← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21692

درر الحكام في شرح مجلة الأحكام

علي حيدر

Полный текст (2 914 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[ (الْمَادَّةُ ٤٦) إذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي يُقَدَّمُ الْمَانِعُ] (الْمَادَّةُ ٤٦) : إذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي يُقَدَّمُ الْمَانِعُ أَيْ إذَا وُجِدَ فِي مَسْأَلَةٍ سَبَبٌ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِهَا وَسَبَبٌ آخَرَ يَمْنَعُ الْعَمَلَ يُرَجَّحُ الْمَانِعُ. مِثَالُ ذَلِكَ: الرَّهْنُ، لَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عِنْدَ آخَرَ دَارِهِ مَثَلًا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ بَيْعِهَا مَعَ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مِلْكِيَّةَ الدَّارِ تَقْتَضِي أَنْ يَتَصَرَّفَ صَاحِبُهَا بِهَا كَيْفَ شَاءَ، إلَّا أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّارِ وَجَعْلَهَا وَثِيقَةً فِي يَدِهِ لِحِفْظِ مَالِهِ مَانِعٌ، وَالْمَانِعُ مُرَجَّحٌ عَلَى الْمُقْتَضِي فَيُعْمَلُ بِهِ، كَذَلِكَ لَوْ بِيعَ شَيْءٌ مَعْلُومٌ وَآخَرُ مَجْهُولٌ صَفْقَةً وَاحِدَةً لَا يَصِحُّ لِمُعَارَضَةِ الْمَانِعِ، وَهُوَ جَهَالَةُ أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ فِي الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ لِلْمُقْتَضِي، وَهُوَ صِحَّةُ الْعَقْدِ فِي الْمَبِيعِ الْمَعْلُومِ، كَذَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مُتَقَوِّمًا وَغَيْرَ مُتَقَوِّمٌ مَعًا كَمِّيَّةً، كَذَلِكَ الْبِنَاءُ الَّذِي أَسْفَلُهُ مَمْلُوكٌ لِشَخْصٍ وَأَعْلَاهُ مِلْكُ شَخْصٍ آخَرَ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمُقْتَضَى مِلْكِيَّتِهِ بِدُونِ رِضَاءِ الْآخَرِ بِصُورَةٍ مُضِرَّةٍ لِمُعَارَضَةِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْإِضْرَارُ، كَأَنْ يَكْشِفَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ الْعُلْوِيِّ سَقْفَ الْبِنَاءِ السُّفْلِيِّ الَّذِي هُوَ أَرْضُ مَحِلِّهِ، أَوْ يَهْدِمَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ السُّفْلِيِّ حَائِطًا مُرْتَكِزًا عَلَيْهَا قِسْمٌ مِنْ الْبِنَاءِ الْعُلْوِيِّ. كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ مَعَهُ بِمَالِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لَا يُعْتَبَرُ فَيَكُونُ مَانِعًا. [ (الْمَادَّةُ ٤٧) التَّابِعُ لِلشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ تَابِعٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ] (الْمَادَّةُ ٤٧) : التَّابِعُ تَابِعٌ. يَعْنِي: التَّابِعُ لِلشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ تَابِعٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ، فَلَوْ بِيعَتْ بَقَرَةٌ مَثَلًا: فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ دَخَلَ الْجَنِينُ فِي الْبَيْعِ بِلَا نَصٍّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الْحُكْمِ، كَذَلِكَ لَوْ بَاعَ شَخْصٌ بُسْتَانًا مِنْ آخَرَ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ أَثْمَرَ شَجَرُ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ، فَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَجْنِيَ ذَلِكَ الثَّمَرَ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي تَبَعًا، كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٢٣٦) أَنَّ الزَّوَائِدَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي، كَذَا زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ هِيَ تَابِعَةٌ لِلْمَغْصُوبِ بِالْوُجُودِ أَيْضًا فَتَكُونُ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. مِثَالٌ: لَوْ اغْتَصَبَ شَخْصٌ فَرَسًا مِنْ آخَرَ وَنَتَجَتْ عِنْدَهُ مُهْرًا مَثَلًا: فَالْمُهْرُ لِصَاحِبِهَا تَبَعًا لَهَا وَلَيْسَ لِلْمُغْتَصِبِ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ. كَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ، فَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عِنْدَ شَخْصٍ نَاقَةً وَنَتَجَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَالنِّتَاجُ يَكُونُ رَهْنًا أَيْضًا تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَحِقُّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ فَكِّ الرَّهْنِ. [ (الْمَادَّةُ ٤٨) التَّابِعُ لَا يُقَرَّرُ بِالْحُكْمِ] (الْمَادَّةُ ٤٨) : التَّابِعُ لَا يُقَرَّرُ بِالْحُكْمِ فَالْجَنِينُ الَّذِي فِي بَطْنِ الْحَيَوَانِ لَا يُبَاعُ مُنْفَرِدًا عَنْ أُمِّهِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ هِبَةُ الْحَيَوَانِ الْمَوْجُودِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ بَقَرَةً حَامِلًا وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا مِنْ الْهِبَةِ تَكُونُ الْهِبَةُ لِلِاثْنَيْنِ مَعًا. وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ لَغْوًا، كَذَلِكَ إذَا بِيعَ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ وَكَانَ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ وَظَهَرَ عِنْدَ التَّسْلِيمِ زِيَادَةٌ

стр. 37

عَنْ الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَالزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ حَجَرًا مِنْ الْمَاسِ عَلَى أَنَّ وَزْنَهُ خَمْسَةَ قَرَارِيطَ فَظَهَرَ أَثْنَاءَ التَّسْلِيمِ أَنَّ وَزْنَهُ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ يُصْبِحُ ذَلِكَ الْحَجَرُ لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الثَّمَنِ الَّذِي صَارَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْقِيرَاطِ تَابِعٌ لِلْكُلِّ، فَلَا يُقَرَّرُ بِالْحُكْمِ. " مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنَيَاتٌ، وَهِيَ كَمَا يَلِي: إذَا أَقَرَّ شَخْصٌ لِجَنِينٍ أَيْ لِحَمْلٍ بِمَالِ مَعَ بَيَانِ سَبَبٍ مَعْقُولٍ يَكُونُ إقْرَارُهُ صَحِيحًا بِشَرْطِ أَنْ يُولَدَ ذَلِكَ الْحَمْلُ فِي بَحْرِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ تَارِيخِ الْإِقْرَارِ، فَهُنَا مَعَ كَوْنِ الْجَنِينِ تَابِعًا فِي الْوُجُودِ لِوَالِدَتِهِ فَقَدْ أُقِرَّ بِالْحُكْمِ وَاعْتُبِرَ الْإِقْرَارُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الْجَنِينَ إذَا وُلِدَ حَيًّا يَرِثُ مِنْ وَالِدِهِ الْمُتَوَفَّى قَبْلًا. كَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَ الْمَكْفُولُ إلَيْهِ الْكَفِيلَ يُصْبِحُ بَرِيئًا، وَالْحَالُ أَنَّ الْكَفَالَةَ تَابِعَةٌ لِلدَّيْنِ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَلَّا يُفْرَدَ الْكَفِيلُ بِحُكْمٍ، كَذَلِكَ لَوْ أَنَّ شَخْصًا يُطْلَبُ لَهُ مِنْ آخَرَ عُمْلَةٌ خَالِصَةٌ فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ أَخْذِ دَيْنِهِ بِتِلْكَ الْعُمْلَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا عُمْلَةً (مَغْشُوشَةً) فَإِسْقَاطُهُ هَذَا صَحِيحٌ، وَالْحَالُ أَنَّ خُلُوصَ الْعُمْلَةِ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ وَتَابِعَةٌ لَهُ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَدَمَ إعْطَاءِ حُكْمٍ بِحَقِّهَا. [ (الْمَادَّةُ ٤٩) مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ] (الْمَادَّةُ ٤٩) : مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا مَثَلًا مَلَكَ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِنْ ضَرُورَاتِ الدَّارِ وَالدَّارُ بِدُونِ طَرِيقٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَالسُّكْنَى فِيهَا، فَعَلَيْهِ كُلُّ دَارٍ تُبَاعُ مِنْ الْمُشْتَرِي تَدْخُلُ طَرِيقُهَا فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ذِكْرٍ وَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ إنَّنِي لَمْ أَبِعْ الطَّرِيقَ، بَلْ بِعْتُ الدَّارَ فَقَطْ، كَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا يُصْبِحُ مَالِكًا مَا فَوْقَهَا وَمَا تَحْتَهَا تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ (١١٧٤) ، فَعَلَيْهِ يَحِقُّ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْشَاءُ مَا يَشَاءُ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِعْلَاءُ سُمْكِهِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُرِيدُ، كَمَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي الْأَرْضِ إلَى أَعْمَاقِهَا. [ (الْمَادَّةُ ٥٠) إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ الْفَرْعُ] (الْمَادَّةُ ٥٠) : إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ الْفَرْعُ. إنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَشْبَاهِ بِعِبَارَةِ (يَسْقُطُ الْفَرْعُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ) وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا قَاعِدَةُ (التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ) وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ التَّابِعُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ أَوْ يَسْقُطُ الْفَرْعُ بِسُقُوطِ الْأَصْلِ أَمَّا إذَا سَقَطَ الْفَرْعُ أَوْ سَقَطَ التَّابِعُ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَتْبُوعُ. مِثَالُ ذَلِكَ. لَوْ أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ مِنْ الدَّيْنِ

стр. 38

فَكَمَا أَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَدِينُ يَبْرَأُ مِنْهُ الْكَفِيلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَدِينَ فِي الدَّيْنِ أَصْلٌ وَالْكَفِيلُ فَرْعٌ فَبِسُقُوطِهِ عَنْ الْأَصْلِ يَسْقُطُ عَنْ الْفَرْعِ طَبْعًا، أَمَّا لَوْ عُكِسَتْ الْقَضِيَّةُ وَكَانَ الْكَفِيلُ هُوَ الْمُبَرَّأُ مِنْ قِبَلِ الدَّائِنِ، فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الْمَدِينِ بِسُقُوطِهِ عَنْ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ عَنْ الْفَرْعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْ الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْفَرْعُ دُونَ أَنْ يَثْبُتَ الْأَصْلُ وَإِلَيْكَ الْمِثَالُ: لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى اثْنَيْنِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَدَانَ مِنْهُ أَلْفَ قِرْشٍ وَالثَّانِي كَفَلَهُ فِي ذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَأَنْكَرَ الْمَدِينُ الدَّيْنَ وَالْمُدَّعِي عَاجِزٌ عَنْ إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ إلَّا أَنَّ الْكَفِيلَ أَقَرَّ بِالْكَفَالَةِ فَيُحْكَمُ عَلَى الْكَفِيلِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ بِمُقْتَضَى اعْتِرَافِهِ بِالدَّيْنِ دُونَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ. [ (الْمَادَّةُ ٥١) السَّاقِطُ لَا يَعُودُ] (الْمَادَّةُ ٥١) : السَّاقِطُ لَا يَعُودُ. يَعْنِي إذَا أَسْقَطَ شَخْصٌ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُهَا يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ وَبَعْدَ إسْقَاطِهِ لَا يَعُودُ. أَمَّا الْحَقُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهِ لَهُ. مِثَالٌ: لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَأَسْقَطَهُ عَنْ الْمَدِينِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ رَأْيٌ فَنَدِمَ عَلَى إسْقَاطِهِ الدَّيْنَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَلِأَنَّهُ أَسْقَطَ الدَّيْنَ، وَهُوَ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَدِينِ وَيُطَالِبَهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ مِنْ الدَّيْنِ بِإِسْقَاطِ الدَّائِنِ حَقَّهُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ أَبْرَأَ شَخْصٌ آخَرَ مِنْ طَرِيقٍ لَهُ أَوْ سَيْلٍ أَوْ كَانَ لَهُ قِطْعَةٌ وَأَبْرَأَهُ بِهَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ بِمَا ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ وَيَجِبُ لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فِيهَا إجْرَاءُ عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ مَثَلًا. هَذَا وَإِلَيْكَ بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ: إذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي مَالًا مِنْ آخَرَ فَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لِحِينِ قَبْضِ الثَّمَنِ، كَمَا تَبَيَّنَ فِي الْمَادَّةِ (٢٨١) ، وَلَكِنْ إذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ الْمَبِيعَ وَيَحْبِسَهُ عِنْدَهُ لِحِينِ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ، كَمَا قُلْنَا: كَذَلِكَ الَّذِي يَشْتَرِي مَالًا بِدُونِ أَنْ يَرَاهُ لَهُ حَقُّ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ إذَا بَاعَهُ مِنْ آخَرَ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَجَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْدَ أَنْ رَآهُ يَسْقُطُ حَقُّ خِيَارِهِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٣٣٥) فَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ رَدَّ الْمَبِيعِ بِحَقِّ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ كَذَا الصُّلْحُ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ بَعْضِ الْحُقُوقِ، فَلَيْسَ لِلطَّرَفَيْنِ حَقُّ الْفَسْخِ فِيهِ، كَذَلِكَ لَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ شَاهِدٍ بِتُهْمَةِ الْفِسْقِ فِي دَعْوَى مِنْ الدَّعَاوَى، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُ فِي نَفْسِ الدَّعْوَى فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بُطْلَانُ تِلْكَ التُّهْمَةِ. [ (الْمَادَّةُ ٥٢) إذَا بَطَلَ شَيْءٌ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ] (الْمَادَّةُ ٥٢) : إذَا بَطَلَ شَيْءٌ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ. فَقَاعِدَةُ " الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ " مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا. وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَادَّةِ: أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ثَبَتَ ضِمْنًا إذَا بَطَلَ مُتَضَمِّنُهُ لَا يَبْقَى لَهُ الْحُكْمُ. مِثَالٌ: لَوْ

стр. 39

اشْتَرَى شَخْصٌ مِنْ آخَرَ الْيَمِينَ الْمُوَجَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فَلَمَّا كَانَ هَذَا الشِّرَاءُ بَاطِلًا فَإِسْقَاطُ الْيَمِينِ الَّذِي فِي ضِمْنِهِ بَاطِلٌ أَيْضًا، كَذَا لَوْ تَصَالَحَ طَرَفَانِ فَأَبْرَأَ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ سَنَدَاتٍ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ فَاسِدٌ، فَكَمَا أَنَّهُ يَكُونُ بَاطِلًا يَكُونُ الْإِبْرَاءُ الَّذِي فِي ضِمْنِهِ بَاطِلًا أَيْضًا. " مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى وَاحِدٌ وَذَلِكَ إذَا تَصَالَحَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ عَلَى حَقِّ الشُّفْعَةِ، فَالصُّلْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ، فَهُنَا مَعَ بُطْلَانِ الصُّلْحِ لَمْ يَبْطُلْ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضِمْنِ الصُّلْحِ، كَمَا تَقْتَضِي الْقَاعِدَةُ. [ (الْمَادَّةُ ٥٣) إذَا بَطَلَ الْأَصْلُ يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ] (الْمَادَّةُ ٥٣) : إذَا بَطَلَ الْأَصْلُ يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ. يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ إيفَاءُ الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ إيفَاءُ الْبَدَلِ بِدُونِ رِضَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ مَا دَامَ إيفَاءُ الْأَصْلِ مُمْكِنًا. لِأَنَّ إيفَاءَ الْأَصْلِ هُوَ (الْأَدَاءُ) أَمَّا إيفَاءٌ بِالْخُلْفِ عَنْ الْأَصْلِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْخُلْفِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ غَيْرُ جَائِزٍ. كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ مَثَلًا فَهُوَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ يَجِبُ رَدُّهُ عَيْنًا وَلَا يَجُوزُ إيفَاءُ بَدَلِهِ مَعَ وُجُودِهِ. مِثَالٌ: لَوْ اغْتَصَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ شَيْئًا وَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ تَحْتَ يَدِهِ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ لَمْ يَقْبَلْ بِذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَدَلِ، إنَّ الْأُصُولِيِّينَ يُعَبِّرُونَ عَنْ إيفَاءِ الْمَغْصُوبِ بِالذَّاتِ بِالْأَدَاءِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ رَدَّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ هُوَ أَدَاءٌ حَقِيقَةً، هَذَا غَيْرُ أَنَّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ فُقِدَ مِنْهُ وَأَصْبَحَ رَدُّهُ عَيْنًا غَيْرُ مُمْكِنٍ يُصَارُ حِينَئِذٍ إلَى الْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ يُؤْمَرُ الْغَاصِبُ بِإِيفَائِهِ بِمِثْلِهِ وَيُسَمَّى ذَلِكَ (الْقَضَاءَ بِالْمِثْلِ الْمَعْقُولِ أَوْ الْقَضَاءَ الْكَامِلُ) لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمِثْلِيَّةَ مُطَابِقَةٌ لِبَعْضِهَا صُورَةً وَمَعْنًى، وَقِيمَةُ الشَّيْءِ هِيَ مَعْنَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَالْأَمْوَالُ الْمِثْلِيَّةُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقِيمَةِ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ فِي ذَلِكَ. أَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ فَتُؤَدَّى قِيمَتُهُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ (الْقَضَاءَ الْقَاصِرَ) لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ النُّقُودِ لَا تُمَاثِلُ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى. [ (الْمَادَّةُ ٥٤) يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا] (الْمَادَّةُ ٥٤) : يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَقَاعِدَةُ (يُغْتَفَرُ لِشَيْءٍ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ قَصْدًا) قَرِيبَةٌ

стр. 40

مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَتُتَرْجَمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ التُّرْكِيَّةِ قَدْ يَجُوزُ تَبَعًا مَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ وَكَّلَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ فَالْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ، أَمَّا لَوْ أَعْطَى الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ كِيسًا لِيَضَعَ فِيهِ الْمَبِيعَ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ قَبْضًا مِنْ الْمُشْتَرِي وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَجَوَازِهَا فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُسَلِّمًا وَمُسْتَلِمًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ عَقْدٍ أَنْ يَتَوَلَّاهُ اثْنَانِ وَأَنْ يُسَلِّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي، أَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْطَى وِعَاءً لِلْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ عَمِلَ بِإِشَارَتِهِ يُعَدُّ ذَلِكَ قَبْضًا مِنْ الْمُشْتَرِي وَقَبْضُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ كَانَ تَبَعًا فَصَحَّ. كَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ مِنْ آخَرَ قَمْحًا وَطَلَبَ إلَيْهِ أَنْ يَطْحَنَ الْقَمْحَ وَالْبَائِعُ طَحَنَهُ يَكُونُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا الْقَمْحَ تَبَعًا لِطَلَبِهِ مِنْ الْبَائِعِ أَنْ يَطْحَنَهُ، كَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ شَخْصٌ عَقَارًا بِمَا فِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ وَقْفُهَا وَلَمْ يَكُنْ جَائِزًا عُرْفًا وَعَادَةً يَصِحُّ وَقْفُهَا تَبَعًا وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِيهَا غَيْرَ جَائِزٍ ابْتِدَاءً، كَذَا وَقْفُ حَقِّ الشُّرْبِ غَيْرِ الْجَائِزِ يَصِحُّ إذَا وَقَفَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، كَذَلِكَ بَيْعُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي شُرْبٍ أَيَّامًا مِنْ حَقِّهِ فِي الشُّرْبِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا بِيعَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ مَثَلًا. [ (الْمَادَّةُ ٥٥) يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ] (الْمَادَّةُ ٥٥) : يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ. فَقَاعِدَةُ يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِانْتِهَاءِ. هِيَ مِنْ قَبِيلِ هَذِهِ الْمَادَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: هِبَةُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً ابْتِدَاءً فَتَصِحُّ انْتِهَاءً، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ لِآخَرَ حِصَّةً شَائِعَةً فِي دَارِ مَثَلًا: فَالْهِبَةُ لَا تَصِحُّ، أَمَّا لَوْ وَهَبَ لَهُ الدَّارَ جَمِيعَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِحِصَّةٍ فِي تِلْكَ الدَّارِ، فَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ وَيَبْقَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْبَاقِيَ مِنْ الدَّارِ بَعْدَ أَخْذِ تِلْكَ الْحِصَّةِ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْهَا. كَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ دَارِهِ الَّتِي لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُوهِبُ تَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الثُّلُثَيْنِ وَتَصِحُّ فِي الثُّلُثِ فَقَطْ إذَا لَمْ تُقِرَّهَا الْوَرَثَةُ، وَالسَّبَبُ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ فِي الثُّلُثِ هُنَا - مَعَ أَنَّهُ حِصَّةٌ شَائِعَةٌ، وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الشَّائِعِ هُوَ أَنَّ الشُّيُوعَ طَارِئٌ وَالْهِبَةُ كَانَتْ لِجَمِيعِ الدَّارِ. كَذَلِكَ الْوَكِيلُ يَبِيعُ مَالًا لَهُ، لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ آخَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ الْمَالِ الْمُوَكَّلِ بِبَيْعِهِ، لَكِنْ لَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَبَاعَ الْمَالَ فُضُولًا وَالْوَكِيلُ أَجَازَ الْبَيْعَ تَكُونُ إجَازَتُهُ صَحِيحَةً وَالْبَيْعُ نَافِذًا، كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ بَيْعُ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ لِلْأَجْنَبِيِّ حِصَّتَهُ فِي الْأَثْمَارِ غَيْرِ النَّاضِجَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَوْ أَرَادَ قَطْفَ الْأَثْمَارِ وَأَخْذَ حِصَّتِهِ مِنْهَا لَتَضَرَّرَ الشَّرِيكُ، أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ الشَّرِيكَانِ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرِ لِشَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ بَعْدَ الْبَيْعِ فَسَخَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ بِالتَّرَاضِي مَعَ الْمُشْتَرِي لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَيَبْقَى صَحِيحًا. [ (الْمَادَّةُ ٥٦) الْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ] (الْمَادَّةُ ٥٦) : الْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. بِمَا أَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً قَدْ يَجُوزُ بَقَاءً مِثَالٌ: لِلشَّرِيكِ أَنْ يُؤَجِّرَ حِصَّتَهُ الشَّائِعَةَ لِشَرِيكِهِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ حِصَّتَهُ لِأَحَدِ شُرَكَائِهِ إذَا كَانُوا مُتَعَدِّدِينَ أَوْ

стр. 41

لِشَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ، أَمَّا لَوْ أَجَّرَ الدَّارَ جَمِيعَهَا عَلَى أَنَّهَا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ إجْرَاءِ عَقْدِ الْإِيجَارِ ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِنِصْفِ تِلْكَ الدَّارِ وَأَثْبَتَ الْمُسْتَحِقُّ مِلْكِيَّتَهُ بِنِصْفِهَا لَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَتَكُونُ صَحِيحَةً بَقَاءً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً ابْتِدَاءً، كَذَلِكَ لَوْ نَصَّبَ حَاكِمٌ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِذَلِكَ فَذَلِكَ النَّصْبُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي يَحْكُمُ بِهَا تَكُونُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ، وَلَكِنْ إذَا حَكَمَ ذَلِكَ النَّائِبُ فِي شَيْءٍ وَالْحَاكِمُ الَّذِي أَنَابَهُ أَجَازَ ذَلِكَ الْحُكْمَ يُصْبِحُ الْحُكْمُ مُعْتَبَرًا وَصَحِيحًا فَالْإِنَابَةُ هُنَا جَازَتْ بَقَاءً أَيْضًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً ابْتِدَاءً. [ (الْمَادَّةُ ٥٧) لَا يَتِمُّ التَّبَرُّعُ إلَّا بِقَبْضٍ] (الْمَادَّةُ ٥٧) : لَا يَتِمُّ التَّبَرُّعُ إلَّا بِقَبْضٍ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْقَائِلِ «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ تَتِمُّ بِدُونِ الْقَبْضِ لَأَصْبَحَ الْوَاهِبُ حِينَئِذٍ مُجْبَرًا عَلَى أَدَاءِ شَيْءٍ لَيْسَ بِمُجْبَرٍ عَلَى أَدَائِهِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِرُوحِ التَّبَرُّعِ فَالتَّبَرُّعُ هُوَ إعْطَاءُ الشَّيْءِ غَيْرِ الْوَاجِبِ، إعْطَاؤُهُ إحْسَانًا مِنْ الْمُعْطِي. مِثَالٌ: لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ مَالًا لِآخَرَ فَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِذَلِكَ الْمَالِ. كَذَا لَوْ عَدَلَ شَخْصٌ - بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ نُقُودًا بِيَدِهِ لِيُعْطِيَهَا فَقِيرًا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ - عَنْ إعْطَائِهِ إيَّاهَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهِبَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ بِلَا عِوَضٍ أَوْ كَانَتْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَتَمَامُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ، وَلُزُومُهَا لِلْوَرَثَةِ نَاشِئٌ عَنْ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ الَّذِي لَهُ وَحْدَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ تَبَرُّعِهِ. [ (الْمَادَّةُ ٥٨) التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّغْبَةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ] (الْمَادَّةُ ٥٨) : التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّغْبَةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَاعِدَةِ " تَصَرُّفُ الْقَاضِي فِيمَا لَهُ فِعْلُهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالْأَوْقَافِ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ " أَيْ أَنَّ تَصَرُّفَ الرَّاعِي فِي أُمُورِ الرَّعِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ صَحِيحًا. وَالرَّعِيَّةُ هُنَا: هِيَ عُمُومُ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ. مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا لَمْ يُوجَدْ وَلِيٌّ لِلْقَتِيلِ فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّهُ فَكَمَا أَنَّ لَهُ حَقًّا بِأَنْ يُقْتَصَّ مِنْ الْقَاتِلِ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَا أَنْ لَا تَقِلَّ الدِّيَةُ عَنْ الدِّيَةِ الشَّرْعِيَّةِ. كَذَلِكَ الْقَاضِي لَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَأَحْكَامُهُ مَا لَمْ تَكُنْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْمَصْلَحَةِ. مِثَالٌ: لَوْ أَمَرَ الْقَاضِي شَخْصًا بِأَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مَالًا لِشَخْصٍ آخَرَ فَإِذْنُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ حَتَّى أَنَّ الْقَاضِيَ نَفْسَهُ لَوْ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ الْمَالَ يَكُونُ ضَامِنًا. كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَهَبَ أَمْوَالَ الْوَقْفِ وَأَمْوَالَ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ

стр. 42

مُقَيَّدًا بِمَصْلَحَتِهَا أَيْضًا. كَذَلِكَ لَوْ نَصَّبَ حَاكِمٌ مُخَالِفًا شَرْطَ الْوَاقِفِ فَرَّاشًا فِي مَسْجِدٍ فَكَمَا أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ حَرَامٌ عَلَى الْفَرَّاشِ فَالْحَاكِمُ أَيْضًا يَكُونُ ارْتَكَبَ حُرْمَةً بِنَصْبِهِ. كَذَلِكَ إذَا صَالَحَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ عَنْ دَعْوَاهُ يَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، وَذَلِكَ حَسْبَ مَنْطُوقِ الْمَادَّةِ (١٥٤٠) كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مَدِينِ الصَّغِيرِ حَوَالَةً مَا لَهُ عَلَى شَخْصٍ مَا لَمْ يَكُنْ أَمْلَأَ، أَيْ أَغْنَى مِنْ الْمُحِيلِ، وَإِلَّا فَقَبُولُهُ لَا حُكْمَ لَهُ عَمَلًا بِالْمَادَّةِ (٦٨٥) وَالْحَاصِلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَالْوَالِي وَالْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْوَلِيِّ مَقْرُونًا بِالْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا جَائِزٍ. [ (الْمَادَّةُ ٥٩) الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ] (الْمَادَّةُ ٥٩) : الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ. يُرَادُ بِالْوِلَايَةِ هُنَا نَفَاذُ تَصَرُّفِ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الْغَيْرِ شَاءَ أَمْ أَبَى، وَالْوَلِيُّ: هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِدُونِ اسْتِحْصَالِ إذْنٍ بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَهَذَا بِعَكْسِ الْوَكِيلِ فَالْوَكِيلُ وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي مَالِ الْغَيْرِ فَتَصَرُّفُهُ مَقْرُونٌ بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ. هَذَا وَالْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ وِلَايَةً فِي النِّكَاحِ وَالْمَالِ، وَالْوَلِيُّ فِي ذَلِكَ الْجَدُّ أَوْ الْأَبُ أَوْ أَبُو الْجَدِّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي النِّكَاحِ فَقَطْ أَوْ فِي الْمَالِ فَقَطْ فَالْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ فَقَطْ جَمِيعُ الْعَصَبَاتِ وَالْأُمُّ وَذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالْوَلِيُّ فِي الْمَالِ فَقَطْ أَوَّلًا أَبُو الصَّغِيرِ. ثَانِيًا الْوَصِيُّ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُوهُ وَنَصَّبَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إذَا مَاتَ أَبُوهُ. ثَالِثًا الْوَصِيُّ الَّذِي نَصَّبَهُ الْوَصِيُّ الْمُخْتَارُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إذَا مَاتَ. رَابِعًا جَدُّهُ الصَّحِيحُ أَيْ أَبُو أَبِ الصَّغِيرِ. خَامِسًا الْوَصِيُّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْجَدُّ وَنَصَّبَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. سَادِسًا الْوَصِيُّ الَّذِي نَصَّبَهُ هَذَا، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٧٤) وَوِلَايَةُ الْوَقْفِ هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ أَيْضًا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَجَّرَ الْقَاضِي عَقَارًا لِلْوَقْفِ بِمَا لَهُ مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْوَقْفِ، وَأَجَّرَ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ ذَلِكَ الْعَقَارَ نَفْسَهُ، يَكُونُ إيجَارُ الْمُتَوَلِّي صَحِيحًا وَلَا يُعْتَبَرُ إيجَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْخَاصَّةَ أَقْوَى مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَلَا يَحِقُّ لِصَاحِبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَالِ الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ صَاحِبِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي عَيَّنَ ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي، كَذَلِكَ لَا يَحِقُّ لِلْقَاضِي عَزْلُ الْمُتَوَلِّي الْمَنْصُوبِ مِنْ قِبَلِ الْوَاقِفِ مَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ خِيَانَةٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَاقِفِ عَلَى الْوَقْفِ وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ الْقَاضِي، كَذَلِكَ لَا يَحِقُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي نُصِّبَ عَلَيْهِ وَصِيٌّ، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ الْيَتِيمَ أَوْ الْيَتِيمَةَ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ فِي شَيْءٍ لَا تَأْثِيرَ لِلْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَلَا عَمَلَ لِصَاحِبِهَا، وَأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ الْعَامِّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ غَيْرُ نَافِذٍ.

стр. 43

(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى، وَهُوَ: إذَا كَانَ الصَّبِيُّ وَلِيَّ الْقَتِيلِ فَوَصِيُّهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ بِمَالٍ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصُ الْقَاتِلِ أَوْ إعْفَاؤُهُ مِنْ الْقِصَاصِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ حَقُّ الْقِصَاصِ بِمَا لَهُ مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، فَالْقَاضِي هُنَا يَمْلِكُ بِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ مَالًا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ بِوِلَايَتِهِ الْخَاصَّةِ. [ (الْمَادَّةُ ٦٠) إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ] (الْمَادَّةُ ٦٠) إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ عَلَى الصُّورَةِ الْآتِيَةِ: (إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ مَتَى أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُهْمِلَ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إهْمَالُ الْكَلَامِ وَاعْتِبَارُهُ بِدُونِ مَعْنًى مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى حَقِيقِيٍّ لَهُ أَوْ مَعْنًى مَجَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إهْمَالُ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ اعْتِبَارُهُ لَغْوًا وَعَبَثًا، وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ يَمْنَعَانِ الْمَرْءَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَحَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ وَاجِبٌ. هَذَا وَبِمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ فَمَا لَمْ يَتَعَذَّرْ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا خُلْفٌ لِذَاكَ وَالْخُلْفُ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ. عَلَى أَنَّهُ سَوَاءٌ حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَمْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَهُ فَهُوَ إعْمَالٌ لِلْكَلَامِ إلَّا أَنَّ اللَّفْظَ الْمُرَادَ إعْمَالُهُ إذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسَ فَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْإِفَادَةُ أَوْلَى مِنْ الْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا وُضِعَ لِإِفَادَةِ مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْكِيدِ دُونَ التَّأْسِيسِ إهْمَالٌ لِوَضْعِهِ الْأَصْلِيِّ، التَّأْكِيدُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَقْرِيرُ وَتَقْوِيَةُ مَعْنَى لَفْظٍ سَابِقٍ لَهُ، وَيُقَالُ لَهُ (إعَادَةٌ أَيْضًا) التَّأْسِيسُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يُفِيدُ مَعْنًى لَمْ يُفِدْهُ اللَّفْظُ السَّابِقُ لَهُ، وَيُقَالُ لَهُ (إفَادَةٌ) أَيْضًا. فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ بِأَنَّهُ مَدْيُونٌ لِآخَرَ بِعَشْرِ جُنَيْهَاتٍ مَثَلًا بِدُونِ أَنْ يَذْكُرَ سَبَبَ الدَّيْنِ وَأَعْطَى سَنَدًا بِذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَرَّ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً بِعَشْرِ جُنَيْهَاتٍ أَيْضًا وَعَمِلَ لَهُ سَنَدًا وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الدَّيْنِ، يُحْمَلُ إقْرَارُهُ فِي كِلْتَا الْمَرَّتَيْنِ عَلَى تَأْسِيسٍ وَيُعْتَبَرُ دَيْنُ السَّنَدِ الثَّانِي غَيْرُ دَيْنِ السَّنَدِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّ السَّنَدَ الثَّانِي كُتِبَ تَأْكِيدًا لِلسَّنَدِ الْأَوَّلِ، كَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ) تَكُونُ طَالِقًا ثَلَاثًا وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَلَامِ الزَّوْجِ إذَا هُوَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّنِي قَصَدْتُ التَّأْكِيدَ فِي تَكْرَارِي كَلِمَةَ الطَّلَاقِ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَمْلُ الْكَلَامِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسَ مَعًا عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى، فَقَدْ يُحْمَلُ أَحْيَانًا عَلَى التَّأْكِيدِ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ (بِعْهُ وَبِعْهُ

стр. 44

مِنْ فُلَانٍ) فَلِلْوَكِيلِ حِينَئِذٍ أَنْ يَبِيعَ الْمَالَ الْمُوَكَّلَ بِبَيْعِهِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْمَعْنِيِّ بِكَلَامِ الْمُوَكِّلِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَمَا حَقَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ الْمَالَ لِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُوَكِّلُ. [ (الْمَادَّةُ ٦١) إذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ] يَعْنِي: إذَا تَعَذَّرَتْ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْكَلَامِ لَا يُهْمَلُ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ. فَالْمَعْنَى الْمَهْجُورُ أَيْ غَيْرُ الْمُسْتَعْمَلِ شَرْعًا وَعُرْفًا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَعَذِّرِ. وَالتَّعَذُّرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَوَّلًا: تَعَذُّرٌ حَقِيقِيٌّ. ثَانِيًا: تَعَذُّرٌ عُرْفِيٌّ. ثَالِثًا: تَعَذُّرٌ شَرْعِيٌّ. وَلِلتَّعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مُمْتَنِعَةً. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ وَقَفَ شَخْصٌ لَيْسَ لَهُ أَوْلَادٌ وَلَهُ أَحْفَادٌ - مَالًا لَهُ عَلَى وَلَدِهِ فَبِمَا أَنَّ الْوَاقِفَ هُنَا لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَوْلَادٌ حَقِيقَةً وَهُمْ الْأَوْلَادُ الصُّلْبِيَّةِ فَيَتَعَذَّرُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَبِمَا أَنَّ الْكَلَامَ يَجِبُ أَنْ لَا يُهْمَلَ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى فَيُحْمَلُ عَلَى أَحْفَادِهِ الَّذِينَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَوْلَادٌ مَجَازًا. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلَّفْظِ مُمْكِنَةٌ مَعَ الْمَشَقَّةِ الزَّائِدَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ حَلَفَ شَخْصٌ قَائِلًا (لَا آكُلُ مِنْ شَجَرَةِ النَّخْلِ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا) . فَلِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ خَشَبِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَا يَكُونُ إلَّا بِصُعُوبَةٍ وَالْمَعْلُومُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَقْصِدُ بِكَلَامِهِ الْأَكْلَ مِنْ خَشَبِ الشَّجَرَةِ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى ثَمَرِهَا إذَا كَانَتْ مُثْمِرَةً، وَعَلَى ثَمَنِ خَشَبِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ، كَذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَانِثًا بِيَمِينِهِ فِيمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ النَّخْلَةِ خَشَبَهَا. التَّعَذُّرُ الْعُرْفِيُّ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلَّفْظِ مَهْجُورًا وَمَتْرُوكًا لِلنَّاسِ كَأَنْ يَحْلِفَ إنْسَانٌ قَائِلًا (لَا أَضَعُ قَدَمِي فِي دَارِ فُلَانٍ) فَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَصْبَحَ مَهْجُورًا مِنْ النَّاسِ وَالْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيهِ هُوَ الْكِنَايَةُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الدَّارِ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِيمَا لَوْ وَضَعَ قَدَمَهُ فِي بَابِ الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا. التَّعَذُّرُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلَّفْظِ مَهْجُورًا شَرْعًا كَكَلِمَةِ (الْخُصُومَةِ) مَثَلًا: فَإِنَّهَا لَمَّا تُرِكَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ شَرْعًا فَعَلَيْهِ إذَا سَمِعْتَ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي قَدْ وَكَّلْتُ فُلَانًا بِالْخُصُومَةِ عَنِّي فِي دَعْوَى إرْثٍ مَثَلًا: تُصْرَفُ كَلِمَةُ الْخُصُومَةِ إلَى مَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ شَرْعًا، وَهُوَ الْمُرَافَعَةُ وَالْمُدَافَعَةُ عَنْهُ فِي دَعْوَى أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَوْ أَقَامَهَا عَلَى غَيْرِهِ دُونَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَهَا، وَهُوَ بِأَنْ يَقُومَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُوَكَّلُ بِمُنَازَعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ مَنْ يُنَاوِئُ الْمُوَكِّلُ أَوْ مَنْ يُرِيدُ الْمُوَكِّلُ مُنَاوَأَتَهُ. [ (الْمَادَّةُ ٦٢) إذَا تَعَذَّرَ إعْمَالُ الْكَلَامِ يُهْمَلُ] (الْمَادَّةُ ٦٢) إذَا تَعَذَّرَ إعْمَالُ الْكَلَامِ يُهْمَلُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنًى حَقِيقِيٍّ أَوْ مَجَازِيٍّ أُهْمِلَ.

стр. 45

وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْأَشْبَاهِ بِالصُّورَةِ الْآتِيَةِ: (وَإِنْ تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بِلَا مُرَجِّحٍ أُهْمِلَ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ أَيْ إمْكَانِ إعْمَالِ الْكَلَامِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ أَوْ عَلَى الْمَجَازِيِّ خَارِجًا عَنْ الْإِمْكَانِ وَمُمْتَنِعًا أَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ وَلَا يُوجَدُ مُرَجِّحٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ يُهْمَلُ بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ وَلَا يَعْمَلُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تُوجِبُ إهْمَالَ الْكَلَامِ: أَوَّلًا: امْتِنَاعُ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ. ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ وَلَا يُوجَدُ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ فِي حَقِّ مَنْ نَسَبُهُ مَعْرُوفٌ بِأَنَّهُ ابْنُهُ لَا تَكُونُ دَعْوَاهُ صَحِيحَةً، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (١٦٢٩) لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ حَقِيقَةً، إذْ لَيْسَ مِنْ الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ وَالِدًا لِرَجُلٍ يَكْبُرُهُ فِي السِّنِّ كَذَا مِنْ الْمُتَعَذِّرِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْمَعْرُوفُ النَّسَبِ وَلَدًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يَدَّعِيهِ. كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ وَارِثٌ لِوَارِثٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ عَنْ حِصَّتِهِ الْإِرْثِيَّةِ، كَأَنْ يُتَوَفَّى شَخْصٌ عَنْ وَلَدٍ وَبِنْتٍ وَيَعْتَرِفُ الْوَلَدُ لِأُخْتِهِ بِنِصْفِ مَا خَلَّفَ وَالِدُهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ هَذَا لِتَعَذُّرِهِ شَرْعًا وَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا حَسْبَ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ. كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ قَائِلًا: إنَّنِي قَطَعْت يَدَيْ فُلَانٍ، وَإِنَّنِي مَدْيُونٌ لَهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ دِيَةَ يَدَيْهِ وَكَانَتْ يَدَا الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ سَالِمَتَيْنِ لَمْ تُقْطَعْ يُهْمَلُ ذَلِكَ الْكَلَامُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ. هَذَا وَإِلَيْكَ مَثَلًا: عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي يَتَنَازَعُهُ مَعْنَيَانِ أَوْ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ وَلَيْسَ مِنْ مُرَجِّحٍ لِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا. الْمِثَالُ: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مُعْتِقٌ (بِكَسْرِ التَّاءِ) وَآخَرُ مُعْتَقٌ (بِفَتْحِهَا) وَأَوْصَى بِمَالِ قَائِلًا: (إنَّهُ لِمَوْلَايَ بَعْدَ مَوْتِي) وَلَمْ يُعَيِّنْ فَلَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ (مَوْلَايَ) تَشْمَلُ الْمُنْعِمَ وَالْمُنْعَمَ عَلَيْهِ وَتُطْلَقُ عَلَى (السَّيِّدِ) ، وَهُوَ الْمُعْتِقُ، وَعَلَى (الْعَبْدِ) ، وَهُوَ الْمُعْتَقُ وَبِمَا أَنَّ الْقَصْدَ وَالْغَرَضَ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى أَنْ تَكُونَ بِمَثَابَةِ اعْتِرَافٍ بِجَمِيلِ الْمُوصَى لَهُ وَكَشُكْرٍ لَهُ عَلَى أَيَادِيهِ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى فَهِيَ بِمَثَابَةِ إحْسَانٍ وَزِيَادَةِ تَلَطُّفٍ، وَلِأَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ لَا يُعَدُّ مِنْ قِسْمِ الْعُمُومِ، وَيَجِبُ تَحْدِيدُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَقْصُودِ لِلِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ وَهُنَا الْقَصْدُ مَجْهُولٌ، إذْ بِتَعَدُّدِ الْمَقْصُودِ لِلَّفْظِ الْوَاحِدِ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا، فَلَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ. [ (الْمَادَّةُ ٦٣) ذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ] إنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالْمَجَامِعِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْهَا أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ ذِكْرُ بَعْضِهَا عَنْ الْكُلِّ وَإِنَّ الْبَعْضَ مِنْهَا إذَا ذُكِرَ كَانَ الْكُلُّ مَذْكُورًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذِكْرُ الْبَعْضِ لَا يَقُومُ

стр. 46

مَقَامَ ذِكْرِ الْكُلِّ لَكَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِإِهْمَالِ الْكَلَامِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَادَّةَ (٦٠) مِنْ الْمَجَلَّةِ تُصَرِّحُ بِأَنَّ إعْمَالَ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ. مِثَالٌ: لَوْ أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَكْفُلَ شَخْصًا آخَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ فِي عَقْدِ الْكَفَالَةِ إنَّنِي كَفِيلٌ بِنِصْفِ أَوْ رُبْعِ هَذَا الشَّخْصِ فَبِمَا أَنَّ نَفْسَ الرَّجُلِ مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَالتَّقْسِيمَ، وَذِكْرُ الْبَعْضِ مِنْهَا بِحُكْمِ ذِكْرِ الْكُلِّ، فَالْكَفَالَةُ صَحِيحَةٌ وَيَكُونُ قَدْ كَفَلَ نَفْسَ الرَّجُلِ كُلَّهَا. كَذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ ١٠٤١ لَوْ سَلَّمَ الشَّفِيعَ نِصْفَ الْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْقِطًا حَقَّ شُفْعَتِهِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ. كَذَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ كُلُّهُ إذَا كَانَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ وَاحِدًا وَعَفَا عَنْ الْقَاتِلِ بِجُزْءٍ مِنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُمْكِنِ إمَاتَةُ قِسْمٍ مِنْ الْإِنْسَانِ مَعَ الْإِبْقَاءِ عَلَى الْقِسْمِ الْآخَرِ مِنْهُ حَيًّا. أَمَّا إذَا ذُكِرَ بَعْضُ الشَّيْءِ الَّذِي يَتَجَزَّأُ فَهُوَ بِعَكْسِ ذَلِكَ وَإِلَيْكَ الْمِثَالُ: إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنَّنِي كَفَلْتُك عَلَى مِائَتَيْنِ مِنْ السِّتِّمِائَةِ الْقِرْشِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْك لِفُلَانٍ، فَبِمَا أَنَّ الدَّيْنَ الْمَذْكُورَ مِمَّا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ تَنْعَقِدُ الْكَفَالَةُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَقَطْ وَلَا يَكُونُ الْكَفِيلُ كَفِيلًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ. كَذَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ فِي رُبْعِ الدَّيْنِ الْمَطْلُوبِ لِي مِنْك فَيَكُونُ الْإِبْرَاءُ لِذَلِكَ الْقِسْمِ مِنْ الدَّيْنِ فَقَطْ. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى وَاحِدٌ وَهُوَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنَّ نِصْفِي أَوْ ثُلُثِي يَكْفُلُك عَلَى كَذَا، فَلَا تَنْعَقِدُ الْكَفَالَةُ وَلَا تَكُونُ تَسْمِيَةُ الْجُزْءِ فِي ذَلِكَ قَائِمَةً مَقَامَ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ. [ (الْمَادَّةُ ٦٤) الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً] (الْمَادَّةُ ٦٤) الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً إنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ذُكِرَتْ فِي الْمَجَامِعِ عَلَى الصُّورَةِ الْآتِيَةِ (الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُقَيَّدَ يَجْرِي عَلَى تَقْيِيدِهِ) وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الْحَنَفِيَّةِ (الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَمَالِ) فَالْمُطْلَقُ مُقَابِلُ الْمُقَيَّدِ أَيْ أَنَّ الْمُطْلَقَ ضِدُّ الْمُقَيَّدِ. الْمُطْلَقُ تَعْرِيفُهُ: هُوَ الْحِصَّةُ الَّتِي قَدْ تَشْمَلُ حِصَصًا غَيْرَهَا بِدُونِ تَعْيِينٍ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَكُونُ شَائِعَةً فِي جِنْسِهِ، وَحَقِيقَتُهَا وَمَاهِيَّتُهَا مِنْ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِه

стр. 47

وَقَدْ عُرِّفَ الْمُطْلَقُ تَعْرِيفًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجَرَّدُ مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّعْمِيمِ وَالتَّكْرَارِ وَالْمَرَّةِ. وَالْمُقَيَّدُ: هُوَ الْمُقَارِنُ لِإِحْدَى هَذِهِ الْقَرَائِنِ مِثَالٌ: إذَا اتَّفَقَ شَخْصٌ مَعَ خَيَّاطٍ عَلَى خِيَاطَةِ جُبَّةٍ لَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الرَّجُلُ عَلَى الْخَيَّاطِ بِأَنْ يَخِيطَهَا بِنَفْسِهِ يَحِقُّ لِلْخَيَّاطِ أَنْ يَعْهَدَ بِخِيَاطَةِ تِلْكَ الْجُبَّةِ إلَى أَجِيرِهِ وَلَا يَضْمَنُ الْخَيَّاطُ الْجُبَّةَ فِيمَا لَوْ تَلِفَتْ بِيَدِ الْأَجِيرِ بِدُونِ تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ جَرَى مُطْلَقًا وَلَمْ يُقَيَّدْ، وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا مَرَّ. بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْجُبَّةِ عَلَى الْخَيَّاطِ أَنْ يَخِيطَهَا بِنَفْسِهِ وَعَهِدَ الْخَيَّاطُ بِخِيَاطَتِهَا لِأَجِيرِهِ فَتَلِفَتْ يَكُونُ الْخَيَّاطُ ضَامِنًا. كَذَلِكَ لَوْ أَعَارَ شَخْصٌ مَالًا لِآخَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْعَارِيَّةَ بِنَوْعِ الِانْتِفَاعِ أَوْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِانْتِفَاعِ الْمُسْتَعِيرِ بِهَا فَقَطْ يَحِقُّ لِلْمُسْتَعِيرِ تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ ٨١٩ مِنْ الْمَجَلَّةِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَالِ الْمُعَارِ بِذَاتِهِ أَوْ بِإِعَارَتِهِ لِآخَرَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِأَيٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَيَّدَ الْمُعِيرُ الْإِعَارَةَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ أَوْ قَيَّدَهَا بِانْتِفَاعِ الْمُسْتَعِيرِ فَقَطْ، فَلَا يَحِقُّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَتَجَاوَزَ قُيُودَ الْمُعِيرِ لِلْإِعَارَةِ. كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ يَحِقُّ لَهُ حَسْبَ الْمَادَّةِ ١٤٩٤ أَنْ يَبِيعَ الْمَالَ الْمُوَكَّلَ بِبَيْعِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَرَاهُ مُنَاسِبًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَقْبَلُهُ ثَمَنًا لِمَالِهِ، فَلَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ حِينَئِذٍ حَسْبَ الْمَادَّةِ ١٤٥٩ أَنْ يَبِيعَ الْمَالَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِبَيَانِ الثَّمَنِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ ثَمَنًا لِمَالِهِ. هَذَا وَإِنَّ الْأَمْثِلَةَ الَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا هُنَا كُلُّهَا أَمْثِلَةٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالنَّصِّ وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالدَّلَالَةِ وَهِيَ: إذَا وَكَّلَ مُكَارٍ شَخْصًا آخَرَ لِيَشْتَرِيَ لَهُ فَرَسًا بِدُونِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَصْفًا، فَالْوَكَالَةُ هُنَا مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الْمُوَكِّلِ وَعَمَلِهِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِدَاعِي الْإِطْلَاقِ فِي الْوَكَالَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ فَرَسًا لِلْمُوَكِّلِ مِنْ جِيَادِ الْخَيْلِ بِمِائَتَيْ جُنَيْهٍ، بَلْ إنَّمَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الَّذِي يَتَنَاسَبُ ثَمَنُهُ مَعَ حَالِ مُوَكِّلِهِ وَعَمَلِهِ فَهُنَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَقْيِيدٌ بِالنَّصِّ فَالتَّقْيِيدُ بِالدَّلَالَةِ مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ فَرَسًا مِنْ جِيَادِ الْخَيْلِ لِذَلِكَ الْمُوَكِّلِ الْمُكَارِي، وَلَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ عَلَى الْفَرْضِ فَرَسًا جَوَادًا لَا يُلْزَمُ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَيَبْقَى لِلْوَكِيلِ. كَذَلِكَ الْوَكَالَةُ الْمُطْلَقَةُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِهَا قَيْدٌ لِلثَّمَنِ فَالدَّلَالَةُ تُوجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ الشِّرَاءَ بِالْقِيمَةِ الْمِثْلِيَّةِ وَإِلَّا فَمَعَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَلَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ يَكُونُ بِهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْمَادَّةُ (١٤٨٢) ، كَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ شَخْصٌ آخَرَ قُرْبَ عِيدِ الْأَضْحَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَرُوفًا أَوْ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ بِشِرَاءِ ثَلْجٍ أَوْ فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ بِشِرَاءِ فَحْمٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مُدَّةَ الشِّرَاءِ فَعَقْدُ الْوَكَالَةِ وَإِنْ كَانَ بِالظَّاهِرِ لَا

стр. 48

يَحْتَوِي عَلَى قَيْدٍ لِعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ لِلتَّقْيِيدِ فِيهِ فَالْقَيْدُ هُنَا مَوْجُودٌ دَلَالَةً فَعَلَيْهِ لَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الْخَرُوفِ بَعْدَ مُرُورِ عِيدِ الْأَضْحَى، وَالثَّلْجِ بَعْدَ دُخُولِ فَصْلِ الشِّتَاءِ، وَالْفَحْمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشِّتَاءِ وَإِنْ فَعَلَ لَا يُلْزَمُ الْمُوَكِّلَ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَى. [ (الْمَادَّةُ ٦٥) الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ] مَثَلًا: لَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ بَيْعَ فَرَسٍ أَشْهَبَ حَاضِرٍ فِي الْمَجْلِسِ وَقَالَ فِي إيجَابِهِ: بِعْت هَذَا الْفَرَسَ الْأَدْهَمَ وَأَشَارَ إلَيْهِ، وَقَبِلَ الْبَائِعُ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَغَا وَصْفَ الْأَدْهَمِ، أَمَّا لَوْ بَاعَ فَرَسًا غَائِبًا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَشْهَبُ وَالْحَالُ أَنَّهُ أَدْهَمُ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ. يَعْنِي: لَوْ عَرَّفَ شَخْصٌ شَيْئًا بِبَيَانِ جِنْسِهِ وَوَصْفِهِ يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ حَاضِرًا وَكَانَ مُشَارًا إلَيْهِ حِينَ الْوَصْفِ وَكَانَ الْمَوْصُوفُ وَالْمُسَمَّى مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَالْوَصْفُ لَغْوٌ وَلَا حُكْمَ لَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْوَصْفِ فَالْوَصْفُ مُعْتَبَرٌ. يَجْرِي حُكْمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي النِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَفِي سَائِرِ الْعُقُودِ. قَدْ ذُكِرَ فِي مَتْنِ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْبَائِعَ (لَوْ بَاعَ فَرَسًا غَائِبًا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَشْهَبُ وَالْحَالُ أَنَّهُ أَدْهَمُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ) وَلَكِنَّ الْمَادَّةَ ٣١٠ تُصَرِّحُ بِأَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ مُنْعَقِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ بِخِيَارِ الْوَصْفِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَشْبَاهِ (أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، أَمَّا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِذَا هُوَ أَخْضَرُ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ) فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا فَاخْتِلَافُ الْوَصْفِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ الِانْعِقَادِ. هَذَا وَإِنَّ الْمَادَّةَ ١٠٧ قَدْ عَرَّفَتْ الْبَيْعَ غَيْرَ الْمُنْعَقِدِ بِالْبَيْعِ الْبَاطِلِ فَعَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ (غَيْرِ مُنْعَقِدٍ) فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّهُ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعِبَارَةِ هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلنَّقْلِ فَيَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُعْقَدُ لَازِمًا. كَذَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ بِحُضُورِ الْقَاضِي قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْحَدِيدَ الَّذِي وَزْنُهُ مِائَةُ رَطْلٍ هُوَ مَالِيٌّ فَظَهَرَ وَزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ مَقْبُولَتَانِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ صِفَةٌ، وَهِيَ لَغْوٌ وَالْحَاصِلُ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ لَغْوًا يَجِبُ وُجُودُ شَرْطَيْنِ اثْنَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْصُوفُ مَوْجُودًا فِي مَجْلِسِ الْوَصْفِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ فِي مَجْلِسِ الْوَصْفِ مِنْ جِنْسِ الْمَوْصُوفِ حَتَّى إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ - أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْصُوفُ حَاضِرًا - وَوُجِدَ الشَّرْطُ الثَّانِي فَقَطْ

стр. 49

يَكُونُ الْوَصْفُ مُعْتَبَرًا. كَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الثَّانِي - أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْصُوفُ مِنْ جِنْسِ الْوَصْفِ - يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ أَيْضًا، هَذَا وَإِنَّ الشَّيْءَ الْمُسَمَّى وَالْمَوْصُوفَ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِجِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ؛ كَانَ الْعَاقِدَانِ لَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ الْوَصْفُ حِينَئِذٍ مُعْتَبَرًا وَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالشَّيْءِ الْمُسَمَّى أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ لَا بِالشَّيْءِ الْمُشَارِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ مَثَلٌ لِلْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَصْفٍ تَابِعٍ لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْوَصْفَ أَقْوَى مِنْ الْإِشَارَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَالْإِشَارَةُ أَقْوَى مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالْوَصْفُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْوَصْفَ هُمَا وَصْفٌ لِلْمَاهِيَّةِ وَتَعْرِيفٌ لَهَا، وَبِمَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى أَرْجَحُ فِيهِمَا تَكُونُ تَسْمِيَتُهَا وَالْوَصْفُ أَقْوَى مِنْ الْإِشَارَةِ، وَبِمَا أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقْطَعُ الِاشْتِرَاكَ وَتُزِيلُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ فَهِيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَقْوَى مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالْوَصْفِ، فَعَلَيْهِ فِي حَالَةِ وُجُودِ الْمُسَمَّى مُخَالِفًا لِجِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ يُرَجَّحُ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي. مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا أَشَارَ الْبَائِعُ إلَى فَصٍّ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ مُخَاطِبًا الْمُشْتَرِيَ قَدْ بِعْتُكَ هَذَا الْأَلْمَاسَ وَكَانَ ذَلِكَ الْفَصُّ بَلُّورًا فَبِمَا أَنَّ الْبَيْعَ تَعَلَّقَ بِالْأَلْمَاسِ وَبِمَا أَنَّ الْوَصْفَ هُنَا مُعْتَبَرٌ وَالْأَلْمَاسُ مَعْدُومٌ فِي هَذَا الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مُخَالِفًا لِجِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَكَانَ الْعَاقِدَانِ عَالِمَيْنِ بِذَلِكَ فَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَشَارَ شَخْصٌ إلَى جَمَلٍ قَائِلًا لِلْمُشْتَرِي قَدْ بِعْتُك هَذَا الْحِمَارَ وَكَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ حِمَارًا، بَلْ جَمَلًا، وَقَبِلَ الشِّرَاءَ، فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِحَقِّ الْجَمَلِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِحَقِّ الْحِمَارِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ، إذْ التَّعْرِيفُ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِالْإِشَارَةِ لَعَيْنِهِ. وَالثَّانِي: بِتَسْمِيَتِهِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ الِاثْنَانِ فَالِاعْتِبَارُ لِلْعَيْنِ لَا لِلتَّسْمِيَةِ. [ (الْمَادَّةُ ٦٦) السُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ] (الْمَادَّةُ ٦٦) السُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ يَعْنِي أَنَّ مَا قِيلَ فِي السُّؤَالِ الْمُصَدَّقِ كَانَ الْمُجِيبُ الْمُصَدِّقُ قَدْ أَقَرَّ بِهِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَشْبَاهِ، وَبِمَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ ذَكَرُوهَا بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ يَجْرِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. قُلْنَا: إنَّ الْقَاعِدَةَ مَذْكُورَةٌ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ وَلَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ مُقَيَّدَةٌ وَإِلَيْكَ التَّفْصِيلُ: إذَا وَرَدَ كَلَامٌ جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَوَابُ فَالْكَلَامُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى السُّؤَالِ وَيَكُونُ السُّؤَالُ مَعَادًا فِي الْجَوَابِ ضِمْنًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْكَلَامُ زَائِدًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَوَابُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ إنْشَاءً فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ جَوَابًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا قَالَ الْمُجِيبُ: إنَّمَا قَصَدْتُ الْجَوَابَ بِكَلَامِي يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً. مِثَالٌ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ بِطَرِيقِ الْفُضُولِ مَالًا مِنْ آخَرَ وَبَلَّغَ الْبَائِعُ صَاحِبَ الْمَالِ، وَبَيْنَمَا هُوَ يَفْتَكِرُ فِي ذَلِكَ سَأَلَهُ سَائِلٌ قَائِلًا: هَلْ تَأْذَنُنِي بِإِجَازَةِ ذَلِكَ الْبَيْعِ.؟ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَقَوْلُهُ بِمَعْنَى أَذِنْتُكَ بِالْإِجَازَةِ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ إذَا أَجَازَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمَأْذُونُ بِالْإِجَازَةِ، كَذَا لَوْ

стр. 50

قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ قَدْ بِعْتُك دَارِي بِكَذَا مَبْلَغًا أَوْ أَجَّرْتُك دُكَّانِي بِكَذَا بَدَلًا، وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ مُنْعَقِدَيْنِ، كَذَلِكَ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِمَدِينِهِ هَلْ تُقِرُّ بِمَا فِي هَذَا السَّنَدِ وَأَجَابَ الْمَدِينُ قَائِلًا: نَعَمْ. فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي السَّنَدِ الْمَذْكُورِ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّ لِي عِنْدَك عَشْرَ جُنَيْهَاتٍ فَأَوْفِنِي إيَّاهَا فَأَجَابَهُ قَائِلًا: نَعَمْ. فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ، وَمُكَلَّفًا بِأَدَائِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِشَخْصٍ مَرِيضٍ: هَلْ أَوْصَيْتَ بِثُلُثِ مَالِكَ لِيُصْرَفَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.؟ وَهَلْ نَصَّبْتنِي وَصِيًّا لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِك هَذِهِ.؟ وَأَجَابَهُ بِكَلِمَةِ أَوْصَيْتُ أَوْ فَعَلْت، فَيَكُونُ قَدْ أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَالِ وَنَصَّبَهُ وَصِيًّا. [ (الْمَادَّةُ ٦٧) لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ لَكِنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ الْحَاجَة بَيَان] يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِتٌ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، لَكِنَّ السُّكُوتَ فِيمَا يَلْزَمُ التَّكَلُّمَ بِهِ إقْرَارٌ وَبَيَانٌ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَتَصَرَّفُ فِي شَيْءٍ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ بِلَا إذْنٍ مِنْكَ وَسَكَتَّ بِلَا عُذْرٍ يُعَدُّ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْكَ بِأَنَّكَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ. إنَّ الْفِقْرَةَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ (الْأَشْبَاهِ) وَالثَّانِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ (الْمَرْأَةِ) (وَمِنْهُ أَيْ مِنْ بَيَانِ الضَّرُورَةِ السُّكُوتُ لَدَى الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى كَوْنِ السُّكُوتِ بَيَانُ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ الَّذِي شَأْنُهُ التَّكَلُّمُ فِي الْحَادِثَةِ لَا أَنَّهُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّ السُّكُوتَ يُنَافِيهِ) فَالْأَمْثِلَةُ عَلَى الْفِقْرَةِ الْأُولَى هِيَ كَمَا يَأْتِي: إذَا بَاعَ شَخْصٌ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنْهُ وَسَكَتَ عَنْ عَمَلِهِ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الْبَيْعِ، فَلَا يُعَدُّ هَذَا السُّكُوتُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٦٥٩) رِضَاءً مِنْهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ إجَازَةً لَهُ، كَذَا إذَا أَخْبَرَ شَخْصٌ صَاحِبَ مَالٍ بِأَنَّ شَخْصًا بَاعَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ آخَرَ فَسَكَتَ صَاحِبُ الْمَالِ، فَلَا يُعَدُّ سُكُوتُهُ إجَازَةً لِبَيْعٍ الْفُضُولِيِّ. كَذَلِكَ: إذَا أَتْلَفَ شَخْصٌ مَالَ آخَرَ بِحُضُورِهِ وَسَكَتَ، فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ إذْنًا بِإِتْلَافِ الْمَالِ، كَذَا: إذَا رَأَى الْقَاضِي قَاصِرًا لَيْسَ لَهُ وَصِيٌّ يَتَعَاطَى التِّجَارَةَ وَسَكَتَ، فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ إذْنًا مِنْهُ لِلْقَاصِرِ بِتَعَاطِي التِّجَارَةِ. كَذَلِكَ إذَا جَمَعَ شَخْصٌ أُنَاسًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَدِينًا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَكَانَ لِرَجُلٍ مِنْ الْحُضُورِ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَشْهَدِ مِنْ الِادِّعَاءِ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ

стр. 51

وَالْأَمْثِلَةُ عَلَى الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا يَلِي: إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِحُضُورِ الْبَائِعِ الَّذِي لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ، وَسَكَتَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ إجَازَةً لَهُ بِالْقَبْضِ، وَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ عَمَلًا بِالْمَادَّةِ (٢٨١) : اسْتِعَادَةُ الْمَبِيعِ وَحَبْسُهُ، كَذَلِكَ: إذَا أَرَادَ شَخْصٌ شِرَاءَ مَالٍ وَفِيمَا هُوَ يَسْتَلِمُهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ - بِأَنَّ فِي الْمَالِ عَيْبًا فَسَكَتَ فَسُكُوتُهُ يُعَدُّ رِضَاءً مِنْهُ بِالْعَيْبِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ. كَذَلِكَ: إذَا كَانَ شَخْصٌ سَاكِنًا بِطَرِيقِ الْغَصْبِ أَوْ الْعَارِيَّةِ فِي دَارِ آخَرَ، وَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ (اُسْكُنْ فِي الدَّارِ بِأُجْرَةِ كَذَا وَإِلَّا فَاخْرُجْ مِنْهَا) فَسَكَتَ السَّاكِنُ وَبَقِيَ فِي الدَّارِ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَأْجَرَ تِلْكَ الدَّارَ، وَرَضِيَ بِدَفْعِ الْبَدَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُهَا. كَذَلِكَ: إذَا كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ رَاعٍ يَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ، وَقَالَ لَهُ: إنِّي لَا أَرْعَى غَنَمَك بِمِائَةِ قِرْشٍ أُجْرَةً سَنَوِيَّةً، بَلْ أُرِيدُ مِائَتَيْنِ فَسَكَتَ صَاحِبُ الْغَنَمِ وَبَقِيَ الرَّاعِي يَرْعَى فَيَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ قَدْ قَبِلَ اسْتِئْجَارَ الرَّاعِي بِمِائَتَيْ قِرْشٍ، وَيَلْزَمُهُ دَفْعُ الْمِائَتَيْنِ. كَذَا: إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الْمَالَ الْمَرْهُونَ بِحُضُورِ الْمُرْتَهِنِ وَسَكَتَ فَيَكُونُ قَدْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَصْبَحَ الرَّهْنُ بَاطِلًا، كَذَلِكَ: إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ بِحُضُورِ الْوَاهِبِ وَسَكَتَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٨٤٣) : إذْنًا بِالْقَبْضِ، كَذَلِكَ: إذَا بَاعَ شَخْصٌ مَالَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَحَدِ أَقَارِبِهِ مِنْ آخَرَ بِحُضُورِهَا عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَسَكَتَتْ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْقَرِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ بِمِلْكِيَّةِ ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهَا عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ الْمَالِ بِحُضُورِهَا وَعَدَمِ اعْتِرَاضِهَا إقْرَارٌ مِنْهَا بِعَدَمِ مِلْكِيَّتِهَا ذَلِكَ الْمَالَ. كَذَلِكَ: إذَا وَهَبَ الدَّائِنُ الدَّيْنَ لِمَدِينِهِ وَسَكَتَ الْمَدِينُ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ. وَالسُّكُوتُ هُنَا يُعَدُّ قَبُولًا لِلْهِبَةِ. كَذَا: إذَا تَرَكَ شَخْصٌ مَالًا عِنْدَ آخَرَ قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْمَالَ وَدِيعَةٌ وَسَكَتَ الْمُسْتَوْدِعُ تَنْعَقِدُ الْوَدِيعَةُ، كَذَلِكَ: إذَا وَكَّلَ شَخْصٌ آخَرَ بِشَيْءٍ وَالْوَكِيلُ سَكَتَ، وَبَعْدَ سُكُوتِهِ بَاشَرَ إجْرَاءَ الْأَمْرِ الْمُوَكَّلِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ فُضُولًا. كَذَا: سُكُوتُ الْمُقَرِّ لَهُ يُعَدُّ قَبُولًا كَأَنْ يُقِرَّ شَخْصٌ بِمَالِ لِآخَرَ وَيَسْكُتُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَسُكُوتُهُ يُعَدُّ تَصْدِيقًا وَقَبُولًا بِالْإِقْرَارِ.

стр. 52

[ (الْمَادَّةُ ٦٨) دَلِيلُ الشَّيْءِ فِي الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ يَقُومُ مَقَامَهُ] يَعْنِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالظَّاهِرِ فِيمَا يَتَعَسَّرُ الِاطِّلَاعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْعِيَانِ، فَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ يَقُومُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْبَاطِنَةَ لَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهَا إلَّا بِمَظَاهِرِهَا الْخَارِجِيَّةِ. تَعْرِيفُ الدَّلِيلِ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمُ بِهِ الْعِلْمَ بِشَيْءٍ آخَرَ: كَمَا لَوْ رَأَى رَاءٍ دُخَّانًا يَنْبَعِثُ مِنْ مَكَان فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى وُجُودِ نَارٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَإِلَيْكَ الْأَمْثِلَةُ الْآتِيَةُ إيضَاحًا لِهَذِهِ الْمَادَّةِ: إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ الْبَيْعَ وَقَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ ظَهَرَ مِنْهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ يَبْطُلُ الْإِيجَابُ، وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٨٣) فَالْإِعْرَاضُ هُنَا هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَلَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى إعْرَاضِ إنْسَانٍ عَنْ شَيْءٍ إلَّا بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَمَتَى مَا أَظْهَرَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ حَقِيقَةً، فَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ الظَّاهِرَةَ تَقُومُ مَقَامَ تِلْكَ الْأُمُورِ، يُتَّخَذُ دَلِيلًا عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَإِيضَاحًا لِهَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَالْإِيجَابُ أَوَّلُ كَلَامٍ يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، وَالْقَبُولُ ثَانِي كَلَامٍ يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ وَعَدَمُ وُقُوعِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ إذَا حَصَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ قَبْلَ الْقَوْلِ بَطَلَ الْإِيجَابُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فِيمَا لَوْ قَبِلَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْمَجْلِسِ، كَأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك الْمَالَ الْفُلَانِيَّ بِكَذَا قِرْشًا وَسَكَتَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَلَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَبِلْت. يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَلَكِنْ إذَا أَعْرَضَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بَعْدَ وُقُوعِ الْإِيجَابِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ، أَوْ قَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ أَوْ أَجْرَى أَيَّ عَمَلٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، ثُمَّ قَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ الْإِيجَابَ بِإِعْرَاضِهِ، فَيَلْزَمُ تَجْدِيدُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ حَتَّى يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ. كَذَلِكَ: إذَا اشْتَرَى شَخْصٌ حَيَوَانًا مِنْ آخَرَ، وَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ أَخَذَ يُدَاوِيهِ، فَبِمَا أَنَّ الرِّضَا بِالْعَيْبِ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَمَا لَمْ يَبْدُ مِنْ الْأُمُورِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَبِمَا أَنَّ الْأَخْذَ فِي مُدَاوَاةِ الْحَيَوَانِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَاءِ بِالْعَيْبِ الَّذِي فِيهِ لَا يَحِقُّ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ الَّذِي فِيهِ. كَذَلِكَ: بِمَا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ (وَهُوَ الَّذِي أَصَابَ لُقَطَةً) يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَاصِبِ إذَا قَصَدَ أَخْذَهَا لِنَفْسِهِ، وَحُكْمُ الْأَمِينِ إذَا قَصَدَ إعَادَتَهَا لِصَاحِبِهَا، وَبِمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا يُكِنُّهُ ضَمِيرُهُ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وِجْدَانُهُ إلَّا بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ الْأَقْوَالِ. فَإِذَا أَشْهَدَ حِينَمَا وَجَدَ اللُّقَطَةَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا الْتَقَطَهَا لِيُعِيدَهَا لِصَاحِبِهَا، وَأَعْلَنَ فِي الصُّحُفِ عَنْهَا مَثَلًا يُسْتَدَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ إعَادَتَهَا وَتَكُونُ بِيَدِهِ وَدِيعَةً، وَإِذَا أَخْفَاهَا وَلَمْ يُخْبِرْ أَحَدًا بِهَا وَلَمْ يُعْلِنْ عَنْهَا فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَاصِبِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعَلَيْهِ إذَا تَلِفَ ذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَالثَّانِي

стр. 53

يَكُونُ ضَامِنًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فِيمَا لَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ، كَذَلِكَ: شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى مِلْكِيَّةِ وَاضِعِ الْيَدِ وَإِنْ كَانَتْ أَحْيَانًا تَكُونُ بِنَاءً عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِيَّةِ كَالشِّرَاءِ مَثَلًا، فَهِيَ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ مُسْتَنِدَةً عَلَى الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ مِنْ تَصَرُّفٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الدَّلَائِلُ تَقُومُ مَقَامَ مَدْلُولِهَا فِي الْأَشْيَاءِ الْبَاطِنَةِ لَمَا حَقَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلْعِيَانِ، بَلْ لَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لِسَدِّ بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَذَلِكَ الْقَصْدُ فِي الْقَتْلِ يَثْبُتُ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ الْقَاتِلِ، كَاسْتِعْمَالِهِ الْآلَاتِ الْجَارِحَةِ وَضَرْبِ الْمَقْتُولِ بِهَا عِدَّةَ ضَرَبَاتٍ مَثَلًا. [ (الْمَادَّةُ ٦٩) الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ] (الْمَادَّةُ ٦٩) : الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ. هَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ نَفْسُ قَاعِدَةِ (الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ) الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَشْبَاهِ. وَالْمَقْصُودُ فِيهَا هُوَ أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ لِاثْنَيْنِ أَنْ يُعْقَدَ بَيْنَهُمَا مُشَافَهَةً عَقْدُ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ أَوْ حَوَالَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ مَا إلَى ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ، يَجُوزُ لَهُمَا عَقْدُ ذَلِكَ مُكَاتَبَةً أَيْضًا. وَالْكُتُبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: (١) الْمُسْتَبِينَةُ الْمَرْسُومَةُ (٢) الْمُسْتَبِينَةُ غَيْرُ الْمَرْسُومَةِ (٣) غَيْرُ الْمُسْتَبِينَةِ. فَالْمُسْتَبِينَةُ الْمَرْسُومَةُ هِيَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مِنْهَا مِمَّا يُقْرَأُ خَطُّهُ، وَيَكُونُ وَفْقًا لِعَادَاتِ النَّاسِ وَرُسُومِهِمْ وَمُعَنْوَنًا. وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمُتَعَارَفِ فِي زَمَنِ صَاحِبِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) أَنْ يُكْتَبُ الْكِتَابُ عَلَى وَرِقٍ وَيُخْتَمُ أَعْلَاهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ لَا يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مَكْتُوبًا عَلَى وَرِقٍ وَمَخْتُومًا لَا يُعَدُّ مَرْسُومًا، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْكِتَابُ يُعَدُّ مَرْسُومًا بِالْخَتْمِ وَالتَّوْقِيعِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٦١٠) وَلَكِنْ إذَا كُتِبَ كِتَابٌ فِي زَمَانِنَا عَلَى غَيْرِ الْوَرِقِ مَثَلًا يُنْظَرُ إذَا كَانَ الْمُعْتَادُ أَنْ تُكْتَبَ الْكُتُبُ عَلَى غَيْرِ الْوَرِقِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْكِتَابُ، كَمَا لَوْ كُتِبَ عَلَى وَرِقٍ وَإِلَّا فَلَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ يُحَرَّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَعَارَفِ مِنْ النَّاسِ حُجَّةٌ عَلَى كَاتِبِهِ كَالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ. وَالْمُسْتَبِينَةُ غَيْرُ الْمَرْسُومَةِ: هِيَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَكْتُوبًا عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنْ يَكُونَ مَكْتُوبًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ وَرِقِ شَجَرٍ أَوْ بَلَاطَةٍ مَثَلًا، فَالْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَغْوٌ وَلَا يُعْتَبَرُ حُجَّةً فِي حَقِّ صَاحِبِهِ إلَّا إنْ نَوَى أَوْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ الْكِتَابَةِ، وَالْإِمْلَاءُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِشْهَادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَاتِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، كَمَا أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِقَصْدِ بَيَانِ الْحَقِيقَةِ تَكُونُ فِي الْغَالِبِ بِقَصْدِ التَّجْرِبَةِ أَوْ عَبَثًا، فَتَحْتَاجُ إلَى مَا يُؤَيِّدُهَا كَالنِّيَّةِ أَوْ الْإِشْهَادِ أَوْ الْإِمْلَاءِ حَتَّى تُعْتَبَرَ حُجَّةً بِحَقِّ كَاتِبِهَا. وَغَيْرُ الْمُسْتَبِينَةِ: هِيَ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْكَلَامِ غَيْرِ الْمَسْمُوعِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَاتِبِهَا

стр. 54

حُكْمٌ وَإِنْ نَوَى مِثَالَ ذَلِكَ، لَوْ كَتَبَ شَخْصٌ عِبَارَةَ (إنَّنِي مَدِينٌ بِكَذَا قِرْشًا لِفُلَانٍ) عَلَى سَطْحِ مَاءِ نَهْرٍ أَوْ فِي الْهَوَاءِ لَا يُعَدُّ مُقِرًّا بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ - كَمَا لَا يَخْفَى - هُوَ تَحْرِيكُ الْيَدِ بِحُرُوفِ الْكَلِمَاتِ، كَمَا تُحَرَّكُ بِالْقَلَمِ عَلَى صَفْحَةِ الْقِرْطَاسِ. وَفِيمَا يَأْتِي أَمْثِلَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ: إذَا كَتَبَ شَخْصٌ تَحْرِيرًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا إلَى شَخْصٍ غَائِبٍ قَائِلًا فِيهِ: إنَّنِي قَدْ بِعْت مِنْك الْمَالَ الْفُلَانِيَّ بِكَذَا قِرْشًا وَقَبِلَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَبِيعَ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ فِي مَجْلِسِ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، أَوْ حَرَّرَ كِتَابًا لِلْبَائِعِ يُنْبِئُهُ بِالْقَوْلِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٧٣) وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٤٣٦) تَنْعَقِدُ بِالْمُكَاتَبَةِ، وَكَذَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِمُجَرَّدِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْكِتَابِ الْمُرْسَلِ مِنْ مُوَكِّلِهِ لِعَزْلِهِ. [ (الْمَادَّةُ ٧٠) الْإِشَارَاتُ الْمَعْهُودَةُ لِلْأَخْرَسِ كَالْبَيَانِ بِاللِّسَانِ] (الْمَادَّةُ ٧٠) : الْإِشَارَاتُ الْمَعْهُودَةُ لِلْأَخْرَسِ كَالْبَيَانِ بِاللِّسَانِ. يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ الْمَعْهُودَةِ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ أَوْ الْحَاجِبِ هِيَ كَالْبَيَانِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرُ إشَارَتُهُ لَمَا صَحَّتْ مُعَامَلَتُهُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَكَانَ عُرْضَةً لِلْمَوْتِ جُوعًا. وَيُفْهَمُ مِنْ إيرَادِ هَذِهِ الْمَادَّةِ مُطْلَقَةً أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ. لِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَالْإِشَارَةَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ تَقْرِيبًا مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُرَادِ وَإِلَيْكَ مَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ مِنْ النِّقَاطِ. فَالْكِتَابَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْإِشَارَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَتَضَمَّنُ مَا يَقْصِدُهُ الْكَاتِبُ عَيْنًا، وَالْإِشَارَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَكُونُ بِالرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ وَهُمَا الْعُضْوَانِ اللَّذَانِ يَسْتَعِينُ بِهِمَا الْمُتَكَلِّمُ لِلْإِعْرَابِ عَنْ ضَمِيرِهِ. فَعَلَيْهِ قَدْ جُعِلَ لِلْأَخْرَسِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْكِتَابَةَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ أَفْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَمَا قُلْنَا (تَكْمِلَةُ الْبَحْرِ) . عَلَى أَنَّهُ قَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ الْمَقْصُودَةُ فِي الْكَلَامِ هِيَ الْإِشَارَةُ الْمُقَارِنَةُ لِتَصْوِيتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ مِنْ عَادَتِهِ عِنْدَ التَّعْبِيرِ عَنْ شَيْءٍ أَنْ يَقْرِنَ الْإِشَارَةَ (بِالتَّصْوِيتِ) . وَقَدْ زَادَ الْحَمَوِيُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْأَخْرَسِ مَقْرُونَةً بِالتَّصْوِيتِ. فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْهُمَامِ وَالْحَمَوِيِّ يُفْهِمُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ اقْتِرَانُ التَّصْوِيتِ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْكَلَامِ، وَلَكِنْ هَلْ يَجِبُ اقْتِرَانُ الْإِشَارَةِ بِالتَّصْوِيتِ فِي الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ أَمْ لَا؟ فَاقْتِرَانُ الْإِشَارَةِ بِالتَّصْوِيتِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِدَلِيلِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْهُمَامِ.

стр. 55

هَذَا وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ يُحَقَّقُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ عَمَّا يَقْصِدُ بِهَا وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْبَرُ مِنْهُمْ عُدُولًا مَوْثُوقِي الشَّهَادَةِ، وَقَدْ قَالَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْإِشَارَةَ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ الْأَخْرَسِ عَلَى نَوْعَيْنِ: الْأَوَّلُ: تَحْرِيكُ الْأَخْرَسِ رَأْسَهُ عَرْضًا، فَهَذِهِ الْإِشَارَةُ إشَارَةُ الْإِنْكَارِ. الثَّانِي: تَحْرِيكُ الْأَخْرَسِ رَأْسَهُ طُولًا، وَهِيَ إشَارَةُ الْإِقْرَارِ. وَهَاتَانِ الْإِشَارَتَانِ إذَا كَانَتَا مَعْرُوفَتَيْنِ لِلْأَخْرَسِ تُعَدُّ الْأُولَى إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ إنْكَارًا وَالثَّانِيَةُ إقْرَارًا، عَلَى أَنَّ الْأَخْرَسَ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَكِتَابَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ كَإِشَارَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ قُيِّدَتْ الْإِشَارَةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِالْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٨٦) لَا تُعْتَبَرُ إشَارَةُ النَّاطِقِ، كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِنَاطِقٍ: هَلْ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ كَذَا دَرَاهِمَ.؟ فَلَا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِالدَّرَاهِمِ إذَا خَفَضَ رَأْسَهُ، كَذَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالَ شَخْصٍ نَاطِقٍ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَبَيْنَمَا هُوَ يُفَكِّرُ وَيَتَأَمَّلُ خَاطَبَهُ شَخْصٌ بِقَوْلِهِ: هَلْ تُجِيزُ الْبَيْعَ.؟ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ طُولًا عَلَامَةَ الْمُوَافَقَةِ لِلْأَخْرَسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إجَازَةً لِلْبَيْعِ. وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي الْأَشْبَاهِ، وَهِيَ كَمَا يَأْتِي: الْإِشَارَةُ مِنْ الْأَخْرَسِ مُقَيَّدَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَهِبَةٍ وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَإِبْرَاءٍ، وَإِقْرَارٍ، وَقِصَاصٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْأَخْرَسِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ أَنْ يَأْتِيَ كُلَّ مَا يَأْتِيهِ النَّاطِقُونَ، يَعْقِدُ أَيَّ عَقْدٍ أَرَادَ، يُجِيزُ، وَيُقِرُّ، وَيَنْكُلُ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ، وَيُوَكِّلُ بِإِدَارَةِ أُمُورِهِ، وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٧٤ وَ ٤٣٦ وَ ١٥٨٦) هَذَا وَإِذَا نُظِمَتْ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ بِحُضُورِهِ، وَخَاطَبَهُ الْحَاضِرُونَ قَائِلِينَ لَهُ هَلْ نَشْهَدُ عَلَيْك، فَأَشَارَ بِتَحْرِيكِ رَأْسِهِ الْحَرَكَةَ الْمُتَعَارَفَةِ بِأَنَّهَا إشَارَةٌ لَهُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، يَكُونُ قَدْ أَوْصَى بِمَا فِي الْوَصِيَّةِ، بَيْدَ أَنَّ الْخَرَسَ عَلَى نَوْعَيْنِ (١) خَرَسٌ أَصْلِيٌّ (٢) وَخَرَسٌ عَارِضٌ. وَبِمَا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ ذِكْرُ الْأَخْرَسِ بِدُونِ تَعْيِينٍ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِلِاثْنَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي الْمَادَّةِ حَقِيقَةً هُوَ الْخَرَسُ الْأَصْلِيُّ وَالْخَرَسُ الْعَارِضُ يُسَمَّى (اعْتِقَالَ اللِّسَانِ) وَهُوَ يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ بِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ سُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا زَالَ فَانْطَلَقَ اللِّسَانُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْإِشَارَةُ إنَّمَا جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ، فَإِشَارَةُ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ لَا تُعْتَبَرُ، وَلَا تُتَّخَذُ حُجَّةً بِحَقِّهِ، وَلَكِنْ إذَا اسْتَدَامَ الِاعْتِقَالُ فِي إنْسَانٍ حَتَّى مَوْتِهِ، فَإِقْرَارُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ يَكُونُ مُعْتَبَرًا، كَمَا لَوْ كَانَ أَخْرَسَ أَصْلِيًّا. عَلَى أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتَهُ إنَّمَا تُعْتَبَرَانِ وَتُتَّخَذَانِ حُجَّةً فِي الْمُعَامَلَاتِ الْحُقُوقِيَّةِ فَقَطْ، فَشَهَادَةُ الْأَخْرَسِ إشَارَةً وَكِتَابَةً لَا تُعْتَبَرُ فِي الْعُقُوبَاتِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ " وُجُوبِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ "

стр. 56

[ (الْمَادَّةُ ٧١) يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَرْجِمِ مُطْلَقًا] (الْمَادَّةُ ٧١) : يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَرْجِمِ مُطْلَقًا. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ، وَالْمُتَرْجِمُ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ لُغَةً بِأُخْرَى، وَالشَّيْخَانِ يَرَيَانِ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَرْجِمِ الْوَاحِدِ، أَمَّا الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُتَرْجِمِينَ لَا يَقِلُّ عَنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ، وَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ الْمُتَرْجِمِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَفِي الْمَادَّةِ (١٢٧) بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ أَخَذَتْ بِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فِي الْمُتَرْجِمِ أَلَّا يَكُونَ أَعْمَى. فَعَلَيْهِ وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَادَّةِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ غَيْرَ عَارِفٍ بِلِسَانِ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ شُهُودِهِمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ ادِّعَاءَ الْمُدَّعِي أَوْ دِفَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ شَهَادَةَ الشُّهُودِ بِوَاسِطَةِ الْمُتَرْجِمِ، وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ صَادِرَةً رَأْسًا مِنْ أَصْحَابِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُتَرْجِمِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَغَيْرَ أَعْمَى، كَمَا قُلْنَا، وَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُتَرْجِمَانِ، فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا. [ (الْمَادَّةُ ٧٢) لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ] (الْمَادَّةُ ٧٢) : لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِعْلٌ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ كَهَذَا لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، فَإِذَا حَدَثَ فِعْلٌ اسْتِنَادًا عَلَى ظَنٍّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يَجِبُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَوْفَى كَفِيلُ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلَ بِهِ أَحَدَ النَّاسِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَصِيلَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْفَى الدَّيْنَ الْمَذْكُورَ يَحِقُّ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ، كَمَا يَحِقُّ لِلْأَصِيلِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ دَفَعَ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَوْفَاهُ عَنْهُ الْكَفِيلُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الدَّائِنَ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُمَا لِلْمَالِ كَانَ عَنْ خَطَأٍ لِظَنِّهِمَا أَنْ يَلْزَمَهُمَا، وَدَفْعُ الْمَالِ خَطَأٌ لَا يُرَتِّبُ حَقًّا لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ الْحَقِّ. كَذَلِكَ، إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي: إذَا حَلَفْت بِأَنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ الَّذِي تَدَّعِيهِ يَلْزَمُ ذِمَّتِي لَك أَدْفَعُهُ لَك، فَحَلَفَ وَظَنَّ الْمَطَالِبُ بِأَنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى أَدَاءِ الْمَبْلَغِ بِمُوجِبِ الشَّرْطِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَدَفَعَ الْمَبْلَغَ لَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٧٦) لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعِي بَلْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ، يَحِقُّ لَهُ اسْتِرْدَادُ مَا دَفَعَهُ، كَذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ أَوْ أَتْلَفَ شَخْصٌ مَالًا لِآخَرَ ظَانًّا بِأَنَّ الْمَالَ مَالُهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ ذَلِكَ الْمَالِ. كَذَلِكَ: لَوْ كَانَ شَخْصٌ يَشْتَرِي مِنْ تَاجِرٍ بَضَائِعَ وَيُقَيِّدُ التَّاجِرُ مَا يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِدَفْتَرِهِ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي دَفْعَ ثَمَنِ مَا أَخَذَهُ فَطَلَبَ مِنْ التَّاجِرِ أَنْ يَجْمَعَ كُلَّ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَغَلِطَ التَّاجِرُ فَبَدَلًا مِنْ أَلْفٍ طَلَبَ أَلْفَيْنِ وَدَفَعَ الْمُشْتَرِي الْأَلْفَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ أَلْفُ قِرْشٍ فَقَطْ فَدَفْعُ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ لِلتَّاجِرِ خَطَأً، لَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا. كَذَلِكَ: لَوْ أَعْطَى شَخْصٌ آخَرَ مَبْلَغًا ظَانًّا بِأَنَّهُ مَدِينٌ لَهُ بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَدِينٍ يَحِقُّ لَهُ اسْتِرْدَادُ مَا دَفَعَهُ. كَذَلِكَ: لَوْ أَعْطَى شَخْصٌ آخَرَ مَبْلَغًا ظَانًّا بِأَنَّ الْمَبْلَغَ مَطْلُوبٌ مِنْ وَالِدِهِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ وَالِدَهُ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لِذَلِكَ الشَّخْصِ، يَحِقُّ لَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَالِ

стр. 57

(مُسْتَثْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَخْصٌ حَيَوَانًا مِنْ آخَرَ فَطَلَبَهُ جَارُهُ بِالشُّفْعَةِ فَظَنَّ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجْرِي فِي الْمَنْقُولِ كَمَا فِي غَيْرِهِ، وَسَلَّمَ الْحَيَوَانَ لِلشَّفِيعِ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا اطَّلَعَ عَلَى خَطَئِهِ اسْتِرْدَادُ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ يَكُونُ قَدْ عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَقْدَ تَعَاطٍ. [ (الْمَادَّةُ ٧٣) لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلِ] هَذِهِ الْقَاعِدَةُ قَدْ وَرَدَتْ فِي الْمَجَامِعِ وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ كُلَّ حُجَّةٍ عَارَضَهَا احْتِمَالٌ مُسْتَنِدٌ إلَى دَلِيلٍ يَجْعَلُهَا غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ، وَلَكِنَّ الِاحْتِمَالَ غَيْرَ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِأَحَدِ وَرَثَتِهِ بِدَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْمَرِيضِ قَصَدَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ حِرْمَانَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلِ كَوْنِهِ فِي الْمَرَضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ جَازَ، وَاحْتِمَالُ إرَادَةِ حِرْمَانِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ حِينَئِذٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ وَنَوْعٌ مِنْ التَّوَهُّمِ لَا يَمْنَعُ حُجَّةَ الْإِقْرَارِ. وَلَكِنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ فِي إمْكَانِ الْمَرِيضِ إيصَالُ الْمَنْفَعَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ لَا يُوجَدُ فِيهِ مَا يُوجَدُ لِلْوَارِثِ مِنْ الِاحْتِمَالِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَمُعْتَبَرٌ. [ (الْمَادَّةُ ٧٤) لَا عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ] هَذِهِ الْقَاعِدَةُ ذُكِرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَمِنْهَا (مَجْمَعُ الْفَتَاوَى) وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ، كَمَا لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا عَلَى وَهْمٍ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ. مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا تُوُفِّيَ الْمُفْلِسُ تُبَاعُ أَمْوَالُهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ جَدِيدٌ، وَالْوَاجِبُ مُحَافَظَةً عَلَى حُقُوقِ ذَلِكَ الدَّائِنِ الْمَجْهُولِ أَلَّا تُقْسَمَ وَلَكِنْ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلتَّوَهُّمِ تُقْسَمُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَمَتَى ظَهَرَ غَرِيمٌ جَدِيدٌ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُمْ حَسْبَ الْأُصُولِ الْمَشْرُوعَةِ. كَذَا إذَا بِيعَتْ دَارٌ وَكَانَ لَهَا جَارَانِ لِكُلٍّ حَقُّ الشُّفْعَةِ، أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَادَّعَى الشَّفِيعُ الْحَاضِرُ الشُّفْعَةَ فِيهَا، يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ إرْجَاءُ الْحُكْمِ بِدَاعِي أَنَّ الْغَائِبَ رُبَّمَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ إذَا كَانَ لِدَارِ شَخْصٍ نَافِذَةٌ عَلَى أُخْرَى لِجَارِهِ تَزِيدُ عَلَى طُولِ الْإِنْسَانِ، فَجَاءَ الْجَارُ طَالِبًا سَدَّ تِلْكَ النَّافِذَةِ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُ النَّافِذَةِ بِسُلَّمٍ وَيُشْرِفَ عَلَى مَقَرِّ النِّسَاءِ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ، كَذَا لَا يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ فِيمَا لَوْ وَضَعَ جَارُهُ فِي غَرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ لَهُ تِبْنًا وَطَلَبَ رَفْعَهُ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ تَعْلَقَ بِهِ النَّارُ فَتَحْتَرِقَ دَارُهُ.

стр. 58

كَذَا: إذَا جَرَحَ شَخْصٌ آخَرَ، ثُمَّ شُفِيَ الْمَجْرُوحُ مِنْ جُرْحِهِ تَمَامًا وَعَاشَ مُدَّةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ بِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ وَالِدُهُمْ مَاتَ بِتَأْثِيرِ الْجُرْحِ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ. [ (الْمَادَّةُ ٧٥) الثَّابِتُ بِالْبُرْهَانِ كَالثَّابِتِ بِالْعِيَانِ] (الْمَادَّةُ ٧٥) الثَّابِتُ بِالْبُرْهَانِ كَالثَّابِتِ بِالْعِيَانِ يَعْنِي إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَثَلًا كَانَ حُكْمُهُ كَالْمُشَاهَدَةِ بِالْعِيَانِ. الْبُرْهَانُ - هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَيُمَيِّزُ الصَّحِيحَ مِنْ الْفَاسِدِ. يَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ (بَرْهَنَ عَلَيْهِ) بِمَعْنَى أَقَامَ شُهُودًا، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي يَقْصِدُهَا الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ هِيَ الشَّهَادَةُ الْعَادِلَةُ. ذَلِكَ غَيْرُ مَا يُرِيدُهُ الْأُصُولِيُّونَ بِهَا. الْعِيَانُ - رُؤْيَةُ الشَّيْءِ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ لَا يَبْقَى مَعَهَا مَجَالٌ لِلِاشْتِبَاهِ. يُقَالُ: فُلَانٌ عَايَنَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَهُ بِعَيْنِهِ. مِثَالٌ: إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ مَا فَكَمَا أَنَّ إقْرَارَهُ - فِيمَا لَوْ أَقَرَّ - يُتَّخَذُ حُجَّةً وَمَدَارًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ تُتَّخَذُ الشَّهَادَةُ مَدَارًا لِلْحُكْمِ أَيْضًا، فِيمَا لَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ الْعَادِلَةِ. [ (الْمَادَّةُ ٧٦) الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ] (الْمَادَّةُ ٧٦) : الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْقَائِلِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَيُؤَيِّدُهَا الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُدَّعِي مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ فَهُوَ ضَعِيفٌ يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ تَدْعَمُهُ، وَكَلَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا كَانَ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِتَقْوِيَةِ مَا سِوَى الْيَمِينِ. الْبَيِّنَةُ - هِيَ الشَّهَادَةُ الْعَادِلَةُ الَّتِي تُؤَيِّدُ صِدْقَ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَبِمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقَيِّدُ بَيَانًا سُمِّيَتْ بَيِّنَةً وَسُمِّيَتْ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَتَغَلَّبُ بِهَا عَلَى خَصْمِهِ. الدَّعْوَى - هِيَ طَلَبُ أَحَدٍ حَقَّهُ مِنْ آخَرَ فِي حُضُورِ الْمُحَاكِمِ، وَيُقَالُ لِلطَّالِبِ الْمُدَّعِي وَلِلْمَطْلُوبِ مِنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مَادَّةُ ١٦١٣) الْمُدَّعَى - هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، وَيُقَالُ لَهُ الْمُدَّعَى بِهِ أَيْضًا (مَادَّةُ ١٦١٤) . الْيَمِينُ - هُوَ تَأْيِيدُ الْحَالِفِ لِخَبَرِهِ بِالْقَسَمِ بِاسْمِ اللَّهِ. هَذَا وَيُعْلَمُ بَعْضُ أَحْكَامِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَقْلًا وَبَعْضُهَا شَرْعًا وَإِلَيْكَ الْبَيَانُ: مِنْ الْمَعْلُومِ عَقْلًا أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَالِادِّعَاءُ الْمُجَرَّدُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا فَمَا لَمْ يُدْعَمُ بِبُنَيَّةٍ، فَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ أَنَّهُ مَتَى مَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ بِالْمُدَّعَى بِهِ اسْتَحَقَّهُ.

стр. 59

فَعَلَيْهِ إذَا ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ لَهُ بِحُضُورِ الْحَاكِمِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، فَالْحَاكِمُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٨١٧) يَطْلُبُ مِنْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ وَلَا تُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَإِذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرُ الْيَمِينَ، وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٨١٨) وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مُطْلَقًا. مِثَالٌ: لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ مَالًا مِنْ آخَرَ فَادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَائِلًا لَهُ: إنَّهُ اشْتَرَى مِنِّي الْمَالَ الْفُلَانِيَّ بِالْوَكَالَةِ، وَأَضَافَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ فَلْيَدْفَعْ لِي الثَّمَنَ، وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ، بَلْ رَسُولًا وَأَنَّهُ لِذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٤٦٣) غَيْرُ مُطَالَبٍ بِدَفْعِ الثَّمَنِ، فَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَضَافَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، وَيُكَلَّفُ الْمُشْتَرِي بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ إضَافَةَ الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ. إنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِمَبْلَغٍ فِي ذِمَّتِهِ وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي: إذَا حَلَفْت بِأَنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ يَلْزَمُ ذِمَّتِي أَدْفَعُهُ لَك فَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ، فَلَا يُلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ. هَذَا وَمِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ وَالْمُهِمَّةِ فِي الدَّعْوَى تَفْرِيقُ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَعْيِينُهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يُشْتَبَهُ الْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَأَنْ يَكُونَ رَجُلٌ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَالٍ مَثَلًا فَيَجِيءُ أَجْنَبِيٌّ وَيَدَّعِي بِأَنَّهُ لَهُ، وَأَنْ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْيَدِ مِنْ حَقٍّ فِي الْمَالِ، وَيَدَّعِي وَاضِعُ الْيَدِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَظَاهِرُ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكَرٌ مَعًا، وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ نَفْسَ مِلْكِيَّةِ ذِي الْيَدِ يَدْخُلُ فِي دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ ضِمْنًا؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ، وَإِثْبَاتُ وَاضِعُ الْيَدِ الْمِلْكِيَّةَ لِنَفْسِهِ يَدْخُلُ فِي دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ نَفْسَ الْمِلْكِيَّةَ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ. وَبِمَا أَنَّ الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَاَلَّذِي يَكُونُ قَوْلُهُ: مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَوَاضِعُ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعِي هُوَ الْأَجْنَبِيُّ. مِثَالٌ آخَرُ: إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ فَادِّعَاؤُهُ هَذَا ادِّعَاءٌ يَشْغَلُ ذِمَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبِمَا أَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا فَاَلَّذِي يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ مُدَّعٍ وَالثَّانِي هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَدْ ارْتَأَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فِي حَالَيْنِ هُمَا: الْحَالُ الْأُولَى - إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَلَبَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلِفَ الْيَمِينِ فَلَمْ يَحْلِفْ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ يُحْكَمُ لَهُ وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ «بِأَنَّ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ أَيْ الْيَمِينَ» وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. الْحَالُ الثَّانِيَةُ: - إذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الشَّاهِدِ الثَّانِي، وَتَحْلِيفُ الْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ هُوَ صِدْقٌ وَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لِلْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ. وَلَكِنَّ لِلْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ وَيُكَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَلِفِ

стр. 60

وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي أَيْضًا. إلَّا أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي قَبْلَ أَنْ يُكَلَّفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ الْيَمِينِ الَّتِي تُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْلِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا وَامْتِنَاعِهِ عَنْهَا، فَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ لِتَقْوِيَةِ جَانِبِهِ بِنُكُولِ الْخَصْمِ، وَتِلْكَ لِتَقْوِيَةِ جَانِبِهِ بِالشَّاهِدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالْأُولَى إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَيُقْضَى بِالثَّانِيَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي يَمِينَ الرَّدِّ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ. [ (الْمَادَّةُ ٧٧) الْبَيِّنَةُ لِإِثْبَاتِ خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْيَمِينُ لِبَقَاءِ الْأَصْلِ] (الْمَادَّةُ ٧٧) : الْبَيِّنَةُ لِإِثْبَاتِ خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْيَمِينُ لِبَقَاءِ الْأَصْلِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ يُؤَيِّدُهُ ظَاهِرُ الْحَالِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِتَأْيِيدٍ آخَرَ، وَاَلَّذِي يَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَيَحْتَاجُ إلَى مُرَجِّحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ. خِلَافُ الظَّاهِرِ وَخِلَافُ الْأَصْلِ - خِلَافُ الظَّاهِرِ وَخِلَافُ الْأَصْلِ كَالْمَوْجُودِ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ، وَاشْتِغَالُ الذِّمَّةِ، وَإِضَافَةُ الْحَوَادِثِ إلَى أَبْعَدِ أَوْقَاتِهَا، وَالْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ الْعَدَمُ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَإِضَافَةِ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٨ وَ ٩ وَ ١١) كَمَا إذَا ادَّعَى شَخْصُ قَائِلًا: إنَّنِي بِعْت الْمَالَ الْفُلَانِيَّ مِنْ فُلَانٍ حِينَمَا كُنْتُ صَبِيًّا، وَبِمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٦٧) غَيْرُ نَافِذٍ فَاطْلُبْ رَدَّهُ، وَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَائِلًا: إنَّهُ بَاعَنِي إيَّاهُ أَثْنَاءَ مَا كَانَ بَالِغًا وَالْبَيْعُ نَافِذٌ، فَلِأَنَّ الصِّغَرَ وَعَدَمَ الْبُلُوغِ أَصْلٌ، فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِمُدَّعِي الصِّغَرِ. وَبِمَا أَنَّ الْبُلُوغَ عَارِضٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ مُدَّعِي الْبُلُوغِ، كَذَلِكَ إذْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ بَيْعَ وَفَاءً، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ بَيْعًا بَاتًّا فَبِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ وَالْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاتًّا، فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاتٌّ وَبِمَا أَنَّ وُقُوعَ الْبَيْعِ وَفَاءً هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَخِلَافُ الظَّاهِرِ، فَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ مُدَّعِي الْوَفَاءِ. كَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي كَوْنِ الْبَيْعِ وَقَعَ بِإِكْرَاهٍ أَوْ بِرِضَاءٍ، فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي الرِّضَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَالْبَيِّنَةُ تُطْلَبُ مِنْ مُدَّعِي الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ. كَذَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ مُطَالِبًا إيَّاهُ بِدَيْنٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَالْبَيِّنَةُ تُطْلَبُ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ رَاجِعْ (الْمَادَّةَ الثَّامِنَةَ) وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلشَّخْصِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) يُصَدَّقُ الْأَمِينُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١١٧٤) بِيَمِينِهِ عَلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَإِلَيْكَ الْإِيضَاحُ: إذَا ادَّعَى الْمُودِعُ طَالِبًا مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ، وَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ رَدَّهَا لَهُ أَوْ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَوْدَعِ، وَالْحَالُ أَنَّ الرَّدَّ وَالْهَلَاكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ وَالْأَصْلُ

стр. 61

حَسْبَ الْمَادَّةِ التَّاسِعَةِ عَدَمُهَا، وَكَانَ مِنْ اللَّازِمِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى رَدِّهِ الْوَدِيعَةَ أَوْ هَلَاكِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. [ (الْمَادَّةُ ٧٨) الْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ] (الْمَادَّةُ ٧٨) الْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَرَدَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، مِنْهَا تَنْوِيرُ الْأَبْصَارِ وَشَرْحُهُ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِمَا عَلَى الصُّورَةِ الْآتِيَةِ (وَالْأَصْلُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ) الْبَيِّنَةُ: هِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُظْهِرُ الشَّيْءَ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمَوْجُودَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ. ، وَقَدْ عُرِّفَتْ فِي الْمَادَّةِ (١٦٧٦) بِأَنَّهَا الْحُجَّةُ الْقَوِيَّةُ. وَمُتَعَدِّيَةٌ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّعَدِّي، وَالتَّعَدِّي بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْغَيْرِ هُنَا هُوَ غَيْرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الْإِقْرَارُ: كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٧٢) هُوَ إخْبَارُ الْإِنْسَانِ عَنْ حَقٍّ عَلَيْهِ لِآخَرَ وَيُقَالُ لِذَلِكَ: مُقِرٌّ، وَلِهَذَا: مُقَرٌّ لَهُ وَلِلْحَقِّ: مُقَرٌّ بِهِ. وَقَاصِرَةٌ: مِنْ الْقَصْرِ يُقَالُ (قَصَرَ الشَّيْءَ عَلَى كَذَا) أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ إلَى غَيْرِهِ وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ تَقْتَصِرُ عَلَى نَفْسِ الْمُقِرِّ وَلَا تَتَجَاوَزُهُ إلَى الْغَيْرِ، أَمَّا الْبَيِّنَةُ فَهِيَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ تَتَجَاوَزُ إلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْبَيِّنَةِ الْقَضَاءُ مِنْ الْحَاكِمِ، وَالْحُكْمُ مِنْهُ، وَالْحَاكِمُ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ، فَلَا تَقْتَصِرُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَتَتَجَاوَزُ إلَى كُلِّ مَنْ لَهُ مِسَاسٌ بِالْقَضِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرَرِ (الْحُكْمُ الْمَقْضِيُّ بِهِ اسْتِنَادًا عَلَى بَيِّنَةٍ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ يَكُونُ شَامِلًا لِعُمُومِ النَّاسِ) فَعَلَيْهِ لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا تَجُوزُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهَا بِلَا خَصْمٍ. أَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَمَّا كَانَتْ حُجَّتُهُ مُسْتَنِدَةٌ عَلَى زَعْمِ الْمُقِرِّ فَهِيَ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةً بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَهُوَ جَائِزٌ بِدُونِ خَصْمٍ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ بِحَقِّ أَحَدٍ غَيْرِ الْمُقِرِّ. لَوْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ وَلَا يَأْخُذُ الْمُقَرَّ بِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى، وَلَا يُلْزَمُ الْوَصِيُّ أَيْضًا بِأَدَائِهِ. كَذَلِكَ: لَوْ تَوَفَّى شَخْصٌ وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِرَجُلٍ بِأَنَّهُ أَخُوهُ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَيُلْزَمُ الْمُقِرُّ بِإِعْطَاءِ ثُلُثِ مَا أَخَذَهُ مِنْ التَّرِكَةِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِلْأَخِ الثَّالِثِ، وَلَا يُلْزَمُ الْأَخُ الْمُنْكِرُ بِشَيْءٍ اسْتِنَادًا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي أَخَذَتْ بِهِ الْمَجَلَّةُ فِي الْمَادَّةِ (١٦٤٢) . هَذَا وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَدَى اجْتِمَاعِ الْحُجَّتَيْنِ مَعًا تُقَدَّمُ حُجَّةُ الْإِقْرَارِ وَيُحْكَمُ بِهَا مَا لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ لِلْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا أَقَامَ شَخْصٌ دَعْوَى اسْتِحْقَاقٍ فِي مَالٍ اشْتَرَاهُ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ، وَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعِي بِالْمَالِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي مِلْكِيَّتَهُ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ، عَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِمَلْكِيَّةِ

стр. 62

الْمُدَّعِي، يَحْكُمُ الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعِي بِالْمَالِ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ أَقْوَى، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي حَاجَةٍ إلَى الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ فَيُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ حِفْظًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي، وَمَنْعًا لِلْإِضْرَارِ بِهِ. حَتَّى يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ وَاسْتِرْدَادِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ. هَذَا وَإِلَيْكَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأَمْثِلَةُ الْآتِيَةِ: مِثَالٌ: إذَا ادَّعَى شَخْصٌ بِحُضُورِ أَحَدِ وَرَثَةِ الْمُتَوَفَّى بِأَنَّ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُتَوَفَّى دَيْنًا، وَأَثْبَتَ مُدَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالدَّيْنِ الْمَذْكُورِ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ سَارِيًا عَلَى عُمُومِ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَحِقُّ لِلْوَرَثَةِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ بِمُوَاجَهَتِهِمْ أَنْ يُطَالِبُوا الْمُدَّعِيَ بِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ بِحُضُورِهِمْ أَيْضًا، أَمَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى بَيِّنَةٍ، بَلْ عَلَى إقْرَارٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَارِثِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْرِي بِحَقِّ أَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ مَا عَدَا الْمُقِرَّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ، كَمَا أَسْلَفْنَا. كَذَلِكَ: إذَا اسْتَحَقَّ شَخْصٌ مَالًا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ لَهُ بِهِ فَلِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُشْتَرِيًا حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَلَا يَحِقُّ لِهَذَا أَنْ يَتَعَلَّلَ عَنْ الدَّفْعِ بِدَاعِي أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ الْمُحَاكَمَةَ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ لَمْ يُثْبِتْ الْمُسْتَحِقُّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْبَيِّنَةِ، بَلْ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي، فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. كَذَلِكَ: لَوْ أَقَرَّ الْمُؤَجِّرُ بِأَنَّ الْمِلْكَ الْمَأْجُورَ هُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ صَحِيحٌ وَمُعْتَبَرٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْرِي بِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يُحْكَمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِذَلِكَ الْمِلْكِ. كَذَلِكَ إذَا كَفَلَ شَخْصٌ آخَرَ قَائِلًا: إنِّي أَكْفُلُ فُلَانًا بِمَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ لِفُلَانٍ، فَإِذَا أَثْبَتَ مِقْدَارَ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ الْكَفِيلُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، أَمَّا إذَا لَمْ يُثْبِتْ الدَّائِنُ الدَّيْنَ بِالشَّهَادَةِ، فَالْقَوْلُ مِنْ الْيَمِينِ لِلْكَفِيلِ وَلَا يَسْرِي عَلَى الْكَفِيلِ إقْرَارُ الْمَكْفُولِ بِدَيْنٍ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الْكَفِيلُ نَفْسُهُ. كَذَا لَا يَسْرِي إقْرَارُ الرَّاهِنِ بِمِلْكِيَّةِ الْمَرْهُونِ لِلْغَيْرِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، هَذَا وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ لَا يَتَبَايَنُ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ؛ لِأَنَّ الضَّعْفَ وَالْقُوَّةَ هُمَا غَيْرُ التَّعَدِّي وَالِاقْتِصَارِ. فَاقْتِصَارُ الْإِقْرَارِ عَلَى الْمُقِرِّ لَا يُنَافِي قُوَّةَ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَضَعْفُ الْبَيِّنَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِقْرَارِ لَا يُنَافِيهِ كَوْنُهَا مُتَعَدِّيَةٌ. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بَعْضُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ هِيَ: إذَا أَقَرَّ الْمُؤَجِّرُ بِدَيْنٍ فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ وَمُعْتَبَرٌ، وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ عَنْ الْعَقَارِ الْمُؤَجَّرِ مِنْ قِبَلِهِ لِآخَرَ، وَيُبَاعُ فِيمَا إذَا كَانَ لَيْسَ لَهُ سِوَى الْعَقَارِ مَا يُؤَدِّي بِهِ الدَّيْنَ الْمُقَرَّ بِهِ. كَذَلِكَ: إذَا أَقَرَّتْ الزَّوْجَةُ بِدَيْنٍ عَلَيْهَا وَالزَّوْجُ كَذَّبَهَا فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَتُحْبَسُ رَغْمَ مَا يَلْحَقُ الزَّوْجَ بِذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ. هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ قَدْ ارْتَآهَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَيْنِ يَرَيَانِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَبْسُ الزَّوْجَةِ بِإِقْرَارِهَا بِدَيْنٍ، وَلَا فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَبَيْعُ الْمَأْجُورِ إذَا أَقَرَّ الْمُؤَجِّرُ لِآخَرَ بِدَيْنٍ.

стр. 63

[ (الْمَادَّةُ ٧٩) الْمَرْء مُؤَاخَذ بِإِقْرَارِهِ] (الْمَادَّةُ ٧٩) : الْمَرْءُ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ إلَّا إذَا كَانَ إقْرَارُهُ مُكَذَّبًا شَرْعًا وَقَدْ أُخِذَتْ هَذِهِ عَنْ الْمَجَامِعِ. فَعَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ شَخْصٌ بِمَالِ لِآخَرَ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَنْ خَطَأٍ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ. مِثَالٌ: إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ وَبَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهِ ادَّعَى بِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى ذَلِكَ الدَّيْنَ يُنْظَرُ إذَا كَانَ الِادِّعَاءُ بِالْأَدَاءِ فِي مَجْلِسِ الْإِقْرَارِ لَا يُقْبَلُ حَيْثُ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ وَتَنَاقُضًا فِي الْقَوْلِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ غَيْرِ مَجْلِسِ الْإِقْرَارِ يُقْبَلُ تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ (١٦٣٢) . كَذَا: إذَا قَبَضَ الْمُؤَجِّرُ الْأُجْرَةَ وَبَعْدَ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ ادَّعَى أَنَّ النُّقُودَ الَّتِي قَبَضَهَا مُزَيَّفَةٌ لَا يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ. هَذَا وَإِنَّ الْمَادَّةَ (١٥٨١) مِنْ الْمَجَلَّةِ الَّتِي تَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ هِيَ فَرْعٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. فَعَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ شَخْصٌ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِآخَرَ بِكَذَا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: رَجَعْت عَنْ إقْرَارِي هَذَا فَلَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ وَيُلْزَمُ بِإِقْرَارِهِ. وَالْمَادَّةُ (١١٢٧) فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا. قُلْنَا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَادَّةِ مَا مَعْنَاهُ: إذَا كَذَبَ الْإِقْرَارُ شَرْعًا فَلَا يُلْزَمُ الْمُقِرُّ بِإِقْرَارِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٦٥٤) أَنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي يَكْذِبُ شَرْعًا بَاطِلٌ وَالْمُقِرُّ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَإِلَيْك الْمِثَالُ: إذَا تَخَاصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ لَهُ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بِأَلْفَيْنِ وَبَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ هَذَا مُدَّعَاهُ وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ أَقَامَ الشَّفِيعُ الدَّعْوَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَمَلَّكَ تِلْكَ الدَّارَ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ لَا بِالْأَلْفِ بِدَاعِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اعْتَرَفَ فِي دَعْوَاهُ مَعَ الْبَائِعِ بِأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِأَلْفٍ فَقَدْ كَذَبَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَأَصْبَحَ بَاطِلًا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ. كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ بِأَنَّ فُلَانًا قَدْ كَفَلَ الْمَدِينُ لَهُ بِأَمْرِهِ وَطَلَبَ إلْزَامَهُ بِأَدَاءِ الْمَبْلَغِ مِنْ جِهَةِ الْكَفَالَةِ وَبِنَاءً عَلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْكَفَالَةَ أَثْبَتَهَا الْمُدَّعِي وَاسْتَوْفَى بَدَلهَا يَحِقُّ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَدِينِ بِالْبَدَلِ الْمَدْفُوعِ مِنْهُ وَلَا عِبْرَةَ لِإِنْكَارِهِ الْكَفَالَةَ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ شَرْعًا. هَذَا وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ. كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٥١٢) أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَاقِلًا بَالِغًا فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَعْتُوهَةِ. وَفِي الْمَادَّةِ (١٥٧٥) يُشْتَرَطُ رِضَاءُ الْمُقِرِّ فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ بِالْجَبْرِ. وَفِي الْمَادَّةِ (١٥٧٧) أَنْ لَا يُكَذِّبَ الْمُقِرُّ ظَاهِرَ الْحَالِ. [ (الْمَادَّةُ ٨٠) لَا حُجَّةَ مَعَ التَّنَاقُضِ لَكِنْ لَا يُخْتَلُ مَعَهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ] (الْمَادَّةُ ٨٠) لَا حُجَّةَ مَعَ التَّنَاقُضِ لَكِنْ لَا يُخْتَلُ مَعَهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ. يُوجَدُ تَصَرُّفٌ فِي تَرْجَمَةِ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِيهَا لَكِنَّ التَّرْجَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِأَصْلِهَا التُّرْكِيِّ

стр. 64

هِيَ (لَا حُجَّةَ مَعَ التَّنَاقُضِ لَكِنْ لَا يَطْرَأُ خَلَلٌ عَلَى حُكْمِ الْمُتَنَاقَضِ عَلَيْهِ) . يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ تَنَاقُضٌ فِي الْحُجَّةِ تَبْطُلُ وَلَكِنْ لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ بُطْلَانُهَا فَلَا يُخْتَلُ الْحُكْمُ. مِثَالُ ذَلِكَ؛ لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا لَا تَبْقَى شَهَادَتُهُمَا حُجَّةً لَكِنْ لَوْ كَانَ الْقَاضِي حَكَمَ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا لَا يُنْقَضُ ذَلِكَ الْحُكْمُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ضَمَانَ الْمَحْكُومِ بِهِ وَقَدْ أُخِذَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ (بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) الْوَارِدِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْهِدَايَةِ (وَإِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِكَلَامٍ مُتَنَاقِضٍ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا شَيْئًا لَا عَلَى الْمُدَّعِي وَلَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يُفْسَخْ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِمْ يُنَاقِضُ أَوَّلَهُ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالتَّنَاقُضِ) . لَقَدْ عُرِّفَتْ الْحُجَّةُ فِي الْأَشْبَاهِ بِأَنَّهَا " بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ إقْرَارٌ، أَوْ نُكُولٌ عَنْ الْيَمِينِ. وَجَاءَ عَنْهَا فِي الْمَادَّةِ (٧٨) بِأَنَّهَا تَشْمَلُ الشَّهَادَةَ وَالْإِقْرَارَ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْحُجَّةَ الْمَقْصُودَةَ هُنَا لَيْسَتْ سِوَى الْبَيِّنَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ الْمَجَامِعِ عِنْدَ تَعْلِيقِ الشَّارِحِ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ (التَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ) مَثَلًا لَوْ أَنْكَرَ شَخْصٌ شَيْئًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَرَّ بِهِ فَيُعْتَبَرُ الْإِقْرَارُ رَغْمًا مِمَّا حَدَثَ مِنْ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَكُونُ مُتَّهَمًا بِإِقْرَارِهِ هَذَا - فَلَيْسَ مِنْ مَأْخَذٍ فِي ذَلِكَ أَوْ خَطَأٍ. الرُّجُوعُ تَعْرِيفُهُ: الرُّجُوعُ لُغَةً نَقِيضُ الذَّهَابِ وَاصْطِلَاحًا نَفْيُ الشَّاهِدِ أَخِيرًا مَا أَثْبَتَهُ أَوَّلًا. هَذَا وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُخْتَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ بِالْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ غَيْرَ جَائِزٍ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا نَقْضُ الْحُكْمِ بِهِ. وَبِمَا أَنَّ الْكَلَامَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ رَجَحَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِاتِّصَالِهِ بِالْقَضَاءِ، وَالْمَرْجُوحُ لَا يُعَارِضُ الرَّاجِحَ فَلَمْ يُخْتَلْ الْحُكْمُ وَلَمْ يُنْقَضْ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الشُّهُودُ مُتَسَبِّبِينَ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ وَالْحَاكِمُ هُوَ الْمُبَاشِرُ بِهِ فَمِنْ الْوَاجِبِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٩٠) لَا يَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ إلَّا عَلَى الْحَاكِمِ. وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْقَاضِيَ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهَادَةَ وَبَعْدَ التَّثْبِيتِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ مُجْبَرٌ عَلَى الْحُكْمِ فَوْرًا فَلَوْ تَأَخَّرَ وَلَمْ يَحْكُمْ يَكُونُ مَسْئُولًا شَرْعًا وَمُسْتَحِقًّا لِلتَّعْزِيرِ وَالْعَزْلِ. وَبِمَا أَنَّ تَضْمِينَ الْحُكَّامِ يَسْتَلْزِمُ امْتِنَاعَ النَّاسِ مِنْ قَبُولِ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ خَوْفًا مِنْ الضَّمَانِ، وَحَيْثُ إنَّهُ مِمَّا تَقَدَّمَ يَتَعَذَّرُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُبَاشِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ وَجَبَ الْحُكْمُ بِضَمَانِ الشُّهُودِ الْمُتَسَبِّبِينَ وَالْمُعْتَدِينَ دُونَ الْحَاكِمِ الْمُبَاشِرِ. لَقَدْ ذَكَرَ عَدَمَ اخْتِلَالِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (١٧٢٩) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ عَدَمَ اخْتِلَالِ الْحُكْمِ بِمَا إذَا قَبَضَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ أَمْ لَا. مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَوْضِعٌ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَالْبَزَّازِيَّةُ وَخِزَانَةُ الْمُفْتِينَ وَالْبَحْرُ تَقُولُ بِالضَّمَانِ

стр. 65

سَوَاءٌ أَقَبَضَ الْمَحْكُومُ بِهِ أَمْ لَمْ يَقْبِضْ. أَمَّا الْكَنْزُ، وَالدُّرَرُ، وَمُلْتَقَى الْأَبْحُرِ، وَالْهِدَايَةُ، وَالْمُحْتَارُ، وَالْإِصْلَاحُ، وَمَوَاهِبُ الرَّحْمَنِ، فَكُلُّهَا يَشْتَرِطُ الْقَبْضَ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنَّ الدُّرَّ الْمُنْتَقَى يَرَى أَنَّهُ إذَا حَصَلَ قَبْضٌ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ فَالْحُكْمُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَحَتَّى لَوْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ فِي عَقَارٍ ثُمَّ رَجَعَتْ فَيَجِبُ ضَمَانُ قِيمَةِ الْعَقَارِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. [ (الْمَادَّةُ ٨١) قَدْ يَثْبُت الْفَرْعُ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الْأَصْلِ] (الْمَادَّةُ ٨١) : قَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الْأَصْلِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ (قَدْ يَثْبُتُ الْأَصْلُ وَإِنْ لَمْ يَتَثَبَّتْ الْفَرْعُ) . مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا دَيْنًا وَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ أَيْ (بِدُونِ أَمْرِ الْمَدِينِ) وَبِنَاءً عَلَى إنْكَارِ الْأَصِيلِ ادَّعَى الدَّائِنُ عَلَى الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ لَزِمَ عَلَى الْكَفِيلِ أَدَاؤُهُ. قُلْنَا بِدُونِ أَمْرِ الْمَدِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمَدِينُ لِرَجُلٍ: اُكْفُلْنِي بِالْمَبْلَغِ الْمَطْلُوبِ مِنِّي لِفُلَانٍ وَكَفَلَهُ يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ هَذَا إقْرَارًا بِالدَّيْنِ وَيُؤَاخَذُ بِهِ الْكَفِيلُ. كَذَلِكَ يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ وَهُوَ الْفَرْعُ فِي الدَّيْنِ دُونَ الْأَصِيلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ فِيمَا لَوْ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَفَاءَهُ الدَّيْنَ قَبْلَ كَفَالَةِ الْكَفِيلِ. وَهَذَا الْمِثَالُ يَصِحُّ أَنْ يُتَّخَذَ مِثَالًا لِقَاعِدَةِ (الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ) أَيْضًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ وَحُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لَا تَتَعَدَّاهُ لِلْأَصِيلِ [ (الْمَادَّةُ ٨٢) الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يَجِبُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ] (الْمَادَّةُ ٨٢) الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يَجِبُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَرَدَتْ فِي الْمَجَامِعِ (الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يَجِبُ ثُبُوتُهُ وَيَكُونُ مَعْدُومًا قَبْلَ ثُبُوتِ شَرْطِهِ) يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ يَكُونُ مَعْدُومًا قَبْلَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الشَّيْءُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. الْمُعَلَّقُ، تَعْرِيفُهُ: الْمُعَلَّقُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ التَّعْلِيقِ وَهُوَ رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى فَإِحْدَاهُمَا تُسَمَّى (الشَّرْطُ) وَالثَّانِيَةُ تُسَمَّى (الْجَزَاءُ) . وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيقِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ أَيْ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا مُمْكِنًا حُصُولُهُ. لِهَذَا فَلَوْ عُلِّقَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ يُعْتَبَرُ تَعْلِيقُهُ تَنْجِيزًا أَيْ أَنَّ الْمُعَلَّقَ يَثْبُتُ فِي الْحَالِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إذَا كَانَ لِي عَلَيْك دَيْنٌ فَقَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْهُ وَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّخْصُ مَدْيُونًا لَهُ فَيُصْبِحُ بِذَلِكَ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ فِي الْحَالِ. كَذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّ فُلَانًا بَاعَ مِنِّي مَالَك الْفُلَانِيَّ بِكَذَا، فَقَالَ: إذَا بَاعَهُ مِنْك بِهَذَا الثَّمَنِ فَإِنِّي أُجِيزُ الْبَيْعَ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ بِيعَ بِذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ تَصِحُّ الْإِجَازَةُ.

стр. 66

وَمَعَ أَنَّ الْوَقْفَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَكُونُ صَحِيحًا فَالْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَوْجُودٍ وَمُحَقَّقٍ يَصِحُّ تَنْجِيزًا، كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ: إذَا كَانَ هَذَا الْمَالُ مَالِي. وَأَشَارَ إلَى عَقَارٍ يَمْلِكُهُ - فَإِنِّي قَدْ وَقَفْتُهُ يَكُونُ الْوَقْفُ صَحِيحًا. إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ عَلَى شَيْءٍ مُسْتَحِيلِ الْوُقُوعِ فَهُوَ بَاطِلٌ. أَدَوَاتُ الشَّرْطِ. (إنْ، كُلَّمَا، مَتَى، إذَا) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ. وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي بَعْضَ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. لَوْ قَالَ شَخْصٌ: إذَا لَمْ يَدْفَعْ لَك فُلَانٌ مَا لَك عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَأَنَا كَفِيلٌ بِأَدَاءِ دَيْنِك فَتَثْبُتُ الْكَفَالَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى شَرْطٍ عِنْدَ ثُبُوتِهِ وَحِينَئِذٍ يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالْمَكْفُولِ بِهِ. وَيُشْتَرَطُ فِي التَّعْلِيقِ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمُورِ وَالْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي يَجُوزُ التَّعْلِيقُ فِيهَا شَرْعًا وَإِلَّا فَلَوْ عُلِّقَتْ بَعْضُ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَجُوزُ التَّعْلِيقُ فِيهَا عَلَى شَرْطٍ فَالتَّعْلِيقُ فَاسِدٌ أَيْ (إنَّ الشَّيْءَ الْمُعَلَّقَ لَا يَثْبُتُ وَلَوْ ثَبَتَ الشَّرْطُ) وَفِي الْعُقُودِ الْآتِيَةِ يَصِحُّ التَّعْلِيقُ وَيَكُونُ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا إذَا كَانَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُلَائِمًا أَيْ (أَنْ يَكُونَ الشَّرْطَ مُؤَيِّدًا لِلْعَقْدِ) وَهُوَ مِنْ مُوجِبَاتِهِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ، وَفَاسِدًا إذَا كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ وَهِيَ: (١) الْوَكَالَةُ (٢) الْإِذْنُ بِالتِّجَارَةِ (٣) عَزْلُ الْقَاضِي (٤) الْقَضَاءُ (٥) الْإِمَارَةُ (٦) الْكَفَالَةُ (٧) الْإِبْرَاءُ فِي الْكَفَالَةِ (٨) تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ (٩) الْوَصِيَّةُ (١٠) الْحَوَالَةُ. مِثَالٌ: لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ (كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلٌ) تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بَعْدَ الْعَزْلِ كُلَّمَا عَزَلَهُ، وَلَوْ قَالَ لِلسَّفِيهِ وَلِيُّهُ: قَدْ أَذِنْتُك بِالتِّجَارَةِ إذَا صَلَحَتْ أَحْوَالُك يَكُونُ السَّفِيهُ مَأْذُونًا بِالتِّجَارَةِ إذَا صَلَحَتْ أَحْوَالُهُ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ لَهُ: إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَذِنْتُك بِالتِّجَارَةِ فَبِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَكُونُ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ السُّلْطَانُ لِشَخْصٍ: إذَا بَلَغْت الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ فَقَدْ نَصَّبْتُك وَالِيًا عَلَيْهِ أَوْ قَاضِيًا لَهُ فَثُبُوتُ الشَّرْطِ يُثْبِتُ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ. كَذَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِدَائِنٍ: إذَا عَادَ مَدْيُونُك فُلَانٌ مِنْ سَفْرَتِهِ فَأَنَا كَفِيلٌ لَك بِمَا لَك عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ. فَمَتَى رَجَعَ الْمَدْيُونُ تَنْعَقِدُ الْكَفَالَةُ. كَمَا لَوْ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ لِكَفِيلٍ: إذَا أَعْطَيْتَنِي الْقَدْرَ الْفُلَانِيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنِّي أُبْرِئُك مِنْ الْكَفَالَةِ وَالْكَفِيلُ دَفَعَ الْمَبْلَغَ الْمَطْلُوبَ فَيَبْرَأُ مِنْهَا. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إذَا أَجَازَ فُلَانٌ وَصِيَّتِي فَقَدْ أَوْصَيْتُ لَك بِالْمَالِ الْفُلَانِيِّ وَأَجَازَهَا لَك الشَّخْصُ تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَادَّةِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ مُلَائِمٍ يَكُونُ

стр. 67

ثَابِتًا وَصَحِيحًا لَدَى ثُبُوتِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ. أَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ مُلَائِمٍ فَلَا يَثْبُتُ وَإِلَيْكَ الْمِثَالُ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ أَوْ إذَا دَخَلَ فُلَانٌ دَارَ فُلَانٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ أَوْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ الْكَفَالَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ مَعَنَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْعَشَرَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَوْ ثَبَتَ. أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّعْلِيقُ فَهِيَ كَمَا يَأْتِي: (١) الْبَيْعُ (٢) الْإِجَارَةُ (٣) الْإِعَارَةُ (٤) الِاسْتِئْجَارُ (٥) الْهِبَةُ (٦) الصَّدَقَةُ (٧) إجَازَةُ الْعَقْدِ (٨) الْإِقْرَارُ (٩) الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ (١٠) الصُّلْحُ عَنْ الْمَالِ (١١) الْمُزَارَعَةُ (١٢) الْمُسَاقَاةُ (١٣) الْوَقْفُ (١٤) التَّحْكِيمُ (١٥) الْإِقَالَةُ (١٦) التَّسْلِيمُ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ (١٧) إبْطَالُ حَقِّ رَدِّ الْمَبِيعِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ (١٨) إبْطَالُ حَقِّ رَدِّ الْمَبِيعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ (١٩) عَزْلُ الْوَكِيلِ (٢٠) حَجْرُ الْمَأْذُونِ. مِثَالٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إذَا حَضَرَ فُلَانٌ مِنْ سَفَرِهِ فَقَدْ بِعْتُك دَارِي بِكَذَا قِرْشًا أَوْ أَجَّرْتُك إيَّاهَا أَوْ أَعَرْتهَا لَك أَوْ وَهَبْتُهَا لَك أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَيْكَ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَلَا يَنْعَقِدُ فَإِذَا بَلَغَ رَجُلًا بِأَنَّ شَخْصًا بَاعَ مَالَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَقَالَ: إذَا رَضِيَ فُلَانٌ بِذَلِكَ فَقَدْ أَجَزْتُ الْبَيْعَ أَوْ الْإِجَارَةَ أَوْ الْهِبَةَ وَكَانَ الْمَذْكُورُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَا يَصِحُّ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إذَا جَاءَ فُلَانٌ، أَوْ إذَا دَايَنْتنِي كَذَا مَبْلَغًا، أَوْ إذَا لَمْ أَدْفَعْ لَك غَدًا خَمْسِينَ قِرْشًا، أَوْ إذَا حَلَفْت لِي بِأَنَّنِي مَدْيُونٌ لَك. فَأَنَا مَدْيُونٌ لَك بِأَلْفَيْ قِرْشٍ فَلَا يَثْبُتُ الْمَبْلَغُ وَلَا يَتَرَتَّبُ بِذِمَّةِ الْمُقِرِّ وَلَوْ ثَبَتَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إذَا دَخَلْت بَيْتِي أَوْ إذَا جَاءَ فُلَانٌ مِنْ الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ أَوْ إذَا دَفَعْت لِي خَمْسَمِائَةِ قِرْشٍ مِنْ الْأَلْفِ الْقِرْشِ الْمَطْلُوبَةِ لِي مِنْك فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِذِمَّتِك لِي فَلَا تَثْبُتُ الْبَرَاءَةُ وَإِنْ ثَبَتَتْ الشُّرُوطُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَيْهَا. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) قُلْنَا: إنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِبْرَاءَ الْمُعَلَّقَيْنِ عَلَى شَرْطٍ غَيْرُ صَحِيحَيْنِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى - لَوْ عَلَّقَ الدَّائِنُ إبْرَاءَ الْمَدِينِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى مَوْتِهِ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَيَكُونُ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الدَّائِنُ عَمْرٌو لِلْمَدِينِ بَكْرٍ إذَا أَنَا مِتّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِي فَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَإِذَا مَاتَ الدَّائِنُ وَكَانَ نَكْثُ مَالِهِ مُسَاعِدًا عَلَى ذَلِكَ (أَيْ إذَا كَانَ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الدَّيْنِ أَوْ يَزِيدُ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْمَدِينُ بَرِيئًا) .

стр. 68

الثَّانِيَةُ - لَوْ عُلِّقَ الْإِقْرَارُ بِزَمَنٍ صَالِحٍ لِحُلُولِ الْأَجَلِ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُحْمَلُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٥٨٤) . مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إنْ ابْتَدَأَ الشَّهْرُ الْفُلَانِيُّ أَوْ يَوْمُ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ أَوْ يَوْمُ قَاسِمٍ فَإِنِّي مَدْيُونٌ لَك بِكَذَا يُحْمَلُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَيَلْزَمُهُ تَأْدِيَةُ الدَّيْنِ عِنْدَ حُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. (فَائِدَةٌ) تَتَعَلَّقُ بِالْعُقُودِ الَّتِي تَجُوزُ إضَافَتُهَا لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَاَلَّتِي لَا تَجُوزُ فَالْعُقُودُ الَّتِي تَجُوزُ إضَافَتُهَا لِلْمُسْتَقْبَلِ هِيَ كَمَا يَأْتِي: (١) الْإِجَارَةُ (٢) فَسْخُ الْإِجَارَةِ (٣) الْمُزَارَعَةُ (٤) الْمُسَاقَاةُ (٥) الْمُضَارَبَةُ (٦) الْوَكَالَةُ (٧) الْكَفَالَةُ (٨) الْإِيصَاءُ (٩) الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ (١٠) الْقَضَاءُ (١١) الْإِمَارَةُ (١٢) الْوَقْفُ (١٣) الْإِعَارَةُ (١٤) إبْطَالُ الْخِيَارِ. مِثَالٌ: لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: قَدْ أَجَّرْتُك دَارِي اعْتِبَارًا مِنْ الْغَدِ بِبَدَلٍ قَدْرُهُ كَذَا، وَقَالَ شَخْصٌ لِشَخْصٍ قَدْ فَسَخْت إجَارَةُ الدَّارِ الَّتِي آجَرْتُك إيَّاهَا بِبَدَلٍ شَهْرِيٍّ اعْتِبَارًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْقَادِمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٤٠٨ وَ ٤٩٤) . كَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَعْطَيْتُكَ مَزْرَعَتِي الْفُلَانِيَّةَ وَبُسْتَانِي الْفُلَانِيَّ مُزَارَعَةً أَوْ مُسَاقَاةً اعْتِبَارًا مِنْ التَّارِيخِ الْفُلَانِيِّ فَيَصِحُّ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ اعْتِبَارًا مِنْ رَأْسِ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ بِبَيْعِ مَالِي هَذَا فَتَكُونُ الْوَكَالَةُ صَحِيحَةً أَيْضًا وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ قَبْلَ حُلُولِ رَأْسِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَنْ يَبِيعَ الْمَالَ الْمَذْكُورَ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ السُّلْطَانُ لِشَخْصٍ: قَدْ نَصَّبْتُك اعْتِبَارًا مِنْ التَّارِيخِ الْفُلَانِيِّ حَاكِمًا أَوْ وَالِيًا عَلَى الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ فَالتَّوْلِيَةُ وَالنَّصْبُ صَحِيحَانِ. وَالْعُقُودُ الَّتِي لَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ هِيَ (١ - الْبَيْعُ، ٢ - إجَازَةُ الْبَيْعِ، ٣ - فَسْخُ الْبَيْعِ، ٤ - الْقِسْمَةُ، ٥ - الشَّرِكَةُ، ٦ - الْهِبَةُ، ٧ - الصُّلْحُ عَلَى الْمَالِ، ٨ - الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ) . مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُك مَالِي هَذَا اعْتِبَارًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْقَادِمِ وَقَبِلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ أَتَى رَأْسُ الشَّهْرِ الْمَضْرُوبِ وَهَلُمَّ جَرَّا [ (الْمَادَّةُ ٨٣) يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ الشَّرْطِ بِقَدْرِ الْإِمْكَان] (الْمَادَّةُ ٨٣) يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ الشَّرْطِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. هَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ. قَدْرُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ عَلَى وَزْنِ (بَدْرٍ) مَعْنَاهَا (الطَّاقَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ) ، وَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مِنْهَا مَا هُوَ جَائِزٌ وَمِنْهَا الْفَاسِدُ وَاللَّغْوُ وَمَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا إنَّمَا هِيَ الْجَائِزَةُ: أَيْ الْمُوَافِقَةُ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ كَمَا سَنَأْتِي عَلَيْهَا بِالتَّفْصِيلِ فِيمَا يَلِي: وَالشَّرْطُ الْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ خُلُوًّا مِنْ أَدَاةِ الشَّرْطِ كَقَوْلِكَ بِعْتُ مَالِي عَلَى

стр. 69

الشَّرْطِ الْفُلَانِيِّ أَوْ بِعْتُ هَذِهِ السَّرَاوِيلَ عَلَى أَنْ أَرْفَعَهَا وَيُسَمَّى (الشَّرْطُ التَّقْيِيدِيُّ) . أَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي تُسْتَعْمَلُ بِهِ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي الْمَادَّةِ الْفَائِتَةِ فَيُسَمَّى (الشَّرْطُ التَّعْلِيقِيُّ) وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ كُلٌّ تَحْتَ الْعِنْوَانِ الَّذِي يُنَاسِبُهُ: الْبَيْعُ - يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَالشَّرْطُ مُعْتَبَرًا كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٨٦) إذَا كَانَ الشَّرْطُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْمَوَادِّ (١٨٧، ١٨٨، ٢٨٧، ٩٨) مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. إجَارَةٌ - يَجِبُ مُرَاعَاةُ كُلِّ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ الْعَاقِدَانِ بِخُصُوصِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ أَوْ تَأْجِيلِهَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (٤٦٨، ٤٧٤) . الْأَمَانَةُ - إذَا كَانَ شَرْطُ الْوَارِدِ فِي عَقْدِ الْوَدِيعَةِ مُمْكِنَ الْإِجْرَاءِ وَمُفِيدًا لِلْمُودِعِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي الْمَادَّةِ (٨٨٤) . الشَّرِكَةُ - إذَا اُشْتُرِطَ فِي الْمُقَاسَمَةِ أَنْ يَكُونَ لِحِصَّةٍ طَرِيقٌ فِي الْحِصَّةِ الْأُخْرَى أَوْ مَسِيلٌ فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ أَحْكَامِ ذَلِكَ الشَّرْطِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١١٦٦) كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُضَارِبِ فِي عَقْدِ شَرِكَةِ الْمُضَارَبَةِ الْمُقَيَّدَةِ مُرَاعَاةُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا رَبُّ الْمَالِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٢٠) . الدَّيْنُ - إذَا اشْتَرَطَ الدَّائِنُ فِي الدَّيْنِ الْمُقَسَّطِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْفَعْ الْمَدِينُ الْأَقْسَاطَ فِي أَوْقَاتِهَا الْمَضْرُوبَةِ يُصْبِحُ الدَّيْنُ مُعَجَّلًا فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَدْفَعْ الْمَدِينُ بِالشَّرْطِ وَلَمْ يَدْفَعْ الْقِسْطَ الْأَوَّلَ مَثَلًا عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ يُصْبِحُ الدَّيْنُ جَمِيعُهُ مُعَجَّلًا. الْوَقْفُ - لَمَّا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ رُئِيَ أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ نَصِّ الشَّارِعِ وَاتِّبَاعُهُ يَجِبُ أَيْضًا مُرَاعَاةُ وَاتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ - فَهُوَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَلَا يَتْبَعُ هَذَا وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا مَرَّ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْمُخَالِفَ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ (أَيْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَاللَّغْوِ الْبَاطِلِ) فَإِلَيْك الْمِثَالُ: الْبَيْعُ - الشَّرْطُ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لَغْوٌ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٨٩) . مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ فَرَسَهُ مِنْ شَخْصٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَبِيعَهُ مِنْ أَحَدٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ فَلَا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ فَلِلْمُشْتَرِي بَيْعُ الْفَرَسِ لِمَنْ أَرَادَ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي لِإِخْلَالِهِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْقِيَامُ بِهِ. رَهْنٌ - إذَا شُرِطَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ عَدَمُ الضَّمَانِ أَيْ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ

стр. 70

الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَلَوْ تَلِفَ الْمَرْهُونُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ. الْأَمَانَةُ - إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ الْمُورَدُ فِي عَقْدِ الْإِيدَاعِ مُمْكِنَ الْإِجْرَاءِ وَمُفِيدًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) فَهُوَ لَغْوٌ. كَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَ الْمُودِعُ أَوْ الْمُعِيرُ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ فِيمَا لَوْ تَلِفَتْ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. فِيمَا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِلْمَادَّةِ (٧٧٧ وَ ٨١٣) لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْتَبَرُ. فَلَوْ تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ الْعَارِيَّةُ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَضْمَنُ. الشَّرِكَةُ - لَمَّا كَانَتْ حَاصِلَاتُ الْمِلْكِ وَالْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٠٧١) تُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَلَوْ حَصَلَ شَرْطٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ حِصَّةً فِي الْحَاصِلَاتِ زِيَادَةً عَنْ حِصَّتِهِ فِي الْمِلْكِ وَالْأَمْوَالِ فَالشَّرْطُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا إذَا اشْتَرَطَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّةً فِي الرِّبْحِ فَالشَّرْطُ لَغْوٌ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٤٠٢) وَيُقْسَمُ الْمَالُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فِي الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى. كَذَلِكَ إذَا عُقِدَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى أَنْ يُعْطَى شَيْءٌ مَقْطُوعٌ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَالشَّرِكَةُ بَاطِلَةٌ. يُفْهَمُ مِمَّا مَرَّ مَعَنَا مِنْ التَّفْصِيلَاتِ أَنَّ بَعْضَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ شَرْعًا لَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ وَتُلْغَى هِيَ فَقَطْ وَبَعْضُهَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي بَعْضَ الْإِيضَاحَاتِ. يُوجَدُ عُقُودٌ تَصِحُّ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَيْ الَّذِي لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَيَكُونُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لَهُ، وَيَكُونُ الشَّرْطُ لَغْوًا وَغَيْرَ مُعْتَبَرٍ وَهِيَ: (١) الْوَكَالَةُ (٢) الْقَرْضُ (٣) الْهِبَةُ (٤) الصَّدَقَةُ (٥) الرَّهْنُ (٦) الْإِيصَاءُ (٧) الْإِقَالَةُ (٨) حَجْرُ الْمَأْذُونِ. مِثَالٌ: إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي وَكَّلْتُكَ فِي الْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ بِشَرْطِ أَنْ تُبَرِّئَنِي مِنْ الدَّيْنِ وَالْوَكِيلُ قَبِلَ بِذَلِكَ فَالْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ لَغْوٌ. كَذَلِكَ إذَا نَصَبَ السُّلْطَانُ قَاضِيًا أَوْ وَالِيًا عَلَى بَلْدَةٍ وَشَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ عَدَمَ عَزْلِهِ فَالنَّصُّ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَمَتَى أَرَادَ السُّلْطَانُ عَزْلَهُ عَزَلَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَالْوَالِيَ وُكَلَاءُ عَنْ السُّلْطَانِ، وَلِلْمُوَكِّلِ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَزْلُ وَكِيلِهِ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي أُقْرِضُكَ الْمَبْلَغَ الْفُلَانِيَّ عَلَى شَرْطِ أَنْ تَشْتَغِلَ عِنْدِي شَهْرًا وَاحِدًا وَالشَّخْصُ الْمَذْكُورُ قَبِلَ الشَّرْطَ فَتَسَلَّمَ الْمَالَ فَالْقَرْضُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. كَذَلِكَ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي نَصَّبْتُك وَصِيًّا بِشَرْطِ أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتك فَالْإِيصَاءُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقُصَارَى الْقَوْلِ أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي لَا تَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ إذَا وَقَعَتْ فِي أَحَدِ الْعُقُودِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا تَكُونُ الْعُقُودُ صَحِيحَةً وَالشُّرُوطُ بِمَا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ تَكُونُ لَغْوًا فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.

стр. 71

وَعُقُودٌ لَا تَصِحُّ مَعَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهِيَ كَمَا يَلِي: (١) الْبَيْعُ (٢) الْقِسْمَةُ (٣) الْإِجَارَةُ (٤) إجَازَاتُ الْعَقْدِ (٥) الصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ إقْرَارٍ بِمَالٍ عَنْ مَالٍ (٦) الْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ (٧) الْمُزَارَعَةُ (٨) الْمُسَاقَاةُ (٩) الْوَقْفُ. مِثَالٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي بِعْتُك حِصَانِي بِشَرْطِ أَنْ أَرْكَبَهُ شَهْرًا يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَهُوَ فَاسِدٌ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي أَجَّرْتُك دَارِي بِكَذَا قِرْشًا عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا مَبْلَغًا أَوْ تُهْدِيَنِي هَدِيَّةً أَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنَّنِي أَبْرَأْتُك مِنْ دَيْنِي بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَغِلَ عِنْدِي مُدَّةَ كَذَا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْعُقُودُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ التِّسْعَةَ إذَا شُرِطَ فِيهَا شَرْطٌ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ يُفْسِدُهَا. [ (الْمَادَّةُ ٨٤) الْمَوَاعِيدُ بِصُوَرِ التَّعَالِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً] (الْمَادَّةُ ٨٤) (الْمَوَاعِيدُ بِصُوَرِ التَّعَالِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً) ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِيهَا حِينَئِذٍ مَعْنَى الِالْتِزَامِ وَالتَّعَهُّدِ. هَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ عَنْ الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ (الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ) حَيْثُ يَقُولُ (وَلَا يَلْزَمُ الْوَعْدُ إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا) وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْبَزَّازِيَّةُ أَيْضًا بِالشَّكْلِ الْآتِي: " لِمَا أَنَّ الْمَوَاعِيدَ بِاكْتِسَاءِ صُوَرِ التَّعْلِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً ". يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ وَعْدٌ عَلَى حُصُولِ شَيْءٍ أَوْ عَلَى عَدَمِ حُصُولِهِ فَثُبُوتُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَيْ الشَّرْطِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٨٢) يُثْبِتُ الْمُعَلَّقَ أَوْ الْمَوْعُودَ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: بِعْ هَذَا الشَّيْءَ مِنْ فُلَانٍ وَإِذَا لَمْ يُعْطِك ثَمَنَهُ فَأَنَا أُعْطِيك إيَّاهُ فَلَمْ يُعْطِهِ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لَزِمَ عَلَى الرَّجُلِ أَدَاءُ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى وَعْدِهِ. أَمَّا لَوْ تُوُفِّيَ الْمَدِينُ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَهُ الدَّائِنُ بِالدَّيْنِ بَطَلَ الضَّمَانُ أَيْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ يَكُونُ مَعْدُومًا وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٨٢) (وَهَذِهِ الْمَادَّةُ بِمَثَابَةِ فَرْعٍ مِنْهَا) وَمَا لَمْ يُطَالَبْ الْمَدِينُ بِالدَّيْنِ وَيَمْتَنِعُ أَوْ يُمَاطِلُ فَلَا يَتَحَقَّقُ امْتِنَاعُ الْمَدِينِ عَنْ الْأَدَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ هُنَا شَرْطُ الِامْتِنَاعِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانَ الْمُعَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ. أَمَّا إذَا كَانَ الْوَعْدُ وَعْدًا مُجَرَّدًا أَيْ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ التَّعْلِيقِ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالًا مِنْ آخَرَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَبَعْدَ أَنْ تَمَّ الْبَيْعُ وَعَدَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِإِقَالَتِهِ مِنْ الْبَيْعِ إذَا رَدَّ لَهُ الثَّمَنَ فَلَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ اسْتِرْدَادَ الْمَبِيعِ وَطَلَبَ إلَى الْمُشْتَرِي أَخْذَ الثَّمَنِ وَإِقَالَتَهُ مِنْ الْبَيْعِ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُجْبَرًا عَلَى إقَالَةِ الْبَيْعِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ مُجَرَّدٌ.

стр. 72

كَذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ ادْفَعْ دَيْنِي مِنْ مَالِك وَالرَّجُلُ وَعَدَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ امْتَنَعَ عَنْ الْأَدَاءِ فَلَا يَلْزَمُ بِوَعْدِهِ هَذَا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) قُلْنَا إنَّ الْوَعْدَ الْمُجَرَّدَ لَا يُلْزِمُ الْوَاعِدَ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَالًا بِثَمَنٍ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِكَثِيرٍ أَيْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعًا مُطْلَقًا وَالْمُشْتَرِي أَشْهَدَ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا رَدَّ لَهُ الثَّمَنَ يَفْسَخُ لَهُ الْبَيْعَ فَيَجِبُ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ أَوْ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَيْعَ وَفَاءٍ. وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا يُظَنُّ أَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ عَلَى غَبْنٍ فَاحِشٍ وَالْمُشْتَرِي وَعَدَ بِإِعَادَةِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ عِنْدَ رَدِّهِ الثَّمَنَ فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بَيْعُ وَفَاءٍ وَبِمَا أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ فَيُمْكِنُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَسْخُهُ. [ (الْمَادَّةُ ٨٥) الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ] (الْمَادَّةُ ٨٥) : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ هَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ نَفْسُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهِيَ الْمَادَّةُ ٨٧ (الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ) : وَالْمَادَّةُ ٨٨ كُلُّهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظُ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا. الْخَرَاجُ: هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْإِنْسَانِ أَيْ مَا يُنْتَجُ مِنْهُ مِنْ النِّتَاجِ وَمَا يُغَلُّ مِنْ الْغَلَّاتِ كَلَبَنِ الْحَيَوَانِ وَنَتَائِجِهِ، وَبَدَلِ إجَارَةِ الْعَقَارِ، وَغِلَالِ الْأَرْضِينَ وَمَا إلَيْهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ. وَيُقْصَدُ بِالضَّمَانِ الْمُؤْنَةُ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ وَمَصَارِيفِ الْعِمَارَةِ لِلْعَقَارِ وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ مَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا لَوْ تَلِفَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ مَثَلًا لَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي حَيَوَانًا بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَكَانَ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ مُدَّةً لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الرَّدِّ لَكَانَ مِنْ مَالِهِ. يَعْنِي أَنَّ مَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا إذَا تَلِفَ يَكُونُ نَفْعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ حَالَ التَّلَفِ وَمِنْهُ أُخِذَ قَوْلُهُمْ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ. وَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْأُجْرَةِ لِلْبَائِعِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ. وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سُؤَالَيْنِ وَأَجَابَ عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ مَا يَأْتِي: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّيْءِ مُقَابِلَ ضَمَانِهِ لَكَانَ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٣٩٣) فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٢٣٦) أَنَّ الثَّمَرَةَ أَوْ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ تَعُودُ لِلْمُشْتَرِي فَمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ يَا تُرَى؟

стр. 73

جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ: فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُقَابِلُ الْمِلْكِيَّةَ. وَبَعْدَ الْقَبْضِ يَكُونُ مُقَابِلَ الْمِلْكِ وَالضَّمَانِ مَعًا. السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٨٩١) هُوَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ تَكُونَ زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مِلْكًا لَهُ مَا دَامَ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّيْءِ مُقَابِلَ ضَمَانِهِ وَالْمَادَّةُ (٩٠٣) تَقُولُ زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ؟ . جَوَابُهُ - أَنَّ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ ضَمَانٌ خَاصٌّ أَيْ يُقْصَدُ بِهِ ضَمَانُ الْمِلْكِ. وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ نَفْعَ الشَّيْءِ يَعُودُ لِلشَّخْصِ الَّذِي إذَا تَلِفَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يَتْلَفُ عَلَيْهِ أَمَّا الْغَاصِبُ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي ضَمَانِهِ فَلَيْسَ مَالِكًا لَهُ. [ (الْمَادَّةُ ٨٦) الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ] (الْمَادَّةُ ٨٦) : الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ. وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الضَّمَانُ يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً وَهَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ لَا يَضْمَنُ سِوَى الْأُجْرَةَ. وَإِذَا غَصَبَ دَابَّةً فَهَلَكَتْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ. وَالضَّمَانُ كَمَا عُرِفَ فِي الْمَادَّةِ (٤١٦) هُوَ إعْطَاءُ مِثْلِ الشَّيْءِ إذَا كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتِهِ إذَا كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ. مِثَالٌ: إذَا اُسْتُكْرِيَ حَيَوَانٌ لِلرُّكُوبِ لَا يَجُوزُ تَحْمِيلُهُ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٥٥٠) فَإِذَا حَمَلَ وَتَلِفَ يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ بِتَأْدِيَةِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى. كَذَلِكَ إذَا غَصَبَ شَخْصٌ حَيَوَانًا وَاسْتَعْمَلَهُ فَبِمَا أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا فَإِذَا رَدَّهُ لِصَاحِبِهِ لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَالَ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفًا أَوْ مَالًا مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ. كَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْحَيَوَانَ الْمَأْجُورَ مُدَّةً تَزِيدُ عَنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَبِمَا أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي ضَمَانِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ عَنْ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ اجْتِمَاعِ الْأُجْرَةِ وَالضَّمَانِ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَالْمَحِلِّ فِيهِمَا وَإِلَّا فَالِاثْنَانِ قَدْ يَلْزَمَانِ فِي وَقْتٍ مَعًا وَمِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَجَّرَ شَخْصٌ حَيَوَانًا مِنْ آخَرَ لِيَرْكَبَهُ وَحْدَهُ إلَى مَحِلٍّ مُعَيَّنٍ فَرَكِبَ الرَّجُلُ وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ شَخْصًا آخَرَ وَلَوْ صَغِيرًا (بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ بِنَفْسِهِ) فَتَلِفَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْمَحِلِّ الْمَقْصُودِ، يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ قَادِرًا عَلَى حَمْلِ الِاثْنَيْنِ يَلْزَمُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى مَعَ ضَمَانِ نِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ. فَيَلْزَمُ الْأَجْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمُرَادَةَ مِنْ اسْتِئْجَارِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ بِوُصُولِهِ لِلْمَكَانِ الْمَقْصُودِ وَيَلْزَمُ ضَمَانَ نِصْفِ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ تَعَدَّى بِإِرْدَافِهِ شَخْصًا خَلْفَهُ

стр. 74

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبُ لُزُومِ الْأَجْرِ وَسَبَبُ الضَّمَانِ مُخْتَلِفَيْنِ يَلْزَمَانِ فِي وَقْتٍ مَعًا وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ اجْتَمَعَ وَالْأَجْرَ فَلِكُلٍّ سَبَبٌ غَيْرُ سَبَبِ الْآخَرِ. [ (الْمَادَّةُ ٨٧) الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ] (الْمَادَّةُ ٨٧) : الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ هَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِع وَهِيَ عَكْسُ الْمَادَّةِ (٨٥) أَيْ أَنَّ مَنْ يَنَالَ نَفْعَ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَتَحَمَّلَ ضَرَرَهُ مَثَلًا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْمَالِ يَلْزَمُهُ مِنْ الْخَسَارَةِ بِنِسْبَةِ مَا لَهُ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ كَمَا يَأْخُذُ مِنْ الرِّبْحِ. وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي بَعْضُ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَحْتَ عِنْوَانٍ مِنْ نَوْعِهَا. الْبَيْعُ - أُجْرَةُ كِتَابَةِ سَنَدِ الْمُبَايَعَةِ وَحُجَّةِ الْبَيْعِ تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّنَدِ تَعُودُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢٩٢) . الشَّرِكَةُ - إذَا احْتَاجَ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ لِلتَّعْمِيرِ وَالتَّرْمِيمِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ النَّفَقَاتِ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ فِي الْمِلْكِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٣٠٨) . كَذَلِكَ النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا احْتَاجَ إلَى تَصْلِيحٍ فَيَشْتَرِكُ فِي التَّعْمِيرِ كُلُّ مَنْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِالْخَرَابِ وَكُلَّمَا انْتَهَى التَّصْلِيحُ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ وَتَجَاوَزَهَا خَلَصَ صَاحِبُ تِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي نَفَقَاتِ التَّصْلِيحِ حَيْثُ تَكُونُ مَضَرَّتُهُ قَدْ انْتَهَتْ وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى آخِرِ النَّهْرِ. [ (الْمَادَّةُ ٨٨) النِّعْمَة بِقَدْرِ النِّقْمَةِ وَالنِّقْمَةُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ] (الْمَادَّةُ ٨٨) : (النِّعْمَةُ بِقَدْرِ النِّقْمَةِ وَالنِّقْمَةُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ) إنَّ الْفِقْرَةَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مُرَادِفَةٌ لِلْمَادَّةِ السَّابِقَةِ، وَالثَّانِيَةَ مَأْخُوذَةٌ عَنْ كَلِمَةِ (لِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ) الْوَارِدَةِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَادَّةِ (٨٥) إلَّا الْأَلْفَاظَ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَمَّا كَانَتْ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ (وَهُوَ الْوَلَدُ الْمَتْرُوكُ فِي الشَّوَارِعِ مَجْهُولَ الْأَبِ وَالْأَوْلِيَاءِ) تَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ وَيُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ شَخْصًا دِيَةَ الْقَتِيلِ. فَتَرِكَتُهُ تَعُودُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَوْ مَاتَ فَبَيْتُ الْمَالِ الَّذِي يَغْرَمُ نَفَقَاتِ اللَّقِيطِ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الدَّيْنَ يَغْنَمُ تَرِكَتَهُ. [ (الْمَادَّةُ ٨٩) يُضَافُ الْفِعْلُ إلَى الْفَاعِلِ لَا الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا] (الْمَادَّةُ ٨٩) : يُضَافُ الْفِعْلُ إلَى الْفَاعِلِ لَا الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا. هَذِهِ الْمَادَّةُ فَرْعٌ لِلْمَادَّةِ (٩٥) ، وَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ كَلِمَةِ " الْآمِرِ لَا يَضْمَنُ بِالْأَمْرِ " الْوَارِدَةَ فِي الْمَجَامِعِ وَوَكَالَةِ الْأَشْبَاهِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ إنْسَانٌ لِآخَرَ: أَتْلِفْ مَالَ فُلَانٍ فَفَعَلَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ إذَا فَعَلَ حَيْثُ لَا يُعَدُّ الْآمِرُ مُجْبِرًا شَرْعًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ وَلِأَنَّ الْآمِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَأَمْرُهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢٩٥) . كَذَلِكَ لَوْ أَمَرَ شَخْصٌ رَجُلًا بِذَبْحِ شَاةٍ قَدْ بَاعَهَا مِنْ آخَرَ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا فَذَبَحَهَا الرَّجُلُ وَهُوَ

стр. 75

يَعْلَمُ أَنَّهَا مَبِيعَةٌ فَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ تَضْمِينِهَا لِلذَّابِحِ وَلَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْآمِرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا. (مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى وَاحِدٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ صَبِيًّا بِإِتْلَافِ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ فَالضَّمَانُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٩٦٠) إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْآمِرِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ. [ (الْمَادَّةُ ٩٠) إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمُبَاشِرِ] (الْمَادَّةُ ٩٠) : إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمُبَاشِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ. وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ أَيْ عَامِلُ الشَّيْءِ وَفَاعِلُهُ بِالذَّاتِ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ وَهُوَ الْفَاعِلُ لِلسَّبَبِ الْمُفْضِي لِوُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَا يُؤَدِّي إلَى النَّتِيجَةِ السَّيِّئَةِ إذَا هُوَ لَمْ يُتْبَعْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ آخَرَ، يُضَافُ الْحُكْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ وَبِعِبَارَةٍ أَخْصَرُ يُقَدَّمُ الْمُبَاشِرُ فِي الضَّمَانِ عَنْ الْمُتَسَبِّبِ. تَعْرِيفُ الْمُبَاشِرِ - هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ التَّلَفُ مِنْ فِعْلِهِ دُونَ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّلَفِ فِعْلُ فَاعِلٍ آخَرَ. مِثَالٌ: لَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَأَلْقَى أَحَدٌ حَيَوَانَ شَخْصٍ فِي ذَلِكَ الْبِئْرِ ضَمِنَ الَّذِي أَلْقَى الْحَيَوَانَ وَلَا شَيْءَ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ بِحَدِّ ذَاتِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ تَلَفَ الْحَيَوَانِ وَلَوْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِعْلُ الْمُبَاشِرِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْحَيَوَانِ فِي الْبِئْرِ لَمَا تَلِفَ الْحَيَوَانُ بِحَفْرِ الْبِئْرِ فَقَطْ. وَرُبَّ قَائِلٍ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِعْلُ الْحَفْرِ لَمَا تَأَتَّى فِعْلُ الْإِلْقَاءِ. فَبِمَا أَنَّ فِعْلَ الْإِلْقَاءِ هُوَ الْوَصْفُ الْأَخِيرُ فَقَدْ أُضِيفَ التَّلَفُ إلَيْهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ (كُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْوَصْفِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُمَا أَخِيرًا) . أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ سَقَطَ بِنَفْسِهِ فِي الْبِئْرِ فَإِذَا كَانَ حَافِرُ الْبِئْرِ قَدْ حَفَرَهُ بِدُونِ أَمْرٍ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَالضَّمَانُ كَمَا سَيَرِدُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ. كَذَلِكَ لَوْ دَلَّ شَخْصٌ لِصًّا عَلَى مَالٍ لِآخَرَ لِيَسْرِقَهُ فَسَرَقَهُ اللِّصُّ فَلَيْسَ عَلَى الدَّالِّ ضَمَانٌ وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَى اللِّصِّ. كَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ أَحَدٌ بَابَ دَارِ آخَرَ وَفَكَّ فَرَسَهُ مِنْ قُيُودِهِ فَجَاءَ لِصٌّ وَسَرَقَ الْفَرَسَ فَالضَّمَانُ عَلَى السَّارِقِ. كَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ شَخْصٌ بِآخَرَ وَجَاءَ ثَالِثٌ فَاغْتَصَبَ مَا مَعَ الرَّجُلِ مِنْ النُّقُودِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ الْمُبَاشِرِ لِاسْتِلَابِ الْمَالِ دُونَ الْآخَرِ الْمُتَسَبِّبِ بِذَلِكَ. أَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَا يَقْضِي مُبَاشَرَةً إلَى التَّلَفِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ. مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ
следующие страницы →