهِ إيَّاهَا فِيهِ طَلْقَةً إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ أَنْ لَا يُفْسَخَ نِكَاحُهُ إيَّاهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ ضَرُورَةً عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ طَلَاقِهِ فِيهِ وَإِلَّا صَارَ طَلَاقُهُ غَيْرَ لَازِمٍ وَالْفَرْضُ لُزُومُهُ هَذَا خَلَفٌ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَلَمْ يَزَلْ أَعْلَامُ الْعُلَمَاءِ ﵃ يَتَسَاهَلُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا سِيَّمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ إلَى آخِرِ مَا نَقَلْتُمْ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. فَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَفِي الْكَلَامِ عَلَى فُصُولِ السُّؤَالِ وَفِي مُرَاجَعَتِهِ غُنْيَةٌ عَنْ التَّكْرَارِ وَالْإِعَادَةِ جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَفِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ نَحْوُ مَا ذَكَرْتُمْ. وَنَصُّهُ " تَصَفَّحْت السُّؤَالَ وَوَقَفْت عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ دُونَ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ خَرَجَ أَوْ وَكَّلَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ وَنَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ لَمْ يُخْطِئْ فَقَدْ تَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ الْحُكَّامُ لِلِاخْتِلَافِ الْحَاصِلِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ تَقْلِيدِ الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحِ أَلْبَتَّةَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ. وَأَمَّا مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ لِتَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ عَلَى مَا حَكَاهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ فَلَا يَنْهَضُ كُلَّ النُّهُوضِ إذْ الْقَائِلُ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْأَوَّلِ مَظِنَّةُ الرُّجْحَانِ وَفِي الثَّانِي تَحْقِيقُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ الْأَضْعَفِ إلْغَاءُ الْأَقْوَى لِأَنَّا نُجَوِّزُ مَعَ كَوْنِهِ أَعْلَمَ وَأَدْرَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَرْجُوحًا وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّجْوِيزُ مَرْجُوحًا لَكِنَّهُ كَافٍ فِي تَصَوُّرِ الْفَارِقِ وَلِأَنَّ أَدْنَى تَجْوِيزٍ يَمْنَعُ مِنْ الْجَزْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَيْكُمْ فِي جَعْلِ الرَّاجِحِ قَسِيمَ الْمَشْهُورِ مُنَاقَشَةً لَا تَخْفَاكُمْ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَمَعَ الْقَوْلِ أَيْضًا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ. فَجَوَابُهُ إنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَكِنَّ الْخَطَأَ يُمْكِنُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ وَبِالْحُكْمِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ وَبَذْلِ الْجَهْدِ وَالْأَعْلَمُ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ وَبِهَذَا احْتَجَّ أَبُو حَامِدٍ لِمَذْهَبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِ الْأُصُولِيِّينَ وَفِي مَنْعِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ وَلِأَجْلِ هَذَا التَّجْوِيزِ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ عَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَجَاسَرْ الشَّيْخُ
стр. 81
أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ يُسْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ لِلُمَعِ الشِّيرَازِيَّةِ عَلَى الْجَزْمِ وَالْقَطْعِ بِبِنَاءِ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَوْ وَاحِدٍ كَمَا تَجَاسَرَ عَلَيْهِ عِزُّ الدِّينِ وَإِنَّمَا عُبِّرَ بِلَفْظِ هَلْ الْمُقْتَضِي عَدَمُ الْجَزْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ أَنَّ الْأَئِمَّةَ إنْ اخْتَلَفُوا هَلْ عِنْدَ اللَّهِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ تَرْجِعُ إلَيْهِ الظُّنُونُ فَيُصِيبُهُ بَعْضُهُمْ وَيُخْطِئُهُ آخَرُونَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ أَوْ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ حُكْمٌ ظَاهِرٌ وَلَا مَغِيبٌ سِوَى مَا يَظُنُّهُ كُلُّ فَقِيهٍ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ فَيُخَاطِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَئِذٍ بِأَنَّ هَذَا حُكْمِي عَلَيْكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ الثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَسَالِكِ وَالْمَحْصُولِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّوَوِيِّ وَعِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ وَأَبِي حَامِدٍ فِي الْمُسْتَصْفَى قَالَ أَبُو حَامِدٍ لَا يَتَنَاظَرُ فِي الْفُرُوعِ إلَّا الضَّعِيفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَظُنُّ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا وَحِكَايَةُ الْمَازِرِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْفُرُوعِ الظَّنِّيَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ الْأَحْكَامَ تَابِعَةً لِلظُّنُونِ وَالظُّنُونُ هِيَ الْمُثْمِرَةُ لَهَا وَالْأَحْكَامُ هِيَ الثَّمَرَةُ كَالْمَعْلُومِ فِي كَوْنِهَا تَابِعَةً لِلْمَعْلُومِ عَلَى أَيِّ حَالٍ صَادَفَتْهُ تَعَلَّقَتْ بِهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ لِابْنِ فُورَكٍ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَاخْتِيَارُ سَيْفِ الدِّينِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا.
وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ وَرَأَيْت لِبَعْضِ شُيُوخِ الْأُصُولِيِّينَ مَا نَصُّهُ " لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْحُذَّاقِ مِنْ شُيُوخِ الْمَالِكِيِّينَ وَنُظَّارِهِمْ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ مِثْلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ وَأَبِي بَكْرٍ الطَّيَالِسِيِّ وَمَنْ دُونَهُمْ كَأَبِي الْفَرَجِ الْمَالِكِيِّ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْمِصْرِيِّينَ الْمَالِكِيِّينَ كُلٌّ يَحْكِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ إذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْوِيلُ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا حَكَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَفِيمَا حَكَاهُ الْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِهِمْ مِثْلُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِثْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرَاذِعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْجُرْجَانِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ رَأَيْنَا وَشَاهَدْنَا وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَخْطِئَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَنَظَرُ بَعْضِهِمْ فِي أَقْوَالِ بَعْضٍ وَتَعَقُّبُهَا فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ عِنْدَهُمْ صَوَابًا مَا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَا الْحَقُّ إلَّا وَاحِدٌ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا يَكُونَانِ صَوَابًا مَعًا مَا الْحَقُّ وَالصَّوَابُ إلَّا وَاحِدٌ
стр. 82
وَبِهِ يَقُولُ اللَّيْثُ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
إثْبَاتُ ضِدَّيْنِ مَعًا فِي حَالٍ ... أَقْبَحُ مَا يَأْتِي مِنْ الْمُحَالِ
وَلَوْ كَانَ الصَّوَابُ فِي وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفِينَ مَا خَطَّأَ السَّلَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي اجْتِهَادِهِمْ وَقَضَايَاهُمْ أَوْ فَتْوَاهُمْ وَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّوَابَ تَصْوِيبُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٌ الْإِمَامُ وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْلَانِ فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ وَاحِدٍ صَحِيحَانِ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَرُبَّمَا حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ حَزْمٍ. فَجَوَابُهُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا حَكَى الْإِجْمَاعَ الَّذِي أَشَرْتُمْ إلَيْهِ عَلَى مَنْعِ التَّرْجِيحِ بِغَيْرِ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا كَتَرْجِيحِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِالصُّحْبَةِ وَالْإِمَارَةِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَاَلَّذِي حَكَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِفَتْوَى عِزِّ الدِّينِ إنَّمَا هُوَ فِي تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْبَوْنِ مَا لَا يَخْفَاكُمْ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَ مَا ظَهَرَ تَقْيِيدُهُ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَلَهُ الْمِنَّةُ بِكُلِّ حَالٍ انْتَهَى، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي شَافِعِيٍّ حَضَرَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَحَصَلَ لَهُ انْقِطَاعٌ فِي الرِّيفِ فَدَرَسَ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّهُ عَنْ شَيْخٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّدْرِيسُ وَلَا الْفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ إذْ فِيهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُحْتَاجَةٌ لِقُيُودٍ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ وَفِيهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُقَيَّدَةٌ لَا مَفْهُومَ لِقُيُودِهَا وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُمْ وَفِيهَا عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَفِيهَا مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ غَامِضَةٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِالتَّلَقِّي وَفِيهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَفِيهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ جَرَى الْعَمَلُ بِخِلَافِهَا وَفِيهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَفِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ فَالْمُعْتَمِدُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَلَقٍّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ إبَاحَةِ فَرْجٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِرَاقَةِ دَمٍ عَصَمَهُ اللَّهُ وَإِزَالَةِ مِلْكٍ أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَضِدِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا تُحْصَى قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يُعْنَ بِالْعِلْمِ وَلَا سَمِعَهُ وَلَا رَوَاهُ الْجُلُوسُ لِتَعْلِيمِهِ الْمُوَطَّأَ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ كَانَتْ مَشْهُورَةً وَلَوْ قَرَأَهَا وَتَفَقَّهَ عَلَى الشُّيُوخِ فِيهَا وَحَمَلَهَا إجَازَةً فَقَطْ جَازَ أَنْ يُعَلِّمَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الشُّيُوخِ مِنْ مَعَانِيهَا وَأَنْ يُقْرِئَهَا إذَا صَحَّحَ كِتَابَهُ عَلَى رِوَايَةِ شَيْخِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا وَالْعَمَلُ بِمَا فِي الْكُتُبِ لِمَنْ لَا يَدْرِي لَا يُنَجِّي مِنْ الْخَطَأِ فِيهِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ النَّازِلَةَ لَا يَجِيءُ بِهَا نَصُّ الْكِتَابِ إلَّا نَادِرًا وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ شَبِيهٌ بِهَا وَبِتِلْكَ الْمُشَابَهَةِ يَغْلَطُ بَعْضُ النَّاسِ فَيَكْتُبُ عَلَيْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ الْمَعْنَى وَيُخْرِجُهَا عَنْ سَبَبِهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْأُصُولِ الَّتِي قَالَهَا الْقَوْمُ فَيَخْرُجُ عَنْ
стр. 83
الْأَصْلِ وَيَقَعُ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ انْتَهَى.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا هَلْ يُسْتَفْتَى مَنْ قَرَأَ الْكُتُبَ الْمُسْتَعْمَلَةَ مِثْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ دُونَ رِوَايَةٍ أَوْ كُتُبَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّتِي لَا تُوجَدُ لَهَا رِوَايَةٌ أَمْ لَا.
فَأَجَابَ مَنْ قَرَأَهَا عَلَى الشُّيُوخِ وَأَحْكَمَ مَعَانِيَهَا وَفَهِمَ أُصُولَهَا بِمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْكَمَ وَجْهَ الْقِيَاسِ وَعَرَفَ النَّاسِخَ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَسَقِيمَ السُّنَّةِ مِنْ صَحِيحِهَا وَفَهِمَ مِنْ اللِّسَانِ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْخِطَابَ جَازَتْ فَتْوَاهُ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ الْمَسَائِلِ بِاجْتِهَادِهِ مِمَّا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ لَا تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي النَّوَازِلِ بِرَأْيِهِ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ عَالِمٍ بِرِوَايَةٍ فَيُقَلِّدُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحِلُّ اسْتِيفَاؤُهُ وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى انْتَهَى.
وَقَالَ الْإِمَامُ سَحْنُونٌ مُدَوِّنُ الْمُدَوَّنَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اشْتَرَى كُتُبَ الْعِلْمِ أَوْ وَرِثَهَا ثُمَّ أَفْتَى بِهَا وَلَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عُوقِبَ بِالسَّوْطِ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ التَّابِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِبَعْضِ مَنْ يُفْتِي هَاهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنْ السُّرَّاقِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقَاضِي حَدِيثًا مَرْفُوعًا «لَا يُفْتِي أُمَّتِي الصَّحَفِيُّونَ وَلَا يُقْرِئُهُمْ الْمُصَحِّفُونَ» قَالَ مَالِكٌ لَا يُفْتِي الْعَالِمُ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا قَالَ سَحْنُونٌ يُرِيدُ الْعُلَمَاءَ قَالَ ابْنُ هُرْمُزَ وَيَرَى هُوَ نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ تَعْلِيمُ النَّاسِ مِنْ الرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ وَنَحْوِهِمَا لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ عَلَى أَحَدٍ لَا يَنْبَغِي انْتَهَى. وَقَالَ أَيْضًا الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ بِمَا يَرَى فِي الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الشَّيْخِ لَا يَحِلُّ لَهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ وَسَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَمْ لَا انْتَهَى، وَالْجُمْلَةُ فَيُنْهَى هَذَا الرَّجُلُ عَنْ التَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي ثَوَابِ عَمَلِ الصَّبِيِّ هَلْ هُوَ لَهُ خَاصَّةً أَوْ لَهُ وَلِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَبَوَيْهِ خَاصَّةً وَهَلْ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ التَّفَاوُتِ بَيِّنُوا.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِ الصَّبِيِّ لَهُ خَاصَّةً وَلِوَالِدَيْهِ ثَوَابُ التَّسَبُّبِ فِيهِ قَالَ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ فِي الْمَوَاقِيتِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ شَرْطًا فِي ذَلِكَ أَيْ خِطَابِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَأَنَّ الصَّبِيَّ يُنْدَبُ لَهُ وَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْمَنْدُوبَاتِ إذَا فَعَلَهَا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَقِيلَ إنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِنَدْبٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ الْمُخَاطَبُ الْوَلِيُّ وَأَمْرُ الصَّبِيِّ بِالْعِبَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ كَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ لِحَدِيثِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ أَخَصُّ مِنْ هَذَا فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ اهـ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ الصَّغِيرَ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ الْحَافِظُ
стр. 84
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُفْيَانَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ سَيِّئَاتُهُ اهـ.
وَقَالَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ عُمَرُ تُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ حَسَنَاتُهُ وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ خِلَافُ هَذَا وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُمَا أَيْ الصَّبِيَّ وَالْوَلِيَّ جَمِيعًا مَنْدُوبَانِ إلَى ذَلِكَ مَأْجُورَانِ عَلَيْهِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذَتْ بِضَبْعَيْ الصَّبِيِّ وَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» وَهَذَا وَاضِحٌ اهـ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَاخْتُلِفَ لِمَنْ أَجْرُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ فَقِيلَ لِوَالِدَيْهِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَقِيلَ الثُّلُثُ لِلْأَبِ وَالثُّلُثَانِ لِلْأُمِّ وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ هَذَا كُلَّهُ وَقَالَ إنَّمَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ «إنَّهُ لِوَالِدَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ الصِّبْيَانَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا يَتَفَاوَتُ الْكِبَارُ» وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] اهـ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَلِلصَّبِيِّ ثَوَابُ مَا طُلِبَ مِنْهُ عَلَى التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ لِأَبَوَيْهِ ثَوَابُ التَّسَبُّبِ فَقَدْ وَرَدَ كَمَا فِي الْخِطَابِ وَغَيْرِهِ تَفَاوُتُ الصِّبْيَانِ بِالْأَعْمَالِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ عِلْمٍ]
(وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلَيْنِ فِي قُرَى الرِّيفِ يَدَّعِيَانِ الْعِلْمَ وَيُفْتِيَانِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ لِكَوْنِهِمَا لَمْ يَطْلُبَا عِلْمًا قَطُّ وَإِنَّمَا يُفْتِيَانِ لِكَوْنِ قَرِيبِهِمَا كَانَ يَعْرِفُ مَسَائِلَ وَمَاتَ فَهَلْ إفْتَاؤُهُمَا بَاطِلٌ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ مَنْعُهُمَا مِنْهُ وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي النَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِمَا فَإِنْ رَآهَا كَذَلِكَ أَدَّبَهُمَا وَمَنَعَهُمَا بِالْمُنَادَاةِ عَلَيْهِمَا فِي الْأَسْوَاقِ؟
فَأَجَابَ الشَّيْخُ حَسَنٌ الْجِدَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعِلْمُ لَيْسَ بِالْوِرَاثَةِ فَيَحْرُمُ الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَعَلَى الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ مَنْعُهُ مِنْ هَذَا الْمَنْصِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ عُمَرُ الْإِسْقَاطِيُّ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ مَنْعُ الرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الْإِفْتَاءِ حَيْثُ لَمْ يَكُونَا أَهْلًا لِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعَا فَعَلَيْهِ زَجْرُهُمَا بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِمَا وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إعَانَةُ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ فِي دَفْعِ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ يَوْمَ الْعَرْضِ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ هَذَا وَلَكِنْ أَرَدْت زِيَادَةَ الْفَائِدَةِ وَالتَّبَرُّكَ بِآثَارِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
стр. 85
مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ كَانَ مُقَلِّدًا لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَتَرَكَ ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَحْكَامَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَارِكًا لِكُتُبِ الْفِقْهِ مَائِلًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ إدْرِيسَ بِذَلِكَ قَائِلًا إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِنْ الْخَطَأِ وَفِيهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَكَيْفَ تَتْرُكُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَتُقَلِّدُ الْأَئِمَّةَ فِي اجْتِهَادِهِمْ الْمُحْتَمَلِ لِلْخَطَأِ وَقَائِلًا أَيْضًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ قَالَ مَالِكٌ أَوْ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خَلِيلٌ فَتُقَابِلُونَ كَلَامَ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ مِنْ الْخَطَأِ بِكَلَامِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ، وَمِنْ أَفْعَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي مَسَافَةِ نِصْفِ يَوْمٍ وَفِطْرُ رَمَضَانَ فِيهَا وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ بِلَا وُضُوءٍ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالْقُنُوتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ جَهْرًا وَالْقَبْضُ فِيهَا وَتَأْخِيرُ الصُّبْحِ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ. وَمِنْهَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ نَزَلَتْ بِبَرْقَةَ وَبَنَتْ بِهَا زَاوِيَةً وَجَعَلَتْ لَهَا حِمًى مَدَّ الْبَصَرِ وَصَارُوا إذَا رَأَوْا فَرَسًا فِيهِ لِغَيْرِهِمْ رَبَطُوهَا بِلَا أَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا يَفْدِيهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ تَمُوتُ صَبْرًا وَإِنْ رَأَوْا فِيهِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ذَكُّوهُ وَأَكَلُوهُ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ صَاحِبُهُ وَيَفْدِهِ بِدَرَاهِمَ وَرَأَوْا ذَاتَ يَوْمٍ قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ بِهِ فَبَادَرُوا إلَيْهِ مُتَدَاعِينَ بِلَفْظِ الْإِخْوَانِ وَذَبَحُوا مِنْهُ جُمْلَةً وَاقْتَسَمُوا لَحْمَهَا ثُمَّ أَتَى رَبُّهُ فَوَقَعَ عَلَى شَيْخِهِمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَاقِيَ.
وَمِنْهَا أَنَّ شَخْصًا أَعْمَى قَدِمَ إلَيْهِمْ بِأَوْلَادِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً فَلَمْ يُعْجِبْهُ حَالُهُمْ فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى عَازِمًا عَلَى الرُّجُوعِ لِوَطَنِهِ فَأَرْسَلَ خَلْفَهُ شَيْخُهُمْ وَرَدَّهُ وَقَالَ لَهُ سَتُسَافِرُ فِي غَدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَقَاهُ شَيْئًا فَاشْتَكَى مِنْ حِينِهِ وَمَاتَ فِي ثَانِي يَوْمٍ وَلَمَّا قَدِمَ شَيْخُهُمْ إلَى مِصْرَ ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَدُ الْمَيِّتِ وَسَأَلَهُ عَنْ تَرِكَتِهِ فَقَالَ لَهُ إنِّي وَضَعْتهَا عِنْدَ فُلَانٍ وَسَأَكْتُبُ لَهُ يُرْسِلُهَا لَك وَلَمَّا تَرَدَّدَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ رِيَالَاتٍ لَا غَيْرَ. وَمِنْهَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ نَفَى عِصْمَةَ أَبِينَا آدَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بَلْ وَكُلِّ نَبِيٍّ وَرَدَتْ فِيهِ آيَةٌ مُتَشَابِهَةٌ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِهَا زَاعِمًا أَنَّهُ نَصٌّ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ نَثْرًا وَنَظْمًا. وَمِنْهَا أَنَّ شَيْخَهُمْ أَخْبَرَ أَهْلَ سِيوَى بِخُسُوفِ الْقَمَرِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مُوهِمًا لَهُمْ الْمُكَاشَفَةَ وَرَدَّهُمْ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُ بَعْضِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى شَيْخِهِمْ إنَّهُ الْمَهْدِيُّ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ نَبِيٌّ وَإِنَّ أَحَدَهُمْ أَعْلَى مَقَامًا مِنْ عَبْدِ الْقَادِرِ وَنَحْوِهِ وَيُسَمُّونَ طَرِيقَتَهُمْ الْمُحَمَّدِيَّةَ وَيَظْهَرُونَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ مَالِكِيَّةٌ فَهَلْ مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ ضَلَالٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالْمُبَادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ أَنْ يَتْرُكَ تَقْلِيدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَيَأْخُذَ الْأَحْكَامَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي
стр. 86
الْأُصُولِ لَا تُوجَدُ فِي أَغْلِبْ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي عَادَ الْإِسْلَامُ فِيهِ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ مَا ظَاهِرُهُ صَرِيحُ الْكُفْرِ وَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْحَدِيثُ مَضَلَّةٌ إلَّا لِلْفُقَهَاءِ يُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يَحْمِلُ الشَّيْءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَهُ تَأْوِيلٌ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ أَوْ دَلِيلٌ يَخْفَى عَلَيْهِ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْجَبَ تَرْكَهُ غَيْرَ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا مَنْ اسْتَبْحَرَ وَتَفَقَّهَ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا فَسَدَتْ الْأَشْيَاءُ حِينَ تُعُدِّيَ بِهَا مَنَازِلُهَا وَلَيْسَ هَذَا الْجَدَلُ مِنْ الدِّينِ بِشَيْءٍ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَعْرُوفِ الْمَعْمُولِ بِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ سُنَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ الْحَدِيثِ وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعَمَلُ أَثْبَتُ مِنْ الْأَحَادِيثِ قَالَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ التَّابِعِينَ تَبْلُغُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ الْأَحَادِيثُ فَيَقُولُونَ مَا نَجْهَلُ هَذَا وَلَكِنْ مَضَى الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ جَرِيرٍ رُبَّمَا قَالَ لَهُ أَخُوهُ لِمَ لَمْ تَقْضِ بِحَدِيثِ كَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَجِدْ النَّاسَ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّخَعِيُّ لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ ﵃ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ لَتَوَضَّأْت كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمَرَافِقِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَهُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ وَأَحْرَصُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا ذُو رِيبَةٍ فِي دِينِهِ
وَقَدْ بَنَى مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَذْهَبَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الْأَوَّلُ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ وَالثَّانِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَالِمٌ مِنْ الْمُعَارَضَةِ الثَّالِثُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الرَّابِعُ اتِّفَاقُ جُمْهُورِهِمْ وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا فِي الدِّيبَاجِ لِلْإِمَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعُمْدَةِ الْمُرِيدِ لِلشَّيْخِ اللَّقَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
فَإِنْ قُلْت إنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ شَيْخَهُمْ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ وَفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَيْسَ فِيهِ الشُّرُوطُ.
قُلْت لَا بِمُشَاهَدَةِ عَدَمِهَا فِيهِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُقْصِرُونَ وُجُوبَ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بَلْ يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَعَلَى إرْخَاءِ الْعَنَانِ نَقُولُ لَهُمْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ وَاسْتَخْرِجُوا لَنَا أَحْكَامًا مِنْ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ غَيْرَ الْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَخْرَجَتْهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَهَذَا مَأْخَذُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] الْآيَةُ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي التَّشْنِيعِ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ.
وَذَكَرَ عَنْ الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ادِّعَاءُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ إلَّا لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَحْوِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ
стр. 87
وَالْمُزَنِيِّ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّمَا كَانَ اجْتِهَادًا مُنْتَسِبًا لِمَذْهَبٍ.
وَقَوْلُهُمْ إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِنْ الْخَطَأِ إنْ أَرَادُوا أَنَّهَا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَرْكِ جَمِيعِهَا فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي شَهَادَتِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْعِصْمَةِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ وَتَضْلِيلٌ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ أَرَادُوا فِي بَعْضِهَا مُعِينًا فَلْيُنْهَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ لَا عَنْ الْجَمِيعِ بَلْ الْوَاجِبُ بَيَانُهُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا غَيْرَ مُعِينٍ فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالْحَقُّ وَاحِدٌ قُلْنَا هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَفْرُوغٌ مِنْهَا فِي الْأُصُولِ وَمَنْ قَالَ الْحَقُّ وَاحِدٌ لَمْ يُنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ إذْ الْخَطَأُ غَيْرُ الْمُعِينِ لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّعْرَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ صَحِيحَةً دَائِرَةً عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَهُوَ كَلَامٌ مُنَوِّرٌ لِلْبَصَائِرِ وَمُزِيلٌ لِرَيْنِ الضَّمَائِرِ جَزَاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ وَقَوْلُهُمْ فِيهَا أَحْكَامٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةَ لَا تَقْدَحُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَلَا تُوجِبُ تَرْكَهَا لِابْتِنَاءِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَى أَثْبَتَ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَأَشَدُّ النَّاسِ تَمَسُّكًا بِهَا وَوُقُوفًا عِنْدَ حُدُودِهَا فَعَمَلُهُمْ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى نَسْخِهِ وَرُجُوعُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَعَمَلُهُمْ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا عَمِلُوا بِهِ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ النَّخَعِيِّ لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ لَتَوَضَّأْت كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَهَلْ يَفْهَمُ أَحَدٌ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ وَأَحَادِيثِ نَبِيِّهِ ﷺ مِثْلَ فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَاشَا وَكَلَّا.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فِي هَذِهِ الْقُرُونِ وَكَيْفَ خَصَّهُمْ بِالْفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْقُرُونِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ لَكِنْ اخْتَصَّتْ تِلْكَ الْقُرُونُ بِمَزِيَّةٍ لَا يُوَازِيهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُمْ لِإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ خَصَّهُمْ اللَّهُ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْحَقَ غُبَارَ أَحَدِهِمْ فَضْلًا عَنْ عَمَلِهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّهُمْ بِرُؤْيَةِ نَبِيِّهِ ﵊ وَمُشَاهَدَتِهِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ غَضًّا طَرِيًّا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ فِي النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَتَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ وَخَصَّهُمْ بِالْقِتَالِ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ وَنُصْرَتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَإِخْمَادِهِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَأَعْلَامِهِ وَحَفَّظَهُمْ آيَ الْقُرْآنِ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ نُجُومًا فَأَهَّلَهُمْ اللَّهُ لِحِفْظِهِ حَتَّى لَمْ يَضِعْ مِنْهُ وَلَا حَرْفٌ وَاحِدٌ فَجَمَعُوهُ وَيَسَّرُوهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالْأَقَالِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدُوا لَهُمْ وَحَفِظُوا أَحَادِيثَ نَبِيِّهِمْ ﵊ فِي صُدُورِهِمْ وَأَثْبَتُوهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ عَدَمِ اللَّحْنِ وَالْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ
стр. 88
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ تَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَرْنِهِمْ بَلْ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي فَمَا بَالُك بِهِمْ وَهُمْ خَيْرُ الْخِيَارِ وَوَصْفُهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ أَحَدٌ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ نَبِيِّهِمْ خَيْرًا لَقَدْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ تَعَالَى الدَّعْوَةَ وَذَبُّوا عَنْ دِينِهِ بِالْحَمِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا اخْتَارَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ اهـ.
وَقَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فَصْلٌ فِي بَيَانِ اسْتِحَالَةِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَنَوْا قَوَاعِدَ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَرْتَبَتَيْ الشَّرِيعَةِ كَمَا بَنَوْا عَلَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا لَا كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ فِيهِمْ فَكَيْفَ يَصِحُّ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَمَنْ نَازَعَنَا فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِمَقَامِ الْأَئِمَّةِ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ كَانُوا عُلَمَاءَ بِالْحَقِيقَةِ وَالشَّرِيعَةِ مَعًا وَأَنَّ فِي قُدْرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْشُرَ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ بِحُكْمِ مَرْتَبَتَيْ الْمِيزَانِ فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ بَعْدَهُ إلَى النَّظَرِ فِي أَقْوَالِ مَذْهَبٍ آخَرَ لَكِنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا أَهْلَ إنْصَافٍ وَأَهْلَ كَشْفٍ فَكَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَقِرُّ عَلَى عِدَّةِ مَذَاهِبَ مَخْصُوصَةٍ لَا عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ فَأَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ لِمَنْ بَعْدَهُ عِدَّةَ مَسَائِلَ عَرَفَ مِنْ طَرِيقِ الْكَشْفِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ فَتَرَكَ الْأَخْذَ بِهَا مِنْ طَرِيقِ الْإِنْصَافِ وَالِاتِّبَاعِ لِمَا أَطْلَعَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ كَشْفِهِمْ لَا مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ الشَّرْعِيَّةِ وَالرَّغْبَةِ عَنْ السُّنَّةِ.
وَسَمِعْت سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ يَقُولُ لَا يَصِحُّ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَنْ الشَّرِيعَةِ أَبَدًا عِنْدَ أَهْلِ الْكَشْفِ قَاطِبَةً وَكَيْفَ يَصِحُّ خُرُوجُهُمْ عَنْ الشَّرِيعَةِ مَعَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى مَوَادِّ أَقْوَالِهِمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَمَعَ اجْتِمَاعِ رُوحِ أَحَدِهِمْ بِرُوحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُؤَالِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَوَقَّفُوا فِيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ هَلْ هَذَا مِنْ قَوْلِك يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لَا يَقَظَةً وَمُشَافَهَةً وَكَذَلِكَ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُدَوِّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَيُدِينُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهِ وَيَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَهِمْنَا كَذَا مِنْ آيَةِ كَذَا وَفَهِمْنَا كَذَا مِنْ قَوْلِك فِي الْحَدِيثِ الْفُلَانِيِّ كَذَا فَهَلْ تَرْضَاهُ أَمْ لَا وَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَإِشَارَتِهِ ﷺ وَمَنْ تَوَقَّفَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَشْفِ الْأَئِمَّةِ وَمِنْ اجْتِمَاعِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْأَرْوَاحُ قُلْنَا لَهُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِيَقِينٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُونَ أَوْلِيَاءَ فَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلِيٌّ أَبَدًا وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ
стр. 89
كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَقَامِ بِيَقِينٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا وَيُصَدِّقُهُمْ أَهْلُ عَصْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ كَسَيِّدِي الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقُنَاوِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ الْمَغْرِبِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي السُّعُودِ بْنِ أَبِي الْعَشَائِرِ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الدُّسُوقِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَتْبُولِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ وَسَيِّدِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّوَاوِيِّ الْبُحَيْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ ذَكَرْنَاهُمْ فِي طَبَقَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَرَأَيْت وَرَقَةً بِخَطِّ الشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ عِنْدَ أَحَدِ أَصْحَابِهِ هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الشَّاذِلِيُّ مُرَاسَلَةً لِشَخْصٍ سَأَلَهُ فِي شَفَاعَةٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ قَايِتْبَاي اعْلَمْ يَا أَخِي أَنِّي قَدْ اجْتَمَعْت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى وَقْتِي هَذَا خَمْسًا وَسَبْعِينَ مَرَّةً يَقَظَةً وَمُشَافَهَةً وَلَوْلَا خَوْفِي مِنْ احْتِجَابِهِ ﷺ عَنِّي بِسَبَبِ دُخُولِي لِلْوُلَاةِ لَطَلَعْت الْقَلْعَةَ وَشَفَعْتُ فِيك عِنْدَ السُّلْطَانِ وَإِنِّي رَجُلٌ مِنْ خُدَّامِ حَدِيثِهِ ﷺ وَأَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ضَعَّفَهَا الْمُحَدِّثُونَ مِنْ طَرِيقِهِمْ وَلَا شَكَّ أَنْ نَفْعَ ذَلِكَ أَرْجَحُ مِنْ نَفْعِك يَا أَخِي انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ فِي ذَلِكَ مَا اُشْتُهِرَ عَنْ سَيِّدِي مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْمَادِحِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقَظَةً وَمُشَافَهَةً وَلَمَّا حَجَّ كَلَّمَهُ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مَقَامَهُ حَتَّى طَلَبَ مِنْهُ شَخْصٌ مِنْ التَّحْرَارِيَّةِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ عَلَى بِسَاطِهِ فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ الرُّؤْيَةُ فَلَمْ يَزَلْ يَتَطَلَّبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَةَ حَتَّى تَرَاءَى لَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَقَالَ تَطْلُبُ رُؤْيَتِي مَعَ جُلُوسِك عَلَى بِسَاطِ الظَّلَمَةِ لَا سَبِيلَ لَك إلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ انْتَهَى.
وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَتِلْمِيذِهِ الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَوْ احْتَجَبَتْ عَنَّا رُؤْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا عَدَدْنَا أَنْفُسَنَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَ آحَادِ الْأَوْلِيَاءِ فَالْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ أَوْلَى بِهَذَا الْمَقَامِ وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِمُقَلِّدٍ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ وَيُطَالِبَهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ فِي حَقِّهِمْ وَكَيْفَ يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ عَنْ الْعَمَلِ بِأَقْوَالٍ قَدْ بُنِيَتْ عَلَى صَحِيحِ الْأَحَادِيثِ بِالْكَشْفِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ أَبَدًا فَإِنَّ عِلْمَ الْكَشْفِ إخْبَارٌ بِالْأُمُورِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهَا وَهَذَا إذَا حَقَّقْته وَجَدْته لَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ الشَّرِيعَةُ بِعَيْنِهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُخْبِرُ إلَّا بِالْوَاقِعِ لِعِصْمَتِهِ مِنْ الْبَاطِنِ وَالظَّنِّ انْتَهَى.
وَسَمِعْت سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ مِرَارًا كَانَ
стр. 90
أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ ﵃ وَارِثِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عِلْمِ الْأَحْوَالِ وَعِلْمِ الْأَقْوَالِ مَعًا خِلَافَ مَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَرِثُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا عِلْمَ الْقَالِ فَقَطْ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ جَمِيعُ مَا عَلِمَهُ الْمُجْتَهِدُونَ كُلُّهُمْ رُبُعُ عِلْمِ رَجُلٍ كَامِلٍ عِنْدَنَا فِي الطَّرِيقِ إذْ الرَّجُلُ لَا يَكْمُلُ عِنْدَنَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِي مَقَامِ وِلَايَتِهِ بِعُلُومِ الْحَضَرَاتِ الْأَرْبَعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وَهَؤُلَاءِ الْمُجْتَهِدُونَ لَمْ يَتَحَقَّقُوا بِسِوَى عِلْمِ حَضْرَةِ اسْمِهِ الظَّاهِرِ فَقَطْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِعُلُومِ حَضْرَةِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ وَلَا بِعِلْمِ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ جَاهِلٌ بِأَحْوَالِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ فِي قَوَاعِدِ الدِّينِ وَسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ يَقُولُ كُلُّ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَجَدَ مَذَاهِبَ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ كُلَّهَا تَتَّصِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ الظَّاهِرِ بِالْعَنْعَنَةِ وَمِنْ طَرِيقِ إمْدَادِ قَلْبِهِ ﷺ لِجَمِيعِ قُلُوبِ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ فَمَا اتَّقَدَ مِصْبَاحُ عَالِمٍ إلَّا مِنْ مِشْكَاةِ نُورِ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْته يَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى مَا مِنْ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمُقَلِّدِيهِمْ إلَّا وَيَنْتَهِي سَنَدُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بِجِبْرِيلَ ثُمَّ بِحَضْرَةِ اللَّهِ الَّتِي تَجِلُّ عَنْ التَّكَيُّفِ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ الظَّاهِرِ وَالسَّنَدِ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ الْحَقِيقَةِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالْعِصْمَةِ فَمَنْ نَقَلَ عِلْمَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ خَطَأٌ فِي قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْخَطَأُ فِي طَرِيقِ الْأَخْذِ عَنْهُ فَقَطْ فَكَمَا نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ مَا رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ الْمُتَّصِلِ يَنْتَهِي سَنَدُهُ إلَى حَضْرَةِ الْحَقِّ - جَلَّ وَعَلَا -
فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِيمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْكَشْفِ الصَّحِيحِ مِنْ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ مَصَابِيحِ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ قَدْ اتَّقَدَتْ مِنْ نُورِ الشَّرِيعَةِ فَمَا مِنْ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمُقَلِّدِيهِمْ إلَّا وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ لَا شَكَّ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَسَمِعْت أَخِي الشَّيْخَ أَفْضَلَ الدِّينِ وَقَدْ جَادَلَهُ فَقِيهٌ فِي مَسْأَلَةٍ يَقُولُ، وَاَللَّهِ مَا بَنَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ مَذْهَبَهُ إلَّا عَلَى قَوَاعِدِ الْحَقِيقَةِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالْكَشْفِ الصَّحِيحِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ أَبَدًا وَإِنَّمَا تَتَخَلَّفُ الْحَقِيقَةُ عَنْ الشَّرِيعَةِ فِي مِثْلِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الزُّورِ الَّذِينَ اعْتَقَدَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ فَلَوْ كَانُوا شُهُودَ عَدَالَةٍ مَا تَخَلَّفَتْ الْحَقِيقَةُ عَنْ الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ حَقِيقَةٍ شَرِيعَةٌ وَعَكْسُهُ وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَنَا بِإِجْرَاءِ أَحْوَالِ النَّاسِ عَلَى الظَّاهِرِ وَنَهَانَا أَنْ نَتْعَبَ وَنَنْظُرَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ رَحْمَةً بِهَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وَلَا تَسْبِقُ الرَّحْمَةُ الْغَضَبَ إلَّا بِكَثْرَةِ وُقُوعِ النَّاسِ فِي الْمَعَاصِي وَالزُّورِ وَزِيَادَةِ ذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالصِّدْقِ فَافْهَمْ.
وَعَلَى هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَكُونُ إجْرَاءُ أَحْكَامِ النَّاسِ عَلَى الظَّاهِرِ عَلَى الشَّرْعِ الْمُقَرَّرِ بِتَقْرِيرِ الشَّارِعِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ
стр. 91
اكْتِفَاؤُنَا مِنْ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ التَّكَالِيفِ ظَاهِرًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَاطِنِهِ زِنْدِيقًا عَلَى خِلَافِ مَا أَظْهَرَهُ لَنَا وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّارِعِ بِشَرِيعَتِهِ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ مَا وَافَقَ فِيهِ الظَّاهِرُ الْبَاطِنَ فَمَنْ شَهِدَ أَوْ صَلَّى غَيْرَ مُؤْمِنٍ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْعٍ مُطْلَقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى يُقَابَلَ بِالْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الدِّينِ وَقَدْ يَنْتَصِرُ الْحَقُّ ﵎ لِمُنْصِفِ الشَّرْعِ فَيُنَفِّذُ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَيُسَامِحُ شُهُودَ الزُّورِ فِي الْآخِرَةِ وَيَعْفُو عَنْهُمْ وَيُمَشِّي حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسْأَلَتِهِمْ كَمَا تَمْشِي شَهَادَةُ الْعُدُولِ وَيُرْضِي الْخُصُومَ كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ - تَعَالَى - وَرَحْمَةٌ لِعِبَادِهِ وَسِتْرٌ عَلَى فَضَائِحِهِمْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَسَمِعْت سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ يَقُولُ لَا يَكْمُلُ إيمَانُ الْعَبْدِ بِأَنَّ سَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ إلَّا إنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْقَوْمِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْحُجُبِ الْكَثِيفَةِ مِنْ غَالِبِ الْمُقَلِّدِينَ فَمَنْ لَازَمَهُمْ سُوءُ الِاعْتِقَادِ فِي غَيْرِ إمَامِهِمْ وَيُسَلِّمُونَ لَهُ قَوْلَهُ وَفِي قَلْبِهِمْ مِنْهُ حَزَازَةٌ فَإِيَّاكُمْ أَنْ تُكَلِّفُوا أَحَدًا مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ الشَّرِيفِ فِي غَيْرِ إمَامِهِمْ إلَّا بَعْدَ السُّلُوكِ وَإِنْ شَكَكْت فِي هَذَا فَاعْرِضْ عَلَيْهِمْ أَقْوَالَ الْمَذَاهِبِ وَقُلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ اعْمَلْ بِقَوْلِ غَيْرِ إمَامِك فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيك فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ لَك أَنْتَ تُرِيدُ تَهْدِمُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِهِ عِنْدَهُ بَلْ وَلَوْ سَلَّمَ لَك ظَاهِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى انْشِرَاحِ قَلْبِهِ بَاطِنًا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ جَمَاعَةً مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ يُفْطِرُونَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى الْجِدَالِ وَإِدْحَاضِ بَعْضِهِمْ حُجَجَ بَعْضٍ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ مَا سُمُّوا بِذَلِكَ إلَّا لِبَذْلِ أَحَدِهِمْ وُسْعَهُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْكَامِنَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَهْدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إتْعَابِ الْفِكْرِ وَكَثْرَةِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَجْزِي جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ لَوْلَا اسْتَنْبَطُوا لِلْأُمَّةِ الْأَحْكَامَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ لَوْلَا بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُجْتَهِدِينَ لَنَا مَا أُجْمِلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الشَّارِعَ لَوْلَا بَيَّنَ لَنَا بِسُنَّتِهِ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ مَا اهْتَدَيْنَا لِكَيْفِيَّتِهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا قَدَرْنَا عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالصَّلَوَاتِ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَبَيَانِ أَنْصِبَتِهَا وَشُرُوطِهَا وَبَيَانِ فَرْضِهَا مِنْ سُنَّتِهَا وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَرَدَتْ مُجْمَلَةً فِي الْقُرْآنِ فَلَوْلَا أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ لَنَا ذَلِكَ مَا عَرَفْنَاهُ وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَسْرَارٌ وَحِكَمٌ يَعْرِفُهَا الْعَارِفُونَ انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ النَّاسَ الْآنَ يَصِلُونَ إلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْكَشْفِ فَقَطْ لَا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَقَامٌ لَمْ يَدَّعِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَلَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ ذَلِكَ وَجَمِيعُ مَنْ ادَّعَى
стр. 92
الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا مُرَادُهُ الْمُطْلَقُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوَاعِدِ إمَامِهِ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبُغَ مَعَ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ مَعَ الشَّافِعِيِّ إذْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ أَحَدٍ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يَبْتَكِرَ الْأَحْكَامَ وَيَسْتَخْرِجَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا نَعْلَمُ أَبَدًا وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ اسْتَخْرِجْ لَنَا شَيْئًا لَمْ يَسْبِقْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتِخْرَاجُهُ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ انْتَهَى.
وَكَانَ ابْنُ حَزْمٍ يَقُولُ جَمِيعُ مَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُجْتَهِدُونَ مَعْدُودٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ خَفِيَ دَلِيلُهُ عَنْ الْعَوَامّ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَ الْأَئِمَّةَ إلَى الْخَطَأِ وَأَنَّهُمْ يُشَرِّعُونَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَذَلِكَ ضَلَالٌ مِنْ قَائِلِهِ عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ لَوْلَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ دَلِيلًا مَا شَرَعُوهُ انْتَهَى. وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ يَقُولُ مَا ثَمَّ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ إلَّا وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ لَكِنْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ صَرِيحِ الْآيَاتِ أَوْ الْأَخْبَارِ أَوْ الْآثَارِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَنْطُوقِ أَوْ مِنْ الْمَفْهُومِ فَمِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ قَرِيبٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَقْرَبُ وَمِنْهَا مَا هُوَ بَعِيدٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ وَمَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا مُقْتَبَسَةٌ مِنْ شُعَاعِ نُورِهَا وَمَا ثَمَّ لَنَا فَرْعٌ يَتَفَرَّعُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ أَبَدًا، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ ضَعُفَ نُورُ أَقْوَالِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نُورِ أَوَّلِ مُقْتَبِسٍ مِنْ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهَا وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ إذَا سَأَلَهُ إنْسَانٌ عَنْ التَّقَيُّدِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ الْآنَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا يَقُولُ يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مَا دُمْتَ لَا تَصِلُ إلَى شُهُودِ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى فَهُنَاكَ لَا يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ لِأَنَّك تَرَى اتِّصَالَ جَمِيعِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ بِهَا وَلَيْسَ مَذْهَبٌ أَوْلَى بِهَا مِنْ مَذْهَبٍ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ عِنْدَك حِينَئِذٍ إلَى مَرْتَبَتَيْ التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ بِشَرْطِهِمَا انْتَهَى.
وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ مِرَارًا عَيْنُ الشَّرِيعَةِ كَالْبَحْرِ فَمِنْ أَيِّ الْجَوَانِبِ اُغْتُرِفَ مِنْهُ فَهُوَ وَاحِدٌ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إيَّاكُمْ أَنْ تُبَادِرُوا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَى قَوْلِ مُجْتَهِدٍ أَوْ تَخْطِئَتِهِ إلَّا بَعْدَ إحَاطَتِكُمْ بِأَمْثِلَةِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَمَعْرِفَتِكُمْ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ وَمَعْرِفَتِكُمْ بِمَعَانِيهَا وَطُرُقِهَا فَإِذَا أَحَطْتُمْ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ تَجِدُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ فِيهَا فَحِينَئِذٍ لَكُمْ الْإِنْكَارُ، وَأَنَّى لَكُمْ بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا «إنَّ شَرِيعَتِي جَاءَتْ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ طَرِيقَةٍ مَا سَلَكَ أَحَدٌ طَرِيقَةً مِنْهَا إلَّا نَجَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» .
فَإِنْ قِيلَ فَمَا دَلِيلُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي زِيَادَاتِهِمْ الْأَحْكَامَ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا عَلَى صَرِيحِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَلَّا كَانُوا وَقَفُوا عَلَى حَدِّ مَا رَأَوْهُ صَرِيحًا فَقَطْ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِحَدِيثِ «مَا تَرَكْت شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ إلَى اللَّهِ إلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَلَا شَيْئًا يُبْعِدُكُمْ عَنْ اللَّهِ إلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ
стр. 93
عَنْهُ» .
فَالْجَوَابُ: دَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّبَاعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَبْيِينِهِ مَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَإِنَّهُ لَوْلَا بَيَّنَ لَنَا كَيْفِيَّةَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا اهْتَدَى أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِمَعْرِفَةِ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا كُنَّا نَعْرِفُ عَدَدَ رَكَعَاتِ الْفَرَائِضِ وَلَا النَّوَافِلِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ لَنَا بِسُنَّتِهِ مَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ فَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ بَيَّنُوا لَنَا مَا أُجْمِلَ فِي أَحَادِيثِ الشَّرِيعَةِ وَلَوْلَا بَيَانُهُمْ لَنَا ذَلِكَ لَبَقِيَتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى إجْمَالِهَا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي أَهْلِ كُلِّ دَوْرٍ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّوْرِ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْإِجْمَالَ لَمْ يَزَلْ سَارِيًا فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَوْلَا ذَلِكَ مَا شُرِحَتْ الْكُتُبُ وَلَا عُمِلَ عَلَى الشُّرُوحِ حَوَاشٍ.
وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْكَشْفِ يَقُولُ إنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى الْمُجْتَهِدُونَ بِالِاجْتِهَادِ لِيَحْصُلَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ التَّشْرِيعِ وَتَثْبُتَ لَهُمْ فِيهِ الْقَدَمُ الرَّاسِخَةُ فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ سِوَى نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيُحْشَرُ عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظُ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْعَارِفُونَ بِمَعَانِيهَا فِي صُفُوفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لَا فِي صُفُوفِ الْأُمَمِ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ إلَّا وَبِجَانِبِهِ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ وَكُلُّ عَالِمٍ نَهِمٌ لَهُ دَرَجَةُ الْأُسْتَاذِيَّةِ فِي عِلْمِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْمُنَزَّلَاتِ إلَى خِتَامِ الدُّنْيَا بِخُرُوجِ الْمَهْدِيِّ ﵇ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ تَابِعُونَ لِلشَّارِعِ فِي التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَيَا سَعَادَةَ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى كَمَا أَطْلَعَنَا وَرَأَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَيَا فَوْزَهُ وَكَثْرَةَ سُرُورِهِ إذَا رَآهُ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ وَتَبَسَّمُوا فِي وَجْهِهِ وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يُبَادِرُ إلَى الشَّفَاعَةِ فِيهِ وَيُزَاحِمُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ مَا يَشْفَعُ فِيهِ إلَّا أَنَا وَيَا نَدَامَةَ مَنْ قَالَ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي مُخْطِئٌ فَإِنَّ جَمِيعَ مَنْ خَطَّأَهُمْ يَعْبِسُونَ فِي وَجْهِهِ لِتَخْطِئَتِهِ لَهُمْ وَتَجْرِيحِهِمْ بِالْجَهْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ وَفَهْمِهِ السَّقِيمِ فَاسْعَ يَا أَخِي فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ وَالْوَرَعِ وَالْعَمَلِ بِكُلِّ مَا عَلِمْت حَتَّى تُطْوَى لَك الطَّرِيقُ بِسُرْعَةٍ وَتُشْرِفَ عَلَى مَقَامَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَقِفَ عَلَى الْعَيْنِ الْأُولَى الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا إمَامُك وَتُشَارِكَهُ فِي الِاغْتِرَافِ مِنْهَا فَكَمَا كُنْت مُتَّبِعًا لَهُ حَالَ سُلُوكِك مَعَ حِجَابِك عَنْ الْعَيْنِ الَّتِي يَشْهَدُ مِنْهَا كَذَلِكَ تَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُ فِي الِاغْتِرَافِ مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي اغْتَرَفَ مِنْهَا ثُمَّ إذَا دَخَلْت ذَلِكَ الْمَقَامَ فَاسْتَصْحِبْ شُهُودَ الْعَيْنِ وَمَا تَفَرَّعَ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَدْوَارِ تَصِيرُ تُوَجِّهُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تَرُدُّ مِنْهَا قَوْلًا وَاحِدًا إمَّا لِصِحَّةِ دَلِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَك مِنْ تَخْفِيفٍ أَوْ تَشْدِيدٍ وَإِمَّا لِشُهُودِك صِحَّةَ اسْتِنْبَاطِهِمْ وَاتِّصَالِهِمْ بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ نَزَلْت فِي آخِرِ الْأَدْوَارِ.
فَإِنْ قُلْت إذَا قُلْتُمْ إنَّ جَمِيعَ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ الشَّرِيعَةِ فَأَيْنَ
стр. 94
الْخَطَأُ الْوَارِدُ فِي حَدِيثِ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» مَعَ اسْتِمْدَادِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ مِنْ بَحْرِ الشَّرِيعَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَأِ هُنَا هُوَ خَطَأُ الْمُجْتَهِدِ فِي عَدَمِ مُصَادَفَةِ الدَّلِيلِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَا الْخَطَأُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَنْ الشَّرِيعَةِ فَلَا أَجْرَ لَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» انْتَهَى.
وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّارِعُ لَهُ الْأَجْرَ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا اجْتَهَدَ وَصَادَفَ نَفْسَ الدَّلِيلِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْ الشَّارِعِ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ التَّتَبُّعِ وَأَجْرُ مُصَادَفَةِ الدَّلِيلِ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَيْنَ الدَّلِيلِ
وَإِنَّمَا صَادَفَ حُكْمَهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَجْرُ التَّتَبُّعِ فَالْمُرَادُ بِالْخَطَأِ هُنَا الْخَطَأُ الْإِضَافِيُّ لَا الْخَطَأُ الْمُطْلَقُ فَافْهَمْ فَإِنَّ اعْتِقَادَنَا أَنَّ سَائِرَ أُمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ وَمَا ثَمَّ إلَّا قَرِيبٌ مِنْ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ وَأَقْرَبُ وَبَعِيدٌ عَنْهَا وَأَبْعَدُ بِحَسَبِ طُولِ السَّنَدِ وَقِصَرِهِ وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِصِحَّةِ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَسْخِهَا مَعَ اخْتِلَافِهَا وَمُخَالَفَةِ أَشْيَاءَ فِيهَا لِظَاهِرِ شَرِيعَتِنَا فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ اعْتِقَادُ صِحَّةِ جَمِيعِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ خَالَفَ كَلَامُهُمْ ظَاهِرَ كَلَامِ إمَامِهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ شُعَاعِ نُورِ الشَّرِيعَةِ خَفِيَ مَدْرَكُهُ وَنُورُهُ وَظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّ كَلَامَهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَضْعِيفِ الْعُلَمَاءِ كَلَامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي سَائِرِ الْأَدْوَارِ إلَى عَصْرِنَا هَذَا فَتَجِدُ أَهْلَ كُلِّ دَوْرٍ يَطْعَنُ فِي صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِ الْأَدْوَارِ الَّتِي قَبْلَهُ وَأَيْنَ مَنْ يَخْرِقُ بَصَرُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ جَمِيعَ الْأَدْوَارِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى شُهُودِ اتِّصَالِهَا بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ هُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ بَيْنَ الْمُقَلِّدِينَ الْآنَ وَبَيْنَ الدَّوْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَوْرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَجَمَعُوا مَا كَانَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مُتَفَرِّقًا وَبَقِيَ أَحَدُهُمْ يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَالْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَضَبَطُوا أَمْرَ الشَّرِيعَةِ أَتَمَّ ضَبْطٍ وَتَلَقَّوْا الْأَحْكَامَ وَالتَّفْسِيرَ مِنْ فِي الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِثْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ سَلُونِي مَا دُمْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَإِنِّي أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ السَّمَاءِ كَمَا أَنَا أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ الْأَرْضِ «وَقَالَ ﵊ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ» فَمَنْ لَقِيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ فَحَصَلَ لِلْقَرْنِ الثَّانِي نَصِيبٌ وَافِرٌ أَيْضًا فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ، وَرُؤْيَةِ مَنْ رَأَى بِعَيْنِ رَأْسِهِ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - فَلِذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِنْ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ
стр. 95
ثُمَّ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ، وَهُمْ تَابِعُو التَّابِعِينَ ﵃ فِيهِمْ حَدَّثَ الْفُقَهَاءُ الْمُقَلِّدُونَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِمْ فِي النَّوَازِلِ الْكَاشِفُونَ لِلْكُرُوبِ فَوَجَدُوا الْقُرْآنَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَجْمُوعًا مُيَسَّرًا وَوَجَدُوا الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ، وَأُحْرِزَتْ فَجَمَعُوا مِنْهَا مَا كَانَ مُفَرَّقًا وَتَفَقَّهُوا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَخْرَجُوا فَوَائِدَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا فَوَائِدَ وَأَحْكَامًا وَبَيَّنُوا عَلَى مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَدَوَّنُوا الدَّوَاوِينَ وَيَسَّرُوا عَلَى النَّاسِ وَأَزَالُوا الْمُشْكِلَاتِ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِنْ الْأُصُولِ وَرَدُّوا الْفَرْعَ إلَى أَصْلِهِ وَتَبَيَّنَ الْأَصْلُ مِنْ فَرْعِهِ فَانْتَظَمَ الْحَالُ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الدِّينِ لِأُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِهِمْ الْخَيْرُ الْعَمِيمُ فَحَصَلَتْ لَهُمْ فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ خُصُوصِيَّةٌ أَيْضًا بِلِقَائِهِمْ مَنْ رَأَى صَاحِبَ الْعِصْمَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبْقُوا لِمَنْ بَعْدَهُمْ شَيْئًا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ بِهِ بَلْ كُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ مُقَلِّدٌ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ وَتَابِعٌ لَهُمْ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ فِقْهٌ غَيْرُ فِقْهِهِمْ أَوْ فَائِدَةٌ غَيْرُ فَائِدَتِهِمْ فَمَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ أَوْ يُنْقِصَ مِنْهَا فَذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا مَا اسْتَخْرَجَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ فَمَقْبُولٌ «لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الْقُرْآنِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ التَّرْدَادِ» فَعَجَائِبُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ لَا تَنْقَضِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلُّ قَرْنٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فَوَائِدَ جَمَّةً خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَضَمَّهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ بَرَكَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَمِرَّةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ قَالَ ﵊ «أُمَّتِي مِثْلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَيُّهُ أَنْفَعُ أَوَّلُهُ أَمْ آخِرُهُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ وَالدَّعْوَى إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لَا أَنَّهُمْ يُحْدِثُونَ حُكْمًا مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّهُمَّ إلَّا مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقَوْلِ، وَلَا بِالْبَيَانِ فَيَجِبُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُنْظَرَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ الْمُبَيَّنَةِ الصَّرِيحَةِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى أُصُولِهِمْ قَبِلْنَاهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ ثُمَّ أَتَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَجِدْ فِي هَذَا الدِّينِ وَظِيفَةً يَقُومُ بِهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا بَلْ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَ مَا دَوَّنُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ وَاسْتَخْرَجُوهُ وَأَفَادُوهُ فَاخْتَصَّتْ إقَامَةُ هَذَا الدِّينِ بِالْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ إلَّا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ أَتَى بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِ خَيْرٌ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - بِالْخَيْرِ فَبَقِيَ كُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ فِي مِيزَانِهِمْ وَمِنْ بَعْضِ حَسَنَاتِهِمْ فَبَانَ مَا قَالَ ﵊ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ فَكُلُّ مَنْ أَتَى
стр. 96
بَعْدَهُمْ يَقُولُ فِي بِدْعَةٍ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ثُمَّ يَأْتِي بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ خَارِجٍ عَنْ أُصُولِهِمْ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ انْتَهَى.
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِنْ الْخَطَأِ وَفِيهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَيْفَ تَتْرُكُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَتُقَلِّدُ الْأَئِمَّةَ فِي اجْتِهَادِهِمْ الْمُحْتَمِلِ لِلْخَطَأِ فَجَوَابُهُ أَنَّ تَقْلِيدَ الْأَئِمَّةِ فِي اجْتِهَادِهِمْ لَيْسَ تَرْكًا لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُ التَّمَسُّكِ وَالْأَخْذِ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَا وَصَلَ إلَيْنَا إلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَعْلَمَ مِنَّا بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُحْكَمِهِ وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ وَمَعَانِيهِ وَتَأْوِيلَاتِهِ وَلُغَاتِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ وَتَلَقِّيهِمْ ذَلِكَ عَنْ التَّابِعِينَ الْمُتَلَقِّينَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمُتَلَقِّينَ عَنْ الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - الْمَعْصُومِ مِنْ الْخَطَأِ الشَّاهِدِ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِالْخَيْرِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ مَا وَصَلَتْ إلَيْنَا إلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَعْلَمَ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ بِصَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا وَمَرْفُوعِهَا وَمُرْسَلِهَا وَمُتَوَاتِرِهَا وَآحَادِهَا وَمُعْضِلِهَا وَغَرِيبِهَا وَتَأْوِيلِهَا وَتَارِيخِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَأَسْبَابِهَا وَلُغَاتِهَا وَسَائِرِ عُلُومِهَا مَعَ تَمَامِ ضَبْطِهِمْ وَتَحْرِيرِهِمْ لَهَا وَكَمَالِ إدْرَاكِهِمْ وَقُوَّةِ دِيَانَتِهِمْ وَاعْتِنَائِهِمْ وَتَفَرُّغِهِمْ، وَنُورِ بَصَائِرِهِمْ فَلَا يَخْلُو أَمْرُ هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ مِنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا نِسْبَةُ الْجَهْلِ لِلْأَئِمَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَى كَمَالِ عِلْمِهِمْ الْمُشَارِ لَهُ فِي أَحَادِيثِ الشَّارِعِ الصَّادِقِ ﵊ وَإِمَّا نِسْبَةُ الضَّلَالِ وَقِلَّةُ الدِّينِ لِلْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ الْمُعَظَّمِ ﷺ إنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، وَقَوْلُهُمْ لِمَنْ قَلَّدَ مَالِكًا مَثَلًا نَقُولُ لَك قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ تَقُولُ قَالَ مَالِكٌ أَوْ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خَلِيلٌ. . . إلَخْ
جَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُقَلِّدِ قَالَ مَالِكٌ إلَخْ مَعْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ فَاهِمًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ كَلَامِ رَسُولِهِ أَوْ مُتَمَسِّكًا بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْفَاهِمِينَ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ كَلَامَ رَسُولِهِ أَوْ الْمُتَأَسِّينَ بِفِعْلِ رَسُولِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ إلَخْ أَوْ أَنَّهُ فَهِمَهُ نَفْسُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ إلَخْ وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَالَ خَلِيلٌ مَثَلًا أَنَّهُ نَاقِلٌ عَمَّنْ ذَكَرَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ مُجْمَعٌ عَلَى إمَامَتِهِمَا وَمِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ وَالتَّارِكُ لِلتَّقْلِيدِ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِفَهْمِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ ضَبْطِ الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ وَوَصْلِ السَّنَدِ فَضْلًا عَنْ عَجْزِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَظَاهِرِهِ، وَنَصِّهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ وَتَأْوِيلِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَلُغَاتِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا يُقَدِّمُ قَوْلَ الْمُقَلِّدِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْإِمَامُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ قَوْلُ الْجَهُولِ قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ هَذَا
стр. 97
الزَّيْغِ لِلظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا ظَهَرُوا فِي الْأَنْدَلُسِ وَتَقَوَّتْ شَوْكَتُهُمْ مُدَّةً ثُمَّ مَحَا اللَّهُ آثَارَهُمْ فَشَرَعَتْ هَذِهِ الشِّرْذِمَةُ فِي إحْيَائِهَا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَأَوَّلُ مَنْ طَعَنَ فِي الْمُدَوَّنَةِ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ، فَفِي الْمَدَارِكِ أَنَّ ابْنَ الْحَدَّادِ صَحِبَ سَحْنُونَ أَوَّلًا وَسَمِعَ مِنْهُ وَنَزَعَ آخِرًا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَلْ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَى النَّظَرِ وَالْحُجَّةِ وَكَانَ يُسَمِّي الْمُدَوَّنَةَ الْمُرُونَةَ وَيَنْقُضُ بَعْضَهَا.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ تَرَكَ النَّاسُ السُّنَنَ وَانْتَقَلُوا إلَى قَوْلِهِ قُلْت رَأَيْت فَرَفَضَهُ أَصْحَابُ سَحْنُونَ وَهَجَرُوهُ وَأَغْرَوْا بِهِ ابْنَ طَالِبٍ الْقَاضِيَ فَهَمَّ بِهِ ثُمَّ نَشَأَتْ بَيْنَهُمَا صُحْبَةٌ فَتَرَكَهُ وَبَقِيَ مَهْجُورَ الْبَابِ قَلِيلَ الْأَصْحَابِ إلَى أَنْ نَاظَرَ آخِرًا عَبْدَ اللَّهِ الشِّيعِيَّ وَأَخَاهُ الْعَبَّاسَ عِنْدَ دُخُولِهِمَا بِدَعْوَةِ بَنِي عُبَيْدٍ الْقَيْرَوَانِ فَمَالَتْ إلَيْهِ قُلُوبُ الْعَامَّةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى فَضْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَامَ مَعَهُمْ مَقَامَ ابْنِ حَنْبَلٍ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَبَاعَ نَفْسَهُ فِي مُنَاظَرَتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ نَافَ عَلَى سَبْعِينَ سَنَةً وَقَالَ قَتِيلُ الْخَوَارِجِ خَيْرُ قَتِيلٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَتَلُوا اثْنَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونَ وَأَرَادُوا حَمْلَ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَدَخَلَ مِنْهُمْ عَلَى أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ رَوْعٌ كَبِيرٌ فَنَاظَرَهُمْ حَتَّى أَوْقَفَهُمْ وَسَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ تَوَارِيخِ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ رَأْسَ الظَّاهِرِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ قَالَ إنَّمَا أُشْهِرُ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالْمَدَنِيِّينَ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ بِإِفْرِيقِيَّةَ دُخُولُ سَحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ بِمَسَائِلِهِ فَوُلِّيَ الْقَضَاءَ بِهَا فَأَخَذَتْ عَنْهُ مَسَائِلَهُ لِأَجْلِ قَضَائِهِ وَرِيَاسَتِهِ وَاشْتُهِرَ أَمْرُهُ وَاشْتُهِرَتْ مَسَائِلُ مَالِكٍ بِالْأَنْدَلُسِ لِدُخُولِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْأَنْدَلُسِ وَقُضَاتِهَا فَاشْتُهِرَ عَنْهُمْ أَخْذُهَا وَالتَّمَذْهُبُ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِرِيَاسَتِهِمْ فَتَرَكَ النَّاسُ السُّنَنَ وَاتَّبَعُوهُ.
وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ ابْنِ حَزْمٍ بِمَيْرُوقَهَ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُطَالَبَاتٌ وَاحْتِجَاجَاتٌ آلَ أَمْرُهَا عَلَى مَا قَالَ إلَى إبْطَالِ مَذْهَبِهِ وَذَكَرَ أَنَّ أَخَاهُ إبْرَاهِيمَ بْنَ خَلَفٍ الْبَاجِيَّ لَقِيَ ابْنَ حَزْمٍ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ مَا قَرَأْت عَلَى أَخِيك فَقَالَ لِي كَثِيرًا أَقْرَأُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَلَا اخْتَصَرَ لَك الْعِلْمَ فَيُقْرِئَك مَا تَنْتَفِعُ بِهِ فِي الزَّمَنِ الْقَرِيبِ فِي سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ فَقَالَ لَهُ لَوْ صَحَّ هَذَا الْفِعْلُ فَقَالَ غَيْرُهُ يَنْفَعُك بِذَلِكَ فِي سَنَةٍ فَقَالَ أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَوْ فِي شَهْرٍ فَقَالَ ذَلِكَ أَشْهَى إلَيَّ فَقَالَ أَوْ فِي جُمُعَةٍ أَوْ دَفْعَةٍ فَقَالَ هَذَا أَشْهَى إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْك مَسْأَلَةٌ فَاعْرِضْهَا عَلَى الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدْتهَا فِيهِ وَإِلَّا فَاعْرِضْهَا عَلَى السُّنَّةِ فَإِنْ وَجَدْت ذَلِكَ فِيهَا وَإِلَّا فَاعْرِضْهَا عَلَى مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدْتهَا وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ فَافْعَلْهَا فَقُلْتُ لَهُ مَا أَرْشَدْتَنِي إلَيْهِ يَفْتَقِرُ إلَى عُمُرٍ طَوِيلٍ وَعِلْمٍ جَلِيلٍ، لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ لِمَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَمَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُؤَوَّلِهِ وَظَاهِرِهِ وَمَنْصُوصِهِ وَمُطْلَقِهِ وَعُمُومِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَيَفْتَقِرُ أَيْضًا إلَى حِفْظِ الْأَحَادِيثِ وَمَعْرِفَةِ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَمُسْنَدِهَا وَمُرْسَلِهَا وَمُعْضِلِهَا وَتَأْوِيلِهِ وَتَارِيخِ
стр. 98
الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَيَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وَتَتَبُّعِهَا فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ وَقَلَّ مَنْ يُحِيطُ بِهَذَا.
قَالَ الْبَاجِيُّ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَعَهُ قُوَّةُ عِلْمٍ وَلَا تَضَلُّعٌ فِي الِاحْتِجَاجِ وَلَكِنْ إلْمَامُهُ بِالْأُمُورِ الْفَارِغَةِ وَمُبْتَدِئِ الطَّلَبَةِ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لِمَنْ حَضَرَهُ أَوْ السَّائِلِ مَا قُلْتَ أَنْتَ فِيهَا وَمَا ظَهَرَ لَك وَلَا يَزَالُ يَسْتَمِيلُ حَتَّى يَنْطِقَ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ فَيُجَوِّدُ فِعْلَهُ وَيَسْتَحْسِنُ رَأْيَهُ وَيَقُولُ لَهُ قَوْلُك فِيهَا خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَيُزَيِّنُ لَهُ ذَلِكَ وَيُشَكِّكُهُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَصِيرَ يَرَى رَأْيَ نَفْسِهِ وَيَتَعَاظَمَ وَيَقَعَ فِي مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ كَثِيرٍ فَحَمَلَ أَمْرَهُ وَاسْتَجْهَلَهُ أَهْلُ الْفُرُوعِ بِالْأَنْدَلُسِ وَلَمْ يَزَلْ فِي خُمُولٍ وَعَدَمِ اعْتِنَاءٍ فِي مَذْهَبِهِ وَكَثُرَ أَهْلُ الشُّورَى وَالْفِقْهِ وَالْوَثَائِقِ بِالْأَنْدَلُسِ حَتَّى خَرَجَ الْمُوَحِّدُونَ وَأَخَذُوا مُرَاكِشَ مِنْ لَمْتُونَةَ حَضْرَةَ مَلِكِهِمْ فَوَجَدُوا فِيهَا كُتُبَ فِقْهٍ كَثِيرَةً فَاسْتَصْعَبُوهَا وَبَاعُوهَا مِنْ الشَّوَّاشِينَ وَغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمُوا إلَى الْفُقَهَاءِ الْفَرْعِيَّيْنِ وَلَمَّا أَنْ اطْمَأَنَّتْ بِالْأَمِيرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الدَّارُ جَمَعَ الْفُقَهَاءَ إمَّا لِاخْتِبَارِ مَذْهَبِهِمْ أَوْ حَمْلِهِمْ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَزْمٍ فَحَكَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَرْقُونٍ جَامِعَ الِاسْتِذْكَارِ وَالْمُنْتَقَى قَالَ كُنْت فِيمَنْ جَمَعَهُمْ فَقَامَ عَلَى رَأْسِهِ كَاتِبُهُ وَوَزِيرُهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ عَطِيَّةَ فَخَطَبَ خُطْبَةً مُخْتَصَرَةً ثُمَّ رَدَّ رَأْسَهُ إلَى الْفُقَهَاءِ وَقَالَ لَهُمْ بَلَغَ سَيِّدُنَا أَنَّ قَوْمًا مِنْ أُولِي الْعِلْمِ تَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﵊ وَصَارُوا يَحْكُمُونَ بَيْنَ النَّاسِ وَيُفْتُونَ بِهَذِهِ الْفُرُوعِ وَالْمَسَائِلِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ وَقَدْ أَمَرَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ وَنَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفُرُوعِ وَالْمَسَائِلِ عُوقِبَ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ وَفُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا وَسَكَتَ وَرَفَعَ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ رَأْسَهُ إلَيْهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ، وَقَالَ سَمِعْتُمْ مَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الطَّلَبَةُ نَعَمْ قَالَ وَسَمِعْنَا أَنَّ عِنْدَ الْقَوْمِ تَأْلِيفًا مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ يُسَمُّونَهُ الْكِتَابَ يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ وَأَنَّهُمْ إذَا قَالَ لَهُمْ قَائِلٌ مَسْأَلَةً مِنْ السُّنَّةِ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ أَوْ مُخَالِفَةً لَهُ قَالُوا مَا هِيَ فِي الْكِتَابِ أَوْ مَا هُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ ثَمَّ كِتَابٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ قَالَ وَأَرْعَدَ وَأَبْرَقَ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَالْفُقَهَاءُ سُكُوتٌ ثُمَّ قَالَ، وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَقْوَالًا بِرَأْيِهِمْ وَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ قَالَ مِنْ الدِّينِ فَيَقُولُونَ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ خَلَلٌ فِي صَلَاتِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَيَتَحَكَّمُونَ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهَا إمَّا صَحِيحَةٌ فَلَا إعَادَةَ أَوْ بَاطِلَةٌ فَيُعِيدُ أَبَدًا فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهُ فَصَمَتَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ لِحِدَّةِ الْأَمْرِ وَالْإِنْكَارِ.
قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ فَحَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ عَلَى أَنْ تَكَلَّمْت وَتَلَطَّفْت فِي الْكَلَامِ لَهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا بِهِمْ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ وَأَمَاتَ الْبَاطِلَ وَأَهْلَهُ وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَنْحَى، وَقُلْت إنْ أُذِنَ لِي فِي الْجَوَابِ تَكَلَّمْتُ وَأَدَّيْتُ نَصِيحَتِي وَهِيَ
стр. 99
السُّنَّةُ فَقَالَ كَالْمُنْكِرِ عَلَيَّ وَهِيَ السُّنَّةُ أَيْضًا وَكَرَّرَهَا فَقُلْتُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: ارْجِعْ وَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ لَهُ: إذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الْوَقْتِيَّةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ.
فَعَلَى هَذَا بَنَى الْفُقَهَاءُ أَمْرَهُمْ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ خَلَلٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَصْغَى إلَيَّ اتَّسَعَ لِي الْقَوْلُ فَقُلْت لَهُ يَا سَيِّدِي جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهُ الْفُقَهَاءُ تَقْرِيبًا لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِينَ وَالطَّالِبِينَ فَانْطَلَقَتْ أَلْسِنَةُ الْفُقَهَاءِ الْحَاضِرِينَ حِينَئِذٍ وَوَافَقُونِي عَلَى مَا قُلْتُ ثُمَّ دَعَا فَقَالَ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَقَامَ إلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ الْوَزِيرُ أَقَدِمْت عَلَى سَيِّدِنَا الْيَوْمَ يَا فَقِيهُ فَقُلْتُ لَوْ سَكَتُّ لَلَحِقَتْنِي عُقُوبَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَكُنْت أَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فَأَرَى مِنْهُ الْبِرَّ التَّامَّ وَالتَّكْرِمَةَ
ثُمَّ سَكَتَ الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ أَيَّامُ حَفِيدِهِ الْأَمِيرِ يَعْقُوبَ فَأَرَادَ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ فَعَارَضَهُ فُقَهَاءُ وَقْتِهِ وَفِيهِمْ أَبُو يَحْيَى بْنُ الْمَوَّاقِ وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لَزِمَ دَارِهِ وَعَارَضَ وَأَكَبَّ عَلَى جَمْعِ الْمَسَائِلِ الْمُنْتَقَدَةِ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ حَتَّى أَتَمَّهَا وَكَانَ لَا يَغِيبُ عَنْهُ فَلَمَّا أَتَمَّهَا جَاءَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَغَيْبَتِهِ وَكَانَ ذَا جَلَالَةٍ عِنْدَهُ وَمُبِرًّا لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُنَا قَدْ كُنْتُ فِي خِدْمَتِكُمْ لَمَّا سَمِعْتُكُمْ تَذْكُرُونَ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ وَفِيهَا أَشْيَاءُ أُعِيذُكُمْ بِاَللَّهِ مِنْ حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا وَأَخْرَجْتُ لَهُ دَفْتَرًا فَلَمَّا أَخَذَهُ الْأَمِيرُ جَعَلَ يَقْرَؤُهُ، وَيَقُولُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَحْمِلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى هَذَا وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الْمَوَّاقِ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ثُمَّ سَكَتَ الْحَالُ بَعْدُ فِي الْفُرُوعِ وَظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَهِيَ إذَا أَخَذْت مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً وَجَدْت كُلَّهَا رَاجِعَةً إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْهَا خَارِجًا عَنْهَا؛ لِأَنَّ وَاضِعَهَا وَمُسْتَنْبِطَهَا مِنْ خِيَارِ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ وَعُدُولِهِمْ وَأَهْلِ التَّفَقُّهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالشَّرْعِ فَهُمْ قَوْمٌ غُذُّوا بِالتَّقْوَى وَرُبُّوا بِالْهُدَى فَهُمْ أَنْوَارُ الدُّنْيَا وَرَيَاحِينُهَا وَبَرَكَاتُ الْأُمَّةِ وَمَيَامِينُهَا عُدُولُ كُلِّ خَلَفٍ وَأَئِمَّةُ كُلِّ سَلَفٍ سَادَةٌ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَحْقِيقِهَا بَعْدَ تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ السُّنَنِ مِنْ السَّقِيمِ وَالنَّاسِخِ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِهَا وَدَوَّنُوهَا كُتُبًا وَجَعَلُوهَا أَبْوَابًا مُهَذَّبَةً مُقَرَّبَةً وَكَفَوْا مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ الْمُؤْنَةَ بِأَنْ تَرَكُوا الْأُصُولَ عَلَى أَصْلِهَا وَفَرَّعُوا عَلَيْهَا فُرُوعَهَا مِنْ الْفِقْهِ تَقْتَضِيهَا وَمَسَائِلَ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَتَقْرِيبًا عَلَى النَّاظِرِ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ جَزَائِهِ كَمَا جَعَلَهُمْ وَرَثَةَ أَنْبِيَائِهِ وَحَفَظَةَ شَرْعِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ لَهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ تَدُورُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيِّ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ وَسَحْنُونٌ وَكُلُّهُمْ
стр. 100
مَشْهُورُونَ بِالْإِمَامَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ الرَّقِيقِ وَالْمَدَارِكِ اهـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَأَمَّا قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ فِي نِصْفِ يَوْمٍ فَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ وَفِطْرُ رَمَضَانَ فِيهِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِلَا طَهَارَةٍ مَذْهَبٌ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَعَارَضَهُ الْحُفَّاظُ بِمَا خَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقَبْضُ وَالْقُنُوتُ جَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَتَأْخِيرُ الصُّبْحِ لِلْإِسْفَارِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَؤُلَاءِ تَرَكُوا تَقْلِيدَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَاتَّبَعُوا الْأَحَادِيثَ بِزَعْمِهِمْ فَتَارَةً وَافَقُوا بَعْضَ الْمَذَاهِبِ الصَّحِيحَةِ وَتَارَةً بَعْضَ الْمَذَاهِبِ الشَّاذَّةِ وَتَارَةً خَرَقُوا الْإِجْمَاعَ وَهَذَا شُؤْمُ الْخُرُوجِ عَنْ الْمَذَاهِبِ وَالِابْتِدَاعِ قَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ.
فَإِنْ قُلْت فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَحْجُوبِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْنِ الْأُولَى التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ. فَالْجَوَابُ نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِلَّ فِي نَفْسِهِ وَيُضِلَّ غَيْرَهُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ عَنْ الْخَوَّاصِ أَيْضًا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَالْحِمَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ مَنَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةُ وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ حُرْمَتُهُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورِيَّةٌ فَإِنْ اسْتَحَلُّوهُ فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ سَقْيُ السُّمِّ اسْتَوْجَبَ الْقِصَاصَ وَوَعِيدُهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَنَفْيُ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ شَقَاءٌ مُؤَبَّدٌ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ الْإِصْرَارِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
وَالْإِخْبَارُ بِنَحْوِ خُسُوفِ الْقَمَرِ كِهَانَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا خُصُوصًا مَعَ الْكَذِبِ فِي دَعْوَى الْكَشْفِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَقَعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَعَاطَى حِسَابَ سَيْرِ الْقَمَرِ وَلَوْ كَافِرًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ شَيْخَهُمْ الْمَهْدِيَّ مُشَاهَدَةُ الْبُطْلَانِ كَمَا شُوهِدَ بُطْلَانُهَا مِنْ شَيْخِ شَيْخِهِمْ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ شَيْخَهُمْ نَبِيٌّ فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ مِنْ هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ نَصُّهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ طَرِيقَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ هُدَاةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَفْتُونَا سَيِّدِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ - فِي سَدْلِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ مِنْ السُّنَّةِ وَوَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلُهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مِنْ السُّنَّةِ فَاتَّبَعَهُ الْفُقَهَاءُ وَذَكَرُوا كَرَاهَةَ الْقَبْضِ فِي الْفَرْضِ أَمْ لَهُمْ دَلِيلٌ وَهَلْ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَفِي حَالَةِ مَرَضِهِ يَكُونُ حِينَئِذٍ حُجَّةً وَيُعْمَلُ بِهِ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ أَفِيدُونَا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ قَاطِعٍ وَحُجَّةٍ شَافِيَةٍ وَلَكُمْ النِّعْمَةُ الضَّافِيَةُ فِي الْجِنَانِ مَعَ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ ﷺ .
стр. 101
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَصَرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالطَّرِيقَةَ الْمُنْجِيَةَ الْمُرْضِيَةَ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ذَوِي الرُّتَبِ الْعَلِيَّةِ وَأَبْقَاهَا بِفَضْلِهِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَجَعَلَ مُقَلِّدِيهِمْ ظَاهِرِينَ مَعْزُوزِينَ أَهْلَ سُنَّةٍ وَجَمَاعَةٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْقَائِلِ «إذَا ظَهَرَتْ الْفِتَنُ أَوْ الْبِدَعُ وَسُبَّتْ أَصْحَابِي فَلْيُظْهِرْ الْعَالِمُ عِلْمَهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
وَالْقَائِلُ «إذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَمَنْ كَتَمَ حَدِيثًا فَقَدْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ» .
وَالْقَائِلُ أَيْضًا «مَا ظَهَرَ أَهْلُ بِدْعَةٍ إلَّا أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِمْ حُجَّةً عَلَى لِسَانِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ» وَالْقَائِلُ أَيْضًا «أَهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» وَالْقَائِلُ أَيْضًا «أَصْحَابُ الْبِدَعِ كِلَابُ النَّارِ» وَالْقَائِلُ أَيْضًا «مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ» وَالْقَائِلِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صَوْمًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ» وَالْقَائِلُ «إذَا مَاتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ» .
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْمُنْحَصِرِينَ فِي مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَاعْلَمْ أَنَّ سَدْلَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَ بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى جَوَازِهِ فِيهَا وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُقَلِّدِيهِمْ حَتَّى صَارَ كَالْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ وَآخِرُ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ ﷺ .
أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فَالْحَدِيثُ الَّذِي خَرَّجَهُ مَالِكٌ ﵁ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ» وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ أَمْرَهُمْ بِالْوَضْعِ الْمَذْكُورِ دَلِيلٌ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْدُلُونَ وَإِلَّا كَانَ أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ عَبَثٌ مُحَالٌ عَلَى الشَّارِعِ ﷺ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَادُوا السَّدْلَ، وَلَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا لِرُؤْيَتِهِمْ فِعْلَ الرَّسُولِ ﷺ إيَّاهُ وَأَمَرَهُمْ بِهِ بِقَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ آخِرَ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ ﷺ فَهُوَ اسْتِمْرَارُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أَعْرِفُهُ يَعْنِي الْوَضْعَ فِي الْفَرِيضَةِ إذْ لَا يَجُوزُ جَهْلُهُمْ بِآخِرِ حَالَيْ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا مُخَالَفَتِهِ لِمُلَازَمَتِهِمْ لَهُ وَلِضَبْطِ أَحْوَالِهِ وَاتِّبَاعِهِ فِيهَا فَلِذَا ضَمَّ مَالِكٌ عَمَلَهُمْ لِلْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ، وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّالِمِ مِنْ مُعَارَضَةِ الْعَمَلِ لَهُ وَالْإِجْمَاعِ، وَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ أُصُولَ مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا الْقَبْضُ فِي الْفَرِيضَةِ فَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَتِهِ وَنَدْبِهِ وَإِبَاحَتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ثُبُوتِ فِعْلِهِ وَالْأَمْرِ بِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَائِلُونَ بِنَدْبِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ
стр. 102
وَتَحْصُلُ فِيهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ بَيَّنَهَا الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ وَحُجَّتُهُ فِيهَا تَرْكُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُ وَاسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى السَّدْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ الْقَبْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ بِالْخَيْرِيَّةِ وَأَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إمَامَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَضَبْطِهِ وَدِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ وَصَلَاحِهِ وَاتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ مَا يُخَالِفُهَا وَقَدْ تَلَقَّى الْأَئِمَّةُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ قَائِلِينَ وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهِيَ الْأَشْهَرُ عِنْدَهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهِيَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا يُعَضِّدُهَا أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَوَجْهُهَا مَعَ وُرُودِ ذَلِكَ فِي فِعْلِ الشَّارِعِ ﷺ كَوْنُ مُرَاعَاةِ الْمُصَلِّي دَوَامَهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ يُشْغِلُهُ غَالِبًا عَنْ مُرَاعَاةِ كَمَالِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ فَكَانَ إرْسَالُهُمَا مَعَ كَمَالِ الْإِقْبَالِ وَالْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ هَيْئَةٍ مِنْ الْعِيَانِ فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْعَجْزِ عَنْ كَمَالِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ مَعَ الْقَبْضِ فَإِرْسَالُ يَدَيْهِ بِجَنْبَيْهِ أَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَقَالَ: وَإِنْ أَرْسَلَهُمَا وَلَمْ يَعْبَثْ بِهِمَا فَلَا بَأْسَ انْتَهَى.
وَمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ كَانَ وَضْعُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ أَوْلَى وَبِذَلِكَ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ ﵃ فَقَدْ بَانَ لَكَ أَنَّ السَّائِلَ عَكَسَ الْأَمْرَ بِتَسْلِيمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالتَّوَقُّفِ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الضَّرُورِيِّ وَإِنْكَارِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَنَاقَضَ وَأَسَاءَ الْأَدَبَ إسَاءَةً يَسْتَحِقُّ بِهَا تَكْلِيفَهُ بِمَضْغِ لِسَانِهِ، وَرَضِّ بَنَانِهِ.
أَمَّا التَّنَاقُضُ فَقَوْلُهُ ابْتِدَاءً جَعَلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ طَرِيقَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُفِيدَانِ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ الضَّالِّينَ ثُمَّ نَاقَضَهُ بِقَوْلِهِ وَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ هُدَاةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ نَاقَضَ هَذَا بِقَوْلِهِ أَوْ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إذْ لَمَّا وَجَدَ الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ الْهَادِينَ خَوَّنَهُمْ وَتَرَدَّدَ بَيْنَ تَجْهِيلِهِمْ وَتَفْسِيقِهِمْ ثُمَّ نَاقَضَ هَذَا بِسُؤَالِهِ وَاسْتِفْتَائِهِ مِمَّنْ لَا يُسَاوِي التُّرَابَ الَّذِي وَطِئَهُ نِعَالُ ابْنَ الْقَاسِمِ وَأَتْبَاعِهِ وَأَمَّا إسَاءَتُهُ الْأَدَبَ فَفِي قَوْلِهِ أَوْ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَاتَّبَعَهُ الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيْسَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ الْهَادِينَ وَأَنَّهُ يَجْتَهِدُ بِرَأْيِهِ وَمُجَرَّدِ هَوَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ لِدَلِيلٍ وَأَنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ بَعْدَهُ يَتَّبِعُونَهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ وَمَنْ بَعْدَهُ بِالْأَوْلَى وَأَنَّ أَمْرَهُمْ دَائِرٌ بَيْنَ الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الدِّينِ وَكَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يَحْمِلُ هَذَا الدِّينَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ»
стр. 103
وَقَوْلُهُ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» وَقَوْلُهُ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ بِالْمَغْرِبِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» أَوْ كَمَا قَالَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَهَذِهِ الْإِسَاءَةُ سَارِيَةٌ لِجَمِيعِ الْأَئِمَّةِ الْقَابِلِينَ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ حَنَفِيَّةٌ وَمَالِكِيَّةٌ وَشَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ الْإِسَاءَةَ فِي حَقِّ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحْدَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ فَكَيْفَ بِالْإِسَاءَةِ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ مَنْ تَبِعَهُ فَكَيْفَ بِهَا فِي حَقِّهِمْ وَحَقِّ مَنْ أَقَرَّهُمْ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ هُنَا إلَّا مَحْضُ الرِّوَايَةِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَضْعَ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْفَرِيضَةِ وَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي النَّافِلَةِ لِطُولِ الْقِيَامِ يُعِينُ بِهِ نَفْسَهُ انْتَهَى.
فَالْإِسَاءَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مَالِكٍ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ حَدِيثُ «يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» وَحَدِيثُ «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» أَوْ كَمَا قَالَ وَحَدِيثُ الْقَبْضِ إنَّمَا تَلَقَّاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ يَدَيْ مَالِكٍ وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مُوَطَّئِهِ وَمَعَ ذَلِكَ حَكَمَ بِكَرَاهَتِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كُلِّ مَا يُخَالِفُهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ فَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِمَحْضِ هَوَى نَفْسِهِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ التَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ وَحَمْلِهِمْ حَدِيثَ عَالِمِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ إلَى وَقْتِنَا هَذَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ نَسْخِ الْحَدِيثِ وَرَجَعَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ إلَى السَّدْلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ لَا أَعْرِفُهُ يَعْنِي الْقَبْضَ مِنْ عَمَلِ التَّابِعِينَ فَكَانَ غَرَضُ ذَوِي النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ الْقَدْحَ فِي مَالِكٍ إمَامِ الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا وَفِقْهًا وَعَمَلًا، وَوَرَعًا بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْقَدْحَ فِيهِ لَا يُسْمَعُ وَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْوَبَالِ فَجَعَلُوا ابْنَ الْقَاسِمِ سُلَّمًا لِذَلِكَ ظَنًّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لِغَالِبِ النَّاسِ وَأَنَّ الْقَدْحَ فِيهِ يُسْمَعُ كَلًّا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَقَرِينُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَدَرَجَتُهُ قَرِيبَةٌ مِنْ دَرَجَةِ مَالِكٍ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ النَّخَعِيِّ لَوْ رَأَيْتُ الصَّحَابَةَ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعِ لِتَوَضَّأْت إلَيْهِ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمَرَافِقِ
فَكَذَلِكَ أَقُولُ لَمَّا قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْرَهُ الْقَبْضَ فِي الْفَرِيضَةِ تَرَكْته وَلَوْ كَانَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ الِاقْتِصَارُ عَلَى حَدِيثِ الْأَمْرِ بِهِ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْحَبِيبِ وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبْغَضُ النَّاسِ إلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَقَالَ ﷺ «أَتَرْعَوُنَّ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ أَنْ تَذْكُرُوهُ فَاذْكُرُوهُ يَعْرِفْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ﷺ «أَتَرْعَوُنَّ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ
стр. 104
أَبِي الدُّنْيَا وَالْحَكِيمُ وَالْحَاكِمِ وَالشِّيرَازِيُّ وَابْنِ عَدِيٍّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَقَالَ ﷺ «أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً رَجُلٌ أَخْلَقَ يَدَيْهِ فِي آمَالِهِ وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْأَيَّامُ عَلَى أُمْنِيَّتِهِ فَخَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا بِغَيْرِ زَادٍ وَقَدِمَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ» رَوَاهُ ابْنُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.
وَقَالَ ﷺ «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثًا زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
(مَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ الذَّابِّينَ عَنْ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ كُلَّ زَائِغٍ وَآفِكٍ) فِي رَجُلٍ ظَهَرَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ إلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ يَنْزِلُونَ بِأَطْرَافِ الْبِلَادِ وَيَحُثُّونَ النَّاسَ عَلَى تَعْظِيمِ شَيْخِهِمْ وَالدُّخُولِ فِي طَرِيقَتِهِ وَيُبَالِغُونَ فِي الْأَدَبِ مَعَهُ زِيَادَةً عَمَّا يَفْعَلُهُ الْأَعْوَانُ مَعَ الْمُلُوكِ حَتَّى إنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ تَكَرُّرِ الِاسْتِئْذَانِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ طَرِيقَ الْقَوْمِ كَذَلِكَ
ثُمَّ إنَّ الْوَافِدِينَ إلَيْهِ لَا يَشْهَدُونَ مَعَهُ صَلَاةً فِي جَمَاعَةٍ وَكُلَّمَا أَقَامَ بِبَلَدٍ وَطَالَتْ إقَامَتُهُ بِهَا لَا يَحْضُرُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَوْلًا وَكُلَّمَا أَتَتْهُ طَائِفَةٌ يَقُولُ لَهُمْ تَوَجَّهُوا إلَى فُلَانٍ يُعْطِكُمْ الْوِرْدَ فَيَكْتُبُ لَهُمْ ذِكْرًا مَخْصُوصًا بِبِطَاقَةٍ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ الْزَمْ مَقَامَك الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ جَابِيًا لِلْمُكُوسِ فَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْ مُنْكَرٍ أَقَامُوا عَلَيْهِ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ شَاذِلِيَّةٌ وَيَجْهَرُونَ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْفَرْضِ وَيَسْكُتُ الْإِمَامُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ سَكْتَةً وَبَعْدَ الْفَاتِحَةِ سَكْتَةً طَوِيلَةً وَيُوجِبُونَ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَيُطِيلُونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ طُولًا يَخْرُجُ عَنْ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ يُؤَدِّي إلَى افْتِتَانِ الْوَافِدِ عَلَيْهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَيَقْنُتُونَ جَهْرًا مَعَ رَفْعِ أَيْدِيهِمْ وَيَقُولُونَ فِطْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِهِ فِيهِ وَيَجْمَعُونَ الصَّلَاةَ وَيُقْصِرُونَهَا حَالَ إقَامَتِهِمْ فِي بَلَدٍ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ وَلَوْ طَالَتْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مَالِكِيَّةٌ وَالْتَبَسَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَوَامّ حَتَّى ظَنُّوا كُلَّ الظَّنِّ بِعُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ الْكِتْمَانَ أَوْ الْجَهْلَ بِقَوَاعِد الْمَذْهَبِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْوَارِدَةُ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهَا بِدْعِيٌّ وَبَعْضُهُمْ إذَا دَخَلَ الصَّلَاةَ يَصِيحُ وَلَا يُفِيقُ حَتَّى يُتِمَّ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ وَيُصَلُّونَ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ فُرُوضًا وَيَقُولُونَ لَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ إلَّا نَاقِضُ الْوُضُوءِ وَيُوجِبُونَ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ وَغَالِبُ أَتْبَاعِهِ الْأُمَرَاءُ وَالْوُجَهَاءُ وَأَعْوَانُهُمْ وَلَا يَنْزِلُونَ إلَّا عَلَى مَشَايِخِ الْعُرْبَانِ وَمَنْ تَحَقَّقَ تَحْرِيمَ مَالِهِ وَاسْتِغْرَاقَ ذِمَّتِهِ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَزَوَّدُونَ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ وَمَنْ تَعَفَّفَ عَنْ ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ إنَّك لَمْ تَبْلُغْ مَا بَلَغَ الشَّيْخُ وَأَتْبَاعُهُ
فَيَا عُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ بَيَانَ الْحَقِّ وَإِيضَاحَ الشَّرِيعَةِ وَالرَّدَّ عَلَى كُلِّ آفِكٍ مُغْتَرٍّ فَبَيِّنُوا لَنَا مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الطَّرِيقَةِ وَالْإِمَامُ مَالِكٍ وَلَا تَسْتَدِلُّوا لَنَا إلَّا بِمَشْهُورِهِ وَخَاطِبُوا بِذَلِكَ الْأُمَرَاءَ
стр. 105
وَالْعَامَّةَ وَأَوْجِزُوا فِي الْجَوَابِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ بِأَنْفَاسِكُمْ يُلْهِمُ لِطَرِيقِ الصَّوَابِ بِجَاهِ النَّبِيِّ الْأَوَّابِ ﷺ .
فَأَجَابَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مُصْطَفَى الْبُولَاقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا التَّحَجُّبُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ شَأْنُ جَبَابِرَةِ الظَّلَمَةِ وَدَعْوَى أَنَّ طَرِيقَةَ الصُّوفِيَّةِ هَكَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ وَافْتِرَاءٌ إنَّمَا طَرِيقُ الْقَوْمِ كَمَالُ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُجَاهَدَةُ النُّفُوسِ فِي التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ الشَّرِيفَةِ وَقَدْ كَانَ سَيِّدُ الْمُتَوَاضِعِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ حَتَّى الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَيَجْلِسُ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنْكَارُ هَذَا الْأَمْرِ عِنَادٌ وَطَرِيقُ الْقَوْمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَلَوْ خَرَجُوا لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ مُتَابَعَتُهُمْ وَمَا الْإِسْلَامُ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَكُلُّ مَا خَالَفَ ذَلِكَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ
وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِوُجُوبِهَا فَعَدَمُ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ أَعْظَمُ مَا يُقْدَحُ بِهِ فِي كَوْنِهِ صُوفِيًّا وَعَدَمُ حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي الْبَلَدِ الْإِقَامَةَ الطَّوِيلَةَ فُسُوقٌ وَمَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مَعَ النَّاسِ مَا هَذَا إلَّا حِرْمَانٌ مِنْ الْخَيْرِ وَسُقُوطٌ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ وَأَمْرُ عَوَامِّ النَّاسِ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إذْ مُرَادُهُ تَرْكُ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبِعَةِ وَأَخَذَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَهَذَا ضَلَالٌ وَالْأَمْرُ بِهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى الْجَهْلِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ النُّصُوصَ مِنْهَا الْمَنْسُوخُ وَمِنْهَا الْمَرْدُودُ لِطَعْنٍ فِي رُوَاتِهِ وَمِنْهَا مَا عَارَضَهُ أَقْوَى مِنْهُ فَتُرِكَ وَمِنْهَا الْمُطْلَقُ فِي مَحَلٍّ وَقَدْ قُيِّدَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَمِنْهَا الْمَصْرُوفُ عَنْ ظَاهِرِهِ لِأَمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ وَمِنْهَا وَمِنْهَا وَلَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ إلَّا الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ وَأَعْظَمُ مَا حُرِّرَ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِكَثْرَةِ الْمُحَقِّقِينَ فِيهَا مَعَ سَعَةِ الِاطِّلَاعِ وَطُولِ الْبَاعِ فَالْخُرُوجُ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ ضَلَالٌ وَالْأَمْرُ بِهِ جَهْلٌ وَعِصْيَانٌ
وَوَاجِبٌ تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمْ
وَالْأَمْرُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِطَرِيقِ الْقَوْمِ خُرُوجٌ عَنْ مَنْهَجِ السَّادَةِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقَائِدِ أَوَّلًا ثُمَّ تَعَلُّمُ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ ثُمَّ مَنْ طَلَبَ الطَّرِيقَ وَكَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ أُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْدُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الرَّجُلَ جَاهِلٌ بِظَوَاهِر الشَّرْعِ فَضْلًا عَنْ الطَّرِيقِ وَمَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ يُحْرَمُ الْوَفَاءَ بِعَهْدِهِ لِأَنَّهُ كَأَخْذِ الدَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبِيبٍ فَرُبَّمَا سَعَى الْإِنْسَانُ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
وَقَوْلُ مُعْطِي الْوَرْدِ الْزَمْ مَقَامَك وَلَوْ كَانَ مَعْصِيَةً وَعَدَمُ اسْتِنَابَتِهِ وَعَدَمُ نَهْيِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ حَرَامٌ وَفَاعِلُهُ مَلْعُونٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ
стр. 106
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالسُّكُوتُ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا وَإِيجَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ وَإِطَالَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَالْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَمَنْ نَسَبَهَا إلَيْهَا فَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَتَفْضِيلُ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ غَنِيٌّ عَنْ الرَّدِّ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَكَأَنَّ شُبْهَتَهُمْ فِيهِ حَدِيثُ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَالْأَئِمَّةُ حَمَلُوهُ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ الصَّوْمُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لِجَهْلِهِمْ لَمْ يُحْسِنُوا التَّصَرُّفَ فِي الْأَدِلَّةِ فَخَالَفُوا مَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَقَصْرُهُمْ الصَّلَاةَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ إنْ كَانَ مَعَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ أَوْ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَصَلَاتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَاطِلَةٌ وَزَعْمُهُمْ أَنَّهُمْ مَالِكِيَّةٌ مَعَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُخَالِفَةِ لِنُصُوصِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَمْرٌ يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ وَعُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ لَمْ يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ وَلَا جَهِلُوهُ وَمَنْ ظَنَّ بِهِمْ هَذَا الظَّنَّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ لِأَنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ بِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَاهُمْ هِيَ أَنَّ أَفْعَالَهُمْ هِيَ السُّنَّةُ وَأَنَّ خِلَافَهَا بِدْعَةٌ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ وَالْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعْلَمُ النَّاسِ بِالسُّنَّةِ وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَأَفْعَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَكُتُبُهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرَةٌ وَنُصُوصُهُمْ فِي رَدِّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ صَرِيحَةٌ وَمَنْ أَحَبَّ فَلْيُرَاجِعْ
وَصِيَاحُ بَعْضِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ تَلَاعُبٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَصَلَاةُ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَإِيجَابُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَكَوْنُ غَالِبِ أَتْبَاعِ هَذَا الرَّجُلِ أَكَابِرَ النَّاسِ وَأَهْلَ الدُّنْيَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَلْبٌ مِنْ كِلَابِ الدُّنْيَا كَاذِبٌ فِي دَعْوَى التَّصَوُّفِ لِأَنَّ غَالِبَ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إنَّمَا هُمْ فُقَرَاءُ النَّاسِ وَضُعَفَاؤُهُمْ وَأَكْلُ الْمَالِ الْخَبِيثِ مَعْصِيَةٌ وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى الْمُتَعَفِّفِ بِهَذَا الشَّيْخِ وَأَتْبَاعِهِ أَمْرٌ نَاشِئٌ عَنْ شِدَّةِ الْجَهْلِ وَالِاحْتِجَاجُ إنَّمَا يَكُونُ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِفِعْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَإِنَّمَا هُمْ طُلَّابُ دُنْيَا وَفَعَلُوا هَذِهِ الْمُخَالَفَاتِ لِيَتَمَيَّزُوا بِهَا وَيَعْرِفُوا أَوَّلِيَّتَهُمْ إذْ ضَلُّوا تَرَكُوا النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَمْ يُضِلُّوهُمْ بِكَذِبِهِمْ عَلَى الْمَذَاهِبِ بَلْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ بِدِينِهِ وَالنَّجَاةَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَشَدَّ التَّبَاعُدِ.
وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ قَدْ انْقَطَعَتْ مُنْذُ أَزْمَانٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَحَدٌ مِنْ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَحِكَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَلَعِبَ بِهِ الشَّيْطَانُ وَعَلَى فَرْضِ الْوُجُودِ هَلْ يَعْتَقِدُ عَاقِلٌ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى يَتَّبِعَ وَيَتْرُكَ مَا عَلَيْهِ الْأَوَائِلُ وَالْوَاجِبُ عَلَى
стр. 107
وُلَاةِ الْأُمُورِ وَكُلِّ مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ أَنْ يَزْجُرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ إضْلَالِ النَّاسِ وَتَعْطِيلِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبِعَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرُوا أُخْرِجُوا مِنْ الْبِلَادِ وَأُبْعِدُوا عَنْ الْعِبَادِ لِيَسْتَرِيحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِمْ وَتَصْلُحَ أَحْوَالُهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
[حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ
(سُئِلَ) شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْحُكْمِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَا الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُصَلِّي بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُصَلِّي بِهَا عَامِدًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَوْلَانِ الْوُجُوبُ وَالسُّنِّيَّةُ، وَهُمَا اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ ذَاكِرًا قَادِرًا أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الرَّمَاصِيُّ وَالْحَطَّابُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِنُصُوصٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا مَا نَقَلَهُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ لِنَصِّ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ السُّنَنِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ فَرْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا كَمَا لَوْ تَرَكَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ فِي الْوُضُوءِ إلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ لَعَلَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي تَأْثِيمِ الْعَامِدِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَعَدَمِ تَأْثِيمِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ
قُلْت: صُرِّحَ فِي الْمَعُونَةِ بِأَنَّ الْعَامِدَ آثِمٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا سُنَّةٌ وَأَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ فِي التَّوْشِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الِاتِّفَاقَ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِهَا، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّأْثِيمِ وَاسْتَشْكَلَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُجُوبِ وَعِنْدِي أَنَّ التَّأْثِيمَ فِي السُّنَّةِ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَفِي الْوُجُوبِ
стр. 108
عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ انْتَهَى. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ وَأَنَّهُ تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي إعَادَةِ الذَّاكِرِ الْقَادِرِ فَهِيَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَاجِبَةٌ أَبَدًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مَنْدُوبَةٌ أَبَدًا وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ وَتَلَامِذَتُهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا سَلَفَ لَهُ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ النَّجَاسَةِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ بِهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَتَأْثِيمِ فَاعِلِ ذَلِكَ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ هَلْ هُوَ الْوُجُوبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْخَلْفُ لَفْظِيٌّ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوُجُوبُ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ الشَّرْطِيُّ الَّذِي تُفْسِدُ مُخَالَفَتُهُ وَالسُّنَّةُ مَعْنَاهَا الْوُجُوبُ غَيْرُ الشَّرْطِيِّ الَّذِي تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَلَا تُفْسِدُ الْعِبَادَةَ هَذَا مَا فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا إنْ كَانَ مُعَانِدًا أُدِّبَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُلِّمَ وَقِيلَ لَهُ إنَّك أَخَذْت لَفْظَ سُنَّةٍ مِنْ قَوْمٍ وَفَسَّرْتهَا بِاصْطِلَاحِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَهَذَا غَلَطٌ وَتَخْلِيطٌ وَلَفْظُ سُنَّةٍ يُطْلِقُهُ الْمَالِكِيَّةُ أَحْيَانًا عَلَى مَا يَتَأَكَّدُ طَلَبُهُ وَلَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَتَارَةً عَلَى مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَلَا تَفْسُدُ الْعِبَادَةُ بِتَرْكِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا غَالِبًا بِقَوْلِهِمْ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ أَوْ وَاجِبٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى اصْطِلَاحٍ بِاصْطِلَاحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا قَوْلُكُمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ الْقُدْرَةَ فِي وُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ هَلْ يَشْمَلُ الْقُدْرَةَ بِالْغَيْرِ كَحَلِيلَتِهِ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَلِيلَةً وَمَا ضَابِطُهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَطَّابُ فِي الْمَدْخَلِ يَلْزَمُ الرَّجُلَ الَّذِي لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَى مَوْضِعِ اسْتِنْجَائِهِ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِتَوَلِّيهِ شِرَاءَ جَارِيَةٍ لِذَلِكَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَصِلُ يَدُهَا لِذَلِكَ يَسْقُطُ الِاسْتِنْجَاءُ عَنْهَا إنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ زَوْجُهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُ غَيْرِهِ مِنْهُ وَالنَّجَاسَةُ الْمُغَلَّظَةُ الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا قَلِيلُهَا كَكَثِيرِهَا.
قَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُ غُسْلُ الْبَوْلِ وَلَوْ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَاَلَّذِي يُعْفَى عَنْهَا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا يُنْدَبُ غُسْلُ مُتَفَاحِشِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[أَثَرِ الْوَشْمِ الَّذِي تَعْسُرُ إزَالَتُهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ]
مَا قَوْلُكُمْ فِي أَثَرِ الْوَشْمِ الَّذِي تَعْسُرُ إزَالَتُهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ فَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَالْوِشَامُ مُخْتَلِطٌ بِدَمٍ وَالْمُتَجَسِّدُ لُمْعَةٌ فَإِنْ عَسُرَ فَعَفْوٌ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 109
[مَسَائِلُ الِاسْتِبْرَاءِ] [ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَحَسَّ بِبَوْلٍ فِي قَصَبَةِ ذَكَرِهِ]
ِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَحَسَّ بِبَوْلٍ فِي قَصَبَةِ ذَكَرِهِ بِحَيْثُ إذَا تَنَزَّهَ بَرَزَ وَاسْتَمَرَّ بَقِيَّةَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا حَالُهُ فَهَلْ هَذَا سَلَسٌ مُغْتَفَرٌ فَلَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءٌ مِنْهُ ثَانِيًا وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ هَذَا النَّازِلُ بَقِيَّةَ بَوْلٍ اخْتِيَارِيٍّ فَلَيْسَ سَلَسًا فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَوُضُوءُهُ قَبْلَهُ بَاطِلٌ إذْ شَرْطُهُ عَدَمُ الْمُنَافِي وَهُوَ مَوْجُودٌ إذْ السَّلَسُ خَارِجٌ ابْتِدَاءً بِلَا اخْتِيَارٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُهُ وَإِنْ كَانَ كَذَا فَسَلَسٌ فَإِنْ فَارَقَ أَكْثَرَ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَحَسَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِنُقْطَةِ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ بَوْلٍ انْفَصَلَتْ إلَى قَصَبَةِ ذَكَرِهِ وَلَمْ تَبْرُزْ وَبَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ سَلَتَ ذَكَرَهُ وَنَتَرَهُ فَبَرَزَتْ فَهَلْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ لِلْقَصَبَةِ لَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ وَلِذَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا إذَا لَازَمَهُ ذَلِكَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ.
فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّنْ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيُحِسُّ بَلَلًا فَيَقْطَعُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ هَذَا فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَيَقْطَعُ فَيَجِدُ الْبَلَلَ كَيْفَ يَصْنَعُ وَهَلْ يُجْزِئُهُ التَّمَادِي عَلَى الشَّكِّ ثُمَّ يَخْتَبِرُ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَالَ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَسْتَبْرِئُ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى شَكِّهِ وَظَهَرَتْ السَّلَامَةُ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَغَيْرُهُ يَرَى إعَادَتَهَا.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَاءِ وَتَوَضَّأَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ سَارَ إلَيْهَا فَوَجَدَ نُقْطَةً هَابِطَةً فَفَتَّشَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا أَوْ لَمْ يَجِدْهَا
فَأَجَابَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَنْكَحَهُ ذَلِكَ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ.
[مَسَحَ ذَكَرَهُ مِنْ الْبَوْلِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ وَجَدَ بَلَلًا]
قَالَ وَسُئِلَ رَبِيعَةُ عَمَّنْ مَسَحَ ذَكَرَهُ مِنْ الْبَوْلِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ وَجَدَ بَلَلًا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ بَلَغَ مِحْنَتَهُ وَأَدَّى فَرِيضَتَهُ أَيْ إذَا اسْتَنْكَحَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا نُقِضَ وُضُوءُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَفِيهَا سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يَسْتَنْجِي وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَهْبِطُ مِنْهُ نُقْطَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَيَهُزُّ نَفْسَهُ حَتَّى
стр. 110
تَهْبِطَ أَمْ لَا؟
جَوَابُهَا: لَا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَشَبَهَهُ مِنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ فَإِذَا لَمْ يَعْبَأْ بِهِ انْقَطَعَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْت: هَذَا إنْ كَانَ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ وَيَجِدُهُ تَارَةً وَلَا يَجِدُهُ أُخْرَى فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَقُومَ وَيَقْعُدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ.
ثُمَّ قَالَ ذَكَرَ الْجَوْزِيُّ فِي تَلْبِيسِ إبْلِيسَ أَنَّهُ إذَا يَئِسَ مِنْ فِتْنَةِ الْعِبَادِ أَتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ دِينُهُمْ فَيُشَكِّكُهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ جُلُّ وَقْتِهِ وَهُوَ فِي عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ وَرُبَّمَا أَخْرَجَتْهُمْ الْوَسْوَسَةُ إلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ أَوْ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا وَيَنْتَظِرُونَ انْقِطَاعَ الْمَادَّةِ مَعَ الطُّولِ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَوْلَ يَتَرَشَّحُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا تَزَالُ مَادَّتُهُ مُتَّصِلَةً.
وَقَدْ شَاهَدْتُ وَسَمِعْتُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِجُمْلَةٍ مِنْ الصَّالِحِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ حَتَّى يَأْخُذَ أَكْثَرَ الْوَقْتِ وَإِذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ سَلَّمَ وَأَحْرَمَ، وَهَكَذَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ إلَى طُلُوعِهَا بِالْفِعْلِ.
وَرَأَيْت رَجُلًا غَسَلَ ذِرَاعَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَأَنَا وَآخَرُ نَنْظُرُ إلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ أَدَّيْت مَا عَلَيْك وَنَحْنُ نَشْهَدُ لَك عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَا بَقِيَ عَلَيْك شَيْءٌ فَقَالَ لَا أَثِقُ بِشَهَادَتِكُمَا لِأَنِّي لَا أَثِقُ بِنَفْسِي فَكَيْفَ بِغَيْرِي فَهَذَا وَشَبَهُهُ مُبْتَلًى أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ مَسْحِ الْخُفِّ]
[مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ بِحَدِيدٍ]
مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ مَسْحِ الْخُفِّ (مَا قَوْلُكُمْ فِي مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ بِحَدِيدٍ) ؟
فَأَجَبْت عَنْهُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَصَّ شَارِحُو الْمُخْتَصَرِ عَلَى صِحَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ وَأَطْلَقُوا وَلَمْ أَرَ مَنْ قَيَّدَ أَزْرَارَهُ بِكَوْنِهَا غَيْرَ حَدِيدٍ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ جَوَازُ مَسْحِ مَا أَزْرَارُهُ حَدِيدٌ وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ مَسْحِهِ وَهُوَ أَحْكَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مِنْ أَزْرَارِهِ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا وَقَدْ نَصُّوا عَلَى اغْتِفَارِهِ وَعَلَى أَنَّ مَسْحَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَعَلَى كَرَاهَةِ تَتَبُّعِ غُضُونِهِ وَتَجْدِيدِ الْبَلَلِ إنْ جَفَّتْ يَدُهُ قَبْلَ تَكْمِيلِ مَسْحِ الرَّجُلِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بَقِيَ ثُلُثُهَا أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَهَلْ يَبْلُغُ الظَّاهِرُ مِنْ أَزْرَارِ الْحَدِيدِ قَدْرَ ثُلُثِ الرَّجُلِ لَا وَلَا قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِهَا مَا هُوَ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مُغْتَفَرٌ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
следующие страницы →